Verse. 259 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

تِلْكَ اٰيٰتُ اللہِ نَتْلُوْھَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ۝۰ۭ وَاِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِيْنَ۝۲۵۲
Tilka ayatu Allahi natlooha AAalayka bialhaqqi wainnaka lamina almursaleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«تلك» هذه الآيات «آيات الله نتلوها» نقصها «عليك» يا محمد «بالحق» بالصدق «وإنك لمن المرسلين» التأكيد بأن وغيرها ردٌ لقول الكفار له لست مرسلا.

252

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {تِلْكَ } إشارة إلى القصص التي ذكرها من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم وتمليك طالوت، وإظهار الآية التي هي نزول التابوت من السماء، وغلب الجبابرة على يد داود وهو صبـي فقير، ولا شك أن هذه الأحوال آيات باهرة دالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته ورحمته. فإن قيل: لم قال: {تِلْكَ } ولم يقل: (هذه) مع أن تلك يشار بها إلى غائب لا إلى حاضر؟. قلنا: قد بينا في تفسير قوله: {أية : ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ } تفسير : [البقرة: 2] أن تلك وذلك يرجع إلى معنى هذه وهذا، وأيضاً فهذه القصص لما ذكرت صارت بعد ذكرها كالشيء الذي انقضى ومضى، فكانت في حكم الغائب فلهذا التأويل قال: {تِلْكَ }. أما قوله تعالى: {نَتْلُوهَا } يعني يتلوها جبريل عليه السلام عليك لكنه تعالى جعل تلاوة جبريل عليه السلام تلاوة لنفسه، وهذا تشريف عظيم لجبريل عليه السلام، وهو كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } تفسير : [الفتح: 10]. أما قوله: {بِٱلْحَقِّ } ففيه وجوه أحدها: أن المراد من ذكر هذه القصص أن يعتبر بها محمد صلى الله عليه وسلم، وتعتبر بها أمته في احتمال الشدائد في الجهاد، كما احتملها المؤمنون في الأمم المتقدمة وثانيها: {بِٱلْحَقِّ } أي باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب، لأنه في كتبهم، كذلك من غير تفاوت أصلاً وثالثها: إنا أنزلنا هذه الآيات على وجه تكون دالة في نبوتك بسبب ما فيها من الفصاحة والبلاغة ورابعها: {تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقّ } أي يجب أن يعلم أن نزول هذه الآيات عليك من قبل الله تعالى، وليس بسبب إلقاء الشياطين، ولا بسبب تحريف الكهنة والسحرة. ثم قال: {وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } وإنما ذكر هذا عقيب ما تقدم لوجوه أحدها: أنك أخبرت عن هذه الأقاصيص من غير تعلم ولا دراسة، وذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام إنما ذكرها وعرفها بسبب الوحي من الله تعالى وثانيها: أنك قد عرفت بهذه الآيات ما جرى على الأنبياء عليهم السلام في بني إسرائيل من الخوف عليهم والرد لقولهم، فلا يعظمن عليك كفر من كفر بك، وخلاف من خالف عليك، لأنك مثلهم، وإنما بعث الكل لتأدية الرسالة ولامتثال الأمر على سبيل الاختيار والتطوع، لا على سبيل الإكراه، فلا عتب عليك في خلافهم وكفرهم والوبال في ذلك يرجع عليهم فيكون تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم فيما يظهر من الكفار والمنافقين، ويكون قوله: {وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } كالتنبيه على ذلك.

القرطبي

تفسير : {تِلْكَ} ابتداء {آيَاتُ ٱللَّهِ} خبره، وإن شئت كان بدلاً والخبر {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ}. {وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}، خبر إن أي وإنك لمرسل. نبّه الله تعالىٰ نبيه صلى الله عليه وسلم أن هذه الآيات التي تقدّم ذكرها لا يعلمها إلاَّ نبيّ مرسل.

البيضاوي

تفسير : {تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ } إشارة إلى ما قص من حديث الألوف وتمليك طالوت وإتيان التابوت وانهزام الجبابرة وقتل داودُ جالوت {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ} بالوجه المطابق الذي لا يشك فيه أهل الكتاب وأرباب التواريخ. {وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } لما اختبرت بها من غير تعرف واستماع.

المحلي و السيوطي

تفسير : {تِلْكَ } هذه الآيات {ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا } نقصها {عَلَيْكَ } يا محمد {بِٱلْحَقِّ } بالصدق {وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } التأكيد بـ (إنّ) وغيرها ردّا لقول الكفار له (لست مرسلاً).

النسفي

تفسير : {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ } إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في هذه السورة من آدم إلى داود أو التي ثبت علمها عند رسول الله عليه السلام {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } بالخصائص وراء الرسالة لاستوائهم فيها كالمؤمنين يستوون في صفة الإيمان ويتفاوتون في الطاعات بعد الإيمان. ثم بين ذلك بقوله {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ } أي كلمه الله حذف العائد من الصلة يعني منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير وهو موسى عليه السلام {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ } مفعول أول {دَرَجَـٰتٌ } مفعول ثانٍ أي بدرجـات أو إلى درجات يعني ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم بدرجات كثيرة وهو محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه هو المفضل عليهم بإرساله إلى الكافة، وبأنه أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف أو أكثر، وأكبرها القرآن لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر. وفي هذا الإبهام تفخيم وبيان أنه العلم الذي لا يشتبه على أحد، والمتميز الذي لا يلتبس. وقيل: أريد به محمد وإبراهيم وغيرهما من أولي العزم من الرسل {وَءَاتَيْنَا عِسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتُ} كإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص وغير ذلك {وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } قويناه بجبريل أو بالإنجيل {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ } أي ما اختلف لأنه سببه {ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم } من بعد الرسل {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ } المعجزات الظاهرات {وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ } بمشيئتي. ثم بين الاختلاف فقال {فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ } بمشيئتي. يقول الله أجريت أمور رسلي على هذا، أي لم يجتمع لأحد منهم طاعة جميع أمته في حياته ولا بعد وفاته بل اختلفوا عليه فمنهم من آمن ومنهم من كفر {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ } كرره للتأكيد أي لو شئت أن لا يقتتلوا لم يقتتلوا إذ لا يجري في ملكي إلا ما يوافق مشيئتي، وهذا يبطل قول المعتزلة لأنه أخبر أنه لو شاء أن لا يقتتلوا لم يقتتلوا وهم يقولون شاء أن لا يقتتلوا فاقتتلوا {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } أثبت الإرادة لنفسه كما هو مذهب أهل السنة. { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم } في الجهاد في سبيل الله، أو هو عام في كل صدقة واجبة {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ } أي من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق لأنه لا بيع فيه حتى تبتاعوا ما تنفقونه {وَلاَ خُلَّةٌ } حتى يسامحكم أخلاؤكم به {وَلاَ شَفَـٰعَةٌ } أي للكافرين، فأما المؤمنون فلهم شفاعة أو إلا بإذنه {وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } أنفسهم بتركهم التقديم ليوم حاجاتهم، أو الكافرون بهذا اليوم هم الظالمون. «لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة»: مكي وبصري {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } «لا» مع اسمه وخبره وما أبدل من موضعه في موضع الرفع خبر المبتدأ وهو «الله» {ٱلْحَىُّ} الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء {ٱلْقَيُّومُ } الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ } نعاس وهو ما يتقدم النوم من الفتور {وَلاَ نَوْمٌ } عن المفضل: السنة ثقل في الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب وهو تأكيد للقيوم، لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيوماً، وقد أوحى إلى موسى عليه السلام: قل لهؤلاء إني أمسك السموات والأرض بقدرتي فلو أخذني نوم أو نعاس لزالتا. {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ملكاً وملكاً {مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } ليس لأحد أن يشفع عنده إلا بإذنه وهو بيان لملكوته وكبريائه، وأن أحداً لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام، وفيه رد لزعم الكفار أن الأصنام تشفع لهم {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } ما كان قبلهم وما يكون بعدهم والضمير لما في السماوات والأرض لأن فيهم العقلاء {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مّنْ عِلْمِهِ } من معلومه يقال في الدعاء «اللهم اغفر علمك فينا» أي معلومك {إِلاَّ بِمَا شَاءَ } إلا بما علم {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي علمه ومنه الكراسة لتضمنها العلم والكراسي العلماء، وسمي العلم كرسياً تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم وهو كقوله تعالى: {أية : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً } تفسير : [غافر: 7] أو ملكه تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك أو عرشه كذا عن الحسن، أو هو سرير دون العرش في الحديث «حديث : ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بفلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة» تفسير : أو قدرته بدليل قوله {وَلاَ يَئُودُهُ } ولا يثقله ولا يشق عليه {حِفْظُهُمَا } حفظ السموات والأرض {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ } في ملكه وسلطانه {ٱلْعَظِيمُ} في عزه وجلاله أو العلي المتعالي عن الصفات التي لا تليق به العظيم، المتصف بالصفات التي تليق به، فهما جامعان لكمال التوحيد. وإنما ترتبت الجمل في آية الكرسي بلا حرف عطف لأنها وردت على سبيل البيان؛ فالأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمناً عليه غير ساهٍ عنه، والثانية لكونه مالكاً لما يدبره، والثالثة لكبرياء شأنه، والرابعة لإحاطته بأحوال الخلق، والخامسة لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها أو لجلاله وعظم قدره. وإنما فضلت هذه الآية حتى ورد في فضلها ما ورد، منه ما روي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم«حديث : من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجـعه أمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله» تفسير : وقال عليه السلام«حديث : سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيد الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال، وسيد الجبال الطور، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي» تفسير : وقال «حديث : ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوماً، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة»تفسير : وقال«حديث : من قرأ آية الكرسي عند منامه بعث إليه ملك يحرسه حتى يصبح» تفسير : وقال«حديث : من قرأ هاتين الآيتين حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح، وإن قرأهما حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي: آية الكرسي وأول «حم المؤمن» إلى {إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } »تفسير : لاشتمالهما على توحيد الله تعالى وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى، ولا مذكور أعظم من رب العزة فما كان ذاكراً له كان أفضل من سائر الأذكار وبه يعلم أن أشرف العلوم علم التوحيد. {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } أي لا إجبار على الدين الحق وهو دين الإسلام. وقيل: هو إخبار في معنى، النهي، ورُوي أنه كان لأنصاري ابنان فتنصرا فلزمهما أبوهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما، فأبيا فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الأنصاري: يا رسول الله أيدخل بعضي في النار وأنا أنظر؟ فنزلت فخلاهما. قال ابن مسعود وجماعة: كان هذا في الابتداء ثم نسخ بالأمر بالقتال {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ} قد تميز الإيمان من الكفر بالدلائل الواضحة {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ } بالشيطان أو الأصنام {وَيُؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ } تمسك {بِٱلْعُرْوَةِ } أي المعتصم والمتعلق {ٱلْوُثْقَىٰ } تأنيث الأوثق أي الأشد من الحبل الوثيق المحكم المأمون {لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا } لا انقطاع للعروة، وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده، والمعنى فقد عقد لنفسه من الدين عقداً وثيقاً لا تحله شبهة {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } لإقراره {عَلِيمٌ } باعتقاده. {ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } أرادوا أن يؤمنوا أي ناصرهم ومتولي أمورهم {يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ } من ظلمات الكفر والضلالة وجمعت لاختلافها {إِلَى ٱلنُّورِ } إلى الإيمان والهداية ووحد لاتحاد الإيمان {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } مبتدأ والجملة وهي {أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ } خبره {يُخْرِجُونَهُم مّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ } وجمع لأن الطاغوت في معنى الجمع يعني والذين صمموا على الكفر أمرهم على عكس ذلك، أو الله ولي المؤمنين يخرجهم من الشبهة في الدين إن وقعت لهم بما يهديهم ويوفقهم له من حلها حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين، والذين كفروا أولياؤهم الشياطين يخرجونهم من نور البينات الذي يظهر لهم إلى ظلمات الشك والشبهة {أُولَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ }. ثم عجب نبيه عليه السلام وسلاه بمجادلة إبراهيم عليه السلام نمرود الذي كان يدعي الربوبية بقوله.

