Verse. 257 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَلَمَّا بَرَزُوْا لِجَالُوْتَ وَجُنُوْدِہٖ قَالُوْا رَبَّنَاۗ اَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَّثَبِّتْ اَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَي الْقَوْمِ الْكٰفِرِيْنَ۝۲۵۰ۭ
Walamma barazoo lijaloota wajunoodihi qaloo rabbana afrigh AAalayna sabran wathabbit aqdamana waonsurna AAala alqawmi alkafireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولما برزوا لجالوت وجنوده» أي ظهروا لقتالهم وتصافّوا «قالوا ربنا أفرغ» أصبب «علينا صبرا وثبت أقدامنا» بتقوية قلوبنا على الجهاد «وانصرنا على القوم الكافرين».

250

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: المبارزة في الحروب، هي أن يبرز كل واحد منهم لصاحبه وقت القتال، والأصل فيها أن الأرض الفضاء التي لا حجاب فيها يقال لها البراز، فكان البروز عبارة عن حصول كل واحد منهما في الأرض المسماة بالبراز، وهو أن يكون كل واحد منهما بحيث يرى صاحبه. المسألة الثانية: أن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع العوام والضعفاء أنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، وأوضحوا أن الفتح والنصرة لا يحصلان إلا بإعانة الله، لا جرم لما برز عسكر طالوت إلى عسكر جالوت ورأوا القلة في جانبهم، والكثرة في جانب عدوهم، لا جرم اشتغلوا بالدعاء والتضرع، فقالوا: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } ونظيره ما حكى الله عن قوم آخرين أنهم قالوا حين الالتقاء مع المشركين: {أية : وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ } تفسير : [آل عمران: 146] إلى قوله: {أية : وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [آل عمران: 147] وهكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل المواطن، وروي عنه في قصة بدر أنه عليه السلام لم يزل يصلي ويستنجز من الله وعده، وكان متى لقي عدواً قال: «حديث : اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم» تفسير : وكان يقول: «حديث : اللهم بك أصول وبك أجول». تفسير : المسألة الثالثة: الإفراغ الصب، يقال: أفرغت الإناء إذا صببت ما فيه، وأصله من الفراغ، يقال: فلان فارغ معناه أنه خال مما يشغله، والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه، وإنما يخلو بصب كل ما فيه. إذا عرفت هذا فنقول قوله: {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} يدل على المبالغة في طلب الصبر من وجهين أحدهما: أنه إذا صب الشيء في الشيء فقد أثبت فيه بحيث لا يزول عنه، وهذا يدل على التأكيد والثاني: أن إفراغ الإناء هو إخلاؤه، وذلك يكون بصب كل ما فيه، فمعنى: أفرغ علينا صبراً: أي أصبب علينا أتم صب وأبلغه. المسألة الرابعة: اعلم أن الأمور المطلوبة عند المحاربة مجموع أمور ثلاثة فأولها: أن يكون الإنسان صبوراً على مشاهدة المخاوف والأمور الهائلة، وهذا هو الركن الأعلى للمحارب فإنه إذا كان جباناً لا يحصل منه مقصود أصلاً وثانيها: أن يكون قد وجد من الآلات والأدوات والاتفاقات الحسنة مما يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار وثالثها: أن تزداد قوته على قوة عدوه حتى يمكنه أن يقهر العدو. إذا عرفت هذا فنقول المرتبة الأولى: هي المراد من قوله: {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } والثانية: هي المراد بقوله: {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } والثالثة: هي المراد بقوله: {وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ }. المسألة الخامسة: احتج الأصحاب على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى بقوله: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } وذلك لأنه لا معنى للصبر إلا القصد على الثبات، ولا معنى للثبات إلا السكون والاستقرار وهذه الآية دالة على أن ذلك القصد المسمى بالصبر من الله تعالى، وهو قوله: {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } وعلى أن الثبات والسكون الحاصل عند ذلك القصد أيضاً بفعل الله تعالى، وهو قوله: {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } وهذا صريح في أن الإرادة من فعل العبد وبخلق الله تعالى، أجاب القاضي عنه بأن المراد من الصبر وتثبيت القدم تحصيل أسباب الصبر، وأسباب ثبات القدم، وتلك الأسباب أمور أحدها: أن يجعل في قلوب أعدائهم الرعب والجبن منهم فيقع بسبب ذلك منهم الاضطراب فيصير ذلك سبباً لجراءة المسلمين عليهم، ويصير داعياً لهم إلى الصبر على القتال وترك الانهزام، وثانيها: أن يلطف ببعض أعدائهم في معرفة بطلان ما هم عليه فيقع بينهم الاختلاف والتفرق ويصير ذلك سبباً لجراءة المؤمنين عليهم وثالثها: أن يحدث تعالى فيهم وفي ديارهم وأهاليهم من البلاء مثل الموت والوباء، وما يكون سبباً لاشتغالهم بأنفسهم، ولا يتفرغون حينئذٍ للمحاربة فيصير ذلك سبباً لجراءة المسلمين عليهم ورابعها: أن يبتليهم بمرض وضعف يعمهم أو يعم أكثرهم، أو يموت رئيسهم ومن يدبر أمرهم فيعرف المؤمنون ذلك فيصير ذلك سبباً لقوة قلوبهم، وموجباً لأن يحصل لهم الصبر والثبات، هذا كلام القاضي. والجواب عنه من وجهين: الأول: أنا بينا أن الصبر عبارة عن القصد إلى السكوت والثبات عبارة عن السكون، فدلت هذه الآية على أن إرادة العبد ومراده من الله تعالى وذلك يبطل قولكم وأنتم تصرفون الكلام عن ظاهره وتحملونه على أسباب الصبر وثبات الأقدام، ومعلوم أن ترك الظاهر بغير دليل لا يجوز. الوجه الثاني: في الجواب أن هذه الأسباب التي سلمتم أنها بفعل الله تعالى إذا حصلت ووجدت فهل لها أثر في الترجيح الداعي أوليس لها أثر فيه وإن لم يكن لها أثر فيه لم يكن لطلبها من الله قائدة وإن كان لها أثر في الترجيح فعند صدور هذه الأسباب المرجحة من الله يحصل الرجحان، وعند حصول الرجحان يمتنع الطرف المرجوح، فيجب حصول الطرف الراجح، لأنه لا خروج عن طرفي النقيض، وهو المطلوب، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : . {بَرَزُواْ} صاروا في البَرَاز وهو الأفيح من الأرض المتسع. وكان جالوت أمير العمالقة وملِكهم ظلُّه مِيل. ويُقال:، إن البربر من نسله، وكان فيما روى في ثلاثمائة ألف فارس. وقال عِكرمة: في تسعين ألفاً، ولما رأى المؤمنون كثرة عدوّهم تضرعوا إلى ربهم؛ وهذا كقوله: {أية : وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} تفسير : [آل عمران: 146] إلى قوله: {أية : وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} تفسير : [آل عمران: 147] الآية. حديث : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقِي العدو يقول في القتال: «اللَّهُمَّ بك أصول وأجول» وكان صلى الله عليه وسلم يقول إذا لقي العدوّ: «اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم»تفسير : ودعا يوم بدر حتى سقط رداؤه عن منكِبيه يستنجِز الله وعده على ما يأتي بيانه في «آل عمران» إن شاء الله تعالىٰ.

