Verse. 258 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

فَہَزَمُوْھُمْ بِـاِذْنِ اؘ۝۰ۣۙ وَقَتَلَ دَاوٗدُ جَالُوْتَ وَاٰتٰىہُ اللہُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَۃَ وَعَلَّمَہٗ مِمَّا يَشَاۗءُ۝۰ۭ وَلَوْ لَا دَفْعُ اللہِ النَّاسَ بَعْضَہُمْ بِبَعْضٍ۝۰ۙ لَّفَسَدَتِ الْاَرْضُ وَلٰكِنَّ اللہَ ذُوْ فَضْلٍ عَلَي الْعٰلَمِيْنَ۝۲۵۱
Fahazamoohum biithni Allahi waqatala dawoodu jaloota waatahu Allahu almulka waalhikmata waAAallamahu mimma yashao walawla dafAAu Allahi alnnasa baAAdahum bibaAAdin lafasadati alardu walakinna Allaha thoo fadlin AAala alAAalameena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فهزموهم» كسروهم «بإذن الله» بإرادته «وقتل داود» وكان في عسكر طالوت «جالوت وآتاه» أي داود «الله الملك» في بني إسرائيل «والحكمة» النبوة بعد موت شمويل وطالوت ولم يجتمعا لأحد قبله «وعلّمه مما يشاء» كصنعة الدروع ومنطق الطير «ولولا دفع الله الناس بعضهم» بدل بعض من الناس «ببعض لفسدت الأرض» بغلبة المشركين وقتل المسلمين وتخريب المساجد «ولكنّ الله ذو فضل على العالمين» فدفع بعضهم ببعض.

251

Tafseer

الرازي

تفسير : المعنى: أن الله تعالى استجاب دعاءهم، وأفرغ الصبر عليهم، وثبت أقدامهم، ونصرهم على القوم الكافرين: جالوت وجنوده وحقق بفضله ورحمته ظن من قال: {كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وهزموهم بِإِذُنِ ٱللَّهِ } وأصل الهزم في اللغة الكسر، يقال سقاء منهزم إذا تشقق مع جفاف، وهزمت العظم أو القصبة هزماً، والهزمة نقرة في الجبل، أو في الصخرة، قال سفيان بن عيينة في زمزم: هي هَزْمَةُ جبريل يريد هزمها برجله فخرج الماء، ويقال: سمعت هزمة الرعد كأنه صوت فيه تشقق، ويقال للسحاب: هزيم، لأنه يتشقق بالمطر، وهزم الضرع وهزمه ما يكسر منه، ثم أخبر تعالى أن تلك الهزيمة كانت بإذن الله وبإعانته وتوفيقه وتيسيره، وأنه لولا إعانته وتيسيره لما حصل ألبتة ثم قال: {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن داود عليه السلام كان راعياً وله سبعة أخوة مع طالوت فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم إيشاً أرسل ابنه داود إليهم ليأتيه بخبرهم، فأتاهم وهم في المصاف وبدر جالوت الجبار وكان من قوم عاد إلى البراز فلم يخرج إليه أحد فقال: يا بني إسرائيل لو كنتم على حق لبارزني بعضكم فقال داود لإخوته أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف؟ فسكتوا، فذهب إلى ناحية من الصف ليس فيها إخوته فمر به طالوت وهو يحرض الناس، فقال له داود: ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟ فقال طالوت: أنكحه ابنتي وأعطيه نصف ملكي فقال داود: فأنا خارج إليه وكان عادته أن يقاتل بالمقلاع الذئب والأسد في الرعي، وكان طالوت عارفاً بجلادته، فلما هم داود بأن يخرج رماه فأصابه في صدره، ونفذ الحجر فيه، وقتل بعده ناساً كثيراً، فهزم الله جنود جالوت {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ } فحسده طالوت وأخرجه من مملكته، ولم يف له بوعده، ثم ندم فذهب يطلبه إلى أن قتل، وملك داود وحصلت له النبوة، ولم يجتمع في بني إسرائيل الملك والنبوة إلا له. اعلم أن قوله: {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ } يدل على أن هزيمة عسكر جالوت كانت من طالوت وإن كان قتل جالوت ما كان إلا من داود ولا دلالة في الظاهر على أن انهزام العسكر كان قبل قتل جالوت أو بعده، لأن الواو لا تفيد الترتيب. أما قوله تعالى: {وَآتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعضهم آتاه الله الملك والنبوة جزاء على ما فعل من الطاعة العظيمة، وبذل النفس في سبيل الله، مع أنه تعالى كان عالماً بأنه صالح لتحمل أمر النبوة، والنبوة لا يمتنع جعلها جزاء على الطاعات كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ * وَءَاتَيْنَـٰهُم مِنَ ٱلاْيَـٰتِ مَا فِيهِ بَلَؤٌاْ مُّبِينٌ } تفسير : [الدخان: 32، 33] وقال: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } تفسير : [الأنعام: 124] وظاهر هذه الآية يدل أيضاً على ذلك لأنه تعالى لما حكى عن داود أنه قتل جالوت، قال بعده: {وَآتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ } والسلطان إذا أنعم على بعض عبيده الذين قاموا بخدمة شاقة، يغلب على الظن أن ذلك الإنعام لأجل تلك الخدمة، وقال الأكثرون: إن النبوة لا يجوز جعلها جزاء على الأعمال، بل ذلك محض التفضل والإنعام، قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [الحج: 75]. المسألة الثانية: قال بعضهم: ظاهر الآية يدل على أن داود حين قتل جالوت آتاه الله الملك والنبوة، وذلك لأنه تعالى ذكر إيتاء الملك والنبوة عقيب ذكره لقتل داود جالوت، وترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وبيان المناسبة أنه عليه السلام لما قتل مثل ذلك الخصم العظيم بالمقلاع والحجر، كان ذلك معجزاً، لا سيما وقد تعلقت الأحجار معه وقالت: خذنا فإنك تقتل جالوت بنا، فظهور المعجز يدل على النبوة، وأما الملك فلأن القوم لما شاهدوا منه قهر ذلك العدو العظيم المهيب بذلك العمل القليل، فلا شك أن النفوس تميل إليه وذلك يقتضي حصول الملك له ظاهراً، وقال الأكثرون: إن حصول الملك والنبوة له تأخر عن ذلك الوقت بسبع سنين على ما قاله الضحاك، قالوا والروايات وردت بذلك، قالوا: لأن الله تعالى كان قد عين طالوت للملك فيبعد أن يعزله عن الملك حال حياته، والمشهور في أحوال بني إسرائيل كان نبـي ذلك الزمان أشمويل، وملك ذلك الزمان طالوت، فلما توفي أشمويل أعطى الله تعالى النبوة لداود، ولما مات طالوت أعطى الله تعالى الملك لداود، فاجتمع الملك والنبوة فيه. المسألة الثالثة: {ٱلْحِكْمَةَ } هي وضع الأمور مواضعها على الصواب والصلاح، وكمال هذا المعنى إنما يحصل بالنبوة، فلا يبعد أن يكون المراد بالحكمة ههنا النبوة، قال تعالى: {أية : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً } تفسير : [النساء: 54] وقال فيما بعث به نبيه عليه السلام {أية : وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ } تفسير : [آل عمران: 146]. فإن قيل: فإذا كان المراد من الحكمة النبوة، فلم قدم الملك على الحكمة؟ مع أن الملك أدون حالاً من النبوة. قلنا: لأن الله تعالى بين في هذه الآية كيفية ترقي داود عليه السلام إلى المراتب العالية، وإذا تكلم المتكلم في كيفية الترقي، فكل ما كان أكثر تأخراً في الذكر كان أعلى حالاً وأعظم رتبة. أما قوله تعالى: {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } ففيه وجوه أحدها: أن المراد به ما ذكره في قوله: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ } تفسير : [الأنبياء: 80] وقال: {أية : وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ * أَنِ ٱعْمَلْ سَـٰبِغَـٰتٍ وَقَدّرْ فِى ٱلسَّرْدِ } تفسير : [سبأ: 10، 11] وثانيها: أن المراد كلام الطير والنمل، قال تعالى حكاية عنه: {أية : عُلّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ } تفسير : [النمل: 16] وثالثها: أن المراد به ما يتعلق بمصالح الدنيا وضبط الملك، فإنه ما ورث الملك من آبائه، لأنهم ما كانوا ملوكاً بل كانوا رعاة ورابعها: علم الدين، قال تعالى: {أية : وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً } تفسير : [النساء: 163] وذلك لأنه كان حاكماً بين الناس، فلا بد وأن يعلمه الله تعالى كيفية الحكم والقضاء وخامسها: الألحان الطيبة، ولا يبعد حمل اللفظ على الكل. فإن قيل: إنه تعالى لما ذكر إنه آتاه الحكمة، وكان المراد بالحكمة النبوة، فقد دخل العلم في ذلك، فلم ذكر بعده {علمه مِمَّا يَشَاء }. قلنا: المقصود منه التنبيه على أن العبد قط لا ينتهي إلى حالة يستغني عن التعلم، سواء كان نبياً أو لم يكن، ولهذا السبب قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أية : وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً } تفسير : [طهۤ: 114] ثم قال تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ }. اعلم أنه تعالى لما بين أن الفساد الواقع بجالوت وجنوده زال بما كان من طالوت وجنوده، وبما كان من داود من قتل جالوت بين عقيب ذلك جملة تشتمل كل تفصيل في هذا الباب، وهو أنه تعالى يدفع الناس بعضهم ببعض لكي لا تفسد الأرض، فقال: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ } وههنا مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ } بغير ألف، وكذلك في سورة الحج {أية : وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ }تفسير : [الحج: 40] وقرآ جميعاً {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يدفع عَنِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [الحج: 38] بغير ألف ووافقهما عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر اليحصبي على دفع الله بغير ألف إلا أنهم قرؤا {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } بالألف، وقرأ نافع {وَلَوْلاَ دفاع ٱللَّهِ } و {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ } بالألف. إذا عرفت هذه الروايات فنقول: أما من قرأ: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ }، {إِنَّ ٱللَّهَ يدفع} فوجهه ظاهر، وأما من قرأ: {وَلَوْلاَ دفاع ٱللَّهِ }، {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } فوجه الإشكال فيه أن المدافعة مفاعلة، وهي عبارة عن كون كل واحد من المدافعين دافعاً لصاحبه ومانعاً له من فعله، وذلك من العبد في حق الله تعالى محال، وجوابه أن لأهل اللغة في لفظ دفاع قولين أحدهما: أنه مصدر لدفع، تقول: دفعته دفعاً ودفاعاً، كما تقول: كتبته كتباً وكتاباً، قالوا: وفعال كثيراً يجيء مصدراً للثلاثي من فعل وفعل، تقول: جمح جماحاً، وطمح طماحاً، وتقول: لقيته لقاء، وقمت قياماً، وعلى هذا التأويل كان قوله: {وَلَوْلاَ دفاع ٱللَّهِ } معناه ولولا دفع الله. والقول الثاني: قول من جعل دفاع من دافع، فالمعنى أنه سبحانه إنما يكف الظلمة والعصاة عن ظلم المؤمنين على أيدي أنبيائه ورسله وأئمة دينه وكان يقع بين أولئك المحقين وأولئك المبطلين مدافعات ومكافحات، فحسن الإخبار عنه بلفظ المدافعة، كما قال: {أية : يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } تفسير : [المائدة: 33]، {أية : وَشَاقُّواْ ٱللَّه } تفسير : [الأنفال: 13] وكما قال: {أية : قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [التوبة: 30] ونظائره والله أعلم. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية المدفوع والمدفوع به، فقوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم } إشارة إلى المدفوع، وقوله: {بِبَعْضِ } إشارة إلى المدفوع به، فأما المدفوع عنه فغير مذكور في الآية، فيحتمل أن يكون المدفوع عنه الشرور في الدين ويحتمل أن يكون المدفوع عنه الشرور في الدنيا، ويحتمل أن يكون مجموعهما. أما القسم الأول: وهو أن يكون المدفوع عنه الشرور في الدين، فتلك الشرور إما أن يكون المرجع بها إلى الكفر، أو إلى الفسق، أو إليهما، فلنذكر هذه الاحتمالات. الاحتمال الأول: أن يكون المعنى: ولولا دفع الله بعض الناس عن الكفر بسبب البعض، وعلى هذا التقدير فالدافعون هم الأنبياء وأئمة الهدى فإنهم الذين يمنعون الناس عن الوقوع في الكفر بإظهار الدلائل والبراهين والبينات قال تعالى: {أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } تفسير : [إبراهيم: 1]. والاحتمال الثاني: أن يكون المراد: ولولا دفع الله بعض الناس عن المعاصي والمنكرات بسبب البعض، وعلى هذا التقدير فالدافعون هم القائمون بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على ما قال تعالى: {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } تفسير : [آل عمران: 110] ويدخل في هذا الباب: الأئمة المنصوبون من قبل الله تعالى لأجل إقامة الحدود وإظهار شعائر الإسلام ونظيره قوله تعالى: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيّئَةَ } تفسير : [المؤمنون: 96] وفي موضع آخر: {أية : وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيّئَةَ } تفسير : [الرعد: 22]. الاحتمال الثالث: ولولا دفع الله بعض الناس عن الهرج والمرج وإثارة الفتن في الدنيا بسبب البعض، واعلم أن الدافعين على هذا التقدير هم الأنبياء عليهم السلام، ثم الأئمة والملوك الذابون عن شرائعهم، وتقريره: أن الإنسان الواحد لا يمكنه أن يعيش وحده، لأنه ما لم يخبز هذا لذاك ولا يطحن ذاك لهذا، ولا يبني هذا لذاك، ولا ينسج ذاك لهذا، لا تتم مصلحة الإنسان الواحد، ولا تتم إلا عند اجتماع جمع في موضع واحد، فلهذا قيل: الإنسان مدني بالطبع، ثم إن الاجتماع بسبب المنازعة المفضية إلى المخاصمة أولاً، والمقاتلة ثانياً، فلا بد في الحكمة الإلهية من وضع شريعة بين الخلق، لتكون الشريعة قاطعة للخصومات والمنازعات، فالأنبياء عليهم السلام الذين أوتوا من عند الله بهذه الشرائع هم الذين دفع الله بسببهم وبسبب شريعتهم الآفات عن الخلق فإن الخلق ما داموا يبقون متمسكين بالشرائع لا يقع بينهم خصام ولا نزاع، فالملوك والأئمة متى كانوا يتمسكون بهذه الشرائع كانت الفتن زائلة، والمصالح حاصلة فظهر أن الله تعالى يدفع عن المؤمنين أنواع شرور الدنيا بسبب بعثة الأنبياء عليهم السلام واعلم أنه كما لا بد في قطع الخصومات والمنازعات من الشريعة فكذا لا بد في تنفيذ الشريعة من الملك، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام «حديث : الإسلام والسلطان أخوان توأمان» تفسير : وقال أيضاً: «حديث : الإسلام أمير، والسلطان حارس، فما لا أمير له فهو منهزم، وما لا حارس له فهو ضائع» تفسير : ولهذا يدفع الله تعالى عن المسلمين أنواع شرور الدنيا بسبب وضع الشرائع وبسبب نصب الملوك وتقويتهم، ومن قال بهذا القول قال في تفسير قوله: {لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ } أي لغلب على أهل الأرض القتل والمعاصي، وذلك يسمى فساداً قال الله تعالى: {أية : وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ } تفسير : [البقرة: 205] وقال: {أية : أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِى ٱلأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ من المصلحين} تفسير : [القصص: 19] وقال: {أية : إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ } تفسير : [غافر: 26] وقال: {أية : أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الأعراف: 127] وقال: {أية : ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ } تفسير : [الروم: 41] وهذا التأويل يشهد له قوله في سورة الحج:{أية : وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدّمَتْ صَوٰمِعُ وَبِيَعٌ َلَوٰتٌ وَمَسَـٰجِدُ } تفسير : [الحج: 40] الاحتمال الرابع: ولولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار، لفسدت الأرض ولهلكت بمن فيها، وتصديق هذا ما روي أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يدفع بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي، وبمن يزكي عمن لا يزكي، وبمن يصوم عمن لا يصوم، وبمن يحج عمن لا يحج، وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء لما أنظرهم الله طرفة عين» تفسير : ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على صحة هذا القول من القرآن قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحاً } تفسير : [الكهف: 82] وقال تعالى: {أية : وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَـٰتٌ } تفسير : [الفتح: 25] إلى قوله: {أية : وَلَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } تفسير : [الفتح: 25] وقال: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } تفسير : [الأنفال: 33] ومن قال بهذا القول قال في تفسير قوله: {لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ } أي لأهلك الله أهلها لكثرة الكفار والعصاة. والاحتمال الخامس: أن يكون اللفظ محمولاً على الكل، لأن بين هذه الأقسام قدراً مشتركاً وهو دفع المفسدة، فإذا حملنا اللفظ عليه دخلت الأقسام بأسرها فيه. المسألة الثالثة: قال القاضي: هذه الآية من أقوى ما يدل على بطلان الجبر، لأنه إذا كان الفساد من خلقه فكيف يصلح أن يقول تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ } ويجب أن لا يكون على قولهم لدفاع الناس بعضهم ببعض تأثير في زوال الفساد وذلك لأن على قولهم الفساد إنما لا يقع بسبب أن لا يفعله الله تعالى ولا يخلقه لا لأمر يرجع إلى الناس. والجواب: أن الله تعالى لما كان عالماً بوقوع الفساد، فإذا صح مع ذلك العلم أن لا يفعل الفساد كان المعنى أنه يصح من العبد أن يجمع بين عدم الفساد وبين العلم بوجود الفساد، فيلزم أن يكون قادراً على الجمع بين النفي والإثبات وهو محال. أما قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } فالمقصود منه أن دفع الفساد بهذا الطريق إنعام يعم الناس كلهم، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكل بقضاء الله تعالى، فقالوا: لو لم يكن فعل العبد خلقاً لله تعالى، لم يكن دفع المحققين شر المبطلين فضلاً من الله تعالى على أهل الدنيا لأن المتولي لذلك الدفع إذا كان هو العبد من قبل نفسه وباختياره ولم يكن لله تعالى {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } عقيب قوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ } يدل على أنه تعالى ذو فضل على العالمين بسبب ذلك الدفع، فدل هذا على أن ذلك الدفع الذي هو فعلهم هو من خلق الله تعالى ومن تقديره. فإن قالوا: يحمل هذا على البيان والإرشاد والأمر. قلنا: كل ذلك قائم في حق الكفار والفجار ولم يحصل منه الدفع، فعلمنا أن فضل الله ونعمته علينا إنما كان بسبب نفس ذلك الدفع وذلك يوجب قولنا، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : . قوله تعالىٰ: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي فأنزل الله عليهم النصر، «فَهَزَمُوهُمْ»: فكسروهم. والهزم: الكسر، ومنه سِقاء مُتَهَزِّم، أي انثنى بعضه على بعض مع الجفاف، ومنه ما قيل في زمزم: إنها هَزْمَةُ جِبريل، أي هزمها جبريل برجله فخرج الماء. والهزم: ما تكسر من يابس الحطب. قوله تعالىٰ: {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ} وذلك أن طالوت الملك اختاره من بين قومه لقتال جالوت، وكان رجلاً قصيراً مِسقاماً مِصفاراً أصغر أزرق، وكان جالوت من أشدّ الناس وأقواهم وكان يهزم الجيوش وحده، وكان قتل جالوت وهو رأس العمالقة على يده. وهو داود بن إيشَى ـ بكسر الهمزة، ويُقال: داود بن زكريا بن رشوى، وكان من سِبط يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السَّلام، وكان من أهل بيت المقدس جمع له بين النبوّة والملك بعد أن كان راعياً وكان أصغر إخوته وكان يرعىٰ غنماً، وكان له سبعة إخوة في أصحاب طالوت؛ فلما حضرت الحرب قال في نفسه: لأذهبنّ إلى رؤية هذه الحرب، فلما نهض في طريقه مر بحجر فناداه: يا داود خذني فبي تقتل جالوت، ثم ناداه حَجَر آخر ثم آخر فأخذها وجعلها في مخِلاته وسار، فخرج جالوت يطلب مبارِزاً فكَعّ الناس عنه حتى قال طالوت: من يَبْرُز إليه ويقتله فأنا أزوّجه ابنتي وأحكِّمه في مالي؛ فجاء داود عليه السَّلام فقال: أنا أبرز إليه وأقتله، فٱزدراه طالوت حين رآه لصغر سِنِّه وقصره فردّه، وكان داود أزرق قصيراً؛ ثم نادى ثانية وثالثة فخرج داود، فقال طالوت له: هل جرّبت نفسك بشيء؟ قال نعم؛ قال بماذا؟ قال: وقع ذئب في غنمي فضربته ثم أخذت رأسه فقطعته من جسده. قال طالوت: الذئب ضعيف، هلى جرّبت نفسك في غيره؟ قال: نعم، دخل الأسد في غنمي فضربته ثم أخذت بلحييه فشققتهما؛ أفترى هذا أشدّ من الأسد؟ قال لا؛ وكان عند طالوت دِرْعٌ لا تستوي إلاَّ على من يقتل جالوت، فأخبره بها وألقاها عليه فاستوت؛ فقال طالوت: فٱركب فرسي وخذ سلاحي ففعل؛ فلما مشى قليلاً رجع فقال الناس: جَبُن الفتى! فقال داود: إن الله إن لم يقتله لي ويُعِنِّي عليه لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح، ولكنِّي أحب أن أُقاتله على عادتي. قال: وكان داود من أرْمَى الناس بالمِقْلاع، فنزل وأخذ مِخْلاته فتقلّدها وأخذ مقلاعه وخرج إلى جالوت، وهو شاكٍ في سلاحه على رأسه بيضة فيها ثلاثمائة رطل، فيما ذكر الماوردي وغيره؛ فقال له جالوت: أنت يا فتى تخرج إلي! قال نعم؛ قال: هكذا كما تخرج إلى الكلب! قال نعم، وأنت أهون. قال: لأطعمنّ لحمك اليوم للطّيْر والسِّباع؛ ثم تدانيا وقصد جالوت أن يأخذ داود بيده استخفافاً به، فأدخل داود يده إلى الحجارة، فرُوي أنها التأمَتْ فصارت حجراً واحداً، فأخذه فوضعه في المقلاع وسمى الله وأداره ورماه فأصاب به رأس جالوت فقتله، وحز رأسه وجعله في مِخلاته، وٱختلط الناس وحمل أصحاب طالوت فكانت الهزيمة. وقد قيل: إنما أصاب بالحجر من البيضة موضع أنفه، وقيل: عينه وخرج من قفاه، وأصاب جماعة من عسكره فقتلهم. وقيل: إن الحجر تفَتّت حتى أصاب كل من في العسكر شيء منه؛ وكان كالقبْضَة التي رمَىٰ بها النبي صلّىٰ الله عليه وسلم هَوَازن يوم حُنَيْن، والله أعلم. وقد أكثر الناس في قصص هذه الآي، وقد ذكرت لك منها المقصود والله المحمود. قلت: وفي قول طالوت: «ومن يبرز له ويقتله فأني أزوّجه ابنتي وأحكِّمه في مالي» معناه ثابت في شرعنا، وهو أن يقول الإمام: من جاء برأس فله كذا، أو أسير فله كذا، على ما يأتي بيانه في «الأنفال» إن شاء الله تعالىٰ. وفيه دليل على أن المبارزة لا تكون إلاَّ بإذن الإمام؛ كما يقوله أحمد وإسحاق وغيرهما. واختلف فيه عن الأوزاعيّ فحكي عنه أنه قال: لا يحمل أحد إلاَّ بإذن إمامه. وحكي عنه أنه قال: لا بأس به، فإن نهى الإمام عن البَرَاز فلا يُبارز أحد إلاَّ بإذنه. وأباحت طائفة البراز ولم تذكر بإذن الإمام ولا بغير إذنه؛ هذا قول مالك. سئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين: من يبارز؟ فقال: ذلك إلى نيته إن كان يريد بذلك الله فأرجو ألا يكون به بأس، قد كان يُفعَل ذلك فيما مضى. وقال الشافعيّ: لا بأس بالمبارزة. قال ابن المنذر: المبارزة بإذن الإمام حسن، وليس على من بارز بغير إذن الإمام حرج، وليس ذلك بمكروه لأني لا أعلم خبراً يمنع منه. {وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ} قال السدي: أتاه الله ملك طالوت ونبوّة شمعون. والذي علّمه هو صنعة الدرُوع ومنطق الطير وغير ذلك من أنواع ما علمه صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس: هو أن الله أعطاه سلسلة موصولة بالمجرّة والفلك ورأسها عند صومعة داود؛ فكان لا يحدث في الهواء حدث إلاَّ صلصلت السلسلة فيعلم داود ما حدث، ولا يمسها ذو عاهة إلاَّ برىء؛ وكانت علامة دخول قومه في الدِّين أن يمسوها بأيديهم ثم يمسحون أكفّهم على صدورهم، وكانوا يتحاكمون إليها بعد داود عليه السَّلام إلى أن رفعت. قوله تعالىٰ: {مِمَّا يَشَآءُ} أي مما شاء، وقد يوضع المستقبل موضع الماضي، وقد تقدّم. قوله تعالىٰ: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ } فيه مسألتان: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} كذا قراءة الجماعة، إلاَّ نافعاً فإنه قرأ «دِفَاعُ» ويجوز أن يكون مصدراً لفعل كما يُقال: حسبت الشيء حساباً، وآبَ إيَاباً، ولقيته لقاء؛ ومثله كتبه كتاباً؛ ومنه {أية : كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} تفسير : [النساء: 24]. النحاس: وهذا حسن؛ فيكون دفاع ودفع مصدرين لِدَفَعَ وهو مذهب سيبويه. وقال أبو حاتم: دافع ودَفَعَ بمعنى واحد؛ مثل طرقت النعل وطارقت؛ أي خَصَفْت إحداهما فوق الأُخرىٰ، والخصف: الخرز. واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور «وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ». وأنكر أن يقرأ «دِفَاعُ» وقال: لأن الله عزّ وجلّ لا يغالبه أحد. قال مكيّ: هذا وَهْمٌ توهّم فيه باب المفاعلة وليس به، واسم «الله» في موضع رفع بالفعل، أي لولا أن يدفع الله. و «دِفَاعُ» مرفوع بالابتداء عند سيبويه. «النّاسَ» مفعول، «بَعْضَهُمْ» بدل من الناس، «بِبَعْضٍ» في موضع المفعول الثاني عند سيبويه، وهو عنده مثل قولك: ذهبت بزيد، فزيد في موضع مفعول فٱعلمه. الثانية ـ واختلف العلماء في الناس المدفوع بهم الفساد من هم؟ فقيل: هم الأبْدَال وهم أربعون رجلاً كلما مات واحد بدّل الله آخر، فإذا كان عند القيامة ماتوا كلهم؛ اثنان وعشرون منهم بالشام وثمانية عشر بالعراق. وروي عن عليّ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الأبدال يكونون بالشام وهم أربعون رجلاً كلما مات منهم رجل أبدل الله مكانه رجلاً يسقي بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء ويصرف بهم عن أهل الأرض البلاء»تفسير : ذكره الترمذيّ الحكيم في «نوادر الأُصول». وخرّج أيضاً عن أبي الدرداء قال: إن الأنبياء كانوا أوتاد الأرض، فلما انقطعت النبوّة أبدل الله مكانهم قوماً من أُمة محمد صلى الله عليه وسلم يُقال لهم الأبدال؛ لم يفضلوا الناس بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بحسن الخلق وصدق الورع وحسن النية وسلامة القلوب لجميع المسلمين والنصيحة لهم ابتغاء مرضاة الله بصبر وحلم ولب وتواضع في غير مَذلّة، فهم خلفاء الأنبياء قوم اصطفاهم الله لنفسه واستخلصهم بعلمه لنفسه، وهم أربعون صِدّيقاً منهم ثلاثون رجلاً على مثل يقين إبراهيم خليل الرّحمٰن، يدفع الله بهم المكاره عن أهل الأرض والبلايا عن الناس، وبهم يُمطَرون ويُرزَقون، لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد أنشأ من يخلفه. وقال ابن عباس: ولولا دفع الله العدوّ بجنود المسلمين لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين وخرّبوا البلاد والمساجد. وقال سفيان الثوريّ: هم الشهود الذين تُستخرج بهم الحقوق. وحكى مكيّ أن أكثر المفسرين على أن المعنى: لولا أن الله يدفع بمن يصلِّي عمن لا يصلِّي وبمن يتقي عمن لا يتقي لأهلك الناس بذنوبهم؛ وكذا ذكر النحاس والثعلبيّ أيضاً. (قال الثعلبي) وقال سائر المفسرين: ولولا دفاع الله المؤمنين الأبرار عن الفجار والكفار لفسدت الأرض، أي هلكت. وذكر حديثاً أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «إن الله يدفع العذاب بمن يصلّي من أُمتي عمن لا يصلِّي وبمن يزكِّي عمن لا يزكِّي وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما أنظرهم الله طرفة عين» ـ ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ «وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الاٌّرْضُ»تفسير : . وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن لله ملائكة تنادي كل يوم لولا عباد رُكَّعٌ وأطفال رُضّع وبهائم رُتّع لصبّ عليكم العذاب صبا»تفسير : خرّجه أبو بكر الخطيب بمعناه من حديث الفضيل بن عياض. حدّثنا منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لولا فيكم رجال خُشّع وبهائم رُتّع وصبيان رُضّع لصب العذاب على المؤمنين صبا»تفسير : . أخذ بعضهم هذا المعنى فقال:شعر : لولا عبادٌ للإلٰه رُكّعُ وصِبْيَة من اليتامىٰ رُضّعُ وَمُهْمَلاتٌ في الفَلاة رُتّعُ صُبّ عليكم العذاب الأوْجَعُ تفسير : وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله ليصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم»تفسير : . وقال قتادة: يبتلى الله المؤمن بالكافر ويعافى الكافر بالمؤمن. وقال ابن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة من أهل بيته وجيرانه البلاء»تفسير : . ثم قرأ ابن عمر «وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ». وقيل: هذا الدفع بما شرع على ألْسِنَة الرسل من الشرائع، ولولا ذلك لتسالب الناس وتناهبوا وهلكوا، وهذا قول حسن فإنه عموم في الكف والدفع وغير ذلك فتأمّله. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ }. بيّن سبحانه أن دفعه بالمؤمنين شر الكافرين فضلٌ منه ونعمةٌ.

