٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
248
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن ظاهر الآية المتقدمة يدل على أن أولئك الأقوام كانوا مقرين بنبوة النبـي الذي كان فيهم لأن قوله تعالى حكاية عنهم {إِذْ قَالُواْ لِنَبِىّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًا } كالظاهر في أنهم كانوا معترفين بنبوة ذلك النبـي، ومقرين بأنه مبعوث من عند الله تعالى، ثم إن ذلك النبـي لما قال: {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا } كان هذا دليلاً قاطعاً في كون طالوت ملكاً، ثم إنه تعالى لكمال رحمته بالخلق، ضم إلى ذلك الدليل دليلاً آخر يدل على كون ذلك النبـي صادقاً في ذلك الكلام، ويدل أيضاً على أن طالوت نصبه الله تعالى للملك وإكثار الدلائل من الله تعالى جائز، ولذلك أنه كثرت معجزات موسى عليه السلام، ومحمد عليه الصلاة والسلام، فلهذا قال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن مجيء ذلك التابوت لا بد وأن يقع على وجه يكون خارقاً للعادة حتى يصح أن يكون آية من عند الله، دالة على صدق تلك الدعوى، ثم قال أصحاب الأخبار: إن الله تعالى أنزل على آدم عليه السلام تابوتاً فيه صور الأنبياء من أولاده، فتوارثه أولاد آدم إلى أن وصل إلى يعقوب، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل، فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا بالنصرة، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت، قال ذلك النبـي: إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره، ثم إن الكفار الذين سلبوا ذلك التابوت كانوا قد جعلوه في موضع البول والغائط، فدعا النبـي عليهم في ذلك الوقت، فسلط الله على أولئك الكفار البلاء حتى إن كلّ من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله تعالى بالبواسير، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت، فأخرجوه ووضعوه على ثورين فأقبل الثوران يسيران ووكل الله تعالى بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما، حتى أتوا منزل طالوت، ثم إن قوم ذلك النبـي رأوا التابوت عند طالوت، فعلموا أن ذلك دليل على كونه ملكاً لهم، فذلك هو قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ أن يأتيكم التابوت} والإتيان على هذا مجاز، لأنه أتى به ولم يأت هو فنسب إليه توسعاً، كما يقال: ربحت الدراهم، وخسرت التجارة. والرواية الثانية: أن التابوت صندوق كان موسى عليه السلام يضع التوراة فيه، وكان من خشب، وكانوا يعرفونه، ثم إن الله تعالى رفعه بعد ما قبض موسى عليه السلام لسخطه على بني إسرائيل، ثم قال نبـي ذلك القوم: إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء، ثم إن التابوت لم تحمله الملائكة ولا الثوران، بل نزل من السماء إلى الأرض، والملائكة كانوا يحفظونه، والقوم كانوا ينظرون إليه حتى نزل عند طالوت، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما، وعلى هذا الإتيان حقيقة في التابوت، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعاً، لأن من حفظ شيئاً في الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء وإن لم يحمله كما يقول القائل: حملت الأمتعة إلى زيد إذا حفظها في الطريق، وإن كان الحامل غيره. واعلم أنه تعالى جعل إتيان التابوت معجزة، ثم فيه احتمالان أحدهما: أن يكون مجىء التابوت معجزاً، وذلك هو الذي قررناه والثاني: أن لا يكون التابوت معجزاً، بل يكون ما فيه هو المعجز، وذلك بأن يشاهدوا التابوت خالياً، ثم إن ذلك النبـي يضعه بمحضر من القوم في بيت ويغلقوا البيت، ثم إن النبـي يدعي أن الله تعالى خلق فيه ما يدل على واقعتنا، فإذا فتحوا باب البيت ونظروا في التابوت رأوا فيه كتاباً يدل على أن ملكهم هو طالوت، وعلى أن الله سينصرهم على أعدائهم فهذا يكون معجزاً قاطعاً دالاً على أنه من عند الله تعالى، ولفظ القرآن يحتمل هذا، لأن قوله: {يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ } يحتمل أن يكون المراد منه أنهم يجدون في التابوت هذا المعجز الذي هو سبب لاستقرار قلبهم واطمئنان أنفسهم فهذا محتمل. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: وزن التابوت إما أن يكون فعلوتاً أو فاعولاً، والثاني مرجوح، لأنه يقل في كلام العرب لفظ يكون فاؤه ولامه من جنس واحد، نحو: سلس وقلق، فلا يقال: تابوت من تبت قياساً على ما نقل، وإذا فسد هذا القسم تعين الأول، وهو أنه فعلوت من التوب، وهو الرجوع لأنه ظرف يوضع فيه الأشياء، ويودع فيه فلا يزول يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته. المسألة الثالثة: قرأ الكل: التابوت بالتاء، وقرأ أبـي وزيد بن ثابت {التابوه} بالهاء وهي لغة الأنصار. المسألة الرابعة: من الناس من قال: إن طالوت كان نبياً، لأنه تعالى أظهر المعجزة على يده وكل من كان كذلك كان نبياً، ولا يقال: إن هذا كان من كرامات الأولياء، لأن الفرق بين الكرامة والمعجزة أن الكرامة لا تكون على سبيل التحدي، وهذا كان على سبيل التحدي، فوجب أن لا يكون من جنس الكرامات. والجواب: لا يبعد أن يكون ذلك معجزة لنبـي ذلك الزمان، ومع كونه معجزة له فإنه كان آية قاطعة في ثبوت ملكه. أما قوله تعالى: {فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: {ٱلسَّكِينَةَ } فعيلة من السكون، وهو ضد الحركة وهي مصدر وقع موقع الاسم، نحو: القضية والبقية والعزيمة. المسألة الثانية: اختلفوا في السكينة، وضبط الأقوال فيها أن نقول: المراد بالسكينة إما أن يقال إنه كان شيئاً حاصلاً في التابوت أو ما كان كذلك. والقسم الثاني: هو قول أبـي بكر الأصم، فإنه قال: {آية مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ} أي تسكنون عند مجيئه وتقرون له بالملك، وتزول نفرتكم عنه، لأنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة فلا بد وأن تسكن قلوبهم إليه وتزول نفرتهم بالكلية. وأما القسم الأول: وهو أن المراد من السكينة شيء كان موضوعاً في التابوت، وعلى هذا ففيه أقوال الأول: وهو قول أبـي مسلم أنه كان في التابوت بشارات من كتب الله تعالى المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام، بأن الله ينصر طالوت وجنوده، ويزيل خوف العدو عنهم الثاني: وهو قول علي عليه السلام: كان لها وجه كوجه الإنسان، وكان لها ريح هفافة والثالث: قول ابن عباس رضي الله عنهما: هي صورة من زبرجد أو ياقوت لها رأس كرأس الهر، وذنب كذنبه، فإذا صاحت كصياح الهر ذهب التابوت نحو العدو وهم يمضون معه فإذا وقف وقفوا ونزل النصر. القول الرابع: وهو قول عمرو بن عبيد: إن السكينة التي كانت في التابوت شيء لا يعلم. واعلم أن السكينة عبارة عن الثبات والأمن، وهو كقوله في قصة الغار: {أية : فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الفتح: 26] فكذا قوله تعالى: {فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ } معناه الأمن والسكون. واحتج القائلون بأنه حصل في التابوت شيء بوجهين الأول: أن قوله: {فِيهِ سَكِينَةٌ } يدل على كون التابوت ظرفاً للسكينة والثاني: وهو أنه عطف عليه قوله: {وَبَقِيَّةٌ مّمَّا تَرَكَ ءالُ مُوسَىٰ } فكما أن التابوت كان ظرفاً للبقية وجب أن يكون ظرفاً للسكينة. والجواب عن الأول: أن كلمة {فِى } كما تكون للظرفية فقد تكون للسببية قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : في النفس المؤمنة مائة من الإبل» تفسير : وقال: «حديث : في خمس من الإبل شاة» تفسير : أي بسببه فقوله في هذه الآية: {فِيهِ سَكِينَةٌ } أي بسببه تحصل السكينة. والجواب عن الثاني: لا يبعد أن يكون المراد بقية مما ترك آل موسى وآل هارون من الدين والشريعة، والمعنى أن بسبب هذا التابوت ينتظم أمر ما بقي من دينهما وشريعتهما. وأما القائلون بأن المراد بالبقية شيء كان موضوعاً في التابوت فقالوا: البقية هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفير من المن الذي كان ينزل عليهم. أما قوله: {آل موسى وآل هارون} ففيه قولان الأول:قال بعض المفسرين يحتمل أن يكون المراد من آل موسى وآل هارون هو موسى وهارون أنفسهما، والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام لأبـي موسى الأشعري: «حديث : لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود»تفسير : وأراد به داود نفسه، لأنه لم يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن مثل ما كان لداود عليه السلام. والقول الثاني: قال القفال رحمه الله: إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون، لأن ذلك التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت، وما في التابوت أشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون، فيكون الآل هم الأتباع، قال تعالى: {أية : ادخلوا آل فرعون أشد العذاب} تفسير : [غافر: 46]. وأما قوله: {تَحْمِلُهُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } فقد تقدم القول فيه. وأما قوله: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فالمعنى أن هذه الآية معجزة باهرة إن كنتم ممن يؤمن بدلالة المعجزة على صدق المدعي. قوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ } فيه مسائل. المسألة الأولى: اعلم أن وجه اتصال هذه الآية بما قبلها يظهر بتقدير محذوف يدل عليه باقي الكلام، والتقدير أنه لما أتاهم بآية التابوت أذعنوا له، وأجابوا إلى المسير تحت رايته. فلما فصل بهم أي فارق بهم حد بلده وانقطع عنه، ومعنى الفصل القطع، يقال: قول فصل، إذا كان يقطع بين الحق والباطل وفصلت اللحم عن العظم فصلاً وفاصل الرجل شريكه وامرأته فصالاً، ويقال للفطام فصال، لأنه يقطع عن الرضاع، وفصل عن المكان قطعه بالمجاوزة عنه، ومنه قوله: {أية : وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ } تفسير : [يوسف: 94] قال صاحب «الكشاف» قوله: فصل عن موضع كذا أصله فصل نفسه، ثم لأجل الكثرة في الاستعمال حذفوا المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي كما يقال انفصل والجنود جمع جند وكل صنف من الخلق جند على حدة، يقال للجراد الكثيرة إنها جنود الله، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : الأرواح جنود مجندة». تفسير : المسألة الثانية: روي أن طالوت قال لقومه: لا ينبغي أن يخرج معي رجل يبني بناءً لم يفرغ منه ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا متزوج بامرأة لم يبن عليها ولا أبغي إلا الشاب النشيط الفارغ فاجتمع إليه ممن اختار ثمانون ألفاً. أما قوله تعالى: {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن هذا القائل من كان فقال الأكثرون: أنه هو طالوت وهذا هو الأظهر لأن قوله لا بد وأن يكون مسنداً إلى مذكور سابق، والمذكور السابق هو طالوت، ثم على هذا يحتمل أن يكون القول من طالوت لكنه تحمله من نبـي الوقت، وعلى هذا التقدير لا يلزم أن يكون طالوت نبياً ويحتمل أن يكون من قبل نفسه فلا بد من وحي أتاه عن ربه، وذلك يقتضي أنه مع الملك كان نبياً. والقول الثاني: أن قائل هذا القول هو النبـي المذكور في أول الآية، والتقدير: فلما فصل طالوت بالجنود قال لهم نبيهم: {إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ } ونبـي ذلك الوقت هو اشمويل عليه السلام. المسألة الثانية: في حكمة هذا الابتلاء وجهان الأول: قال القاضي: كان مشهوراً من بني إسرائيل أنهم يخالفون الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة فأراد الله تعالى إظهار علامة قبل لقاء العدو يتميز بها من يصبر على الحرب ممن لا يصبر لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو، فلما كان هذا هو الصلاح قبل مقاتلة العدو لا جرم قال: {فَإِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ } الثاني: أنه تعالى ابتلاهم ليتعودوا الصبر على الشدائد. المسألة الثالثة: في النهر أقوال أحدها: وهو قول قتادة والربيع، أنه نهر بين الأردن وفلسطين والثاني: وهو قول ابن عباس والسدي: أنه نهر فلسطين، قال القاضي: والتوفيق بين القولين أن النهر الممتد من بلد قد يضاف إلى أحد البلدين. القول الثالث: وهو الذي رواه صاحب «الكشاف»: أن الوقت كان قيظاً فسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهراً فقال: إن الله مبتليكم بما اقترحتموه من النهر. المسألة الرابعة: قوله: {مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ } أي ممتحنكم امتحان العبد كما قال: {أية : إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ } تفسير : [الإنسان: 2] ولما كان الابتلاء بين الناس إنما يكون لظهور الشيء، وثبت أن الله تعالى لا يثبت، ولا يعاقب على علمه، إنما يفعل ذلك بظهور الأفعال بين الناس، وذلك لا يحصل إلا بالتكليف لا جرم سمي التكليف ابتلاء، وفيه لغتان بلا يبلو، وابتلى يبتلي، قال الشاعر:شعر : ولقد بلوتك وابتليت خليفتي ولقد كفاك مودتي بتأدب تفسير : فجاء باللغتين. المسألة الخامسة: نهر ونهر بتسكين الهاء وتحريكها لغتان، وكل ثلاثي حشوه حرف من حروف الحلق فإنه يجىء على هذين، كقولك: صخر وصخر، وشعر وشعر، وقالوا: بحر وبحر، وقال الشاعر:شعر : كأنما خلقت كفاء من حجر فليس بين يديه والندى عمل يرى التيمم في بر وفي بحر مخافة أن يرى في كفه بلل تفسير : أما قوله تعالى: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } ففيه مسائل: المسألة الأولى:قوله: {فَلَيْسَ مِنّي } كالزجر، يعني ليس من أهل ديني وطاعتي، ونظيره قوله تعالى: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } ثم قال قبل هذا: {ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ } وأيضاً نظيره قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا» تفسير : أي ليس على ديننا ومذهبنا والله أعلم. المسألة الثانية: قال أهل اللغة {لَّمْ يَطْعَمْهُ } أي لم يذقه، وهو من الطعم، وهو يقع على الطعام والشراب هذا ما قاله أهل اللغة، وعندي إنما اختير هذا اللفظ لوجهين من الفائدة أحدهما: أن الإنسان إذا عطش جداً، ثم شرب الماء وأراد وصف ذلك الماء بالطيب واللذة قال: إن هذا الماء كأنه الجلاب، وكأنه عسل فيصفه بالطعوم اللذيذة، فقوله: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ } معناه أنه وإن بلغ به العطش إلى حيث يكون ذلك الماء في فمه كالموصوف بهذه الطعوم الطيبة فإنه يجب عليه الاحتراز عنه، وأن لا يشربه والثاني: أن من جعل الماء في فمه وتمضمض به ثم أخرجه من الفم، فإنه يصدق عليه أنه ذاقه وطعمه، ولا يصدق عليه أنه شربه، فلو قال: ومن لم يشربه فإنه مني كان المنع مقصوراً على الشرب، أما لما قال: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ } كان المنع حاصلاً في الشرب وفي المضمضة، ومعلوم أن هذا التكليف أشق، وأن الممنوع من شرب الماء إذا تمضمض به وجد نوع خفة وراحة. المسألة الثالثة: أنه تعالى قال في أول الآية: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي } ثم قال بعده: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ } وكان ينبغي أن يقال: ومن لم يطعم منه ليكون آخر الآية مطابقاً أولها، إلا أنه ترك ذلك اللفظ، واختير هذا لفائدة، وهي أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف لا يشرب من هذا النهر كيف يحنث؟ قال أبو حنيفة لا يحنث إلا إذا كرع من النهر، حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث، لأن الشرب من الشيء هو أن يكون ابتداء شربه متصلاً بذلك الشيء، وهذا لا يحصل إلا بأن يشرب من النهر، وقال الباقون إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث، لأن ذلك وإن كان مجازاً إلا أنه مجاز معروف مشهور. إذا عرفت هذا فنقول: إن قوله: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي } ظاهره أن يكون النهي مقصوراً على الشرب من النهر، حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلاً تحت النهي، فلما كان هذا الاحتمال قائماً في اللفظ الأول ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام، فقال: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } أضاف الطعم والشرب إلى الماء لا إلى النهر إزالة لذلك الإبهام. أما قوله: {إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو {غَرْفَةً } بفتح الغين، وكذلك يعقوب وخلف، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالضم، قال أهل اللغة الغرفة بالضم الشيء القليل الذي يحصل في الكف، والغرفة بالفتح الفعل، وهو الاغتراف مرة واحدة، ومثله الأكلة والأكلة، يقال: فلان يأكل في النهار أكله واحدة، وما أكلت عندهم إلا أكلة بالضم أي شيئاً قليلاً كاللقمة، ويقال: الحزة من اللحم بالضم للقطعة اليسيرة منه، وحززت اللحم حزة أي قطعته مرة واحدة، ونحوه: الخطوة والخطوة بالضم مقدار ما بين القدمين، والخطوة أن يخطو مرة واحدة، وقال المبرد: غرفة بالفتح مصدر يقع على قليل ما في يده وكثيره والغرفة بالضم اسم ملء الكف أو ما اغترف به. المسألة الثانية: قوله: {إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ } استثناء من قوله: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي } وهذه الجملة في حكم المتصلة بالاستثناء، إلا أنها قدمت في الذكر للعناية. المسألة الثالثة: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه، ويحمل منها. وأقول: هذا الكلام يحتمل وجهين أحدهما: أنه كان مأذوناً أن يأخذ من الماء ما شاءه مرة واحدة، بغرفة واحدة، بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه وخدمه، ولأن يحمله مع نفسه والثاني: أنه كان يأخذ القليل إلا أن الله تعالى يجعل البركة فيه حتى يكفي لكل هؤلاء، وهذا كان معجزة لنبـي ذلك الزمان، كما أنه تعالى كان يروي الخلق العظيم من الماء القليل في زمان محمد عليه الصلاة والسلام. أما قوله تعالى: {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبـي والأعمش {إِلاَّ قَلِيلٌ } قال صاحب «الكشاف»: وهذا بسبب ميلهم إلى المعنى، وإعراضهم عن اللفظ، لأن قوله: {فَشَرِبُواْ مِنْهُ } في معنى: فلم يطيعوه، لا جرم حمل عليه كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم. المسألة الثانية: قد ذكرنا أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز الصديق عن الزنديق، والموافق عن المخالف، فلما ذكر الله تعالى أن الذين يكونون أهلاً لهذا القتال هم الذين لا يشربون من هذا النهر، وأن كل من شرب منه فإنه لا يكون مأذوناً في هذا القتال، وكان في قلبهم نفرة شديدة عن ذلك القتال، لا جرم أقدموا على الشرب، فتميز الموافق عن المخالف، والصديق عن العدو، ويروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد، وقع أكثرهم في النهر، وأكثروا الشرب، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله تعالى، فلم يزيدوا على الاغتراف، وأما الذين شربوا وخالفوا أمر الله فاسودت شفاههم وغلبهم العطش ولم يرووا، وبقوا على شط النهر، وجبنوا على لقاء العدو، وأما الذين أطاعوا أمر الله تعالى، فقوي قلبهم وصح إيمانهم، وعبروا النهر سالمين. المسألة الثالثة: القليل الذي لم يشرب قيل: إنه أربعة آلاف، والمشهور وهو قول الحسن أنهم كانوا على عدد أهل بدر ثلثمائة وبضعة عشر وهم المؤمنون، والدليل عليه أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: أنتم اليوم على عدة أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن، قال البراء بن عازب: وكنا يومئذٍ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً. أما قوله: {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} ففيه مسألتان: المسألة الأولى: لا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاع الله تعالى في باب الشرب من النهر، وإنما اختلفوا في أن رجوعهم إلى بلدهم كان قبل عبور النهر أو بعده، وفيه قولان الأول: أنه ما عبر معه إلا المطيع، واحتج هذا القائل بأمور الأول: أن الله تعالى قال: {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه} فالمراد بقوله: {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ } الذين وافقوه في تلك الطاعة، فلما ذكر الله تعالى كل العسكر، ثم خص المطيعين بأنهم عبروا النهر، علمنا أنه ما عبر النهر أحد إلا المطيعين. الحجة الثانية: الآية المتقدمة وهي قوله تعالى حكاية عن طالوت {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي } أي ليس من أصحابـي في سفري، كالرجل الذي يقول لغيره: لست أنت منا في هذا الأمر، قال: ومعنى {فَشَرِبُواْ مِنْهُ } أي ليتسببوا به إلى الرجوع، وذلك لفساد دينهم وقلبهم. الحجة الثالثة: أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي والمتمرد، حتى يصرفهم عن نفسه ويردهم قبل أن يرتدوا عند حضور العدو، وإذا كان المقصود من هذا الابتلاء ليس إلا هذا المعنى كان الظاهر أنه صرفهم عن نفسه في ذلك الوقت وما أذن لهم في عبور النهر. القول الثاني: أنه استصحب كل جنوده وكلهم عبروا النهر واعتمدوا في إثبات هذا القول على قوله تعالى حكاية عن قوم طالوت {قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ } ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه، بل لا يصدر إلا عن المنافق أو الفاسق، وهذه الحجة ضعيفة، وبيان ضعفها من وجوه أحدها: يحتمل أن يقال: إن طالوت لما عزم على مجاوزة النهر وتخلف الأكثرون ذكر المتخلفون أن عذرنا في هذا التخلف أنه لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده فنحن معذورون في هذا التخلف، أقصى ما في الباب أن يقال: إن الفاء في قوله: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ } تقتضي أن يكون قولهم: {لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ } إنما وقع بعد المجاوزة، إلا أنا نقول يحتمل أن يقال: إن طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم تخلفوا وما جاوزوه، سألهم عن سبب التخلف فذكروا ذلك، وما كان النهر في العظم بحيث يمنع من المكالمة، ويحتمل أن يكون المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة، وعلى هذا التقدير فالإشكال أيضاً زائل. والجواب الثاني: أنه يحتمل أن يقال: المؤمنون الذين عبروا النهر كانوا فريقين: بعضهم ممن يحب الحياة ويكره الموت وكان الخوف والجزع غالباً على طبعه، ومنهم من كان شجاعاً قوي القلب لا يبالي بالموت في طاعة الله تعالى. فالقسم الأول: هم الذين قالوا: {لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ }. والقسم الثاني: هم الذين أجابوا بقولهم: {كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً }. والجواب الثالث: يحتمل أن يقال: القسم الأول من المؤمنين لما شاهدوا قلة عسكرهم قالوا: {لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ } فلا بد أن نوطن أنفسنا على القتل، لأنه لا سبيل إلى الفرار من أمر الله، والقسم الثاني قالوا: لا نوطن أنفسنا بل نرجو من الله الفتح والظفر، فكان غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة، وغرض الفريق الثاني الترغيب في طلب الفتح والنصرة، وعلى هذا التقدير لا يكون في واحد من القولين ما ينقض الآخر. المسألة الثانية: الطاقة مصدر بمنزلة الإطاقة، يقال: أطقت الشيء إطاقة وطاقة، ومثلها أطاع إطاعة، والاسم الطاعة، وأغار يغير إغارة والاسم الغارة، وأجاب يجيب إجابة والاسم الجابة وفي المثل: أساء سمعاً فأساء جابة، أي جواباً. أما قوله تعالى: {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ ٱللَّهِ } ففيه سؤال، وهو أنه تعالى لم جعلهم ظانين ولم يجعلهم حازمين؟. وجوابه: أن السبب فيه أمور الأول: وهو قول قتادة: أن المراد من لقاء الله الموت، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» تفسير : وهؤلاء المؤمنون لما وطنوا أنفسهم على القتل، وغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت، لا جرم قيل في صفتهم: إنهم يظنون أنهم ملاقوا الله الثاني: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ ٱللَّهِ } أي ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة، وذلك لأن أحداً لا يعلم عاقبة أمره، فلا بد أن يكون ظاناً راجياً وإن بلغ في الطاعة أبلغ الأمر، إلا من أخبر الله بعاقبة أمره، وهذا قول أبـي مسلم وهو حسن. الوجه الثالث: أن يكون المعنى: قال الذين يظنون أنهم ملاقوا طاعة الله، وذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يكون قاطعاً بأن هذا العمل الذي عمله طاعة، لأنه ربما أتى فيه بشيء من الرياء والسمعة، ولا يكون بنية خالصة فحيئذٍ لا يكون الفعل طاعة، إنما الممكن فيه أن يظن أنه أتى به على نعت الطاعة والإخلاص. الوجه الرابع: أنا ذكرنا في تفسير قوله تعالى: {أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ } أن المراد بالسكينة على قول بعض المفسرين أنه كان في التابوت كتب إلهية نازلة على الأنبياء المتقدمين، دالة على حصول النصر والظفر لطالوت وجنوده، ولكنه ما كان في تلك الكتب أن النصر والظفر يحصل في المرة الأولى أو بعدها، فقوله: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ ٱللَّهِ } يعني الذين يظنون أنهم ملاقوا وعد الله بالظفر، وإنما جعله ظناً لا يقيناً لأن حصوله في الجملة وإن كان قطعاً إلا أن حصوله في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل حسن الظن. الوجه الخامس: قال كثير من المفسرين: المراد بقوله: {يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ ٱللَّهِ } أنهم يعلمون ويوقنون، إلا أنه أطلق لفظ الظن على اليقين على سبيل المجاز لما بين الظن واليقين من المشابهة في تأكد الاعتقاد. / أما قوله: {كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: المراد منه تقوية قلوب الذين قالوا: {لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ } والمعنى أنه لا عبرة بكثرة العدد إنما العبرة بالتأييد الإلهي، والنصر السماوي، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة. المسألة الثانية: الفئة: الجماعة، لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة، وقال الزجاج: أصل الفئة من قولهم: فأوت رأسه بالسيف، وفأيت إذا قطعت، فالفئة الفرقة من الناس، كأنها قطعة منهم. المسألة الثالثة: قال الفراء: لو ألغيت من ههنا جاز في فئة الرفع والنصب والخفض، أما النصب فلأن {كَمْ } بمنزلة عدد فنصب ما بعده نحو عشرين رجلاً، وأما الخفض فبتقدير دخول حرف {مِنْ } عليه، وأما الرفع فعلى نية تقديم الفعل كأنه قيل: كم غلبت فئة. وأما قوله: {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } فلا شبهة أن المراد المعونة والنصرة، ثم يحتمل أن يكون هذا قولاً للذين قالوا: {كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ } ويحتمل أن يكون قولاً من الله تعالى، وإن كان الأول أظهر.