الخازن

تفسير : {تلك آيات الله} يعني القصص التي اقتصها من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم وتمليك طالوت وإظهاره بالآية وهي التابوت وإهلاك الجبابرة على يد صبي {نتلوها عليك بالحق} أي باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم {وإنك لمن المرسلين} يعني حيث تخبر بهذه الأخبار العجيبة والقصص القديمة من غير أن تعرف بقراءة كتاب ولا سماع أخبار فدل ذلك على أنك من المرسلين وأن الذي تخبر به وحي من الله تعالى. قوله عز وجل: {تلك الرسل} يعني جماعة الرسل الذين تقدم ذكرهم في هذه السورة {فضلنا بعضهم على بعض} فيه دليل على زوال الشبهة لمن أوجب التسوية بين الأنبياء في الفضيلة لاستوائهم في القيام بالرسالة وأجمعت الأمة على أن الأنبياء بعضهم أفضل من بعض وأن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أفضلهم لعموم رسالته وهو قوله تعالى: {أية : وما أرسلناك إلاّ كافة للناس بشيراً ونذيراً}تفسير : [سبأ: 28] {منهم} أي من الرسل {من كلم الله} أي كلمه الله وهو موسى عليه السلام {ورفع بعضهم درجات} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم رفع الله منصبه ومرتبته على كافة سائر الأنبياء بما فضله عليهم من الآيات البينات والمعجزات الباهرات فما أوتي نبي من الأنبياء آية أو معجزة إلا أوتي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وفضل محمد صلى الله عليه وسلم على غيره من الأنبياء بآيات ومعجزات أخر مثل انشقاق القمر بإشارته وحنين الجذع الذي حن عند مفارقته وتسليم الحجر والشجر عليه وكلام البهائم له شاهدة برسالته ونبع الماء من بين أصابعه وغير ذلك من الآيات والمعجزات التي لا تحصى كثرة، وأعظمها وأظهرها معجزة وآية القرآن العظيم الذي عجز أهل الأرض عن معارضته والإتيان بمثله فهو معجزة باقية إلي يوم القيامة (ق) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من نبي من الأنبياء إلاّ وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة" تفسير : (ق) عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قلبي، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث الى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة"تفسير : (م) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : فضلت على الأنبياء بست أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وأرسلت الى الخلائق كافة وختم بي النبيون" تفسير : فإن قلت لم ذكره على سبيل الرمز والإشارة ولم يصرح باسمه صلى الله عليه وسلم؟ قلت: في هذا الإبهام والرمز من تفخيم فضله وإعلاء قدره صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى لما فيه من الشهادة بأنه العلم الذي لا يشتبه ولا يلتبس فهو كما يقول الرجل وقد فعل شيئاً فعله بعضكم أو أحدكم ويريد نفسه فيكون أفخم من التصريح به كما سئل الحطيئة: من أشعر الناس؟ قال زهير والنابغة. ثم قال لو شئت لذكرت الثالث أراد نفسه وقوله تعالى: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} يعني الحدد والأدلة الباهرة والمعجزات على نبوته مثل إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى {وأيدناه بروح القدس} أي وقويناه بجبريل عليه السلام فكان معه إلى أن رفعه إلى عنان السماء السابعة. فإن قلت لم خص موسى وعيسى بالذكر من بين سائر الأنبياء. قلت لما أوتيا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة ولقد بين الله تعالى وجه التفضيل حيث جعل التكليم من الفضل وهو آية عظيمة وتأييد عيسى بروح القدس آية عظيمة أيضاً فلما أوتي موسى وعيسى من الآيات العظيمة خصا بالذكر في باب التفضيل فعلى هذا كل من كان من الأنبياء أعظم آيات وأكثر معجزات كان أفضل ولهذا أحرز نبينا صلى الله عليه وسلم قصبات السبق في الفضل لأنه أعظم الأنبياء آيات وأكثرهم معجزات فهو أفضلهم صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين {ولو شاء الله} أي ولو أراد الله وأصل المشيئة الإرادة {ما اقتتل الذين من بعدهم} يعني بعد الرسل الذين وصفهم الله {من بعد ما جاءتهم البينات} أي الدلالات الواضحات من الله بما فيه مزدجر لمن هداه الله تعالى ووفقه {ولكن اختلفوا} يعني اختلف هؤلاء الذين من بعد الرسل {فمنهم من آمن} أي ثبت على إيمانه بالله ورسوله بفضل الله {ومنهم من كفر} أي ومنهم من تعمد الكفر بعد قيام الحجة وبعثة الرسل {ولو شاء الله ما اقتتلوا} أي ولو أراد الله أن يحجزهم عن الاقتتال والاختلاف لحجزهم عن ذلك {ولكن الله يفعل ما يريد} يعني أنه تعالى يوفق من يشاء لطاعته والإيمان به فضلاً منه ورحمة ويخذل من يشاء عدلاً منه لا اعتراض عليه في ملكه وفعله. سأل رجل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه عن القدر فقال يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر فقال طريق مظلم فلا تسلكه فأعاد السؤال فقال بحر عميق فلا تلجه فأعاد السؤال فقال: سر الله قد خفي عليك فلا تفتشه.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ...}. قال ابن عرفة: الإشارة إلى الآيات المتقدمة. وعبر عن التلاوة الماضية بصيغة المستقبل للتصور والدّوام، وإمّا أن يكون "نتلوها" مستقبلا حقيقة والإشارة إلى المتقدم باعتبار لفظه فقط. مثل: عندي درهم ونصفه، أو الإشارة إلى المستقبل (المقدر) في الذهن تحقيقا لوقوعه وتنزيلا له منزلة الدافع حقيقة. وفي الآية التفات بالانتقال من الغيبة إلى التكلم. قوله "ءَايَاتُ اللهِ" إشارة إلى عظمها وجلالة قدرها. وقوله "نَتْلُوهَا" لم يقل: يتلوها الله عليك فعبر (بالنون المشتركة) بين المتكلم وحده وبين المتكلم ومعه غيره إشارة إلى بلوغها للنبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الملك. قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}. ابن عرفة: هذا كالنتيجة بعد المقدمتين لأن تلك الآيات المعجزات دالة على صحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. وأكدت رسالته بـ (أن) واللاّم بورودها بهذا اللفظ لأنه أبلغ من قوله وإنّك (المرسل) كما قال {أية : يسۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}.تفسير : قاله الزمخشري في قول الله عز وجل في سورة العنكبوت {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ }.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {لا بيعَ فيه ولا خلة ولا شفاعة} بالفتح غير منون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير؛ الباقون: بالرفع والتنوين. وكذلك في سورة إبراهيم: {أية : لا بيع فيه ولا خلال} تفسير : [الآية: 31] وكذلك في سورة الطور: {أية : لا لغو فيها ولا تأثيم} تفسير : [الآية: 23]. الوقوف: بالحق ط للابتداء، بأن المرسلين 5 على بعض م؛ لأنه لو وصل صار الجار والمجرور صفة لبعض فينصرف بيان تفضيل الرسل إلى بعض، فيكون موسى عليه السلام من هذا البعض المفضَّل عليه غيره لا من البعض المفضَّل على غيره بالتكليم. درجات ط للعدول، القدس ط، من كفر ط، ما يريد، ولا شفاعة ط، الظالمون 5. التفسير: {تلك} القصص المذكورة من حديث الألوف وإماتتهم ثم إحيائهم، ومن تمليك طالوت وظهور الآية التى هى إتيان التابوت، وغلبة الجبابرة على يد داود وهو صبي فقير؛ {آيات الله} الباهرة الدالة على كمال قدرته وحكمته ورحمته؛ {نتلوها عليك} بتلاوة جبرائيل وفيه تشريف عظيم لجبرائيل كقوله: {أية : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} تفسير : [الفتح: 10] {بالحق} باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم كذلك من غير تفاوت، ولأن في تلاوتها حكمة شريفة وهي اعتبار المكلفين من أمتك ليحتملوا شدائد الجهاد كما/ احتملها الأمم السالفة، ولأنها تدل على نبوّتك من قبل أنها أخبار بالغيب لما فيها من الفصاحة والبلاغة. ثم أكّد ذلك بقوله: {وإنك لمن المرسلين} حيث تخبر بها من غير أن تعرف بقراءة ودراسة، وفيه أيضاً تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فيما يراه من الكفار وأهل النفاق من الخلاف والشقاق كما رآه الرسل قبله، فالمصيبة إذا عمت طابت. ولمثل هذا كرر فقال: {تلك الرسل} أي الذين تعرفهم وأنت من جملتهم {فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله} فضله الله بأن كلمه الله من غير سفير وهو موسى عليه السلام {ورفع بعضهم درجات} قيل إن {درجات} نصب بنزع الخافض، وقيل رفع لبعضهم كقوله: {أية : ورفعناه مكاناً علياً} تفسير : [مريم: 57] أي له، وقيل حال من بعضهم أي ذا درجات، وقيل مصدر في موضع الحال، وقيل انتصابه على المصدر لأن الدرجة بمعنى الرفعة فكأنه قال: ورفعنا بعضهم رفعات. وأيَّد عيسى بروح القدس ومع ذلك قد نالهم من قومهم ما ذكرناه لك بعد مشاهدة المعجزات وأنت رسول مثلهم، فلا تحزن على ما ترى من قومك ولو شاء الله لم يختلف أمم أولئك، ولكن ما قضاه الله فهو كائن وما قدره فهو واقع. واعلم أن الأمة أجمعت على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، وعلى أن محمداً أفضل الكل لوجوه منها قوله تعالى: {أية : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} تفسير : [الأنبياء: 107] ومنها قوله: {أية : ورفعنا لك ذكرك} تفسير : [الشرح: 4] قرن ذكره بذكر محمد صلى الله عليه وسلم في كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهد، ولم يكن ذلك لسائر الأنبياء؛ ومنها أنه قرن طاعته بطاعته: {أية : من يطع الرسول فقد أطاع الله} تفسير : [النساء: 80] وبيعته ببيعته {أية : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} تفسير : [الفتح: 10] وعزته بعزته: {أية : ولله العزة ولرسوله} تفسير : [المنافقون: 8] ورضاه برضاه {أية : والله ورسوله أحق أن يرضوه} تفسير : [التوبة: 62] وأجابته بإجابته {أية : يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول} تفسير : [الأنفال: 24] ومحبته بمحبته: {أية : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} تفسير : [آل عمران: 31]. ومنها أن معجزاته أكثر وقد ترتقي إلى ألف من جملتها القرآن، بل القرآن يشتمل على ألفي معجزة وأزيد، لأن التحدي وقع بأقصر سورة هي الكوثر وإنها ثلاث آيات، وكل ثلاث آيات من القرآن تصلح للتحدي فيكون معجزاً برأسه. ومنها أن معجزته، وهي القرآن، باقية على وجه الدهر ومعجزاتهم قد انقضت وانقرضت مع أن معجزته من جنس ما لا يبقى زمانين وهي الأصوات والحروف ومعجزاتهم من جنس ما يبقى مدة طويلة. ومنها