ابن كثير

تفسير : أي: لما واجه حزب الإيمان، وهم قليل من أصحاب طالوت، لعدوهم أصحاب جالوت، وهم عدد كثير {قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} أي: أنزل علينا صبراً من عندك {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} أي: في لقاء الأعداء، وجنبنا الفرار والعجز {وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ}. قال الله تعالى: {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} ذكروا في الإسرائيليات أنه قتله بمقلاع كان في يده، رماه به فأصابه فقتله، وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته، ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له، ثم آل الملك إلى دواد عليه السلام مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة، ولهذا قال تعالى: {وَآتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} الذي كان بيد طالوت {وَٱلْحِكْمَةَ} أي: النبوة بعد شمويل {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ} أي: مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} أي: لولا الله يدفع عن قوم بآخرين كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود، لهلكوا؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً}تفسير : [الحج: 40] الآية، وقال ابن جرير: حدثني أبو حميد الحمصي أُحد بن المغيرة، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حفص بن سليمان عن محمد بن سوقة، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء»تفسير : ثم قرأ ابن عمر {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} وهذا إسناد ضعيف، فإن يحيى ابن سعيد هذا هو أبو زكريا العطار الحمصي، وهو ضعيف جداً، ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو حميد الحمصي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله عزّ وجل، ما دام فيهم»تفسير : وهذا أيضاً غريب ضعيف؛ لما تقدم أيضاً. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا علي بن إسماعيل بن حماد، أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد، أخبرنا زيد بن الحباب، حدثني حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان رفع الحديث، قال: «حديث : لا يزال فيكم سبعة بهم تنصرون، وبهم تمطرون، وبهم ترزقون، حتى يأتي أمر الله».تفسير : وقال ابن مردويه أيضاً: وحدثنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن جرير بن يزيد، حدثنا أبو معاذ نهار عثمان الليثي، أخبرنا زيد بن الحباب، أخبرني عمر البزار عن عنبسة الخواص، عن قتادة، عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني، عن عبادة بن الصامت، قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الأبدال في أمتي ثلاثون، بهم ترزقون، وبهم تمطرون، وبهم تنصرون» تفسير : قال قتادة: إني لأرجو أن يكون الحسن منهم. وقوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: ذو منّ عليهم ورحمة بهم، يدفع عنهم ببعضهم بعضاً، وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله. ثم قال تعالى: { تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي: هذه آيات الله التي قصصناها عليك من أمر الذين ذكرناهم بالحق، أي: بالواقع الذي كان عليه الأمر المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق الذي يعلمه علماء بني إسرائيل، {وَإِنَّكَ} يا محمد {لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} وهذا توكيد وتوطئة للقسم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ } أي ظهروا لقتالهم وتصافّوا {قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ } اصبب {عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } بتقوية قلوبنا على الجهاد {وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ} في الهزيمة قولان: أحدهما: أنها ليست من فعلهم وإنما أضيفت إليهم مجازاً. والثاني: أنهم لما ألجئوا إليها صارواْ سبباً لها، فأضيفت إليهم لمكان الإلجاء. ويحتمل قوله: {بِإِذْنِ اللَّهِ} وجهين: أحدهما: بأمر الله لهم بقتالهم. الثاني: بمعونة الله لهم على قتالهم. {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ} حكي أن جالوت خرج من صفوف عسكره يطلب البِراز؟ فلم يخرج إليه أحد، فنادى طالوت في عسكره: مَنْ قتل جالوت فلهُ شطر مُلكي وأزوّجه ابنتي، فجاء داود وقد أخذ ثلاثة أحجار، وكان قصيراً يرعى الغنم، وقد ألقى الله في نفسه أنه سيقتل جالوت، فقال لطالوت: أنا أقتل جالوت، فازدراه طالوت حين رآه، وقال له: هل جربت نفسك بشيء؟ قال نعم، قال: بماذا؟ قال: وقع ذئب في غنمي فضربته، ثم أخذت رأسه فقطعته في جسمه، فقال طالوت: الذئب ضعيف، فهل جربت نفسك في غيره؟ قال: نعم، دخل الأسد في غنمي، فضربته ثم أخذت بِلَحْيَيْه فشققتها، أفترى هذا أشد من الأسد، قال: لا، وكان عند طالوت درع سابغة لا تستوي إلا على من يقتل جالوت، فأخبره بها وألقاها عليه فاستوت، وسار إلى جالوت فرماه بحجر فوقع بين عينيه وخرج من قفاه، فأصاب جماعة من عسكره فقتلهم وانهزم القوم عن آخرهم، وكانوا على ما حكاه عكرمة تسعين ألفاً. واختلفواْ، هل كان داود عند قتله جالوت نبياً؟ ذهب بعضهم أنه كان نبياً، لأن هذا الفعل الخارج عن العادة، لا يكون إلا من نبي، وقال الحسن: لم يكن نبياً، لأنه لا يجوز أن يُوَلي مَنْ ليس بنبي على نبي. قال ابن السائب وإنما كان راعياً فعلى هذا يكون ذلك من توطئة لنبوته من بعد. ثم إن طالوت ندم على ما بذله لداود من مشاطرته ملكه وتزويجه ابنته، واختلفوا هل كان ندمه قبل تزويجه ومشاطرته، أم بعد، على قولين: أحدهما: أن طالوت وَفَّى بشرطه، وزوج داود بإبنته، وخلطه في ملكه بنفسه ثم حسده، فندم، وأراد قتله، فعلمت بنته بأنه يريد قتل زوجها، وكانت من أعقل النساء، فنصبت له زِق خمر بالمسك، وألقت عليه ليلاً ثياب داود، فأقبل طالوت، وقال لها: أين زوجك؟ فأشارت إلى الزق، فضربه بالسيف، فانفجر منه الخمر وسطع ريح المسك، فقال يرحمك الله يا داود طبت حياً وميتاً، ثم أدركته الندامة، فجعل ينوح عليه ويبكي، فلما نظرت الجارية إلى جَزَعِ أبيها، أخبرته الخبر، ففرح، وقاسم داود على شطر ملكه، وهذا قول الضحاك، فعلى هذا يكون طالوت على طاعته حين موته، لتوبته من معصيته. والقول الثاني: أنه ندم قبل تزويجه على شرطه وبذله، وعرّض داود للقتل، وقال له إن بنات الملوك لا بد لهن من صداق أمثالهن، وأنت رجل جريء، فاجعل صداقها قتل ثلاثمائة من أعدائنا، وكان يرجو بذلك أن يقتل، فغزا داود وأسر ثلاثمائة، فلم يجد طالوت بداً من تزويجه، فزوجه بها، وزاد ندامة فأراد قتله، وكان يدس عليه حتى مات، وهذا قول وهب بن منبه، فعلى هذا مات طالوت على معصيته لأنه لم يتب من ذنبه. وروى مكحول، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِنَّ المُلُوكَ قَدْ قَطَعَ اللهُ أَرْحَامَهُم فَلاَ يَتَوَاصَلُونَ حُبَّاً لِلْمُلْك حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُم لَيَقْتُلَ الأَبَ وَالإِبْنَ وَالأَخَ وَالعَمَّ، إِلاَّ أَهْلُ التَّقْوَى وَقَلِيلٌ مَّا هُم، وَلَزوَالُ جَبَلٍ عَن مَّوضِعِهِ أَهْوَنُ مِنْ زَوَالِ مُلْكِ لَمْ يَنْقَضِ ". تفسير : {وَءَاتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ} يعني داود، يريد بالملك السلطان وبالحكمة النبوة ـ وكان ذلك عند موت طالوت بعد سبع سنين من قتل جالوت على ما حكاه ابن السائب. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن الملك الانقياد إلى طاعته، والحكمة: العدل في سيرته ويكون ذلك بعد موت طالوت عند تفرده بأمور بني إسرائيل. {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ} فيه وجهان: أحدهما: صنعة الدروع والتقدير في السرد. والثاني: كلام الطير وحكمة الزبور. ويحتمل ثالثاً: أنه فعل الطاعات والأمر بها، واجتناب المعاصي والنهي عنها، فيكون على الوجه الأول {مِمَّا يَشَاءُ} داود، وعلى الثاني: {مِمَّا يَشَاءُ} الله، وعلى الثالث {مِمَّا يَشَاءُ} الله ويشاء داود. {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأرضُ}. في الدفع قولان: أحدهما: أن الله يدفع الهلاك عن البر بالفاجر، قاله عليّ كرم الله وجهه. والثاني: يدفع بالمجاهدين عن القاعدين قاله ابن عباس. وقوله تعالى: {لَّفَسَدَتِ الأرْضُ} فيه وجهان: أحدهما: لفسد أهل الأرض. والثاني: لعم الفساد في الأرض. وفي هذا الفساد وجهان: أحدهما: الكفر. والثاني: القتل.