القرطبي
تفسير : . قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ} أي إتيانُ التابوت، والتابوت كان من شأنه فيما ذكر أنه أنزله الله على آدم عليه السلام، فكان عنده إلى أن وصل إلى يعقوب عليه السلام، فكان في بني إسرائيل يَغلبون به من قاتلهم حتى عَصَوْا فَغُلبوا على التابوت غلبهم عليه العمالقة: جالوت وأصحابه في قول السدي، وسلبوا التابوت منهم. قلت: وهذا أدل دليل على أن العصيان سبب الخذلان، وهذا بَيِّن. قال النحاس: والآية في التابوت على ما رُوي أنه كان يسمع فيه أنِينٌ، فإذا سمعوا ذلك ساروا لحربهم، وإذا هَدأَ الأنين لم يسيروا ولم يسِر التابوت. وقيل: كانوا يضعونه في مأزق الحرب فلا تزال تَغلِب حتى عصوا فغُلبوا وأُخِذ منهم التابوت وذلّ أمرهم؛ فلما رأُوا آية الاصْطِلام وذهاب الذكر، أنِف بعضهم وتكلموا في أمرهم حتى اجتمع ملؤهم أن قالوا لنبيّ الوقت: ٱبعث لنا ملكاً؛ فلما قال لهم: ملككم طالوت راجعوه فيه كما أخبر الله عنهم؛ فلما قطعهم بالحجة سألوه البيِّنة على ذلك، في قول الطبريّ. فلما سألوا نبيهم البينة على ما قال، دعا ربه فنزل بالقوم الذين أخذوا التابوت داءٌ بسببه، على خلاف في ذلك. قيل: وضعوه في كنيسة لهم فيها أصنام فكانت الأصنام تصبح منكوسة. وقيل: وضعوه في بيت أصنامهم تحت الصنم الكبير فأصبحوا وهو فوق الصنم، فأخذوه وشدّوه إلى رجليه فأصبحوا وقد قُطعت يدا الصنم ورجلاه وألقيت تحت التابوت؛ فأخذوه وجعلوه في قرية قوم فأصاب أُولئك القوم أوجاع في أعناقهم. وقيل: جعلوه في مَخْرأة قوم فكانوا يُصيبهم الباسُور؛ فلما عظم بلاؤهم كيفما كان، قالوا: ما هذا إلا لهذا التابوت! فلنردّه إلى بني إسرائيل فوضعوه على عجلة بين ثورين وأرسلوهما في الأرض نحو بلاد بني إسرائيل، وبعث الله ملائكة تسوق البقرتين حتى دخلتا على بني إسرائيل، وهم في أمر طالوت فأيقنوا بالنصر؛ وهذا هو حمل الملائكة للتابوت في هذه الرواية. ورُوي أن الملائكة جاءت به تحمله وكان يوشع بن نون قد جعله في البرية، فروي أنهم رأُوا التابوت في الهواء حتى نزل بينهم؛ قاله الربيع بن خيثم. وقال وهب بن منبه: كان قدر التابوت نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين. الكلبي: وكان من عود شمسار الذي يتخذ منه الأمشاط. وقرأ زيد بن ثابت «التابوه» وهي لغته، والناس على قراءته بالتاء وقد تقدّم. وروي عنه «التيبوت» ذكره النحاس. وقرأ حميد بن قيس «يحمله» بالياء. قوله تعالى: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ} اختلف الناس في السكينة والبقية؛ فالسكينة فعيلة مأخوذة من السكون والوقار والطمأنينة. فقوله «فِيهِ سَكِينَةٌ» أي هو سبب سكون قلوبكم فيما ٱختلفتم فيه من أمر طالوت؛ ونظيره {أية : فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} تفسير : [التوبة: 40] أي أنزل عليه ما سكن (به) قلبه. وقيل: أراد أن التابوت كان سبب سكون قلوبهم، فأينما كانوا سكنوا إليه ولم يفرّوا من التابوت إذا كان معهم في الحرب. وقال وهب بن منبه: السكينة روح من الله تتكلم، فكانوا إذا اختلفوا في أمر نطقت ببيان ما يريدون، وإذا صاحت في الحرب كان الظفر لهم. وقال علي بن أبي طالب: هي ريح هَفّافة لها وجه كوجه الإنسان. وروي عنه أنه قال: هي ريح خَجُوج لها رأسان. وقال مجاهد: حيوان كالهرّ له جناحان وذَنَب ولعَيْنَيْه شُعاع، فإذا نظر إلى الجيش انهزم. وقال ابن عباس: طَسْت من ذهب من الجنة، كان يُغسل فيه قلوب الأنبياء؛ وقاله السدي. وقال ابن عطية: والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتقْوَى. قلت: وفي صحيح مسلم حديث : عن البَرَاء قال: كان رجل يقرأ سورة «الكهف» وعنده فرس مربوط بشَطَنَيْن فتغشّته سحابةٌ فجعلت تدور وتدنو وجعل فرسُه ينفِر منها، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: «تلك السّكِينَة تنزّلت للقرآن»تفسير : . وفي حديث أبي سعيد الخدرِي: أن أُسَيد بن الحُضَير بينما هو ليلة يقرأ في مِرْبَده الحديث. وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تلك الملائكة كانت تستمع لك ولو قرأتَ لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم»تفسير : خرحه البخاري ومسلم. فأخبر صلى الله عليه وسلم عن نزول السكينة مرة، ومرة عن نزول الملائكة؛ فدل على أن السكينة كانت في تلك الظُّلّة، وأنها تنزل أبداً مع الملائكة. وفي هذا حجة لمن قال إن السكينة روح أو شيء له روح؛ لأنه لا يصح استماع القرآن إلا لمن يعقل، والله أعلم. قوله تعالى: {وَبَقِيَّةٌ} اختلف في البقية على أقوال، فقيل: عصا موسى وعصا هارون ورُضَاض الألواح؛ لأنها انكسرت حين ألقاها موسى، قاله ابن عباس. زاد عِكرمة: التوراة. وقال أبو صالح: البقية: عصا موسى وثيابه وثياب هارون ولوحان من التوراة. وقال عطية بن سعد: هي عصا موسى (وعصا) هارون وثيابهما ورُضَاض الألواح. وقال الثوريّ: من الناس من يقول البقية قفيزا مَنٍّ في طست من ذهب وعصا موسى وعمامة هارون ورضاض الألواح. ومنهم من يقول: العصا والنعلان. ومعنى هذا ما روي من أن موسى لما جاء قومه بالألواح فوجدهم قد عبدوا العِجْل، ألقى الألواح غضباً فتكسرت، فنزع منها ما كان صحيحاً وأخذ رُضَاض ما تكسر فجعله في التابوت. وقال الضحاك: البقية: الجهاد وقتال الأعداء. قال ابن عطية: أي الأمر بذلك في التابوت، إمّا أنه مكتوب فيه، وإمّا أن نفس الإتيان به (هو) كالأمر بذلك، وأسند الترك إلى (آل) موسى و (آل) هارون من حيث كان الأمر مندرجاً من قوم إلى قوم وكلهم آل موسى وآل هارون. وآل الرجل قرابته. وقد تقدّم.
ابن كثير
تفسير : يقول لهم نبيهم: إن علامة بركة ملك طالوت عليكم، أن يرد الله عليكم التابوت الذي كان أخذ منكم {فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} قيل: معناه: وقار وجلالة. قال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: {فِيهِ سَكِينَةٌ} أي: وقار: وقال الربيع: رحمة، وكذا روي عن العوفي، عن ابن عباس. وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ}؟ قال: ما تعرفون من آيات الله فتسكنون إليه، وكذا قال الحسن البصري. وقيل: السكينة: طست من ذهب، كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء، أعطاها الله موسى عليه السلام، فوضع فيها الألواح، ورواه السدي عن أبي مالك عن ابن عباس، وقال سفيان الثوري: عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن علي، قال: السكينة لها وجه كوجه الإنسان، ثم هي روح هفافة. وقال ابن جرير، حدثني ابن المثنى، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأحوص، كلهم عن سماك عن خالد بن عرعرة، عن علي، قال: السكينة ريح خجوج، ولها رأسان. وقال مجاهد: لها جناحان وذنب. وقال محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: السكينة رأس هرة ميتة، إذا صرخت في التابوت بصراخ هر، أيقنوا بالنصر، وجاءهم الفتح. وقال عبد الرزاق: أخبرنا بكار بن عبد الله، أنه سمع وهب ابن منبه يقول: السكينة روح من الله تتكلم، إذا اختلفوا في شيء، تكلم، فتخبرهم ببيان ما يريدون. وقوله: {وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَـٰرُونَ} قال ابن جرير: أخبرنا ابن المثنى، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، في هذه الآية: {وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَـٰرُونَ} قال: عصاه، ورضاض الألواح، وكذا قال قتادة والسدي والربيع بن أنس وعكرمة، وزاد: والتوراة. قال أبو صالح: {وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ} يعني: عصا موسى، وعصا هارون، ولوحين من التوراة، والمن. وقال عطية بن سعد: عصا موسى، وعصا هارون، وثياب موسى، وثياب هارون، ورضاض الألواح. وقال عبد الرزاق: سألت الثوري عن قوله: {وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَـٰرُونَ}، فقال: منهم من يقول: قفيز من منّ، ورضاض الألواح، ومنهم من يقول: العصا والنعلان. وقوله: {تَحْمِلُهُ ٱلْمَلَـٰۤئِكَةُ} قال ابن جريح: قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت، والناس ينظرون، قال السدي: أصبح التابوت في دار طالوت، فآمنوا بنبوة شمعون، وأطاعوا طالوت. وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن بعض أشياخه: جاءت به الملائكة تسوقه على عجلة على بقرة، وقيل: على بقرتين. وذكر غيره: أن التابوت كان بأريحا، وكان المشركون لما أخذوه وضعوه في بيت آلهتهم تحت صنمهم الكبير، فأصبح التابوت على رأس الصنم، فانزلوه فوضعوه تحته، فأصبح كذلك، فسمروه تحته، فأصبح الصنم مكسور القوائم، ملقى بعيداً، فعلموا أن هذا أمر من الله لا قبل لهم به، فأخرجوا التابوت من بلدهم، فوضعوه في بعض القرى، فأصاب أهلها داء في رقابهم، فأمرتهم جارية من سبي بني إسرائيل أن يردوه إلى بني إسرائيل حتى يخلصوا من هذا الداء، فحملوه على بقرتين، فسارتا به، لا يقربه أحد إلا مات، حتى اقتربتا من بلد بني إسرائيل، فكسرتا النيرين ورجعتا، وجاء بنو إسرائيل فأخذوه، فقيل: إنه تسلمه داود عليه السلام، وإنه لما قام إليهما خجل من فرحه بذلك، وقيل: شابان منهم، فالله أعلم. وقيل: كان التابوت بقرية من قرى فلسطين يقال لها: أزدرد. وقوله: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ} أي: على صدقي فيما جئتكم به من النبوة، وفيما أمرتكم به من طاعة طالوت {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: بالله واليوم الآخر.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ } لما طلبوا منه آية على ملكه { إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ } الصندوق كان فيه صور الأنبياء أنزله الله على آدم واستمر إليهم فغلبتهم العمالقة عليه وأخذوه وكانوا يستفتحون به على عدوّهم ويقدّمونه في القتال ويسكنون إليه كما قال تعالى: {فِيهِ سَكِينَةٌ } طمأنينة لقلوبكم {مِنْ رَّبّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مّمَّا تَرَكَ ءالُ مُوسَىٰ وَءالُ هَٰرُونَ } أي تركاه هما وهي نعلا موسى وعصاه وعمامة هارون وقفيز من المنّ الذي كان ينزل عليهم ورُضاض من الألواح {تَحْمِلُهُ ٱلْمَلَٰئِكَةُ } حال من فاعل (يأتيكم) {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ } على ملكه {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فحملته الملائكة بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت فأقرّوا بملكه وتسارعوا إلى الجهاد فاختار من شبابهم سبعين ألفاً.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُم: إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ} أي علامة ملكه {أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} قال وهب ابن منبه: كان قدر التابوت ثلاثة أذرع في ذراعين. {فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَّبِّكُم} وفي السكينة ستة تأويلات: أحدها: ريح هفَافة لها وجه كوجه الإِنسان، وهذا قول عليّ عليه السلام. والثاني: أنها طست من ذهبٍ من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء، وهذا قول ابن عباس والسدي. والثالث: أنها روح من الله تعالى يتكلم، وهذا قول وهب بن منبه. والرابع: أنها ما يعرف من الآيات فيسكنون إليها، وهذا قول عطاء بن أبي رباح. والخامس: أنها الرحمة، وهو قول الربيع ابن أنس. والسادس: أنها الوقار، وهو قول قتادة. ثم قال تعالى: {وَبَقِيِّةٌ مِمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وءَالُ هَارُونَ} وفيها أربعة تأويلات: أحدها: أن البقية عصا موسى ورُضاض الألواح، وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنها العلم والتوراة، وهو قول عطاء. والثالث: أنها الجهاد في سبيل الله، وهو قول الضحاك. والرابع: أنها التوراة وشيء من ثياب موسى، وهو قول الحسن. {تَحْمِلُهُ الْمْلاَئِكَةُ} قال الحسن: تحمله الملائكة بين السماء والأرض، ترونه عياناً، ويقولون: إن آدم نزل بالتابوت، وبالركن. واختلفوا أين كان قبل أن يرد إليهم، فقال ابن عباس، ووهب كان في أيدي العمالقة، غلبوا عليه بني إسرائيل، وقال قتادة كان في بريّة التيه، خَلَّفَه هناك يوشع بن نون، قال أبو جعفر الطبري: وبلغني أن التابوت وعصا موسى وبحيرة الطبرية، وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة.
ابن عبد السلام
تفسير : {سَكِينَةٌ} ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان، أو طست ذهب من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء، أو روح من الله تتكلم، أو ما تعرفونه من الآيات فتسكنون إليه، أو الرحمة، أو الوقار. {وَبَقِيَّةٌ} عصا موسى عليه الصلاة والسلام، ورضاض الألواح، أو العلم، أو التوراة، أو الجهاد في سبيل الله ـ تعالىـ، أو التوراة وشيء من ثياب موسى عليه الصلاة والسلام، كان قدر التابوت ثلاثة أذرع في ذراعين {تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ} بين السماء والأرض يرونه عياناً، ويقال نزل آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالتابوت والركن. وكان التابوت بأيدي العمالقة غلبوا عليه بني إسرائيل، أو كان ببرية التيه خلفه بها يُوشع بن نون، وقيل إن التابوت وعصا موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ في بحيرة الطبرية، وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت} وذلك أنه سألوا أشمويل النبي فقالوا ما آية ملكه فقال: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت. وكانت قصة التابوت على ما ذكره علماء السير والأخبار أن الله تعالى أنزل على آدم عليه السلام تابوتاً فيه صور الأنبياء عليهم السلام وكان التابوت من خشب الشمشاد طوله ثلاثة أذرع في عرض ذراعين فكان عند آدم ثم صار إلى شيث ثم توارثه أولاد آدم إلى أن بلغ إبراهيم عليه السلام ثم كان عند إسماعيل لأنه كان أكبر أولاده ثم صار إلى يعقوب ثم كان في بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى عليه السلام فكان يضع فيه التوراة ومتاعاً من متاعه ثم كان عنده إلى أن مات ثم تداوله أنبياء بني إسرائيل إلى وقت أشمويل وكان في التابوت ما ذكر الله تعالى وهو قوله: {فيه سكينة من ربكم} واختلفوا في تلك السكينة ما هي فقال علي بن أبي طالب: هي ريح خجوج هفافة لها رأسان ووجه كوجه الإنسان. وقال مجاهد: هي شيء يشبه الهرة له رأس كرأس الهرة وذنب كذنب الهرة وله جناحان، وقيل له عينان لهما شعاع وجناحان من زمرد وزبرجد، وكانوا إذا سمعوا صوته تيقنوا النصر، فكانوا إذ خرجوا وضعوا التابوت قدامهم، فإذا سار ساروا وإذا وقف وقفوا. وقال ابن عباس هي طشت من ذهب من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء وقال وهب هي روح من الله تعالى تتكلم إذا اختلفوا في شيء فتخبرهم ببيان ما يريدون. وقال عطاء بن أبي رباح هي ما يعرفون من الآيات التي يسكنون إليها وقال قتادة والكلبي هي فعلية من السكون أي طمأنينة من ربكم ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا وسكنوا إليه وهذا القول أولى بالصحة فعلى هذا كل شيء كانوا يسكنون إليه فهو سكينة فيحمل على جميع ما قيل فيه لأن كل شيء يسكن إليه القلب فهو سكينة ولم يرد فيه نص صريح فلا يجوز تصويب قول وتضعيف آخر. وقوله تعالى: {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} يعني موسى وهارون أنفسهما بدليل قوله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري: "حديث : لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود"تفسير : فالمراد به داود نفسه. واختلفوا في تلك البقية التي ترك آل موسى وآل هارون فقيل رضاض من الألواح وعصا موسى قاله ابن عباس وقيل عصا موسى وعصا هارون وشيء من ألواح التوراة وقيل كانت العلم والتوراة. وقيل كان فيه عصا موسى ونعلاه وعصا هارون وعمامته وقفيز من المن الذي ينزل على بني إسرائيل فكان التابوت عند بني إسرائيل يتوارثونه قرناً بعد قرن وكانوا إذا اختلفوا في شيء تحاكموا إليه فيتكلم ويحكم بينهم. وكانوا إذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم فينصرون فلما عصوا وأفسدوا سلط الله عز وجل عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وأخذوه منهم وكان السبب في ذلك أنه كان لعيلى وهو الذي ربى أشمويل ابنان شابان وكان عيلى حبر بني إسرائيل وصاحب قربانهم في زمنه فأحدث ابناه في القربان شيئاً لم يكن فيه وذلك أنه كان منوط القربان الذي ينوطونه كلابين فما أخرجا كانا للكاهن الذي كانا ينوطه فجعل ابناه كلاليب. وكان النساء يصلين في بيت المقدس فيتشبثان بهن فأوحي إلى أشمويل: أن انطلق إلى عيلى وقل له منعك حب الولد من أن تزجر ابنيك عن أن يحدثا في قرباني وقدسي شيئاً وأن يعصياني فلأنزعن الكهانة منك ومن ولدك ولأهلكنك وإياهما. فأخبره أشمويل بذلك ففزع وسار إليهم عدوهم من حولهم فأمر عيلى ابنيه أن يخرجا بالناس فيقاتلا ذلك العدو فخرجا واخرجا معهما التابوت فلما تهيؤوا القتال جعل عيلى يتوقع الخبر فجاءه رجل فأخبره أن الناس قد انهزموا وقد قتل ابناه قال: فما فعل في التابوت قال أخذه العدو. وكان عيلى قاعداً على كرسيه فشهق ووقع على قفاه فمات فخرج أمر بني إسرائيل وتفرقوا إلى أن بعث الله طالوت ملكاً فسألوا أشمويل البينة على صحة ملك طالوت فقال لهم نبيهم يعني أشمويل: إن الآية ملكه يعني علامة ملكه التي تدل على صحته أن يأتيكم التابوت وكانات قصة رجوع التابوت على ما ذكره أصحاب الأخبار أن الذين أخذوا التابوت من بني إسرائيل أتوا به قرية من قرى فلسطين يقال لها أزدود فجعلوه في بيت أصنام لهم ووضعوه تحت الصنم الأعظم فأصحبوا من الغد والصنم تحته فأخذوه ووضعوه فوقه وسمروا قدمي الصنم على التابوت فأصحبوا وقد قطعت يد الصنم ورجلاه وأصبح الصنم ملقى تحت التابوت وأصبحت أصنامهم منكسة فأخرجوا التابوت من بيت الأصنام ووضعوه في ناحية من مدينتهم فأخذ أهل تلك الناحية وجع في أعناقهم حتى هلك أكثرهم. فقال بعضهم لبعض أليس قد علمتم أن إله بني إسرائيل لا يقوم له شيء فأخرجوه إلى قرية أخرى فبعث الله على أهل تلك الناحية فأرة فكانت الفأرة تبيت مع الرجل فيصبح ميتاً قد أكلت ما في جوفه. فأخرجوه إلى الصحراء ودفنوه في مخرأة لهم فكان كل من تبرز هناك أخذه الباسور والقولنج فتحيروا فيه فقالت لهم امرأة من بني إسرائيل كانت عندهم وهي من بنات الأنبياء: لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام هذا التابوت فيكم فأخرجوه عنكم. فأتوا بعجلة بإشارة تلك المرأة وحملوا عليها التابوت عن علقوها في ثورين وضربوا جنوبهما فأقبل الثوران يسيران ووكل الله بالثورين أربعة أملاك يسوقونهما فأقبلا حتى وقفا على أرض بني إسرائيل فكسرا نيريهما وقطعا حبالهما ووضعا التابوت في أرض فيها حصاد لبني إسرائيل ورجعا إلى أرضهما ما لم يرع بني إسرائيل إلا والتابوت عندهم فكبروا وحمدوا الله تعالى. {تحمله الملائكة} أي تسوقه. وقال ابن عباس جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت. وقال الحسن كان التابوت مع الملائكة في السماء فلما ولي طالوت الملك حملته الملائكة ووضعته بينهم. وقال قتادة بل كان التابوت في التيه خلفه موسى عند يوشع بن نون فبقي هناك فأقبلت الملائكة تحمله حتى وضعته في دار طالوت فأصبح في داره فأقروا بملكه {إن في ذلك لآية لكم} يعني قال لهم نبيهم أشمويل إن في مجيء التابوت تحمله الملائكة لآية لكم يعني علامة ودلالة على صدقي فيما أخبرتكم أن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً {إن كنتم مؤمنين} يعني مصدقين بذلك قال المفسرون فلما جاءهم التابوت وأقروا بالملك لطالوت تأهب للخروج إلى الجهاد فأسرعوا لطاعته وخرجوا معه.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ...}. قال ابن عرفة: هذا دليل على صحة ما يقول ابن التلمساني من أنّ لفظ الآية ليس خاصا بالمعجزة لأن المراد (بها) هنا الدليل والعلامة بلا خلاف، وهذا اللفظ من حيث هو قابل لأن يراد به آية ثبوت ملكه ملكه أو آية بطلان ملكه، والمراد هنا الأول، فإما أن يكون على حذف مضاف أو (يقول): "القرينة معينة فلا يحتاج إلى إضماره". قال ابن عرفة: والتأكيد بـ (إنّ) إنّما هو لمن ينكر ذلك وهم لا ينكرون هذا عند ظهور هذه العلامة. قال ابن عرفة: كان بعض الشيوخ يجيب بأن الإنكار تارة يتسلط على نسبة الخبر (للمخبر) عنه، وتارة يتسلط على الذات المخبر عنها وإن كانت النسبة متفقا عليها كقول الولد لأبيه الذي لا شك في صدقه: جميع ما نربح في هذه السلعة فهو لك وتكون السلعة بخيسة فالأب مستعد للرّبح من أصله وإن كان موافقا على النسبة. فالإنكار بمعنى استبعادهم وقوع ذلك، لأنه إن وقع لا يكون دليلا على صحة ملكه؟ وأجيب أيضا بأنّه روعي في ذلك مخالفتهم له أخيرا لأن بعضهم تعنتوا عليه. وذكر ابن عطية هنا أقوالا منها: أن التابوت من خشب (الشمشار) طوله ثلاثة أذرع وفيه عصى موسى. قيل لابن عرفة: (كيف) تَسَعُ فيه وهي طويلة؟ فقال: لعل ذراعهم كان أكبر من ذراعنا أو تكون العصا مفصلة أو مكسورة. وحكي في السكينة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنها ريح (هفافة) لها وجه كوجه الإنسان وعنه أيضا أنها ريح (خجوج) لها رأسان. وقال الزمخشري هي صرصرة فيها ريح. قال ابن عرفة: و لا يبعد ما حكى ابن عطية على مذهبنا لأن الوجود مصحح للرؤية فيمكن أن ترى الريح. وقوله: ريح (خجوج) أي لينة. قال ابن عطية: وقال أبو صالح: (البقية) عصى موسى وعصى هارون ولوحان من التّوراة والمنّ المنزل على بني إسرائيل. واستشكله ابن عرفة لأنهم ذكروا أنّ المراد المنّ إذا بقي يفسد. قلت: يجاب بأنّ هذه آية وخرق عادة. ابن عرفة: لما ذكر الخلاف كله قال: وهذه أخبار متعارضة ويمكن الجمع بينهما فإنّ السّكينة (تتطور) فتارة تكون كالطست وتارة كالهرّ وتارة كغيره، والله أعلم! قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. قال ابن عرفة: إنّما أكّده بـ (إِنّ) (لأن) الخطاب بهذا قبل وقوعه وقد كانوا منكرين له حينئذ أو بعد وقوعه ويكون تأكيدا لكونه آية. وقوله {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} إما حقيقة أو تهييجا على الاتصاف بالإيمان.