أنه اجتمع فيه من الخصال الجميلة والخلال المرضية ما كان متفرقاً فيهم وإليه الإشارة بقوله: {أية : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} تفسير : [الأنعام: 90] أي أطلعناك على أحوالهم وسيرهم فاختر أنت منها أجودها وأحسنها، فإنه لا يجوز أن يكون مأموراً/ بالاقتداء بهم في أصول الدين لأنه تقليد، ولا في الفروع فإن شرعه ناسخ الشرائع، فإذن المراد محاسن الأخلاق. ومنها أنه بعث إلى الخلق كافة وكان يتحمَّل أعباء الرسالة أكثر فيكون ثوابه أزيد. ومنها أن هذا الدين أفضل وإلا لم ينسخ به سائر الأديان فيكون شارعه أفضل، ومنها أن أُمَّته أفضل: {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس} تفسير : [آل عمران: 110] وإذا كان التابع أفضل فالمتبوع أفضل. ومنها أن أمته أكثر لكونه مبعوثاً إلى الجن والإنس، ولا يخفى أن لكثرة التابعين أثراً قوياً في علو شأن المتبوع. ومنها أن كل نبيٍّ نودي في القرآن فقد نودي باسمه. {أية : يا آدم اسكن} تفسير : [البقرة: 35]، {أية : يا موسى إني أنا الله} تفسير : [القصص: 30]، {أية : وناديناه أن يا إبراهيم} تفسير : [الصافات: 14]، {أية : يا عيسى إني متوفِّيك} تفسير : [آل عمران: 55]. وأما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه نودي بقوله: {أية : يا أيها النبي} تفسير : [الأنفال: 64] وغيرها كثير {أية : يا أيها الرسول} تفسير : [المائدة: 41، 67]، بل أقسم بحياته، {أية : لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} تفسير : [الحجر: 72]. وأما الأحاديث في هذا الباب؛ فعن ابن عباس قال: "حديث : جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتذاكرون وهم ينتظرون خروجه. قال: فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم فقال بعضهم لبعض: عجباً إن الله تبارك وتعالى اتخذ من خلقه خليلاً واتخذ إبراهيم خليلاً. وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى كلّمه تكليماً. وقال آخر: ماذا بأعجب من جَعْل عيسى كلمة الله وروحه. وقال آخر: ماذا بأعجب من آدم اصطفاه الله عليهم وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته. فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وقال: "قد سمعت كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وأن موسى نجيّ الله وهو كذلك، وأن عيسى روح الله وكلمته وهو كذلك، وأن آدم اصطفاه الله وهو كذلك. ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر، وأنا أول شافع وأول شفيع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرّك حلق الجنة فيفتح الله لي فيُدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر""تفسير : . وفي الصحيحين عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يُبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحِلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجُعلت لي الأرض طيبة وطهوراً ومسجداً فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونُصرت بالرعب على العدو بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة" تفسير : وروى البيهقي في كتابه في فضائل الصحابة "حديث : ظهر علي بن أبي طالب من البعيد فقال النبي صلى الله عليه وسلم "هذا سيد العرب" فقالت عائشة: ألست سيد العرب؟ فقال: "أنا سيد العالمين وهو سيد العرب""تفسير : . ومما يؤكّد هذه المعاني ما ركز في العقول أن ذخائر كل ملك ينبغي أن تكون على مقدار من تحت تملكه فأمير المدينة يحتاج إلى عدة أكثر من عدة ريئس القرية. ولما كانت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أعمّ من نبوة سائر الأنبياء فإنه مبعوث إلى الثقلين كافة، فلا جرم أُعطي من كنوز العلم والحكمة وذخائز المعارف والحقائق، ومن جوامع الكلم وبدائع الحكم ومحاسن العادات ومكارم الأخلاق ما لم يؤت نبي قبله ولن يؤتى أحد بعده. هذا وقد طعن فيه بعض الملحدة بأن معجزات سائر الأنبياء كانت أعظم من معجزاته؛ فآدم جُعل مسجود الملائكة، وإبراهيم ألقي في النار فانقلبت روحاً وريحاناً، وأُوتي موسى العصا واليد البيضاء، وداود لان الحديدُ في يده، وسليمان أُعطي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده وكان الجن والإنس والطير مُسَخرين له، وقد اعترف محمد بفضلهم حتى قال: " حديث : لا تفضلوني على يونس بن متى"تفسير : . وقال: " حديث : لا تخيروا بين الأنيباء "تفسير : . وقال "حديث : لا ينبغي لأحد أن يكون خيراً من يحيى بن زكريا " تفسير : وذكر أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها. والجواب أن كون آدم مسجوداً للملائكة لا يوجب كونه أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : آدم ومَنْ دونه تحت لوائي يوم القيامة " تفسير : وقوله: "حديث : كنت نبياً وآدم بين الماء والطين" تفسير : . ونُقل أن جبريل عليه السلام أخذ ركاب محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج وهذا أعظم من السجود، وأنه تعالى يصلي بنفسه على محمد إلى يوم القيامة، وسجود الملائكة لآدم ما كان إلا مرَّة واحدة على أن ذلك السجود أيضاً إنما كان لأجل نور محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان في جبهته، وأن أول الفكر آخر العمل ولهذا قال: "لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك" ومَنْ تأمَّل كتب دلائل النبوة وجد في مقابلة كل معجزة كانت لنبي قبله معجزة أفضل منها لمحمد صلى الله عليه وسلم. وأما قوله: " حديث : لا تفضلوني... ولا تخيروا "تفسير : ، فنوع من التواضع وسلوك طريق الأدب. وأيضاً التمييز بين الشخصين إنما يمكن بعد الإحاطة بفضائلهما جميعاً وذلك مرتبة لا تليق بكل أحد، فورد النهي عنه حتى لا يؤدي إلى محذور. والحاصل أن التوفيق بين قوله "لا تفضلوني" وبين ما مرّ من الأحاديث أن كلاً منهما ورد في مقام آخر ولغرض آخر، فحيث رآهم يزدرون بشأنه ويتعجبون من الأنبياء/ السالفة منعهم عن ذلك، وقال: " حديث : أنا أكرم الأولين والآخرين وأنا سيد العالمين"تفسير : . وحيث رآهم يزدرون بشأن بعض الأنبياء زجرهم عن ذلك وقال: "لا تفضلوني"؛ على أنه لا يلزم من النهي عن شيء عدم مطابقة ذلك الشيء، للواقع فقد يكون الشيء حقاً في الواقع وينهى عن الاشتغال به لكونه غير مهم بالنسبة إلى المكلف، فالمراد بهذا الأمر: لا تشتغلوا بتفضيلي فإنه لا يهمّكم، وإنما المهم لكم أن تعرفوا حقية جميع الأنبياء وتؤمنوا بهم. ولنرجع إلى ما كنا فيه فقوله: {من كلم الله} التقدير: من كلمه، فحذف العائد وقرىء كلم الله بالنصب وليس بقوي؛ فإن كلّ مصلٍّ فإنه يكلم الله قال صلى الله عليه وسلم "حديث : المصلي يناجي ربه" تفسير : . وإنما الشرف في أن يكلمه الله قال الأشعري: المسموع هو الكلام القديم الأزلي ولا يستبعد سماع ما ليس بحرف ولا صوت، كما لا يمتنع رؤية ما ليس بمكيف ولا في جهة. وقالت المعتزلة: سماع ما ليس بحرف ولا صوت محال. واتفقوا على أن موسى قد كلمه الله واختُلف في أن محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج هل كلمه الله أم لا؛ منهم مَنْ قال نعم بدليل قوله: {أية : فأوحى إلى عبده ما أوحى} تفسير : [النجم: 10] وأورد ههنا أن التكليم لا يدل على فضل ومنقبة، فقد كلم الله إبليس حيث قال: {أية : أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين} تفسير : [الأعراف: 14، 15] الآيات، وأجيب بأن قصة إبليس ليس فيها ما يدل على أنه تعالى كلّمة من غير واسطة، فلعلّ الواسطة كانت موجودة، قلت: هذا خلاف الظاهر والحق أن المكالمة قسمان: مكالمة الرضا وهي الموجبة للتشريف كمكالمة موسى، ومكالمة الغضب وهي الموجبة للعن كما في حق إبليس: {أية : وأن عليك اللعنة إلى يوم الدين} تفسير : [ص: 78] وكما في أهل النار: {أية : اخسئوا فيها ولا تكلمون} تفسير : [المؤمنون: 108]. أما قوله:{ورفع بعضهم درجات} فقيل: المراد بيان أن الرسل مراتبهم متفاوتة فاتخذ إبراهيم خليلاً، وأعطى داود الملك والنبوة، وسخر لسليمان الجن والإنس والطير والريح. وخصّ يحيى بالعفة والطهارة وعدم الحاجة إلى النسوان، وخصّ محمداً صلى الله عليه وسلم بالبعث إلى الثقلين وكونه خاتم النبيين إلى سائر خصائصه. هذا إذا حملنا الدرجات على المناصب والمراتب. أما إذا حملناها على المعجزات ففيه أيضاً وجه؛ وذلك أن كل واحد من الأنبياء أوتي نوعاً آخر من المعجزة لائقاً بزمانه؛ فمعجزات موسى من قلب العصا حية ومن اليد البيضاء وفلق البحر كانت شبيهة بما عليه أهل زمانه من السحر، ومعجزات عيسى/ من إبراء الأكمه والأبرص تناسب للطب لأن كل ذلك غالب على قومه، ومعجزة محمد صلى الله عليه وسلم وهي القرآن تضاهي ما عليه الناس وقتئذٍ من الفصاحة والبلاغة وإنشاء الخطب وقرض الشعر. وبالجملة فالمعجزات متفاوتة بالقلة والكثرة، وبالبقاء وعدم البقاء، وبالقوة وعدم القوة. وفيه وجه ثالث وهو أن يكون المراد بتفاوت الدرجات يتعلق بالدنيا وهو كثرة الأُمة والصحابة وقوة الدولة. وإذا تأملت الوجوه الثلاثة علمت أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم كان مستجمعاً للكل؛ فمنصبه أعلى، ومعجزته أقوى وأبقى، وقومه أكثر، ودولته أعظم وأوفر، وقيل: المراد بهذه الآية محمد صلى الله عليه وسلم لأنه هو المفضَّل على الكل. وإنما قال: {ورفع بعضهم درجات} على سبيل التنبيه والرمز كمن فعل عظيماً فيقال له: من فعل هذا؟ فيقول: أحدكم أو بعضكم، ويريد به نفسه، ويكون ذلك أفخم من التصريح به. وسئل الحطيئة عن أشعر الناس فذكر زهيراً والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث، أراد نفسه. ولو قال: ولو شئت لذكرت نفسي، لم يبق فيه فخامة. وليس قوله {ورفع بعضهم درجات} تكراراً لقوله {فضلنا بعضهم على بعض} لأن المفهوم من قوله {فضلنا} هو وجود نفس الفضل. والمفهوم من قوله {ورفع بعضهم درجات} هوالتفاوت بالدرجات الكثيرة. {وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس} قد سبق تفسيره، وإنما عدل عن الغيبة إلى الحكاية لأن الضمير في قوله {وآتينا} للتعظيم وتعظيم المؤتى يدل على عظمة الإيتاء، وأما قوله {كلم الله} فأهيب من قوله {كلمنا} فلهذا اختير الغيبة. وسبب تخصيص موسى وعيسى بالذكر هو أن أمتهما موجودون حاضرون، فنبَّه على أن هذين الرسولين مع علو درجتهما وتبيُّن معجزاتهما، لم يحصل الانقياد من أمتهما لهما بل نازعوا وخالفوا، وعن الواجب عليهم في طاعتهما أعرضوا ثم إن الرسل بعد مجيء البينات ووضوح الدلائل اختلف أقوامهم فمنهم مَنْ آمن ومنهم مَنْ كفر، وبسبب ذلك الاختلاف تقاتلوا وتحاربوا، فلهذا قال تعالى: {ولو شاء الله} أي أن لا يقتتلوا ما اقتتل الذين من بعدهم لاختلافهم في الدين وتكفير بعضهم بعضاً ولكن اختلفوا فمنهم من آمن لالتزامه دين الأنبياء، ومنهم من كفر بإعراضه عنه ولو شاء الله ما اقتتلوا. كرر الكلام تكذيباً لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم، ولكن الله يفعل ما يريد. وفي الآية دلالة على صحة مسألة خلق الأعمال، ومسألة إرادة الكائنات، وأن الكل بقضاء الله وقدره، لأن الدواعي تستند لا محالة إلى داعية يخلقها الله عز وجل في العبد، والمعتزلة يقيدون المطلق في الآيتين فيقولون المراد ولو شاء الله مشيئة الجاء وقسر كما يقال لو شاء الإمام لم يعبد المجوس النار في مملكته ولم يشرب النصارى الخمر ويقولون المراد يفعل ما يريد من أفعال نفسه. ثم إنه/ تعالى لما أمر بالقتال فيما سبق بقوله {أية : وقاتلوا في سبيل} تفسير : [البقرة: 190] وأعقبه بقوله {أية : منْ ذا الذي يقرض الله} تفسير : [الحديد: 11]، والغرض منه الإنفاق في الجهاد، ثم أكّد الأمر بالقتال وذكر فيه قصة طالوت، أعقبه تارة أخرى الأمر بالإنفاق في الجهاد بقوله {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم} وعن الحسن أنه مختص بالزكاة لأن قوله {من قبل أن يأتي يوم} كالوعيد وأنه لا يتوجه إلا على الواجب، والأكثرون على أنه عام يتناول الواجب والمندوب. وليس في الآية وعيد وإنما الغرض أن يعلم أن منافع الآخرة لا تكتسب إلا في الدنيا، وأن الإنسان يجيء وحده وما معه إلا ما قدم من أعماله. ومعنى قوله {لا بيع} أنه لا تجارة فيه فيكتسب ما يفتدى به من العذاب، أو يكتسب مالاً حتى ينفق منه، {ولا خلة} لا مودة، لأن كلّ أحد يكون مشغولاً بنفسه لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه، أو لأن الخوف الشديد غالب على كل أحد يوم تذهل كل مرضعة عما أَرضعت. ثم إنه لما نفى الخلة والشفاعة مطلقاً ذكر عقيبة قوله {الكافرون هم الظالمون} ليدلّ على أن ذلك النفي مختص بالكافرين وعلى هذا فتصير الآية دالة على ثبوت الشفاعة في حق الفسَّاق. نقل عن عطاء بن يسار أنه كان يقول: الحمد لله الذي قال والكافرون هم الظالمون، ولم يقل والظالمون هم الكافرون. وقيل أراد والتاركون الزكاة هم الظالمون، لأنهم تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم، فقال {والكافرون} للتغليظ كقوله {أية : ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} تفسير : [آل عمران: 97] أي ومن لم يحج. وقيل المراد. إن الكافرين إذا دخلوا النار فالله لم يظلمهم بذلك، بل هم الذين ظلموا أنفسهم باختيار الكفر والفسق. فهو كقوله {أية : ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً} تفسير : [الكهف: 49] وقيل "الكافرون" هم الذين وضعوا الأمور في غير مواضعها لتوقعهم الشفاعة من الأصنام، ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وقيل المعنى والكافرون هم التاركون الإنفاق في سبيل الله من قوله {أية : آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا} تفسير : [الكهف: 33] وأما المسلم فإنه ينفق في سبيل الله قل أم كثر. وفائدة الفصل أنهم الكاملون في الظلم البالغون فيه المبلغ العظيم. التأويل: {تلك آيات الله} أسراره وأنواره ورموزه وإشاراته {نتلوها عليك بالحق} نجلوها عليك بالحقيقة كما هي {وإنك لمن المرسلين} الذين عبروا هذه المقامات وشاهدوا تلك الأحوال والكرامات، وصح لهم صفاء الأوقات ولذة المناجاة في الخلوات، ثم فطموا عن ألبان تلك اللذات في حجر القربات، وأرسلوا إلى أهل الغدر والغفلات وعبدة طواغيت الهوى وأصنام الشهوات، ليدعوهم من دار الغرور إلى دار السرور ويخرجونهم من الظلمات/ إلى النور، ولكنهم ما صاحبوك في الجلوات فإنهم بقوا في السموات وأنت عبرت المكونات {أية : فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى} تفسير : [النجم: 9، 10] فوصلت من العبدية إلى العندية، ثم فطمت عن رضاع لي مع الله وقت، وابتليت بسفارة جبريل، ثم لقيت من القوم ما لقيت، فحق لك أن تقول: "حديث : ما أوذي نبي مثل أوذيت "تفسير : لأن غيرك ما سقي من شرب ما سقيت فما أوذي بفطام مثل ما أوذيت. {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} إشارة إلى أن التفاضل في الدين والدنيا بين العباد ليس بسعيهم ومناهم وإنما هو بتفضيل الله إياهم، فلكلّ من أهل الفضل أنوار، ولأنوارهم آثار على قدر استعلاء أضواء أنوارهم لا على قدر سعيهم واختيارهم. وهذا التفاوت صادر من تلك الأقسام حين جرت به الأقلام، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم رشّ عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل وغوى"تفسير : . ثم إن الفضل فضلان: عام يمتاز به عن المردودين {أية : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون}تفسير : [الأنبياء: 101]؛ وخاص يمتاز به عن المقبولين كما ثبت لسيد المرسلين. والتفاوت في الأنوار على قدر التفاوت في الظلمات المخلوقة المستعدة لقبول النور في بدر الخلقة لا في حقيقة النور، فإنه موصوف بالوحدة، ولهذا ورد بلفظ الوحدان في قوله {أية : وجعل الظلمات والنور} تفسير : [الأنعام: 1] {أية : ويخرجهم من الظلمات إلى النور} تفسير : [المائدة: 16]. والرفعة في الدرجات في قدر قوة الاستعلاء، كما قال: {أية : والذين أوتوا العلم درجات} تفسير : [المجادلة: 11] فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية؛ فكلما ازداد العلم ازدادت الدرجة، وعلى قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات الوجود كانت مراتب الأنبياء بعضها فوق بعض. فقد يبقى بعضهم في مكان من أماكن السموات، كما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه رأى آدم ليلة المعراج في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم عليه السلام في السماء السابعة، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم ما بقي في مكان بل رفع به إلى سدرة المنتهى ثم إلى قاب قوسين أو أدنى، لأنه كان فانياً بالكلية عن ظلمة وجوده باقياً بنور شهود ربه، ولهذا سماه الله نوراً {أية : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} تفسير : [المائدة: 15]: ثم لما أخبر عن فضيلة الخواص بأنها كانت بسبب تفضيله إياهم، أخبر عن اختلاف العوام وافتراقهم أنه كان بمشيئته لا بمشيئتهم فقال: {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم} ثم أخبر عن إحراز الفضل أنه في الإنفاق والبذل فخاطب أهل الإيمان أي: إن كان إيمانكم بالبعث والنشور والثواب والعقاب والجنة والنار حقّاً فتصدقوا من كل ما رزقناكم من المال والجاه والقوة والقدرة والعلم والمعرفة وغيرها في مصارفها العامة والخاصة، أنفقوا ملكنا ومالنا في صلاح أنفسكم واغتنموا مساعدة الإمكان في تقديم الإحسان مع الإخوان، {من قبل أن يأتي يوم} لا يشترى فيه ما يباع من الأموال والأنفس في سوق {أية : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} تفسير : [التوبة: 111] ولا ينفعه خلة خليل دنيوي، لأن {أية : الأخلاَّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}تفسير : [الزخرف: 67] {ولا شفاعة} لأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى،{والكافرون هم الظالمون} لأنفسهم لأنا أرسلنا الرسل وأنزلنا الكتب وأمرناهم بالإنفاق ووعدناهم الثواب وحذرناهم العقاب وقد أعذر من أنذر. والله المستعان.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {تِلْكَ ءَايَاتُ ٱللهِ}: مبتدأٌ وخبرٌ، و "نَتْلُوهَا" فيه قولان: أحدهما: أن تكون حالاً، والعامل فيها معنى الإشارة. والثاني: أن تكون مستأنفةً فلا محلَّ لها. ويجوز غير ذلك، وهو يؤخذ مما تقدم. قال القرطبيُّ: وإن شِئْتَ كان "آيَاتُ الله" بدلاً، والخبر نتلوها عليك بالحقّ وأشير إليها إشارة البعيد لما بينا في قوله: {أية : ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ}تفسير : [البقرة:2] أن "تلك" و "ذَلِكَ" يرجع إلى معنى هذه، وهذا، وأيضاً فهذه القصص لما ذكرت صارت بعد ذكرها كالشَّيء الذى انقضى، ومضى، فكانت في حكم الغائب، فلذها التأويل قال: "تِلْكَ" وأشير إليها إشارة البعيد لما تقدَّم في قوله: {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ}. قوله: "بِٱلْحَقِّ" يجوز فيه أن يكون حالاً من مفعول "نَتْلُوها"، أي: ملتبسةً بالحقّ، أو من فاعله؛ أي: نتلوها ومعنا الحقُّ، أو من مجرور "عَلَيْكَ"، أي: ملتبساً بالحقّ. قوله: {وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}. قال القرطبيُّ: خبر إن أي: وإنك لمرسل. فصل اعلم أنَّه أشار بقوله: "تِلْكَ" إلى القضيَّة المذكورة من نزول التَّابوت، وغلب الجبابرة على يد داود، وهو صبيٌّ فقير. ولا شكّ أنَّ هذه الأحوال آياتٌ باهرةٌ دالّة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته، وفي معنى قوله: "بِٱلْحَقِّ" وجوه: أحدها: أنَّ المراد: أن تعتبر بها يا محمَّد أنت، وأمتك في احتمال الشَّدائد في الجهاد، كما احتملها المؤمنون، فيما مضى، وقال "نَتْلُوهَا"، أي: يتلوها جبريل، وأضاف ذلك إليه تشريفاً له كقوله: {أية : إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللهَ}تفسير : ورسوله [الفتح:10]. وثانيها: "بِٱلْحَقِّ" أي باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب؛ لأنه في كتبهم كذلك من غير تفاوت أصلاً. وثالثها: أنَّا أنزلنا هذه الآيات على وجه تكون دالَّة على نبوتك بسبب ما فيها من الفصاحة والبلاغة. ورابعها: "بِٱلْحَقِّ"، أي: يجب عليك أن تعلم: أنَّ نزول هذه الآيات من قبل الله تعالى، وليس من قبل الشياطين، ولا تحريف الكهنة والسحرة، وقوله عقيب ذلك: {وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}. يحتمل وجهين: الأول: أن إخبارك عن هذه القصص من غير تعلُّم، ولا دراسة دليل على أنَّك رسول وإنما ذكرها وعرفها بسبب الوحي من الله تعالى. الثاني: أن يكون المراد منه تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم. والمعنى أنك إذا عرفت بهذه الآيات ما جرى على الأنبياء من الخلاف والرد لقولهم، فلا يعظمن عليك كفر من كفر بك، وخلاف من خالفك، لأنَّ لك بهم أسوة وإنَّما بعثوا لتأدية الرِّسالة على سبيل الاختبار، فلا عتب عليك في خلافهم وكفرهم والوبال في ذلك إنَّما يرجع عليهم.