ابن عطية

تفسير : { وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ}. {برزوا} معناه: صاروا في البراز وهو الأفيح من الأرض المتسع، و "جالوت" اسم أعجمي معرب، والإفراغ أعظم الصب، كأنه يتضمن عموم المفرغ عليه، والهزم أصله أن يضرب الشيء فيدخل بعضه في بعض، وكذلك الجيش الذي يرد يركب ردعه، ثم قيل في معنى الغلبة: هزم، وكان جالوت أمير العمالقة وملكهم، وكان فيما روي في ثلاثمائة ألف فارس. وروي في قصة داود وقتله جالوت، أن أصحاب طالوت كان فيهم إخوة داود وهم بنو إيشى، وكان داود صغيراً يرعى غنماً لأبيه، فلما حضرت الحرب قال في نفسه: لأذهبن لرؤية هذه الحرب، فلما نهض مر في طريقه بحجر فناداه: يا داود، خذني فبي تقتل جالوت، ثم ناداه حجر آخر، ثم آخر، ثم آخر فأخذها وجعلها في مخلاته وسار، فلما حضر الناس، خرج جالوت يطلب مبارزاً فكع الناس عنه حتى قال طالوت: من يبرز له ويقتله فأنا أزوجه بنتي وأحكمه في مالي، فجاء داود، فقال: أنا أبرز له وأقتله، فقال له طالوت: فاركب فرسي، وخذ سلاحي، ففعل، وخرج في أحسن شكة فلما مشى قليلاً رجع. فقال الناس: جبن الفتى، فقال داود: إن الله إن لم يقتله لي ويعني عليه لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح، ولكني أحب أن أقاتله على عادتي. قال: وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع، فنزل وأخذ مخلاته فتقلدها وأخذ مقلاعه، وخرج إلى جالوت وهو شاك في سلاحه، فقال له جالوت: أنت يا فتى تخرج إليّ، قال: نعم، قال: هكذا كما يخرج إلى الكلب، قال: نعم وأنت أهون. قال: لأطعمن اليوم لحمك الطير السباع، ثم تدانيا فأدار داود مقلاعه، وأدخل يده إلى الحجارة فروي أنها التأمت فصارت حجراً واحداً فأخذه فوضعه في المقلاع وسمى الله وأداره ورماه فأصاب به رأس جالوت فقتله، وحز رأسه وجعله في مخلاته واختلط الناس وحمل أصحاب طالوت وكانت الهزيمة، ثم إن داود جاء يطلب شرطه من طالوت، فقال له: إن بنات الملوك لهن غرائب من المهر، ولا بد لك من قتل مائتين من هؤلاء الجراجمة الذين يؤذون الناس، وتجيئني بغلفهم وطمع طالوت أن يعرض داود للقتل بهذه النزعة فقتل داود منهم مائتين، وجاء بذلك وطلب امرأته فدفعها إليه طالوت، وعظم أمر داود، فيروى أن طالوت تخلى له عن الملك وصار هو الملك، ويروى أن بني إسرائيل غلبت طالوت على ذلك بسبب أن داود قتل جالوت، وكان سبب الفتح، وروي أن طالوت أخاف داود حتى هرب منه فكان في جبل إلى أن مات طالوت فذهبت بنو إسرائيل إلى داود فملكته أمرها، وروي أن نبي الله سمويل أوحى الله إليه أن يذهب إلى إيشى ويسأله أن يعرض عليه بنيه فيدهن الذي يشار إليه بدهن القدس ويجعله ملك بني إسرائيل. والله أعلم أي ذلك كان، غير أنه يقطع من ألفاظ الآية على أن داود صار ملك بني إسرائيل. وقد روي في صدر هذه القصة: أن داود كان يسير في مطبخة طالوت ثم كلمه حجر فأخذه فكان ذلك سبب قتله جالوت ومملكته، وقد أكثر الناس في قصص هذه الآية، وذلك كله لين الأسانيد، فلذلك انتقيت منه ما تنفك به الآية وتعلم به مناقل النازلة واختصرت سائر ذلك، وأما الحكمة التي آتاه الله فهي النبوة والزبور وقال السدي: آتاه الله ملك طالوت ونبوة شمعون والذي علمه هي صنعة الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من أنواع علمه صلى الله عليه وسلم. قوله عز وجل: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لولا دفعه بالمؤمنين في صدور الكفرة على مر الدهر {لفسدت الأرض}، لأن الكفر كان يطبقها ويتمادى في جميع أقطارها، ولكنه تعالى لا يخلي الزمان من قائم بحق، وداع إلى الله ومقاتل عليه، إلى أن جعل ذلك في أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، له الحمد كثيراً. قال مكي: وأكثر المفسرين على أن المعنى لولا أن الله يدفع بمن يصلي عمن لا يصلي وبمن يتقي عمن لا يتقي لأهلك الناس بذنوبهم. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وليس هذ المعنى الآية ولا هي منه في ورد ولا صدر، والحديث الذي رواه ابن عمر صحيح، وما ذكر مكي من احتجاج ابن عمر عليه بالآية لا يصح عندي لأن ابن عمر من الفصحاء، وقرأ أبو عمرو وابن كثير: {ولولا دفع الله}، وفي الحج {أية : إن الله يدفع} تفسير : [الآية: 38]، وقرأ نافع "ولولا دفاع الله"، "وإن الله يدافع"، وقرأ الباقون {ولولا دفع الله} "وإن الله يدافع" ففرقوا بينهما، والدفاع، يحتمل أن يكون مصدر دفع ككتب كتاباً ولقي لقاء، ويحتمل أن يكون مصدر دافع كقاتل قتالاً، والإشارة بتلك إلى ما سلف من القصص والأنباء، وفي هذه القصة بجملتها مثال عظيم للمؤمنين ومعتبر، وقد كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم معدين لحرب الكفار، فلهم في هذه النازلة معتبر يقتضي تقوية النفوس والثقة بالله وغير ذلك من وجوه العبرة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ولما برزوا} يعني طالوت وجنوده المؤمنين {لجالوت وجنوده} يعني الكافرين ومعنى برزوا صاروا بالبراز من الأرض وهو ما ظهر واستوى منها {قالوا} يعني المؤمنين أصحاب طالوت {ربنا أفرغ} أي اصبب {علينا صبراً وثبت أقدامنا} أي قو قلوبنا لتثبت أقدامنا {وانصرنا على القوم الكافرين} وذلك أن جالوت وقومه كانوا يعبدون الأصنام فسأل المؤمنون الله أن ينصرهم على القوم الكافرين.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً...}. دَعَوْا بالأمر المعنوي وهو الصبر وبالحسي (والمراد) بتثبيت الأقدام عدم الرجوع على الأعقاب، وليس المراد الوقوف في موضع واحد وابتدؤوا في الدعاء بالصبر لأنه سبب في تثبيت الأقدام. قاله الزمخشري: "أي هب لنا ما نثبت به من القوة والرعب (في قلب العدو) ونحوه من الأسباب. قال ابن عرفة: وهذا على مذهبه في أن العبد يستقل بفعله ونحن نقول: المراد ثبت أقدامنا حقيقة. قوله تعالى: {وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ}. تنبيه على أن قتالهم إياهم إنما هو لوصف كفرهم لا لغرض دنيوي، وهنا محذوف مقدر أي فقاتلوهم فهزموهم. وحكى ابن عطية هنا والزمخشري أن (ايشي) كان له ستة أولاد أحدهم (داود) وكان صغير السن فمر في طريقه بثلاثة أحجار، قال له: كل واحد منها خذني (فَبِي تقتل) جالوت فجعلها في مخلاته وطلب جالوت (المبارزة)، فقال طالوت: من يبرز فيقلته فأنا أزوجه بنتي وأحكمه في مالي؟ وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع والتأمت الحجارة فوضعها في (المقلاع) وسمى بالله وأداره ورماه فأصاب رأس جالوت فقتله وحزّ رأسه وجعله في مخلاته. قال ابن عرفة: المقلاع شبه الوضف. الزمخشري:/ وزوجه طالوت ابنته وروي أنه (حسده) وأراد قتله ثم تاب. قيل لابن عرفة: كيف صحّ هذا وقد حكى الزمخشري عن بعضهم أنّ طالوت (نبي). والنّبي معصوم؟ فقال: الأكثر على أنّه غير نبي وقد (تاب) من هذا، ومعلوم ما فيه. قال ابن عرفة: وهذه الآية يرد بها على الكوفيين في قولهم: إن الواو تفيد الترتيب لأن المفسرين نقلوا هنا أنّ الهزيمة إنما كانت بعد أن قتل داود جالوت فحينئذ انهزموا وتفرقوا.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {بَرَزُواْ لِجَالُوتَ} في هذه اللام وجهان: أحدهما: أنَّها تتعلَّق بـ "برزوا". والثاني: أنها تتعلَّقُ بمحذُوفٍ على أَنَّها ومجرورها حالٌ من فاعل: "بَرَزوا" قال أبو البقاء: "وَيَجُوزُ أن تكُونَ حالاً أي: برزوا قاصِدِين لِجَالُوتَ". ومعنى برزوا: صاروا إلى بَراز من الأرض، وهو ما انْكَشَفَ منها وَاسْتَوَى، وسميت المبارزة لظهور كُلّ قرنٍ لصاحبه، واعلم أَنَّ عسكر طالُوت لما برزوا إلى عسكر جالوت، ورأوا قِلَّة جانبهم، وكثرة عدوهم، لا جرم اشتغلوا بالدُّعاء، والتَّضرع، فقالوا: {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً}. وفي ندائِهِم بقولهم: "رَبَّنَا": اعترافٌ منهم بالعُبُوديَّة، وطلبٌ لإِصلاحهم؛ لأَنَّ لفط "الرَّبَّ" يُشْعر بذلك دونَ غيرها، وأَتوا بلفظِ "عَلَى" في قولهم" أَفْرغ عَلَيْنَا" طلباً؛ لأنْ يكونَ الصَّبْرُ مُسْتعلِياً عليهم، وشاملاً لهم كالظرفِ. ونظيره ما حكى اللهُ عن قوم آخرين أَنَّهُم قالوا حين لاقوا عدوَّهم: ومَا كَانوا قَوْلَهُم إِلاَّ أَنْ قالُوا: {أية : ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} تفسير : [آل عمران:147] {أية : وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [آل عمران:147] وكذلك كان عليه الصَّلاة والسَّلام يفعل في المواطن كما رُوِيَ عنه في قصّة بدرٍ أنه عليه الصَّلاة والسَّلام لم يَزَلْ يُصَلِّي، ويستنجز من الله وعده، وكان إِذَا لقي عدُوّاً قال: "حديث : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِم وَاجْعَلْ كَيْدَهُم فِي نُحُورِهِمْ" تفسير : وكان يقول: "حديث : اللَّهُمَّ بِكَ أَصُولُ وَأَجُولُ ". تفسير : والإفراغ: الصَّبُّ، يقال: أفرغت الإِناءَ: إذا صببت ما فيه، أصله: من الفراغ يقال: فلان فارغٌ معناه: خالٍ ممَّا يشغله، والإفراغ: إخلاءُ الإناء من كلِّ ما فيه. واعلم أنَّ الأمور المطلوبة عند لقاء العدو ثلاثة: الأول: الصَّبر على مشاهدة المخاوف وهو المراد بقولهم: {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا}. الثاني: أن يكون قد وجد من الآلات والأدوات ما يمكنه أن يقف ويثبت، ولا يصير ملجأ إلى الفرار. الثالث: زيادة القوَّة على العدوِّ؛ حتى يقهره، وهو المراد من قولهم {وانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ}. فصل في دفع شبه المعتزلة في خلق الأفعال احتجَّ أهل السُّنَّة بقوله: {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً...} الآية على أنَّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ لأنه لا معنى للصَّبر إلاّ: القصد على الثبات ولا معنى للثبات إلاّ السُّكون والاستقرار، وهذه الآية دالَّة على أنَّ ذلك القصد بالصَّبر من الله تعالى. أجاب القاضي: بأنَّ المراد من الصبر، وتثبيت الأقدام: تحصيل أسباب الصّبر، وأسباب ثبات القدم: إمَّا بأن يلقي في قلوب أعدائهم الاختلاف، فيعتقد بعضهم أنَّ البعض الآخر على الباطل، أو يحدث في ديارهم وأهليهم البلاء، كالموت، والوباء، أو يبتليهم بالموت، والمرض الذي يعمهم، أو يموت رئيسهم، ومن يدبّر أمرهم، فيكون ذلك سبباً لجرأة المسلمين عليهم. والجواب عما قاله القاضي من وجهين: الأول: أنَّا بيَّنَّا أنَّ الصَّبر عبارة عن القصد إلى السكون والثبات عبارة عن السكون وهو الذي أراده العبد من الله - تعالى -، وأنتم تصرفون الكلام عن ظاهره، وتحملونه على أسباب الصَّبر، وترك الظَّاهر لغير دليل لا يجوز. الثاني: أنَّ هذه الأسباب التي سلمتم أنَّها بفعل الله تعالى إذا حصلت ووجدت فهل لها أثر في التَّرجيح الدَّاعي، أو ليس لها أثرٌ فيه؟ وإن لم يكن لها أثر فيه لم يكن لطلبها من الله تعالى فائدة، وإن كان لها أثرٌ في التَّرجيح؛ فعند صدور هذه الأسباب المرجحة يحصل الرجحان، وعند حصول الرُّجحان، يمتنع الطَّرف المرجوح، فيجب حصول الطَّرف الرَّاجح، لأنه لا خروج عن طرفي النقيض وهو المطلوب.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ كان طالوت أميراً على الجيش، فبعث أبو داود بشيء إلى إخوته فقال داود لطالوت‏:‏ ماذا لي واقتل جالوت‏؟‏ فقال‏:‏ لك ثلث ملكي وأنكحك ابنتي، فأخذ مخلاة فجعل فيها ثلاث مروات، ثم سمى إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ثم أدخل يده فقال‏:‏ بسم الله إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فخرج على إبراهيم فجعله في مرجمته فرمى بها جالوت، فخرق ثلاثة وثلاثين بيضة على رأسه، وقتلت مما وراءه ثلاثين ألفا‏ً. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال‏:‏ لما برز طالوت لجالوت قال جالوت‏:‏ ابرزوا لي من يقاتلني فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم، فأتي بداود إلى طالوت فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته وأن يحكمه في ماله، فألبسه طالوت سلاحاً فكره داود أن يقاتله بسلاح، وقال‏:‏ إن الله إن لم ينصرني عليه لم يغن السلاح شيئاً، فخرج إليه بالمقلاع ومخلاة فيها أحجار، ثم برز له جالوت فقال أنت تقاتلني‏؟‏‏!‏ قال داود‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ويلك ما خرجت إلاَّ كما تخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة‏!‏ لأبددن لحمك ولأطعمنه اليوم للطير والسباع‏.‏ فقال له داود‏:‏ بل أنت عدوّ الله شر من الكلب، فأخذ داود حجراً فرماه بالمقلاع، فأصابت بين عينيه حتى نفذت في دماغه، فصرخ جالوت وانهزم من معه واحتز رأسه‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ عبر يومئذ النهر مع طالوت أبو داود فيمن عبر مع ثلاثة عشر ابناً له وكان داود أصغر بنيه، وأنه أتاه ذات يوم فقال‏:‏ يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئاً إلا صرعته، قال‏:‏ أبشر فإن الله قد جعل رزقك في قذافتك، ثم أتاه يوماً آخر فقال‏:‏ يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسداً رابضاً فركبت عليه وأخذت بأذنيه فلم يهجني‏.‏ فقال‏:‏ أبشر يا بني فإن هذا خير يعطيكه الله، ثم أتاه يوماً آخر فقال‏:‏ يا أبتاه إني لأمشي بين الجبال فأسبح، فما يبقى جبل إلا سبح معي‏.‏ قال‏:‏ أبشر يا بني فإن هذا خير أعطاكه الله، وكان داود راعياً، وكان أبوه خلفه يأتي إليه وإلى إخوته بالطعام فأتى النبي بقرن فيه دهن وبثوب من حديد، فبعث به إلى طالوت فقال‏:‏ إن صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا القرن على رأسه فيغلي حين يدهن منه ولا يسيل على وجهه يكون على رأسه كهيئة الاكليل، ويدخل في هذا الثوب فيملأه، فدعا طالوت بني إسرائيل فجربه فلم يوافقه منهم أحد، فلما فرغوا قال طالوت لأبي داود‏:‏ هل بقي لك ولد لم يشهدنا‏؟‏ قال‏:‏ نعم، بقي ابني داود وهو يأتينا بطعامنا، فلما أتاه داود مر في الطريق بثلاثة أحجار، فكلمنه وقلن له‏:‏ يا داود خذنا تقتل بنا جالوت، فأخذهن فجعلهن في مخلاته، وقد كان طالوت قال‏:‏ من قتل جالوت زوجته ابنتي وأجريت خاتمه في ملكي، فلما جاء داود وضعوا القرن على رأسه فغلى حتى ادهن منه، ولبس الثوب فملأه، وكان رجلاً مسقاماً مصفاراً ولم يلبسه أحد إلا تقلقل فيه، فلما لبسه داود تضايق عليه الثوب حتى تنقص، ثم مشى إلى جالوت‏.‏ وكان جالوت من أجسم الناس وأشدهم، فلما نظر إلى داود قذف في قلبه الرعب منه، وقال له‏:‏ يا فتى، ارجع فإني أرحمك ان أقتلك‏.‏ فقال داود‏:‏ لا بل أنا أقتلك‏.‏ وأخرج الحجارة فوضعها في القذافة، كلما رفع حجراً سماه فقال‏:‏ هذا باسم أبي إبراهيم، والثاني باسم أبي إسحاق، والثالث باسم أبي إسرائيل، ثم أدار القذافة فعادت الأحجار حجراً واحداً، ثم أرسله فصك به بين عيني جالوت فثقبت رأسه فقتله، ثم لم تزل تقتل كل إنسان تصيبه تنفذ منه حتى لم يكن بحيالها أحد، فهزموهم عند ذلك، وقتل داود جالوت ورجع طالوت فأنكح داود ابنته، وأجرى خاتمه في ملكه، فمال الناس إلى داود وأحبوه‏.‏ فلما رأى ذلك طالوت وجد في نفسه وحسده فأراد قتله، فعلم به داود فسجى له زق خمر في مضجعه، فدخل طالوت إلى منام داود وقد هرب داود، فضرب الزق ضربة فحرقه، فسالت الخمر منه فقال‏:‏ يرحم الله داود ما كان أكثر شربه للخمر. ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم، فوضع سهمين عند رأسه وعند رجليه، وعن يمينه وعن شماله سهمين، فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها فقال‏:‏ يرحم الله داود هو خير مني، ظفرت به فقتلته وظفر بي فكف عني‏.‏ ثم إنه ركب يوماً فوجده يمشي في البرية وطالوت على فرس، فقال طالوت‏:‏ اليوم أقتل داود‏.‏ وكان داود إذا فزع لا يدرك‏.‏ فركض على أثره طالوت، ففزع داود فاشتد فدخل غاراً، وأوحى الله إلى العنكبوت فضربت عليه بيتاً، فلما انتهى طالوت إلى الغار نظر إلى بناء العنكبوت فقال‏:‏ لو كان دخل ههنا لخرق بيت العنكبوت، فتركه وملك داود بعدما قتل طالوت، وجعله الله نبياً وذلك قوله ‏ {‏وآتاه الله الملك والحكمة‏}‏ قال‏:‏ الحكمة هي النبوة، آتاه نبوة شمعون وملك طالوت‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن إسحاق وابن عساكر عن مكحول قالا‏:‏ زعم أهل الكتاب أن طالوت لما رأى انصراف بني إسرائيل عنه إلى داود همَّ بأن يغتال داود، فصرف الله ذلك عنه، وعرف طالوت خطيئته والتمس التنصل منها والتوبة، فأتى إلى عجوز كانت تعلم الإِسم الذي يدعى به، فقال لها‏:‏ إني قد أخطأت خطيئة لن يخبرني عن كفارتها إلا اليسع، فهل أنت منطلقة معي إلى قبره، فداعية الله ليبعثه حتى أسأله‏؟‏ قالت‏:‏ نعم‏.‏ فانطلق بها إلى قبره، فصلت ركعتين ودعت، فخرج اليسع إليه فسأله، فقال‏:‏ إن كفارة خطيئتك أن تجاهد بنفسك وأهل بيتك حتى لا يبقى منكم أحد، ثم رجع اليسع إلى موضعه، وفعل ذلك طالوت حتى هلك وهلك أهل بيته، فاجتمعت بنو إسرائيل على داود، فأنزل الله عليه وعلمه صنعة الحديد فألانه له، وأمر الجبال والطير أن يسبحن معه إذا سبح، ولم يعط أحداً من خلقه مثل صوته، وكان إذا قرأ الزبور ترنو إليه الوحش حتى يؤخذ بأعناقها وإنها المصغية تستمع له، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والنوح إلا على أصناف صوته‏. أما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولولا دفع الله‏}‏ الآية‏.‏ أخرج ابن جرير وابن عدي بسند ضعيف عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء‏"تفسير : ‏، ثم قرأ ابن عمر ‏{‏ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن جرير بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله ‏{‏ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض‏} ‏ قال‏:‏ يدفع الله بمن يصلي عمن لا يصلي، وبمن يحج عمن لا يحج، وبمن يزكي عمن لا يزكي‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏ولولا دفع الله الناس‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ يقول‏:‏ ولولا دفاع الله بالبر عن الفاجر، ودفعه ببقية أخلاق الناس بعضهم عن بعض لفسدت الأرض بهلاك أهلها‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏ {‏ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ يبتلي الله المؤمن بالكافر، ويعافي الكافر بالمؤمن‏. وأخرج ابن جرير عن الربيع ‏{‏لفسدت الأرض‏} ‏ يقول‏:‏ لهلك من في الأرض‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي مسلم‏.‏ سمعت علياً يقول‏:‏ لولا بقية من المسلمين فيكم لهلكتم‏.‏ وأخرج أحمد والحكيم الترمذي وابن عساكر عن علي "حديث : ‏‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏: الابدال بالشام، وهم أربعون رجلاً، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً، يسقي بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب‏"‏‏تفسير : .‏ ولفظ ابن عساكر‏:‏ ‏"حديث : ‏ويصرف عن أهل الأرض البلاء والغرق‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الخلال في كتاب كرامات الأولياء عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ إن الله ليدفع عن القرية بسبعة مؤمنين يكونون فيها.‏ وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لن تخلو الأرض من أربعين رجلاً مثل خليل الرحمن، فيهم تسقون وبهم تنصرون، ما مات منهم أحد إلا أبدل الله مكانه آخر‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الكبير عن عبادة بن الصامت قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : الابدال في أمتي ثلاثون، بهم تقوم الأرض، وبهم تمطرون، وبهم تنصرون‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد في الزهد والخلال في كرامات الأولياء بسند صحيح عن ابن عباس قال‏:‏ ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله بهم عن أهل الأرض‏.‏ وأخرج الخلال بسند ضعيف عن ابن عمر قال‏:‏ قال‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : لا يزال أربعون رجلاً يحفظ الله بهم الأرض، كلما مات رجل أبدل الله مكانه آخر، فهم في الأرض كلها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : لا يزال أربعون رجلاً من أمتي قلوبهم على قلب إبراهيم عليه السلام يدفع الله بهم عن أهل الأرض، يقال لهم الابدال، إنهم لن يدركوها بصلاة ولا بصوم ولا بصدقة‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله فيم أدركوها‏؟‏‏!‏ قال‏: بالسخاء والنصيحة للمسلمين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏إن لله عز وجل في الخلق ثلثمائة قلوبهم على قلب آدم عليه السلام، ولله في الخلق أربعون قلوبهم على قلب موسى عليه السلام، ولله في الخلق سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم عليه السلام ولله في الخلق خمسة قلوبهم على قلب جبريل عليه السلام، ولله في الخلق ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل عليه السلام، ولله في الخلق واحد قلبه على قلب إسرافيل عليه السلام، فإذا مات الواحد أبدل الله مكانه من الثلاثة، وإذا مات من الثلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة، وإذا مات من الخمسة أبدل الله مكانه من السبعة، وإذا مات من السبعة أبدل الله مكانه من الأربعين، وإذا مات من الأربعين أبدل الله مكانه من الثلثمائة، وإذا مات من الثلثمائة أبدل الله مكانه من العامة، فيهم يحيي، ويميت، ويمطر، وينبت، ويدفع البلاء‏.