ابن عادل
تفسير : اعلم أنَّه لما أخبرهم نبيهم: بأنَّ الله تعالى، بعث لهم طالوت ملكاً، وأبطل حجَّتهم قالوا: "فَمَا آيَةُ مُلْكِهِ؟ قال: {أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ}. قوله تعالى: {أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ}: "أَنْ"، وما في حيِّزها في محلِّ رفع خبرٍ لـ "إِنَّ" تقديره: إنَّ علامة ملكه إيتاؤكم التَّابوت. وفي "التَّابوتِ"، قولان: أحدهما: أنه فاعولٌ، ولا يعرف له اشتقاقٌ، ومنع قائل هذا أن يكون وزنه فعلوتاً مشتقاً من تاب يتوب كملكوت من الملك ورهبوت من الرُّهب، قال: لأنَّ المعنى لا يساعد على ذلك. الثاني: أن وزنه فعلوت كملكوت، وجعله مشتقاً من التَّوب وهو الرُّجوع، وجعل معناه صحيحاً فيه، لأنَّ التَّابوت هو الصُّندوق الذي توضع فيه الأشياء، فيرجع إليه صاحبه عند احتياجه إليه، فقد جعلنا فيه معنى الرجوع. والمشهور أن يوقف على تائه بتاءٍ من غير إبدالها هاءً؛ لأنَّها إمَّا أصلٌ إن كان وزنه فاعولاً، وإمَّا زائدةٌ لغير التَّأنيث كملكوت، ومنهم من يقلبها هاءً، وقد قرئ بها شاذّاً، قرأها أُبيّ، وزيد بن ثابت، وهي لغة الأنصار، ويحكى أنهم لمَّا كتبوا المصاحف زمن عثمان - رضي الله عنه - احتلفوا فيه فقال زيد: "بالهَاءِ"، وقال: [أُبَيّ:] "بالتَّاءِ"، فجاءوا عثمان فقال: "اكْتبوه على لغة قريش" يعني بالتَّاءِ. وهذه الهاء هل هي أصل بنفسها، فيكون فيه لغتان، ووزنه على هذا فاعول ليس إلاَّ، أو بدلٌ من التَّاء؛ لأنها قريبةٌ منها لاجتماعهما في الهمس، أو إجراءٌ لها مجرى تاء التَّأنيث؟ قال الزَّمخشريُّ: "فإنْ قلت: ما وزنُ التابوت؟ قلت: لا يَخْلو أن يَكُونَ فَعَلوتاً، أو فاعُولاً، فلا يَكُونُ فاعُولاً لقلته نحو سَلِسٌ وقَلِقٌ" يعني: في الأوزان العربيَّة، ولا يجوز ترك المعروف [إليه] فهو إذاً فعلوت من التَّوب وهو الرُّجوع؛ لأنَّه ظرفٌ تودع فيه الأشياء، فيرجع إليه كلَّ وقتٍ. وأمَّا من قرأ بالهاء فهو فاعول عنده، إلاَّ من يجعل هاءه بدلاً من التَّاء لاجتماعهما في الهمس، ولأنَّهما من حروف الزِّيادة، ولذلك أُبدلت من تاء التَّأنيث. قوله: "فِيهِ سَكينةٌ" يجوز أن يكون "فيه" وحده حالاً من التَّابوت، فيتعلَّق بمحذوفٍ، ويرتفع "سَكِينَة" بالفاعليَّة، والعامل فيه الاستقرار، والحال هنا من قبيل المفردات، ويجوز أن يكون "فيه" خبراً مقدّماً، و "سكينةٌ" مبتدأ مؤخراً، والجملة في محلِّ نصب على الحال، والحال هنا من قبيل الجمل، و "سكينةٌ" فعيلة من السكون، وهو الوقار. أي هو سبب سكون قلوبكم، فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت، ونظيره {أية : فَأَنزَلَ ٱللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ}تفسير : [التوبة:40] قيل: كان التَّابوت سبب سكون قلوبهم، فأينما كانوا سكنوا إليه، ولم يفرّوا عن التَّابوت، إذا كان معهم في الحرب. وقرأ أبو السَّمَّال بتشديد الكاف، قال الزَّمخشريُّ: "وَهُوَ غريبٌ". قوله: "مِّن رَّبِّكُمْ" يجوز أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّه صفةٌ لـ "سَكِينَة"، ومحلُّه الرَّفع. ويجوز أن يتعلَّق بما تعلَّق به "فيه" من الاستقرار. و "مِنْ" يجوز أن تكون لابتداء الغاية، وأن تكون للتبعيض. وثمَّ مضافٌ محذوفٌ، أي: من سكينات ربكم. فصل اعلم أنَّ مجيء التَّابوت لا بدَّ وأن يكون على وجهٍ خارقٍ للعادة؛ حتى يصح كونه آية من عند الله دالَّة على صدق تلك الدَّعوة، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المعجز نفس التَّابوت. قال أصحاب الأخبار: إنَّ الله تعالى، أنزل على آدم تابوتاً فيه صور الأنبياء من أولاده، وكان من عود من الشمشار نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين، فكان عند آدم إلى أن مات فتوارثه أولاده إلى أن وصل إلى يعقوب، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام -، فكان موسى يضع فيه التوراة ومتاعاً من متاعه، وكان عنده إلى أن مات، ثمَّ تداولته أنبياء بني إسرائيل، وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلَّم، وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدَّموه بين أيديهم، ليستفتحوا على عدوِّهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر، ثمَّ يقاتلون العدوَّ، فإذا سمعوا من التَّابوت صيحةً؛ استيقنوا النَّصر، فلمَّا عصوا، وفسدوا سلَّط الله عليهم العمالقة، فغلبوهم على التَّابوت وسلبوه، فلمَّا سألوا نبيَّهم على ملك طالوت؛ قال لهم النَّبيُّ: "إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ" أنكم تجدون التَّابوت في داره، ثمَّ إنَّ الكفَّار حين سلبوا التَّابوت؛ جعلوه في موضع البول والغائط، فدعا نبيُّ ذلك الوقت عليهم، فسلَّط الله عليهم البلاء حتى كل من بال، أو تغوّط ابتلاه الله بالبواسير، فعلم الكفَّار أن ذلك سبب استخفافهم بالتَّابوت، فأخرجوه ووضعوه على ثورين، فأقبل الثَّوران يسيران، ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما، حتى أتوا منزل طالوت، ثمَّ إنَّ قوم ذلك النَّبيّ رأوا التَّابوت عند طالوت، فعلموا أنَّ ذلك دليل على كونه ملكاً لهم. وقيل: إنَّ التَّابوت صندوقٌ كان موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - يضع التوراة فيه، وكان من خشب يعرفونه، ثم إنَّ الله - تعالى - رفعه لمّا قبض موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - لسخطه على بني إسرائيل، ثمَّ قال نبيُّ أولئك القوم: إنّ آية ملك طالوت أن يأتيكم التَّابوت من السَّماء، والملائكة يحفظونه، والقوم كانوا ينظرون إليه؛ حتَّى نزل عند طالوت، وهذا قول ابن عباسٍ - رضي الله عنه -، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين، لأنَّ من حفظ شيئاً في "الطَّريق؛ جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء، وإن لم يحمله، كقول القائل: حملت الأمتعة إلى زيدٍ، إذا حفظها في الطَّريق، وإن كان الحامل غيره. الثاني: ألا يكون التَّابوت معجزاً، بل يكون المعجز فيه بأن يشاهدوا التَّابوت خالياً، ثمَّ إنَّ ذلك النَّبيّ يضعه بمحضرٍ من القوم في بيتٍ، ويغلقون البيت عليه، ثمَّ يدعي ذلك النَّبي أنَّ الله تعالى يخلق فيه ما يدلُّ على ما وصفنا، فإن فتحوا باب البيت، ونظروا في التَّابوت؛ رأوا فيه كتاباً يدلُّ على أنَّ ملكهم هو طالوت، وأنَّ الله ينصرهم على عدوِّهم، فهذا يكون معجزاً قاطعاً دالاً على أنَّه من عند الله، ولفظ القرآن محتملٌ للوجهين. فصل في المراد بالسكينة اختلفوا في السَّكينة: قال عليٌّ - رضي الله عنه -: هي ريحٌ تخرج، أي: شديدة هفَّافةٌ لها رأسان، ووجه كوجه الإنسان. وقال ابن عبَّاسٍ، ومجاهدٌ: هي صورةٌ من زبرجدٍ وياقوت لها رأسٌ كرأس الهِرّ وذنبٌ كذنبه، ولها جناحان، وقيل: لها عينان لهما شعاعٌ، وكانوا إذا سمعوا صوتها تيقنوا بالنَّصر، وكانوا إذا خرجوا، وضعوا التَّابوت قدَّامهم، فإذا سار ساروا، وإذا وقف وقفوا. وعن ابن عبَّاس: هي طستٌ من ذهب من الجنَّة؛ كان يغسل فيها قلوب الأنبياء. وقال أبو مسلم: كان في التَّابوت بشارات من كتب الله المنزَّلة على موسى وهارون - عليهما الصَّلاة والسَّلام - ومن بعدهما من الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام بأن الله تعالى ينصر طالوت، وجنوده، ويزيد خوف العدوّ عنهم. وعن وهب بن منبِّه قال: هي روحٌ من الله تتكلَّم إذا اختلفوا إلى شيءٍ من أمورهم تخبرهم ببيان ما يريدون. وقال أبو بكر الأصمٌّ: معنى السَّكينة؛ أي: تسكنون عند مجيئه وتقرون له بالملك، وتزول نفرتكم عنه؛ لأنه متى جاءهم التَّابوت من السَّماء، وشاهدوا تلك الحالة، فلا بد وأن تسكن قلوبهم إليه وتزول نفرتهم. وقال قتادة، والكلبيُّ: السَّكينة فعيلة من السّكون، أي: طمأنينة من ربكم، ففي أي مكان كان التَّابوت اطمأنوا إليه وسكنوا. قوله: "وَبَقِيَّة" وزنها فعيلة والأصل: بَقِيْيَة بياءين، الأولى زائدة، والثانية لام الكلمة، ثم أُدغم، ولا يستدلُّ على أنَّ لام "بَقِيَّة" ياء بقولهم: "بَقِيَ" في الماضي، لأنَّ الواو إذا انكسر ما قبلها قلبت ياء، ألا ترى أنَّ "رَضِي" و "شَقِيَ" أصلهما من الواو: الشِّقْوَة والرِّضوان. و "مِمَّا تَرَكَ" في محلِّ رفعٍ؛ لأنه صفةٌ لـ "بَقِيَّة" فيتعلَّق بمحذوفٍ، أي: بقيةٌ كائنةٌ. و "مِنْ" للتَّبعيض، أي: من بقيَّات ربِّكم، و "مَا" موصولةٌ اسميَّةٌ، ولا تكون نكرةً ولا مصدريةً. و"آل" تقدم الكلام فيه، وقيل: هو هنا زائدٌ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1162- بُثَيْنَةُ مِنْ آلِ النِّسَاءِ وَإِنَّمَا يَكُنَّ لِوَصْلٍ لاَ وِصَالَ لِغَائِبِ تفسير : يريد "بُثَيْنَةُ" من النساء. قال الزَّمخشريُّ: وَيَجُوزُ أن يريد: ممَّا تَرَكَ موسى وهارون، والآلُ مقحمٌ لتفخيم شأنهما،أي زائدٌ للتعظيم، واستشكل أبو حيان كيفيَّة إفادة التَّفخيم بزيادة الآل. و "هَارُون" أعجميٌّ. قيل: لم يرد في شيءٍ من لغة العرب، قاله الراغب، أي: لم ترد مادته في لغتهم. فصل في المقصود بالبقية اختلفوا في البقية، فقيل: {مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ} من الدِّين، والشَّريعة، والمعنى: أنَّ بسبب هذا التَّابُوت ينتظمُ ما بَقِيَ من دينهما، وشريعتيهما. وقيل: كان فيه لوحان من التَّوراة، ورضاض الألواح الَّتي تكسَّرت، وعصا موسى ونعلاهُ، وثيابه، وعمامة هارون وعصاه، وقفيزٌ من المنّ الذي كان ينزلُ على بني إسرائيل، واختلفوا في الآلِ على قولين: أحدهما: المراد موسى، وهارون نفسهما "حديث : كقوله - عليه الصلاة والسلام - لأبي موسى الأَشعريّ: لَقَدْ أُوتِيَ هذا مِزْماراً مِنْ مَزَامِير آل داوُدَ" تفسير : وأراد به داود نفسه؛ لأنه لم يكُن لأحد من آلِ داوُدَ من الصَّوتِ الحسن مثل ما كان لداود. الثاني: قال القفَّال: إنَّما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون؛ لأَنَّ ذلك التَّابوت تداولته القُرُونُ بعدهما إلى وقتِ طالُوت، وما في التَّابُوت توارثه العلماء عن أتباع موسى وهارون، فيكون الآل: هم الأتباع قال تعالى: {أية : أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ}تفسير : [غافر:46]. قوله: {تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} هذه الجملةُ تحتمِلُ أن يكونَ لها محلٌّ من الإِعرابِ على أنها حالٌ من التَّابُوت أي: محمولاً للملائكةِ وألاَّ يكونَ لها محلٌّ لأنها مستأنفةٌ، إِذْ هي جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ كأنه قيل: كيف يأتي؟ فقيل: تحمِلُهُ الملائكةُ. وقرأ مجاهد "يَحْمِلُه" بالياءِ من أسفلِ؛ لأنَّ الفِعْل مُسْنَدٌ لجمعِ تكسيرٍ، فيجوزُ في فعله الوجهان. و "ذلك" مشارٌ به قيل: إلى التَّابوت. وقيل: إلى إتيانه، وهو الأَحسنُ ليناسِبَ آخرُ الآيةِ أولها [و "إِنْ"] الأظْهَرُ فيها [أنها] على بابها من كونِها شرطيةً وجوابُها محذوفٌ. وقيل: هي بمعنى "إذ" فإنّ هذه الآية معجزة باهِرَة للمؤمنين. قال ابن عبَّاسٍ: إِنَّ التَّابُوت، وعصا موسى في بحيرة طبرية وإنهما يخرجان قبل يوم القيامة. مِنَ النَّاسِ من قال: إن طالُوتَ كان نبيّاً؛ لأن اللهَ تعالى أظهر المعجزة على يديه، ومن كان كذلك كان نبيّاً. فإن قيل: هذه من باب الكرامات، قلنا: الفَرْقُ بين الكرامةِ والمُعجزة: أنَّ الكرامة لا تكون على سبب التَّحَدِّي؛ فتكون معجزةً، وقد يُجابُ بأن ذلك معجزةٌ لنبيّ ذلك الزّمان وأنه آية قاطِعَةٌ في ثبوت ملك طَالُوتَ.
