Verse. 253 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

اَلَمْ تَرَ اِلَى الْمَلَاِ مِنْۢ بَنِىْۗ اِسْرَاۗءِيْلَ مِنْۢ بَعْدِ مُوْسٰى۝۰ۘ اِذْ قَالُوْا لِنَبِىٍّ لَّہُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِيْ سَبِيْلِ اؘ۝۰ۭ قَالَ ھَلْ عَسَيْتُمْ اِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ اَلَّا تُقَاتِلُوْا۝۰ۭ قَالُوْا وَمَا لَنَاۗ اَلَّا نُقَاتِلَ فِيْ سَبِيْلِ اللہِ وَقَدْ اُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَاَبْنَاۗىِٕنَا۝۰ۭ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْہِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا اِلَّا قَلِيْلًا مِّنْہُمْ۝۰ۭ وَاللہُ عَلِيْمٌۢ بِالظّٰلِـمِيْنَ۝۲۴۶
Alam tara ila almalai min banee israeela min baAAdi moosa ith qaloo linabiyyin lahumu ibAAath lana malikan nuqatil fee sabeeli Allahi qala hal AAasaytum in kutiba AAalaykumu alqitalu alla tuqatiloo qaloo wama lana alla nuqatila fee sabeeli Allahi waqad okhrijna min diyarina waabnaina falamma kutiba AAalayhimu alqitalu tawallaw illa qaleelan minhum waAllahu AAaleemun bialththalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم تر إلى الملأ» الجماعة «من بني إسرائيل من بعد» موت «موسى» أي إلى قصتهم وخبرهم «إذ قالوا لنبي لهم» هو شمويل «ابعث» أقم «لنا ملكا نقاتل» معه «في سبيل الله» تنتظم به كلمتنا ونرجع إليه «قال» النبي لهم «هل عسَيتم» بالفتح والكسر «إن كتب عليكم القتال أ» ن «لا تقاتلوا» خبر عسى والاستفهام لتقرير التوقع بها «قالوا وما لنا أ» ن «لا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا» بسبيهم وقتلهم وقد فعل بهم ذلك قوم جالوت أي لا مانع لنا منه مع وجود مقتضيه قال تعالى: «فلما كُتب عليهم القتال تولوا» عنه وجبنوا «إلا قليلا منهم» وهم الذين عبروا النهر مع طالوت كما سيأتي «والله عليم بالظالمين» فمجازيهم وسأل النبي إرسال ملك فأجابه إلى إرسال طالوت.

246

Tafseer

الرازي

تفسير : القصـة الثانيـة قصـة طالـوت الملأ الأشراف من الناس، وهو اسم الجماعة، كالقوم والرهط والجيش، وجمعه أملاء، قال الشاعر:شعر : وقال لها الأملاء من كل معشر وخير أقاويل الرجال سديدها تفسير : وأصلها من الملء، وهم الذين يملأون العيون هيبة ورواء، وقيل: هم الذين يملأون المكان إذا حضروا، وقال الزجاج: الملأ الرؤساء، سموا بذلك لأنهم يملأون القلوب بما يحتاج إليه، من قولهم: ملأ الرجل يملأ ملأة فهو ملىء. قوله تعالى: {إِذْ قَالُواْ لِنَبِىّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا } في الآية مسائل: المسألة الأولى: تعلق هذه الآية بما قبلها من حيث إنه تعالى لما فرض القتال بقوله: {أية : وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 244] ثم أمرنا بالإنفاق فيه لما له من التأثير في كمال المراد بالقتال ذكر قصة بني إسرائيل، وهي أنهم لما أمروا بالقتال نكثوا وخالفوا فذمهم الله تعالى عليه، ونسبهم إلى الظلم والمقصود منه أن لا يقدم المأمورون بالقتال من هذه الأمة على المخالفة، وأن يكونوا مستمرين في القتال مع أعداء الله تعالى. المسألة الثانية: لا شك أن المقصود الذي ذكرناه حاصل، سواء علمنا أن النبـي من كان من أولئك، وأن أولئك الملأ من كانوا أو لم نعلم شيئاً من ذلك، لأن المقصود هو الترغيب في باب الجهاد وذلك لا يختلف، وإنما يعلم من ذلك النبـي ومن ذلك الملأ بالخبر المتواتر وهو مفقود، وأما خبر الواحد فإنه لا يفيد إلا الظن، ومنهم من قال: إنه يوشع بن نون بن افرايم بن يوسف، والدليل عليه قوله تعالى: {مِن بَعْدِ مُوسَىٰ } وهذا ضعيف لأن قوله: {مِن بَعْدِ مُوسَىٰ } كما يحتمل الاتصال يحتمل الحصول من بعد زمان، ومنهم من قال: كان اسم ذلك النبـي أشمويل من بني هرون واسمه بالعربية: إسماعيل، وهو قول الأكثرين، وقال السدي: هو شمعون، سمته أمه بذلك، لأنها دعت الله تعالى أن يرزقها ولداً فاستجاب الله تعالى دعاءها، فسمته شمعون، يعني سمع دعاءها فيه، والسين تصير شيناً بالعبرانية، وهو من ولد لاوى بن يعقوب عليه السلام. المسألة الثالثة: قال وهب والكلبـي: إن المعاصي كثرت في بني إسرائيل، والخطايا عظمت فيهم، ثم غلب عليهم عدو لهم فسبـى كثيراً من ذراريهم، فسألوا نبيهم ملكاً تنتظم به كلمتهم ويجتمع به أمرهم، ويستقيم حالهم في جهاد عدوهم، وقيل تغلب جالوت على بني إسرائيل، وكان قوام بني إسرائيل بملك يجتمعون عليه يجاهد الأعداء، ويجري الأحكام، ونبـي يطيعه الملك، ويقيم أمر دينهم، ويأتيهم بالخبر من عند ربهم. أما قوله: {نُّقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } فاعلم أنه قرىء {نُّقَـٰتِلْ } بالنون والجزم على الجواب، وبالنون والرفع على أنه حال، أي ابعثه لنا مقدرين القتال، أو استئناف كأنه قيل: ما تصنعون بالملك، قالوا نقاتل، وقرىء بالياء والجزم على الجواب، وبالرفع على أنه صفة لقوله: {مَلَكًا } أما قوله: {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَن لا تُقَـٰتِلُواْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وحده {عَسَيْتُمْ } بكسر السين ههنا، وفي سورة محمد صلى الله عليه وسلم، واللغة المشهورة فتحها ووجه قراءة نافع ما حكاه ابن الأعرابـي أنهم يقولون: هو عسى بكذا وهذا يقوي {عَسَيْتُمْ } بكسر السين، ألا ترى أن عسى بكذا، مثل حري وشحيح وطعن أبو عبيدة في هذه القراءة فقال لو جاز ذلك لجاز {عَسَىٰ رَبُّكُمْ } أجاب أصحاب نافع عنه من وجهين الأول: أن الياء إذا سكنت وانفتح ما قبلها حصل في التلفظ بها نوع كلفة ومشقة، وليست الياء من {عَسَى } كذلك، لأنها وإن كانت في الكتابة ياء إلا أنها في اللفظ مدة، وهي خفيفة فلا تحتاج إلى خفة أخرى. والجواب الثاني: هب أن القياس يقتضي جواز {عَسَىٰ رَبُّكُمْ } إلا أنا ذكرنا أنهما لغتان، فله أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحداهما في موضع والأخرى في موضع آخر. المسألة الثانية: خبر {هَلْ عَسَيْتُمْ } وهو قوله: {أَن لا تُقَـٰتِلُواْ } والشرط فاصل بينهما، والمعنى هل قاربتم أن تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال فأدخل {هَلُ } مستفهماً عما هو متوقع عنده ومظنون، وأراد بالاستفهام التقرير، وثبت أن المتوقع كائن له، وأنه صائب في توقعه كقوله تعالى: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ حِينٌ مّنَ ٱلدَّهْرِ } معناه التقرير، ثم إنه تعالى ذكر أن القوم قالوا: {وَمَا لَنَا أَن لا نُّقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } وهذا يدل على ضمان قوي خصوصاً واتبعوا ذلك بعلة قوية توجب التشدد في ذلك، وهو قولهم: {وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَـٰرِنَا وَأَبْنَائِنَا } لأن من بلغ منه العدو هذا المبلغ فالظاهر من أمره الاجتهاد في قمع عدوه ومقاتلته. فإن قيل: المشهور أنه يقال: مالك تفعل كذا؟ ولا يقال: مالك أن تفعل كذا؟ قال تعالى: {أية : مَالَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } تفسير : [نوح: 13] وقال: {أية : وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } تفسير : [الحديد: 8]. والجواب من وجهين: الأول: وهو قول المبرد: أن {مَا } في هذه الآية جحد لا استفهام كأنه قال: ما لنا نترك القتال، وعلى هذا الطريق يزول السؤال. الوجه الثاني: أن نسلم أن {مَا } ههنا بمعنى الاستفهام، ثم على هذا القول وجوه الأول: قال الأخفش: أن ههنا زائدة، والمعنى: ما لنا لا نقاتل وهذا ضعيف، لأن القول بثبوت الزيادة في كلام الله خلاف الأصل الثاني: قال الفراء: الكلام ههنا محمول على المعنى، لأن قولك: مالك لا تقاتل معناه ما يمنعك أن تقاتل؟ فلما ذهب إلى معنى المنع حسن إدخال أن فيه قال تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } تفسير : [صۤ: 75] وقال:{أية : مَـٰلِكَ أَن لا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ } تفسير : [الحجر: 32] الثالث: قال الكسائي: معنى {وَمَا لَنَا أَن لا نُّقَـٰتِلْ } أي شيء لنا في ترك القتال؟ ثم سقطت كلمة {فِى } ورجح أبو علي الفارسي، قول الكسائي على قول الفراء، قال: وذلك لأن على قول الفراء لا بد من إضمار حرف الجر، والتقدير: ما يمنعنا من أن نقاتل، إذا كان لا بد من إضمار حرف الجر على القولين، ثم على قول الكسائي يبقى اللفظ مع هذا الإضمار على ظاهره، وعلى قول الفراء لا يبقى، فكان قول الكسائي لا محالة أولى وأقوى. أما قوله: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ } فاعلم أن في الكلام محذوفاً تقديره: فسأل الله تعالى ذلك فبعث لهم ملكاً وكتب عليهم القتال فتولوا. أما قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } فهم الذين عبروا منهم النهر وسيأتي ذكرهم، وقيل: كان عدد هذا القليل ثلثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ } أي هو عالم بمن ظلم نفسه حين خالف ربه ولم يف بما قيل من ربه، وهذا هو الذي يدل على تعلق هذه الآية بقوله قبل ذلك: {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } فكأنه تعالى أكد وجوب ذلك بأن ذكر قصة بني إسرائيل في الجهاد وعقب ذلك بأن من تقدم على مثله فهو ظالم والله أعلم بما يستحقه الظالم وهذا بين في كونه زجراً عن مثل ذلك في المستقبل وفي كونه بعثاً على الجهاد، وأن يستمر كل مسلم على القيام بذلك، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : ذكر في التحريض على القتال قصة أُخرى جرت في بني إسرائيل. والملأ: الأشراف من الناس، كأنّهم ممتلئون شرفاً. وقال الزجاج: سموا بذلك لأنهم ممتلئون مما يحتاجون إليه منهم. والملأ في هذه الآية القوم؛ لأنّ المعنى يقتضيه. والملأ: ٱسم للجمع كالقوم والرهط. والملأ أيضاً: حسن الخلقِ، ومنه الحديث: «حديث : أحسِنوا المَلأ فكلكم سَيَرْوَى»تفسير : خرجه مسلم. قوله تعالى: {مِن بَعْدِ مُوسَىۤ} أي من بعد وفاته. {إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً} قيل: هو شَمْوِيل بن بال بن علقمة ويعرف بٱبن العجوز. ويقال فيه: شمعون، قاله السدّيّ: وإنما قيل: ابن العجوز لأن أُمّه كانت عجوزاً فسألتِ الله الولد وقد كبِرت وعَقِمَت فوهبه الله تعالى لها. ويقال له: سَمْعُون لأنها دعت الله أن يرزقها الولد فسمِع دعاءها فولدت غلاماً فسمته «سمعون»، تقول: سمع الله دعائي، والسين تصير شينا بلغة العبرانية، وهو من ولد يعقوب. وقال مقاتل: هو من نَسْل هارون عليه السلام. وقال قتادة: هو يوشع بن نون. قال ابن عطية: وهذا ضعيف لأنّ مدّة داود هي من بعد موسى بقرون من الناس، ويوشع هو فتى موسى. وذكر المحاسِبيّ أن اسمه إسماعيل، والله أعلم. وهذه الآية هي خبر عن قوم من بني إسرائيل نالتهم ذِلة وغَلَبَةُ عدوّ فطلبوا الإذن في الجهاد وأن يؤمروا به، فلما أُمِروا كَعَّ أكثرهم وصبر الأقل فنصرهم الله. وفي الخبر أن هؤلاء المذكورين هم الذين أُميتوا ثم أُحيوا، والله أعلم. قوله تعالى: {نُّقَاتِلْ} بالنونِ والجَزْم وقراءة جمهور القرّاء على جواب الأمر. وقرأ الضحاك وابن أبي عَبْلة بالياءِ ورفع الفعلِ، فهو في موضع الصفة للملك. قوله تعالى: {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ} و «عَسِيْتُمْ» بالفتح والكسر لغتان، وبالثانية قرأ نافع، والباقون بالأُولى وهي الأشهر. قال أبو حاتم: وليس للكسر وجه، وبه قرأ الحسن وطلحة. قال مكيّ في اسم الفاعل: عَسٍ، فهذا يدل على كسر السين في الماضي. والفتح في السين هي اللغة الفاشية. قال أبو عليّ: ووجه الكسر قول العرب: هو عسٍ بذلك، مثل حرٍ وشَج، وقد جاء فَعل وفَعِل في نحو نَعَم ونعِم، وكذلك عَسَيت وعَسِيت، فإن أسند الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم أن يقال: عَسِيَ زيد، مثل رَضِيَ زيد، فإن قيل فهو القياس، وإن لم يقل، فسائغ أن يؤخذ باللغتين فتستعمل إحداهما موضع الأُخرى. ومعنى هذه المقالة: هل أنتم قريب من التولي والفِرار؟. {إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ} قال الزجاج: «ألاّ تُقاتِلُوا» في موضع نصب، أي هل عسيتم مقاتلة. {قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} قال الأخفش: «أن» زائدة. وقال الفرّاء: هو محمول على المعنى، أي وما منعنا، كما تقول: مالَكَ ألاّ تصلِّي؟ أي ما منعك. وقيل: المعنى وأيّ شيء لنا في ألاّ نقاتل في سبيل الله! قال النحاس: وهذا أجودها. «وأن» في موضع نصب. {وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا} تعليل، وكذلك {وَأَبْنَآئِنَا} أي بسبب ذرارِينا. قوله تعالى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ} أي فرِض عليهم {ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ} أخبر تعالى أنه لما فَرض عليهم القتال ورَأُوا الحقيقة ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب وأن نفوسهم ربما قد تذهب «تَوَلَّوْا» أي اضطربت نياتُهم وفَتَرت عزائمهم، وهذا شأن الأُمم المتنعِّمَة المائلة إلى الدَّعَة تتمنّى الحرب أوقات الأنفة فإذا حَضرتِ الحرب كَعَّت وانقادت لِطبعها. وعن هذا المعنى نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : لا تتمنوا لِقاء العدوّ وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فٱثْبُتُوا»تفسير : رواه الأئمة. ثم أخبر الله تعالى عن قليل منهم أنهم ثَبَتُوا على النية الأُولى واستمرّت عزيمتهم على القتال في سبيل الله تعالى.

البيضاوي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِى إِسْرءيلَ } {ٱلْمَلاَ } جماعة يجتمعون للتشاور، ولا واحد له كالقوم ومن للتبعيض. {مِن بَعْدِ مُوسَىٰ } أي من بعد وفاته ومن للابتداء. {إِذْ قَالُواْ لِنَبِىّ لَّهُمُ } هو يوشع، أو شمعون، أو شمويل عليهم السلام. {ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَـٰتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } أقم لنا أميراً ننهض معه للقتال يدبر أمره ونصدر فيه عن رأيه، وجزم نقاتل على الجواب. وقرىء بالرفع على أنه حال أي أبعثه لنا مقدرين القتال، ويقاتل بالياء مجزوماً ومرفوعاً على الجواب والوصف لملكا. {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَـٰتِلُواْ} فصل بين عسى وخبره بالشرط، والمعنى أتوقع جبنكم عن القتال إن كتب عليكم، فأدخل هل على فعل التوقع مستفهماً عما هو المتوقع عنده تقريراً وتثبيتاً. وقرأ نافع {عَسَيْتُمْ } بكسر السين. {قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَـٰتِلَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَـٰرِنَا وَأَبْنَائِنَا} أيْ أيُّ غرض لنا في ترك القتال وقد عرض لنا ما يوجبه ويحث عليه من الإخراج عن الأوطان والإفراد عن الأولاد، وذلك أن جالوت ومن معه من العمالقة كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، فظهروا على بني إسرائيل فأخذوا ديارهم وسبوا أولادهم وأسروا من أبناء الملوك أربعمائة وأربعين. {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمْ } ثلاثمائة وثلاثة عشر بعدد أهل بدر {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ } وعيد لهم على ظلمهم في ترك الجهاد.

ابن كثير

تفسير : قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: هذا النبي هو يوشع بن نون، قال ابن جرير: يعني: ابن أفرايم بن يوسف بن يعقوب، وهذا القول بعيد؛ لأن هذا كان بعد موسى بدهر طويل، وكان ذلك في زمان داود عليه السلام؛ كما هو مصرح به في القصة، وقد كان بين داود وموسى ما ينيف عن ألف سنة، والله أعلم. وقال السدي: هو شمعون. وقال مجاهد: هو شمويل عليه السلام، وكذا قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: وهو شمريل بن بالي بن علقمة بن ترخام بن إليهو بن تهو بن صوف بن علقمة بن ماحث بن عموصا بن عزريا بن صفنيه بن علقمة بن أبي ياسف بن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام. وقال وهب بن منبه وغيره: كان بنو إسرائيل بعد موسى عليه السلام على طريق الاستقامة مدة من الزمان، ثم أحدثوا الأحداث، وعبد بعضهم الأصنام، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويقيمهم على منهج التوراة، إلى أن فعلوا ما فعلوا، فسلط الله عليهم أعداءهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا خلقاً كثيراً، وأخذوا منهم بلاداً كثيرة، ولم يكن أحد يقاتلهم إلا غلبوه، وذلك أنهم كان عندهم التوراة، والتابوت الذي كان في قديم الزمان، وكان ذلك موروثاً لخلفهم عن سلفهم إلى موسى الكليم عليه الصلاة والسلام، فلم يزل بهم تماديهم على الضلال حتى استلبه منهم بعض الملوك في بعض الحروب، وأخذوا التوراة من أيديهم، ولم يبق من يحفظها فيهم إلا القليل، وانقطعت النبوة من أسباطهم، ولم يبق من سبط لاوي الذي يكون فيه الأنبياء إلا امرأة حامل من بعلها وقد قتل، فأخذوها فحبسوها في بيت، واحتفظوا بها لعل الله يرزقها غلاماً يكون نبياً لهم، ولم تزل المرأة تدعو الله عز وجل أن يرزقها غلاماً، فسمع الله لها ووهبها غلاماً، فسمته شمويل، أي: سمع الله دعائي، ومنهم من يقول: شمعون، وهو بمعناه، فشب ذلك الغلام، ونشأ فيهم، وأنبته الله نباتاً حسناً، فلما بلغ سن الأنبياء، أوحى الله إليه، وأمره بالدعوة إليه وتوحيده، فدعا بني إسرائيل، فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكاً يقاتلون معه أعداءهم، وكان الملك أيضاً قد باد فيهم، فقال لهم النبي: فهل عسيتم إن أقام الله لكم ملكاً ألا تقاتلوا وتفوا بما التزمتم من القتال معه؟ {قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَـٰتِلَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَـٰرِنَا وَأَبْنَآئِنَا} أي: وقد أخذت منا البلاد وسبيت الأولاد، قال الله تعالى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمِينَ} أي: ما وفوا بما وعدوا، بل نكل عن الجهاد أكثرهم، والله عليم بهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ } الجماعة {مِن بَنِى إِسْرءيلَ مِن بَعْدِ } موت {مُوسَىٰ } أي إلى قصتهم وخبرهم {إِذْ قَالُواْ لِنَبِىّ لَّهُمُ } هو شمويل {ٱبَعَثَ } أقم {لَنَا مَلِكًا نُّقَٰتِلْ } معه {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } تنتظم به كلمتنا ونرجع إليه {قَالَ } النبي لهم {هَلْ عَسَيْتُمْ } بالفتح والكسر {إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أ }ن {لا تُقَٰتِلُواْ } خبر (عسى) والاستفهام لتقرير التوقع بها {قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَٰتِلَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبْنَائِنَا } بسببهم وقتلهم، وقد فَعَلَ بهم ذلك قوم جالوت أي لا مانع لنا منه مع وجود مقتضيه قال تعالى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ } عنه وجبنوا {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } وهم الذين عبروا النهر مع طالوت كما سيأتي {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّٰلِمينَ } فمجازيهم وسأل النبي ربه إرسال مَلِكٍ فأجابه إلى إرسال طالوت.

الشوكاني

تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ } الكلام فيه كالكلام في قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ }تفسير : [البقرة: 243] وقد قدمناه. والملأ: الأشراف من الناس، كأنهم ملئوا شرفاً. وقال الزجاج: سموا بذلك؛ لأنهم مَلِئون بما يحتاج إليه منهم، وهو: اسم جمع كالقوم، والرهط. ذكر الله سبحانه في التحريض على القتال قصة أخرى جرت في بني إسرائيل بعد القصة المتقدمة، وقوله: {مِن بَعْدِ مُوسَىٰ } "من" ابتدائية، وعاملها مقدر، أي: كائنين من بعد موسى، أي: بعد وفاته. وقوله: {لِنَبِىّ لَّهُمُ } قيل: هو شمويل بن يار ابن علقمة، ويعرف بابن العجوز، ويقال فيه: شمعون، وهو: من ولد يعقوب، وقيل: من نسل هارون، وقيل: هو يوشع بن نون، وهذا ضعيف جداً؛ لأن يوشع هو فتى موسى، ولم يوجد داود، إلا بعد ذلك بدهر طويل. وقيل: اسمه إسماعيل. وقوله: {ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًا } أي: أميراً نرجع إليه، ونعمل على رأيه. وقوله: {نُّقَـٰتِلْ } بالنون، والجزم على جواب الأمر، وبه قرأ الجمهور. وقرأ الضحاك، وابن أبي عبلة بالياء، ورفع الفعل على أنه صفة للملك. وقرىء بالنون، والرفع على أنه حال، أو كلام مستأنف. وقوله: {هَلْ عَسَيْتُمْ } بالفتح للسين، وبالكسر لغتان، وبالثانية قرأ نافع، وبالأولى قرأ الباقون. قال في الكشاف: وقراءة الكسر ضعيفة. وقال أبو حاتم: ليس للكسر وجه. انتهى. وقال أبو علي: وجه الكسر قول العرب: هو عَس بذلك، مثل حَرٍ وشَجٍ، وقد جاء فَعَل وفَعِل في نحو نَقَم ونَقِم، فكذلك عسيت وعسيت، وكذا قال مكي. وقد قرأ بالكسر أيضاً الحسن وطلحة فلا وجه لتضعيف ذلك، وهو من أفعال المقاربة، أي: هل قاربتم أن لا تقاتلوا، وإدخال حرف الاستفهام على فعل المقاربة لتقرير ما هو متوقع عنده، والإشعار بأنه كائن، وفصل بين عسى، وخبرها بالشرط للدلالة على الاعتناء به. قال الزجاج: أن لا تقاتلوا في موضع نصب، أي: هل عسيتم مقاتلة. قال الأخفش: «أن» في قوله: {وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَـٰتِلَ } زائدة. وقال الفراء: هو محمول على المعنى، أي: وما منعنا، كما تقول مالك ألا تصلي، وقيل: المعنى: وأي شيء لنا في أن لا نقاتل. قال النحاس: وهذا أجودها. وقوله: {وَقَدْ أُخْرِجْنَا } تعليل، والجملة حالية، وإفراد الأولاد بالذكر؛ لأنهم الذين وقع عليهم السبي، أو لأنهم بمكان فوق مكان سائر القرابة {فَلَمَّا كُتِبَ } أي: فرض، أخبر سبحانه أنهم تولوا لاضطراب نياتهم، وفتور عزائمهم. واختلف في عدد القليل الذين استثناهم الله سبحانه، وهم الذين اكتفوا بالغَرْفةَ. وقوله {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ } شروع في تفصيل ما جرى بينهم وبين نبيهم من الأقوال والأفعال. وطالوت: اسم أعجمي، وكان سقاء، وقيل: دباغاً، وقيل: مكارياً، ولم يكن من سبط النبوة، وهم بنو لاوى، ولا من سبط الملك، وهم بنو يهوذا، فلذلك: {قَالُواْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا } أي: كيف ذلك؟ ولم يكن من بيت الملك، ولا هو ممن أوتي سعة من المال حتى نتبعه لشرفه، أو لماله. وهذه الجملة أعني قوله: {وَنَحْنُ أَحَقُّ } حالية وكذلك الجملة المعطوفة عليها. وقوله: {ٱصْطَفَـٰهُ عَلَيْكُمْ } أي: اختاره، واختيار الله هو الحجة القاطعة. ثم بين لهم مع ذلك وجه الاصطفاء: بأن الله زاده بسطة في العلم، الذي هو ملاك الإنسان، ورأس الفضائل، وأعظم وجوه الترجيح، وزاده بسطة في الجسم الذي يظهر به الأثر في الحروب، ونحوها، فكان قوياً في دينه، وبدنه، وذلك هو المعتبر، لا شرف النسب. فإن فضائل النفس مقدّمة عليه {وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء } فالملك ملكه، والعبيد عبيده، فما لكم والاعتراض على شيء ليس هو لكم، ولا أمره إليكم. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله: {وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء } من قول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو من قول نبيهم، وهو الظاهر. وقوله: {وٰسِعُ } أي: واسع الفضل، يوسع على من يشاء من عباده {عَلِيمٌ } بمن يستحق الملك، ويصلح له. والتابوت، فعلوت من التوب، وهو الرجوع؛ لأنهم يرجعون إليه، أي: علامة ملكه إتيان التابوت الذي أخذ منهم، أي: رجوعه إليكم، وهو صندوق التوراة. والسكينة فعيلة مأخوذة من السكون، والوقار، والطمأنينة أي: فيه سبب سكون قلوبكم فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت. قال ابن عطية: الصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء، وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك، وتأنس به، وتتقوى. وقد اختلف في السكينة على أقوال سيأتي بيان بعضها، وكذلك اختلف في البقية، فقيل: هي عصا موسى، ورُضَاض الألواح، وقيل: غير ذلك. قيل: والمراد بآل موسى، وهارون هما أنفسهما. أي: مما ترك هارون، وموسى، ولفظ "آل" مقحمة، لتفخيم شأنهما، وقيل المراد: الأنبياء من بني يعقوب؛ لأنهما من ذرية يعقوب، فسائر قرابته ومن تناسل منه آل لهما. وفصل معناه: خرج بهم، فَصَلْتُ الشيء، فانفصل أي: قطعته، فانقطع، وأصله مُتَعَدٍّ، يقال فصل نفسه، ثم استعمل استعمال اللازم كانفصل، وقيل: إن فصل يستعمل لازماً، ومتعدياً، يقال: فصل عن البلد فصولاً، وفصل نفسه فصلاً. والابتلاء: الاختبار. والنهر: قيل: هو بين الأردن، وفلسطين، وقرأه الجمهور {بنهر} بفتح الهاء. وقرأ حميد، ومجاهد، والأعرج بسكون الهاء. والمراد بهذا الابتلاء: اختبار طاعتهم، فمن أطاع في ذلك الماء أطاع فيما عداه، ومن عصى في هذا، وغلبته نفسه، فهو بالعصيان في سائر الشدائد أحرى، ورخص لهم في الغرفة؛ ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع، وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال، وفيه أن الغرفة تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش الدافعين أنفسهم عن الرفاهية. فالمراد بقوله: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ } أي: كرع، ولم يقتصر على الغرفة، و«من» ابتدائية. ومعنى قوله: {فَلَيْسَ مِنّى } أي: ليس من أصحابي. من قولهم: فلان من فلان، كأنه بعضه لاختلاطهما، وطول صحبتهما، وهذا مَهْيَع في كلام العرب معروف، ومنه قول الشاعر:شعر : إذا حَاولْتَ في أسَدٍ فجُوراً فَإني لستُ مِنْكَ وَلستَ منِّي تفسير : وقوله: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ } يقال طعمت الشيء أي: ذقته، وأطعمته الماء أي: أذقته، وفيه دليل على أن الماء يقال له طعام. والاغتراف: الأخذ من الشيء باليد، أو بآلة، والغرف مثل الاغتراف، والغَرفة المرة الواحدة. وقد قرىء بفتح الغين، وضمها، فالفتح للمرة، والضم اسم للشيء المغترف، وقيل: بالفتح الغَرفة بالكف الواحدة، وبالضم: الغرفة بالكفين، وقيل: هما لغتان بمعنى واحد، ومنه قول الشاعر:شعر : لا يَدْلفون إلى ماء بآنية إلا اغْتِرافاً من الغُدران بالرَّاح تفسير : قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً } سيأتي بيان عددهم، وقرىء «إلا قليل» ولا وجه له إلا ما قيل من أنه من هجر اللفظ إلى جانب المعنى أي: لم يعطه إلا قليل، وهو تعسف. قوله: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ } أي: جاوز النهر طالوت: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ } وهم القليل الذين أطاعوه، ولكنهم اختلفوا في قوّة اليقين، فبعضهم قال: {لاَ طَاقَةَ لَنَا } و {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ } أي: يتيقنون {أَنَّهُم مُلاَقُواْ ٱللَّهِ } والفئة: الجماعة، والقطعة منهم من فأوْتُ رأسه بالسيف أي: قطعته. وقوله {بَرَزُواْ } أي: صاروا في البراز، وهو المتسع من الأرض. وجالوت أمير العمالقة. قالوا: أي: جميع من معه من المؤمنين، والإفراغ يفيد معنى الكثرة. وقوله: {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } هذا عبارة، عن القوّة، وعدم الفشل، يقال: ثبت قدم فلان على كذا إذا استقرّ له، ولم يزل عنه، وثبت قدمه في الحرب إذا كان الغلب له، والنصر معه. قوله: {وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } هم جالوت، وجنوده. ووضع الظاهر موضع المضمر؛ إظهاراً لما هو العلة الموجبة للنصر عليهم، وهي كفرهم، وذكر النصر بعد سؤال تثبيت الأقدام، لكون الثاني هو غاية الأوّل. قوله: {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ } الهزم: الكسر، ومنه سقاء مُنَهَزِم أي: انثنى بعضه على بعض مع الجفاف، ومنه ما قيل في زمزم إنها هَزمَة جِبريل أي: هزمها برجله، فخرج الماء، والهزم: ما يكسر من يابس الحطب، وتقدير الكلام: فأنزل الله عليهم النصر {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أي: بأمره وإرادته. قوله: {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ } هو: داود بن إيشا بكسر الهمزة، ثم تحتية ساكنة بعدها معجمة. ويقال داود بن زكريا بن بشوى من سبط يهوذا بن يعقوب جمع الله له بين النبوّة، والملك بعد أن كان راعياً، وكان أصغر إخوته، اختاره طالوت لمقاتلة جالوت، فقتله. والمراد بالحكمة هنا: النبوّة، وقيل: هي تعليمه صنعة الدروع، ومنطق الطير، وقيل: هي إعطاؤه السلسلة التي كانوا يتحاكمون إليها. قوله: {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } قيل: إن المضارع هنا موضوع موضع الماضي، وفاعل هذا الفعل هو الله تعالى، وقيل: داود، وظاهر هذا التركيب أن الله سبحانه علمه مما قضت به مشيئته، وتعلقت به إرادته. وقد قيل: إن من ذلك ما قدّمنا من تعليمه صنعة الدروع، وما بعده. قوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ } قرأه الجماعة: «ولولا دفع الله» وقرأ نافع: «دفاع» وهما مصدران لدفع، كذا قال سيبويه. وقال أبو حاتم: دافع، ودفع واحد مثل: طرقت نعلي، وطارقته. واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور، وأنكر قراءة "دفاع"، قال: لأن الله عزّ وجلّ لا يغالبه أحد، قال مكي: يوهم أبو عبيدة أن هذا من باب المفاعلة، وليس به، وعلى القراءتين، فالمصدر مضاف إلى الفاعل: أي: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ } وبعضهم بدل من الناس، وهم الذين يباشرون أسباب الشرّ، والفساد ببعض آخر منهم، وهم الذين يكفونهم عن ذلك ويردّونهم عنه {لَفَسَدَتِ ٱلأرْضُ } لتغلب أهل الفساد عليها، وإحداثهم للشرور التي تهلك الحرث، والنسل، وتنكير {فضل} للتعظيم. {وآيات الله} هي: ما اشتملت عليه هذه القصة من الأمور المذكورة. والمراد {بِٱلْحَقّ } هنا: الخبر الصحيح الذي لا ريب فيه عند أهل الكتاب، والمطلعين على أخبار العالم. وقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } إخبار من الله سبحانه بأنه من جملة رسل الله سبحانه تقوية لقلبه، وتثبيتاً لجنانه، وتشييداً لأمره. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِى إِسْرءيلَ } قال هذا حين رفعت النبوّة، واستخرج أهل الإيمان، وكانت الجبابرة قد أخرجتهم من ديارهم، وأبنائهم {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ } وذلك حين أتاهم التابوت، قال: وكان من إسرائيل سبطان: سبط نبوّة، وسبط خلافة، فلا تكون الخلافة إلا في سبط الخلافة، ولا تكون النبوّة إلا في سبط النبوّة؛ فَقَالَ لَهُمُ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُواْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وليس من أحد السبطين لا من سبط النبوّة، ولا من سبط الخلافة {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰهُ عَلَيْكُمْ } فأبوا أن يسلموا له الرياسة حتى قال لهم: {إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ من ربكم وبقية} وكان موسى حين ألقى الألواح تكسرت، ورفع منها وجمع ما بقي، فجعله في التابوت، وكانت العمالقة قد سَبَتْ ذلك التابوت، والعمالقة فرقة من عاد كانوا بأريحاء، فجاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء، والأرض، وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت، فلما رأوا ذلك قالوا: نعم. فسلموا له، وملَّكُوه، وكانت الأنبياء إذا حضروا قتالاً قدّموا التابوت بين أيديهم، ويقولون: إن آدم نزل بذلك التابوت، وبالركن، وبعصى موسى من الجنة. وبلغني أن التابوت، وعصى موسى في بحيرة طبرية، وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة. وقد ورد هذا المعنى مختصراً، ومطولاً عن جماعة من السلف، فلا يأتي التطويل بذكر ذلك بفائدة يعتدّ بها. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي، عن أبي مالك عن ابن عباس {وَزَادَهُ بَسْطَةً } يقول: فضيلة {فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ } يقول: كان عظيماً جسيماً يفضل بني إسرئيل بعنقه. وأخرج أيضاً عن وهب بن منبه {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ } قال: العلم بالحرب. وأخرج ابن المنذر عنه: أنه سئل: أنبياً كان طالوت؟ قال: لا، لم يأته وحي، وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه: أنه سئل عن تابوت موسى ما سعته؟ قال: نحو من ثلاثة أذرع في ذراعين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: السكينة الرحمة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه قال: السكينة الطمأنينة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال: السكينة: دابة قدر الهرّ لها عينان لهما شعاع، وكان إذا التقى الجمعان أخرجت يديها، ونظرت إليهم، فيهزم الجيش من الرعب. وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن عليّ قال: السكينة: ريح خجوج، ولها رأسان. وأخرج عبد الرزاق، وأبو عبيد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه عن عليّ قال: السكينة: لها وجه كوجه الإنسان، ثم هي بعد ريح هفافة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: السكينة من الله كهيئة الريح، لها وجه كوجه الهِرّ، وجناحان، وذَنَب مثل ذَنب الهِرّ. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عباس قال: {فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ } قال: طست من ذهب من الجنة كان يغسل بها قلوب الأنبياء ألقى الألواح فيها. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه قال: هي روح من الله لا تتكلم، إذا اختلفوا في شيء تكلم، فأخبرهم ببيان ما يريدون. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: هي شيء تسكن إليه قلوبهم. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة قال {فيه سكينة}، أي: وقار. وأقول: هذه التفاسير المتناقضة لعلها وصلت إلى هؤلاء الأعلام من جهة اليهود أقماهم الله، فجاءوا بهذه الأمور لقصد التلاعب بالمسلمين رضي الله عنهم، والتشكيك عليهم، وانظر إلى جعلهم لها تارة حيواناً، وتارة جماداً، وتارة شيئاً لا يعقل، كقول مجاهد: كهيئة الريح لها وجه كوجه الهرّ، وجناحان، وذنب مثل ذنب الهرّ. وهكذا كل منقول عن بني إسرائيل يتناقض، ويشتمل على ما لا يعقل في الغالب، ولا يصح أن يكون مثل هذه التفاسير المتناقضة مروياً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا رأياً رآه قائله، فهم أجلّ قدراً من التفسير بالرأي، وبما لا مجال للاجتهاد فيه. إذا تقرّر لك هذا عرفت أن الواجب الرجوع في مثل ذلك إلى معنى السكينة لغة، وهو معروف، ولا حاجة إلى ركوب هذه الأمور المتعسفة المتناقضة، فقد جعل الله عنها سعة، ولو ثبت لنا في السكينة تفسير، عن النبي صلى الله عليه وسلم لوجب علينا المصير إليه، والقول به، ولكنه لم يثبت من وجه صحيح بل ثبت أنها تنزلت على بعض الصحابة عند تلاوته للقرآن، كما في صحيح مسلم، عن البراء قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وعنده فرس مربوط، فتغشته سحابة، فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال: حديث : تلك السكينة نزلت للقرآن. تفسير : وليس في هذا إلا أن هذه التي سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم سكينة: سحابة دارت على ذلك القاريء، فالله أعلم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَبَقِيَّةٌ مّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ } قال: عصاه، ورُضاض الألواح. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن أبي صالح قال: كان في التابوت عصى موسى، وعصى هارون، وثياب موسى، وثياب هارون، ولوحان من التوراة، والمنّ وكلمة الفرج: «لا إله إلا الله الحليم الكريم وسبحان الله ربّ السموات السبع، ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين». وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: {تَحْمِلُهُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } قال: أقبلت به الملائكة تحمله حتى وضعته في بيت طالوت، فأصبح في داره. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } قال: علامة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: {إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ } يقول: بالعطش، فلما انتهى إلى النهر، وهو نهر الأردن كرع فيه عامة الناس، فشربوا منه، فلم يزد من شرب منه إلا عطشاً، وأجزأ من اغترف غرفة بيده، وانقطع الظمأ عنه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير: {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمْ } قال: القليل ثلثمائة وبضعة عشر عدة أهل بدر. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن البراء قال: كنا أصحاب محمد نتحدّث أن أصحاب بدر على عدّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة. وقد أخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: «حديث : أنتم بعدّة أصحاب طالوت يوم لقي جالوت»تفسير : . وأخرج ابن عساكر من طريق جويبر، عن الضحاك عن ابن عباس قال: كانوا ثلاثمائة ألف وثلاثة الآف وثلاثمائة وثلاثة عشر، فشربوا منه كلهم إلا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدّة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فردّهم طالوت، ومضى ثلثمائة وثلاثة عشر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ في قوله: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ } قال: الذين يستيقنون. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان طالوت أميراً على الجيش، فبعث أبو داود مع داود بشيء إلى إخوته، فقال داود لطالوت: ماذا لي، وأقتل جالوت؟ فقال: لك ثلث ملكي، وأنكحك ابنتي، فأخذ مخلاة، فجعل فيها ثلاث مَرْوَات، ثم سمي إبراهيم، وإسحاق ويعقوب، ثم أدخل يده، فقاال: بسم الله إلهي، وإله آبائي إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فخرج على إبراهيم، فجعله في مرحمته، فرمى بها جالوت، فخرق ثلاثة وثلاثين بيضة عن رأسه، وقتلت ما وراءه ثلاثين ألفاً. وقد ذكر المفسرون أقاصيص كثيرة من هذا الجنس، والله أعلم. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ } قال: يدفع الله بمن يصلي عمن لا يصلي، وبمن يحج عمن لا يحج، وبمن يزكي عمن لا يزكي. وأخرج ابن عدي، وابن جرير بسند ضعيف عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء»تفسير : ثم قرأ ابن عمر: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ } الآية. وفي إسناده يحيـى بن سعيد العطار الحمصي، وهو ضعيف جداً.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ} الملأ: الجماعة. {مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِّيٍ لَهُم} اختلف أهل التأويل فيه على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه سمويل، وهو قول وهب بن منبه. والثاني: يوشع بن نون، وهو قول قتادة. والثالث: شمعون، سمّتْه أُمّه بذلك لأن الله سمع دعاءها فيه، وهو قول السدي. {ابْعَثْ لَنَا مَلَكاً نُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} في سبب سؤالهم لذلك قولان: أحدهما: أنهم سألوا ذلك لقتال العمالقة، وهو قول السدي. والثاني: أن الجبابرة الذين كانوا في زمانهم استزلوهم، فسألوا قتالهم، وهو قول وهب والربيع.

ابن عطية

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ} هذه الآية خبر عن قوم من بني إسرائيل نالتهم ذلة وغلبة عدو، فطلبوا الإذن في الجهاد وأن يؤمروا به، فلما أمروا كع أكثرهم وصبر الأقل، فنصرهم الله، وفي هذا كله مثال للمؤمنين يحذر المكروه منه ويقتدى بالحسن، و {الملأ} في هذه الآية جميع القوم، لأن المعنى يقتضيه، وهذا هو أصل اللفظة. ويسمى الأشراف الملأ تشبيهاً، وقوله {من بعد موسى} معناه من بعد موته وانقضاء مدته، واختلف المتأولون في النبي الذي قيل له {ابعث}، فقال ابن إسحاق وغيره عن وهب بن منبه: هو سمويل بن بالي: وقال السدي: هو شمعون وقال قتادة: هو يوشع ابن نون. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا قول ضعيف، لأن مدة داود هي بعد مدة موسى بقرون من الناس، ويوشع هو فتى موسى، وكانت بنو إسرائيل تغلب من حاربها، وروي أنها كانت تضع التابوت الذي فيه السكينة والبقية في مأزق الحرب، فلا تزال تغلب حتى عصوا وظهرت فيهم الأحداث. وخالف ملوكهم الأنبياء، واتبعوا الشهوات، وقد كان الله تعالى أقام أمورهم بأن يكون أنبياؤهم يسددون ملوكهم، فلما فعلوا ما ذكرناه سلط الله عليهم أمماً من الكفرة فغلبوهم وأخذ لهم التابوت في بعض الحروب فذل أمرهم. وقال السدي: "كان الغالب لهم جالوت وهو من العمالقة، فلما رأوا أنه الاصطلام وذهاب الذكر أنف بعضهم وتكلموا في أمرهم. حتى اجتمع ملأهم على أن قالوا لنبي الوقت: {ابعث لنا ملكاً} الآية، وإنما طلبوا ملكاً يقوم بأمر القتال، وكانت المملكة في سبط من أسباط بني إسرائيل يقال لهم: "بنو يهوذا"، فعلم النبي بالوحي أنه ليس في بيت المملكة من يقوم بأمر الحرب، ويسر الله لذلك طالوت. وقرأ جمهور الناس "نقاتلْ" بالنون وجزم اللام على جواب الأمر، وقرأ الضحاك وابن أبي عبلة "يقاتلُ" بالياء ورفع الفعل، فهو في موضع الصفة للملك. وأراد النبي المذكور عليه السلام أن يتوثق منهم فوقفهم على جهة التقرير وسبر ما عندهم بقوله {هل عسيتم} وقرأ نافع "عسِيتم" بكسر العين في الموضعين، وفتح الباقون السين، قال أبو علي: "الأكثر فتح السين وهو المشهور"، ووجه الكسر قول العرب هو عس بذلك مثل حر وشج، وقد جاء فعل وفعل في نحو نقم ونقم، فكذلك عسيت وعسيت، فإن أسند الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم أن يقال عسي زيد مثل رضي، فإن قيل فهو القياس، وإن لم يقل فسائغ أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحدهما في موضع الأخرى كما فعل ذلك في غيره، ومعنى هذه المقالة: هل أنتم قريب من التولي والفرار. إن كتب عليكم القتال؟. قوله عز وجل: {قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} المعنى وأي شيء يجلعنا ألا نقاتل وقد وترنا وأخرجنا من ديارنا؟ وقالوا هذه المقالة وإن كان القائل لم يخرج من حيث قد أخرج من هو مثله وفي حكمه، ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم لما فرض عليهم القتال ورأوا الحقيقة ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب تولوا، أي اضطربت نياتهم وفترت عزائمهم، وهذا شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدعة، تتمنى الحرب أوقات الأنفة، فإذا حضرت الحرب كعت وانقادت لطبعها، وعن هذا المعنى نهى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا" تفسير : ، ثم أخبر الله تعالى عن قليل منهم أنهم ثبتوا على النية الأولى واستمرت عزيمتهم على القتال في سبيل الله، ثم توعد الظالمين في لفظ الخبر الذي هو قوله {والله عليم بالظالمين}، وقرأ أبي بن كعب "تولوا إلا أن يكون قليل منهم".

ابن عبد السلام

تفسير : {الْمَلإِ} الأشراف. {لِنَبِىٍّ لَّهُمُ} سمويل، أو يوشع بن نون، أو سمعون، سمته أمه بذلك لأن الله ـ تعالى ـ سمع دعاءها فيه، طلبوا ذلك لقتال العمالقة، أو الجبارين الذين استذلوهم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل} الملأ أشراف القوم ووجوههم وأصله الجماعة من الناس لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط {من بعد موسى} أي من بعد موت أي من بعد زمنه منه {إذ قالوا} يعني أولئك الملأ {لنبي لهم} اختلفوا في ذلك النبي فقيل هو يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف بن يعقوب وقيل هو شمعون بن صفية بن علقمة من ولد لاوي بن يعقوب وإنما سمي شمعون لأن أمه دعت الله أن يرزقها غلاماً فاستجاب الله لها فولدت غلاماً فسمته شمعون ومعناه سمع الله دعائي وتبدل السين بالعبرانية شيناً وقال أكثر المفسرين هو أشمويل بن يال وقيل: هو ابن هلفائي. قيل إنه من ولد هارون ومعرفة حقيقة ذلك النبي بعينه ليست مرادة من القصة إنما المراد منها الترغيب في الجهاد وذلك حاصل. ذكر الإشارة إلى القصة كان سبب مسألة أولئك الملأ لذلك النبي أنه لما مات موسى عليه السلام خلف من بعده في بني إسرائيل يوشع بن نون يقيم فيهم أمر الله تعالى. ويحكم بالتوراة حتى قبضه الله تعالى. ثم خلف من بعده كالب بن يوقنا كذلك، ثم حزقيل كذلك، حتى قبضه الله تعالى فعظمت الأحداث بعده في بني إسرائيل ونسوا عهد الله حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم إلياس نبياً فدعاهم إلى الله تعالى، وكانت الأنبياء من بني إسرائيل من بعد موسى يبعثون إليهم ليجددوا ما نسوا من التوراة ويأمروهم بالعمل بأحكامها. ثم خلف من بعد إلياس اليسع فكان فيهم ما شاء الله تعالى ثم قبضه الله تعالى. ثم خلف من بعده خلوف وعظمت فيهم الخطايا وظهر لهم عدو يقال له البلثاثا وهم قوم جالوت وكانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين وهم العمالقة فظهروا على بني إسرائيل وغلبوا على كثير من أرضهم وسبوا كثيراً من ذراريهم وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين غلاماً، فضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم ولقي بنو إسرائيل منهم بلاء وشدة ولم يكن لهم نبي يدبر أمرهم وكان سبط النبوة قد هلكوا كلهم إلا امرأة حبلى فحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها وجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاماً فولدت غلاماً فسمته أشمويل ومعناه بالعربية إسماعيل. تقول: سمع الله دعائي فلما كبر الغلام أسلمته لتعليم التوراة في بيت المقدس وكفله شيخ من علمائهم وتبناه فلما بلغ الغلام أتاه جبريل عليه السلام وهو نائم إلى جانب الشيخ وكان الشيخ لا يأمن عليه أحداً فدعاه جبريل بلحن الشيخ يا أشمويل! فقام الغلام فزعاً إلى الشيخ وقال: يا أبتاه رأيتك تدعوني فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع الغلام فقال يا بني ارجع فنم فنام ثم دعاه الثانية فقال الغلام: دعوتني فقال: نم فإن دعوتك فلا تجبني فلما كانت الثالثة ظهر له: جبريل عليه السلام وقال له اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك فإن الله قد بعثك فيهم نبياً فلما أتاهم كذبوه وقالوا به استعجلت بالنبوة ولم تنلك وقالوا له إن كنت صادقاً فابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله آية على نبوتك وإنما كان قوام أمر بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك وطاعة الملوك أنبياءهم وكان الملك هو الذي يسير بالجموع والنبي هو الذي يقيم له أمره ويشير عليه ويرشده ويأتيه بالخبر من ربه. قال وهب فبعث الله أشمويل نبياً فلبثوا أربعين سنة بأحسن حال ثم كان من أمر جالوت والعمالقة ما كان فذلك قوله تعالى: {إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله} جزم على جواب الأمر فلما قالوا له ذلك {قال} يعني قال النبي صلى الله عليه وسلم {هل عسيتم} هذا استفهام شك يقول لعلكم {إن كتب} أي فرض {عليكم القتال} يعني مع ذلك الملك {أن لا تقاتلوا} يعني لا تفوا بما قلتم وتجنبوا عن القتال معه {قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله}. فإن قلت ما وجه دخول أن والعرب لا تقول ما لك أن لا تفعل كذا ولكن تقول ما لك لا تفعل كذا. قلت دخول أن وحذفها لغتان صحيحتان فالإثبات كقوله: {ما لك أن لا تكون مع الساجدين} والحذف كقوله {ما لكم لا تؤمنون} وقيل معناه: وما لنا في أن لا نقاتل بحذف حرف الجر وقيل إن هنا زائدة ومعناه وما لنا لا نقاتل في سبيل الله {وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} أي أخرج من غلب عليهم من ديارهم فظاهر الكلام العموم وباطنه الخصوص لأن الذين قالوا لنبيهم ابعث ملكاً كانوا في ديارهم وأبنائهم وإنما أخرج من أسر منهم ومعنى الآية أنهم قالوا لنبيهم إنا إنما كنا تركنا الجهاد لأنا كنا ممنوعين في بلادنا لا يظهر علينا عدونا فأما إذا بلغ ذلك منا فنطيع ربنا في جهاد عدونا ونمنع نساءنا وأولادنا قال الله تعالى: {فلما كتب عليهم القتال} في الكلام حذف وتقديره فسأل الله ذلك النبي فبعث لهم ملكاً وكتب عليهم القتال فلما كتب عليهم القتال {تولوا} أي أعرضوا عن الجهاد وضيعوا أمر الله {إلا قليلاً منهم} يعني لم يتولوا عن الجهاد هم الذين عبروا النهر مع طالوت واقتصروا على الغرفة على ما سيأتي في قصتهم إن شاء الله تعالى {والله عليم بالظالمين} يعني هو عالم بمن ظلم نفسه حين خالف أمر ربه ولم يف بما قال.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ...}. قال ابن عرفة: الرؤية إن كانت بصرية ونزل الغائب منزلة الحاضر تحقيقا له، (فالخطاب) للنبي صلى الله عليه وسلم وحده، وكذلك قالوا في قول سيبويه: هذا باب: إنّ الخطاب للخواص لا للعوام. وإن كانت علمية فالخطاب للجميع والظاهر الأول (لتعديه بإلى). قوله تعالى: {إِذْ قَالُواْ...}. قوله تعالى: {لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً...}. لم يقل: لنبيّهم لأجل مخالفتهم له وعدم اتّباعهم إياه فلذلك لم يضفه إليهم، والنبي إما شمعون، أو شمويل، أو يوشع. وأبطل ابن عطية كونه يوشع لأن يوشع كان بعد موسى وبينه وبين داود قرون كثيرة. قال ابن عرفة: لعل يوشع رجل آخر (غير) الذي كان بعد موسى. (ابن عرفة قال: وتقدم لنا أنّ الإخبار بهذا القصص إما معجزة له صلى الله عليه وسلم (أو وعظ وتخويف لأمّته أن ينالهم مثل ما نال أولئك). قوله تعالى: {نُّقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...}. القتال مع أنّهم لم يقاتلوا إلا لأجل استخلاص (حريمهم) وأولادهم لكنه مستلزم لقتالهم في سبيل الله. قوله تعالى: {هَلْ عَسَيْتُمْ...}. قال الزمخشري: (هل) استفهام في معنى الإنكار عليهم والتقدير مثل: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ }. تفسير : قال ابن عرفة: ويظهر لي أنه استفهام على بابه، وأنه تأكيد في التلطف في الخطاب لمّا وبخهم على العصيان تلطف في العبارة عنه بوجهين: أحدهما: ذكره له بلفظ الرجاء (مقاربة) العصيان دون التحقيق. الثاني: لفظ الاستفهام دون الخبر. فإن قلت: هم إنما طلبوا منه أن يؤمر عليهم ملكا في قتال يتطوعون به فكيف أجابهم بامتناعهم من قتال يكتب عليهم فرضا؟ قلت: إذا امتنعوا من امتثال قتال يجب عليهم (فأحرى) (ألا يوفوا) بقتال يتطوعون به. وقرأ الكل "عَسَيتُمْ" بفتح السين إلا نافعا كسرها. قال الزمخشري: وهي ضعيفة. قال ابن عرفة: هذا (عادته) في تجاسره على القراءات (السبعة) وتصريحه بأنها غير متواترة. قوله تعالى: {وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا...}. قال ابن عرفة: (إما أنّهم جعلوا) إخراج مثلهم كإخراجهم فنزّلوا إخراج المماثل لهم منزلة إخراجهم، وإمّا أن المراد وقد قاربنا الإخراج من الديار. قيل لابن عرفة (أو) أخرجوا منها حقيقة ثم رجعوا إليها وقيل: إنّه على القلب، أي إخراج أبنائنا من ديارنا. قوله تعالى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ...}. ابن عرفة: هذا أبلغ من لو قيل: فكُتب عليهم القتال فتولوا، لأن قولك: لما قام زيد قام عمرو، أبلغ من قولك: قام زيد فقام عمرو، لاقتضائه تحقيق السبيبية والارتباط. ابن عرفة: ويحتمل أن يكون (تقدم) سؤالهم سببا في (وجوب) القتال عليهم وكان قبل ذلك تطوعا كقضية بني إسرائيل في البقرة.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {عسيتم} بكسر السين حيث كان نافع. الباقون بالفتح. وزاده بالإمالة: حمزة ونصير وابن مجاهد والنقاش عن ابن عباس وذكوان. {بصطه} بالصاد: أبو نشيط والشموني غير النقاد، وكذلك {أية : بباصط} تفسير : [المائدة: 28] {أية : الله يبسط} تفسير : [الرعد: 26] {أية : ولا تبسطها كل البسط} تفسير : [الإسراء: 29] {أية : فما اسطاعوا} تفسير : [الكهف: 97] وما أشبه ذلك {مني إلا} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الباقون بالسكون. {غرفة} بفتح العين: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الباقون بالضم {هو والذين} بالإدغام روى ابن مهران ومحمد العطار عن أبي شعيب وشجاع وكذلك ما أشبهها {فئة ومئة} وبابهما غير مهموزتين: يزيد وشموني وحمزة في الوقف {دفاع الله} وكذلك في سورة الحج: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب. الباقون {دفع الله}. الوقوف: {من بعد موسى} م لأنه لو وصل صار "إذ" ظرفاً لقوله "ألم تر" وهو محال {في سبيل الله} ط {ألا تقاتلوا}ط {وأبنائنا} ط {تعظيماً} لابتداء أمر معظم {منهم} ط {بالظالمين} ه {ملكاً} ط {من المال} ط {والجسم} ط {من يشاء} ط {عليم} ه {الملائكة} ط {مؤمنين} ه {بالجنود} لا لأن "قال" جواب لما {بنهر} ج للابتداء بالشرط مع الفاء {فليس مني} ج للابتداء بشرط آخر اتحاد المقصود {بيده} ج لعطف المختلفين {منهم} ط تعظيماً لابتداء أمر معظم {معه} (لا) لأن "قالوا" جواب لما {وجنوده} ط {ملاقو الله} (لا) لأن ما بعده مفعول "قال" {بإذن الله} ط {الصابرين} ه {الكافرين} ه ط لأن ما قبله دعاء وما بعده خبر ماضٍ يتصل بكلام طويل بعده ولا وقف على "بإذن الله" لاتصال اللفظ واتساق المعنى فإن الهزيمة كانت من قتل داود جالوت {مما يشاء} ط {العالمين} ه. التفسير: القصة الثانية قصة طالوت، والملأ اسم جماعة من الناس كالقوم والرهط لأنهم يملؤن العيون هيبةً، أو لأنهم ملأى بالأحلام والآراء الصائبة وجمعه أملاء. قال: وقال لها الأملاء من كل معشر. وخير أقاويل الرجال سديدها. قال الزجاج: الملأ الرؤساء سموا بذلك لأنهم ملؤا بما يحتج إليه من كفايات الأمور وتدبيرها من قولهم "ملؤ الرجل ملاءة فهو ملؤ" إذا كان مطيقاً له، لأنهم يتمالؤن أي يتظاهرون ويتساندون. والغرض من إيراد هذه القصة عقيب آية القتال، ترغيب المكلفين على الجهاد وأن لا يكونوا كمن أمروا بالقتال فخالفوا وظلموا {إذ قالوا لنبيٍ لهم} لم يحصل العلم بذلك النبي وبأولئك الملأ من الخبر المتواتر، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن. لكن المقصود وهو الحث على الجهاد حاصل. منهم من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم هو يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف لقوله تعالى {من بعد موسى} ولكنه لا يلزم منه حصوله من بعده على الاتصال. والأكثرون على أنه أشمويل واسمه بالعربية إسماعيل. وعن السدي هو شمعون سمته أمه بذلك لأنها دعت الله أن يرزقها إياه فسمع دعاءها فسمته شمعون. والسين تصير شيناً بالعبرانية وهو من ولد لاوى بن يعقوب. {ابعث لنا ملكاً} أنهض للقتال معنا أميراً نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وتنتظم به كلمتنا. وكان قوام بين إسرائيل بملك يجتمعون عليه يجاهد الأعداء ويجري الأحكام، ونبي يطيعه الملك ويقيم أمر دينهم ويأتيهم بالخبر من ربهم {نقاتل في سبيل الله} بالنون والجزم على الجواب وهي القراءة المشهورة. وقرئ بالنون والرفع على أنه حال أي ابعث لنا ملكاً مقدرين القتال، أو استئناف كأنه قال لهم. ما تصنعون بالملك؟ فقالوا: نقاتل. وقرئ "يقاتل" بالياء والجزم على الجواب، وبالرفع على أنه صفة لـ {ملكاً} و {هل عسيتم} خبره {أن لا تقاتلوا} والشرط فاصل بينهما، وجواب الشرط محذوف يدل عليه المذكور أي إن كتب عليكم القتال فهل يتوقع منكم الجبن والخور؟ وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه {وما لنا ألا نقاتل} قال المبرد: "ما" نافية أي ليس لنا ترك القتال. والأكثرون على أنه للاستفهام، وأورد عليه أنه خلاف المشهور فإنه لا يقال: ما لك أن لا تفعل كذا، وإنما يقال: مالك لا تفعل. فعن الأخفش أن "أن" زائدة أي ما لنا لا نقاتل. ورد بأن الزيادة خلاف الأصل ولا سيما في كلام رب العزة. وعن الفراء أن الكلام محمول على المعنى لأن قولك "ما لك لا تقاتل" معناه ما منعك أن تقاتل، فلما ذهب إلى معنى المنع حسن إدخال "أن" فيه. وعن الكسائي: واستحسنه الفارسي أن التقدير أيّ شيء لنا وأيّ داع أو غرض في ترك القتال فسقطت كلمة "في" على القياس {وقد أخرجنا} أي وحالنا أنا أخرجنا من ديارنا بالسبي والقهر على نواحيها، ومن بلغ منه العدو هذا المبلغ فالظاهر منه الاجتهاد في قمع عدوّه. روي أن قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين. وههنا محذوف التقدير: فسأل الله تعالى ذلك فبعث لهم ملكاً وكتب عليهم القتال. {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم} وهم الذين عبروا النهر وسيأتي ذكرهم وأنهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر علىعدد أهل بدر. {والله عليم بالظالمين} وعيد لهم ولكل مكلف في الإسلام على القعود عن القتال. وأي وعيد أبلغ من أن وضع الظالمين موضع الضمير العائد إليهم. قوله سبحانه {وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً} طالوت اسم أعجميّ كجالوت وداود، امتنع من الصرف للعلمية والعجمة المعتبرة. وقد يمكن تكلف اشتقاقه من الطول لما يجيء من وصفه بالبسطة في الجسم، وقد يوافق العبراني العربي. و {ملكاً} نصب على الحال، أو التمييز، أو مفعول ثانٍ على أن بعث بمعنى صير. وفي الآية تقرير لتوليهم وتأكيد لذلك، فإن أولى ما تولوا هو إنكارهم أمر النبي المبعوث إليهم بالتماسهم وذلك أنهم {قالوا أنى يكون} كيف ومن أين يصح ويصلح {له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعةً من المال} الواو الولى للحال، والثانية للعطف. فانتظمت الجملتان في سلك الحالية. استبعدوا تملكه من وجهين: الأول: أن النبوة كانت في سبط لاوى بن يعقوب ومنه موسى وهارون، والملك كان في سبط يهوذا ومنه داود وسليمان، وأن طالوت ما كان من أحد هذين السبطين بل كان من ولد بنيامين. الثاني: أنه كان فقيراً ولا بد للملك من مال يعتضد به. فعن وهب أنه كان دباغاً. وعن السدي أنه كان مكارياً. وقال الآخرون: كان سقاء فأزيلت شبهتهم بوجوه: الأول: {قال إنّ الله اصطفاه عليكم} اختاره دونكم واستخلصه من بينكم وأمره عليكم، ولا اعتراض لأحد على حكم الله. وروي أن نبيهم دعا الله حين طلبوا منه ملكاً فأُتي بعصا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت. الثاني: {وزاده بسطة في العلم والجسم} طعنوا فيه بنقصان الجاه والمال فقابلهما الله تعالى بوصفين العلم والقدرة وأنهما أشد مناسبة لاستحقاق الملك من النسب والمال، لأن العلم والقدرة من باب الكمالات الحقيقية دونهما وبالعلم والقدرة يتوسل إلى الجاه والمال ولا ينعكس، والعلم والقدرة من الكمالات الحاصلة لحق الإنسان، والمال والجاه أمران منفصلان عن ذات الإنسان وأنهما لا يمكن سلبهما عن ذات الإنسان بخلافهما. وإن العالم بأمر الحروب ذا القوة والبطش يكون الانتفاع به في مصالح البلاد والعباد أتم من النسيب الغني إذا لم يكن له علم يضبط المصالح وقدرة على دفع الأعداء. والظاهر أن المراد بالبسط في العلم هو حذقه فيما طلبوه لأجله من أمر الحرب، ويجوز أن يكون عالماً في الديانات وبغيرها. وذلك أن الملك ينبغي أن يكون عالماً وإلا كان مزدري غير منتفع به، وأن يكون جسيماً يملأ العين مهابة وحشمة. والبسطة السعة والامتداد وطول القامة. روي أنه كان يفوق الناس برأسه ومنكبيه. وقيل: المراد منه الجمال وكان أجمل بني إسرائيل. والأظهر أن يراد بها القوة لأنها المنتفع بها في دفع الأعداء لا الطول والجمال. الوجه الثالث: {والله يوتي ملكه من يشاء} فالملك له والعبيد له والمالك إذا تصرف في ملك نفسه فلا اعتراض لأحد عليه. الوجه الرابع: {والله واسع عليم} فإذا فوض الملك إليه فإن علم أن الملك لا يتمشى إلا بالمال فتح عليه باب الرزق ويوسع عليه. قوله عز من قائل {وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت} الآية. اعلم أن ظاهر قوله تعالى {إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً} يدل على أنهم كانوا معترفين بنبوة ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. ثم إنه لما قال: {إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً} كان هذا دليلاً قاطعاً على أنه ملك، لكنه تعالى لكمال رأفته بالمكلفين ضم إلى ذلك الدليل دليلاً آخر دل على صدق النبي، وإكثار الدلائل من الله تعالى جائز. ولهذا كثرت معجزات محمد صلى الله عليه وسلم ومعجزات موسى وعيسى عليهما السلام. ثم إن مجيء التابوت لا بد أن يقع على وجه يكون خارقاً للعادة حتى يصح أن يكون معجزة وآية من عند الله دالة على صدق تلك الدعوى. فقيل: إن الله تعالى أنزل على آدم تابوتاً فيه صور الأنبياء من أولاده فتوارثوه إلى أن وصل إلى يعقوب، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصر، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت قال ذلك النبي: إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره. وكان الكفار الذين سلبوا التابوت قد جعلوه في موضع البول والغائط، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهم في ذلك الوقت فسلط الله على أولئك الكفار البلاء حتى إن كل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله بالبواسير، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت فأخرجوه ووضعوه على ثورين، فأقبل الثوران يسيران ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما حتى أتوا منزل طالوت. فعلى هذا إتيان التابوت مجاز لأنه أتى به ولم يأت هو بنفسه. وقيل: إنه صندوق من خشب كان موسى يضع التوراة فيه و كانوا يعرفونه، ثم إن الله تعالى رفعه بعد ما قبض موسى عليه السلام لسخطه على بني إسرائيل. ثم قال نبي ذلك القوم: إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء، فنزل من السماء والملائكة كانوا يحفظونه والقوم ينظرون حتى نزل عند طالوت وهذا قول ابن عباس. وعلى هذا الإتيان حقيقة، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعاً لأن من حفظ شيئاً في الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء. أما شكل التابوت فقيل: كان من خشب الشمشار مموهاً بالذهب نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين. وقرأ أبي وزيد بن ثابت {التابوه} بالهاء وهي لغة الأنصار. وأما وزن التابوت فلا يخلو إما أن يكون "فعلوتا" أو "فاعولا" لا سبيل إلى الثاني لقلة باب سلس وقلق ولأنه تركيب غير معروف فهو "فعلوت" من التوب أي الرجوع لأنه ظرف، فلا يزال يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته. والظاهر أن مجيء التابوت كان معجزة لنبي ذلك الزمان، ومع كونه معجزة له كان آية قاطعة في ثبوت ملك طالوت، وقيل: إن طالوت كان نبياً وإتيان التابوت معجزته لأنه كان مقروناً بالتحدي. والجواب أن التحدي كان من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته {فيه سكينةٌ} هي "فعيلة" من السكون ضد الحركة ومعناه الوقار، ومصدر وقع موقع الاسم كالعزيمة. وأما البقية فبمعنى الباقية. يقال: بقي من الشيء بقية. والمراد بالسكينة والبقية إما أن يكون شيئاً حاصلاً في التابوت أولاً، والثاني قول الأصم وعلى هذا فمعناه أنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة اطمأنت نفوسهم وأقروا له بالملك وانتظم أمر ما بقي من دين موسى وهارون ومن شريعتهما فهذا كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : في النفس المؤمنة مائة من الإبل"تفسير : أي بسببها. وعلى الأول أقوال فعن أبي مسلم: كان في التابوت بشارات من كتب الله المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام بأن الله تعالى ينصر طالوت وجنوده فيزول خوف العدو عنهم. وعن ابن عباس: هي صورة من زبرجد وياقوت لها رأس كرأس الهر، وذنب كذنبه، وجناحان فيزف التابوت نحو العدو وهم يمضون معه، فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر. وعن علي رضي الله عنه: كان لها وجه كوجه الإنسان، وفيها ريح هفافة أي طيبة. وأما البقية فهي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفيز من المنّ الذي أنزل عليهم. قال بعض العلماء: إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون لأن ذلك التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت. وفي التابوت أشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون فيكون الآل هم الأتباع. قال تعالى: {أية : أدخلوا آل فرعون} تفسير : [غافر: 46] {أية : وإذ نجيناكم من آل فرعون} تفسير : [البقرة: 49] ويجوز أن يراد مما تركه موسى وهارون والآل مقحم لتفخيم شأنهما "حديث : كقوله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود"تفسير : وأراد به داود نفسه إذ لم يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن ما كان لداود {إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} بدلالة المعجزة على صدق المدعي وههنا محذوف والتقدير: فأتاهم التابوت فأذعنوا لطالوت وأجابوا إلى المسير تحت رايته. {فلما فصل طالوت بالجنود} أصله فصل نفسه ثم كثر حذف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي والمعنى: انفصل عن بلده مع الجنود. والجند الأعوان والأنصار وكل صنف من الخلق جند قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الأرواح جنود مجندة"تفسير : . روي أن طالوت قال لقومه: لا ينبغي أن يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه، ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا متزوج بامرأة لم يبن فيها. ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ. فاجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفاً، وكان الوقت قيظاً وسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهراً. فقال نبيهم: على قول، أو طالوت على الأظهر، وذلك إما بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم أو بالوحي إن كان نبياً {إن الله مبتليكم بنهرٍ} بما اقترحتموه من النهر. قيل في حكمة هذا ابتلاء: إنه لما كان من عادة بني إسرائيل مخالفة الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة، أظهر الله علامة قبل لقاء العدو يتميز بها الصابر على الحرب من غير الصابر، لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو. عن ابن عباس والسدي أنه نهر فلسطين، وعن قتادة والربيع أنه نهر بين الأردن وفلسطين. ونهر بتحريك الهاء وتسكينها لغتان و {مبتليكم} أي ممتحنكم. ولما كان الابتلاء من الناس إنما يكون بظهور الشيء، وثبت أن الله لا يثيب ولا يعاقب على علمه إنما يظهر ذلك بظهور الأفعال من الناس وذلك لا يحصل إلا بالتكليف، لا جرم سمى التكليف ابتلاء. {فمن شرب منه فليس مني} هو كالزجر أي ليس بمتصل بي ولا بمتحد معي من قولهم "فلان مني" يريد أنه كأنه بعضه لاختلاطهما واتحادهما، أو ليس من أهل ديني وطاعتي ومن حزبي وأشياعي {ومن لم يطعمه} ومن لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه. ومنه طعم الشيء لمذاقه. واعلم أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف أن لا يشرب من هذا النهر كيف يحنث؟ فقال أبو حنيفة: لا يحنث إلا إذا كرع في النهر. حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث لأن الشرب من الشيء هو أن يكون ابتداء شربك متصلاً بذلك الشيء. وقال الباقون: بل إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث لأن هذا وإن كان مجازاً إلا أنه مجاز مشهور، فلما كان من المحتمل في اللفظ الأول أن يكون النهي مقصوراً على الشرب من النهر حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلاً تحت النهي. ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام فقال: {ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفةً بيده} استثناء من قوله {فمن شرب منه فليس مني} ليصح النظم وإنما فصل قوله {ومن لم يطعمه} بين المستثنى والمستثنى منه للعناية. ومعنى الاستثناء الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع. والغرفة بالفتح بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف ملء الكف. عن ابن عباس: كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه، ويحتمل منها. ولعل ذلك من معجزات نبي ذلك الزمان كما يروى عن نبينا صلى الله عليه وسلم من إرواء الخلق العظيم من الماء القليل، ويحتمل أنه كان مأذوناً أن يأخذ من الماء ما شاء مرة واحدة بقربة أو جرة بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه ولخدمه ولأن يحمله مع نفسه إلا أن قوله {بيده} لا يجاوب هذا الاحتمال {فشربوا منه} كرعوا فيه {إلا قليلاً منهم} وقرأ أبي والأعمش {إلا قليلٌ منهم} وهذا من باب الميل إلى المعنى والإعراض عن اللفظ جانباً كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم. فبهذا تميز الموافق عن المنافق والصديق عن الزنديق. يروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد وقع أكثرهم في النهر وأكثروا الشرب فاسودت شفاههم وغلبهم العطش وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله تعالى فلم يزيدوا على الاغتراف فقوي قلبهم وصح أيمانهم وعبروا النهر سالمين. والمشهور أنهم كانوا على عدد أهل بدر لما روي أن النبي قال لأصحابه يوم بدر: أنتم اليوم على عدد أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن. قال البراء بن عازب: وكنا يومئذٍ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً. وقيل: إنهم كانوا أربعة آلاف. ولا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاعه، وإنما الخلاف في أنهم رجعوا قبل عبور النهر أو بعده، والحق أنه ما عبر معه إلا المطيعون لقوله تعالى {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه} ولقوله: {فليس مني} أي ليس من أصحابي في سفري، ولأن المقصود من الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي، وإذا تميزا فالظاهر أنه لم يأذن للعاصين، وصرفهم عن نفسه قبل أن يرتدوا عند لقاء العدو، وقيل: إنه استصحب كل جنوده لأنهم قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده. ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه، بل لا يصدر إلا عن المنافق أو الفاسق. والجواب لعل طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم تخلفوا وما جاوزوه، سألوهم عن سبب التخلف فذكروا ذلك، وما كان النهر في العظم بحيث يمنع المكالمة، أو المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة، أو المؤمنون الذين عبروا النهر كانوا فريقين: منهم من يكره الموت ويغلب الخوف والجزع على طبعه وهم الذين قالوا: لا طاقة لنا، ومنهم من كان شجاعاً قوي القلب وهم الذين أجابوا بقولهم {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة} أو أنهم لما شاهدوا قلة عسكرهم قال بعضهم: لا طاقة لنا اليوم. فلا بد أن نوطن أنفسنا للقتل. وقال الآخرون: بل نرجو من الله الفتح والظفر. فكأن غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة، وغرض الآخرين التحريض على رجاء الفتح والظفر، وكلا الغرضين محمود. والطاقة اسم بمنزلة الإطاقة. يقال: أطقت الشيء إطاقة وطاقة ومثلها أطاع إطاعة والاسم الطاعة وأغار إغارة والاسم الغارة، وأجاب يجيب إجابة والاسم الجابة. وفي المثل "أساء سمعاً فأساء جابة" أي جواباً ومعنى قوله {يظنون أنهم ملاقوا الله} يغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت. عن قتادة: أو يظنون أنهم ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة، وذلك أن أحداً لا يعلم عاقبة أمره، وعن أبي مسلم: أوَتظنون أنهم ملاقو طاعة الله من غير رياء وسمعة وبنية خالصة، أو أنهم عرفوا مما في التابوت من الكتب الإلهية يقين النصر والظفر إلا أن حصول ذلك في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل الظن، أو المراد بقوله {يظنون} يعلمون ويوقنون لما بين اليقين والظن من المشابهة في تأكد الاعتقاد، والفئة الجماعة لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة، وقال الزجاج: هي من قولهم "فأوت رأسه بالسيف" وفأيت أي قطعت كأن الفئة قطعة من الناس. والمراد تقوية قلوب الذين قالوا: لا طاقة لنا إذ العبرة بالتأييد الإلهي والنصرة الإلهية، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة، ومحل "كم" رفع بالابتداء و {غلبت} الجملة خبره، {بإذن الله} بتيسيره وتسهيله. {والله مع الصابرين} بالمعونة و التأييد يحتمل أن يكون من قوله تعالى وأن يكون من قول الذين يظنون. قوله سبحانه {ولما برزوا لجالوت وجنوده} الآية البراز الأرض الفضاء ومنه البروز والمبارزة في الحرب كأن كل واحد منهما حصل بحيث يرى صاحبه. واعلم أن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع ضعفائهم وعوامهم أن الغلبة لا تتعلق بكثرة العدد وأن النصر والظفر بإعانة الله اشتغلوا بالدعاء و {قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً} وهكذا كان يفعل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما روي في قصة بدر أنه كان يصلي ويستنجز من الله وعده، وكان متى لقي عدواً قال: حديث : اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم، اللهم بك أصول وبك أجول. تفسير : والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه، وإنما يخلو بصب كل ما فيه فيفيد المبالغة. أي صب علينا أتم صبر وأبلغه وهذا هو الركن الأعظم في المحاربة، فإنه إن كان جباناً لم يجد بطائل. ثم إن الشجاع مع ذلك يحتاج إلى الآلات والعدد والاتفاقات الحسنة حتى يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار، فاقترحوها بقولهم {وثبت أقدامنا} ثم إنه مع كل هذه الأشياء يفتقر إلى أن تزيد قوته على قوة عدوه حتى يغلبهم وهو المراد بقولهم {وانصرنا على القوم الكافرين} فلا جرم استجاب الله دعاءهم {فهزموهم} كسروهم {بإذن الله} بتوفيقه وإعانته {وقتل داود جالوت} عن ابن عباس أن داود كان راعياً ومعه سبعة إخوة مع طالوت، فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم أيشا أرسل ابنه داود - وكان صغيراً - إليهم ليأتيه بخبرهم، فأتاهم وهم في المصاف، وبرز جالوت الجبار وكان من قوم عاد وكانت بيضته فيها ثلثمائة رطل من الحديد، فلم يخرج إليه أحد فقال: يا بني إسرائيل، لو كنتم على الحق لبارزني بعضكم. فقال داود لإخوته: أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف؟ فسكتوه. فذهب إلى ناحية من الصف ليس فيها إخوته فمر به طالوت وهو يحرّض الناس فقال له داود: ما تصنعون لمن يقتل هذا؟ فقال طالوت: أنكحه ابنتي وأعطيه نصف مملكتي. فقال داود: فأنا خارج إليه. وكانت عادته أنه يقاتل بالمقلاع الذئب والأسد في المرعى وكان طالوت عارفاً جلادته فلما هم داود بأن يخرج إلى جالوت مر بثلاثة أحجار فقلن: يا داود خذنا معك ففينا ميتة جالوت. ثم لما خرج إلى جالوت رماه فأصابه في صدره ونفذ الحجر فيه وقتل بعده ناساً كثيراً. قيل: فحسده طالوت ولم يف له وعده ثم ندم على صنيعه فذهب يطلبه إلى أن قتل. {وآتاه الله الملك} في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها {والحكمة} أي النبوّة لأن الحكمة وضع الأمور موضعها على الوجه الأصوب والنحو الأصلح. وكمال هذا المعنى إنما يحصل بالنبوة، والمشهور من أحوال بني إسرائيل، أن الله تعالى كان يبعث إليهم نبياً وعليهم ملكاً كان ذلك الملك ينفذ أمور ذلك النبي، وكان نبي ذلك الزمان أشمويل وملكه طالوت، فلما توفي أشمويل أعطى الله دود النبوّة، ولما توفي طالوت أعطى الله الملك إياه أيضاً، ولم يجتمع الملك والنبوّة على أحد من بني إسرائيل قبله. ويروى أن بين قتله جالوت وبين ما أعطاه الله الملك والحكمة سبع سنين. قال بعضهم: هذا الإتيان جبراً له على ما فعل من الطاعة وبذل النفس في سبيل الله، ولا ممتنع في جعل النبوّة جزاء على بعض الطاعات كما قال تعالى: {أية : ولقد اخترناهم على علم على العالمين} تفسير : [الدخان: 32] وقال: {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته} تفسير : [الأنعام: 124] ولهذا ذكر بعده حديث الهزيمة والقتل. وترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية لا سيما وقد نطقت الأحجار معه، وقد قهر العدو العظيم المهيب بالآلة الحقيرة. وقال آخرون: إن النبوّة لا يجوز جعلها جزاء على الأعمال ولكنها محض عناية الله تعالى ببعض عبيده كما قال: {أية : الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس} تفسير : [الحج: 75] فإن قيل: لم قدم الملك على الحكمة مع أنه أدون منها؟ فالجواب أنه تعالى أراد أن يذكر كيفية ترقي داود عليه السلام في معارج السعادات، والتدرج في مثل هذا المقام من الأدون إلى الأشرف هو الترتيب الطبيعي. {وعلمه مما يشاء} قيل: هو صنعة الدروع لقوله {أية : وعلمناه صنعة لبوس لكم} تفسير : [الأنبياء: 80] وقيل: منطق الطير {أية : علمنا منطق الطير} تفسير : [النمل: 16] وقيل: ما يتعلق بمصالح الملك فإنه ما تعلم ذلك من آبائه فإنهم كانوا رعاة. وقيل: علم الدين والقضاء {أية : وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب} تفسير : [ص: 20] ولا يبعد حمل اللفظ على الكل والغرض منه التنبيه على أن العبد لا ينتهي قط إلى حالة يستغني عن التعلم سواء كان نبياً أو لم يكن ولهذا قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم {أية : وقل ربي زدني علماً} تفسير : [طه: 114] {ولولا دفع الله} معناه ظاهر وأما من قرأ بالألف فإما أن يكون مصدر الدفع نحو جمع جماحاً وكتب كتاباً وقام قياماً، وإما أن يكون بمعنى أنه سبحانه يكف الظلمة والعصاة عن المؤمنين على أيدي أنبيائه وأئمة دينه، فكان يقع بين أولئك المحقين وأولئك المبطلين مدافعات كقوله {أية : إن الذين يحادّون الله ورسوله} تفسير : [المجادلة: 20]. واعلم أن الله تعالى ذكر في الآية المدفوع وهو بعض الناس، والمدفوع به وهو البعض الآخر. وأما المدفوع عنه فغير مذكور للعلم به وهو الشرور في الدين كالكفر والفسق والمعاصي، فعلى هذا الدافعون هم الأنبياء وأئمة الهدى ومن يجري مجراهم من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والشرور في الدنيا كالهرج والمرج وإثارة الفتن. فالدافعون إما الأنبياء أو الملوك الذابون عن شرائعهم ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الملك والدين توأمان" "حديث : الإسلام أس والسلطان حارس فما لا أس له فهو منهدم وما لا حارس له فهو ضائع"تفسير : وعلى هذا فمعنى قوله {لفسدت الأرض} أي بطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وغير ذلك من سائر أسباب العمران. وقيل: المراد بالدفع نصر المسلمين على الكفار. ومعنى فساد الأرض عبث الكفار فيها وقتالهم المسلمين. وقيل: المعنى لو لم يدفع الكفار بالمسلمين لعم الكفر ونزل سخط الله، فاستؤصل أهل الأرض وتصديق ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يدفع بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي وبمن يزكي عمن لا يزكي وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء لما أنظرهم الله طرفة عين"تفسير : ثم تلا هذه الآية {ولكنّ الله ذو فضلٍ على العالمين} بسبب ذلك الدفاع. وفيه أن الكل بقضاء الله وقدره وبقهره ولطفه وبعدله وفضله. التأويل: فقوله {ألم تر إلى الملأ} أن القوم لما أظهروا خلاف ما أضمروا وزعموا غير ما كتموا، عرض نقد دعواهم على محك معناهم فما أفلحوا عند الامتحان إذ عجزوا عن البرهان، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، وهذا حال أكثر مدّعي الإسلام والإيمان والذين يزعمون نصلي ونصوم ونحج ونزكي لله وفي الله باللسان دون صدق الجنان، وسيظهر ما كان لله وما كان للهوى في كفتي الميزان {فلما كتب عليهم القتال} تبين الأبطال من البطال {فتولوا إلا قليلاً منهم} وأن أهل الحق أعز من العنقاء وأعوز من الكيمياء. شعر : تعيرنا أنا قليـل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل تعيرنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل تفسير : وإنما لم ينل المدعون مقصودهم لأنه لم تخلص لله قصودهم ولو أنهم قالوا: {وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله} وقد أمرنا ربنا وأوجب القتال علينا وأنه سيدنا ومولانا فلعل الله صدق دعواهم وأعطى مناهم وأكرم مثواهم كما قال قوم من السعداء في أثناء البكاء والصعداء {أية : وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} تفسير : [المائدة: 84] فلا جرم أثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين. {إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً} فيه إشارة إلى أن الحكم الإلهية حلت وتجلت في جلباب تعاليها عن إدراك العقول البشرية كنه معنى من معانيها، ولهذا. قالوا: {أنى يكون له الملك علينا} وليس هذا بأعجب من قول المقرّبين المؤيدين بالأنوار القدسية {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها} تفسير : [البقرة: 30] واستحقاراً لشأن آدم واحتجاباً بحجب الأنانية والنحنية، فلما تكبر بنو إسرائيل وقالوا: {نحن أحق بالملك} وضعهم الله وحرموا الملك، ولما تواضع طالوت لله وقال: كيف أستحق الملك وسبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل، رفعه الله وأعطاه الملك. ولما تفوقت الملائكة وترفعوا بقولهم {أية : ونحن نسبح بحمدك} تفسير : [البقرة: 30] أمرهم بالسجود لآدم، ولما عرضت الخلافة على آدم فتواضع لله وقال: ما للتراب ورب الأرباب أكرمه الله تعالى بسجود الملائكة وحمل أعباء الأمانة {إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت} فيه إشارة إلى أن آية خلافة العبد أن يظفر بتابوت قلب {فيه سكينة} من ربه وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس مع الله {أية : ألا بذكر الله تطمئن القلوب} تفسير : [الرعد: 28] {بقية مما ترك آل موسى} هو عصا الذكر كلمة لا إله إلا الله وهي الثعبان الذي إذا فغر فاه تلقف عظيم سحر سحرة صفات فرعون النفس. وإن تابوتهم الذي فيه سكينتهم كان يتداوله أيدي الحدثان، وتابوت قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، وإن كان في تابوتهم بعض التوراة ففي تابوت قلب المؤمن جميع القرآن، وإن كان في تابوتهم صور الأنبياء ففي تابوت المؤمن رب الأرض والسماء كما قال: "حديث : لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن"تفسير : فإذا حصل لطالوت الروح الإنساني تابوت القلب الرباني سلم له ملك الخلافة، وإنقاد له جميع أسباط صفات الإنسان فلا يركن إلى الدنيا و يتجهز لقتال جالوت النفس الأمارة {إن الله مبتليكم بنهرٍ} هو نهر الدنيا وما زين للخلق فيها {أية : زين للناس حب الشهوات}تفسير : [آل عمران: 14] ليظهر المحسن من المسيء ويميز الخبيث من الطيب {إلا من اغترف غرفة بيده} قنع من متاع الدنيا بما لا بد له منه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار، وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اللهم اجعل قوت آل محمد كفافاً"تفسير : أي ما يمسك رمقهم {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} لأن من شرب من نهر الدنيا ماء شهواتها ولذاتها وتجاوز عن حد الضرورة فيها لا يطيق قتال جالوت النفس وجنود صفاتها وعسكر هواها، لأنه صار معلولاً مريض القلب فبقي على شط نهر الدنيا {أية : ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها} تفسير : [يونس: 7] {ولما برزوا لجالوت وجنوده} فيه إشارة إلى أن المجاهد في الجهاد الأكبر لا يقوم بحوله وقوته لقتال النفس إلا إذا رجع إلى ربه مستعيناً به مستغنياً عن غيره قائلاً {ربنا أفرغ علينا صبراً} على الائتمار بطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى والإعراض عن زينة الدنيا {وثبت أقدامنا} على التسليم في الشدة والرخاء ونزول البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء {وانصرنا على القوم الكافرين} وهم أعداؤنا في الدين عموماً، والنفس الأمارة وصفاتها التي هي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصاً {فهزموهم بإذن الله} بنصرته وقوته {وقتل داود} القلب {جالوت} النفس الخ. وأخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الركون إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى حتى صار الثلاثة حجراً واحداً وهو الالتفات إلى غير المولى، فوضعه في مقلاع التسليم والرضا فرمى به جالوت النفس، فسخر الله له ريح العناية حتى أصاب أنف بيضة هواها، وخالط دماغها فأخرج منه الفضول وخرج من قفاها وقتل من روائها ثلاثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها، وهزم الله باقي جيشها وهي الشياطين وأحزابها، وآتاه الله ملك الخلافة وحكمه الإلهامات الربانية، وعلمه مما يشاء من حقائق القرآن وإشاراته {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} يعني أرباب الطلب بالمشايخ البالغين الواصلين الهادين المهتدين كما قال {أية : ولكل قوم هاد} تفسير : [الرعد: 7] لفسدت أرض استعداداتهم المخلوقة في أحسن التقويم عن استيلاء جالوت النفس بتبديل أخلاقها وتكدير صفائها {ولكن الله ذو فضلٍ على العالمين} فمن كمال فضله ورحمته حرك سلسلة طلب الطالبين وألهم أسرارهم إرادة المشايخ الكاملين، ووفقهم للتمسك بذيول تربيتهم ووقفهم على التشبث بأهداب سيرهم، وثبتهم على الرياضات في حال تزكيتهم كما قال: {أية : ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء} تفسير : [النور: 21].

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَٰءِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ...} الآية: هذه الآية خَبَرٌ عن قوم من بني إِسرائيل نالتهم ذِلَّةٌ وغَلَبة عَدُوٍّ؛ فطلبوا الإِذن في الجِهَاد، وأن يؤمروا به، فلَمَّا أُمِرُوا، ركَعَّ أكثرهم، وصبر الأقلُّ، فنصرهم اللَّه، وفي هذا كلِّه مثالٌ للمؤمنين؛ ليحذروا المَكْرُوه منْه، ويقتدوا بالحَسَن. و {ٱلْمَلأَ}: في هذه الآية جميعُ القَوْم؛ لأن المعنَىٰ يقتضيه، وهو أصل اللفظة، ويسمى الأشرافُ «المَلأَ»؛ تشبيهاً، و {مِن بَعْدِ مُوسَىٰ}: معناه: مِنْ بعد موته، وٱنقضاءِ مدَّته. وقوله تعالى: {لِنَبِيٍّ لَّهُمُ}، قال ابن إِسحاق وغيره: هو شمويلُ بْن بَابِل. وقال السدِّيُّ: هو شَمْعُونُ، وكانت بنو إِسرائيل تغلِبُ من حارَبَها، وروي أنها كانت تَضَعُ التابوتَ الذي فيه السكينةِ والبقيَّة في مَأْزِقِ الحرب، فلا تزال تَغْلِبُ؛ حتى عصَتْ، وظهرتْ فيهم الأحداث، وخالف ملوكهم الأنبياء، واتَّبعوا الشَّهوات، وقد كان اللَّه تعالَىٰ أقام أمورهم؛ بأنْ يكون أنبياؤهم يسدِّدون ملوكهم، فلما فعلوا ما ذكرناه، سلَّط اللَّه عليهم أُمماً من الكَفَرة، فغلَبُوهم، وأُخِذَ لهم التابوتُ في بعض الحُرُوب، فذلّ أمرهم. وقال السُّدِّيُّ: كان الغالبُ لهم «جَالُوتَ»، وهو من العمالقة، فلما رأوا أنه الاِصطلامُ، وذَهَابُ الذِّكْرِ، أَنِفَ بعضُهمْ وتكلَّموا في أمرهم؛ حتى ٱجتمع ملأهم علَىٰ أنْ قالوا لنبيِّ الوَقْتِ: {ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًا...} الآية، وإِنما طلبوا مَلِكاً يقوم بأمر القتَال، وكانت المَمْلَكَة في سِبْطٍ من أسباط بني إِسرائيل يقال لهم: بَنُو يَهُوذا، فعلم النبيُّ بالوحْي، أنه ليس في بيْتِ المَمْلَكَة من يقوم بأمر الحَرْب، ويسَّر اللَّه لذلك طَالُوت، وقرأ جمهور النَّاسِ: «نُقَاتِلْ»؛ بالنون وجزم اللام؛ على جواب الأمر، وأراد النبيُّ المذكور - عليه السلام - أن يتوثَّق منهم، فوقفهم علَىٰ جهة التَّقْرِيرِ، وسَبْرِ ما عنْدَهم بقوله: {هَلْ عَسَيْتُمْ}، ومعنى هذه المقالةِ، هل أنتم قريبٌ من التولِّي والفرار، إِن كُتِبَ عليكم القِتَالُ. * ص *: {لِنَبِيٍّ } متعلِّق بـــ {قَالُواْ }، واللامُ معناها: التبليغُ. انتهى. ثم أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتالَ، تولَّوْا، أي: ٱضطربَتْ نياتهم، وفَتَرت عزائمهم، إلا قليلاً منهم، وهذا شأن الأمم المتنعِّمة المائلَة إِلى الدَّعَة تتمنَّى الحرب أوقاتِ السَّعَة، فإِذا حَضَرت الحَرْب، كَعَّتْ، وعن هذا المعنَىٰ نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ بِقَوْلِهِ: «حديث : لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدْوِّ، وَٱسْأَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ، فَٱثْبُتُوا». تفسير : ثم توعَّد سبحانه الظالمينَ في لَفْظ الخبر؛ بقوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ}. وقوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا...} الآية: قال وهْبُ بن مُنَبِّهٍ: وكان طالوتُ رجلاً دبَّاغاً، وقال السُّدِّيُّ: سَقَّاءً، وكان من سِبْط «بِنْيَامِينَ»، وكان سبطاً لا نبوَّةَ فيه، ولا ملكَ، ثم إِن بني إِسرائيل تعنَّتوا، وحادُوا عن أمر اللَّه، وجَرَوْا على سَنَنِهِمْ، فقالوا: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ }، أي: لم يؤت مالاً واسعاً، يجمع به نفوسَ الرجالِ، ويَغْلِبُ به أهْل الأَنَفَةِ. قال: * ع *: وترك القَوْمُ السَّببَ الأقوَىٰ، وهو قَدَرُ اللَّه وقضاؤُه السَّابقُ، وأنه مالكُ الملكِ؛ فٱحتجَّ عليهم نبيُّهم بالحُجَّة القاطعة، وبيَّن لهم مع ذلك تعليلَ ٱصطفاءِ طالوتَ ببَسْطَته في العِلْمِ، وهو مِلاَكُ الإِنسان، والجِسْمِ الذي هو مُعِينُهُ في الحرب، وعُدَّتُهُ عند اللقاء، و «ٱصْطَفَىٰ»: مأخوذٌ من الصَّفْوة، والجمهورُ علَىٰ أنَّ العلْم في هذه الآية يرادُ به العمومُ في المعارف، وقيل: المرادُ عِلْمُ الحرب، وأما جِسْمُهُ، فقال وهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: إِن أطْولَ رجُلٍ في بني إِسرائيل كان يَبْلُغ مَنْكِبَ طالوت. * ت *: قال أبو عُبَيْد الهَرَوِيُّ: قوله: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ}، أي: ٱنبساطاً وتوسُّعاً في العلْم، وطولاً وتماماً في الجسم. انتهى من شرحه لِغَرِيبَيِ القُرآن وأحاديثِ النبيِّ عليه السلام. ولما علم نبيُّهم - عليه السلام - تعنُّتهم وجدالَهم، تمَّم كلامه بالقَطْع الذي لا ٱعتراض عليه، وهو قوله: {وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ }، وظاهر اللفظ أنه من قول نبيِّهم - عليه السلام -، وذهب بعض المتأوِّلين إِلى أنَّه من قول اللَّه تعالَىٰ لمحمَّد صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر، و {وَٰسِعٌ}: معناه: وسعَتْ قدرته، وعلمه كلَّ شيْء، وأما قولُ النبيِّ لهم: {إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ}، فإِن الطبريَّ ذهب إِلى أن بني إِسرائيل تعنَّتوا، وقالوا لنبيِّهم: وما آية مُلْكِ طالُوتَ؟ وذلك على جهة سؤالِ الدَّلالة على صِدْقه في قوله: إِنَّ اللَّه بَعَثَهُ قال: * ع *: ويحتمل أنَّ نبيَّهم قال لهم ذلك على جهة التغليظِ والتنبيه علَىٰ هذه النعمة الَّتي قرَنَها بمُلْكِ طَالُوت، دون تكْذيب منْهم لنبيِّهم، وهذا عندي أظهر من لفظ الآية، وتأويلُ الطبريِّ أشبهُ بأخلاقِ بني إِسرائيل الذميمةِ؛ فإِنَّهم أهل تكذيبٍ وتعنُّتٍ وٱعوجاجٍ. وقد حكى الطبريُّ معناه عن ابْنِ عَبَّاس وغيره. واختلف في كيفيَّة إِتيان التابُوتِ، فقال وهب: لما صار التابوتُ عند القومِ الذين غَلَبُوا بني إِسْرَائيل، وضَعُوه في كنيسة لهم فيها أصنامٌ، فكانت الأصنام تُصْبِحُ منكَّسة، فجعلوه في قرية قَوْمٍ، فأصاب أولئك القَوْم أوجاعٌ، فقالُوا: ما هذا إِلاَّ لهذا التابوتِ، فلنردَّه إِلى بني إِسرائيل، فأخذوا عَجَلَةً، فجعلوا التابُوتَ علَيْها، وربَطُوها ببقرتَيْن، فأرسلوهما في الأرضِ نَحْو بلادِ بَني إسرائيل، فبعث اللَّه ملائكَةً تَسُوقُ البقرتَيْنِ؛ حتى دخَلَتَا به علَىٰ بني إِسرائيل، وهم في أمر طَالُوتَ، فأيقنوا بالنَّصْر. وقال قتادةُ، والربيعُ: كان هذا التابوتُ مما تركه موسَىٰ عنْد يُوشَعَ، فجعله يُوشَعُ في البريَّة، ومَرَّتْ علَيْه الدُّهُور؛ حتَّىٰ جاء وقْتُ طَالُوت، فحملَتْه الملائكةُ في الهَوَاء؛ حتى وضعْته بينهم، فٱستوثَقَتْ بنو إِسرائيل عند ذلك علَىٰ طالوت، وقيل غير هذا، واللَّه أعلم. وقوله تعالى: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ...} الآية: قال ابن عَبَّاس: السكينةُ طَسْتٌ من ذهَبٍ من الجَنَّة، وقال مجاهدٌ: السكينة لها رأس كرأس الهِرَّة، وجنَاحَان، وذَنَب. وقال عطاءٌ: السكينة ما يعرفونَ من الآياتِ، فيسكنون إِليها، وقال قتادة: {سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أي: وقار لكم من ربِّكم. قال: * ع *: والصحيحُ أن التابوت كانَتْ فيه أشياء فاضلةٌ من بقايا الأنبياء وآثارهم، تَسْكُن إِلى ذلك النُّفُوس، وتأنس به، ثم قَرَّر تعالَىٰ؛ أن مجيء التابوتِ آية لهم، إِنْ كانوا ممَّن يؤمن ويُبْصر. * ت *: وهذا يؤيِّد تأويلَ الطبريِّ المتقدِّم.

ابن عادل

تفسير : الملأُ من القَوْمِ وجوههم، وأشرافهم، وهو اسم للجماعة من النَّاس لا واحد لهُ من لفظه كالرَّهْطِ والقومِ، والجيشِ، والمَلأُ: الأَشرافُ سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يملئون العيونَ هيبةً، أو المجالسَ إذا حضروا؛ أو لأنهم مليئون بما يُحْتاج إليهم فيه، وقال الفرَّاءُ: "المَلأُ" الرجالُ في كلِّ القرآن، وكذلك القومُ والرَّهطُ والنَّفَرُ، ويُجْمع على أَمْلاء؛ قال: [الطويل] شعر : 1158- وَقَالَ لَهَا الأَمْلاَءُ مِنْ كُلِّ مَعْشَرٍ وَخَيْرُ أَقَاوِيلِ الرِّجَالِ سَدِيدُهَا تفسير : قال القرطبي: والملأ أيضاً حسن الخلق، ومنه الحديث: "حديث : أَحْسنُوا الملأَ فكلُّكُمْ سيروى" تفسير : أخرجه مسلم. قوله تعالى: "من بنيۤ" فيه وجهان: أحدهما: أَنَّهُ صلةٌ للملأ على مذهب الكُوفيين؛ لأنهم يجعلون المُعَرَّفَ بأل موصولاً؛ ويُنْشِدُون: [الطويل] شعر : 1159- لَعَمْرِي لأَنْتَ الَيْتُ أُكْرِمُ أَهْلَهُ وأَقْعُدُ في أَفْيَائِهِ بالأصائِلِ تفسير : و {مِن بَعْدِ مُوسَىۤ} متعلِّقٌ بما تعلَّقَ [به] الجارُّ الأولُ، وهو الاستقرار، ولا يضُرُّ اتحادُ الحرفين لفظاً لاختلافِهما معنًى، فإِنَّ الأولى للتبعيض والثانية لابتداءِ الغاية. وقال أبو البقاء: "مِنْ بعدِ" متعلِّقٌ بالجار الأول، أو بما تعلَّق به الأول يعني بالأولِ: "من بني"، وجعله عاملاً في "مِنْ بعد" لِما تضمنَّه من الاستقرار، فلذلك نَسَبَ العملَ إليه، وهذا على رأي بعضِهم، يَنْسِبُ العمل للظرف والجارِّ الواقِعَيْن خبراً أو صفةً أو حالاً أو صلةً، فتقول في نحو: "زيدٌ في الدار أبوه" أبوه: فاعلٌ بالجارِّ، والتحقيقُ أنه فاعلٌ بالاستقرار الذي تعلَّق به الجارُّ، وهو الوجهُ الثاني. وقدَّر أبو البقاء مضافاً محذوفاً. تقديرُه: من بعدِ موسى، ليصِحَّ المعنى بذلك. قوله: "إِذْ قَالوا" العاملُ في هذا الظرفِ أجازوا فيه وجهين: أحدهما: أنه العاملُ في "مِنْ بعد" لأنَّه بدلٌ منه، إذ هما زمانان، قاله أبو البقاء: والثاني: أنه "ألم تر" قال شهاب الدين وكلاهما غيرُ صحيحٍ. أمَّا الأول فلوجهين: أحدهما من جهة اللفظِ والآخرُ من جهة المعنى. فأمّا الذي من جهة اللفظِ فإنه على تقدير إعادة "مِنْ" و "إذ" لا تُجَرُّ بـ "مِنْ". الثاني: أنه ولو كانَتْ "إذ" من الظروف التي تُجَرُّ بـ "مِنْ" كوقت وحين لم يصِحَّ [ذلك أيضا لأنَّ العاملَ في "مِنْ بعد" محذوفٌ فإنه حالٌ تقديره: كائنين من بعد، ولو قلت: كائن من حين قالوا لنبيٍّ لهم ابعثْ لنا ملكاً لم يصِحَّ] هذا المعنى. وأمَّا الثاني فلأنه تقدَّم أن معنى "ألم تر" تقريرٌ للنفي، والمعنى: ألم ينته علمُك، أو قد نَظَرْتَ إلى الملأ وليس انتهاءُ علمِه إليهم ولا نظرُه إليهم كان في وقتِ قولهم ذلك، وإذا لم تكنْ ظرفاً للانتهاءِ ولا للنظر فكيف تكونُ معمولاً لهما أو لأحدِهما؟ وإذ قد بَطَلَ هذان الوجهان فلا بُدَّ له من عاملٍ يصِحُّ به المعنى وهو محذوفٌ، تقديره: ألم تَر إلى قصة الملأ أو حديث الملأ أو ما في معناه؛ وذلك لأنَّ الذواتِ لا يُتَعَجَّبُ منها، إنما يُتَعَجَّبُ من أحداثها، فصار المعنى: ألم تَرَ إلى ما جرى للملأ من بني إسرائيل إلى آخرها، فالعاملُ هو ذلك المجرورُ، ولا يصحُّ المعنى إلا به لِما تقدَّم. قوله تعالى: "لِنَبِيٍّ" متعلِّقٌ بـ "قالوا" واللامُ فيه للتبليغ، و "لهم" متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لنبي، ومحلُّه الجرُّ، و "ابعَثْ" وما في حيِّزه في محلِّ نصبٍ بالقولِ. و "لنا" الظاهرُ أنه متعلِّقٌ بابعَثْ، واللامُ للتعليلِ أي: لأجلِنا. قوله: "نقاتِلْ" الجمهورُ بالنونِ والجزم على جواب الأمر. وقرئ بالياء والجزم على ما تقدَّم، وابن أبي عبلة بالياءِ ورفعِ اللام على الصفةِ لملكاً، فمحلُّها النصبٌ أيضاً. [وقرئ بالنونِ ورفع اللام على أنها حالٌ من "لنا" فمحلُّها النصبُ أيضاً] أي: ابعَثْه لنا مقدِّرين القتال، أو على أنها استئنافُ جوابٍ لسؤالٍ مقدَّرٍ كأنه قال لهم: ما يَصْنعون بالملكِ؟ فقالوا نقاتِلْ. قوله: "هَلْ عَسَيْتُمْ" عسى واسمها، وخبرها "أَنْ لا تقاتِلوا" والشرطُ معترضٌ بينهما، وجوابهُ محذوفٌ للدلالة عليه، وهذا كما توسَّط في قوله: {أية : وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللهُ لَمُهْتَدُونَ}تفسير : [البقرة:70]، وهذا على رأي مَنْ يَجْعَلُ "عسى" داخلةً على المبتدأ والخبر، ويقولُ إنَّ "أَنْ" زائدةٌ لئلا يُخْبَرَ بالمعنى عن العين. وأمّا مَنْ يرى أنّها تُضَمَّنُ معنى فعل متعدٍّ فيقول: "عَسَيْتم" فعلٌ وفاعلٌ، و "أَنْ" وما بعدها مفعولٌ به تقديره: هل قارَبْتُم عدم القتالِ، فهي عنده ليسَتْ من النواسخِ، والأولُ هو المشهورُ. وقرأ نافع "عَسِيْتُم" هنا وفي القتال: بكسر السينِ، وهي لغةٌ مع تاءِ الفاعلِ مطلقاً ومع نا [ومع] نونِ الإناثِ نحو: عَسِينا وعَسِين، وهي لغةُ الحجاز، ولهذا غَلِطَ مَنْ قال: "عسى تُكْسَرُ مع المضمر" وأَطْلَقَ، بل كان ينبغي له أن يُقَيِّدَ الضمير بما ذكرنا، إذ لا يقال: الزيدان عَسِيا والزيدون عَسِيوا بالكسرِ البتة. وقال الفارسي: "ووجهُ الكسرِ قولُ العربِ: "هو عَس بكذا" مثل: حَرٍ وشَج، وقد جاء فَعَل وفَعِل في نحو: نَقَم ونَقِم، فكذلك عَسَيْتُ وعَسِيْتُ، فإِنْ أُسْنِدَ الفعلُ إلى ظاهرٍ فقياسُ عَسِيتم - أي بالكسر - أن يقال: "عَسِيَ زيدٌ" مثل: "رَضِي زيدٌ". فإن قيل: فهو القياسُ، وإِنْ لم يُقَلْ فسائِغٌ أن يُؤْخَذَ باللغتين، فتُسْتَعملَ إحداهما موضعَ الأخرى كما فُعِل ذلك في غيره" فظاهرُ هذه العبارة أنه يجوز كسرُ سينِها مع الظاهِر بطريق القياسِ على المضمرِ، وغيرهُ من النحويين يمنعُ ذلك حتى مع المضمر مطلقاً، ولكن لا يُلتفت إليه لورودِه متواتراً، وظاهرُ قوله "قولُ العرب: عَسٍ" أنه مسموعٌ منهم اسمُ فاعلها، وكذلك حكاه أبو البقاء أيضاً عن ابن الأعرابي، وقد نَصَّ النحاة على أن "عسى" لا تتصرَّف". واعلم أنَّ مدلولَ "عسى" إنشاءٌ لأنها للترجي أو للإِشفاق، فعلى هذا: فكيف دَخَلت عليها "هل" التي تقتضي الاستفهامَ؟ فالجوابُ أن الكلامَ محمولٌ على المعنى، قال الزمخشري: "والمعنى: هل قارَبْتم ألاَّ تقاتلوا، يعني: هل الأمرُ كما أتوقّعه أنكم لا تقاتلون، أراد أن يقول: عَسَيْتُم ألا تقاتلوا، بمعنى أتوقَّعُ جبنَكم عن القتالِ، فأدخلَ "هل" مستفهِماً عما هو متوقعٌ عنده ومَظْنونٌ، وأرادَ بالاستفهام التقريرَ، وثَبَتَ أنَّ المتوقَّع كائنٌ وأنه صائبٌ في توقعه؛ كقوله تعالى: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ}تفسير : [الإنسان:1] معناه التقريرُ" وهذا من أَحسنِ الكلامِ، وأحسنُ مِنْ قول مَنْ زعم أنها خبرٌ لا إنشاءٌ؛ مُسْتَدِلاً بدخولِ الاستفهام عليها؛ وبوقوعها خبراً لـ "إنَّ" في قوله: [الرجز] شعر : 1160- لاَ تُكْثِرَنْ إِنِّي عَسَيْتُ صَائِمَا تفسير : وهذا لا دليلَ فيه؛ لأنه على إضمار القول؛ كقوله: [البسيط] شعر : 1161- إِنَّ الَّذِينَ قَتَلْتُمْ أَمْسِ سَيِّدَهُمْ لاَ تَحْسَبُوا لَيْلَهُمْ عَنْ لَيْلِكُمْ نَامَا تفسير : ولذلك لا توصلُ بها الموصولات؛ خلافاً لهشامٍ. قوله: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ} هذه الواوُ رابطةٌ لهذا الكلام بما قبلَه، ولو حُذِفَتْ لجازَ أن يكونَ منقطعاً مِمَّا قبله. و "ما" في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، ومعناها الاستفهامُ، وهو استفهامُ إنكارٍ. و "لنا" في محلِّ رفع خبر لـ "ما". و "أَلاَّ نُقَاتِلَ" فيه ثلاثةُ أوجهٍ. أظهرها: أنَّها على حذفِ حرفِ الجرِّ وهو قول الكسائي والتقديرُ: وما لنا في ألاَّ نقاتل، أي: في تركِ القتالِ، ثم حُذِفَتْ "في" مع "أَنْ" فجرى فيها الخلافُ المشهورُ بين الخليل وسيبويه: أهي في محلِّ جر أم نصبٍ؟ وهذا الجارَّ يتعلَّقُ بنفسِ الجارِّ الذي هو "لنا" أو بما يتعلَّق هو به على حسبِ ما تقدَّم في "مِنْ بعد موسى". قال البغوي: فإن قيل: فما وجه دخول "أن" في هذا الموضع، والعرب لا تقول ما لك ألاَّ تفعل، وإنما يقال: ما لك لا تفعل؟ قيل: دخول "أن" وحذفها لغتان صحيحتان، فالإثبات كقوله تعالى: {أية : مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ}تفسير : [الحجر:32]، والحذف كقوله تعالى: {أية : وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللهِ}تفسير : [الحديد:8] وقال الفراء: الكلام هاهنا محمول على المعنى؛ لأن قولك: ما لك لا تقاتل؟ معناه: ما يمنعك أن تقاتل، فلما كان معناه المنع حسن إدخال "أن" فيه كقوله {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ}تفسير : [ص:75] وقوله: {أية : أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ}تفسير : [الحجر:32] ورجح الفارسي قول الكسائي على قول الفراء. قال: لأن على قول الفراء لا بد من إضمار حرف الجر تقديره ما يمنعنا من أن نقاتل فإذا كان لا بد من إضمار حرف الجر على القولين، فعلى قول الكسائي يبقى الإضمار على ظاهره وعلى قول الفراء لا يبقى، فكان قول الكسائي أولى. الثاني: مذهب الأخفش أنَّ "أَنْ" زائدةٌ، ولا يضرُّ عملها مع زيادتها، كما لا يضرُّ ذلك في حروف الجر الزائدة، وعلى هذا فالجملة المنفيَّة بعدها في محلِّ نصبٍ على الحال، كأنه قيل: ما لنا غير مقاتلين، كقوله: {أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً}تفسير : [نوح:13] {أية : وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ}تفسير : [المائدة:84] وقول العرب: "ما لك قائماً"، وقول الله تعالى: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ}تفسير : [المدثر:49] وهذا المذهب ضعيفٌ لأنَّ الأصل عدم الزيادة، فلا يصار إليها دون ضرورةٍ. الثالث: - وهو أضعفها - وهو مذهب الطبري أنَّ ثمَّ واواً محذوفةً قبل قوله: "أن لا نقاتلَ". قال: "تقديره: وما لنا ولأن لا نقاتل، كقولك: إياك أن تتكلَّم، أي: إياك وأن تتكلم، فحذفت الواو" وهذا كما ترى ضعيفٌ جداً. وأمَّا قوله: إنَّ قولهم إياك أن تتكلم على حذف الواو؛ فليس كما زعم، بل "إياك" ضمِّنت معنى الفعل المراد به التحذير، و "أَنْ تتكلمَ" في محلِّ نصبٍ به تقديره: احذر التكلم. قوله: "وَقَدْ أُخْرِجْنَا" هذه الجملة في محلِّ نصبٍ على الحال، والعامل فيها: "نقاتلْ"، أنكروا ترك القتال وقد التبسوا بهذه الحال. وهذه قراءة الجمهور، أعني بناء الفعل للمفعول. وقرأ عمرو بن عبيد: "أَخْرَجَنا" على البناء للفاعل. وفيه وجهان: أحدهما: أنه ضمير الله تعالى، أي: وقد أخرجنا الله بذنوبنا. والثاني: أنه ضمير العدوّ. "وأبنآئنا" عطفٌ على "ديارنا" أي: ومن أبنائنا، فلا بدَّ من حذف مضافٍ تقديره: "ومن بين أبنائنا" كذا قدره أبو البقاء. وقيل: إنَّ هذا على القلب، والأصل: وقد أُخرج أبناؤنا منا، ولا حاجة إلى هذا. قوله تعالى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ}، فاعلم أن في الكلام محذوفاً تقديره: فسألوا الله تعالى ذلك فبعث لهم ملكاً وكتب عليهم القتال فتولوا. قوله: "إِلاَّ قَلِيلاً" نصبٌ على الاستثناء المتصل من فاعل "تَوَلَّوا" فإن قيل المستثنى لا يكون مبهماً، لو قلت: "قام القومُ لا رجالاً" لم يصحَّ، فالجواب إنما صحَّ هذا لأنَّ "قليلاً" في الحقيقة صفةٌ لمحذوفٍ، ولأنه قد تخصَّص بوصفه بقوله: "منهم"، فقرب من الاختصاص بذلك. وقرأ أُبي: "إلاَّ أن يكون قليلٌ منهم" وهو استثناءٌ منقطعٌ، لأنَّ الكون معنًى من المعاني والمستثنى منه جثثٌ. ولا بدّ من بيان هذه المسألة لكثرة فائدتها. وذلك أنّ العرب تقول: "قام القوم إلا أنْ يكونَ زيدٌ وزيداً" بالرفع والنصب، فالرفع على جعل "كان" تامةً، و "زيدٌ" فاعلٌ، والنصب على جعلها ناقصةً، و "زيداً" خبرها، واسمها ضميرٌ عائدٌ على البعض المفهوم من قوة الكلام، والتقدير: قام القوم إلا أن يكون هو - أي بعضهم - زيداً، والمعنى: قام القوم إلا كون زيدٍ في القائمين، وإذا انتفى كونه قائماً انتفى قيامه، فلا فرق من حيث المعنى بين العبارتين، أعني "قام القوم إلا زيداً" و "قاموا إلا أن يكون زيداً"، إلا أن الأول استثناءٌ متصلٌ، والثاني منقطعٌ لما قررناه. فصل وجه تعلُّق هذه الآية بما قبلها أنَّه تعالى لما فرض القتال بقوله: {أية : وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ}تفسير : [البقرة:244]، ثمَّ أمر بالإنفاق فيه بقوله: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللهَ}تفسير : [البقرة:245] ذكر بعد ذلك هذه القصة تحريضاً على عدم تركهم مخالفة الأمر بالقتال، فإنَّهم لما أُمروا تولَّوا، وخالفوا؛ فذمهم الله تعالى ونسبهم إلى الظُّلم بقوله: {وَٱللهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} والمراد التَّرغيب في الجهاد. فصل فيمن هو النبي الذي نادى بالبعث في الآية اختلفوا في ذلك النبيِّ الذي قالوا له {ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً} من هو فقال قتادة: هو يوشع ابن نون بن أفرائيم بن يوسف لقوله تعالى: {مِن بَعْدِ مُوسَىۤ} وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ قوله {مِن بَعْدِ مُوسَىۤ} كما لا يحتمل الاتصال بالتَّعاقب يحتمل البعديَّة بغير تعاقب، وإن كان بينهما غير يوشع؛ لأنَّ البعديّة حاصلة، وذكر ابن عطيَّة في تضعيف هذا القول أنَّ مدَّة داود بعد موسى بقرون من النَّاس، ويوشع هو فتى موسى عليهما الصَّلاة والسَّلام. وقال السُّدِّيُّ: اسمه شمعون سمَّته أُمُّه بذلك؛ لأنَّها دعت الله أن يرزقها غلاماً، فاستجاب الله دعاءها، فسمته سمعون، أي: سمع الله دعائي، والسِّين تصير شيناً بالعبرانية وهو شمعون ابن صفيَّة بنت علقمة، من ولد لاوي بن يعقوب. وقال سائر المفسِّرين: هو اشمويل بن هلقايا. فصل كان سبب مسألتهم إيّاه ذلك؛ لأنَّه لمَّا مات موسى خلف بعده في بني إسرائيل يوشع بن نون يقيم فيهم التَّوراة، وأمر الله، حتى قبضه الله، ثمَّ خلف فيهم "كالِب بْنَ يُوفَنَا"؛ حتى قبضه الله، ثمَّ حزقيل حتى قبضه الله، ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل ونسوا عهد الله؛ حتى عبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم "إِلْياسَ" نبياً، فدعاهم إلى الله، وكانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى، يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التَّوراة، ثم خلف بعد "إِلْيَاسَ" "اَلْيَسَع"، وكان فيهم ما شاء الله؛ حتَّى قبضه الله، وخلف فيهم الخلوف، وعظمت الخطايا وظهر لهم عدوٌّ يقال له البلثاثا، وهم قوم "جَالُوتَ"، كانوا يسكنون ساحل بحر الرُّوم، بين مصر، وفلسطين، وهم العمالقة، فظهروا على بني إسرائيل، وغلبوا على كثير من أرضهم، وسبوا كثيراً من ذراريهم، وأسروا من أبناء ملوكهم أربعين وأربعمائة غلام، وضربوا عليهم الجزية، وأخذوا توراتهم، ولقي بنو إسرائيل منهم بلاءً شديداً، ولم يكن لهم نبيٌّ يدبِّر أمرهم، وكان سبط النُّبوَّة قد هلكوا، فلم يبق منهم إلاَّ امرأة حبلى؛ فحبسوها في بيت رهبة أن تلد جاريةً، فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها، وجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاماً؛ فولدت غلاماً فسمته شمويل تقول: سمع الله دعائي، فكبر الغلام فأسلموه ليتعلم التَّوراة في بيت المقدس، وكفله شيخٌ من علمائهم وتبنَّاه، فلمَّا بلغ الغلام أتاه جبريل، وهو نائم إلى جنب الشَّيخ، وكان لا يأتمن عليه أحداً، فدعاه جبريل بلحن الشيخ: يا أُشمويل، فقام الغلام فزعاً إلى الشَّيخ وقال: يا أبتاه دعوتني؟ فكره الشَّيخ أن يقول: لا فيفزع الغلام، فقال: يا بنيّ ارجع فنم، فرجع الغلام، فَنَامَ، ثمَّ دعاه الثَّانية، فقال الغلام: يا أَبَتِ دَعَوْتَنِي!؟ فقال: ارجع فنم فإنْ دعوتُكَ الثَّالثة؛ فلا تجبني، فلمَّا كانت الثَّالثة ظهر له جبريل فقال له: اذهب إلى قومك؛ فبلغهم رسالة ربِّك، فإن الله قد بعثك فيهم نبيّاً، فلمَّا أتاهم كذَّبوه، وقالوا له: استعجلت بالنُّبوَّة، ولم تَنَلْكَ، وقالوا: إن كنت صادقاً فابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله آيةً من نبوَّتك، وإنما كان قوام أمر بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك، وطاعة الملوك لأنبيائهم، فكان الملك هو الذي يسير بالجموع، والنَّبيُّ يقوم له بأمره، ويشير عليه برشده، ويأتيه بالخبر من عند ربِّه. قال وهبٌ: بعث الله أُشمويل نبيّاً، فلبثوا أربعين سنةً بأحسن حال، ثمَّ كان من أمر جالوت، والعمالقة ما كان فقالوا لأُشمويل: "ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِل"، فقال: "هَلْ عَسَيْتُم"؟! استفهام شكٍّ، أي: لعلكم "إِنْ كُتِبَ" أي: فرض "عَلَيْكُمُ القِتَالُ" مع ذلك الملك ألا تفوا بما تقولون، ولا تقاتلوا معه "قَالُوا: وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا"، فجعلوا ذلك علَّةً قويَّة توجب التَّشديد في أمر الجهاد؛ لأنَّ من بلغ منه العدوُّ هذا المبلغ، فالظَّاهر من أمره الاجتهاد في قمع عدوِّه ومقاتلته، وظاهر الكلام العموم، والمراد الخصوص؛ لأنَّ الذين قالوا لنبيِّهم: ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله؛ كانوا في ديارهم وأوطانهم، وإنَّما أخرج من أسر منهم، ومعنى الآية أنهم قالوا مجيبين لنبيّهم: إنما كنا نزهد في الجهاد إذ كنا ممنوعين في بلادنا، لا يظهر علينا عدوٌّ، فأمَّا إذْ بلغ ذلك منَّا، فنطيع ربَّنا في الجهاد، ونمنع نساءنا، وأولادنا، {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْا}: أعرضوا عن الجهاد، وضيَّعوا أمر الله {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} - وهم الذين عبروا النَّهر مع طالوت، واقتصروا على الغرفة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قيل: كان عدد هذا القليل ثلاثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدرٍ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في الآية قال‏:‏ ذكر لنا - والله أعلم - أن موسى لما حضرته الوفاة استخلف فتاه يوشع بن نون على بني إسرائيل، وأن يوشع بن نون سار فيهم بكتاب الله التوراة وسنة نبيه موسى، ثم أن يوشع بن نون توفي واستخلف فيهم آخر، فسار فيهم بكتاب الله وسنة نبيه موسى، ثم استخلف آخر فسار فيهم بسيرة صاحبيه، ثم استخلف آخر فعرفوا وأنكروا، ثم استخلف آخر فأنكروا عامة أمره، ثم استخلف آخر فأنكروا أمره كله، ثم أن بني إسرائيل أتوا نبياً من أنبيائهم حين أوذوا في أنفسهم وأموالهم، فقالوا له‏:‏ سل ربك أن يكتب علينا القتال‏.‏ فقال لهم ذلك النبي‏:‏ ‏{‏هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا‏.‏‏.‏‏.‏‏} الآية‏.‏ فبعث الله طالوت ملكاً، وكان في بني إسرائيل سبطان سبط نبوّة وسبط مملكة، ولم يكن طالوت من سبط النبوّة ولا من سبط المملكة، فلما بعث لهم ملكاً أنكروا ذلك وقالوا: ‏{‏أنى يكون له الملك علينا‏}‏ فقال: ‏{‏إن الله اصطفاه عليكم‏} الآية‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ هذا حين رفعت التوراة واستخرج أهل الإِيمان، وكانت الجبابرة قد أخرجتهم من ديارهم وأبنائهم، فلما كتب عليهم القتال وذلك حين أتاهم التابوت قال‏:‏ وكان من بني اسرائيل سبطان سبط نبوّة وسبط خلافة، فلا تكون الخلافة إلا في سبط الخلافة، ولا تكون النبوّة إلا في سبط النبوّة ‏ {‏فقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه‏} ‏ وليس من أحد السبطين، لا من سبط النبوّة ولا من سبط الخلافة {‏قال إن الله اصطفاه عليكم‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏} الآية فأبوا أن يسلموا له الرياسة حتى قال لهم ‏{أية : ‏إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم‏} تفسير : ‏[‏البقرة: 248‏] وكان موسى حين ألقى الألواح تكسرت ورفعه منها، وجمع ما بقي فجعله في التابوت، وكانت العمالقة قد سبت ذلك التابوت - والعمالقة فرقة من عاد كانوا بأريحا - فجاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت، فلما رأوا ذلك قالوا‏:‏ نعم، فسلموا له وملكوه، وكانت الأنبياء إذا حضروا قتالاً قدموا التابوت بين أيديهم‏.‏ ويقولون‏:‏ إن آدم نزل بذلك التابوت، وبالركن، وبعصا موسى من الجنة، وبلغني أن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية، وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة‏. وأخرج ابن إسحق وابن جرير عن وهب بن منبه قال‏:‏ خلف بعد موسى في بني إسرائيل يوشع بن نون يقيم فيهم التوارة وأمر الله حتى قبضه الله، ثم خلف فيهم كالب بن يوقنا يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه الله، ثم خلف فيهم حزقيل بن بورى وهو ابن العجوز، ثم أن الله قبض حزقيل وعظمت في بني إسرائيل الأحداث ونسوا ما كان من عهد الله إليهم حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله، فبعث إليهم إلياس بن نسي بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران نبيا‏ً.‏ وإنما كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التوراة، وكان إلياس مع ملك من ملوك بني إسرائيل يقال له أجان وكان يسمع منه ويصدقه، فكان إلياس يقيم له أمره، وكان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنماً يعبدونه، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً إلا ما كان من ذلك الملك، والملوك متفرقة بالشام كل ملك له ناحية منها يأكلها، فقال ذلك الملك لإِلياس‏:‏ ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، أرى فلان وفلاناً - يعدد ملوك بني إسرائيل - قد عبدوا الأوثان، وهم يأكلون ويشربون ويتنعمون ما ينقص من دنياهم، فاسترجع إلياس وقام شعره ثم رفضه وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان‏.‏ ثم خلف من بعده فيهم اليسع فكان فيهم ما شاء الله أن يكون، ثم قبضه الله إليه وخلفت فيهم الخلوف وعظمت فيهم الخطايا وعندهم التابوت يتوارثونه كابراً عن كابر، فيه السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وكان لا يلقاهم عدو فيقدمون التابوت ويرجعون به معهم إلا هزم الله ذلك العدو، فلما عظمت أحداثهم وتركوا عهد الله إليهم، نزل بهم عدو فخرجوا إليه وأخرجوا معهم التابوت كما كانوا يخرجونه، ثم زحفوا به فقوتلوا حتى استلب من أيديهم، فمرج أمرهم عليهم ووطئهم عدوهم حتى أصاب من أبنائهم ونسائهم، وفيهم نبي لهم يقال له شمويل، وهو الذي ذكره الله في قوله ‏{‏ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ فكلموه وقالوا ‏{‏ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله‏}‏‏ .‏ وإنما كان قوام بني اسرائيل الاجتماع على الملوك وطاعة الملوك أنبياءهم، وكان الملك هو يسير بالجموع والنبي يقوم له بأمره ويأتيه بالخبر من ربه، فإذا فعلوا ذلك صلح أمرهم، فإذا عتت ملوكهم وتركوا أمر أنبيائهم فسد أمرهم، فكانت الملوك إذا تابعتها الجماعة على الضلالة تركوا أمر الرسل، ففريقاً يكذبون فلا يقبلون منه شيئاً وفريقاً يقتلون، فلم يزل ذلك البلاء بهم حتى قالوا ‏له {‏ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله‏}‏ فقال لهم‏:‏ إنه ليس عندكم وفاء، ولا صدق، ولا رغبة في الجهاد‏.‏ فقالوا‏:‏ إنا كنا نهاب الجهاد ونزهد فيه، إنا كنا ممنوعين في بلادنا لا يطأها أحد فلا يظهر علينا عدو، فأما إذا بلغ ذلك فإنه لا بد من الجهاد، فنطيع ربنا في جهاد عدونا ونمنع أبناءنا ونساءنا وذرارينا‏.‏ فلما قالوا له ذلك سأل الله شمويل أن يبعث لهم ملكا‏ً.‏ فقال الله له‏:‏ انظر القرن الذي فيه الدهن في بيتك، فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن - فهو ملك بني إسرائيل - فادهن رأسه منه وملكه عليهم، فأقام ينتظر متى ذلك الرجل داخلاً عليه، وكان طالوت رجلاً دبَّاغاً يعمل الأدم، وكان من سبط بنيامين بن يعقوب، وكان سبط بنيامين سبطاً لم يكن فيهم نبوة ولا ملك، فخرج طالوت في ابتغاء دابة له أضلته ومعه غلام، فمرا ببيت النبي عليه السلام فقال غلام طالوت لطالوت‏:‏ لو دخلت بنا على هذا النبي فسألناه عن أمر دابتنا فيرشدنا ويدعو لنا فيها بخير‏.‏ فقال طالوت‏:‏ ما بما قلت من بأس فدخلا عليه، فبينما هما عنده يذكران له شأن دابتهما ويسألانه أن يدعو لهما فيها إذ نش الدهن الذي في القرن، فقام إليه النبي عليه السلام فأخذه، ثم قال لطالوت‏:‏ قرب رأسك فقربه، فدهنه منه ثم قال‏:‏ أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله أن أملكك عليهم، وكان اسم طالوت بالسريانية شاول بن قيس بن أشال بن ضرار بن يحرب بن أفيح بن أنس بن يامين بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم، فجلس عنده وقال‏:‏ الناس ملك طالوت‏.‏ فأتت عظماء بني إسرائيل نبيهم فقالوا له‏:‏ ما شأن طالوت تملك علينا وليس من بيت النبوة ولا المملكة، قد عرفت أن النبوة والملك في آل لاوي وآل يهوذا‏؟!‏ فقال لهم ‏ {‏إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن وهب بن منبه قال‏:‏ قالت بنو إسرائيل لشمويل‏:‏ ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله قال‏:‏ قد كفاكم الله القتال‏.‏ قالوا‏:‏ إنا نتخوف من حولنا فيكون لنا ملك نفزع إليه، فأوحى الله إلى شمويل‏:‏ أن ابعث لهم طالوت ملكاً، وادهنه بدهن القدس‏.‏ وضلت حمر لأبي طالوت فأرسله وغلاماً له يطلبانها، فجاؤوا إلى شمويل يسألونه عنها فقال‏:‏ إن الله قد بعثك ملكاً على بني إسرائيل‏.‏ قال‏:‏ أنا‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ وما علمت أن سبطي ادنى أسباط بني إسرائيل‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فبأي آية‏؟‏ قال‏:‏ بآية أن ترجع وقد وجد أبوك حمره، فدهنه بدهن القدس فقال لبني إسرائيل {‏إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنى يكون له الملك‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ‏{‏إذ قالوا لنبي لهم‏}‏ قال‏:‏ شمؤل‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في الآية قال‏:‏ هو يوشع بن نون‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن مرة عن أبي عبيدة ‏ {‏إذ قالوا لنبي لهم‏} ‏ قال‏:‏ هو الشمول ابن حنة بن العاقر‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال‏:‏ كانت بنو إسرائيل يقاتلون العمالقة، وكان ملك العمالقة جالوت، وأنهم ظهروا على بني إسرائيل فضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم، وكانت بنو إسرائيل يسألون الله أن يبعث لهم نبياً يقاتلون معه، وكان سبط النبوة قد هلكوا فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى، فأخذوها فحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية فتبدله بغلام لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها، فجعلت تدعو الله أن يرزقها غلاماً، فولدت غلاماً فسمته شمعون‏.‏ فكبر الغلام فاسلمته يتعلم التوراة في بيت المقدس، وكفله شيخ من علمائهم وتبناه، فلما بلغ الغلام أن يبعثه الله نبياً أتاه جبريل والغلام نائم إلى جنب الشيخ، وكان لا يأتمن عليه أحداً غيره، فدعاه بلحن الشيخ يا شماؤل، فقام الغلام فزعاً إلى الشيخ فقال‏:‏ يا أبتاه دعوتني‏؟‏ فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع الغلام، فقال‏:‏ يا بني ارجع فنم‏.‏ فرجع فنام، ثم دعاه الثانية فأتاه الغلام أيضاً فقال‏:‏ دعوتني‏؟‏ فقال‏:‏ ارجع فنم فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني‏.‏ فلما كانت الثالثة ظهر له جبريل فقال‏:‏ اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك، فإن الله قد بعثك فيهم نبياً، فلما أتاهم كذبوه وقالوا‏:‏ استعجلت بالنبوة ولم يأن لك، وقالوا‏:‏ إن كنت صادقاً فابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله آية نبوتك‏.‏ فقال لهم شمعون‏:‏ عسى أن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا ‏{‏قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ فدعا الله فأتي بعصا تكون على مقدار طول الرجل الذي يبعث فيهم ملكاً‏.‏ فقال‏:‏ إن صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا‏.‏ فقاسوا أنفسهم بها فلم يكونوا مثلها‏. وكان طالوت رجلاً سقاء يسقي على حمار له، فضلّ حماره، فانطلق يطلبه في الطريق، فلما رأوه دعوه فقاسوه بها فكان مثلها‏.‏ فقال لهم نبيهم ‏ {‏إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً‏}‏ قال القوم‏:‏ ما كنت قط أكذب منك الساعة، ونحن من سبط المملكة وليس هو من سبط المملكة، ولم يؤت سعة من المال فنتبعه لذلك‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم‏} ‏ قالوا‏:‏ فإن كنت صادقاً فأتنا بآية ان هذا ملك‏.‏ قال ‏{أية : ‏إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت‏.‏‏.‏‏.‏‏}تفسير : ‏[‏البقرة: 248‏]‏ الآية‏.‏ فأصبح التابوت وما فيه في دار طالوت، فآمنوا بنبوة شمعون وسلموا بملك طالوت‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال‏:‏ كان طالوت سقاء يبيع الماء‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله ‏{‏قالوا أنى يكون له الملك علينا‏}‏ قال‏:‏ لم يقولوا ذلك، إلا أنه كان في بني إسرائيل سبطان كان في أحدهما النبوة وفي الآخر الملك، فلا يبعث نبي إلا من كان من سبط النبوة، ولا يملك على الأرض أحد إلا من كان من سبط الملك، وأنه ابتعث طالوت حين ابتعثه وليس من أحد السبطين ‏ {‏قال إن الله اصطفاه‏} ‏ يعني اختاره عليكم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك في قوله {‏أنى‏}‏ يعني من أين‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس ‏ {‏وزاده بسطة‏}‏ يقول‏:‏ فضيلة ‏ {‏في العلم والجسم‏} ‏ يقول‏:‏ كان عظيماً جسيماً يفضل بني إسرائيل بعنقه‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه في قوله ‏{‏وزاده بسطة في العلم‏} قال‏:‏ العلم بالحرب‏.‏ وأخرج ابن جرير عن وهب في قوله ‏{‏والجسم‏}‏ قال‏:‏ كان فوق بني إسرائيل بمنكبيه فصاعداً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ‏ {‏والله يؤتي ملكه من يشاء‏} ‏قال‏:‏ سلطانه‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن وهب أنه سئل أنبي كان طالوت‏؟‏ قال‏:‏ لا، لم يأته وحي‏.‏ وأخرج إسحق بن بشر في المبتدأ وابن عساكر من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس ومن طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله ‏{‏ألم تر إلى الملأ‏} ‏ يعني ألم تخبر يا محمد عن الملأ ‏ {‏من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم‏} اشمويل ‏{‏ابعث لنا ملكاً نقاتل‏} ‏ إلى قوله ‏{‏وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا‏}‏ يعني أخرجتنا العمالقة، وكان رأس العمالقة يومئذ جالوت، فسأل الله نبيهم أن يبعث لهم ملكا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى‏} قال‏:‏ هم الذين قال الله ‏{أية : ‏ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة‏}‏تفسير : [‏النساء: 77‏]‏. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ‏ {نحن أحق بالملك منه‏} ‏ قال‏:‏ لأنه لم يكن من سبط النبوة ولا من سبط الخلافة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال‏:‏ بعث الله لهم طالوت ملكاً وكان من سبط لم تكن فيه مملكة ولا نبوة، وكان في بني إسرائيل سبطان سبط نبوة وسبط مملكة، فكان سبط النبوة سبط لاوي، وكان سبط المملكة سبط يهوذا، فلما بعث طالوت من غير سبط النبوة والمملكة أنكروا ذلك وعجبوا منه و {‏قالوا أنى يكون له الملك علينا‏}‏ قالوا‏:‏ كيف يكون له الملك علينا وليس من سبط النبوة ولا المملكة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبيدة قال‏:‏ كان في بني إسرائيل رجل له ضرتان، وكانت إحداهما تلد والأخرى لا تلد، فاشتد على التي لا تلد فتطهرت، فخرجت إلى المسجد لتدعو الله فلقيها حكم بني اسرائيل - وحكماؤهم الذين يدبرون أمورهم - فقال‏:‏ أين تذهبين‏؟‏ قالت‏:‏ حاجة لي إلى ربي‏.‏ قال‏:‏ اللهم اقض لها حاجتها فعلقت بغلام وهو الشمول، فلما ولدت جعلته محرراً، وكانوا يجعلون المحرر إذا بلغ السعي في المسجد يخدم أهله، فلما بلغ الشمول السعي دفع إلى أهل المسجد يخدم، فنودي الشمول ليلة، فأتى الحكم فقال‏:‏ دعوتني‏؟‏ فقال‏:‏ لا، فلما كانت الليلة الأخرى دعي، فأتى الحكم فقال‏:‏ دعوتني‏؟‏ فقال‏:‏ لا، وكان الحكم يعلم كيف تكون النبوة فقال‏:‏ دعيت البارحة الأولى‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ودعيت البارحة‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فإن دعيت الليلة فقل لبيك وسعديك والخير في يديك والمهدي من هديت، أنا عبدك بين يديك مرني بما شئت‏.‏ فأوحي إليه، فأتى الحكم فقال‏:‏ دعيت الليلة‏؟‏ قال‏:‏ نعم، وأوحي إلي‏.‏ قال‏:‏ فذكرت لك بشيء‏؟‏ قال‏:‏ لا عليك أن لا تسألني‏.‏ قال‏:‏ ما أبيت أن تخبرني إلا وقد ذكر لك شيء من أمري، فألح عليه وأبى أن يدعه حتى أخبره‏.‏ فقال‏:‏ قيل لي‏:‏ إنه قد حضرت هلكتك وارتشى ابنك في حكمك، فكان لا يدبر أمراً إلا انتكث ولا يبعث جيشاً إلا هزم، حتى بعث جيشاً وبعث معهم بالتوراة يستفتح بها فهزموا، وأخذت التوراة فصعد المنبر وهو آسف غضبان، فوقع فانكسرت رجله أو فخذه فمات من ذلك، فعند ذلك قالوا لنبيهم‏:‏ ابعث لنا ملكاً وهو الشمول بن حنة العاقر‏.‏

ابو السعود

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} تقريرٌ وتعجيب كما سبق قُطع عنه للإيذان باستقلاله في التعجب مع أن له مزيدَ ارتباطٍ بما وُسِّط بـينهما من الأمر بالقتال {إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِى إِسْرءيلَ} الملأُ من القوم وجوهُهم وأشرافُهم وهم اسمٌ للجماعة لا واحدَ له من لفظه كالرهط والقوم، سْموا بذلك لما أنهم يملأوُن العيونَ مهابةً والمجالسَ بهاءً أو لأنهم مليئون بما يُبتغىٰ منهم، ومن تبعيضية و(من) في قوله تعالى: {مِن بَعْدِ مُوسَىٰ} ابتدائيةٌ وعاملُها مقدرٌ وقع حالاً من الملأ أي كائنين بعضَ بني إسرائيلَ من بعد وفاة موسى، ولا ضيرَ في اتحاد الحرفين لفظً عند اختلافهما معنى {إِذْ قَالُواْ} منصوبٌ بمُضمر يستدعيه المقامُ أي ألم ترَ إلى قصة الملأ أو حديثهم حين قالوا: {لِنَبِىّ لَّهُمُ} هو يوشَعُ بنُ نونِ بنِ أفرائيم بن يوسف عليهما السلام وقيل: شمعون بنُ صعبة بنِ علقمة من ولد لاوي بنِ يعقوبَ عليهما السلام وقيل: أشمويلُ بنُ بالِ بنِ علقمة وهو بالعبرانية إسماعيل. قال مقاتل: هو من نسل هارونَ عليه السلام وقال مجاهد: أشمويلُ بنُ هلقايا {ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي أَنهِضْ للقتال معنا أميراً نُصدِرُ في تدبـير أمرِ الحرب عن رأيه وقرىء نقاتلُ بالرفع على أنه حالٌ مقدرة أي ابعثه لنا مقدّرين القتالَ أو استئنافٌ مبني على السؤال وقرىء يقاتلْ بالياء مجزوماً ومرفوعاً على الجواب للأمر والوصف لملِكاً {قَالَ} استئناف وقع جواباً عن سؤال ينساق إليه الذهنُ كأنه قيل: فماذا قال لهم النبـيُّ حينئذ؟ فقيل قال: {هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَـٰتِلُواْ} فُصل بـين عسى وخبرِه بالشرط للاعتناء به أي هل قاربتم ألا تقاتلوا كما أتوقعه منكم؟ والمرادُ تقريرُ أن المتوقَّعَ كائنٌ وإنما لم يُذكر في معرض الشرط ما التمسوه بأن قيل: هل عسَيتم إن بعثتُ لكم ملكاً الخ مع أنه أظهر تعلقاً بكلامهم بل ذَكَر كتابةَ القتالِ عليهم للمبالغة في بـيان تخلّفِهم عنه فإنهم إذا لم يقاتلوا عند فرضيةِ القتالِ عليهم بإيجاب الله تعالى فلأَن لا يقاتلوا عند عدم فرضيتِه أولى، ولأن إيراد ما ذكروه ربما يوهِمُ أن سبب تخلفِهم عن القتال هو المبعوث لا نفسُ القتال وقرىء عسِيتم بكسر السين وهي ضعيفة {قَالُواْ} استئناف كما سبق {وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَـٰتِلَ} أي أيُّ سبب لنا في ألا نقاتلَ {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَـٰرِنَا وَأَبْنَائِنَا} أي والحال أنه قد عَرَض لنا ما يوجب القتالَ إيجاباً قوياً من الإخراج عن الديار والأوطان والاغترابِ من الأهل والأولاد، وإفرادُ الأبناء بالذكر لمزيد تقوية أسبابِ القتال وذلك أن جالوت رأسَ العمالقةِ وملكهم وهو جبارٌ من أولاد عمليق بن عاد كان هو ومن معه من العمالقة يسكنون ساحلَ بحرِ الرومِ بـين مصر وفلسطين وظهروا على بني إسرائيلَ وأخذوا ديارَهم وسبَوْا أولادهم وأسرُوا من أبناء ملوكهم أربعَمائة وأربعين نفساً وضربوا عليهم الجزيةَ وأخذوا توراتَهم {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ} بعد سؤال النبـيِّ عليه السلام ذلك وبعْثِ الملك {تَوَلَّوْاْ} أي أعرضوا وتخلفوا لكنْ لا في ابتداء الأمرِ بل بعدَ مشاهدةِ كثرةِ العدوِّ وشوكتِه كما سيجيء تفصيلُه وإنما ذكر هٰهنا ما آل إليه أمرُهم إجمالاً إظهاراً لما بـين قولِهم وفعلهم من التنافي والتبايُن {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ} وهم الذين اكتفَوا بالغُرفة من النهر وجاوزوه وهم ثلثُمائةٍ وثلاثةَ عَشرَ بعدد أهل بدر {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ} وعيد لهم على ظلمهم بالتولي عن القتال وتركِ الجهاد وتنافي أقوالِهم وأفعالِهم والجملة اعتراضٌ تذيـيليٌّ.

التستري

تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}[246] من هؤلاء الملأ؟ قال سهل: أراد بذلك الرؤساء، ألا ترون في حديث : قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سمع رجلاً بعد وقعة بدر وهو يقول: إنما قتلنا يوم بدر عجائز صلعاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أولئك الملأ من قريش" تفسير : يعني الأشراف والسادات.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا} [الآية: 246]. قال فارسٌ: لا يتجرَّد للحق من هو قائمٌ مع الحق بسبب أو علاقة أو سكون أو مسكنٍ.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ}. استقبلوا الأمر بالاختيار، واقترحوا على نبيِّهم بسؤال الإذن لهم في القتال، فلمَّا أُجيبوا إلى ما ضمنوه من أنفسهم ركنوا إلى التكاسل، وعرَّجوا في أوطان التجادل والتغافل. ويقال إنهم أظهروا التصلب والجد في القتال ذَبَّاً عن أموالهم ومنازلهم حيث: {قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ}. فلذلك لم يتم قصدهم لأنه لم يَخْلُص - لحقِّ الله - عزمُهم، ولو أنهم قالوا: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله لأنه قد أمرنا، وأوجب علينا، فإنه سيدنا ومولانا، ويجب علينا أمره - لعلَّهم وُفِّقُوا لإتمام ما قصدوه.

البقلي

تفسير : {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} اى بعد ما مكننا بنور المعرفة وذوق المحبة ومصاحبة المرسلين وأيات النبوة وادراك مقام الشهادة وايضا اى بعد معرفتنا ان الله تعالى مع اوليائه براية النصر والظفر وان من اوصاف اهل المحبة المحاربة مع اعدائه وقال فارس لا تيجرد للحق من هو قائم مع الحق بسبب او علاقة اوسكون او مسكن.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم تر} اى ألم ينته علمك {إلى} قصة {الملأ} اى قد علمت خبرهم باعلامى اياك فتعجب. الملأ جماعة يجتمعون للتشاور سموا بذلك لانهم اشراف يملأون العيون مهابة والمجالسة بهاءة لا واحد له من لفظه كالقوم {من بنى إسرائيل} من للتبعيض حال من الملأ اى كائنين بعض بنى اسرائيل وهم اولاد يعقوب {من} ابتدائية متعلقة بما تعلق به الجار الاول {بعد} وفاة {موسى اذ قالوا} منصوب بالمضاف المقدر فى الملأ اى ألم تر الى قصة الملأ او حديثهم حين قالوا لان الذوات لا يتعجب منها وانما يتعجب من احوالها {لنبى لهم} اشمويل وهو الاشهر الاظهر {ابعث لنا ملكا} اى اقم وانصب لنا سلطانا يتقدمنا ويحكم علينا فى تدبير الحرب ونطيع لامره {نقاتل} معه وهو بالجزم على الجواب {فى سبيل الله} طلبوا من نبيهم ما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من التأمير على الجيوش التى كان يجهزها ومن امرهم بطاعته وامتثال اوامره ـ وروى ـ انه امر الناس اذا سافروا ان يجعلوا احدهم اميرا عليهم {قال} كأنه قيل فماذا قال لهم النبى حينئذ فقيل قال {هل عسيتم} قاربتم {إن كتب عليكم القتال} مع الملك شرط معترض بين عسى وخبره وهو قوله {ان لا تقاتلوا} معه. قال فى الكشاف والمعنى هل قاربتم ان لا تقاتلوا يعنى هل الامر كما اتوقعه انكم لا تقاتلون اراد ان يقول عسيتم ان لا تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال فادخل هل مستفهما عما هو متوقع عنده وانه صائب فى توقعه كقوله تعالى {أية : هل أتى على الإنسان} تفسير : [الانسان: 1]. معناه التقرير {قالوا وما} مبتدأ وهو استفهام انكارى خبره قوله {لنا} فى {ألاّ نقاتل فى سبيل الله} اى أى سبب وغرض لنا فى ترك القتال {وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} اى والحال انه قد عرض لنا ما يوجب القتال ايجابا قويا من الاخراج من الديار والاوطان والاغتراب عن الاهل والاولاد وافراد الابناء بالذكر لمزيد تقوية اسباب القتال قال بعضهم وقد اخرجنا من ديارنا وابنائنا جلاء واسرار ومثله يذكر اتباعا نحو وزججن الحواجب والعيونا وكان سبب مسألتهم نبيهم ذلك انه لما مات موسى عليه السلام خلف بعده فى بنى اسرائيل يوشع يقيم فيهم التوراة وامر الله حتى قبضه الله ثم خلف فيهم كالب كذلك حتى قبضه الله ثم عظمت الاحداث فى بنى اسرائيل ونسوا عهد الله حتى عبدوا الاوثان فبعث الله اليهم ألياس نبيا فدعاهم الى الله وكانت الانبياء من بنى اسرائيل بعد موسى يبعثون اليهم بتجديد ما نسوا من التوراة ثم خلف بعد ألياس أليسع وكان فيهم ما شاء الله حتى قبضه الله وخلف فيهم الخلوف وعظمت الخطايا وظهر لهم عدو يقال له البلنانا وهم قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين وهم العمالقة اولاد عمليق بن عاد فظهروا على بنى اسرائيل وغلبوا على كثير من ارضهم وسبوا كثيرا من ذراريهم واسروا من ابناء ملوكهم اربعمائة واربعين غلاما وضربوا عليهم الجزية واخذوا توراتهم ولقى بنوا اسرائيل منهم بلاء شديدا ولم يكن لهم نبى يدبر أمرهم وكان سبط النبوة قد هلكوا فلم يبق منهم الا امرأة حبلى فحبسوها فى بيت رهبة ان تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بنى اسرائيل فى ولدها وجعلت المرأة تدعو الله ان يزرقها غلاما فولدت غلاما فسمته اشمويل تقول سمع الله دعائى وهو بالعبرانية اسماعيل والسين تصير شينا فى لغة عبران فكبر الغلام فاسلموه لتعلم التوراة فى بيت المقدس وكفله شيخ من علمائهم وتبناه فلما بلغ الغلام اتاه جبريل عليه السلام وهو نائم الى جنب الشيخ وكان لا يأتمن عليه احدا فدعاه بلحن الشيخ يا اشمويل فقال الغلام مسرعا الى الشيخ فقال يا ابتاه دعوتنى فكره الشيخ ان يقول لا لئلا يتفزع الغلام فقال يا بنى ارجع فنم فرجع الغلام فنام ثم دعاه الثانية فقال الغلام دعوتنى فقال ارجع فنم فان دعوتك الثالثة فلا تجبنى فلما كانت الثالثة ظهر له جبريل فقال له اذهب الى قومك فبلغهم رسالة ربك فان الله قد بعثك فيهم نبيا فلما اتاهم كذبوه وقالوا له استعجلت بالنبوة ولم تأن لك وقالوا ان كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل فى سبيل الله آية نبوتك وانما كان قوام امر بنى اسرائيل بالاجتماع على الملوك وطاعة الملوك لانبيائهم فكان الملك هو الذى يشير بالجموع والنبى يقيم امره ويشير عليه برشده ويأتيه بالخبر من عند ربه {فلما كتب عليهم القتال} بعد سؤال النبى ذلك وبعث الملك {تولوا} اى اعرضوا وتخلفوا عن الجهاد وضيعوا امر الله ولكن لا فى ابتداء الامر بل بعد مشاهدة كثرة العدو وشوكته وانما ذكر الله ههنا مآل امرهم اجمالا اظهارا لما بين قولهم وفعلهم من التنافى والتباين {الا قليلا منهم} وهم الذين عبروا النهر مع طالوت واقتصروا على الغرفة وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر بعدد اهل بدر {والله عليم بالظالمين} وعيد لهم على ظلمهم بالتولى عن القتال وترك الجهاد وتنافى اقوالهم وافعالهم والاشارة ان القوم لما اظهروا خلاف ما اضمروا وزعموا غير ما كتموا عرض نقد دعواهم على محك معناهم فما افلحوا عند الامتحان اذ عجزوا عن البرهان وعند الامتحان يكرم الرجل او يهان: قال الحافظ شعر : خود بود كرمحك تجربه آمد بميان تاسيه روى شود هركه دروغش باشد تفسير : وهذه حال المدعين من اهل السلوك وغيرهم. قال اهل الحقيقة عللوا القتال بما يرجع الى حظوظهم فخذلوا ولو قالوا كيف لا نقاتل وقد عصوا الله وخربوا بلاد الله وقهروا عباد الله واطفأوا نور الله لنصروا. وافادت الآية ان خواص الله فيهم قليلة قال تعالى {أية : وقليل من عبادى الشكور} تفسير : [سبأ: 13]. وهذا فى كل زمان لكن الشىء العزيز القليل اعلى بهاء من الكثير الذليل: قال السعدى قدس سره شعر : خاك مشرق شنيده ام كه كنند بجهل سال كاسه جينى صد بروزى كنند در بغداد لا جرم قيمتش همى بينى تفسير : وانما كان اهل الحق اقل مع ان الجن والانس انما خلقوا لاجل العبادة كما قال تعالى {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}تفسير : [الذاريات: 56]. لان المقصود الاعظم هو الانسان الكامل وقد حصل او لان المهديين وان قلوا بالعدد لكنهم كثيرون بالفضل والشرف كما قيل قليل اذا عدوا كثير اذا شدوا اى اظهروا الشدة. وقد روى عن ابن مسعود رضى الله عنه السواد الاعظم هو الواحد على الحق والحكمة لا تقتضى اتفاق الكل على الاخلاص والاقبال الكلى على الله فان ذلك مما يخل بامر المعاش ولذلك قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا بل تقتضى ظهور ما اضيف اليه كل من اليدين فللواحدة المضاف اليها عموم السعداء الرحمة والجنان وللاخرى القهر والغضب ولوازمهما فلا بد من الغضب لتكميل مرتبة قبضة الشمال فانه وان كان كلتا يديه يمينا مباركة لكن حكم كل واحدة يخالف الاخرى. فعلى العاقل ان يحترز من اسباب الغضب ويجتهد فى نيل كرم الرب قال على كرم الله وجه [من ظن انه بدون الجهد يصل فهو متمن ومن ظن انه بذل الجهد فهو متعن] اللهم افض علينا من سجال فضلك وكرمك واوصلنا اليك بك يا ارحم الراحمين.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ألم تر} يا محمد - فتعتبر - {إلى} قصة جماعة {من بني إسرائيل من بعد} موت {موسى} حين طلبوا الجهاد، وقالوا {لنبيّ لهم} يقال له: شمويل، وقيل: شمعون {ابعث لنا ملكاً} يَسوس أمرنا ونرجع إليه في رأينا؛ إذ الحرب لا تستقيم بغير إمام {نقاتل} معه {في سبيل الله قال} لهم ذلك النبيّ: {هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا} أي: هل أنتم قريب من التولي والفرار إن كُتب عليكم القتال؟ والمعنى: أتوقع جُبْنكم عن القتال إنْ فُرض عليكم. والأصل: عساكم أن تجبنوا إن فرض عليكم، فأدخل {هل} على فعل التوقع، مستفهماً عما هو المتوقع عنده، تقريراً وتثبيتاً. {قالوا} في جوابه: {وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله} أيْ: أيُّ مانع يمنعنا من القتال وقد وُجد داعيه؟ وهو تسلط العدو علينا فأخْرَجَنَا من ديارنا وأسَرَ أبناءَنا، وكان الله تعالى سلط عليهم جالوت ومن معه من العمالقة، كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، وذلك لمَّا عصوا وسفكوا الدماء، فخرَّبَ بيت المقدس، وحرق التوراة، وأخذ التابوت الذي كانوا ينتصرون به، وسبي نساءهم وذراريهم. رُوِيَ أنه سبي من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين، فسألوا نبيهم أن يبعث لهم ملكاً يجاهدون معه، {فلما كُتب عليهم القتال} ويَسر لهم ملكاً يسوسهم وهو طالوت. جبنُوا وتولوا {إلا قليلاً منهم}، وهم من عَبَرَ النهر مع طالوت، {والله عليم بالظالمين} فيخزيهم ويُفسد رأيهم... نعوذ بالله من ذلك. الإشارة: ترى كثيراً من الناس يتمنون أو لو ظفروا بشيخ التربية، ويقولون: لو وجدناه لجاهدنا أنفسنا أكثر من غيرنا، فلما ظهر، وعُرف بالتربية، تولى ونكص على عقبيه، وتعلل بالإنكار وعدم الأهلية، إلا قليلاً ممن خصه الله بعنايته{أية : وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشآء}تفسير : [البَقَرَة: 105]{أية : وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}تفسير : [البَقَرَة: 105] سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ نافع عسيتم بكسر السين. الباقون بفتحها. اللغة: الملأ: الجماعة الأشراف من الناس وروي أن رجلا من الأنصار قال يوم بدر: إن قتلنا الاّعجاز صلعا، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم):حديث : أولئك الملا من قريش لو رأيتهم في أنديتهم لهبتهم، ولو أمروك لأطعتهم، ولاحتقرت فعالك عند فعالهمتفسير : . وتقول ملأت الاناء أملأه ملاء إذا أترعته، لأنه يجتمع فيه ما لا يكون معه مزيد عليه، وامتلأ امتلاء: إذا طفح، ومالأت الرجل: إذا عاونته ممالأة. وتمالؤوا عليّ: إذا تعاونوا. وملوء الرجل ملاءة، فهو مليء بالأمر: إذا أمكنه القيام به. ووعاء ملآن والانثى ملآى، والجمع: ملاء. والملأ: الجماعة من الناس يستجمعون للمشاورة. والجميع الاملاء قال الشاعر: شعر : وقالت لنا الاملاء من كل معشر وخير أقاويل الرجال سديدها تفسير : والاملاء: الريطة وأصل الباب الاملاء، وهو الاجتماع فيما لا يحتمل المزيد، ومنه شاب مالىء العين أي قد اجتمع له من الحسن في العين ما ليس عليه مزيد. والملأ: الخلق، لأن جميع أفعال صاحبه تجرى عليه. المعنى: وقال السدي: إن النبي الذي قالت له بنوا إسرائيل ما حكاه يقال: شمعون سمته أمه بذلك لأن الله سمع دعاءها فيه. وقال قتادة: هو يوشع بن نون. وقال وهب بن منية: هو شمويل، وهو المروي عن أبي جعفر (ع). وكان سبب سؤالهم هذا استذلال الجبابرة لهم من الملوك الذين كانوا في زمانهم إياهم على قول وهب، والربيع. وقال السدي: قتال العمالقة. وإنما سألوا ملكا، ليكون آمراً عليهم تنتظم به كلمتهم، وتجتمع أمورهم، ويستقيم حالهم في جهاد عدّوهم. الاعراب، واللغة: وأكثر النحويين على الجزم في {نقاتل} مع النون، وقالوا: لا يجوز غير الجزم. وأجاز الزجاج الرفع على ضعف فيه على تقرير: فانا نقاتل في سبيل الله. ولو كان بالتاء لجاز الرفع على أن يكون صفة للملك. والجزم على الجواب، كما قال {أية : فهب لي من لدنك ولياً يرثني}تفسير : بالجزم، والرفع. ولو كان (نقاتل معه) لحسن الرفع أيضاً لعائد الذكر، ولا يجوز أن تقول: الذي مررت زيد، تريد: به. ودخلت (أن) في قوله: {مالنا ألاّ نقاتل في سبيل الله}، وأسقطت في قوله: {أية : وما لكم لا تؤمنون بالله}تفسير : لأحد ثلاثة أشياء: أولها - دخلت (أن) لتدل أن فيه معنى: ما منعنا من أن نقاتل، كما دخلت الباء في خبر هل لما تضمنت معنى ما قال الفرزدق يهجو جريراً، ويذكر أن أباه كان ينكح اتاناً. شعر : يقول إذا اقلولى عليها وأقردت ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم تفسير : معنى اقلولى: علاها، ومعنى أقردت: ذلت. وأما سقوطها في الموضع الآخر، فعلى الأصل كأنه قيل: ما لنا غير مقاتلين، كما قال: {أية : فما لهم عن التذكرة معرضين}تفسير : هذا قول الفراء. الثاني - أن تكون (أن) زائدة في قول الاخفش، وهو ضعيف، لأنه لا يجوز الحمل على الزيادة لا لضرورة. الثالث - على حذف الواو كأنه قال: وما لنا ولأن نقاتل، كما قالوا: إياك أن تتكلم بمعنى إياك وأن تتكلم. قال الرماني: وهذا ليس بالوجه، لأنه لا يحكم أحد بالحذف، ولا بالزيادة إلا عند الضرورة قال الشاعر: شعر : فبح بالسرائر في أهلها وأياك في غيرهم أن تبوحا تفسير : فالآية مستغنية عن الواو مثل البيت سواء قال الشاعر: شعر : فاياك المحاين أن تحينا تفسير : فانما هو على احذر المحاين لا على إضمار (أن). وقال المبرد في (ما) وجه آخر، وهو أن يكون جحداً، ويكون تقديره: ما لنا ترك القتال. وعلى الوجه الأول (ما) استفهام، وإنما جاز، ما لك أن تقوم، ولم يجز ما لك أن قمت, لأن المنع إنما يكون على الاستئناف، تقول: منعه أن يقوم، ولا يجوز أن يقوم منعه أن قام، كذا قال الفراء في الكلام حذف، وتقديره: {وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبناءنا} فسأل، فبعث، فوجب عليهم القتال {فلما كتب} {تولوا}، وإنما وجب أن يكون محذوفاً، لأن الكلام لا يدل عليه إلا من جهة الذكر له أو الحذف منه، فأما ما يدل عليه الكلام من غير جهة الذكر له، أو الحذف منه، فليس بمحذوف نحو قد عُرف زيد، فانه يدل على أنه عرفه عارف، وليس بمحذوف، لأنه لم يدل عليه من جهة الذكر له ولا الحذف منه. وعسيتم - بكسر السين - لغة، والفتح أكثر. وقوله: {إلا قليلاً} لا يجوز فيه الرفع، لأنه استثناء بعد موجب، وكذلك قوله: {فشربوا منه إلا قليلاً} لا يجوز فيه الرفع.

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} اى اشرافهم ومتكلّميهم قد مضى قبيل هذا وجه الاتيان بالرّؤية مع انّ حقّ العبارة ان يقال الم تذكر {مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ} اذ اسم خالص بدل من الملأ بدل الاشتمال او ظرف للرّؤية {لِنَبِيٍّ لَّهُمُ} اسمه شمعون بن صفيّة من ولد لاوى، او اسمه يوشع بن نون من ولد يوسف (ع)، او اسمه اشموئيل وهو بالعربيّة اسماعيل وهو المروىّ عن الصّادق (ع) وعليه اكثر المفسّرين {ٱبْعَثْ} ارسل واجعل {لَنَا مَلِكاً} اميراً {نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} روى انّه كان الملك فى ذلك الزّمان هو الّذى يسير بالجنود والنّبىّ يقيم له امره وينبئه بالخبر من عند ربّه {قَالَ} النّبىّ {هَلْ عَسَيْتُمْ} هل ترقّبتم عسى يستعمل فى ترقّب المرغوب واستعماله هاهنا مع طلبهم للقتال ورغبتهم فيه اشارة الى انّهم كانوا اصحاب نفوس كارهة للقتال راغبة فى ترك الجهاد ولم يكن لهم عقول راغبة فى الجهاد ومقصوده من الاستفهام تذكيرهم بكراهة القتال وتثبيتهم عليه بتعاهدهم على القتال {إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} وضع الظاهر موضع المضمر للاشارة الى انّهم فى ذلك التّولّى ظالمون.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {ألم تر الى الملأ} ألم تر معناه ألم تعلم يا محمد أو أيها السامع، {إلى الملإِ} جماعة الأشراف {من بني اسرائيل من بعد موسى} أي من بعد موته {اذ قالوا لنبي لهم} أي لرسول اليهم، قيل: هو يوشع بن نون، وقيل: اسمهُ شمعون وهو من ولد لاوي بن يعقوب عن السُّدي، وقيل: اشمويل من ولد هارون عن وهب وعليه اكثر المفسرين وهو الذي رواه الفقيه شهاب الدين احمد بن مفضل رحمه الله تعالى {ابعث لنا ملكاً} معناه اميراً يتصدر في تدبير الحرب عن رأيه وينتهى الى امره في تدبير الحرب وكذلك كان يفعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من التأمير على الجيوش يعني لقتال الجبابرة الذين كانوا في زمانهم، وقيل: قتال العمالقة {قال هل عسيتم} يعني لعلكم {إن كتب عليكم القتال} اذا فرض القتال مع ذلك {ألاّ تقاتلوا} تقولون ولا تقاتلون معه، وقيل: هل ظننتم ان كلفتم الجهاد ان لا تقوموا بحقه، قوله تعالى: {وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا} وذلك ان قوم جالوت اسروا من ابناء ملوكهم اربع مائة واربعين رجلاً {فلما كتب عليهم القتال} بعث الله لهم ملكاً وكتب عليهم القتال {تولوا} أعرضوا عن الجهاد {إلا قليلاً منهم} كان القليل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر {إنَّ الله قد بعث لكم طالوت ملكاً} قيل: سمي طالوت لطوله، وقيل: أميراً على الجيش، وروي ان الرجل القائم كان يمدُّ يده فينال رأسه، قيل: كان دباغاً، وقيل: كان مكارياً {أنّى يكون له الملك علينا} هذا اول اعتراضهم وانما قالوا ذلك لان النبوة كانت من سبط لاوي بن يعقوب (عليه السلام) ومنه موسى وهارون والملك من سبط يهودا ومنه داوود وسليمان ولم يكن طالوت من احد السبطين وقد قيل: ان طالوت من ولد بنيامين، قوله تعالى: {بسطة في العلم} بالحرب، وقيل: كان اعلم بني اسرائيل في وقته، وروي انه اوحي اليه، وقيل: كان اجمل بني اسرائيل في وقته {والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم} قيل: جواد، وقيل: واسع الفضل {إنَّ آية ملكه أن يأتيكم التابوت} الآية، التابوت صندوق التوراة وكان موسى (عليه السلام) اذا قاتل به تسكن نفوس بني اسرائيل ولا يفرون {فيه سكينة} السكينة هي السكون، وقيل: هي صورة فيه كانت من زبرجد او ياقوت لها رأس كرأس الهر وذنب كذنبه، وعن علي (عليه السلام): "لها وجه كوجه الانسان وفيها ريح هفافه" {وَبَقِيَّةٌ} هي رصاص الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وكان رفعه الله تعالى بعد موسى فنزلت به الملائكة تحمله وهم ينظرون اليه فكان {ذلك آيةً} لاصطفاء الله طالوت، وقيل: كان مع موسى ومع بني اسرائيل بعده فلما عبرت بنو اسرائيل غلبَهم عليه الكفار فكان في أرض طالوت فلما اراد الله تعالى ان يملك طالوت أصابهم ببَلاء حتى هلك خمس مدائن فقالوا: هذا بسبب التابوت فوضعوه على ثورين فساقتهما الملائكة الى طالوت، وقيل: حجب به الملائكة بين السماء والأرض الى طالوت، وقيل: كان التابوت من الجنة وكان عند آدم ثم عند الانبياء حتى وصل إلى اسماعيل وروي ان طالوت لما انقادوا اليه قال لقومه: لا يخرج معي احد ممن هو مشغول بالتجارة ولا متزوج بامرأة قريبَة ولا ابتغي الا الشباب الفراغ فاجتمع اليه ممن اختار ثمانون الفاً، وقيل: سبعون الفاً.

الهواري

تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ}. قال الكلبي: إن بني إسرائيل مكثوا زماناً من الدهر ليس عليهم ملك. فأحبّوا أن يكون عليهم ملك يقاتل عدوّهم. فمشوا إلى نبي لهم من بني هارون يقال له اشمويل. وقال بعضهم: سمعت من يسمّيه بالعربية إسماعيل؛ فقالوا له: ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله. {قَالَ} لهم نبيّهم {هَلْ عَسَيْتُمُ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا}. وكان عدوهم من قوم جالوت، وكانوا يسكنون بساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين. وقال بعضهم: كان جالوت من الجبابرة. قال الكلبي: فلقي بنو إسرائيل منهم بلاء، حتى غلبوهم على أرضهم، وسبوا كثيراً من ذراريهم. قوله: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}. قال: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} وكان طالوت من سبط قد عملوا ذنباً عظيماً، فنزع منهم الملك في ذلك الزمان، فأنكروه. {قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ}. قال بعضهم: كان في بني إسرائيل سبطان: سبط نبوة وسبط مملكة؛ كانت النبوة في سبط بني لاوى، وكان الملك في سبط يهوذا. وكان طالوت في سبط بنيامين أخي يوسف. فلما رأوا أنه ليس من سبط بني لاوى ولا من سبط يهوذا قالوا: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا} أي كيف يكون له الملك علينا {وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ}، وليس من سبط النبوة ولا من سبط المملكة. قال الكلبي: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا} وهو من سبط الاثم، للذنب الذي كانوا أصابوه. قال: {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} أي اختاره عليكم {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. وكان طالوت أعلمهم يومئذ وأطولهم وأعظمهم، وكان مغموراً في قومه. ذكروا عن الحسن أنه قرأ هذه الآية فقال: فإذا الجسم نعمة من الله ذكرها. فقالوا لنبيهم: لا نصدّق أن الله بعثه علينا، ولكنك أنت بعثته مضادّة لنا إذ سألناك ملكاً: فأْتنا بآية نعلم أن الله اصطفاه علينا.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إلى الملإِ}: الجماعة المجتمعين للمشورة، سموا ملأ لأنهم أشراف يملؤن العيون هيبة ويملئون القلوب بما يحتاج إليه من قولهم: {مِنْ بَنِى إِسرائِيلَ}: من للتبعيض متعلق بمحذوف حال من الملأ. {مِنْ بَعْدِ مُوسَى}: أى بعد موته، من للابتداء متعلق بما تتعلق به الأولى، وجاز ذلك بلا تبعية لاختلاف معانيهما. {إذْ قالُوا}: متعلق بمحذوف تعجيباً بهذا المحذوف، بـ{ألم تَرَ}، وتقريرا له على ما مر، أى لم ينته علمك أو نظرك إلى قصة الملأ أو حديث الملأ، إذا قالوا أو صح التعليق بقصة أو حديث، لأن فيه رائحة الحدث، وإنما قدرنا ذلك، لأن الذوات لا يتعجب منها، ولا تقرر، بل من حالها فلا تعلق بتر: {لِنبىٍّ لَّهُمُ}: يوشع بن نون بن أفرابيم بن يوسف بن يعقوب، وقال السدى: شمعون بن صفية بن علقمة من ولد لؤى بن يعقوب، سمى شمعون لأن أمه دعت لله أن يرزقها غلاماً، فاستجاب الله لها فولدت غلماً فسمته شمعون، ومعناه سمع الله دعائى وتبدل السين بالعبرانية شيناً، وقال الجمهور، وعليه بن إسحاق: أشموئل بن مالى بن علقمة بن صاحب بن عموص بن عزاريا، وبه قال وهب، وقال مجاهد: هو ابن هلقا، وقال مقاتل: من ولد هارون، قال بعض سمعت: من يسميه إسماعيل بالعربية أعنى يعربه بلفظ إسماعيل، وليس إسماعيل بن إبراهيم، لأنه متقدم على بنى إسرائيل: {ابْعَثْ لنَا مَلِكاً}: أقم لنا ملكاً. {نُقاتِلْ فِى سبِيلِ اللّهِ}: معه، والقتال إنما يتم بملك يدبر أمره، وينتظم به الشمل، وترجع إليه الكلمة عند الاختلاف، وقد قال رسول الله صلى الله عليهِ وسلم: "حديث : إذا اخرجتم للسفر فأمروا عليكم بعضكم"تفسير : ، ذلك فى مطلق السفر، فكيف فى القتال أو فى السفر والقتال ونقاتل مجزوم فى جواب الدعاء، وقرئ بالرفع على أن الجملة حال مقدرة من ضمير الجر فى قوله: {ابعث لنا ملكا}، أى ابعث لنا مقدرين للقتال ملكا، وقرئ {يقاتل} بالمثناة التحتية، مع الجزم على الجواب، وبه مع الرفع على أن الجملة صفة لملكا، وسبب طلبه نبيهم أن يبعث لهم ملكاً للقتال أنه لما مات موسى عليه السلام، وخلف بعده فى بنى إسرائيل يوشع ابن نون يقيم فيهم أمر الله، ويحكم فيهم بالتوراة، حتى قبضه الله، ثم خلف كالب بن يوقنا كذلك، ثم حزقيل كذلك، ولما مات حزقيل عظمت الأحداث فى بنى إسرائيل، حتى عبدوا الأصنام، وبعث إليهم إلياس، ودعام إلى الله، وبعده اليسع، وكانت أنبياء بنى إسرائيل تبعث لتجديد أمر التوراة، ولما مات اليسع عظمت فيهم الخطايا، وظهر لهم عدو يقال له الباشاتا، وهم قوم جالوت، وهم بربر وسكنوا ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، وهم العمالقة، فظهروا على بنى إسرائيل، وغلبوا على كثير من أرضهم، وسبوا كثير من ذراريهم وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين غلاماً، وضربوا الجزية على بنى إسرائيل، وأخذوا توراتهم، ولقى بنو إسرائيل منهم بلاء وشدة، ولم يكن لهم نبى يدبر أمرهم، وكان سبط النبوة، قد هلكوا كلهم إلا امرأة حبلى، وحبسوها فى بيت رهبة أن تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بنى إسرائيل فى ولدها، وجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاماً فولدت غلاما فسمته أشموئيل ومعناه كمعنى إسماعيل، تقول سمع الله دائى، قال وهب بن منيه: كان لأبى أشموئيل امرأتان إحداهما عجوز. عاقر لم تلد ولدا قط، وهى أم أشموئيل، والأخرى قد ولد لها عشرة أولاد، وكان لبنى إسرائيل من عيد أعيادهم أقاموا شرائطهم فيه، وقربوا فيه القربان، فحضر أشموئيل وامرأته وأولاده العشرة ذلك العيد. فلما قرَّبوا قربانهم أخذ كل واحد منهم نصيباً، وللعجوز العاقر نصيب واحد، فكان بينهما وما بين الضرائر الحسد والبغى، فقالت أم الأولاد للعجوز: الحمد لله الذى كثرنى بولدى، وقللك، فحرنت العجوز لذلك حزنا شديدا، فلما كان عند السحر عهدت إلى متعبدها فقالت: اللهم بعلمك وسمعك، كانت مقالة صاحبتى، واستطالت على بنعمتك التى أنعمت بها عليها، وأنت ابتدأتهم بالنعمة والإحسان، فارحم ضعفى وارزقنى ولدا تقيا رضيا، أجعله لك ذخراً فى مسجد من مساجدك، يعبدك ولا يكفر بك، ويطيعك ولا يجحدك، وإذا رحمت ضعفى ومسكنتى، وأجبت دوعتى، فاجعل لى علامة أعرف بها. فلما أصبحت حاضت، وكانت من قبل قد يئيست من الحيض، جعل الله لها ذلك علامة للولد، فألم بها زوجها فحملت وكتمت أمرها، ولقى بنو إسرائيل فى ذلك الوقت من عدوهم بلاء وشدة، ولم يكن لهم نبى يدبر أمرهم، فكانوا يسألون الله أن يبعث لهم نبيا يشير عليهم، ويجاهدون عدوهم معه، وقد هلك سبط النبوة إلا هذه المرأة الحبلى، فلما علموا بحملها تعجبوا من أمرها وقالوا لها إنما حملت نبياً، لأن الآيسة لا تحمل إلا نبيا، كسارة امرأة إبراهيم عليهِ السلام، فأخذوها فى بيت لئلا تلد جارية، فتبدل بغلام، ولما كبر الغلام سلمته ليتعلم التوراة فى بيت المقدس، وكفله شيخ من علمائهم، وتبناه، ولما بلغ أتاه جبريل عليه السلام وهو نائم إلى جانب الشيخ، وكان الشيخ لا يأمن عليه أحدا، فدعاه جبريل بصوت الشيخ يا أشموئيل فقام الغلام فزعاً إلى الشيخ وقال: يا أبتاه رأيتك تدعونى، فكره الشيخ أن يقول لا، فيفزع الغلام، فقال: يا بنى ارجع فنم، فنام ثم دعاه جبريل ثانية، فقال له الغلام: دعوتنى؟ فقال: نم، فإن دعوتك فلا تجبنى، فلما كانت الثالثة ظهر له جبريل عليه السلام، فقال له: اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك، إن الله بعثك فيهم نبيا، فلما أتاهم كذبوه وقالوا استعجلت بالنبوة ولم تنلك، وقالوا له: إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا تقاتل فى سبيل الله آية على نبوتك، وفى رواية: وهب أنهُ قال فى الثانية: إنى سمعت من السماء صوتا وليس فى البيت غيرنا، فقال له عيلا ارجع وتوضأ وصل، فإن دعيت باسمك فأجب وقل لبيك أنا طوعك، فمرنى أفعل ما تأمرنى به، فظهر له جبريل عليه السلام، وقال له اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك، فإن الله تعالى بعثك فيهم نبياً، فإن الله رحمهم بنبوتك ووحدة أمتكم حين تاهت عليها بضرتها، فلا أحد أشد منك اليوم عضدا، ولا أطيب ولادة، انطلق إلى عيلا وقل له: إنك كنت خليفة على عباد الله ودينه، فقمت زمانا بأمره حاكما بكتابه، حافظا حدوده، فلما امتد سنك، ورق عظمك، وذهبت قوتك، وقرب أجلك، وصرت أفقر الورى إلى الله ولم ترل فقيراً إليه عطلت الحدود، وجرت فى الخصوم، وعملت بالرشاو المصانعات، وأضعت للخلق الحكومات، حتى عز الباطل وأهله، وذل الحق وأهله، وظهر المنكر، وخفى المعروف، وفشى الكذب، وقل الصدق، وما عاهدك الله على هذا ولا عليه أستخلفك فبئس ما ختمت به عملك، والله عز وجل لا يحب الخائنين، بلغه هذا وقم بعده بالخلافة، فمضى إليه ووبخه بذلك وبإحداثه فى القربات، وبسكونه مع فعل بنيه مع ما حرم الله، أمره الله لا يوبخه بذلك، فجاء العدو، فاستخلف عيلا بنيه على العسكر، فقتلوا وأخذا العدو التابوت فبلغه الخير، فوقع من كرسيه فمات كما يأتى، وطغى عليهم العدو، وذلك بعد ما قام فيهم أشموئيل عشر سنين، يدبر أمرهم: {وقالوا ابعث لنا ملكا} الآية وقيل قال لهم: أنا نبى الله إليكم مرسلا، وكانت أنبياء بنى إسرائيل تقيم أمر ملوكهم، وترشهدهم بالوحى من الله، والملوك تقوم بأمر الحرب وتطيع من الأنبياء، فقال لهم شموئيل لما طلبوا أن يبعث لهم ملكا للقتال: ما حكى الله عنهم بقوله: {قالَ هَل عَسَيْتم إنْ كُتِب عليْكُم القِتالُ ألاَّ تُقاتِلُوا}: معنى عسى قبل أن تدخل عليهم هل الاستفهامية توقع المتكلم لمضمون الخبر، وهو تركهم القتال جبنا ولما دخلت هل على عسى كان القياس أن ترجع الاستفهام والتقرير إلى نفس التوقع، إلا أنه لا معنى لاستفهام المتكلم عن توقع نفسه، ولو على سبيل التقرير، فتعين أن تكون هل للاستفهام عما هو متوقع عنده، وهو ألا تقاتلوا جبنا، ويكون معنى الاستفهام التقرير بمعنى التشبيه للتوقع، وإن كان الشائع من التقرير هو الحمد على الإقرار وألا تقاتلوا خبر عسى، أى لعل أمركم عدم القتال، أو لعلكم ذو وعدم القتال، وقرأ غير نافع بفتح سين عسيتم، وكذا فى سورة القتال، واعترض بجملة الشرط بين اسم عسى وخبرها، وجوابه محذوف دلت عليه عسى واسمها وخبرها. {قالُوا ومَا لَنا ألاَّ نقاتِل فى سَبِيلِ الله وقدْ أُخْرجْنَا منْ دِيَارنَا وأبْنائِنَا}: ظاهر هذه الآية أنهم لم يخلصوا القتال لله، وأنهم يقاتلون فى سبيل الله فى قولهم لأجل أنهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم الجواب أنهم أرادوا الجهاد لوجه الله، وأن كلا منهم يجاهد لكون إخوانه المؤمنين مخرجين من ديارهم، وأبنائهم، لا لكونه أخرج من داره وأبنائه، فذلك إخلاص لله أو أن هذا الكلام صدر من عامتهم، والمخلصون يخلصون الجهاد لله، لا يعنون فيه أنهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم، وأنهم أجابوا نبيهم على عموم اللفظ، بمعنى أنه كيف لا نقاتل فإنه لو لم تكن رغبة فى القتال لوجه الله لقاتلنا، لأجل أخرجنا من ديارنا وأبنائنا، فلا بد من أن تقاتل لوجود مقتضيه، أو أنهم أرادوا كيف لا تقاتل العدو وقد صدر منه ما يوجب القتال فلا نكون بقتاله ظالمين وذلك ما مر أن جالوت وقومه أخذوا ديار بنى إسرائيل، وسبوا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين، والواو فى {وما لنا} للربط بما قبلها، إذ لو سقطت لجاز أن يكون ما بعدها منقطعا عما قبلها، وما مبتدأ استفهامية إنكارية، ولنا خبر، {وألا نقاتل} على تقدير فى أى، وما لنا فى ألا نقاتل أى فى عدم القتال، أى أى منفعة لنا فى عدمه، أو أى غرض لنا فى عدمه، وقيل: إن زائدة ناصبة وألا نقاتل حال من نا، والواو فى {وقد أخرجنا} للحال، وصاحب الحال ضمير نقاتل، ومفعول نقاتل فى الموضعين، وتقاتلوا محذوف، أى العدو ونزل الفعل فى ذلك كاللازم على أن ليس المراد ذكر العدو. {فلمَّا كُتِب عليْهمُ القِتالُ}: فرض. {تولَّوْا}: عنه جبنا. {إلاَّ قليلا مِنْهُم}: وهم الذين عبروا النهر مع طالوت وغيرهم لم يفروا، وقيل عبر غيرهم ولم يقاتلوا، وهذا القليل ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا عدد أهل بدر، قال وهب بن منبه: لبثوا مع أشموئيل أربعين سنة فى أحسن حال، ثم كان من أمر جالوت ما كان. {وَاللّهُ عليمٌ بالظَّالِمِينَ}: منهم بترك الجهاد، ومخالفة أمر الله، فيجازيهم، أو بالظالمين مطلقاً وكذلك يكون شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدنيا، ومن لا يصدق فى دعواه يتمنون الحرب حال السعة، وإذا حضرت الحرب تولوا عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تمنوا لقاء العدو واسألوا العافية فإذا لقيتموه فاثبتوا ".

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ} أى إلى قصة الملأ، الجماعة التى تملأ العيون أو المجلس، مهابة لشرفهم ورياستهم، يجتمعون للتشاور، أو يتمالأون، أى يتعاونون، ويجوز إطلاقه على مطلق الجماعة، وبلا اجتماع: وباجتماع لغير تشاور {مِنَ بَنَى إِسْرَاءِيلَ} كائنين، بعض بنى إسرائيل، ومن للتبعيض {مِنْ بَعْدِ مُوسَى} متعلق بكائنين المقدر، أى بعد موت موسى، ومن للابتداء المنقطع بحصولهم بعده، ولا يصح تعليقه بقالوا، لأن معمول المضاف إليه لا يتقدم على المضاف ولا يلهم، لنيابته عن كائن، لأن الأصل ألا يتقدم على العامل الذى ليس فيه حروف الفعل معموله، ولأن معمول النعت لا يتقدم على المنعوت، وكذا لا يتعلق بكائن، وذلك أن لهم نعت بنى {إِذْ قَالُواْ لِنَبِىٍّ لَّهُمْ} قيل يوشع بن نون إفراثيم بن يوسف بن يعقوب عليه السلام، وهو ابن أخت موسى، وهو ضعيف، لأن بيته وبين داود قرونا، وقيل شمعون بكسر الشين بن صعبة بن علقمة من ولد لاوى بن يعقوب، وقيل إشمويل بكسر الهمزة، وعليه الأكثر، وإسكان الشين وفتح الميم وكسر الواو بعده ياء وبعدها لام، بن بال، وقيل ابن حنة بن العافر، وهو إسماعيل بالعبرانية، ولا يصح القولان أيضا، لأن بينهما وبين داود قرونا كثيرة {ابْعَثْ} بإذن الله وقد قال بعد، إن الله قد بعث لكم...الخ، وإن لم يذكروا له ذلك فمعلوم أنه لا حدث إلا بالله {لَنَا مَلِكاً} أقم لنا أميراً، أو مره وهو موجود قبل، أو مره بعد أن تقيمه بالمسير إلى القتال {نُقَٰتِلْ} معه وبأمره ورأيه وتسديده {فِى سَبِيلِ اللهِ} من أشرك بالله، تتابع يوشع فكالب فحزقيل فإلياس فاليسع بعد موسى، ثم ظهر لهم عدوهم العمالقة قوم جالوت، سكان بحر الروم، بين مصر وفلسطين، وغلبوا على كثير من بلادهم، وأسروا أربعمائة وأربعين من أبناء ملوكهم، وضربوا عليهم الجزية، وأخذوا التوراة، وهلك سبط النبوة إلا امرأة حبلى، ولدت غلاما سمته شمويل، وقيل شمعون، ولما كبر قرأ التوراة ببيت المقدس على عالم من علمائهم ونبأه الله، وقالوا: إن صدقت فابعث لنا ملكا نقاتل كما قال الله عز وجل، وكان أمر بنى إسرائيل على أيدى ملوكهم المتبعين لأنبيائهم المرشدين لهم {قَالَ} ذلك النبى الإسرائيلى {هَلْ عَسَيْتُمْ} لا يخفى أن عسى جامد وأنه فعل إنشاء، فوجه صحة دخول أداة الاستفهام عليه مع أنه لا خارج له يستفهم عنه، أن هل عسيتم مضمن معنى أتوقع، أو أنه ضمن معنى قاربتم، فليست ناسخة، وألا تقاتلوا مفعول عسيتم بمعنى قاربتم أو أتوقع، أو أن الاستفهام متوجه إلى ما توقع بها، وهو ألا تقاتلوا، وإذا كان الاستفهام عن المتوقع اندفع استشكال أن المتكلم بكلام لا يستفهم عن توقعه، وأن يشترط إيلاء المقرر به الهمزة إذا كان التقرير بمعنى عمل المخاطب على الإقرار بما يعفرفه، وفصل باداة الشرط فى قوله: {إِنْ كُتِبَ} فرض {عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَٰتِلُواْ} تقريراً وتثبتاً {قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَٰتِلَ فِى سَبِيلِ اللهِ} أى غرض لنا فى ألا نقاتل، أى فى ترك القتال {وقَدْ أُخْرِجْنَا} والحال أنا قد أخرجنا {مِن دِيَٰرِنَا وَأَبْنَائِنَا} تمثيل لإخراجهم عن كل ما لهم به اتصال، قد خلت الأرضون والأجنة والعيون والأقارب والبنات والأزواج، أشاروا بذكر الديار إلى الأصول، وبذكر الأبناء عن الأفاضى، وخصوا ذكر البنين لشرفهم، والديار مطلق مواقع الإقامة، وضمن الإخراج معنى الإفراد أو الإبعاد، فصح تسلطه على الأبناء، أو يبقى على ظاهره فيقدر، وقد أخرجنا وأفردنا أو أبعدنا عن ديارنا وأبنائنا، فالإخراج للديار والإفراد للأبناء، وإن قلت: القتال لأجل سبيل الله غير القتال حمية للديار والأبناء، وفى ذلك غير إخلاص، قلت ذلك قول من ركت ديانته منهم، ألا ترى إلى قوله تولوا، أو أرادوا أن كلا منهم لله ويحفظ ديار إخوانه وأبنائهم، ولأنه يجوز قصد حمية الديار والأبناء لأنفسهم مع قصد وجه الله لوجوب تلك الحمية عليهم، وفيها خزى العدو، وقصد خزيه فرض {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا} أعرضوا عنه {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} ثلاثمائة وثلاثة عشر، وهم الذين اكتفوا بالغرفة عدد أهل بدر، فى رواية مشهورة فى أهل بدر، وأخرجها البخارى عن البراء بن عازب رحمه الله، وقيل: ثلاثة آلاف، وقيل ألف {وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّٰلِمِينَ} الذين تولوا عن القتال، يعاقبهم الله على توليهم لما رأوا كثرة العدو أعرضوا عن القتال، ولم يعرضوا أو فرض ذلك القتال عليهم، ولكن فرضة باق إلى يوم التولى.

الالوسي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِى إِسْرٰءيلَ} الملأ من القوم وجوههم وأشرافهم وهو اسم للجماعة لا واحد له من لفظه، وأصل الباب الاجتماع فيما لا يحتمل المزيد وإنما سمي الأشراف بذلك لأن هيبتهم تملأ الصدور أو لأنهم يتمالؤن أي يتعاونون بما لا مزيد عليه، و (من) للتبغيض والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من الملأ {مِن بَعْدِ مُوسَىٰ} أي من بعد وفاته عليه السلام، و (من) للابتداء وهي متعلقة بما تعلق به ما قبله ولا يضر اتحاد الحرفين لفظاً لاختلافهما معنى {إِذْ قَالُواْ لِنَبِىّ لَّهُمُ} قال أبو عبيدة: هو أشمويل بن حنة بن العاقر ـ وعليه الأكثر ـ. وعن السدي أنه شمعون وقال قتادة: هو يوشع بن نون لمكان {مِن بَعْدِ} من قبل وهي ظاهرة في الاتصال، ورد بأن يوشع هذا فتى موسى عليهما السلام وكان بينه وبين داود قرون كثيرة والاتصال غير لازم، و {إِذْ} متعلقة بمضمر يستدعيه المقام أي: ألم تر قصة الملأ أو حديثهم حين قالوا: {ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًا} أي أقم لنا أميراً، وأصل البعث إرسال المبعوث من المكان الذي هو فيه لكن يختلف باختلاف متعلقه يقال: بعث البعير من مبركه إذا أثاره وبعثته في السير إذا هيجته، وبعث الله تعالى الميت إذا أحياه، وضرب البعث على الجند إذا أمروا بالارتحال. /{نُّقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} مجزوم بالأمر، وقرىء بالرفع على أنه حال مقدرة أي ابعثه لنا مقدرين القتال أو مستأنف استئنافاً بيانياً كأنه قيل: فماذا تفعلون مع الملك؟ فأجيب نقاتل، وقرىء (يقاتل) ـ بالياء ـ مجزوماً ومرفوعاً على الجواب للأمر. والوصف ـ لملكاً ـ وسبب طلبهم ذلك على ما في بعض الآثار أنه لما مات موسى خلفه يوشع ليقيم فيهم أمر الله تعالى ويحكم بالتوراة ثم خلفه كالب كذلك ثم حزقيل كذلك ثم إلياس كذلك ثم اليسع كذلك، ثم ظهر لهم عدو وهم العمالقة قوم جالوت ـ وكانوا سكان بحر الروم ـ بين مصر وفلسطين، وظهروا عليهم، وغلبوا على كثير من بلادهم وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين، وضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم ولم يكن لهم نبـي إذ ذاك يدبر أمرهم وكان سبط النبوة قد هلكوا إلا امرأة حبلى فولدت غلاماً فسمته أشمويل ومعناه إسمٰعيل، وقيل: شمعون فلما كبر سلمته التوراة وتعلمها في بيت المقدس وكفله شيخ من علمائهم فلما كبر نبأه الله تعالى وأرسله إليهم فقالوا: إن كنت صادقاً ـ فابعث لنا ملكاً ـ الآية، وكان قوام أمر بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك وطاعة أنبيائهم وكان الملك هو الذي يسير بالجموع والنبـي هو الذي يقيم أمره ويرشده ويشير عليه. {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَـٰتِلُواْ} (عسى) من النواسخ وخبرها (أن لا تقاتلوا) وفصل بالشرط اعتناءاً به، والمعنى هل قاربتم أن لا تقاتلوا كما أتوقعه منكم، والمراد تقرير أن المتوقع كائن وتثبيته على ما قيل، واعترض بأن عسيتم أن لا تقاتلوا معناه توقع عدم القتال، و (هل) لا يستفهم بها إلا عما دخلته فيكون الاستفهام عن التوقع لا المتوقع ولا يلزم من تقرير الاستفهام أن المتوقع ثابت بل إن التوقع كائن وأين هذا من ذاك؟! وأجيب بأن الاستفهام دخل على جملة مشتملة على توقع ومتوقع ولا سبيل إلى الأول لأن الرجل لا يستفهم عن توقعه فتعين أن يكون عن المتوقع، ولما كان الاستفهام على سبيل التقرير كان المراد أن المتوقع كائن، وقيل: لما كانت عسى لإنشاء التوقع ولا تخرج عنه جعل الاستفهام التقريري متوجهاً إلى المتوقع وهو الخبر الذي هو محل الفائدة فقرره وثبته وكون المستفهم عنه يلي الهمزة ليس أمراً كلياً، وقيل: إن (عسى) ليست من النواسخ وقد تضمنت معنى قارب و (إن) وما بعدها مفعول لها وهذا معنى قول بعضهم: إن خبر لا إنشاء، واستدل على ذلك بدخول الاستفهام عليها ووقوعها خبراً في قوله:شعر : لا تكسرن إني عسيت صائماً تفسير : ولا يخفى ما فيه، وإنما ذكر في معرض الشرط كتابة القتال دون ما التمسوه مع أنه أظهر تعلقاً بكلامهم مبالغة في بيان تخلفهم عنه فإنهم إذا لم يقاتلوا عند فرضية القتال عليهم بإيجاب الله تعالى فلأن لا يقاتلوا عند عدم فرضيته أولى ولأن ما ذكروه بما يوهم أن سبب تخلفهم هو المبعوث لا نفس القتال، ويحتمل أنه أقام هذا مقام ذلك إيماءاً إلى أن ذلك البعث المترتب عليه القتال إذا وقع فإنما يقع على وجه يترتب عليه الفرضية، وقرىء ـ عسيتم ـ بكسر السين وهي لغة قليلة. {قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَـٰتِلَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي ما الداعي لنا إلى أن لا نقاتل أي إلى ترك القتال، والجار والمجرور متعلق بما تعلق به (لنا) أو به نفسه وهو خبر عن {مَا} ودخلت الواو لتدل على ربط هذا الكلام بما قبله ولو حذفت لجاز أن يكون منقطعاً عنه ـ قاله أبو البقاء ـ وجوز أن تكون عاطفة على محذوف كأنهم قالوا عدم القتال غير متوقع منا ـ وما لنا أن لا نقاتل ـ وإنما لم يصرحوا به تحاشياً عن مشافهة نبيهم بما هو ظاهر في رد كلامه، والشائع في مثل هذا التركيب ما لنا نفعل أو لا نفعل على أن الجملة حال، ولما منع من ذلك هنا أن المصدرية إذ لا توافقه التزم فيه ما التزم، والأخفش ادعى/ زيادة إن وأن العمل لا ينافيها، والجملة نصب على الحال كما في الشائع، وقيل: إنه على حذف الواو ويؤول إلى (ما لنا) ولأن لا نقاتل كقولك: إياك وأن تتكلم؛ وقد يقال: إياك أن تتكلم والمعنى على ـ الواو ـ، وقيل: إن (ما) هنا نافية أي ليس لنا ترك القتال. {وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَـٰرِنَا وَأَبْنَائِنَا} في موضع الحال والعامل (نقاتل) والغرض الإخبار بأنهم يقاتلون لا محالة إذ قد عرض لهم ما يوجب المقاتلة إيجاباً قوياً وهو الإخراج عن الأوطان والاغتراب من الأهل والأولاد، وإفراد الأبناء بالذكر لمزيد تقوية أسباب القتال وهو معطوف على الديار وفيه حذف مضاف عند أبـي البقاء أي ومن بين أبنائنا، وقيل: لا حذف والعطف على حد:شعر : علفتها تبناً وماءً بارداً تفسير : وفي الكلام إسناد ما للبعض للكل إذ المخرج بعضهم لا كلهم. {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ} بعد سؤال النبـي وبعث الملك {تَوَلَّوْاْ} أعرضوا وضيعوا أمر الله تعالى ولكن لا في ابتداء الأمر بل بعد مشاهدة كثرة العدو وشكوته كما سيجيء وإنما ذكر هٰهنا مآل أمرهم إجمالاً إظهاراً لما بين قولهم وفعلهم من التنافي والتباين {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ} وهم الذين جاوزوا النهر وكانوا ثلثمائة وثلاثة عشرة عدة أهل بدر على ما أخرجه البخاري عن البراء رضي الله تعالى عنه، والقلة إضافية فلا يرد وصف هذا العدد أحياناً بأنه جم غفير {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ} ومنهم الذين ظلموا بالتولي عن القتال وترك الجهاد وتنافت أقوالهم وأفعالهم، والجملة تذييل أريد منها الوعيد على ذلك.

ابن عاشور

تفسير : جملة: {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل} استئناف ثان من جملة { أية : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } تفسير : [البقرة: 243] سيق مساق الاستدلال لجملة { أية : وقاتلوا في سبيل الله } تفسير : [البقرة: 190] وفيها زيادة تأكيد لفظاعة حال التقاعس عن القتال بعد التهيؤ له في سبيل الله، والتكرير في مثله يفيد مزيد تحذير وتعريض بالتوبيخ؛ فإن المأمورين بالجهاد في قوله: {وقاتلوا في سبيل الله} لا يخلون من نفر تعتريهم هواجس تثبطهم عن القتال، حباً للحياة ومن نفر تعترضهم خواطر تهون عليهم الموت عند مشاهدة أكدار الحياة، ومصائب المذلة، فضرب الله لهذين الحالين مثلين: أحدهما ما تقدم في قوله: {ألم تر إلى الذين أخرجوا من ديارهم} والثاني قوله: {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل} وقد قدم أحدهما وأخر الآخر ليقع التحريض على القتال بينهما.” ومناسبة تقديم الأولى أنها تشنع حال الذين استسلموا واستضعفوا أنفسهم، فخرجوا من ديارهم مع كثرتهم، وهذه الحالة أنسب بأن تقدم بين يدي الأمر بالقتال والدفاع عن البيضة؛ لأن الأمر بذلك بعدها يقع موقع القبول من السامعين لا محالة، ومناسبة تأخير الثانية أنها تمثيل حال الذين عرفوا فائدة القتال في سبيل الله لقولهم: {وما لنا ألا نقاتل} إلخ. فسألوه دون أن يفرض عليهم فلما عين لهم القتال نكصوا على أعقابهم، وموضع العبرة هو التحذير من الوقوع في مثل حالهم بعد الشروع في القتال أو بعد كتبه عليهم، فلله بلاغة هذا الكلام، وبراعة هذا الأسلوب تقديماً وتأخيراً. وتقدم القول على { أية : ألم تر } تفسير : [البقرة: 243] في الآية قبل هذه. والملأ: الجماعة الذين أمرهم واحد، وهو اسم جمع كالقوم والرهط، وكأنه مشتق من الملْء وهو تعمير الوعاء بالماء ونحوه، وأنه مؤذن بالتشاور لقولهم: تمالأ القوم إذا اتفقوا على شيء والكل مأخوذ من ملء الماء؛ فإنهم كانوا يملأون قربهم وأوعيتهم كل مساء عند الورد، فإذا ملأ أحد لآخر فقد كفاه شيئاً مهماً؛ لأن الماء قوام الحياة، فضربوا ذلك مثلاً للتعاون على الأمر النافع الذي به قوام الحياة والتمثيل بأحوال الماء في مثل هذا منه قول علي "اللهم عليك بقريش فإنهم قد قطعوا رحمي وأكفأوا إنائي" تمثيلاً لإضاعتهم حقه. وقوله: {من بعد موسى} إعلام بأن أصحاب هذه القصة كانوا مع نبي بعد موسى، فإن زمان موسى لم يكن فيه نصب ملوك على بني إسرائيل وكأنه إشارة إلى أنهم أضاعوا الانتفاع بالزمن الذي كان فيه رسولهم بين ظهرانيهم، فكانوا يقولون: اذهب أنت وربك فقاتلا، وكان النصر لهم معه أرجى لهم ببركة رسولهم، والمقصود التعريض بتحذير المسلمين من الاختلاف على رسولهم. وتنكير نبيء لهم للإشارة إلى أن محل العبرة ليس هو شخص النبي فلا حاجة إلى تعيينه، وإنما المقصود حال القوم وهذا دأب القرآن في قصصه، وهذا النبي هو صمويل وهو بالعربية شمويل بالشين المعجمة ولذلك لم يقل: إذ قالوا لنبيهم، إذ لم يكن هذا النبي معهوداً عند السامعين حتى يعرف لهم بالإضافة. وفي قوله: {لنبيء لهم} تأييد لقول علماء النحو إن أصل الإضافة أن تكون على تقدير لام الجر، ومعنى {ابعث لنا ملكاً} عين لنا ملكاً؛ وذلك أنه لما لم يكن فيهم ملك في حالة الحاجة إلى ملك فكأن الملك غائب عنهم، وكأن حالهم يستدعي حضوره فإذا عين لهم شخص ملكاً فكأنه كان غائباً عنهم فبعث أي أرسل إليهم، أو هو مستعار من بعث البعير أي إنهاضه للمشي. وقوله: {هل عسيتم إن كتب عليكم القتال} الآية، استفهام تقريري وتحذير، فقوله: {ألا تقاتلوا} مستفهم عنه بهل وخبر لعسى متوقع، ودليل على جواب الشرط {إن كتب عليكم القتال} وهذا من أبدع الإيجاز فقد حكى جملاً كثيرة وقعت في كلام بينهم، وذلك أنه قررهم على إضمارهم نية عدم القتال اختباراً وسبراً لمقدار عزمهم عليه، ولذلك جاء في الاستفهام بالنفي فقال ما يؤدي معنى «هلْ لاَ تقاتلون» ولم يقل: هل تقاتلون؛ لأن المستفهم عنه هو الطرَف الراجح عند المستفهم، وإن كان الطرَف الآخر مقدراً، وإذا خرج الاستفهام إلى معانيه المجازية كانت حاجة المتكلم إلى اختيار الطرف الراجح متأكدة. وتوقع منهم عدم القتال وحذرهم من عدم القتال إن فرض عليهم، فجملة: {ألا تقاتلوا} يتنازع معناها كل من هَل وَعسى وإنْ، وأُعطيت لعسى، فلذلك قرنت بإنْ، وهي دليل للبقية فيقدر لكل عامل ما يقتضيه. والمقصود من هذا الكلام التحريض لأن ذا الهمة يأنف من نسبته إلى التقصير، فإذا سجل ذلك عليه قبل وجود دواعيه كان على حذر من وقوعه في المستقبل، كما يقول من يوصي غيره: افعل كذا وكذا وما أظنك تفعل. وقرأ نافع وحده عسيتم بكسر السين على غير قياس، وقرأه الجمهور بفتح السين وهما لغتان في عسى إذا اتصل بها ضمير المتكلم أو المخاطب، وكأنهم قصدوا من كسر السين التخفيف بإماتة سكون الياء. وقوله: {قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله} جاءت واو العطف في حكاية قولهم؛ إذ كان في كلامهم ما يفيد إرادة أن يكون جوابهم عن كلامه معطوفاً على قولهم: {ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله} ما يؤدَّى مثله بواو العطف فأرادوا تأكيد رغبتهم، في تعيين ملك يدبر أمور القتال، بأنهم ينكرون كل خاطر يخطر في نفوسهم من التثبيط عن القتال، فجعلوا كلام نبيئهم بمنزلة كلام معترض في أثناء كلامهم الذي كملوه، فما يحصل به جوابهم عن شك نبيهم في ثباتهم، فكان نظم كلامهم على طريقة قوله تعالى حكاية عن الرسل: { أية : وعلى الله فليتوكل المؤمنون } تفسير : [آل عمران: 122]، { أية : وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا } تفسير : [إبراهيم: 12]. و(ما) اسم استفهام بمعنى أي شيء واللام للاختصاص والاستفهام إنكاري وتعجبي من قول نبيهم: {هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا} لأن شأن المتعجب منه أن يسأل عن سببه. واسم الاستفهام في موضع الابتداء، و{لنا} خبره، ومعناه ما حصل لنا أو ما استقرَّ لنا، فاللام في قوله: {لنا} لام الاختصاص و«أن» حرف مصدر واستقبال، و{نقاتل} منصوب بأن، ولما كان حرف المصدر يقتضي أن يكون الفعل بعده في تأويل المصدر، فالمصدر المنسبك من أن وفعلها إما أن يجعل مجروراً بحرف جر مقدر قبل أن مناسب لتعلق (لا نقاتل) بالخبر ما لنا في ألا نقاتل أي انتفاء قتالنا أو ما لنا لأَلانقاتل أي لأجل انتفاء قتالنا، فيكون معنى الكلام إنكارهم أن يثبت لهم سبب يحملهم على تركهم القتال، أو سبب لأجل تركهم القتال، أي لا يكون لهم ذلك. وإما أن يجعل المصدر المنسبك بدلاً من ضمير {لنا}: بَدَل اشتمال، والتقدير: ما لنا لِتَرْكِنا القتال. ومثل هذا النظم يجيء بأشكال خمسة: مثل { أية : مالك لا تأمنا على يوسف } تفسير : [يوسف: 11] { أية : ومالي لا أعبد الذي فطرني } تفسير : [يس: 22] { أية : ما لكم كيف تحكمون } تفسير : [النساء: 88] فمالك والتلدد حول نجد { أية : فما لكم في المنافقين فئتين } تفسير : [الصافات: 154]، والأكثر أن يكون ما بعد الاستفهام في موضع حال، ولكن الإعراب يختلف ومآل المعنى متحد. و«ما» مبتدأ و«لنا» خبره، والمعنى: أي شيء كان لنا. وجملة «ألا نُقَاتل» حال وهي قيد للاستفهام الإنكاري، أي لا يثبت لنا شيء في حالة تركنا القتال. وهذا كنظائره في قولك: مالي لا أفعل أو مالي أفعل، فإن مصدرية مجرورة بحرف جر محذوف يقدر بفي أو لام الجر، متعلق بما تعلقَ به {لنا}. وجملة {وقد أخرجنا} حال معللة لوجه الإنكار، أي إنهم في هذه الحال أبعد الناس عن ترك القتال؛ لأن أسباب حب الحياة تضعف في حالة الضر والكدر بالإخراج من الديار والأبناء. وعطف الأبناء على الديار لأن الإخراج يطلق على إبعاد الشيء من حيزه، وعلى إبعاده من بين ما يصاحبه، ولا حاجة إلى دعوى جعل الواو عاطفة عاملاً محذوفاً تقديره وأبعدنا عن أبنائنا. وقوله: {فلما كتب عليهم القتال تولوا} الخ. جملة معترضة، وهي محل العبرة والموعظة لتحذير المسلمين من حال هؤلاء أن يتولوا عن القتال بعد أن أخرجهم المشركون من ديارهم وأبنائهم، وبعد أن تمنوا قتال أعدائهم وفرضه الله عليهم والإشارة إلى ما حكاه الله عنهم بعد بقوله: { أية : فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه } تفسير : [البقرة: 249] إلخ. وقوله: {والله عليم بالظالمين} تذييل، لأن فعلهم هذا من الظلم؛ لأنهم لما طلبوا القتال خيلوا أنهم محبون له ثم نكصوا عنه. ومن أحسن التأديب قول الراجز: شعر : مَن قال لاَ في حاجة مسؤولة فما ظلم وإنما الظالم من يقول لا بعد نعم تفسير : وهذه الآية أشارت إلى قصة عظيمة من تاريخ بني إسرائيل، لما فيها من العلم والعبرة، فإن القرآن يأتي بذكر الحوادث التاريخية تعليماً للأمة بفوائد ما في التاريخ، ويختار لذلك ما هو من تاريخ أهل الشرائع، لأنه أقرب للغرض الذي جاء لأجله القرآن. هذه القصة هي حادث انتقال نظام حكومة بني إسرائيل من الصبغة الشورية، المعبر عنها عندهم بعصر القضاة إلى الصبغة الملكية، المعبر عنها بعصر الملوك وذلك أنه لما توفي موسى عليه السلام في حدود سنة 1380 قبل الميلاد المسيحي، خلفه في الأمة الإسرائيلية يوشع بن نُون، الذي عهد له موسى في آخر حياته بأن يخلفه فلما صار أمر بني إسرائيل إلى يوشع جعل لأسباط بني إسرائيل حكاماً يسوسونهم ويقضون بينهم، وسماهم القضاة فكانوا في مدن متعددة، وكان من أولئك الحكام أنبياء، وكان هنالك أنبياء غير حكام، وكان كل سِبط من بني إسرائيل يسيرون على ما يظهر لهم، وكان من قضاتهم وأنبيائهم صمويل بن القانة، من سبط أفرايم، قاضياً لجميع بني إسرائيل، وكان محبوباً عندهم، فلما شاخ وكبر وقعت حروب بين بني إسرائيل والفلسطينيين وكانت سجالاً بينهم، ثم كان الانتصار للفلسطينيين، فأخذوا بعض قرى بني إسرائيل حتى إن تابوت العهد، الذي سيأتي الكلام عليه، أسره الفلسطينيون، وذهبوا به إلى (أَشدود) بلادهم وبقي بأيديهم عدة أشهر، فلما رأت بنو إسرائيل ما حل بهم من الهزيمة، ظنوا أن سبب ذلك هو ضعف صمويل عن تدبير أمورهم، وظنوا أن انتظام أمر الفلسطينيين، لم يكن إلاّ بسبب النظام الملكي، وكانوا يومئذٍ يتوقعون هجوم ناحاش: ملك العمونيين عليهم أيضاً، فاجتمعت إسرائيل وأرسلوا عرفاءهم من كل مدينة، وطلبوا من صمويل أن يقيم لهم ملكاً يقاتل بهم في سبيل الله، فاستاء صمويل من ذلك، وحذرهم عواقب حكم الملوك «إن الملك يأخذ بينكم لخدمته وخدمة خيله ويتخذ منكم من يركض أمام مراكبه، ويسخر منكم حراثين لحرثه، وعملة لعُدد حربه، وأدوات مراكبه، ويجعل بناتكم عطَّارات وطباخات وخبازات، ويصطفي من حقولكم، وكرومكم، وزياتينكم، أجودها فيعطيها لعبيده، ويتخذكم عبيداً، فإذا صرختم بعد ذلك في وجه ملككم لا يستجيب الله لكم، فقالوا: لا بد لنا من ملك لنكون مثل سائر الأمم، وقال لهم: هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا {وما لنا ألا نقاتل} الخ. وكان ذلك في أوائل القرن الحادي عشر قبل المسيح. وقوله: {وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} يقتضي أن الفلسطينيين أخذوا بعض مدن بني إسرائيل، وقد صُرح بذلك إجمالاً في الإصحاح السابع من سفر صمويل الأول، وأنهم أسروا أبناءهم، وأطلقوا كهولهم وشيوخهم، وفي ذكر الإخراج من الديار والأبناء تلهيب للمهاجرين من المسلمين على مقاتلة المشركين الذين أخرجوهم من مكة، وفرقوا بينهم وبين نسائهم، وبينهم وبين أبنائهم، كما قال تعالى: { أية : وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان } تفسير : [النساء: 75].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الملأ: أشراف الناس من أهل الحل والعقد بينهم إذا نظر المرء إليهم ملأوا عينه رواءً وقلبه هيبة. عسى: كلمة توقع وترجّ. كتب: فرض ولزم. ملكا: يسوسهم في السلم والحرب. أنى يكون: الاستفهام للإِنكار بمعنى كيف يكون له الملك. اصطفاه: فضله عليكم واختاره لكم. بسطة في الجسم: أى طولا زائداً يعلو به من عداه. معنى الآيات: لقد فرض الله تعالى على المؤمنين القتال، ودارت رحى المعارك بداية من معركة بدر وكان لا بد من المال والرجال الأبطال الشجعان، فاقتضى هذا الموقف شحذ الهمم وإلهاب المشاعر لتقوى الجماعة المسلمة بالمدينة على مواجهة حرب العرب والعجم معاً، ومن هنا لمطاردة الجبن والبخل وهما من شر الصفات في الرجال ذكر تعالى حادثة الفارين من الموت التاركين ديارهم لغيرهم كيف أماتهم الله ولم ينجيهم فرارهم، ثم أحياهم ليكون ذلك عبرة لهم ولغيرهم فالفرار من الموت لا يجدي وإنما يجدي الصبر والصمود حتى النصر، ثم أمر تعالى المؤمنين بعد أن أخذ ذلك المنظر من نفوسهم مأخذه فقال: {أية : وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }تفسير : [البقرة: 190، 244] ولما كان المال المقدم في القتال فتح الله لهم اكتتابا ماليّاً وضاعف لهم الربح في القرض بشرط خلوصه وطيب النفس به، ثم قدم لهم هذا العرض التفصيلي لحادثة أخرى تحمل في ثناياها العظات والعبر لمن هو في موقف المسلمين الذين يحاربهم الأبيض والأحمر وبلا هوادة وعلى طول الزمن فقال تعالى: وهويخاطبهم في شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} يريد ألم ينته إلى علمك بإخبارنا إيّاك قول أشراف بني إسرائيل - بعد وفاة موسى - لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله فنطرد أعداءنا من بلادنا ونسترد سيادتنا ونحكم شريعة ربّنا. ونظراً إلى ضعفهم الروحي والبدني والمالي تخوف النبي أن لا يكونوا صادقين فيما طالبوه به فقال: {هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ} بتعيين الملك القائد أن لا تقاتلوا؟ فدفعتهم الحميّة فقالوا: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله والحال أنّا قد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا، وذلك أن العدوّ وهم البابليون لما غزوا فلسطين بعد أن فسق بنوا إسرائيل فتبرجت نساؤهم واستباحوا الزنى والربا وعطلوا الكتاب وأعرضوا عن هدى أنبيائهم فسلط الله عليهم هذا العدو الجبار فشردهم فأصبحوا لاجئين. وما كان من نبي الله شمويل إلا أن بعث من تلك الجماعات الميتة موتا معنوياً رجلا منهم هو طالوت وقادهم فلما دنوا من المعركة جبنوا وتولى أكثرهم منهزمين قبل القتال، وصدق نبيهم في فراسته إذ قال لهم {هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ}. هذا ما تضمنته الآية الأولى [246] من هذا القصص أمَّا الآية الثانية [247] فقد تضمنت اعتراض ملإِ بني إسرائيل على تعيين طالوت ملكاً عليهم بحجة أنه فقير من أسرة غير شريفة، وأنهم أحق بهذا المنصب منه، ورد عليهم نبيّهم حجتهم الباطلة بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. كان هذا رد شمويل على قول الملأ: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ}. وكأنهم لما دمغتهم الحجة وهي أن الله تعالى قد اختار طالوت وفضله عليهم بهذا الاختيار وأهله للولاية بما أعطاه وزاده من العلم وقوة الجسم، والقيادات القتالية تعتمد على غزارة العلم وقوة البدن بسلامة الحواس وشجاعة العقل والقلب أقول كأنهم لما بطل اعتراضهم ورضوا بطالوت طالبوا على عادة بني إسرائيل في التعنت طالبوا بآية تدل على أن الله حقاً اختاره لقيادتهم فقال لهم الخ وهي الآية [248] الآتية.

القطان

تفسير : الملأ: القوم. كتب: فرض. اصطفاه: اختاره. السعة: الغنى. البسطة في الجسم: العِظم والضخامة. يبين لنا الله تعالى هنا في هذه القصة، كما في معظم الآيات المتعلقة باليهود، نفسية بني إسرائيل وتعنتهم. فبعد موسى اجتمع أهل الرأي فيهم الى نبي لهم لم يسمّه القرآن و طلبوا اليه ان ينصّب عليهم ملكاً ليقاتلوا تحت رايته. فقال لهم نبيهم وقد أراد ان يستوثق من صدق عزيمتهم: الا يُنتظر منكم ان تجبُنوا عن القتال اذا فرض عليكم؟ فأنكروا ان يقع ذلك منهم قائلين: وكيف لا نقاتل لاسترداد حقوقنا وقد أخرجَنا العدوّ من أوطاننا، وتركْنا أهلنا وأولادنا! فلما أجاب الله رغبتهم وفرض عليهم القتال أعرضوا عنه وتخلّفوا، الا جماعة قليلة منهم. وكان إعراضهم وتخلفهم هذا ظلماً منهم لأنفسهم ونبيِّهم ودينهم، والله عليم بالظالمين. وقال لهم نبيّهم: ان الله استجاب لكم فاختار طالوت ملكاً عليكم. فاعترض كبراؤهم على اختيار الله قائلين: كيف يكون طالوت ملكاً علينا ونحن أولى منه! انه ليس بذي نسب، فليس هو من سلالة الملوك ولا النبوة، وليس له مال. وهذا هو مقياس الأولوية عندهم. فردّ عليهم نبيهم قائلا: ان الله اصطفاه من بينكم لأن فيه صفاتٍ ومزايا أهمَّ من المال والنسب. وهي السعة في العلم، للتدبير وحسن القيادة، والخبرة بشؤون الحرب وسياسة الحكم، مع قوة الجسم. والسلطانُ بيد الله يعطيه من يشاء من عباده ولا يعتمد على وراثة أو مال، والله واسع عليم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ۤ إِسْرَائِيلَ} {نُّقَاتِلْ} {تُقَاتِلُواْ} {نُقَاتِلَ} {دِيَارِنَا} {وَأَبْنَآئِنَا} {بِٱلظَّالِمِينَ} (246) - قَالَ المُفَسِّرُونَ إِنَّ بني إسرائيلَ كَانَوا فِي زَمَنِ مُوسَى عَلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلَبِثُوا عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً مِنَ الزَّمَن. ثُمَّ تَضَعضَعَ أَمْرُهُمْ، وَعَبَدَ بَعْضُهُمُ الأوْثَانَ، وَضَاعَ المُلْكُ مِنْهُمْ. وَتَسَلَّطَ عَلَيهمْ أَعَداؤُهُمْ، فَأخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ بِالقَهْرِ، فَأَرْسَلَ اللهُ إليْهِمْ نَبْيّاً، وَأمَرَهُ بِدِعْوَتِهِمْ إلى اللهِ، وَإلى عِبَادِةِ رَبِّهِمْ وَتَوْحِيدِهِ. فَدَعَاهُمُ النَّبِيُّ، فَطَلَبُوا مِنْهُ أنْ يُقِيمَ لَهُمْ مَلِكاً يُقَاتِلُونَ مَعَهُ أَعْدَاءَهُمْ. فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: لَعَلَّكُمْ إنْ أقَامَ اللهُ لكُمْ مَلِكاً ألاَّ تُقَاتِلُوا فِي سَبيلِ اللهِ، وَألاَّ تُوفُوا بِمَا التَزَمْتُمْ بِهِ مِنَ القِتَالِ مَعَهُ. فَقَالُوا: كَيْفَ لا نُقَاتِلُ فِي سَبيلِ اللهِ وَقَدْ ضَاعَتْ بِلادُنَا، وَسُبِيَتْ ذَرارِينا؟ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيهِمُ القِتَالُ لَمْ يُوفُوا بِمَا وَعَدُوا، وَنَكَلُوا عَنِ الجِهَادِ وَاللهُ عَليمٌ بِالظَّالِمينَ النَّاكِلِينَ عَن الجِهَادِ دِفَاعاً عَنْ دِينِهِمْ وَأَرْضِهِمْ وَأمَّتِهِمْ. المَلأ - كُبَرَاءِ القَوْمِ. عَسَيْتُمْ - قَارَبْتُمْ.

الثعلبي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} والملأ من القوم وجوههم وأشرافهم، وأصل الملأ الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظ مثل الإبل والخيل والجيش، ولكن جمعه أملاء، قال الشاعر: شعر : [وسط] الأملاء وافتتح الدعاءا لعلّ الله يكشف ذا البلاءا تفسير : {مِن بَعْدِ مُوسَىۤ} أي من بعد موت موسى {إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ} اختلفوا في ذلك النبي من هو، فقال قتادة: هو يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وقال السدّي: اسمه شمعون، وإنّما سمّي شمعون لأنّ أمّه دعت الله أن يرزقها غلاماً؛ فاستجاب الله دعاءها فولدت غلاماً فسمّته شمعون تقول: سمع الله دعائي والسين يصير شيناً بلغة العبرانية، وهو شمعون بن صفية بن علقمة بن أبي ياسف بن قارون بن نصهر بن فاحث بن لاوي بن يعقوب. وقال سائر المفسّرين: هو إشمويل، وهو بالعربية إسماعيل بن نالي بن علقمة بن حازم بن الهر بن عرصوف بن علقمة بن فاحث بن عموصا بن عرزيا، وقال مقاتل: هو من نسل هارون عليه السلام. مجاهد: هو اسمويل بن هلفانا ولم ينسبه أكثر من ذلك. قال وهب وابن إسحاق والسدي والكلبي وغيرهم: كان سبب مقاتلتهم إيّاه ذلك أنه لما مات موسى عليه السلام خلّف بعده في بني إسرائيل يوشع، يقيم فيهم التوراة وأمْر الله حتى قبضه الله، ثم خلف فيهم كالب يقيم فيهم التوراة وأمْر الله تعالى حتى قبضه الله تعالى، ثم خلف فيهم حزقيل كذلك، ثم إن الله تعالى قبض حزقيل، وعظمت في بني إسرائيل الأحداث ونسوا عهد الله حتى عبدوا الأوثان، فبعث الله تعالى إليهم إلياس نبيّاً، فجعل يدعوهم إلى الله، وإنّما كانت الأنبياء من بني إسرائيل من بعد موسى يبعثون إليهم لتجديد ما نسوا من التوراة. ثم خلّف بعد إلياس اليسع وكان فيهم ما شاء الله أن يكون، ثم قبضه الله إليه، وخلفت فيهم الخلوف وعظمت فيهم الخطايا، وظهر لهم عدو يقال له البلثانا وهم قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم من مصر وفلسطين، وهم العمالقة فظهروا على بني إسرائيل وغلبوهم على كثير من أرضهم وسبوا ذراريهم وأسروا من أبنائهم أربعين وأربعمائة غلام وضربوا عليهم الجزية، وأخذوا توراتهم ولقي بنو إسرائيل منهم بلاء وشدة، ولم يكن لهم نبي يدبّر أمرهم، وكانوا يسألون أن يبعث [الله] لهم نبيّاً يقاتلون معه. وكان سبط النبوة قد هلكوا فلم يبق منهم إلاّ امرأة حبلى فأخذوها وحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية فتبدّله بغلام لما يرى من رغبة بني إسرائيل في ولدها، فجعلت المرأة تدعو الله عزّ وجلّ أن يرزقها غلاماً، فولدت غلاماً فسمّته إشمويل تقول سمع الله دعائي، فكبر الغلام فأسلمته يتعلم التوراة في بيت المقدس، وكفله شيخ من علمائهم وتبنّاه، فلما بلغ الغلام أن يبعثه الله نبياً أتاه جبرائيل عليه السلام والغلام نائم إلى جنب الشيخ، وكان لا يأتمن عليه أحداً فدعاه بلحن الشيخ: يا إشمويل فقام الغلام فزعاً إلى الشيخ فقال: يا أبتاه دعوتني، فكره الشيخ أن يقول: لا فيفزع الغلام، فقال: يا بني ارجع فنم فرجع الغلام فنام، ثم دعاه الثانية فأتاه الغلام أيضاً فقال: دعوتني، فقال: ارجع فنم فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني، فلمّا كانت الثالثة ظهر له جبرائيل عليه السلام فقال له: اذهب إلى قومك فبلّغهم رسالة ربك فإنّ الله قد بعثك فيهم نبياً، فلما أتاهم كذّبوه وقالوا استعجلت النبوة ولم يأن لك. وقالوا: إن كنت صادقاً {ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} آيةً من نبوتك، وإنما كان قوام أمر بني إسرائيل بالإجتماع على الملوك، وطاعة الملوك أنبياءهم، وكان الملك هو الذي يسير بالجموع، والنبي يقيم له أمره ويشير عليه، يرشده ويأتيه بالخبر من ربه عزّ وجلّ. وقال وهب: بعث الله تعالى إشمويل نبيّاً فلبثوا أربعين سنة بأحسن حال، ثم كان من أمر جالوت والعمالقة ما كان فقالوا لأشمويل {ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي يقاتل، بالياء جعل الفعل للملك وهو جزم على جواب الأمر، فلمّا قالوا له ذلك قال لهم: {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ} هل عسيتم استفهام [منك] يقول لعلكم، وقرأ نافع والحسن: عَسِيتم بكسر السين [في] كل القرآن، وهي لغة، وقرأ الباقون بالفتح وهي اللغة الفصيحة، قال أبو عبد الرحمن: لو جاز عسيتم لقرئ عسى ربكم إن كتب، فرض عليكم القتال مع ذلك الملك {أَلاَّ تُقَاتِلُواْ} أن لا تفوا بما تقولون ولا تقاتلوا معه. {قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} إنْ قيل: ما وجه دخول "أن" في هذا الموضع، والعرب لا تقول: مالك أن لا تفعل، وإنما يُقال: مالك لا تفعل قيل: دخول أن وحذفها لغتان صحيحتان فصيحتان، فأما دخول أنّ فكقوله: {أية : مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ} تفسير : [الحجر: 32] وأما حذفها فكقوله {أية : وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} تفسير : [الحديد: 8]. وقال الكسائي: معناه: وما لنا في أن لا نقاتل، ما لنا وأن لا نقاتل فحذف الواو، حكاه محمد بن جرير {وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا} وقرأ عبيد بن حميد: قد أَخرجَنا بفتح الهمزة والجيم يعني العدو. ومعنى الكلام: وقد أخرج من كتب عليهم من ديارهم وأبنائهم، ظاهر الكلام العموم وباطنه الخصوص، لأنّ الذين قالوا لنبيهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله كانوا في ديارهم وأوطانهم، وإنما من داره مَنْ أُسر وقُهر منهم. ومعنى الآية: إنهم قالوا مجيبين: إنّا إنما كنّا نزهد في الجهاد إذ كنا ممنوعين في بلادنا لا يطؤنا عدونا ولا يظهر علينا، فأمّا إذا بلغ ذلك منا، فلابد من الجهاد فنطيع ربنا في الغزو ونمنع نساءنا وأولادنا. قال الله تعالى {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ} أعرضوا عن الجهاد وضيّعوا أمر الله عزّ وجلّ {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} وفي الكلام حذف معناه: فبعث الله لهم ملكاً وكتب عليهم القتال، فلمّا كُتب عليهم القتال تولوا إلاّ قليلا منهم وهم الذين عبروا النهر وسنذكرهم في موضعها. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن الحق سبحانه يبلغنا بوسيلة السماع عنه، وعلينا أن نتلقى ذلك الأمر كأننا نراه بالعين، فماذا نرى؟ {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ} [البقرة: 246]، ما معنى الملأ؟ هي من ملأ يعني ازدحم الإناء، ولم يعد فيه مكان يتحمل زائداً. وأن الظرف قد شُغل بالمظروف شغلاً لم يعد يتسع لسواه. وكلمة "ملأ" تُطلق على أشراف القوم. وأشراف القوم كأنهم هم الذين يملأون حياة الوجود حولهم ولا يستطيع غيرهم أن يزاحمهم. و{ٱلْمَلإِ} من أشراف الوجوه والقوم يجلسون للتشاور. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ} [البقرة: 246] أي ألم يأتك خبر وجوه القوم وأشرافهم من بعد موسى عليه السلام مثلاً في عصر "يوشع" أو "حزقيل أو شمويل" أو أي واحد منهم، ولا يعنينا ذلك لأن القرآن لا يذكر في أي عهد كانوا، المهم أنهم كانوا بعد موسى عليه السلام. {إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [البقرة: 246]. لقد اجتمع أشراف بني إسرائيل للتشاور ثم ذهبوا إلى النبي الذي كان معاصراً لهم وقالوا له: ابعث لنا ملكاً. ونفهم من ذلك أنه لم يكن لهم ملك. وماذا نستفيد من ذكر وجود نبي لهم وعدم وجود ملك لهم؟ نفهم من ذلك أن النبوة كانت تشرف على نفاذ الأعمال ولا تباشر الأعمال، وأما الملك فهو الذي يباشر الأعمال. ولو كانت النبوة تباشر أعمالاً لما طلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكاً. وسبب ذلك أن الذي يباشر عرضة للكراهية من كثير من الناس وعرضة أن يفشل في تصريف بعض الأمور، فبدلاً من أن يوجهوا الفشل للقمة العليا، ينقلون ذلك لمن هو أقل وهو الملك. ولذلك طلبوا من النبي أن يأتي بملك يعيد تصريف الأمور فتكون النبوة مرجعاً للحق، ولا تكون موطناً للوم في أي شيء. الحق سبحانه وتعالى يبلغنا أنه قال لنبي بني إسرائيل: أنتم الذين طلبتم القتال وأنتم الملأ - أي أشراف القوم - وأتيتم بالعلة الموجبة للقتال وهي أنكم أخرجتم من دياركم وأبنائكم أي بلغ بكم الهوان أنه لم تعد لكم ديار، وبلغ بكم الهوان أنه لم يعد لكم أبناء بعد أن أسرهم عدوكم. إذن علة طلب القتال موجودة، ومع ذلك قال لهم النبي: {هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ} [البقرة: 246] لقد أوضح لهم نبيهم الشرط وقال: إنني أخاف أن آتي لكم بملك كي تقاتلوا في سبيل الله، وبعد ذلك يفرض الله عليكم القتال، وعندما نأتي للأمر الواقع لا نجد لكم عزماً على القتال وتتخاذلون. لكنهم قالوا: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا} [البقرة: 246] .. انظر إلى الدقة في قولهم: {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [البقرة: 246] وتعليق ذلك السبيل على أنهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم! لقد أرادوا أن يقلبوا المسألة وأن يقولوا: إن القتال في سبيل الله بعد أن عضتهم التجربة فيما يحبون من الديار والأبناء، إذن فالله هو الملجأ في كل أمر، وقبل سبحانه منهم قولهم، واعتبر قتالهم في سبيله. وكان إخراجهم من ديارهم أمراً معقولاً، لكن كيف يخرجون من أبنائهم؟ ربما كانوا قد تركوا أبناءهم للعدو، وربما أخذهم العدو أسرى. لكنهم هم الذين أخرجوا من ديارهم، وينطبق عليهم في علاقتهم بالأبناء قول الشاعر: شعر : إذا تـرحـلـت عـن قـوم وقـد قـدروا ألا تـفـارقـهم فالراحـلـون همـو تفسير : وانظر إلى التمحيص، إنهم ملأ من بني إسرائيل وذهبوا إلى نبي وقالوا له: ابعث لنا ملكاً حتى يجعلوها حرباً مشروعة ليقاتلوا في سبيل الله، وقال لهم النبي ما قال وردوا عليه هم: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [البقرة: 246] يعني وكيف لا نقاتل في سبيل الله؟ وجاء لهم الأمر بالقتال في قوله تعالى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ} [البقرة: 246] إن قوله: "كتب" لأنهم هم الذين طلبوا تشريع القتال فجعلهم الله داخلين في العقد فجاء التعبير بـ "كُتِبَ" ولم يأت بـ "كَتبَ"، ومع ذلك تولوا أي أعرضوا عن القتال. لقد كان لنبيهم حق في أن يتشكك في قدرتهم على القتال، ويقول لهم: {هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ} [البقرة: 246]. ولكن هل أعرضوا جميعاً عن القتال؟ لا؛ فقد كان فيهم من ينطبق عليه قول الشاعر: شعر : إن الـذي جـعـل الحـقيـقة علقماً لم يـخـل مـن أهـل الحقـيـقـة جـيلاً تفسير : لقد كان منهم من لم يعرض عن التكليف بالقتال لكنهم قلة، وهذا تمهيد مطلوب، حتى إذا انحسرت الجمهرة، وانفض الجميع من حولك إياك أن تقول: "إني قليل"؛ لأن المقاييس ليست بكثرة الجمع، ولكن بنصرة الحق سبحانه وتعالى. وقد يكون عدوك كثيراً لكن ليس له رصيد من ألوهية عالية، وقد تكون في قلة من العدد، لكن لك رصيد من ألوهية عالية، وهذا ما يريد الحق أن يلفتنا إليه بقوله: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً} [البقرة: 246]. كلمة "إلا قليلاً" جاءت لتخدم قضية، لذلك جاء في آخر القصة قوله تعالى:{أية : كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [البقرة: 249]. أي أن الغلبة تأتي بإذن الله، إذن فالشيء المرئي واحد، لكن وجهة نظر الرائين فيه تختلف على قدر رصيدهم الإيماني. أنت ترى زهرة جميلة، والرؤية قدر مشترك عند الجميع، ورآها غيرك، أعجبتك أنت وحافظت عليها وتركتها زينة لك ولغيرك، بينما رآها إنسان آخر فقطفها ولم يبال مِلْكُ مَن هي، وهكذا تعرف أن العمل النزوعي يختلف من شخص لآخر، فالعدو قد يكون كثيراً أمامنا ونحن قلة، وكلنا رأى العدو كثيراً ورأى نفسه قليلاً، لكن المواجيد تختلف. أنا سأحسب نفسي ومعي ربي، وغيري رآهم كثيرين وقال: لا نقدر عليهم؛ لأنه أخرج ربه من الحساب. {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 246] إذن فالتولي ظلم للنفس؛ لأن الظلم في أبسط معانيه أن تنقل الحق لغير صاحبه، وأنت أخرجت من ديارك وظللت على هذا الحال، إذن فقد ظلمت نفسك، وظلمت أولادك الذين خرجوا منك، ولم تستردهم، وفوق ذلك كله ظلمت قضيتك الدينية. إذن فالجماعة الذين تولوا كانوا ظالمين لأنفسهم ولأهليهم ولمجتمعهم وللقضية العقدية. وقوله الحق: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 246] هو إشارة على أن الله مطلع على هؤلاء الذين تخاذلوا سراً، وأرادوا أن يقتلوا الروح المعنوية للناس وهم الذين يطلق عليهم في هذا العصر "الطابور الخامس" الذين يفتتون الروح المعنوية دون أن يراهم أحد ولكن الله يعرفهم. لقد طلب هؤلاء القوم من بني إسرائيل من نبيهم أن يبعث لهم ملكاً، وكان يكفي النبي المرسل إليهم أن يختار لهم الملك ليقاتلوا تحت رايته، لكنهم يزيدون في التلكؤ واللجاجة ويريدون أن ينقلوا الأمر نقلة ليست من قضايا الدين. ويقول الحق بعد ذلك: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوۤاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} معناهُ أَلمْ تَعلمْ وملأهُم: أَشرَافُهُمْ.

الأندلسي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} الملأ: هم الأشراف. ومن له الحل والعقد وهو اسم جمع ويجمع على إملاء من بني إسرائيل في موضع الحال أي كائنين من بني إسرائيل. {مِن بَعْدِ مُوسَىۤ} متعلق بما تعلق به من بني إسرائيل وتعدى إلى حرفي جر من لفظ واحد لاختلاف المعنى فالأولى للتبعيض والثانية لابتداء الغاية. {إِذْ قَالُواْ} العامل في إذ قالوا: تر، وقالوا: بدل من بعد وقد رددنا ذلك في البحر. والعامل مضاف محذوف أي إلى قصة الملأ أو إلى حديث الملأ وما جرى لهم، إذ قالوا: لأن الذوات لا يتعجب منها إنما يتعجب مما جرى لهم. {لِنَبِيٍّ لَّهُمُ} لنبي: متعلق بقالوا، واللام: للتبليغ. ولم يعين في القرآن اسم هذا النبي. وقصة هؤلاء إنه لما توفي موسى عليه السلام خلفه يوشع يقيم فيهم التوراة فقبض، فخلفه حزقيل فقبض، ففسق فيهم الاحداث حتى عبدوا الأوثان، فبعث الياس ثم من بعده اليسع ثم قبض فظهرت فيه الاحداث، وظهر لهم عدوهم العمالقة قوم جالوت وكانوا سكان بحر الروم بين مصر وفلسطين فغلبوا على كثير من بلادهم وأسروا من ملوكهم وضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم ولم يكن لهم نبي موجود يدبر أمرهم، فسألوا الله أن يبعث لهم نبياً يقاتلون معه وكان سبط النبوة قد هلكوا إلا امرأة حبلى دعت الله تعالى أن يرزقها غلاماً فرزقها شمويل فتعلم التوراة وكفله شيخ من علمائهم وتبناه فأتاه جبريل عليه السلام وهو نائم إلى جنب الشيخ وكان لا يأمن عليه فدعاه بلحن الشيخ يا شمويل فقام نزعا فقال: يا أبت دعوتني، فكره أن يقول له لا فيفزع. فقال: يا نبي نم فجرى له ذلك مرتين فقال له: إن دعوتك الثالثة فلا تجبني فظهر له جبريل عليه السلام فقال له: اذهب فبلغ قومك رسالة ربك فقد بعثك نبياً فاتاهم فكذبوه، وقالوا له: إن كنت صادقاً فابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله آية من نبوتك وكان قوام بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك وكان الملك يسير بالجموع والنبي يسدده ويرشده، ومعنى ابعث لنا ملكاً: انهض لنا من تصدر عنه في أمر الحروب وتنتهي إلى تدبيره. وقرىء نقاتل بالنون والجزم على جواب الأمر وبالياء رفع اللام على الصفة وبالنون ورفع اللام على الحال من المجرور وبالياء والجزم على الجواب ولما ذكروا القتال استثبتهم بقوله: {هَلْ عَسَيْتُمْ} ليعلم ما انطوت عليه بواطنهم فاستفهم عن مقاربتهم ترك القتال إن كتب عليهم فأنكروا أن يكون لهم داع إلى ترك القتال بقولهم: وما لنا .. إلى آخر كلامهم أي هذه حال من يبادر إلى القتال. ودخول هل على عسيتم دليل على أن عسى فعل خبري لا إنشائي والمشهور أنّ عيسى انشاء. وقرىء عسيتم بكسر السين وفتحها وجواب ان كتب محذوف وان لا تقاتلوا خبر عسى أو مفعول على الخلاف المنقول في النحو، والواو في ومالنا أن لا نقاتل لربط هذا الكلام بما قبله، والتقدير في ترك القتال والواو في وقد للحال. وقرىء أخرجنا مبنياً للمفعول وأخرجنا ماضياً مبنياً للفاعل أي أخرجنا العدو أو أخرجنا الله سبحانه بعصياننا فنحن نموت ونقاتل في سبيله ليردنا إلى أوطاننا ويجمع بيننا وبين أبنائنا. {تَوَلَّوْاْ} أي صرفوا عزائمهم عن القتال. {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} استثناء متصل وصح وإن كان لا يجوز قام القوم إلا رجالاً لأنه صفة لموصوف محذوف ولتقييده بقوله: منهم ولم يبين عدة هذا القليل وفي الحديث ثلثمائة وثلاثة عشر وهذا القليل ثبتوا على نياتهم في قتال أعدائهم. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} وعيد لمن تقاعد عن القتال بعد أن فرض عليه بسؤال. ولما سألوا أن يبعث لهم ملكاً قال: {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} وكان طالوت صاحب صنعة فيها مهنة. {قَالُوۤاْ أَنَّىٰ} الجملة وهو كلام من تعنت في حكم الله تعالى ولم يسلم لما فعله الله تعالى وأبْدوْا عذرهم في إنكار تمليكه عليهم وإنهم أحق بالملك منه إذ الملك في سبط [يهود أو النبوة في سبط] لأوى وليس هو من هذا السبط ولا من هذا السبط والملك لا يتم إلا بالفاضل لا المفضول والموسع عليه في الدنيا، إذ يحتاج إلى استخدام الرجال بالمال ومعونتهم به على القتال اعتبروا في ذلك الأصالة والغنى ولم يعتبروا السبب الأقوى وهو ما قضاه الله وقدره، وأنى بمعنى: كيف نصب على الحال. "ويكون" ناقصة وله خبر وعلينا متعلق بالملك على معنى الاستعلاء أو تامة، أي كيف يقع أو يحدث. {وَنَحْنُ أَحَقُّ} جملة حالية. {وَلَمْ يُؤْتَ} معطوف على الحال فهو حال وبالملك ومنه متعلقان باحق. {ٱصْطَفَاهُ} اختاره صفوة إذ هو أعلم بالمصالح. {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ} بالحروب وعلم الشرائع وقيل أنه أوحى إليه ونبىء. {وَٱلْجِسْمِ} وهو امتداد القامة وحسن الصورة. قال ابن عباس: كان طالوت يومئذٍ أعلم بني إسرائيل وأتمهم وأجملهم وتمام الخلق وحسنه أعظم في النفوس وأشد هيبة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ماشى الطوال طالهم. وقرىء بسطة بالسين وبالصاد. {وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ} لما تعنتوا وجادلوا قطعهم بذلك، ثم اعلمهم بآية تدل على ملك طالوت فقال: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ} وكانوا قد فقدوه وكان مشتملاً على ما ذكره الله تعالى والتابوت معروف، ووزنه فاعول ولا يعرف له اشتقاق ويقال بالتاء أخيراً وبالهاء وقد قرىء بهما. {فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أي فيه اطمئنان لكم ولما كانت السكينة تحصل بإِتيانه جعلت فيه مجازاً. وقيل: والتابوت صندوق التوراة كان موسى عليه السلام إذا قدمه في القتال سكنت نفوس بني إسرائيل ولا يفرون. {وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ} لم يعين ما البقية. فقيل: رضاض الواح التوراة التي تكسرت حين ألقاها موسى عليه السلام وقيل: عصاه. وقيل غير ذلك. وآل موسى وآل هارون هم الأنبياء كانوا يتوارثون ذلك. {تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} قال ابن عباس: جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت وهم ينظرون إليه وكان حمل الملائكة له اسعظاماً لهذه الآية. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي إتيان التابوت والملائكة تحمله.

الجيلاني

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} الذين كانوا معرضين عن القتال في حياة موسى - صلوات الله عليه - كيف اضطروا إليه {مِن بَعْدِ} وفاة {مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ} هو يوشع أو شمعون أو أشمويل حين ظهرت العمالقة عليهم، وخربوا ديارهم ونهبوا أموالهم وأسروا أولادهم: {ٱبْعَثْ} عيِّن {لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ} مع أعداء الله {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ} أي: أتوقع جبنكم وتقاعدكم {إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ} من عند الله {أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ} أي: أيُّ شيء عرض لنا {أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا} بسبب ترك القتال، لو لم نقاتل بعد لاستؤصلنا بالمرة {فَلَمَّا كُتِبَ} فُرض {عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ} أعرضوا عنه {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} ثلاثمائة وثلاثة عشر بعدد أهل بدر {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 246] المجاوزين عن أوامره. {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ} بإلالهام لله ووحيه {إِنَّ ٱللَّهَ} المدبِرّ لأموركم {قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ} من المرتجلات العجمية {مَلِكاً} يولي أموركم ويقاتلك مع عدوكم {قَالُوۤاْ} مستكبرين مستنكرين: {أَنَّىٰ} من أين {يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا} وهو من سفلة الناس، كيف يستأهل هذا المنصب؟ {وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَ} الحال أنه {}لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ حتى يقوى به، وإنما استحقروه؛ لأنه كان فقيراً راعياً أو سقَّاء أو دباغاً، وكان من أولاد بنيامينن، ولم يكن في أولاده النبوة والملك، إنما كانت النبوة في أولاد لاوي والملك في أولاد يهوذا، وكان فيهم من أسباطهما خلق عظيم. {قَالَ} لهم نبيهم: {إِنَّ ٱللَّهَ} المعز لأذلة عباده {ٱصْطَفَاهُ} واختاره للملك {عَلَيْكُمْ} مع فقره وسقوط نسبه {وَ} بعدما اختاره {زَادَهُ بَسْطَةً} حيطة وشمولاً {فِي ٱلْعِلْمِ} المتعلق لتبدير المملكة {وَ} قوة عظيمة في {ٱلْجِسْمِ} لمقاومة العدو ومدافعته {وَٱللَّهُ} المدبر لمصالح عباده {يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ} من عباده على مقتضى علمه منهم وحكمته من غير التفات إلى فقرهم ونسبهم {وَٱللَّهُ} الحكيم العليم {وَاسِعٌ} في فضله وإحسانه {عَلِيمٌ} [البقرة: 247] في حكمه وعدله، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، بلا سسبق علل وأغراض.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن قتال أهل المال وجدال أهل الضلال بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ} [البقرة: 246] والإشارة فيها أن القوم لما أظهروا خلاف ما أضمروا وزعموا غير ما كتموا أعرض نقد دعواهم على محك معناهم فما أفلحوا عند الامتحان إذ عجزوا عن البرهان وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان: {إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ} [البقرة: 246]؛ يعني: أنكم هو شمول إذا ادعيتهم دعوى عريضاً تصريحاً لا تعريضاً أن تقاتل في سبيل الله وإن القتال في سبيل الله من شأن الأنبياء وخواص الأولياء وليس من منيع أهل الطباع والهوى فأنا أتوقع إن كتب عليكم القتال أن تقاتلوا فيما ادعيتم كالرجال وتكون أفعالكم دون أقوالكم وأعمالكم {قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا} [البقرة: 246]، فكان أول مقالهم دعوى إخلاص لله في قتالهم فظهر عن المقصود وأخرجا لهم معنى الذب عن أولادهم وأموالهم، فهذا حال أكثر مدعي الإسلام والإيمان يزعمون يصلي ويصوم ويحج ويزكي ويعمل ويصنع لله وفي الله، فإذا امتحنوا بصدق الجنان وعرضوا النقود على الميزان فيكشف الغطاء ويظهر الخفاء ففي كفتي الميزان يرى ما كان لله، وما كان للهوى فيقال هذا أثر الحياة، فإن الجنة هي المأوى، وهذا لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأموى {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ} [البقرة: 246]، تبين الأبطال من البطال واسودت وجوه أصحاب الدعاوي، وابيضت وجوه أرباب المعاني: {تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} [البقرة: 246]، ولاشك أن أهل الحق في كل زمان وإن كان أعز من العتقاء وأعوز من الكيمياء، قال بعضهم: شعر : تُعَيِّرُنا أَنا قَليلٌ عَديدُنا فَقُلتُ لَها إِنَّ الكِرامَ قَليلُ وَما ضَرَّنا أَنّا قَليلٌ وَجارُنا عَزيرٌ وَجارُ الأَكثَرينَ ذَليلُ تفسير : وإنما لم ينل المدعون مقصدوهم؛ لأنه لم يخلص بالحق لله مقصودهم، ولو أنهم قالوا ما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أمرنا ربنا وأوجب القتال علينا وإنه سيدنا ومولانا، فالله صدق دعواهم وأعطى مناهم وأكرم مثواهم، كما قال قوم من السعداء في أثناء التضرع والبكاء بالنفس الصعداء: {أية : وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [المائدة: 84]، لا جرم {أية : فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}تفسير : [المائدة: 85]، {أية : كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 29] على قدر ظلمهم {أية : وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الجمعة: 7]. ثم أخبر عن إجابة سؤالهم وبعد الإجابة بين مع النبي أحوالهم وأخلاقهم وأفعالهم بقوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} [البقرة: 247]، والإشارة فيها أن الحكمة الإلهية الأزلية جلت وتجلت جلباب تعاليها عن أن تكون العقول القاصرة الخلقية مدركة لكل معنى من معانيها وأنه ليس العجب في أن العقول البشرية المشوبة بظلمة الهوى والغضب كبني إسرائيل حارت عند سماع قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} حتى {أية : قَالُواْ}تفسير : [القلم: 29]، متحيرين {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ} [البقرة: 247]، ولكن العجب أن العقول الكاملة المؤيدة بالأنوار القدسية للملائكة المقربين طارت عند استماع خطابه: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}تفسير : [البقرة: 30]، حتى قالوا مدهوشين: {أية : قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}تفسير : [البقرة: 30]، فالله تعالى أخبرهم عن قصور عقولهم في إدراك حقائق حكمه وقال: {أية : قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 30]، ثم اصطفى آدم عليه السلام على الملائكة بالعلم والجسم، وقال تعالى: {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}تفسير : [البقرة: 31]، وقال تعالى: {أية : إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}تفسير : [ص: 71-72]، وكذلك اصطفى طالوت على بني إسرائيل، قال: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ} [البقرة: 247]، أعطى ملك بني إسرائيل لطالوت كما أعطى ملك الخلافة لآدم وإنما حرم بنو إسرائيل عن الملك؛ لأنهم كانوا معجبين بأنفسهم متكبرين على طالوت ناظرين إليه بنظر الحقارة ومن عجبهم قالوا: {نَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ} [البقرة: 247]، ومن تكبرهم عليه قالوا: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا} [البقرة: 247] ومن تحقيرهم إياه قالوا: {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ} [البقرة: 247] فلما تكبروا وضعهم الله تعالى وحرموا من الملك ولما عرض صمويل على طالوت تواضع لله تعالى، وقال: كيف أستحق الملك وسبطي أدنى أسباط بني إسرائيل، وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل؟ فرفعه الله تعالى وأعطاه الملك وقال: {وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ} كذلك الملائكة إنما حرموا من الخلافة لأنهم كانوا محتجين بحجب الأنانية والتحتية متفوقين على آدم ناظرين إليه بالحقارة حتى قالوا: {أية : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}تفسير : [البقرة: 30]، وقد أضمروا في هذا القول: ونحن أحق بالخلاف منه وإن لم يظهروا فتفرقوا عليه في حضرته وقالوا: {أية : قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}تفسير : [البقرة: 30]، فلما تفوقوا عليه وترفعوا أمرهم بسجوده، ولما جاء جبريل عليه السلام ليقبضه من أديم الأرض وقال له: أحب ربك، فقال: إيش يريد مني؟ عرض عليه الخلافة وقال: يريد أن يجعلك خليفة فتواضع لله تعالى وقال: ما للتراب ورب الأرباب وأقسم على جبريل برب العزة ألا يقبضه وأن يستعفي له من الحضرة، فالله تعالى أكرمه بسجود الملائكة وحمل أعباء الأمانة وأعطاه ملك الخلافة ورفعه على أكناف الملائكة إلى دار المقامة والكرامة وقال: {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 247]؛ أي: واسع الرحمة حتى رحمته وسعت كل شيء، ولكنه عليم بمستحقي خلافته وملكه. ثم أخبر عن آيات استحقاق ملكية طالوت في إتيانه التابوت بقوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: 248]، والإشارة فيها أن آية تلك الخلافة للعبد أن يظفر بتابوت قلبه فيه سكينة من ربه وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس مع الله كقوله تعالى: {أية : وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ}تفسير : [الرعد: 28]، وقوله تعالى: {أية : وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}تفسير : [البقرة: 260]؛ أي: بازدياد الإيمان مع الإيمان وهي السكينة لقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ}تفسير : [الفتح: 4]، {وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ} [البقرة: 248]، وهو عصا الذكر كلمة لا إله إلا الله وهي كلمة التقوى وهي الثعبان الذي إذا قرعت فإنها تلقف سحر عظيم السحرة صفات فرعون النفس، فإن الله جعل سكينة بني إسرائيل تعينهم في تابوت السماء وهو عصا موسى، فقد جعل سكينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته عصا الذكر وكلمته في تابوت القلوب. كما قال تعالى: {أية : فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الفتح: 26]، وألزمهم كلمة التقوى ثم شرفهم بتخصيص هذه الكرامة على سائر الأمم وقال تعالى: {أية : وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا}تفسير : [الفتح: 26] وإن تابوتهم الذي كانت سكينتهم فيه تتداوله الأيدي من الأعداء وغيرهم فمرة كان يدنس وتارة كان يغلب عليه فيحمل ويوضع على الصنم أما تابوت قلوب المؤمنين خالٍ بين أربابها وبينها ولم يستودعها ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً وأودعها بين أصبعي جلاله وجماله كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن"تفسير : فشتان بين أمة سكينتهم فيما للأعداء عليهم تسلط وبين أمة سكينتهم فيما ليس للأولياء ولا للأنبياء عليه تسلط وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر"،تفسير : وإن كان في تاوبتهم رضاض ألواح كتبت عليه التوراة فالله تعالى كتب في قلوبهم الإيمان، وإن كان في ذلك التابوت بعض التوراة موضوعاً ففي تابوت قلوبهم هذه الأمة جميع القرآن محفوظاً، وإن كان في تابوت بيوت فيها صور الأنبياء ففي تابوت قلوبهم خلوات لا يسع فيها معهم غير الله كما قال تعالى: "حديث : لا تسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن"،تفسير : فإذا تيسر لطالوت روح الإنساني أن يؤتى تابوت القلوب الرباني فسلم إليه ملك الخلافة وسرير السلطان واستوثق عليه جميع أسباط الإنساني فلا يركن إلى الدنيا الغدارة المكارة بل يتهجر منها ويبرز لقتال جالوت النفس الأمارة {إِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: 248]، الإشارة {لآيَةً لَّكُمْ} [البقرة: 248] لنبينها لكم وأعلاماً عن أحوالكم: {إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 248]، بحقائق القرآن وإشاراته.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقص تعالى على نبيه قصة الملأ من بني إسرائيل وهم الأشراف والرؤساء، وخص الملأ بالذكر، لأنهم في العادة هم الذين يبحثون عن مصالحهم ليتفقوا فيتبعهم غيرهم على ما يرونه، وذلك أنهم أتوا إلى نبي لهم بعد موسى عليه السلام فقالوا له { ابعث لنا ملكا } أي: عيِّن لنا ملكا { نقاتل في سبيل الله } ليجتمع متفرقنا ويقاوم بنا عدونا، ولعلهم في ذلك الوقت ليس لهم رئيس يجمعهم، كما جرت عادة القبائل أصحاب البيوت، كل بيت لا يرضى أن يكون من البيت الآخر رئيس، فالتمسوا من نبيهم تعيين ملك يرضي الطرفين ويكون تعيينه خاصا لعوائدهم، وكانت أنبياء بني إسرائيل تسوسهم، كلما مات نبي خلفه نبي آخر، فلما قالوا لنبيهم تلك المقالة { قال } لهم نبيهم { هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا } أي: لعلكم تطلبون شيئا وهو إذا كتب عليكم لا تقومون به، فعرض عليهم العافية فلم يقبلوها، واعتمدوا على عزمهم ونيتهم، فقالوا: { وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا } أي: أي شيء يمنعنا من القتال وقد ألجأنا إليه، بأن أخرجنا من أوطاننا وسبيت ذرارينا، فهذا موجب لكوننا نقاتل ولو لم يكتب علينا، فكيف مع أنه فرض علينا وقد حصل ما حصل، ولهذا لما لم تكن نياتهم حسنة ولم يقوَ توكلهم على ربهم { فلما كتب عليهم القتال تولوا } فجبنوا عن قتال الأعداء وضعفوا عن المصادمة، وزال ما كانوا عزموا عليه، واستولى على أكثرهم الخور والجبن { إلا قليلا منهم } فعصمهم الله وثبتهم وقوى قلوبهم فالتزموا أمر الله ووطنوا أنفسهم على مقارعة أعدائه، فحازوا شرف الدنيا والآخرة، وأما أكثرهم فظلموا أنفسهم وتركوا أمر الله، فلهذا قال: { والله عليم بالظالمين وقال لهم نبيهم } مجيبا لطلبهم { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } فكان هذا تعيينا من الله الواجب عليهم فيه القبول والانقياد وترك الاعتراض، ولكن أبوا إلا أن يعترضوا، فقالوا: { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال } أي: كيف يكون ملكا وهو دوننا في الشرف والنسب ونحن أحق بالملك منه. ومع هذا فهو فقير ليس عنده ما يقوم به الملك من الأموال، وهذا بناء منهم على ظن فاسد، وهو أن الملك ونحوه من الولايات مستلزم لشرف النسب وكثرة المال، ولم يعلموا أن الصفات الحقيقية التي توجب التقديم مقدمة عليها، فلهذا قال لهم نبيهم: { إن الله اصطفاه عليكم } فلزمكم الانقياد لذلك { وزاده بسطة في العلم والجسم } أي: فضله عليكم بالعلم والجسم، أي: بقوة الرأي والجسم اللذين بهما تتم أمور الملك، لأنه إذا تم رأيه وقوي على تنفيذ ما يقتضيه الرأي المصيب، حصل بذلك الكمال، ومتى فاته واحد من الأمرين اختل عليه الأمر، فلو كان قوي البدن مع ضعف الرأي، حصل في الملك خرق وقهر ومخالفة للمشروع، قوة على غير حكمة، ولو كان عالما بالأمور وليس له قوة على تنفيذها لم يفده الرأي الذي لا ينفذه شيئا { والله واسع } الفضل كثير الكرم، لا يخص برحمته وبره العام أحدا عن أحد، ولا شريفا عن وضيع، ولكنه مع ذلك { عليم } بمن يستحق الفضل فيضعه فيه، فأزال بهذا الكلام ما في قلوبهم من كل ريب وشك وشبهة لتبيينه أن أسباب الملك متوفرة فيه، وأن فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، ليس له راد، ولا لإحسانه صاد. ثم ذكر لهم نبيهم أيضا آية حسية يشاهدونها وهي إتيان التابوت الذي قد فقدوه زمانا طويلا وفي ذلك التابوت سكينة تسكن بها قلوبهم، وتطمئن لها خواطرهم، وفيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، فأتت به الملائكة حاملة له وهم يرونه عيانا.

همام الصنعاني

تفسير : 305- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}: [الآية: 246]، {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوۤاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا} [الآية: 247]، قال وكان من سِبْط لم يكن فيهم نبوة ولا ملك، فـ {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ}: [الآية: 247].