ابو السعود

تفسير : {تِلْكَ} إشارة إلى ما سلف من حديث الألوفِ وخبرِ طالوتَ على التفصيل المرقومِ، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو شأنِ المشارِ إليه {آيات ٱللَّهِ} المنزلةُ من عنده تعالى، والجملةُ مستأنفة، وقوله تعالى: {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} أي بواسطة جبريلَ عليه السلام إما حالٌ من الآيات والعاملُ معنى الإشارة وإما جملةٌ مستقلة لا محل لها من الإعراب {بِٱلْحَقِّ} في حيز النصبِ على أنه حالٌ من مفعول نتلوها أي ملتبسةً باليقين الذي لا يرتاب فيه أحد من أهل الكتاب وأربابِ التواريخ لما يجدونها موافقةً لما في كتبهم، أو من فاعلِه أي نتلوها عليك ملتبسين بالحق والصواب، أو من الضمير المجرور أي ملتبساً بالحق والصدق {وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي من جملة الذين أُرسلوا إلى الأمم لتبليغ رسالاتِنا وإجراءِ أوامرِنا وأحكامنا عليهم فإن هذه المعاملةَ لا تجري بـيننا وبـين غيرهم فهي شهادة منه سبحانه برسالته عليه الصلاة والسلام إثرَ بـيانِ ما يستوجبها، والتأكيدُ من مقتضيات مقامِ الجاحدين بها. {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ} استئنافٌ فيه رمزٌ إلى أنه عليه الصلاة والسلام من أفاضلِ الرسلِ العظامِ عليهم الصلاة والسلام إثرَ بـيانِ كونِه من جملتهم والإشارةُ إلى الجماعة الذين من جملتهم النبـيُّ صلى الله عليه وسلم، فاللام في المآل للاستغراق وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو طبقتِهم وبُعدِ منزلتهم وقيل: إلى الذين ذُكرت قِصصُهم في السورة وقيل: إلى الذين ثبت علمُه صلى الله عليه وسلم بهم {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} في مراتب الكمالِ بأن خصَصْناه حسبما تقتضيه مشيئتُنا بمآثِرَ جليلةٍ خلا عنها غيرُه {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ} تفصيلٌ للتفصيل المذكور إجمالاً أي فضله بأن كلمهُ تعالى بغير سفيرٍ وهو موسى عليه الصلاة والسلام حيث كلمهُ تعالى ليلةَ الخِيْرة وفي الطور وقرىء {كَلِّـمَ ٱللَّهِ} [البقرة، الآية 253] بالنصب وقرىء كالَمَ الله من المكالمة فإنه كلّم الله تعالى كما أنه تعالى كلمه، ويؤيده كليمُ الله بمعنى مكالمِه، وإيرادُ الاسمِ الجليلِ بطريق الالتفات لتربـية المهابةِ، والرمزِ إلى ما بـين التكليم والرفعِ وبـين ما سبَقَ من مطلق التفضيل وما ألحق من إيتاء البـيناتِ والتأيـيدِ بروحِ القدسِ من التفاوت {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ} أي ومنهم من رفعه على غيره من الرسل المتفاوتين في معارجِ الفضل بدرجات قاصيةٍ ومراتبَ نائيةٍ، وتغيـيرُ الأسلوب لتربـية ما بـينهم من اختلاف الحالِ في درجات الشرفِ، والظاهرُ أنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كما ينبىء عنه الإخبارُ بكونه عليه الصلاة والسلام منهم فإن ذلك في قوة بعضهم فإنه قد خُصَّ بالدعوة العامة والحُجج الجمة والمعجزاتِ المستمرة والآياتِ المتعاقبة بتعاقُب الدهور والفضائلِ العلمية والعمليةِ الفائتة للحصر، والإبهامُ لتفخيم شأنه وللإشعار بأنه العلَمُ الفردُ الغنيُّ عن التعيـين وقيل: إنه إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام حيث خصه تعالى بكرامة الخُلّة وقيل: إدريسُ عليه السلام حيث رفعه مكاناً علياً وقيل: أوُلو العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام. {وآتينا عيسى ابن مَرْيَمَ البيِّنات} الآياتِ الباهرةَ والمعجزاتِ الظاهرةَ من إحياء الموتى وإبراءِ الأكمة والأبرصِ والإخبارِ بالمغيّبات، أو الإنجيلَ {وَأَيَّدْنَـٰهُ} أي قويناه {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} بضم الدال وقرىء بسكونها أي بالروح المقدسة كقولك: رجلُ صِدْقٍ وهي روحُ عيسى وإنما وصفت بالقدس للكرامة أو لأنه عليه السلام لم تضمَّه الأصلابُ والأرحامُ الطوامث وقيل: بجبريلَ وقيل: بالإنجيلِ كما مر، وإفرادُه عليه السلام بما ذكر لرد ما بـين أهلِ الكتابـين في شأنه عليه السلام من التفريط والإفراط، والآيةُ ناطقة بأن الأنبـياءَ عليهم السلام متفاوتةُ الأقدار، فيجوزُ تفضيلُ بعضِهم على بعض ولكن بقاطع {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم} أي جاءوا من بعد الرسلِ من الأمم المختلفة أي لو شاء الله عدمَ اقتتالهم ما اقتتلوا بأن جعلَهم متفقين على اتباع الرسلِ المتفقةِ على كلمة الحقِّ فمفعولُ المشيئةِ محذوفٌ لكونه مضمونَ الجزاءِ على القاعدة المعروفة وقيل: تقديرُه ولو شاء هدى الناس جميعاً ما اقتتل الخ وليس بذاك {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ} من جهة أولئك الرسلِ {ٱلْبَيِّنَـٰتُ} المعجزاتُ الواضحةُ والآياتُ الظاهرة الدالةُ على حقية الحقِّ الموجبةِ لاتباعهم، الزاجرةُ عن الإعراض عن سَننهم المؤدِّي إلى الاقتتال (فمِنْ) متعلقةٌ باقتتل {وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ} استدراك من الشرطية أُشير به إلى قياس استثنائي مؤلفٍ من وضع نقيض مقدّمها المنتج لنقيض تاليها إلا أنه قد وُضع فيه الاختلافُ موضعَ نقيضِ المقدم المترتب عليه للإيذان بأن الاقتتالَ ناشىء من قِبَلهم لا من جهته تعالى ابتداءً كأنه قيل: ولكن لم يشأ عدمَ اقتتالِهم لأنهم اختلفوا اختلافاً فاحشاً {فَمِنْهُمْ مَّنْ ءامَنَ} بما جاءت به أولئك الرسلُ من البـينات وعمِلوا به {وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ} بذلك كفراً لا ارعواءَ له عنه فاقتضت الحِكمةُ عدمَ مشيئتِه تعالى لعدم اقتتالِهم فاقتتلوا بموجبِ اقتضاءِ أحوالِهم {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ} عدمَ اقتتالهم بعد هذه المرتبة أيضاً من الاختلاف والشقاق المستتبعين للاقتتال بحسب العادة {مَا ٱقْتَتَلُواْ} وما نبَض منهم عِرقُ التطاول والتعادي لما أن الكل تحت ملَكوتِه تعالى، فالتكريرُ ليس للتأكيد كما ظُن بل للتنبـيه على أن اختلافهم ذلك ليس موجباً لعدم مشيئته تعالى لعدم اقتتالهم كما يفهم ذلك من وضعه في الاستدراك موضعه بل هو سبحانه مختار في ذلك حتى لو شاء بعد ذلك عدم اقتتالهم ما اقتتلوا كما يفصح عنه الاستدراك بقوله عز وجل: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} أي من الأمور الوجودية والعدمية التي من جملتها عدم مشيئته عدم اقتتالهم فإن الترك أيضاً من جملة الأفعال أي يفعل ما يريد حسبما يريد من غير أن يوجبه عليه موجب أو يمنعه منه مانع وفيه دليل بـيّن على أن الحوادث تابعة لمشيئته سبحانه خيراً كان أو شراً إيماناً كان أو كفراً.

القشيري

تفسير : لم يكن في علمك ولا في وسع احتيالك الوقوف على هذه الغائبات من الكائنات التي سلفت، وإنما وقَفْتَ عليها بتعريفٍ من قِبَلِ الله سبحانه.

اسماعيل حقي

تفسير : {تلك} اشارة الى ما سلف من حديث الالوف وتمليك طالوت واتيان التابوت وانهزام الجبابرة وقتل داود جالوت {آيات الله} المنزلة من عنه {نتلوها عليك} اى بواسطة جبريل {بالحق} حال من مفعول نتلوها اى ملتبسة بالوجه المطابق الذى لا يشك فيه اهل الكتاب وارباب التواريخ لما يجدونها موافقة لما فى كتبهم {وإنك لمن المرسلين} اى من جملة الذين ارسلوا الى الامم لتبليغ رسالتنا واجراء اوامرنا واحكامنا عليهم والا لما اخبرت بتلك الآيات من غير تعرف ولا استماع والتأكيد لرد قول الكفار لست رسولا قال بعضهم شعر : ألا اى احمد مرسل شودهر مشكل ازتوحل كنم وصف ترا مجمل تويى سلطان هرمولى شريعت ازتوروشن طريقت هم مبرهن شد حقيقت خود معين شد زهى سلطان بى همتا تفسير : والاشارة ان المجاهد مع جالوت النفس الامارة لا يقوم بحوله وقوته حتى يرجع الى ربه مستعينا {أية : ربنا أفرغ علينا صبرا} تفسير : [البقرة: 250]. على الائتمار بطاعتك والانزجار عن معاصيك {أية : وثبت أقدامنا} تفسير : [البقرة: 250]. فى التسليم عند الشدة والرخاء وهجوم احكام القضاء فى السراء والضراء {أية : وانصرنا على القوم الكافرين} تفسير : [البقرة: 250]. وهم اعداؤنا فى الدين عموما والنفس الامارة التى هى اعدى عدونا بين جنبينا خصوصا اذا كان الالتجاء عن صدق الرجاء برب الارض والسماء يكون مقرونا باجابة الدعاء والظفر على الاعداء {أية : فهزموهم بإذن الله} تفسير : [البقرة: 251]. بنصرة الله فانه الذى صدق وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده {أية : وقتل داود} تفسير : [البقرة: 251]. القلب {أية : جالوت} تفسير : [البقرة: 251] النفس اذا اخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الركون الى العقبى وحجر تعلقه الى نفسه بالهوى حتى صارت الثلاثة حجرا واحدا وهو الالتفات الى غير المولى فوضعه فى مقلاع التسليم والرضى فرمى به جالوت النفس وسخر الله له ريح العناية حتى اصاب انف بيضة هواها فاخرج منه الفضول وخرج من قفاها وقتل من ورائها ثلاثين من صفاتها واخلاقها وهزم الله باقى جيشها وهو الشياطين واحزابها {أية : وآتاه الله الملك والحكمة} تفسير : [البقرة: 251]. يعنى آتى داود القلب ملك الخلافة وحكمة الالهامات الربانية {أية : وعلمه مما يشاء} تفسير : [البقرةك 251]. من حقائق القرآن واسراره واشاراته {أية : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} تفسير : [البقرة: 251]. يعنى ارباب الطلب بالمشايخ الواصلين {أية : لفسدت الأرض} تفسير : [البقرة: 251]. ارض استعدادهم المخلوقة فى احسن التقويم لتشمير كمالات الدين القويم عن استيلاء جالوت النفس وجنود صفاتها فى تخريب بلاد الارواح بتبديل اخلاقها وتكدير صفاء ذواتها وترديدها الى جحيم صفات البهائم والانعام واسفل دركاتها {أية : ولكن الله ذو فضل على العالمين} تفسير : [البقرة: 251]. يعنى من كمال فضله ورحمته يحرك سلسلة طلب الطالبين ويلهم اسرارهم بارادة المشايخ الكاملين ويوفقهم للتمسك بذيول تربيتهم والتسليم تحت تصرفاتهم فى تنقيتهم ويثبتهم بالصبر والسكون على الرياضات والمجاهدات فى حال تزكيتهم ويشير الى المشايخ بقبولهم والاقبال عليهم ويقويهم على شدائد المخالفات فلو لم تكن هذه الالطاف من الله ما تيسر لهم تزكية نفوسهم ابدا فهذه اشارة لا تتحقق الا لاهل الخير ولهذا خص الله حبيبه بتحقيقها وتحققها بقوله {تلك آيات الله} يعنى فى ضمن هذه الآيات حقائق ودقائق {نتلوها عليك} اى نجلوها لديك {بالحق} اى بالحقيقة كما هى {وانك لمن المرسلين} الذين عبروا على هذه المقامات وشاهدوا هذه الاحوال والكرامات كذا فى التأويلات النجمية.