البقاعي
تفسير : ولما كان أغلبهم واقفاً مع المشاهدات غير ثابت القدم في الإيمان بالغيب قال: {وقال لهم نبيهم} مثبتاً لأمر طالوت {إن آية} أي علامة {ملكه} قال الحرالي: وقل ما احتاج أحد في إيمانه إلى آية خارقة إلا كان إيمانه إن آمن غلبة يخرج عنه بأيسر فتنة، ومن كان إيمانه باستبصار ثبت عليه ولم يحتج إلى آية، فإن كانت الآية كانت له نعمة ولم تكن عليه فتنة {أية : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلاّ أن كذب بها الأولون - وما نرسل بالآيات إلاّ تخويفاً} تفسير : [الإسراء: 59] فإن الآيات طليعة المؤاخذة والاقتناع بالاعتبار طليعة القبول والثبات - انتهى. {أن يأتيكم} أي من غير آت به ترونه {التابوت} قال الحرالي: ويعز قدره - انتهى. وهو والله سبحانه وتعالى أعلم الصندوق الذي وضع فيه اللوحان اللذان كتب فيهما العشر الآيات التي نسبتها من التوراة نسبة فاتحة الكتاب من القرآن وهو يسمى تابوت الشهادة كما تقدم ذكره في وصف قبة الزمان فيما مضى أول قصة بني إسرائيل وكانوا إذا حاربوا حمله جماعة منهم موظفون لحمله ويتقدمون به أمام الجيش فيكون ذلك سبب نصرهم وكان العمالقة أصحاب جالوت لما ظهروا عليهم أخذوه في جملة ما أخذوا من نفائسهم وكأن عهدهم به كأن قد طال فذكّرهم بماثره ترغيباً فيه وحملاً على الانقياد لطالوت فقال: {فيه سكينة} أي شيء يوجب السكون والثبات في مواطن الخوف. وقال الحرالي: معناه ثبات في القلوب يكون له في عالم الملكوت صورة بحسب حال المثبت، ويقال: كانت سكينة بني إسرائيل صورة هرّ من ياقوت ولؤلؤ وزبرجد ملفق منه أعضاء تلك الصورة تخرج منه ريح هفّافة تكون علم النصر لهم - انتهى. وزاده مدحاً بقوله: {من ربّكم} أي الذي طال إحسانه إليكم وتربيته باللطف لكم. وقال الحرالي وغيره: إنه كان في التابوت صورة يأتي منها عند النصر ريح تسمع. قال الحرالي: كما كانت الصبا تهب لهذه الأمة بالنصر، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : نصرت بالصبا"تفسير : . فكانت سكينتها كلية آفاقها وتابوتها كلية سمائها حتى لا تحتاج إلى محمل يحملها ولا عدة تعدها لأنها أمة أمية تولى الله لها إقامة علمها وأعمالها - انتهى. ولما كان الكليم وأخوه عليهما الصلاة والسلام أعظم أنبيائه قال: {وبقية} قال الحرالي: فضلة جملة ذهب جلها {مما ترك} من الترك وهو أن لا يعرض للأمر حساً أو معنى {آل موسى وهارون} أي وهي لوحا العهد. قال الحرالي: وفي إشعار تثنية ذكر الآل ما يعلم باختصاص موسى عليه الصلاة والسلام بوصف دون هارون عليه السلام بما كان فيه من الشدة في أمر الله وباختصاص هارون عليه الصلاة والسلام بما كان فيه من اللين والاحتمال حيث لم يكن آل موسى وهارون، لأن الآل حقيقة من يبدو فيه وصف من هو آله. وقال: الآل أصل معناه السراب الذي تبدو فيه الأشياء البعيدة كأنه مرآة تجلو الأشياء فآل الرجل من إذا حضروا فكأنه لم يغب - انتهى. ثم صرح بما أفهمه إسناد الإتيان إليه فقال: {تحمله} من الحمل وهو ما استقل به الناقل {الملائكة} وما هذا بأغرب من قصة سفينة رضي الله تعالى عنه قال: "حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه رضي الله تعالى عنهم فثقل عليهم متاعهم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابسط كساءك، فبسطته فجعلوا فيه متاعهم فحملوه علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احمل فإنما أنت سفينة! قال: فلو حملت من يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل عليّ"تفسير : . وأما مقاتلة الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم في غزوة بدر فأمر شهير، كان الصحابي يكون قاصداً الكافر ليقاتله فإذا رأسه قد سقط من قبل أن يصل إليه، ولما كان هذا أمراً باهراً قال منبهاً على عظمته: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم الشأن {لآية} أي باهرة {لكم إن كنتم مؤمنين} فإن المواعظ لا تنفع غيرهم. قال الحرالي: ولما ضعف قبولهم عن النظر والاستبصار صار حالهم في صورة الضعف الذي يقال فيه: إن كان كذا، فكان في إشعاره خللهم وفتنتهم إلا قليلاً - انتهى. وفي هذه القصة توطئة لغزوة بدر وتدريب لمن كتب عليهم القتال وهو كره لهم وتأديب لهم وتهذيب وإشارة عظيمة واضحة إلى خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه بما دل عليه من أمر استخلافه في الإمامة في الصلاة التي هي خلاصة هذا الدين كما أن ما في تابوت الشهادة كان خلاصة ذلك الدين، وتحذير لمن لعله يخالف فيها أو يقول إنه ليس من بني هاشم ولا عبد مناف الذين هم بيت الإمامة والرئاسة ونحو ذلك مما حمى الله المؤمنين منه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يأبى الله ذلك والمؤمنون"تفسير : وفي توجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم إعلام بأن أول مقصود به الأقرب منه صلى الله عليه وسلم فالأقرب، وفيها تشجيع للصحابة رضوان الله تعالى عليهم فيما يندبهم إليه الصديق رضي الله عنه من قتال أهل الردة وما بعده إلى غير ذلك من الإشارات التي تقصر عنها العبارات - والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما كان التقدير: فأتاهم التابوت على الصفة المذكورة فأطاعوا نبيهم فيه فملكوه وانتدبوا معه فخرج بهم إلى العدو وفصل بالجنود من محل السكن، عطف عليه قوله: {فلما فصل} من الفصل وهو انقطاع بعض من كل، وأصله: فصل نفسه أو جنده - أو نحو ذلك، ولكنه كثر حذف المفعول للعلم به فصار يستعمل استعمال اللازم {طالوت} أي الذي ملكوه {بالجنود} أي التي اختارها وخرجوا للقاء من سألوا لقاءه لكفره بالله مع ما قد أحرقهم به من أنواع القهر. قال الحرالي: وهو جمع جند وهم أتباع يكونون نجدة للمستتبع {قال} أي ملكهم {إن الله} أي الذي لا أعظم منه وأنتم خارجون في مرضاته {مبتليكم بنهر} من الماء الذي جعله سبحانه وتعالى حياة لكل شيء، فضربه مثلاً للدنيا التي من ركن إليها ذل ومن صدف عنها عز. قال الحرالي: فأظهر الله على لسانه ما أنبأ به نبيّهم في قوله {أية : وزاده بسطة في العلم} تفسير : [البقرة: 247] - انتهى. {فمن شرب منه} أي ملأ بطنه {فليس مني} أي كمن انغمس في الدنيا فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون {ومن لم يطعمه فإنه مني} كمن عزف عنها بكليته ثم تلا هذه الدرجة العلية التي قد قدمت للعناية بها بما يليها من الاقتصاد فقال مستثنياً من {فمن شرب}: {إلا من اغترف} أي تكلف الغرف {غرفة بيده} ففي قراءة فتح الغين إعراب عن معنى إفرادها أخذة ما أخذت من قليل أو كثير، وفي الضم إعلام بملئها، والغرف بالفتح الأخذ بكلية اليد، والغرفة الفعلة الواحدة منه، وبالضم اسم ما حوته الغرفة، فكان في المغترفين من استوفى الغرفة ومنهم من لم يستوف - قاله الحرالي وقال: فكان فيه إيذان بتصنيفهم ثلاثة أصناف: من لم يطعمه البتة وأولئك الذين ثبتوا وظنوا أنهم ملاقو الله، ومن شرب منهم وأولئك الذين افتتنوا وانقطعوا عن الجهاد في سبيل الله ومن اغترف غرفة وهم الذين ثبتوا وتزلزلوا حتى ثبتهم الذين لم يطعموا. ولما كان قصص بني إسرائيل مثالاً لهذه الأمة كان مبتلى هذه الأمة بالنهر ابتلاهم بنهر الدنيا الجاري خلالها، فكانت جيوشهم بحكم هذا الإيحاء الاعتباري إذا مروا بنهر أموال الناس وبلادهم وزروعهم وأقطارهم في سبيلهم إلى غزوهم، فمن أصاب من أموال الناس ما لم ينله الإذن من الله انقطع عن ذلك الجيش ولو حضره. فما كان في بني إسرائيل عياناً يكون وقوعه في هذه الأمة استبصاراً سترة لها وفضيحة لأولئك، ومن لم يصب منها شيئاً بتاً كان أهل ثبت ذلك الجيش الثابت المثبت، قيل لعلي رضي الله تعالى عنه: يا أمير المؤمنين! ما بال فرسك لم يكب بك قط؟ قال: ما وطئت به زرع مسلم قط. ومن أصاب ما له فيه ضرورة من منزل ينزله أو غلبة عادة تقع منه ويوده أن لا يقع فهؤلاء يقبلون التثبيت من الذين تورعوا كل الورع، فملاك هذا الدين الزهد في القلب والورع في التناول باليد، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما تنصرون بضعفائكم" تفسير : وفي إلاحة هذا التمثيل والاعتبار أن أعظم الجيوش جيش يكون فيه من أهل الورع بعدد الثابتين من أصحاب طالوت الذين بعددهم كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد المرسلين من كثرة عدد النبيين، قال: وفي إفراد اليد إيذان بأنها غرفة اليد اليمنى لأنها اليد الخاصة للتعريف، ففي اعتباره أن الأخذ من الدنيا إنما يكون بيد لا بيدين لاشتمال اليدين على جانبي الخير والشر - انتهى. فعرض لهم النهر كما أخبرهم به {فشربوا منه} مجاوزين حد الاقتصاد {إلاّ قليلاً منهم} فأطاعوا فأرواهم الله وقوى قلوبهم، ومن عصى في شربه غلبه العطش وضعف عن اللقاء فبقي على شاطىء النهر. قال الحرالي: وفيما يذكر أنه قرىء بالرفع وهو إخراج لهم من الشاربين بالاتباع كأن الكلام مبني عليه حيث صار تابعاً وإعرابه مما أهمله النحاة فلم يحكموه وحكمه أن ما بني على إخراج اتبع وما لم يبن على إخراجه وكأنه إنما انثنى إليه بعد مضار الكلام الأول قطع ونصب - انتهى. وكان المعنى في النصب أنه لما استقر الفعل للكل رجع الاستثناء إلى البعض، وفي الاتباع نوى الاستثناء من الأول فصار كالمفرغ وهذه القراءة عزاها الأهوازي في كتاب الشواذ إلى الأعمش وعزاها السمين في إعرابه إلى عبد الله وأُبيّ رضي الله تعالى عنهما، وعقد سيبويه رحمه الله تعالى في نحو نصف كتابه لاتباع مثل هذا باباً ترجمه بقوله: باب ما يكون فيه إلاّ وما بعده وصفاً بمنزلة غير ومثل، ودل عليه بأبيات كثيرة منها: شعر : وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان تفسير : قال كأنه قال: وكل أخ غر الفرقدين، وسوى بين هذا وبين آية {أية : لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} تفسير : [النساء: 95] بالرفع {أية : وغير المغضوب عليهم} تفسير : [الفاتحة: 7]، وجوز في ما قام القوم إلا زبد، - بالرفع البدل والصفة، قال الرضي تمسكاً بقوله: وكل أخ - البيت، وقوله صلى الله عليه وسلم: حديث : الناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيمتفسير : . وقال السمين: والفرق بين الوصف بإلا والوصف بغيرها أن لا يوصف بها المعارف والنكرات والظاهر والمضمر، وقال بعضهم: لا يوصف بها إلا النكرة والمعرفة بلام الجنس فإنه في قوة النكرة. ولما ذكر فتنتهم بالنهر أتبعه فتنة اللقاء ببحر الجيش وما فيه من عظيم الخطر المزلزل للقلوب حثاً على سؤال العافية وتعريفاً بعظيم رتبتها كما قال صلى الله عليه وسلم يوم عرض نفسه الشريفة على أهل الطائف ومسه منهم من عظيم الأذى ما مسه: إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي ولكن هي أوسع لي! فقال سبحانه وتعالى: {فلما جاوزه} أي النهر من غير شرب، من المجاوزة مفاعلة من الجواز وهو العبور من عدوة دنيا إلى عدوة قصوى {هو والذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان وجاوزوا {معه} وتراءت الفئتان {قالوا} أي معظمهم. قال الحرالي: رد الضمير مرداً عاماً إيذاناً بكثرة الذين اغترفوا وقلة الذين لم يطعموا كما آذن ضمير شربوا بكثرة الذين شربوا منه - انتهى. {لا طاقة} مما منه الطوق وهو ما استقل به الفاعل ولم يعجزه {لنا اليوم} أي على ما نحن فيه من الحال {بجالوت وجنوده} لما هم فيه من القوة والكثرة. قال الحرالي: ففيه من نحو قولهم {ولم يؤت سعة من المال} اعتماداً على أن النصر بعدة مال أو قوة، وليس إلا بنصر الله، ثم قال: فإذا نوظر هذا الإنباء منهم والطلب أي كما يأتي في {ربنا أفرغ} بما تولى الله من أمر هذه الأمة في جيشهم الممثول لهذا الجيش في سورة الأنفال من نحو قوله {أية : إذ يغشيكم النعاس أمنة منه} تفسير : [الأنفال: 11] - الآيات، علم عظيم فضل الله على هذه الأمة واستشعر بما يكون لها في خاتمتها مما هو أعظم نبأ وأكمل عياناً فلله الحمد على ما أعظم من فضله ولطفه - انتهى. ولما أخبر عنهم بهذا القول نبه على أنه لا ينبغي أن يصدر ممن يظن أن أجله مقدر لا يزيد بالجبن والإحجام ولا ينقص بالجرأة والإقدام وأنه يلقى الله فيجازيه على عمله وأن النصر من الله لا بالقوة والعدد فقال: {قال الذين يظنون} أي يعلمون ولكنه عبر بالظن لما ذكر {أنهم ملاقوا الله} أي الذي له الجلال والإكرام إشارة إلى أنه يكفي في الخوف من الله والرجاء له الظن لأنه يوجب فرار العقل مما يظن أنه يكرهه سبحانه وتعالى إنقاذاً لنفسه من الهلاك بذلك كما أسرف هؤلاء في الشرب لظن الهلاك بعدمه ورجعوا لظن الهلاك باللقاء؛ ويجوز أن يكون الظن على بابه ويأول اللقاء بالحالة الحسنة {كم من فئة قليلة} كما كان في هذه الأمة في يوم بدر {غلبت فئة كثيرة} ثم نبه على أن سبب النصر الطاعة والذكر لله بقوله: {بإذن الله} أي بتمكين الذي لا كفوء له، فلا ينبغي لمن علم ذلك أن يفتر عن ذكره ويرضى بقضائه. ثم بين أن ملاك ذلك كله الصبر بقوله: {والله} أي الملك الأعظم {مع الصابرين *} ولا يخذل من كان معه. ثم بين أنهم صدقوا قولهم قبل المباشرة بالفعل عندها فقال عاطفاً على ما تقديره: فلما قالوا لهم ذلك جمع الله كلمتهم فاعتمدوا عليه وبرزوا للقتال بين يديه: {ولما برزوا} وهم على ما هم عليه من الضعف والقلة، والبروز هو الخروج عن كل شيء يوارى في براز من الأرض وهو الذي لا يكون فيه ما يتوارى فيه عن عين الناظر {لجالوت} اسم ملك من ملوك الكنعانيين كان بالشام في زمن بني إسرائيل {وجنوده} على ما هم عليه من القوة والكثرة والجرأة بالتعود بالنصر {قالوا ربنا أفرغ} من الإفراغ وهو السكب المفيض على كلية المسكوب عليه {علينا صبراً} حتى نبلغ من الضرب ما نحب في مثل هذا الموطن {وثبت} من التثبيت تفعيل من الثبات وهو التمكن في الموضع الذي شأنه الاستزلال {أقدامنا} جمع قدم وهو ما يقوم عليه الشيء ويعتمده، أي بتقوية قلوبنا حتى لا نفر وتكون ضرباتنا منكبة موجعة وأشاروا بقولهم {وانصرنا على القوم الكافرين*} موضع قولهم: عليهم، إلى أنهم إنما يقاتلونهم لتضييعهم حقه سبحانه وتعالى لا لحظ من حظوظ النفس كما كان من معظمهم أول ما سألوا وإلى أنهم أقوياء فلا بد لهم من معونته عليهم سبحانه وتعالى، ثم رتب على ذلك النتيجة حثاً على الاقتداء بهم لنيل ما نالوا فقال عاطفاً على ما تقديره: فأجاب الله سبحانه وتعالى دعاءهم: {فهزموهم} مما منه الهزيمة وهو فرار من شأنه الثبات - قاله الحرالي، وقال: ولم يكن فهزمهم الله، كما لهذه الأمة في {أية : ولكن الله قتلهم} تفسير : [الأنفال: 17] انتهى. {بإذن الله} أي الذي له الأمر كله. ثم بين ما خص به المتولي لعظم الأمر بتعريض نفسه للتلف في ذات الله سبحانه وتعالى من الخلال الشريفة الموجبة لكمال الحياة الموصلة إلى البقاء السرمدي فقال: {وقتل داود} وكان في جيش طالوت {جالوت} قال الحرالي: مناظرة قوله {أية : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} تفسير : [الأنفال: 17] وكان فضل الله عليك عظيماً - انتهى. وفي الزبور في المزمور الحادي والخمسين بعد المائة وهو آخره: صغيراً كنت في إخوتي، حدثاً في بيت أبي، راعياً غنمه، يداي صنعتا الأرغن، وأصابعي عملت القيثار، من الآن اختارني الرب إلهي واستجاب لي وأرسل ملاكه وأخذني من غنم أبي ومسحني بدهن مسحته إخوتي حسان وأكرمني ولم يسر بهم الرب، خرجت ملتقياً الفلسطيني الجبار الغريب فدعا علي بأوثانه فرميته بثلاثة أحجار في جبهته بقوة الرب فصرعته واستللت سيفه وقطعت به رأسه ونزعت العار عن بني إسرائيل. {وآتاه الله} بجلاله وعظمته {الملك} قال الحرالي: كان داود عليه الصلاة والسلام عندهم من سبط الملك فاجتمعت له المزيتان من استحقاق البيت وظهور الآية على يديه بقتل جالوت، قال تعالى: {والحكمة} تخليصاً للملك مما يلحقه بفقد الحكمة من اعتداء الحدود انتهى. فكان داود عليه الصلاة والسلام أول من جمع له بين الملك والنبوة {وعلمه} أي زيادة مما يحتاجان إليه {مما يشاء} من صنعة الدروع وكلام الطير وغير ذلك. ولما بين سبحانه وتعالى هذه الواقعة على طولها هذا البيان الذي يعجز عنه الإنس والجان بين حكمة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل ما هو أعم من ذلك من تسليط بعض الناس على بعض بسبب أنه جبل البشر على خلائق موجبة للتجبر وطلب التفرد بالعلو المفضي إلى الاختلاف فقال - بانياً له على ما تقديره: فدفع الله بذلك عن بني إسرائيل ما كان ابتلاهم به -: {ولولا دفع الله} المحيط بالحكمة والقدرة بقوته وقدرته {الناس} وقرىء: دفاع. قال الحرالي: فعال من اثنين وما يقع من أحدهما دفع وهو رد الشيء بغلبة وقهر عن وجهته التي هو منبعث إليها بأشد منته، وهو أبلغ من الأول إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى يفعل في ذلك فعل المبالغ. ولما أثبت سبحانه وتعالى أن الفعل له خلقاً وإيجاداً بيّن أنه لعباده كسباً ومباشرة فقال: {بعضهم ببعض} فتارة ينصر قويهم على ضعيفهم كما هو مقتضى القياس، وتارة ينصر ضعيفهم - كما فعل في قصة طالوت - على قويهم حتى لا يزال ما أقام بينهم من سبب الحفظ بهيبة بعضهم لبعض قائماً {لفسدت الأرض} بأكل القوي الضعيف حتى لا يبقى أحد {ولكن الله} تعالى بعظمته وجلاله وعزته وكماله يكف بعض الناس ببعض ويولي بعض الظالمين بعضاً وقد يؤيد الدين بالرجل الفاجر على نظام دبّره وقانون أحكمه في الأزل يكون سبباً لكف القوي عن الضعيف إبقاء لهذا الوجود على هذا النظام إلى الحد الذي حده ثم يزيل الشحناء على زمن عيسى عليه الصلاة والسلام ليتم العلم بكمال قدرته واختياره وذلك من فضله على عباده وهو {ذو فضل} عظيم جداً {على العالمين *} أي كلهم أولاً بالإيجاد وثانياً بالدفاع فهو يكف من ظلم الظلمة إما بعضهم ببعض أو بالصالحين وقليل ما هم ويسبغ عليهم غير ذلك من أثواب نعمه ظاهرة وباطنة، ومما يشتد اتصاله بهذه القصة ما أسنده الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الكنى من تاريخ دمشق في ترجمة أبي عمرو بن العلاء عن الأصمعي قال: أنشدنا أبو عمرو بن العلاء قال: سمعت أعرابياً ينشد وقد كنت خرجت إلى ظاهر البصرة متفرجاً مما نالني من طلب الحجاج واستخفائي منه: شعر : صبر النفس عند كل ملمّ إن في الصبر حيلة المحتال لا تضيقن في الأمور فقد يكشف لأواؤها بغير احتيال ربما تجزع النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال قد يصاب الجبان في آخر الصفّ وينجو مقارع الأبطال تفسير : فقلت ما وراءك يا أعربي؟ فقال: مات الحجاج، فلم أدر بأيهما أفرح بموت الحجاج أو بقوله: له فرجة! لأني كنت أطلب شاهداً لاختياري القراءة في سورة البقرة {إلا من اغترف غرفة} [البقرة: 249] - انتهى. ولعل ختام قصص بني إسرائيل بهذه القصة لما فيها للنبي صلى الله عليه وسلم من واضح الدلالة على صحة دعواه الرسالة لأنها مما لا يعلمه إلا القليل من حذاق علماء بني إسرائيل ثم عقبها بآية الكرسي التي هي العلم الأعظم من دلائل التوحيد فكان ذلك في غاية المناسبة لما في أوائل السورة في قوله تعالى {أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم} تفسير : [البقرة: 21] إلى آخر تلك الآيات من دلائل التوحيد المتضمنة لدلائل النبوة المفتتح بها قصص بني إسرائيل فكانت دلائل التوحيد مكتنفة قصتهم أولها وآخرها مع ما في أثنائها جرياً على الآسلوب الحكيم في مناضلة العلماء ومجادلة الفضلاء، فكان خلاصة ذلك كأنه قيل: {ألم} تنبيهاً للنفوس بما استأثر العليم سبحانه وتعالى بعلمه فلما ألقت الأسماع وأحضرت الأفهام قيل يا أيها الناس فلما عظم التشوف قال {أية : اعبدوا ربكم} تفسير : [البقرة: 21] ثم عينه بعد وصفه بما بينه بقوله {أية : الله لا إله إلا هو الحي القيوم} تفسير : [البقرة: 255] كما سيجمع ذلك من غير فاصل أول سورة التوحيد آل عمران المنزلة في مجادلة أهل الكتاب من النصارى وغيرهم، وتختم قصصهم بقوله: {أية : ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم} تفسير : [آل عمران: 193] يعني بالمنادي والله سبحانه وتعالى أعلم القائل {أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم} تفسير : [البقرة: 21] - إلى آخرها، ومما يجب التنبه له من قصتهم هذه ما فيها لأنها تدريب لمن كتب عليهم القتال وتأديب في ملاقاة الرجال من الإرشاد إلى أن أكثر حديث النفس وأمانيها الكذب لا سيما بالثبات في مزال الأقدام فتشجع الإنسان، فإذا تورّط أقبلت به على الهلع حتى لا يتمنوا لقاء العدو كما أدبهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم، وذلك أن بني إسرائيل مع كونهم لا يحصون كثرة سألوا نبيهم صلى الله عليه وسلم بعث ملك للجهاد، فلما بعث فخالف أغراضهم لم يفاجئوه إلا بالاعتراض، ثم لما استقر الحال بعد نصب الأدلة وإظهار الآيات ندبهم، فانتدب جيش لا يحصى كثرة، فشرط عليهم الشاب الفارغ بناء دار وبناء بامرأة، فلم يكن الموجود بالشرط إلا ثمانين ألفاً؛ ثم امتحنوا بالنهر فلم يثبت منهم إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر وهم دون الثلث من ثمن العشر من المتصفين بالشرط من الذين هم دون الدون من المنتدبين الذين هم دون الدون من السائلين في بعث الملك، فكان الخالصون معه، كما قال بعض الأولياء المتأخرين لآخر قصده بالزيارة: شعر : ألـــم تعلـــم بأنـــي صيــرفــيّ أحك الأصدقاء على محك فمنهــم بهــرج لا خيــر فيــــه ومنهم مـن أجـوزه بشــك وأنت الخالص الذهب المصفى بتزكيتي ومثلي من يزكي تفسير : وهذا سر قول الصادق عليه الصلاة والسلام "حديث : أمتي كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة"تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا" تفسير : فالحاصل أنه على العاقل المعتقد جهله بالعواقب وشمول قدرة ربه أن لا يثق بنفسه في شيء من الأشياء، ولا يزال يصفها بالعجز وإن ادعت خلاف ذلك، ويتبرأ من حوله وقوته إلى حول مولاه وقوته ولا ينفك يسأله العفو والعافية. ولما علت هذه الآيات عن أقصى ما يعرفه البصراء البلغاء من الغايات، وتجاوزت إلى حد تعجز العقول عن مناله، وتضاءل نوافذ الأفهام عن الإتيان بشيء من مثاله، نبه سبحانه وتعالى على ذلك بقوله: {تلك} أي الآيات المعجزات لمن شمخت أنوفهم، وتعالت في مراتب الكبر هممهم ونفوسهم؛ والإشارة إلى ما ذكر في هذه السورة ولا سيما هذه القصة من أخبار بني إسرائيل والعبارة عن ذلك في هذه الأساليب الباهرة والأفانين المعجزة القاهرة {آيات الله} أي الذي علت عظمته وتمت قدرته وقوته، ولما كانت الجلالة من حيث إنها اسم للذات جامعة لصفات الكمال والجمال ونعوت الجلال لفت القول إلى مظهر العظمة إشارة إلى إعجازهم عن هذا النظم بنعوت الكبر والتعالي فقال: {نتلوها} أي ننزلها شيئاً في إثر شيء بما لنا من العظمة {عليك} تثبيتاً لدعائم الكتاب الذي هو الهدى، وتشييداً لقواعده {بالحق} قال الإمام سعد الدين التفتازاني في شرح العقائد: الحق الحكم المطابق للواقع، يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك ويقابله الباطل، وأما الصدق فقد شاع في الأقوال خاصة ويقابله الكذب، وقد يفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع. وفي الصدق من جانب الحكم؛ فمعنى صدق الحكم مطابقته الواقع. ومعنى حقيته مطابقة الواقع إياه - انتهى. فمعنى الآية على هذا: إنا عالمون بالواقع من هذه الآيات فأتينا بعبارة يطابقها ذلك الواقع لا يزيد عنها ولا ينقص، فتلك العبارة ثابتة ثبات الواقع لا يتمكن منصف عالم من إنكارها ولا إنكار شيء منها، كما لا يتمكن من إنكار الواقع المعلوم وقوعه، ويكون الخبر عنها صدقاً لأنه مطابق لذلك الواقع بغير زيادة ولا نقص؛ والحاصل أن الحق يعتبر من جانب المخبر، فإنه يأتى بعبارة يساويها الواقع فتكون حقاً، وأن الصدق يعتبر من جانب السامع، فإنه ينظر إلى الخبر، فإن وجده مطابقاً للواقع قال: هذا صدق، وليس ببعيد أن يكون من الشواهد على ذلك هذه الآية وقوله سبحانه وتعالى {أية : والذي جاء بالصدق وصدق به} تفسير : [الزمر: 33] وقوله {أية : قال فالحق والحق أقول} تفسير : [ص: 84] {أية : بل جاء بالحق وصدق المرسلين} تفسير : [الصافات: 37] و {أية : هو الحق مصدقاً لما بين يديه} تفسير : [فاطر: 31]، وكذا {أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} تفسير : [الحجر: 85] أي أن هذا الفعل وهو خلقنا لها لسنا متعدين فيه، وهذ الواقع يطابق خلقها لا يزيد عليه بمعنى أنه كان علينا أن نزيد فيها شيئاً وليس لنا الاقتصار على ما وجد ولا ننقص عنه بمعنى أنه كان علينا أن نجعلها ناقصة عما هي عليه ولم يكن لنا إتمامها هكذا؛ أو بالحق الذي هو قدرتنا واختيارنا لا كما يدعيه الفلاسفة من الفعل بالذات من غير اختيار: أو بسبب الحق أي إقامته وإثباته وإبطال الباطل ونفيه، وقوله {أية : وآتيناك بالحق وإنا لصادقون}تفسير : [الحجر: 64] أي أتيناك بالخبر بعذابهم وهو ثابت، لأن مضمونه إذا وقع فنسبتَه إلى الخبر علمت مطابقته له أي مطابقة الواقع إياه وإخبارنا عنه على ما هو به فنحن صادقون فيه، أي نسبنا وقوع العذاب إليهم نسبة تطابق الواقع فإذا وقع نظرت إلى إخبارنا فرأيته مطابقاً له فعلمت صدقنا فيه؛ والذي لا يدع في ذلك لبساً قوله سبحانه وتعالى حكاية عن يوسف عليه الصلاة والسلام {أية : قد جعلها ربي حقاً} تفسير : [يوسف: 100] أتى بمطابقة الواقع لتأويلها، وأما صدقه صلى الله عليه وسلم فهو بنسبة الخبر إلى الواقع وهو أنه رأى ما أخبر به وذلك موجود من حين إخباره صلى الله عليه وسلم فإن خبره كان حين إخباره به مطابقاً للواقع، وأما صدق الرؤيا فباعتبار أنه كان لها واقع طابقه تأويلها؛ فإن قيل: تأسيس المفاعلة أن تكون بين اثنين فصاعداً يفعل أحدهما بالآخر ما يفعل الآخر به، فهب أنّا اعتبرنا المطابقة من جانب واحد فذلك لا ينفي اعتبارها من الجانب الآخر فماذا يغني ما ادعيته، قيل إنها وإن كان لا بد فيها من مراعاة الجانبين لكنها تفهم أن الذي أسند إليه الفعل هو الطالب، بخلاف باب التفاعل فإنه لا دلالة لفعله على ذلك، وجملة الأمر أن الواقع أحق باسم الحق لأنه الثابت والخبر أحق باسم الصدق، والواقع طالب لخبر يطابقه ليعرف على ما هو عليه والخبر طالب لمطابقة الواقع له فيكتسب الشرف بتسميته صدقاً. وأول ثابت في نفس الأمر هو الواقع فإنه قبل الخبر عنه بأنه وقع، فإذا كان مبدأ الطلب من الواقع سمي الخبر باسمه، إذا كان مبدأ الطلب من الخبر سمي باسمه الحقيق به، ولعلك إذا اعتبرت آيات الكتاب الناطق بالصواب وجدتها كلها على هذا الأسلوب - والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما ثبت أن التلاوة عليه صلى الله عليه وسلم حق قال تعالى: {وإنك} أي والحال أنك {لمن المرسلين} بما دلت هذه الآيات عليه من علمك بها من غير معلم من البشر ثم بإعجازها الباقي على مدى الدهر.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر من طريق الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: أمرني عثمان بن عفان أن أكتب له مصحفاً فقال: إني جاعل معك رجلاً لسناً فصيحاً، فما اجتمعتما عليه فاكتباه وما اختلفتما فيه فارفعاه إليّ. قال زيد: فقلت أنا: التابوه. وقال أبان بن سعيد: التابوت. فرفعاه إلى عثمان فقال: التابوت، فكتبت. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن عمرو بن دينار. أن عثمان بن عفان أمر فتيان المهاجرين والأنصار أن يكتبوا المصاحف، قال: فما اخلفتم فيه فاجعلوه بلسان قريش. فقال المهاجرون: التابوت. وقال الأنصار: التابوه. فقال عثمان: اكتبوه بلغة المهاجرين. التابوت. وأخرج ابن سعد والبخاري والترمذي والنسائي وابن أبي داود وابن الأنباري معاً في المصاحف وابن حبان والبيهقي في سننه من طريق الزهري عن أنس بن مالك. أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في قرى أرمينية واذربيجان مع أهل العراق، فرأى حذيفة اختلافهم في القرآن فقال لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة أن ارسلي إلي بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت حفصة إلى عثمان بالصحف، فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام، وعبد الله بن الزبير: أن انسخوا الصحف في المصاحف، وقال للرهط القرشيين الثلاثة: ما اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانها. قال الزهري: فاختلفوا يومئذ في التابوت والتابوه. فقال النفر القرشيون: التابوت. وقال زيد: التابوه. فرفع اختلافهم إلى عثمان فقال: اكتبوا التابوت، فإنه بلسان قريش نزل. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب بن منبه. أنه سئل عن تابوت موسى ما سعته؟ قال: نحو من ثلاثة أذرع في ذراعين. أما قوله تعالى: {فيه سكينة من ربكم} . أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: السكينة الرحمة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: السكينة الطمأنينة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: السكينة دابة قدر الهر لها عينان لهما شعاع، وكان إذا التقى الجمعان أخرجت يديها ونظرت إليهم، فيهزم الجيش من الرعب. وأخرج الطبراني في الأوسط بسند فيه من لا يعرف من طريق خالد بن عرعرة عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : السكينة ريح خجوج ". تفسير : وأخرج ابن جرير من طريق خالد بن عرعرة عن علي قال: السكينة ريح خجوج ولها رأسان. وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن عساكر والبيهقي في الدلائل من طريق أبي الأحوص عن علي قال: السكينة لها وجه كوجه الإِنسان، ثم هي بعد ريح هفافة. وأخرج سفيان بن عيينة وابن جرير من طريق سلمة بن كهيل عن علي في قوله {فيه سكينة من ربكم} قال: ريح هفافة، لها صورة ولها وجه كوجه الإِنسان. وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن سعد بن مسعود الصدفي "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مجلس، فرفع نظره إلى السماء ثم طأطأ نظره، ثم رفعه فسئل عن ذلك؟ فقال: إن هؤلاء القوم كانوا يذكرون الله - يعني أهل مجلس أمامه - فنزلت عليهم السكينة تحملها الملائكة كالقبة، فلما دنت منهم تكلم رجل منهم بباطل فرفعت عنهم ". تفسير : وأخرج سفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: السكينة من الله كهيئة الريح، لها وجه كوجه الهر وجناحان وذنب مثل ذنب الهر. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير من طريق أبي مالك عن ابن عباس {فيه سكينة من ربكم} قال: طست من ذهب من الجنة كان يغسل فيها قلوب الأنبياء، ألقى موسى فيها الألواح. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه. أنه سئل عن السكينة؟ فقال: روح من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء تكلم، فأخبرهم ببيان ما يريدون. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن {فيه سكينة} قال: فيه شيء تسكن إليه قلوبهم، يعني ما يعرفون من الآيات يسكنون إليه. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة {فيه سكينة} أي وقار. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وبقية مما ترك آل موسى} قال: عصاه، ورضاض الألواح. وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان في التابوت عصا موسى، وعصا هارون، وثياب موسى، وثياب هاروت، ولوحان من التوراة، والمن، وكلمة الفرج لا إله إلا الله الحليم الكريم، وسبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين. وأخرج إسحاق بن بشر في المبتدأ وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: البقية رضاض الألواح، وعصا موسى، وعمامة هارون، وقباء هارون الذي كان فيه علامات الأسباط، وكان فيه طست من ذهب فيه صاع من منّ الجنة، وكان يفطر عليه يعقوب. أما السكينة فكانت مثل رأس هرة من زبرجدة خضراء. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله {تحمله الملائكة} قال: أقبلت به الملائكة تحمله حتى وضعته في بيت طالوت، فأصبح في داره. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {إن في ذلك لآية} قال: علامة.