البيضاوي

تفسير : {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ} فكسروهم بنصره، أو مصاحبين لنصره إياهم إجابة لدعائهم. {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ } قيل: كان إيشا في عسكر طالوت معه ستة من بنيه، وكان داود سابعهم وكان صغيراً يرعى الغنم، فأوحى الله إلى نبيهم أنه الذي يقتل جالوت فطلبه من أبيه فجاء وقد كلمه في الطريق ثلاثة أحجار وقالت له: إنك بنا تقتل جالوت، فحملها في مخلاته ورماه بها فقتله ثم زوجه طالوت بنته. {وَآتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} أي ملك بني إسرائيل ولم يجتمعوا قبل داود على ملك. {وَٱلْحِكْــمَةَ} أي النبوة. {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } كالسرد وكلام الدواب والطير. {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } ولولا أنه سبحانه وتعالى يدفع بعض الناس ببعض وينصر المسلمين على الكفار ويكف بهم فسادهم، لغلبوا وأفسدوا في الأرض، أو لفسدت الأرض بشؤمهم. وقرأ نافع هنا وفي الحج «دفاع الله».

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَهَزَمُوهُم } كسروهم {بِإِذُنِ ٱللَّهِ } بإرادته {وَقَتَلَ دَاوُودُ } وكان في عسكر طالوت {جَالُوتَ وَءَاتَٰهُ } أي داود {ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ } في بني إسرائيل {وَٱلْحِكْمَةِ } والنبوّة بعد موت شمويل وطالوت ولم يجتمعا لأحد قبله {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } كصنعة الدروع ومنطق الطير {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم } بدل بعض من (الناس) {بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ } بغلبة المشركين وقتل المسلمين وتخريب المساجد {وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ } فدفع بعضهم ببعض.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ} بنصر الله، أضاف الهزيمة إليهم تجاوزاً لأنهم بالإلجاء إليها صاروا سبباً لها. {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ} رماه بحجر بين عينيه فخرج من قفاه فقتل جماعة من عسكره، وكان نبياً قبل قتله لوقوع هذا الخارق على يديه، أو لم يكن نبياً، لأنه لا يجوز أن يولى على النبي من ليس بنبي. {الْمُلْكَ} السلطان. {وَالْحِكْمَةَ} النبوة. {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} قيل صنعة الدروع، والتقدير في السرد. {دَفْعُ اللَّهِ} الهلاك عن البر بالفاجر، أو يدفع باللطف للمؤمن وبالرعب في قلب الكافر. {لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ} لعم فسادها.