الطوسي

تفسير : الآيات المذكورة في هذه الآية المراد بها ما تقدم ذكره من إماتة ألوف من الناس دفعة واحدة بخلاف ما جرت به العادة ثم أحياهم في مقدار ساعة، ومن تمليك طالوت وقد كان من الخاملين الذين لا تنقاد لهم النفوس بما جعله له من الآية علماً على تمليكه، ومن نصرة أصحاب طالوت مع قلة عددهم، وضعفهم على جالوت وجنوده مع قوتهم وكثرة عددهم وشدة بطشهم حتى قهروهم واستعلوا عليهم، وكل ذلك مما لا يقدر عليه غير الله تعالى فهو دلالة عليه. قوله: {وإنك لمن المرسلين} دليل على نبوته على وجوه: منها ما في الاحياء بما تقدم من الدلالة على النبوة. ومنها أنه يجب التصديق بتلك الأمور لنبوته (ع). ومنها أنه أوحي إليه به، كما أوحي الى المرسلين، لأنه سنة الله عزّ وجل في مثله. ومنها الاستدعاء الى القيام بما أرسل به بعد قيام الحجة عليه. ومنها أنه كما نصب تلك الآيات جعلك من المرسلين لما في ذلك من الحكمة التي تدعو الى صلاح المكلفين. وإنما صارت الأخبار بذلك دلالة على النبوة من جهة أنها أخبار عن عيون لم تشهدها ولا خالط أهل المعرفة بها، ومتى قال قائل: إنه أخذها عن أهل العلم بالأخبار، فان قوله يبطل، لأنه لو كان كذلك لم يتكلم لخروجه عن العادة كخروج أن يصير انسان من أعلم الناس بصناعة لم يشهدها ولا خالط أهلها، ولأن في أنبيائه تثبت معجزة من غير تلك الجهة، وهو المنع من الازاحة مع توفر الاسباب الداعية الى الحديث به، ولا نشر له وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى. اللغة: والرسالة تحمل جملة من الكلام لها فائدة الى المقصود بالدلالة. والحق هو وقوع الشيء موقعه الذي هو له من غير تغيير عنه بما لا يجوز فيه. والتلاوة: ذكر الكلمة بعد الكلمة من غير فاصلة، لأن التالي للشيء يليه من غير فصل بغيره. والاصل: التلوّ وهو ايقاع الشيء بعد الشيء الذي يليه.

الجنابذي

تفسير : {تِلْكَ} الّتى ذكرت من اماتة الالوف ووقوعهم على ما فرّوا منه واحياءهم بعد اماتتهم واستقراضه ممّن اعاده ما اعاده ايّاهم ومضاعفة العوض لهم وتسليط طالوت الفقير على الاغنياء والاشراف وابتلاء بنى اسرائيل بالنّهر وشرب الكثير وعدم شرب القليل وغلبتهم مع قلّتهم على جنود جالوت الكثيرة وقتل داود (ع) جالوت وايتائه الملك مع كونه راعياً والحكمة والعلم، وجعل دفع النّاس بعضهم ببعض الّذى هو سبب فساد الارض سبباً لصلاحها {آيَاتُ ٱللَّهِ} التّكوينيّة الدّالّة على كمال قدرته وحكمته وانّه لا ينظر فى عطائه الى شرفٍ وحسبٍ ونسبٍ المبنيّة بآياته التّدوينيّة {نَتْلُوهَا} من التلاوة {عَلَيْكَ} خبر بعد خبر او خبر ابتداء وآيات الله بدل من تلك او حال او مستأنف جواب لسؤالٍ مقدّرٍ { بِٱلْحَقِّ} ظرف مستقرّ حال عن الفاعل او المفعول اى حال كوننا ظاهرين بالحقّ او حال كوننا متلبّسين بالحقّ اى الصّدق او ظرف لغو متعلّق بنتلوا اى نتلوها بسبب الحقّ المخلوق به فانّ افعال الله تعالى لا تصدر الاّ بتوسّط الحقّ الّذى هو المشيئة {وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} عطف على قوله تلك آيات الله او حال عن الآيات او عن مفعول نتلوها او عن الضّمير المجرور والمقصود انّا نتلو الآيات عليك والحال انّك من المرسلين فبلّغها حتّى يعلموا انّك صادق فى دعواك حيث تخبر بالمسطورات فى كتبهم من غير تعلّمٍ وتعرّفٍ.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {تلك آيات الله} يعني القصص التي قصها من حديث الالوف ونزول التابوت من السماء وغلبة الجبّارين على يدي صبي، قوله تعالى: {تلك الرسل} التي تقدم ذكرها {منهم من كلم الله} وهو موسى (عليه السلام) {ورفع بعضهم درجات} ومنهم من رفعه في الفضل على سائر الانبياء (عليهم السلام) والظاهر انه اراد تعالى نبينا وسيدنا محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث أوتي ما لم يؤت احدٌ من الآيات الى الغايَة او اكثر ولو لم يؤت إلاَّ القرآن وحده لكان كافياً لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر، قوله تعالى: {وآتينا عيسى ابن مريم البيَّنات} أي الحجج وهو ما أتاه من المعجزات والكتاب، قوله تعالى: {وأيدناه بروح القدس} قيل: الروح جبريل (عليه السلام)، وقيل الاسم الذي كان يحيي به الموتى {ولو شَاء الله ما اقتتلوا} قيل: أي مشيئة الاكراه اي لو شاء ان يُجيرهم ويمنعهم لفعل من بعدهم أي من بعد موسى وعيسى واتباعهم، وقيل: اليهود والنصارى فمنهم من آمن لالتزامه دين الانبياء ومنهم من كفر باعراضه عنه {ولو شاء الله ما اقتتلوا} مكرر للتوكيد {يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم} اراد الانفاق الواجب لاتصال الوعيد به {من قبل أن يأتي يوم} يعني قدموا ليوم القيامة قبل اتيانه {لا بيع فيه} أي لا تجارة {ولا خلة} أي لا صداقة لأنهم بالمعاصي يصيرون أعداء، وقيل: شغله بنفسه يمنع من صداقة غيره والله أعلم.