ابو السعود
تفسير : {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ} توسيطُه فيما بـين قوليه المحكِيَّـيْن عنه عليه السلام للإشعار بعدم اتصالِ أحدِهما بالآخر، وتخلُّلُ كلامٍ من جهة المخاطبـين متفرِّعٌ على السابق مستتبِعٌ للاحق كأنهم طلبوا منه عليه السلام آيةً تدل على أنه تعالى اصطفى طالوتَ وملّكه عليهم. رُوي أنهم قالوا: ما آيةُ مُلكِه فقال: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ} أي الصُندوقُ وهو فَعْلوتٌ من التَّوْب الذي هو الرجوعُ لما أنه لا يزال يرجِعُ إليه ما يخرُج منه، وتاؤه مزيدةٌ لغير التأنيث كمَلَكوت ورَهَبوت والمشهورُ أن يوقف على تائه من غير أن تُقلبَ هاءً ومنهم من يقلِبُها إياها، والمراد به صُندوقُ التوراةِ، وكان قد رفعه الله عز وجل بعد وفاةِ موسى عليه السلام سُخطاً على بني إسرائيلَ لما عَصَوا واعتدَوْا فلما طلب القوم من نبـيهم آيةً تدل على مُلك طالوتَ قال لهم: «إن آية ملكِه أن يأتيَكم التابوتُ من السماءِ والملائكةُ يحفَظونه» فأتاهم كما وصف والقومُ ينظرون إليه حتى نزل عند طالوتَ. وهذا قولُ ابن عباس رضي الله عنهما وقال: أربابُ الأخبارِ إن الله تعالى أنزل على آدمَ تابوتاً فيه تماثيلُ الأنبـياء عليهم السلام من أولاده وكان من عُود الشمشاد نحواً من ثلاثة أذرُعٍ في ذراعين فكان عند آدمَ عليه السلام إلى أن توفي فتوارثه أولادُه واحدٌ بعد واحدٍ إلى أن وصلَ إلى يعقوبَ عليه السلام ثم بقي في أيدي بني إسرائيلَ إلى أن وصلَ إلى موسى عليه السلام فكان عليه الصلاة والسلام يضعُ فيه التوراةَ وكان إذا قاتل قدّمه فكانت تسكُن إليه نفوسُ بني إسرائيلَ وكان عنده إلى أن توُفي ثم تداولتْه أيدي بني إسرائيلَ وكانوا إذا اختلفوا في شيء تحاكَموا إليه فيكلِّمهم ويحكُم بـينهم وكانوا إذا حضروا القتالَ يقدِّمونه بـين أيديهم ويستفتِحون به على عدوهم وكانت الملائكةُ تحمِلُه فوق العسكر ثم يقاتلون العدوَّ فإذا سمعوا من التابوت صيحةً استيقنوا النصرَ فلما عصَوا وأفسدوا سلّط الله عليهم العمالقةَ فغلبوهم على التابوت وسلبوه وجعلوه في موضع البولِ والغائطِ فلما أراد الله تعالى أن يُملِّك طالوتَ سلط عليهم البلاء حتى إن كلَّ من بال عنده ابتُلي بالبواسير وهلكت من بلادهم خمسُ مدائنَ فعلم الكفارُ أن ذلك بسبب استهانتهم بالتابوت فأخرجوه وجعلوه على ثورَيْن فأقبل الثورانِ يسيران وقد وكل الله تعالى بهما أربعةً من الملائكة يسوقونهما حتى أتَوا منزلَ طالوت فلما سألوا نبـيَّهم البـينةَ على مُلك طالوتَ قال لهم النبـيُّ: «إن آيةَ مُلكِه أنكم تجِدون التابوتَ في داره» فلما وجدوه عنده أيقنوا بمُلكه. {فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ} أي في إتيانِه سكونٌ لكم وطُمَأْنينةٌ كائنةٌ من ربكم أو في التابوت ما تسكُنون إليه وهو التوراةُ المُودَعة فيه بناءً على ما مر من أن موسى عليه السلام إذا قاتل قدَّمه فتسكُن إليه نفوسُ بني إسرائيلَ وقيل: السكينةُ صورةٌ كانت فيه من زَبَرْجَدٍ أو ياقوتٍ «لها رأسٌ وذنبٌ كرأس الهرِّ وذنبِه وجناحانِ فتئِنُّ فيزحَفُ التابوتُ نحوَ العدوِّ وهم يمضُون معه فإذا استقر ثبتوا وسكَنوا ونزل النصرُ» وعن علي رضي الله عنه كان لها وجهٌ كوجه الإنسان وفيها ريحٌ هفّافة {وَبَقِيَّةٌ مّمَّا تَرَكَ ءالُ مُوسَىٰ وَءالُ هَـٰرُونَ} هي رضاض الألواحِ وعصا موسى وثيابُه وشيءٌ من التوراة، وكان قد رفعه الله تعالى بعد وفاةِ موسى عليه السلام، وآلُهما أبناؤُهما أو أنفسُهما، والآلُ مقحَمٌ لتفخيم شأنهما، أو أنبـياءُ بني إسرائيلَ {تَحْمِلُهُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} حال من التابوت أي إن آيةَ ملكِه إتيانُه حال كونِه محمولاً للملائكة وقد مر كيفيةُ ذلك ولعل حملَ الملائكةِ على الرواية الأخيرة عبارةٌ عن سَوْقهم للثورين الحاملين له {إِنَّ فِى ذَلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذكر من شأن التابوت فهو من تمام كلامِ النبـي عليه السلام لقومه أو إلى نَقلِ القصة وحكايتها، فهو ابتداءُ كلامٍ من جهة الله تعالى جيءَ به قبل تمامِ القصةِ إظهاراً لكمال العنايةِ به، وإفرادُ حرفِ الخطاب مع تعدُّد المخاطَبـين على التقديرين بتأويل الفريق أو غيرِه كما سلف {لآيَةً} عظيمةً {لَكُمْ} دالةً على مُلك طالوتَ أو على نبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بهذه التفاصيل على ما هي عليه من غير سماعٍ من البشر {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي مصدِّقين بتكليمه أو بشيءٍ من الآيات، وإن شرطيةٌ والجواب محذوفٌ ثقةً بما قبله وقيل: هي بمعنى إذ.
القشيري
تفسير : إن الله سبحانه إذا أظهر نوراً أمدَّه بتأييد من قِبَلهِ، فلما ملك طالوت عليهم أزال الإشكال عن صفته بما أظهر من آياته الدالة على صدق قول نبيِّهم في اختياره، فردَّ عليهم التابوت الذي فيه السكينة، فاتضحت لهم آية ملكه، وأن نبيهم عليه السلام صَدَقَهم فيما أخبرهم. ويقال إن الله تعالى جعل سكينة بني إسرائيل في التابوت الذي رَضوا عن الألواح، وعصا موسى عليه السلام، وآثار صاحب نبوتهم. وجعل سكينة هذه الأمة في قلوبهم، فقال: "هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين" ثم إن التابوت كان تتداوله أيدي الأعداء وغيرهم؛ فَمرَّةً كان يُدْفَن ومرة كان يُغلب عليه فيُحمَل، ومرة يُرَد ومرة ومرة... وأما قلوب المؤمنين فَحَالَ بين أربابها وبينها، ولم يستودعها ملكاً ولا نبياً، ولا سماء ولا هواء، ولا مكاناً ولا شخصاً، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن"تفسير : يعني في قبضة الحق سبحانه، وتحت تغليبه وتصريفه، والمراد منه "القدرة"، وشتَّان بين أمة سكينتهم فيما للأعداء عليه تَسَلُّط وأمةٍ سكينتهم فيما ليس لمخلوق عليه لسلطان.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقال لهم نبيهم} طلبوا علامة من نبيهم على كون طالوت ملكا عليهم فقالوا ما آية ملكه فقال {إن آية ملكه} اى علامة سلطنته {أن يأتيكم التابوت} من التوب وهو الرجوع وسمى تابوتا لانه ظرف توضع فيه الاشياء وتودع فلا يزال يرجع اليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع اليه فيما يحتاج اليه من مودعاته والمراد به صندوق التوراة وكان قد رفعه الله بعد وفاة موسى عليه السلام سخطا على بنى اسرائيل لما عصوا واعتدوا فلما طلب القوم من نبيهم آية تدله على ملك طالوت قال لهم ان آية ملكه ان يأتيكم التابوت من السماء والملائكة يحفظونه فاتاهم كما وصف والقوم ينظرون اليه حتى نزل عند طالوت وهذا قول ابن عباس رضى الله عنهما. وقال ارباب الاخبار ان الله تعالى انزل على آدم عليه السلام تابوتا فيه تماثيل الانبياء عليهم السلام من اولاده وكان من عود الشمشار ونحوا من ثلاثة اذرع فى ذراعين فكان عند آدم عليه السلام الى ان توفى فتوارثه اولاده واحد بعد واحد الى ان وصل الى يعقوب عليه السلام ثم بقى فى ايدى بنى اسرائيل الى ان وصل الى موسى عليه السلام فكان يضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه وكان اذا قاتل قدمه فكانت تسكن اليه نفوس بنى اسرائيل وكان عنده الى ان توفى ثم تداولته ايدى بنى اسرائيل وكانوا اذا اختلفوا فى شىء تحاكموا اليه فيكلمهم ويحكم بينهم وكانوا اذا حضروا القتال يقدمونه بين ايديهم ويستفتحون به على عدوهم وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر ثم يقاتلون العدو فاذا سمعوا فى التابوت صيحة استيقنوا النصر فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه وجعلوه فى موضع البول والغائط فلما اراد الله ان يملك طالوت سلط الله عليهم البلاء حتى ان كل من بال عنده ابتلى بالبواسير وهلكت من بلادهم خمس مدائن فعلم الكفار ان ذلك سبب استهانتهم بالتابوت فاخرجوه وجعلوه على عجلة وعقلوها على ثورين فاقبل الثوران يسيران وقد وكل الله بهما اربعة من الملائكة يسوقونهما حتى اتيا منزل طالوت فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت قال لهم النبى ان آية ملكه انكم تجدون التابوت فى داره فلما وجدوه عنده ايقنوا بملكه فالاتيان على هذا مجاز لانه اتى به ولم يأت هو بنفسه فنسب الاتيان اليه توسعا كما يقال ربحت التجارة وعلى الوجه الاول حقيقة {فيه} اى فى اتيان التابوت {سكينة من ربهم} اى سكون لكم وطمأنينة كائنة من ربكم او الضمير للتابوت. قال بعض المحققين السكينة تطلق على ثلاثة اشياء بالاشتراك اللفظى. اولها ما اعطى بنوا اسرائيل فى التابوت كما قال تعالى {إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم} قال المفسرون هى ريح ساكنة طيبة تخلع قلب العدو بصوتها رعبا اذا التقى الصفان وهى معجزة لانبيائهم وكرامة لملوكهم. والثانية شىء من لطائف صنع الحق يلقى على لسان المحدث الحكمة كما يلقى الملك الوحى على قلوب الانبياء مع ترويح الاسرار وكشف السر. والثالثة هى التى انزلت على قلب النبى عليه السلام وقلوب المؤمنين وهى شىء يجمع نورا وقوة وروحا يسكن اليه الخائف ويتسلى به الحزين كما قال تعالى {أية : ثم أَنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} تفسير : [التوبة: 26]. وقال بعضهم التابوت هو القلب والسكينة ما فيه من العلم والاخلاص وذكر الله الذى تطمئن اليه القلوب واتيانه تصيير قلبه مقر العلم والوقار بعد ان لم يكن كذلك {وبقية} كائنة {مما} من للتبعيض {ترك آل موسى وآل هرون} هما رضاض الالواح وعصا موسى من آس الجنة وثيابه ونعلاه وعمامة هارون وشىء من التوراة وخاتم سليمان وقفيز من المن وهو الترنجبين الذى كان ينزل على بنى اسرائيل ويأكلونه فى ارض التيه. وآلهما انفسهما والآل مقحم او انباؤهما او اتباعهما {تحمله الملائكة} حال من التابوت اى ان آية ملكه اتيانه حال كونه محمولا للملائكة او استئناف كأنه قيل كيف يأتى فقيل تحمله الملائكة ثم ان التابوت لم تحمله الملائكة فى الروايتين بل نزل من السماء الى الارض بنفسه والملائكة كانوا يحفظونه فى الرواية الاولى واتى به على العجلة وعلى الثورين بسوق الملائكة على الرواية الاخيرة وانما اضيف الحمل فى القولين جميعا الى الملائكة لان من حفظ شيأ فى الطريق جاز ان يوصف بانه حمل ذلك الشىء وان لم يحمله بل كان الحامل غيره كما يقول القائل حملت الامتعة الى زيد اذا حفظها فى الطريق وان كان الحامل غيره {إن فى ذلك} يحتمل ان يكون من تمام كلام النبى وان يكون ابتداء خطاب من الله اى فى رد التابوت ايها الفريق {لآية} عظيمة {لكم} دالة على ملك طالوت وصدق قول نبيكم فى ان الله جعله ملكا فانه امر مناقض للعادة {إن كنتم مؤمنين} مصدقين بالله فصدقوا بتمليكه عليكم. وفى الآية اشارة الى ان آية ملك الخلافة للعبد ان يظفر بتابوت قلب فيه سكينة من ربه وهى الطمأنينة بالايمان والانس مع الله وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون وهى عصا الذكر كلمة لا اله الا الله وهى كلمة التقوى وهى الحية التى اذا فتحت فاها تلقف سحرة صفات فرعون النفس فعصا ذكر الله فى تابوت القلوب وقد اودعها الله بين اصبعى جماله وجلاله كما قال عليه السلام "حديث : قلب المؤمن بين اصبعين من اصابع الرحمنbr>". تفسير : فبصفة الجلال يلهمها فجورها وبصفة الاكرام يلهمها تقواها كما قال تعالى {أية : فألهمها فجورها وتقواها} تفسير : [الشمس: 8]. ولم يستودعها ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا فشتان بين امة سكينتهم فيما للاعداء عليه تسلط وبين امة سكينتهم فيما ليس للاولياء ولا للانبياء عليه ولاية وان كان فى ذلك التابوت بعض التوراة موضوعا ففى تابوت قلوب هذه الامة جميع القرآن محفوظ وان كان فى تابوتهم بيوت فيها صور الانبياء ففى تابوت قلوبهم خلوات ليس فيها معهم غير الله كما قال "حديث : لا يسعنى ارضى ولا سمائى ولكن يسعنى قلب عبدى المؤمنbr>". تفسير : فاذا تيسر لطالوت روح الانسان ان يؤتى تابوت القلب الربانى فسلم ملك الخلافة وسرير السلطنة واستوثق عليه جميع اسباط الصفات الانسانى فلا يركن الى الدنيا الغدارة المكارة بل يتهجر منها ويتبرز لقتال جالوت النفس الامارة وهذا لا يتيسر الا بفضل الله واخذ الطريقة والتمسك بالحقيقة شعر : ره اينست روى از طريقت متاب بنه كام وكامى كه خواهى بياب تفسير : ومن اراد ان يزداد سكينة فليصل الى المعرفة فان المعرفة الآلهية توجب السكينة فى القلب كما ان القلب يوجب السكون. وسئل ابو يزيد عن المعرفة فقال {أية : ن الملوك إذا دخلوا قرية إفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة} تفسير : [النمل: 34] اى غيروا حالها عما هى عليه وكذلك اذا وردت الواردات الربانية على القلوب الممتلئة اخرجت منها كل صفة رديئة. وقيل لابى يزيد بم وجدت هذه المعرفة فقال ببطن جائع وبدن عار: قال السعدى قدس سره شعر : باندازه خور زاد اكر مردمى جنين برشكم آدمى يا خمى تدارند تن بروران آكهى كه بر معده باشدز حكمت تهى تفسير : اللهم احفظنا من الموانع فى طريق الوصول اليك آمين آمين.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: قال الجوهري: أصل التابوت: تأبُوة، مثل تَرْقُوة وهي فَعْلُوةٌ، فلما سُكِّنتْ الواو، انقلبت هاء التأنيث تاءٌ، فلغة قريش بالتاء، ولغة الأنصار بالهاء. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقال لهم نبيهم} لَمَّا طلبوا منه الحجة على اصطفاه طالوت للملك: {إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت} وهو صندوق من خشب الشمشار مُمَوَّه بالذهب، طوله ثلاثة أذرع في سعة ذراعين {فيه سكينة من ربكم} أي: فيه ما تسكن إليه قلوبكم وتثبت عند الحرب. وكانوا يُقدمونه أمامهم في الحروب فلا يفرون، ويُنصرون على عدوهم، وقيل: كان فيه صور الأنبياء من آدم السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: كان فيه طَسْت من ذهب غُسلت به قلوب الأنبياء - عليهم السلام - وهي السكينة - وفي {بقيمة مما ترك آل موسى} وهي رُضاض الألواح، وعصا موسى، وثيابه، وعمامة هارون والآل: مقحم فيهما. {تحمله الملائكة} قال وهب: لما صار التابوت عند القوم الذين غلبوا بني إسرائيل - فوضعوه في كنيسة لهم فيها أصنام، فكانت الأصنام تُصبح مُنكسرة، فحملوه إلى قرية قوم، فأصاب أولئك القومَ أوجاعٌ، فقالوا: ما هذا إلا لهذا التابوت، فلنتركه إلى بني إسرائيل، فأخذوا عَجَلَةً فجعلوا التابوت عليها وربطوها ببقرتين، وأرسلوهما نحو بلاد بني إسرائيل، فبعث الله ملائكة تسوق البقرتين حتى دخلتا على بني إسرائيل، وهم في أمر طالوت فأيقنوا بالنصر، وقيل غيرُ ذلك. وقوله تعالى: {إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} يحتمل أن يكون من كلام نبيهم، أو من كلام الحق تعالى لنبينا - عليه الصلاة والسلام -. الإشارة: من شأن غالب النفوس ألا تقبل الخصوصية عند أحد حتى تظهر علامتُها، ولذلك طالب الكفارُ الرسلَ بالمعجزات، وطالب العوامُ الأولياءَ بالكرامات، ويكفي في الولي استقامة ظاهره، وتحقيق اليقين في باطنه. قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: "إنما هما كرامتان جامعتان محيطتان: كرامة الإيمان بمزيد الإيقان ونعت العيان، وكرامة العمل على السنة والمتابعة، وترك الدعاوى والمخادعة، فَمنْ أُعطيهما ثم جعل يشتاق إلى غيرهما فهو مفترٍ كذاب، أو ذو خطأ في العلم والعمل... " الخ كلامه رضي الله عنه. وقال في العوارف: وقد يكون مَنْ لا يُكَاشَفُ بشيء من معاني القَدَر أفضل ممن يكاشف بها، إذا كاشفه الله تعالى بصرف المعرفة، فالقدرة أثر من القادر، ومن أُهِّل لقرب القادر لا يستغرب ولا يستكثر شيئاً من القدرة، ويرى القدرة تتجلّى من سُحُب أجزاء عالم الحكمة. فالكرامة إنما تظهر للقلوب المضطربة والنفوس والمتزلزلة، وأما من سكن قلبه باليقين واطمأنت نفسه بالعيان لم يحتج إلى دليل برهان؛ إذ الجبال الراسية لا تحتاج إلى دُعامة، والله تعالى أعلم. وكل من طالب أهلَ الخصوصية بالكرامة الحسية ففيه نزعة إسرائيلية، حيث قالوا لنبيهم بعد أن عيَّن لهم مَنْ أكرمه الله بخصوصية الملك:{أية : أَنَّى يَكُونُ لَهُ لْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُ بِالْمُلْكِ مِنْهُ}تفسير : [البقرة: 247]. ورد الحق تعالى عليهم بقوله: {والله يؤتي ملكه من يشاء}. وما أظهر لهم كرامة التابوت إلا بعد امتناعهم من الجهاد المُتَعَيَّنِ عليهم رحمةٌ بهم. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : المعنى: قال الحسن: وجه الآية في التابوت أن الملائكة كانت تحمله بين السماء والارض يرونه عياناً وقال ابن عباس ووهب: إن الله انتزعه من أيدي أعدائهم الذين نهبوه منهم، فردّ عليهم {تحمله الملائكة} وقيل: إن التابوت كان في أيدي أعداء بني إسرائيل من العمالقة الذين غلبوهم عليه - على قول ابن عباس، ووهب -, وروي ذلك عن أبي عبد الله (ع). وقال قتادة: كان في برية التيه: خلفه هناك يوشع ابن نون. وقال وهب بن منبه: كان قدر التابوت نحواً من ثلاث أذرع في ذراعين. وروي عن علي (ع). أنه قال: السكينة التي كانت فيه ريح هفافة لها وجه كوجه الانسان. وقال مجاهد لها رأس كرأس الهرة، وروي ذلك في أخبارنا. وقال وهب: روح من الله تكلمهم بالبيان عند وقوع الاختلاف. وقال عطا: كان فيه آية يسكنون إليها. والسكينة مصدر وقع موقع الاسم نحو القضية والبقية والعزيمة وأخذ من معنى السكون لأن نفوسهم تسكن إليه والبقية التي ترك آل موسى، وآل هارون. قال ابن عباس، وقتادة، والسدي: إنها عصا موسى ورصاص للالواح، وهو المروي عن أبي جعفر. وقال أبو جعفر التابوت هو الذي وضعت أم موسى فيه موسى حين ألقتة في اليم. وأقوى هذه الأقوال أن يحمل على أنه كان فيه ما يسكنون إليه، ويجوز أن يكون ذلك عصا موسى والرصاص، وغير ذلك مما اختلفوا فيه بعد أن يكون فيه ما تسكن النفس إليه، لأنه تعالى بين أن فيه سكينة، وهي فعيلة من السكون، ولا يقطع بشيء من ذلك إلا بدليل يوجب العلم. وقال الحسن: كان فيه التوراة وشيء من ثياب موسى. اللغة: وفي التابوت لغتان فلغة جميع العرب إلا الأنصار: التابوت بالتاء. والانصار تقول: التابوه بالهاء. ويقال: بقي بقاء وأبقاه إبقاء واستبقاه استبقاء وتبقاء تبقياً وتباقى تباقياً وباقاه مباقاة. ومنه بقايا الخراج. وأصل الباب البقاء: خلاف الفناء. وقوله: {تحمله الملائكة} تقول: حمل يحمل حملا واحتمل احتمالا وتحامل تحاملا. وتحملّ تحملا وحمله تحميلا وحامله محاملة. وانحمل انحمالا واستحمل استحمالا. والحمل من الضّان: الخروف. والحمل: السحاب الكثير الماء. والحمل: ما في البطن. والحمل: ما على الظهر. والحمالة علاّقة السيف. والمحمل: الذي يوكبه الناس والحمالة الدية، يتحملها قوم عن قوم والحميل: الكفيل، والحميل الغريب لأنه يحمل على القوم وليس منهم. وحميل السيل: غثاؤه. وامرأة حامل: حبلى لحملها الولد. وحملت فلاناً على فلان: إذا حرشته عليه، لأنك حملته على مكروهه. والحمولة الابل لأنها يحمل عليها الأثقال. وأصل الباب الحمل: كون الشىء على الشىء وقوله: {إن كنتم مؤمنين} معناه إن كنتم مصدقين ولا يجوز أن يكونوا على تثبيت الايمان لهم، لأنهم كفروا حين ردّوا على نبيهم. وقيل: إن كنتم مؤمنين كما تزعمون.