‏ قيل لعبد الله بن مسعود‏:‏ كيف بهم يحيي ويميت‏؟‏ قال‏:‏ لأنهم يسألون الله إكثار الأمم فيكثرون، ويدعون على الجبابرة فيقصمون، ويستسقون فيسقون، ويسألون فينبت لهم الأرض، ويدعون فيدفع بهم أنواع البلاء ‏"‏. ‏تفسير : ‏وأخرج الطبراني وابن عساكر عن عوف بن مالك قال‏:‏ لا تسبوا أهل الشام، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏"‏حديث : فيهم الابدال، بهم تنصرون وبهم ترزقون‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن حبان في تاريخه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : لن تخلو الأرض من ثلاثين مثل إبراهيم خليل الله، بهم تغاثون، وبهم ترزقون، وبهم تمطرون‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن عساكر عن قتادة قال‏:‏ لن تخلو الأرض من أربعين، بهم يُغاثُ الناس، وبهم ينصرون، وبهم يرزقون، كلما مات منهم أحد أبدل الله مكانه رجلاً‏.‏ قال قتادة‏:‏ والله إني لأرجو أن يكون الحسن منهم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ لم يزل على وجه الأرض في الدهر سبعة مسلمون فصاعداً، فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها‏. وأخرج ابن جرير عن شهر بن حوشب قال‏:‏ لم تبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض ويخرج بركتها، إلا زمن إبراهيم فإنه كان وحده‏.‏ وأخرج أحمد بن حنبل في الزهد والخلال في كرامات الأولياء عن ابن عباس قال‏:‏ ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله بهم عن أهل الأرض‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد عن كعب قال‏:‏ لم يزل بعد نوح في الأرض أربعة عشر يدفع الله بهم العذاب‏.‏ وأخرج الخلال في كرامات الأولياء عن زاذان قال‏:‏ ما خلت الأرض بعد نوح من اثني عشر فصاعداً يدفع الله بهم عن أهل الأرض‏.‏ وأخرج الجندي في فضائل مكة عن مجاهد قال‏:‏ لم يزل على الأرض سبعة مسلمون فصاعداً، ولولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها‏.‏ وأخرج الأزرقي في تاريخ مكة عن زهير بن محمد قال‏:‏ لم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعداً، ولولا ذلك لأهلكت الأرض ومن عليها‏.‏ وأخرج ابن عساكر عن أبي الزاهرية قال‏:‏ الابدال ثلاثون رجلاً بالشام، بهم تجاورون وبهم ترزقون، إذا مات منهم رجل ابدل الله مكانه‏.‏ وأخرج الخلال في كرامات الأولياء عن إبراهيم النخعي قال‏:‏ ما من قرية ولا بلدة لا يكون فيها من يدفع الله به عنهم‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء عن أبي الزناد قال‏:‏ لما ذهبت النبوّة وكانوا أوتاد الأرض أخلف الله مكانهم أربعين رجلاً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقال لهم الابدال، لا يموت الرجل منهم حتى ينشىء الله مكانه آخر يخلفه، وهم أوتاد الأرض، قلوب ثلاثين منهم على مثل يقين إبراهيم، لم يفضلوا الناس بكثرة الصلاة ولا بكثرة الصيام ولكن بصدق الورع، وحسن النية، وسلامة القلوب، والنصيحة لجميع المسلمين‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم وابن ماجة عن معاوية بن أبي سفيان‏ "حديث : ‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏: لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مسلم والترمذي وابن ماجة عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن ماجة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏لا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله عز وجل لا يضرها من خالفها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مسلم والحاكم وصححه عن جابر بن سمرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لا يزال هذا الدين قائماً يقاتل عليه المسلمون حتى تقوم الساعة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير والحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي منبه الخولاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله‏. وفي لفظ‏:‏ لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مسلم عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوّهم، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم في مناقب الشافعي عن الزهري قال‏:‏ فلما كان في رأس المائة منَّ الله على هذه الأمة بعمر بن عبد العزيز‏. وأخرج البيهقي في المدخل والخطيب من طريق أبي بكر المروزي قال‏:‏ قال أحمد بن حنبل‏:‏ إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبراً قلت فيها بقول الشافعي، لأنه ذكر في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏إن الله يقيض في رأس كل مائة سنة من يعلم الناس السنن وينفي عن النبي صلى الله عليه وسلم الكذب، فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشافعي‏"‏‏. وأخرج النحاس عن سفيان بن عيينة قال‏:‏ بلغني أنه يخرج في كل مائة سنة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من العلماء يقوي الله عز وجل به الدين، وأن يحيى بن آدم عندي منهم‏. وأخرج الحاكم في مناقب الشافعي عن أبي الوليد حسان بن محمد الفقيه قال‏:‏ سمعت شيخاً من أهل العلم يقول لأبي العباس بن سريج‏:‏ أبشر أيها القاضي، فإن الله منَّ على المؤمنين بعمر بن عبد العزيز على رأس المائة فأظهر كل سنة وأمات كل بدعة، ومنَّ الله على رأس المائتين بالشافعي حتى أظهر السنة وأخفى البدعة، ومنَّ الله على رأس الثلثمائة بك حتى قويت كل سنة وضعفت كل بدعة‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَلَمَّا بَرَزُواْ} أي ظهر طالوتُ ومن معه من المؤمنين وصاروا إلى براز من الأرض في موطن الحرب {لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} وشاهدوا ما هم عليه من العَدد والعُدد وأيقنوا أنهم غيرُ مطيقين لهم عادة {قَالُواْ} أي جميعاً عند تقوى قلوب الفريقِ الأولِ منهم بقول الفريق الثاني متضرعين إلى الله تعالى مستعينين به {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} على مقاساة شدائِد الحربِ واقتحامِ مواردِه الصعبةِ الضيقة وفي التوسل بوصف الربوبـية المُنبىء عن التبليغ إلى الكمال وإيثارِ الإفراغِ المعرب عن الكثرة وتنكيرِ الصبر المفصح عن التفخيم من الجزالة ما لا يخفى {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا} في مداحض القتالِ ومزالِّ النزال وثباتُ القدم عبارةٌ عن كمال القوةِ والرسوخِ عند المقارعة وعدمِ التزلزل وقت المقاومة لا مجرد التقرّر في حيز واحد {وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} بقهرهم وهزمِهم، ووضعُ الكافرين في موضع الضمير العائد إلى جالوتَ وجنودِه للإشعار بعِلة النصرِ عليهم، ولقد راعَوْا في الدعاء ترتيباً بديعاً حيث قدموا سؤالَ إفراغِ الصبر الذي هو مِلاكُ الأمر ثم سؤالَ تثبـيتِ القدم المتفرغِ عليه ثم سؤالَ النصرِ الذي هو الغاية القصوى {فَهَزَمُوهُم} أي كسروهم بلا مكث {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} بنصره وتأيـيده إجابةً لدعائهم، وإيثارُ هذه الطريقة على طريقة قوله عز وجل: {أية : فَـآتَـٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [آل عمران، الآية 148] الخ للمحافظة على مضمون قولِهم: غلَبتْ فئةً كثيرةً بإذن الله {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} كان إيشىٰ أبو داودَ في عسكر طالوتَ معه ستةٌ من بنيه وكان داودُ عليه السلام سابعَهم وكان صغيراً يَرعى الغنم فأوحى الله تعالى إلى نبـيهم أنه الذي يقتل جالوتَ فطلبه من أبـيه فجاء، وقد مر في طريقه بثلاثة أحجار قال له كل منها: احمِلنا فإنك بنا تقتُل جالوتَ فحملها في مِخْلاته وقيل: لما أبطأ على أبـيه خبرُ إخوته في المصافِّ أرسل داودُ إليهم ليأتيَه بخبرهم فأتاهم وهم في القراع وقد برز جالوتُ بنفسه إلى البِراز ولا يكاد يبارزه أحدٌ وكان ظلُّه ميلاً فقال داودُ لإخوته: أما فيكم من يخرجُ إلى هذا الأقلفِ فزجروه فتنحّى ناحية أخرى ليس فيها أخوتُه وقد مر به طالوتُ وهو يحرِّض الناسِ على القتال فقال له داودُ: ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلفَ؟ قال طالوتُ: أُنكِحُه ابنتي وأعطيه شطرَ مملكتي فبرز له داودُ فرماه بما معه من الأحجار بالمِقلاع فأصابه في صدره فنفذت الأحجارُ منه وقتلت بعده ناساً كثيرين. وقيل: إنما كلمته الأحجارُ عند بروزه لجالوتَ في المعركة فأنجز له طالوتُ ما وعده وقيل: إنه حسده وأخرجه من مملكته ثم ندم على ما صنعه فذهب يطلبه إلى أن قُتل، ومُلِّك داودُ عليه السلام وأعطيَ النبوةَ وذلك قوله تعالى: {وَآتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} أي مُلكَ بني إسرائيلَ في مشارقِ الأرض المقدسةِ ومغاربِها {وَٱلْحِكْــمَةَ} أي النبوةَ ولم يجتمع في بني إسرائيلَ الملكُ والنبوةُ قبله إلا له بل كان الملكُ في سِبط والنبوة في سبط آخرَ وما اجتمعوا قبله على ملك قط {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء} أي مما يشاء الله تعالى تعليمَه إياه لا مما يشاء داودُ عليه السلام كما قيل لأن معظم ما علمه تعالى إياه مما لا يكاد يخطرُ ببال أحد ولا يقع في أمنية بشرٍ ليتمكنَ من طلبه ومشيئته كالسَّرَد بإِلانةِ الحديد ومنطقِ الطير والدوابِّ ونحو ذلك من الأمور الخفية. {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم} الذين يباشرون الشر والفساد {بِبَعْضٍ} آخرَ منهم بردِّهم عما هم عليه بما قدر الله تعالى من القتل كما في القصة المحكية أو غيره، وقرىء دِفاعُ الله على أن صيغةَ المغالبة للمبالغة {لَفَسَدَتِ ٱلأرْضُ} وبطلت منافعُها وتعطلت مصالحُها من الحرْث والنسل وسائر ما يعمُر الأرضَ ويُصلِحها. وقيل: لولا أن الله ينصُر المسلمين على الكافرين لفسدت الأرضُ بعيثهم وقتلهم المسلمين أو لو يدفعهم بالمسلمين لعم الكفر ونزلت السخطة فاستؤصلَ أهلُ الأرض قاطبة {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ} عظيم لا يقادَر قدرُه {عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ} كافةً وهذا إشارةٌ إلى قياس استثنائي مؤلفٍ من وضعِ نقيضِ المقدّمِ المنتج لنقيض التالي خلا أنه قد وُضع موضعَه ما يستتبعه ويستوجبه أعني كونه تعالى ذا فضلٍ على العالمين إيذاناً بأنه تعالى متفضِّلٌ في ذلك الدفع من غير أن يجبَ عليه ذلك وأن فضلَه تعالى غيرُ منحصرٍ فيه بل هو فردٌ من أفراد فضلِه العظيم، كأنه قيل: ولكنه تعالى يدفع فسادَ بعضِهم ببعض فلا تفسُدُ الأرضُ وتنتظم به مصالِحُ العالمِ وتنصَلِحُ أحوالُ الأمم.