اطفيش

تفسير : {تِلْكَ آياتُ الله}: الإشارة إلى قصة الذين خرجوا من ديارهم، وتمليك طالوت، وإيتَاء التابوت، وانهزام الجبابرة، وقتل داود جالوت. {نَتْلُوها عَليْكَ بِالحقِّ}: أى بالوجه الثابت الذى لا يجد فيه أهل الكتاب، وأصحاب التواريخ مطعنا ولا شكا، لأنه فى كتبهم والتواريخ كذلك. {وإنَّك لمِن المرْسَلِينَ}: إذ أخبرتهم بذلك من غير أن تسمعه، أو تسأل عنه، وأنت أمى لا تعرف أن تقرأ كتابا أكد إثبات الرسالة بالجملة الإسمية، وإن واللام، وبأنه منهم لأن أخبار الله تعالى أنه منهم أبلغ من الإخبار بأنه رسول. {تِلك الرُّسلُ}: المذكورة فى السورة، أو الرسل المنزل إليك أسماءهم فى هذه السورة وغيرها وكل الرسل هكذا باستغراق من علمه صلى الله عليه وسلم، ومن لم يعلمهُ وتلك مبتدأ والرسل تابع لهُ وقوله. {فَضَّلنْا بَعْضَهُم عَلَى بَعْضٍ}: خبره أو {تلك الرسل} مبتدأ وخبر وجملة {فضلنا} حال من الرسل، والآية نص فى تفاوت الأنبياء فى الفضل، ولو تساووا فى القيام بالرسالة، وأجمعت الأمة على ذلك، وعلى أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم أفضلهم لقوله تعالى:{أية : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}،تفسير : ومن كان رحمة للعالمين لزم أن يكون أفضل منهم كلهم، أما من كان فى زمانه أو بعده فظاهر، وأما من قبله فإنه بعث لتقرير أديان الأنبياء السابقة كلهم، فيما لم ينسخ، والدعاء إلى تصويبهم وتصويب أتباعهم الذين لم يبتدعوا، ولأن أمته تشهد للأنبياء بالتبليغ، ولأنه يريح الناس من المحشر بالشفاعة العامة، وبعث لرفع الآصار والأغلال وقوله تعالى:{أية : ورفعنا لك ذكرك}تفسير : يذكر مع الله فى الأذان والإقامة والدخول فى الإسلام، وليس ذلك لسائر الأنبياء، وقرنه به فى الطاعة والبيعة والعزة، والإجابة والإرضاء،{أية : من يطع الرسول فقد أطاع الله} {أية : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}، {أية : ولله العزة ولرسوله}، {أية : استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم}تفسير : وذهبت معجزات الأنبياء وبعض معجزاته باق إلى آخر الدهر، وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : آدم ومن دونه تحت لوائى"تفسير : ، وقال:"حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر" تفسير : وقال:"حديث : لا يدخل الجنة أحد من الأنبياء حتى أدخلها أنا ولا يدخلها أحد من الأمم حتى تدخل أمتى"تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا وموسى نجيا واتخذنى حبيبا"تفسير : (وفى حديث القدسى):"حديث : وعزتى وجلالى لأوثرن حبيبى على خليلى"تفسير : ونادى الأنبياء فى القرآن بأسمائهم، وناداه صلى الله عليه وسلم باسم النبوة والرسالة:{أية : يا أيها الرسول} {أية : يا أيها النبى}،تفسير : فهو مميز بالتفضيل، فلنا النطق بتخييره، بخلاف سائر الأنبياء، فنعلم أنهم متفاوتون فى الفضل، ولا نصرح بتفضيل فلان على فلان، لأن لله جل وعلا أثبت التفضيل بينهم إجمالا، قال أبو سعيد الخدرى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا تخيروا بين الأنبياء"تفسير : والمراد فى الآية تفضيل الدرجات بحسب الحسنات، وقيل التفضيل بما يعطيهم من المعجزات، وقيل التفضل بما يوفقهم إليه من الصبر الشديد والأعمال الصالحة. {مِنْهُم مَنْ كَلَّم اللّهُ}: وهو موسى، إذ كلمه عند الشجرة، وفى الطور وقيل هو ومحمد عليهما الصلاة والسلام، إذ كلمه الله ليلة الإسراء، وذلك تكليم مخصوص بواسطة ملك ليس لسائر الأنبياء أو بخلق الكلام فى الهواء، أو فى جسم آخر، وذلك فوق السماء السابعة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعند نور الشجرة، وفى الطور ليوم مشهود، إعظاماً لهما، والرابط محذوف، أى من كلمه الله وقرئ {كلم الله} بنصب لفظ الجلالة، والرابط ضمير مستتر، وفيها ضعف لأن كل مصل يناجى ربه، إلا أن تكليم محمد وموسى صلى الله عليهما وسلم فوق ذلك، لأن تكليم محمد ليلة الإسراء، وموسى فى الطور بإرسال إليهما فى شأن الكلام، وبقبوله، وعند الشجرة يجزم قبول: وقرئ: كالم الله بفتح اللام بعد ألف، فتح الميم والهاء من المكالمة، ويدل له قولهم موسى كليم الله، أى مكالمه كالجليس والخليط بمعنى المجالس والمخالط. {وَرَفَعَ بَعضَهُم دَرَجاتٍ}: على سائر الرسل، قال مجاهد وغيره هو محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه أعطى الخمس ولم يعطها أحد قبله وأعظم الناس أمة، ومبعوث للناس والجن كلهم، وخاتم النبيين. قال صاحب والكشاف: ارتقت آياته إلى ثلاثة آلاف وأكثر، ولو لم تؤت إلا القرآن لكفى، إذا كان معجزة لا يعارضه معارض إلا افتضح، ولكونه المفرد العلم فى الفضل، ومشهور بالفضل على سائر الأنبياء، أبهم إسمه هنا تلويحا بأنه المراد بلا تصريح، وفى إبهامه لذلك تعظيم ليس فى التصريح به، وكلام الله جاء على لسانه، فكأنه هو كنى عن نفسه، كما يقال من فعل هذا فيقول المخاطب: فعله أحدكم أو بعضكم، يريد نفسه، وهو أفخم من أن يقول فعلته أنا، وسئل الحطيئة عن أشعر الناس فذكر زهيراً والنابغة، ثم قال: لو شيئت لذكرت الثالث يريد نفسه، ويجوز أن يكون المراد بالبعض جماعة كإبراهيم ومحمد وغيرهما من أولى العزم وعن ابن عباس رضى الله عنهما: حديث : كنا فى المسجد نتذاكر فضل الأنبياء فذكر نوح بفضل عبادته وإبراهيم بخلته، وموسى بتكليم الله، وعيسى برفعه إلى السماء، وقلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منهم، بعث إلى الناس كافة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو خاتم الأنبياء، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "فيم أنتم؟" فذكرنا له فقال: "لا ينبغى لأحد أن يكون خيراً من يحى بن زكريا إنه لم يعمل سيئة قط، ولم يهم بها" تفسير : يعنى لا ينبغى لأحد غيرى بدليل قوله: "حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر"تفسير : وغير ذلك لو قال لا ينبغى الخ قيل أن يعلم أنه سيد ولد آدم ونصب درجات على تقدير فى أولى، أو على الحالية، أى ذوى درجات أو مفعول ثان لتضمن الرفع معنى التبلبغ. {وآتَيْنَا عيِسَى ابْنَ مَرْيمَ البيِّناتِ}: خصه بالذكر لإفراط اليهود فيه، إذا نفوا رسالته ورموه بالكذب، وإفراط النصارى فى تعظيمه إذ قالوا إنه إله أو ابن إله على خلافهم الفاسد، فبين الله أنهُ من الرسل، ولهُ بينات لا غير رسول ولا إله، أو ابن تالله، وجعل معجزاته سبب تفضيله على من فضل كإحثاء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وخلق الطير من الطين بإذن الله. {وأيَّدنَاهُ بِرُوحِ القُدُس}: قويناه بجبريل كان معه يسير حيث سار، حتى رفع فى السماء السابعة، ومر الكلام فيها، وقيل: خص موسى وعيسى بالذكر، لأن آيآتهما محسات تظهر للحاذق والأبله، ومع ذلك فما أوتى نبى بمعجزة إلا وقد أوتى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بها أو بمثلها، وما أوتى به أقوى وأبقى، وكان شرعه خاتما وناسخا لما قبله مما يدخلهُ النسخ غير منسوخ، وكان شرعه أخذ الجزية إلى نزول عيسى، وبعده القتل إلى قيام الساعة، وكان قوم موسى مغرمين بالسحر، وهانت معجزاته طبقها: كقلب العصى وبياض اليد وقوم عيسى بالطب، فكانت معجزته طبقا كإحياء الموتى وابراء الأكمه وأهل عصر محمد صلى الله عليه وسلم بالفصاحة والبلاغة، فتحداهم بالقرآن فصاحة وبلاغه. {ولوْ شاءَ اللّهُ}: أن يهدى الناس جميعا، أو ألا يقتلوا كفراً. {ما اقْتَتَل الَّذينَ مِنْ بعدِهِمْ}: أى من بعد الرسل وهم اسمهم. {مِنْ بعْدِ ما جاءتهم البَيناتُ}: لاختلافهم وتضليل بعضهم بعضاً، لو شاء الله فساد الأرض ما أقتتل المسلمون مع الكفار، فيكون كقوله {ولولا دفع الله الناس}، والآية دليل على إن الله شاء كفر الكافر وأراده وليس كذلك حبا، بل قضاء، فأخطأت المعتزلة إذ قالوا: لا يشاء الله الشرور، فقالوا: قد يقع ما لا يشاء الله وهو عصبان العاصى، ويشاء ما لم يقع كإيمان الكافر، وطاعة العاصى، فدعاهم ذلك إلى تفسير المشيئة بالقهر. {ولكنِ اخْتَلفُوا فمنِهم مَّنْ آمَنَ}: بالبيات لتوفيق الله إياه فضلا. {ومِنْهُم مَّنْ كَفَر}: بها لإعراضه عنه بخذلانه كالنصارى، لم يبق شئ إلا كفروا به فكفرهم بعسى جعلهم أياه إلها أو ابن الله، وكفرهم بالبعث قولهم إنما تبعث الأرواح. {وَلوْ شاءَ اللّهُ ما اقتتلُوا}: بأن يؤمنوا كلهم، فلا يكون قتال على كفر، وكرر هذا للتأكيد. {ولكنَّ الله يْفْعلُ ما يُريدُ}: مِن توفيق هذا فضلا، وخذلان ذاك عدلا، وحديث على وغيره فى القضاء بسطته فى شرح النيل، وحاصله: أنهُ لا جبر هناك، والله خالق للفعل، والبعد كاسب، وكسبه باختياره، وبخلق الله. وسأل رجل عليا عن القدر فقال: يا أمير المؤمنين خبرنى عن القدر؟ فقال: طريق مظلم فلا تسلكه، فأعاد السؤال فقال: بحر عميق فلا تلحقه، فأعاد السؤال فقال: سر الله قد خفى عليك فلا تفشه.

اطفيش

تفسير : {تِلْكَ} ما تقدم من قوله تعالى، ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم إلى هنا {ءَايَٰتُ اللهِ نَتْلُوهَا} نقصها بالقراءة بلسان جبريل، والجملة حال من آيات، لأن المبتدأ اسم إشارة، أو مستأنفهة {عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} المطابق للواقع بحيث لا يرتاب فيه صاحب التواريخ المحقق، وقارىء الكتب الأولى، متعلق بنتلوها، أو بحال خاصة من ضمير نتلو، أو من ها أو من الكاف {وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} لدلالة ما نقص مع أنك فى أبعد أرض عن أهل الكتاب وأنك لا تقرأ كتابا ولا تكتبه، وأنك لا تجالس القصاص ولا تصاحبهم.

الالوسي

تفسير : {تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ} إشارة إلى ما سلف من حديث الألوف وموتهم وإحيائهم وتمليك طالوت؛ وإظهاره بالآية وإهلاك الجبابرة على يد صبـي وما فيه من البعد للإيذان بعلو شأن المشار إليه، وقيل: إشارة إلى ما مر من أول السورة إلى هنا وفيه بعد، والجملة على التقديرين مستأنفة، وقوله تعالى: {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} أي بواسطة جبريل عليه السلام إما حال من الآيات والعامل معنى الإشارة، وإما جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب {بِٱلْحَقّ} في موضع النصب على أنه حال من مفعول (نتلوها) أي متلبسة باليقين الذي لا يرتاب فيه أحد من أهل الكتاب وأرباب التواريخ لما يجدونها موافقة لما عندهم أو لا ينبغي أن يرتاب فيه أو من فاعله أي نتلوها عليك متلبسين بالحق والصواب وهو معنا أو من الضمير المجرور أي متلبساً بالحق وهو معك. /{وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} حيث تخبر بتلك الآيات وقصص القرون الماضية وأخبارها على ما هي عليه من غير مطالعة كتاب ولا اجتماع بأحد يخبر بذلك. ووجه مناسبة هذه القصة لما قبلها ظاهرة وذلك لأنه تعالى لما أمر المؤمنين بالقتال في سبيله وكان قد قدم قبل ذلك قصة الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت إما بالطاعون أو القتال على سبيل التشجيع والتثبيت للمؤمنين والإعلام أنه لا ينجي حذر من قدر أردف ذلك بأن القتال كان مطلوباً مشروعاً في الأمم السابقة فليس من الأحكام التي خصصتم بها لأن ما وقع فيه الاشتراك كانت النفس أميل لقبوله من التكليف الذي يقع به الانفراد. هذا ومن باب الإشارة في هذه الآيات: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى} تفسير : [البقرة: 246] ملأ القوى {أية : مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [البقرة: 246] البدن {أية : مِن بَعْدِ مُوسَىۤ} تفسير : [البقرة: 246] القلب {أية : إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ} تفسير : [البقرة: 246] عقولهم {أية : ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 246] وطريق الوصول إليه بواسطة أمره وإرشاده {أية : قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ} تفسير : [البقرة: 246] أي إني أتوقع منكم عدم المقاتلة لانغماسكم في أوحال الطبيعة {أية : قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَـٰتِلَ} تفسير : [البقرة: 246] في طريق السير إلى الله تعالى، {أية : وَقَدْ أُخْرِجْنَا} تفسير : [البقرة: 246] من ديار استعداداتنا الأصلية التي لم نزل بالحنين إليها؛ واغتربنا عن أبناء كمالاتنا اللاتي لم نبرح عن مزيد البكاء عليها {أية : فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ} تفسير : [البقرة: 246] لعدوهم الذي تسبب لهم الاغتراب وأحل بهم العجب العجاب {أية : تَوَلَّوْاْ} تفسير : [البقرة: 246] وأعرضوا عن مقاتلته وانتظموا في سلك شيعته {أية : إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ} تفسير : [البقرة: 246] وهم القوى المستعدة {أية : وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ }تفسير : [البقرة: 246] الذين نقصوا حظوظهم {أية : وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ} تفسير : [البقرة: 247] الروح الإنساني {أية : مَلِكاً} تفسير : [البقرة: 247] متوجاً بتاج الأنوار الإلهية جالساً على كسرى التدبيرات الصمدانية {أية : قَالُوۤاْ} تفسير : [البقرة: 247]: لاحتجابهم بحجاب الأنانية وغفلتهم عن العلوم الحقانية كيف يكون له الملك علينا مع انحطاط مرتبته بتنزله إلى عالم الكثافة من عالمه الأصلي وليس فيه مشابهة لنا {أية : وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ} تفسير : [البقرة: 247] لاشتراكنا في عالمنا ومشابهة بعضنا بعضاً وشبيه الشيء ميال إليه قريب اتباعه له:شعر : ولكل شيء آفة من جنسه تفسير : {أية : وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً} تفسير : [البقرة: 247] من مال التصرف إذ لا يتصرف إلا بالواسطة {أية : قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ} تفسير : [البقرة: 247] تعالى اختاره عليكم لبساطته وتركبكم وزاده سعة في العلم الإلهي وقوة في الذات النوراني، {أية : وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء} تفسير : [البقرة: 247] فيدبره بإذنه، {أية : وَٱللَّهُ وٰسِعٌ} تفسير : [البقرة: 247] لسعة الإطلاق، {أية : عَلِيمٌ} تفسير : [البقرة: 247] بالحكم التي تقتضي الظهور والتجلي بمظاهر الأسماء، {أية : وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ} تفسير : [البقرة: 248] عليكم وخلافته من قبل الرب فيكم {أية : أَن يَأْتِيَكُمُ} تفسير : [البقرة: 248] تابوت الصدر {أية : فِيهِ سَكِينَةٌ} تفسير : [البقرة: 248] أي طمأنينة {أية : مِنْ رَبُّكُـمْ} تفسير : [البقرة: 248] وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس بالله تعالى، {أية : وَبَقِيَّةٌ مّمَّا تَرَكَ ءالُ مُوسَىٰ}تفسير : [البقرة: 248] القلب {أية : وَآلُ هَارُونَ} تفسير : [البقرة: 248] السر، وهي من التوحيد وعصا لا إله إلا الله التي تلقف عظيم سحر صفات النفس وطست تجلي الأنوار الذي يغسل به قلوب الأنبياء وشيء من توراة الإلهامات {أية : تَحْمِلُهُ} تفسير : [البقرة: 248 ] ملائكة الاستعدادات لدى طالوت الروح فعند ذلك تسلم له الخلافة وينقاد له جميع أسباط صفات الإنسان، {أية : فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ} تفسير : [البقرة: 249] وجنوده من وزير العقل ومشير القلب ومدبر الأفهام ونظام الحواس {أية : قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ} تفسير : [البقرة: 249] الطبيعة الجسمانية المترع بمياه الشهوات {أية : فَمَن شَرِبَ مِنْهُ} تفسير : [البقرة: 249] وكرع مفرطاً في الري فليس من أشياعي الذين هم من عالم الروحانيات وأهل مكاشفات الصفات {أية : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} تفسير : [البقرة: 249] ويذقه فإنه من سكان حظائر القدس وحضار جلوة عرائس منصة الأنس {أية : إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} تفسير : [البقرة: 249] وقنع من ذلك بقدر الضرورة ولاحتياج من غير حرص وانهماك {أية : فشربوا منه} تفسير : [البقرة: 249] وكرعوا وانهمكوا فيه {أية : إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ} تفسير : [البقرة: 249] وهم المتنزهون عن الأقذار الطبيعية المتقدسون عن ملابسها المتجردون عن غواشيها وقليل ما هم فلما جاوز طالوت الروح نهر الطبيعة وعبره {أية : هُوَ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} تفسير : [البقرة: 249] من القلب والعقل والملك وغيرهم من اتباع الروح {أية : مَعَهُ} تفسير : [البقرة: 249]، قال بعضهم وهم الضعفاء الذين/ لم يصلوا إلى مقام التمكين {أية : لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ} تفسير : [البقرة: 249] بمحاربة جالوت النفس وأعوانه لعراقتهم بالخدع والدسائس {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ} تفسير : [البقرة: 249] يتيقنون {أية : أَنَّهُم مُلاَقُواْ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 249]بالرجوع إليه: {أية : كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً}تفسير : [البقرة: 249] وقهرتها حتى أذهبت كثرتها {أية : بِإِذُنِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 249] وتيسيره، {أية : وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ}تفسير : [البقرة: 249] بالتجلي الخاص لهم، فلما برزوا لحرب جالوت وجنوده تبرءوا من الحول والقوة وقالوا: {أية : رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} تفسير : [البقرة: 250] واستقامة، {أية : وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا} تفسير : [البقرة: 250] في ميادين الجهاد حتى لا نرجع القهقرى من بعد؛ {أية : وَٱنصُرْنَا } تفسير : [البقرة: 250] على أعدائنا الذين ستروا الحق، وهم النفس الأمارة وصفاتها {أية : فَهَزَمُوهُم} تفسير : [البقرة: 251] وكسروهم {أية : بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ}تفسير : [البقرة: 251] القلب {أية : جَالُوتَ}تفسير : [البقرة: 251] النفس، ووصلوا كلهم إلى مقام التمكين فلا يخشون الرجعة والردة، وكان قد رماه بحجر التسليم في مقلاع الرضا بيد ترك الالتفات إلى السوي فأصاب ذلك دماغ هواه فخر صريعاً فآتى الله تعالى داود ملك الخلافة وحكمة الإلهامات {أية : وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء} تفسير : [البقرة: 251] من صنعة لبوس الحروب، ومنطق طيور الواردات وتسبيح جبال الأبدان، {أية : وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم} تفسير : [البقرة: 251] كأرباب الطلب {أية : بِبَعْضِ} تفسير : [البقرة: 251] كالمشايخ الواصلين {أية : لَفَسَدَتِ} تفسير : [البقرة: 251] أرض استعداداتهم المخلوقة في أحسن تقويم عند استيلاء جالوت النفس، {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : ، [البقرة: 251] ومن فضله تحريك سلسلة طلب الطالبين وإلهام أسرارهم إرادة المشايخ الكاملين وتوفيقهم للتمسك بذيل تربيتهم والتشبث بأهداب سيرتهم فسبحانه من جواد لا يبخل ومتفضل على من سأل ومن لم يسأل.