الجنابذي
تفسير : بيان التّابوت والسّكينة {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ} لالزامهم بعد ما رأى انكارهم بقياسهم الفاسد {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ} امّا فعلوت من تاب اذا رجع فانّه كان سبباً لكثرة مراجعة صاحبه الى الله ولكثرة مراجعة الله عليه، او فلعوت مثل طاغوت من تبى يتبوا ذا غزا او غنم فانّه كان سبب الغلبة والغنيمة فى الغزاء، ويجوز ان يكون وزنه فاعولاً وان كان نحو سلس وقلق قليلاً فان بتّوتاً مثل تنّور بمعنى التّابوت يدلّ على انّه فاعول وكان ذلك التّابوت هو الصّندوق الّذى انزله الله على امّ موسى فوضعته فيه وألقته فى اليمّ وكان فى بنى اسرائيل يتبرّكون به فلمّا حضر موسى (ع) الوفاة وضع فيه الالواح ودرعه وما كان عنده من آيات النبوّة وأودعه يوشع وصيّه فلم يزل التّابوت بينهم حتّى استخفّوا به وكان الصّبيان يلعبون به فى الطّرقات فلم يزل بنو اسرائيل فى عزّ وشرف ما دام التّابوت بينهم فلمّا عملوا بالمعاصى واستخفّوا بالتّابوت رفعه الله تعالى عنهم فلمّا سألوا النّبىّ وبعث الله تعالى طالوت اليهم ملكاً يقاتل ردّ الله عليهم التّابوت كما قال الله تعالى {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} قد اختلفت الاخبار فى بيان السّكينة وفى خبرٍ انّها ريح من الجنّة لها وجه كوجه الانسان وكان اذا وضع التّابوت بين ايدى المسلمين والكفّار فان تقدّم التّابوت رجل لا يرجع حتّى يقتل او يغلب، ومن رجع عن التّابوت كفر وقتله الامام، وفى خبرٍ، السّكينة روح الله يتكلّم كانوا اذا اختلفوا فى شيءٍ كلّمهم واخبرهم ببيان ما يريدون، وفى خبرٍ انّ السّكينة الّتى كانت فيه كانت ريحاً هفّافة من الجنّة لها وجه كوجه الانسان، وفى خبرٍ انّها ريح تخرج من الجنّة لها صورة كصورة الانسان ورائحة طيّبة وهى الّتى نزلت على ابراهيم (ع) فأقبلت تدور حول أركان البيت وهو يضع الاساطين، وفى خبرٍ انّ السّكينة لها جناحان ورأس كرأس الهرّة من الزّبرجدّ {وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ} يعنى موسى (ع) وهارون (ع) وآلهما فانّه يراد كثيراً باضافة شيءٍ الى امرٍ ذلك الامر والمضاف جميعاً خصوصاً اذا كان حيثيّة الاضافة منظوراً اليها، واختلف الاخبار فى تفسير تلك البقيّة ففى بعض الاخبار انّها ذرّيّة الانبياء، وفى بعضٍ ذرّيّة الانبياء ورضراض الالواح فيها العلم والحكمة، وفى بعض الاقوال العلم جاء من السّماء فكتب فى الالواح وجعل فى التّابوت، وفى بعضٍ: فيه الواح موسى الّتى تكسّرت والطّست الّتى يغسل فيها قلوب الانبياء، وفى بعض كان فيه عصا موسى (ع)، وفى بعض الاقوال كان التّابوت هو الّذى أنزل الله على آدم (ع) فيه صور الانبياء فتوارثه اولاد آدم (ع) {تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} قيل: انّ الملائكة كانوا يحملونه بين السّماء والارض، وفى الخبر كان التّابوت فى ايدى اعداء بنى اسرائيل من العمالقة غلبوهم لمّا برح امر بنى اسرائيل وحدث فيهم الاحداث ثمّ انتزعه الله من ايديهم وردّه على بنى اسرائيل، وقيل: لمّا غلب الاعداء على التّابوت ادخلوه بيت الاصنام فأصبحت اصنامهم منكبّةً فاخرجوه ووضعوه ناحية من المدينة فأخذهم وجعٌ فى أعناقهم وكلّ موضع وضعوه فيه ظهر فيه بلاء وموت ووباء؛ فتشأمّوا به فوضعوه على ثورين فساقتهما الملائكة الى طالوت، وفى خبر سئل (ع): كم كان سعته؟ - قال: ثلاثة اذرعٍ فى ذراعين. ويستفاد من جملة الاخبار وبيان السّكينة والبقيّة انّه كان المراد بالتّابوت الصّدر المستنير بنور الامام (ع) الظّاهر فيه صورة غيبيّة من الجنّة والصّدر الظّاهر فيه صورة غيبيّة مصاحب للنّصرة والظّفر وتحمله الملائكة وفيه الطست الّتى يغسل فيها قلوب الانبياء وفيه ذرارى الانبياء وصورهم وبقيّة آل موسى (ع) وهارون (ع)، وفيه العلوم والحكمة وهذه الصورة كانت مع ابراهيم (ع) وتدور حول اركان البيت، وظهور هذه الصورة بشارة من الله بالنبوّة والولاية لو تمكّنت فى الانسان فانّها ريح تفوح من الجنّة وتبشّر بالعناية من الله وهذه سبب استجابة الدّعاء ونزول النّصرة والتّأييد من الله ولذلك ذكرت السّكينة فى القرآن قرينة للنّصر والتّأييد بجنود لم تروها وقد اصطلح الصوفيّة على تسمية هذه الصّورة بالسّكينة فانّها سبب سكون النّفس واطمئنانها، وبها يرتفع كلفة التكليف ويتبدّل الكلفة باللّذّة، ويحصل الاحسان الّذى هو العبادة؛ بحيث كان العابد يرى الله فانّ رؤيتها كرؤية الله، وقول الصّادق (ع): الست تراه فى مجلسك؟ اشارة الى هذه الرّؤية، وقوله تعالى كونوا مع الصّادقين، وابتغوا اليه الوسيلة، وجاهدوا فى سبيله، واهدنا الصّراط المستقيم وقوله (ع): انا الصّراط المستقيم، وقول المولوى (قدّه): شعر : جونكه با شيخى تو دور از زشتيئى روزو شب سيارى و در كشتيئى تفسير : وقوله: شعر : هيج نكشد نفس را جز ظلّ بير دامن آن نفس كش را سخت كَير تفسير : وامثال ذلك كلّها اشارة الى هذا الظّهور وتلك المعيّة ولمّا كان المعانى تقتضى الظّهور فى المظاهر الدّانية جاز ان يكون التّابوت فى الظّاهر صندوقاً من خشب الشّمشاد مموّهاً بالذّهب محسوساً للكلّ دار معه الملك او النّبوّة كلّما دارو كأنّه كان كثير من بنى اسرائيل يظهر التّابوت والسّكينة وبقيّة آل موسى (ع) وهارون (ع) بحسب المعنى والتّأويل على صدورهم لتأثير قوّة نفوس آبائهم فيهم وتفضّل الله عليهم بسبب آبائهم ولذلك كان فيهم انبياء كثيرون بحيث قتلوا منهم فى يوم واحد الى الضّحى جماعة كثيرة ولم يتغيّر حالهم كأنّهم لم يفعلوا شيئاً، ولمّا عملوا بالمعاصى ارتفع ذلك الفضل عنهم وحرموا التشرّف بالتّابوت والسّكينة وبعد ما اضطرّوا والتجاؤا الى نبيّهم تفضّل الله عليهم به وجعله الله آية ملك طالوت وقال {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ} ويجوز ان يكون هذا من تتمّة كلام نبيّهم {إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} شرط تهييجىّ وبعد ظهور التّابوت والاقرار بطالوت جمعوا له الجنود وخرجوا الى قتال جالوت.
فرات الكوفي
تفسير : {بَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ موسى وآلُ هارون 248} فرات قال: حدثني علي بن محمد الزهري قال: حدثني القاسم بن إسماعيل الأنباري قال: حدثني حفص بن عاصم ونصر بن مزاحم وعبد الله بن المغيرة عن محمد بن مروان السدي قال: حدثني أبان بن [أبي] عياش: عن سليم بن قيس قال: خرج [أمير المؤمنين.ر] علي بن أبي طالب عليه السلام ونحن قعود في المسجد بعد رجوعه من صفين وقبل يوم النهروان فقعد [علي.أ،ر] واحتوشناه فقال له رجل: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن [ب: من] أصحابك فقال: سل، فذكر قصة طويلة وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في كلام له طويل: حديث : إن الله أمرني بحب أربعة [رجال. أ، ر] من أصحابي وأخبرني أنّه يحبهم [ن: وأمرني أن أحبهم] والجنة تشتاق إليهم. فقيل: من هم يا رسول الله؟ فقال: علي بن أبي طالب، ثم سكت فقالوا: مَنْ هُم يا رسول الله؟ فقال: علي، ثم سكت، فقالوا: مَنْ هم يا رسول الله؟ فقال: عليّ وثلاثة معه وهو إمامهم وقائدهم ودليلهم وهاديهم، لا ينثنون [أ، ب: لا يثنون] ولا يضلون ولا يرجعون ولا يطول عليهم الأمد فتقسو قلوبهم: سلمان وأبو ذر والمقداد. فذكر قصة طويلة ثم قال: أدعوا لي علياً فأكببت [ب: فألببت. ر: فالبت عليهم] عليه فأسرّ إليّ [أ: لي] ألف [ب: بألف] باب يفتح [لي. ب] كل باب ألف باب . تفسير : ثم أقبل إلينا أمير المؤمنين وقال: سلوني قبل أن تفقدوني فوالذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إني لأعلم بالتوراة من أهل التوراة، وإني لأعلم بالانجيل من أهل الأنجيل، وإني لأعلم بالقرآن من أهل القرآن، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما من فئة تبلغ ثمانين [ن: ناس] رجلاً إلى يوم القيامة [إلا. أ، ب] وأنا عارف بقائدها وسائقها، وسلوني عن القرآن فإن في القرآن بيان كل شيء، فيه علم الأولين والآخرين، وإنّ القرآن لم يدع لقائلٍ مقالاً، {أية : وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم} تفسير : [7/آل عمران]، ليس بواحدٍ رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ر، ب] منهم أعلمه [ب: علمه] الله إياه فعلمنيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم لا تزال في عقبنا إلى يوم القيامة، ثم قرأ أمير المؤمنين {بقية مما ترك آل موسى وآل هارون} وأنا من رسول اله صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة هارون من موسى، والعلم في عقبنا إلى أن تقوم الساعة.
الهواري
تفسير : {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ المَلاَئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. قوله: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ}. وسار بهم أخذ بهم مفازة من الأرض فعطشوا {قَالَ} لهم نبيهم {إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم} أي مختبركم {بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} قال الله: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ}. جعلوا يشربون منه ولا يروون. أما القليل فكفتهم الغرفة. ورجع الذين عصوا وشربوا. فقطع طالوت والذين معه، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً بعدة أهل بَدْرٍ، وَبَدَرَهم جالوت وجنوده. {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللهِ} أي: صالحوهم {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}. قال بعضهم في قوله: {أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ} يعني رحمة {وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَارُونَ}. قال بعضهم: كان فيه عصا موسى، ورُضاض الألواح؛ وكان موسى تركه عند فتاه يوشع بن نون، وهو في البريّة، فأقبلت تحمله الملائكة {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. وقال بعضهم: كان التابوت في أرض جالوت، قد غلبوا عليه زماناً من الدهر، فقالوا لنبيّهم: إن أتيتنا به فأنت صادق، وطالوت ملك كما زعمت، فدعا النبي ربَّه، فأتاه بالتابوت حتى وضع في أرض بني إسرائيل، فصدّقوه وعلموا أن الله هو الذي بعث طالوت ملكاً عليهم. وقال بعضهم: كان التابوت إذا قابلت بنو إسرائيل العمالقة مشى التابوت بين السماء والأرض، والصفوف والرايات خلفه، فكانوا ظاهرين عليهم، حتى ظفرت العمالقة على التابوت فأخذوه فدفنوه في ملقى كناسة لهم، وذلّت بنو إسرائيل. وألقى الله على رجال العمالقة وعلى نسائهم الناسور فقال بعضهم: ما نرى هذا الذي أصابكم إلا بما صنعتم بالتابوت، فهل لكم أن تردوه على بني إسرائيل؟ فقالوا: لا نفعل؛ لكنا نحمله على بقرة ونحبس عجلها، ثم نُوَجِّهها إلى صفوف بني إسرائيل، فإن أراد الله أن يرجع التابوت إلى بني إسرائيل رجعت البقرة إليهم وإلا رجعت إلى عجلها. ففعلوا، فنزل ملكان من السماء فأخذ أحدهما برأس البقرة وساقها الآخر، حتى دخلت صفوف بني إسرائيل؛ فذلك قوله: {تَحْمِلُهُ المَلاَئِكَةُ}: كقول الرجل: وجاء فلان يحمل. وليس يحمله هو، وإنما تحمله الدواب. وقال بعضهم في قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ} هو نهر بين الأردن وفلسطين وقال بعضهم هو نهر أبي فطرس. وقال الحسن في قوله: {هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا}: عسيتم أي ظننتم. إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا. {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} قال الله: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} قال: لم يقبلوا ذلك وكفروا إلا قليلاً منهم. وإنما سألوا من الملك الذي بعثه الله فقال لهم: {إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً. قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْه} إِلى آخر الآية. قالوا ما آية ملكه التي يعرف بها أنه الملك، قال: {إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَبِّكُمْ}. والسكينة هي الوقار في تفسير الحسن. والتابوت من خشب. قال بعضهم: بلغنا أن طوله كان ذراعين وشبراً في ذراعين وشبر. قال كان موسى يضع فيه التوراة ومتاعه ومتاع هارون، وهم يعرفونه. وكان الله رفعه حين قبض موسى بسخطه على اليهود، وبما أحدث القوم بعده. فقال آيَة ملكه أن يأتِيكم التابوت من السماء، وأنتم تنظرون إليه، فتحمله الملائكة عياناً من غير أن يكونوا رأوا الملائكة. وقال الحسن وغيره في قوله: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي}: كان أحدهم يغترف الغرفة بيده فتجزيه، يعنيان المؤمنين الذين استثنى في قوله: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} وقال بعضهم: أما الكفار فجعلوا يشربون، ولا يروون. وأما المؤمنون فجعل الرجل منهم يغترف غرفة فترويه وتجزيه. قال بعض المفسّرين: وهي تقرأ على وجهين: بفتح العين ورفعها: غَرفة وغُرفة. فمن قرأها {غَرفة} فهو يعني الغرفة التي اغترف [مرة واحدة] كما تقول: إلا من فعل الفَعلة. ومن قرأها {غُرفة}، فهو يعني الغُرفة بعينها [ملء اليد]. وبعضهم يقرأها بمقرإ ثالث: إلا من اغترف غِرفة، يقول: إلا من فعل فِعلة، اغترف اغترافاً. {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} فقيل للحسن: أليس القوم جيمعاً كانوا مؤمنين، الذين جاوزوا؟ قال: بلى! ولكن تفاضلوا بما سخت أنفسهم من الجهاد في سبيله. وقال بعضهم: ذكر لنا "حديث : أن نبي الله قال لأصحابه يوم بدر: أنتم اليوم بعدة أصحاب طالوت يوم لقى"تفسير : . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً.