القشيري

تفسير : كان أهم أمورهم الصبر والوقوف للعدو، ثم بعده النصرة عليهم فإن الصبر حق الحق، والنصرة نصيبهم، فقدَّموا تحقيق حقه - سبحانه - وتوفيقه لهم، ثم وجود حظِّهم من النصرة، ثم أشاروا إلى أنهم يطلبون النصرة عليهم - لا للانتقام منهم لأَجْل ما فاتهم من نصيبهم - ولكن لكونهم كافرين، أعداء الله. فقاموا بكل وجهٍ لله بالله؛ فلذلك نُصِرُوا وَوَجدوا الظفر.

البقلي

تفسير : {وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} اى برز الروح وجندها للشيطان وجنده {قَالُواْ} اى الذى عانيوا بنور الايمان جمال الشاهدة {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} اى احبسنا بذلة المحبة حتى يقف فى بساط الحرمة ويشرب مرارة المحنة بجمال المشاهدة {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} فى صدمة القهر {وَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} على الشيطان وجنده {فَهَزَمُوهُمْ} يعنى جند الله {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} بالله الشيطان وجنده {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ} يعنى العقل الشيطان {وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} يعنى سلطنته وولاية القلب على جميع الجنود والنفس واعوانها {وَٱلْحِكْمَةَ} يعنى المعرفة على احكام المحبة والقربة والمشاهدة قال عبد العزيز يقال داود عليه السلام رمى بثلثة احجارو فى الاشارة انه رعى بالنفس وطلب الدنيا وخلق الهوى فهزم الله جالوت والشيطان وقتل {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ} اى من علوم الغيب حتى صارت منرفدة بالروية مشاهدة الغيب وعجائبه {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} اى دعفه بجندود الملكوتية جنود الانسانية {لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} يعنى منظر نور الايمان والمعرفة فى صدر طلاب المشاهدة والقرية {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ } يعنى بتجلى العالم الارواح فيغلبن على النفوس الامارة والشياطين المردة وايضا يتجلى بمشاهدة القهر لعالم النفوس والشياطين حتى يسرفوا بمطامبعهم بعض حقائق القلوب من عالم الارواح وتجربوا دبوار المعقل فى ديوان الغيب قال ابو عثمن ان هذا مثل ضربه الله للدنيا واهلها يعنى النهران من اطمان اليها واكثر منها فليس من الله فى شئ ومن اعرض عنها ومقتها فهو الذى هياه لقربة الا من تناول منها مقدار ما يقيم صلبه للطاعبة وقيل فى قوله تعالى {أية : فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} تفسير : يعنى اى فاطمان اليها الا قليلا منهم وهم الذين حفظهم الله من وساوس الشيطان لان عبادى ليس لك عليهم سلطان وقال النصر ابادى من مديده الى الحلال بحرص وشره اداه ذلك الى الشبه ومن لم يبال من الشبه حره ذلك الى الحرام النص.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولما برزوا} اى ظهر طالوت ومن معه من المؤمنين وصاروا الى براز اى فضاء من الارض فى موطن الحرب {لجالوت وجنوده} وشاهدوا ما عليهم من العدد وايقنوا انهم غير مطيقين لهم عادة {قالوا} اى جميعا عند تقوى قلوب الفريق الاول منهم بقول الفريق الثانى متضرعين الى الله تعالى مستعينين به {ربنا} فى ندائهم بقولهم ربنا اعتراف منهم بالعبودية وطلب لاصلاحهم لان لفظ الرب يشعر بذلك دون غيره {أفرغ علينا} افراغ الاناء اخلاؤه مما فيه اى صب علينا وهو استعارة عن الاكمال والاكثار أتوا بلفظة على طلبا لان يكون الصبر مستعليا عليهم وشاملا لهم كالظرف للمظروف {صبرا} على مقاساة شدائد الحرب واقتحام موارده الضيقة {وثبت أقدامنا} وهب لنا ما نثبت به فى مداحض القتال ومزال النزال من قوة القلوب والقاء الرعب فى قلوب العدو ونحو ذلك من الاسباب فالمراد بثبات القدم كمال القوة والرسوخ عند المقارنة وعدم التزلزل وقت المقاومة لا مجرد التقرر فى حيز واحد {وانصرنا على القوم الكافرين} بقهرهم وهزمهم ولقد راعوا فى الدعاء ترتيبا بليغا حيث قدموا سؤال افراغ الصبر على قلوبهم الذى هو ملاك الامر ثم سؤال تثبيت القدم المتفرع عليه ثم سؤال النصر على العدو الذى هو الغاية القصوى.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: ولما برز طالوت بمَن معه {لجالوتَ}، أي: ظهر في البرَاز، ودنا بعضهم من بعض، تضرعوا إلى الله واستنصروه، وقالوا: {ربنا أفرغ علينا صبراً} أي: أصْبُبْه علينا صبّاً، {وثبت أقدامنا} عند اللقاء لئلا نَفِرّ، {وانصرنا على القوم الكافرين}. وفي دعائهم ترتيب بليغ؛ سألوا أولاً إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر، ثم ثبات القدمِ في مَدَاحِضِ الحرب المُسببِ عنه، ثم النصرَ على العدو المرتب عليها غالباً. فهزم الله عدوَّهم وأجاب دعاءهم بإذنه وقدرته، {وقتل داود جالوت}. وقصة قتله: أن أصحاب طالوت كان فيهم بنو إيش، وهو أبو داود عليه السلام ستة أو سبعة، وكان داود صغيراً يرعى غنماً، فلما حضرت الحرب قال في نسفه: لأذهبن لرؤية هذه الحرب، فمرَّ في طريقه، بحجر فناداه: يا داود خُذْني، فبي تقتل جالوت، ثم ناداه حجر آخر ثم آخر فأخذها، وجعلها في مخلاته وسار، فلما حضر البأس خرج جالوت يطلب البراز، وكاع الناس عنه، أي: تأخروا خوفاً، حتى قال طالوت: من بيرز له ويقتله فأنا أزوجه ابنتي، وأُحَكِّمُهُ في مالي، فجاء داود، فقال له طالوت: اركب فرسي وخذ سلاحي، ففعل، وخرج في أحسن شكله، فلما مشى قليلاً رجع، فقال الناس: جَبُنَ الفتى، فقال داود: إن الله سبحانه لم يقتله ولم يُعنى عليه، لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح، ولكني أُحب أن أقاتله على عادتي. وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع، فنزل، وأخذ مخلاته فتقلدها، وأخذ مقلاعه فخرج إلى جالوت، وهو شاكٍ في السلاح، فقال جالوت: أنت يا فتى تخرج إليّ! قال: نعم، قال: هكذا كما تخرج إلى الكلب! قال: نعم، وأنت أهون، قال: لأطعمن لحمك اليوم الطير والسباع، ثم تدانيا فأدار داود فأخذ مقلاعه وأدخل يده إلى الحجارة، فروى أنها التأمت، وصارت حجراً واحداً، فأخذه ووضعه في المقلاع، وسَمَّى الله، وأداره، ورماه، فأصاب رأس جالوت فقتله، وجزّ رأسه، وجعله في مخلاته، واختلط الناس، وحمل أصحابُ طالوت فكانت الهزيمة. ثم إن داود جاء يطلب شرطه من طالوت، فقال: حتى تقتل مائتين من هؤلاء الجراجمة الذين يؤذون الناس يؤذون الناس وتجيئني بسلبهم، فقتل داود منهم مائتين، وجاء بذلك، فدفع إليه امرأته وتخلّى له على الملك. ولما تمكن داود - عليه السلام - من الملك، أجلى من بقي من قوم جالوت إلى المغرب، فمن بقيتهم البرابرة من الشلوح وسائر الأرياف. فآتي اللّهُ داود {الملك والحكمة} وهي النبوة، وقيل: صنعة الدروع ومنطق الطير {وعلمه مما يشاء} من أنواع العلوم والمعارف والأسرار، وقد دفع الله بأس الكافرين ورد كيدهم في نحرهم، {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} أي: لولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض، فينصر المسلمين على الكافرين، ويكف فسادهم، لغلبوا وأفسدوا في الأرض. أو: لولا أن الله نصب السلطان، وأقام الحكام لينصفوا المظلوم من الظالم. ويردوا القوي عن الضعيف، لتواثب الخلق بعضهم على بعض، وأكل القوي الضعيفَ فيفسد النظام. أو: لولا أن الله يدفع بالشهود عن الناس في حفظ الأموال والنفوس والدماء والأعراض، لوقع الفساد في الأرض. أو: لولا أن الله يدفع بأهل الطاعة والإحسان عن أهل الغفلة والعصيان، لفسد الأرض بشؤم أهل العصيان. وفي الخبر عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : إنَّ الله يَدْفَعُ بالمُصلِّي مِنْ أمَّتِي عَمَّنْ لا يُصلي، ويمنْ يُزكيَّ عَمَّنْ لاَ يُزَكِّي، وبِمنْ يَصُومُ، عَمَّنْ لاَ يَصُوم، وبمَنْ يَحُجُّ، عَمَّنْ لاَ يَحُجُّ، وبَمَّنْ يُجاهِدُ عَمَّنْ لاَ يُجَاهِدُ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِ هذِهِ الأشْياءِ ما أنْظَرَهُمُ الله طَرْفة عَيْنٍ ". تفسير : وفي حديث آخر:"حديث : لولا عباد الله رُكَّع، وصبية رُضَّع، لصبَّ عليكم العذاب صبّاً ". تفسير : ورَوى جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الله ليُصْلِحُ بصلاح الرجل - ولده وولدَ ولدهِ، وأهل دُوَيْرَتِه، ودويراتٍ حوله، ولا يزالون في حِفْظِ الله ما دام فيهم"تفسير : . هـ. فهذا من فضل الله على عباده يصلح طالحهم بصالحهم، ويُشَفع خيارُهُم في شرارهم، ولولا ذلك لعوجلوا بالهلاك، {ولكن الله ذو فضل على العالمين}. {تلك} يا محمد، {آيات الله} والإشارة إلى ما قصَّ من حديث الألوف، وتمليك طالوت، وإتيان التابوت، وانهزام الجبابرة أصحاب جالوت، {نتلوها} أي: نقصها عليكم {بالحق} أي: بالوجه المطابق الذي لا يَشُك فيه أهل الكتاب وأرباب التواريخ، {وإنك لمن المرسلين} حيث أخبرت بها من غير تعرف ولا استماع ولم يعهد منك تعلم ولا اطلاع، فلا يشك أنه مِنْ عند الخبير العليم، إلا من طبع الله على قلبه. نعوذ بالله من ذلك. الإشارة: "من علامة النُجْحِ في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات"، فإذا برز المريد لجهاد أعدائه من النفس وَالهوى والشيطان وسائر القُطاع، واستنصر بالله وتبرأ من حوله وقوته، كان ذلك علامة على نصره وظفره بنفسه، وكان سبباً في نجح نهايته، فيملكه الله الوجود بأسره، ويفتح عليه من خزائن حكمته. قال أبو سليمان الداراني" (إذا اعتادت النفوس على ترك الآثام، جالت في الملكوت ثم عادت إلى صاحبها بطرائف الحكم من غير أن يُؤدّي عالمٌ علماً). وفي الخبر: "من عَمِل بما عَلِمَ أورثه الله عِلْمَ ما لم يعلمْ". وكان حينئذٍ رحمة للعباد، يدفع الله بوجوده العذاب عمن يستحقه من عباده. وفي الحديث القدسي: "يقول الله عزّ وجلّ:حديث : إذا كان الغالبَ على عبدي الاشتغالُ بي جعلتُ همته ولذَّته في ذكري، ورفعت الحجاب فيما بيني وبينه، لا يسهو إذا سها الناس، أولئك كَلاَمُهُم كلام الأنبياء، أولئك الأبطال حقّاً، أولئك الذين إذا أردتُ بأهلِ الأرض عقوبة أو عذاباً ذكرتهم فصرفته بهم عنهم"تفسير : . حقَّقنا الله بمحبتهم وجعلنا منهم... آمين. ولمَّا ذكر في هذه السورة جملة من الأنبياء والرسل، وشهد لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه من المرسلين ذكر تفضيل بعضهم على بعض في الجملة.

الطوسي

تفسير : اللغة: البروز الظهور للقتال، ومنه البراز، وهي الأرض: الفضاء. تقول: برز يبرز بروزاً، وبارزه مبارزة، وتبارز تبارزاً، وبرز تبريزاً، وتبرّز تبرزاً. ورجل برز، وامرأة برزة أي ذو عفة وفضل، لظهور ذاك فيها. والحنود الجموع التي تعدّ للقتال واحدها جند، مأخوذ من الجند وهو الغلظ. وقوله: {ربنا أفرغ} فالافراغ: صب السيال على جهة اخلاء المكان منه وأصله الخلو. وإنما قيل {أفرغ علينا صبراً} تشبيهاً بتفريغ الاناء من جهة أنه نهاية ما توجبه الحكمة، كما أنه نهاية ما في الواحد من الآنية. وتقول فرغ يفرغ فراغاً، وأفرغ إفراغاً، وفرّغ تفريغاً وتفرّغ تفرغاً، واستفرغ استفراغا، وافرغت افتراغاً: إذا صببت عليك الماء. وقوله: {أية : سنفرغ لكم أيها الثقلان}تفسير : معناه سنعمد، لأنه عمل مجرد من غير شاغل، ومنه قوله: {أية : وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً}تفسير : أي خالياً من الصبر والفرغ مفرغ الدلو، وهو خرفة الذي يأخذ الماء، لأنه يفرغ منه الماء {وأفرغ علينا صبراً} أي صبّ. ودرهم مفرغ أي مصبوب في قالب. وضربة فريغة: واسعة. وفرغ الاناء، وفرغ الرجل من عمله. وأصل الباب الفراغ الخلوّ. وقوله: {وثبت أقدامنا} تثبيت الأقدام يكون بشيئين: أحدهما - بتقوية قلوبهم. والثانية - بالقاء الرعب في قلوب أعدائهم حتى يظهر منهم الخور في قتالهم وقيل باختلاف كلمتهم حتى يقع التخاذل منهم، وكذلك الصبر، لأنه من فعل العبد كما أن الثبوت في الحرب من فعله، لأنه يجازى عليه، فأما النصر، ففعل الله تعالى، والصبر: حبس النفس عما تنازع إليه من الفعل. وها هنا حبسها عما تنازع إليه من الفرار من القتال. والتثبيت تمكين الشيء في مكانه بلزومه إياه. وقد يقال ثبت يثبت ثبوتاً، وأثبته إثباتاً وتثبت تثبتاً، واستثبت استثباتاً، وثبته تثبيتاً. ورجل ثبت المقام: إذا كان شجاعاً لا يبرح موقفه، وطعنه فأثبت فيه الرمح أي نفذ فيه، لأنه يلزم فيه. وأثبت حجته إذا أقامها. والقول الثابت الصحيح يلزم العمل عليه، ومنه قوله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} أي يؤدبهم به ليلزموا طريق الحق فيه. وفلان ثبت أي ثقة مأمون فيما روى. وأثبت الحسنات في الدفتر، لأنك ضبطه، وأصل الباب اللزوم. وقوله: {فانصرنا} النصر: هو المعونة على العدوّ، ويكون ذلك بأشياء منها بزيادة القوة، ومنها الرعب من الملاقاة، ومنها الاطلاع على العورة، ومنها تخيل الكثرة، ومنها اختلاف الكلمة التي تقع بلطف في إعطاء النصر، والفرق بين النصر، واللطف: أن كل نصر من الله، فهو لطف، وليس كل لطف نصراً، لأن اللطف يكون في إحدى طاعاته بدلا من معصيته، وقد يكون في فعل طاعة من النوافل فأما العصمة فلا تكون إلا من معصية.

