٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
249
Tafseer
القرطبي
تفسير : . فيه إحدى عشرة مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ} «فَصَلَ» معناه خرج بهم. فصلت الشيء فانفصل، أي قطعته فانقطع. قال وهب بن منبه: فلما فصل طالوت قالوا له إن المياه لا تحملنا فٱدع الله أن يجري لنا نهراً، فقال لهم طالوت: إن الله مبتليكم بنهر. وكان عدد الجنود ـ في قول السدّيّ ـ ثمانين ألفاً. (وقال وهب): لم يتخلف عنه إلا ذو عذر من صغر أو كبر أو مرض. والابتلاء الاختبار. والنّهَر والنّهْر لغتان. واشتقاقه من السعة، ومنه النهار وقد تقدّم. قال قتادة: النهر الذي ابتلاهم الله به هو نهر بين الأرْدُن وفلسطين. وقرأ الجمهور «بنهر» بفتح الهاء. وقرأ مجاهد وحُمَيْد الأعرج «بنهر» بإسكان الهاء. ومعنى هذا الابتلاء أنه اختبار لهم، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء عُلِم أنه مطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهوته (في الماء) وعصى الأمر فهو في العصيان في الشدائد أحرى، فرُوي أنهم أتوا النهر وقد نالهم عطش وهو في غاية العذوبة والحسن، فلذلك رُخِّص للمطيعين في الغَرْفة ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع وليَكْسِروا نزاع النفس في هذه الحال. وبين أن الغَرْفة كافَّةٌ ضررَ العطش عند الحَزَمة الصابرين على شَظَف العيْش الذين هَمُّهم في غير الرفاهية، كما قال عروة:شعر : وأحْسُـوا قَـرَاح المـاءِ والمـاءُ بـاردُ تفسير : قلت: ومن هذا المعنى قوله عليه السلام: «حديث : حسْب المرء لُقيْمات يُقِمن صلبه»تفسير : . وقال بعض من يتعاطى غوامض المعاني: هذه الآية مثلٌ ضربه الله للدنيا فشبهها الله بالنهر والشارب منه والمائل إليها والمستكثر منها، والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهِد فيها، والمغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر الحاجة، وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة. قلت: ما أحسن هذا لولا ما فيه من التحريف في التأويل والخروج عن الظاهر، لكن معناه صحيح من غير هذا. الثانية ـ استدل من قال إن طالوت كان نبياً بقوله: «إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ» وأن الله أوحى إليه بذلك وألهمه، وجعل الإلهام ابتلاء من الله لهم. ومن قال لم يكن نبياً قال: أخبره نبيهم شمويل بالوحي حين أخبر طالوتُ قومه بهذا، وإنما وقع هذا الابتلاء ليتميّز الصادق من الكاذب. وقد ذهب قوم إلى أن عبد الله ابن حُذَافة السّهْمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر أصحابه بإيقاد النار والدخول فيها تجربة لطاعتهم، لكنه حمل مزاحه على تخشين الأمر الذي كلفهم، وسيأتي بيانه في «النساء» إن شاء الله تعالى. الثالثة ـ قوله تعالى: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} شرب قيل معناه كَرَع. ومعنى {فَلَيْسَ مِنِّي} أي ليس من أصحابي في هذه الحرب، ولم يخرجهم بذلك عن الإيمان. قال السدّي: كانوا ثمانين ألفاً، ولا محالة أنه كان فيهم المؤمن والمنافق والمجِدّ والكسلان، وفي الحديث: «حديث : من غشنا فليس منا»تفسير : أي ليس من أصحابنا ولا على طريقتنا وهَدْينا. قال:شعر : إذا حاولتَ في أسَد فجوراً فإني لستُ منك ولستَ مِنِّي تفسير : وهذا مَهْيَع في كلام العرب؛ يقول الرجل لابنه إذا سلك غير أُسلوبه: لست مِنِّي. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ} يقال: طعِمت الشيء أي ذقته. وأطعمته الماء أي أذقته، ولم يقل ومن لم يشربه لأن من عادة العرب إذا كرروا شيئاً أن يكرروه بلفظ آخر، ولغة القرآن أفصح اللغات، فلا عِبرة بقدح من يقول: لا يقال طعمت الماء. الخامسة ـ استدل علماؤنا بهذا على القول بسدّ الذرائع؛ لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم؛ ولهذه المبالغة لم يأت الكلام «ومن لم يشرب منه». السادسة ـ لما قال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} دلّ على أن الماء طعام وإذا كان طعاماً كان قوتاً لبقائه واقتيات الأبدان به فوجب أن يجري فيه الربا، قال ابن العربي: وهو الصحيح من المذهب. قال أبو عمر قال مالك: لا بأس ببيع الماء على الشَّطّ بالماء متفاضلاً وإلى أجل، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد ابن الحسن: هو مما يكال ويوزن، فعلى هذا القول لا يجوز عنده التفاضل، وذلك عنده فيه رِبا؛ لأن علته في الربا الكيل والوزن. وقال الشافعي: لا يجوز بيع الماء متفاضلاً ولا يجوز فيه الأجل، وعلته في الربا أن يكون مأكولاً جنساً. السابعة ـ قال ابن العربيّ قال أبو حنيفة: من قال إن شرِب عبدي فلان من الفُرَات فهو حُرّ فلا يعتق إلا أن يكْرَع فيه، والكرع أن يشرب الرجل بِفيه من النهر، فإن شرب بيده أو اغترف بالإناء منه لم يعتق؛ لأن الله سبحانه فرّق بين الكرع في النهر وبين الشرب باليد. قال: وهذا فاسد؛ لأن شرب الماء يطلق على كل هيئة وصفة في لسان العرب من غَرْفٍ باليد أو كَرْع بالفم انطلاقاً واحداً، فإذا وُجِد الشّرب المحلوفُ عليه لغة وحقيقة حنَث فٱعلمه. قلت: قول أبي حنيفة أصح، فإن أهل اللغة فرّقوا بينهما كما فرّق الكتاب والسنة. قال الجوهري وغيره: وكَرَع في الماء كُروعا إذا تناوله بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء، وفيه لغة أُخرى «كرِع» بكسر الراء (يكرع) كَرَعا. والكَرَع: ماء السماء يكرع فيه. وأما السنة فذكر ابن ماجه في سننه: حدّثنا واصل بن عبد الأعلى حدّثنا ابن فُضيل عن ليث عن سعيد بن عامر عن ابن عمر قال: مررنا على بركة فجعلنا نكرع فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تكْرَعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم اشربوا فيها فإنه ليس إناء أطيب من اليد»تفسير : وهذا نص. وليث بن أبي سليم خرّج له مسلم وقد ضُعِّف. الثامنة ـ قوله تعالى: {إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} الاغتراف: الأخذ من الشيء باليد وبآلة، ومنه المِغْرفَة، والغَرْف مثل الاغتراف. وقرىء «غَرْفة» بفتح الغين وهي مصدر، ولم يقل اغترافة؛ لأن معنى الغَرْف والاغتراف واحد. والغَرفة المرة الواحدة. وقرىء «غُرْفَة» بضم الغين وهي الشيء المُغْتَرَفُ. وقال بعض المفسرين: الغَرْفة بالكفِّ الواحد والغُرْفة بالكفَّيْن. وقال بعضهم: كلاهما لغتان بمعنى واحد. وقال عليّ رضي الله عنه: الأكُفّ أنْظَفُ الآنية، ومنه قول الحسن:شعر : لا يَدلِفون إلى ماء بآنية إلا اغترافاً من الغُدْران بالرّاح تفسير : الدلِيف: المشي الرويد. قلت: ومن أراد الحلال الصِّرف في هذه الأزمان دون شبهة ولا امتراء ولا ارتياب فليشرب بكفَّيْه الماء من العيون والأنهار المسخَّرة بالجَرَيَان آناء الليل و (آناء) النهار، مُبْتغياً بذلك من الله كسب الحسنات ووضع الأوزار واللُّحوق بالأئمة الأبرار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من شرب بيده وهو يقدر على إناء يريد به التواضع كتب الله له بعدد أصابعه حسنات وهو إناء عيسى بن مريم عليهما السّلام إذ طرح القدح فقال أفّ هذا مع الدنيا»تفسير : . خرّجه ابن ماجه من حديث ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب على بطوننا وهو الكَرْع، ونهانا أن نغترف باليد الواحدة، وقال: «حديث : لا يلِغ أحدكم كما يلِغ الكلب ولا يشرب باليد الواحدة كما يشرب القوم الذين سخِط الله عليهم ولا يشرب بالليل في إناء حتى يحركه إلا أن يكون إناء مُخَمَّراً ومن شرب بيده وهو يقدر على إناء»تفسير : .. الحديث كما تقدّم، وفي إسناده بَقِيّة بن الوليد، قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال أبو زرعة: إذا حدّث بَقيّة عن الثقات فهو ثقة. التاسعة ـ قوله تعالى: {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} قال ابن عباس: شرِبوا على قدر يقينهم، فشرِب الكفار شرب الهِيمِ وشرِب العاصون دون ذلك، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفاً وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئاً وأخذ بعضهم الغُرْفة، فأما من شرب فلم يَرْوَ، بل برّح به العطش، وأما من ترك الماء فحسُنَت حاله وكان أجْلَد ممن أخذ الغُرفة. العاشرة ـ قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ} الهاء تعود على النهر، و «هو» توكيد. {وَٱلَّذِينَ} في موضع رفع عطفاً على المضمر في «جاوزه» يقال: جاوزت المكان مجاوزة وجِوازاً. والمجاز في الكلام ما جاز في الاستعمال ونفذ واستمرّ على وجهه. قال ابن عباس والسدي: جاز معه في النهر أربعة آلاف رجل فيهم من شرب، فلما نظروا إلى جالوت وجنوده وكانوا مائة ألف كلهم شاكون في السلاح رجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون؛ فعلى هذا القول قال المؤمنون الموقنون بالبعث والرجوع إلى الله تعالى عند ذلك وهم عدّة أهل بدرٍ: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ}. وأكثر المفسرين: على أنه إنما جاز معه النهر من لم يشرب جملة، فقال بعضهم: كيف نطيق العدوّ مع كثرتهم! فقال أُولوا الغَزْم منهم: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ}. قال البراء ابن عازِب: كنا نتحدّث أن عدّة أهل بدر كعدّة أصحاب طالوت الذِين جاوزوا معه النهر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ـ وفي رواية: وثلاثة عشر رجلاً ـ وما جاز معه إلا مؤمن. الحادية عشرة ـ قوله تعالى: {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ} والظن هنا بمعنى اليقين، ويجوز أن يكون شَكّاً لا علماً، أي قال الذين يتوَهّمون أنهم يُقْتلون مع طالوت فيلقون الله شهداء، فوقع الشك في القتل. قوله تعالى: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً} الفئة: الجماعة من الناس والقطعة منهم؛ من فأوْتُ رأسه بالسيف وفأيته أي قطعته. وفي قولهم رضي الله عنهم: «كم من فئة قليلة» الآية، تحريضٌ على القتال واستشعارٌ للصبر واقتداءٌ بمن صدّق ربه. قلت: هكذا يجب علينا نحن أن نفعل؟ لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدّام اليسير من العدوّ كما شاهدناه غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا! وفي البخاريّ: وقال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم. وفيه مُسْند أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم»تفسير : . فالأعمال فاسدة والضعفاء مُهْمَلون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة! قال الله تعالى: {أية : ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} تفسير : [آل عمران: 200] وقال: {أية : وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ} تفسير : [المائدة: 23] وقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} تفسير : [النحل: 128] وقال: {أية : وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} تفسير : [الحج: 40] وقال: {أية : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ } تفسير : [الأنفال: 45]. فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحلَّ بنا! بل لم يبق من الإسلام إلى ذكره، ولا من الدِّين إلاّ رَسْمُه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدوّ شرقاً وغرباً براً وبحراً، وعَمّت الفتن وعظُمت المحَن ولا عاصم إلا من رحِم!
البيضاوي
تفسير : {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتٌ بِٱلْجُنُودِ} انفصل بهم عن بلده لقتال العمالقة، وأصله فصل نفسه عنه ولكن لما كثر حذف مفعوله صار كاللازم. روي: أنه قال لهم لا يخرج معي إلا الشاب النشيط الفارغ، فاجتمع إليه ممن إختاره ثمانون ألفاً، وكان الوقت قيظاً فسلكوا مفازه وسألوه أن يجري الله لهم نهراً. {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ} معاملكم معاملة المختبر بما اقترحتموه. {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي } فليس من أشياعي، أو ليس بمتحد معي. {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى} أي من لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه مأكولاً أو مشروباً قال الشاعر: وَإِن شِئْتُ لَمْ أَطْعِم نقاخاً وَلاَ بَرَدْا. وإنما علم ذلك بالوحي إن كان نبياً كما قيل، أو بإخبار النبي عليه الصلاة والسلام. {إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ } استثناء من قوله فمن شرب منه، وإنما قدمت عليه الجملة الثانية للعناية بها كما قدم والصائبون على الخبر في قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ }تفسير : [البقرة: 62] والمعنى الرخصة في القليل دون الكثير، وقرأ ابن عامر والكوفيون {غُرْفَةً } بضم الغين. {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمْ } أي فكرعوا فيه إذ الأصل في الشرب منه أن لا يكون بوسط، وتعميم الأول ليتصل الاستثناء، أو أفرطوا في الشرب منه إلا قليلاً منهم. وقرىء بالرفع حملاً على المعنى فإن قوله {فَشَرِبُواْ مِنْهُ } في معنى فلم يطيعوه والقليل كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً. وقيل ثلاثة آلاف. وقيل: ألفاً روي أن من اقتصر على الغرفة كفته لشربه وإداوته، ومن لم يقتصر غلب عليه واسودت شفته ولم يقدر أن يمضي وهكذا الدنيا لقاصد الآخرة. {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} أي القليل الذين لم يخالفوه. {قَالُواْ} أي بعضهم لبعض. {لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ } لكثرتهم وقوتهم. {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ ٱللَّهِ} أي قال الخلص منهم الذين تيقنوا لقاء الله وتوقعوا ثوابه، أو علموا أنهم يستشهدون عما قريب فيلقون الله تعالى. وقيل: هم القليل الذين ثبتوا معه، والضمير في {قَالُواْ } للكثير المنخذلين عنه اعتذاراً في التخلف وتخذيلاً للقليل، وكأنهم تقاولوا به والنهر بينهما. {كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ} بحكمه وتيسيره، و {كَمْ } تحتمل الخبر والاستفهام، و {مِنْ } مبينة أو مزيدة. والفئة الفرقة من الناس من فأوت رأسه إذا شققته، أو من فاء رجع فوزنها فعة أو فلة. {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ }. بالنصر والإِثابة. {وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} أي ظهروا لهم ودنوا منهم. {قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} التجؤوا إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء، وفيه ترتيب بليغ إذ سألوا أولاً إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب المسبب عنه، ثم النصر على العدو المترتب عليهما غالباً.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن طالوت ملك بني إسرائيل حين خرج في جنوده، ومن أطاعه من ملأ بني إسرائيل، وكان جيشه يومئذ فيما ذكره السدي ثمانين ألفاً، فالله أعلم، أنه قال: {إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم} أي: مختبركم بنهر، قال ابن عباس وغيره: وهو نهر بين الأردن وفلسطين، يعني نهر الشريعة المشهور، {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} أي: فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّىۤ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}، أي: فلا بأس عليه، قال الله تعالى: {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} قال ابن جريج: قال ابن عباس، من اغترف منه بيده روي، ومن شرب منه لم يرو. وكذا رواه السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس: وكذا قال قتادة وابن شوذب، وقال السدي: كان الجيش ثمانين ألفاً، فشرب منه ستة وسبعون ألفاً، وتبقى معه أربعة آلاف، كذا قال. وقد روى ابن جرير من طريق إسرائيل وسفيان الثوري ومسعر بن كدام عن أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب، قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وما جازه معه إلا مؤمن، ورواه البخاري عن عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل بن يونس، عن جَدِّه أبي إسحاق، عن البراء بنحوه، ولهذا قال تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} أي: استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم، فشجعهم علماؤهم العالمون بأن وعد الله حق، فإن النصر من عند الله ليس عن كثرة عدد ولا عدد. ولهذا قالوا: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَمَّا فَصَلَ } خرج {طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ } من بيت المقدس وكان حرّاً شديداً وطلبوا منه الماء {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم } مختبركم {بِنَهَرٍ } ليظهر المطيع منكم والعاصي وهو بين الأردن وفلسطين {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ } أي من مائه {فَلَيْسَ مِنّي } أي من أتباعي {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ } يذقه {فَإِنَّهُ مِنّى إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً } بالفتح والضم {بِيَدِهِ } فاكتفى بها ولم يزد عليها فإنه مني {فَشَرِبُواْ مِنْهُ } لما وافوه بكثرة {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } فاقتصروا على الغرفة، روي أنها كفتهم لشربهم ودوابهم وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً {فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ والَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ } وهم الذين اقتصروا على الغرفة {قَالُواْ } أي الذين شربوا {لاَ طَاقَةَ } قوة {لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ } أي بقتالهم وجبنوا ولم يجاوزوه {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ } يوقنون {أَنَّهُم مُلاَقُواْ ٱللَّهِ } بالبعث وهم الذين جاوزوه {كَمْ } خبرية بمعنى (كثير) {مّن فِئَةٍ } جماعة {قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذُنِ ٱللَّهِ } بإرادته {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ } بالعون والنصر.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {فَلمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ} وهو جمع جند، والأجناد للقليل، وقيل: إنهم كانوا ثمانين ألف مقاتل. {قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهْرٍ} اختلفوا في النهر، فَحُكِيَ عن ابن عباس والربيع أنه نهر بين الأردن وفلسطين، وقيل إنه نهر فلسطين، قال وهب بن منبه: السبب الذي ابتلوا لأجله بالنهر، شِكَايَتُهم قِلةَ الماء وخوف العطش. {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي} أي ليس من أهل ولايتي. {ومَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَن اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو بالفتح، وقرأ الباقون "غرفة" بالضم، والفرق بينهما أن الغرفة بالضم اسم للماء المشروب، والغرفة بالفتح اسم للفعل. {فَشَرِبُوا مِنهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنهُم} قال عكرمة: جاز معه النهر أربعة آلاف، ونافق ستة وسبعون ألفاً، فكان داود ممن خلص لله تعالى. قال ابن عباس: إن من استكثر منه عَطِش، ومن اغترف غرفة منه رُوِيَ. {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ} قيل: كان المؤمنون ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً عدة أهل بدر. واختلفوا، هل تجاوزه معهم كافر أم لا؟ فَحُكِيَ عن البراء، والحسن، وقتادة: أنه ما تجاوزه إلا مؤمن، وقال ابن عباس، والسدي: تجاوزه الكافرون، إلا أنهم انخذلوا عن المؤمنين. {قَالُوا: لاَ طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} اختلفوا في تأويل ذلك على قولين: أحدهما: أنه قال ذلك مَنْ قلّت بصيرته من المؤمنين، وهو قول الحسن، وقتادة، وابن زيد. والثاني: أنهم أهل الكفر الذين انخذلوا، وهو قول ابن عباس، والسدي، قال عكرمة: فنافق الأربعة الآلاف إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً كعدة أهل بدر، وداود فيهم. {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ اللهِ} وهم المؤمنون الباقون من الأربعة الآلاف. وفي الظن ها هنا قولان: أحدهما: أنه بمعنى اليقين، ومعناه الذين يستيقنون أنهم ملاقوا الله كما قال دريد بن الصُّمّة: شعر : فقلت لهم ظُنّوا بِأَلْفَيْ مُدَجج سَراتُهُمُ في الفارسيّ المسَرّدِ تفسير : أي تيقنوا. والثاني: بمعنى الذين يظنون أنهم ملاقوا الله بالقتل في الوقعة. {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً} والفئة: الفرقة {بِإِذْنِ اللهِ} قال الحسن: بنصر الله، وذلك لأن الله إذا أذن في القتال نصر فيه على الوجه الذي وقع الإِذن فيه. {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} يعني بالنصرة والمعونة، وهذا تفسير الآية عند جمهور المفسرين. وذكر بعض من يتعاطى غوامض المعاني، أن هذه الآية مَثَلٌ ضَرَبَهُ الله للدنيا يشبهها بالنهر، والشارب منه بالمائل إليها والمستكثر منها، والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها، والمغترف منه بيده بالآخذ منها قدر حاجته، وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة.
ابن عطية
تفسير : {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّى إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} قبل هذه الآية متروك من اللفظ يدل معنى ما ذكر عليه، وهو فاتفق بنو إسرائيل على طالوت ملكاً وأذعنوا وتهيؤوا لغزوهم عدوهم فلما فصل، و {فصل} معناه خرج بهم من القطر، وفصل حال السفر من حال الإقامة، قال السدي وغيره: كانوا ثمانين ألفاً. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ولا محالة أنهم كان فيهم المؤمن والمنافق والمجد والكسلان، وقال وهب بن منبه: ولم يتخلف عنه إلا ذو عذر من صغر أو كبر أو مرض. واختلف المفسرون في النهر، فقال وهب بن منبه: لما فصل طالوت قالوا له إن المياه لا تحملنا فادع الله يجر لنا نهراً، فقال لهم طالوت {إن الله مبتليكم} الآية، وقال قتادة: النهر الذي ابتلاهم الله به هو نهر بين الأردن وفلسطين، وقاله ابن عباس، وقال أيضاً هو السدي، النهر نهر فلسطين، وقرأ جمهور القراء "بنهَر" بفتح الهاء، وقرأ مجاهد وحميد الأعرج وأبو السمال وغيرهم "بنهْر" بإسكان الهاء في جميع القرآن، ومعنى هذا الابتلاء أنه اختبار لهم، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء علم أنه يطيع فيما عدا ذلك، ومن غلب شهوته في الماء وعصى الأمر فهو بالعصيان في الشدائد أحرى، وروي أنهم أتوا النهر وهم قد نالهم عطش وهو غاية العذوبة، والحسن، ولذلك رخص للمطيعين في الغرفة ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع، وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال إلى الاغتراف بالأيدي لنظافته، وسهولته، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الأكف أنظف الآنية. ومنه قول الحسن رحمه الله: [البسيط]. شعر : لاَ يَدْلِفُونَ إلى مَاءٍ بآنِيةٍ إلاَّ اغترافاً مِنَ الغُدْرانِ بِالرَّاحِ تفسير : وظاهر قول طالوت {إن الله مبتليكم} هو أن ذلك بوحي إلى النبي وإخبار من النبي لطالوت، ويحتمل أن يكون هذا مما ألهم الله طالوت إليه فجرب به جنده، وجعل الإلهام ابتلاء من الله لهم، وهذه النزعة واجب أن تقع من كل متولي حرب، فليس يحارب إلاّ بالجند المطيع، ومنه قول معاوية: "عليّ في أخبث جند وأعصاه وأنا في أصح جند وأطوعه"، ومنه قول علي رضي الله عنه: "أفسدتم عليّ رأيي بالعصيان"، وبين أن الغرفة كافة ضرر العطش عند الحزمة الصابرين على شظف العيش الذين هممهم في غير الرفاهية، كما قال عروة: [الطويل] شعر : وَأَحسوا قَرَاحَ الْمَاءِ والْمَاءُ بَارِد تفسير : فيشبه أن طالوت أراد تجربة القوم، وقد ذهب قوم إلى عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر أصحابه بإيقاد النار والدخول فيها تجربة لطاعتهم، لكنه حمله مزاحه على تخشين الأمر الذي كلفهم. وقوله: {فليس مني} أي ليس من أصحابي في هذه الحرب، ولم يخرجهم بذلك عن الإيمان، ومثل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من غشنا فليس منا، ومن رمانا بالنبل فليس منا، وليس منا من شق الجيوب ولطم الخدود" تفسير : ، وفي قوله تعالى: {ومن لم يطعمه} سد للذرائع لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم. ولهذه المبالغات لم يأت الكلام، ومن لم يشرب منه. وقرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير "غَرفة" بفتح الغين. وهذا على تعدية الفعل إلى المصدر. والمفعول محذوف، والمعنى إلا من اغترف ماء غرفة، وقرأ الباقون "غُرفة" بضم الغين وهذا على تعدية الفعل إلى المفعول به، لأن الغرفة هي العين المغترفة. فهذا بمنزلة إلاَّ من إغترف ماء، وكان أبو علي يرجح ضم الغين، ورجحه الطبري أيضاً من جهة أن "غَرفة" بالفتح إنما هو مصدر على غير اغتراف، ثم أخبر تعالى عنهم أن الأكثر شرب وخالف ما أريد منه، وروي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما أن القوم شربوا على قدر يقينهم. فشرب الكفار شرب الهيم، وشرب العاصون دون ذلك، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفاً، وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئاً، وأخذ بعضهم الغرفة، فأما من شرب فلم يرو، بل برَّح به العطش، وأما من ترك الماء فحسنت حاله وكان أجلد ممن أخذ الغرفة. قوله عز وجل: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} "جاوز" فاعل من جاز يجوز. وهي مفاعلة من اثنين في كل موضع. لأن النهر وما أشبهه كأنه يجاوز. واختلف الناس في {الذين آمنوا معه} كم كانوا؟ فقال البراء بن عازب: كنا نتحدث أن عدة أهل بدر كعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وفي رواية: وثلاثة عشر رجلاً، وما جاوز معه إلا مؤمن، وقال قتادة: ذكر لنا حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: "أنتم كعدة أصحاب طالوت" تفسير : ، وقال السدي وابن عباس: بل جاوز معه أربعة آلاف رجل، قال ابن عباس: فيهم من شرب، قالا: فلما نظروا إلى جالوت وجنوده قالوا: لا طاقة لنا اليوم، ورجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون، هذا نص قول السدي ومعنى قول ابن عباس، فعلى القول الأول قالت الجملة: {لا طاقة لنا اليوم}، على جهة استكثارا العدو. فقال أهل الصلابة منهم والتصميم والاستماتة: {كم من فئة قليلة} الآية، وظن لقاء الله على هذا القول يحسن أن يكون ظناً على بابه، أي يظنون أنهم يستشهدون في ذلك اليوم لعزمهم على صدق القتال، كما جرى لعبد الله بن حرام في يوم أحد، ولغيره، وعلى القول الثاني قال كثير من الأربعة الآلاف: لا طاقة لنا على جهة الفشل والفزع من الموت، وانصرفوا عن طالوت، فقال المؤمنون الموقنون بالبعث والرجوع إلى الله وهم عدة أهل بدر: {كم من فئة قليلة} والظن على هذا بمعنى اليقين، وهو فيما لم يقع بعد ولا خرج إلى الحس. قال القاضي أبو محمد: وما روي عن ابن عباس من أن في الأربعة الآلاف من شرب يرد عليه قوله تعالى: {هو والذين آمنوا معه}، وأكثر المفسرين على أنه إنما جاوز النهر من لم يشرب إلا غرفة ومن لم يشرب جملة، ثم كانت بصائر هؤلاء مختلفة، فبعض كع وقليل صمم، وقرأ أبي بن كعب "كأين من فئة"، والفئة الجماعة التي يرجع إليها في الشدائد، من قولهم: فاء يفيء إذا رجع، وقد يكون الرجل الواحد فئة تشبيهاً، والملك فئة الناس، والجبل فئة، والحصن، كل ذلك تشبيه، وفي قولهم رضي الله عنهم: {كم من فئة} الآية، تحريض بالمثال وحض واستشعار للصبر، واقتداء بمن صدق ربه، {وإذن الله} هنا تمكينه وعلمه، فمجموع ذلك هو الإذن، {والله مع الصابرين} بنصره وتأييده.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِنَهَرْ} نهر بين الأردن وفلسطين، أو نهر فلسطين ابتلوا به لشكايتهم قلة الماء وخوف العطش. {مِنِّى} من أهل ولايتي. {غُرْفَةَ} الفعل والغُرفة اسم المغروف. {قَليلآً} ثلاثمائة وبضعة عشر عدة أهل بدر، ومن استكثر منه عطش. {جَاوَزَهُ} مع المؤمنين والكافرين ثم انخزلوا عن المؤمنين، وقالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت، أو لم يجاوزه إلا مؤمن. {قَالُواْ لا طَاقَةَ} قاله الكفار المنخزلون، أو من قلّت نصرته من المؤمنين. {يَظُنُّونَ} يوقنون، أو يتوقعون {أَنَّهُم مُّلاَقُواْ اللَّهِ} بالقتل في تلك الواقعة. {مَعَ الصَّابِرِينَ} بالنصر والمعونة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {فلما فصل طالوت بالجنود} أي خرج وأصل الفصل القطع يعني قطع مسقتره شاخصاً إلى غيره فخرج طالوت من بيت المقدس بالجنود وهم سبعون ألف مقاتل. وقيل ثمانون ألفاً وقيل مائة وعشرون ألفاً ولم يتخلف عنه إلا كبير لكبره أو مريض لمرضه أو معذور لعذره وذلك أنهم لما رأوا التابوت لم يشكوا في النصر فسارعوا إلى الخروج في الجهاد وكان مسيرهم في حر شديد فشكوا إلى طالوت قلة الماء بينهم وبين عدوهم وقالوا إن المياه لا تحملنا فادع الله ان يجري لنا نهراً {فقال} طالوت {إن الله مبتليكم بنهر} أي مختبركم به لتبين طاعتكم وهو أعلم بذلك قال ابن عباس هو نهر فلسطين وقيل هو نهر عذب بين الأردن وفلسطين {فمن شرب منه فليس مني} أي فليس من أهل ديني وطاعتي {ومن لم يطعمه} أي لم يذقه يعني الماء {فإنه مني} يعني من أهل طاعتي {إلا من اغترف غرفة بيده} قرئ بفتح الغين وضمها لغتان، وقيل الغرفة بالضم التي تحصل في الكف من الماء والغرفة بالفتح الاغتراف فالضم اسم والفتح مصدر {فشربوا منه} يعني من النهر {إلا قليلاً منهم} قيل هم أربعة آلاف لم يشربوا منه وقيل ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً وهو الصحيح ويدل على ذلك ما روي عن البراء بن عازب قال: "كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يتحدثون أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوزه معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة" أخرجه البخاري قيل البضع هنا ثلاثة عشر، فلما وصلوا إلى النهر ألقي عليهم العطش فشرب منه الكل إلا هذا العدد القليل وكان من اغتراف منه غرفة كما أمره الله تعالى كفته لشربه وشرب دوابه وقوي قلبه وصح إيمانه وعبر النهر سالماً والذين شربوا منه وخالفوا أمر الله تعالى اسودت شفاههم وغلبهم العطش فلم يرووا وجبنوا وبقوا على شط النهر ولم يجاوزوه، وقيل جاوزوه كلهم ولكن الذين شربوا لم يحضروا القتال وإنما قاتل أولئك القليل الذين لم يشربوا وهو قوله تعالى: {فلما جاوزه هو} يعني جاوز النهر طالوت {والذين آمنوا معه} يعني أولئك القليل {قالوا} يعني الذين شربوا من النهر وخالفوا أمر الله تعالى وكانوا أهل شك ونفاق فعلى هذا يكون قد جاوز النهر مع طالوت المؤمن والمنافق والطائع والعاصي فلما رأوا العدو قال المنافقون {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} فأجابهم المؤمنون بقولهم {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة} وقيل لم يجاوز النهر مع طالوت إلا المؤمنون خاصة لقوله تعالى: {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه}. فإن قلت فعلى هذا القول من القائل {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده}. قلت يحتمل أن يكون أهل الإيمان وهم الثلاثمائة وبضعة عشر انقسموا إلى قسمين قسم حين رأوا العدو وكثرتة وقلة المؤمنين قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده فأجابهم القسم الآخر بقولهم {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} ومعنى لا طاقة لنا لا قوة لنا اليوم بجالوت وجنوده {قال الذين يظنون} أي يستيقنون ويعلمون {إنهم ملاقو الله} أي ملاقو ثواب الله ورضوانه في الدار الآخرة {كم من فئة قليلة} الفئة الجماعة لا واحد له من لفظه كالرهط {غلبت فئة كثيرة بإذن الله} أي بقضاء الله وإرادته {والله مع الصابرين} يعني بالنصر والمعونة.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ...}. أضمر ابن عطية هنا الجواب فقال: التقدير، فاتفق بنو اسرائيل على أن طالوت ملك وأذعنوا وتهيّؤوا لغزوهم عدوهم فلما فصل طالوت بالجنود (تعنتوا). قال ابن عرفة: ترك (إضماره) سبب الجواب وحقه إن كان يضمر شيئين: الجواب وسبب الجواب، ويقول: التقدير فلما أتاهم بآية ملكه وفصل بالجنود تعنتوا. قال ابن عرفة: وعطفه بالفاء لأنه سبب ظاهر كما تقول: جاء الغيم فلما نزل المطر كان كذا، وتقول أيضا: قام زيد ولما نزل المطر قعد فهذا ليس بسبب. قال ابن عرفة: وإنما قال: "بِالجُنُودِ" ولم يقل: بجنوده لما اقتضت الآية من أن أكثرهم تعنتوا عليه وخرجوا عن طاعته فليسوا بجنوده، وإنما قال: "مُبْتَلِيكُمْ" فعبر بالاسم دون الفعل تحقيقا لوقوع ذلك في نفس الأمر وثبوته في علم الله تعالى أزلا، وأنه لا بد منه. وعلمه بذلك، إما بالوحي أو بإخبار من النبي. قوله تعالى: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي...}. فسره الشيخ الزمشخري: بالكرع مع أنه ينفي فيه المفهوم لأن الشرب منه يكون كرعا ويكون بإناء تملأ منه أو باليد. وقوله "فَلَيْسَ مِنِّي" فسره إن أراد نفيه حقيقة عنه فيكون مجازا لأنه معلوم أنه ليس منه، فعبر بنفيه عنه نفيه عن ملته، وإن أراد نفيه عن اتباعه أي فليس من اتباعي وجندي فيكون على إضمار مضاف فيتعارض المجاز والإضمار. قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ}. قال ابن عرفة: أكد الثّاني (بإن)، ولم يقل في الأول "فمن شرب منه فإنه ليس منّي"؟ قال: والجواب بأنه إنّما لم يؤكد الأول لأن سببه أكثر (في) الوقوع، وأكد الثاني لأن سببه أقل في الوقوع فأكده حضا على المبادرة إلى امتثال سببه والعمل بمقتضاه. قال: واحتج به بعضهم على أنّ الماء طعام وهو قول ابن نافع نقله ابن يونس في كتاب السلم الثالث. وكان القاضي أبو عبد الله بن عبد السلام يحكي لنا عن الفقيه القاضي أبي القاسم/ بن علي بن البراء أن رجلا سأله وهو راكب على بغلته عمن حلف بالله لا يتناول طعاما؟ فقال له: لا يأكل ولا يشرب الماء لأنه طعام واحتجّ بهذه الآية. ورده ابن عرفة بوجهين: الأول منهما: أن الآية اقتضت ذلك لغة، وأما الشرع فلا يسميه طعاما. الثاني: أنه نفى في الأول الشرب وفي الثاني الطعمية، والطعمية أوائل الشرب، ولذلك ذكروا في الصيام أن الصّائم اذا استطعم الماء وبصقه فإنه لا يفسد صومه، فلما تعلق النفي بأوائل الشرب قال: "فَإِنَّهُ مِنِّي"، فأكد نسبته إليه بـ (إنّ) أي من اتّصف بكمال البعد عنه فهو موصوف بكمال القرب مني وبقي الواسطة مسكوتا عنه وهو الذي شرب بالإناء على تفسير الزمخشري فإما أن ذنبه أقل من ذنب من كرع أو مُسَاوٍ. قال ابن عرفة: وَ (لَمْ) هنا بمعنى (لما). قوله تعالى: {إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ...}. قال أبو حيان: يستثني من الجملة (الأولى وهي) {فَمَن شَرِبَ}. زاد أبو البقاء أو مِنْ "مَنْ" الثانية وهي {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ}. وتعقب بأنّه لو كان من "مَن" الثانية للزم أن يكون من اغترف غرفة واحدة بيده ليس منه (مع أنّه أبيحت لهم الغرفة) الواحدة باليد لأن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات. قال ابن عرفة: هذا لا يتعين بل يحتمل عندي استثناؤه من الجملتين فعلى أنّه مستثنى من الأولى يكون المراد نفيه عن الدخول في حكم ليس منِّي أي هو (منه) وعلى أنّه مستثنى من قوله: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ} يكون (النَّاس) على ثلاثة أقسام: شارب بفيه فليس منه، وشارب منه بيده وهذا يقال فيه (هو) منه فقط، ومن لم يشرب منه شيئا يقال فيه: إنَّه منه مجاله أبلغ، فاستثناؤه من الأخص أي إلا من اغترف غرفة بيده فليس محكوما عليه بأنّه "منّي" أي ليس متصفا بكمال القرب مني. قيل لابن عرفة: يلزمك أن يكون ليس منّي قدرا مشتركا بين الحرام والمباح؟ فقال: لم نخرجه (منه) وإنّما أخرجتهم، من قوله: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ} فإذا خرج من هذا كان منفيا عنه أي يكون منه (وقد) قال: أول الآية {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي}. فيتعين أنّ النفي هنا (نفي) أخص باعتبار ترك الأمر المستحب بفعل الأمر المباح، فالمستحب ترك الشرب، والمباح الشرب باليد، والحرام الكرع فيه بالفم. قال ابن عرفة: وغرفة بالضم والفتح، فالفتح هو الماء والضم الفعل. (قال ابن عرفة): وعلى أنها الفعل يكون المفعول مقدرا أي إلا من اغترف غرفة ماء. قال (ابن عرفة): وفائدة التأكيد بالمصدر على هذا تحقيقا للرخصة في ذلك الفعل وتأكيدَ (إباحتها) خشية أن يتوهم قصر ذلك على أدنى شيء من الماء المأخوذ باليد فأكده تنبيها على إباحتة الغرفة الواحدة بكمالها. قوله تعالى: {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ ٱللَّهِ}. قال ابن عرفة: إن أريد الملاقاة بالإطلاق فهي بمعنى العلم وإن أريد الملاقاة حينئذ فالظن على بابه لأن الإنسان لا علم له بزمن موته. قال (ابن عرفة): وعبر عنهم بهذا إشارة إلى ما قاله بعضهم في رسالة: "من أحب الممات حيي ومن أحب الحياة مات". قوله تعالى: {بِإِذْنِ ٱللَّهِ}. قال ابن عرفة: قال ابن عطية: إذنُ الله هنا تمكينه وعلمه بمجموع ذلك الإذن. (ابن عرفة: كذا يقول في كل موضع) والصواب أنّ معناه بقدرة الله وفضله وإرادته. قال ابن عرفة: وهذا إما أن بعضهم قاله لبعض أو قالوه كلهم لأنفسهم (تشجيعا) لها وتوطينا على الصبر على القتال والهجوم عليه. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}. قالوا: هذا إما من كلامهم أو من كلام الله تعالى. ابن عرفة: (والصواب أنه من كلامهم لأن فيه تشجيعا لأنفسهم وحضا لها على المقاتلة وأما إن كان من قوله الله تعالى) خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم فهو بعد انفصال تلك القضية فلا مناسبة لها، انتهى.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ...} الآية، أي: لما اتفق ملأهم علَىٰ تمليك طالوتَ، وفصل بهم، أيْ: خرج بهم من القُطْرِ، وفَصَلَ حالَ السفر من حال الإِقامة. قال السُّدِّيُّ وغيره: وكانوا ثمانين ألفاً، {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ } أي: مختبركم، فمن ظهرت طاعته في تَرْك الماءِ، علم أنه يطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهْوَتُه في الماء، وعصى الأمر، فهو بالعصيان في الشدائد أحْرَىٰ؛ ورخَّص للمطيعين في الغُرْفة؛ ليرتفع عنْهم أذى العَطَش بعض الاِرتفاعِ، وليكسروا نزاعَ النَّفْس في هذه الحال. * ت *: ولقد أحْسَنَ من شبه الدُّنْيا بنَهَرِ طالوتَ، فمن ٱغتَرَفَ منْها غُرفةً بيد الزهْدِ، وأقبل علَىٰ ما يعنيه من أمر آخرته، نجا، ومَنْ أكبَّ عليها، صدَّته عن التأهُّب لآخرته، وقلَّت سلامته إِلاَّ أنْ يتدارَكَه اللَّه. قال ابن عَبَّاس: وهذا النَّهَر بيْن الأَرْدُنِّ وَفِلَسْطِينَ، وقال أيضاً: هو نَهْرُ فِلَسْطِينَ. قال: * ع *: وظاهرُ قولِ طالوتَ {إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم }؛ أنه بإِخبار من النبيِّ لطالوتَ، ويحتمل أنْ يكون هذا مما ألهم اللَّه إِليه طالوتَ، فجرَّب به جنده، وهذه النَّزْعة واجبٌ أنْ تقع من كلِّ متولِّي حَرْب، فليس يحارِبُ إِلا بالجنْدِ المطيعِ، وبَيِّنٌ أن الغرفة كَافَّةُ ضرر العَطَش عنْد الحَزَمَةِ الصَّابرين على شَظَف العَيْش الَّذين هم في غير الرفاهيَةِ، وقوله: {فَلَيْسَ مِنِّي }، أي: ليس من أصحابي في هذه الحَرْب، ولم يخرجْهم بذلك عن الإِيمان، ومثلُ هذا قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا»تفسير : ، و «حديث : مَنْ رَمَانَا بِالنَّبْلِ، فَلَيْسَ مِنَّا»تفسير : ، و «حديث : لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوبَ، وَلَطَمَ الخُدُودَ». تفسير : وفي قوله: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} سدُّ الذرائعِ؛ لأنَّ أدْنَى الذَّوْق يدْخُل في لفظ الطّعم، فإِذا وقع النَّهْيُ عن الطُّعْم، فلا سبيل إِلى وقوع الشُّرْبِ ممَّن يتجنَّب الطعْم، ولهذه المبالغةِ لم يأْتِ الكلامُ: ومَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ. * ص *: {إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ }: استثناءٌ من الجملة الأولَىٰ، وهو قوله: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي }، أيْ: إِلاَّ من ٱغترَفَ غُرْفة بيَده، دون الكَرْع، فهو منِّي، والاستثناء إِذا تعقَّب جملتين فأكثر، أمكَنَ عَوْده إِلى كلِّ منها، فقيل: يعود على الأخيرة، وقيل: إِلى الجميع. وقال أبو البقاء: إِنْ شئْتَ، جعلته مِنْ «مَنِ» الأولَىٰ، وإِنْ شئْتَ مِنْ «مَنِ» الثانيةِ، وتُعُقِّبَ؛ بأنه لو كان استثناءً من الثانية، وهي: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي }، لَلَزِمَ أنْ يكون: {مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً } ليس منه؛ لأن الاستثناء من الإِثبات نفيٌ، ومن النفي إِثبات؛ على الصحيح، وليس كذلك؛ لأنه أبيحَ لهم الاغترافُ، والظاهر عوده إِلى الأولَىٰ، والجملةُ الثانية مفهومةٌ من الأولَىٰ، لأنه حين ذكر أنَّ من شربه، فليس منه، فُهِمَ من ذلك أنَّ مَنْ لم يشرب منه، فإِنه منه. انتهى. ثم أخبر تعالى؛ أن الأكثر شَرِبَ، وخالَفَ ما أريد منه، روي عن ابن عَبَّاس وغيره؛ أن القوم شَرِبوا على قدر يقينهم، فشرب الكُفَّار شُرْبَ الهيم، وشرب العاصُون دُون ذلك، وٱنصرفَ من القوْمِ ستَّة وسبْعُون ألفاً، وبقي بعض المؤمنين، لم يَشْرَبْ شيئاً، وأخذ بعضهم الغُرْفة، فأما مَنْ شرب، فلم يرو، بل برَّح به العطش، وأما من ترك الماء، فَحَسُنَتْ حاله، وكان أَجْلَدَ ممن أخذ الغُرْفَة. وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ...} الآية: أكثر المفسِّرين على أنه إِنَّما جاوز النَّهَرَ مَنْ لم يشرَبْ إِلا غُرْفة، ومن لم يَشْرَبْ جملةً، ثم كانَتْ بصائرُ هؤلاء مختلفةً؛ فبعضٌ كَعَّ، وقليلٌ صَمَّم، وهم عِدَّة أهل بدرٍ ثَلاثُمِائَةٍ، وبضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً. وقوله تعالى: {قَالُواْ لاَ طَاقَةَ}. قال ابن عبَّاس: قال كثير من الأربعةِ الآلافِ الباقيَةِ مع طالُوت، الذين جاوزوا النَّهَر: {لاَ طَاقَةَ لَنَا } علَىٰ جهة الفَشَل، والفزع من الموت، وٱنصرفوا عن طالوتَ، فقال المؤمنون الموقنُون بالبَعْث، والرجوعِ إِلى اللَّه تعالَىٰ، وهم عِدَّة أهل بَدْر: {كَم مِّن فِئَةٍ}، والظنُّ علَىٰ هذا القول: اليقينُ، والفئةُ: الجماعة التي يرجعُ إِليها في الشدائد، وفي قولهم - رضي اللَّه عنهم - {كَم مِّن فِئَةٍ...} الآية: تحريضٌ بالمثالِ، وحضٌّ واستشعارٌ للصبر، وٱقتداءٌ بمن صَدَق ربَّه، {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } بنصره وتأييده. وقوله تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} {بَرَزُواْ }: معناه صَارُوا في البَرَازِ، وهو الأفْيَحُ من الأرض المتَّسِع، والإِفْرَاغُ: أعظم الصبِّ، وكان جالوتُ أمير العمالقة، ومَلِكَهُم، ورُوِيَ في قصَّة داود وقَتْله جالوتَ؛ أنَّ أصحَابَ طالُوتَ كان فيهم إِخوة دَاوُد، وهم بنو أيش، وكان داود صغيراً يرعَىٰ غنَماً لأبيه، فلمَّا حضَرَتِ الحربُ، قال في نفْسه: لأذهبنَّ لرؤية هذه الحرْب، فلمَّا نهض مَرَّ في طريقه بحَجَر، فناداه: يا دَاوُد، خُذْنِي، فَبِي تَقْتُلُ جالُوتَ، ثم ناداه حَجَرٌ آخَرُ، ثم آخر، ثم آخَرُ، فأخَذَها، وجعَلَها في مِخْلاَتِهِ، وسار، فلَمَّا حَضَر البأْسُ، خَرَجَ جالُوتُ يطلب مُبَارِزاً، فكَعَّ الناسُ عَنْه؛ حتَّىٰ قال طالوتُ: مَنْ بَرَز له، ويَقْتُلُه، فأنا أزوِّجه ابنَتِي، وأحكِّمه في مالِي، فجاء داوُدُ، فقال: أنا أَبْرُزُ له، وأقتلُه، فقال له طالوت: فَٱرْكَبْ فَرَسِي، وخُذْ سلاحِي، ففَعَلَ، وخَرَج في أحْسَنِ شِكَّةٍ، فلمَّا مشَىٰ قَليلاً، رجَع، فقال الناسُ: جَبُنَ الفَتَىٰ، فقَالَ داوُد: إِنَّ اللَّه سبحانه، إِنْ لم يَقْتُلْهُ لِي، ويعينَنِي علَيْه، لم ينفعْنِي هذا الفَرَسُ، ولا هذا السِّلاحُ، ولكنِّي أحبُّ أنْ أقاتِلَهُ علَىٰ عادَتِي، قال: وكان داوُدُ من أرْمَى النَّاس بالمِقْلاعِ، فنَزَلَ، وأخَذَ مِخْلاَته، فتقلَّدها، وأخَذَ مِقْلاَعه، فخَرَج إِلى جَالُوتَ، وهو شَاكٍ فِي السِّلاحِ، فقال له جالوت: «أنْتَ، يا فَتَىٰ، تَخْرُجُ إِلَيَّ». قَالَ: نعم، قال: هكذا؛ كما يُخْرَجُ إِلى الكَلْبِ، قال: نعم، وأنْتَ أهْوَنُ، قَالَ: لأُطْعِمَنَّ اليَوْمَ لَحْمَكَ الطيرَ، والسِّبَاعَ، ثُمَّ تدَانَيَا، فأدار دَاوُدُ مِقْلاَعَهُ، وأدْخَلَ يدَهُ إِلى الحجارةِ، فرُوِيَ أنَّها ٱلْتَأَمَتْ، فصارَتْ واحداً، فأَخذه، ووضَعَه في المِقْلاَع، وسمَّى اللَّهَ، وأدارَهُ، ورَمَاه، فأصَابَ به رَأسَ جالُوت، فقتله، وحزَّ رأسَهُ، وجعَلَهُ في مِخْلاَته، وٱختَلَطَ النَّاسُ، وحَمَل أصْحَاب طالُوتَ، وكانَتِ الهزيمةُ، ثم إِنَّ داوُدَ جاء يَطْلُبُ شرطَهُ من طالُوتَ، فقال له: إِن بناتِ المُلُوكِ لهُنَّ غرائِبُ من المَهْرِ، ولا بُدَّ لك من قَتْل مائَتَيْنِ من هؤُلاَء الجَرَاجِمَةِ الذينَ يُؤْذُونَ النَّاس، وتجيئَنِي بغُلُفهِمْ، وطمع طالوتُ أنْ يُعَرِّض داوُدَ للقَتْلِ بهذه النَّزْعَة، فقَتَل داوُدُ منْهم مائَتَيْنِ، وجاء بذلك، وطَلَبَ امرأته، فدَفَعَهَا إِليه طالُوتُ، وعَظُم أمْرُ داود، فيُرْوَىٰ؛ أنَّ طالُوتَ تخلَّىٰ له عن المُلْك، وصار هو المَلِكَ، وقد أكْثَر الناس في قَصَص هذه الآية، وذلك كلُّه ليِّن الأَسانيد؛ فلذلك انتقَيْتُ منه ما تنفكُّ به الآية، ويعلم به مناقلُ النازلة. وأما الحكْمَةُ التي آتاه اللَّه، فَهِيَ النبوَّة، والزَّبُور، وعلَّمه سبحانه صَنْعَة الدُّرُوع، ومَنْطِقَ الطَّيْر، وغيْرَ ذلك من أنواع علْمه - صلَّى اللَّه علَىٰ نبيِّنا وعلَيْه ـــ. وقوله تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ...} الآية: أخبر اللَّه سبحانه في هذه الآية؛ أنه لوْلاَ دفعه بالمؤمنين في صدور الكَفَرة علَىٰ مرِّ الدَّهْر، لَفَسَدَتِ الأرْض؛ لأن الكُفْر كان يطبقها، ولكنه سبحانه لا يُخْلِي الزمانَ مِنْ قَائِمٍ بحقٍّ، وداعٍ إِلى اللَّه إِلى أنْ جعل ذلك في أمَّة محمَّد إِلَىٰ قيامِ السَّاعة له الحَمْدُ كَثيراً. * ص *: {وَلَـٰكِنَّ } استدراكٌ بإثبات الفضل للَّه سبحانه علَىٰ جميع العالمين؛ لما يتوهَّمه من يريد الفَسَاد؛ أنَّ اللَّه غير متفضِّل عليه؛ إِذ لم يبلِّغه مقاصده؛ وٱحتيج إِلَىٰ هذا التقديرِ؛ لأن «لَكِنَّ» تكونُ بين متنافِيَيْن بوجْهٍ مَّا. انتهى. والإِشارةُ بـــ {تِلْكَ } إلى ما سلف من القصص والأنباء، وفي هذه القصَّة بجملتها مثالٌ عظيمٌ للمؤمنين ومعتَبَرٌ، وقد كان أصحابُ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم معدِّين لحَرْب الكفَّار، فلهم في هذه النازلة معتَبَرٌ يقتضي تقْوِيَة النفُوسِ، والثقَةَ باللَّه سبحانه، وغيْرَ ذلك من وجوه العِبَر.
ابن عادل
تفسير : [قوله تعالى: "فَصَلَ": أي: انْفَصَلَ، فلذلك كان قاصِراً. وقيل إِنَّ أصلَه التَّعدِّي إلى مفعولٍ ولكن حُذِفَ، والتقديرُ: فَصَلَ نفسه ثم إن هذا المفعول حذف حتى صار الفعلُ كالقاصِرِ. و "بِالجُنُودِ" متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه حالٌ من "طَالُوت" أي مصاحباً لهم]. وبين جملةِ قوله: "فلمَّا فَصَلَ" وبين ما قبلَها من الجملِ جُمل محذوفةٌ يَدُلُّ عليها فحوى الكلامِ وقوتُه، تقديرُهُ: فلما أتاهم بالتَّابُوت أذعنوا له وأجابوا فَمَلَّكُوا طالوتَ، وتأهَّبوا للخروجِ، وهي كقوله: {أية : فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ}تفسير : [يوسف:45، 46]. ومعنى الفصل: القَطْعُ. يقال: فصلت اللَّحْمَ عن العَظم فَصْلاً، وفاصل الرَّجُل شريكهُ وامرأته فصالاً. ويُقالُ للفطام فِصالٌ؛ لأَنَّه يقطعُ عن الرَّضاع وفصل عن المكان قطعه بالمجاوزة عنه، قال تعالى: {أية : وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ}تفسير : [يوسف:94] والجنود جمع جُنْدٍ، وكل صنف من الخلق جُنْدٌ على حدةٍ، يقال للجراد الكثيرة: إنَّها جنود اللهِ، ومنه قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : الأَرْوَاح جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ ". تفسير : فصل روي أنَّ طَالُوت خرج من بيت المقدس بالجنود، وهم يومئذٍ سبعون ألفاً، وقيل: ثمانُون ألف مُقاتل، وذلك أَنَّهُم لمَّا رأَوا التَّابُوت لم يشكوا في النَّصْر، فساروا إلى الجهاد، فقال طالُوتُ: لا حاجة لي في كُلِّ ما أَرى، لا يخرجُ معي رجُلٌ بنى بيتاً لم يفرغ منه، ولا تاجِرٌ مشتغلٌ بالتِّجارة، ولا مَنْ تزوّج امرأة لم يبنِ بها، ولا يتبعني إلا الشاب النّشيط الفارغ، فاجتمع إليه مما اختار ثَمَانُون ألفاً، وكان في حَرٍّ شديد، فشكوا قلَّة الماءِ بينهم، وبين عدوِّهم وقالوا: إِنَّ المياه قليلة لا تحملنا، فادعُ اللهَ أن يجري لنا نهراً فقال: {إِنَّ ٱللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ}، واختلفوا في هذا القائل، فقال الأكثرون هو طالوت؛ لأنَّهُ المذكور السَّابِقُ، وعلى هذا، فإِنَّه لم يقلهُ عن نفسه، فلا بُدَّ وأن يكُون عن وحي أَتَاهُ عن رَبِّهِ وذلك يقتضي أَنَّه كان مع الملك نبيٌّ، وقيل: القائِلُ هو النَّبِيُّ المذكور في أول القِصَّةِ، وهو أشمويل عليه الصَّلاة والسَّلام، وعلى هذا التَّقدير إن قلنا: هذا الكلامُ من طالُوت، فيكون تحمَّلَهُ عن ذلك النَّبي، وحينئذٍ لا يكون طالُوت نبيّاً، وإن قلنا: الكلام من النَّبيّ فتقديره: فَلَمَّا فصل طالُوت بالجنود قال لهم نبيهم: إن اللهَ مبتليكم بنهرٍ، وفي هذا الابتلاء وجهان: الأول: قال القاضي: كان المشهُورُ من أمر بني إسرائيل مخالفة الأنبياء، والملوك مع ظهور الآيات، والمعجزات، فأراد اللهُ تعالى إظهار علامة قبل لقاء العدوّ يتميز بها الصَّابِرُ على الحرب من غيره. الثاني: أَنَّهُ تعالى ابتلاهم ليتعوَّدُوا الصَّبر على الشَّدائد والابتلاء الامتحان وفيه لغتان من "بَلاَ يَبْلُو" و "ابْتَلَى يَبْتَلِي"؛ قال: [الكامل] شعر : 1163- وَلَقَدْ بَلَوْتُكَ وَابْتَلَيْتُ خَلِيفَتِي وَلَقَدْ كَفَاكَ مَوَدَّتِي بِتَأَدُّبِ تفسير : فجاء باللُّغتين، وأصلُ الياءِ في مبتليكم واوٌ لأَنَّهُ من بلا يبلُو؛ وابتلى يَبْتَلِي، أي: اختبر، وإِنَّما قلبت لانكِسَارِ ما قبلها. قوله "بِنَهَرٍ" الجمهورُ على قراءتَه بفتح الهاء وهي اللَّغة الفصيحةُ، وفيه لغةٌ أخرى: تسكينُ الهاءِ، وبها قرأ مجاهد وأبو السَّمَّال في جميع القرآن وكلُّ ثلاثي حشوه حرف حلق، فإِنّهُ يجيء على هذين الوجهين؛ كقوله: صَخَرَ وَصَخْر وشَعَر وشَعْر وَبَحَر وَبَحْر؛ قال: [البسيط] شعر : 1164- كَأَنَّمَا خُلِقَتْ كَفَّاهُ مِن حَجَرٍ فَلَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالنِّى عَمَلُ يَرَى التَّيَمُّمَ فِي بَرٍّ وفي بَحَرٍ مَخَافَةَ أَنْ يُرَى فِي كَفِّهِ بَلَلُ تفسير : وتقدم اشتقاقُ هذه اللَّفظة عند قوله تعالى: {أية : مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}تفسير : [البقرة:25]. قوله: "فَلَيْسَ مِنِّي"، أي: من أَشياعي وأصحابي، و "مِنْ" للتَّبعيض؛ كأنه يجعلُ أصحابَه بعضه؛ ومثله قول النَّابغة: [الوافر] شعر : 1165- إِذَا حَاوَلْتَ فِي أَسَدٍ فُجُوراً فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي تفسير : ومعنى يَطْعَمْهُ: يَذُقْهُ؛ تقولُ العربُ: "طَمِعْتُ الشَّيْءَ" أي: ذُقْتُ طَعْمَهُ؛ قال: [الطويل] شعر : 1166- فَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ وَإِنْ شِئْتِ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخاً وَلاَ بَرْدَا تفسير : والنقاخ: الماءُ العذبُ المروِي، والبردُ: هو النَّومُ. فصل قال أهلُ اللُّغة: وإِنَّما اختير هذا اللَّفظُ لوجهين: أحدهما: أَنَّ الإِنسانَ إذا عطش جدّاً، ثم شربَ الماء، وأراد وصف ذلك الماء، فإِنَّهُ يصفُهُ بالطُّعُومِ اللَّذِيذة، فقوله: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ}، أي: وَإِنْ بلغ به العطشُ إلى حيث يكون الماءُ في فَمِهِ موصوفاً بالطُّعوم الطَّيِّبة؛ فإنه يجب عليه الاحتراز عنه، وألا يشرب. الثاني: أَنَّ مَنْ جعل الماءَ في فمه، وتمضمض به، ثم أخرجه فإنّه يصدق عليه أَنَّهُ ذاقه وطعمه، ولا يصدُق عليه أَنَّه شربه، فلو قال: ومن لم يشربه فإِنَّهُ مني، كان المنعُ مقصوراً على الشّرب. فلما قال: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} حصل المنعُ في الشُّربِ، والمضمضة، ومعلومٌ أَنَّ هذا التَّكليف أَشَقُّ، فإِنَّ الممنُوع من الشُّربِ، إِذَا تَمَضْمضَ بالماءِ وجد نوع خِفَّةٍ وراحةٍ. فإن قيل: هَلاَّ قيل: "وَمَنْ لَمْ يَطْْعَمْ مِنْهُ" ليكون آخر الآية مُطابقاً لأَوَّلها؟ فالجواب: إِنَّما اختير ذلك لفائدة وهي أَنَّ الفُقهاء اختلفوا في أَنَّ مَنْ حَلَفَ ألاَّ يشرب مِنَ هذا النَّهرِ. قال أبو حنيفة: لا يحنثُ إلا إِذَا كرع منهُ؛ حتى لو اغترف بكوزٍ من النَّهرِ، وشرب لا يحنث؛ لأَنَّ الشُّرب من الشَّيء هو: أَنْ يكُونَ ابتداء شُربِهِ مُتَّصلاً بذلك الشَّيء، وهذا لا يحصل إِلاَّ بالشُّرب مِنَ النَّهر. وقال الباقون: يحنثُ بالشُّرب مِنَ الكُوزِ، إذا اغترف به مِنَ النَّهر؛ لأَنَّ هذا وَإِنْ كان مجازاً، فهو مجازٌ معروفٌ، وإذا تقرَّر هذا فقوله: {مَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} ظاهره: أَنَّ النَّهْيَ مقصورٌ على الشُّرب من النَّهْرِ، حتّى لو اغترف بكُوزٍ، وشرب، لا يكُونُ داخلاً تحت النَّهي فلما كان هذا الاحتمالُ قائِماً في اللَّفظ الأَوَّل ذكر في اللَّفظ الثَّاني ما يزيلُ هذا الاحتمال، فقال: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ} أضاف الطَّعم والشّرب إلى الماء لا إلى النهر إزالة لذلك الاحتمال. فصل قال ابنُ عبَّاس، والسُّدِّيُّ: إِنَّه نهر فلسطين، وقال قتادة والرَّبيع: هو نهرٌ بين الأُردن وفلسطين قال القاضي: والتوفيقُ بين القولين: أَنَّ النَّهر المُمتد من بلدٍ إلى بلدٍ قد يُضافُ إلى أحد البلدين. وروى الزَّمخشريُّ أَنَّ الوقت كان قيظاً، فسلكوا مفازةً فسألوا أَنْ يجري اللهُ لهم نهراً، فقال: إِنَّ اللهَ مبتليكم بما اقترحتُمُوهُ مِنَ النَّهرِ. قوله: {إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ} منصوبٌ على الاستثناء، وفي المُستَثنى منه وجهان: الصَّحيح أَنَّهُ الجملةُ الأولى، وهي: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي}، والجملةُ الثانيةُ معترِضةٌ بين المُستَثنى والمُستَثنى مِنْهُ وأصلُها التَّأخيرِ، وإِنَّما قُدِّمَتْ، لأنها تَدلُّ عليها الأولى بطريقِ المفهوم، فإنَّه لمَّا قال تعالى: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي}، فُهِمَ منه أَنَّ من لم يشرب فإنَّه منه، فَلَمَّا كانت مدلولاً عليها بالمفهوم، صارَ الفصلُ بها كلا فصلٍ. وقال الزمخشريُّ: والجُمْلَةُ الثَّانيةُ في حُكم المُتَأَخِّرة، إلاَّ أَنَّها قُدِّمَتْ للعناية، كما قُدِّمَ "والصَّابِئُونَ" في قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ}تفسير : [المائدة:69]. والثاني: أَنَّهُ مستثنى من الجملة الثَّانية، وإليه ذهب أبو البقاء. قال شهاب الدين: وهذا غيرُ سديدٍ لأنه يؤدِّي إلى أَنَّ المعنى: ومَنْ لم يطعمْه فإِنَّهُ مِنِّي، إلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرفة بيده؛ فإنه ليس مني، لأَنَّ الاسْتثناء من النَّفْي إثباتٌ، ومن الإِثبات نفيٌ، كما هو الصَّحيحُ، ولكن هذا فاسدٌ في المعنى؛ لأنهم مفسوحٌ لهم في الاغترافِ غرفةً واحدةً. والاستثناءُ إذا تعقَّبَ الجُمَلَ، وصلح عَوْدُهُ على كلٍّ منها هل يختصُّ بالأخيرة، أم لا؟ خلافٌ مشهورٌ، فإنْ دلَّ دليلٌ على اختصاصِهِ بإحدى الجُمَلِ عمِلَ به، والآيةُ من هذا القبيل، فإنَّ المعنى يعودُ إلى عودِهِ إلى الجُملة الأولى، لا الثَّانية لِمَا قَرَّرْنَاهُ. وقرأ الحرمِيَّان وأبو عمرو: "غَرْفَة" بفتح الغين وكذلك يعقوب وخلفٌ. والباقون بضمها. فقيل: هما بمعنى المصدر، إلاَّ أنهما جاءا على غير الصَّدر كنبات من أَنْبَتَ، وَلَوْ جاءَ على الصَّدر لقيل: اغترافاً. وقيل: هما بمعنى المُغْتَرف كالأَكل بمعنى المأكولِ. وقيل: المَفْتوح مصدرٌ قُصِدَ به الدَّلالة على الوحدةِ، فإنَّ "فَعْلَة" يدُلُّ على المَرَّة الواحدة، ومثله الأكلة يقال فلان يأكل بالنهار أكلة واحدة والمضمُومُ بمعنى المفعول، فحيثُ جعلتهما مَصْدراً فالمفعولُ [محذوفٌ، تقديره: إلاَّ مَن اغترف ماءً، وحيثُ جعلتهما بمعنى المفعول] كانا مفعولاً به، فَلا يُحتاج إلى تقديرِ مَفْعُولٍ. ويدل على الشَّيء الَّذي يحصُلُ بالكَفِّ كاللُّقمة والحُسْوة والخُطوةِ بالضم، والحُزَّة القطعة اليسيرة من اللحم. قال القرطبيُّ: وقال بعضهم: الغرفة بالكَفّ الواحد، والغُرفة بالكفين. وقال المبرِّدُ "غَرْفَةً" بالفتح مصدر يقعُ على قليل ما في يده وكثيره وبالضَّمِّ اسم ملء الكف، أو ما اغترف به، فحيثُ جعلتهما مصدراً، فالمفعولُ محذوفٌ تقديره: إِلاَّ من اغترف ماءً، وحيثُ جعلتهما بمعنى المفعول كان مفعولاً به، فلا يحتاجُ إلى تقديره مفعولٍ ونُقِلَ عن أبي علي أَنَّهُ كان يُرَجِّح قراءة الضَّمِّ؛ لأَنَّه في قراءةِ الفتح يجعلها مصدراً، والمصدرُ لا يوافق الفعل في بنائِهِ، إِنَّما جاءَ على حذفِ الزوائد وجعلُها بمعنى المفعول لا يحوج إلى ذلك فكان أرجح. قوله: "بِيَدِهِ" يجوزُ أن يتعلَّق بـ "اغْتَرَفَ" وهو الظَّاهر. ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه نعتٌ لـ "غُرْفَة"، وهذا على قولنا: بأن "غُرْفَة"، بمعنى المفعول أَظْهر منه على قولنا: بأنها مَصْدَرٌ، فإنَّ الظَّاهِرَ من الباء على هذا أن تكون ظرفيَّةٌ، أي: غُرفةً كائِنَةً في يده. فصل قال ابن عباس: كانت الغرْفَةَ تَشْرَبُ منها هو، ودوابُّهُ، وخدمه، ويحمل منها. قال ابن الخطيب: وهذا يحتملُ وجهين: أحدهما: أَنَّهُ كان مَأْذوناً له أَنْ يأخذ من الماء ما شاء مرَّةً واحِدَةً بغرفةٍ واحدةٍ بحيثُ كان المأْخُوذُ من المرَّةِ الواحدة يكفيه، ودوابُّهُ، وخدمه، ويحمل باقيه. والثاني: أَنَّهُ كان يأخذُ القليل فيجعل اللهُ فيه البركة حتَّى يكفِي كُلَّ هؤلاء؛ فتكون معجزة لنبيّ ذلك الزَّمان كما أَنَّهُ تعالى كان يَروِي الخلق العظيم من الماءِ القليل في زمن محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام -. فصل قال القرطبي: قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ} يدلُّ على أَنَّ الماء طعامٌ، فإذا كان طعاماً، كان قُوتاً للأَبدان به، فوجب أن يجري فيه الرِّبا. قال ابن العربيّ وهو الصَّحيح من المذهب، ورَوَى أبو عمر عن مالكٍ قال: لا بأس ببيع الماء بالماءِ متفاضلاً، وإلى أجلٍ، وهو قول أَبي حنيفة، وأبي يوسف وقال محمَّد بن الحسن: هو مِمَّا يُكال ويوزن فعلى هذا لا يجُوزُ عندهُ التفاضل. فصل قال ابن العربيِّ: قال أبو حنيفة: إذا قال الرَّجُلُ إذا شرب عبدي من الفراتِ فهو حرّ، فلا يُعتق إِلاَّ أَنْ يكرع فيه، والكرعُ: أَنْ يشرب الرَّجُلُ بفيه مِنَ النَّهر، فَإِنْ شرب بيده، أو اغترف منه بإِناءٍ، لم يعتق، لأنَّ اللهَ ـ تعالى ـ فرَّق بين الكرع في النَّهر، وبين الشّرب باليدِ. قال: وهذا فاسِدٌ لأَنَّ شُرب الماء يُطلق على كُلِّ هيئةٍ وصفةٍ في لسان العرب من غرف باليد، أو كرع بالفم انطلاقاً واحداً. قال القرطبي: وقول أبي حنيفة أصحّ؛ لأَنَّ أهل اللُّغة فرَّقوا بينهما، كما فرَّق الكتابُ والسُّنَّةُ. قال الجوهريُّ وغيره: كرع من الماء كروعاً: إذا تناوله بفيه من موضعه، من غير أَنْ يشرب بكفيه، أو بإناءٍ، وفيه لغة أخرى "كرعَ" بكسر الرَّاء كَرَعاً. وَأَمَّا السُّنَّة، حديث : فما رُويَ عن ابن عمر قال: مررنا على بِرْكةٍ، فجعلنا نكرعُ فيها فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَكْرَعُوا وَلَكِن اغْسِلُوا أَيْدِيكُمْ ثُمَّ اشْرَبُوا فيها، فَإِنَّها ليس إِناءٌ بأَطيب مِنَ اليَدِ" تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : مَنْ شَرِبَ بيَدِهِ وَهُوَ يَقْدِرُ على إِناءٍ يُريدُ بِهِ التَّواضُع كَتَبَ اللهُ بِعَدَدِ أَصَابِعِهِ حَسَنَاتٍ وهو إِناء عيسى ابن مريم - عليه الصلاة والسّلام - إذا اطَّرَح القدح فقال أَفّ هذا مع الدّنيا" تفسير : أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر. قوله: {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً} هذه القراءةُ المشهورةُ، وقرأ عبد الله، وأُبَيّ والأعمش "إِلاَّ قَليلٌ" وتأويله أنّ هذا الكلام وإِنْ كان موجباً لفظاً فهو منفيّ معنى، فإنه في قُوَّة: لم يُطيعوه إلا قليلٌ منهم، فلذلك جعلهُ تابعاً لِمَا قبلهُ في الإِعْرابِ. قال الزَّمخشريُّ: وهذا مِنْ مَيْلِهم مع المعنى والإِعراضِ عن اللَّفظ جانباً، وهو بابٌ جليلٌ من عِلْم العربيةِ، فلمَّا كان معنى "فَشَرِبُوا مِنْهُ" في معنى "فلم يُطِيعوه" حمل عليه، ونحوه قول الفرزدق: "لم يَدَعْ مِنَ المَالِ إِلاَّ مُسْحَتاً أو مُجَلَّفُ" يشير إلى قوله: [الطويل] شعر : 1167- وَعَضُّ زَمَانٍ يَا بْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المَالِ إِلاَّ مُسْحَتاً أَوْ مُجَلَّفُ تفسير : فإنَّ معنى "لَمْ يَدَعْ مِنَ المَالِ إِلاَّ مُسْحَتاً" لم يبقَ من المالِ إِلاَّ مُسْحَتٌ، فلذلك عطف عليه "مُجَلَّفُ" بالرَّفع مُراعاة للمعنى المذكور. وفي البيت وجهان آخران، أحدهما.. ولا بُدَّ من ذكر هذه المسألة لعموم فائدتها فأقول: إذا وقع في كلامهم استثناءٌ موجبٌ نحو: "قَامَ القَوْمُ إِلاَّ زَيْداً" فالمشهورُ وجوبُ النَّصب على الاستثناءِ. وقال بعضهم: يجوزُ أن يَتْبَعَ ما بعدَ "إِلا" ما قبلها في الإِعراب فتقول: "مَرَرْتُ بالقوم إلا زيدٍ" بجرّ "زَيْدٍ" واختلفوا في تابعيَّة هذا، فعبارةُ بعضهم أَنَّهُ نعتٌ لما قبلَه، ويقولُ: إنه يُنْعَتُ بإِلاَّ، وما بعدها مُطْلقاً سواءً كان متبوعُها معرفةً، أم نكرةً مضمراً، أم ظاهراً، وهذا خارجٌ عن قياس باب النَّعتِ لما قد عرَفْتَ فيما تقدَّم. ومنهم مَنْ قال: لا يُنْعَتُ بها إِلاَّ نكرةً، أو معرفةً بأل الجنسيّةِ لقربها من النّكرة. ومنهم مَنْ قال: قَولُ النَّحويين هنا نعتٌ: إِنَّما يعنُون به عطفَ البيانِ؛ ومن مَجِيء الإتباع بما بعد "إِلاَّ" قوله: [الوافر] شعر : 1168- وَكُلُّ أَخٍ مُفارِقُهُ أَخُوهُ لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلاَّ الفَرْقَدَانِ تفسير : فصل لما ذكر تعالى أَنّ هذا الابتلاء ليتميز المُطِيعُ مِنَ المخالف، أخبر بعد ذلك بأَنَّهُم لما هجموا على النَّهرِ شرب أَكثرهم، وأطاع قليلٌ، فلم يشربوا، فأَمَّا الَّذين شربُوا فَرُوي أَنَّهم اسودَّت شفاههم وغلبهم العطش، ولم يرووا، وبقوا على شَطّ النَّهر وجبنوا عن لقاءِ العدُوّ، وأَمَّ الَّذين أطاعوا، فقوي قلبهم، وصحَّ إِيمانهُمُ. قال السُّدِّيُّ: كانوا أربعة آلاف، وقال الحسن، وهو الصَّحيح: أنهم كانُوا على عَدَدِ أهل بدرِ ثلاثمائة، وبضعة عشر، ويدُلُّ عليه "حديث : قوله عليه الصَّلاة والسَّلام لأصحابه يوم بدر: أَنَّتُمُ اليَوْمَ عَلَى عَدَدِ أَصْحَابِ طَالُوت حين عَبَرُوا النَّهَر، وَمَا جَازَ مَعَهُ إِلاَّ مُؤمنٌ ". تفسير : قال البراء بن عازب: وكنا يومئذٍ ثلاثمائة، وثلاثة عشر رجلا ولا خلاف بين المُفسِّرين أَنَّ الذين عصوا رجعوا إلى بلدهم، وإنما اختلفوا هل كان رجوعهم بعد مجاوزة النهر أو قبله؟ والصَّحيح: أنَّهُم لم يجاوزوا النَّهر، وإِنَّما رجعوا قبل المجاوزة لقوله تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ}. قال ابن عبَّاس والسُّدِّيُّ: كان المُخالِفون أهل شكٍّ، ونِفاقٍ، فقالوا: {لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} فانحرفوا، ولم يجاوزُوا النَّهرَ. وقال آخرون: بل جاوزُونا النَّهرَ، وإنما كان رجوعهم بعد المجاوزة، ومعرفتهم بجالوت، وجنوده؛ لقولهم {لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ}. قوله: {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً} وهذا يدلُّ على أَنَّهُم حين لاقوا العدوّ، وعاينوا كثرتهم انقسموا فرقتين إحداهما: رجعت وهي المخالفة، وبقيت المطيعة. قوله: {جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} "هو" ضميرٌ مرفوعٌ منفصِلٌ مؤكِّدٌ للضّمير المستكنِّ في "جَاوَزَ". قوله: "والَّذِين" يحتملُ وجهين: أظهرهما: أنه عطفٌ على الضَّمير المستكنِّ في "جَاوَزَ" لوجود الشَّرط، وهو توكيدُ المعطوفِ عليه بالضَّمير المنفصلِ. والثاني: أَنْ تكُون الواوُ للحالِ، قالوا: ويلزَمُ من الحالِ أن يكونُوا جاوزوا معه، وهذا القائلُ يجعلُ "الَّذِينَ" مبتدأ، والخبرَ قالوا: "لاَ طَاقَةَ"؛ فصار المعنى: "َفَلمَّا جَاوَزَهُ، والحالُ أنَّ الَّذِين آمنوا قالوا هذه المقالة"، والمعنى ليس عليه. ويجوزُ إدغامُ هاء "جَاوَزَهُ" في هاء "هُو"، ولا يُعْتدُّ بفصلِ صلةِ الهاءِ؛ لأنها ضعيفةٌ، وإِنْ كان بعضهم استضعف الإِدغام، قال: "إِلاَّ أَنْ تُخْتَلَسَ الهاءُ"، يعني: فلا يبقى فاصلٌ. وهي قراءة أبي عمرو، وأدغم أيضاً واوَ "هُوَ" في واو العطف بخلاف عنه، فوجه الإِدغام ظاهرٌ لالتقاءِ مثلين بشروطِهما. ومَنْ أظهر وهو ابن مجاهدٍ، وأصحابُهُ قال: "لأَنَّ الواو إِذا أُدْغِمَت سَكَنَتْ، وإذا سكنت صَدَقَ عليها أنها واوٌ ساكنة قبلها ضمَّةٌ، فصارَت نظير: {أية : ءَامَنُواْ وَكَانُواْ}تفسير : [يونس:63] فكما لا يُدغم ذاك لا يدغم هذا. وهذه العِلَّةُ فاسدةٌ لوجهين: أحدهما: أنها ما صارَتْ مثلَ "آمنوا، وكانوا" إلا بعد الإِدغام، فكيف يُقال ذلك؟ وأيضاً فإِنَّهُم أدغموا: {أية : يَأْتِيَ يَوْمٌ}تفسير : [البقرة:254] وهو نظيرُ: {أية : فِي يَوْمٍ}تفسير : [إبراهيم:18] و {أية : ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ}تفسير : [الناس:4] بعين ما عَلَّلوا به. وشرطُ هذا الإِدغام في هذا الحرف عند أبي عمرو ضمُّ الهاءِ، كهذه الآية، ومثله: {أية : هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ}تفسير : [آل عمران:18] {أية : هُوَ وَجُنُودُهُ}تفسير : [القصص:39]، فلو سكنت الهاءُ؛ امتنع الإِدغامُ نحو {أية : وَهُوَ وَلِيُّهُمْ}تفسير : [الأنعام:127] ولو جرى فيه الخلافُ أيضاً لم يكن بعيداً، فله أُسوة بقوله: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ}تفسير : [الأعراف:199] بل أولى لأَنَّ سكون هذا عارضٌ بخلافِ: "الْعفوَ وأمر". قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ}. ليس المراد منه المعيّة في الإِيمان، لأنَّ إيمانهم لم يكُن مع إِيمان طَالُوت، بل المراد: أَنَّهم جاوزا النَّهر معه لأَنَّ لفظ "مع" لا تقتضي المعيَّة لقوله تعالى: {أية : فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً}تفسير : [الشرح:5] واليسر لا يكون مع العسر. قوله: {لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ} [لنَا] هو: خبر "لا"، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، ولا يجوزُ أن يتعلَّقَ بطاقة، وكذلك ما بعده من قوله "اليَومَ" و "بِجَالُوتَ"؛ لأنه حينئذٍ يصير مُطَوَّلاً والمُطَوَّلُ ينصبُ منوناً، وهذا كما تراهُ مبنيّاً على الفتح، بل "اليَوْمَ" و "بِجَالُوتَ" متعلِّقان بالاستقرار الَّذي تعلَّق به "لنَا". وأجاز أبو البقاء: أن يكون "بِجَالُوتَ" هو خبرَ "لا"، و "لنَا" حينئذٍ: إِمَّا تبيينٌ أو متعلِّقٌ بمحذوف على أَنَّه صفةٌ لطاقة. والطَّاقةُ: القُدرةُ وعينُها واو؛ لأَنَّها مِنَ الطَّوقِ وهو القُدرةُ، وهي مصدرٌ على حذفِ الزَّوائدِ، فإِنَّها من "أَطَاقَ" ونظيرها: أجَابَ جابةً، وأَغَارَ غارةً، وَأَطَاعَ طَاعةً. و "جالوت" اسمٌ أعجميٌّ ممنوعُ الصرفِ، لا اشتقاقَ له، وليس هو فَعَلوتاً من جال يَجُول، كما تقدَّم في طَالُوت، ومثلهما داود. قوله: {كَم مِّن فِئَةٍ} "كَمْ" خبريةٌ، فإنَّ معناها التَّكثيرُ، ويدلُّ على ذلك قراءة أبي: "وكَائِن"، وهي للتكثير، ومحلُّها الرَّفعُ بالابتداء، و "مِنْ فِئَةٍ" تمييزُها، و "مِنْ" زائدةٌ فيه. وأكثرُ ما يجيءُ مميِّزها، ومميِّز "كَائِن" مجروراً بمِنْ، ولهذا جاء التنزيلُ على ذلك، وقد تُحْذفُ "مِنْ" فيُجَرُّ مميِّزها بالإِضافة لا بمِنْ مقدرةً على الصَّحيح، وقد يُنصَبُ حَمْلاً على مُميِّز "كَم" الاستفهامية، كما أَنَّهُ قد يُجَرُّ مميِّز الاستفهاميّةِ حَمْلاً عليها، وذلك بشروطٍ ذكرها النُّحاةُ. قال الفرَّاء: لو ألغيت "مِنْ" هاهنا جاز فيه الرَّفع والنَّصبُ والخفضُ. أَمَّا النَّصبُ فلأنّ "كم" بمنزلة عددٍ، فينصب ما بعدهُ نحو: عشرونَ رجلاً. وَأَمَّا الخَفْضُ، فبتقدير دخول حرف "من" عليه. وأَمَّا الرَّفعُ، فعلى نيَّة الفِعْل تقديره "كم غلبت فئةٌ" ومِنْ مجيءِ "كَائِن" منصوباً قولُ الشاعر: [الخفيف] شعر : 1169- أُطْرُدِ اليَأْسَ بالرَّجَاءِ فَكَائِنْ آلِماً حُمَّ يُسْرُهُ بَعْدَ عُسْرِ تفسير : وَأَجازُوا أَنُ يكونَ "مِنْ فِئَةٍ" في محلِّ رفع صفةً لـ "كم" فيتعلَّق بمحذوفٍ. و "غَلَبَت" هذه الجملةُ هي خبرُ "كم" والتقديرُ: كثيرٌ من الفئاتِ القليلةِ غالبٌ الفئاتِ الكثيرةَ. وفي اشتقاق "فئة" قولان: أحدهما: أنها من فاء يَفِيء، أي: رجع فَحُذِفَتْ عينُها ووزنُها فِلَة. والثاني: أَنَّها مِنْ فَأَوْتُ رأسَه أي: كسرتُه، فحُذِفت لامُها ووزنُها فِعَة كمئة، إِلاَّ أَنَّ لامَ مئة ياءٌ، ولامَ هذه واوٌ، والفِئَةُ: الجماعةُ من النَّاسِ قلَّت، أو كثرت، وهي جمعٌ لا واحد له من لفظه، وجمعها: فئات وفئون في الرَّفع، وفئين في النَّصب والجرِّ، ومعناها على كلٍّ من الاشتقاقين صحيحٌ، فإنَّ الجماعَةَ من النَّاسِ يَرْجِعُ بعضهم إلى بعضٍ، وهم أيضاً قطعةٌ من النَّاسِ كقطَعِ الرَّأْسِ المكسَّرة. قوله: {بِإِذْنِ ٱللهِ} فيه وجهان. أَظهرهُمَا: أنَّه حالٌ فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، والتَّقدير: ملتبسين بتيسير الله لهم. والثاني: أَنَّ الباءَ للتَّعْدية، ومجرورها مفعولٌ به في المعنى، ولهذا قال أبو البقاء: "وإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَها مَفْعُولاً به". وقوله: {وَٱللهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} مبتدأٌ وخبرٌ، وتحتمِل وجهين: أحدهما: أن يكون محلُّها النَّصْبَ على أنها من مقولهم. والثاني: أنَّها لا محلَّ لها من الإِعراب، على أَنّها استئنافٌ أَخْبَرَ اللهُ تعالى بها. فصل في المقصود بالظن في الآية اختلفوا في الظن المذكور في قوله تعالى: {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللهِ}. وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: قال قتادة: المراد من لقاء الله الموت. قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لقاءَه وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ"تفسير : . وهؤلاء المؤمنون، لما وطَّنُوا أنفسهم على القتل، وغلب على ظنهم أَنَّهُم يموتون وصفهم بأنهم يظنون أنهم ملاقوا ثواب الله. وثانيها: قال أبو مسلم: معناه يظنون أَنَّهُم ملاقو ثواب الله بسبب هذه الطاعة، وذلك لأَنَّ أحداً لا يعلمُ بما فيه عاقبة أمره وَإِنَّما يكون ظاناً راجياً وإِن بلغ في طاعة الله ما بلغ. وثالثها: أَنَّهم ذكروا في تفسير السَّكينة قول بعض المفسِّرين: إِنَّ التَّابوت كان فيه كُتُبٌ إِلَهيَّةٌ، نزلت على الأَنبياء المُتَقَدِّمين دالَّةٌ على حُصًولِ النَّصر، والظّفر لِطَالُوتَ، وجنوده ولكنه لم يكن في تلك الكُتُبِ أَنَّ النَّصْر والظّفر يحصلُ في المرةِ الأولى، أو بعدها، فهم وإِنْ كانوا قاطعين بالنصر ولكنهم ظَنُّوا: هل هُوَ في تلك المَرَّةِ، أو بعدَها؟! رابعها: قال كثير من المفسرين: يظنون: أي يعلمون، فأطلق الظن وأراد به العلم كقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}تفسير : [البقرة:46] ووجه المجاز ما بين الظن واليقين من المشابهة في تأكيد الاعتقاد. والمراد من قولهم: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللهِ} تَقْويةُ قلوب الَّذِينَ قالوا: {لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ}، والمعنى: لا عِبرة بكثرةِ العددِ، وإِنَّما العبرةُ بالتَّأْييد الإِلهي، ثم قال: {وَٱللهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}. وهذا من تَمامِ قولهم، ويحتمل أَنْ يكُونَ قولاً من اللهِ تعالى، والأَوَّلُ أَظهرُ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: خرجوا مع طالوت وهم ثمانون ألفاً، وكان جالوت من أعظم الناس وأشدهم بأساً، فخرج يسير بين يدي الجند فلا تجتمع إليه أصحابه حتى يهزم هو من لقي، فلما خرجوا قال لهم طالوت {إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني} فشربوا منه هيبة من جالوت، فعبر منهم أربعة آلاف ورجع ستة وسبعون ألفاً، فمن شرب منه عطش، ومن لم يشرب منه إلا غرفة روي {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه} فنظروا إلى جالوت رجعوا أيضاً و {قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} فرجع عنه ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون، وجلس في ثلثمائة وبضعة عشر عدة أهل بدر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {إن الله مبتليكم بنهر} يقول: بالعطش، فلما انتهوا إلى النهر - وهو نهر الأردن - كرع فيه عامة الناس فشربوا، فلم يزد من شرب إلا عطشاً، وأجزأ من اغترف غرفة بيده وانقطع الظمأ عنه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {فلما فصل طالوت بالجنود} غازياً إلى جالوت قال طالوت لبني إسرائيل {إن الله مبتليكم بنهر} بين فلسطين والأردن، نهر عذب الماء طيبه، فشرب كل إنسان كقدر الذي في قلبه، فمن اغترف غرفة واطاعه روي بطاعته، ومن شرب فأكثر عصى فلم يرو {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه} قال الذين شربوا {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون} الذين اغترفوا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {إن الله مبتليكم بنهر} قال: نهر فلسطين. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في الآية قال: كان الكفار يشربون فلا يروون، وكان المسلمون يغترفون غرفة فيجزئهم ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: في تلك الغرفة ما شربوا وسقوا دوابهم. وأخرج سعيد بن منصور عن عثمان بن عفان أنه قرأ {إلا من اغترف غرفة} بضم الغين. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {فشربوا منه إلا قليلاً منهم} قال: القليل ثلثمائة وبضعة عشر، عدة أهل بدر. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن البراء قال: كنا أصحاب محمد نتحدث أن أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلثمائة. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر "حديث : أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقي، وكان الصحابة يوم بدر ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: كان عدة أصحاب طالوت يوم جالوت ثلثمائة وبضعة عشر. وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيدة قال: عدة الذين شهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بدراً كعدد الذين جاوزوا مع طالوت النهر، عدتهم ثلثمائة وثلاثة عشر. وأخرج إسحاق بن بشر في المبتدأ وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: كانوا ثلثمائة ألف وثلاثة آلاف وثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، فشربوا منه كلهم إلا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، عدة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فردهم طالوت ومضى في ثلثمائه وثلاثة عشر، وكان اشمويل دفع إلى طالوت درعاً فقال له: من استوى هذا الدرع عليه فإنه يقتل جالوت بإذن الله تعالى، ونادى منادي طالوت، من قتل جالوت زوجته ابنتي، وله نصف ملكي ومالي. وكان الله سبب هذا الأمر على يدي داود بن ايشا، وهو من ولد خصرون بن فارض بن يهود بن يعقوب. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {الذين يظنون أنهم ملاقو الله} قال: الذين يستيقنون. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {الذين يظنون أنهم ملاقو الله} قال: الذين شروا أنفسهم لله ووطنوها على الموت. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: تلقى المؤمنين بعضهم أفضل من بعض جداً، وعزماً وهم كلهم مؤمنون
ابو السعود