اطفيش
تفسير : {وقَالَ لَهُم نَبِيُّهم إنَّ آيةَ مُلْكِهِ أنْ يَأتِيكُم التَّابوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّنْ رَبكُم وبَقيَّة ممَّا تَركَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارونَ تَحْملُه الملائِكَةُ}: وقيل جعل لهم نبيهم ذلك آية تنبيهاً وتأكيداً ولم يسألوه آية وهو ظاهر الآية، وقيل قالوا له: إن صدقت فأتنا بالتابوت من جالوت. الآية: العلامة، والتابوت: الصندوق، وهو فعلوت بفتح الفاء والعين، من تاب يتوب، أى رجع. سمى لأنه يرجع إليه ما يخرج منه بنفسه أو بدله أو قيمته أو ثمنه، ولأن صاحبه يرجع إليه أصله توبوت بفتح الواو الأولى، قلت الفاء لتحركها بعد فتحته، فالزائد الواو والتاء الآخران، وليس وزنه فاعولا على أن يكون الزائد الألف بعد التاء والواو، وبعد الباء، فتكون التاء الأولى فاءه والأخرى لامه، والباء بينهما عينه، لأنه يلزم عليه كونه ألفا واللام من جنسه واحد، وذلك قليل كسلس وقلق، فلا يحمل عليه لقلته ولأنه لا تعرف فى العربية مادة تبت بناءين مثناتين، وقرأ أبىّ وزيد بن ثابت التابوه بهاء مضمومة وهى لغة الأنصار، كأنهم جعلوا الهاء بدلا من التاء لاتحادهما فى الهمس، وكونهما من حروف الزيادة، وذلك الصندوق من خشب الشمشاء، وهو خشب يتخذ منه المشط يموت بالذهب، خلقه الله بلا عمل نجار فيه، وقيل: هو من عود الصندل كذلك، وكان قدر ما يحمل، وقال وهب بن منبه: كان نحو ثلاثة أذرع طولا فى ذراعين عرضا، وقيل ذراعين وشبرا فى ذراعين وشبر، وكانت فيه صورة الأنبياء من آدم إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مصورة فى خرق من حرير، وقد ذكرتها فى رد الشرود إلى الحوض المورود مفصلة أنزله الله على آدم من الجنة، فكان عنده ثم عنده شيث وتوارثه الأنبياء إلى أن صار عند إبراهيم، ثم عند إسماعيل إذ كان أكبر بنيه، ثم عند يعقوب؛ وتوارثوه إلى أن صار عند موسى يضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه، وتداوله الأنبياء بعده من بنى إسرائيل إلى أن وصل أشموئيل، وكان إذا اختلف بنو إسرائيل فى شئ تكلم وحكم بينهم، وإذا حضر القائل قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وقيل كانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو، فإذا سمعوا منه صيحة استيقنوا النصر، ولما عصوا وفسدوا سلط عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه، وذلك أنه كان عيلا، وهو الحبر الشيخ الذى ربى أشموئيل لهُ ابنان، وهو حبر بنى إسرائيل وصاحب قربانهم. فى زمانه فأحدث أبناه فى القربان شيئا لم يكن فيه وذلك أنه يكون لصاحب القربان ما يقبض عليه كلابان فاتخذ أبناه كلاليب، وكان النساء يصلين فى بيت المقدس فيتشبهان بهن، فأوحى إلى نبيهم وزعم بعض أنه أمشوئيل إن انطلق إلى عيلا، وقيل لهُ: منعك حب الولد من أن تزجر ابنيك أن يحدثا فى قربانى وقدسى شيئا وأن يعصيانى فلا نزعنك من القربان، فلا يكون بيدك ومن ولدك، ولأهلكنك وإياهم، فأخبره أشموئيل بذلك، ففزع وسار إليهم عدوهم من حولهم، فأمر عيلا ابنيه أن يخرجا بالناس فيقاتلا، فخرجا فأخرجا معهما التابوت، فملا خرجوا جعل يتوقع الخبر، فجاءه رجل فقال إن الناس قد انهزموا، وقد قتل ابناه، قال فما فعل التابوت؟ قال: أخذه العدو، وكان قاعداً على كرسيه فشهق ووقع على قفاه فمات فمرج أمر بنى إسرائيل، وتفرقوا إلى أن بعث الله طالوت ملكا، والعدو لما أخذ التابوت أتوا به قرية من قرى فلسطين يقال لها أزدود، فجعلوه فى بيت أصنام لهم تحت الصنم الأعظم، فأصحبوا من العدو الصنم تحته، فأخذوه ووضعوه تحت الصنم، وسمروا قدمى الصنم على التابوت، فأصحبوا وقد تقطعت يد الصنم ورجلاه، فأصبح ملقى تحت التابوت، فأصبحت أصنامهم منكسة، فأخرجوا التابوت من بيت الأصنام، ووضعوه فى ناحية من مدينتهم ودفنوه فى مزبلة فى تلك الناحية، وأخذ أهلَ تلك الناحية وجعٌ فى أعناقهم حتى هلك أكثرهم، فقال بعضهم لبعض: أليس قد علمتم أن إله بنى إسرائيل لا يقوم لهُ شئ فأخرجوه إلى قرية أخرى، فبعث الله إلى أهلها فأراً فكانت الفأرة تبيت مع الرجل فيصبح ميتاً قد أكلت ما فى جوفه، فأخرجوه إلى الصحراء ودفنوه، فكان كل من تبرز هناك أخذه الباسور هناك والقولنج، وقيل أصاب رجالهم ونساءهم الباسور والفنولنج وهو فى مدينتهم، وهلكت به خمس مدن من مدائنهم، قيل تحيروا فيه، فقالت لهم امرأة من بنى إسرائيل، كانت عندهم من بنات الأنبياء: لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام التابوت فيكم هكذا، فأخرجوه عنكم فأتوا بعجلة بإشارة تلك المرأة وحملوا عليها التابوت، ثم علقوها بثورين وضربوا جنوبهما، فأقبل الثوران يسيران قد وكل الله بهما أربعة أملاك يسوقونهما حتى وقفا على أرض بنى إسرائيل، ووضع التابوت فى أرض فيها حصاد لبنى إسرائيل بعد ما قطعت حبالها، ورجع إلى أرضهما ولم يرع بنى إسرائيل إلا التابوت عندهم، فكبروا وحمدوا الله وقيل قال بعضهم: ما أصابنا ذلك إلا بهذا التابوت، فهل لكم أن تردوه إلى بنى إسرائيل، فقالوا لا نفعل، ولكن نحمله على بقرة ونحبس عجلها ثم نوجهها إلى صفوف بنى إسرائيل، فإن أراد الله أن يرده إلى بنى إسرائيل وإلا رجعت إلى عجلها فنزل ملكان، تأخذ أحدهما بقرنها وساقها الآخر حتى دخلت صفوفهم، وقال الله: {تحملهُ الملائكة}، والحامل الثوران لأن من حفظ شيئا فى الطريق على دابة أو سفينة يوصف بأنه حمله، وقال ابن عباس رضى الله عنهما: نزلت به الملائكة من السماء وبنو إسرائيل ينظرون حتى وضعوه بين أيديهم، عند طالوت، وذلك أنهم رعوه من العمالقة، وجاءوا به من جهة السماء، وقال الحسن: رفع للسماء لما عصت بنو إسرائيل فرفع لطالوت حينئذ. وقال قتادة والربيع كان فى التيه خلفة موسى عند يوشع، فجاءت به الملائكة منه حتى وضعوا طالوت فى داره، وبرجوعه أقروا بملك طالوت، وإسناد الآيتين للتابوت مجاز لأنه لم يأت بنفسه. والسكينة: فعيلة من السكون، أى سكون وطمأنينة لكم، فالهاء فى فيه للإتيان، أى فى إتيان التابوت سكون قلوبكم إلى تملك طالوت عليكم، ويجوز عود الهاء إلى التابوت على معنى أنه تسكن قلوبهم به إذا أحضروه فى القتال، وقدموه ولا يفرون، فإذا كانت قلوبهم تسكن به صح أن يقال فيه سكينة، وكأنه قيل فى حضوره قتالكم سكينة أو على معنى أن فيه فى داخله شيئا يسمى سكينة تسكن إليه قلوبهم، فقيل هو شئ كرأس هرة إذا أنّ سمع من التابوت أنين كصوت الهرة، وزف نحو العدو، وهم يمضون معه ما مضى فإذا استقر ثبتوا خلفه، وقال مجاهد صورة كانت فيه من زبرجد وياقوت لها رأس، وذنب كرأس الهرة وذنبها. وجناحان فتان فيزف التابوت نحو العدو، ويتعبونه فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر، وإذا سار ساروا أو وقف وقفوا، وقال على بن أبى طالب: السكينة ريح هفافة أى سريعة المرور لها رأسان ووجه كوجه الإنسان، تخرج من التابوت فتمر على الأعداء فتفرقهم، وقال ابن عباس: طشت من ذهب تغسل فيه قلوب الأنبياء وهى من الجنة، وقال وهب: هو روح من الله تتكلم إذا اختلفوا فى شئ أخبرتهم ببيان ما يريدون، وقيل هى صور الأنبياء، وقال عطاء هى ما يعرفون من الآيات التى يسكنون إليها وما فسرت به السكينة أولا هو أولى، لأنه يشتمل ذلك كله وغيره، وبه قال قتادة والكلبى، وكل ما سكنوا إليه فهو سكينة، فهم سكنوا بإتيانه وبحضوره، وبما فى داخله من بقايا الأنبياء ولم يرد فيه نص صريح، وقيل: التابوت القلب والسكينة ما فيه من العلم والإخلاص وإتيانه مصيره مقراً للعلم والوقار بعد أن لم يكن كذلك، والقلب يسمى بيت الحكمة ومسقط العلم وتابوته وصندوقه، وجملة {فيه سكينة} حال من التابوت، و{من ربكم}: متعلق بيأتيكم، أو بمحذوف نعت لسكينة. والبقية: ما ترك آل موسى وآل هارون رضاض الألواح، أى ما تكسر منها حين ألقاها غضبا على عبادة العجل، وعصا موسى وثيابه ونعلاه، وعمامة هارون وقفيز من المن الذى نزل على بنى إسرائيل فى التيه، وقيل: لوحان من التوراة ورضاض متكسر، وقيل عن ابن عباس: البقية: رضاض الألواح وعصا موسى، وقيل العلم والتوراة. ومما ترك: متعلق ببقية، أو بمحذوف نعت بقية: وآل موسى وآل هارون أبناءهما على أنهما تركا أبناء وتركا عندهم تلك البقية وتوارثوها، وقيل: آلهما وأتباعهما، وقيل: أبناء بنى إسرائيل الذين بعدهما جعلوا كأنهم أبناء لهما، وعيال لهما. وقيل آل: مزيد لتفخيم شأنهما، والعرب تقول آل فلان، وتريد فلانا، ووجه ذلك إنما نسب لأحد، فإن لأهله التباسا ما به وانتساباً قال صلى الله عليه وسلم لأبى موسى: "حديث : لقد أوتى هذا مزمار من مزامير آل داود"تفسير : والصوت الحسن لداود لا لأهله. قال الشاعر: شعر : ولا بنك ميتا بعد ميت يحبه على وعباس وآل أبى بكر تفسير : وجملة {تحمله الملائكة} حال من التابوت وقرأ يحمله بمثناة تحتية. {إنَّ فى ذلكَ}: أى فى إتيان التابوت تحمله الملائكة، أو أن فى التابوت الأول أولى لتناسب آخر الآية أولها: {لآيةً لكُم}: على ملك طالوت. {إنْ كُنْتم مُؤْمنِينَ}: مصدقين: وذلك من كلام نبيهم أشموئيل خاطب به قومه بنى إسرائيل، يريد أنه لا يترك التصديق بها إلا من يعاند، وأما من يتبع ما فى قلبه من التصديق فلا بد أن يصدق بها لفوتها، وقيل قوله: {إن فى ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين}، خطاب من الله تعالى لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
الالوسي
تفسير : {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ} عطف على مثله مما تقدم وكان توسيط ما تقدم بينهما للإشعار بعدم اتصال أحدهما بالآخر وتخلل كلام من جهة المخاطبين متفرع على السابق مستتبع للاحق، وروايات القصاص متظافرة على أنهم قالوا لنبيهم: ما آية ملكه واصطفائه علينا؟ فقال: {إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ} ولما لم يكن قولهم ذلك مذكوراً ليقع هذا جواباً له صراحة أعاد الفاعل ليغاير ما علم صراحة كونه جواباً، وإنما لم يجر ذلك المجرى بأن يذكر مقولهم ويكون هذا جواباً له، ويكتفي بالإضمار كما اكتفى به أولاً للإيماء إلى أن ذلك السؤال للنبـي بعد تصديقهم له وبيانه لهم ما استفهموا عنه مما لا ينبغي أن يكون حتى يجاب لأن له شبهاً تاماً بالتعنت حينئذ وإن عد من باب/ السؤال لتقوية العلم، وهذا بناءاً على أن القوم كانوا مؤمنين، وفي بعض الروايات ما يقتضي أنهم لم يكونوا آمنوا به حينئذ فعن السدي أن هذا النبـي كان قد كفله شيخ من علماء بني إسرائيل فلما أراد الله تعالى أن يبعثه نبياً أتاه جبريل وهو غلام نائم إلى جنب الشيخ، وكان لا يأمن عليه غيره فدعاه بلحن الشيخ فقام فزعاً إلى الشيخ فقال: يا أبتاه دعوتني؟ فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع فقال: يا بني ارجع فنم فرجع فنام فدعاه الثانية فأتاه الغلام أيضاً فقال: دعوتني؟ فقال: ارجع فنم فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني، فلما كانت الثالثة ظهر له جبريل فقال له: اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك فإن الله تعالى قد بعثك فيهم نبياً فلما أتاهم كذبوه وقالوا: استعجلت بالنبوة ولم يأن لك وقالوا: إن كنت صادقاً فابعث لنا ملكاً ثم جرى ما جرى فقال: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً فقالوا: ما كنت قط أكذب منك الساعة واعترضوا وأجيبوا ثم ـ قالوا إن كنت صادقاً فأتنا بآية ـ أن هذا ملك فقال: ما قص الله تعالى، وحينئذ لا يبعد أن يكون الاستفهام المصرح به في الآية وكذا الطلب المرموز إليه فيها صادراً عن إنكار وعدم إيقان، ووجه ترك ذكر سؤالهم حينئذ إن كان الإشارة إلى أن من شأن الأنبياء الإتيان بالآيات وإن لم تطلب منهم جلباً للشارد وتقييداً للوارد وليزداد الذين آمنوا هدى. والتابوت الصندوق وهو فعلوت من التوب وهو الرجوع لما أنه لا يزال يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاجه من مودعاته فتاؤه مزيدة كتاء ملكوت، وأصله توبوت فقلبت الواو ألفا وليس بفاعول من التبت لقلة ما كان فاؤه ولامه من جنس واحد كسلس وقلق، وقرىء (تابوه) بالهاء، وهي لغة الأنصار والأولى لغة قريش، وهي التي أمر عثمان رضي الله تعالى عنه بكتابتها في الإمام حين ترافع لديه في ذلك زيد وأبان رضي الله تعالى عنهما ووزنه حينئذ ـ على ما اختاره الزمخشري ـ فاعول لأن شبهة الاشتقاق لا تعارض زيادة الهاء وعدم النظير، وأما جعل الهاء بدلاً من التاء لاجتماعهما في الهمس ـ وأنهما من حروف الزيادة ـ فضعيف لأن الإبدال في غير تاء التأنيث ليس بثبت؛ وذهب الجوهري إلى أن التاء فيه للتأنيث وأصله عنده تابوة مثل ترقوة فلما سكنت الواو انقلبت هاء التأنيث تاءاً، والمراد به صندوق كان يتبرك به بنو إسرائيل فذهب منهم، واختلف في تحقيق ذلك فقال أرباب الأخبار: هو صندوق أنزله الله تعالى على آدم عليه السلام فيه تماثيل الأنبياء جميعهم، وكان من عود الشمشاذ نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين، ولم يزل ينتقل من كريم إلى كريم حتى وصل إلى يعقوب ثم إلى بنيه ـ ثم وثم ـ إلى أن فسد بنو إسرائيل وعصوا بعد موسى عليه السلام فسلط الله تعالى عليهم العمالقة فأخذوه منهم فجعلوه في موضع البول والغائط فلما أراد الله تعالى أن يملك طالوت سلط عليهم البلاء حتى إن كل من أحدث عنده ابتلي بالبواسير وهلكت من بلادهم خمس مدائن فعلموا أن ذلك بسبب استهانتهم به فأخرجوه وجعلوه على ثورين فأقبلا يسيران وقد وكل الله تعالى بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما حتى أتوا منزل طالوت. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه صندوق التوراة وكان قد رفعه الله تعالى إلى السماء سخطاً على بني إسرائيل لما عصوا بعد وفاة موسى عليه السلام فلما طلبت الآية أتى من السماء والملائكة يحفظونه وبنو إسرائيل يشاهدون ذلك حتى أنزلوه في بيت طالوت. وعن أبـي جعفر رضي الله تعالى عنه أنه التابوت الذي أنزل على أم موسى فوضعته فيه وألقته في البحر وكان عند بني إسرائيل يتبركون به إلى أن فسدوا فجعلوا يستخفون به فرفعه الله تعالى إلى أن كان ما كان، وروي غير ذلك مما يطول، وأقرب الأقوال التي رأيتها أنه صندوق التوراة تغلبت عليه العمالقة حتى رده الله تعالى، وأبعدها أنه صندوق نزل من السماء على آدم عليه السلام وكان/ يتحاكم الناس إليه بعد موسى عليه السلام إذ اختلفوا فيحكم بينهم ويتكلم معهم إلى أن فسدوا فأخذه العمالقة، ولم أر حديثاً صحيحاً مرفوعاً يعول عليه بفتح قفل هذا الصندوق ولا فكراً كذلك. {فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ} أي في إتيانه سكون لكم وطمأنينة، فالسكينة مصدر حينئذ أو فيه نفسه ما تسكنون إليه وهو التوراة، وقيل: وليس بالصحيح ـ كما قاله الراغب ـ صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت لها رأس وذنب كرأس الهرة وذنبها وجناحان فتئن فيزف التابوت نحو العدو وهم يمضون معه فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر، والجملة في موضع الحال. و (من) لابتداء الغاية أو للتبعيض أي من سكينات ربكم. {وَبَقِيَّةٌ مّمَّا تَرَكَ ءالُ مُوسَىٰ وَءالُ هَـٰرُونَ} هي رضاض الألواح وثياب موسى وعمامة هٰرون وطست من ذهب كانت تغسل به قلوب الأنبياء. وكلمة الفرج لا إله إلا الله الحليم الكريم وسبحان الله رب السمٰوات السبع ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين، وآلهما أتباعهما أو أنفسهما، أو أنبياء بني إسرائيل، لأنهم أبناء عمهما {تَحْمِلُهُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} حال من التابوت، والحمل إما حقيقة أو مجاز على حد:شعر : حمل زيد متاعي إلى مكة تفسير : {إِنَّ فِى ذَلِكَ} إشارة إلى ما ذكر من إتيان التابوت فهو من كلام النبـي لقومه أو إلى نقل القصة وحكايتها فهو ابتداء خطاب منه تعالى للنبـي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين وجيء به قبل تمام القصة إظهاراً لكمال العناية، وإفراد حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين على التقديرين بتأويل الفريق ونحوه {لآيَةً} عظيمة كائنة {لَكُمْ} دالة على جعل طالوت ملكاً عليكم أو على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بما أخبر من غير سماع من البشر ولا أخذ من كتاب {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي مصدقين بتمليكه عليكم أو بشيء من الآيات، و {ءان} شرطية والجواب محذوف اعتماداً على ما قبله وليس المقصود حقيقة الشرطية إذا كان المخاطب من تحقق إيمانه، وقيل: هي بمعنى إذ.
ابن عاشور
تفسير : أراد نبيهم أن يتحداهم بمعجزة تدل على أن الله تعالى اختار لهم شاوول ملكاً، فجعل لهم آية تدل على ذلك وهي أن يأتيهم التابوت، أي تابوت العهد، بعد أن كان في يد الفلسطينيين كما تقدم، وهذا إشارة إلى قصة تيسير الله تعالى إرجاع التابوت إلى بني إسرائيل بدون قتال، وذلك أن الفلسطينيين أرجعوا التابوت إلى بني إسرائيل في قصة ذكرت في سفر صمويل، حاصلها أن التابوت بقي سبعة أشهر في بلاد فلسطين موضوعاً في بيت صنمهم داجون ورأى الفلسطينيون آيات من سقوط صنمهم على وجهه، وانكسار يديه ورأسه، وإصابتهم بالبواسير في أشدود وتخومها، وسلطت عليهم الجرذان تفسد الزروع، فلما رأوا ذلك استشاروا الكهنة، فأشاروا عليهم بإلهام من الله بإرجاعه إلى إسرائيل لأن إلٰه إسرائيل قد غضب لتابوته وأن يرجعوه مصحوباً بهدية: صورة خمس بواسير من ذهب، وصورة خمس فيران من ذهب، على عدد مدن الفلسطينيين العظيمة: أشدود، وغزة، واشقلون، وجت، وعفرون. ويوضع التابوت على عجلة جديدة تجرها بقرتان ومعه صندوق به التماثيل الذهبية، ويطلقون البقرتين تذهبان بإلهام إلى أرض إسرائيل، ففعلوا واهتدت البقرتان إلى أن بلغ التابوت والصندوق إلى يد اللاويين في تخم بيت شمس، هكذا وقع في سفر صمويل غير أن ظاهر سياقه أن رجوع التابوت إليهم كان قبل تمليك شاوول، وصريح القرآن يخالف ذلك، ويمكن تأويل كلام السفر بما يوافق هذا بأن تحمل الحوادث على غير ترتيبها في الذكر، وهو كثير في كتابهم. والذي يظهر لي أن الفلسطينيين لما علموا اتحاد الإسرائيليين تحت ملك علموا أنهم ما أجمعوا أمرهم إلاّ لقصد أخذ الثأر من أعدائهم وتخليص تابوت العهد من أيديهم، فدبروا أن يظهروا إرجاع التابوت بسبب آيات شاهدوها، ظناً منهم أن حدة بني إسرائيل تفل إذا أرجع إليهم التابوت بالكيفية المذكورة آنفاً، ولا يمكن أن يكون هذا الرعب حصل لهم قبل تمليك شاول، وابتداء ظهور الانتصار به. والتابوت اسم عجمي معرب فوزنه فاعول، وهذا الوزن قليل في الأسماء العربية، فيدل على أن ما كان على وزنه إنما هو معرب مثل ناقوس وناموس، واستظهر الزمخشري أن وزنه فعلول بتحريك العين لقلة الأسماء التي فاؤها ولامها حرفان متحدان: مثل سلس وقلق، ومن أجل هذا أثبته الجوهري في مادة توب لا في تبت.g والتابوت بمعنى الصندوق المستطيل: وهو صندوق أمر موسى عليه السلام بصنعه صنعه بصلئيل الملهم في صناعة الذهب والفضة والنحاس ونجارة الخشب، فصنعه من خشب السنط ــــ وهو شجرة من صنف القرظ ــــ وجعل طوله ذراعين ونصفاً وعرضه ذراعاً ونصفاً وارتفاعه ذراعاً ونصفاً، وغشاه بذهب من داخل ومن خارج، وصنع له إكليلاً من ذهب، وسبك له أربع حلق من ذهب على قوائمه الأربع، وجعل له عصوين من خشب مغشاتين بذهب لتدخل في الحلقات لحمل التابوت، وجعل غطاءه من ذهب، وجعل على طريق الغطاء صورة تخيل بها اثنين من الملائكة من ذهب باسطين أجنحتهما فوق الغطاء، وأمر الله موسى أن يضع في هذا التابوت لوحي الشهادة اللذين أعطاه الله إياهما وهي الألواح التي ذكرها الله في قوله: { أية : ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح } تفسير : [الأعراف: 154]. والسكينة فعيلة بمعنى الاطمئنان والهدوء، وفي حديث السعي إلى الصلاة «عليكم بالسكينة» وذلك أن من بركة التابوت أنه إذا كان بينهم في حرب أو سلم كانت نفوسهم واثقة بحسن المنقلب، وفيه أيضاً كتب موسى عليه السلام، وهي مما تسكن لرؤيتها نفوس الأمة وتطمئن لأحكامها، فالظرفية على الأول مجازية، وعلى الثاني حقيقية، وورد في حديث أسيد بن حضير إطلاق السكينة على شيء شبه الغمام ينزل من السماء عند قراءة القرآن، فلعلها ملائكة يسمون بالسكينة. والبقية في الأصل ما يفضل من شيء بعد انقضاء معظمه، وقد بينت هنا بأنها مما ترك آل موسى وآل هارون، وهي بقايا من آثار الألواح، ومن الثياب التي ألبسها موسى أخاه هارون، حين جعله الكاهن لبني إسرائيل، والحافظ لأمور الدين، وشعائر العبادة قيل: ومن ذلك عصا موسى. ويجوز أن تكون البقية مجازاً عن النفيس من الأشياء؛ لأن الناس إنما يحافظون، على النفائس فتبقى كما قال النابغة: شعر : بَقِيَّةٌ قدْر من قُدور تُوُورِثَتْ لآل الجُلاح كابرا بعد كابر تفسير : وقد فسر بهذا المعنى قول رويشد الطائي: شعر : إنْ تُذنبوا ثم تأتيني بقيتكم فما عليَّ بذنب منكمُ فَوْت تفسير : أي تأتيني الجماعة الذين ترجعون إليهم في مهامكم، وقريب منه إطلاق التليد على القديم من المال الموروث. والمراد من آل موسى وآل هارون أهل بيتهما من أبناء هارون؛ فإنهم عصبة موسى؛ لأن موسى لم يترك أولاداً، أو ما تركه آلهما هو آثارهما، فيئول إلى معنى ما ترك موسى وهارون وآلهما، أو أراد مما ترك موسى وهارون فلفظ آل مقحم كما في قوله { أية : ادخلوا آل فرعون أشد العذاب } تفسير : [غافر: 46]. وهارون هو أخو موسى عليهما السلام وهو هارون بن عمران من سبط لاوي ولد قبل أن يأمر فرعون بقتل أطفال بني إسرائيل وهو أكبر من موسى، ولما كلم الله موسى بالرسالة أعلمه بأنه سيشرك معه أخاه هارون فيكون كالوزير له، وأوحى إلى هارون أيضاً، وكان موسى هو الرسول الأعظم، وكان معظم وحي الله إلى هارون على لسان موسى، وقد جعل الله هارون أول كاهن لبني إسرائيل لما أقام لهم خدمة خيمة العبادة، وجعل الكهانة في نسله، فهم يختصون بأحكام لا تشاركهم فيها بقية الأمة، منها تحريم الخمر على الكاهن، ومات هارون سنة ثمان أو سبع وخمسين وأربعمائة وألف قبل المسيح، في جبل هور على تخوم أرض أدوم في مدة التيه في السنة الثالثة من الخروج من مصر. وقوله: {تحمله الملائكة} حال من (التابوت)، والحمل هنا هو الترحيل كما في قوله تعالى: { أية : قلت لا أجد ما أحملكم عليه } تفسير : [التوبة: 92] لأن الراحلة تحمل راكبها؛ ولذلك تسمى حمولةحديث : وفي حديث غزوة خيبر: "وكانت الحمر حمولتهم"تفسير : وقال النابغة: شعر : يُخَال به راعي الحَمُولة طَائرا تفسير : فمعنى حمل الملائكة التابوت هو تسييرهم بإذن الله البقرتين السائرتين بالعجلة التي عليها التابوت إلى محلة بني إسرائيل، من غير أن يسبق لهما إلف بالسير إلى تلك الجهة، هذا هو الملاقى لما في كتب بني إسرائيل. وقوله: {إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} الإشارة إلى جميع الحالة أي في رجوع التابوت من يد أعدائكم إليكم، بدون قتال، وفيما يشتمل عليه التابوت من آثار موسى عليه السلام، وفي مجيئه من غير سائق ولا إلف سابق.