الخازن

تفسير : {فهزموهم بإذن الله} يعني أن الله تعالى استجاب دعاء المؤمنين فأفرغ عليهم الصبر وثبت أقدامهم ونصرهم على القوم الكافرين حين التقوا فهزموهم بإذن الله يعني بقضائه وإرادته وأصل الهزم في اللغة الكسر أي كسروهم وردوهم {وقتل داود جالوت} وكانت قصة قتله ما ذكره أهل التفسير وأصحاب الأخبار أنه عبر النهر فيمن عبر مع طالوت أيشا أبو داود في ثلاثة عشر ابناً له وكان داود أصغرهم وكان يرمي بالقذافة فقال داود لأبيه يوماً يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئاً إلاّ صرعته، فقاله له أبوه أبشر يا بني فإن الله قد جعل رزقك في قذافتك ثم أتاه مرة أخرى فقال: يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسداً رابضاً فركبته وأخذت بأذنه فلم يهجني فقال له أبوه: أبشر يا بني فإن هذا خير يريده الله بك، ثم أتاه يوماً آخر فقاله له: يا أبتاه إني لأمشي بين الجبال فأسبح فلا يبقى جبل إلاّ سبح معي فقال: يا بني أبشر فإن هذا خير أعطاكه الله تعالى. قالوا فأرسل جالوت الجبار إلى طالوت ملك بني إسرائيل أن ابرز إلي وأبرز إليك وأبرز إلي من يقاتلني. فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم فشق ذلك على طالوت ونادى في عسكره من قتل جالوت زوجته ابنتي وناصفته ملكي فهاب الناس جالوت فلم يجبه أحد فسأل طالوت نبيهم أن يدعو الله في ذلك فدعا الله فأتي بقرن فيه دهن القدس وتنور حديد. وقيل له إن صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي إذا وضع هذا القرن على رأسه سال على رأسه حتى يدهن من رأسه ولا يسيل على وجهه بل يكون على رأسه كهيئة الإكليل ويدخل في هذا التنور فيملؤه ولا يتقلقل فيه فدعا طالوت بني إسرائيل وجربهم فلم يوافقه أحد منهم فأوحى الله إلى نبيهم إن في ولد إيشا من يقتل جالوت فدعا طالوت إيشا وقال له أعرض على بنيك فأخرج له اثني عشر رجلاً امثال السواري فجعل يعرض واحداً واحداً على القرن فلا يرى شيئاً فقال لإيشا هل بقي لك ولد غير هؤلاء فقال لا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا رب إنه قد زعم أنه لا ولد غيرهم فقال له كذب فقال له النبي: إن ربي قد كذبك، فقال إيشا: صدق ربي يا نبي الله إن لي ولداً صغيراً مسقاماً اسمه داود استحييت أن يراه الناس لقصر قامته وحقارته فجعلته في الغنم يرعاها وهو في شعب كذا وكان داود عليه السلام رجلاً قصيراً مسقاماً أزرق أمعر مصفراً فدعا به طالوت ويقال إنه خرج إليه فوجده في الوادي وقد سال الوادي ماء وهو يحمل شاتين شاتين يعبر بهما السيل إلى الزريبة التي يريح فيها غنمه، فلما رآه طالوت قال هذا هو الرجل المطلوب لا شك فيه فهذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم، فدعاه طالوت ووضع القرن على رأسه فنش وفاض فقال له طالوت هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ابنتي وأجري خاتمك في ملكي قال نعم فقاله له: هل أنست من نفسك شيئاً تتقوى به على قتله قال نعم أنا أرعى الغنم فيجيء الأسد أو النمر أو الذئب فيأخذ شاة من الغنم فأقوم فأفتح لحييه عنها وأخرجها من قفاه، فأخذ طالوت داود ورده إلى العسكر، فمر داود عليه السلام في طريقه بحجر فناداه يا داود احملني فإني حجر هارون فحمله ثم مر بحجر آخر. فقال يا داود احملني فإني حجر موسى فحمله ثم مر بحجر آخر فقال له: يا داود احملني فإني حجرك الذي تقتل به جالوت، فحمله فوضع الثلاثة في مخلاته، فلما رجع طالوت إلى العسكر ومعه داود وتصافوا للقتال برز جالوت يطلب المبارزة فانتدب له داود عليه السلام فأعطى داود فرساً وسلاحاً فلبس السلاح وركب الفرس وسار قريباً ثم رجع إلى طالوت فقال من حوله: جبن الغلام فجاء فوقف على طالوت فقاله له ما شأنك فقال له داود عليه السلام إن لم ينصرني ربي لم يغن هذا السلاح عني شيئاً وإن نصرني فلا حاجة لي به فدعني أقاتل كما أريد قال نعم فأخذ داود مخلاته وتقلدها وأخذ المقلاع بيده ومضى نحو جالوت وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم وكان يهزم الجيوش وحده وكان له بيضة حديد وزنها ثلاثمائة رطل فلما نظر إلى داود وهو يريده وقع الرعب في قلبه فقال له: جالوت وأنت تبرز لي قال: نعم وكان جالوت على فرس أبلق عليه السلاح التام فقال: اتيتني بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب فقال: نعم وأنت شر من الكلب. قال جالوت: لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع الأرض وطير السماء، فقال داود عليه السلام: أو يقسم الله لحمك، ثم قال داود: باسم إله إبراهيم، وأخرج حجراً ثم قال بإسم إله إسحاق وأخرج حجراً ثم قال بإسم إله يعقوب وأخرج حجراً ووضعها في مقلاعه فصارت الثلاثة حجراً واحداً، وأدار داود المقلاع ورمى به جالوت فسخر الله له الريح فحملت الحجر حتى أصاب أنف البيضة فخلط دماغ جالوت وخرج من قفاه وقتل من ورائه ثلاثين رجلاً، وخر جالوت صريعاً قتيلاً، فأخذ داود يجره حتى ألقاه بين يدي طالوت ففرح بنو إسرائيل بذلك فرحاً شديداً وهزم الله الجيش فرجع طالوت بالناس إلى المدينة سالمين غانمين وجعل الناس يذكرون داود إلى طالوت وقال له: أنجز لي ما وعدتني به فقال له أتريد ابنة الملك بغير صداق فقال له داود ما شرطت علي صداقاً وليس لي شيء فقال: لا أكلفك إلاّ ما تطيق أنت رجل جريء وفي حيالنا أعداء لنا غلف فإن قتلت مائتي رجل وجتني بغلفهم زوجتك ابنتي فأتاهم فجعل كلما قتل واحداً منهم نظم غلفته في خيط حتى نظم مائتي غلفة فجاء بها إلى طالوت وألقاها بين يديه وقال ادفع إلى امرأتي فزوجه ابنته وأجرى خاتمه في ملكه، فمال الناس إلى داود عليه السلام وأحبوه وأكثروا ذكره فحسده طالوت وأراد قتله فأخبر بذلك ابنة طالوت رجل يقال له ذو العينين فأخبرت بذلك داود وقالت له: إنك مقتول الليلة قال ومن يقتلني قالت: أبي قال: وهل أجرمت جرماً يوجب القتل قالت حدثني بذلك من لا يكذب ولا عليك أن تغيب الليلة حتى تنظر مصداق ذلك فقال إن كان يريد ذلك فلا أستطيع خروجاً ولكن ائتني بزق خمر فأتته به فوضعه في مضجعه على سريره وسجاه ودخل داود تحت السرير فدخل طالوت نصف الليل فقال لابنته أين بعلك قالت هو نائم على سريره فضربه بالسيف فسال الخمر فلما وجد ريح الخمر قال يرحم الله داود ما كان أكثر شربه للخمر وخرج، فلما أصبح علم أنه لم يفعل شيئاً فقال: إن رجلاً منه ما طلبت لحقيق أن لا يدعني حتى يدرك ثأره مني فاشتد حجابه وحراسه وأغلق دونه أبوابه، ثم إن داود أتاه ليلة وقد هدأت العيون وأعمى الله عنه الحجاب ففتح الأبواب ودخل عليه وهو نائم على فراشه، فوضع سهماً عند رأسه وسهماً عند رجليه وسهماً عن يمينه وسهماً عن شماله وخرج فاستيقظ طالوت فبصر بالسهام فعرفها فقال يرحم الله داود هو خير مني ظفرت به فقصدت قتله وظفر بي فكف عني ولو شاء لوضع هذا السهم في حلقي وما أنا بالذي آمنه فلما كان من الليلة القابلة أتاه ثانياً فأعمى الله عنه الحجاب فدخل عليه وهو نائم فأخذ إبريق وضوئه وكوزه الذي يشرب منه وقطع شعرات من لحيته وشيئاً من طرف ثوبه ثم خرج وتوارى، فلما أصبح طالوت ورأى ذلك سلط على داود العيون وطلبه أشد الطلب، فلم يقدر عليه. ثم إن طالوت ركب يوماً فوجد داود يمشي في البرية فقال اليوم أقتله وركض في أثره فاشتد داود في عدوه. وكان إذا فزع لم يدرك فدخل غاراً فأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فنسجت عليه فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت قال: لو كان دخل هنا لتخرق هذا النسج وانطلق طالوت وتركه فخرج داود حتى أتى جبل المتعبدين فتعبد معهم وطعن العلماء والعباد على طالوت في شأن داود فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن قتل داود إلاّ قتله فقتل خلقاً كثيراً من العباد والعلماء حتى أتى بامرأة تعلم الاسم الأعظم فأمر خبازه بقتلها فرحمها الخباز فلم يقتلها، وقال: لعلنا نحتاج إلى عالم فتركها ثم وقع في قلب طالوت التوبة والندم على ما فعل وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس. وكان كل ليلة يخرج إلى القبور ويبكي وينادي أنشد الله عبداً يعلم لي توبة إلاّ أخبرني بها فلما كثر ذلك منه ناداه مناد من القبور: يا طالوت أما ترضى أن قتلتنا حتى تؤذينا أمواتاً فازداد حزناً وبكاء فتوجه الخباز إلى طالوت لما رأى من حاله وقال: ما لك أيها الملك فأخبره وقال: هل تعلم لي توبة أو تعلم في الأرض عالماً أسأله عن توبتي فقال له الخباز أيها الملك إن دللتك على عالم يوشك أن تقتله فقال لا فتوثق منه باليمين فأخبره أن تلك المرأة العالمة عنده. فقال: انطلق بي إليها لأسألها عن توبتي قال نعم فانطلق به فلما قربا من الباب قال له الخباز: أيها الملك إنها إذا رأتك فزعت ولكن ائت خلفي فلما دخلا عليها قال لها الخباز: يا هذه ألست تعلمين حقي عليك؟ قالت: بلى قال فإن لي إليك حاجة فتقضيها قالت نعم قال هذا طالوت قد جاءك يسأل هل له من توبة فلما سمعت بذكر طالوت غشى عليها فلما أفاقت قالت والله ما أعلم له توبة ولكن دلوني على قبر نبي فانطلقوا بها إلى قبر أشمويل فوقفت عليه ودعت وكانت تعلم الاسم الأعظم ثم قالت يا صاحب القبر فخرج ينفض التراب عن رأسه فلما نظر إلى ثلاثتهم قال: ما لكم أقامت القيامة قالت المرأة لا ولكن هذا طالوت قد جاء يسألك هل له من توبة فقال أشمويل: يا طالوت ما فعلت بعدي قال لم أدع من الشر شيئاً إلا فعلته وجئت أطلب التوبة فقال أشمويل يا طالوت كم لك من الولد قال عشرة رجال قال ما أعلم لك من توبة إلاّ أن تتخلى من ملكك وتخرج أنت وولدك في سبيل الله ثم تقدم ولدك حتى يقتلوا بين يديك ثم تقاتل أنت حتى تقتل آخرهم. ثم إن أشمويل سقط ميتاً ورجع طالوت أحزن ما كان رهبة أن لا يتابعه بنوه على ما يريد. وكان قد بكى حتى سقطت أشفار عينيه ونحل جسمه فجمع أولاده وقال لهم: أرأيتم لو دفعت إلى النار هل كنتم تنقذونني منها فقالوا بلى ننقذك بما نقدر عليه قال: فإنها النار إن لم تفعلوا ما آمركم به قالوا: اعرض علينا ما أردت فذكر لهم القصة قالوا: وإنك لمقتول قال نعم قالوا فلا خير لنا في الحياة بعدك قد طابت أنفسنا بالذي سألت. فتجهز هو وولده وخرج طالوت مجاهداً في سبيل الله فتقدم أولاده فقاتلوا حتى قتلوا ثم شد هو من بعدهم فقاتل حتى قتل وجاء قاتل طالوت إلى داود فبشره بقتله وقال له: قد قتلت عدوك فقال داود: ما أنت بباق بعده وقتله فكان ملك طالوت إلى أن قتل مدة أربعين سنة فأتى بنو إسرائيل إلى داود فملكوه عليهم وأعطوه خزائن طالوت. قال الكلبي والضحاك ملك داود بعد قتل جالوت سبع سنين ولم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلاّ على داود فذلك قوله تعالى: {وآتاه الله الملك والحكمة} يعني النبوة جمع الله لداود بين الملك والنبوة ولم يكن كذلك من قبل بل كانت النبوة في سبط والملك في سبط وقيل الحكمة هي العلم مع العمل به {وعلمه مما يشاء} أي وعلم الله داود صنعة الدروع فكان يصنعها ويبيعها وكان لا يأكل إلاّ من عمل يده، وقيل علمه منطق الطير وقيل علمه الزبور وقيل هو الصوت الطيب والألحان ولم يعط الله أحداً من خلقه مثل صوت داود فكان إذا قرأ الزبور تدنو منه الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها وتظله الطير مصيخة له ويركد الماء الجاري وتسكن الرياح عند قراءته، وقيل علمه سياسة الملك وضبطه، وذلك لأنه لم يكن من بيت الملك حتى يتعلمه من آبائه، وقال ابن عباس هو أن الله تعالى أعطاه سلسلة موصولة بالمجرة ورأسها عند صومعته قوتها قوة الحديد ولونها لون النور وحلقها مستديرة مفصلة بالجوهر مدسرة بقضبان اللؤلؤ الرطب فكان لا يحدث في الهواء حدث إلاّ صلصلت السلسلة فيعلم داود ذلك الحدث ولا يمسها ذو عاهة إلاّ برئ. وكانوا يتحاكمون إليهما بعد داود إلى أن رفعت فمن تعدى على صاحبه أو أنكره حقاً أتى السلسلة فمن كان صادقاً مد يده إلى السلسلة فنالها ومن كان كاذباً لم ينلها فكانت كذلك إلى أن ظهر فيهم المكر والخبث. فبلغنا أن بعض ملوكهم أودع رجلاً جوهرة ثمينة، فلما طالبه بالوديعة أنكره إياها فتحاكما إلى السلسلة، فعمد الذي عنده الجوهرة إلى عكازه فنقرها وجعل الجوهرة فيها واعتمد عليها حتى أتيا السلسلة فقال صاحب الجوهرة: رد على الوديعة فقال صاحبه ما أعرف لك عندي وديعة فإن كنت صادقاً فتناول السلسلة فتناولها بيده وقال للمنكر قم أنت أيضاً فتناولها فقال لصاحب الجوهرة أمسك عكازتي فأخذها الرجل منه وقام المنكر إلى السلسلة وقال: اللهم إن كنت تعلم أن الوديعة التي يدعيها قد وصلت إليه فقرب السلسلة مني ومد يده فتناولها فعجب القوم من ذلك وشكوا فيها فأصحبوا وقد رفع الله السلسلة. قوله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} يعني ولو أن الله يدفع ببعض الناس وهم أهل الإيمان والطاعة بعضاً وهم أهل الكفر والمعاصي قال ابن عباس ولولا دفع الله بجنوده المسلمين لغلب المشركون على الأرض فقتلوا المؤمنين وخربوا المساجد والبلاد وقيل معناه ولو دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار {لفسدت الأرض} يعني لهلكت بمن فيها ولكن الله يدفع بالمؤمن عن الكافر وبالصالح عن الفاجر روى أحمد بن حنبل عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن لله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء" تفسير : ثم قرأ {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} {ولكن الله ذو فضل على العالمين} يعني إن دفع الفساد بهذا الطريق إنعام وإفضال عم الناس كلهم.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {مِمَّا يَشَآءُ...}. قوله تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ...}. قال ابن عطية: أي لولا دفعه لكفر بالمؤمنين لفسدت الأرض بعموم (الكفر) من أقطارها، لكه لا يخلو زمان من داع إلى الله ومقاتل عليه إلى أن جعله في أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال مكي: أكثر المفسرين على أن المراد لو لا أن يدفع الله بمن يصلي عمن لا يصلي وبمن يتقي عمن لا يتقي (لأهلك) لأناس بذنوبهم. وضعفه ابن عطية قال: والحديث الذي ذكر عن ابنِ عمر رضي الله عنهما المعارض للآية لا يصح. قلت: انظره في تفسير مكي. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يبدي في هذه الآية معنى ذكره البيانيون وهو الفرق بين قولك: أكلت بعض الرغيف وبين قولك: أكلت الّرغيف بعضه. وكذلك: أكلت بعض الشاة، وأكلت الشاة بعضها. (فما تقول) إلا أذا كان المأكول أكثرها أو كان أفضلها، لأنه من باب إطلاق اسم الكل على الجزء ولا يكون إلا لمعنى. قال: وفي الآية حجة على من يجعل لفظ البعض لا يطلق إلا على الأقل وهو (خلاف نقله) الآمدي في شرح الجزولية في باب التثنية والجمع لأن البعض الأول عبر به عن الدافع والبعض الثاني عن المدفوع، والدافع إما أقل من المدفوع أو أكثر أو مساو. وأجيب بأن هذا لازم إذا كانا قسمين فقط ولعلها ثلاثة أقسام دافع ومدفوع عنه ومدفوع. قال ابن عرفة: وفي الآية حجة لمن قال: إن العقل ما خلا عن سمع قط لاقتضائها أنّه لولا ذهاب الفساد بالصلاح المرشد إلى اتباع أوامر الله ونواهيه لعمّ الكفر والفساد الأرض، فلو خلا العقل من سمع في زمن من الأزمان لهلك الخلق كلهم. فقال: بعض الطلبة بمحضره: إنّما يتم هذا على أحد تفسيري ابن عطية. فقال ابن عرفة: والآية دالة على أنّ الفساد هو الأصل والأكثر فيستفاد (منها) فيما إذا كنّا شككنا في صفته، واحتملت الصحة والفساد أنّها تحمل على الفساد كقولهم في فداء المسلمين من أيدي الكفار بالسلاح والكراع هل يجوز؟ وتغلب مصلحة استخلاص المسلمين منهم على مفسدة تقوي الكافرين بالسّلاح أو يمتنع؟ وكذلك إذا تترّس الكفار بالمسلمين هل يباح قتل الترس أم لا؟ قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}. قال ابن عرفة: هذا احتراس وهو حجة لأهل السنة لأن ما قبلها تضمّن أنّ الله تعالى يذهب الفاسد بالصالح فلو اقتصر عليه لأوهم وجوب مراعاة الأصلح على الله تعالى فبين بهذه الآية أن ذلك محض تفضل من الله تعالى ولا يجب عليه شيء. قال أبو حيان: "وَلَكِنّ" استدراك بإثبات الفضل على جميع العالمين لما يتوهمه من يريد الفساد أن الله غير متفضل عليه إذ لم يبلغه مقاصده. قال ابن عرفة: هذا بناء على أنّ ما بعد (لَكِنّ) لا يكون (مضادا) لما قبلها، ومن يجيز كونه مخالفا له لا يحتاج إلى هذا بل نقول: معناه لهلك النّاس كلّهم بغلبة الفساد. (وعلّل تفضله) بالجميع لأنّه عام يناله المفسد والمصلح والمدفوع عنه، أما نيله المدفوع فظاهر وأما المفسد فلأن منعه من ذلك منقذ (له) من الهلاك ودخول النّار فيصير صالحا.

ابن عادل

تفسير : "الهَزْمُ": أصله الكسر، يقال "سِقَاءٌ مَتَهزِّم" إذا انشق و "قَصَبٌ مُتَهَزِّمٌ"، أي متكسِّر. والهزمة: نقرة في الجبل، أو في الصَّخرة. قال سفيان بن عيينة في زمزم: وهي هزمة جبريل، يريد هزمها برجله فخرج الماء. ويقال: سمعت هزيمة الرعد كأنَّه صوت تشقُّقٍ. ويقال للسَّحاب هزيم؛ لأنَّه ينشق بالمطر. قوله: "بِإِذْنِ ٱللهِ" فيه الوجهان المتقدِّمان أعني كونه حالاً، أو مفعولاً به. فصل أخبر تعالى أنَّ تلك الهزيمة كانت بإذن الله تعالى وإعانته وتيسيره، ثم قال: {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ}. قال القرطبيُّ: وكان جالوت رأس العمالقة وملكهم، ظلُّه ميل ويقال: إنَّ البربر من نسله. قال ابن عبَّاس: إنَّ داود - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان راعياً، له سبعة إخوة مع طالوت، فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم "إِيشَا"؛ أرسل إليهم داود ليأتيه بخبرهم، فأتاهم وهم في المصاف وبدر جالوت الجياد إلى البراز، وكان من قوم عاد، فقال داود لإخوته: أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف؟ فسكتوا فذهب إلى ناحية أخرى من الصف ليس فيها إخوته فمر به طالوت، وهو يحرض الناس. فقال له داود: ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟ فقال طالوت: أنكحه ابنتي، وأعطيه نصف ملكي، فقال داود: فأنا أخرج إليه؛ وكانت عادته أنه يقاتل الأسد والذِّيب بالمقلاع في المرعى، وكان طالوت عارفاً بجلادته، فلما همَّ داود بالخروج إلى جالوت، مرّ بثلاثة أحجار فقلن: يا داود، خذنا معك ففينا منيَّة جالوت، ثمَّ لما خرج إلى جالوت، رماه، فأصابه في صدره ونفذ الحجر فيه، وقتل بعده ناساً كثيرة، فهزم الله جنود جالوت، وقتل داود جالوت وهو داود بن إيشى بكسر الهمزة. وقيل داود بن زكريَّا بن مرشوى من سبط يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - وكان من أهل بيت المقدس، فحسده طالوت، وأخرجه من مملكته، ولم يف له بوعده، ثم ندم على صنعه، فذهب يطلبه إلى أن قتل، وملك داود، وحصلت له النُّبوَّة، وهو المراد من قوله: {وَآتَاهُ ٱللهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ} هو العلم مع العمل والحكمة: هي وضع الأمور موضعها على الصَّواب، والصَّلاح. قوله: {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ...}. قال الكلبيُّ وغيره: "صنعة الدُّرُوعِ". قال تعالى: {أية : وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ}تفسير : [سبأ:10-11] وقيل: منطق الطَّير والنّمل، وقيل الزّبور، وعلم الدّين، وكيفية الحكم، والفصل. قال تعالى: {أية : وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً}تفسير : [الأنبياء:79]. وقيل: الألحان الطَّيِّبة. قيل كان إذا قرأ الزَّبور؛ تدنو الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها، وتظله الطّير مصغية له، ويركد الماء الجاري، وتسكن الرّيح. وروى الضَّحَّاك عن ابن عباس: هو أنَّ الله تعالى أعطاه سلسلةً موصولة بالمجرّة، ورأسها عند صومعته، وقوّتها قوّة الحديد، ولونها لون النّار وحلقها مستديرة مفصلة بالجواهر، مدسَّرة بقضبان اللُّؤلؤ الرطب، فلا يحدث في الهواء حدث إلاّ صلصلت السلسلة، فيعلم داود ذلك الحدث، ولا يمسُّها ذو عاهة إلاَّ برأ، فكانوا يتحاكمون إليها بعد داود إلى أن رفعت فمن تعدَّى على صاحبه، وأنكر حقه أتى إلى السِّلسلة، فمن كان صادقاً مدّ يده إلى السِّلسلة، فنالها، ومن كان كاذباً، لم ينلها، وكانت كذلك إلى أن ظهر فيهم المكر والخديعة، فبلغنا أن بعض ملوكهم أودع رجلاً جوهرة ثمينة، فلما استردَّها أنكرها فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي عنده الجوهرة إلى عكَّازه، فنقرها وضمنها الجوهرة، واعتمد عليها حتى حضروا السلسلة، فقال صاحب الجوهرة: ردَّ عليَّ الوديعة. فقال له صاحبه: ما أعرف لك عندي من وديعة، فإن كنت صادقاً فتناول السلسلة، فقام صاحب الجوهرة، فتناولها بيده. فقيل للمنكر قم أنت، فتناولها. فقال لصاحب الجوهرة: خذ عكَّازي هذا، فاحفظها حتى أتناول السِّلسلة، فأخذها فقال الرجل: "اللَّهم إِن كنت تَعْلم أنَّ هذه الوديعة التي يدّعيها، قد وصلت إليه فقرب مني السّلسلة، فمد يده فتناولها، فتعجب القوم، وشكُّوا فيها، فأصبحوا وقد رفع الله السِّلسلة. قوله "مِمَّا يَشَآءُ": فاعلٌ، "يشاء" ضمير الله تعالى. وقيل: ضمير داود، والأول أظهر. قوله: "وَلَوْلاَ دَفْعُ"؛ قرأ نافعٌ هنا، وفي الحج: "دِفَاع"، والباقون: "دَفْع". فأمَّا "دَفْع"، فمصدر "دَفَعَ" "يَدْفَعُ" ثلاثياً، وأمَّا "دِفَاع" فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مصدر "دَفَعَ" الثلاثيِّ أيضاً، نحو: كَتَب كتاباً، وأن يكون مصدر "دَافَعَ"؛ نحو: قاتل قتالاً؛ قال أبو ذؤيبٍ: [الكامل] شعر : 1170- وَلَقَدْ حَرِصْتُ بَأَنْ أُدَافِعُ عَنْهُمُ فَإِذَا المَنِيَّةُ أَقْبَلَتْ لاَ تُدْفَعُ تفسير : قالوا وفعال كثيراً يجيء مصدراً للثلاثي من فَعَلَ وفَعِلَ، تقول: جمح جماحاً وطمح طماحاً وتقول لقيته لقاءً، وقمت قياماً، وأن يكون مصدر لدفع تقول: دفعته، دفعاً، ودفاعاً نحو: قتل قتلاً وقتالاً. و "فاعل" هنا بمعنى فَعَلَ المجرد، فتتَّحد القراءتان في المعنى ويحتمل أن يكون من المفاعلة، والمعنى أنه سبحانه إنَّما يكفّ الظَّلمة، والعصاة عن ظلم المؤمنين على أيدي أنبيائه، ورسله، وأئمة دينه، وكان يقع بين أولئك المحقين، وأولئك المبطلين مدافعات ومكافحات، فحسن الإخبار عنه بلفظ المدافعة كقوله تعالى: {أية : يُحَارِبُونَ ٱللهَ}تفسير : [المائدة:33] و {أية : شَآقُّواْ ٱللهَ}تفسير : [الأنفال:13] ونظائره كثيرة. ومن قرأ "دِفَاع"، وقرأ في الحجّ {أية : يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ}تفسير : [الحج:38] أو قرأ "دَفْع"، وقرأ "يَدْفَع" ـ وهما أبو عمرو وابن كثير ـ فقد وافق أصله، فجاء بالمصدر على وفق الفعل، وأمَّا من قرأ هنا: "دَفْع"، وفي الحجّ "يُدافِع"، وهم الباقون، فقد جمع بين اللُّغتين، فاستعمل الفعل من الرُّباعي والمصدر من الثلاثي. والمصدر هنا مضافٌ لفاعله وهو الله تعالى، و "النَّاس" مفعول أول، و "بعضهم" بدلٌُ من "الناسِ" بدل بعضٍ من كلٍّ. و "ببعضٍ" متعلِّقٌ بالمصدر، والباء للتعدية، فمجرورها المفعول الثاني في المعنى، والباء إنَّما تكون للتعدية في اللاَّزم، نحو: "ذَهَبَ بِهِ" فأمَّا المتعدِّي لواحدٍ فإنَّما يتعدَّى بالهمزة، تقول: "طَعِمَ زيدٌ اللَّحْمَ، وأَطْعَمْتُه اللَّحْم، ولا تقول: "طَعِمْته باللَّحْم"، فتعدِّيه إلى الثاني بالباء، إلاَّ فيما شذَّ قياساً، وهو "دَفَعَ"، و "صَكَّ"، نحو: صككت الحجر بالحجر، أي: جعلت أحدهما يصكُّ الآخر، ولذلك قالوا: صككت الحجرين أحدهما بالآخر. فصل في المدفوع والمدفوع به اعلم أنَّه تعالى ذكر في هذه الآية المدفوع، والمدفوع به، وأمَّا المدفوع عنه، فغير مذكورٍ، وهو يحتمل وجوهاً: الأول: أن يكون المعنى: ولولا دفع الله بعض الناس عن الكفر بسبب البعض، فيكون الدَّافعون هم الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام والأئمة الذين يمنعون النَّاس عن الكفر بسبب البعض بإظهار الدَّلائل. قال تعالى: {أية : أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [إبراهيم:1]. الثاني: دفع بعض الناس عن المعاصي، والمنكرات بسبب البعض، فيكون الدافعون هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر؛ لقوله تعالى: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ}تفسير : [آل عمران:110]. الثالث: ولولا دفع الله بعض الناس عن الهرج، والمرج، وإثارة الفتن في الدُّنيا بسبب البعض، فيكون الدَّافعون هم الأنبياء ـ عليهم الصَّلاة والسَّلام ـ ثم الأئمة والملائكة والذّابّون عن شرائعهم، وذلك أنَّ الإنسان الواحد لا يمكنه أن يعيش وحده، ما لم يخبز هذا لذاك، ويطحن ذاك لهذا، ويبني هذا لذاك، وينسج ذاك لهذا، ولا تتمّ مصلحة الإنسان. فالظَّاهر أن مصلحته لا تتمُّ إلاّ باجتماع جمع في موضع واحد، ولهذا قيل إن الإنسان مدنيٌّ بالطبع، ثم إنَّ الاجتماع سبب للمنازعة المفضية إلى المخاصمة، ثم إلى المقاتلة، فلا بدّ في الحكمة الإلهيَّة من وضع شريعةٍ بين الخلق ليقطع بها الخصومات، والمنازعات، فبعث الله الأنبياء - عليهم الصَّلاة والسَّلام - بالشَّرائع؛ ليدفع بهم، وبشرائعهم الآفات، والفساد عن الخلق فإنَّ الخلق ما داموا متمسكين بالشَّرائع لا يقع بينهم خصامٌ ولا نزاعٌ، والملوك والأئمة متى كانوا متمسكين بالشرائع كانت الفتن زائلة والمصالح حاصلة، ولهذا قال عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : الإِسْلاَمُ والسُّلْطَانُ أَخَوَان" تفسير : وقال أيضاً: "حديث : الإِسْلاَمُ أميرٌ، والسُّلْطَانُ حَارِسٌ، فمن لا أمير له فهو مُنْهَزِمٌ، ومن لا حَارِسَ له فَهُو ضَائِعٌ ". تفسير : وعلى هذا الوجه فيكون تفسير قوله: {لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ}، أي: لغلب على أهل الأرض القتل والمعاصي، وذلك يسمّى فساداً. قال تعالى: {أية : وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ} تفسير : [البقرة:205] وقال: {أية : أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ}تفسير : [القصص:19]. الرابع: ولولا دفع الله بالمؤمنين، والأبرار عن الكفّار، والفجّار، لفسدت الأرض ولهلكت بمن فيها. قال ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ: "حديث : إِنَّ اللهَ لَيَدْفَعُ بِالمُسْلِم الصَّالِح عَنْ مائَةِ أَهْلِ بَيٍْتٍ مِنْ جِيرَانِهِ"تفسير : . وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام -:"حديث : إِنَّ اللهَ يَدْفَعُ بمن يُصَلِّي مِنْ أُمَّتِي عمَّن لا يصلِّي، وبمن يزكّي عمن لا يُزكِّي، وبمن يصوم عمَّن لا يصوم وبمن يحجّ عمَّن لا يحجّ، وبمن يجاهد عمَّن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء لما أنظرهم الله طرفة عين" ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية . تفسير : ويدلُّ على صحَّة هذا القول قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً}تفسير : [الكهف:82]. وقال تعالى: {أية : وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}تفسير : [الفتح:25] وقال: {أية : وَمَا كَانَ ٱللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}تفسير : [الأنفال:33]. وعلى هذا التأويل يكون معنى قوله: "لَفَسَدَتِ الأَرْضُ"، أي: لأهلك الله أكثر أهلها الكفّار والعصاة. قال القرطبيُّ: وقيل: هم الأبدال، وهم أربعون رجلاً، كلّما مات واحدٌ أبدل آخر، فإذا كان عند القيامة ماتوا كلهم اثنان وعشرون بالشَّام، وثمانية عشر بالعراق. وروي عن علي - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إِنَّ الأَبْدَالَ يَكُونُونَ بالشَّام وَهُمْ أَرْبعُونَ رَجُلاً كُلَّمَا مَاتَ مِنْهُم رَجُلٌ أبدل اللهُ مكانه رَجُلاً يُسْتَقَى بِهِمُ الغَيْث وَيَنْصُرُهُمْ عَلَى الأَعْدَاءِ وَيُصْرَفُ بِهِمْ عَنْ أَهْلِ الأَرْضِ البَلاَء ". تفسير : ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول، وخرج أيضاً عن أبي الدرداء قال: إن الأنبياء كانوا أوتاد الأرض، فلما انقطعت النبوة أبدل الله مكانهم قوماً من أمة محمد يقال لهم الأبدال، لم يفضلوا النَّاس بكثرة صوم، ولا صلاة، ولكن بحسن خلق، وصدق الورع، وحسن النِّية، وسلامة القلوب لجميع المسلمين والنَّصيحة لهم ابتغاء مرضاة الله، بصبر، وحلم، ولبٍّ، وتواضع في غير مذلَّةٍ فهم خلفاء الأنبياء قوم اصطفاهم الله سبحانه لنفسه، واستخلصهم بعلمه لنفسه، وهم أربعون صدِّيقاً ثلاثون رجلاً على مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن بهم يرفع الله المكاره، والبلايا عن النَّاس، وبهم يمطرون، ويرزقون، لا يموت الرَّجل منهم، حتى يكون الله قد أنشأ من يخلفه. وقال سفيان الثَّوري: "هم الشُّهود الذين تستخرج بهم الحقوق". الخامس: قال ابن عبَّاس ومجاهد: ولولا دفع الله بجنود المسلمين؛ لغلب المشركون على الأرض، فقتلوا المؤمنين، وخربوا المساجد، والبلاد. السادس: أن يحمل اللفظ على الكل؛ لأن بين هذه الأقسام قدراً مشتركاً، وهو دفع المفسدة، فإذا حملنا اللَّفظ عليه، دخلت الأقسام بأسرها فيه. فصل في بطلان مذهب الجبر قال القاضي: هذه الآية من أقوى الدَّلائل على بطلان الجبر؛ لأنه إذا كان الفساد من خلقه لم يكن لقوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} تأثير في زوال الفساد؛ لأن على قولهم إنَّما لا يقع الفساد بسبب ألا يفعله الله تعالى ولا يخلقه لا لأمر يرجع إلى النَّاس، والجواب: أنَّ الله تعالى لمّا كان عالماً بوقوع الفساد، فإذا صح مع ذلك العلم ألاَّ يقع الفساد كان المعنى أنه لا يصح من العبد أن يجمع بين عدم الفساد وبين العلم بوجود الفساد، فيلزم أن يكون العبد قادراً على الجمع بين النَّفي والإثبات، وهو محال ويؤيد ذلك قوله تعالى مستدركاً {وَلَـٰكِنَّ ٱللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} بين أن دفع الفساد بهذا الطريق إنعام يعم الناس كلهم فلو كان دفع الفساد بهذا الطريق فعل العبد لكان الفضل للعبد؛ لأنه الدَّافع على قولهم، ولم يكن لله تعالى على العالمين فضل سبب ذلك الدَّفع. فإن قالوا: نحمل هذا على البيان، والإرشاد. قلنا: كلُّ ذلك قائم في حقّ الكفَّار، والفجَّار، ولم يحصل منهم دفاع. قوله: "وَلَـٰكِنَّ ٱللهَ" وجه الاستدراك أنه لمَّا قسَّم النَّاس إلى مدفوع ومدفوع به، وأنَّه بهذا الدَّفع امتنع فساد الأرض، فقد يهجس في نفس من غُلب عمّا يريد من الفساد أنَّ الله غير متفضِّلٍ عليه، حيث لم يبلغه مقاصده وطلبه، فاستدرك عليه [أنّه] وإن لم يبلغ مقاصده أنَّ الله متفضّلٌ عليه، ومحسن إليه؛ لأنه مندرجٌ تحت العالمين، وما من أحدٍ إلاّ ولله عليه فضلٌ، وله فضل الاختراع [والإيجاد]. و "عَلَى" يتعلَّق بـ "فَضْل"؛ لأنَّ فعله يتعدَّى بها، وربَّما حذفت مع تخفيف الفعل؛ وقد جمع [بين] الحذف والإثبات في قوله: [الوافر] شعر : 1171- وَجَدْنَا نَهْشَلاً فَضَلَتْ فُقِيْماً كَفَضْل ابْنِ المَخَاضِ عَلَى الفَصِيلِ تفسير : أمَّا إِذا ضُعِّف، فإنه لا تحذف "على" أصلاً كقوله: {أية : فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}تفسير : [البقرة:253]، ويجوز أن تتعلَّق "عَلَى" بمحذوفٍ لوقوعها صفةً لفضل.

التستري

تفسير : وقال لداود عليه السلام: {وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ}[251] يعني النبوة من الكتاب. وقال قتادة: الحكمة: هي الفقه في دين الله عزَّ وجلَّ، واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال السُّدي: الحكمة النبوة. وقال: زيد بن أسلم: الحكمة العقل. وقال الربيع ابن أنس: الحكمة خشية الله تعالى. وقال ابن عمر: الحكمة ثلاث: آية محكمة، وسنة ماضية، ولسان ناطق بالقرآن. وقال أبو بكر: قال سهل: الحكمة إجماع العلوم، وأصلها السنة، قال الله تعالى: {أية : وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ}تفسير : [الأحزاب:34] فالآيات الفرض، والحكمة السنة. وأراد سهل من ذلك أن العرب تقول: حكمت الرجل إذا منعته من الضرر والخروج عن الحق مثل قوله: {أية : حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} تفسير : [القمر:5] قال: أي تامة، كما قال: {أية : آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً}تفسير : [الأنبياء:74] فهي حينئذ بلغت إلى أهلها دون غيرهم، فهم في كل حال فيها ينطقون، وإلى أحكامها يفزعون، وعن معانيها يكشفون، كما قيل: زاحم الحكماء، فإن الله يحيي القلوب الميتة بالحكم، كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر. ثم قال: رأس مال الحكمة ثلاث: الأول رياض النفس في المكروهات، والثاني فراغ القلب عن حب الشهوات، والثالث القيام على القلب بحفظ الخطرات، ومن راقب الله عند خطرات قلبه عصمه عند حركات جوارحه.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ}. هيب الله الأعداء بطالوت لما زاده من البسطة في الجسم ولكن عند القتال جعل الظفر على يدي داود. وكان كما في القصة رَبْعَ القامة غير عظيم الجثة، مختصر الشخص، ولم يكن معه من السلاح إلا مقلاع، ولكن الظفر كان له لأن نصرة الله سبحانه كانت معه. قوله جلّ ذكره: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}. فلم يبق منهم أثر ولا عين، وقتل داودُ جالوتَ وداود بالإضافة إلى جالوت في الضخامة والجسامة كان بحيث لا تُتَوهَم غلبته إياه ولكن كما قال قائلهم: شعر : استقبلني وسيفه مسلول وقال لي واحدنا معذول تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}. لو تظاهر الخلْق وتوافقوا بأجمعهم لهلك المستضعفون لغلبة الأقوياء ولكن شغل بعضهم ببعض ليدفع بتشاغلهم شرَّهم عن قوم.

اسماعيل حقي

تفسير : {فهزموهم} اى كسروهم بلا مكث {بإذن الله} اى بنصره وتأييده اجابة لدعائهم {وقتل داود جالوت} كان جالوت الجبار رأس العمالقة وملكهم وكان من اولاد عمليق بن عاد وكان من اشد الناس واقواهم وكان يهزم الجيوش وحده وكان له بيضة فيها ثلاثمائة رطل حديد وكان ظله ميلا لطول قامته وكان ايشى ابو داود عليه السلام فى جملة من عبر النهر مع طالوت وكان معه سبعة من ابنائه وكان داود اصغرهم يرعى الغنم فاوحى الى نبى العسكر وهو اشمويل ان داود بن ايشى هو الذى يقتل جالوت فطلبه من الله فجاء به فقال النبى اشمويل لقد جعل الله تعالى قتل جالوت على يدك فاخرج معنا الى محاربته فخرج معهم فمر داود عليه السلام فى الطريق بحجر فناداه يا داود احملنى فانى حجر هارون الذى قتل بى ملك كذا فحمله فى مخلاته ثم بحجر آخر فقال له احملنى فانىحجر موسى الذى قتل بى كذا وكذا فحمهل فى مخلاته ثم مر بحجر آخر فقال له احملنى فان حجر الذى تقتل بى جالوت فوضعه فى مخلاته وكان من عادته رمى القذافة وكان لا يرمى بقذافته شيأ من الذئب والاسد والنمر الا صرعه واهلكه فما تصاف العسكران للقتال برز جالوت الجبار الى البراز وسأل من يخرج اليه فلم يخرج اليه احد فقال يا بنى اسرائيل لو كنتم على حق لبارزنى بعضكم فقال داود لاخوته من يخرج الى هذا الاقلف فسكتوا فالتمس منه طالوت ان يخرج اليه ووعده ان يزوجه ابنته ويعطيه نصف ملكه ويجرى له خاتمه فيه لما توجه داود نحوه اعطاه طالوت فرسا ودرعا وسلاحا فلبس السلاح وركب الفرس فسار قريبا ثم انصرف الى الملك فقال من حوله جبن الغلام فجاء فوقف على الملك فقال ما شأنك فقال ان الله تعالى ان لم ينصرنى لم يغن عنى هذا السلاح شيأ فدعنى اقاتل كما اريد قال نعم فاخذ داود مخلاته فتقلدها واخذ المقلاع ومضى نحو جالوت ـ روى ـ انه لما نظر جالوت الى داود قذف فى قلبه الرعب فقال يا فتى ارجع فانى ارحمك ان اقتلك قال داود بل انا اقتلك قال ائتنى بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب قال نعم انت شر من الكلب قال جالوت لا جرم لاقسمن لحمك بين سباع الارض وطير السماء قال داود بل يقسم الله لحمك فقال باسم اله ابراهيم واخرج حجرا ثم اخرج الآخر وقال باسم اله اسحق ثم اخرج الثالث وقال باسم اله يعقوب فوضع الاحجار الثلاثة فى مقلاعه فصارت كلها حجرا واحدا ودور المقلاع ورمى به فسخر الله له الريح حتى اصاب الحجر انف البيضة وخالط دماغه وخرج من قفاه وقتل من ورائه ثلاثين رجلا وهزم الله الجيش وخرّ جالوت قتيلا فاخذ داود يجره حتى القاه بين يدى طالوت ففرح المسلمون فرحا شديدا وانصرفوا الى المدينة سالمين فزوجه طالوت ابنته واجرى خاتمه فى نصف مملكته فمال الناس الى داود واحبوه واكثروا ذكره فحسده طالوت واراد قتله فتنبه له داود وهرب منه فسلط طالوت عليه العيون وطلبه اشد الطلب فلم يقدر عليه وانطلق داود الى الجبل مع المتعبدين فتعبد فيه دهرا طويلا فاخذ العلماء والعباد ينهون طالوت فى شأن داود فجعل طالوت لا ينهاه احد عن قتل داود الا قتله فاكثر فى قتل العلماء الناصحين فلم يكن يقدر على عالم فى بنى اسرائيل يطيق قتله الا قتله ثم ندم على ما فعله من المعاصى والمنكرات واقبل على البكاء ليلا ونهارا حتى رحمه الناس وكان كل ليلة يخرج الى القبور فيبكى وينادى حم الله عبدا يعلم ان لى توبة الا اخبرنى بها فلما اكثر التضرع والالحاح عليهم رق له بعض خواصه فقال له ان دللتك ايها الملك لعلك ان تقتله فقال لا والله بل اكرمه اتم الاكرام وانقاد الى حكمه واخذ مواثيق الملك وعهوده على ذلك فذهب به الى باب امرأة تعلم اسم الله الاعظم فلما لقيها قبل الارض بين يديها وسألها هل من توبة فقالت لا والله لا اعلم لك من توبة ولكن هل تعلم مكان قبر نبى فانطلق بها الى قبر اشمويل فصلت ودعت ثم نادت صاحب القبر فخرج اشمويل من القبر ينفض رأسه من التراب فلما نظر اليهم سألهم وقال مالكم أقامت القيامة قالت لا ولكن طالوت يسأل هل له من توبة قال اشمويل يا طالوت ما فعلت بعدى قال لم ادع من الشر شيأ الا فعلته وجئت لطلب التوبة قال كم لك من الولد قال عشرة رجال قال لا اعلم لك من التوبة الا ان تتخلى من ملكك وتخرج انت وولدك فى سبيل الله ثم تقدم ولدك حتى يقتلوا بين يديك ثم تقاتل انت فتقتل آخرهم ثم رجع اشمويل الى القبر وسقط ميتا ورجع طالوت ففعل ما امر به حتى قتل فجاء قاتله الى داود ليبشره وقال قتلت عدوك فقال داود ما انت بالذى تحيى بعده فضرب عنقه فكان ملك طالوت الى ان قتل اربعين سنة واتى بنوا اسرائيل بداود واعطوه خزائن طالوت وملكوه على انفسهم وملك داود بعد قتل طالوت سبعين سنة {وآتاه الله الملك} اى ملك بنى اسرائيل فى مشارق الارض المقدسة ومغاربها ولم يجتمعوا قبل داود على ملك {والحكمة} اى النبوة ولم يجتمع فى بنى اسرائيل الملك والنبوة قبله الا له بل كان الملك فى سبط والنبوة فى سبط آخر وانزل عليه الزبور اربعمائة وعشرين سورة وهو اول من تكلم باما بعد وهو فصل الخطاب الذى اوتيه داود عليه السلام {وعلمه مما يشاء} اى مما يشاء الله تعليمه اياه من صنعة الدروع بألانة الحديد وكان يصنعها ويبيعها وكان لا يأكل الا من عمل يده ومنطق الطير وتسبيح الجبال وكلام الحكل والنمل والصوت الطيب والالحان الطيبة فلم يعط الله احدا مثل صوته وكان اذا قرأ الزبور تدنو الوحوش حتى يؤخذ باعناقها وتطلبه الطير مصيخة له ويركد الماء الجارى وتسكن الريح {ولولا دفع الله} المصدر مضاف الى فاعله اى صرفه {الناس} مفعول الدفع {بعضهم} الذين يباشرون الشر والفساد وهو بدل من الناس بدل البعض من كل {ببعض} آخر منهم بردهم عما هم عليه بما قدر الله من القتل كما فى القصة المحكية وغيره وهو متعلق بالمصدر {لفسدت الأرض} وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الارض ويصلحها. وقيل لولا دفع الله بالمؤمنين والابرار عن الكفار والفجار لهلكت الارض ومن فيها ولكن الله يدفع بالمؤمن عن الكافر وبالصالح عن الفاجر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة اهل بيت جيرانه البلاءbr>". تفسير : ثم قرأ {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} ثم ان فيه تنبيها على فضيلة الملك وانه لولاه لما انتظم امر العالم. ولهذا قيل الدين والملك توأمان ففى ارتفاع احدهما ارتفاع الآخر لان الدين اساس والملك حارس ومالا اس له فمهدوم ومالا حارس له فضائع والناس قد لا ينقادون للرسل تحت الرياسة مع ظهور الحجج فاحتيج الى المجاهدة باللسان والسيف وذلك يكون من الانبياء ومن يتابعهم ثم لهم آجال مضروبة عندها فوجب ان يكون لهم خلفاء بعدهم من كل عصر فى اقامة الدين والجهاد فهذا دفع الله الناس بعضهم ببعض. وتفصيله ان دفع الله الناس بعضهم ببعض على وجهين دفع ظاهر ودفع خفى. فالظاهر ما كان بالسواس الاربعة الانبياء والملوك والحكماء المعنيي بقوله {أية : ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا} تفسير : [البقرة: 269]. والوعاظ. فسلطان الانبياء عليه السلام على الكافة خاصهم وعامهم ظاهرهم وباطنهم وسلطان الملوك على ظواهر الكافة دون البواطن كما قيل نحن ملوك ابدانهم لا ملوك اديانهم وسلطان الحكماء على الخاصة دون العامة وسلطان الوعاظ بواطن العامة. واما الدفع الخفى فسلطان العقل يدفع عن كثير من القبائح وهو السبب فى التزام سلطان الظاهر {ولكن الله ذو فضل} عظيم لا يقادر قدره {على العالمين} كافة يعنى لكنه تعالى يدفع فساد بعضهم ببعض فلا تفسد الارض وتنتظم به مصالح العامة وتنصلح احوال الامم. ففضله تعالى يعم العوالم كلها اما فى عالم الدنيا فبهداية طريق الرشد والصلاح واما فى الآخرة فبالجنات والدرجات والنجاة والفلاح ومن جملة فضله تعالى على العالمين دفع البليات عن بعض عباده بلا واسطة كالانبياء وكمل الاولياء ومن اقتفى اثرهم من اهل اليقين.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ نافع، وأبان عن عاصم {دفاع الله} الباقون {دفع} بلا ألف. المعنى: في الآية حذف وتقديره فاستجاب لهم ربهم، فهزموهم بنصره لهم، لأن ذكر الهزيمة بعد سؤال النصرة دليل على أنه كان على معنى الاجابة. اللغة: والهزم: الدفع، تقول: هزم القوم في الحرب يهزمهم هزماً: إذا دفعهم بالقتال هرباً منه، وانهزموا انهزاماً، وتهزم السقاء: إذا يبس، فتصدّع لاندفاع بعضه على بعض، والاهتزام الذبح تقول العرب: اهتزموا شاتكم قبل أن تهزل فتهلك، لدفع صاعها بتذكيتها. والهزمة: دفعك الشيء بقوة حتى تدخل عن موضعه في الجسد، وزمزم هزمة، جبرئيل لاسماعيل (ع) والمهزم خشبة يحرك بها الجمر، لأنها يرفع بها بعضه عن بعض، وهزمة الرعد صوته، وأصابتهم هازمة من هوازم الدهر أي داهية كاسرة، لأنها كهازمة الجيش في البليلة، وهزمت عليك أي عطفت عليك. المعنى: فالأولى أن يكون القوم هزموهم حقيقة لأنهم سنوا الهزيمة بأن فعلوا ما يلجئهم اليها وقال الجبائي: ذلك مجاز، لأنهم لم يفعلوا هزيمتهم، كما يقال: اخرجه من منزله إذا ألجأه الى الخروج، ولم يفعل خروجه، وهذا ليس بصحيح، لأنه ليس معنى هزمه فعل هزيمته، ليكون إذا صرف عن ذلك الى معنى غيره يكون مجازاً في العبارة بل معناه ما قلناه. وقوله: {بإذن الله} يحتمل أمرين: أحدهما - بأمر الله. والثاني بعلم الله. وقيل: إن سبب قتل داود جالوت كان أن جالوت طلب البراز، فخرج إليه داود (ع) فرماه بحجر مقلاع فوقع بين عينيه وخرج من قفاه، فأصاب جماعة كثيرة من أهل عسكره فقتلهم، وانهزم القوم عن آخرهم، ذكر ذلك وهب بن منبه وغيره من المفسرين. وقوله: {وآتاه الله الملك والحكمة} قيل في معناه قولان: أحدهما - أنه جمع له الملك والنبوة في حالة واحدة. والآخر - أنه اختصه من علم السمع بحكمة لم يؤتها غيره. وقوله: {وعلّمه مما يشاء} معناه أنه علمه أمور الدين وما يشاء من أمور الدنيا، منها صنعة الدرع وعمل السرد، ذكره الزجاج، والطبري. فان قيل: ما الفائدة في قوله: {وعلمه مما يشاء} إذا كنا لا ندري ما الذي شاء من ذلك؟ قيل هو تعالى وإن لم يشرح لنا ما علمه فقد بين لنا أنه خصه من العلم بعد علم الدين بما لم يؤته غيره، لأن غيره من المؤمنين إنما نعلم ما دله الله عليه من أمر دينه ودنياه، وكان داود مساوياً لهم في ذلك إن لم يكن أكثرهم علماً فيه، لأنه كان مؤمناً مثلهم، وكان معهم في أمورهم، فلما بين لنا {آتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء} بعد قتل جالوت، علمنا أنه كان خصه بما ذكره من الملك والحكمة، وخصه منه بما لم يخصّ به أحداً سواه. وقوله: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - يدفع الله بالبر عن الفاجر الهلاك، هذا قول علي (ع) وهو المروي عن أبي جعفر محمد بن علي (ع)، وبه قال مجاهد. الثاني - يدفع باللطف للمؤمن والرعب في قلب الفاجر. وأن يعم الأرض الفساد. الثالث - قال الحسن، والبلخي: يزغ الله بالسلطان فلا يزغ بالقرآن، لأنه يغنيه على دفع الأشرار عن ظلم الناس، لأنه يريد منه المنع من الظلم والفساد، كان مؤمناً أو فاسقاً. اللغة: وأصل الدفع: الصرف عن الشيء، دفع دفعاً، ودافع مدافعة ودفاعاً، واندفع اندفاعاً، وتدافع تدافعاً، ودفعه تدفيعاً، واستدفع استدفاعاً. والضيف المدفع، لتدافع الحي به لاحتقاره. والدفاع السيل لتدافع بعضه على بعض. والدفعة اندفاع الشيء جملة. ورجل مدفع أي عن نسبه. الحجة: وقال الحسن: لم يكن داود نبياً قبل قتله جالوت، لأنه لا يجوز أن يترأس من ليس بنبي على نبي لأنه قلب ما يوجبه تدبير الحكماء، لأن النبي يوثق بظاهره وباطنه ولا يخبر إلا بالحق ولا يدعو إلا الى حق، وليس كذلك من ليس بنبي من أهل العقل. ومن قرأ {دفاع} بألف فوجهه: أن الله لما أعان أولياءه على مدافعة أعدائه حتى هزموهم، حسن إضافة الدفاع إليه، لما كان من معونته، وإرادته له. وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة: إنه ليس لله على الكافر نعمه، لأنه قال: {إن الله لذو فضل على الناس} فعم الجميع بالنعمة ولم يخص، {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} ويفسد به أيضاً قولهم: في الارادة وأن جميع ما أعطى الله الكفار إنما هو ليكفروا لا ليؤمنوا، وما روي أن طالوت هم بقتل داود لما رأى أن وجوه الناس أقبلت عليه بقتله جالوت رواية شاذة، فان صحت دلت على أن طالوت لم يكن نبياً، ولا إماماً، لأن النبي أو الامام لابد أن يكون معصوماً.

اطفيش

تفسير : {فَهزَمُوهُم}: أى هزم طالوت ومن معه من المؤمنين، جالوت ومن معه المشركين، أى غلبوهم، وأصل الهزم الكسر. {بإذْنِ اللّهِ}: أى بإرادته وتأييده، فالباء من طريق باء الاستعانة أو أراد مصاحبين لنصره إياهم إجابة لدعائهم. {وَقَتَلَ داودُ جالُوتَ}: وكان داود قصيراً نحيفاً، وجالوت طويلا غليظا، قيل كان ظله ميلا لطون قامتة، وفى بيضة القتال التى يجعل على رأسه فى القتال ثلاثمائة رطل حديد، وكان يهزم الجيوش وحده، وكان رأس العمالقة وملكهم، وكان من أولاد عمليق ابن عاد، فأصله فى العرب وأمه بربرية، وقيل أصله البربر، واسم أبى داود إيشا، وكان ممن عبر النهر مع طالوت، ومعه ثلاثة عشر إبنا له، وقيل سبعة وداود أصغرهم، وكان يرمى بالقذافة، فقال لأبيه يوما يا أبت ما أرمى بقذافتى الا صرعته، فقال أبوه: أبشر يا بنى فان الله قد جعل رزقك فى قذافتك، ثم أتاه مرة أخرى فقال ل. يا أبتاء لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسداً رابضاً فركبته، فأخذت بأذنه لم يهجنى. فقال أبوه: أبشر يا بنى فإن هذا خيراً يريد الله بك، ثم أتاه يوما آخر فقال: يا أبتا إنى أمشى بين الجبال فاسج فما يبقى جبل الآسج معى: فقال: يا بنى أبشر فإن هذا خيراً أعطاكه الله، وأرسل جالوت الجبار إلى طالوت ملك بنى إسرائيل أن ابرز إلىَّ بنفسك أو أبرز إلى ما يقاتلنى فلكم ملكى، وإن قتلته فلى ملككم فشق ذلك على طالوت ونادى فى عسكره من قتل جالوت زوَّجته بنتى وناهفتهُ ملكى، فهاب الناس جالوت، فسال طالوت نبيهم أن يدعو الله فدعا الله بذلك، فأتاه مخلك بقرن فيه دهن القدس وتنور حديد، وقيل له: إن صاحبكم الذى يقتل جالوت هو الذى إذا وضع القرن على رأسه غلى حتى يدهن رأسه، ولا يسيل على وجهه، بل يكون كهيئة الإكليل، ويدخل فى هذا التنور فيملأه ولا يتقلل فيه، فدعا طالوت بنى إسرائيل وجربهم فلم يوافقه أحد منهم، فأوحى الله إلى نبيهم أن فى ولد إيشا من يقتل جالوت، فدعا طالوت إيشا وقال له أعرض علىَّ بنيك، فخرج له اثنا عشر أو ستة أمثال السوارى، فعرضهم على القرن فلم ير شيئاً، فقال إيشا: هل بقى ولد غير هؤلاه؟ فقال: لا. فقال النبى: يا رب قد زعم أن لا ولد له غيرهم، فقال له: كذب. فقال النبى: إن ربى قد كذبك: فقال إيشا: صدق ربى يانى الله إن لى ولدا صغيراً مسقاما اسمه داود، استحيب أن يراه الناس لقصر قامته، وحقارته، فجعلته فى الغنم يرعاها وهو فى شعب كذا، قيل وكان أصفر أزرق، فدعا به طالوت ويقال إنه خرج إليه فوجده فى الوادى، وقد سال الوادى ماء، وهو يحمل شاتين يعبر بهما المسيل إلى الزريبة التى يريح فيهما غنمه، فلما رآه طالوت قال: هذا هو الرجل المطلوب لا شك فيه، فإنه يرحم البهائم، فهو بالناس أرحم، فدعاه ووضع القرن على رأسه فنش وفاض، وقال له طالوت، هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ابنتى وأجرى خاتمك فى ملكى؟ قال: نعم. فقال له هل أنست من نفسك شيئاً تتفوى به على قتله؟ قال: نعم، أنا أرعى الغنم فيجئ الأسد أو النمر أو الذيب فيأخذ شاة من الغنم، فأقوم فأقوم فأفتح لحييه عنها وأخرقهما إلى قفاه. فأخذ طالوت داود فأدخله العسكر، ومر داود فى طريقه بحجر فناداه: يا داود احملنى فإنى حجر هارون الذى قتل به ملك كذا، فحمله، ثم مر بحجر آخر فقال له: يا داود احملنى فإنى حجر موسى الذى قتل به كذا وكذا، ومر بحجر فقال: احملنى فإنى حجرك الذى تقتل به جالوت، أى مع الحجرين قبله، فوضع الثلاثة فى مختلاته وتصاف العسكران، وقال جالوت من يبارزنى؟ فانتدب له داود عليه السلام فأعطاه طالوت فرساً وسلاحاً، فلبس السلاح وركب وسار قريبا، ثم رجع إلى طالوت فقال من حوله: جبن الغلام، فجاء فوقف على طالوت فقال له: ما شأنك؟ فقال له داود عليه السلام: لئن لم ينصرنى الله لم يغن عنى هذا السلاح شيئا، وإن نصرنى فلا حاجة لى به، فدعنى أقاتل كما أريد؟ قال: نعم. فأخذ مخلاته وتقلدها، وأخذ المقلاع بيده ومضى نحو جالوت، فلما نظر إليه جالوت وقع الرعب فى جالوت وقال له: أنت تبزلى؟ قال: نعم. وكان جالوت على فرس أبلق علبه السلاح التام، فقال: أتيتنى بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب؟ قال: نعم، أنت شر من الكلب. قال جالوت: لا جرم لأقسّمن لحمك بين سباع الأرض وطير السماء. وقال داود: أو يقسم الله لحكمك. فقال داود باسم إله إبراهيم، وأخرج حجراً ثم قال باسم إله إسحاق، وأخرج حجراً ثم قال: باسم آله يعقوب، وأخرج حجراً ووضعها فى مقلاعه، فصارت حجراً واحداً وأدار المقلاع ورمى به جالوت، فسخر الله له الريح فحملت الحجر حتى أصاب أنف البيضة، فخلط دماغ جالوت، وخرج من قفاه. وقيل لما خرج تفتت بإذن الله عز وجل، حتى عم جنود جالوت، فلم يبق منهم أحد إلا أصابه فلق كرى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحفنة يوم بدر. وروى أنه لما أراد البروز إلى جالوت قال لإخوته: هل يبرز إليه واحد منكم فسكتوا ولم يطيقوا. وروى أنه لما رماه بالحجر كسر البيضة من أنفها وخلص دماغه وخرج من قفاه، وقتل من ورائه ثلاثة عشر رجلا وخرَّ جالوت صريعاً قتيلا، فأخذه داود يجره حتى ألقاه. [سقط من الأصل هنا عدة أسطر] لا حاجة لابنتى فى المال، لا أكلفك ما لا تطيق، أنت رجل حربى وفى جبالنا أعداء لنا قلف، فإن قتلت منهم مائتى رجل وجئتنى بقلفهم زوجتك ابنتى، وأرَاد بذلك أن يكيده بأن تقتله الأعداء، فأتاهم فجعل كلما قتل منهم واحداً أنظم قلفته فى خيط حتى نظم مائتى قلفة، فجاء بها إلى طالوت والقاها بين يديه وقال: أدفع لى امرأتى، فزوجه ابنته بين يديه وقال: أدفع لى امرأتى، فزوجه ابنته وأجرى خاتمهُ فى ملكه، فمال الناس إلى داود وأحبوه، وأكثروا ذكره، فحسده طالوت. قال وهب: كان الملوك يؤمئذ يتوكؤون على عصاة فى طرفها حديد، وكان بيد طالوت عصاة كذلك، وأعلاها رمانة ذهب، فدخل على داود فى بيته فرماه بها بغتة ليقتله، وحذره داود فمال هو فى مكانه فغرزت بالجدار، فقال له داود: تعمدت قتلى؟ فقال طالوت: لا بل أردت أن أوفقك على ثباتك الطعان وربط جأشك للأقران، قال داود: فلقيتنى، كما قدرت بى. قال: نعم، ولعلك فزعت؟ قال: معاذ الله أن أخاف إلا الله، ولا نرجو إلا الله، ولا يدفع الشر إلا الله، وانتزعها داود من الجدار، ثم هزها هزة منكرة، وقال له أثبت كما ثبتّ لك، فأيقن طالوت بالهلاك، فقال: أنشدتك الله بالحرمة التى بينى وبينك، وإنما أراد داود تخويفه، فقال داود: إن الله تعالى كتب فى التوراة أن جزاء السيئة مثلها، واحدة بواحدة، والبادى أظلم. فقال طالوت: أفلما تقول قول هابيل لأخيه قابيل:{أية : لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك لأقتلك إنى أخاف الله رب العالمين}،تفسير : فقال داود: إنى عفوت عنك لوجه الله العظيم. ثم بعد ذلك أراد قتله، فأخبر بذلك ابنة طالوت رجل يقال له ذو العينين فأخبرت بذلك داود، وقالت له: إنك مقتول الليلة. قال: ومن يقتلنى؟ قالت: أبى. قال: وهل أجرمت جرماً يوجب القتل؟ قالت: حدثنى بذلك من لا يكذب، ولا عليك أن تغيب الليلة حتى تنظر مصداق ذلك فقال إن كان يريد ذلك فلا أستطيع خروجاً ولكن ائتينى بزق خمر، فأتته به فوضعه فى مضجعه على سريره وسجاه، ودخل تحت السرير، فدخل طالوت نصف الليل، فقال لابنته: أين بعلك؟ قالت: هو نائم على سريره، فضربه بالسيف فسال الخمر، فلما وجد ريح الخمر قال: يرحم الله داود ما أكثر شربه للخمر، وخرج، فلما أصبح علم أنه لم يفعل شيئاً، فقال: إن رجلا طلبت منه ما طلبت فحقيق ألا يدعنى حتى يدرك بثأره منى، فاشتد حجابه وحراسته، وأغلق دونه أبوابه، ثم إن داود أتاه ليلة وقد هدأت العيون، وأعمى الله عنه الحجبة، ففتح الأبواب ودخل عليه وهو نائم على فراشه، فوضع سهماً عند رأسه وسهما عند رجليه، وسهما عن يمينه، وسهما عن شماله، وخرج، واستيقظ طالوت فعرف بالسهام فقال: يرحم الله داود هو خير منى، ظفرت به قصدت قتله وظفر بى فكف عنى، ولو شاء لوضع هذا السهم فى حلقى، وما أنا بالذى آمنه، فلما كان من الليلة القابلة أتاه ثانيا، فأعمى الله عنه الحجاب، فدخل عليه وهو نائم فأخذ إبريق وضوئه وكوزه الذى يشرب منه، وقطع شعرات من لحيته، وشيئا من طرق ثوبه، وتوارى، فلما أصبح طالوت، ورأى ذلك، سلط على داود العيون وطلبه أشد الطلب، فلم يقدر عليه أحد، ثم إن طالوت ركب يوماً فوجد داود يمشى فى البرية، فقال: اليوم أقتله. وركض فى أثره، فاشتد داود فى عدوه، وكان إذا اشتد لم يُدرَك، فدخل فى غار، فأوحى الله إلى العنكبوت فنسجت عيله، فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى نسج العنكبوت قال لو دخل هنا لتخرق هذا النسيج فانطلق طالوت وتركه؛ فخرج داود حتى أتى جبل المتعبدين فتعبد معهم؛ وطعن العلماء والعباد على طالوت فى شأن داود؛ فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن قتل داود إلا قتله، فقتل خلقاً كثيراً من العلماء والعباد فى شأن داود حتى أتى بامرأة تعلم الاسم الأعظم فأمر خبازه بقتلها فرجمها الخباز فلم يقتلها وقال: لعلنا نحتاج إلى عالم فتركها، ثم وقع فى قلب طالوت التوبة والندم على ما فعل، وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس، وكان كل ليلة يخرج إلى القبور ويبكى وينادى: أنشد الله عبداً يعلم لى توبة إلا خبرنى بها، فلما كثر منه ذلك ناداه مناد من القبور: يا طالوت أما ترضى أنك قتلتنا حتى تؤذى موتانا، فازداد حزنا وبكاء، فوجه الخباز إلى طالوت لما رأى من حاله قال: مالك أيها الملك؟ فأخبره وقال: هل تعلم لى توبة أو تعلم فى الأرض علما أسأله عن توبتى فقال له الخباز: أيها الملك هل تدرى ما مثلك إنما مثلك مثل ملك نزل قرية عشاء فصاح الديك قتطير منه، فقال: لا تتركوا ديكاً فى هذه القرية إلا ذبحتموه، فلما أراد أن ينام قال لأصحابه: إذا صاح الديك فأيقظونى حتى ادلج فقالوا له: هل تركت من ديك يسمع صوته؟ وهل تركت عالما؟ وإن دللتك على عالم يوشك أن تقتله فقال لا فتوثق منه باليمين فأخبره أن تلك المرأة العالمة عنده، فقال: انطلق بى إليها لأسألها عن توبتى. قال: نعم. فانطلق به، فلما قرب من الباب قال له الخباز أيها الملك إنها إذا رأتك فزعت ولكن ائت خلفى. فلما دخلا عليها قال لها الخباز، يا هذه ألست تعلمين حقى عليك؟ قالت: بلى قال. فإن لى إليك حاجة تقضيها. قالت: نعم. قال: هذا طالوت قد جاءك يسأل هل له من توبة؟ فلما سمع بذكر طالوت غشى عليها، فلما أفاقت قال: والله لا أعلم لهُ توبة، ولكن دلونى على قبر نبى، فانطلق بها إلى قبر أشموئيل، فوقفت عليه ودعت، وكانت تعلم الاسم الأعظم، ثم نادت يا صاحب القبر، فخرج ينفض التراب عن رأسه، فلما نظر إلى ثلاثتهم قال: ما لكم أقامت القيامة؟ قالت المرأة: لا ولكن هذا طالوت قد جاء يسألك هل له من توبة؟ فقال أشموئيل: يا طالوت كم لك من الولد؟ قال: عشرة رجال. قال: ما أعلم لك توبة إلا أن تتخلى من ملكك، وتخرج أنت وولدك فى سبيل الله، ثم تقدم ولدك حتى يقتلوا بين يديك ثم تقاتل أنت حتى تقتل آخرهم. ثم إن أشموئيل سقط ميتاً، ورجع طالوت أحزن ما كان رهبة ألا يتابعه بنوه على ما يريد، وكان قد بكى حتى سقط أشفار عينيه، ونحل جسمه، فجمع أولاده وقال لهم: أرايتم لو دفعت إلى النار هل كنتم تنقذونى منها؟ فقالوا: بلى ننقذك بما نقدر عليه. فإنها النار إن لم تفعلوا ما آمركم به: قالوا: اعرض علينا ما أردت فذكر لهم القصة، قالوا: أو إنك لمقتول؟ قال: نعم. قالوا: فلا خير لنا فى الحياة بعدك، قد طابت أنفسنا بالذى سألت، فتجهز هو وولده وخرج طالوت مجاهداً فى سبيل الله، فقدم أولاده فقاتلوا حتى قتلوا، ثم شدهو من بعدهم فقاتل حتى قتل: وجاء قاتل طالوت إلى داود فبشره بقتله، وقال له: قد قتلت عدوك. فقال له داود: ما أنت بباق بعده، وقتله، فكان ملك طالوت إلى أن قتل نحو أربعين سنة، فملك بنو إسرائيل بعده داود على أنفسهم، وأعطوه خزائن طالوت. قال الضحاك والكلبى وملك داود بعده سبع سنين، ولم تجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على داود. {وآتاهُ اللّهُ}: أى داود. {الملْكَ والحِكمةَ}: أى النبوة بعد موت أشموئيل، وطالوت، ولم يجتمعا لأحد قبله، وكان قبل ذلك النبوة فى سبط والملك فى سبط، وقيل: الحكمة العمل المعمول به وقيل الزبور. {وعَلَّمهُ ممَّا يشاء}: كعمل الدروع وسردها، وكلام الدواب والطير والنمل، وكيفية الحكم والفصل، والصوت الحسن، ويموت الناس من حسنه، وتدنو الوحش حتى تؤخذ باليد، وتظل الطير مصيحة، ويسكن الماء والريح، وأعطاه السلسلة، ويأتى ذكرها فى سورة ص إن شاء الله. {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم}: وهم المشركون وهو بدل بعض من الناس، وقرأ غير نافع دفع الله بفتح الدال وإسكان الفاء هنا وفى الحج، والمفاعلة فى قراءة نافع الموافقة المجرد الذى فى قراءة الجمهور أو لتأكيد الدفع. {بِبَعْضٍ}: هم المسلمون يدفع بهم المشركين وينصرهم على المشركين فى القتال وإقامة حجة دين الله. {لَفَسَدتِ الأرْضُ}: بالشرك. وبقتل المشركين للمسلمين، وتخريب مساجدهم، وفعلهم كل ما لا يحل من أنواع الظلم وغيره، أو لفسدت يشؤمهم، فتنقص ثمارها وتموت دوابها، وتزول بركتها، ويفسد النسل والوجه الأول هنا مع التفسير المذكور فى بعضهم ببعض هو قول ابن عباس، وقيل: ولولا دفاع الله الناس بعضهم العصاة مشركين وغيرهم ببعض هم المسلمون المطيعون لفسدت الأرض بالمعاصى والظلم والجهل والجور، وقيل ولولا دفاع الله المؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار، لفسدت الأرض بهلاك كفارها ومجارها، أى هلكت، لأن الله كتب أن تعمر الدنيا بالمؤمنين والكافرين معا، قال بعض المفسرين. يبتلى المؤمن بالكافر، ويعافى الكافر بالمؤمن، وعن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لمن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة (من) أهل بيته وجيرانه البلاء، ثم قرأ: {ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} ". تفسير : {ولكِنّ اللّهَ ذو فَضْلٍ عَلَى العَالَمينَ}: بذلك الدفاع وغيره من الإنعام حتى الكافر المفسد قد عمه الفضل فى الدنيا بذلك الدفاع وغيره، فإن الكف عن الفساد مصلحة له أيضاً.

اطفيش

تفسير : {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ} غلبوهم بأمر الله، أو بنصره، وأصل الهزم دفع الشىء بقوة حتى يدخل بعضه فى بعض، وفى الغلبة ذلك، لتحاطمهم فى قرارهم، وذلك إجمال وذكر أوله، وبعض تفصيله بقوله {وَقَتَلَ دَاوُدُ} النبى آبن إيشى من جيش طالوت لم يبلغ الحلم، سقيما أصغر، يرعى غنما، أصغر ولد إيشى، وهم ثلاثة عشر، حضر القتال منهم معه سبعة، أحدهم داود، وقيل كلهم {جَالُوتَ} جبار من العمالقة من ولد عمليق بن عاد فى بيضة ثلاثمائة رطل حديد، وظله ميل، وقيل طوله، روى أن جالوت قال، أبرزوا إلى من يقاتلنى، فإن قتلنى فلكم ملكى وإن قتلته فلى ملككم، أوحى الله إلى نبيهم، أى الذى يقلته داود، فطلبه طالوت من أبيه، ومر إلى جالوت داود على ثلاثة أحجار، واحد بعد واحد، كل يقول: يا داود تقتل جالوت بى، فحملهن، وقيل قال له الأول، احملنى فأنا حجر هارون، والثانى احملنى فإنى حجر موسى، والثالث احملنى فإنى حجرك الذى تقتل بى جالوت، وحملهن فى مخلاته، وصات حجرا، ولعل الثالث هو الذى يتصل بجالوت ويخرقه، والآخران متصلان به كعصا، وعرض عليه طالوت سلاحا أو ألبسه سلاحا فامتنع، فقال أقاتله بنصر بى، فلما قابل جالوت بالحجارة والمقلاع قال: تقاتلنى كالكلب، قال، أنت شر منه لكفرك بربى، فقال، لأطعمنك الطير، روى أنه امتنع بنو إسرائيل من مقابلة جالوت لعظم جسمه وطوله، فنادى طالوت فى عسكره، من قتل جالوت زوجته ابنتى وناصفته فى ملكى، فلم يجبه أحد، فسأل طالوت نبيهم أشمويل أو غيره على ما مر، وهو معهم، فدعا الله، فأتى طالوت بقرن فيه دهن القدس، وقيل له، يقتله الذى إذا وضع القرن على رأسه سال الدهن حتى يدهن رأسه، ولا يسيل على وجهه، فجربه على بنى إسرائيل، فلم يسل إلا على داود، فقال، اقتله وأزوجك بنتى وأناصفك ملكى، وجعل الحجارة الثلاثة فى مقلاعه، فقصد جالوت ودخل الرعب فى قلب جالوت، وروى أنه قال باسم إله إبراهيم، وأخرج حجراً، وقال، باسم إله إسحق، وأخرج حجراً، وقال، باسم إله يعقوب، وأخرج حجراً آخر، ووضعهن فى مقلاعه، فصرن حجراً واحداً، فرمى به جالوت، فحملته الريح حتى أصاب أنف البيضة فخرق دماغه وخرج من قفاه وقيل،، مكث فى دماغه، وقيل أصاب صدره، وقتل ثلاثين رجلا خلفه، وقيل، قال دواد: ما تفعلون بمن قتل هذا الأقلف؟ فزجره إخوته، فأتى من الجهة الأخرى، فقيل له، ابنة طالوت ونصف ملكه، فقتله داود فجره بإعانة الله مع طوله وثقله حتى ألقاه بين يدى طالوت، فزوجه بنته وناصفه ملكه، ومكث معه أربعين سنة واستقل بعد موته داود بالملك سبع سنين، كما قال الله جل وعلا {وَءَاتَٰهُ} أى داود {اللهُ الْمُلْكَ} فى بنى إسرائيل، ووفّى طالوت لداود بما وعد له، وظهر شأن داود فحسده فأراد قتله وعلم به داود فسجا له زق خمر فى فراشه، فضربه، فسالت، فقال رحم الله أخى داود، ما أكثر شربه للخمر، ووضع داود عند نومنه فى القائلة سهمين عند رأسه ورجليه وجنبيه فلما يقظ قال، رحم الله أخى داود قدر على قتلى ولم يقتلنى وقدرت على قتله ولم أعف، ووجده طالوت فى برية على رجليه، فقال، اليوم أقتله على فرسى، فهرب، وكان لا يدركه الفرس ودخل غارا ونسج عليه العنكبوت، ولما بلغ طالوت الغار قال، لو دخله لا نفسخ، وقتل كثيراً من العلماء وغيرهم على نهيهم له عن قتل داود، ثم ثاب وخلى الملك، وجاهد مع بنيه العشرة حتى مات معهم كفارة فخلص الملك لداود عليه السلام {وَالْحِكْمَةَ} النبوة بعد موت أشمويل وطالوت، ومات أشمويل قبل طالوت، ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد من بنى إسرائيل قبل داود، وكان داود من سبط الملك، وكذا اجتمعا لابنه سليمان، وهما من أولاد يهوذا بن يعقوب، وفيهم الملك، وأما النبوة ففى أولاد لاوى بن يعقوب {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ} كصنع الدروع من الحديد، ليلين فى يديه كالطين، وفهم صوت الطير وسائر ما له صوت من الحيوان، وقد يعلمه صوت الريح والماء والجمادات كصرير الباب والقلم، فإن التحقيق أن تسبيح الجمادات بلسان المقال لا بلسان الحال، والله يخلق التمييز لمن يشاء {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ} أى المشركين والفساق {بِبَعْضٍ} أى المؤمنين ويكون الدفاع أيضاً بالفساق أو بالمشركين، يدفعون ظلم الظالم كالسلطان الجائر وسلاطين الفرس، ولا مشرك الآن يدفع ظلما إلا وهو يفعل من الظلم أكثر مما يدفع {لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ} هذا الجنس السفلى، آدميوه وجنه، بالشرك والظلم، وقتل المسلمين وتخريب المساجد وتعطيل أمور الدين، وأرضه وجباله بالقحط والوباء والمضار، فتموت الحيوانات ويقل نفعهما، والحرث والشجر، وفى الآية تعظيم شأن الملك، فيقال: الدين والملك توأمان، وذهاب أحدهما ذهاب للآخر، والملك حارس، والدين أسّ، وما لا أس له مهدوم، وما لا حارس له فهو ضائع، ولا يصح أن يقال، ولولا دفاع الله الناس، كافرهم وفاجرهم بطاعة البر وتقواه، لأن الآية فى الدفع بالبعض عن البعض، لا فى دفع نقمات الله عنهم ببعض، ولو فسر أحمد الآية بذلك، واستأنس له بقول ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء"تفسير : ، ثم قرأ، ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، وذلك أولى من تفسير فساد الأرض بفساد دين أهلها {وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ} ومن فضله الدفع عنهم.