تفسير : {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ} أي انفصل بهم عن بـيت المقدسِ والأصلُ فصلَ نفسَه، ولما اتحد فاعلُه ومفعولُه شاع استعمالُه محذوفَ المفعول حتى نزل منزِلة القاصِرِ كانفصل، وقيل: فصَل فصُولاً وقد جُوّز كونه أصلاً برأسه ممتازاً من المتعدي بمصدره كوقف وقوفاً ووقَفه وقفاً وكصدَّ صُدوداً وصدَّه صداً ورجَع رجوعاً ورجَعه رجعاً، والباء متعلقة بمحذوف وقع حالاً من طالوت أي ملتبساً بهم ومصاحباً لهم. رُوي أنه قال لقومه: «لا يخرج معي رجل بنىٰ بناءً لم يفرُغْ منه ولا تاجرٌ مشتغلٌ بالتجارة ولا متزوجٌ بامرأة لم يبْنِ عليها ولا أبتغي إلا الشابَّ النشيطَ الفارغ» فاجتمع إليه ممن اختارهم ثمانون ألفاً وكان الوقت قَيظاً وسلكوا مفازةً فسألوا أن يُجرِيَ الله تعالى لهم نهراً فبعد ما ظهر له ما تعلقت به مشيئتُه تعالى من جهة النبـي عليه السلام أو بطريق الوحي عند من يقول بنبوته {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ} بفتح الهاء وقرىء بسكونها {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ} أي ابتدأ شُربه من النهر بأن كرَع لأنه الشرب منه حقيقة {فَلَيْسَ مِنّي} أي من جُملتي وأشياعي المؤمنين وقيل: ليس بمتصلٍ بـي ومتحدٍ معي من قولهم: فلان مني كأنه بعضُه لكمال اختلاطِهما {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} أي لم يذُقه من طعِم الشيءَ إذا ذاقه مأكولاً كان أو مشروباً أو غيرَهما قال: [الطويل] شعر : وإن شئت حرمتُ النساءَ سواكم وإن شئت لم أطعَمْ نُقاخاً ولا بردا تفسير : أي نوماً {فَإِنَّهُ مِنّى إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} استثناء من قوله تعالى: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي} [البقرة، الآية: 249] وإنما أُخّر عن الجملة الثانية لإبراز كمالِ العناية بها ومعناه الرخصةُ في اغتراف الغرفةِ باليد دون الكَرْع والغرفة ما يُغرَف، وقرىء بفتح الغين على أنها مصدرٌ والباء متعلقةٌ باغترف أو بمحذوف وقعَ صفةً لغرفة أي غرفةً كائنةً بـيده. يُروىٰ أن الغرفة كانت تكفي الرجل لشربه وإدواتِه ودوابِّه وأما الذين شرِبوا منه فقد اسودت شفاهُهم وغلبهم العطشُ {فَشَرِبُواْ مِنْهُ} عطفٌ على مقدر يقتضيه المقامُ أي فابتلُوا به فشرِبوا منه {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ} وهم المشارُ إليهم فيما سلف بالاستثناء من التولي وقرىء إلا قليلٌ منهم ميلاً إلى جانب المعنىٰ وضرباً عن عُدوة اللفظِ جانباً فإن قوله تعالى: {فَشَرِبُواْ مِنْهُ} في قوة أن يقال: فلم يُطيعوه فحُقَّ أن يرد المستثنى مرفوعاً كما في قول الفرزدق: [الطويل] شعر : وعضُّ زمانٍ يا ابنَ مروانَ لم يدَع من المال إلا مُسحَتٌ أو مُجلِّفُ تفسير : فإن قوله لم يدع في حكم لم يبق {فَلَمَّا جَاوَزَهُ} أي النهرَ {هُوَ} أي طالوتُ {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ} عطفٌ على الضمير المتصلِ المؤكدِ بالمنفصل، والظرفُ متعلقٌ بجاوزَ لا بآمنوا وقيل: الواوُ حالية والظرفُ متعلقٌ بمحذوف وقع خبراً من الموصول كأنه قيل: فلما جاوزه والحالُ أن الذين آمنوا كائنون معه وهم أولئك القليلُ وفيه إشارةٌ إلى أن مَنْ عداهم بمعزل من الإيمان {قَالُواْ} أي بعضُ مَنْ معه من المؤمنين لبعضٍ {لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} أي بمحاربتهم ومقاومتِهم فضلاً عن أن يكونَ لنا غلبةٌ عليهم لما شاهدوا من الكثرة والشدة، قيل: كانوا مائةَ ألفِ مقاتلٍ شاكي السِّلاح {قَالَ} استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا قال مخاطبُهم؟ فقيل قال: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ ٱللَّهِ} قيل: أي الخُلَّصُ منهم الذين يوقنون بلقاءِ الله تعالى بالبعث ويتوقّعون ثوابَه، وإفرادُهم بذلك الوصف لا ينافي إيمانَ الباقين فإن درجاتِ المؤمنين في التيقن والتوقع مُتفاوتةٌ أو الذين يعلمون أنهم يُستشهدون عما قريب فيلقَوْن الله تعالى، وقيل: الموصولُ عبارةٌ عن المؤمنين كافةً والضميرُ في قالوا للمنخذِلين عنهم كأنهم قالوه اعتذاراً عن التخلُّف والنهرُ بـينهما. {كَم مّن فِئَةٍ} أي فِرْقة وجماعة من الناس من فأَوْتُ رأسَه إذا شققتها أو من فاء إليه إذا رجَع فوزنُها على الأول فِعةٌ وعلى الثاني فِلَةٌ {قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً} وكم خبرية كانت أو استفهامية مفيدةٌ للتكثير وهي في حيز الرفعِ بالابتداء خبرُها غلبتْ أي كثيرٌ من الفئات القليلةِ غلبت الفئاتِ الكثيرةَ {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بحُكمه وتيسيرِه فإن دورانَ كافةِ الأمور على مشيئته تعالى فلا يذِلُّ من نصرَه وإن قل عددُه ولا يعِزُّ مَنْ خَذله وإن كثُرت أسبابُه وعُددُه وقد روُعيَ في الجواب نُكتةٌ بديعة حيث لم يقُلْ أطاقت بفئة كثيرةٍ حسبما وقع في كلام أصحابهم مبالغةً في رد مقالتِهم وتسكينِ قلوبهم، وهذا كما ترى جواب ناشىء من كمال ثقتِهم بنصر الله تعالى وتوفيقه ولا دخل في ذلك لظن لقاءِ الله تعالى بالبعث لا سيما بالاستشهاد فإن العلمَ به ربما يورِثُ اليأسَ من الغَلَبة ولا لتوقُّع ثوابِه تعالى ولا ريب في أن ما ذُكر في حيز الصلةِ ينبغي أن يكونَ مداراً للحكم الواردِ على الموصول فلا أقلَّ من أن يكون وصفاً ملائماً له، فلعل المرادَ بلقائه تعالى لقاءُ نصرِه وتأيـيدُه عُبر عنه بذلك مبالغةً كما عُبر عن مقارَنةِ نصرِه تعالى لمعيَّته سبحانه حيث قيل: {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} فإن المرادَ به معيّةُ نصرِه وتوفيقِه حتماً، وحملُها على المعية بالإثابة كما فعل يأباه أنهم إنما قالوه تتميماً لجوابهم وتأيـيداً له بطريق الاعتراضِ التذيـيليِّ تشجيعاً لأصحابهم وتثبـيتاً لهم على الصبر المؤدي إلى الغَلَبة، ولا تعلّقَ له بما ذكر من المعية بالإثابة قطعاً وكذا الحالُ إذا جُعل ذلك ابتداءَ كلامٍ من جهة الله تعالى جيء به تقريراً لكلامهم، والمعنى قال الذين يظنون أو يعلمون من جهة النبـي أو من جهة التابوتِ والسكينة أنهم ملاقو نصرِ الله العزيزِ: كم من فئةٍ قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله تعالى فنحن أيضاً نغلِبُ جالوتَ وجنودَه، وإيرادُ خبرِ أن اسماً مع أن اللقاءَ مستقبلٌ للدَلالة على تقرره وتحققه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} [الآية: 249]. قال أبو عثمان: معنى هذه الآية إن هذا مثلٌ ضربه الله للدنيا وأهلها أن من اطمأن إليها وأكثر منها فليس من الله فى شىء، ومن أعرض عنها ومقتها فهو الذى هيأه الله لقربه إلا من تناول منها بمقدار ما يقيم صلبه للطاعة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}. الإشارة من هذه الآية أن الله سبحانه ابتلى الخَلْق بصحبة الخلْق وبالدنيا وبالنَّفس، ومن كانت صحبته مع هذه الأشياء على حدِّ الاضطرار بمقدار القوام، وما لا بد منه نجا وسَلِمَ، ومن جاوز حد الاضطرار وانبسط في صحبته مع شيء من ذلك من الدنيا والنفس والخلْق بموجب الشهادة والاختيار - فليس من الله في شيء إنْ كان ارتكاب محظور، وليس من هذه الطريق في شيء إن كان على جهة الفضيلة وماله منه بُدٌّ. ثم قال جلّ ذكره: {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ}. كذلك الخواص في كل وقت يقل عددهم ولكن يجل قدرهم. قوله جلّ ذكره: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ}. فنظروا إلى الحال بعين الظاهر فَدَاخَلَهم شيء من رعب البشرية، فربط الله على قلوبهم بما ذكَرهم من نصرة الحق سبحانه لأوليائه إذا شاء. قوله جلّ ذكره: {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}. لا بهم ولكن بإذن الله، بمشيئته وعونه ونصرته، والله مع الصابرين بالنصرة والتأييد والقوة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} الاية امتحتنهم بمجاهدة نفوسهم قبل محاربة عدوهم لينظر كيف يكون خلوصهم من جهاد الاكبر قبل شروعهم فى جهاد الاصغر لان من يعجز عن مجاهدة نفسه لايصلح لمحاربة غيره وتصديق ذلك قوله تعالى فى حق المبتلين الذين تجاوزوا عن الحد الذى سنن لهم وشربوا من النهر اكثر ما امرهم {قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} والذين اخرجوا عن محاربة نفوسهم وصرعوها فى ميادين الذين والاهانة فيصلحون لجهاد الكفار كما قال الله تعالى {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} وهذا مثل ضربه الله للدينا ومن يطلبها لان الدنيا نهر الشهوات اجرى الله تعالى بين الخلائق لامتحان العباد ليضل بها قوما ويهدى بها قوما من شرب منها بقدر الضرورة لقوة العبادة يعبرها بشرط الانفراد فانه من اهل الايقان والعرفان ويهدى الى مشاهدة الرحمن ومن شرب منها بفرط الحرص لامغاء الغفلة قوة للمعصية يضل عن سبيل الرشاد ولا يملأ جوفه منها ابدا حتى يدخل الى النيران وضرب الله تعالى ايضا هذا المثل فى قصتهم لينظر الناظر فيه بعين الاعتبار والاقتباس الانوار {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ} الطالوت ههنا الروح وهى ملك الباطن ومثل داؤد نبى الله عليه السلام العقل وجنوده القلب وملك الهام والعلم والفهم والادراك والخواص ومثل جالوت عدوا الله الشيطان وجنده خيل الخيال واعوان الشهوات فامر الله تعالى الروح بالمحاربة معه اخبار النفس الاارة اى فلما فصلت الروح بجنودها {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} يعنى نهر الشهوة الذي يشرب منه النفس بكاس الغلفة واضافت اليهم الشرب لان الروح مقدمة عن رجس البشرية {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} اى ليس من اهل المكاشفة الصفات {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ} اى من نور القدس وعالم الانس {إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} الى القلب والحواس النفس يغترفون بقدر المترفة حتى لم يحترقوا فى جوار الروح بنيران المحبة والمواجيد التي يحصل منه نور المعرفة {فَشَرِبُواْ مِنْهُ} يعنى النفس واعوانها لانهم من ملكوت الارض لاجل ذلك مالوا الى طعمة الطبيعة {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} اى العقل والملك لانها من ملكوت السماء وليس لها الا لذة التربية اما شرب القلب قدر الكفاية لانه ممزوج بخلاصة الجسم {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} اى الروح والعقل والملك والقلب والحواس {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ} اى بقول اعيان الروح الذين يوقنون كشف العيان بعد مجاهدة الشيطان {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ} كم من فئة قليلة بالعدد معها نور اليقين غلبت فئة كثيرة التى ليس معها النصر من عند الله {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} الذين وقفوا على مراد الحق بنعت الرضا والتسليم وروية كرسه القديم وتسليمهم من مباشرتهم حظ مشاهدة الحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلما فصل طالوت بالجنود} الاصل فصل نفسه ولما اتحد فاعله ومفعوله شاع استعماله محذوف المفعول حتى نزل منزلة اللازم كانفصل والمعنى انفصل عن بلده مصاحبا لهم لقتال العمالقة. والجنود جمع جند وهو الجيش الاشداء مأخوذ من الجند وهى الارض الشديدة وكل صنف من الخلق جند على حدة ـ روى ـ انهم لما رأوا التابوت لم يشكوا فى النصر فتسارعوا الى الجهاد فقال طالوت لا يخرج معى شيخ ولا مريض ولا رجل بنى بناء لم يفرغ منه ولا صاحب تجارة مشتغل بها ولا رجل عليه دين ولا رجل تزوج امرأة ولم يبن بها ولا ابتغى الا الشاب النشيط الفارغ فاجتمع اليه ممن اختاره ثمانون الفا وكان الوقت قيظا اى شديد الحر وسلكوا مفازة فشكوا قلة الماء وسألوا ان يجرى الله لهم نهرا {قال} اى طالوت باخبار من النبى اشمويل {إن الله مبتليكم بنهر} اى معاملكم معاملة المختبر بما اقترحتموه وذلك الاختبار ليظهره عند طالوت من كان مخلصا فى نيته من غيره ليميزهم من العسكر لان من لا يريد القتال اذا خالط عسكرا يدخل الضعف فى العسكر فينهزمون بشؤمه شعر : آنكه جنك آرد بخون خويش بازى ميكند روز ميدان آنكه بكريزد بخون لشكرى تفسير : فميز بينهما كالذهب والفضة فيهما الخبث فميز الخالص من غيره بالنار {فمن شرب منه} اى ابتدأ شربه من ماء النهر بان كرع وهو تناول الماء بفيه من موضعه من غير ان يشرب بكفيه ولا بآناء {فليس منى} اى من جملتى واشياعى المؤمنين فمن للتبعيض دخلت على نفس المتكلم للاشعار بان اصحابه لقوة اختصاصهم واتصالهم به كأنهم بعضه او ليس بمتحد معى فمن اتصالية كما فى قوله تعالى {أية : المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} تفسير : [التوبة: 67] اى بعضهم متصل بالبعض الآخر ومتحد معه {ومن لم يطعمه} الطعم هنا بمعنى الذوق وهو التناول من الشىء تناولا قليلا يقال طعم الشىء اذا ذاقه مأكولا او مشروبا {فإنه منى} اى من اهل دينى {إلا من اغترف غرفة بيده} استثناء من قوله فمن شرب واعتراض الجملة الثانية وهو ومن لم يطعمه للعناية بها لان عدم الذوق منه رأسا عزيمة والاغتراف رخصة وبيان حال الاخذ بالعزيمة اهم من بيان الاخذ بالرخصة. والغرفة بالضم اسم للقدر الحاصل فى الكف بالاغتراف والغرف اخذ ماء بآلة كالكف وهو فى الاصل القطع والغرفة التى هى العلية قطعة من البناء والباء متعلقة باغترف. قال ابن عباس رضى الله عنهما كانت الغرفة الواحدة يشرب منها هو ودوابه وخدمه ويحمل منها. قال الامام وهذا يحتمل وجهين. احدهما انه كان مأذونا له ان يأخذ من الماء ما شاء مرة واحدة بقربة او جرة بحيث كان المأخوذ فى المرة الواحدة يكيفه ودوابه وخدمه ويحمل باقيه. وثانيهما انه كان يأخذ القليل فيجعل الله فيه البركة حتى يكفى كل هؤلاء فيكون معجزة لنبى ذلك الزمان كما انه تعالى يروى الخلق الكثير من الماء القليل فى زمن محمد صلى الله عليه وسلم {فشربوا منه} اى فانتهوا الى النهر وابتلوا به وكرعوا فيه كروعا مثل الدواب ولم يقنعوا بالاغتراف فضلا عن ان لا يذوقوا منه شيأ {إلا قليلا منهم} وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا على عدد اهل بدر فانهم اغترفوا فشربوا بالاكف ورووا واما الذين خالفوا فشربوا كرعا فازدادوا عطشا واسودت شفاههم وبقوا على شط النهر فعرف طالوت الموافق من المخالف فخلف الاشداء شعر : نه بى حكم شرع آب خوردن خطاست وكر خون بفتوى بريزى رواست تفسير : ولما ردوا بالخلاف فى صفة شرب ماء اصله حلال لكن على صفة مخصوصة وهلكوا بعد الرد فما حال من تناول الحرام المحض فى الطعام والشراب كيف يقبل ويسلم. ثم انه لا خلاف بين المفسرين فى ان الذين عصوا رجعوا الى بلدهم والصحيح انهم لم يجاوزوا النهر وانما رجعوا قبل المجاوزة لقوله تعالى {فلما جاوزه} اى النهر {هو} اى طالوت {والذين آمنوا} وهم القليل الذين اطاعوه ولم يخالفوه فيما ندبهم اليه. وفيه اشارة الى ان من عداهم بمعزل من الايمان {معه} اى مع طالوت متعلق بجاوز لا بآمنوا {قالوا} اى بعض من معه من المؤمنين القليلين لبعض آخر منهم وهم الذين يظنون الآية فالمؤمنون الذين جاوز النهر صاروا فريقين فريقا يحب الحياة ويكره الموت وكان الخوف والجزع غالبا على طبعه وفريقا كان شجاعا قوى القلب لا يبالى بالموت فى طاعة الله تعالى. والقسم الاول هم الذين قالوا {لا طاقة} قوة {لنا اليوم بجالوت وجنوده} اى بمحاربتهم ومقاومتهم فضلا عن ان يكون لنا غلبة عليهم وذلك لما شاهدوا منهم من الكثرة والقوة وكانوا مائة الف مقاتل شاكى السلاح. والقسم الثانى هم الذين اجابوهم بقولهم كم من فئة الآية {قال} كأنه قيل فماذا قال لهم مخاطبهم فقيل قال {الذين يظنون أنهم ملاقوا} نصر {الله} العزيز وتأييده {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة} اى كثير من الفئات القليلة غلبت الفئات الكثيرة. والفئة اسم للجماعة من الناس قلت او كثرت {بإذن الله} اى بحكمه وتيسيره فان دوران كافة الامور على مشيئته تعالى فلا يذل من نصره وان قل عدده ولا يعز من خذله وان كثر اسبابه وعدده فنحن ايضا نغلب جالوت وجنوده {والله مع الصابرين} بالنصرة على العدو وبتوفيق الصبر عند الملاقاة. قال الراغب فى القصة ايماء ومثال للدنيا وابنائها وان من يتناول قدر ما يتبلغ به اكتفى واستغنى وسلم منها ونجا من تناول منها فوق ذلك ازداد عطشا ولهذا قيل الدنيا كالملح من ازداد منها عطش وفى الحديث "حديث : لو ان لابن آدم واديين من ذهب لابتغى اليهما ثالثا فلا يملأ جوف ابن آدم الا التراب ويتوب الله على من تابbr>". تفسير : يعنى لا يزال حريصا على الدنيا حتى يموت ويمتلىء جوفه من تراب قبره الا من تاب فان الله يقبل التوبة من التائب عن حرصه المذموم وعن غيره من المذمات وههنا نكتة وهى ان فى ذكر ابن آدم دون الانسال تلويحا الى انه مخلوق من تراب ومن طبيعته القبض واليبس وازالته ممكنة بان يمطر الله عليه من غمام توفيقه فللعاقل ان لا يتعب نفسه فى جمع حطام الدنيا فان الرزق مقسوم. اوحى الله الى داود [يا داود تريد واريد فان رضيت بما اريد كفيتك ما تريد وان لم ترض بما اريد اتعبك ثم لا يكون الا ما اريد] فالناس مبتلون بنهر هو منهل الطبيعة الجسمانية فمن شرب منه مفرطا فى الرى منه بالحرص فليس من اهل الحقيقة لانه من اهل الطبيعة وعبدة الشهوات المشتغل بها عن الله الا من قنع من متاع الدنيا على ما لا بد منه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن ومحبة الخلق على الاضطرار بمقدار القوام فانه من اولياء الله. والحاصل ان النهر هو الدنيا وزينتها ومن بقى على شطها واطمأن بها كثير ممن جاوزها ولم يلتفت اليها فان اهل الله اقل من القليل واهل الدنيا لا يحصى عددهم رزقنا الله واياكم القوة والقناعة ولم يفصلنا عن اهل السنة والجماعة ـ روى ـ انه عليه السلام قال فى وصيته لابى هريرة رضى الله عنه "حديث : عليك يا ابا هريرة بطريق اقوام اذا فزع الناس لم يفزعوا واذا طلب الناس الامان من النار لم يخافوا" قال ابو هريرة من هم يا رسول الله قال "قوم من امتى فى آخر الزمان يحشرون يوم القيامة محشر الانبياء اذا نظر اليهم الناس ظنوهم انبياء مما يرون من حالهم حتى اعرفهم انا فاقول امتى امتى فيعرف الخلائق انهم ليسوا انبياء فيمرون مثل البرق او الريح تغشى ابصارهم اهل الجمع من انوارهم" فقلت يا رسول الله مرنى بمثل عملهم لعلى الحق بهم فقال "يا ابا هريرة ركب القوم طريقا صعبا آثروا الجوع بعدما اشبعهم الله والعرى بعدما كساهم الله والعطش بعدما ارواهم الله تركوا ذلك رجاء ما عند الله تركوا الحلال مخافة حسابه صحبوا الدنيا بابدانهم ولم يشتغلوا بشىء منها عجبت الملائكة والانبياء من طاعتهم لربهم طوبى لهم وددت ان الله جمع بينى وبينهم" ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقاً اليهم ثم قال عليه السلام "اذا اراد الله باهل الارض عذابا فنظر اليهم صرف العذاب عنهم فعليك يا ابا هريرة بطريقهم"تفسير : : قال الشيخ العطار قدس الله سره شعر : درراه تومر دانند ازخويش نهان مانده بى جسم وجهت كشته بى نام ونشان مانده تنشان بشريعت هم دلشان بحقيقت هم هم دل شده وهم جان نه اين ونه آن مانده تفسير : عليهم سلام الله ورحمته وبركاته اللهم اجعلنا من اللاحقين بهم آمين آمين.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: قال في القاموس: غَرَفَ الماء يِغْرُفُه: أخذ بيده، كاغْتَرَفه، والغَرْفَةُ للمَرَّة، وبالكسر: هيئة الغرف وبالضام: اسم للمفعول، كالغرافة، لأنك ما لم تغرفه لا تسميه غُرْفَة، ثم قال: والغُرْفَةُ، بالضم: العُلِّيَّة. يقول الحقّ جلّ جلاله: ولما اتفقوا على مُلك طالوت تجهز للخروج، وقال: لا يخرج معه إلا الشبابُ النشيط الفارغُ ليس وراءه غُلْقة، فاجتمع ممن اختار ثمانون ألفاً، وقي: ثلاثون، فلما انفصل عن بلده بالجنود وساروا في البيداء - وكان وقت الحرِّ والقيّظ - عطشوا، وسألوا طالوتَ أن يُجري لهم نهراً، فقال لهم بوحْي، أو بإلهام، أو بأمر نبيهم: {إن الله مبتليكم} أي: مُختبركم {بنهر} بسبب اقتراحكم، {فمن شرب منه} كَرْعاً بلا واسطة {فليس مني} أي: من جيشي، {ومن لم يطعمه} أي: يَذْقه، {فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده} فإنها تكفيه لنفسه ولفرسه، فالاستثناء من الجملة الأولى. {فشربوا منه} أي: كَرعُوا، وسقطوا على وجوههم، {إلا قليلاً منهم} ثلاثُمائةٍ وأربعةَ عشر، على عدد أهل بدر، وقيل: ألفاً. رُوِيَ أن من اقتصر على الغَرفة كَفَتْه لشربه ودوابه، ومن لم يقتصر غلب عطشُه، واسودَّتْ شفتُه ولم يقدْر أن يمضيَ. وعن ابن عباس: أن القومَ شربوا على قدر يقينهم: فالكفار شربوا شُربَ الهيم، وشَرِب العاصي دون ذلك، وانصرف من القوم ستةٌ وسبعون ألفاً، وبقي بعضُ المؤمنين لم يشرب شيئاً، وأخذ بعضهم الغَرفة، فأما من شرب فاشتد به العطشُ وسقط، وأما من ترك الماءَ فحسن حالُه، وكان أجلَد ممن أخذ الغرفة. هـ. وحكمة هذ الامتحان: ليتخلص للجهاد المطيعون المخلصون، إذ لا يقع النصر إلاَّ بهم، فلما جاوز النهرَ طالوتُ ومن بقيَ معه ممن لم يشربْ قال بعضهم لبعض: {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده}؛ لكثرتهم وقلة عددنا، {قال الذين يظنون} أي: يَتَيَقَّنْون {أنهم ملاقوا الله} ويتوقعون ثوابَ الشهادة وهم الخُلْصُ من أهل البصيرة: لا تفزعوا من كثرة عددهم {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} وإرادته ومعونته، و {كم} للتكثير، {والله مع الصابرين} بالنصر والمعونة. الإشارة: قال بعض الحكماء: الدنيا كنهر طالوت، لا ينجو منها إلا من لم يشربْ أو اغترف غرفةً بيده، فمن أخذ منها قَدْرَ الضرورةِ كَفَتْه، ونَشَطَ لعبادة مولاه، ومن أخذ فوق الحاجة حُبس في سجنها، وكان أسيراً في يدها. وقال بعضهم: طالبُ الدنيا كشارب ماءِ البحر، كلما زاد شربه ازداد عطشه. هـ. وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : من أُشرب قلبه حُبَ الدنيا التاط منها بثلاث: بشغل لا ينفد عناه، وأمل لا يبلغ منتهاه، وحرص لا يدرك مداه"تفسير : وقال عيسى عليه السلام: الدنيا مزرعة لإبليس، وأهلها حراث له هـ. وقال عليّ رضي الله عنه: الدنيا كالحية: لَيِّن مسها، قاتل سمها، فكن أحذر ما تكونُ منها، أَسَرَّ ما تكون بها؛ فإن من سكن منها إلى إيناس أزاله عنها إيحاش. وقال عليه الصلاة والسلام:"حديث : مِنْ هوان الدنيا على الله أنه لا يُعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها"تفسير : . وقال سيدنا عليّ - كرّم الله وجهه-: أول الدنيا عناء، وآخرها فناء، حلالها حساب، وحرامها عقاب، ومتشابهها عتاب، من استغنى فيها فُتن، ومن افتقر فيها حزن. هـ. وقيل: الدنيا تُقبل إقبال الطالب، وتُدبر إدبار الهارب، وتصل وصال الملول، وتُفارق فراق العجول، خيرها يسير، وعمرها قصير، ولذاتها فانية، وتبعاتها باقية. وقال عيسى عليه السلام: تعملون للدنيا، وأنتم تُرزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون للآخرة، وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل. هـ. وقيل: أوحى الله إلى الدنيا: مَنْ خدَمني فاخدِميه، ومن خدمك فاستخدِميه. وكان عمرُ بنُ عبد العزيز يتمثل بهذه الأبيات: شعر : نهارُكَ مغرورُ سهوٌ وغفلةٌ وليلُكَ نومٌ، والأسَى لك لازمٌ تُسَرُّ بما يفْنَى، وتفرحُ بالمُنَى كما سُرَّ باللذَّات في النومِ حالمُ وشغلُك فيها سوف تكرَه غَبَّه كذلك في الدنيا تَعيِشُ البهائمُ تفسير : وقال آخر: شعر : هي الدارُ دَارُ الأذى والقذى ودارُ الفناءِ ودارُ الْغِيَرْ فلو نِلْتَها بحذافيرها لمِتَّ ولم تَقْضِ منا الوطرْ أيا مَنْ يؤملُ طولَ الخلودِ وطولُ الخلودِ عليه ضررْ إذا ما كبِرْتَ وفات الشبَابُ فلا خيرَ في العيش بعد الكِبرْ
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ {غرفة} - بالفتح - ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع. الباقون بالضم، وهما لغتان. اللغة: قوله: {فلما فصل} معناه قطع، والفصل: القطع. يقال فصل اللحم عن العظم أي قطعه فأبانه عنه، وفصل الصبي فصلاً: إذا قطعه عن اللبن. وقول فصل أي يفصل بين الحق والباطل. والجنود جمع جند قال السدي: كانوا ثمانين ألف مقاتل، والاجناد جمع القلة. وجنّد الجنود تجنيداً أي جمعهم. والجند الأرض الغليظة وكل صنف من الخلق: جند على حدة. وفي الحديث: الأرواح جنود مجندة. وأصل الباب الجند: الغليظ من الأرض. المعنى: قوله: {إن الله مبتليكم بنهر} فمعنى الابتلاء ها هنا تمييز الصادق من الكاذب في قوله - على قول الحسن -. وقال وهب بن منية: السبب الذي لأجله ابتلوا بالنهر شكايتهم قلة المياه، وخوف التلف من العطش. والنهر الذي ابتلوا به، قال ابن عباس، والربيع، وقتادة: هو نهر بين الأردن، وفلسطين. وروي عن ابن عباس أيضاً أنه نهر فلسطين. وقوله: {فمن شرب منه} الهاء عائدة على النهر في اللفظ، وهو في المعنى الماء. وقوله: {فليس مني} معناه ليس على دينى، ولا من أهل ولايتي، فحذف ودلت من عليه. اللغة: ويقال: طعم الماء كما يقال طعم الطعام وأنشدوا. شعر : وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا بردا تفسير : والغرفة بالفتح المرة من الغرف. والغرفة بالضم ملء الكف من الماء، فالغرفة اسم للماء المغروف والغرفة إسم للفعل. وقال بعضهم الاختيار الضم لأنه لو جاء على معنى المرة، لكان اغترافة. وهذا ليس بشيء، لأنه إذا كان المعنى واحداً جاز اغترافة، لأنه الأصل وجار غرفة، لأنه أخف، وكلاهما حسن. ويقال غرف يغرف غرفاً، واغترف اغترافاً والمغرفة الآلة التي يغرف بها. وغرف غروف أي كبير والغريف: ماء في الاجمة، لأنه يغرف من بين القصب. ومزادة غرفية مدبوغة بالغرف: وهو جنس من الدباغ. والغريف شجر مجتمع من أي شجر كان. والغرفة العلية. وأصل الباب الغرف. المعنى: وقال ابن عباس، وقتادة، والربيع: من استكثر من ذلك الماء عطش، ومن لمن يشرب إلا غرفة روي. وقال الفراء، والحسن، وقتادة، والربيع: والذين جازوا النهر مع طالوت كان عددهم مثل عدد أهل بدر، وهم ثلاثة وبضعة عشر، وهم المؤمنون خاصة. وقال ابن عباس، والسدي: جاوزه الكافر، والمؤمن إلا أن الكافرين انخزلوا عنهم، وبقى المؤمنون على عدد أهل بدر. وهذا قوي، لقوله تعالى: {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه}، فلما رأوا كثرة جنود جالوت قال الكفار منهم {لا طاقة لنا اليوم بجالوت} وقال المؤمنون حينئذ الذين عدتهم عدّة أهل بدر {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} قال البلخي: ويجوز أن يكونوا كلهم مؤمنين، غير أن بعضهم أشد إيقاناً وأقوى اعتقاداً، وهم الذين قالوا: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله}. اللغة: وتقول: جاز الشىء يجوزه: إذا قطعه. وأجازه إجازة: إذا استصوبه. والشىء يجوز: إذا لم يمنع منه دليل. واجتاز فلان اجتيازاً، واستجاز فعل كذا استجازة. وتجوّز في كلامه تجوّزاً. وتجاوز عن ذنبه تجاوزاً. وجاوزه في الشيء تجاوزه، وجوّزه تجويزاً. وجوز كل شيء وسطه بمجاز الطريق، وهو وسطه الذي يجاز فيه. وقيل هذا اشتقاق الجوزاء، لأنها تعرض جوز السماء أي وسطها، وأما الجوز المروف، ففارسي معرّب. والجواز الصك للمسافر. والمجاز في الكلام، لأنه خروج عن الآجل الى ما يجوز في الاستعمال. وأصل الباب الجواز: المرور من غير شيء يصد، ومنه التجاوز عن الذنب، لأن المرور عليه بالصفح. المعنى: وقوله: {وقال الذين يظنون} قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - قال الذين يستيقنون، ذهب إليه السدي قال دريد بن الصمة: شعر : فقلت لهم ظنوا بالفى مدجج سراتهم في الفارسى المسرد تفسير : أي أيقنوا وقيل إنه استعارة فيما يكفي فيه الظن حتى يلزم العمل، فكيف المعرفة، فجاء على وجه المبالغة في تأكد لزوم العمل. الثاني - يحدثون نفوسهم وهو أصل الظن، لأن حديث النفس بالشيء قد يكون مع الشك ومع العلم إلا أنه قد على ركبت ما كان مع الشك. الثالث - يظنون أنهم ملاقوا الله بالقتل في تلك الواقعة. وقوله: {كم من فئة} الفئة: الطائفة من الناس، والجمع: فئين وفئات. ولا يجوز في عدة إلا عدات، لأن نقص عدة من أوله. وليس كذلك فئة، وما نقص من أوله يجري في الباب على اطراد بمنزلة غير المنقوص، فأما فئة ومئة. وثبة وعزة، فان النقص فيه على غير اطراد، كما يكون في عدة، وصلة، وزنة، وصفة، وجهة. وتقول فأوت رأسه بالسيف إفاءة وفأواً: إذا قطتعه وانفاء الشيء إنفاءً: إذا تقطع وأصل الباب القطع، فمنه الفئة، لأنهم قطعة من الناس. وقوله: {غلبت} تقول: غلب يغلب غلباً وغالبه مغالبة وتغالبوا تغالباً. وتغلب تغلباً وغلبه تغليباً. وأشد أغلب: إذا كان غليظ العنق. ورجل أغلب كذلك، لأنه من إمارة الغلب. واغلولب العشب إذا كثر لأنه غلب على غيره بكثرته. وأصل الباب الغلب: القهر. المعنى: وقوله: {بإذن الله} معناه بنصر الله على قول الحسن، لأن الله إذا أذن في القتال نصر فيه على الوجه الذي أذن فيه ويجوز في (كم) الجر والنصب وإن كان على معنى الخبر في قول الفراء. وفي الآية حذف لدلالة ما بقى عليه وهو فأتاهم التابوت بالصفة التي وعدوا بها، فصدّقوا لأن قوله {فصل طالوت بالجنود} بعد تلك المنازعة منهم ينبىء أن الآية أتتهم، فانقادوا لأجلها.
الجنابذي
تفسير : {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ} يعنى لمّا أخرجهم من مواطنهم قيل كان الجنود ثمانين الفاً وقيل سبعين وذلك أنّهم لمّا رأوا التّابوت وآثار النّصر تبادروا الى الجهاد {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} كما هو عادته فى حقّ المؤمنين وابتلاؤهم لتثبيتهم على الايمان {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} اى من أتباعى {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} الطّعم عامّ فى المشروب والمأكول {فَإِنَّهُ مِنِّيۤ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} وقرئ غرفة بفتح الغين والفرق بينهما انّ مضموم الفاء اسم للمصدر ومفتوحها مصدر عددىّ وهو استثناء من شرب منه وتقديم الجملة المعطوفة عليه للاهتمام بها {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} الاّ ثلاثمائةٍ وثلاثة عشر رجلاً من جملة الثمانين الفاً منهم من اغترف ومنهم من لم يطعمه ومن لم يطعمه استغنى عنه ومن اقتصر على الغرفة كفته لشربه واداوته ومن لم يقتصر غلب عطشه واسودّت شفته ولم يقدر ان يمضى، وملكهم كان علم ذلك الابتلاء بالوحى والالهام او باخبار نبيّهم، وكان ذلك صورة الدّنيا تمثّلت لهم لتنبّههم انّ الدّنيا هكذا كان حالها لمن اجتنبها ولمن ارادها {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} يعنى الّذين لم يشربوا او اغترفوا غرفة ورأوا كثرة جنود جالوت وقلّة عددهم {قَالُواْ} اى الّذين اغترفوا {لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ} اى يعلمون وقد مرّ انّ العلوم الحصوليّة لمغايرة معلومها لها حكمها حكم الظّنون وكثيراً ما يطلق عليها الظّنون وانّ علوم النّفوس لتغيّرها وعدم ثباتها كالظّنون {أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ} وهم الّذين لم يغترفوا {كَم مِّن فِئةً قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ} اى بترخيصه وامداده فانّ الاذن فى امثال المقام ليس معناه التّرخيص فقط {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} قد مضى انّ هذه المعيّة ليست مثل المعيّة فى قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4]، ومثلها فى قوله (ع) مع كلّ شيءٍ لا بالممازجة فانّ هذه معيّة رحيميّة وتلك معيّة رحمانيّة وعن الرّضا (ع): أوحى الله تعالى الى نبيّهم انّ جالوت يقتله من يسوّى عليه درع موسى (ع) وهو رجل من ولد لاوى بن يعقوب (ع) اسمه داود بن آسى وكان آسى راعياً وكان له عشرة بنين أصغرهم داود فلمّا بعث طالوت الى بنى اسرائيل وجمعهم لحرب جالوت بعث الى آسى ان احضر واحضر ولدك فلمّا حضروا دعا واحداً واحداً من ولده فألبسه الدّرع درع موسى (ع) فمنهم من طالت عليه ومنهم من قصرت عنه فقال لآسى هل خلّفت من ولدك احداً؟ - قال: نعم أصغرهم تركته فى الغنم راعياً فبعث اليه فجاء به فلمّا دعى أقبل ومعه مقلاع قال: فناداه ثلاث صخراتٍ فى طريقه فقالت: يا داود خذنا فأخذها فى مخلاته وكان شديد البطش قويّاً فى بدنه شجاعاً فلمّا جاء الى طالوت البسه درع موسى (ع) فاستوت عليه ففصل طالوت بالجنود وقال لهم نبيّهم: يا بنى اسرائيل {إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} فى هذه المفازة {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ} فليس من حزب الله ومن لم يشرب فهو من حزب الله {إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} فلمّا وردوا النّهر اطلق الله لهم ان يغترف كلّ واحد منهم غرفة {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} فالّذين شربوا منه كانوا ستّين الفاً وكان هذا امتحاناً امتحنوا به كما قال الله عزّ وجلّ.
فرات الكوفي
تفسير : {إنّ اللهَ مُبْتَليكُمْ بِنَهَرٍ249} فرات قال: حدثني جعفر بن أحمد قال: حدثنا جعفر بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن عمر المازني قال: حدثنا يحيى بن راشد عن كامل [ب: الكلبي] عن أبي صالح: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إنّ لعلي بن أبي طالب عليه السلام في كتاب الله اسماً لا يعرفـ [ـه. خ] الناس قلت [أ، ر: قلنا]: وما هي؟ قال: سماه نهراً فقال {إن الله مبتليكم بنهر} كما ابتلى بني إسرائيل إذ خرجوا إلى [أ: من الذين. ر: الذين ب: من الدين] قتال جالوت فابتلاهم بنهر فابتلاكم بولاية علي [بن أبي طالب. ر] عليه السلام الفارق [أ: العارف. ب: القارف. ب (خ ل): القار] فيها ناج [ر، أ: ناجي] والمقصر فيها مذنب والتارك لها هالك.
الأعقم
تفسير : {فلما فصل طالوت بالجنود} قيل: خرج بالعساكر فسألوا ان يجري الله تعالى نهراً فقال: {إنَّ الله مبتليكم بنهر} مما اقترحتموه من النهر، وقيل: أنهم شكوا قلة الماء وخوف القتل وخوف التلف من العطش، وقيل: اراد التشديد للتكليف لمصلحة لهم، قوله تعالى: {فمن شرب منه فليس مني} اي ليس من أهل ديني {إلاَّ من اغترف غرفة بيده} اي مرة او ملأَ الكف، روي انه كان من استكثر منه عطش ومن اغترف غرفةً روِي، ورُوِي ان الغرفة كانت تكفي الرجل ودوابه والذين شربوا منه اسودّت شفاههم وغلبَهم العطش {إلاَّ قليلاً منهم} قيل: كانوا عدد أهل بدر، {فلما جاوزه} يعني جاوز النهر {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنودِهِ} قيل: هم أهل الكفر والدين انخزلوا من طالوت {قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله} أي ملاقوا جزائه {كم من فئةٍ قليلةٍ} الآية {والله مع الصابرين} بالنصر والحفظ {ولما برزوا لجالوت وجنوده} جالوت جبار من العمالقة من اولاد عمليق بن عاد وكانت بيضته فيها ثلاثمائة رطل، قوله تعالى: {ربنا افرغ علينا صبراً} يعني وفقنا للصبر على الجهاد {وثبت أقدامنا} أي وفقنا للثواب {وانصرنا على القوم الكافرين} أي على جهادهم ويدل على ان الواجب علينا أي نقتدي بهم في ذلك، قوله تعالى: {فهزموهم بإذن الله} يعني بنصره، قوله تعالى: {وقتل داوود جالوت} قيل: كان إيشى ابو داوود في عسكر طالوت مع ستَّة من بنيه وكان داوود سابعهم وهو صغير يرعى الغنم فاوحى الله الى النبي اشمويل ان داوود بن إيشى هو الذي يقتل جالوت فطلبه من أَبيه فجاءَ وقد مرَّ في طريقه بثلاثة احجار دعاه كل واحد منهما ان يحمله وقالت له: انك تقتل بنا جالوت فحملها في مخلاته ورمى بها جالوت فقتله، وقيل: رماه بحجر فوقع بين عينيه وخرج من قفاه واصاب جماعة من عسكره {وآتاه الله الملك} في مشارق أرض بيت المقدس ومغاربها {والحكمة} وهي النبوة {وعلمه مما يشاء} من صنعة الدروع وكلام الطير والنمل، وقيل: امور الدنيا، وقيل: الزبور والحكم، قوله تعالى: {ولولا دفع الله الناس} لولا ان الله دفع بعض الناس ببعض يعني لولا دفع الله بجنود المسلمين الكفار، وقيل: لولا ان ينصر الله تعالى المسلمين على الكفار {لفسدت الارض}.
اطفيش
تفسير : {فَلمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجُنودِ}: أى انفصل بهم عن بلده. فإن فعل يستعمل لازما بمعنى انفصل، كما يستعمل متعديا على أن أصله فصل نفسه عن بدله مثلا، فكثل حذف مفعوله الذى هو نفسه مثلا فصار لازما لا ينوى له مفعول، ومصدر هذا اللازم فعول ومصدر المتعدى فعل، وقيل ضمن معنى خرج فلزم، والباء للمصاحبة متعلق بمحذوف حال من طالوت، والجند كل صنف من الخلق، فالإنسان جند، والجراد جند، والنمل جند، والذباب جند، ويختص بالحيوان، وقد يطلق على القوم المتهيئون للقتال وهو المراد هنا لما رأو التابوت، لم يشكوا فى النصر فسارعوا إلى الجهاد، وقيل خرج بهم طالوت من بيت المقدس، وهم سبعون ألفا، وقال السدى، وغيره: ثمانون ألفا، وقيل مائة وعشرون ألفا، وقال لهم طالوت: لا حاجة لى إلى كل ما أرى لا يخرج معى رجل بنى بيتاً لم يفرع منه، ولا تأجر مشتغل بالتجر، ولا من تزوج امرأة لم يبن بها ولا رجل عليه دين، ولا أبغى إلا الشاب النشيط الفارغ، فاجتمع إليه على شرطه سبعون، وقيل ثمانون، وقيل مائة وعشرون، وقد كانوا أكثر من ذلك، وكان ذلك فى وقت الحر الشديد، فسلكوا مفازة فشكوا إلى طالوت قلة الماء بينهم وبين عدوهم، وقالوا: إن المياه لا تحملنا، فادع الله أن يجرى لنا نهرا فدعا فأجيب، فقال كما قال الله عنه. {قالَ}: طالوت. {إنَّ اللَّهَ مُبْتلِيكُم بِنَهرٍ} معاملكم معاملة المختبر بسبب اقتراحكم النهار إذ لم تصبروا، فيظهر بالابتلاء المطيع والعاصى والله عالم بهما، وهكذا شأن من يقلق ويتعرض للقضاء، وهو نهر عذب بين الأردن وفلسطين، وعن ابن عباس: نهر فلسطين، وقرأ مجاهد وابن السماك بإسكان هاء نهر فى جميع القرآن، وكل ثلاثى حشوه جرف خلق فيه لغتان إسكانه وفتحه كشقر وصحن. {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ}: أى من مائه. {فَليسَ مِنَّى وَمنْ لَّم يَطعَمْهُ فإنَّهُ منِّى}: من ظهرت طاعته فى ترك الماء علم أنه يطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهوته فى الماء وعصى الأمر فهو بالعصيان أشد وأحرى فى الشديد، وإنما علم طالوت ذلك فى الوحى إن كان نبيا، كما قيل إنه جمع له بين النبوة والملك، وقيل ليس نبيا كما مر، ولكن تحمل هذا الكلام معه من النبى أشموئيل، وقيل لضمير فى، قال، عائد إلى النبى أشموئيل، والمعنى: ولما فصل طالوت بالجنود قال لهم نبيهم إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى، ومعنى ليس منى: ليس من أشياعى، أو ليس من أهل ولايتى، أو ليس بمتحد معى فى أمر الدين، وقوله {فإنّه منِّى} على عكس ذلك، ومعنى {لم يطعمه}: لم يذقه من قولك: طعمت الشئ إذا ذقته مأكولا أو مشروبا، وليس من الطعم الذى بمعنى الأكل فى قوله تعالى:{أية : فإذا طعمتم فانتشروا}،تفسير : بل من الطعم بمعنى الذوق مثله فى قوله: شعر : فإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم تقاخا ولا بردا تفسير : والنقاخ الماء العذب، أوقع عليه الطعم، وفيه شبه بالطعام المأكول، لأنه يصل الجوف من الفم، وينفع فيه وواقع الطعم أيضاً على البرد، وهو النوم وليس فيه نفس ذلك الشبه، فالمراد بالطعم التناول للقليل من الشئ، والخطاب فى سواكم للنساء تعظيما لهن، وتصويراً لكمال عقلهن، والمراد بقوله: {شرب منه} شرب من ماء النهر بفيه لا بواسطة كوز ويد ونحوهما، فالمراد الكروع وهو تناول الماء من موضعه بالفم دون واسطة يداً ونحوها، من قولك كرعت الغنم إذا خاضت الماء حتى أصاب كرعها وشربت، فمن شرب بيده أو غيرها غارفا من النهر، لا يقال شرب من النهر إلا مجازاً ولا يحمل على المجاز بلا قرينة، إذ لا يتصور مجاز بدونها، وقرأ غير نافع وأبى عمر وبإسكان منى، ومعنى الآية: فمن شرب بفمه من النهر، فمن حلف لا يشرب من هذا النهر لم يحنث بالشرب بيد أو إناء أو نحوهما بل بفمه من النهر عند أبى حنيفة، وقيل يحنث بالغرف، فإذا عرف أن الشارب من ماء النهر بيده أو غيرها يقال إنه شرب من النهر، فالقسمة مثلثة: الشاربون كرعا، والذين لم يذوقوا ماءه، والذين اغترفوا غرفة منه، فالقسم الأول ليس من أشياعه، والثانى من أشياعه، والثالث مرخص لهم فيما فعلوا فقوله: {إلاَّ مَن اغْترفَ غُرْفَةً بِيدَهِ}: استثناء من قوله: {فمن شرب منه فليس منى} منقطع لأن قوله: {من شرب منه} لا يشمل المغترف لما مر أنه لا يقال للمغترف من النهر إنه شرب منه، وإن حمل على عموم المجاز كان متصلا، وقوله، {ومن لم يطعمه فإنه منى} معترض بين المستثنى منه والمستثنى، وجملة الاعتراض مستأنفة فى نية التأخير فقدمت من تأخير للاعتناء بها إذ من لم يطعمه أشرف القسمين، ولتكميل التقسيم بترتيب مناسب، لأن مقابلة من كرع وشرب كل الشرب لم يذق أصلا أولى للكمال فيهما، ولأن عدم الذوق عزيمة والغرف رخصة، وبيان العزيمة أهم، وأجاز أبو البقاء الاستثناء من قوله: {ومن لم يطعمه} ورد عليه بأن {اغترف غرفة} لا يشمله من لم يطعمه إلا أن يقول الاستثناء منقطع، أو يدعى الاستثناء من مفهوم، فإن مفهومه أن من طعمه لا يكون منه رخصا لهم فى الغرفة الواحدة لأنها تكفى الواحد منهم بإذن الله لشربه وطعامه وما يحتاج إليه، وذلك أن الغرفة مصدر للواحدة بفتح أوله، وبالتآء فى آخره وإسكان وسطه، وهو ثلاث، ومعناه تناول الماء لا نفس الماء: والمفعول محذوف، أى إلا من اغترف الماء غرفة، فغرفة مفعول مطلق نائب عن مصدر الغين، وفيكون ما اسما للماء المغروف نفسه لا لتناوله، وعلى هذه القراءة يكون غرفة مفعولا له لاغترف، وقيل المفتوح والمضموم لغتان بمعنى المصدر نائب عن قولك اغترافا، والمفعول محذوف أى إلا من اغترف الماء غرفة، أى اغترافا، وقيل لغتان بمعنى الماء المغروف، فهو على اللغتين مفعول به، أى القدر الحاصل فى كفه بعد الاغتراف، فبيده متعلق باغترف، أو بمحذوف نعت غرفة أى مقدارا حاصلا فى يده، قال ابن عباس رضى الله عنهما: كانت الغرفة الواحدة يشرب منها هو ودوابه وخدمه، ويحمل منها، وذلك إما أن يؤذن له فى أن يأخذ بيده ما شاء مرة واحدة بقربة أو جرة، ويكفيه المأخوذ بمرة واحد له لدوابه وخدمه وما يحتاج، ويحمل باقيه وإما أن يأخذ قدر كفه ويكفيه لذلك، فيكون معجزة للنبى أشموئيل أو كرامة لطالوت أو معجزة وكرامة. {فشربوا مِنْه}: كما شاءوا وكيف شاءوا بكرع ومعاودة وادخار لا القدر الجائز، ومجاوزة لحد الله تعالى، وفيه دليل على أن قوله: {إلا من اغترف غرفة بيده} مستثنى من قوله: {فمن شرب منه فليس منى} إذ لو كان مستثنى من قوله: {ومن لم يطعمه فإنه منى} لقال فطعموا منه. {إلاَّ قليلاً مِّنهُم}: فإن بعض هذا القليل لم يذوقوه وبعضه اغترف غرفة بيده، وقرأ أبى وابن مسعود والأعمش: إلا قليل بالرفع مع أن المستثنى منه مذكور، والكلام موجب، فقيل ذلك لغة ضعيفة، والظاهر أن هذا فى الاستثناء كعطف التوهم نظراً فيه إلى أن معنى: {فشربوا منه} فلم يطيعوه، فكأنه قيل: {إلا من اغترف غرفة بيده}، فلم يطيعوه إلا قليل فرفع لتقدم النفى كمال قال الفرزدق. شعر : إليك أمير المؤمنين رمت بنا شعوب الهوى والهو جل المتعنف وعض زمان بابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلف تفسير : كان الظاهر لامسحتا أو مجلفا بالنصب على أنه مفعول لدع، ولكن اعتبر فى معنى لم يدع لم يبق فرفعه على الفاعلية، فإنه يقول: لم يبق إلا مسحت أو مجلف بالرفع، وفى رواية إلا مسحتا أو مجلف بنصب مسحت ورفع مجلف، وقيل له: انصبهما معاً أو ارفعهما معا فقال: قلت كذلك ليشقى بن النحويون، ولعله أراد إلا مسحتا أو شيئا هو مجلف، أو المسحت اسم مفعول لأمسحته أى استأصله لغة نجد، ويقول الحجازيون: أسحته بلاهم فهو مسحوت، والمجلف المأخوذ، وجوانبه، والهوجل المتعسف المفازة ذات التعاسيف، وذلك القليل ثلاثمائة وثلاث عشر رجلا عدد أهل بدر، وقيل ثلاثة آلاف، وقيل ألف، والصحيح الأول لما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: "حديث : أنتم اليوم بعدة أصحاب طالوت يوم لقى جالوت"تفسير : وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، روى هذا الحديث البراء بن عازب، وقيل أربعة آلاف، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: أن القوم شربوا على قدر يقينهم، فشرب الكافر شرب الهيم، وشرب العاصون دون ذلك، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفا، وبقى بعض المؤمنين لم يشربوا شيئا، وأخذ بعضهم الغرفة، فأما من شرب كثيرا فلم يرو، بل اشتد به العطش واسود شفته ولم يقدر أن يمضى على شاطئ النهر وجبن عن لقاء العدو، وأما من ترك الشرب فحسنت حاله، وكان أجلد ممن أخذ الغرفة وهكذا مثل الدنيا لطالب الآخرة من تناول منها ما يكون له كفافا استغنى وسلم ونجا، ومن أكثر زاد رغبته فكان قلبه أشد حرصا ممن لم يكن له مال فيهلك بذلك، كشرب الماء المالح يزداد بزيادته عطشا. {فلمَّا جاوزه}: أى النهر. {هو}: طالوت. {والَّذين آمنوا معه}: وهم القليل الذين لم يخالفوه، قيل: اتفق المفسرون أن الذين عصوا رجعوا إلى بلدهم واختلفوا: هل رجعوا بعد مجاوزة النهر؟ والصحيح أنهم رجعوا قبلها لظاهر قوله: {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه}، سواء جعلنا الذين معطوفا على المستتر فى جاوز للفصل بالهاء وبهو جعلناه مبت أو الواو للحال، ومعه خبره قال ابن عباس والسدى: كان المخالفون أهل شك ونفاق لقوله تعالى: {قالُوا لا طاقة لنا اليوْم بجالُوت وجُنُوده}: لكثرتهم وقوتهم، إذ سمعوا بذلك عنهم قبل أن يلاقوهم، فالضمير فى قالوا للعصاة الشاربين الآخذين للماء فوق ما حد لهم، قالوا ذلك للمؤمنين، وبينهم وبين المؤمنين النهر اعتذار أو خذلاناً للمؤمنين، ونسب هذا للجمهور، وبه قال الحسن، وقيل رجع هؤلاء العصاة بعد مجاوزة النهر ومشاهدة جنود طالوت وكثرتهم وقوتهم، ليناسب قوله: {قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، فإن المعانية أقوى من الإخبار، والصحيح الأول، لأن سماعهم بقوتهم وكثرتهم تكفييهم فى الاعتذار لما فى قلوبهم من الجبن لمعاصيهم. {قال الَّذين يظنُّون أنهُم مُّلاقُوا الله كم مِن فِئةٍ قليلةٍ غلبتْ فئةً كثيرةً بإذْن الله والله مع الصَّابرين}: الذين يظنون هم القليل كلهم وهم المذكورون بقوله: {إلا قليلا}، وبقوله: {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه}، وقيل الضمير فى قوله: {قالوا لا طاقة لنا اليوم} ليس للعصاة المجاوزين الحد فى الماء، بل للقليل الذين آمنوا معه، لكن قسمهم قسمين: قسم محب الحياة وغلبة الخوف من الموت وهم القائلون: {لا طاقة لنا}، وقسم قوى القلب راسخ اليقين، وهم القائلون: {كم من فئة قليلة} الآية ونسب بعضهم هذا القول لأكثر المفسرين، وذلك أن المؤمنين ولو تساووا فى أصل الاعتقاد لكن تفاوتوا فى قوة اليقين والصبر، وضعفهما، قيل للحسن وهو قائل بهذا القول: أليس الذين جاوزوا كلهم مؤمنين؟ قال: بلى، ولكن تفاضلوا ومعنى يظنون يتيقنون، استعير لفظ يظن لتوقيف استعارة تبعية لاشتراك الظن واليقين فى الدلالة على تأكيد الاعتقاد، وملاقاة الله الموت، ومعنى إيقانهم بالموت: علمهم به علما حقيقيا، وهو المصحوب بالعمل لما بعد الموت، قال قتادة: لقاء الله الموت، وذلك كما قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"تفسير : ويجوز بقاء الظن على حقيقته، فيكون لقاء الله ثوابه، إذ لا يحزمون لأنفسهم بالجنة، إذ لا يعلمون ما حالهم عند الله تعالى، والظاهر أن كم خبرية للتكثير، أى كثير من الفئات غلبت للفئات الكثيرة فئة كثيرة بفئة قليلة غالبة، وهذا تذكير لأنفسهم، وتشجيع لمن قال {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} وقولهم فى الجواب: {غلبت فئة كثيرة} دليل على أن القائلين: {لا طاقة} إلخ إنما قالوه خوفا من كثرة جنود طالوت، لكن قد لاحظوا مع ذلك ولو قوة ما فى القول للكثرة، والقوة وإلا لم يهابوا، إلا إن أراد إظهار العجز ولم يكن، وأجاز بعضهم أن تكون استفهامية، أى أخبرونا بعدد الفئات القليلات الغالبات، الكثيرات، لنزداد شجاعة ويقينا، والاستفهامية هنا مرجوحة، والراحج الخبرية، وهى للتكثير، ومن مزيدة فى تمييزكم إن أجيز زيادتها فى الإيجاب، أو اعتبرنا الاستفهامية كأدات النفى بانتفاء العلم فيهما، والخبرية تشبه الاستفهامية، أو هى للبيان والتمييز محذوف، أى كم شئ هو فئة، ولا ينا فى التكثير بكم التقليل بقوله {قليلة}، لأن التكثير بها منظور فيه إلى جملة كل فئة، والتقليل بقولة {قليلة}، منظور فيه إلى إفراد الفئة، والفئة بوزن فعة محذوف اللام من قولك فأوت رأسه إذا شققته فأوى حذفت لامه وهو الواو، وعوض عنها التاء، أو بوزن علة محذوف العين معوض عنها التاء من قولك فاء بمعنى رجع، ووجه ذلك أن الفئة من الناس يرجع بعضهم إلى بعض، وهم أيضا كقطعة فتجمع [جمع] سلامة للمذكر، لأنهم من باب سنة وثبة، ولو كان لفظها بالتاءِ، وليس علما لعاقل ولا لغيره، ولا صفة كذلك، وإذن الله إرادته ومعنى كون الله مع الصابرين: أنه ناصرهم ومثيبهم على ما صبروا عليه من الطاعت كالجهاد.
اطفيش
تفسير : {فَلَمَّا فَصَلَ} انفصل {طَالُوتُ} عن البلد لقتال جالوت، وهو لازم، ومصدره فعول كرجع اللازم مصدره الرجوع، أو متعد حذف مفعوله، أى فصل نفسه، كرجع المتعدى مصدره الرجع {بِالْجُنُودِ} فى شدة الحر، وشكوا إلى طالوت قلة الماء بينهم وبين عدوهم، وقالوا، لا تحملنا الماء فادع الله أن يجرى لنا نهراً، فدعا، فأجابه الله، وهو نبى فى قول، أو على لسان أسمويل أو غيره على ما مر {قَالَ} بوحى من الله، وهو نبى فى قول، أو بإخبار ملك أو نبى له {إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} نهر فلسطين، أو نهر بين فلسطين والأردن، فجره الله فى ذلك الوقت، يظهر به لهم المنافق والمخلص، بفتح الفاء وكسرها، وفتح اللام وإسكان السين، وضم همزة أردن وداله وتشديد نونه، موضع ذو رمل قريب من بيت المقدس، ومن البحر الملح {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ} من مائه، فحذف المضاف، أو استعمل النهر بمعنى ماء الموضع فلا حذف {فَلَيْسَ مِنِّى} ليس من أتباعى، أو أشياعى، أو ليس متصلا بى {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} لا قليلا ولا كثيراً، أى لم يذقه، واستعمال الطعم فى الماء مجاز، وقيل حقيق، لأن معناه الذوق توسعاً، وطعم الماء بمعنى ذاقه جائز، ولا يجوز طعم الماء بمعنى شربه، والقول بأن طالوت كان نبيًّا بعد أن كان ملكا بعيد مردود {فَإِنَّهُ مِنِّى إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} واكتفى بها شربا فإنه منى أيضاً، وهو استثناء من قوله، فمن شرب منه فليس منى، منقطع إن فسر الشرب بالكرع إلا فمتصل، وهو بفتح الغين مصدر الوحدة يتضمن وحدة الغرفة بضمها، وهو ما يغرف {فَشَرِبُوا مِنْهُ} فمنهم من يشرب ملء بطنه بفيه من النهر. ومنهم من يشرب بيده غرفةن ويقال، أخذوا غرفة فكفتهم لهم ولدوابهم {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} لم يشربوا ولو غرفة، كما قال ومن لم يطعمه فإنه منى، وقيل، شربوا ملء بطونهم إلا قليلا فشربوا غرفة، ومن لم يذقه غير موجود، ولو قاله طالوت قبل وصول النهر، وإذا قلنا إلا قليلا هم من شربوا الغرفة فمن لم يذقه مفهوم بالأولى، أى شربوا من النهر بأفواههم، والقليل شربوا من غرفة أيديهم لا من النهر {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ} من لم يذهق ومن اقتصر على الغرفة {قَالُواْ} قال من شرب ملء بطنه، وقد عبروا النهر مع طالوت ورأوا جالوت وجنوده، ورجعوا منهزمين كما قال الله عز وجل قالوا {لاَ طَاقَةَ لَنَا} للفشل بالشرب وللقلة، قيل، قالوا ذلك خذلانا {الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} مائة ألف رجل، شاكى السلاح، وقيل، إن الذين شربوا ملء بطونهم لم يعبروا النهر، بل وقفوا بساحله، وقالوا معتذرين عن التخلف، منادين، مسمعين لطالوت والذين معه لا طاقة الخ، وقد شربوا كثيراً، واسودت شفاههم وغلبهم العطش ولم يرووا، وجبنوا، أو المراد قال بعض لبعض، وببعد أن يقولوا كل لكل، وهو خلاف المعتاد، وأما من اغترف غرفة ومن لم يذقه على قول وجوده فقلوبهم قوية، وقوى إيمانهم، وعبروا النهر سالمين {قَالَ} ردّاً على المتخلفين {الَّذِينَ يَظُنُّونَ} يوقنون، ولك مؤمن موقن بالبعث، ولكن المراد العمل بمقتضى الإتقان، فمن لم يعمل فكأنه غير موقن، كما يقال، مات من علم أنه سيموت، أى عمل بمقتضى علمه بالموت، ومات من لم يعلم أنه يموت، أى علم بالموت ولم يعمل بمقتضاه، وهم جيمع من عبر النهر ولم يخالف {أَنَّهُمْ مُّلَٰقُوْا اللهِ} بالموت وبالبعث للجزاء، أو يظنون، أى يوقنون بالوحى إلى نبيهم، أو بما شاء الله أنهم يموتون فى هذه الغزوة، وهم بعض الذين لم يخالفوا، لأنه لم يمت الذين لم يخالفوا كلهم، ووجه استعمال الظن فى العلم الشبه {كَمْ مِّن فِئَةٍ} فرقة من فأوت رأسه شققته، والفئة قطعة من الناس فحذف آخره، وزنه فعة، أو من فاء بمعنى رجع، فحذف وسطه، وونه فلة، والفرقة يرجع إليهم، ومن زائدة وفئة تمييز، أو غير زائدة تتعلق بمحذوف نعت لكم {قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بإِذْنِ اللهِ} حكمه وتيسيره {وَاللهُ مَعَ الصَّٰبِرِينَ} بالنصر والثواب، ولو غلبهم الكفار، لأنهم المحقون والفائزون بالجنة، أو مع الغلبة فى الدنيا فنصبر لنغلبهم فى القتال، ولو قللنا وكثروا، لاعتمادنا على الله وإعجابهم بكثرتهم، ويجوز أن يكون من كلام الله عز وجل تصديقا لقولهم، إن الغلبة بإذن الله لا بالكثرة.
الالوسي
تفسير : {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ} أي انفصل عن بيت المقدس مصاحباً لهم لقتال العمالقة، وأصله فصل نفسه عنه، ولما اتحد فاعله ومفعوله شاع استعماله محذوف المفعول حتى نزل منزلة القاصر ـ كانفصل ـ وقيل: فصل فصولاً وجوز كونه أصلاً برأسه ممتازاً من المتعدي بمصدره كوقف وقوفاً ووقفه وقفاً وصد عنه صدوداً وصده صداً وهو باب مشهور، والجنود الأعوان والأنصار جمع جند، وفيه معنى الجمع، وروى أنه قال لقومه: لا يخرج معي رجل بنى بناءاً لم يفرغ منه ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا متزوج بامرأة لم يبن عليها ولا ابتغي إلا الشاب النشيط الفارغ فاجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفاً، وقيل: سبعون ألفاً، وكان الوقت قيظاً فسلكوا مفازة فسالوا نهراً {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم} أي معاملكم معاملة من يريد أن يختبركم ليظهر للعيان الصادق منكم والكاذب {بِنَهَرٍ} بفتح الهاء، وقرىء بسكونها وهي لغة فيه وكان ذلك نهر فلسطين كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن قتادة والربيع أنه نهر بين فلسطين والأردن {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ} أي ابتدأ شربه لمزيد عطشه من نفس النهر بأن كرع لأنه الشرب منه حقيقة، وهذا كثيراً ما يفعله العطشان المشرف على الهلاك، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي: فمن شرب من مائه مطلقاً {فَلَيْسَ مِنّي} أي من أشياعي، أو ليس بمتصل بـي ومتحد معي {فَمَنْ} اتصالية وهي غير التبعيضية عند بعض وكأنها بيانية عنده وعينها عند آخرين. / {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى} أي من لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه، مأكولاً كان أو مشروباً، حكاه الأزهري عن الليث، وذكر الجوهري أن الطعم ما يؤديه الذوق وليس هو نفس الذوق فمن فسره به على هذا فقد توسع وعلى التقديرين استعمال طعم الماء بمعنى ذاق طعمه مستفيض لا يعاب استعماله لدى العرب العرباء ويشهد له قوله:شعر : وإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم ـ أطعم ـ نقاخا ولا برداً تفسير : وأما استعماله بمعنى شربه واتخذه طعاماً فقبيح إلا أن يقتضيه المقام كما في حديث «حديث : زمزم طعام طعم وشفاء سقم»تفسير : فإنه تنبيه على أنها تغذي بخلاف سائر المياه، ولا يخدش هذا ما حكي أن خالد بن عبد الله القسري قال على منبر الكوفة وقد خرج عليه المغيرة بن سعيد: أطعموني ماءاً فعابت عليه العرب ذلك وهجوه به وحملوه على شدة جزعه، وقيل فيه:شعر : بل المنابر من خوف ومن وهل واستطعم ـ الماء ـ لما جد في الهرب وألحن الناس كل الناس قاطبة وكان يولع بالتشديق بالخطب تفسير : لأن ذلك إنما عيب عليه لأنه صدر عن جزع فكان مظنة الوهم وعدم قصد المعنى الصحيح، وإلا فوقوع مثله في كلامهم مما لا ينبغي أن يشك فيه، وإنما علم طالوت أن من شرب عصاه ومن لم يطعم أطاعه بواسطة الوحي إلى نبـي بني إسرائيل وإنما لم يخبرهم النبـي نفسه بذلك بل ألقاه إلى طالوت فأخبر به كأنه من تلقاء نفسه ليكون له وقع في قلوبهم، وجوز أن يكون ذلك بواسطة وحي إليه بناءاً على أنه نبـئ بعد أن ملك وهو قول لا ثبت له، والقول بأنه يحتمل أن يكون بالفراسة والإلهام بعيد. {إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} استثناء من الموصول الأول أو ضميره في الخبر فإن فسر الشرب بالكروع كان الاستثناء منقطعاً وإلا كان متصلاً، وفائدة تقديم الجملة الثانية الإيذان بأنها من تتمة الأولى وأن الغرض منها تأكيدها وتتميمها نهياً عن الكروع من كل وجه، وإفادة أن المغترف ليس بذائق حكماً فيؤكد ترخيص الاغتراف ولو أخرت لم تفد هذه الفوائد ولاختل النظم لدلالة الاستثناء إذ ذاك على أن المغترف متحد معه، ودلالة الجملة الثانية بمفهومها على أنه غير متحد معه ولا يصح في الاستثناء أن يكون من أحد الضميرين الراجعين إلى الموصولين في الصلة للفصل بين أجزاء الصلة حينئذٍ بالخبر وأداء المعنى في الأول إلى أن المجتزىء في الشرب بغرفة واحدة ليس متصلاً به متحداً معه لأن التقدير ـ والذين شربوا كلهم إلا المغترف ليس مني ـ ولا يصح أيضاً أن يكون من الموصول الثاني أو الضمير الراجع إليه في الخبر خلافاً للبعض إذ لا فرق لأدائه إلى أن المجتزىء المذكور مخرج من حكم الاتحاد معه لأن التقدير ـ والذين لم يذوقوه فإنهم كلهم إلا المغترف منهم متصلون بـي متحدون معي ـ وليس بالمراد أصلاً، والغرفة ما يغرف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأهل المدينة (غَرفة) بفتح الغين على أنها مصدر، وقيل: الغرفة والغرفة مصدران والضم والفتح لغتان، والباء متعلقة باغترف أو بغرفة في قول، أو بمحذوف وقع صفة لها. {فَشَرِبُواْ مِنْهُ} عطف على مقدر يقتضيه المقام أي فابتلوا به فشربوا، والمراد إما كرعوا ـ وهو المتبادر ـ وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو أفرطوا في الشرب {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ} لم يكرعوا أو لم يفرطوا في الشرب بل اقتصروا على الغرفة باليد وكانت تكفيهم لشربهم وإداوتهم كما أخرجه ابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأخرج عنه أيضاً أن من شرب/ لم يزدد إلا عطشاً، وفي رواية: إن الذين شربوا اسودت شفاههم وغلبهم العطش وكان ذلك من قبيل المعجزة لذلك النبـي، وقرأ أبـيّ والأعمش (إلا قليلٌ) بالرفع وجعلوه من الميل إلى جانب المعنى فإن قوله تعالى: {فَشَرِبُواْ مِنْهُ} في قوة أن يقال: فلم يطيعوه فحق أن يرد المستثنى مرفوعاً كما في قول الفرزدق:شعر : وعض زمان يا ابن مروان ـ لم يدع ـ من المال إلا مسحت أو مجلف تفسير : فإن قوله: لم يدع في حكم لم يبق. وذهب أبو حيان إلى أنه لا حاجة إلى التأويل، وجوز في الموجب وجهين النصب وهو الأفصح والاتباع لما قبله على أنه نعت أو عطف بيان وأورد له قوله:شعر : وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان تفسير : ولا يخفى ما فيه {فَلَمَّا جَاوَزَهُ} أي النهر وتخطاه {هُوَ} أي طالوت {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} عطف على الضمير المتصل المؤكد بالمنفصل، والمراد بهم القليلون والتعبير عنهم بذلك تنويهاً بشأنهم وإيماءاً إلى أن من عداهم بمعزل عن الإيمان {مَعَهُ} متعلق ـ بجاوز ـ لا ـ بآمنوا ـ وجوز أن يكون خبراً عن (الذين) بناءاً على أن الواو للحال كأنه قيل: فلما جاوزه والحال إن الذين آمنوا كائنون معه. {قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} أي لا قدرة لنا بمحاربتهم ومقاومتهم فضلاً عن الغلبة عليهم، وجالوت كطالوت، والقائل بعض المؤمنين لبعض وهو إظهار ضعف لا نكوص لما شاهدوا من الأعداء ما شاهدوا من الكثرة والشدة، قيل: كانوا مائة ألف مقاتل شاكي السلاح، وقيل: ثلثمائة ألف {قَالَ} على سبيل التشجيع لذلك البعض وهو استئناف بياني {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ} أي يتيقنون {أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا ٱللَّهِ} بالبعث والرجوع إلى ما عنده وهم الخلص من أولئك والأعلون إيماناً فلا ينافي وصفهم بذلك إيمان الباقين فإن درجات المؤمنين في ذلك متفاوتة ويحتمل إبقاء الظن على معناه، والمراد يظنون أنهم يستشهدون عما قريب ويلقون الله تعالى، وقيل: الموصول عبارة عن المؤمنين كافة، وضمير (قالوا) للمنخزلين عنهم كأنهم قالوا ذلك اعتذاراً عن التخلف والنهر بينهما ولا يخفى بعده لأن الظاهر أنهم قالوا هذه المقالة عند لقاء العدو ولم يكن المنخزلون إذ ذاك معهم، وأيضاً أي حاجة إلى إبداء العذر عن التخلف مع ما سبق من طالوت أن الكارعين ليسوا منه في شيء فلو لم ينخزلوا لمنعوا من الذهاب معه. {كَم مّن فِئَةٍ} أي قطعة من الناس وجماعة ـ من فأوت رأسه ـ إذا شققته أو من فاء إليه إذا رجع وأصلها على الأول: فيوة فحذفت لامها فوزنها فعة، وأصلها على الثاني: فيئة فحذفت عينها فوزنها فله. و {كَمْ} هنا خبرية ومعناها كثير، و {مِنْ} زائدة، و {فِئَةٍ} تمييز، وجوز أبو البقاء أن يكون {مّن فِئَةٍ} في موضع رفع صفة لـ ـ كم ـ كما تقول عندي مائة من درهم ودينار، وجوز بعضهم أن تكون {كَمْ} استفهامية ولعله ليس على حقيقته، ونقل عن الرضي أن (من) لا تدخل بعد (كم) الاستفهامية، فالقول بالخبرية أولى {قَلِيلَةٍ} نعت ـ لفئة ـ على لفظها {غُلِبَتِ} أي قهرت عند المحاربة {فِئَةً كَثِيرَةً} بالنسبة إليها. {بِإِذُنِ ٱللَّهِ} أي بحكمه وتيسيره ولم يقولوا أطاقت حسبما وقع في كلام أصحابهم مبالغة في تشجيعهم وتسكين قلوبهم، وإذا حمل التنوين في {فِئَةٍ} الأولى للتحقير، وفي ـ فئة ـ الثانية للتعظيم كان أبلغ في التشجيع وأكمل في التسكين وقد ورد مثل ذلك في قوله:شعر : / له حاجب عن كل أمر يشينه وليس له عن طالب العرف حاجب تفسير : وهذا كما ترى ناشىء من كمال ـ إيمانهم بالله واليوم الآخر ـ وتصديقهم بأنه سبحانه لا يعجزه إحياء الموتى كما لا يعجزه إماتة الأحياء فضلاً عن نصرة الضعفاء فلا ريب في أن ما في حيز الصلة مما له كمال ملاءمة للحكم الوارد على الموصول لا سيما وقد أخذ فيه إذن الله تعالى وحكمه، ومن لا يؤمن بلقاء الله تعالى لا يكاد يقرب من هذا القيد قيد شبر فاندفع بهذا ما قاله ـ مولانا مفتي الديار الرومية ـ من أن هذا الجواب كما ترى ناشىء من كمال ثقتهم بنصر الله تعالى وتوفيقه ولا دخل في ذلك لظنّ لقاء الله تعالى بالبعث ولا لتوقع ثوابه عز شأنه، ولا ريب في أنّ ما ذكر في حيز الصلة ينبغي أن يكون مداراً للحكم الوارد على الموصول ولا أقل من أن يكون وصفاً ملائماً له فإن الملائمة على ما جاد به هذا الذهن الكليل حصلت على أتم وجه وأكمله فلا حاجة في تحصيلها إلى ما ذكره رحمه الله تعالى بعد من إخراج اللفظ عن ظاهره الشائع استعماله فيه إلى يوم ملاقاته تعالى وحمل ملاقاته سبحانه على ملاقاة نصره تعالى وتأييده وجعل التعبير بذلك عنه مبالغة فإنه بمعزل عن استعمال ذلك في جميع الكتاب المجيد وليس هو من قبيل قوله تعالى: {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} المراد منه المعية بالنصر والإحسان لأنه في سائر القرآن مألوف استعماله في مثل ذلك كما لا يخفى، وهو يحتمل أن يكون من كلام الأعلين أتى به تكميلاً للتشجيع وترغيباً بالصبر بالإشارة إلى ما فيه، ويحتمل أن يكون ابتداء كلام من جهته تعالى جىء به تقريراً لكلامهم ودعاءاً للسامعين إلى مثل حال هؤلاء المشير إليها مقالهم.
ابن عاشور
تفسير : عطفت الفاء جملة: (لما فصل)، على جملة { أية : وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم } تفسير : [البقرة: 247] لأن بعث الملك لأجل القتال، يترتب عليه الخروج للقتال الذي سألوا لأجله بعث النبي، وقد حذف بين الجملتين كلام كثير مقدر: وهو الرضا بالملك، ومجيء التابوت، وتجنيد الجنود؛ لأن ذلك مما يدل عليه جملة فصل طالوت بالجنود. ومعنى فصل بالجنود: قطع وابتعد بهم، أي تجاوزوا مساكنهم وقراهم التي خرجوا منها وهو فعل متعد لأن أصله فصل الشيء عن الشيء ثم عدوه إلى الفاعل فقالوا فصل نفسه حتى صار بمعنى انفصل، فحذفوا مفعوله لكثرة الاستعمال، ولذلك تجد مصدره الفصل بوزن مصدر المتعدي، ولكنهم ربما قالوا فصل فصولاً نظراً لحالة قصوره، كما قالوا صده صداً، ثم قالوا صد هو صداً، ثم قالوا صد صدوداً. ونظيره في حديث : حديث صفة الوحي «أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت ما قال» تفسير : أي فيفصل نفسه عني، والمعنى فينفصل عني. وضمير {قال} راجع إلى (طالوت)، ولا يصح رجوعه إلى نبيئهم لأنه لم يخرج معهم، وإنما أخبر طالوت عن الله تعالى بأنه مبتليهم، مع أنه لم يكن نبيئاً، يوحى إليه: إما إستناداً لإخبار تلقاه من صمويل، وإما لأنه اجتهد أن يختبرهم بالشرب من النهر لمصلحة رآها في ذلك، فأخبر عن اجتهاده، إذ هو حكم الله في شرعهم فأسنده إلى الله، وهذا من معنى قول علماء أصول الفقه إن المجتهد يصح له أن يقول فيما ظهر له باجتهاده إنه دين الله أو لأنه في شرعهم أن الله أوجب على الجيش طاعة أميرهم فيما يأمرهم به، وطاعة الملك فيما يراه من مصالحهم، وكان طالوت قد رأى أن يختبر طاعتهم ومقدار صبرهم بهذه البلوى فجعل البلوى من الله؛ إذ قد أمرهم بطاعته بها. وعلى كل فتسمية هذا التكليف ابتلاء تقريب للمعنى إلى عقولهم لأن المقصود إظهار الاعتناء بهذا الحكم، وأن فيه مرضاة الله تعالى على الممتثل، وغضبه على العاصي، وأمثال هذه التقريبات في مخاطبات العموم شائعة، وأكثر كلام كتب بني إسرائيل من هذا القبيل. والظاهر أن الملك لما علم أنه سائر بهم إلى عدو كثير العدد، وقوي العهد أراد أن يختبر قوة يقينهم في نصرة الدين، ومخاطرتهم بأنفسهم وتحملهم المتاعب وعزيمة معاكستهم نفوسهم فقال لهم إنكم ستمرون على نهر، وهو نهر الأردن، فلا تشربوا منه فمن شرب منه فليس مني، ورخص لهم في غرفة يغترفها الواحد بيده يبل بها ريقه، وهذا غاية ما يختبر به طاعة الجيش، فإن السير في الحرب يعطش الجيش، فإذا وردوا الماء توافرت دواعيهم إلى الشرب منه عطشاً وشهوة، ويحتمل أنه أراد إبقاء نشاطهم: لأن المحارب إذا شرب ماء كثيراً بعد التعب، انحلت عراه ومال إلى الراحة، وأثقله الماء. والعرب تعرف ذلك قال طفيل يذكر خيلهم: شعر : فلما شَارَفَتْ أَعلام طي وطيٌّ في المَغَار وفي الشعاب سَقَيْنَاهُنَّ من سهل الأداوى فمصطبح على عَجَل وآبي تفسير : يريد أن الذي مارس الحرب مراراً لم يشرب؛ لأنه لا يسأم من الركض والجهد، فإذا كان حاجزاً كان أخفَّ له وأسرعَ، والغر منهم يشرب لجهله لما يراد منه، ولأجل هذا رخص لهم في اغتراف غرفة واحدة. والنهَر بتحريك الهاء وبسكونها للتخفيف، ونظيره في ذلك شَعَر وبَحَر وحَجَر فالسكون ثابت لجميعها. وقوله: {فليس مني} أي فليس متصلاً بي ولا علقة بيني وبينه، وأصل «من» في مثل هذا التركيب للتبعيض، وهو تبعيض مجازي في الاتصال، وقال تعالى: { أية : ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء } تفسير : [آل عمران: 28] وقال النابغة: شعر : إذا حاولتَ في أَسدِ فجوراً فإني لستُ منك ولستَ مني تفسير : وسمى بعض النحاة «من» هذه بالاتصالية. ومعنى قول طالوت «ليس مني» يحتمل أنه أراد الغضب عليه والبعد المعنوي، ويحتمل أنه أراد أنه يفصله عن الجيش، فلا يكمل الجهاد معه، والظاهر الأول لقوله {ومن لم يطعَمْه فإنه مني} لأنه أراد به إظهار مكانة من ترك الشرب من النهر وولائه وقربه، ولو لم يكن هذا مراده لكان في قوله: {فمن شرب منه فليس مني} غنية عن قوله: ومن لم يطعمه فإنه مني؛ لأنه إذا كان الشارب مبعداً من الجيش فقد علم أن من لم يشرب هو باقي الجيش. والاستثناء في قوله: {إلا من اغترف غرفة بيده} من قوله: {فمن شرب منه} لأنه من الشاربين، وإنما أخره عن هذه الجملة، وأتى به بعد جملة {ومن لم يطعمه} ليقع بعد الجملة التي فيها المستثنى منه مع الجملة المؤكدة لها؛ لأن التأكيد شديد الاتصال بالمؤكد، وقد علم أن الاستثناء راجع إلى منطوق الأولى ومفهوم الثانية، فإن مفهوم (من لم يطعمه فإنه منّي) أن من طعمه ليس منه، ليعلم السامعون أن المغترف غرفة بيده هو كمن لم يشرب منه شيئاً، وأنه ليس دون من لم يشرب في الولاء والقرب، وليس هو قسماً واسطة. والمقصود من هذا الاستثناء الرخصة للمضطر في بلال ريقه، ولم تذكر كتب اليهود هذا الأمر بترك شرب الماء من النهر حين مرور الجيش في قصة شاول، وإنما ذكرت قريباً منه إذ قال في سفر صمويل لما ذكر أشد وقعة بين اليهود وأهل فلسطين: «وضنك رجال إسرائيل في ذلك اليوم؛ لأن شاول حلف القوم قائلاً ملعون من يأكل خبزاً إلى المساء حتى أنتقم من أعدائي» وذكر في سفر القضاة في الإصحاح السابع مثل واقعة النهر، في حرب جَدعون قاضي إسرائيل للمديانيين، والظاهر أن الواقعة تكررت لأن مثلها يتكرر فأهملتها كتبهم في أخبار شاول. وقوله: {لم يطعمه} بمعنى لم يذقه، فهو من الطعم بفتح الطاء، وهو الذوق أي اختبار المطعوم، وكان أصله اختبار طعم الطعام أي ملوحته أو ضدها، أو حلاوته أو ضدها، ثم توسع فيه فأطلق على اختبار المشروب، ويعرف ذلك بالقرينة، قال الحارث بن خالد المخزومي وقيل العرجي: شعر : فإِنْ شئتِ حرَّمْتُ النساء سواكم وإنْ شِئتِ لم أَطْعم نقاخاً ولا بَرْدا تفسير : فالمعنى لم أذق. فأما أن يطلق الطعم على الشرب أي ابتلاع الماء فلاَ، لأن الطعم الأكل ولذلك جاء في الآية والبيت منفياً، لأن المراد أنه لم يحصل أقَل ما يطلق عليه اسم الذوق، ومن أجل هذا عيروا خالد بن عبد الله القسري لما أخبر وهو على المنبر بخروج المغيرة بن سعيد عليه فقال «أطعموني ماء» إذ لم يعرف في كلام العرب الأمر من الإطعام إلاّ بمعنى الأكل، وأما من يطلب الشراب فإنما يقول اسقوني لأنه لا يقال طعم بمعنى شرب، وإنما هو بمعنى أكل. والغرفة بفتح الغين في قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي جعفر، المرَّة من الغرف وهو أخذ الماء باليد، وقرأه حمزة وعاصم والكسائي ويعقوب وخلف، بضم الغين، وهو المقدار المغروف من الماء. ووجه تقييده بقوله: {بيده} مع أن الغرف لا يكون إلاّ باليد لدفع توهم أن يكون المراد تقديرَ مقدار الماء المشروب، فيتناوله بعضهم كرهاً، فربما زاد على المقدار فجعلت الرخصة الأخذ باليد. وقد دل قوله: {فشربوا منه} على قِلة صبرهم، وأنهم ليسوا بأهل لمزاولة الحروب، ولذلك لم يلبثوا أن صرحوا بعدَ مجاوزة النهر فقالوا: {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} فيحتمل أن ذلك قالوه لما رأوا جنود الأعداء، ويحتمل أنهم كانوا يعلمون قوة العدو، وكانوا يسرون الخوف، فلما اقترب الجيشان، لم يستطيعوا كتمان ما بهم. وفي الآية انتقال بديع إلى ذكر جند جالوت والتصريح باسمه، وهو قائد من قواد الفلسطينيين اسمه في كتب اليهود جُلْيَات كان طوله ستة أذرع وشبراً، وكان مسلحاً مدرعاً، وكان لا يستطيع أن يبارزه أحد من بني إسرائيل، فكان إذا خرج للصف عرض عليهم مبارزته وعيرهم بجنبهم. وقوله: {قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله} الآية، أي الذين لا يحبون الحياة ويرجون الشهادة في سبيل الله، فلقاء الله هنا كناية عن الموت في مرضاة الله شهادة وفي الحديث « حديث : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه » تفسير : فالظن على بابه. وفي قوله: {كم من فئة} خبرية لا محالة إذ لا موقع للاستفهام فإنهم قصدوا بقولهم هذا تثبيت أنفسهم وأنفس رفقائهم، ولذلك دعوا إلى ما به النصر وهو الصبر والتوكل فقالوا {والله مع الصابرين}. والفئة: الجماعة من الناس مشتقة من الفيء وهو الرجوع، لأن بعضهم يرجع إلى بعض، ومنه سميت مؤخرة الجيش فئة، لأن الجيش يفىء إليها. وقوله: {ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً} هذا دعاؤهم حين اللقاء بطلب الصبر من الله، وعبروا عن إلهامهم إلى الصبر بالإفراغ استعارة لقوة الصبر فإن القوة والكثرة يتعاوران الألفاظَ الدالة عليهما، كقول أبي كبير الهذلي: شعر : كثير الهوى شَتَّى النوى والمسالك تفسير : وقد تقدم نظيره، فاستعير الإفراغ هنا للكثرة مع التعميم والإحاطة وتثبيت الأقدام استعارة لعدم الفرار شبه الفرار والخوف بزلق القدم، فشبه عدمه بثبات القدم في المأزق. وقد أشارت الآية في قوله: {فهزموهم} إلخ إلى انتصار بني إسرائيل على الفلسطينيين وهو انتصار عظيم كان به نجاح بني إسرائيل في فلسطين وبلاد العمالقة، مع قلة عددهم فقد قال مؤرخوهم إن طالوت لما خرج لحرب الفلسطينيين جمع جيشاً فيه ثلاثة آلاف رجل، فلما رأوا كثرة الفلسطينيين حصل لهم ضنك شديد واختبأ معظم الجيش في جبل افرايم في المغارات والغياض والآبار، ولم يعبروا الأردن، ووجم طالوت واستخار صمويل، وخرج للقتال فلما اجتاز نهر الأردن عد الجيش الذي معه فلم يجد إلاّ نحو ستمائة رجل، ثم وقعت مقاتلات كان النصر فيها لبني إسرائيل، وتشجع الذين جبنوا واختبأوا في المغارات وغيرها فخرجوا وراء الفلسطينيين وغنموا غنيمة كثيرة، وفي تلك الأيام من غير بيان في كتب اليهود لمقدار المدد بين الحوادث ولا تنصيص على المتقدم منها والمتأخر ومع انتقالات في القصص غير متناسبة، ظهر داود بن يسى اليهودي إذ أوحى الله إلى صمويل أن يذهب إلى بيت يسى في بيت لحم ويمسح أصغر أبناء يسى ليكون ملكاً على إسرائيل بعد حين، وساق الله داود إلى شاول (طالوت) بتقدير عجيب فحظى عند شاول، وكان داود من قبل راعي غنم أبيه، وكان ذا شجاعة ونشاط وحسن سمت، وله نبوغ في رمي المقلاع، فكان ذات يوم التقى الفلسطينيون مع جيش طالوت وخرج زعيم من زعماء فلسطين اسمه جُلْيَات كما تقدم، فلم يستطع أحد مبارزته فانبرى له داود ورماه بالمقلاع فأصاب الحجر جبهته وأسقطه إلى الأرض واعتلاه داود واخترط سيفه وقطع رأسه، فذهب به إلى شاول وانهزم الفلسطينيون، وزوج شاول ابنته المسماة ميكال من داود، وصار داود بعد حين ملكاً عوض شاول، ثم آتاه الله النبوءة فصار ملكاً نبيئاً، وعلمه مما يشاء. ويأتي ذكر داود عند قوله تعالى: { أية : وتلك حجتنا أتيناها إبراهيم على قومه } تفسير : في سورة الأنعام (83). {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ}. ذيلت هذه الآية العظيمة كل الوقائع العجيبة التي أشارت بها الآيات السالفة لتدفع عن السامع المتبصر ما يخامره من تطلب الحكمة في حدثان هذه الوقائع وأمثالها في هذا العالم ولكون مضمون هذه الآية عبرة من عبر الأكوان وحكمة من حكم التاريخ، ونظم العمران التي لم يهتد إليها أحد قبل نزول هذه الآية، وقبل إدراك ما في مطاويها، عطفت على العبر الماضية كما عطف قوله: { أية : وقال لهم نبيهم } تفسير : [البقرة: 247] وما بعده من رؤوس الآي. وعدل عن المتعارف في أمثالها من ترك العطف، وسلوك سبيل الاستئناف. وقرأ نافع وأبو جعفر ويعقوب (ولولا دفاع الله الناس) بصيغة المفاعلة، وقرأه الجمهور (دفع) بصيغة المجرد. والدفاع مصدر دافع الذي هو مبالغة في دفع لا للمفاعلة، كقول موسى بن جابر الحنفي: شعر : لا أشتهي يا قوم إلاّ كارهاً باب الأمير ولا دفاع الحاجب تفسير : وإضافته إلى الله مجاز عقلي كما هو في قوله: { أية : إن الله يدفع عن الذين آمنوا } تفسير : [الحج: 38] أي يدفع لأن الذي يدفع حقيقة هو الذي يباشر الدفع في متعارف الناس وإنما أسند إلى الله لأنه الذي قدره وقدر أسبابه، ولذلك قال: {بعضهم ببعض} فجعل سبب الدفاع بعضهم وهو من باب { أية : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } تفسير : [الأنفال: 17] وأصل معنى الدفع الضرب باليد للإقصاء عن المرام. قال: شعر : فدفعتها فتدافعت تفسير : وهو ذب عن مصلحة الدافع. ومعنى الآية: أنه لولا وقوع دفع بعض الناس بعضاً آخر بتكوين الله وإيداعه قوة الدفع وبواعثه في الدافع لفسدت الأرض، أي من على الأرض، واختل نظام ما عليها، ذلك أن الله تعالى لما خلق الموجودات التي على الأرض من أجناس وأنواع وأصناف، خلقها قابلة للاضمحلال، وأودع في أفرادها سننا دلت على أن مراد الله بقاؤها إلى أمد أراده، ولذلك نجد قانون الخَلَفية منبثاً في جميع أنواع الموجودات فما من نوع إلاّ وفي أفراده قوة إيجاد أمثالها لتكون تلك الأمثال أخلافاً عن الأفراد عند اضمحلالها، وهذه القوة هي المعبر عنها بالتناسل في الحيوان، والبذر في النبت، والنضح في المعادن، والتولد في العناصر الكيماوية. ووجود هذه القوة في جميع الموجودات أول دليل على أن موجِدها قد أراد بقاء الأنواع، كما أراد اضمحلال الأفراد عند آجال معينة، لاختلال أو انعدام صلاحيتها، ونعلم من هذا أن الله خالق هذه الأكوان لا يحب فسادها، وقد تقدم لنا تفسير قوله: { أية : وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد } تفسير : [البقرة: 205]. ثم إن الله تعالى كما أودع في الأفراد قوة بها بقاء الأنواع، أودع في الأفراد أيضاً قوى بها بقاء تلك الأفراد بقدر الطاقة، وهي قوى تطلُّب الملائم ودفع المنافي، أو تطلُّب البقاء وكراهية الهلاك، ولذلك أودع في جميع الكائنات إدراكات تنساق بها، بدون تأمل أو بتأمل، إلى ما فيه صلاحها وبقاؤها، كانسياق الوليد لالتهام الثدي، وأطفال الحيوان إلى الأثداء والمراعي، ثم تتوسع هذه الإدراكات، فيتفرع عنها كل ما فيه جلب النافع الملائم عن بصيرة واعتياد، ويسمى ذلك بالقوة الشاهية. وأودع أيضاً في جميع الكائنات إدراكات تندفع بها إلى الذب عن أنفسها، ودفع العوادي عنها، عن غير بصيرة، كتعريض اليد بين الهاجم وبين الوجه، وتعريض البقرة رأسها بمجرد الشعور بما يهجم عليها من غير تأمل في تفوق قوة الهاجم على قوة المدافع، ثم تتوسع هاته الإدراكات فتتفرع إلى كل ما فيه دفع المنافر من ابتداء بإهلاك من يُتوقع منه الضر، ومن طلب الكِن، واتخاذ السلاح، ومقاومة العدو عند توقع الهلاك، ولو بآخر ما في القوة وهو القوة الغاضبة ولهذا تزيد قوة المدافعة اشتداداً عند زيادة توقع الأخطار حتى في الحيوان. وما جعله الله في كل أنواع الموجودات من أسباب الأذى لمريد السوء به أدل دليل على أن الله خلقها لإرادة بقائها، وقد عَوَّضَ الإنسان عما وهبه إلى الحيوان العقلَ والفكرة في التحيل على النجاة ممن يريد به ضرراً، وعلى إيقاع الضر بمن يريده به قبل أن يقصده به، وهو المعبر عنه بالاستعداد. ثم إنه تعالى جعل لكل نوع من الأنواع، أو فرد من الأفراد خصائص فيها منافع لغيره ولنفسه ليحرص كل على إبقاء الآخر، فهذا ناموس عام، وجعل الإنسان بما أودَعه من العقل هو المهيمن على بقية الأنواع. وجعل له العلم بما في الأنواع من الخصائص، وبما في أفراد نوعه من الفوائد. فخلق الله تعالى أسباب الدفاع بمنزلة دفع من الله يدفع مريد الضر بوسائل يستعملها المراد إضراره، ولولا هذه الوسائل التي خولها الله تعالى أفراد الأنواع، لاشتد طمع القوي في إهلاك الضعيف، ولاشتدت جراءة من يجلب النفع إلى نفسه على منافع يجدها في غيره، فابتزها منه، ولأفرَطتْ أفراد كل نوع في جلب النافع الملائم إلى أنفسها بسلب النافع الملائم لغيرها، مما هو له، ولتناسى صاحب الحاجة حين الاحتياج ما في بقاء غيره من المنفعة له أيضاً. وهكذا يتسلط كل ذي شهوة على غيره، وكل قوي على ضعيفه، فيهلك القوي الضعيف، ويهلك الأقوى القويَّ، وتذهب الأفراد تباعاً، والأنواع كذلك حتى لا يبقى إلاّ أقوى الأفراد من أقوى الأنواع، وذلك شيء قليل، حتى إذا بقي أعوزته حاجات كثيرة لا يجدها في نفسه، وكان يجدها في غيره من أفراد نوعه، كحاجة أفراد البشر بعضهم إلى بعض، أو من أنواع أخر، كحاجة الإنسان إلى البقرة، فيذهب هدراً. ولما كان نوع الإنسان هو المهيمن على بقية موجودات الأرض وهو الذي تظهر في أفراده جميع التطورات والمساعي، خصتهُ الآية بالكلام فقالت: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} إذ جعل الله في الإنسان القوة الشاهية لبقائه وبقاء نوعه، وجعل فيه القوة الغاضبة لرد المفرط في طلب النافع لنفسه، وفي ذلك استبقاء بقية الأنواع؛ لأن الإنسان يذب عنها لما في بقائها من منافع له. وبهذا الدفاع حصلت سلامة القوي، وهو ظاهر، وسلامة الضعيف أيضاً لأن القوي إذا وجد التعب والمكدرات في جلب النافع سئم ذلك، واقتصر على ما تدعو إليه الضرورة. وإنما كان الحاصل هو الفساد، لولا الدفاع، دون الصلاح، لأن الفساد كثيراً ما تندفع إليه القوة الشاهية بما يوجد في أكثر المفاسد من اللذات العاجلة القصيرة الزمن، ولأن في كثير من النفوس أو أكثرها الميل إلى مفاسد كثيرة، لأن طبع النفوس الشريرة ألا تراعي مضرة غيرها، بخلاف النفوس الصالحة، فالنفوس الشريرة أعمد إلى انتهاك حرمات غيرها، ولأن الأعمال الفاسدة أسرع في حصول آثارها وانتشارها، فالقليل منها يأتي على الكثير من الصالحات، فلا جرم لولا دفاع الناس بأن يدافع صالحهم المفسدين، لأسرع ذلك في فساد حالهم، ولعم الفساد أمورهم في أسرع وقت. وأعظم مظاهر هذا الدفاع هو الحروب؛ فبالحرب الجائرة يطلب المحارب غصب منافع غيره، وبالحرب العادلة ينتصف المحق من المبطل، ولأجلها تتألف العصبيات والدعوات إلى الحق، والإنحاء على الظالمين، وهزم الكافرين. ثم إن دفاع الناس بعضهم بعضاً يصد المفسد عن محاولة الفساد، ونفس شعور المفسد بتأهب غيره لدفاعه يصده عن اقتحام مفاسد جمة. ومعنى فساد الأرض: إما فساد الجامعة البشرية كما دل عليه تعليق الدفاع بالناس، أي لفسد أهل الأرض، وإما فساد جميع ما يقبل الفساد فيكون في الآية احتباك، والتقدير: ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض وبقية الموجودات بعضها ببعض لفسدت الأرض أي من على الأرض ولفسد الناس. والآية مسوقة مساق الامتنان، فلذلك قال تعالى: {لفسدت الأرض} لأنا لا نحب فساد الأرض، إذ في فسادها ــــ بمعنى فساد ما عليها ــــ اختلالُ نظامنا وذهاب أسباب سعادتنا، ولذلك عقبه بقوله: {ولكن الله ذو فضل على العالمين} فهو استدراك مما تضمنته «لولا» من تقدير انتفاء الدفاع؛ لأن أصل لولا لو مع لا النافية، أي لو كان انتفاءُ الدفاع موجوداً لفسدت الأرض وهذا الاستدراك في هذه الآية أدل دليل على تركيب (لولا) من (لو) و(لا)، إذ لا يتم الاستدراك على قوله: {لفسدت الأرض} لأن فساد الأرض غير واقع بعد فرض وجود الدفاع، إن قلنا «لولا» حرف امتناع لوجود. وعلق الفضل بالعالمين كلهم لأن هذه المنة لا تختص.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فصل طالوت: انفصل من الديار وخرج يريد العدو. بالجنود: العسكر وتعداده - كما قيل: سبعون ألف مقاتل. مبتليكم بنهر: مختبركم بنهر جار لعله هو نهر الأردن الآن. ومن لم يطعمه: لم يشرب منه. غرفة: الغرفة بالفتح المرة وبالضم الاسم من الإغتراف. الذين آمنوا معه: هم الذين لم يشربوا من النهر، أما من شرب فقد كفر وأشرك. أنهم مُلاَقوُ اللَّهِ : أي يوم القيامة فهم يؤمنون بالبعث الآخر. كم من فئة: كم للتكثير والفئة: الجماعة يفييء بعضها إلى بعض. والله مع الصابرين: يسددهم ويعينهم وينصرهم. معنى الآية: إنه لما خرج طالوت بالجيش أخبرهم أن الله تعالى مختبرهم في سيرهم هذا إلى قتال عدوهم بنهر ينتهون إليه وهم في حرّ شديد وعطش شديد، ولم يأذن لهم في الشرب منه إلا ما كان من غرفة واحدة فمن أطاع ولم يشرب فهو المؤمن ومن عَصَى وشرب غير المأذون به فهو الكافر. ولما وصلوا إلى النهر شربوا منه يكرعون كالبهائم إلا قليلاً منهم. وواصل طالوت السير فجاوز النهر هو ومن معه، ولما كانوا على مقربة من جيش العدو وكان قرابة مائة ألف قال الكافرون والمنافقون: {لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} فأعلنوا انهزامهم، وانصرفوا فارين، وقال المؤمنون الصادقون وهم الذين قال الله فيهم {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} كانت هذه الآية في بيان سير طالوت إلى العدو وفي الآيتين التاليتين [250] و [251] بيان المعركة وما انتهت إليه من نصر حاسم للمؤمنين الصادقين قال تعالى:{وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا...}.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {مُلاَقُواْ} {ٱلصَّابِرِينَ} (249) - وَلَمَّا خَرَجَ طَالُوتُ بِجَيْشِهِ مِنَ البَلَدِ مُتَّجِهاً إلى حَرْبِ الأَعْدَاءِ، وَكَانَ الوَقْتُ قَائِظاً، سَألَ بَنُو إسْرائيل طَالُوتَ المَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ إنَّ اللهَ مُخْتَبِرُكُمْ بِنَهْرٍ سَتَمُرُّونَ بِهِ (وَهُوَ نَهْرُ الأُرْدُنِّ عَلَى قَوْلٍ) فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلا يُصَاحِبْنِي، وَمَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ فَلْيُصَاحِبْنِي، وَلَكِنْ لاَ بَأَسَ فِي أنْ يَغْتَرِفَ الوَاحِدُ غُرْفَةً بَيَدَيهِ يَبُلُّ بِهَا رِيقَهُ، فَتَمَرَّدَ أكْثَرُهُمْ، وَشَربُوا مِنَ النَّهْرِ، وَبَقِيَ طَالُوتُ فِي فِئةٍ قَليلَةٍ مِنْ جُنُودِهِ، فَاجْتَازَ بِهِم النَّهْرَ، فَلَمَّا نَظَرَ أصْحَابُ طَالُوتَ إلى قِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وَكَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، قَالُوا: إنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ مُحَارَبَةَ جَالُوتَ وَجُنُودِهِ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، فَشَجَّعَهُمْ عُلَمَاؤهُمْ، وَقَالُوا لَهُمْ: إنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ، وَإنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَلَيْسَ بِكْثَرَةِ العَدَدِ وَالعُدَّةِ، وَكثيراً مَا غَلَبَتْ قُوّةٌ صَغِيرةٌ مُؤْمِنَةٌ مُخْلِصَةٌ فِي قِتَالِهَا، فِئَةً كَثِيرَة العَدَدِ بِإذْنِ اللهِ، وَاللهُ يُؤَيِّدُ الصَّابِرِينَ وَيَنْصُرُهُمْ. فَصَلَ - انْفَصَلَ عَنِ المَدِينَةِ. مُبْتَلِيكُمْ - مُخْتَبِرُكُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ. اغْتَرَفَ - أَخَذَ بِيَدِهِ. لاَ طَاقَةَ لَنَا - لاَ قُدْرَةَ وَلاَ قُوَّةَ لَنَا. فِئَةٍ - جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ.
الثعلبي
تفسير : {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ} أي خرج [ورحل] بهم، وأصل الفصل: القطع فمعنى قوله {فَصَلَ} أي قطع مستقر فتجاوزه شاخصاً إلى غيره نظير قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ} تفسير : [يوسف: 94]. فخرج طالوت من بيت المقدس بالجنود وهم يؤمئذ سبعون الف مقاتل. وقيل: ثمانون ألفاً لم يتخلّف عنه إلاّ كبير لهرمه أو مريض لمرضه أو ضرير لضرره أو معذور لعذره. وذلك أنّهم لما رأوا التابوت قالوا: قد أتانا التابوت وهو النور لا شك فيه، فتسارعوا إلى الجهاد. فقال طالوت: لا حاجة لي في كلّ ما أرى. لا يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه، ولا صاحب تجارة مشتغل بها، ولا رجل عليه دين، ولا رجل تزوّج بامرأة لم يدن لها ولا أبتغي إلاّ الشاب النشيط الفارغ. فاجتمع ثمانون ألفاً ممن شرطه وكان في حرّ شديد فشكوا قلّة المياه بينهم وبين عدوهم، وقالوا: إنّ المياه لا تحملنا فادع الله تعالى أن يجري لنا نهراً. فقال طالوت: {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ} مختبركم ليرى طاعتكم وهو أعلم {بِنَهَرٍ} قرأه العامّة بفتح الهاء، وقرأ حميد وابن محصن {بِنَهَرٍ} ساكنة الهاء، وهما لغتان مثل شعْر وشعَر وصخْر وصخَر وصمْغ وصمَغ وسمْع وسمَع وفحْم وفحَم. قال ابن عباس والسدي: هو نهر فلسطين. قتاده والربيع: نهر بين الأردن وفلسطين عذب. {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} أي ليس من أهل ديني وطاعتي {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} يشربه {فَإِنَّهُ مِنِّيۤ} نظير قوله: {أية : لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} تفسير : [المائدة: 93] ثم استثنى فقال: {إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} قرأ ابن عباس، وابن أبي إسحاق، وسليمان التيمي، وابن أبي الجوزاء، وأبو جعفر، وشيبة، ونافع، وأبو مخرمة، وأبو عمرو، وأيوب: {غَرْفَةً} بفتح الغين وقرأ الباقون بضمّه وهو قراءة عثمان وهما لغتان. وقال الكسائي وأبو عبيدة: الغرفة بالضم الذي يحصل في الكف من الماء إذا غرف. والغرفة: الاغتراف، فالضم اسم والفتح مصدر. وقال أبو حاتم: الغرفة بالضم مِلء الكف أو ملء المغرفة، والغرفة: المرّة الواحدة من القليل والكثير. {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} نصب على الاستثناء. وقرأ ابن مسعود {قَلِيل} بالرفع كقول الشاعر: شعر : وكلّ أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلاّ الفرقدان وكلّ قرينة قرنت بأخرى وإن ضنّت بها سيفرّقان تفسير : واختلفوا في القليل الذي لم يشربوا، فقال السدي: كانوا أربعة آلاف، وقال غيره: ثلاث مائة وبضعة عشر وهو الصحيح، يدلّ عليه قول البراء بن عازب قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: "حديث : أنتم اليوم على عدّة أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاء معه إلاّ مؤمن"تفسير : قال: وكنّا يومئذ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً. قالوا: فمن اغترف غرفة كما أمر الله سبحانه، قوي قلبه وصحّ إيمانه وعبر النهر سالماً وكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه وحمله ودوابه، والذين شربوا وخالفوا أمر الله، سوّدت شفاههم وغلبهم العطش فلم يرووا وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو ولم يشهدوا الفتح. {فَلَمَّا جَاوَزَهُ} يعني النهر {هُوَ} يعني طالوت {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} يعني القليل {قَالُواْ} الذين شربوا وخالفوا أمر الله عزّ وجلّ وكانوا أهل شك ونفاق {لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} وانصرفوا عن طالوت ولم يشهدوا قتال جالوت. {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ} يوقنون ويعلمون {أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ} وهم الذين ثبتوا مع طالوت {كَم} وقرأ أُبيّ: كائن {مِّن فِئَةٍ} جماعة وهي جمع لا واحد له من لفظه، وجمعها فئات وفئون في الرفع، وفئين في النصب والخفض {قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} مُعينهم وناصرهم. قال الزجّاج: إنّما قيل للفرقة فئة من فأوت رأسه بالعصا وفائته إذا شققته كأنّها قطعة. {وَلَمَّا بَرَزُواْ} يعني طالوت وجنوده المؤمنين {لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} المشركين ومعنى {بَرَزُواْ} صاروا بالبراز من الأرض وهو ما ظهر واستوى {قَالُواْ} وهم أهل البصيرة والطاعة {رَبَّنَآ أَفْرِغْ} أنزل وأصبب {عَلَيْنَا صَبْراً} كما يفرغ الدلو {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} وقوّ قلوبنا {وَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} وفي الآية إضمار تقديرها: فأنزل الله عليهم صبراً ونصراً {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ}. صفة قتل داود جالوت قال المفسّرون بألفاظ متشابهة ومعان متّفقة: عبر النهر فيمن عبر مع طالوت أيشا أبو داود في ثلاثة عشر ابناً وكان داود أصغرهم، فأتاهم ذات يوم فقال: يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئاً إلاّ صرعته فقال: أبشر فإنّ الله جعل رزقك في قذافتك، ثم أتاه مرّة أُخرى فقال: يا ابتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسداً رابضاً فركبته وأخذت بأذنيه ولم يهمّني، فقال: أبشر يابني فإنّ هذا خير أعطاكه الله. ثم أتاه يوماً آخر فقال: يا أبتاه إنّي لأمشي بين الجبال فاسبّح فما يبقى جبل إلاّ يُسبّح معي، فقال: أبشر يابني فإنّ هذا خير أعطاكه الله. قالوا: فارسل جالوت إلى طالوت أن ابرز اليّ مَنْ يقاتلني فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم، فشقّ ذلك على طالوت فنادى في عسكره مَنْ يقتل جالوت زوّجته ابنتي وناصفته ملكي، فخاف الناس جالوت فلم يجبه أحد. فسأل طالوت نبيّهم اشمويل ان يدعوا الله، فدعا الله عزّ وجلّ في ذلك، فأتى بقرن فيه دهن، وتنور من حديد، فقيل: إنّ صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي يوضع هذا القرن على رأسه فيغلي الدهن حتى يدهن رأسه منه ولا يسيل على وجهه يكون على رأسه كهيئة إلاّ كليل، ويدخل في هذا التنور فيملأه لا يتقلقل فيه، فدعا طالوت بني اسرائيل فجرّبهم فلم يوافقه منهم أحد. فأوصى الله تعالى إلى نبيهم إنّ في ولد أيشا مَنْ يقتل الله به جالوت، فدعا طالوت أيشا وقال: أعرض عليّ نبيك، فأخرج له اثني عشر رجلاً أمثال السواري، فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئاً فيقول لرجل منهم: بادع عليهم جسم ارجع فيردد عليه فأوحى الله تعالى إليه إنا لا نأخذ الرجال على صورهم ولكنّا نأخذ على صلاح قلوبهم، فقال لأيشا: هل بقى لك ولد غيرهم؟ قال: لا. فقال النبيّ عليه السلام: يا ربّ إنّه زعم أنّ لا ولد له غيرهم، فقال: كذب. فقال النبيّ: إنّ ربّي كذّبك، فقال: صدق الله يانبي الله إنّ لي ابناً صغيراً يقال له: داود، استحييت أن يراه الناس لقصر قامته وحقارته، فخلّفته في الغنم يرعاها وهو في شعب كذا، وكان داود عليه السلام رجلاً قصيراً مسقاطاً مصفاراً أزرق أمعد. فدعاه طالوت، ويقال: بل خرج طالوت إليه فوجد الوادي قد سال بينه وبين الزرب التي يريح إليها، فوجده يحمل شاتين شاتين يجيزهما السيل ولا يخوض بهما الماء، فلما رآه النبيّ عليه السلام قال: هذا هو لا شك فيه هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم، فدعاه ووضع القرن على رأسه ففاض. فقال له طالوت: هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ابنتي وأجري خاتمك في ملكي؟ قال: نعم. قال: وهل أنست من نفسك شيئاً تقوى به على قتله؟ قال: نعم، أنا أرعى فيجيء الأسد والنمر والذئب فيأخذ شاة وأقوم له وأفتح لحييه عنها وأخرقهما إلى قفاه. فردّه إلى عسكره، فمرّ داود بحجر فناده: يا داود احملني فإنّي حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا، فحمله في مخلاته. ثم مرّ بحجر آخر فناده: ياداود احملني فإنّي حجر موسى الذي قتل بيّ ملك كذا، فحمله في مخلاته. فمرّ بحجر آخر فقال: احملني فإنّي حجرك الذي تقتل بي جالوت، وقد خبأني الله لك، فوضعها في مخلاته. فلما تصافوا القتال وبرز جالوت وسأل المبارزة، انتدب له داود فأعطاه طالوت فرساً ودرعاً وسلاحاً، فلبس السلاح وركب الفرس، فسار قريباً ثم انصرف فرجع إلى الملك، فقال مَن حوله: جَبُنَ الغلام فجاء فوقف على الملك، فقال: ما شأنك؟ فقال: إنّ الله إن لم ينصرني لا يغني عني السلاح شيئاً فدعني أُقاتل كما أُريد. قال: نعم، فأخذ داود مخلاته فتقلّدها وأخذ المقلاع ومضى نحو جالوت، وكان جالوت من أشدّ الناس وأقواهم وكان يهزم الجيوش وحده وكان له بيضة فيها ثلاث مائة من حديد، فلما نظر إلى داود ألقى في قلبه فقال له: أنت تبرز لي؟ قال: نعم. وكان جالوت على فرس أبلق عليه السلاح التام. قال: فأتيتني بالمقلاع والحجر كما تؤتى الكلاب؟ قال: نعم، لأنت شرّ من الكلب. قال: لا جرم لأقسّمنّ لحمك بين سباع الأرض وطير السماء. قال داود: أو يقسم الله لحمك. ثم قال داود: باسم إله إبراهيم وأخرج حجراً، ثم أخرج الآخر وقال: باسم إله إسحاق ووضعه في مقلاعه، ثم أخرج الثالث وقال: باسم إله يعقوب ووضعه في مقلاعه فصار كلّها حجراً واحداً، ودوّر المقلاع ورماه به فسخّر الله الريح حتّى أصاب الحجر أنف البيضة فخالط دماغه فخرج من قفاه وقتل من وراءه ثلاثين رجلاً، وهزم الله سبحانه الجيش وخرّ جالوت قتيلاً فأخذه فجرّه حتّى ألقاه بين يدي طالوت. ففرح المسلمون فرحاً شديداً وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين والناس يذكرون داود فجاء داود طالوت، وقال: أنجز لي ما وعدّتني وأعطني امرأتي، فقال له: أُتريد ابنة الملك بغير صداق. قال داود: ما شرطت عليّ صداقاً وليس لي شيء. قال: لا أُكلّفك إلاّ ما تطيق، أنت رجل حربي وفي جبالنا أعداء لنا غلفٌ، فإذا قتلت منهم مائتي رجل وجئتني بغلفهم زوّجتك ابنتي، فأتاهم فجعل كلّما قتل منهم رجلاً نظم غلفته في خيطه حتّى نظم غلفهم فجاء بها إلى طالوت فألقى إليه وقال: ادفع إلي امرأتي، فزوّجه أبنته وأجرى خاتمه في ملكه. فمال الناس إلى داود وأحبّوه وأكثروا ذكره، فوجد طالوت من ذلك وحسده فأراد قتله، فأخبر بذلك بنت طالوت رجل يقال له ذو المغنيين، فقالت لداود: إنّك لمقتول الليلة. قال: ومَنْ يقتلني؟ قالت: أبي. قال: وهل جزمت جزماً؟ قالت: حدّثني مَنْ لا يكذب ولا عليك لن تفوت الليلة حتى تنظر مصداق ذلك. فقال: لئن كان أراد ذلك ما أستطيع خروجاً ولكن ائتيني بزق من خمر، فأتته، فوضعه في مضجعه على السرير. وسجّاه ودخل تحت السرير فدخل طالوت نصف الليل وأراد أن يقتل داود فقال لها: أين بعلكِ؟ فقالت: هو نائم على السرير، فضربه ضربة بالسيف فسال الخمر، فلما وجد ريح الشراب قال: يرحم الله داود ما أكثر شربه الخمر وخرج، فلما أصبح علم أنّه لم يفعل شيئاً. فقال: إن رجلاً طلبت منه ما طلبت لخليق أن لا يدعني حتّى يدرك منّي ثأره، فشدّد حجّابه وحرّاسه وأغلق دونه أبوابه. ثم إن داود أتاه ليلة وقد هدأت العيون وأعمى الله تعالى الحجبة وفتح له الأبواب فدخل عليه وهو نائم على فراشه فوضع سهماً عند رأسه وسهماً عند رجليه وسهماً عن يمينه وسهماً عن شماله ثم خرج. فلما استيقظ طالوت أبصر بالسهام فعرفها فقال: يرحم الله داود فهو خير منّي، ظفرت به فقصدت قتله وظفر بي فكفّ عنّي، ولو شاء لوضع هذا السهم في حلقي. وما أنا بالذي آمنهُ. فلما كانت المقابلة أتاه ثانياً فأعمى الله الحجّاب فدخل عليه وهو نائم وأخذ إبريق طالوت الذي كان يتوضأ منه وكوزه الذي كان يشرب منه وقطع شعرات من لحيته وشيئاً من هدب ثيابه ثم خرج وهرب وتوارى. فلما أصبح طالوت ورأى ذلك، سلّط على داود العيون وطلبه أشدّ الطلب فلم يقدر عليه، ثم إن طالوت ركب يوماً فوجد داود يمشي في البريّة، فقال طالوت: اليوم أقتل داود أنا راكب وهو ماش، وكان داود إذا فزع لم يدرك فركض طالوت على أثره، فاشتدّ داود فدخل غاراً فأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فنسجت عليه بيتاً. فلما أنتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء العنبكوت، قال: لو كان دخل هاهنا لخرق بناء العنكبوت فتركه ومضى، وانطلق داود وأتى الجبل مع المتعبّدين فتعبّد فيه. وطعن العلماء والعُبّاد في طالوت في شأن داود، فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن قتل داود إلاّ قتله وأغرى بقتل العلماء، فلم يكن يقدر على عالم في بني اسرائيل فيطيق قتله إلاّ قتله ولم يكن يحارب جيشاً إلاّ هزم، حتى أتى بامرأة تعلم اسم الله الأعظم فأمر جبّاراً بقتلها فرحمها الجبّار فقال: لعلّنا نحتاج إلى عالم فتركها، فوقع في قلب طالوت التوبة وندم على ما فعل وأقبل على البكاء حتّى رحمه. فكان كلّ ليلة يخرج إلى القبور فيبكي وينادي: أنشد الله عبداً يعلم أن لي توبة إلاّ أخبرني بها. فلما أكثر عليهم ناداه منادا من القبور: يا طالوت أما ترضى أن قتلتنا حتّى تؤذينا أمواتاً، فازداد بكاءً وحزناً، فرحمه الجبّار فكلّمه فقال: مالك أيّها الملك؟ فقال: هل تعلم لي في الأرض عالماً أسأله هل لي من توبة؟ فقال الجبّار: هل تدري ما مثلك؟ إنّما مثلك مثل ملك نزل قرية عشاءً فصاح الديك فتطيّر منه، فقال: لا تتركوا في القرية ديكاً إلاّ ذبحتموه، فلما أراد أن ينام قال لأصحابه، إذا صاح الديك فأيقضونا حتى ندلج. فقالوا: هل تركت ديكاً نسمع صوته. ولكن هل تركت عالماً في الأرض، فازداد حزناً وبكاءً. فلما رأى الجبّار ذلك قال: أرأيتك إن دللتك على عالم لعلّك أن تقتله. قال: لا. فتوثّق عليه الجبّار فأخبره أن المرأة العالمة عنده قال: انطلق بي إليها أسألها هل لي من توبة؟ وكان إنّما يعلم ذلك الاسم أهل بيت إذا فنيت رجالهم علمت نساءهم. فلما بلغ طالوت الباب قال الجبّار: أيّها الملك إنّها إن رأتك فزعت، فخلّفه خلفه ثم دخل عليها فقال لها: ألست أعظم الناس عليك مِنّة أن نجّيتك من القتل وآويتك عندي؟ قالت: بلى. قال: فإنّ لي إليكِ حاجة: هذا طالوت يسأل هل له من توبة، فغُشي عليها من الخوف. فقال لها: إنّه لا يُريد قتلك ولكن يسألك هل له من توبة؟ فقالت: والله لا أعلم لطالوت توبة، ولكن هل تعلمون مكان قبر نبي؟ فانطلق بها إلى قبر أشمويل، فصلّت ودعت ثم نادت صاحب القبر، فخرج أشمويل من القبر فنفض من رأسه التراب، فلما نظر إليهم ثلاثتهم: المرأة وطالوت والجبّار، قال: مالكم أقامت القيامة؟ قالا: لا، ولكن طالوت يسألك هل له من توبة؟ قال: أشمويل: يا طالوت ما فعلت بعدي؟ قال: لم أدع من الشرّ شيئاً إلاّ فعلته وجئت أطلب التوبة. قال: كم لك من الولد؟ قال: عشرة رجال. قال: ما أعلم لك توبة إلاّ أن تتخلّى من ملكك وتخرج أنت وولدك في سبيل الله ثم تقدّم ولدك حتّى [يقتلوا] بين يديك ثم تقاتل أنت حتّى تقتل آخرهم، ثم رجع أشمويل إلى القبر وسقط ميّتاً. ورجع طالوت أحزن ما كان رهبة إن لا يتابعه وُلده، وقد بكى حتّى سقط أشفار عينيه ونحل جسمه، فدخل أولاده عليه، فقال لهم: أرأيتم لو دفعت إلى النار هل كنتم تفدونني؟ قالوا: بلى، نفديك بما قدرنا عليه. قال: فإنّها النار إن لم تفعلوا ما أقول لكم، قالوا: فاعرض علينا، فذكر لهم القصّة، قالوا: وإنّك لمقتول؟ قال: نعم. قالوا: فلا خير لنا في الحياة فقد طابت أنفسنا بالذي سألت. فتجهّز بماله وولده، فقدّم ولده وكانوا عشرة فقاتلوا حتّى قُتلوا بين يديه ثم شدّ هو بعدهم حتّى قُتل، فجاء قاتله إلى داود النبيّ عليه السلام ليبشّره وقال: قد قتلت عدوّك. فقال: ما كنت بالذي تحيا بعده فضرب عنقه، وأتى بنو إسرائيل بداود فأعطوه خزائن طالوت وملّكوه على أنفسهم. وكان ملك طالوت من أوّله إلى أن قُتل في الغزو مع ولده أربعين سنة. قال الضحاك والكلبي: ملك داود بعد جالوت تسعاً وستين سنة. ولم يجتمع بنو اسرائيل على ملك واحد إلاّ على داود، فذلك قوله {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ} وهو داود بن أيشا بن سوئل بن ناغر بن سلمون بن يخشون بن عمّي ابن يا رب بن رام بن حصرون بن فارض بن يهود بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، وأتاه الله الملك والحكمة يعني النبوّة. {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ} فقال الكلبي وغيره: يعني صنعة الدروع، والتقدير: في السر وكان يصنعها ويبيعها حتّى جمع من ذلك مالاً، وكان لا يأكل إلاّ من عمل يديه دليله قوله: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ} تفسير : [الأنبياء: 80] وقيل: منطق الطير وكلام النحل والنمل، وقيل: الزبور، وقيل: الصوت الطيّب والألحان، ولم يعط الله أحداً من خلقه مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور يدنوا الوحوش حتّى تؤخذ بأعناقها وتظلّه الطيور مصيخة له. ويركد الماء الجاري ويسكن الريح، وما صنعت المزامير والبرابط والصنوج إلاّ على صوته. الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ الله سبحانه أعطاه سلسلة موصولة بالمجرّة والفلك ورأسها عند صومعة داود عليه السلام وكان قوّتها قوّة الحديد ولونها لون النار وحلقها مستدير مفصّلة بالجواهر مدسّرة بقضبان اللؤلؤ الرطب، فلا يحدّث في الهواء حدث إلاّ صلصلت السلسلة فعلم داود ذلك الحدث، ولا يمسّها ذو عاهة إلاّ برء، وكان علامة دخول قومه في الدين أن يمسّوها بأيديهم ثمّ يمسحون أكفّهم على صدورهم، وكانوا يتحاكمون إليها بعد داود إلى أن رُفعت، وكانوا يأتونها فمن تعدّى على صاحبه وأنكر له حقّاً أتى السلسلة، فمن كان صادقاً محقّاً مدّ يده إلى السلسلة فنالتها ومن كان كاذباً ظالماً لم ينلها، وكانت كذلك إلى أن ظهر فيهم المكر والخديعة. فبلغنا أن بعض ملوكها أودع رجلاً جوهرة ثمينة، فلما استردّها منه أنكر فتحاكما إلى السلسلة، فعلم الذي كانت الجوهرة عنده أنّ يده لا تنال السلسلة، فعمد إلى عكازه فنقرها ثم ضمّنها الجوهرة وأعتمد عليها حتّى حضروا السلسلة. فقال صاحب الجوهرة: ردّ إلىّ الوديعة. فقال صاحبه: ما أعلم لك عندي وديعة، فإنّ كنت صادقاً فتناول السلسلة فتناولها بيده، فقيل للمنكر أيضاً: قم أنت أيضاً فتناولها، فقال لصاحب الجوهرة: خذ عكازتي هذه فاحفظها حتّى أتناول السلسلة، فأخذها وقال الرجل: اللّهمّ إنّ كنت تعلم إنّ هذه الوديعة يدعيها عليّ قد وصلت إليه فقرّب السلسلة، فمدّ يده فتناولها، فتعجّب القوم وشكّوا فيها فأصبحوا وقد رفع الله السلسلة. {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع ويعقوب وأيوب (دفاع الله) بالألف هاهنا وفي سورة الحجّ واختاره أبو حاتم، وقرأ الآخرون بغير ألف فيهما وأختاره أبو عبيد قال: لأنّ الله تعالى لا يغالبه أحد وهو الدافع وحده، وقال أبو حاتم: وقد يكون الفعال من واحد مثل قول العرب: أحسن الله عنك الدفاع، وعافاك الله، وعاقبه الله، وناول شيئاً. ابن عباس ومجاهد: لولا دفع الله بجنود المسلمين وسراياهم ومرابطيهم لغلب المشركون على الأرض فقتلوا المؤمنين وخرّبوا البلاد والمساجد. وقال سائر المفسّرين: لولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفّار والفجّار {لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} لهلكت بمن فيها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : يدفع الله العذاب بمن يُصلّي عمّن لا يُصلّي، وبمن يُزكّي عمّن لا يُزكّي، وبمن يصوم عمّن لا يصوم، وبمن يحجّ عمّن لا يحج، وبمن يجاهد عمّن لا يجاهد. ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما ناظرهم الله طرفة عين"تفسير : . ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية. وروى مالك بن عبيد عن أبيه عن جدّه إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لولا عباد لله ركع وصبية رضّع، وبهائم رتّع، لصبّ عليكم العذاب صبّاً ثم لترضن رضا ". تفسير : قال الثعلبي وأنشدني لنفسه: شعر : لولا عباد للاله ركع وصبية من اليتامى رضّع ومهملات في الفلاة رتّع صبّ عليكم العذاب الأوجع تفسير : وروى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ الله سبحانه ليصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم ". تفسير : وقال قتادة: يبتلي الله المؤمن بالكافر ويعافي الكافر بالمؤمن. (...) بن عبد الرحمن عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيت من جيرانه البلاء"تفسير : ، ثم قرأ ابن عمر: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ}. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ * تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ} أي كلام الله. {وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الفصل هو أن تعزل شيئا عن شيء آخر، ومثل ذلك قوله تعالى:{أية : وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ..}تفسير : [يوسف: 94]. "فصلت العير" أي غادرت مصر وخرجت منه. ونحن نستخدم كلمة "فصل" في تبويب الكتب، ونقصد به قدراً من المعلومات المترابطة التي تكون وحدة واحدة، وعندما تنضم الفصول مع بعضها في الكتب تصير أبواباً، وعندما تنظم الأبواب الموضوعة في مجال علم واحد مع بعضها نقول عنها: هذا "كتاب". ونحن نستخدم كلمة "فصل" في وصف مجموعة من التلاميذ المتقاربين في العمر والمستوى الدراسي ونقسمهم إلى فصل أول وثانٍ وثالث، على حسب سعة الفصول وعدد التلاميذ. وهكذا نفهم معنى قول الحق: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ} [البقرة: 249] أي فصلهم عن بقية غير المقاتلين، وقسمهم إلى جماعات مرتبة، وكل جماعة لها مهمة. وكلمة "جنود" هي جمع "جند" وهي مفردة لكنها تدل على جماعة، وأصل الكلمة من "جَنَد" وهي الأرض الغليظة الصلبة القوية، ونظراً لأن الجنود مفروض فيهم الغلظة والقوة فقد أُطلق عليهم لفظ: جُنْد. وبرغم أن كلمة "جند" مفرد؛ إلا أنها تدل على القوم مثل "رهط" و"طائفة" ويسمونها اسم جمع. {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} [البقرة: 249] أي عندما خرج إلى مكان إقامة الجيش بدأ في مباشرة أولى مهماته كملك، لقد أراد أن يختبرهم، فهم قوم وقفوا ضد تعيينه ملكاً، لذلك أراد أن يدخل الحكم على أرض صلبة. فقال لهم عن الحق: {إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} [البقرة: 249]. لقد أوضح لهم: أنتم مقبلون على مهمة لله في سبيل الله، وهو سبحانه الذي سيجري عليكم الاختبار، ولست أنا لأن الاختبار يكون على قدر المهمة؛ أنا مشرف فقط على تنفيذ الأمر، والله مبتليكم بنهر من يشرب منه فليس منا إلا من اغترف غرفة بيده. وساعة تسمع كلمة "مبتليكم" فلا تفسرها على أنها مصيبة، ولكن فسرها على أنها اختبار، قد ينجح من يدخل وقد يفشل. والاختبار هنا بنهر. وما دام كان الاختبار بنهر فلا بد أن لهذه الكلمة موقعاً وأثراً نفسيا عندهم، لابد أنهم كانوا عِطاشا، وإلا لو لم يكونوا عِطاشاً لما كان النهر ابتلاء. {إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} [البقرة: 249]. إنهم عطاش، وساعة يُرى الماء فسيقبلون عليه بنهم شرباً ورياً، ومع ذلك يختبر الحق صلابتهم فيطالبهم بأن يمتنعوا عن الشرب منه، لقد جاء الاختبار في منعهم مما تصبو إليه نفوسهم. {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} [البقرة: 249] لماذا؟ لأنهم ساعة يرون ما يحبونه ويشتهونه فسيندفعون إليه وينسون أمر الله. ومن ينس أمر الله ويفضل نفسه، فهو غير مأمون أن يكون في جند الله. لكن الذي يرى الماء ويمتنع عنه وهو في حاجة إليه، فهو صابر قادر على نفسه، وسيكون من جند الله، لأنه آثر مطلوب الله على مطلوب بطنه، وهو أهل لأن يُبتلى. ومع ذلك لم يَقْسُ الله في الابتلاء، فأباح ما يفك العطش ولم يحرمهم منه نهائياً. {إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} [البقرة: 249] لقد سمح لهم بغرفة يد تسد الرمق وتستبقي الحياة، أباح لهم ما تقتضيه الضرورة. لكن ما صلة هذا الابتلاء بالعملية التي سيقبلون عليها؟ إن العملية الحربية التي سيدخلونها سيقابلون فيه الويل وسيعرضون لنفاد الزاد، وهم أيضاً عرضة لأن يحاصرهم عدوهم، وعلى الإنسان المقاتل في مثل هذه الأمور أن يقوى على شهوته ويأخذ من زاده ومائه على قدر ضرورة استبقاء الحياة، لذلك تكفي غرفة واحدة لاستبقاء الحياة. كأن التدريب هنا ضرورة للمهمة. فهل فعلوا ذلك؟ يأتينا الخبر من الحق {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} [البقرة: 249]. وهكذا تتم التصفية، ففي البداية سبق لهم أن تولوا وأعرضوا عن القتال إلا قليلاً، وهنا امتنع عن الشرب قليل من القليل، وهذه غرابيل الاصطفاء أو مصافي الاختبار، فقد يقوى واحد على نصف المشقة، ويقوى آخر على ثلث المشقة، ويقوى ثالث على ربعها. لقد بقي منهم القليل، لكنه القليل الذي يصلح للمهمة؛ إنّه الذي ظل على الإيمان. وانظر كيف تكون مصافي الابتلاء في الجهاد في سبيل الله؟ حتى لا يحمل راية الجهاد إلا المأمون عليها الذي يعرف حقها. {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} [البقرة: 249] أي عندما عبروا النهر واجتازوا كل الاختبارات السابقة قال بعضهم: {لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} [البقرة: 249] لقد خاف بعض منهم من الاختبار الأخير، ولكن الذين آمنوا بالله لم يخافوا، ويقول الحق: {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]. لقد اختلفت المواجيد وإن اتحدت المرائي. فالذين جاوزوا النهر انقسموا قسمين، قسم رأى جالوت وجنوده، والقسم الآخر رأوه أيضاً، ولم ينقسموا عند الرؤية لكنهم انقسموا عند المواجيد التابعة للرؤية، فقسم خاف وقسم لم يخف، والذين خافوا قالوا: {لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} [البقرة: 249] لقد وجد الخوف من جالوت وجنوده في نفوسهم فقالوا: {لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} [البقرة: 249]، لقد مروا بثلاث مراحل؛ المرحلة الأولى: هي إدراك لجالوت وجنوده، والثانية: هي وجدان متوجس من قوة جالوت وجنوده، والأخيرة: هي نزوع إلى الخوف من جالوت وجنوده، لكن القسم الذي لم يخف رأوا المشهد أيضاً وجاء فيهم قول الله: {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [البقرة: 249]. كأنهم أدخلوا ربهم في حسابهم فاستهانوا بعدوهم، لكن الفئة السابقة عزلت نفسها عن ربها فرأوا أنفسهم قلة فخافوا. لقد كان مجرد ظن الفئة المؤمنة أنهم ملاقو الله قد جعل لهم هذه العقيدة، وإذا كان هذا حال مجرد الظن فما بالك باليقين؟ {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]. ونعرف أن هناك معارك يفوز فيها الأقدر على الصبر، ودليلنا على ذلك قول الحق: {أية : إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ}تفسير : [آل عمران: 124]. هذا هو الوعد لكن إذا صبرتم كم يكون المدد؟ يقول الحق: {أية : بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ}تفسير : [آل عمران: 125]. فكأن البدء بثلاثة آلاف لمساندة أهل الإيمان ويزيد العدد في المدد إلى خمسة آلاف إن صبروا واتقوا. إذن فالمدد يأتي على قدر الصبر؛ لأن حنان القدرة الإلهية عليك يزداد ساعة يجدك تتحمل المشقة فَيَحِن عليك ويعطيك جزءاً أكبر. فالله يريد من عبده أن يستنفد أسباب قوته الخاصة، وحين تستنفد الأسباب برجولة وثبات، تأتيك معونة الله، ويقول الله لملائكته: هذا يستحق أن يعان فأعينوه. ولذلك جاء قوله الحق على ألسنة المؤمنين: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]. ويقول الحق بعد ذلك: {وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} معناهُ مُختَبرُكُمْ. والنَّهرُ: بينَ الأَردنِ وفلسطينَ. تفسير : وقولهُ تعالى: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} معناه ليسَ مَعي عَلى عَدوّي. تفسير : وقولهُ تعالى: {إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} فالغُرْفَةُ: مِلءُ الكَفِ. وتجمعُ غَرَفاً وغَرَفاتٍ، وغُرْفَةً، وغُرْفاتٍ. تفسير : وقولهُ تعالى: {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} فالقَليلُ ثلاثمائةٌ وثَلاثَةَ عشرَ رجلاً وكَانَ عِدَّةُ أَصحَابِ بَدرٍ مِنْ المُسلِمينَ مِثلَ ذَلِكَ. تفسير : وقولهُ تعالى: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً} فالفِئَةُ: الجماعةُ وجمعُهَا فِئاتٌ، وفِئُون.
