Verse. 254 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَقَالَ لَہُمْ نَبِيُّہُمْ اِنَّ اللہَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوْتَ مَلِكًا۝۰ۭ قَالُوْۗا اَنّٰى يَكُوْنُ لَہُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ اَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْہُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَۃً مِّنَ الْمَالِ۝۰ۭ قَالَ اِنَّ اللہَ اصْطَفٰىہُ عَلَيْكُمْ وَزَادَہٗ بَسْطَۃً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ۝۰ۭ وَاللہُ يُؤْتِيْ مُلْكَہٗ مَنْ يَّشَاۗءُ۝۰ۭ وَاللہُ وَاسِعٌ عَلِيْمٌ۝۲۴۷
Waqala lahum nabiyyuhum inna Allaha qad baAAatha lakum taloota malikan qaloo anna yakoonu lahu almulku AAalayna wanahnu ahaqqu bialmulki minhu walam yuta saAAatan mina almali qala inna Allaha istafahu AAalaykum wazadahu bastatan fee alAAilmi waaljismi waAllahu yutee mulkahu man yashao waAllahu wasiAAun AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنَى» كيف «يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه» لأنه ليس من سبط المملكة ولا النبوة وكان دباغا أو راعيا «ولم يؤت سعة من المال» يستعين بها على إقامة الملك «قال» النبي لهم «إن الله اصطفاه» اختاره للملك «عليكم وزاده بسطة» سعة «في العلم والجسم» وكان أعلم بني إسرائيل يومئذ وأجملهم وأتمهم خلقا «والله يؤتي ملكه من يشاء» إيتاءه لا اعتراض عليه «والله واسع» فضله «عليم» بمن هو أهل له.

247

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه لما بين في الآية الأولى أنه أجابهم إلى ما سألوا، ثم إنهم تولوا فبين أن أول ما تولوا إنكارهم إمرة طالوت، وذلك لأنهم طلبوا من نبيهم أن يطلب من الله أن يعين لهم ملكاً فأجابهم بأن الله قد بعث لهم طالوت ملكاً، قال صاحب «الكشاف»: طالوت اسم أعجمي، كجالوت، وداود وإنما امتنع من الصرف لتعريفه وعجمته، وزعموا أنه من الطول لما وصف به من البسطة في الجسم، ووزنه إن كان من الطول فعلوت، وأصله طولوت، إلا أن امتناع صرفه يدفع أن يكون منه، إلا أن يقال: هو اسم عبراني وافق عربياً كما وافق حطة حنطة، وعلى هذا التقدير يكون أحد سببيه العجمة لكونه عبرانياً، ثم إن الله تعالى لما عينه لأن يكون ملكاً لهم أظهروا التولي عن طاعته، والإعراض عن حكمه، وقالوا: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا } واستبعدوا جداً أن يكون هو ملكاً عليهم، قال المفسرون: وسبب هذا الاستبعاد أن النبوة كانت مخصوصة بسبط معين من أسباط بني إسرائيل، وهو سبط لاوى بن يعقوب، ومنه موسى وهرون، وسبط المملكة، سبط يهوذا، ومنه داود وسليمان، وأن طالوت ما كان من أحد هذين السبطين، بل كان من ولد بنيامين فلهذا السبب أنكروا كونه ملكاً لهم، وزعموا أنهم أحق بالملك منه، ثم أنهم أكدوا هذه الشبهة بشبهة أخرى، وهي قولهم: ولم يؤت سعة من المال، وذلك إشارة إلى أنه فقير، واختلفوا فقال وهب، كان دبّاغاً، وقال السدي: كان مكارياً، وقال آخرون، كان سقاء. فإن قيل: ما الفرق بين الواوين في قوله: {وَنَحْنُ أَحَقُّ } وفي قوله: {وَلَمْ يُؤْتَ }. قلنا: الأولى للحال، والثانية لعطف الجملة على الجملة الواقعة حالاً، والمعنى: كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالملك، وأنه فقير ولا بد للملك من مال يعتضد به، ثم إنه تعالى أجاب عن شبههم بوجوه الأول: قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰهُ عَلَيْكُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: معنى الآية أنه تعالى خصه بالملك والإمرة. واعلم أن القوم لما كانوا مقرين بنبوة ذلك النبـي، كان إخباره عن الله تعالى أنه جعل طالوت ملكاً عليهم حجة قاطعة في ثبوت الملك له لأن تجويز الكذب على الأنبياء عليهم السلام يقتضي رفع الوثوق بقولهم وذلك يقدح في ثبوت نبوتهم ورسالتهم، وإذا ثبت صدق المخبر ثبت أن الله تعالى خصه بالملك، وإذا ثبت ذلك كان ملكاً واجب الطاعة وكانت الاعتراضات ساقطة. المسألة الثانية:قوله: {ٱصْطَفَـٰهُ } أي أخذ الملك من غيره صافياً له، واصطفاه، واستصفاه بمعنى الاستخلاص، وهو أن يأخذ الشيء خالصاً لنفسه، وقال الزجاج: إنه مأخوذ من الصفوة، والأصل فيه اصتفى بالتاء فأبدلت التاء طاء ليسهل النطق بها بعد الصاد، وكيفما كان الاشتقاق فالمراد ما ذكرناه أنه تعالى خصه بالملك والإمرة، وعلى هذا الوجه وصف تعالى نفسه بأنه اصطفى الرسل ووصفهم بأنهم: المصطفون الأخيار ووصف الرسول بأنه المصطفى. المسألة الثالثة: هذه الآية تدل على بطلان قول من يقول: إن الإمامة موروثة، وذلك لأن بني إسرائيل أنكروا أن يكون ملكهم من لا يكون من بيت المملكة، فأعلمهم الله تعالى أن هذا ساقط، والمستحق لذلك من خصه الله تعالى بذلك وهو نظير قوله: {أية : تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء } تفسير : [آل عمران: 26]. الوجه الثاني: في الجواب عن هذه الشبهة قوله تعالى: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ } وتقرير هذا الجواب أنهم طعنوا في استحقاقه للملك بأمرين أحدهما: أنه ليس من أهل بيت الملك الثاني: أنه فقير، والله تعالى بين أنه أهل للملك وقرر ذلك بأنه حصل له وصفان أحدهما: العلم والثاني: القدرة، وهذان الوصفان أشد مناسبة لاستحقاقه الملك من الوصفين الأولين وبيانه من وجوه أحدها: أن العلم والقدرة من باب الكمالات الحقيقية، والمال والجاه ليسا كذلك والثاني: أن العلم والقدرة من الكمالات الحاصلة لجوهر نفس الإنسان والمال والجاه أمران منفصلان عن ذات الإنسان الثالث: أن العلم والقدرة لا يمكن سلبهما عن الإنسان، والمال والجاه يمكن سلبهما عن الإنسان والرابع: أن العلم بأمر الحروب، والقوي الشديد على المحاربة يكون الانتفاع به في حفظ مصلحة البلد، وفي دفع شر الأعداء أتم من الانتفاع بالرجل النسيب الغني إذا لم يكن له علم بضبط المصالح، وقدرة على دفع الأعداء، فثبت بما ذكرنا أن إسناد الملك إلى العالم القادر، أولى من إسناده إلى النسيب الغني ثم ههنا مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ } وهذا يدل على أن العلوم الحاصلة للخلق، إنما حصلت بتخليق الله تعالى وإيجاده، وقالت المعتزلة هذه الإضافة إنما كانت لأنه تعالى هو الذي يعطي العقل ونصب الدلائل، وأجاب الأصحاب بأن الأصل في الإضافة المباشرة دون التسبب. المسألة الثانية: قال بعضهم: المراد بالبسطة في الجسم طول القامة، وكان يفوق الناس برأسه ومنكبه، وإنما سمي طالوت لطوله، وقيل المراد من البسطة في الجسم الجمال، وكان أجمل بني إسرائيل وقيل: المراد القوة، وهذا القول عندي أصح لأن المنتفع به في دفع الأعداء هو القوة والشدة، لا الطول والجمال. المسألة الثالثة: أنه تعالى قدم البسطة في العلم، على البسطة في الجسم، وهذا منه تعالى تنبيه على أن الفضائل النفسانية أعلى وأشرف وأكمل من الفضائل الجسمانية. الوجه الثالث: في الجواب عن الشبهة قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء } وتقريره أن الملك لله والعبيد لله فهو سبحانه يؤتي ملكه من يشاء ولا اعتراض لأحد عليه في فعله، لأن المالك إذا تصرف في ملكه فلا اعتراض لأحد عليه في فعله. الوجه الرابع: في الجواب قوله تعالى: {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ } وفيه ثلاثة أقوال أحدها: أنه تعالى واسع الفضل والرزق والرحمة، وسعت رحمته كل شيء، والتقدير: أنتم طعنتم في طالوت بكونه فقيراً، والله تعالى واسع الفضل والرحمة، فإذا فوض الملك إليه، فإن علم أن الملك لا يتمشى إلا بالمال، فالله تعالى يفتح عليه باب الرزق والسعة في المال. والقول الثاني: أنه واسع، بمعنى موسع، أي يوسع على من يشاء من نعمه، وتعلقه بما قبله على ما ذكرناه والثالث: أنه واسع بمعنى ذو سعة، ويجيء فاعل ومعناه ذو كذا، كقوله: {أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } تفسير : [الحاقة: 21] أي ذات رضا، وهم ناصب ذو نصب، ثم بين بقوله: {عَلِيمٌ } أنه تعالى مع قدرته على إغناء الفقير عالم بمقادير ما يحتاج إليه في تدبير الملك، وعالم بحال ذلك الملك في الحاضر والمستقبل، فيختار لعلمه بجميع العواقب ما هو مصلحته في قيامه بأمر الملك.

القرطبي

تفسير : . قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} أي أجابكم إلى ما سألتم، وكان طالوت سَقَّاء. وقيل: دبّاغاً. وقيل: مُكَارِياً، وكان عالماً فلذلك رفعه الله على ما يأتي: وكان من سِبط بِنْيَامين ولم يكن من سِبط النبوّة ولا من سِبط المُلْك، وكانتِ النبوّة في بني لاوَى، والملك في سِبط يهوذا فلذلك أنكروا. قال وهب بن منبّه: لما قال الملأ من بني إسرائيل لشَمْوِيل بن بال ما قالوا، سأل الله تعالى أن يبعث إليهم ملِكاً ويدُلّه عليه؛ فقال الله تعالى له: ٱنظر إلى القَرَن الذي فيه الدُّهْن في بيتك فإذا دخل عليك رجل فنَشّ الدّهنُ الذي في القَرَن، فهو مَلِك بني إسرائيل فآدهنْ رأسه منه ومَلِّكه عليهم. قال: وكان طالوت دبّاغاً فخرج في ابتغاء دابة أضَلّها، فقصد شمويل عسى أن يدعو له في أمر الدابة أو يجد عنده فَرجاً، فنَشّ الدُّهنُ على ما زعموا، قال: فقام إليه شمويل فأخذه ودهن منه رأس طالوت! وقال له: أنت ملِك بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى بتقديمه، ثم قال لبني إسرائيل: «إن الله قد بعث لكم طالوت ملِكاً». وطالوت وجالوت ٱسمان أعجميان معرّبان؛ ولذلك لم ينصرفا، وكذلك داود، والجمع طواليت وجواليت ودواويد، ولو سميت رجلاً بطاوس وراقود لصرفت وإن كانا أعجميين. والفرق بين هذا والأوّل أنك تقول: الطاوس، فتدخل الألف واللام فيُمكِّن في العربية ولا يمكِّن هذا في ذاك. قوله تعالى: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا} أي كيف يملكنا ونحن أحق بالملك منه؟. جَروا على سنّتهم في تَعْنِيتهم الأنبياء وحَيْدهم عن أمر الله تعالى فقالوا: «أَني» أيْ من أيّ جهة، فـ «أَنّي» في موضع نصب على الظرف، ونحن من سِبط الملوك وهو ليس كذلك وهو فقير، فتركوا السبب الأقوى وهو قَدَر الله تعالى وقضاؤه السابق حتى ٱحتج عليهم نبيُّهم بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ} أي اختاره وهو الحجة القاطعة، وبَيَّن لهم مع ذلك تعليل اصطفاء طالوت، وهو بسطته في العِلم الذي هو مِلاك الإنسان، والجسم الذي هو مُعِينه في الحرب وعدّته عند اللّقاء؛ فتضمّنت بيان صفة الإمام وأحوال الإمامة، وأنها مستحقة بالعلم والدين والقوّة لا بالنسب، فلا حظّ للنسب فيها مع العلم وفضائل النفس وأنها متقدّمة عليه؛ لأن الله تعالى أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوّته، وإن كانوا أشرف منتسباً. وقد مضى في أوّل السورة من ذكر الإمامة وشروطها ما يكفي ويُغنِي. وهذه الآية أصل فيها. قال ابن عباس: كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل وأجملَه وأتَمّه؛ وزيادة الجسم مما يَهيب العدوّ. وقيل: سُمي طالوت لطوله. وقيل: زيادة الجسم كانت بكثرة معاني الخير والشجاعة، ولم يرد عِظم الجسم؛ ألم تر إلى قول الشاعر:شعر : ترى الرّجُلَ النّحِيف فتَزْدَرِيهِ وفي أثْوابه أسَدٌ هَصُورُ ويُعجبك الطّرِير فتَبْتَلِيه فيُخْلِف ظنّك الرجلُ الطّرِيرُ وقد عَظُم البعير بغير لُبٍّ فلم يَسْتَغْنِ بالعِظَم البعيرُ تفسير : قلت: ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم لأزواجه: «حديث : أسرعكنّ لحاقا بي أطولكنّ يداً»تفسير : فكنّ يتطاولن؛ فكانت زينب أوّلهن موتاً؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدّق؛ خرّجه مسلم. وقال بعض المتأوّلين: المراد بالعلم عِلم الحرب، وهذا تخصيص العموم من غير دليل. وقد قيل: زيادة العلم بأن أوحى الله إليه، وعلى هذا كان طالوت نبياً، وسيأتي. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ} ذهب بعض المتأوّلين إلى أن هذا من قول الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: هو من قول شَمْويل وهو الأظهر. قال لهم ذلك لما علم من تعنّتهم وجدالهم في الحجج، فأراد أن يتمم كلامه بالقطعيّ الذي لا اعتراض عليه فقال الله تعالى: {وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ}. وإضافة ملك الدنيا إلى الله تعالى إضافة مملوك إلى ملِك. ثم قال لهم على جهة التغبِيط والتنبيه من غير سؤال منهم: «إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ». ويحتمل أن يكونوا سألوه الدّلالة على صدقه في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً}. قال ابن عطية: والأوّل أظهر بمساق الآية، والثاني أشبه بأخلاق بني إسرائيل الذميمة، وإليه ذهب الطبريّ.

البيضاوي

تفسير : {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} طالوت علم عبري كداود وجعله فعلوتاً من الطول تعسف يدفعه منع صرفه، روي أن نبيهم صلى الله عليه وسلم لما دعا الله أن يملكهم أتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت {قَالُواْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا} من أين يكون له ذلك ويستأهل. {وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مّنَ ٱلْمَالِ } والحال أنا أحق بالملك منه وراثة ومكنة وإنه فقير لا مال له يعتضد به، وإنما قالوا ذلك لأن طالوت كان فقيراً رَاعياً أو سقاء أو دباغاً من أولاد بنيامين ولم تكن فيهم النبوة والملك، وإنما كانت النبوة في أولاد لاوى بن يعقوب والملك في أولاد يهوذا وكان فيهم من السبطين خلق. {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ} لما استبعدوا تملكه لفقره وسقوط نسبه رد عليهم ذلك. أولاً بأن العمدة فيه اصطفاه الله سبحانه وتعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم، وثانياً بأن الشرط فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة الأمور السياسية، وجسامة البدن ليكون أعظم خطراً في القلوب، وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب، لا ما ذكرتم. وقد زاده الله فيهما وكان الرجل القائم يمد يده فينال رأسه، وثالثاً بأن الله تعالى مالك الملك على الإطلاق فله أن يؤتيه من يشاء، ورابعاً أنه واسع الفضل يوسع على الفقير ويغنيه عليم بمن يليق بالملك من النسيب وغيره. {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ } لما طلبوا منه حجة على أنه سبحانه وتعالى اصطفى طالوت وملكه عليهم. {إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} الصندوق فعلوت من التوب، وهو الرجوع فإنه لا يزال يرجع إلى ما يخرج منه، وليس بفاعول لقلة نحو سلس وقلق، ومن قرأه بالهاء فلعله أبدله منه كما أبدل من تاء التأنيث لاشتراكهما في الهمس والزيادة، ويريد به صندوق التوراة وكان من خشب الشمشاد مموهاً بالذهب نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين. {فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ } الضمير للإِتيان أي في إتيانه سكون لكم وطمأنينة، أو للتابوت أي مودع فيه ما تسكنون إليه وهو التوراة. وكان موسى عليه الصلاة والسلام إِذا قاتل قدمه فتسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون. وقيل صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت لها رأس وذنب كرأس الهرة وذنبها وجناحان فتئن فيزف التابوت نحو العدو وهم يتبعونه فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر. وقيل صورة الأنبياء من آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام. وقيل التابوت هو القلب والسكينة ما فيه من العلم والإخلاص وإتيانه مصير قلبه مقراً للعلم والوقار بعد أن لم يكن. {وَبَقِيَّةٌ مّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَـٰرُونَ} رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وعمامة هرون، وآلْهما أبناؤهما أو أنفسهما. والآل مقحم لتفخيم شأنهما، أو أنبياء بني إسرائيل لأنهم أبناء عمهما. {تَحْمِلُهُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} قيل رفعه الله بعد موسى فنزلت به الملائكة وهم ينظرون إليه وقيل كان بعده مع أنبيائهم يستفتحون به حتى أفسدوا فغلبهم الكفار عليه، وكان في أرض جالوت إلى أن ملك الله طالوت فأصابهم بلاء حتى هلكت خمس مدائن فتشاءموا بالتابوت فوضعوه على ثورين فساقتهما الملائكة إلى طالوت. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} يحتمل أن يكون من تمام كلام النبي عليه الصلاة والسلام وأن يكون ابتداء خطاب من الله سبحانه وتعالى.

ابن كثير

تفسير : أي: لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكاً منهم، فعين لهم طالوت، وكان رجلاً من أجنادهم، ولم يكن من بيت الملك فيهم، لأن الملك كان في سبط يهوذا، ولم يكن هذا من ذلك السبط، فلهذا قالوا: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا}، أي: كيف يكون ملكاً علينا {وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ} أي: هو مع هذا فقير لا مال له يقوم بالملك، وقد ذكر بعضهم أنه كان سقاء، وقيل: دباغاً، وهذا اعتراض منهم على نبيهم وتعنت، وكان الأولى بهم طاعة وقول معروف، ثم قد أجابهم النبي قائلاً: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰهُ عَلَيْكُمْ} أي اختاره لكم من بينكم، والله أعلم به منكم، يقول: لست أنا الذي عينته من تلقاء نفسي، بل الله أمرني به لما طلبتم مني ذلك، {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ} أي: وهو مع هذا، أعلم منكم، وأنبل، وأشكل منكم، وأشد قوة وصبراً في الحرب ومعرفة بها، أي أتم علماً وقامة منكم، ومن ههنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه؛ ثم قال: {وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ} أي: هو الحاكم الذي ما شاء فعل، ولا يُسئل عما يفعل، وهم يسئلون؛ لعلمه وحكمته ورأفته بخلقه، ولهذا قال: {وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} أي: هو واسع الفضل، يختص برحمته من يشاء، عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُواْ أَنَّىٰ } كيف {يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ } لأنه ليس من سبط المملكة ولا النبوة وكان دباغاً أو راعياً {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مّنَ ٱلْمَالِ } يستعين بها على إقامة الملك {قَالَ } النبي لهم {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَٰهُ } اختاره للملك {عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً } سعة {فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ } وكان أعلم بني إسرائيل يومئذ وأجملهم وأتمهم خَلْقاً {وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ } إيتاءه لا اعتراض عليه {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ } فضله {عَلِيمٌ } بمن هو أهل له.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُم إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكاً} إلى قوله: {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} قال وهب، والسدي: إنما أنكروا أن يكون ملكاً عليهم، لأنه لم يكن من سبط النبوة، ولا من سبط المملكة، بل كان من أخمل سبط في بني إسرائيل. {قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيكُم وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} يعني زيادة في العلم وعظماً في الجسم. واختلفوا هل كان ذلك فيه قبل الملك؟ فقال وهب بن منبه، والسدي: كان له ذلك قبل الملك، وقال ابن زيد: زيادة ذلك بعد الملك. {واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} وفي واسع ثلاثة أقاويل: أحدها: واسع الفضل، فحذف ذكر الفضل اكتفاء بدليل اللفظ، كما يقال فلان كبير، بمعنى كبير القَدْر. الثاني: أنه بمعنى مُوسِع النعمة على مَنْ يشاء من خلقه. والثالث: أنه بمعنى ذو سعة.

ابن عطية

تفسير : {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} قال وهب بن منبه: "إنه لما قال الملأ من بني إسرائيل لسمويل بن بالي ما قالوا، سأل الله تعالى أن يبعث لهم ملكاً ويدله عليه، فقال الله تعالى له: انظر إلى القرن الذي فيه الدهن في بيتك، فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن فهو ملك بني إسرائيل، فادهن رأسه منه وملكه عليهم، قال: وكان طالوت رجلاً دباغاً، وكان من سبط بنيامين بن يعقوب، وكان سبطاً لا نبوة فيه ولا ملك، فخرج طالوت في بغاء دابة له أضلها، فقصد سمويل عسى أن يدعو له في أمر الدابة أو يجد عنده فرجاً، فنش الدهن". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهو دهن القدس فيما يزعمون، قال: فقام إليه سمويل فأخذه ودهن منه رأس طالوت، وقال له: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله بتقديمه، ثم قال لبني إسرائيل "إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً"، و {طالوت} اسم أعجمي معرب ولذلك لم ينصرف، وقال السدي: "إن الله أرسل إلى شمعون عصاً وقال له: من دخل عليك من بني إسرائيل فكان على طول هذه العصا فهو ملكهم، فقيس بها بنو إسرائيل فكانت تطولهم حتى مر بهم طالوت في بغاء حماره الذي كان يسقي عليه، وكان رجلاً سقاء، فدعوه فقاسوه بالعصا فكان مثلها، فقال لهم نبيهم ما قال، ثم إن بني إسرائيل تعنتوا وحادوا عن أمر الله تعالى، وجروا على سننهم فقالوا: {أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه}، أي لأنه ليس في بيت ملك ولا سبقت له فيه سابقة. {ولم يؤت} مالاً واسعاً يجمع به نفوس الرجال حتى يغلب أهل الأنفة بماله. قال القاضي أبو محمد: وترك القوم السبب الأقوى وهو قدر الله وقضاؤه السابق، وأنه مالك الملك، فاحتج عليهم نبيهم عليه السلام بالحجة القاطعة، وبيّن لهم مع ذلك تعليل اصطفائه طالوت، وأنه زاده بسطة في العلم وهو ملاك الإنسان، والجسم الذي هو معينه في الحرب وعدته عند اللقاء، قال ابن عباس: "كان في بني إسرائيل سبطان أحدهما للنبوة والآخر للملك، فلا يبعث نبي إلا من الواحد ولا ملك إلا من الآخر، فلما بعث طالوت من غير ذلك قالوا مقالتهم"، قال مجاهد: معنى الملك في هذه الآية الإمرة على الجيش. قال القاضي أبو محمد: ولكنهم قلقوا لأن من عادة من تولى الحرب وغلب أن يستمر ملكاً، و {اصطفى} افتعل، مأخوذ من الصفوة، وقرأ نافع "بصطة" بالصاد، وقرأ أبو عمرو وابن كثير "بسطة" بالسين، والجمهور على أن العلم في هذه الآية يراد به العموم في المعارف، وقال بعض المتأولين: المراد علم الحرب، وأما جسمه فقال وهب ابن منبه: إن أطول رجل في بني إسرائيل كان يبلغ منكب طالوت. قوله عز وجل: {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} لما علم نبيهم عليه السلام تعنتهم وجدالهم في الحجج تمم كلامه بالقطعي الذي لا اعتراض عليه، وهو قوله: {والله يؤتي ملكه من يشاء}، وظاهر اللفظ أنه من قول النبي لهم، وقد ذهب بعض المتأولين إلى أنه من قول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر، وأضيف ملك الدنيا إلى الله تعالى، إضافة مملوك إلى مالك، و {واسع} معناه وسعت قدرته وعلمه كل شيء، وأما قول النبي لهم: {إن آية ملكه} فإن الطبري ذهب إلى بني إسرائيل تعنتوا وقالوا لنبيهم: وما آية ملك طالوت؟ وذلك على جهة سؤال الدلالة على صدقه في قوله إن الله قد بعث. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويحتمل أن نبيهم قال لهم ذلك على جهة التغبيط والتنبيه على هذه النعمة التي قرنها الله بملك طالوت وجعلها آية له دون أن تعن بنو إسرائيل لتكذيب نبيهم، وهذا عندي أظهر من لفظ الآية، وتأويل الطبري أشبه بأخلاق بني إسرائيل الذميمة، فإنهم أهل تكذيب وتعنت واعوجاج، وقد حكى الطبري معناه عن ابن عباس وابن زيد والسدي. واختلف المفسرون في كيفية إتيان {التابوت} وكيف كان بدء أمره، فقال وهب بن منبه: كان التابوت عند بني إسرائيل يغلبون به من قاتلهم حتى عصوا فغلبوا على التابوت، وصار التابوت عند القوم الذين غلبوا، فوضعوه في كنيسة لهم فيها أصنام، فكانت الأصنام تصبح منكسة، فجعلوه في قرية قوم فأصاب أولئك القوم أوجاع في أعناقهم، وقيل: جعل في مخراة قوم فكانوا يصيبهم الناسور، فلما عظم بلاؤهم كيف كان، قالوا: ما هذا إلا لهذا التابوت فلنرده إلى بلاد بني إسرائيل، فأخذوا عجلة فجعلوا التابوت عليها وربطوها ببقرتين فأرسلوهما في الأرض نحو بلاد بني إسرائيل، فبعث الله ملائكة تسوق البقرتين حتى دخلتا به على بني إسرائيل، وهم في أمر طالوت، فأيقنوا بالنصر، وهذا هو حمل الملائكة للتابوت في هذه الرواية. وقال قتادة والربيع: بل كان هذا التابوت مما تركه موسى عند يوشع بن نون، فجعله يوشع في البرية، ومرت عليه الدهور حتى جاء وقت طالوت. وكان أمر التابوت مشهوراً عندهم في تركة موسى، فجعل الله الإتيان به آية لملك طالوت، وبعث الله ملائكة حملته إلى بني إسرائيل، فيروى أنهم رأوا التابوت في الهواء يأتي حتى نزل بينهم، وروي أن الملائكة جاءت به تحمله حتى جعلته في دار طالوت، فاستوسقت بنو إسرائيل عند ذلك على طالوت، وقال وهب بن منبه: كان قدر التابوت نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين، وقرأ زيد بن ثابت "التابوه"، وهي لغته، والناس على قراءته بالتاء. قال القاضي أبو محمد: وكثر الرواة في قصص التابوت وصورة حمله بما لم أر لإثباته وجهاً للين إسناده. قوله عز وجل: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: السكينة ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان، وروي عنه أنه قال: هي ريح خجوج ولها رأسان، وقال مجاهد: السكينة لها رأس كرأس الهرة وجناحان وذنب، وقال أقبلت السكينة والصرد وجبريل مع إبراهيم من الشام. وقال وهب بن منبه عن بعض علماء بني إسرائيل: السكينة رأس هرة ميتة كانت إذا صرخت في التابوت بصراخ الهر أيقنوا بالنصر. وقال ابن عباس: السكينة طست من ذهب من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء، وقاله السدي. وقال وهب بن منبه: السكينة روح من الله يتكلم إذا اختلفوا في شيء أخبرهم ببيان ما يريدون. وقال عطاء بن أبي رباح: السكينة ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها. وقال الربيع بن أنس: {سكينة من ربكم} أي رحمة من ربكم، وقال قتادة: {سكينة من ربكم} أي وقار لكم من ربكم. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتقوى، فالمعهود أن الله ينصر الحق والأمور الفاضلة عنده، والسكينة على هذا فعيلة مأخوذة من السكون، كما يقال عزم عزيمة وقطع قطيعة. واختلف المفسرون في البقية ما هي؟: فقال ابن عباس: هي عصا موسى ورضاض الألواح، وقال الربيع: هي عصا موسى وأمور من التوراة. وقال عكرمة: هي التوراة والعصا ورضاض الألواح. قال القاضي أبو محمد: ومعنى هذا ما روي من أن موسى عليه السلام لما جاء قومه بالألواح فوجدهم قد عبدوا العجل ألقى الألواح غضباً فتكسرت. فنزع منها ما بقي صحيحاً وأخذ رضاض ما تكسر فجعل في التابوت. وقال أبو صالح: البقية عصا موسى وعصا هارون ولوحان من التوراة والمن. وقال عطية بن سعد: هي عصا موسى وعصا هارون وثيابهما ورضاض الألواح. وقال الثوري: من الناس من يقول البقية قفيز منّ ورضاض الألواح. ومنهم من يقول: العصا والنعلان. وقال الضحّاك: البقية الجهاد وقتال الأعداء. قال القاضي أبو محمد: أي الأمر بذلك في التابوت، إما أنه مكتوب فيه، وإما أن نفس الإتيان به هو كالأمر بذلك، وأسند الترك إلى آل موسى وهارون من حيث كان الأمر مندرجاً من قوم إلى قوم، وكلهم آل لموسى وهارون، وآل الرجل قرابته وأتباعه، وقال ابن عباس والسدي وابن زيد: حمل الملائكة هو سوقها التابوت دون شيء يحمله سواها حتى وضعته بين يدي بني إسرائيل وهم ينظرون إليه بين السماء والأرض، وقال وهب بن منبه والثوري عن بعض أشياخهم، حملها إياه هو سوقها الثورين أو البقرتين اللتين جرتا العجلة به، ثم قرر تعالى أن مجيء التابوت آية لهم إن كانوا ممن يؤمن ويبصر بعين حقيقة.

ابن عبد السلام

تفسير : {طَالُوتَ} لم يكن من سبط النبوة ولا المملكة. {بَسْطَةً} زيادة في العلم، وعظماً في الجسم، كانا قبل الملك، أو زاده ذلك بعد الملك. {وَاسِعٌ} الفضل، أو موسع على خلقه، أو ذو سعة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً} وذلك أن أشمويل سأل الله عز وجل أن يبعث لهم ملكاً فأتى بعصا وقرن فيه دهن القدس، وقيل له إن صاحبكم الذي يكون ملكاً يكون طوله طول هذه العصا وانظر إلى القرن الذي فيه الدهن فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن في القرن فهو ملك بني إسرائيل فادهن رأسه بالدهن وملكه عليهم واسم طالوت بالعبرانية ساول بن قيس من سبط بنيامين بن يعقوب. وإنما سمي طالوت لطوله وكان أطول من جميع الناس برأسه ومنكبيه وكان طالوت رجلاً دباغاً يدبغ الأديم قاله وهب وقيل كان سقاء يستقي الماء على حمار فضلّ حماره فخرج يطلبه. وقال وهب: ضلت حمر لأبي طالوت فأرسله أبوه ومعه غلام في طلبها فمر على بيت أشمويل النبي فقال الغلام لطالوت لو دخلنا على هذا النبي فسألناه عن أمر الحمر ليرشدنا أو ليدعو لنا فدخلا عليه فبينما هما عنده يذكران له حاجتهما إذ نش الدهن في القرن فقام أشمويل فقاس طالوت بالعصا فكانت على طوله فقال لطالوت قرب رأسك فقربه إليه فدهنه بدهن القدس. وقال له: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى أن أملكك عليهم فقال طالوت أوما علمت أن سبطي من أدنى أسباط بني إسرائيل قال: بلى قال فبأي آية قال بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حمره فكان كذلك ثم قال لبني إسرائيل إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً وقيل إنه جلس عنده وقال يا أيها الناس إن الله ملك طالوت فأتت عظماء بني إسرائيل إلى نبيهم أشمويل وقالوا له: ما شأن طالوت تملك علينا وليس هو من بيت النبوة ولا المملكة وقد عرفت أن النبوة في سبط لاوي بن يعقوب والمملكة في سبط يهوذا بن يعقوب فقال لهم نبيهم أشمويل إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً {قالوا أنى يكون له الملك علينا} أي من أين يكون له الملك وكيف يستحقه {ونحن أحق بالملك منه} إنما قالوا ذلك لأنه كان في بني إسرائيل سبطان سبط نبوة وسبط مملكة فسبط النبوة سبط لاوي بن يعقوب ومنه كان موسى وهارون عليهما السلام وسبط المملكة سبط يهوذا بن يعقوب ومنه كان داود وسليمان عليهما السلام ولم يكن طالوت من أحدهما. وإنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب فلهذا السبب أنكروا كونه ملكاً لهم وزعموا أنهم أحق بالملك منه ثم أكدوا ذلك بقولهم {ولم يؤت سعة من المال} يعني أنه فقير والملك يحتاج إلى المال {قال} يعني أشمويل النبي {إن الله اصطفاه عليكم} أي اختاره عليكم وخصه بالملك وفي هذه الآية دليل على بطلان قوم من زعم من الشيعة أن الإمامة موروثة وذلك لأن بني إسرائيل أنكروا أن يكون ملكهم من لا يكون من بيت المملكة فرد الله عليهم وأعلمهم أن هذا شرط فاسد والمستحق للملك من خصه الله به {وزاده بسطة} أي فضيلة وسعة {في العلم} وذلك أنه كان من أعلم بني إسرائيل وقيل إنه أوحى إليه حين أوتي الملك وقيل هو العلم في الحرب {والجسم} يعني بالطول وذلك لأنه كان أطول من الناس برأسه ومنكبيه وقيل بالجمال وكان طالوت من أجمل بني إسرائيل وقيل المراد به القوة لأن العلم بالحروب والقوة على الأعداء مما فيه حفظ المملكة {والله يؤتى ملكه من يشاء} يعني أن الله تعالى لا اعتراض عليه لأحد في فعله فيحض بملكه من يشاء من عباده {والله واسع} يعني أن الله تعالى واسع الفضل والرزق والرحمة وسعت رحمته كل شيء ووسع فضله ورزقه كل خلقه والمعنى أنكم طعنتم في طالوت بكونه فقيراً والله واسع الفضل والرزق فإذا فوض إليه الملك فتح عليه أبواب الرزق والمال من فضله وسعته وقيل الواسع ذو السعة وهو الذي يعطي عن غنى {عليم} يعني أنه تعالى مع قدرته على إغناء الفقير عالم بما يحتاج إليه في تدبير نفسه وملكه والعليم هو العالم بما يكون وبما كان.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ...}. إن قلت: لِمَ أضافه هنا إليهم ولم يضفه في {أية : إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ }؟ تفسير : قلنا: إنّما أضافه هنا لأنه في مقام التبليغ لهم بخلاف الأول فإنه حكاية عن (مقالتهم) التي لم يوفّوا بها وعصوا وقدم المجرور لأنهم المقصودون بالذكر. ابن عطية: عن وهب بن منبه لما سأل شمويل من الله عز وجل أن يبعث لهم ملكا ونزله عليهم قال الله تعالى: "انظر القرن الذي فيه الدهن في بيتك فإذا دخل عليك رجل فسرا الدهن الذي فيه فهو ملك لبني إسرائيل. قال ابن عرفة سرا أي ارتفع. وهذا الخبر إن صح وإلاّ فما يكون (مفسره) (في قوله {بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً}) إلا مجرد (الوحي). فإن قلت: (قد) حرف (توقع) حسبما ذكره الزمخشري في قول الله تعالى {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : وبنو اسرائيل لم يكونوا قط (متوقعين تأمّر طالوت عليهم؟ فالجواب: أنّهم كانوا) متوقعين البعثة بالإطلاق لا من حيث تعلقها بشخص معين. قال الزمخشري: طالوت إن كان من الطول فوزنه فعلوت إلا أن امتناع صرفه يمنع أن يكون منه إلا أن يقال: هو اسم عبراني وافق عربيا، كما وافق: حنط حنطة، وبسمالاها رحمانا رحيما، بِسْم الله الرّحْمَانِ الرّحِيمِ. قال ابن عرفة: واستدلّوا على مرجوحية ملكه بالأصل، لأنه ليس في آبائه ملك ولا نبي أحق منه بالعادة لأن الأمير باعتبار العادة لا بد أن يكون غنيا عن غيره ولا يكون فقيرا أصلا. وغالطوا في احتجاجهم فأتوا بدليل ظاهره صواب يمكن قبوله فقالوا: {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ}. وعدلوا عن أن يقولوا: ولم يؤت شيئا من المال، لئلا يرمى دليلهم في وجوههم فيقال لهم: قد أوتي بعض المال وإنْ قل مع أن طالوت لم يكن لديه مال البتة. فأجيبوا عن الدليل الأول بقول الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} فلا مزية لكم عليه بآبائكم، وعن الثاني بإن الزيادة في العلم والجسم أرجح / من الزيادة في المال، فإنّ المال سريع الذّهاب والعلم إذا حصل ثابت لا يزول وكذلك الجسم الطويل لا يعود قصيرا بوجه. الزمخشري: والواو في {وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ} واو الحال وفي {وَلَمْ يُؤْتَ} واو العطف. قال ابن عرفة: الأولى أن يكونا معا للحال وهو أبلغ في التعليل لأنّ كل واحد منهما علة مستقلة، أي أنّى يكون له الملك والحالة أنّا أحق به منه، وأنّى يكون له الملك علينا والحالة أنّه فقير لا مال له، فلم يعللوا بمجموع الأمرين بل بكل واحد منهما. قال ابن عرفة: وهما حالان من الفاعل والمفعول.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {طَالُوتَ مَلِكاً}: "مَلِكاً" حال من "طالوت" فالعامل في الحال "بَعَثَ". و "طالوتُ" فيه قولان: أظهرهما: أنه اسمٌ أعجميٌّ فلذلك لم ينصرف للعلتين، أعني: العلمية والعجمة الشَّخصية. والثاني: أنه مشتقٌّ من الطول، ووزنه فعلوت كرهبوت ورحموت، وأصله طولوت، فقلبت الواو ألفاً؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، وكأن الحامل لهذا القائل بهذا القول ما روي في القصَّة أنه كان أطول رجلٍ في زمانه وبقوله "وزاده بسطة في العلم والجسم" إلا أنَّ هذا القول مردودٌ بأن لو كان مشتقاً من الطُّول، لكان ينبغي أن ينصرف، إذ ليس فيه إلاَّ العلمية. وقد أجابوا عن هذا بأنه وإن لم يكن أعجمياً لكنَّه شبيه بالأعجمي، من حيث إنَّه ليس في أبنية العرب ما هو على هذه الصِّيغة، وهذا كما قالوا في حمدون، وسراويل، ويعقوب، وإسحاق عند من جعلهما من سحق وعقب وقد تقدم. وأجاب آخرون: بأنه اسمٌ عبراني وافق عربيّاً مثل حطة وحنطة، وعلى هذا يكون أحد سببيه العجمة؛ لكونه عبرانياً. قوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا} في "أَنَّى" وجهان: أحدهما: أنَّها بمعنى كيف، وهذا هو الصَّحيح. والثاني: أنها بمعنى من أين، اختاره أبو البقاء، وليس المعنى عليه. ومحلُّها النّصب على الحال، وسيأتي الكلام في عاملها ما هو. و "يَكُونُ" فيها وجهان: أحدهما: أنها تامَّةٌ، و "المُلْكُ" فاعلٌ بها و "له" متعلّقٌ [بها، و "عَلَيْنَا" متعلقٌ] بالملك، تقول: "فلان مَلَك على بني فلان أمرهم"، فتتعدى هذه المادة بـ "على"، ويجوز أن تتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من "المُلْك"، و "يَكُونُ" هي العاملة في "أنَّى"، ولا يجوز أن يعمل فيها أحد الظَّرفين، أعني "له"، و "علينا"؛ لأنه عاملٌ معنوي والعامل المعنويُّ لا تتقدَّم عليه الحال على المشهور. والثاني: أنها ناقصةٌ، و "له" الخبر، و "علينا" متعلِّقٌ: إمَّا بما تعلَّق به هذا الخبر، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ من "المُلك" كما تقدَّم، والعامل في هذه الحال "يكون" عند من يجيز في "كَانَ" الناقصة أن تعمل في الظرف وشبهه، وإمَّا بنفس الملك كما تقدَّم تقريره، والعامل في "أنَّى" ما تعلَّق به الخبر أيضاً، ويجوز أن يكون "عَلَيْنَا" هو الخبر، و "لَهُ" نصبٌ على الحال، والعامل فيه الاستقرار المتعلِّق به الخبر، كما تقدَّم تقريره، أو "يَكُونُ" عند من يجيز ذلك في الناقصة، ولم أر من جوَّز أن تكون "أنى" في محلِّ نصب خبراً لـ "يَكُونُ" بمعنى "كَيْفَ يَكُونُ المُلْكُ عَلَيْنَا لَهُ" ولو قيل به لم يمتنع معنًى ولا صناعةً. قوله: {وَنَحْنُ أَحَقُّ}: جملةٌ حاليَّةٌ، و "بالمُلْكُ" و "مِنْهُ" كلاهما متعلّقٌ بـ "أَحَقُّ". "ولم يُؤْتَ سَعَةً" هذه الجملة الفعلية عطفٌ على الاسميَّة قبلها، فهي في محلِّ نصب على الحال، ودخلت الواو على المضارع؛ لكونه منفياً و "سعةً" مفعول ثانٍ ليؤت، والأول قام مقام الفاعل. و "سَعَةً" وزنها "عَلَة" بحذف الفاء، وأصلها "وُسْعَة"، وإنما حذفت الفاء في المصدر حملاً له على المضارع، وإنما حذفت في المضارع لوقوعها بين ياء - وهي حرف المضارعة - وكسرة مقدَّرة، وذلك أنَّ "وَسِع" مثل "وَثِق" فحقٌّ مضارع أن يجيء على يفعل بكسر العين، وإنما منع ذلك في "يَسَع" كون لامه حرف حلقٍ، ففتح عين مضارعه لذلك، وإن كان أصلها الكسر، فمن ثم قلنا: بين ياء وكسرة [مقدرةٍ، والدَّليل على ذلك أنَّهم قالوا: وَجِلَ يَوْجَل فلم يحذفوها لمَّا كانت الفتحة أصلية غير عارضةً، بخلاف فتحة "يَسَع" و "يَهَب" وبابهما. فإن قيل: قد رأيناهم يحذفون هذه الواو، وإن لم تقع بين ياءٍ وكسرةٍ]، وذلك إذا كان حرف المضارعة همزة نحو: "أَعِدُ"، أو تاءً نحو: "تَعِد" أو نوناً نحو: "نَعِد"، وكذلك في الأمر والمصدر نحو: "عِدْ عِدَةَ حَسَنَةً". فالجواب أنَّ ذلك بالحمل على المضارع مع الياء طراً للباب، كما تقدَّم لنا في حذف همزة أفعل، إذا صار مضارعاً لأجل همزة المتكلِّم، ثم حمل باقي الباب عليه. وفتحت سين "السَّعة" لمَّا فتحت في المضارع لأجل حرف الحلق، كما كسرت عين "عِدة" لمَّا كسرت في "يَعِد" إلا أنَّه يشكل على هذا: وَهَبَ يَهَبُ هِبة، فإنهم كسروا الهاء في المصدر، وإن كانت مفتوحة في المضارع لأجل أنَّ العين حرف حلقٍ، فلا فرق بين "يَهَبُ"، و "يَسَع" في كون الفتحة عارضةً والكسرة مقدرةً، ومع ذلك فالهاء مكسورةٌ في "هِبة"، وكان من حقِّها الفتح لفتحها في المضارع كـ "سَعَة". و "من المال" فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلقٌ بيؤت. والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لسعة، أي: سَعَةً كائنةً من المال. فصل اعلم أنَّه تعالى لما بيَّن في الآية أنَّه لمَّا أجابهم إلى سؤالهم تولَّوا، بيَّن في هذه الآية أنَّ أوّل تولِّيهم إنكارهم إِمْرَة طالوت، وذلك أنَّهم لمَّا طلبوا من نبيِّهم أن يطلب من الله أن يعيِّن لهم ملكاً؛ فأجابهم بأنَّ الله قد بعث لكم طالوت ملكاً، أظهروا التَّولي عن طاعة الله، وأعرضوا عن حكمه، وقالوا: "أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا"، واستبعدوا ذلك. قال المفسِّرون: وسبب هذا الاستبعاد: أنَّ النبوَّة كانت مخصوصةً بسبط معيَّن من أسباط بني إسرائيل، وهم سبط لاوي بن يعقوب، ومنه "مُوسَى وهارون" وسبط المملكة سبط "يَهُوذا"، ومنه "دَاوُدُ، وسُلَيْمَانُ" و "طَالُوت" لم يكن من أحد هذين السِّبطين، بل كان من ولد "بِنْيَامِين" فلهذا السَّبب؛ أنكروا كونه ملكاً عليهم، وزعموا أنَّهم أحقُّ بالملك منه، ثمَّ أكدوا هذه الشُّبهة بشبهة أخرى وهي قولهم: "وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المَالِ"، أي: فقير. قال وهبٌ: كان دبَّاغاً. وقال السدِّيُّ: مكارياً. وقال آخرون: كان سقَّاء، واسمه بالعبرانية ساول بن قيس، وكان من سبط بنيامين ابن يعقوب، وكانوا عملوا ذنباً عظيماً، كانوا ينكحون النِّساء على ظهر الطَّريق نهاراً، فغضب الله عليهم ونزع الملك والنبوة عنهم وكانوا يسمون سبط الإثم، ثمَّ إنَّ الله تعالى أجابهم عن شُبْهتهم بقوله: {إِنَّ ٱللهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ}. والاصطفاء: أخذ الملك من غيره صافياً، واصطفاه واستصفاه، بمعنى: الاستخلاص، وهو أخذ الشَّيء خالصاً. وقال الزَّجَّاج: مأخوذٌ من الصَّفوة، فأصله اصتفى بالتاء، فأبدل التَّاء بالطَّاء ليسهل النُّطق بها بعد الصَّاد. فصل اعلم أنَّهم لمَّا طعنوا في استحقاقه للملك بأمرين: أحدهما: كونه ليس من بيت المملكة. والثاني: كونه فقيراً؛ ردَّ الله عليهم ذلك بأنهم قد حصل فيه وصفان: أحدهما: العلم. والثاني: القدرة، وهذان الوصفان أشدُّ مناسبة لاستحقاق الملك من الوصفين الأوَّلن لوجوه: أحدها: أنَّ العلم، والقدرة من باب الكمالات الحقيقيَّة، والمال والجاه ليسا كذلك. الثاني: أنَّ العلم، والقدرة يمكن التَّوصُّل بهما إلى المال والجاه، ولا ينعكس. الثالث: أنَّ المال والجاه، يمكن سلبهما عن الإنسان، والعلم والقدرة، لا يمكن سلبهما عنه. الرابع: أنَّ العالم بأمر الحرب، والقويّ الشَّديد على المحاربة، ينتفع به في حفظ مصلحة الملك، ودفع شرِّ الأعداء، أكثر من الانتفاع بالرجل النَّسيب الغنيِّ الذي لا قدرة له على دفع الأعداء، ولا يحفظ مصلحة الملك. فصل دلَّت هذه الآية على بطلان قول من يقول: إنَّ الإمامة موروثةٌ، وذلك؛ لأنَّ بني إسرائيل لمَّا أنكروا أن يكون الملك من غير بيت المملكة؛ أسقط الله هذا الشَّرْط، وبيَّن أنَّ المستحقَّ للملك من خصَّه الله به فقال: {وَٱللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ}، وهذه الآية نظير قوله: {أية : تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ}تفسير : [آل عمران:26]. فصل والمراد بالبسطة في الجسم: الجمال، وقيل: المراد: طول القامة. قيل: كان أطول من كل أحدٍ برأسه، وبمنكبه. وقيل: المراد القوَّة. قال ابن الخطيب: وهذا القول عندي أصحُّ؛ لأنَّ المنتفع به في دفع الأعداء هو القوَّة، والشِّدة، لا الطُّول، والجمال. قوله: "فِي العِلْم" فيه وجهان: أحدهما: أنَّه متعلِّقٌ بـ "بَسْطَة" كقولك: "بَسَطْتُ لَهُ في كَذَا". والثاني: أنه متعلّقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه صفةٌ لـ "بَسْطَة"، أي: بَسْطَة مستقرةً أو كائنة. قوله: {وَٱللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ}. قال بعض المفسِّرين: هذا من كلام الله تعالى لمحمّدٍ - عليه الصَّلاة والسَّلام -، والمشهور: أنَّه من قول أشمويل، قال لهم ذلك، لمَّا علم من تعنتهم وجدالهم في الحجج، فأراد أن يتمِّم كلامه بالقطعي، الذي لا اعتراض عليه فقال: {وَٱللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ}، وأضاف ملك الدُّنيا إلى الله إضافة مملوكٍ إلى ملكٍ. قوله: {وَٱللهُ وَاسِعٌ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على النسب، أي: ذو سعة رحمة، كقولهم: لابنٌ، وتامرٌ، أي: صاحب تمرٍ ولبنٍ. والثاني: أنَّه جاء على حذف الزوائد من أوسع، وأصله مُوسِعٌ. وهذه العبارة إنَّما يتداولها النَّحويون في المصادر فيقولون: مصدرٌ على حذف الزوائد. والثالث: أنه اسمُ فاعلٍ من "وَسِع" ثلاثياً؛ قال أبو البقاء: "فالتَّقدير على هذا: واسع الحِلم؛ لأنَّك تقول وسع حلمه". فصل في تفسير قوله "وَاسِعٌ عَلِيمٌ" في قوله: "وَاسِعٌ عَلِيمٌ" ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّه واسع الفضل، والرِّزق، والرَّحمة، وسعت رحمته كلَّ شيءٍ، والتَّقدير: أنتم طعنتم في طالوت، لكونه فقيراً، فالله تعالى واسع الفضل، يفتح عليه أبواب الرِّزق، والسَّعة، كما في المال؛ لأنه فوّض إليه الملك، والملك لا يتمشَّى إلاَّ بالمال. والثاني، والثالث: ما تقدَّم في الإعراب آنفاً من كونه بمعنى: "مُوسِعٌ" وذو سعة، والعليم العالم وقيل: العالم بما كان، والعليم بما يكون.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ} شروعٌ في تفصيل ما جرى بـينه عليه السلام وبـينهم من الأقوال والأفعال إثرَ الإشارةِ الإجمالية إلى مصير حالِهم أي قال لهم بعد ما أُوحي إليه ما أوحي: {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} طالوتُ علمٌ عِبْريٌّ كداودَ، وجعلُه فَعْلوتاً من الطول يأباه منعُ صرفِه و{مَلَكًا} [البقرة، الآية: 247] حال منه. رُوي أنه عليه السلام لما دعا ربه أن يجعل لهم ملِكاً أتى بعصاً يُقاس بها من يملِكُ عليهم فلم يساوِها إلا طالوتُ {قَالُواْ} استئناف كما مر {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا} أي من أين يكون أو كيف يكون ذلك {وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مّنَ ٱلْمَالِ} الواو الأولى حاليةٌ والثانيةُ عاطفةٌ جامعةٌ للجملتين في الحُكم أي كيف يتملّك علينا والحالُ أنه لا يستحِقُّ التملكُ لوجود من هو أحقُّ منه ولعدم ما يتوقف عليه الملكُ من المال، وسبب هذا الاستبعادِ أن النبوةَ كانت مخصوصةً بسِبطٍ معينٍ من أسباط بني إسرائيلَ، وهو سِبطُ لاوي بنِ يعقوبَ عليه السلام والمملكةِ بسبطِ يهوذا ومنه داودُ وسليمانُ عليهما السلام ولم يكن طالوتُ من أحد هذين السِبطين بل من ولد بنيامين قيل: كان راعياً وقيل: دبّاغاً وقيل: سقّاءً. {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰهُ عَلَيْكُمْ} لمّا استبعدوا تملُّكَه بسقوط نسَبِه وبفقره ردَّ عليهم ذلك أولاً بأن مَلاكَ الأمرِ هو اصطفاءُ الله تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم، وثانياً بأن العُمدة فيه وُفورُ العلم ليتمكَّنَ به من معرفة أمورِ السياسةِ، وجسامةُ البدن ليعظُم خطرُه في القلوب ويقدِرَ على مقاومة الأعداءِ ومكابدةِ الحروب وقد خصه الله تعالى منهما بحظَ وافرٍ وذلك قولُه عز وجل: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ} أي العلمِ المتعلِّقِ بالمُلك أو به وبالديانات أيضاً وقيل: قد أوحي إليه ونُبِّىءَ {وَٱلْجِسْمِ} قيل: بطول القامة فإنه كان أطولَ من غيره برأسه ومنكبـيه حتى إن الرجلَ القائم كان يمد يدَه فينال رأسه وقيل: بالجمال وقيل: بالقوة {وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء} لما أنه مالِكُ المُلكِ والملَكوتِ فعّالٌ لما يريد فله أن يؤتِيَه من يشاءُ من عباده {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ} يوسِّع على الفقير ويُغنيه {عَلِيمٌ} بمن يليقُ بالملك ممن لا يليق به، وإظهارُ الاسم الجليلِ لتربـية المهابة.

القشيري

تفسير : نسوا حق الاختيار فنظروا إلى الحال بعين الظاهر فاستبعدوا أن يكون طالوت ملكاً لأنه كان فقيراً لا مال له، فبيَّن لهم أن الفضيلة باختيار الحق، وأنه وإن عَدِمَ المالَ فقد زاده الله علماً فَفَضَلَكم بعلمه وجسمه، وقيل أراد أنه محمود خصال النفس ولم يُرِدْ عظيم البِنْيَة فإن في المثل: "فلان اسم بلا جسم" أي ذكر بلا معنى.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال لهم نبيهم} وذلك ان اشمويل لما سأل الله تعالى ان يبعث لهم ملكا اتى بعصا وقرن فيه دهن القدس وقيل له ان صاحبكم الذى يكون ملكا طوله طول هذه العصا وانظر القرن الذى فيه الدهن فاذا دخل عليك رجل ونش الدهن الذى فى القرن فهو ملك بنى اسرائيل فدهن به رأسه وملك عليهم. قال وهب ضلت حمر لابى طالوت فارسله وغلاما له فى طلبها فمرا ببيت اشمويل فقال الغلام لو دخلنا على هذا النبى فسألنا عن الحمر ليرشدنا ويدعو لنا بحاجتنا فدخلا عليه فبينما هما عنده يذكران له شأن الحمر اذ نش الدهن الذى فى القرن فقام اشمويل فقاس طالوت بالعصا فكان على طولها فقال لطالوت قرب رأسك فقربه فدهنه بدهن القدس ثم قال له انت ملك بنى اسرائيل الذى امرنى الله ان املكه عليهم قال بأى آية قال بآية انك ترجع وقد وجد ابوك حمره فكان كذلك ثم قال اشمويل لنبى اسرائيل {إن الله قد بعث لكم طالوت} اسم اعجمى ممتنع من الصرف لتعريفه وعجمته {ملكا} حال منه اى فاطيعوه وقاتلوا عدوكم معه {قالوا} متعجبين من ذلك ومنكرين قيل انهم كفروا بتكذيبهم نبيهم وقيل كانوا مؤمنين لكن تعجبوا وتعرفوا وجه الحكمة فى تمليكه كما قال الملائكة {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها} تفسير : [البقرة: 30]. {أنى يكون له الملك علينا} من أين يكون له ذلك ويستأهل {ونحن أحق بالملك منه} اولى بالرياسة عليه منه بالرياسة علينا {ولم يؤت سعة من المال} اى لم يعط ثروة وكثرة من المال فيشرف بالمال اذا فاته الحسب يعنى كيف يتملك علينا والحال انه لا يستحق التملك لوجود من هو احق منه ولعدم ما يتوقف عليه الملك من المال ولا بد للملك من مال يقتصد به. وسبب هذا الاستبعاد ان النبوة كانت مخصوصة بسبط معين من اسباط بنى اسرائيل وهو سبط لاود بن يعقوب ومنه كان موسى وهارون وسبط المملكة سبط يهودا بن يعقوب ومنه كان داود وسليمان ولم يكن طالوت من احد هذين السبطين بل هو من ولد بنيامين بن يعقوب وكانوا عملوا ذنبا عظيما ينكحون النساء على ظهر الطريق نهارا فغضب الله عليهم ونزع الملك والثروة منهم وكانوا يسمونه سبط الاثم وكان طالوت يتحرف بحرفة دنية كان رجلا دباغا يعمل الادم فقيرا او سقاء او مكاريا {قال} لهم نبيهم ردا عليهم {إن الله اصطفاه عليكم} اى اختاره فان لم يكن له نسب ومال فله فضيلة اخرى وهو قوله {وزاده بسطة} اى سعة وامتداد {فى العلم} المتعلق بالملك او به وبالديانات ايضا {والجسم} بطول القامة وعظم التركيب لان الانسان يكون اعظم فى النفوس بالعلم وأهيب فى القلوب بالجسم وكان اطول من غيره برأسه ومنكبيه حتى ان الرجل القائم كان يمد يده فينال رأسه لما استبعدوا تملكه بسقوط نسبه وبفقره رد عليهم ذلك اولا بان ملاك الامر هو اصطفاء الله وقد اختاره عليكم وهو اعلم بالمصالح منكم وثانيا بان العمدة فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة امور السياسة وجسامة البدن ليعظم خطره فى القلوب ويقدر على مقاومة الاعداء ومكابدة الحروب وقد خصه الله تعالى منهما بحظ وافر {والله يؤتى ملكه من يشاء} لما انه مالك الملك والملكوت فعال لما يريد فله ان يؤتيه من يشاء من عباده {والله واسع} يوسع على الفقير ويغنيه {عليم} بمن يليق بالملك ممن لا يليق به. وفى التأويلات النجمية انما حرم بنوا اسرائيل من الملك لانهم كانوا معجبين بانفسهم متكبرين على طالوت ناظرين اليه بنظر الحقارة من عجبهم قالوا ونحن احق بالملك منه ومن تكبرهم عليه قالوا أنى يكون له الملك علينا ومن تحقيرهم اياه قالوا ولم يؤت سعة من المال فلما تكبروا وضعهم الله وحرموا من الملك: قال السعدى قدس سره شعر : يكى قطره باران زابرى جكيد خجل شد جوبهناى دريا بديد كه جايى كه درياست من كيستم كر اوهست حقا كه من نيستم جو خودرا بجشم حقارت بديد صدف در كنارش بجان بروريد سبهرش بجابى رسانيد كار كه شد نامور لؤلؤى شاهوار بلندى ازان يافت كويست شد درنيستى كوفت تاهست شد تفسير : ومن بلاغات الزمخشرى كم يحدث بين الخبيثين ابن لا يعابن والفرث والدم يخرج من بينهما اللبن يعنى حدوثا كثيرا يحدث بين الزوجين الخبيثين ابن طيب لا يعاب بين الناس ولا يذكر بقبيح وهذا غير مستبعد لان اللبن يخرج من بين السرجين والدم وهما مع كونهما مستقذرين لا يؤثران فى اللبن بشىء من طعمهما ولونهما بل يحدث اللبن من بينهما لطيفا نظيفا سائغا للشاربين. قالوا يخلق الله اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله لا يبغى احدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة بل هو خالص من ذلك كله. قيل اذا اكلت البهيمة العلف فاستقر فى كرشها وهو من الحيوان بمنزلة المعدة من الانسان طبخته فكان اسفله فرثا واوسطه مادة اللبن واعلاه مادة الدم والكبد مسلطة على هذه الاصناف الثلاثة تقسمها فتجرى الدم فى العروق واللبن فى الضروع وتبقى الفرث فى الكرش فسبحان الله ما اعظم قدرته وألطف حكمته لمن تأمل والانسان له استعداد الصلاح والفساد فتارة يظهر فى الاولاد الصلاح المبطون فى الآباء وتارة يكون الامر بالعكس وامر الايجاد يدور على الاظهار والابطان فانظر الى آدم وابنيه قابيل وهابيل ثم وثم الى انتهاء الزمان. والحاصل ان طالوت ولو كان اخس الناس عند بنى اسرائيل لكنه عظيم شريف عند الله لما ان النظر الآلهى اذا تعلق بحجر يجعله جوهرا وبشوك يجعله وردا وريحانا فلا معترض لحكمه ولا راد لقضائه فالوضيع من وضعه الله وان وان كان قد رفعه الناس والرفيع من رفعه الله وان كان قد وضعه الناس. والعاقل اذا تأمل امثال هذا يجد من نفسه الانصاف والسكوت وتفويض الامر الى الحى الذى لا يموت والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقال لهم نبيهم} شمويل: {إن الله قد بعث لكم} ملكاً، أي: عيَّنه لكم لتقاتلوا معه، وهو {طالوت} وهو عَلَمٌ عِبْراني كدَاوُد، {قالوا} تعنتاً وتشغيباً: {أنى يكون له الملك علينا} أي من أين يستأهل التملك علينا وليس من دار الملك؟ لأن المملكة كانت في أولاد يهوذا، وطالوت من أولاد بنيامين، والنبوة كانت في أولاد لاوى. وقالوا: {نحن أحق بالملك منه} وراثة ومُكْنة، لأن دار المملكة فينا. وأيضاً هو فقير {لم يُؤْتَ سعة من المال} يتقوى به على حرب عدوه، وكان طالوت فقيراً راعياً أو سَقَّاءً أو دباغاً. {قال} لهم نبيهم - عليه السلام-: {إن اصطفاه عليكم} رغم أنفكم. قال وهب بن منبه: أوحى الله إلى نبيهم: إذا دخل عليك رجل فَنَش الدُهنَ الذي في القرن فهو ملكهم، فلما دخل طالوت نَشَّ الدهن. وقال السدي: أرسل الله إليه عَصا، وقال له: إذا دخل عليك رجل على طول هذه العصا فهو ملكهم، فكان ذلك طالوت فتبيَّن أن الله تعالى اصطفاه للملك، {وزاده بسطه في العلم} فكان أعلم بني إسرائيل بالتوراة وقيل: بالحروب وعلم السياسة. وزاده أيضاً بسطه في {الجسم}، فكان أطولُ بني إسرائيل يبلغ إلى مَنْكبِهِ. وذلك ليكون أعظم خطَراً في القلوب، وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب، {والله يؤتي ملكه من يشاء}؛ لأنه مَلِك الملوك يضع مُلكه حيث شاء، {والله واسع} فيوسع على الفقير ويغنيه بلا سبب، {عليم} بمن يليق بالملك بسبب وبلا سبب.

الطوسي

تفسير : المعنى: قال السدي، ووهب بن منبه: إنما أنكروا أن يكون طالوت ملكاً، لأنه لم يكن من سبط النبوة، ولا سبط المملكة بل كان من أجمل سبط في بني اسرائيل. وقوله: {إن الله اصطفاه} معناه اختاره في قول ابن عباس، وابن زيد، وأصله الصفوة من الادناس. وقوله: {وزاده بسطة في العلم والجسم} قيل في معناه قولان: قال الحسن: زيادة في العلم وعُظماً في الجسم. وقال الجبائي: كان اذا قام الرجل، فبسط يده رافعاً لها نال رأسه. اللغة: يقال: جسم يجسم جسامة يعنى ضخم صخامة. ورجل جسيم: عظيم الخلق. وجسمه تجسيما، وتجسم تجسما. وهو أجسم منه أي أضخم. وأصل الباب الضخم. والجسم: هو الذاهب في الجهات الثلاثة: الطول والعرض والعمق. الاعراب والمعنى: وإنما لم يصرف (طالوت)، وصرف (جاموس) إذا سميت به، وإن كانا أعجميين - في قول الزجاج - لأنه لما كان يدخله الألف واللام نكر؛ نحو قولهم: الجاموس. وكلما أعرب في حال تنكيره فانه لا يعتد بالعجمة فيه، لأنه بمنزلة ما أصله عربي فأما ما أعرب في حال تعريفه، فليس كذلك، لأنه لم يستعمل إلا على احدى الحالين دون الأخرى، فنقل لذلك. وقوله: {والله واسع عليم} قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - واسع الفضل، فحذف، كما حذف في قولهم: فلان كبير أي كبير القدر. الثاني - واسع بمعنى: موسع أي يوسع على من يشاء من نعمه، كما جاء (أليم) بمعنى: مؤلم. والثالث - واسع بمعنى ذو سعة نحو "عيشة راضية" أي ذات رضى، وهم ناصب أي ذو نصب. وتامر، ولابن، أي ذو تمر وذو لبن. ويجيء باب في فاعل بمعنى ذو كذا. وقوله: {عليم} أي عليم بمن ينبغي أن يؤتيه الفضل إما للاستصلاح، وإما للامتحان. قال البلخي: وفي الآية دلالة على فساد قول من قال بأن الامامة وراثة، لان الله تعالى رد عليهم ما أنكروه من التعليل عليهم من ليس من أهل النبوة، ولا المملكة، وبين أنه يجب بالعلم والفوة لا بالوراثة. وقال أصحابنا فيها دلالة على أن من شرط الامام أن يكون أعلم رعيته وأفضلهم في خصال الفضل، لأن الله تعالى على تقديمه عليهم بكونه أعلم وأقوى فلولا أنه شرط وإلا لم يكن له معنى.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوۤاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ} كانت النبوّة فى ولد لاوى والملك فى ولد يوسف ولم يجتمع النبوّة والملك فى بيت واحد وطالوت كان من ولد بن يامين وسمّى طالوت لطول قامته بحيث اذا قام الرّجل وبسط يده رافعاً لها نال رأسه قيل: كان سقّاءً، وقيل: كان دبّاغاً، وكان سبب سؤالهم ان يبعث الله لهم ملكاً انّ بنى اسرائيل بعد موسى عملوا بالمعاصى وغيّروا دين الله وعتوا عن امر ربّهم وكان فيهم نبىّ يأمرهم وينهاهم فلم يطيعوه، وروى انّه كان ارميا النّبىّ (ع) فسلّط الله عليهم جالوت وهو من القبط فآذاهم وقتل رجالهم وأخرجهم من ديارهم واخذ اموالهم واستعبد نساءهم ففزعوا الى نبيّهم وقالوا: اسئل الله ان يبعث لنا ملكاً، فلمّا قال انّ الله بعث لكم طالوت ملكاً انكروا وقالوا: هو من ولد بنيامين وليس من بيت النبوّة ولا من بيت الملك، فلا يجوز ان يكون له السّلطنة علينا لانّا من بيت النبوّة والملك، {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ} وشرط السّلطنة السّعة فى المال حتّى يتيسّر له القيام بلوازم السّلطنة، تعريض بوجهٍ آخر لاستحقاقهم الملك دونه وهو كثرة مالهم {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} جواب اجمالىّ يعنى ليس الملك بقياسكم وتدبيركم بل هو فضل من الله يؤتيه من يشاء وامّا الجواب التّفصيلىّ فانّ السّلطان ينبغى ان يكون عظيم الجثّة يهابه النّاس، وكثير العلم ينظر عاقبة الامور؛ وتفضّل الله بهما عليه {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ} وليس الايتاء موقوفاً على بيتٍ دون بيتٍ كما زعمتم فالمقتضى لاعطاء الملك موجود من قبل طالوت وهو اصطفاؤه بالبسط فى العلم والجسم والمانع للمعطى مفقود فانّه امّا خارجىّ او كون طالوت من غير بيت الملك او كونه غير ذى سعة فى المال او جهله تعالى بأهليّته للملك وليس كذلك فانّه يؤتى ملكه من يشاء من غير مانع لا من الخارج ولا من قبل المعطى له {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ} يجبر قلّة سعة طالوت بسعته {عَلِيمٌ} يعلم من يستأهل للملك ليس جاهلاً يكون فعله وحكمه عن قياسٍ ظنّىٍ وحجّةٍ تخمينيّةٍ فقوله: {وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ} امّا عطف على معمولى انّ، او على مجموع انّ الله اصطفاه، او حال.

اطفيش

تفسير : {وقالَ لَهم نبِيَّهم إنَّ اللّهَ قدْ بَعَثَ لكُم طَالُوتَ}: هُو متاول ابن قيس بن سبط بن يامين بن يعقوب، اسمه بالسريانية متأول وبالعبرانية شاف بن قيس ابن إيسان ابن ضرار ابن كرب ابن أفيح ابن أقبس ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام. {مَلِكاً}: طالوت علم عجمى وعجمته عبرانية، ولا وزن له صرفى، وإنما له وزن طبعى، ووزن عروضى، وهكذا سائر أسماء العجمة، وقيل إنه هو من الطول الألفاظ العربية وهو معنى ضد القصر وأنه بوزن فعلوت بفتح الفاء والعين، كرهبوت ورغبوت وأصله طولوت بفتح الطاء والواو، فقلبت ألفا لتحركها بعد فتحة، ويرده أنه لو كان عربيا لصرف لبقاء علة واحدة وهو العلمية، وأجيب بأنه منع الصرف للعلمية وشبه العجمة ليس فى أبنية العرب ما على هذه الصيغة، ويبحث بأنه إن أريد الوزن الطبعى فأبنية موجودة فى العربية كالفاروق والصرفى، فكذلك كرغبوت ورهبوت إلا إن أريد الصرفى مع إسكان الثانى، وثانى باب رغبوت متحرك، وأما ما يقال اتفقت فيه العجمة والعربية فى معنى الطول فباعتبار العربية بصرف قطعا وهو غير مصروف فى التلاوة، وباعتبار العجمة يمنع قطعاً، واتفاق اللفظ معنى فى لغتى العجمى والعرب لا يمنع الصرف مع علة أخرى، والداعى إلى القول بأنه من الطول ما روى أنه أطول رجل فى زمانه، وقوله تعالى: {وزاده بسطة فى العلم والجسم} وعن وهب بن منبه: كان أطول رجل فى بنى إسرائيل، وذكروا أنه كان أطول من جميع الناس برأسه ومنكبه، ويمد القائم يده فيصل بها رأسه لما سألوا نبيهم ملكا يقاتلون به، سأل الله أن يبعث لهم ملكا فبعث الله عز وجل مع ملك من الملائكة عصا وقرناً فيه دهن القدس، وقال له إن صاحبكم الذى يكون ملكاً يكون طوله طول هذه العصى، وانظر إلى القرن الذى فيه الدهن، فإذا دخل عليك رجل فنشى الدهن فى القرن، أى غلى هو ملك بنى إسرائيل نادهن رأسه بالدهن وملكه عليهم، وكان طالوت راغباً، وقيل دباغاً يدبغ الأدم وهو قول وهب بن منبه، وقال عكرمة والسدى، سقاء يسقى الناس بأجرة على حمار من النيل، ويسقى الماء ويبيعه، ولعله قد فعل ذلك كله، قال وهب بن منبه، ضلت حمر لأبى طالوت وقيل إبل فأرسله أبوه ومعه غلام فى طلبها، فمر على بيت أشموئيل النبى، فقال الغلام لطالوت: لو دخلنا على هذا النبى فسألناه عن أمر الحمر ليرشدنا أو ليدعو لنا، ودخلا عليه، فبينما عنده يذكر له حاجتهما، إذ نشى الدهن فى القرن أعنى أنه غلى فقام أشموئيل النبى فقاس طالوت بالعصا فكانت على طوله، فقال لطالوت: قرب رأسك فقربه إليه فدهنه بدهن القدس، وقال له: أنت ملك بنى إسرائيل الذى أمرنى الله أن أملكه عليهم، فقال طالوت: أو ما علمت أن سبطى من أدنى أسباط بنى إسرائيل؟ قال: بلى. قال: فبأى آية؟ قال: بآية أنك ترجع، وقد وجد أبوك حمره، فكان كذلك، ثم قال لبنى إسرائيل: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا، وقيل جلس عنه، وقال أيها الناس: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا، فأتت عظماء بنى إسرائيل إلى هذا النبى أشموئيل وقالوا له: ما شأن طالوت يملك علينا وليس هو من بيت النبوة، ولا الملك، وقد عرفت أن النبوة فى سبط لاوى بن يعقوب، والملك فى سبط يهوذا بن يعقوب كما قال الله تعالى: {قالُوا أنَّى يكُونُ لهُ الملْكُ عَلَيْنا}: أى من أين يكون وكيف يكون. {ونحْنُ أحَقُّ بالملْكِ مِنْهُ}: وذلك أنه كان فى بنى إسرائيل سبطان سبط نبوة وسبط ملك، فسبط النبوة سبط لاوى بن يعقوب، ومنه كان موسى وهارون عليهما السلام، وسبط الملك سبط يهوذ ابن يعقوب، ومنه كان داود وسليمان وأشموئيل عليهما السلام، ولم يكن طالوت من أحدهما، وإنما كان من ابن يامين بن يعقوب أخى يوسف، وكانوا عملوا ذنباً عظيما ينكحون النساء على ظهر الطريق نهارا، فغضب الله تعالى عليهم، ونزع منهم الملك والنبوة، وكانوا يسمون سبط الإثم فلهذا السبب أنكروا أن يملك عليهم وزعموا أنهم أحق بالملك منه، وأكدوا ذلك بقولهم. {وَلَمْ يُؤْتَ سَعةٍ مِّنَ المالِ}: حتى إنه يَرعى، وأنه سقاء للناس والملك يحتاج للمال وشرف المنصب ليستعين بهما، والسعة: والوسع ومن المال متعلق بيؤت أو بمحذوف نعت لسعة، ومن للابتداء وإن جعلنا سعة مصدر بمعنى واسعا أو متوسعا به فالإعراب كذلك، وزاد بأن تكون منه فى ذلك للتبعيض أو للبيان. {قَالَ}: لهم نبيهم أشموئيل: {إنّ اللّهَ اصْطَفاهُ عليْكُم}: اختاره عليكم للملك، لأن الله أعلم بالمصالح منكم، وليس فقره وسقوط نسبه يمنعان تملكه، هذا ما قد تضمنه قوله: {إن الله اصطفاه عليكم} ولأن الشرط فى الملك وفور العلم ليتمكن به من معرفة الأمور السياسية ولأن جسامة البدن يتأيد بها الملك فيكون أعظم خطرا فى القلوب، وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب، وقد جمع ذلك كما قال الله تعالى: {وَزَادَهُ بَسْطةً}: سعة وفضيلة. {فى العِلْمِ}: وكان أعلم بنى إسرائيل فى زمانه بالتوراة، وبأمور الحرب وغيرها عند الجمهور، وقيل المراد علم الحرب، وقيل أوحى إليه ونبئ. {والجِسْمِ}: كان أطولهم كما مَرَّ، وأعظمهم حجما وأجملهم، وعظم الجسم نعمة من الله، كما امتن الله تعالى به، فقالوا: (اذكروا آلاء الله) وقرأ الحسن، {وزاده بسطة فى العلم والجسم}، فقال فإذا الجسم نعمة من الله ولأن الله تعالى مالك الملك كله فله أن يؤتى الملك من يشاء كما قال تعالى: {وَالله يُؤْتى مُلْكَهُ}: أى بعض ملكه، فالإضافة بمعنى من التبعيضية أو أراد الجنس الصادق بالقليل والكثير، لا بكله والمعنى واحد. {مَنْ يَشَاءُ}: أن يؤتيه إياه لا معارض له، ولأنه واسع الفضل، يوسع على الفقير فيغنيه، ويرفع الحقير فيعزه، فيغنى طالوت ويعزه ويعلم اللائق بالملك من النسب وغيره كما قال الله تعالى: {وَاللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ}: أى واسع الرزق والفضل، وسع رزقه وفضله وعلمة كل مخلوق، ويجوز أن يكون واسع للنسب، أى ذا وسع والعليم الذى عظم علمه أو كثر، وعلم الله عظيم لا ينفد، وقيل العلم فى صفة من علم ما كان وما يكون، وذلك كله من كلام أشموئيل نبيهم، رد عليهم واحتج، وذلك قول الجمهور وهو أظهر، وقال بعضهم؛ قوله: {والله يؤتى ملكه من يشاء والله واسع عليم}، هو من كلام الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وبعدما قال لهم اشموئيل ذلك تيعنوا على، عادتهم، أو أرادوا زيادة يقين فقالوا ما آية أن الله بعث طالوت ملكاً؟ فأجابهم بما حكى الله عنه بقوله: {وقَالَ لَهُم نَبِيُّهم إنَّ آيةَ مُلْكِهِ أنْ يَأتِيكُم التَّابوتُ ..}

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ} اسمه شاول بن قيس {مَلِكاً} كما طلبتم، أن أبعث لكم ملكا، وهذا القول مقدم نزولا ولو تأخر تلاوة، وطالوت عبرانى، ولو كان فعلوت من الطول بفتح العين لشدة طوله، وأصله طولوت بفتح الواو قلبت ألفا لتحركها بعد فتح لصرف، لانفراد العلمية، ولا يصح أنه منع الصرف لشبه العجمة، لأن رهبوتا ورغبوتا وحموتا وملكوتا ونحوهن يصرفن، ولا يصح أنه معدول عن الطوال أو الطويل إذ لا يعرف العدل عن ذلك، بل عن فاعل، ولا تعسف فى أنه عبرى وافق العربية فى معنى الطول، ممتنع للعجمة والعلمية كما صدرت به، وقيل: عربى منع الصرف للعلمية وشبه العجمة، إذ ليس ذلك من أوزان العربية الغالبة. كان جالوت ومن معه من العمالقة يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين وظهروا على بنى إسرائيل وأخذوا ديارهم وسبوا أولادهم، وضربوا الجزية عليهم وأبو العمالقة عمليق بكسر العين أو عملاق بكسرها، ابن لاود بن إرم بن سام ابن نوح، ولما دعا الله نبيهم أن يجعل لهم ملكا أمره ملك أن يقلب إناء الدهن الذى فى بيته على رأس طالوت فيكون كالإكليل على رأسه على استواء، فكان كذلك إمارة لما أخبروا من كونه ملكا أو أوحى إليه أنه إذا انتشى الدهن فى القرن لدخول رجل فهو ملك بنى إسرائيل، فادهن رأسه به وملكه عليهم، أو أتى بعصا طويلة من ساواها فهو الملك، فساواها ولا ضعف فى ذلك، لأن الله عز وجل أراد أن يبين الملك بالعلامة ليطمئنوا، ولو كان قول النبى كافياً، روى أنه ضل لطالوت دابة، فخرج يطلبها وقال له غلامه، ندخل على هذا النبى، لعله يرشدنا، فقال، نعم، فدخلا، فكان ما ذكر من العصا والدهن، ولا بأس بهما معا {قَالُواْ أَنَّىٰ} من أين {يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا} مع أنه فقير راع، أو سقاء أو دباغ، من أولاد بنيامين شقيق يوسف، ولم تكن النبوة ولا الملك فى أولاد بنيامين، والنبوة فى أولاد لاوى بن يعقوب، والملك فى أولاد يهوذا {وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ} لأنا من أولاد لاوى وأولاد يهوذا وليس هو منهم، لأن من كان من أهل النبوة، ولو كان من غير بيت الملك، أولى ممن ليس من أهل الملك ولا من أهل النبوة، ولأنه ضيق المال كما قالوا {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ} وسعنا منه، فرد الله عليهم بأن المعتبر اصطفاء الله، وقد اصطفاه كما قال {قَالَ} نبيهم {إِنَّ اللهَ اصْطَٰفَهُ عَلَيْكُمْ} والله يعلم الصالح، وبأنه أعلم منكم جميعاً وأجمل، والأعلم أمكن من معرفة أمور السياسة، وبأنه أعظم جسما مع قوة قلبه بالْعلم، فهو أليق بالحروب وأهيب للعدو كما قال {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} وكان القائم يمد يده، فينال رأسه، ويقال، كان أطول من غيره برأسه ومنكبيه، وبأن الله المعطى المانع، وقد أعطاه الملك كما قال {وَاللهُ يُؤتِى مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ} وبأن الله واسع الفضل فقد يغنيه، وبأنه العالم بمن يليق بالملك كما قال {وَاللهُ وَٰسِعٌ عَليمٌ} ولا يضر أنه فقير أو دنىء الرتبة عندكم، ملاك الأمر اصطفاء الله، وقد اصطفاة، والعمدة وفور العلم، والملك لله، فله أن يعطى ملكه من يشاء، وهو واسع الفضل يوسع على على الفقير فيغنيه، وقدم البسطة فى العلم على البسطة فى الجمس لأن الفضائل النفسية أشرف من الفضائل الجسمية. يروى أنه لما مات موسى خلفه يوشع، ثم خلفه كالب، ثم خلفه حزقيل، ثم إلياس، ثم اليسع يحكمون بالتوراة، ثم ظهرت عليهم أعداؤهم العمالقة، وغلبوا على كثير وسبوا، ولم يكن لهم نبى يدبر أمرهم، وكان سبط النبوة قد هلكوا إلا امرأة حبلى، فولدت غلاماً، فسمته أشمويل، سلمته للتوراة فى بيت المقدس، وكفله شيخ من علمائهم، ولما كبر نبأه الله، وكان نائماً عند شيخه، فناداه ملك، فقال لشيخه، ناديتنى؟ فقال له: اذهب. ثم، فكان ذلك مرة ثانية، فقال له، إن ناديتك مرة ثالثة فلا تجبنى، وناداه الملك، وقال له، أنت نبى بنى إسرائيل، فأخبرهم، فقالوا: عجلت إن صدقت فابعث لنا ملكا، فكان أمر طالوت وأشمويل هذا من نسل هارون عليهما السلام، وكان أمرهم يقوم بملك يلى الجموع بنبى يرشده، ولما ملك أشمويل طالوت قال له طالوت، أما علمت أن سبطى أدنى أسباط بنى إسرائيل؟ وكان من سبط بنيامين بن يعقوب ولم تكن فيهم نبوة ولا ملك، وكان دباغا، وقيل نساجا، قال: بلى، فقال أسمويل، الله يؤتى ملكه من يشاء والله واسع عليم، ولما طلبوا آية ملكه كما شهر، وعليه الأكثر، أو لم يطلبوا، أنزل الله جوابا، أو تقوية ما ذكره عن نبيهم فى قوله: {وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيكُمُ التَّابُوتُ} فعلوت من تاب بمعنى رجع، فإنه إن غاب هو أو ما فيه رجع، ويناسبه أيضاً أن يضع الواضع فيه شيئاً فيرجع إليه، والأصل التَوْبُوت بفتح التاء، وقلبت ألفا، وهذا شأن كل صندوق، والواو والتاء بعد زائدتين كرحموت وملكوت، وقيل فاعول، فالتاء أصل بعد الواو، كالتى قبل، وفيه قلة اتخاذ الفاء واللام كسلس وقلق، وهو الصندوق الذى جعلت فيه موسى أمه، وقيل: صندوق توضع فيه التوراة من شجر السرو، أو شجر الصمغ مموه بالذهب، من ثلاثة أذرع فى ذراعين، وفيه صور الأنبياء كلهم، أنزله الله على آدم من الجنة، وتوارثه الأنبياء إلى أن وصل إلى موسى عليه السلام، وفشا الزنا فى بنى إسرائيل حتى على قارعة الطريق، فسلط الله عليهم العمالقة، فأخذوه وجعل الله رده منهم علامة ملك طالوت، وكان بنو إسرائيل يستفتحون به على عدوهم، ويقدمونه فى القتال بين أيديهم، ويطمئنون إليه كما قال {فِيهِ سَكِينَةٌ} طمأنينة لقلوبكم {مِن رَّبِّكُمْ} كان موسى يقدمه فلا يفرون، وتسكن إليه نفوسهم، وقيل السكينة صورة من زبرجد أو ياقوت، لها رأس وذنب كرأس الهرة وذنبها، وجناحان، فنئن، ويسير التابوت بسرعة نحو العدو ويتبعونه، فإذا استقر سكنوا وثبتوا ونزل النصر، أخرجه ابن جرير عن مجاهد، قال الراغب، ولا أراه صحيحا، والتصوير كان حلالا للأمم ولو لما فيه روح وبرأس، بل ولو لم يحل، لأنه هذه من الله، ففى التوراة لا تعلموا صوراً ولا تعبدوها، ويقال: كانوا يسيرون بسيره ويقفون بوقوفه، وإذا استمعوا صوته تيقنوا بالنصر، أو التابوت القلب والسكينة ما فى القلب، من العلم والإخلاص، وإتيانه مصير القلب كذلك بعد أن لم يكن، وهو ضعيف، لأنه لا يلائم أنه آية ملك طالوت لخلفائه، ويروى أنه إذا اختلف بنو إسرائيل تحاكموا إليه فيكلمهم بالحكم {وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ، ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَٰرُونَ} عصا موسى تنثنى فيه، ونعلاه وثيابه، وعمامة هرون، وما تكسر من ألواح التوراة حين ألقاها موسى، وقفيز من المن الذى كان ينزل فى التيه، وإلا لأن أبناءهما أو أنبياء بنى إسرائيل، لأنهم أبناء عمهما، أو ذكرا تعظيما، والمراد نفس موسى وهرون {تَحْمِلُهُ الْمَلَٰئِكَةُ} بعد أن نزعته من ظهر البقرتين حين قربتا من الوصول، وذلك أنه لما عصى بنو إسرائيل غلبهم جالوت وقومه من العمالقة وأخذوه وجعلوه فى موضع البول والغائط، ولما أراد الله أن يملك طالوت سلط الله عليهم البلاء، وابتلى كل من بال عليه بالبواسير وهلكت لهم خمس مدائن، فعلموا أن ذلك بسبب التابوت، فحملوه على ثورين فأقبل الثوران، ووكل الله تعالى بهما أربعة من الملائكة حتى قربا من منزل طالوت حملوه إليه، وقيل: ساقوهما حتى أتوا منزله فسمى السوق حملا، ولما سألوه الآية قال لهم نبيهم: إنكم تجدون التابوت فى دار طالوت، {إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ} على ملك طالوت تنتفعون بها {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} وهذا من كلام نبيهم، أو خطاب من الله لهم، ولما رأوا التابوت أقروا بملكه، وتسارعوا إلى الجهاد، واختار من شبابهم سبعين ألفاً فارغين من الأشغال ناشطين، وقال لهم لا يخرج معى من نبى بناء لم يتمه، أو من شغل بالتجر، أو من تزوج بامرأة ولم يبن بها، وقيل: ثمانين ألفاً، وقيل: مائة وعشرون، ومنهم داود على كل الأقوال.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ} شروع في التفصيل بعد الإجمال أي قال بعد أن أوحى لهم ما أوحي {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} يدبر أمركم وتصدرون عن رأيه في القتال. وطالوت فيه قولان أظهرهما أنه علم أعجمي عبري ـ كداود ـ ولذلك لم ينصرف، وقيل: إنه عربـي من الطول وأصله طولوت ـ كرهبوت ورحموت ـ فقلبت ـ الواو ألفاً ـ لتحركها وانفتاح ما قبلها ومنع صرفه حينئذ للعلمية وشبه العجمة لكونه ليس من أبنية العرب، وأما ادعاء العدل عن طويل، والقول بأنه عبراني وافق العربـي فتكلف. و {مَلِكًا} حال من {طَالُوتُ} أخرج ابن أبـي حاتم عن السدي أن ـ نبيهم ـ لما دعا ربه أن يملكهم أتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت. وأخرج ابن إسحق وابن جرير عن وهب بن منبه أنه لما دعا الله قال له: أنظر القرن الذي فيه الدهن في بيتك فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي فيه فهو ملك بني إسرائيل فأدهن رأسه منه وملكه عليهم فأقام ينتظر متى يدخل ذلك الرجل عليه وكان طالوت رجلاً دباغاً يعمل الأدم، وقيل: كان سقاءاً وكان من سبط بنيامين بن يعقوب عليه السلام ولم يكن فيهم نبوة ولا ملك فخرج طالوت في ابتغاء دابة له ضلت ومعه غلام فمرا ببيت النبـي فقال غلام طالوت له: لو دخلت بنا على هذا النبـي فسألناه عن أمر دابتنا فيرشدنا ويدعو لنا فيها بخير فقال طالوت: ما بما قلت من بأس فدخلا عليه فبينما هو عنده يذكر له شأن دابته ويسأله أن يدعو له إذ نش الدهن الذي في القرن فقام إليه النبـي فأخذه ثم قالت لطالوت: قرب رأسك فقربه فدهنه منه ثم قال: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى أن أملكك عليهم فجلس عنده وقال الناس: ملك طالوت فأتت عظماء بني إسرائيل نبيهم مستغربين ذلك حيث لم يكن من بيت النبوة ولا الملك. {قَالُواْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا} أي من أين يكون أو كيف يكون له ذلك؟ والاستفهام حقيقي أو للتعجب/ لا لتكذيب نبيهم والإنكار عليه في رأي، وموضعه نصب على الحال من الملك، و ـ يكون ـ يجوز أن تكون الناقصة فيكون الخبر (له)، ـ و (علينا) ـ حال من الملك أو الخبر (علينا) و (له) حال، ويجوز أن تكون التامة فيكون له متعلقاً بها. و {عَلَيْنَا} حال {وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مّنَ ٱلْمَالِ} الواو الأولى: حالية، والثانية: عاطفة جامعة للجملتين أي كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق منه ولعدم ما يتوقف عليه الملك من المال، أو لعدم ما يجبر نقصه لو كان ويلحقه بالأشراف عرفاً من ذلك، وأصل ـ سعة ـ وسعة بالواو وحذفت لحذفها من يسع وكان حق الفعل كسر السين فيه ليتأتى الحذف كما في ـ يعد ـ وإنما ارتكب الفتح لحرف الحلق فهو عارض، ولذا أجرى عليه حكم الكسرة ولذلك الفتح فتحت السين في المصدر ولم تكسر كما كسرت عين عدة. {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ} رد عليهم بأبلغ وجه وأكمله كأنه قيل: لا تستبعدوا تملكه عليكم لفقره وانحطاط نسبه عنكم، أما أولاً: فلأن ملاك الأمر هو اصطفاء الله تعالى وقد اصطفاه واختاره وهو سبحانه أعلم بالمصالح منكم، وأما ثانياً: فلأن العمدة وفور العلم ليتمكن به من معرفة الأمور السياسية، وجسامة البدن ليكون أعظم خطراً في القلوب وأقوى على كفاح الأعداء ومكابدة الحروب لا ما ذكرتم وقد خصه الله تعالى بحظ وافر منهما، وأما ثالثاً: فلأنه تعالى مالك الملك على الإطلاق وللمالك أن يمكن من شاء من التصرف في ملكه بإذنه، وأما رابعاً: فلأنه سبحانه واسع الفضل يوسع على الفقير فيغنيه عليم بما يليق بالملك من النسيب وغيره، وفي تقديم البسطة في العلم على البسطة في الجسم إيماء إلى أن الفضائل النفسانية أعلى وأشرف من الفضائل الجسمانية بل يكاد لا يكون بينهما نسبة لا سيما ضخامة الجسم ولهذا حمل بعضهم البسطة فيه هنا على الجمال أو القوة لا على المقدار كطول القامة كما قيل: إن الرجل القائم كان يمد يده حتى ينال رأسه فإن ذلك لو كان كمالاً لكان أحق الخلق به رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه عليه الصلاة والسلام كان ربعة من الرجال، ولعل ذكر ذلك على ذلك التقدير لأنه صفة تزيد الملك المطلوب لقتال العمالقة حسناً لأنهم كانوا ضخاماً ذوي بسطة في الأجسام وكان ظل ملكهم جالوت ميلاً على ما في بعض الأخبار لا أنها من الأمور التي هي عمدة في الملوك من حيث هم كما لا يخفى على من تحقق ـ أن المرء بأصغريه لا بكر جسمه وطول برديه ـ. وفي اختيار واسع وعليم في الإخبار عنه تعالى هنا حسن المناسبة لبسطة الجسم وكثرة العلم ما تهتش له الخواطر لا سيما على ما يتبادر من بسطة الجسم، وقدم الوصف الأول مع أن ما يناسبه ظاهراً مؤخر لأن له مناسبة معنى لأول الأخبار إذ الاصطفاء من سعة الفضل أيضاً، ولأنّ عليم أوفق بالفواصل وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة.

ابن عاشور

تفسير : أعاد الفعل في قوله: {وقال لهم نبيهم} للدلالة على أن كلامه هذا ليس من بقية كلامه الأول، بل هو حديث آخر متأخر عنه وذلك أنه بعد أن حذرهم عواقب الحكومة الملكية وحذرهم التولي عن القتال، تكلم معهم كلاماً آخَرَ في وقت آخر. وتأكيدُ الخبر بإنَّ إيذان بأن من شأن هذا الخبر أن يُتلقى بالاستغراب والشك، كما أنبأ عنه قولهم: {أنى يكون له الملك علينا}. ووقع في سفر صمويل في الإصحاح التاسع أنه لما صمم بنو إسرائيل في سؤالهم أن يعين لهم مِلكاً، صلى لله تعالى فأوحى الله إليه أنْ أجبْهم إلى كل ما طلبوه، فأجابهم وقال لهم: اذهبوا إلى مدنكم، ثم أوحى الله إليه صفة الملك الذي سيعينه لهم، وأَنه لقيه رجل من بنيامين اسمه شَاول بن قيس، فوجد فيه الصفة وهي أنه أطول القوم، ومسَحَهُ صمويلُ ملكاً على إسرائيل، إذْ صب على رأسه زيتاً، وقبَّله وجمع بني إسرائيل بعد أيام في بلد المصفاة وأحضره وعينه لهم ملكاً، وذلك سنة 1095 قبل المسيح. وهذا الملك هو الذي سمي في الآية طالوت وهو شاول وطالوت لقبهُ، وهو وزن اسم مصدر من الطول، على وزن فعَلُوت مثل جَبَروت ومَلكوت ورَهَبوت ورغَبوت ورحموت، ومنه طاغوت أصله طَغَيُوت فوقع فيه قلب مكاني، وطالوت وصف به للمبالغة في طول قامته، ولعله جعل لقباً له في القرآن للإِشارة إلى الصفة التي عرف بها لصمويل في الوحي الذي أوحى الله إليه كما تقدم، ولمراعاة التنظير بينه وبين جالوت غريمه في الحرب، أو كان ذلك لقباً له في قومه قبلَ أن يؤتى الملك، وإنما يلقب بأمثال هذا اللقب من كان من العموم. ووزن فَعَلوت وزن نادر في العربية ولعله من بقايا العربية القديمة السامية، وهذا هو الذي يؤذن به منعه من الصرف، فإن منعه من الصرف لا علة له إلاّ العلمية والعجمة، وجزم الراغب بأنه اسم عجمي ولم يُذكر في كتب اللغة لذلك ولعله عومل معاملة الاسم العجمي لمَّا جُعل علماً على هذا العَجمي في العربية، فعُجمته عارضة وليس هو عجمياً بالأصالة، لأنه لم يعرف هذا الاسم في لغة العبرانيين كداوود وشاوول، ويجوز أن يكون منعه من الصرف لمصيره بالإبدال إلى شبه وزن فاعُول، ووزنُ فاعول في الأعلام عجمي، مثل هاروت وماروت وشاوول وداوود، ولذلك منعوا قابوس من الصرف، ولم يعتدوا باشتقاقه من القبس، وكأنَّ عدول القرآن عن ذكره باسمه شاول لثقل هذا اللفظ وخفة طالوت. وأَنَّى في قوله: {أنى يكون له الملك علينا} بمعنى كيف، وهو استفهام مستعمل في التعجب، تعجبوا من جعل مِثله ملكاً، وكان رجلاً فلاحاً من بيت حقير، إلاّ أنه كان شجاعاً، وكان أطول القوم، ولما اختاره صمويل لذلك، فتح الله عليه بالحكمة، وتنبأ نبوءات كثيرة، ورضيت به بعض إسرائيل، وأباه بعضهم، ففي سفر صمويل أن الذين لم يرضَوا به هم بنو بليعال والقرآن ذكر أن بني إسرائيل قالوا: أنى يكون له الملك علينا وهو الحق؛ لأنهم لا بد أن يكونوا قد ظنوا أن مَلكهم سيكون من كبرائهم وقوادهم. والسر في اختيار نبيئهم لهم هذا الملك أنه أراد أن تبقى لهم حالتهم الشورية بقدر الإمكان، فجعل مَلِكهم من عامتهم لا من سادتهم، لتكون قدمه في الملك غير راسخة، فلا يخشى منه أن يشتد في استعباد أمته، لأن الملوك في ابتداء تأسيس الدول يكونون أقرب إلى الخير لأنهم لم يعتادوا عظمة الملك ولم ينسوا مساواتَهم لأمثالهم، وما يزالون يتوقعون الخلع، ولهذا كانت الخلافة سُنَّةَ الإسلام، وكانت الوراثة مبدأ الملك في الإسلام، إذ عهد معاوية ابن أبي سفيان لابنه يزيد بالخلافة بعده، والظن به أنه لم يكن يسعه يومئذٍ إلاّ ذلك؛ لأن شيعة بني أمية راغبون فيه، ثم كانت قاعدة الوراثة للملك في دول الإسلام وهي من تقاليد الدول من أقدم عصور التاريخ، وهي سنة سيئة ولهذا تجد مؤسسي الدول أفضل ملوك عائلاتهم، وقواد بني إسرائيل لم يتفطنوا لهذه الحكمة لقصر أنظارهم، وإنما نظروا إلى قلة جدته، فتوهموا ذلك مانعاً من تمليكه عليهم، ولم يعلموا أن الاعتبار بالخلال النفسانية، وأن الغنى غنى النفس لا وفرة المال وماذا تجدي وفرته إذا لم يكن ينفقه في المصالح، وقد قال الراجز: شعر : قدني من نصر الخُبَيْبين قَدِي ليسَ الإمامُ بالشحيح المُلحد تفسير : فقولهم: {ونحن أحق بالملك} جملة حالية، والضمير من المتكلمين، وهم قادة بني إسرائيل وجعلوا الجملة حالاً للدلالة على أنهم لما ذكروا أحقيتهم بالملك لم يحتاجوا إلى الاستدلال على ذلك؛ لأن هذا الأمر عندهم مسلم معروف، إذ هم قادة وعرفاء، وشاوول رجل من السوقة، فهذا تسجيل منهم بأرجحيتهم عليه، وقوله: {ولم يؤت سعة من المال} معطوفة على جملة الحال فهي حال ثانية. وهذا إبداء مانع فيه من ولايته الملك في نظرهم، وهو أنه فقير، وشأن الملك أن يكون ذا مال ليكفي نوائب الأمة فينفق المال في العدد والعطاء وإغاثة الملهوف، فكيف يستطيع من ليس بذي مال أن يكون ملكاً، وإنما قالوا هذا لقصورهم في معرفة سياسة الأمم ونظام الملك؛ فإنهم رأوا الملوك المجاورين لهم في بذخة وسعة، فظنوا ذلك من شروط الملك. ولذا أجابهم نبيئهم بقوله: {إن الله اصطفاه عليكم} رادّاً على قولهم: {ونحن أحق بالملك منه} فإنهم استندوا إلى اصطفاء الجمهور إياهم فأجابهم بأنه أرجح منهم لأن الله اصطفاه، وبقوله: {وزاده بسطة في العلم والجسم} راداً عليهم قولهم: {ولم يؤت سعة من المال} أي زاده عليكم بسطة في العلم والجسم، فأعلمهم نبيئهم أن الصفات المحتاج إليها في سياسة أمر الأمة ترجع إلى أصالة الرأي وقوة البدن؛ لأنه بالرأي يهتدي لمصالح الأمة، لا سيما في وقت المضائق، وعند تعذر الاستشارة أو عند خلاف أهل الشورى وبالقوة يستطيع الثبات في مواقع القتال فيكون بثباته ثبات نفوس الجيش. وقدم النبي في كلامه العلم على القوة لأن وقعه أعظم، قال أبو الطيب: شعر : الرأي قبلَ شجاعةِ الشجعان هو أَوَّلٌ وهي المحل الثاني تفسير : فالعلم المراد هنا، هو علم تدبير الحرب وسياسة الأمة، وقيل: هو علم النبوءة، ولا يصح ذلك لأن طالوت لم يكن معدوداً من أنبيائهم. ولم يجبهم نبيئهم عن قوله: {ولم يؤت سعة من المال} اكتفاء بدلالة اقتصاره على قوله: {وزاده بسطة في العلم والجسم} فإنه ببسطة العلم وبالنصر يتوافر له المال؛ لأن «المال تجلبه الرعية» كما قال أرسططاليس، ولأن الملك ولو كان ذا ثروة، فثروته لا تكفي لإقامة أمور المملكة ولهذا لم يكن من شرط ولاة الأمور من الخليفة فما دونه أن يكون ذا سعة، وقد ولي على الأمة أبو بكر وعمر وعلي ولم يكونوا ذوي يسار، وغنى الأمة في بيت مالها ومنه تقوم مصالحها، وأرزاق ولاة أمورها. والبسطة اسم من البسط وهو السعة والانتشار، فالبسطة الوفرة والقوة من الشيء، وسيجيء كلام عليها عند قوله تعالى: { أية : وزادكم في الخلق } تفسير : في الأعراف (69). وقوله: {والله يؤتي ملكه من يشاء} يحتمل أن يكون من كلام النبي، فيكون قد رجع بهم إلى التسليم إلى أمر الله، بعد أن بين لهم شيئاً من حكمة الله في ذلك. ويحتمل أن يكون تذييلاً للقصة من كلام الله تعالى، وكذلك قوله: {والله واسع عليم}.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱصْطَفَاهُ} {وَاسِعٌ} (247) - كَانَ مُلْكُ بَنِي إسْرَائِيلَ فِي سِبْطِ يَهُوذا وَلَمَّا قَالَ لَهُم النَّبِيُّ إنّ المَلِكَ سَيَكُونُ طَالُوتَ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَيْتِ يَهُوذا، احْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ، وَقَالُوا كَيْفَ يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَينا وَهُوَ لَيْسَ مِنْ بَيْتِ المَلِكِ، وَلَيْسَ مِنَ الأغْنِياءِ الذِينَ يَسْتَطِيعُونَ تَحَمُّلَ نَفَقَاتِ المُلْكِ؟ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ: إنّ اللهَ اصْطَفَاهُ وَاخْتَارَهُ عَلَيْكُمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ مِنْكُمْ بِهِ، وَزَادَهُ عِلْماً وَقُوَّةً في بَدَنِهِ، وَجَعَلَهُ أصْبَرَ مِنْكُمْ عَلَى الحُرُوبِ، وَاللهُ هُوَ الحَاكِمُ الذِي يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَلا يُسْأل عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُوَ وَاسِعُ العِلْمِ وَالفَضْلِ، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ عَليمٌ بِمنْ يَسْتَحِقُّ المُلْكَ مِمَّنْ لاَ يَسْتَحِقُّهُ. أنَّى يَكُونُ - مِنْ أيْنَ لَهُ أنْ يَكُونَ، أوْ كَيفَ لَهُ أنْ يَكُونَ؟ زَادَهُ بَسْطَةً - سَعَةً وامْتِداداً وَفضِيلَةً.

الثعلبي

تفسير : {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} الآية، وكان السبب فيه على ما ذكره المفسّرون أن أشمويل عليه السلام سأل الله عزّ وجلّ أن يبعث لهم ملكاً فأتى بعصا وقرن فيه دهن القدس وقيل له إنّ صاحبكم الذي يكون ملكاً طوله طول هذه العصا، وقيل له: انظر القرن الذي فيه الدهن فإذا دخل عليك رجل فنشَّ الدهن الذي في القرن فهو ملك بني إسرائيل، فادهن به رأسه وملّكه عليهم، فقاسوا أنفسهم بالعصا فلم يكونوا مثلها. وكان طالوت اسمه شادل بن قيس بن أبيال بن ضرار بن يحرب بن أفيح بن أيس بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام رجلا دبّاغاً يعمل الأدم، قاله وهب. وقال عكرمة والسدي: كان سقاء يسقي على حمار له من النيل فضلّ حماره فخرج في طلبه، وقيل: كان خربندشاه. وقال وهب: بل ضلّت حُمُر لأبي طالوت فأرسله وغلاماً له يطلبانها؛ فمرّا ببيت إشمويل، فقال الغلام لطالوت: لو دخلنا على هذا النبي فسألناه عن أمر الحمر ليرشدنا ويدعو لنا فيها بخير، فقال طالوت: نعم، فدخلا عليه، فبينا هما عنده يذكران له شأن الحمر إذ نشّ الدهن الذي في القرن، فقام إشمويل وقاس طالوت بالعصا فكانت على طوله فقال لطالوت: قرّب رأسك فقرّبه ودهنه بدهن القدس ثم قال له: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى أن أُملّكه عليهم، فقال طالوت: أنا؟ قال: نعم، قال: أو ما علمت أنّ سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل؟ قال: بلى، قال: أفما علمت أنّ بيتي أدنى بيوت بني إسرائيل؟ قال: بلى، قال: فبأيّ آية؟ قال: آية أنّك ترجع وقد وجد أبوك حُمُره فكان كذلك، ثم قال لبني إسرائيل: إنّ الله تعالى قد بعث لكم طالوت ملكاً، قال مجاهد: أميراً على الجيش. {قَالُوۤاْ أَنَّىٰ} من أين {يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ} وإنما قالوا ذلك لأنّه كان في بني إسرائيل سبطان: سبط نبوّة، وسبط مملكة، وكان سبط النبوة سبط لاوي بن يعقوب ومنه موسى وهارون، وسبط المملكة سبط يهود بن يعقوب ومنه كان داود وسليمان، ولم يكن طالوت من سبط النبوة ولا من سبط الملك، إنمّا كان من سبط ابن يامين بن يعقوب، وكانوا عملوا ذنباً عظيماً، كانوا ينكحون النساء على ظهر الطريق نهاراً، فغضب الله عليهم ونزع الملك والنبوة منهم، فلمّا قال نبيّهم: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً، أنكروا لأنّه كان من ذلك السبط فقالوا {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ} ومع ذلك هو فقير {وَلَمْ يُؤْتَ} يُعط {سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ} اختاره {عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً} فضيلة وسعة في العلم وذلك أنه كان أعلم بني إسرائيل في وقته، وذُكر أنه أتاه الوحي حين أوتي الملك قال الكلبي {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ} بالحرب {وَٱلْجِسْمِ} يعني بالطول، وكان يفوق الناس برأسه ومنكبيه وإنما سُمّي طالوت لطوله وكذلك كان كالعصا التي قيسَ بها، ودليل هذا التأويل قوله تعالى {أية : وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً} تفسير : [الأعراف: 69] يعني طول القامة، وقال ابن كيسان بالجمال، وكان طالوت أجمل رجل في بني إسرائيل وأعلمهم. {وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ} يعني لا ينكروا ملك طالوت مع كونه من غير أهل بيت المملكة، فإنّ الملك ليس بالوراثة إنما هو بيد الله يؤتيه من يشاء {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} فقالوا له: فما آية ذلك {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ} الآية. وكانت قصة التابوت وصفتها على ما ذكره أهل التفسير وأصحاب الأخبار: إن الله تعالى أنزل تابوتاً على آدم فيه صور الأنبياء من أولاده، وفيه بيوت بعدد الأنبياء كلّهم، وآخر البيوت بيت محمد صلى الله عليه وسلم وصورته موقّرة على صور جميع الأنبياء من ياقوتة حمراء قائم يصلي، وعن يمينه الكهل المطيع مكتوب على جبينه هذا أول من يتّبعه من أمته أبو بكر، وعن يساره الفاروق مكتوب على جبينه قرن من حديد، لا تأخذه في الله لومة لائم، ومن ورائه ذو النورين آخذ بحجزته، مكتوب على جبهته بارّ من البررة، ومن بين يديه علي بن أبي طالب شاهر سيفه على عاتقه مكتوب على جبينه: هذا أخوه وابن عمّه المؤيد بالنصر من عند الله، وحوله عمومته والخلفاء والنقباء والكوكبة الخضراء، وهم أنصار الله وأنصار رسوله، نور حوافر دوابّهم يوم القيامة مثل نور الشمس في دار الدنيا. وكان التابوت نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين وكان من عود الشمشار الذي يتّخذ منه الأمشاط ممّوه بالذهب، وكان عند آدم عليه السلام إلى أن مات ثم عند شيث ثم توارثها أولاد آدم إلى أن بلغ إبراهيم، فلمّا مات كان عند إسماعيل لأنّه أكبر ولده، فلمّا مات إسماعيل كان عند ابنه قيذار فنازعه ولد إسحاق، وقالوا: إن النبوة قد صرفت عنكم فليس لكم إلاّ هذا النور الواحد، فأعطنا التابوت، فكان قيذار يمتنع عليهم ويقول: إنه وصية أبي ولا أعطيه أحداً من العالمين. قال: فذهب ذات يوم يفتح ذلك التابوت فعسر عليه فتحه فناداه مناد من السماء: مهلا يا قيذار فليس لك إلى فتح هذا التابوت سبيل، لأنّه وصية نبي فلا يفتحه إلاّ نبي فادفعه إلى ابن عمك يعقوب إسرائيل الله. فحمل قيذار التابوت على عنقه وخرج يريد أرض كنعان، وكان بها يعقوب، فلمّا قرب منه صرّ التابوت صرّة سمعها يعقوب فقال لبنيه: أقسم بالله لقد جاءكم قيذار بالتابوت فقوموا نحوه، فقام يعقوب وأولاده جميعاً إليه، فلمّا نظر يعقوب إلى قيذار استعبر باكياً وقال: يا قيذار مالي أرى لونك متغيراً وقوتك ضعيفة، أرهقك عدوّ أم أتيت معصية قد رابتك؟ فقال: ما رهقني عدوّ ولا أتيت معصية ولكن نُقل من ظهري نور محمد صلى الله عليه وسلم فلذلك تغيّر لوني وضعف ركني. قال: أفمن بنات إسحاق؟ قال: لا في العربية الجرْهمية وهي الغاضرة، قال يعقوب: بخ بخ بشّرها بمحمد، لم يكن الله عزّ وجلّ ليخزنه إلاّ في العربيات الطاهرات، يا قيذار وأنا مبشّرك ببشارة قال: وما هي؟ قال: اعلم أنّ الغاضرة قد ولدت لك البارحة غلاماً، قال قيذار: وما علمك يابن عمي وأنت بأرض الشام وهي بأرض الجرهم؟ قال يعقوب: علمت ذلك لأني رأيت أبواب السماء قد فتحت، ورأيت نوراً كالقمر الممدود من السماء والأرض، ورأيت الملائكة ينزلون من السماء بالبركات والرحمة، فعلمت أن ذلك من أجل محمد صلى الله عليه وسلم. فسلّم قيذار التابوت إلى يعقوب ورجع إلى أهله فوجدها قد ولدت غلاماً فسمّاه (حمد)، وفيه نور محمد عليه السلام. قالوا: وكان التابوت في بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى وكان موسى يضع فيه التوراة ومتاعاً من متاعه، وكان عنده إلى أن مات، ثم تداولته أنبياء بني إسرائيل إلى وقت إشمويل فوصل إلى إشمويل وقد تكامل أمر التابوت بما فيه، وكان فيه ما ذكر الله. {فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} واختلفوا في السكينة ما هي؟ فقال علي عليه السلام: السكينة ريح خجوج حفّافة لها رأسان ووجه كوجه الإنسان. مجاهد: لها رأس كرأس الهرّة وذَنَب كذنب الهرّة وجناحان. ابن إسحاق عن وهب عن بعض علماء بني إسرائيل: السكينة هرّة ميّتة كانت إذا صرخت في التابوت بصراخ هرّ أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح. السدّي عن أبي مالك عن ابن عباس: هي طست من ذهب من الجنة كان يغسل فيها قلوب الأنبياء. بكّار بن عبد الله عن وهب بن منبه: روح من الله عزّ وجلّ يتكلم، إذا اختلفوا في شيء تكلّمَ فأخبرهم ببيان ما يريدون. عطاء بن أبي رياح: هي ما تعرفون من الآيات فتسكنون إليها. قتادة والكلبي: فعيلة من السكون أي طمأنينة من ربكم وفي أيّ مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا. الربيع: رحمة من ربّكم. {وَبَقِيَّةٌ} وهي الباقي، فعيلة من البقاء والهاء فيه للمبالغة {مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ} يعني موسى وهارون نفسهما. قال جميل: شعر : بثينة من آل النساء وإنما يكنّ لأدنى لا وصال الغائب تفسير : أي من النساء، والآل الشخص أيضاً، وأصله أهل بُدّلت الهاء همزة، فإذا صغّروا الآل قالوا: أُهيل ردّوه إلى الأصل. قال المفسرون: كان فيه عصا موسى ورضاض الألواح أي كسره، وذلك أن موسى لمّا ألقى الألواح انكسرت فرفع بعضها وجمع ما بقي؛ فجعله في التابوت وكان فيه أيضاً لوحان من التوراة وقفيز من المنّ الذي كان ينزل عليهم، ونعلا موسى وعمامة هارون وعصاه، وقالوا: وكان عند بني إسرائيل، وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم، فإذا حضروا القتال قدّموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوّهم؛ فلمّا عصوا وفسدوا سلّط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه. وكان السبب في ذلك أنّه كان لعيلي الذي ربي إشمويل ابنان شابان وكان عيلي خيرهم وصاحب قربانهم ما حدّث ابناه في القربان شيئاً لم يكن فيه كان في مشوط القربان الذي كانوا يشوطونه به [كلاليب] فما ما كان عليهما كان للكاهن الذي يشوطه فجعل ابناه كلاليب. وكان النساء يصلين في المقدس فجعلا يتشبثان بهنّ أيضاً فأوحى الله عزّ وجلّ إلى إشمويل انطلق إلى عيلي فقل له: منعك حب الولدان زجر ابنيك أن يحدثا في قرباني وقدسي وأن يعصياني فلأنزعن منك الكهانة ومن ولدك، ولأُهلكنّه وإياهما. فأخبر إشمويل عيلي بذلك ففزع فزعاً شديداً فسار إليهم عدوّ ممن حولهم، فأمر ابنيه أن يخرجا بالناس ويقاتلا ذلك العدو فخرجا، وأخرجا معهما التابوت، فلمّا تهيّأؤا للقتال جعل عيلي يتوقع الخبر: ماذا صنعوا؟ فجاءه رجل وهو قاعد على كرسيّه أنّ الناس قد هُزموا وأن ابنيك قد قُتلا، قال: فما فُعل بالتابوت، قال: قد ذهب به العدو فشهق ووقع على قفاه من كرسيّه ومات، فمرج أمر بني إسرائيل واختلّ وتفرّقوا إلى أن بعث الله طالوت ملكاً، فسألوا البيّنة، وقال لهم نبيّهم: إنّ آية ملكه أن يأتيكم التابوت. وكان قصة اتيان التابوت أنّ الذين سبوا التابوت أتوا به قرية من قرى فلسطين يقال لها أزدود، وجعلوه في بيت صنم لهم، وضعوه تحت الصنم الأعظم، وأصبحوا من الغد والصنم تحته فأخذوه ووضعوه فوقه وشدّدوا قدمي الصنم على التابوت، وأصبحوا من الغد وقد قطّعت يدا الصنم ورجلاه، وأصبح يلقى تحت التابوت، وأصبحت أصنامهم كلّها منكّسة؛ فأخرجوه من بيت الصنم ووضعوه في ناحية من مدينتهم، فأخذ أهلَ تلك الناحية وجعٌ في أعناقهم حتى هلك أكثرهم. فقال بعضهم لبعض: أليس قد علّمتكم أن إله بني إسرائيل لا يقوم له شيء فأخرجوه من مدينتكم، فأخرجوه إلى قرية أخرى فبعث الله عزّ وجلّ على أهل تلك القرية فأراً [تقرص] الفأرة الرجل فيصبح ميّتاً قد أكلت ما في جوفه من دبره، وأخرجوه منه إلى الصحراء ودفنوه في مخرأة لهم؛ فكان كل من تبرّز هناك أخذه الناسور والقولنج؛ فبقوا في ذلك فتحيروا فقالت لهم امرأة كانت عندهم من سبي بني إسرائيل من أولاد الأنبياء: لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام هذا التابوت فيكم فأخرجوه عنكم فأتوا بعجلة بإشارة تلك المرأة وحملوا عليها التابوت، ثم علّقوها على ثورين وضربوا جنوبهما فأقبل الثوران يسيران، ووكّل الله عزّ وجلّ بها أربعة من الملائكة يسوقونها، فلم يمسّ التابوت بشيء من الأرض إلاّ كان مقدّساً، فأقبلا حتى وقفا على أرض بني إسرائيل فكسرا بقرنهما وطفقا جناحهما، ووضعوا التابوت في أرض فيها حصاد لبني إسرائيل ورجعا إلى أرضهما، فلم تدعُ بنو إسرائيل إلاّ بالتابوت فكبّروا وحمدوا الله عزّ وجلّ واستوسقوا على طالوت فذلك قوله: {تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} أي تسوقه. وقال ابن عباس: جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتّى وضعته عند طالوت. وقرأ ابن مسعود ومجاهد والأعمش (تحمله الملائكة) بالياء. وقال قتادة: بل كان التابوت في التيه جعله موسى عند يوشع بن نون فبقي هنالك فحملته الملائكة حتى وضعته في دار طالوت فأقرّوا بملكه. وقال ابن زيد: غير راضين. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} لعبرة {لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} قال ابن عباس: إنّ التابوت وعصا موسى في الجيزة الطبريّة وأنّهما يخرجان قبل يوم القيامة.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هم الذين طلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكاً. وكان يكفي - إذن - أن يختار نبيهم شخصاً ويوليه الملك عليهم. لكن نبيهم أراد أن يغرس الاحترام منهم في المبعوث كملك لهم. لقد قال لهم: {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} [البقرة: 247]. والنبي القائل ذلك ينتمي إليهم، وهو منهم، وعندما طلبوا منه أن يبعث لهم ملكاً كانوا يعلمون أنه مأمون على ذلك. ويتجلى أدب النبوة في التلقي، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} [البقرة: 247]. إنه يريد أن يطمئنهم على أن مسألة اختيار طالوت كملك ليست منه؛ لأنه بشر مثلهم، وهو يريد أن ينحي قضيته البشرية عن هذا الموضوع، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} [البقرة: 247]. فماذا كان ردهم؟ {قَالُوۤاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ} [البقرة: 247]. وهذه بداية التلكؤ واللجاجة ونقل الأمر إلى مسألة ليست من قضايا الدين. إنهم يريدون الوجاهة والغنى. وكان يجب عليهم أن يأخذوا المسألة على أن الملك جاء لصالحهم، لأنهم هم الذين طلبوه ليقودهم في الحرب. إذن فأمر اختيار الملك كان لهم ولصالحهم، فلماذا يتصورون أن الاختيار كان ضدهم وليس لمصلحتهم؟ شيء آخر نفهمه من قولهم: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا} [البقرة: 247]، إن طالوت هذا لم يكن من الشخصيات المشار إليها؛ فمن العادة حين يَحزُب الأمر في جماعة من الجماعات أن تفكر فيمن يقود، فعادة ما يكون هناك عدد من الشخصيات اللامعة التي يدور التفكير حولها، وتظن الجماعة أنه من الممكن أن يقع على واحد منهم الاختيار، وكان اختيار السماء لطالوت على عكس ما توقعت تلك الجماعة. لقد جاء طالوت من غمار القوم بدليل أنهم قالوا: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ} [البقرة: 247] أي لم يؤت الملك من قبل. ولقد كانوا ينتمون إلى نسلين: نسل أخذ النبوة وهو نسل بنيامين، ونسل أخذ الملوكية وهو نسل لاوى بن يعقوب. فلما قال لهم: {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} [البقرة: 247]، بدأوا يبحثون عن صحيفة النسب الخاصة به فلم يجدوه منتمياً لا لهذا ولا لذاك، ولذلك قالوا: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا} [البقرة: 247]. وهذا يدلنا على أن الناس حين يريدون وضعاً من الأوضاع لا يريدون الرجل المناسب للموقف، ولكن يريدون الرجل المناسب لنفوسهم، بدليل قولهم: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ} [البقرة: 247]. وهل الملك يأتي غطرسة أو كبرياء؟ وما دام طالوت رجلاً من غمار الناس فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يضع قضية كل مؤمن وهي أنك حين تريد الاختيار فإياك أن يغشك حسب أو نسب أو جاه، ولكن اختر الأصلح من أهل الخبرة لا من أهل الثقة. لقد تناسوا أن القضية التي طلبوها من نبيهم تحتاج إلى صفتين: رجل جسيم ورجل عليم، والله اختار لهم طالوت رجلاً جسيماً وعليماً معاً. وعندما نتأمل سياق الآيات فإننا نجد أن الله قال لهم في البداية: {بَعَثَ لَكُمْ} [البقرة: 247] حتى لا يحرج أحداً منهم في أن طالوت أفضل منه، ولكن عندما حدث لجاج قال لهم: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 247] وهو بهذا القول يؤكد إنه لا يوجد فيكم من أهل البسطة والجسامة من يتمتع بصفة العلم. وكذلك لا يوجد من أهل العلم فيكم من يتمتع بالبسطة والجسامة {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ} [البقرة: 247]. وكان يجب أن يستقبلوا اصطفاء الله طالوت للملك بالقبول والرضى فما بالك وقد زاده بسطة في العلم والجسم؟ والبسطة في العلم والجسم هي المؤهلات التي تناسب المهمة التي أرادوا من أجلها ملكاً لهم. ولذلك يقول الحق: {وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ} [البقرة: 247] وكأن الحق يقول لهم: لا تظنوا أنكم أنتم الذين ترشحون لنا الملك المناسب، يكفيكم أنكم طلبتم أن أرسل لكم ملكاً فاتركوني بمقاييسي اختر الملك المناسب. ويختم الحق الآية بقوله: {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 247] أي عنده لكل مقام مقال، ولكل موقع رجل، وهو سبحانه عليم بمن يصلح لهذه المهمة. ومن يصلح لتلك، لا عن ضيق أو قلة رجال، ولكن عن سعة وعلم. لقد استقبلوا هذا الاختيار الإلهي باللجاج، واللجاج نوع من العناد ولا ينهيه إلا الأمر المشهدي المرئي الذي يلزم بالحجة، لذلك كان لابد من مجيء معجزة. لذلك يأتي قوله الحق: {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} معناهُ اخْتَارهُ فملكَهُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ} فالبسطَةُ: الزِّيادَةُ والبسْطَةُ: الطّولُ.