الالوسي

تفسير : {فَهَزَمُوهُم} أي كسروهم وغلبوهم، والفاء فيه فصيحة أي استجاب الله تعالى دعاءهم فصبروا وثبتوا ونصروا فهزموهم {بِإِذُنِ ٱللَّهِ} أي بإرادته انهزامهم ويؤول إلى نصره وتأييده، والباء إما للاستعانة والسببية وإما للمصاحبة {وَقَتَلَ دَاوُودُ} هو ابن إيشا {جَالُوتَ} أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن وهب بن منبه قال: لما برز طالوت لجالوت قال جالوت: أبرزوا إليّ من يقاتلني فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم فأتى بداود إلى طالوت فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته وأن يحكمه في ماله فألبسه طالوت سلاحاً فكره داود أن يقاتله بسلاح وقال: إن الله تعالى إن لم ينصرني عليه لم يغن السلاح شيئاً فخرج إليه بالمقلاع ومخلاة فيها أحجار ثم برز له فقال له جالوت: أنت تقاتلني؟ قال داود: نعم قال: ويلك ما خرجت إلا كما تخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة لأبددن لحمك ولأطعمنه اليوم للطير والسباع فقال له داود: بل أنت عدو الله تعالى شر من الكلب فأخذ داود حجراً فرماه بالمقلاع فأصابت بين عينيه حتى قعدت في دماغه فصرخ جالوت وانهزم من معه واحتز رأسه. {وَءَاتَٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} في بني إسرائيل بعد ما قتل جالوت وهلك طالوت، وذلك أن طالوت ـ كما روي في بعض الأخبار ـ لما رجع وفى بالشرط فأنكح داود ابنته وأجرى خاتمه في ملكه فمال الناس إلى داود وأحبوه فلما رأى ذلك طالوت وجد في نفسه وحسده فأراد قتله فعلم به داود فسجى له زق خمر في مضجعه فدخل طالوت إلى منام داود وقد هرب داود فضرب الزق ضربة فخرقه فسال الخمر منه فقال: يرحم الله تعالى داود ما كان أكثر شربه للخمر ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم فوضع سهمين عند رأسه وعند رجليه وعن يمينه وعن شماله سهمين فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها فقال: يرحم الله تعالى داود هو خير مني ظفرت به فقتلته وظفر بـي فكف عني ثم إنه ركب يوماً فوجده يمشي في البرية وطالوت على فرس فقال: اليوم أقتل داود وكان داود إذا فزع لا يدرك فركض على أثره طالوت ففزع داود فاشتد فدخل غاراً وأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فضربت عليه بيتاً فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت قال: لو كان دخل هٰهنا لخرق بيت العنكبوت فرجع، وجعل العلماء والعباد يطعنون عليه بما فعل مع داود وجعل هو يقتل العلماء وسائر من ينهاه عن قتل داود حتى قتل كثيراً من الناس ثم إنه ندم بعد ذلك وخلى الملك وكان له عشرة بنين فأخذهم وخرج يقاتل في سبيل الله تعالى كفارة لما فعل حتى قتل هو وبنوه في سبيل الله تعالى فاجتمعت بنو إسرائيل على داود وملكوه أمرهم فهذا إيتاء الملك {وَٱلْحِكْــمَةِ} المراد بها النبوة ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد قبله بل كانت النبوة في سبط، والملك في سبط، وهذا بعد موت ذلك النبـي وكان موته قبل طالوت، وذكر الحكمة بعد الملك لأنها كانت بعده وقوعاً أو للترقي من ذكر الأدنى إلى ذكر الأعلى {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء} كصنعة اللبوس ومنطق الطير وكلام الدواب، والضمير المستتر راجع إلى الله تعالى، وعوده إلى داود كما قال ـ السمين ضعيف ـ لأن معظم ما علمه تعالى له مما لا يكاد يخطر ببال، ولا يقع في أمنية بشر ليتمكن من طلبه ومشيئته. {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم} وهم أهل الشرور في الدنيا أو في الدين أو في مجموعهما {بِبَعْضِ} آخر منهم يردهم عما هم عليه بما قدره الله تعالى من القتل كما في القصة المحكية أو غيره،/ وقرأ نافع هنا وفي الحج [40] ـ دفاع ـ على أن صيغة المغالبة للمبالغة {لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يصلح الأرض ويعمرها، وقيل: هو كناية عن فساد أهلها وعموم الشر فيهم؛ وفي هذا تنبيه على فضيلة الملك وأنه لولاه ما استتب أمر العالم، ولهذا قيل: الدين والملك توأمان ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الآخر لأن الدين أس والملك حارس وما لا أس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ} لا يقدر قدره {عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ} كافة وهذا إشارة إلى قياس استثنائي مؤلف من وضع نقيض المقدم منتج ـ لنقيض ـ التالي خلا أنه قد وضع موضعه ما يستتبعه ويستوجبه أعني كونه تعالى ذا فضل على العالمين إيذاناً بأنه تعالى يتفضل في ذلك الدفع من غير أن يجب عليه ذلك وأن فضله تعالى غير منحصر فيه بل هو فرد من أفراد فضله العظيم كأنه قيل: ولكنه تعالى يدفع فساد بعضهم ببعض فلا تفسد الأرض وينتظم به مصالح العالم وينصلح أحوال الأمم، قاله مولانا مفتي الديار الرومية قدس سره. واعترض بأنه مخالف لقول المنطقيين: إن المتصلة ينتج استثناء عين مقدمها عين تاليها لاستلزام وجود الملزوم وجود اللازم واستثناء نقيض تاليها نقيض المقدم لاستلزام عدم اللازم عدم الملزوم ولا ينعكس فلا ينتج استثناء عين التالي عين المقدم ولا نقيض المقدم نقيض التالي لجواز أن يكون التالي أعم من المقدم فلا يلزم من وجود اللازم وجود الملزوم ولا من عدم الملزوم عدم اللازم، وأجيب بأن ذلك إنما هو باعتبار الهيئة، وقد يستلزمه بواسطة خصوصية مادة المساواة، وقد صرح ابن سينا في «الفصول» بأن الملازمة إذا كانت من الطرفين كما بين العلة والمعلول ينتج استثناء كل من المقدم والتالي عين الآخر ونقيضه نقيض الآخر، وفي تعليل القوم أيضاً إشارة إليه حيث قالوا: لجواز أن يكون اللازم أعم وكأن في عبارة المولى إشارة إلى أن الملازمة في الشرطية من الطرفين حيث قال: منتج ولم يقل ينتج اهـ. وأجاب بعضهم بأن قولهم ذلك ليس على سبيل الاطراد بل إذا كان نقيض المقدم أعم من نقيض التالي، وأما إذا كان نقيضه بعكس هذا كما في هذه الآية الكريمة وأمثالها فإنه ينتج التالي، وذلك أن الدفع المذكور لما كان ملزوماً لعدم فساد الأرض كانت الملازمة ثابتة بينهما لأن وجود الملزوم يستلزم وجود اللازم كما بين في موضعه وادعاء أن الملازمة من الطرفين هنا كما زعمه المجيب الأول ليس بشيء بل اللازم هٰهنا أعم من الملزوم كما لا يخفى على ذي روية، وكون عبارة المولى مشيرة إلى أن الملازمة من الطرفين في حيز المنع وما ذكره لا يدل عليه كما لا يخفى فافهم وتدبر فإن نظر المولى دقيق.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ}. لم يبين هنا شيئاً مما علمه، وقد بين في مواضع أخر أن مما علمه صنعة الدروع كقوله: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ} تفسير : [الأنبياء: 80] الآية وقوله: {أية : وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ}تفسير : [سبأ: 10-11].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 251- فهزموا عدوهم بإذن الله تعالى وقتل داود - وهو أحد جنود طالوت - جالوت قائد الكفار، وأعطاه الله الحكم بعد طالوت والنبوة والعلم النافع وعلمه مما يشاء، وسنة الله أن ينصر الذين يصلحون فى الأرض ولا يفسدون، ولولا أن الله يسلط جنوده على المفسدين لمحو فسادهم، ويسلط الأشرار بعضهم على بعض، ما عمرت الأرض، ولكن الله دائم الإحسان والفضل على عباده. 252- تلك القصة من العبر التى نقصّها عليك بالصدق لتكون أسوة لك ودليلا على صدق رسالتك، ولتعلم أننا سننصرك كما نصرنا من قبلك من الرسل. 253- هؤلاء الرسل الذين ذكرنا فريقاً منهم وقد فضلنا بعضهم على بعض. فمنهم من كلمه الله دون سفير كموسى، ومنهم من رفعه الله درجات فوق درجاتهم جميعاً وهو محمد الذى اختص بعموم الرسالة، وكمال الشريعة، وختمه الرسالات. ومنهم عيسى ابن مريم الذى أمددناه بالمعجزات كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص وأيدناه بجبريل روح القدس. وقد جاء هؤلاء الرسل بالهدى، ودين الحق، والبينات الهادية، وكان مقتضى هذا أن يؤمن الناس جميعاً، ولا يختلفوا ولا يقتتلوا، ولو شاء الله ألا يقتتل الناس من بعد مجئ الرسل إليهم بالآيات الواضحة الدالة على الحق ما حدث اقتتال ولا اختلاف، ولكن الله لم يشأ ذلك، ولهذا اختلفوا، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، ولو شاء الله ما اقتتلوا ولا اختلفوا بل يكونون جميعاً على الحق، ولكنه يفعل ما يريد لحكمة قدّرها.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَآتَاهُ} {ٱلْعَالَمِينَ} (251) - فَهَزَمَ المُؤْمِنُونَ الذِينَ كَانُوا مَعَ طَالُوتَ أعْدَاءَهُمُ الكَافِرِينَ بِإذْنِ اللهِ، وَقَتَلَ دَاوُدُ (مِنْ جَيْشِ طَالُوتَ) جَالُوتَ مَلِكَ الكُفَّارِ، وَمَنَّ اللهُ عَلَى دَاوُدَ بِأنْ آتَاهُ المُلْكَ الذِي كَانَ بِيَدِ طَالُوتَ، وَالنُّبُوَّةَ (الحِكْمَةَ)، وَعَلَّمَهُ اللهُ مِنَ العِلْمِ الذِي اخْتَصَّهُ بِهِ، وَلَوْلا أنَّ اللهَ يَدْفَعُ بَأسَ أهْلِ البَغْيِ وَالجَوْرِ وَالآثَامِ، بِأهْلِ الصَّلاَحِ وَالخَيْرِ، لَغَلَبَ أَهْلَ الفَسَادِ، وَبَغَوْا عَلَى الصَّالِحينَ، وَصَارَ لَهُمْ سُلْطَانٌ فَفَسَدَتِ الأرْضُ، فَكَانَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ أنْ أذِنَ لِلْمُصْلِحِينَ بِقِتَالِ البُغَاةِ المُفْسِدِينَ. وَاللهُ يَمُنُّ عَلَى عِبَادِهِ وَيَرْحَمُهُمْ وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ، وَلَهُ الحِكْمَةُ وَالحُجَّةُ عَلَى خَلْقِهِ فِي جَميعِ أقْوَالِهِ وَأفْعَالِهِ. الحِكْمَةَ - النُّبُوَّةَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن الحق يبلغنا أنه قد نصر المؤمنين به. ويجيء الحق بكلمة "هزموهم" وهي تدل على فرار من كان يجب أن يكون مهاجماً. والمحارب يجب أن يكون مهاجماً كاراً دائماً، فحين يلجأ إلى أن يفر، هنا نتوقف لنتبين أمره، هل هذا الفِرار تحرفاً لقتال وانعطافاً وميلاً إلى موقف آخر هو أصلح للقتال فيه؟ لو كان الأمر كذلك فلا تكون الهزيمة، لكن إذا كان الفِرار لغير كَرٍ ومخادعة للعدو بل كان للخوف هنا تكون الهزيمة. وقول الله: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [البقرة: 251] يدل على أن جنود جالوت لم يُقتلوا كلهم، ولكن الذين قُتلوا هم أئمة الكفر فيهم، بدليل قوله بعد ذلك: {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ} [البقرة: 251]. وجالوت هو زعيم جيش الكفار الذي هرب، فطارده داود وقتله. ولأول مرة يظهر لنا اسم "داود" في هذه القصة الطويلة، وهو اسم لم يكن عندنا فكرة عنه من قبل، وستأتي الفكرة عنه بعد هذه القصة في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ * أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}تفسير : [سبأ: 10-11]. إذن فبداية داود جاءت من هذه المعركة بعد قتل جالوت، وكان "داود" أخاً لعشرة وهو أصغرهم، وقال النبي للقوم: إن من يدخل المعركة ضد جالوت لابد أن يأتي درع موسى على مقاسه، وهنا استعرض والد "داود" الدرع على جميع أبنائه، فلم يأتي على مقاس أي واحد منهم إلا على أصغرهم، وهو "داود". جاء الدرع على مقاسه، ودخل "داود" المعركة فقتل جالوت قائد المشركين، وشاءت حكمة الله أن يكون أصغر المؤمنين هو الذي يقتل كبير جيش المشركين. كانت هذه المعركة بداية تاريخ داود، وقد جاءت له هذه المعركة بالفتح العظيم، ثم أنعم الله عليه بالملك والحكمة وجعل الجبال والطير تردد وترجع معه تسبيح الله وتنزيهه، كل ذلك نتيجة قتل جالوت. وأحب داود الدرع وصار أمله أن يعلمه الله صناعة الدروع، ولذلك لم يتخذ صنعة في حياته إلا عمل الدروع. وجعل الله له الحديد ليناً ليصنع منه ما يشاء كما جاء في قوله تعالى:{أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ ..}تفسير : [الأنبياء: 80]. وهذا دليل على أن الإنسان يحب الشيء الذي له صلة برفعة شأنه. ولقد كان قتل جالوت هو البداية لداود. {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [البقرة: 251] إن الحق يأتي هنا بقضية كونية في الوجود، وهي أن الحرب ضرورة اجتماعية، وأن الحق يدفع الناس بالناس. وأنه لولا وجود قوة أمام قوة لفسد العالم؛ فلو سيطرت قوة واحدة في الكون لفسد. فالذي يعمر الكون هو أن توجد فيه قوى متكافئة؛ قوة تقابلها قوة أخرى. ولذلك نجد العالم دائماً محروساً بالقوتين العظميين، ولو كانت قوة واحدة لعم الضلال. ولو تأملنا التاريخ منذ القدم لوجدنا هذه الثنائية في القوى تحفظ الاستقرار في العالم. في بداية الإسلام كانت الدولتان العظميان هما الفرس في الشرق، والروم في الغرب. والآن سقطت قوة روسيا من كفة ميزان العالم، وتتسابق ألمانيا واليابان ليوازنا قوة أمريكا. إن قول الله تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} [البقرة: 251] جاء تعقيباً على قصة الصراع بين بني إسرائيل وبين أعدائهم الذين أخرجوهم من ديارهم وعندما نتأمل هذه القصة من بدايتها نجد أنهم طلبوا أولاً من الله الإذن بالقتال. وبعث الله لهم ملكاً ليقاتلوا تحت رايته؛ وكانت علامة هذا الملك في الصدق أن يأتي الله بالتابوت. ثم جاءت قضية اجتماعية ينتهي إليها الناس عادة بحكيم الرأي ولو بدون الوحي، وهي أن الإنسان إذا ما أقبل على أمر يجب أن يعد له إعداداً بالأسباب البشرية، حتى إذا ما استوفى إعداده كل الأسباب لجأ إلى معونة الله، لأن الأسباب - كما قلنا - هي من يد الله، فلا ترد أنت يد الله بأسبابها، لتطلب معونة الله بذاته، بل خذ الأسباب أولاً لأنها من يد ربك. ويعلمنا الحق أيضاً أن من الأسباب تمحيص الذين يدافعون عن الحق تمحيصاً يبين لنا قوة ثباتهم في الاختبار الإيماني؛ لأن الإنسان قد يقول قولاً بلسانه؛ ولكنه حين يتعرض للفعل تحدثه نفسه بألا يوفي، وقد نجح قلة من القوم في الابتلاءات المتعددة. وفعلاً دارت المعركة؛ وهزم هؤلاء المؤمنون أعداءهم، وانتصر داود بقتل جالوت. إذن فتلك قضية دفع الله فيها أناساً بأناس، ويطلقها الحق سبحانه قضية عامة {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} [البقرة: 251]، أي لولا أن الله دفع بالقلة المؤمنة الكثرة من عدوهم لفسدت الأرض، فالدفع هو الرد عن المراد، فإذا كان المراد للناس أن يوجد شر، فإن الله يدفعه. إذن فالله يدفع ولكن بأيدي خلقه، كما قال سبحانه: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [التوبة: 14]. إنه دفع الله المؤمنين ليقاتلوا الكافرين، ويعذب الحق الكافرين بأيدي المؤمنين. وعندما نتأمل القول الحكيم: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} [البقرة: 251] فإننا نجد مقدمة سابقة تمهد لهذا القول، لقد أُخرجوا من ديارهم وأبنائهم، فكان هذا هو مبرر القتال. وتجد آية أخرى أيضاً تقول:{أية : ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}تفسير : [الحج: 40]. والسياق مختلف في الآيتين، السياق الذي يأتي في سورة البقرة عن أناس يحاربون بالفعل، والسياق الذي يأتي في سورة الحج عن أناس مؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم المستضعفون من مكة لينضموا إلى إخوتهم المؤمنين في دار الإيمان ليعيدوا الكرة، ويدخلوا مكة فاتحين. صحيح أننا نجد وحدة جامعة بين الآيتين. وهو الخروج من الديار. إذن فمرة يكون الدفاع بأن تَفِرَّ لِتَكِرَّ .. أي أن تخرج من ديار الكفر مهاجراً لتجمع أمر نفسك أنت ومن معك وتعود إلى بلدك مقاتلاً فاتحاً، ومرة يكون الدفاع بأن تقاتل بالفعل، فالآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها هنا تفيد أنهم قاتلوا بالفعل، والآية الثانية تفيد أنهم خرجوا من مكة ليرجعوا إليها فاتحين، فالخروج نفسه نوع من الدفع، لماذا؟ لأن المسلمين الأوائل لو مكثوا في مكة فربما أفناهم خصومهم فلا يبقى للإسلام خميرة، فذهبوا إلى المدينة وكوّنوا الدولة الإسلامية ثم عادوا منتصرين فاتحين:{أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ}تفسير : [النصر: 1]. إن السياق في الآيتين واحد ولكن النتيجة تختلف، هنا يقول الحق: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} [البقرة: 251] لماذا تفسد الأرض؟ لأن معنى دفع الله الناس بعضهم ببعض أن هناك أناساً ألفوا الفساد، ويقابلهم أناس خرجوا على مَن ألِفَ الفساد ليردوهم إلى الصلاح. ويعطينا الحق سبحانه وتعالى في الآية الثانية السبب فيقول: {أية : وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً ..}تفسير : [الحج: 40]. والصوامع هي ما يقابل الآن الدير للنصارى وكانوا يتعبدون لله فيها، لأن فيه متعبداً عَمِلَ بالتكليف العام؛ ومتعبداً آخر قد ألزم نفسه بشيء فوق ما كلفه الله به. فالذين يعبدون الله بهذه الطريقة يجلسون في أماكن بعيدة عن الناس يسمونها الصوامع، وهي تشبه الدير الآن. والمعنى العام في التعبد للنصارى هو التعبد في الكنائس وهو المقصود بالبِيَع، والمعنى الخاص هو التعبد في الصوامع. إذن "لهدمت صوامع" هذه لخاصة المتدينين، وكنائس أو بيع لعامة المتدينين. وقول الحق: "وصلوات"، من صالوت، وهي مكان العبادة لليهود، و"مساجد" وهي مساجد المسلمين. إن قوله تعالى: {لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} [البقرة: 251] في هذه الآية، وقوله تعالى هناك {أية : لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ} تفسير : [الحج: 40] أي أنه ستفسد الأرض إذا لم تقم الصوامع والبيع والصلوات والمساجد؛ لأنها هي التي تربط المخلوق بالخالق. وما دامت تلك الأماكن هي التي تربط المخلوق بالخالق فإن هدمت .. يكون الناس على غير ذكر لربهم وتفتنهم أسباب الدنيا. فالأديرة والكنائس والصوامع - حين كانت - والمساجد الآن هي حارسة القيم في الوجود، لأنها تذكرك دائماً بالعبودية وتمنع عنك الغرور، وهي من السجود الذي هو منتهى الخضوع للرب، نخضع بها لله خمس مرات في اليوم والليلة؛ فإن كان عند العبد شيء من الغرور لابد أن يذوب، ويعرف العبد أن الكون كله فضل من الله على العباد؛ فلا يدخلك أيها المسلم شيء من الغرور. فإذا لم يدخلك شيء من الغرور استعملت أسباب الله في مطلوبات الله. أما أن تأخذ أنت أسباب الله في غير مطلوبات الله فهذه قحة منك. فإذا كان الله قد أقدر يدك على الحركة فلماذا تعصى الله بها وتضرب بها الناس؟ والله أقدر لسانك على الكلام، فلماذا تؤذي غيرك بالكلمة؟ إن الله قد أعطاك النعمة فلا تستعملها في المعصية. قال الله تعالى في هذه الآية: {لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} [البقرة: 251] وشرح ذلك في قوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً ..} تفسير : [الحج: 40] فهذه الأماكن هي التي تبقى أصول القيم في التدين. "وأصول القيم في التدين" غير "كل القيم في التدين"، ولذلك نحن قلنا: إن الحق سبحانه وتعالى جعل للإسلام خمسة أركان، وهي التي بُني عليها الإسلام. ولابد أن نقيم بنيان الإسلام على هذه الأركان الخمسة، فلا تقل: إن الإسلام هو هذه الأركان الخمسة، لا؛ لأن الإسلام مبني عليها فقط فهي الأعمدة أو الأسس التي بني عليها الإسلام. فأنت حين تضع أساساً لمنزل وتقيم الأعمدة فهذا المنزل لا يصلح بذلك للسكن، بل لابد أن تقيم بقية البنيان، إذن فالإسلام مبني على هذه الأسس. والحق سبحانه وتعالى يوضح ذلك فيأمر بالمحافظة على أماكن هذه القيم؛ لأن المساجد - ونحن نتكلم بالعرف الإسلامي - هي ملتقى فيوضات الحق النورانية على خلقه، فالذي يريد فيض الحق بنوره يذهب إلى المسجد. إذن لكيلا تفسد الأرض لابد أن توجد أماكن العبادة هذه، فمرة جاء الحق بالنتيجة ومرة جاء بالسبب. ولماذا يدفع الله الناس بعضهم ببعض؟ لأن هناك أناساً يريدون الشر وأناساً يريدون الخير، فمن يريد الشر يدفع من يريد الخير، وإذا وقعت المعركة بهذا الوصف فإن يد الله لا تتخلى عن الجانب المؤمن الباحث عن الخير، فهو سبحانه القائل:{أية : وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}تفسير : [الحج: 40]. أي إن المعركة لا تطول. ولذلك قلنا سابقاً: إن المعارك التي نراها في الكون لا نجد فيها معركة بين حقين؛ لأنه لا يوجد في الوجود حقان، فالحق واحد، فلا يقولن أحد: إنه على حق وخصمه على حق. لا، إن هناك حقاً واحداً فقط. والمعركة - إن وجدت - توجد بين حق وباطل، أو بين باطل وباطل. والمعركة بين الحق والباطل لا تطول؛ لأن الباطل زهوق. والذي يطول من المعارك هي المعارك بين الباطل والباطل؛ فليس أحدهما أولى بأن ينصره الله. فهذا على فساد وذاك على فساد، وسبحانه يدك هذا الفساد بذاك الفساد. وحين يندك هذا الفساد بذاك الفساد، فجناحا الفساد في الكون ينتهيان. ويأتي من بعد ذلك أناس ليس عندهم فساد ويعمرون الكون. والمعارك التي تدور في أي مكان تجد أن هذا الطرف له هوى والآخر له هوىً مختلف. ولا يقف الله في أي جانب منهما؛ لأنه ليس هناك جانب أحق بالله من الآخر؛ لذلك يتركهم يصطرع بعضهم مع بعض، وما دام الحق قد تركهم لبعضهم البعض فلا بد أن تطول المعركة. ولو كان الله في بال جانب منهم لوقف سبحانه في جانبه. وكذلك نرى في معارك العصر الحديث أن المعركة تطول وتطول؛ لأننا لا نجد القسم الثالث الذي جاء في قوله سبحانه:{أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ}تفسير : [الحجرات: 9]. إن الحق سبحانه وتعالى يأمر عند اقتتال طائفتين من المؤمنين أن يصلح بينهما قوم مؤمنون، فإن تعدت إحداهما على الأخرى، ورفضت الصلح فالحق يأمر المؤمنين بأن يقاتلوا الفئة التي تتعدى إلى أن ترجع إلى حكم الله، فإن رجعت إلى حكم الله فالإصلاح بين الفئتين يكون بالإنصاف؛ لأن الله يحب العادلين المنصفين. ونحن نجد الباطل يتقاتل مع الباطل؛ لذلك لا نجد من يصلح بين الباطلين، بل نجد أهواءً تتعارك، وكل جانب ينفخ في الطائفة التي تناسب هواه. وهذه هي الخيبة في الكون المعاصر؛ إن المعارك تطول لأنه ليس في بال المتقاتلين شيء جامع، ولو كان في بالهم شيء جامع، لما حدثت الحرب. وما داموا قد غفلوا عن هذا الشيء الجامع، فمن المفروض أن تتدخل الفئة القادرة على الإصلاح، ولكن حتى هؤلاء لم يدخلوا للإصلاح، وهذا معناه أن الخيبة في العالم كله. وسيظل العالم في خيبة إلى أن يرعووا ويرتدعوا. إنهم يطيلون على أنفسهم أمد التجربة وسيظلون في هذه الخيبة حتى يفطنوا إلى أنه لا سبيل إلى أن تنتهي هذه المشاكل إلا أن يرجعوا جميعاً عن أهوائهم إلى مراد خالقهم. {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} [البقرة: 251]، نعم تفسد الأرض فيما جعل الله للإنسان يداً فيه، أما الشيء الذي لم يجعل الله للإنسان يداً فيه فستظل النواميس كما هي لا يؤثر فيها أحد، فلا أحد يؤثر في الشمس أو القمر أو الهواء أو المطر، إنما الفساد جاء فيما للإنسان فيه يد. انظر إلى الكون، إنك تجد المسائل التي لا دخل للإنسان فيها مستقيمة على أحسن ما يكون، وإنما يأتي الفساد من النواحي التي تدخل فيها الإنسان بغير منهج الله. ولو أن الإنسان دخل فيها بمنهج الله لاستقامت الأمور كما استقامت النواميس العليا تماماً. في سورة الرحمن قوله تعالى:{أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ}تفسير : [الرحمن: 7]. وما دام الحق قد رفع السماء ووضع الميزان، فالسماء لا تقع على الأرض والنظام محكم تماماً، الشمس تطلع من الشرق وتغرب في الغرب، والقمر والنجوم تسير في منتهى الدقة والإبداع، لأنه لا دخل لأحد من البشر فيه. فإن أردتم أن تصلح حياتكم، وأن تستقيم أموركم كما استقامت هندسة السماء والأرض فخذوا الميزان من السماء في أعمالكم، واتبعوا القول الحق: {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ}تفسير : [الرحمن: 7-9]. وما دمتم قد رأيتم أن الأمور الموجودة التي تسير بنظام لا تتحكمون فيه تعمل باستقامة وترون أن الفساد قد جاء من ناحية الأمور التي دخلتم فيها، فلماذا لا نتبع منهج الله في الأمور التي لنا دخل فيها؟ إنك إن عملت في الحياة بمنهج الله الذي خلق الحياة فإن أمورك تستقيم لك كما استقامت الأمور العليا في الكون. واحفظ جيداً قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ}تفسير : [الرحمن: 7-8]. ليحفظ كل منا هذا القول لنعرف أن الأمور العليا موزونة لأن يد الإنسان لا تدخل فيها. إن السماء لا تقع على الأرض لأنها محكومة بنظام محكم تماماً. والأرض لا تدور بعيداً عن فلكها؛ لأن خالقها قد قدر لها النظام المحكم تماماً. ولهذا يقول الحق سبحانه عن نظام الكواكب في الكون: {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}تفسير : [يس: 40]. إنه نظام دقيق محكم لأنه لا دخل للإنسان فيه. اصنعوا ميزاناً في كل الأمور التي لكم فيها اختيار حتى لا تطغوا في الميزان. وما دام الله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان ومنحه الاختيار، وبعض الناس اختار مذهباً، والبعض الآخر اختار مذهباً مضاداً، وكلٌّ من المذهبين خارج عن منهج الله، فالحق سبحانه وتعالى يترك الفئتين للتقاتل والتناحر. ولأنه سبحانه ذو رحمة على العالمين، يبقى عناصر الخير في الوجود، لعل أحداً يرى ويتنبه ويتلفت ويذهب ليأخذها. فعندما تطغى جماعة يأتي لهم الحق بجماعة يردونهم، حتى تبقى عناصر الخير في الوجود لعل إنساناً يأتي ليأخذ عنصراً منها يحرك به حياته، وصاحب الخير إنما يأتي من فضل الله على العالمين. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ...}.