الأندلسي
تفسير : {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ} قيل هنا جمل محذوفة أي فجاءهم التابوت وأقروا له بالملك وتأهبوا للخروج. والباء في بالجنود للحال أي ملتبساً بالجنود. قال ابن عباس: كانوا سبعين ألفاً، ولما خرجوا معه شكوا قلة الماء وخوف العطش وكان الوقت قيظاً وسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهراً. {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} قال ابن عباس: هو نهر بين الأردن وفلسطين، وقرىء بنهر بفتح الهاء وسكونها. والابتلاء الاختبار، واخبار طالوت بهذا الابتلاء وما يترتب عليه لا يكون من قبله بل بوحي من الله أما إليه إن كان نبياً كما قيل أو للبني الذي أخبر عن الله بتمليكه. {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} أي من أتباعي وأشياعي في هذه الحرب. {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ} أي من لم يذقه وطعم كل شيء ذوقه وتقول العرب أطعمتك الماء أي أذقتكه. وطعمت الماء: ذقته. {إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ} استثناء من الجملة الأولى وهي فمن شرب منه فليس مني. {غُرْفَةً} قرىء بفتح الغين وضمها، والمعنى: يشربها أو للشرب، والظاهر أنها غرفة الكف أبيح لهم ذلك لا الكروع والتملي من الماء. {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} أي يشرب الأكثر ولم يشرب القليل. وقرىء إلا قليلاً بالنصب على الاستثناء وبالرفع على أنه تابع للمرفوع قبله لأن الكلام إذا كان موجباً جاز فيما بعد إلا حكمه النصب وهو الأفصح والاتباع لما قبله ان رفعاً فرفع أو نصباً فنصب أو جراً فجر وهي مسألة بيّنا وجه الإِعراب فيها في كتب النحو. قال الزمخشري: وهذا من ميلهم مع المعنى والاعراض عن اللفظ جانباً وهو باب جليل من علم العربية فلما كان معنى فشربوا منه في معنى: فلم يطيعوه، حمل عليه كأنه قيل فلم يطيعوه إلا قليل منهم. ونحوه قول الفرزدق: شعر : لم يدع من المال إلا مسحتا أو محلف تفسير : كأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت أو مخلف "انتهى". ويعني أن هذا الموجب الذي هو فشربوا منه هو في معنى المنفي، كأنه قيل: فلم يطيعوه فارتفع قليل على هذا المعنى ولو لم يلحظ فيه معنى النفي لم يكن ليرتفع ما بعد إلا فيظهر أن ارتفاعه على أنه بدل من جهة المعنى فالموجب فيه كالمنفى. وما ذهب إليه الزمخشري من أنه ارتفع ما بعد إلا على التأويل، هنا دليل على أنه لم يحفظ الاتباع بعد الموجب فلذلك تأوله. ونقول: إذا تقدم موجب جاز في الذي بعد إلاَّ وجهان أحدهما: النصب على الاستثناء وهو الأفصح، والثاني: أن يكون ما بعد إلا تابعاً لإِعراب المستثنى منه أن رفعاً فرِفع أو نصباً فنصب أو جراً فجر فتقول: قام القوم إلا زيد، ورأيت القوم إلا زيدا، ومررت بالقوم إلا زيد، سواء أكان ما قيل إلا مظهراً أو مضمراً، واختلفوا في إعرابه فقيل: هو تابع على أنه نعت لما قبله فمنهم من حمل هذا على ظاهر العبارة. وقال: ينعت بما بعد إلا الظاهر والمضمر. ومنهم من قال: لا ينعت به إلا النكرة أو المعرفة بلام الجنس فإِن كان معرفة بالاضافة نحو: قام اخوتك أو بالألف واللام للعهد أو بغير ذلك من وجوه التعاريف غير لام الجنس فلا يجوز الاتباع ويلزم النصب على الاستثناء ومنهم من قال ان النحويين يعنون بالنعت هنا عطف البيان ومن الاتباع بعد الموجب قوله: شعر : وكل أخ مفارقه لعمر أبيك الا الفرقدان تفسير : وهذه المسألة مستوفاة في علم النحو وإنما أردنا أن ننبّه على أن تأويل الزمخشري هذا الموجب بمعنى النفي لا يضطر إليه، وانه كان غير ذاكر لما قرره النحويون في الموجب. {فَلَمَّا جَاوَزَهُ} أي النهر. {هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} وهم الذين لم يشربوا وهو توكيد للضمير المستكن في جاوزه أي وعاينوا جالوت وعسكره. {قَالُواْ} ظاهره عود الضمير على الذين آمنوا، والمعنى قال: من ضعفت نصيرته من المؤمنين وقد شاهدوا عسكر جالوت وكثرته. قال ابن عباس: قائل ذلك الكفرة الذين انخزلوا وهو الفاعل في فشربوا. {لاَ طَاقَةَ} هو من الطوق وهو القوة. تقول: أطاقِ أطاقه وطاقة كأطاع طاعة. {لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ} أي بقتال جالوت وجنوده ولنا هو الخبر ويتعلق بجالوت بما تعلق به لنا. {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ} الظن على بابه ومعنى ملاقوا الله انهم يستشهدون في ذلك اليوم لعزمهم على صدق القتال أو بمعنى الايقان أي يوقنون بالبعث. {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ} هذا تحريض على القتال واستشعار بالنصر وان الكثرة ليست سبباً للنصر إذ قد سبق في الأزمان الماضية غلبة القليل للكثير. وكم خبرية ومن فئة تمييزها ولم يأت في القرآن إلا مجروراً بمن، والفئة: الجماعة. وكم: مبتدأ خبره غلبت. ومن قيل: زائدة وقيل في موضع الصفة لكم، وفئة مفرد في موضع الجمع. وقرىء فئة بالهمزة وبإِبدال الهمزة ياء وهو إبدال مقيس. {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} من تمام قولهم تحريضاً على الصبر في القتال.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن خروج طالوت لقتال جالوت بقوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ} [البقرة: 249]، والإشارة فيها: {إِنَّ ٱللَّهَ} [البقرة: 249]، تعالى ابتلى الخلق {مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} [البقرة: 249]، الدنيا وماء زينتها وما زين للخلق فيها كقوله تعالى: {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ}تفسير : [آل عمران: 14]، ليظهر المحسن من المسيء وليميز الخبيث من الطيب والمقبول من المردود كما قال تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [الكهف: 7]، ثم امتحنهم وقال تعالى: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} [البقرة: 249]؛ يعني: من أوليائي ومحبي وطلابي وله اختصاص بقربى وقبولي والتخلق بأخلاقي نيل الكرامة مني كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أنا من الله والمؤمنون مني"تفسير : {إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} [البقرة: 249]؛ يعني: من قنع من متاع الدنيا على ما لا بد له من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار بمقدار القوام كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكان يقول: "حديث : اللهم أرزق آل محمد قوتاً"تفسير : أي: يمسك رمقهم. ثم قال تعالى: {فَشَرِبُواْ مِنْهُ} [البقرة: 249]؛ يعني: المبتلى {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} [البقرة: 249]، وهم الأقلاء في كل عصر وزمان، الأعيان والأحساب، وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} [البقرة: 249]، إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم جاوز بهم الدنيا إذا قال: "حديث : ما لي وللدنيا"تفسير : والذين آمنوا معه كانوا يسيرون معه بسيرته كما قال: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً}تفسير : [الفتح: 29]، وفي قوله تعالى: {قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} [البقرة: 249]، والإشارة إلى أن من شرب من نهر الدنيا وشهواتها وتجاوز عن حد الأمر فيها لا يكون له طاقة المنازلة لقتال جالوت النفس وجنوده صفاتها وعسكر هواها؛ لأنه صار معلولاً مريض القلب فيبقى على شط الدنيا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ} [البقرة: 249]؛ أي: يستيقنون أنهم عند ملاقاة العدو، ملاقون لربهم وهو ناصر لهم على العدو ولهذا قال: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [البقرة: 249]؛ أي: بنصره {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]، بالنصرة على العدو وبتوفيق الصبر عند الملاقاة كما قال تعالى: {أية : وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 127]. ثم أخبر عن بروز طالوت وقتل جالوت بقوله تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ} [البقرة: 250]، الآيتين والإشارة فيهما أن المجاهدة في الجهاد الأكبر وهو الجهاد مع جالوت النفس الأمارة لا يقوم بحوله وقوته على قتال النفس ولا يظهر عليها حتى يبرأ من حوله وقوته ويرجع إلى ربه تعالى مستغيثاً به مستعيناً به مستدعياً منه {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} [البقرة: 250]، على الائتمار لطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى وترك تيه الدنيا {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} [البقرة: 250]، في التسليم عند الشدة والرخاء ونزول البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء وفي التوكل على الحالات عليك، وفي تفويض الأمور إليك والرضا بما في الكتاب المسطور لربك {وَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} [البقرة: 250]، وهم أعداؤنا في الدين عموماً والنفس الأمارة وصفاتها التي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصاً فإذا كان الالتجاء عن صدق الرجاء برب الأرض والسماء فيكون مقروناً بالإجابة الدعاء والظفر على الأعداء عند اللقاء. {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [البقرة: 251]، بنصرة الله فإنه هو الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده {وَقَتَلَ دَاوُدُ} [البقرة: 251]، القلب {جَالُوتَ} [البقرة: 251]، النفس إذ أخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الميل إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى، حتى صار الثلاثة صحراء واحدة وهو التفات إلى غير المولى فوضعه في مقلاع التسليم والرضا فضرب به جالوت النفس فسخر الله ريح العناية حتى أصاب بيضة هواها وخالط دماغها فأخرج منه الفضل والفضول وخرج من قضاها وقتل من رآها ثلثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها وهزم الله باقي جيشها وهو الشياطين وأحزابها، {وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ} [البقرة: 251]؛ يعني: داود القلب ملك الخلافة وحكمة الإلهامات الربانية {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ} [البقرة: 251]، من حقائق القرآن وأسرارها وإشاراتها {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} [البقرة: 251]؛ يعني: أرباب الطلب المشايخ البالغين الواصلين الهادين المهديين. كما قال تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} [البقرة: 251]، استعداداتهم المخلوقة في أحسن تقويم لتثمر كمالات الدين القويم والعبور على الصراط المستقيم والدخول في جنات النعيم عن استيلاء جالوت النفس وجنود صفاتها وتخريب بلاد الأرواح بتبديل أخلاقها وتكرير صفاء ذواتها وترويدها إلى جحيم صفات البهائم والأنعام وأسفل دركاتها {فَوَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [البقرة: 251]؛ يعني: من كمال فضله وكرمه يحرك سلسلة طلب الطالبين ويلهم أسرارهم بإرادة المشايخ الكاملين وتوفيقهم للتمسك بذيول تربيتهم والتسليم تحت تصرفاتهم في تنقيتهم وتثبيتهم بالصبر والسكون عن الرياضات والمجاهدات في حال تزكيته، ويشير إلى المشير بقبولهم والإقبال عليهم ويصبرهم على الفطام عن ألبان صفاء الأوقات ولذات المناجاة في الخلوات وتقويلهم لذيذ المخاطبات وينعم عليهم بالترحم والتعطف واللين على المريد. كما قال تعالى: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ}تفسير : [آل عمران: 159]، فلو لم تكن هذه الألطاف وأضعافها من الله ما يسر لها تزكية نفوسهم أبدا كما قال تعالى: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ}تفسير : [النور: 21]، بهذه الأسباب وغيرها فهذه إشارات ولطائف لا تتحقق إلا لأهل الخير ولا عبرة في إدراكها بالعقول الجامدة لأهل العزة ولهذا خص الله تعالى حبيبه سيد المرسلين يعني: في ضمن هذه الآيات رموز وإشارات وأمارات ودقائق وحقائق وأنوار وأسرار: {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} [البقرة: 252]؛ أي: نجلوها لديك {بِٱلْحَقِّ} [البقرة: 252]؛ أي: بالحقيقة كما هي: {وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} [البقرة: 252]، الذين عبروا على هذه المقامات وشاهدوا هذه الأحوال والكرامات وظفروا بقهر النفس وتبديل الأخلاق والصفات وصح لهم صفاء الأوقات ولذة المناجاة في الخلوات ثم فطموا عن ألبان تلك اللذات في حجر القربات وأرسلوا إلى أهل الغفلات، وعبدوا طواغيت وأصنام الشهوات ليدعوهم من دار الغرور إلى دار السرور من الظلمات إلى النور ولكنهم بالغوا إلى ما بلغت من تحقيق إشارة هذه الآيات لأنهم بالغوا مثل ما بلغت في قهر النفس بسيف الرياضات وكنت نبي السيف على النفس كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}تفسير : [المجادلة: 11]، فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية فكلم النفس بالخوف، وإنهم تدرجوا في الدرجات وما قاربوك في القربات، وما وصلوك في الوصلات، وإنهم ليلة المعراج وإن تابعوك في الصلوات؛ ولكنهم ما صاحبوك في الخلوات فإنهم بقوا في الشهوات وأنت عبرت عن المكونات ثم خصصت بقرب {أية : قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ}تفسير : [النجم: 9] خصصت، بسهم {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ}تفسير : [النجم: 10]، فوجبت بالكلام بعد ما نوديت بالسلام وعاينت بعدما باينت وأبقيت بما أبقيت بعدما أفنيت، أسري بك وأنت موسوم بالعبودية، فوصفت بالرحمة إذ أرسلت من مقام العندية ثم فطمت عن رضاع: "لي مع الله وقت"، وابتليت بسفارة جبريل عليه السلام وقتاً دون وقت ثم لقيت من القوم ما لقيت بعدما تعلمت عما سقيت فحق لك أن تقول: "حديث : ما أوذي بي مثل ما أوذيت"تفسير : فعلى هذا لا يحق لأحد من العالمين حتى الأنبياء والمرسلين والملائكة والمقربين كشوف حقائق هذه الآيات والوقوف على دقائق هذه المشكلات بقدم السير في هذه المقامات وجناح الطير في هذه الكرامات فهنيئاً لك ما نلت ومريئاً لك ما قلت: "حديث : لو كان موسى وعيسى حياً لما وسعهما إلا اتباعي"تفسير : وقولك: "حديث : الناس يحتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم"تفسير : بل قولك: "حديث : آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر وأنا سيد ولد آدم"؛تفسير : ولهذا نظم الله ورد هذه الإشارات في سلك صرَّح وعرض بالعبادات بقوله تعالى: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253]، والإشارة في تحقيق الآية أن التفاضل في الدين والدنيا ليس بسعيهم وامتثالهم وإنما بتفضيل الله تعالى إياهم. كما قال تعالى: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي: نحن فضلنا، فلكل واحد من أهل الفضل أنوار ولأنوارهم آثار فمنهم من هو أعلى نوراً وأتم في الرفعة وقوراً فرفعه درجاتهم وعلو مقامهم على قدر استعلاء أضواء أنوارهم لا على قدر سعيهم واختيارهم، وهذا التفاوت صادر من تلك الأقسام حين جرت به الأقلام. كما قال: صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل"تفسير : فلذلك أقول حق القلم على علم الله فلما خلق الله تعالى استعداد وجود العباد والمقبولين قابلاً لفيض نوره استخصهم بفضل عام وفضل خاص فأما العام: فبما خصهم عن الخلق المردودين بفضل قبول فيض النور فأخبر عنهم بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [الأنبياء: 11]. وأما الفضل الخاص: فبما خص بعضهم عن بعض بزيادة كماليته استعداد الوجود في قبول فيض النور فإن التفاوت في الأنوار على قدر التفاوت في الظلمات المخلوقية المستعدة لقبول فيض النور في بدء الخلقة لا في حقيقة النور فإنه موصوف بالوحدة لا تعدد فيه ولا في تفاوت بالزيادة والنقصان، وإن التعدد والتفاوت في الحقيقة راجع إلى الظلمة لا إلى النور؛ ولهذا ذكر الله تعالى النور في مواضع من القرآن بفلظ الواحد أن {أية : يُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [المائدة: 16] وأمثالها كثيرة فافهم جداً. ثم إن فضيلة كل صاحب فضل يكون على قدر استعلاء ضوء نوره لأن الرفعة في الدرجات على قدر قوة الاستعلاء كما قيل: "ازدياد العلم رفعه الدرجة" فناهيك عن هذه المعاني قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به عن المعراج أنه رأى آدم عليه السلام في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى عليهما السلام في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة عليهم الصلاة والسلام. وعبر النبي صلى الله عليه وسلم حتى رفع إلى سدرة المنتهى ومن ثمة إلى قاب قوسين أو أدنى فهذه الرفعة في الدرجات والقربة إلى الحضرة كانت له على قدر قوة ذلك في استعلاء ضوئه على قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات الوجود، كانت مراتب الأنبياء بعضهم فوق بعض لما غلب نور الوحدانية على ظلمة إنسانية النبي صلى الله عليه وسلم فاضمحلت وتلاشت وفنيت ظلمة وجوده بسطوات تجلي صفات الجمال والجلال، فكل نبي بقدر ظلمة وجوده بقي في مكان من أماكن السماوات، فإنه صلى الله عليه وسلم ما بقي في مكان ولا فيه مكان؛ لأنه كان فانياً عن ظلمة وجوده، باقياً بنور جوده ولهذا سماه الله تعالى: نوراً وقال: {أية : دْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ}تفسير : [المائدة: 15] فالنور محمد صلى الله عليه وسلم والكتاب هو القرآن فافهم واغتنم فإنك لا تجد هذه المعاني إلا هاهنا والله أعلم. ثم أخبر عن فضيلة الخواص أنها كانت من تفضيله إياهم وأخبر عن اختلاف العوام وافتراقهم أنه كان بمشيئة الله لا بمشيئتهم بقوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} [البقرة: 253]؛ يعني: خصوصاً بعد ما جاءتهم البينات، {وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ} [البقرة: 253]، مع رؤية المعجزات؛ لأن الأمر بمشيئة الله لا بمشيئتهم فما نفعتهم المعجزات مع إعواز المشيئة فلما كانت المشيئة في حق البعض دون البعض {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} [البقرة: 253]، السعادة في حق الجميع {مَا ٱقْتَتَلُواْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ} [البقرة: 253]، إلى الأبد {مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253]، في الأزل بل اختلاف الأزل والأبد راجع إلى الخلق، الأزل أبد والأبد أزل تعالى عما يشركون به علواً كبيراً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لما تملَّك طالوت ببني إسرائيل واستقر له الملك تجهزوا لقتال عدوهم، فلما فصل طالوت بجنود بني إسرائيل وكانوا عددا كثيرا وجما غفيرا، امتحنهم بأمر الله ليتبين الثابت المطمئن ممن ليس كذلك فقال: { إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني } فهو عاص ولا يتبعنا لعدم صبره وثباته ولمعصيته { ومن لم يطعمه } أي: لم يشرب منه فإنه مني { إلا من اغترف غرفة بيده } فلا جناح عليه في ذلك، ولعل الله أن يجعل فيها بركة فتكفيه، وفي هذا الابتلاء ما يدل على أن الماء قد قل عليهم ليتحقق الامتحان، فعصى أكثرهم وشربوا من النهر الشرب المنهي عنه، ورجعوا على أعقابهم ونكصوا عن قتال عدوهم وكان في عدم صبرهم عن الماء ساعة واحدة أكبر دليل على عدم صبرهم على القتال الذي سيتطاول وتحصل فيه المشقة الكبيرة، وكان في رجوعهم عن باقي العسكر ما يزداد به الثابتون توكلا على الله، وتضرعا واستكانة وتبرؤا من حولهم وقوتهم، وزيادة صبر لقلتهم وكثرة عدوهم، فلهذا قال تعالى: { فلما جاوزه } أي: النهر { هو } أي: طالوت { والذين آمنوا معه } وهم الذين أطاعوا أمر الله ولم يشربوا من النهر الشرب المنهي عنه فرأوا... قلتهم وكثرة أعدائهم، قالوا أي: قال كثير منهم { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } لكثرتهم وعَددهم وعُددهم { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } أي: يستيقنون ذلك، وهم أهل الإيمان الثابت واليقين الراسخ، مثبتين لباقيهم ومطمئنين لخواطرهم، وآمرين لهم بالصبر { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } أي: بإرادته ومشيئته فالأمر لله تعالى، والعزيز من أعزه الله، والذليل من أذله الله، فلا تغني الكثرة مع خذلانه، ولا تضر القلة مع نصره، { والله مع الصابرين } بالنصر والمعونة والتوفيق، فأعظم جالب لمعونة الله صبر العبد لله، فوقعت موعظته في قلوبهم وأثرت معهم. ولهذا لما برزوا لجالوت وجنوده { قالوا } جميعهم { ربنا أفرغ علينا صبرا } أي: قو قلوبنا، وأوزعنا الصبر، وثبت أقدامنا عن التزلزل والفرار، وانصرنا على القوم الكافرين. من هاهنا نعلم أن جالوت وجنوده كانوا كفارا، فاستجاب الله لهم ذلك الدعاء لإتيانهم بالأسباب الموجبة لذلك، ونصرهم عليهم { فهزموهم بإذن الله وقتل داود } عليه السلام، وكان مع جنود طالوت، { جالوت } أي: باشر قتل ملك الكفار بيده لشجاعته وقوته وصبره { وآتاه الله } أي: آتى الله داود { الملك والحكمة } أي: منَّ عليه بتملكه على بني إسرائيل مع الحكمة، وهي النبوة المشتملة على الشرع العظيم والصراط المستقيم، ولهذا قال { وعلمه مما يشاء } من العلوم الشرعية والعلوم السياسية، فجمع الله له الملك والنبوة، وقد كان من قبله من الأنبياء يكون الملك لغيرهم، فلما نصرهم الله تعالى اطمأنوا في ديارهم وعبدوا الله آمنين مطمئنين لخذلان أعدائهم وتمكينهم من الأرض، وهذا كله من آثار الجهاد في سبيله، فلو لم يكن لم يحصل ذلك فلهذا قال تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } أي: لولا أنه يدفع بمن يقاتل في سبيله كيد الفجار وتكالب الكفار لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها وإقامتهم شعائر الكفر ومنعهم من عبادة الله تعالى، وإظهار دينه { ولكن الله ذو فضل على العالمين } حيث شرع لهم الجهاد الذي فيه سعادتهم والمدافعة عنهم ومكنهم من الأرض بأسباب يعلمونها، وأسباب لا يعلمونها. ثم قال تعالى: { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق } أي: بالصدق الذي لا ريب فيها المتضمن للاعتبار والاستبصار وبيان حقائق الأمور { وإنك لمن المرسلين } فهذه شهادة من الله لرسوله برسالته التي من جملة أدلتها ما قصه الله عليه من أخبار الأمم السالفين والأنبياء وأتباعهم وأعدائهم التي لولا خبر الله إياه لما كان عنده بذلك علم بل لم يكن في قومه من عنده شيء من هذه الأمور، فدل أنه رسول الله حقا ونبيه صدقا الذي بعثه بالحق ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وفي هذه القصة من الآيات والعبر ما يتذكر به أولو الألباب، فمنها: أن اجتماع أهل الكلمة والحل والعقد وبحثهم في الطريق الذي تستقيم به أمورهم وفهمه، ثم العمل به، أكبر سبب لارتقائهم وحصول مقصودهم، كما وقع لهؤلاء الملأ حين راجعوا نبيهم في تعيين ملك تجتمع به كلمتهم ويلم متفرقهم، وتحصل له الطاعة منهم، ومنها: أن الحق كلما عورض وأوردت عليه الشبه ازداد وضوحا وتميز وحصل به اليقين التام كما جرى لهؤلاء، لما اعترضوا على استحقاق طالوت للملك أجيبوا بأجوبة حصل بها الإقناع وزوال الشبه والريب. ومنها: أن العلم والرأي: مع القوة المنفذة بهما كمال الولايات، وبفقدهما أو فقد أحدهما نقصانها وضررها. ومنها: أن الاتكال على النفس سبب الفشل والخذلان، والاستعانة بالله والصبر والالتجاء إليه سبب النصر، فالأول كما في قولهم لنبيهم { وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا } فكأنه نتيجة ذلك أنه لما كتب عليهم القتال تولوا، والثاني في قوله: { ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فهزموهم بإذن الله } ومنها: أن من حكمة الله تعالى تمييز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، والصابر من الجبان، وأنه لم يكن ليذر العباد على ما هم عليه من الاختلاط وعدم التمييز. ومنها: أن من رحمته وسننه الجارية أن يدفع ضرر الكفار والمنافقين بالمؤمنين المقاتلين، وأنه لولا ذلك لفسدت الأرض باستيلاء الكفر وشعائره عليها، ثم قال تعالى: { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 124 : 89 - سفين قال ثنا بعض أصحابنا عن مجاهد إنه كان يقرأ {إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}. [الآية 249].
همام الصنعاني
تفسير : 316- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ}: [الآية: 249]، قال: هو نهرٌ بين الأردن وفلسطين، {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}: [الآية: 249]، قال: كان الكفار يشربون فلا يروَوْن، وكان المسلمون يغترفون غرفة فيُجزئهم ذلك. 317- حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً}: [الآية: 249]، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصْحابِهِ يوم بدر: "حديث : أنتم بعدة أصحاب طالوت: ثلاثمئة ". تفسير : 318- عبد الرزاق، قال معمر، عن قتادة، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بَدْرٍ ثلاثمائة وبعضة عشر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):