ابن عاشور

تفسير : الإشارة إلى ما تضمنته القصص الماضية وما فيها من العبر، ولكن الحكم العالية في قوله: { أية : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } تفسير : [البقرة: 251]، وقد نَزَّلَها منزِلةَ المشاهد لوضوحها وبيانها وجعلت آيات لأنها دلائل على عظم تصرف الله تعالى وعلى سعة علمه. وقوله: {وإنك لمن المرسلين} خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم تنويهاً بشأنه وتثبيتاً لقلبه، وتعريضاً بالمنكرين رسالته. وتأكيد الجملة بإنَّ للاهتمام بهذا الخبر، وجيء بقوله (من المرسلين) دون أن يقول: وإنك لرسول الله، للرد على المنكرين بتذكيرهم أنه ما كان بدْعاً من الرسل، وأنه أرسله كما أرسل من قبله، وليس في حاله ما ينقص عن أحوالهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}. يفهم من تأكيده هنا بإن واللام أن الكفار ينكرون رسالته كما تقرر في فن المعاني، وقد صرح بهذا المفهوم في قوله: {أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً} تفسير : [الرعد: 43] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتُ} (252) - وَهَذِهِ القَصَصُ التِي قَصَّهَا اللهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّما قَصَّها بِالحَقِّ (أيْ بِالوَاقِعِ الذِي كَانَ الأمرُ عَلَيهِ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا بَيْنَ يَدَي أهْلِ الكِتَابِ مِنَ الحَقِّ) لِتَكُونَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُسْوةٌ يَتأسَّى بِها، وَلِتَكُونَ دَليلاً عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ، وَلِيَعْلَمَ أنَّ الله سَيَنْصُرُهُ كَمَا نَصَرَ مَنْ جَاءَ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، وَلِيعَلْمَ أنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ الذِينَ اصْطَفَاهُمُ اللهُ لِحَمْلِ رِسَالَتِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونعرف أن "تلك" إشارة يخاطب الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ويشير إلى الآيات التي سبقت والتي تدل على عظمة الحق وقيومته، فقد قال الحق من قبل:{أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ}تفسير : [البقرة: 243]. وساعة طلبوا أن يقاتلوا، وأن يبعث لهم ملكاً، وبعثه لهم، وبعث لهم التابوت فيه سكينة، أليست هذه آيات أخرى؟ ومن بعد ذلك أراد الحق أن يأتي مقتل جالوت العملاق الضخم على يد داود الصبي الصغير. أليست هذه آية؟ وآية أخرى هي أن جماعة قليلة - بإقرارهم - حيث قالوا: {أية : كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 249] هذه الجماعة القليلة تدخل المعركة وتهزم الكثرة، أليست هذه آية؟ وهل الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعرف الآيات التي سبقت رسالته؟ لا، ولكنها من إخبار الله له مع إقرار الجميع، وخاصة الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ بأنه لا قرأ ولا كتب ولا جلس إلى معلم، ولا أحد قال له شيئاً؛ حتى الرحلة التي ذهب فيها للتجارة كان يصحبه فيها أناس غيره، ولو كانوا قد رأوه جالساً إلى أحد يعلمه شيئاً، لأذاعوا أن محمداً قد جلس مع فلان، وتعلم منه كذا وكذا. ولكن هذا لم يقله أحد؛ لأنه لم يحدث أصلاً، ولذلك كان إخباره صلى الله عليه وسلم بما يعلمونه هم عندهم هو بعضاً من أسرار معجزته، إنه قد عرف الأخبار السابقة رغم أنه لم يقرأ ولم يكتب ولم يتلق علماً من أحد. وقد تماحك بعض المشركين وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس إلى فتى عند المروة يعلمه هذه الأخبار، فنزل القول الحق يدحض هذا الافتراء: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}تفسير : [النحل: 103]. لقد أثبت الحق أنها حجة باطلة، وزعم كاذب من ناحيتهم. لأن الذي ادّعوا أنه علم الرسول كان أعجمياً. ويقول الحق سبحانه لمحمد صلى الله عليه وسلم: {تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ} [البقرة: 252]. إن كلمة "آيات الله" تعني الأشياء العجيبة، و"نتلوها" أي نجعل كلمة بعد كلمة، وهي من "ولي" أي جاء بعده بلا فاصل. "نتلوها عليك بالحق" والحق هو الشيء الذي وقع موقعه حيث لا يتغير عنه، فلا يتضارب أبداً. فهب أن حادثة وقعت أمامك، ثم سُئلت عنها ألف مرة في طيلة حياتك ستجد أن جوابك لن يختلف عليها أبداً؛ لأنك تحكي واقعاً رأيته، لكن لو كانت الحكاية كذباً؛ فستجد أن روايتك لها في المرة الثانية تتغير؛ لأنك لا تذكر ماذا قلت في المرة الأولى؛ لأنك لا تحكي عن واقع يأخذك وتلتزم به، وكذلك الحق لا يتغير، ولا يتضارب، ولا يتعارض. {تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ} [البقرة: 252] وما دام الحق سبحانه هو الذي يقولها، فسيقولها لك حقيقة، وعندئذ يعرف الآخرون أنك عرفت ما عندهم مما يخفونه في كتبهم يقوله بعضهم لبعض، هنا يعرفون أنك من المرسلين، ولذلك نحن نجد في "ماكانات القرآن" التي يقول فيها تعالى: "ما كُنت"، "ما كُنت"، و"ما كنت" ومثل قوله الحق:{أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ}تفسير : [القصص: 44]. أي ما كنت يا محمد حاضراً مع موسى في المكان الغربي من الجبل حين عهد الله إليه بأمر الرسالة، ولم تكن معاصراً لموسى ولا مشاهداً تبليغه للرسالة فكيف يكذبك قومك وأنت تتلو عليهم أنباء السابقين؟ ومثال ذلك قوله الحق:{أية : ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}تفسير : [آل عمران: 44]. إن الذي رواه القرآن لك يا محمد من الأخبار الجليلة عمن اصطفاهم الله هي من الغيب الذي أوحى الله به إليك. وما كنت حاضراً معهم وهم يقترعون بالسهام ليعلم بالقرعة من يقوم بشئون مريم، وما كنت معهم وهم يختصمون في نيل هذا الشرف النبيل. ومثال ذلك قوله الحق سبحانه: {أية : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}تفسير : [القصص: 46]. أي ما كنت أيها الرسول حاضراً في جانب الطور حين نادينا موسى لما أتى الميقات وكلمه ربه وناجاه، ولكن الله أعلمك بهذا عن طريق الوحي رحمة بك وبأمتك، ولتبلغه لقوم لم يأتهم رسول من قبلك لعلهم يتذكرون ويؤمنون. ومثال ذلك قوله الحق: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الشورى: 52]. إن القرآن هو وحي منزل من عند الله، يُعرِّف المؤمنين النور إلى الهداية وتكاليف الحق، ويهدي من اختار الهدى، وإنك يا محمد لتدعو بهذا القرآن إلى صراط مستقيم. إن كل "ما كنت" في القرآن الكريم هي دليل على أن ما أخبرك به جبريل رسولاً من عند الله إليك، وحاملاً للوحي من الله هو الحق؛ فتعلمه أنت يا محمد بطريقة خاصة وعلى نهج مخصوص، رغم أنك لم تقرأ كتاباً ولم تجلس إلى معلم. وما تخبرهم به من آيات هي موافقة لما معهم، وكان من الواجب أن يقولوا إن الذي علمك هذا هو الله سبحانه وتعالى، وكان يجب أن يقروا ويشهدوا بأنك من المرسلين. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ...}.