الجنابذي

تفسير : {وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ} ملتجئين الى الله مستنصرين به كما هو ديدن كلّ من وقع فى شدّة واضطرار {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} افرغ الماء صبّه وكأنّهم طلبوا كثرة الصّبر لشدّة خوفهم وتوحّشهم ولذلك استعملوا الافراغ {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ} فى خبرٍ عن الصّادق (ع): انّ داود جاء فوقف بحذاء جالوت وكان جالوت على الفيل وعلى رأسه التّاج وفى جبهته ياقوتةٌ يلمع نورها وجنوده بين يديه فأخذ داود من تلك الاحجار حجراً فرمى به ميمنة جالوت فمرّ فى الهواء ووقع عليهم فانهزموا، وأخذ حجراً آخر فرمى به ميسرة جالوت فانهزموا، ورمى جالوت بحجر فصكّ الياقوتة فى جبهته ووصلت الى دماغه ووقع على الارض ميتاً {وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} اى السّلطنة الصوريّة او الرّسالة {وَٱلْحِكْمَةَ} النظريّة والعمليّة فتكون اعمّ من الرّسالة واحكامها والنّبوّة والولاية وآثارهما، او المراد بالحكمة الولاية وآثارها ان كان المراد بالملك الرّسالة ويكون المراد بتعليم ما يشاء تعميم حكمته، او المراد بالحكمة الحكمة العمليّة وقوله تعالى {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ} كان اشارة الى الحكمة النّظريّة او بالعكس {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} بعضهم بدل من النّاس بدل البعض والمعنى لولا دفع الله البلاء عن النّاس عن البعض ببعض آخر يعنى عن الكفّار بالمؤمنين، او عن بعض المؤمنين القاصرين بالبعض الكاملين فى الاعمال، او لولا دفع الله النّاس أنفسهم بعضهم الكفّار بالبعض الآخر من الكفّار او بالمسلمين، او لولا دفع الله النّاس بعضهم ببعض آخر كالحكّام والسّلاطين فانّ اصلاح النّاس ودفع الاشرار عن العباد بالسّلطان اكثر من الاصلاح بالرّسل، والى الكلّ اشير فى الاخبار {لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} حيث جعل صلاح الصّالح سبباً لعدم هلاك الفاسد بل مصلحاً لفساده او دفع شرّ الاشرار بالاخيار او بالاشرار.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} أي أنزل علينا صبراً {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الكَافِرِينَ}. قال الله: {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَءَاتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ}. والحكمة هاهنا النبوّة. {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} من الوحي الذي كان يأتيه من الله. قوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} ذكر بعض المفسّرين قال: يبتلى المؤمن بالكافر ويعافى الكافر بالمؤمن. قال: {تِلْكَ ءَايَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ}. قوله: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} قال الحسن: بما أتاهم الله من النبوّة والرسالة، فقال: {مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} وهو كقوله: (أية : وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ) تفسير : [الإِسراء:55]. قال الحسن: يعني في الدنيا على وجوه ما أعطوا. ذكر بعضهم أنه قيل: حديث : يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر، الجمّ الغفير. قيل يا رسول الله، أكان آدم نبيّاً مكلّماً أم لم يكن مكلّماً؟ قال:بل كان نبياً مكلماً . تفسير : قوله: {وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} قال الحسن: أيّدناه: أعناه بروح القدس، والقدس الله، والروح جبريل. قوله: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} قال بعضهم: من بعد موسى وعيسى. {وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}.

اطفيش

تفسير : {وَلمَّا بَرَزُوا}: أى لما برز طالوت والمؤمنون المقاتلون معه، أى ظهروا، قولك أرض براز أى ظاهره غير مستوية بعمارات أو شجر أو غور، فهم كذلك ظهروا لأجل عدم ساتر لدنُّوهم. {لجَالوتَ وَجُنُودِه} وهم مشركون، واللام للتعدية أو للتعليل، أى لأجل جالوت، أى لأجل قتال جالوت وجنوده، متعلقة ببرزوا على الوجهين، ويجوز تعليقها بحال محذوفة، أى متصافين لقتال جالوت وجنوده. {قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ}: أى اصبب. {عَليْنا صَبْراً}: التجأوا حين رأو قلتهم وكثرت جنود جالوت إلى الله تعالى، منادين بلفظ رب، لإشعاره بعبوديتهم له، فيصلح حالهم، هو دون غيره، وسألوه إفراغ الصبر فى قلوبهم، لأن الصبر هو ملاك الأمر، واختاروا للفظ الإفراغ مبالغة، كأنه قيل أعطنا كلما يمكن أن يعطى لمخلوق من الصبر، حتى لا يبقى منه شئ، كقولك افرغ الإناء أى أخله من جميع ما فيه، وذكروا لفظ على لكثرته حتى يستعليهم ويكون فيهم كالمصروف. {وثَبت أَقدامنَا}: أى ثبت أقدامنا التى نمشى بها فى الأرض بتقوية قلوبنا، ولا نفر عن القتال، أو قلوبنا فهو كناية أريد بها معناها ولازمه، وأخروا هذا عن طلب إفراغ الصبر، لأنه يترتب على الصبر. {وانْصُرْنا على القَوْمِ الكَافِرِينَ}: أخروا طلب النصر لترتب النصر غالباً على الضمير، وتثبيت القدم، ولإشعار ذلك بالظفر وتسببه فى الظفر رتب عليه هزم عدوهم بالفاء فى قوله: {فَهزَمُوهُم ..}

اطفيش

تفسير : {وَلَمَّا بَرَزُواْ} ظهروا وتصافوا للقتال، أو صاروا فى الأرض البراز، أى الخالية من الشجر المستوية {لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} ودنوا منه ومن جنوده، وهو كافر من العمالقة، وهم برابرة، قيل، برزوا كلهم. من شرب ملء بطنه وغيرهم، وقيل، بقوا قبل النهر ولم يجاوزوه ولم يحضروا القتال، وقد وصفهم الله بالتولى، فإن صح حضوركم القتال فمعنى توليهم فرارده من الزحف {قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَٰفِرِينَ} جالوت وجنوده، صرح باسم كفرهم ولم يضمر لهم، وهو علة النصر عليهم، هذا كلام من لم يطعمه، أو طعم غرفة، وزعم بعض أنهم كلهم وطنوا أنفسهم على القتال وتقووا بقول من لم يطعمه. أو طعم غرفة، ربنا أفرغ... الآية، وإفراغ الصبر صبه فى القلوب بالكمال والإكثار على شدائد الحرب، والقلب ملاك الحسد فلذا قدمه، وتثبيت الأقدام نفى الفرار، والصفف فى القتال، وتثبيت أقدامهم فيه لمصلحة النجدة من العدو والكر عليه. وذلك مسبب للنصر، ولازم له، ولذا عقبه للصبر، وسألوا النصر بعدهما لترتبه عليهما، وأشاروا بأن قتالهم بغض للكفر وأهله.

الالوسي

تفسير : {وَلَمَّا بَرَزُواْ} أي ظهر طالوت ومن معه وصاروا في براز من الأرض وهو ما انكشف منها واستوى {لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} أي لمحاربتهم وقتالهم {قَالُواْ} جميعاً بعد أن قويت قلوب الضعفاء متضرعين إلى الله تعالى متبرئين من الحول والقوة. {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} أي صب ذلك علينا ووفقنا له، والمراد به حبس النفس للقتال {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا} أي هب لنا كمال القوة والرسوخ عند المقارعة بحيث لا تتزلزل، وليس المراد بتثبيت الأقدام مجرد تقررها في حيز واحد إذ ليس في ذلك كثير جدوى {وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي أعِنّا عليهم بقهرهم وهزمهم، ووضع (الكافرين) موضع الضمير العائد إلى ـ جالوت وجنوده ـ للإشعار بعلة النصر عليهم، وفي هذا الدعاء من اللطافة وحسن الأسلوب والنكات ما لا يخفى، أما أولاً: فلأن فيه التوسل بوصف الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال، وأما ثانياً: فلأن فيه الإفراغ، وهو يؤذن بالكثرة، وفيه جعل الصبر بمنزلة الماء المنصب عليهم لثلج صدورهم وإغنائهم عن الماء الذي منعوا عنه، وأما ثالثاً: فلأن فيه التعبير ـ بعلى ـ المشعر بجعل ذلك كالظرف وجعلهم كالمظروفين، وأما رابعاً: فلأن فيه تنكير صبراً المفصح عن التفخيم، وأما خامساً: فلأن في الطلب الثاني وهو تثبيت الأقدام ما يرشح جعل الصبر بمنزلة الماء في الطلب الأول إذ مصاب الماء مزالق فيحتاج فيها إلى التثبيت، وأما سادساً: فلأن فيه حسن الترتيب حيث طلبوا أولاً: إفراغ الصبر على قلوبهم عند اللقاء وثانياً: ثبات القدم والقوة على مقاومة العدوّ حيث أن الصبر قد يحصل لمن لا مقاومة له، وثالثاً: العمدة والمقصود من المحاربة وهو النصرة على الخصم حيث إن الشجاعة بدون النصرة طريق عتبته عن النفع خارجة، وقيل: إنما طلبوا أولاً: إفراغ الصبر لأنه ملاك الأمر، وثانياً: التثبيت لأنه متفرع عليه، وثالثاً: النصر لأنه الغاية القصوى، واعترض/ هذا بأنه يقتضي حينئذٍ التعبير بالفاء لأنها التي تفيد الترتيب، وأجيب بأن الواو أبلغ لأنه عول في الترتيب على الذهن الذي هو أعدل شاهد كما ذكر السكاكي.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: برزوا لجالوت: ظهروا في ميدان المعركة وجالوت قائد قوات العمالقة. أفرغ علينا صبرا: أصبب الصبر في قلوبنا صبّا حتى تمتلىء فلم يبق للخوف والجزع موضع. وثبت أقدامنا: في أرض المعركة حتى لا ننهزم وذلك بتقوية قلوبنا والشد من عزائمنا. داود: هو نبي الله ورسوله داود، وكان يومئذ غير نبي ولا رسول في جيش طالوت. وآتاه الله الملك والحكمة: كان ذلك بعد موت شمويل النبي وموت طالوت الملك. وعلَّمه مما يشاء: فعلمه صنعه الدروع، وفهم منطق الطير وهو وولده سليمان عليهما السلام. لفسدت الأرض: وذلك بغلبة أهل الشرك على أهل التوحيد، وأهل الكفر على أهل الإِيمان. معنى الآيات: لما التقى الجيشان جيش الإِيمان وجيش الكفر طالب جالوت بالمبارزة فخرج له داود من جيش طالوت فقتله والتحم الجيشان فنصر الله جيش طالوت وكان عدد أفراده ثلثمائة وأربعة عشر مقاتلا لا غير لقول الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل بدر، "حديث : إنكم على عدة أصحاب طالوت" تفسير : وكانوا ثلثمائة وأربعة عشر رجلا فهزم الله جيش الباطل على كثرته ونصر جيش الحق على قلته. وهنا ظهر كوكب داود في الأفق بقتله رأس الشر جالوت فمن الله عليه بالنبوة والملك بعد موت كل من النبي شمويل والملك طالوت قال تعالى: {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ}. وختم الله القصة ذات العبر والعظات العظيمة بقوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} بالجهاد والقتال، لاستولى أهل الكفر وأفسدوا الأرض بالظلم والشرك والمعاصي، ولكن الله تعالى بتدبيره الحكيم يسلط بعضاً على بعض، ويدفع بعضا ببعض منّة منه وفضلا. كما قال عز وجل {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}. ثم التفت إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وقال له: تقريراً لنبوته وعلو مكانته تلك آيات الله التي تقدمت في هذا السياق نتلوها عليك بالحق، وإنك لمن المرسلين صلى الله عليه وسلم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الجهاد الشرعي يشترط له الإِمام المبايع بيعة شرعية. 2- يشترط للولاية الكفاءة وأهم خصائصها العلم، وسلامة العقل والبدن. 3- جواز التبرك بآثار الأنبياء كعمامة النبي أو ثوبه أو نعله مثلا. 4- جواز اختبار أفراد الجيش لمعرفة مدى إستعدادهم للقتال والصبر عليه. 5- فضيلة الإِيمان بلقاء الله، وفضيلة الصبر على طاعة الله خاصة في معارك الجهاد في سبيل الله. 6- بيان الحكمة في مشروعية الجهاد، وهي دفع أهل الكفر والظلم بأهل الإِيمان والعدل، لتنتظيم الحياة ويعمر الكون.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكَافِرِينَ} (250) - وَلَمّا تَقَدَّمَ المُؤْمِنُون المُتَوَكِّلُونَ عَلَى اللهِ مَعَ طَالُوتَ لِقِتَالِ جَالُوتَ وَجُنُودِهِ، دَعَوا اللهَ وَرَجَوْهُ أنْ يُنْزِلَ عَلَيهِم الصَّبْرَ عَلَى الشِّدَّةِ، وَأنْ يُثَبِّتَ أقْدَامَهُم عِنْدَ لِقَاءِ أَعْدَائِهِمْ، وَأنْ يُجَنِّبَهُمُ العَجْزَ وَالفِرَارَ، وَأنْ يَمُنَّ عَلَيهِمْ بِالنَّصْرِ عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ. بَرَزُوا - ظَهَرُوا وَانْكَشَفُوا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه هي الشحنة الإيمانية لمن يريد أن يواجه عدوه فهو ينادي قائلاً: "ربنا" إنه لم يقل: يا الله، بل يقول: "ربنا"؛ لأن الرب هو الذي يتولى التربية والعطاء، بينما مطلوب "الله" هو العبودية والتكاليف؛ لذلك ينادي المؤمن ربه في الموقف الصعب "يا ربنا" أي يا من خلقتنا وتتولانا وتمدنا بالأسباب، قال المؤمنون مع طالوت: {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} [البقرة: 250]. وعندما نتأمل كلمة {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} [البقرة: 250] تفيدنا أنهم طلبوا أن يملأ الله قلوبهم بالصبر ويكون أثر الصبر تثبيت الأقدام {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} [البقرة: 250] حتى يواجهوا العدو بإيمان، وعند نهاية الصبر وتثبيت الأقدام يأتي نصر الله للمؤمنين على القوم الكافرين، وتأتي النتيجة للعزم الإيماني والقتال في قوله الحق: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} معناهُ أَنْزِلهُ علينا.