الواحدي
تفسير : {قال لهم نبيُّهم إنَّ آية ملكه أن يأتيكم التابوت} وكان تابوتاً أنزله الله تعالى على آدم عليه السَّلام فيه صور الأنبياء عليهم السَّلام، كانت بنو إسرائيل يستفتحون به على عدوِّهم، فغلبتهم العمالقة على التَّابوت، فلمَّا سألوا نبيَّهم البيِّنة على ملك طالوت قال: إنَّ آية ملكه أن يردَّ الله تعالى التَّابوت عليكم، فحملت الملائكة التَّابوت حتى وضعته في دار طالوت، وقوله: {فيه سكينة من ربكم} أَيْ: طمأنينةٌ. كانت قلوبهم تطمئنُّ بذلك، ففي أيِّ مكانٍ كان التَّابوت سكنوا هناك، وكان ذلك من أمر الله تعالى {وبقيةٌ ممَّا ترك آل موسى وآل هارون} أَيْ: تركاه هما، وكانت البقيَّة نعلي موسى وعصاه وعمامة هارون، وقفيزاً من المنِّ الذي كان ينزل عليهم {تحمله الملائكة} أَي: التَّابوت. {إنَّ في ذلك لآية} أَيْ: في رجوع التَّابوت إليكم علامة أنَّ الله قد ملَّك طالوت عليكم {إن كنتم مؤمنين} أَيْ: مصدِّقين. {فلما فصل طالوت بالجنود} أَيْ: خرج بهم من الموضع الذي كانوا فيه إلى جهاد العدوِّ {قال} لهم طالوت: {إنَّ الله مبتليكم} أَيْ: مُختبركم ومُعاملكم مُعاملة المختبر {بنهرٍ} أَيْ: بنهر فلسطين ليتميِّز المحقِّق ومَنْ له نيَّةٌ في الجهاد من المُعذِّر {فمن شرب منه} أَيْ: من مائه {فليس مني} أَيْ: من أهل ديني {ومن لم يطعمه} لم يذقه {فإنَّه مني إلاَّ مَن اغترف غرفة بيده} أَيْ: مرَّةً واحدةً، أَيْ: أخذ منه بجرَّةٍ أو قِربةٍ وما أشبه ذلك مرَّةً واحدةً، قال لهم طالوت: مَنْ شرب من النَّهر وأكثر فقد عصى الله، ومن اغترف غرفة بيده أقنعته، فهجموا على النَّهر بعد عطشٍ شديدٍ، ووقع أكثرهم في النَّهر وأكثروا الشُّرب، فهؤلاء جَبُنوا عن لقاء العدو، وأطاع قومٌ قليلٌ عددهم فلم يزيدوا على الاغتراف، فقويت قلوبهم وعبروا النَّهر، فذلك قوله: {فشربوا منه إلاَّ قليلاً منهم} وكانوا ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً {فلما جاوزه} أَي: النَّهر {هو والذين آمنوا معه قالوا} يعني: الذين شربوا وخالفوا أمر الله تعالى: {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال} يعني: القليل الذين اغترفوا وهم {الذين يظنون} أَيْ: يعلمون {أنهم ملاقو الله} أَيْ: راجعون إليه: {كم مِنْ فئة قليلة} أَيْ: جماعةٍ قليلةٍ {غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} بالمعونة والنَّصر. {ولما برزوا} أَيْ: خرجوا {لجالوت وجنوده} أَيْ: لقتالهم {قالوا ربنا أفرغ} أصببْ {علينا صبراً وثبت أقدامنا} بتقوية قلوبنا. {فهزموهم} فردُّوهم وكسروهم {بإذن الله} بقضائه وقدره {وقتل داود} النَّبيُّ، وكان في عسكر بني إسرائيل {جالوت} الكافر {وآتاه الله الملك} [أعطى الله داود ملك بني إسرائيل] {والحكمة} أَيْ: جمع له الملك والنُّبوَّة {وعلَّمه مما يشاء} صنعة الدُّروع ومنطق الطَّير {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} لولا دفع الله بجنود المسلمين لغلب المشركون على الأرض، فقتلوا المؤمنين وخرَّبوا البلاد والمساجد. {تلك آيات الله} أَيْ: هذه الآيات التي أخبرتك بها آيات الله، أَيْ: علامات توحيده {وإنك لمن المرسلين} أَيْ: أنت من هؤلاء الذين قصصتُ عليك آياتهم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 248- وقال لهم نبيهم: إن دليل صدقى على أن الله اختار طالوت حاكماً لكم هو أن يعيد إليكم صندوق التوراة الذى سلب منكم تحمله الملائكة، وفيه بعض آثار آل موسى وآل هارون الذين جاءوا بعدهما، وفى إحضاره تطمئن قلوبكم، وإن فى ذلك لدليلا يدفعكم إلى اتباعه والرضا به إن كنتم تذعنون للحق وتؤمنون به. 249- فلما خرج بهم طالوت قال لهم: إن الله مختبركم بنهر تمرُّون عليه فى طريقكم فلا تشربوا منه إلا غرفة، فمن شرب منه أكثر من ذلك فليس من جيشنا ولا من جمعنا لخروجه عن طاعة الله، ولن يصحبنى إلا من لم يشرب منه أكثر من غرفة، فلم يصبروا على هذا الاختبار وشربوا منه كثيراً إلا جماعة قليلة، فاصطحب هذه القلة الصابرة واجتاز بها النهر، فلما ظهرت لهم كثرة عدد عدوهم قالوا: لن نستطيع اليوم قتال جالوت وجنوده لكثرتهم وقلتنا. فقال نفر منهم - ثبت الله قلوبهم لرجائهم فى ثواب الله عند لقائه - لا تخافوا فكثيراً ما انتصرت القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة، فاصبروا فإن نصر الله يكون للصابرين. 250- ولما تقدم المؤمنون لقتال جالوت وجيشه اتجهوا إلى الله ضارعين داعين له: أن يملأهم بالصبر، ويقوى عزائمهم ويثبتهم فى ميدان القتال، وأن ينصرهم على أعدائهم الكافرين.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: نبيّهم: شمويل. آية ملكه: علامة أن الله تعالى ملكه عليكم. التابوت: صندوق خشبي فيه بقية من آثار آل موسى وآل هارون. سكينة: طمأنينة القلب وهدوء نفسي. بقية: بقية الشيء ما تبقى منه بعد ذهاب أكثره وهي هنا رضاض من الألواح التي تكسرت، وعصا موسى وشيء من آثار أنبيائهم. تحمله الملائكة: من أرض العمالقة فتضعه بين يدي بني إسرائيل في مخيماتهم. إن في ذلك لآية لكم: أي في إتيان التابوت الذي أخذه العدو بالقوة منكم في رده إليكم علامة قوية على اختيار الله تعالى لطالوت ملكاً عليكم. معنى الآية الكريمة قد أصبح بشرح الكلمات معنى الآية واضحاً وخلاصته أن شمويل النبي أعلمهم أن آية تمليك الله تعالى لطالوت عليهم أن يأتيهم التابوت المغصوب منهم وهو رَمز تجمعهم واتحادهم ومصدر استمداد قوة معنوياتهم لما حواه من آثار آل موسى وآل هارون كرضاض الألواح وعصا موسى ونعله وعمامة هارون وشيء من المن الذي كان ينزل عليهم في التيه. فكان هذا التابوت بمثابة الراية يقاتلون تحتها فإنهم إذا خرجوا لقتال حملوه معهم إلى داخل المعركة ولا يزالون يقاتلون ما بقي التابوت بأيديهم لم يغلبهم عليه عدوهم، ومن هنا وهم يتحفزون للقتال جعل الله تعالى لهم إتيان التابوت آية على تمليك طالوت عليهم وفي نفس الوقت يحملونه معهم في قتالهم فتسكن به قلوبهم وتهدأ نفوسهم فيقاتلون وينتصرون بإذن الله تعالى، (أما كيفية حمل الملائكة للتابوت فإن الأخبار تقول إن العمالقة تشائموا بالتابوت عندهم إذا ابتلوا بمرض البواسير وبآفات زراعية وغيرها ففكروا في أن يردوا هذا التابوت لبني إسرائيل وساق الله أقداراً لأقدار، فجعلوه في عربة يجرها بقرتان أو فرسان ووجهوها إلى جهة منازل بني اسرائيل فمشت العربة فساقتها الملائكة حتى وصلت بها إلى منازل بني إسرائيل) فكانت آية وأعظم آية وقبل بنو إسرائيل بقيادة طالوت، وبسم الله تعالى قادهم وفي الآية التالية [249] بيان السير إلى ساحات القتال.
القطان
تفسير : التابوت: صندوق فيه التوراة. السَّكينة: ما تسكن اليه النفس ويطمئن به القلب. يطعمه: يذوقه. الطاقة: أدنى درجات القوة. الفئة: الجماعة. في هذه الآيات الكريمة بقية قصة النبي الاسرائيلي الذي لم يُسّمَّ مع قومه، فقد قال لهم: ان دليل صدقي على ان الله اختار طالوت ملكاً عليكم هو ان يأتيكم بالتابوت الذي سُلب منكم تحمله الملائكة، وفي هذا التابوت بعض آثار آل موسى وآل هارون كالتوراة والعصا والألواح وأشياء أخرى توارثها علماؤكم. وفي ذلك علامة على عناية الله بكم، ان كنتم مؤمنين. فلما خرج طالوت من البلد يصحبُه جنوده الكثيرون عطشوا، فقال لهم طالوت: ان الله مختبركم بنهرٍ في طريقكم، فلا تشربوا منه بل اغرفوا بأيديكم قليلا منه فقط، فمن شرب منه أكثر من غَرفة فانه ليس من جيشنا، لخروجه عن طاعة الله, فلم يصبروا على هذا الاختبار وشربوا إلا جماعة قليلة صبرت وأطاعت. فاصطحب طالوت هذه القلة الصابرة واجتاز بها النهر. فلما ظهرت لهم كثرة عدوّهم قالوا: لن نستطيع اليوم ان نقاتل جالوت وجنوده، لكثرتهم وقلّتنا. فقال نفر منهم ثبَّتَ الله قلوبهم: لا تخافوا، كم من جماعة قليلة مؤمنة غلبت جماعةً كثيرة كافرة بإذن الله، والله مع الصابرين. وقد دعوا الله عندما برزوا للحرب أن يثّبت أقدامهم، وينصرهم على أعدائهم الكافرين. فهزموا عدوّهم بإذن الله تعالى. وكان في الجيش داود النبي فقتل جالوتَ قائد الكفار، وأعطاه الله الملك والحكمة وعلّمه مما يشاء. تلك آيات الله نقصّها عليك أيها الرسول الكريم بالحق والصدق لتكون لك أسوة ودليلاً على صدق رسالتك، ولتعلم أننا سننصرك كما نصرنا مَن قبلك من المرسلين، وكيما تعلم بأن الكثرة لا قيمة لها اذا لم تكن منظمة مؤمنة، وان الايمان بالله والعمل الصادق هما القوة الحقيقية. القراءات: قرأ ابن عامر والكوفيون: "غرفة" بالضم، والباقون: "غرفة" بالفتح.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَةَ} {آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ} {ٱلْمَلاۤئِكَةُ} (248) - كَانَ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ التَّوْرَاةُ وَتَابُوتُ العَهْدِ الذِي كَانَ عِنْدَهُمْ مُنْذُ مَطْلِعِ تَارِيخِهِمْ، وَكَانَ يَرِثُهُ خَلَفُهُمْ عَنْ سَلَفِهِمْ، وَكَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِهِ فِي حُرُوبِهِمْ. وَلَمَّا ضَلُّوا وَبَغَوْا سَلَّط اللهُ عَلَيْهِمْ مَنْ سَلَبَهُمْ إيَّاهُ (وَهُمُ العَمَالِيقُ الفِلَسْطِينِيُّونَ)، وَقَدْ حَارَبُوا اليَهُودَ وَانْتَصَرُوا عَلَيهِمْ، فَأَخَذُوا التَّابُوتِ وَنَكَّلُوا بِهِمْ تَنْكِيلا شَدِيداً، فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إنَّ عَلامَةَ رِضَا اللهِ عَلَى مُلْكِ طَالُوتَ هُوَ أنْ يَرُدَّ عَليكُمُ التَّابُوتَ فَيُورِثكُم رَدُّهُ عَلَيكُم السَّكِينَة والطُّمَأنِينَةَ. وَفِي التَّابُوتِ التَّورَاةُ وَبَقِيَّةُ مِمَّا تَرَكَ مُوسَى وَهَارُونُ وَمِنْهَا بَقَايَا الألْوَاحِ. فَجَاءَتِ المَلاَئِكَةُ تَحْمِلُ التَّابُوتَ وَوَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَي طَالُوتَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ. وَفِي ذَلِكَ آيةٌ لِبني إسْرَائِيلَ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّةِ نَبِيِّهِمْ، وَعَلَى صِدْقِهِ فِيمَا أمَرَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ مِنْ وُجُوبِ إطَاعَةِ طَالُوتَ، هَذا إنْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليومِ الآخَرِ. التَّابُوتُ - صُنْدُوقٌ كَانَ بَنُو إِسْرَائيلَ يَضَعُونَ فِيهِ التَّورَاةَ. فِيهِ سَكِينةٌ - سُكُونٌ وَطُمَأنِينةٌ لِقُلُوبِكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد أرسل الحق مع الملك طالوت آية تبرهن على أنه ملك من اختيار الله فقال لهم نبيهم: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ} [البقرة: 248] أي إن العلامة الدالة على ملكه هي {أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ} [البقرة: 248] وهذا القول نستدل منه على أن التابوت كان غائباً ومفقوداً، وأنه أمر معروف لديهم وهناك تلهف منهم على مجيئه. وما هو التابوت؟ إن التابوت قد ورد في القرآن في موضعين: أحدهما في الآية التي نحن بصددها الآن، والموضوع الآخر في قوله تعالى: {أية : إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ}تفسير : [طه: 38-39]. إذن فالتابوت نعرفه من أيام قصة موسى وهو رضيع، عندما خافت عليه أمه؛ فأوحى لها الله: {أية : أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ} تفسير : [طه: 39] فهل هو التابوت نفسه الذي تتحدث عنه الآيات التي نحن بصددها؟ غالب الظن أنه هو؛ لأنه ما دام جاء به على إطلاقه فهو التابوت المعروف، وكأن المسألة التي نجا بها موسى لها تاريخ مع موسى وفرعون ومع نبيهم ومع طالوت وهذه عملية نأخذ منها أن الآثار التي ترتبط بالأحداث الجسيمة في تاريخ العقيدة يجب أن نعنى بها، ولا نقول إنها كفريات ووثنيات؛ لأن لها ارتباطاً بأمر عقدي، وبمسائل تاريخية، وارتباطاً بالمقدسات. انظر إلى التابوت الذي فيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون وتحمله الملائكة. إن هذا دليل على أنه شيء كبير ومهم. إذن، فالآثار التي لها مساس وارتباط بأحداث العقيدة وأحداث النبوة، هذه الآثار مهمة للإيمان، وكأنّ القرآن يقول: اتركوها كما هي، وخذوا منها عظة وعبرة؛ لأنها تذكركم بأشياء مقدسة. لقد كان التابوت مفقوداً، وذلك دليل على أن عدواً غلب على البلاد التي سكنوها، والعدو عندما يغير على بلاد يحاول أولاً طمس المقدسات التي تربط البلاد بالعقيدة. فإذا كان التابوت مقدساً عندهم بهذا الشكل، كان لابد أن يأخذه الأعداء. هؤلاء الأعداء هم الذين أخرجوهم من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. وإذا كانوا قد أخرجوهم من ديارهم فمن باب أولى أنهم أجبروهم على ترك التابوت. والله سبحانه وتعالى يطمئنهم بأن آية الملك لطالوت هي مجيء التابوت الذي تتلهفون عليه، وترتبط به مقدساتكم. {أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: 248] فكأن الاستقرار النفسي سيأتيكم مع هذا التابوت؛ لأن الإنسان حين يجد التابوت الذي نجا به نبي، وفي الأشياء التي سنعرفها فيما بعد، إن الإنسان يستروح صلته بالسماء، وهي صلة مادية تجعل النفس تستريح. وعلى سبيل المثال تأمل مشاعرك عندما يقال لك: "هذا هو المصحف الذي كان يقرأ فيه سيدنا عثمان". إنه مصحف مثل أي مصحف آخر، ولكن ميزته أنه كان يقرأ فيه سيدنا عثمان؛ إنك تستريح نفسياً عندما تراه. وأيضاً حين تذهب إلى دار الخلافة في تركيا، ويقال لك: "هذا هو السيف الذي كان يحارب به الإمام علي". فتنظر إلى السيف، وتجد أن وزنه وثقله يساوي عشرة سيوف، وتتعجب كيف كان يحمله سيدنا علي كرم الله وجهه وكيف كان يحارب به. وكذلك عندما يقال لك: "هذه شعرة من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المكحلة التي كان يكتحل بها"، لا شك أن مثل هذه المشاهد ستترك إشراقاً وطمأنينة في نفسك. وعندما يراها إنسان به بعض الشكوك والمخاوف فإن العقيدة تستقر في نفسه. ومن هذا كله أقول: إن ولاة الأمر يجب ألا يعتبروا مقدسات الأشياء ضرباً من الشركيات والوثنيات، بل يجب أن يولوها عناية ورعاية ويبرزوها للناس؛ لتكون مصدر سكينة وأمن نفس للناس، وعليهم أن ينصحوا الناس بألا يفتنوا بها، ولكن عليهم أن يتركوها لتذكرنا بأمر يتصل بعقيدتنا وبنبينا. وانظر إلى حديث القرآن عن التابوت. إن الحق سبحانه لم يقل: إن التابوت سيأتي كاملاً، ولم يقل كذلك إنه التابوت الذي وُضع فيه موسى، وإنما قال: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ} [البقرة: 248] كأن آل موسى وهارون قد حافظوا على آثار أنبيائهم، وأيضاً قوله تعالى: {تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} [البقرة: 248] يؤكد لنا أنه لا شك أن الأثر الذي تحمله الملائكة لابد أن يكون شيئاً عظيماً يوجب العناية الفائقة {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ} [البقرة: 248]. ونلحظ في قوله: {أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ} [البقرة: 248] أنه سبحانه قد نسب الإتيان إلى التابوت، فهل كان من ضمن العلامة أن يأتيهم التابوت وهم جالسون ينتظرون، ولأن التابوت تحمله الملائكة فلن يراهم القوم لأنهم كائنات غير مرئية، فلن يراهم أحد وإنما سيرى القوم التابوت آتياً إليهم، ولذلك أسند الحق أمر المجيء للتابوت. وهذا المشهد يخلع القلوب ويجعل أصحاب أشد القلوب قساوة يخرون سجداً ويقولون "طالوت أنت الملك، ولن نختلف عليك". ونريد الآن أن نعرف الأشياء التي يمكن لآل موسى أن يحافظوا عليها من آثار موسى عليه السلام، والآثار التي يحافظ عليها آل هارون من هارون عليه السلام. قال بعض الناس إنها عصا موسى، وهي الأثر الذي تبقى من آل موسى، وذلك أمر معقول؛ لأنها أداة من أدوات معجزة موسى عليه السلام. ألم تكن هي المعجزة التي انقلبت حية تسعى وابتلعت بسرعة ما صنعه السحرة؟ إن مثل هذه الأداة المعجزة لا يمكن أن يهملها موسى، أو يهملها المؤمنون به بعد ما حدث منها. وليس من المعقول أن يفرط آل موسى في عصا تكلم الله فيها وقال: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا ..}تفسير : [طه: 17-18]. إن هناك قصة طويلة استغرقها الحديث عن هذه العصا، فكيف يفرط فيها موسى وقومه بسهولة؟ لا شك أنهم حافظوا عليها، وقدسوها، وجعلوها من أمجادهم. ويرينا الحق سبحانه وتعالى أن هؤلاء القوم أهل لجاج وأهل جدل وأهل تلكؤ، فهم لا يؤمنون بالأمور إلا إذا كانت حسية كالتابوت الذي يأتيهم وحدهم، صحيحاً تحمله الملائكة، لكنهم لا يرون الملائكة؛ وإنما رأوا التابوت يسير إليهم، {أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 248] وليس هناك آيات أعجب من مجيء التابوت حتى يثبت صدق النبي في أن الله قد بعث طالوت ملكاً، فإن لم يؤمنوا بهذه المسألة فعليهم أن يراجعوا إيمانهم. والسياق القرآني يدل على أن الله بهتهم بالحجة، وبهتهم بالآية، وبهتهم بالقرآن، بدليل أنه حذف ما كان يجب أن يقال وهو: فقبلوا طالوت ملكاً. ونظم طالوت الحرب فقام وقسم الجنود ورتبهم، وكل هذه التفاصيل لم تذكرها الآيات. والحق يقول بعد ذلك: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: الآيةُ: هي علامةٌ، وحجةٌ. والسَّكِينةُ: هي ريحٌ هَفْهَافَةٌ. وقَدْ قِيلَ إِنَّ السَّكِينَةَ: هي طَشْتٌ من ذَهبٍ تُغْسَّلُ فِيهِ قُلوبُ الأَنبِياءِ. والسَّكينةُ في الآيةِ الأُخرى: {أية : فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ} تفسير : [التوبة: 40] [الفتح: 26] أَرادَ بِهَا الوَقارَ. تفسير : وقولهُ تعالى: {تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} معْناهُ تَسوقُهُ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما آيسوا من تغيير قضاء الله وتبديل رضاه، أتوا يطلبون الدليل والعلامات على ملكه {قَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ} بوحي الله وإلهامه أياه: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ} الذي {فِيهِ سَكِينَةٌ} أي: فيه ما يوجب سكينتكم وطمأنينتكم وقراركم على الحرب؛ إذ هو صندوق التوراة المنزل {مِّن رَّبِّكُمْ} لإصلاح أموركم {وَ} أيضاً من آية ملكه أن يأتيكم {بَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ} قيل: هي رخامة الألواح وعصا موسى وعمامة هارون، وكان أنبياء بني إسرائيل يتوارثون إلى أن {تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} بأمر الله وتوصله إلى طالوت {إِنَّ فِي ذَلِكَ} المذكور {لآيَةً لَّكُمْ} على ملكية طالوت {إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 248] بالله وبما جاء من عنده على أنبيائه، وبعدما آتاه الله الملك والعلامات الدالة عليه تجهز بتوفيق الله، وخرج نحو العدو. روي أنه قال وقت خروجه: لا يخرج معي إلا الشباب الخالي عن الحيل، الفارغ عن الأمل، النشيط للأجل، الفرحان للمقاتلة والشهادة. {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ} وكان في شدة الحر والعبور على مفازة لا ماء فيها، ناجى مع الله كل من جنوده في نفسه أن يظهر عليهم نهراً في تلكل المفازة؛ خوفاً من شدة العطش، ألهم الله مناجاتهم إلى قلب طالوت {قَالَ} لهم {إِنَّ ٱللَّهَ} القادر على ما يشاء {مُبْتَلِيكُمْ} ومجربكم في هذه المفازة {بِنَهَرٍ} عظيم {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} أي: ليس من أتباعي وأعواني وظهيري {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} ولم يذقه {فَإِنَّهُ مِنِّيۤ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} لا لتسكين العطش، بل لشكر نعمة الله وإنجاز وعده وتعديد إحسانه وفضله، ولما وصلوا إليه {فَشَرِبُواْ مِنْهُ} من النهر {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} معدودين، قيل: ثلاثمائة وثلاثة عشر، وقيل: ثلاثة آلاف، وقيل: ألف. وإياك أيها المبتلى بنهر الدنيا في فضاء الوجود أن تشرب منها خوفاً من عطش حرارة العشق المفني للعاشق والعشق في المعشوق الحقيقي بالمرة، حتى لا يخرج عن زمرة المحبين المحترفين بنيران المحبة إلى أن خلصوا عن هوياتهم بالكلية، وأن يطعم ويذوق من مستلذاتها ومشتهاتها حتى لا يحرم من مرتبة أولي النهى واليقين، الفائزين بجنة اللقاء وروضة التسليم {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ} أي: بعضهم لبعض خفية: {لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} لقوتهمه وشوكتهم {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ} بربهم ظناً حسناً، بل يعلمون يقيناً {أَنَّهُمْ} بعد انخلاعهم عن ملابس الإمكان {مُلاَقُواْ ٱللَّهِ} بلا سترة الثنوية وحجاب الهوية: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ} من العقل والنهى {غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً} من جنود النفس والهوى {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} بتوفيقه وتيسيره {وَٱللَّهُ} المختبر لعباده {مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] لبلواه ينصرهم على من يعاديهم بحوله وقوته، وما النصر إلا من عند الله.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 123 : 96 - قال سفين، اختلفوا في هذه الآية {أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ} قال زيد بن ثابت: "التابوه"، وقال سعيد بن العاص "ما نعرف التابوه. إنما هو التابوت". [الآية 248].
همام الصنعاني
تفسير : 306- قال عبد الرزاق، قال معمر، فأمّا قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ}: [الآية: 248]، قال: قتادة: كان نبيهم الذي بعدُ مُوسَى: يوشع بن نون، قال: وهو أحد الرجلين اللذين أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهما، قالَ: فأحسبه أيضاً، قال: هو فتى مُوسَى. 308- عبد الرزاق، قال: حدَّثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ}: [الآية: 248]، قال: تَحْمِلُهُ حتَّى تضَعَهُ في بَيْتِ طَالوُتَ. {فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ}: [الآية: 248]، أي: وقار. {وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ}: [الآية: 248]، قال: فالبقيةُ عصا مُوسَى، والرضراض الألواح. 309- عبد الرزاق، قال: حدَّثنا الثَّوْري، عن بعض أشياخهم قال: {تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ}: [الآية: 248]، تَسُوقُه علَى عَجَلة على بقرة. 315- قال عبد الرزاق، فسألت الثوري عن قوله تعالى: {وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ}: [الآية: 248]، قال: منهم من يقول: البقية: قفيز مِنْ مَنّ ورضاض الألواح، ومِنْهُم من يقُولُ: العصا والنَّعْلان.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):