الأندلسي

تفسير : {وَلَمَّا بَرَزُواْ} أي صاروا بالبراز من الأرض، وهو ما ظهر واستوى منها. والمبارزة في الحرب أن يظهر كل قرن لصاحبه بحيث يراه. {قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} سألوا أن يصب عليهم الصبر حتى يكون مستعلياً عليهم. {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} أي أرسخها حتى لا تفر. {وَٱنْصُرْنَا} أي أعنا واظفرنا. {عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} أتوا بالوصف المقتضى لخذلان أعدائهم. {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بتمكينه والعزيمة قد تكون بعد التحام القتال وقد تكون غلبة خوف المنهزم دون التحام. {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ} لم يبين تعالى كيفية القتل وداود هو ابن أنيسّا. {وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} أي ملك طالوت. {وَٱلْحِكْمَةَ} وهي وضع الأمور مواضعها من الصواب ولما مات شمويل وطالوت جمع الله لداود الملك والنبوة. وقيل: وهي الحكمة. {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ} أي مما يشاء أن يعلمه تعالى وما مبهم. وقد علمه صنعة الدروع وفهم منطق الطير وانزل عليه الزبور. {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ}. المدفوع بهم المؤمنون والمدفوعون الكفار وفساد الأرض بقتل المؤمنين وتخريب المساجد وتطبيق الأرض بالكفر، ولكنه تعالى لا يخلي الأرض من قائم بالحق. وقرىء دفع الله مصدر دفع ودفاع مصدر دفع نحو كتب كتاباً أو مصدر دافع فمعنى المجرد وهو مضاف إلى الفاعل وبعضهم بدل من الناس بدل بعض من كل، والباء في ببعض تتعلق بالمصدر وهي للتعدية، واصل التعدية بالباء إنما هو في الفعل اللازم، نحو: لذهب بسمعهم. فأما ما يتعدى فالأصل إذا عدّي إلى ثان أن يعدى بالهمزة، نحو: طعم زيد اللحم، وأطعمت زيداً اللحم، ولا ينقاس التعدية بالباء فيما يتعدى إلى واحد فتعديه بها ومما جاء من ذلك قولهم: صك الحجر الحجر ثم إذا عديته إلى ثان قلت صككت الحجر بالحجر أي جعلته. يصكه، وقالوا: صككت الحجرين أحدهما بالآخر. واسند الفساد إلى الأرض بالخراب وتعطيل المنافع، أو المراد أهل الأرض فيكون على حذف المضاف. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} جاء بلفظ العالمين ليشمل المدفوع [بهم والمدفوع] إذ المدفوع لم يبلغ ما كان يؤمل من مقاصده التي تؤول إلى فساد الأرض فاستدرك أنه تعالى ذو فضل عليه، محسن إليه، واندرج في عموم العالمين. وكأنه لما لم يبلغ مقاصده أنكر فضل الله عليه فجاء فاستدرك لهذا المعنى، وعلى تتعلق بفضل وربما حذفت على، تقول: فضلت فلاناً، أي على فلان فإِذا ضعف الفعل لزمته على. {تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ} تلك إشارة إلى الآيات التي تقدمت في القصص السابقة من خروج أولئك الفارين من الموت إلى ما تلاه تعالى مما ذكر بعدهم. {وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} أكد بأن وباللام حيث أخبر بهذه الآيات من غير قراءة كتاب ولا مدارسة أخبار ولا سماع أخبار لما ذكر اصطفاء طالوت على بني إسرائيل وتفضيل داود عليهم وخاطب رسوله بأنه من المرسلين. بين أن المرسلين يتفاضلون أيضاً فقال تعالى: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ} أي الذين تقدموا وتلك الرسل مبتدأ وخبر وفضلنا جملة حالية، أو الرسل صفة لتلك، وفضلنا الخبر، وأشار بتلك للبعيد الذي بينه عليه السلام وبينهم من الزمان، وعامل جمع التكسير معاملة الواحدة المؤنثة وفي فضلنا التفات. {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ} قرىء بالرفع، ففي كلم ضمير نصب حذف عائد على الموصول أي من كلمه الله وبالنصب ففي كلم ضمير مرفوع يعود على من. وقرىء كالم. وبالنصب أي كالم هو الله وبدأ في التفضيل بالكلام إذ هو أشرف تفضيل، إذ جعله محلاً لخطابه ودخل تحت من آدم وموسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام. {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} هو محمد صلى الله عليه وسلم لأنه بعث إلى الناس كافة وأمته أعظم الأمم وختم به باب النبوة إلى ما آتاه الله تعالى. {وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} تقدم تفسيره. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} قيل هنا محذوف تقديره فاختلف أممهم واقتتلوا أي ولو شاء الله أن لا يقتتلوا ما اقتتلوا. ومعنى: {مِن بَعْدِهِم} من بعد كل نبي. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ} توكيد للجملة السابقة. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} أي إرادته هي المؤثرة لا إرادة غيره. {أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم} عامة في كل صدقة واجبة أو تطوع من جهاد وغيره ولما قسّم في قوله فمنهم من آمن ومنهم من كفر أقبل على المؤمنين بندائهم وخطابهم تشريفاً لهم. {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ} هذا تحذير من الامساك قبل أن يأتي يوم القيامة. {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ} يستفاد بتحصيله الفداء من النار. {وَلاَ خُلَّةٌ} أي ولا صداقة تقتضي المساهمة. {وَلاَ شَفَاعَةٌ} تنجي الكافر من عذاب الله. وقرىء بفتح الثلاثة من غير تنوين وبرفعها والتنوين. {وَٱلْكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ} هم: فصل، أو: مبتدا.

الجيلاني

تفسير : {وَلَمَّا بَرَزُواْ} ظهروا {لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} ودنوا منهم {قَالُواْ} متوجهين إلى ربهم متضرعين له مستمدين منه: {رَبَّنَآ أَفْرِغْ} أفض {عَلَيْنَا صَبْراً} نصبر به عند نزول بلائك {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} فيه رضاء لقضائك {وَٱنْصُرْنَا} لتنفيذ حكمك وإمضائك {عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} [البقرة: 250] لآلائك ونعمائك، إنك أنت العزيز الحكيم. {فَهَزَمُوهُمْ} كسروهم وهزموهم {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} بعونه ونصره {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ} قيل: كان أيضاً أشعيا في عسكر طالوت مع ستة من بنيه، وكان داود سابعهم، وكان صغيراً يرعى الغنم، فأوحى إلى نبيهم أنه الذي يقتل جالوت، فطلبه من أبيه، فجاء، وقد كلمته في الطريق ثلاثة أحجار، وقالت له: إنك بنا تقتل جالوت فحملها في مخلاته، ورماه بها، فقتله، ثم زوجه طالوت بنته {وَ} بعد ذلك {آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} أي: ملك بني إسرائيل، ولم يجتمعوا قبل داود على ملك {وَ} آتاه {ٱلْحِكْمَةَ} أي: دعوة الخلق إلى طريق الحق بالحكمة المؤتاة له من قبل ربه {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ} من العلوم والحكمة والمعجزات وخوارق العادات بالجملة {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ} الرقيب الحفيظ لحدوده بين عباده {ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} أي: ظلم بعض الظالمين بتقوية بعض المظلومين ونصره عليهم {لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} التي هي منشأ الهون والفساد ومعدن الظلم والعناد {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ} المصلح لأحوال العباد {ذُو فَضْلٍ} كثير {عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [البقرة: 251] ليعتدل ويتمكن كل من ساكنيها على ما خلقهم الله لأجله بلا مزاحمة بعضهم بعضاً ظلماً وزوراً. {تِلْكَ} المذكورات {آيَاتُ ٱللَّهِ} الدالة على توحيد ذاته وتعظيم شأنه {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} يا أكمل الرسل {بِٱلْحَقِّ} المطابق للواقع {وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} [البقرة: 253] المتلوين عليهم آياتنا؛ امتناناً لهم بل من أفضلهم وأكملهم إذ: