Verse. 252 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

مَنْ ذَا الَّذِيْ يُقْرِضُ اللہَ قَرْضًا حَسَـنًا فَيُضٰعِفَہٗ لَہٗۗ اَضْعَافًا كَثِيْرَۃً۝۰ۭ وَاللہُ يَـقْبِضُ وَيَبْصُۜطُ۝۰۠ وَاِلَيْہِ تُرْجَعُوْنَ۝۲۴۵
Man tha allathee yuqridu Allaha qardan hasanan fayudaAAifahu lahu adAAafan katheeratan waAllahu yaqbidu wayabsutu wailayhi turjaAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«من ذا الذي يقرض الله» بإنفاق ماله في سبيل الله «قرضا حسنا» بأن ينفقه لله عز وجل عن طيب قلب «فيضاعفه» وفي قراءة فيضعفه بالتشديد «له أضعافا كثيرة» من عشر إلى أكثر من سبعمائة كما سيأتي «والله يقبض» يمسك الرزق عمن يشاء ابتلاء «ويبسط» يوسعه لمن يشاء امتحانا «وإليه ترجعون» في الآخرة بالبعث فيجازيكم بأعمالكم.

245

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما أمر بالقتال في سبيل الله ثم أردفه بقوله: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } اختلف المفسرون فيه على قولين الاول أن هذه الآية متعلقة بما قبلها والمراد منها القرض في الجهاد خاصة، فندب العاجز عن الجهاد أن ينفق على الفقير القادر على الجهاد، وأمر القادر على الجهاد أن ينفق على نفسه في طريق الجهاد، ثم أكد تعالى ذلك بقوله: {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ } وذلك لأن من علم ذلك كان اعتماده على فضل الله تعالى أكثر من اعتماده على ماله وذلك يدعوه إلى إنفاق المال في سبيل الله، والاحتراز عن البخل بذلك الإنفاق. والقول الثاني: أن هذا الكلام مبتدأ لا تعلق له بما قبله، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فمنهم من قال: المراد من هذا القرض إنفاق المال، ومنهم من قال: إنه غيره، والقائلون بأنه إنفاق المال لهم ثلاثة أقوال الأول: أن المراد من الآية ما ليس بواجب من الصدقة، وهو قول الأصم واحتج عليه بوجهين الأول: أنه تعالى سماه بالقرض والقرض لا يكون إلا تبرعاً. الحجة الثانية: سبب نزول الآية قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت الآية في أبـي الدحداح قال: حديث : يا رسول الله إن لي حديقتين فإن تصدقت بإحداهما فهل لي مثلاها في الجنة؟ قال: نعم، قال: وأم الدحداح معي؟ قال: نعم، قال: والصبية معي؟ قال: نعم، فتصدق بأفضل حديقته، وكانت تسمى الحنينة، قال: فرجع أبو الدحداح إلى أهله وكانوا في الحديقة التي تصدق بها، فقام على باب الحديقة، وذكر ذلك لامرأته فقالت أم الدحداح: بارك الله لك فيما اشتريت، فخرجوا منها وسلموها، فكان النبـي صلى الله عليه وسلم يقول: كم من نخلة رداح، تدلي عروقها في الجنة لأبـي الدحداح. تفسير : إذا عرفت سبب نزول هذه الآية ظهر أن المراد بهذا القرض ما كان تبرعاً لا واجباً. والقول الثاني: أن المراد من هذا القرض الإنفاق الواجب في سبيل الله، واحتج هذا القائل على قوله بأنه تعالى ذكر في آخر الآية: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وذلك كالزجر، وهو إنما يليق بالواجب. والقول الثالث: وهو الأقرب أنه يدخل فيه كلا القسمين، كما أنه داخل تحت قوله: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ } تفسير : [البقرة: 261] من قال: المراد من هذا القرض شيء سوى إنفاق المال، قالوا: روي عن بعض أصحاب ابن مسعود أنه قول الرجل «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» قال القاضي: وهذا بعيد، لأن لفظ الإقراض لا يقع عليه في عرف اللغة ثم قال: ولا يمكن حمل هذا القول على الصحة، إلا أن نقول: الفقير الذي لا يملك شيئاً إذا كان في قلبه أنه لو كان قادراً لأنفق وأعطى فحينئذٍ تكون تلك النية قائمة مقام الإنفاق، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من لم يكن عنده ما يتصدق به فليلعن اليهود فإنه له صدقة». تفسير : المسألة الثانية: اختلفوا في أن إطلاق لفظ القرض على هذا الإنفاق حقيقة أو مجاز، قال الزجاج: إنه حقيقة، وذلك لأن القرض هو كل ما يفعل ليجازى عليه، تقول العرب: لك عندي قرض حسن وسيء، والمراد منه الفعل الذي يجازى عليه، قال أمية بن أبـي الصلت:شعر : كل امرىء سوف يجزى قرضه حسنا أو سيئاً أو مديناً كالذي دانا تفسير : ومما يدل على أن القرض ما ذكرناه أن القرض أصله في اللغة القطع، ومنه القراض، وانقرض القوم إذا هلكوا، وذلك لانقطاع أثرهم فإذا أقرض فالمراد قطع له من ماله أو عمله قطعة يجازى عليها. والقول الثاني: أن لفظ القرض ههنا مجاز، وذلك لأن القرض هو أن يعطي الإنسان شيئاً ليرجع إليه مثله وههنا المنفق في سبيل الله إنما ينفق ليرجع إليه بدله إلا أنه جعل الاختلاف بين هذا الإنفاق وبين القرض من وجوه أحدها: أن القرض إنما يأخذه من يحتاج إليه لفقره وذلك في حق الله تعالى محال وثانيها: أن البدل في القرض المعتاد لا يكون إلا المثل، وفي هذا الإنفاق هو الضعف وثالثها: أن المال الذي يأخذه المستقرض لا يكون ملكاً له وههنا هذا المال المأخوذ ملك لله، ثم مع حصول هذه الفروق سماه الله قرضاً، والحكمة فيه التنبيه على أن ذلك لا يضيع عند الله، فكما أن القرض يجب أداؤه لا يجوز الإخلال به فكذا الثواب الواجب على هذا الإنفاق واصل إلى المكلف لا محالة، ويروى أنه لما نزلت هذه الآية قالت اليهود: إن الله فقير ونحن أغنياء، فهو يطلب منا القرض، وهذا الكلام لائق بجهلهم وحمقهم، لأن الغالب عليهم التشبيه، ويقولون: إن معبودهم شيخ، قال القاضي: من يقول في معبوده مثل هذا القول لا يستبعد منه أن يصفه بالفقر. فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } ولأي فائدة جرى الكلام على طريق الاستفهام. قلنا: إن ذلك في الترغيب في الدعاء إلى الفعل أقرب من ظاهر الأمر. أما قوله تعالى: {قَرْضًا حَسَنًا } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الواحدي: القرض في هذه الآية اسم لا مصدر، ولو كان مصدراً لكان ذلك إقراضاً. المسألة الثانية: كون القرض حسناً يحتمل وجوهاً أحدها: أراد به حلالاً خالصاً لا يختلط به الحرام، لأن مع الشبهة يقع الاختلاط، ومع الاختلاط ربما قبح الفعل وثانيها: أن لا يتبع ذلك الإنفاق مناً ولا أذى وثالثها: أن يفعله على نية التقرب إلى الله تعالى، لأن ما يفعل رياء وسمعة لا يستحق به الثواب. أما قوله تعالى: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في قوله: {فَيُضَاعِفَهُ } أربع قراءات أحدها: قرأ أبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي {فَيُضَاعِفَهُ } بالألف والرفع والثاني: قرأ عاصم {فَيُضَاعِفَهُ } بألف والنصب والثالث: قرأ ابن كثير {فيضعفه} بالتشديد والرفع بلا ألف والرابع: قرأ ابن عامر {فيضعفه} بالتشديد والنصب. فنقول: أما التشديد والتخفيف فهما لغتان، ووجه الرفع العطف على يقرض، ووجه النصب أن يحمل الكلام على المعنى لا على اللفظ لأن المعنى يكون قرضاً فيضاعفه، والاختيار الرفع لأن فيه معنى الجزاء، وجواب الجزاء بالفاء لا يكون إلا رفعاً. المسألة الثانية: التضعيف والإضعاف والمضاعفة واحد وهو الزيادة على أصل الشيء حتى يبلغ مثلين أو أكثر، وفي الآية حذف، والتقدير: فيضاعف ثوابه. أما قوله تعالى: {أَضْعَافًا كَثِيرَةً } فمنهم من ذكر فيه قدراً معيناً، وأجود ما يقال فيه: إنه القدر المذكور في قوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ } تفسير : [البقرة: 261] فيقال يحمل المجمل على المفسر لأن كلتا الآيتين وردتا في الإنفاق، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى لم يقتصر في هذه الآية على التحديد، بل قال بعده: {أية : وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَاء } تفسير : [البقرة: 261]. والقول الثاني: وهو الأصح واختيار السدي: أن هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو وكم هو؟ وإنما أبهم تعالى ذلك لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود. أما قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ } ففي بيان أن هذا كيف يناسب ما تقدم وجوه أحدها: أن المعنى أنه تعالى لما كان هو القابض الباسط، فإن كان تقدير هذا الذي أمر بإنفاق المال الفقر فلينفق المال في سبيل الله، فإنه سواء أنفق أو لم ينفق فليس له إلا الفقر، وإن كان تقديره الغنى فلينفق فإنه سواء أنفق أو لم ينفق فليس له إلا الغنى والسعة وبسط اليد، فعلى كلا التقديرين يكون إنفاق المال في سبيل الله أولى وثانيها: أن الإنسان إذا علم أن القبض والبسط بالله انقطع نظره عن مال الدنيا، وبقي اعتماده على الله، فحينئذٍ يسهل عليه إنفاق المال في سبيل مرضاة الله تعالى وثالثها: أنه تعالى يوسع عن عباده ويقتر، فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم، لئلا يبدل السعة الحاصلة لكم بالضيق ورابعها: أنه تعالى لما أمرهم بالصدقة وحثهم عليها أخبر أنه لا يمكنهم ذلك إلا بتوفيقه وإعانته، فقال: {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ } يعني يقبض القلوب حتى لا تقدم على هذه الطاعة، ويبسط بعضها حتى يقدم على هذه الطاعة، ثم قال: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } والمراد به إلى حيث لا حاكم ولا مدبر سواه، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : . فيه إحدى عشرة مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} لما أمر الله تعالى بالجهاد والقتال على الحق ـ إذ ليس شيء من الشريعة إلا ويجوز القتال عليه وعنه، وأعظمها دين الإسلام كما قال مالك ـ حرّض على الإنفاق في ذلك. فدخل في هذا الخبر المقاتِلُ في سبيل الله، فإنه يقرض به رجاء الثواب. كما فعل عثمان رضي الله عنه في جيش العُسْرَة. و «مَنْ» رفع بالابتداء، و «ذا» خبره، و «الذي» نعت لذا، وإن شئت بدل. ولما نزلت هذه الآية بادر أبو الدَّحْدَاح إلى التصدُّق بماله ٱبتغاء ثواب ربه. أخبرنا الشيخ الفقيه الإمام المحدث القاضي أبو عامر يحيى بن عامر بن أحمد بن مَنِيع الأشعري نسباً ومذهباً بقُرْطُبَة ـ أعادها الله ـ في ربيع الآخر عام ثمانية وعشرين وستمائة قراءة منِّي عليه قال: أخبرنا أبي إجازة قال: قرأت على أبي بكر عبدالعزيز بن خَلَف بن مَدْيَن الأزدي عن أبي عبد الله بن سعدون سماعاً عليه؛ قال: حدّثنا أبو الحسن علي بن مهران قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حَيْوَة النيسابوري سنة ست وستين وثلثمائة، قال: أنبأنا عمِّي أبو زكريا يحيى بن زكريا قال: حدّثنا محمد بن معاوية بن صالح قال: حدّثنا خلف بن خليفة عن حُمَيدٍ الأعرج عن عبد الله بن الحارث حديث : عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} قال أبو الدحداح: يا رسول الله أو إنّ الله تعالى يريد منا القرض؟ قال: «نعم يا أبا الدحداح» قال: أرِنِي يدك (قال) فناوله؛ قال: فإني أقرضت الله حائطاً فيه ستمائة نخلة. ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأُمّ الدحداح فيه وعياله؛ فناداها: يا أُمّ الدحداح؛ قالت: لبيك؛ قال: ٱخرجي، قد أقرضت ربي عز وجل حائطاً فيه ستمائة نخلة. وقال زيد ابن أسلم: لما نزل: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} قال أبو الدحداح: فداك أبي وأُمي يا رسول اللهٰ إن الله يستقرضنا وهو غني عن القرض؟ قال: «نعم يريد أن يدخلكم الجنة به». قال: فإني إن أقرضتُ ربي قرضاً يضمن لي به ولِصِبْيَتي الدَّحْداحة معي الجنة؟ قال: «نعم» قال: فناولني يدك؛ فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم يده. فقال: إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأُخرى بالعالية، والله لا أملك غيرهما، قد جعلتهما قرضاً لله تعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ٱجعل إحداهما لله والأُخرى دعها معيشة لك ولعيالك» قال: فأشهدك يا رسول الله أني قد جعلت خيرهما لله تعالى، وهو حائط فيه ستمائة نخلة. قال: «إذاً يجزيك الله به الجنة»تفسير : . فٱنطلق أبو الدحداح حتى جاء أم الدحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشأ يقول:شعر : هداكِ ربّي سُبُلَ الرشادِ إلى سبيل الخير والسّدادِ بِينِي من الحائط بالوِداد فقد مضى قرضاً إلى التَّناد أقرضتُه اللَّه على ٱعتمادي بالطَّوْع لا مَنٍّ ولا ٱرْتِدَادِ إلاّ رَجاءَ الضِّعْف في المَعاد فارتحِلِي بالنفس والأولادِ والبِرّ لا شَكّ فخيْرُ زادِ قدّمَه المرءُ إلى المعادِ تفسير : قالت أُم الدحداح: رَبِحَ بيعُك! بارك الله لك فيما ٱشتريت، ثم أجابته أُم الدحداح وأنشأت تقول:شعر : بشّرك اللَّهُ بخَيْر وفَرَحْ مِثلُك أدّى ما لديه ونَصَحْ قد مَتَّع اللّه عيالي ومَنَحْ بالعَجْوَة السّوْداءِ والزَّهْوِ البَلَحْ والعبدُ يسعى وله ما قد كَدَحْ طولَ الليالي وعليه ما اجْتَرحْ تفسير : ثم أقبلت أُم الدحداح على صبيانها تُخْرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : كم من عِذَقٍ رَدَاح ودار فَياح لأبي الدحداح».تفسير : الثانية ـ قال ٱبن العربي: «ٱنقسم الخلق بحكم الخالق وحكمته وقدرته ومشيئته وقضائه وقدره حين سمعوا هذه الآية أقساماً، فتفرّقوا فرقاً ثلاثة: الفرقة الأُولى الرَّذْلَى قالوا: إن رب محمد محتاج فقير إلينا ونحن أغنياء، فهذه جهالة لا تخفى على ذي لُبٍّ، فرَدّ الله عليهم بقوله: {أية : لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} تفسير : [آل عمران: 181]. الفرقة الثانية لما سمعت هذا القول آثَرتِ الشُّحّ والبخل وقدمت الرغبة في المال، فما أنفقت في سبيل الله ولا فَكَّتْ أسيراً ولا أعانت أحداً، تكاسلاً عن الطاعة ورُكُوناً إلى هذه الدار. (الفرقة) الثالثة لما سمعت بادرت إلى امتثاله وآثر المجيبُ منهم بسرعة بماله كأبي الدحداح رضي الله عنه وغيره. والله أعلم. الثالثة ـ قوله تعالى: {قَرْضًا حَسَنًا} القرض: اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء. وأقرض فلان فلاناً أي أعطاه ما يتجازاه؛ قال الشاعر وهو لَبِيدُ:شعر : وإذا جُوِزيتَ قَرْضاً فآجّزِهِ إنما يَجْزِي الفتى ليس الجَمَلْ تفسير : والقِرض بالكسر لغة فيه حكاها الكسائي. وٱستقرضت من فلان أي طلبت منه القرض فأقرضني. واقترضت منه أي أخذت القرض. وقال الزجاج: القرض في اللغة البَلاَءُ الحسن والبلاء السّيء، قال أُمَيّة:شعر : كل ٱمْرىءٍ سوفَ يُجْزَى قَرْضَه حسناً أو سيِّئاً ومَديناً مثلَ ما دَانَا تفسير : وقال آخر:شعر : تُجَازَى القُرُوضُ بأمثالها فبالخَيْر خيْراً وبالشّرِّ شرَّا تفسير : وقال الكسائي: القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيّء. وأصل الكلمة القطع؛ ومنه المقراض. وأقرضته أي قطعت له من مالي قطعة يجازِي عليها. وٱنقرض القوم: ٱنقطع أثرهم وهلكوا. والقرض هٰهنا: ٱسم، ولولاه لقال (هٰهنا) إقراضاً. وٱستدعاء القرض في هذه الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه، والله هو الغنى الحميد؛ لكنه تعالى شَبّه عطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبّه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء، حسب ما يأتي بيانه في «براءة» إن شاء الله تعالى. وقيل المراد بالآية الحث على الصدقة وإنفاق المال على الفقراء والمحتاجين والتوسعة عليهم، وفي سبيل الله بنصرة الدِّين. وكَنَى الله سبحانه عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيباً في الصدقة، كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدَّسة عن النقائص والآلام. ففي صحيح الحديث إخباراً عن الله تعالى: حديث : «يٱبن آدم مرِضتُ فلم تَعُدْني واستطعمتك فلم تُطْعمني واستسقيتك فلم تسقني» قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمينٰ؟ قال: «استسقاك عبدي فلان فلم تسقِه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي»تفسير : . وكذا فيما قبْلُ؛ أخرجه مسلم والبخاريّ وهذا كله خرج مخرج التّشْريف لمن كَنَى عنه ترغيباً لمن خُوطب به. الرابعة ـ يجب على المستقرض ردّ القرض؛ لأن الله تعالى بيّن أنّ من أنفق في سبيل الله لا يضيع عند الله تعالى بل يردّ الثواب قَطْعاً وأبْهَم الجزاء. وفي الخبر: «النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر» على ما يأتي بيانه في هذه السورة عند قوله تعالى «مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل» الآية. وقال ها هنا: «فيضاعفه له أضعافاً كثيرة» وهذا لا نهاية له ولا حد. الخامسة ـ ثواب القَرْض عظيم، لأن فيه تَوْسِعة على المسلم وتفريجاً عنه. خرّج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رأيت ليلة أسرِي بي على باب الجنة مكتوباً الصدقةُ بعشر أمثالها والقرضُ بثمانية عشر فقلت لجبريل: ما بالُ القرض أفضل من الصدقة قال لأن السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة»تفسير : . قال حدّثنا محمد بن خَلَف العَسْقَلاني حدّثنا يَعْلَى حدّثنا سليمان بن يُسَيْر عن قيس بن رومي قال: كان سليمان بن أُذُنَانِ يُقرِض علقَمَة ألف درهم إلى عطائه، فلما خرج عطاؤه تقاضاها منه، واشتدّ عليه فقضاه، فكأنّ علقمة غِضب فمكث أشهراً ثم أتاه فقال: أقرِضنِي ألف درهم إلى عطائي، قال: نعم وكرامة! يا أُمّ عُتبة هَلمي تلك الخريطةَ المختومة التي عندكِ، قال: فجاءت بها فقال: أما والله إنها لَدراهمُكَ التي قضيتني ما حركت منها درهماً واحداً؛ قال: فللَّه أبوك؟ ما حملك على ما فعلتَ بي؟ قال: ما سمعتُ منك؛ قال: ما سمعتَ مني؟ قال: سمعتك تذكر عن ابن مسعود أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من مسلم يقرِض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقتها مرة»تفسير : قال: كذلك أنبأني ابن مسعود. السادسة ـ قرض الآدميّ للواحد واحد، أي يردّ عليه مثل ما أقرضه. وأجمع أهل العلم على أن استقراض الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب وكل ما له مِثل من سائر الأطعمة جائز. وأجمع المسلمون نقلاً عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أن اشتراط الزيادة في السلف رِباً ولو كان قبضة من علَفٍ ـ كما قال ابن مسعود ـ أو حبّة واحدة. ويجوز أن يردّ أفضل مما يستلِف إذا لم يشترط ذلك عليه؛ لأن ذلك من باب المعروف؛ استدلالاً بحديث أبي هريرة في البكْر: «حديث : إنّ خِياركم أحسنكم قضاء»تفسير : رواه الأئمة: البخاريّ ومسلم وغيرهما. فأثنى صلى الله عليه وسلم على من أحسن القضاء، وأطلق ذلك ولم يقيده بصفة. وكذلك قضى هو صلى الله عليه وسلم في البِكْرِ وهو الفَتِيّ المختار من الإبل جملا خِياراً رَباعِياً، والخِيار: المختار، والرَّباعِي هو الذي دخل في السّنة الرابعة؛ لأنه يُلقِي فيها رباعيته وهي التي تلِي الثنايا وهي أربع رباعِيات ـ مخففة الباء ـ وهذا الحديث دليل على جواز قرض الحيوان، وهو مذهب الجمهور، ومنع من ذلك أبو حنيفة وقد تقدّم. السابعة ـ ولا يجوز أن يهدِي من استقرض هدية لِلمُقرِض، ولا يحِل للمقرِض قبولها إلا أن يكون عادتهما ذلك؛ بهذا جاءت السنة: خرّج ابن ماجه حدّثنا هشام بن عمار قال حدّثنا إسماعيل بن عَيّاش حدّثنا عُتبة بن حُمَيْد الضبيِّ عن يحيى بن أبي إسحاق الهُنَائي قال: سألت أنس بن مالك عن الرجل مِنا يقرض أخاه المال فيهدِي إليه؟ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أقرض أحدكم أخاه قرضاً فأهدى له أو حمله على دابته فلا يقبلها ولا يركبها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك».تفسير : الثامنة ـ القرض يكون من المال ـ وقد بيّنّا حكمه ـ ويكون من العِرْض؛ وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيعجِز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال اللّهم إني قد تصدّقت بِعرضي على عبادك»تفسير : . وروي عن ابن عمر: أقرِض من عِرضك لِيومِ فقرِك؛ يعني من سَبّك فلا تأخذ منه حقاً ولا تُقِم عليه حدّاً حتى تأتي يوم القيامة مُوفر الأجر. وقال أبو حنيفة: لا يجوز التصدّق بالعِرض لأنه حق الله تعالى، وروي عن مالك. ابن العربي: وهذا فاسد، قال عليه السلام في الصحيح: «حديث : إن دِماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»تفسير : الحديث. وهذا يقتضي أن تكون هذه المحرّمات الثلاث تجرِي مجرى واحداً في كونها بٱحترامها حقاً للآدميّ. التاسعة ـ قوله تعالى: {حَسَناً} قال الواقِديّ: محتسباً طيبة به نفسه. وقال عمرو بن عثمان الصّدَفي: لا يُمنّ به ولا يؤذِي. وقال سهل بن عبد الله: لا يعتقد في قرضه عوضاً. العاشرة ـ قوله تعالى: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} قرأ عاصم وغيره «فَيُضَاعِفَهُ» بالألف ونصب الفاء. وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتشديد في العين مع سقوط الألف ونصب الفاء. وقرأ ابن كثير وأبو جعفر وشيبة بالتشديد ورفع الفاء. وقرأ الآخرون بالألف ورفع الفاء. فمن رفعه نسقه على قوله: «يُقْرِضُ» وقيل: على تقدير هو يضاعِفه. ومن نصب فجواباً للاستفهام بالفاء. وقيل: بإضمار «أن» والتشديد والتخفيف لغتان. دليل التشديد «أَضْعَافاً كَثِيرَةً» لأن التشديد للتكثير. وقال الحسن والسّدّي: لا نعلم هذا التضعيف إلا لله وحده، لقوله تعالى: {أية : وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 40]. قال أبو هريرة: هذا في نفقة الجهاد، وكنا نحسب والنبيّ صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا نفقة الرجل على نفسه ورفقائه وظهرِه بألفي ألف. الحادية عشرة ـ قوله تعالى: {يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} هذا عام في كل شيء فهو القابض الباسط، وقد أتينا عليهما في «شرح الأسماء الحسنى في الكتاب الأسنى». {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وعيد، فيجازي كلاًّ بعمله.

البيضاوي

تفسير : {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ} {مِنْ } استفهامية مرفوعة الموضع بالابتداء، و {ذَا} خبره، و {ٱلَّذِي} صفة ذا أو بدله، وإقراض الله سبحانه وتعالى مثل لتقديم العمل الذي به يطلب ثوابه. {قَرْضًا حَسَنًا} إقراضاً حسناً مقروناً بالإخلاص وطيب النفس أو مقرضاً حلالاً طيباً. وقيل: القرض الحسن بالمجاهدة والإِنفاق في سبيل الله {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ } فيضاعف جزاءه، أخرجه على صورة المغالبة للمبالغة، وقرأ عاصم بالنصب على جواب الاستفهام حملاً على المعنى، فإن {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ} في معنى أيقرض الله أحد. وقرأ ابن كثير «فيضعفه» بالرفع والتشديد وابن عامر ويعقوب بالنصب. {أَضْعَافًا كَثِيرَةً } كثرة لا يقدرها إلا الله سبحانه وتعالى. وقيل الواحد بسبعمائة، و «أضعافاً» جمع ضعف ونصبه على الحال من الضمير المنصوب، أو المفعول الثاني لتضمن المضاعفة معنى التصيير أو المصدر على أن الضعف اسم مصدر وجمعه للتنويع. {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} يقتر على بعض ويوسع على بعض حسب ما اقتضت حكمته، فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم كيلا يبدل حالكم. وقرأ نافع والكسائي والبزي وأبو بكر بالصاد ومثله في الأعراف في قوله تعالى: {أية : وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَسْطَةً } تفسير : [الأعراف: 69] {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فيجازيكم على حسب ما قدمتم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ } بإنفاق ماله في سبيل الله {قَرْضًا حَسَنًا } بأن ينفقه لله عز وجل عن طيب قلب {فَيُضَاعِفَهُ } وفي قراءة (فيضّعفه) بالتشديد {لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } من عشر إلى أكثر من سبعمائة كما سيأتي {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ } يمسك الرزق عمن يشاء ابتلاء {وَيَبْسُطُ } يوسعه لمن يشاء امتحاناً {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } في الآخرة بالبعث فيجازيكم بأعمالكم.

ابن عبد السلام

تفسير : {قَرْضاً حَسَناً} في الجهاد، أو أبواب البر. {أَضْعَافًا كَثِيرةً} سبعمائة ضعف، أو ما لا يعلمه إلا الله. {يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ} في الرزق، أو {يَقْبِضُ} الصدقات {وَيَبْصُطُ} الجزاء.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً...}. هذه رحمة من الله تعالى لأنه متولّ على جميع الخلق غني بذاته عنهم، ومع هذا يجعل طاعتهم له (سلفا) منهم له، وقال في سورة براءة: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ}.تفسير : ووصفه بالحسن في كميته وكيفيته. و "قرضا" إن كان مصدرا فهو مجاز، كما قال الإمام المازري في {أية : وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}:تفسير : إنّ التأكيد يصير التطهير المعنوي حسيا وهو من ترشيح المجاز كقولك قول هند زوجة ابن زنباع: شعر : بكى الخزمن (عوف) وأنكر جلده وعج عجيجا من جذام المطارق تفسير : قوله تعالى: {أَضْعَافاً كَثِيرَةً...}. قال ابن عرفة: "كثيرة" راجع الى المجموع (وإفراد)، كل واحد من تلك الأضعاف موصوف/ بالكثرة. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. قدم القبض ترجيحا له أي ذلك القبض الذي ينالكم (بالصلاة) والزكاة (راجع) لكونه يعود عليكم بالبسط في الدنيا والثواب في الآخرة، وهذا بحسب الأشخاص فقد يكون إنفاق درهم قليلا لشخص (وكثيرا لآخر كما في الحديث: "حديث : سَبَقَ دينار مائة، فمن عنده درهمان فأنفق منهما) درهما ليس كمن عنده عشرة دراهم فينفق منها درهما ".

ابن عادل

تفسير : "مَّن" للاستفهام ومحلُّها الرَّفع على الابتداءِ، و "ذا" اسمُ إشارةٍ خبرُهُ، و "ٱلَّذِي" وصلتُهُ نعتٌ لاسم الإِشارةِ، أو بدلٌ منه، ويجوزُ أن يكونَ "مَنْ ذا" كلُّه بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ تركَّبا كقولك: "مَاذَا صَنَعْتَ" كما تقدَّمَ في قوله: {أية : مَاذَآ أَرَادَ ٱللهُ}تفسير : [البقرة:26]. ومَنَع أبو البقاء هذا الوجه وفرَّق بينه وبين قولِكَ: "ماذا" حيثُ يُجْعَلان اسماً واحداً بأنَّ "ما" أشدُّ إيهاماً مِنْ "مَنْ"؛ لأنَّ "مَنْ" لمَنْ يعقِلُ. ولا معنى لهذا المنعِ بهذه العلةِ، والنحويون نَصُّوا على أنَّ حكمَ "مَنْ ذا" حكمُ "ماذا". ويجوز أن يكونَ "ذا" بمعنى الّذي، وفيه حينئذٍ تأويلان: أحدهما: أنَّ "الَّذِي" الثاني تأكيدٌ له؛ لأنَّه بمعناه، كأَنَّهُ قيل: مَنِ الَّذِي يُقرِضُ الله قرضاً. والثاني: أَنْ يكونَ "الذي" خبرَ مبتدأ محذوفٍ، والجملةُ صلةُ ذا، تقديرُه: "مَنْ الذي [هو الّذي] يُقْرِضُ، وذا وصلتهُ خبرُ "مَنِ" الاستفهاميّة. أجاز هذين الوجهين ابن مالك، قال شهاب الدين وهما ضعيفان، والوجهُ ما قدَّمتُهُ. وانتصَبَ "قَرْضاً" على المصدر على حذفِ الزَّوائِد، إِذ المعنى: إقراضاً كقوله: {أية : أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً}تفسير : [نوح:17]، وعلى هذا فالمفعولُ الثاني محذوفٌ تقديرُهُ: "يُقْرِضُ اللهَ مالاً وصدقةً"، ولا بدَّ من حذفِ مُضَافٍ تقديرهُ: يقرضُ عِبادَ اللهِ المحاويجَ، لتعاليه عن ذلك، أو يكونُ على سبيل التَّجُّوزِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ بمعنى المفعول نحو: الخَلْق بمعنى المخلُوق، وانتصابُهُ حينئذٍ على أنه مفعولٌ ثانٍ لـ "يُقْرِض". قال الواحديُّ: والقَرْضُ في هذه الآيةِ اسمٌ لا مصدر، ولو كان مصدراً؛ لكان إقراضاً. و "حَسَناً" يجوزُ أَن يكونَ صفةً لقرضاً بالمعنيينِ المذكورين، ويجوزُ أن يكونَ نعتَ مصدرٍ محذوفٍ، إذا جعلنا "قَرْضاً" بمعنى مفعول أي: إقراضاً حسناً. قوله: "فَيُضَاعِفَهُ" قرأ عاصمٌ وابن عامر هنا، وفي الحديد بنصب الفاء، إلاَّ أنَّ ابنَ عامر وعاصماً ويعقوب يشدِّدون العينَ من غير ألفٍ وبابه التشديد وقرأ أبو عمرو في الأحزاب والباقون برفعِها، إلاَّ أنَّ ابن كثير يشدِّد العينَ من غير ألفٍ؛ فحصَلَ فيها أربعُ قراءاتٍ. أحدها: قرأ أبو عمرو ونافع، وحمزة، والكسائيُّ فيضاعفُهُ بالألف ورفع الفاء. والثانية: قراءة عاصم "فيضاعفه" بالألف ونصب الفاء. والثالثة: قرأ ابن كثير: "فَيُضَعِّفُهُ" بالتَّشديد، ورفع الفاءِ. والرابعة: قرأ ابن عامرٍ فيضعِّفَه بالتَّشْديد، ونصب الفاء. فالرَّفْعُ من وجهين: أحدهما: أنَّهُ عطفٌ على "يقرض" الصِّلةِ. والثاني: أَنَّهُ رفعٌ على الاستئناف أي: فهو يُضاعِفُهُ، والأولُ أحسنُ لعدَمِ الإِضمارِ. والنصبُ من وجهين: أحدهما: أنَّهُ منصوبٌ بإضمارٍ "أَنْ" عطفاً على المصدر المفهوم من "يقرضُ" في المعنى، فيكونُ مصدراً معطوفاً على مصدرٍ تقديرُهُ: مَنْ ذا الذي يكونُ منه إقراضٌ فمضاعفةٌ مِنَ اللهِ تعالى كقوله: [الوافر] شعر : 1153- لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ تفسير : والثاني: أنه نصبٌ على جوابِ الاستفهام في المعنى؛ لأَنَّ الاستفهام وإِنْ وَقَعَ عن المُقْرِضِ لفظاً، فهو عن الإِقراضِ معنى كأنه قال: أيقرضُ اللهَ أَحَدٌ فيضاعفَه. قال أبو البقاء: "ولا يجوز أن يكونَ جوابَ الاستفهام على اللفظ؛ لأنَّ المُسْتَفْهَمَ عنه في اللَّفْظِ المُقرِضُ أي الفاعلُ للقَرْضِ، لا عن القَرْضِ، أي: الذي هو الفِعْلُ" وقد مَنَع بعضُ النَّحويّين النَّصبَ بعد الفاء في جواب الاستفهام الواقع عن المسندِ إليه الحكمُ لا عن الحُكم، وهو مَحْجوجٌ بهذه الآيةِ وغيرها، كقوله: "مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي؛ فأغفرَ له، مَنْ يَدْعُونِي؛ فأَسْتَجِيبَ له" بالنصبِ فيهما. قال أبو البقاء: فإنْ قيلَ: لِمَ لاَ يُعْطَفُ [الفعل على] المصدرِ الذي هو "قرضاً" كما يُعْطَفُ الفعلُ على المصدرِ بإضمار "أَنْ" كقولِ الشاعر [الوافر] شعر : 1154- لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي ............................ تفسير : قيل: هذا لا يصحُّ لوجهين: أحدهما: أنَّ "قرضاً" هنا مصدرٌ مؤكِّدٌ، والمصدرُ المُؤكِّدِ لا يُقَدَّرُ بـ "أَنْ" والفعلِ. والثاني: أنَّ عطفَهُ عليه يُوجبُ أن يكونَ معمولاً ليقرضُ، ولا يصِحُّ هذا في المعنى؛ لأَنَّ المضاعفةَ ليستُ مُقْرِضَةً، وإِنَّما هي فعلُ اللهِ تعالى، وتعليله في الوجهِ الأولِ يُؤذِنُ بأنه يُشترط في النصبِ أنْ يُعْطَفَ على مصدرٍ يتقدَّر بـ "أَنْ" والفعلِ، وهذا ليس بشرطٍ؛ بل يجوزُ ذلك وإن كان الاسمُ المعطوفُ عليه غيرَ مصدرٍ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1155- وَلَوْلاَ رِجَالٌ مِنْ رِزَامٍ أَعِزَّةٍ وآلُ سُبَيْعٍ أَوْ أَسُوءَكَ عَلْقَمَا تفسير : فـ "أَسُوءَكَ" منصوبٌ بـ "أَنْ"؛ عطفاً على "رِجَالٌ"، فالوجهُ في مَنْعِ ذلك أنْ يُقال: لو عُطفَ على "قرضاً"؛ لشاركه في عامِلِه، وهو "يُقْرض" فيصيرُ التَّقْدِيرُ: مَنْ ذا الذي يَقْرِضُ مضاعفةً، وهذا ليسَ صحيحاً معنى. وقد تقدَّم أَنَّه قرئ "يُضاعِفُ"، و "يُضَعِّفُ" فقيل: هما بمعنى، وتكونُ المفاعلَةُ بمعنى فَعَل المجرد، نحو عاقَبْت، وقيل: بل هما مختلفان، فقيل: إنَّ المضعَّفَ للتكثير. وقيل: إنَّ "يُضَعِّف" لِما جُعِلَ مثلين، و "ضاعَفَه" لِما زيد عليه أكثرُ من ذلك. والقَرْضُ: القَطْعُ، ومنه: "المِقْرَاضُ" لِمَا يُقْطَع به وانقطع القوم هلكوا وانقطع أثرهم وقيل للقَرْض "قرض"؛ لأنه قَطْعُ شيءٍ من المالِ، وهذا أصلُ الاشتقاقِ، ثم اختلف أهل العِلْمِ في "القَرْض" فقيل: هو اسمٌ لكلِّ ما يُلْتَمَسُ الجزاءُ عليه. وقيل: أن يُعْطِيَ شيئاً ليرجِعَ إليه مثلُهُ. وقال الزَّجَّاج والكسائي: "هو البَلاَءُ حَسَناً كان أو سيئاً"، تقول العرب: لك عندي قرضٌ حسنٌ وسيّئ، والمرادُ منه الفعل الذي يجازى عليه. قال أَميَّة بن الصَّلت: [البسيط] شعر : 1156- كُلُّ امْرِىءٍ سَوْفَ يُجْزَى قَرْضَهُ حَسَناً أَوْ سَيِّئاً وَمَدِيناً مِثْلٌ ما دَانَا تفسير : واختلفوا في أَنَّ إِطلاق لفظ القَرْضِ على هذا، هل هو حقيقة أو مجازٌ. قال الزَّجَّاج: هو حقيقةٌ، واستدلَّ بما ذكرناه، وقيل: مجازٌ، لأَنَّ القَرْضَ: هو أَنْ يعطي الإنسان ليرجع إليه مثله وهنا إِنَّما ينفق ليرجع إِلَيه بدله، و "القِرض" بالكَسْرِ - لغةٌ فيه حكاها الكِسَائِيُّ، نقله القرطبي. قوله: "أَضْعَافاً" فيه ثلاثة أوجهٍ: أظهرها: أَنَّهُ حالٌ من الهاءِ في "فيضاعِفُ"، وهل هذه حالٌ مؤكِّدَةٌ أو مبيِّنة، الظَّاهِرُ أنها مُبَيِّنَةٌ؛ لأنَّها وإنْ كانَتْ من لفظِ العامِلِ، إلاَّ أنَّها اختصَّتْ بوصفِها بشيءٍ آخَر، ففُهِم منها ما لم يُفْهَمُ من عامِلها، وهذا شأنُ المبيِّنة. والثاني: أنه مفعولٌ به على تضمين "يضاعفُ" معنى يُصَيِّر، [أي: يُصَيِّره] بالمضاعَفَةِ أضْعافاً. الثالث: أنه منصوبٌ على المصدر. قال أبو حيان: [قيل] ويجوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ على المصدرِ باعتبار أَنْ يُطْلَقَ الضِّعْفُ - وهو المضَاعفُ، أو المضعِّفُ - بمعنى المضاعفة، أو التضعيف، كما أُطلِقَ العطاء، وهو اسمُ المُعْطَى بمعنى الإِعطاء. وجُمِعَ لاختلافِ جهاتِ التضعيفِ باعتبارِ اختلاف الأشخاص، واختلاف المُقْرِضِ واختلافِ أنواعِ الجَزَاءِ. وسبقه إلى هذا أبُو البقاءِ، وهذه عبارتُهُ، وأنشد: [الوافر] شعر : 1157- أَكُفْراً بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي وَبَعْدَ عَطَائِكَ المِائَةَ الرِّتَاعَا تفسير : والأَضْعافُ جمعُ "ضِعْف"، والضِّعْفُ مثل قَدْرَيْنِ مُتَسَاوييْن. وقيل: مثلُ الشَّيء في المِقْدَارِ. ويقالُ: ضِعْفُ الشَّيء: مثلُهُ ثلاثَ مرات، إلاَّ أنه إذا قيل "ضعفان"، فقد يُطْلَقُ على الاثنين المِثْلَيْنِ في القَدْرِ من حيثُ إِنَّ كلَّ واحدٍ يُضعِّفُ الآخرَ، كما يُقالُ زَوْجان، من حيث إنَّ كلاً منهما زوجٌ للآخر. فصل لما أمر اللهُ تعالى بالجهادِ، والقتال على الحَقّ؛ إذ ليس شيءٌ من الشَّريعة، إِلاَّ ويجوز القِتَالُ عليه وعنه، وأعظمها دينُ الإِسلام، حرَّض تعالى على الإِنفاقِ في ذلك؛ فَدَخل في ذلك: المُقَاتِلُ في سبيلِ اللهِ، فإِنَّهُ يَقْرضُ رجاء الثَّوابِ، كما فعلَ عثمانُ - رضي اللهُ عنه - في جيشِ العُسْرَةِ. فصل اختلف المُفَسِّرُون في هذه الآية على قولين: أحدهما: أنَّ هذه الآية متعلِّقةٌ بما قبلها، والمرادُ منها القرض في الجهادِ خاصَّةً، فندب العاجز عن الجهاد أَنْ ينفق على الفقير القادر عليه، وأمر القادر على الجهاد: أن ينفق على نفسه في طريق الجهاد، ثمَّ أكد ذلك بقوله تعالى: {وَٱللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ}. القول الثاني: أَنَّ هذا الكلام مبتدأٌ لا تعلُّق له بما قبله، ثم اختلفوا هؤلاء، فمنهم من قال: المراد من القرض إنفاق المال، ومنهم من قال: إِنَّه غيره والقائلون بأَنَّه إنفاق المال، اختلفوا على ثلاثة أقوال: الأول: أَنَّه الصَّدقةُ غير الواجبة، وهو قول الأَصم، واحتجَّ بوجهين: أحدهما: أَنَّهُ تعالى سمَّاه قرضاً والقَرْضُ لا يكون إِلاَّ تبرعاً. الوجه الثاني: قال ابن عبَّاسٍ: إِنَّ هذه الآية حديث : نزلت في أبي الدَّحداح، قال: يا رسول اللهِ! إِنَّ لي حديقتين، فإِنْ تصدّقت بأحدهما، فهل لي مثلها في الجنَّة. قال: "نَعَمْ"، قال: وأمّ الدَّحداح معي؟ قال: "نعم". فتصدق بأفضل حديقتيه، وكانت تُسَمَّى "الحنيبة" قال: فرجع أبُو الدَّحداح إلى أهله، وكانوا في الحديقة التي تصدّق بها، فقام على باب الحديقة وذكر ذلك لامرأته فقالت أم الدَّحداح: بارك اللهُ لك فيما اشتريتَ، ثمَّ خرجوا منه وسلموها؛ فكان عليه الصَّلاة والسَّلام يقول: كم مِنْ نخلةٍ رداحٍ تُدلي عروقها في الجنَّة لأَبي الدَّحداح . تفسير : القول الثاني: أَنَّ المراد من هذا القرض: الإنفاقُ الواجب في سبيل اللهِ. قالوا: لأَنَّه تعالى ذكر في آخر الآية قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، وذلك كالزَّجر وهو إِنَّما يليقُ بالواجب. القول الثالث: أَنَّه يشتمل قسمين كقوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ}تفسير : [البقرة:261] وأمَّا من قال: إِنَّ المُراد: إِنفاقُ شيء سوء المال. قالوا: رُوِيَ عن بعضِ أصحاب ابن مسعودٍ أنه قول الرَّجل سبحان اللهِ، والحمد للهِ، ولا إله إلاَّ الله، واللهُ أكْبَرُ. قال ابنُ الخطيب [قال القاضي] وهذا بعيدٌ؛ لأَنَّ لفظ الإِقراض لا يقعُ في عرف اللُّغة عليه، ولا يمكن حمل هذا القولِ على الصِّحَّة إِلاَّ أَنْ نقول: إذا كان الفقيرُ لا يملك شيئاً، وكان في قلبه أنه لو قدر على الإِنفاق لأنفق، وأعطى، فحينئذٍ تكون نيته قائمةً مقام الإِنفاق، فقد روي أَنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قال: "حديث : مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ؛ فَلْيَلْعَنِ اليهُود، فإنَّه لهُ صَدَقَة ". تفسير : فصل قال القرطبي: وذكر القَرْضِ هاهنا إِنَّما هو تأنيسٌ، وتقريبٌ للنَّاسِ بما يفهمونه، واللهُ هو الغنيُّ الحميدُ، لكنَّهُ تعالى شبَّه عطاء المؤمنين في الدُّنيا، بما يرجون به ثوابه في الآخرةِ بالقرض كما شبَّه إِعطاء النُّفوسِ، والأموال في أَخذِ الجنَّةِ، بالبيع والشراء. قوله تعالى: "حَسَناً" قال الواقديُّ: محتسب طيبة به نفسه. وقال عمرو بن عثمان الصَّدفيُّ: "لا يتبعه مَنّاً، ولا أَذى". وقال سهلُ بن عبد اللهِ: لا يعتقِدُ في قرضه عوضاً. واعلم: أَنَّ هذا الإِقراض إِذَا قلنا: المرادُ به الإِنفاقُ في سبيل الله، فهو يخالف القرضَ من وجوهٍ: الأول: أَنَّ القرض إِنَّما يأخذه من يحتاج ُ إليه لفقره، وذلك في حقّ اللهِ تعالى مُحالٌ. الثاني: أَنَّ البدل في القرضِ المعتاد لا يكون إِلاّ المثل، وفي هذا الإنفاق هو الضِّعفُ. الثالث: أَنَّ المالَ الذي يأخُذُه المستقرضُ، لا يكون ملكاً له، وهاهنا المالُ المأخُوذ ملك له، ومع هذه الفُروق سمَّاه الله تعالى قرضاً، والحكمةُ فيه التَّنبيهُ على أَنَّ ذلك لا يضيعُ عند اللهِ كما أَنَّ القرض يجبُ أداؤه، ولا يجوزُ الإخلالُ به، فكذا الثَّوَابُ الواجبُ على هذا الإنفاقِ واصلٌ إلى المكلف لا محالة. فصل قال القرطبيُّ: القرضُ: قد يكون بالمالِ، وقد بَيَّنَّا حُكْمَهُ، كما قال عليه الصّلاة والسَّلام "حديث : أَيَعْجَزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ كأَبِي ضَمْضَم، كان إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قال: اللَّهُمَّ إِنِّي تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي عَلَى عِبَادِكَ ". تفسير : وقال ابن عمر: "أَقْرِضْ من عِرْضِكَ ليوم فَقْرِكَ" يعني مَنْ سبَّك فلا تأخذ منه حقّاً، ولا تقم عليه حَدّاً، حتى تأتي يوم القيامة موفر الأجر. وقال أبو حنيفة: لا يجوز التَّصَدُّق بالعرض؛ لأَنَّه حقُّ اللهِ تعالى وهو مروي عن مالكٍ. قال ابن العربيّ: وهذا فاسِدٌ لقوله عليه الصّلاة والسّلام: "حديث : إِنَّ دِمَاءَكم وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ" تفسير : هذا يقتضي أَنْ تكون هذه المحرمات الثَّلاث تجري مجرًى واحداً، في كونها باحترامها حقاً للآدمي فصل وكون القرض حسناً يحتملُ وجوهاً: أحدها: أنه أراد به أن يكون حلالاً خالصاً من الحرام. الثاني: ألاَّ يتبع ذلك منّاً ولا أذى. الثالث: أن يفعله بنية التَّقرُّب إلى اللهِ تعالى. والمراد من التَّضعيف، والإضعاف، والمضاعفة واحد، وهو: الزِّيَادَةُ على أصل الشَّيء حتَّى يصير مثليه، أو أكثر، وفي الآية حذفٌ والتقدير: فيضاعف ثوابه. فصل والمراد بالأضعاف الكثيرة: قال السُّدِّيُّ: هذا التَّضعيفُ لا يعلمه إلاَّ الله - عزَّ وجلَّ - وإِنَّما أبهم ذلك؛ لأَنَّ ذكر المبهم في باب التَّرغيب، أقوى من المحدود وقال غيره: هو المذكورُ في قوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ}تفسير : [البقرة:261]، فيحمل المجمل على المُفسَّرِ؛ لأَنَّ كلتا الآيتين وردتا في الإنفاق. قوله تعالى: {وَٱللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} قرأ أبو عمر، وحمزة، وحفص، وقنبلٌ "وَيَبْسُطُ" هاهنا وفي الأعراف بالسِّين على الأصل، والباقُون بالصَّادِ لأجل الطاء. وقد تقدَّم تحقيقه في {أية : ٱلصّرَاطَ}تفسير : [الفاتحة:6]. فصل قوله: "يقبض" بإمساك الرّزق والنفس، والتقتير، و "يَبْسُطُ" بالتَّوسيع، وقيل: يقبضُ بقبول التوبة الصَّادقة، ويبسط بالخلف، والثَّواب. وقيل: هو الإِحياءُ والإماتة، فمن أَمَاتهُ فقد قبضه ومن مَدَّ له في عمره فقد بسط له. وقيل: يقبضُ بعض القلوب، حتَّى لا تقدم على هذه الطَّاعة. والمعنى: أَنَّهُ كما أمرهم بالصَّدقةِ أخبر أَنَّهُ لا يمكنهم ذلك إلا بتوفيقه، وإعانته، وقيل: ذكر ذلك ليعلمَ الإِنسان أَنَّ القبض والبسط بيد اللهِ، فإذا علم ذلك؛ انقطع نظره عن مال الدُّنيا، وبقي اعتمادُهُ على اللهِ، فحينئذٍ يَسْهُلُ عليه الإنفاق ثمَّ قال: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فيجزيكم بأعمالكم، حيث لا حاكم ولا مُدَبِّرَ سواه. وقال قتادة: الهاء في "إليه" راجعة إلى التّراب كنايةً عن غير مذكور، أي من التُّراب خلقتم، وإليه تُرْجعون، وتعودون.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور وابن سعد والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال ‏ "حديث : ‏لما نزلت {‏من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له‏} ‏ قال أبو الدحداح الأنصاري‏:‏ يا رسول الله وإن الله ليريد منا القرض‏؟‏ قال‏: نعم يا أبا الدحداح‏.‏ قال‏:‏ أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده قال‏:‏ فإني قد أقرضت ربي حائطي وحائط له فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها، فجاء أبو الدحداح فناداها‏:‏ يا أم الدحداح قالت‏:‏ لبيك‏.‏ قال‏:‏ اخرجي فقد اقرضته ربي عز وجل‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن زيد بن أسلم قال "حديث : لما نزلت ‏ {‏من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً‏} الآية‏.‏ جاء أبو الدحداح إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا نبي الله ألا أرى ربنا يستقرضنا مما أعطانا لأنفسنا، وإن لي أرضين احداهما بالعالية والأخرى بالسافلة، وإني قد جعلت خيرهما صدقة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏: كم من عذق مدلل لأبي الدحداح في الجنة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط وزيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن مردويه من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار وعن الأعرج عن أبي هريرة قال ‏‏ "حديث : لما نزلت ‏ {‏من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسنا‏ً.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال ابن الدحداح‏:‏ يا رسول الله لي حائطان أحداهما بالسافلة والآخر بالعالية وقد أقرضت ربي أحداهما‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ قد قبله منك‏. فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم اليتامى الذين في حجره، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏: رب عذق لابن الدحداح مدلى في الجنة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن سعد عن يحيى بن أبي كثير قال ‏‏ "حديث : لما نزلت هذه الآية ‏{‏من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسنا‏ً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة‏‏} ‏ فالكثيرة عند الله أكثر من ألف ألف وألفي ألف، والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة" ". تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر قال‏:‏ "حديث : لما نزلت {‏مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل}[‏البقرة: 261‏]‏ إلى آخرها‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏رب زد أمتي". فنزلت ‏{‏من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة‏}‏ قال‏:‏ رب زد أمتي‏.‏ فنزلت {‏إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}‏ ‏[الزمر: 10‏] فانتهى‏ ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن سفيان قال‏:‏ لما نزلت ‏{أية : ‏من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها‏}تفسير : ‏[‏الأنعام:160‏]‏ قال‏:‏ رب زد أمتي‏.‏ فنزلت {‏من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسنا‏ً.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ رب زد أمتي‏.‏ فنزلت ‏{‏أية : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏تفسير : ‏[‏البقرة: 261‏]‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ رب زد أمتي‏.‏ فنزلت ‏{أية : ‏إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب‏} تفسير : [الزمر: 10‏] فانتهى‏‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله ‏{‏قرضاً حسناً‏} ‏ قال‏:‏ النفقة على الأهل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم من طريق أبي سفيان عن أبي حيان عن أبيه عن شيخ لهم‏.‏ أنه كان إذا سمع السائل يقول ‏ {‏من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً‏} ‏ قال‏:‏ سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاَّ الله، والله أكبر، هذا القرض الحسن‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب‏.‏ أن رجلاً قال له‏:‏ سمعت رجلاً يقول من قرأ ‏{أية : ‏قل هو الله أحد‏}تفسير : [الاخلاص: 1] واحدة بنى الله له عشرة آلاف ألف غرفة من درٍّ وياقوت في الجنة أفأصدق بذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أوعجبت من ذلك وعشرين ألف ألف، وثلاثين ألف ألف، وما لا يحصى، ثم قرأ ‏ {‏فيضاعفه له أضعافاً كثيرة‏} ‏ فالكثير من الله ما لا يحصى‏. وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : أن ملكاً بباب من أبواب السماء يقول‏:‏ من يقرض الله اليوم يجز غداً، وملك بباب آخر ينادي‏:‏ اللهم اعط منفقا خلفاً واعط ممسكاً تلفاً، وملك بباب آخر ينادي‏:‏ يا أيها الناس هلموا إلى ربكم، ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وملك بباب آخر ينادي‏:‏ يا بني آدم لِدُوا للموت وابنوا للخراب‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : يروي ذلك عن ربه عز وجل أنه يقول‏:‏ يا ابن آدم أودع من كنزك عندي ولا حرق ولا غرق ولا سرق، أوفيكه أحوج ما تكون إليه‏ .‏ تفسير : أما قوله تعالى‏:‏ {‏والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون‏}‏ ‏.‏ أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏والله يقبض‏} ‏ قال‏:‏ يقبض الصدقة‏ {‏ويبسط‏} ‏ قال‏:‏ يخلف ‏{‏وإليه ترجعون‏}‏ قال‏:‏ من التراب خلقهم وإلى التراب يعودون‏.‏ وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير والبيهقي في سننه عن أنس قال ‏ "حديث : غلا السعر فقال الناس‏:‏ يا رسول الله سعر لنا‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة من دم ولا مال‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة "حديث : ‏أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله سعر‏.‏ قال‏: بل ادعو‏.‏ ثم جاءه رجل فقال‏:‏ يا رسول الله سعر‏.‏ فقال‏: بل الله يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البزار عن علي قال‏:‏ "حديث : قيل‏:‏ يا رسول الله قوّم لنا السعر‏.‏ قال‏:‏ إن غلاء السعر ورخصه بيد الله، أريد أن ألقى ربي وليس أحد يطلبني بمظلمة ظلمتها إياه‏ .‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال‏:‏ علم الله أن فيمن يقاتل في سبيله من لا يجد قوة، وفيمن لا يقاتل في سبيله من يجد، فندب هؤلاء إلى القرض فقال ‏ {‏من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة والله يقبض ويبسط‏} ‏ قال‏:‏ يبسط عليك وأنت ثقيل عن الخروج لا تريده، ويقبض عن هذا وهو يطيب نفساً بالخروج ويخف له، فقوّه مما في يدك يكن لك في ذلك حظ‏.‏

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}. قال: ملكك ثم اشترى منك ما ملكك ليثبت معك نسبه ثم استقرض منك ما اشتراه ثم وعدك عليه من العوض أضعافًا، بين فيه أن نعمه وعطاياه بعيدتان أن تكونا مشوبتين بالعلل. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ}. قال ابن عطاء: يقبضك عنك ويبسطك به وله. قال أبو الحسين النورى: فى قوله: {يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} قال: الله: يقبضك بإياه ويبسطك لإياه. وقال الواسطى: يقبضك عما لك ويبسطك فيما له. وقال بعض البغداديين فى قوله: {يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} قال: يقبض أى يُوحى أهل صفوته من رؤية الكرامات، ويبسطهم بالنظر إلى الكريم.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً}. سُمِّي القرض قرضاً لأنه يقطع من ماله شيئاً ليعطيه للمقترض، والمتصدِّق لما يقطع الصدقة من ماله سميت صدقته قرضاً، فالقرض القطع، ولكن هذه التسمية لحفظ قلوب الأحباب حيث خاطبك في باب الصدقة باسم القرض ولفظه. ويقال دلّت الآية على عِظَم رتبة الغَنِيِّ حيث سأل منه القرض، ولكن رتبة الفقير في هذا أعظم لأنه سأَل لأَجْله القَرضَ، وقد يسأل القرض من كل أحد ولكن لا يسأل لأجل كل أحد. وفي الخبر "حديث : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند أبي شحمة اليهودي على شعير أخذه لقوت عياله أَبْصِرْ مِمَّن اقترض ولأجل مَنْ اقترض ". تفسير : ويقال القرض الحسن ما لا تتطلع عليه لجزاء ولا تطلب بسببه العِوَض. ويقال القرض الحسن ألا يعطى على الغفلة، وإنما يعطى عن شهود. ويقال القرض الحسن من العلماء إذا كان عند ظهر الغني، ومن الأكابر إذا كان بشرط الإيثار يعطى ما لا بد منه. ويقال القرض الحسن من العلماء عن مائتين خَمْسَة، وعلى لسان القوم بذل الكل، وزيادة الروح على ما يبذل. قوله جلّ ذكره: {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. يقبض الصدقة من الأغنياء قبض قبوله، ويبسط عليهم بسط خَلَفِه. ويقال يقبض الرزق أي يُضَيق، يبسط الرزق أي يوسِّع؛ يقبض على الفقراء ليمتحنَهم بالصبر، ويبسط على الأغنياء ليطالبهم بالشكر. ويقال يقبض تسلية للفقراء ليطالبهم حتى لا يروا من الأغنياء، ويبسط لئلا يتقلدوا المِنَّةَ من الأغنياء. ويقال قال للأغنياء: إذا أنا قبضت الرزق على الفقراء فلا تذروهم، وإذا أنا بسطت عليكم فلا تروا ذلك لفضيلة لكم. ويقال قَبَضَ القلوب بإعراضه وبَسَطَها بإقباله. ويقال القبض لما غلب القلوب من الخوف، والبسط لما يغلب عليها من الرجاء. ويقال القبض لقهره والبسط لِبِرَّه. ويقال القبض لِسرِّه والبسط لكشْفِه. ويقال القبض للمريدين والبسط للمُرادين. ويقال القبض للمتسابقين والبسط للعارفين. ويقال يقبضك عنك ثم يبسطك به. ويقال القبض حقه، والبسط حظك. ويقال القبض لمن تولَّى عن الحق، والبسط لمن تجلى له الحق. ويقال يقبض إذا أَشْهَدَكَ فِعْلَكَ، ويبسط إذا أشهدك فضله. ويقال يقبض بذكر العذاب ويبسط بذكر الإيجاب.

البقلي

تفسير : {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} القرض الحسن بذل الوجود مع الحياء والخجل معرفة على تقصيره وفناء اطماع الاعواض والفرح بمخاطبة الحق معه وايضا استقرض من عباده ما اعطاهم لتربية لهم ويزيد فضله وقيل مال القرض لرتبة الفقراء وقيل القرض الحسن مالا يطالع عليه الجزاء ولا يطلب بسببه العوض وقال بعضهم ملكك ثم اشترى منك ليثبت لكل معد نسبة ثم استقرض منك مما اشتراه ثم وعدك عليه العوض اضعافا بين فيه ان عطاياه ونعمه بعيدتان ان تكونا مشوبا بالعلل {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} يقبض ارواح الموحدين بقبضة الجبروتية فى نور الازلية ويبسط اسرار العارفين من قبضة الكبرياء وينشرها فى مشاهدة سناء الابدية وايضا يقبض المشتاقين فى نفقا التوحيد فيتجلى لهم مشاهدة العظمة ويبسط العاشقين فى جمال الانس فيتجلى لهم مشاهدة الجمال وصرف القربة ويقال القبض سره والبسط كشفه ويقال القبض للمريدين والبسط للمرادين ويقال القبض للمشتاقين والبسط للعارفين ويقال القبض لمن تولى عن الحق والبسط لمن تجلى له الحق فيقال يقبضك اياه ويبسطك اياه قال الواسطى يقضك عما لك ويبسط فيما عليه وقال البغداديون يقبض اى يوحش اهل صفوته من روية الكرامات ليصغرهم يبسطهم بالنظر الى الكرم.

اسماعيل حقي

تفسير : {من} استفهام للتحريض على التصدق مبتدأ {ذا} اشارة الى المقرض خبر المبتدأ اى من هذا {الذى} صفة ذا او بدل منه {يقرض الله} اصل القرض القطع سمى به لان المعطى يقرضه اى يقطعه من ماله فيدفعه اليه ليرجع اليه مثله من الثواب واقراض الله مثل لتقديم العمل الذى يطلب به ثوابه {قرضا} مصدر ليقرض بمعنى اقراض كقوله تعالى {أنبتكم من الأرض نباتا} اى اقراضا {حسنا} اى مقرونا بالاخلاص وطيب النفس ويجوز ان يكون القرض بمعنى المقرض اى بمعنى المفعول على انه مفعول ثان ليقرض وحسنه ان يكون حلالا صافيا عن شوب حق الغير به. وقيل القرض الحسن المجاهدة والانفاق فى سبيل الله ومن انواع القرض قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر {فيضاعفه له} منصوب باضمار ان عطفا على المصدر المفهوم من يقرض الله فى المعنى فيكون مصدرا معطوفا على مصدر تقديره من ذا الذى يكون منه اقراض فمضاعفة من الله او منصوب على جواب الاستفهام فى المعنى لان الاستفهام وان وقع عن المقرض لفظا فهو عن الاقراض معنى كأنه قال أيقرض الله احد فيضاعفه واصل التضعيف ان يزاد على الشىء مثله او امثاله {أضعافا} جمع ضعف حال من الهاء فى يضاعفه {كثيرة} هذا قطع للاوهام عن مبلغ الحساب اى لا يعلم قدرها الا الله. وقيل الواحد سبعمائة وحكمة تضعيف الحسنات لئلا يفلس العبد اذا اجتمع عليه الخصماء فمظالم العباد توفى من التضعيفات لا من اصل حسناته لان التضعيف فضل من الله تعالى واصل الحسنة الواحدة عدل منه واحدة بواحدة. وذكر الامام البيهقى ان التضعيفات فضل من الله تعالى لا يتعلق بها العباد كمالا يتعلق بالصوم بل يدخرها الحق للعبد فضلا منه سبحانه فاذا دخل الجنة اثابه بها: قال السعدى شعر : نكو كارى از مردم نيك رأى يكى را بده مى نويسد خداى كرم كن كه فردا كه ديوان نهند منازل بمقدار احسان تهند تفسير : ولما حثهم على الاخراج سهل عليهم الاقراض واخبر انهم لا يمكنهم ذلك الا بتوفيقه فقال {والله يقبض} يقتر على بعض {ويبسط} يوسع على بعض او يقتر تارة ويوسع اخرى حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح واذا علم العبد ذلك هان عليه الاعطاء لان الله تعالى هو الرزاق وهو الذى وسع عليه فهو يسأل منه ما اعطاه ولانه يخلفه عليه فى الدنيا ويثيبه عليه فى العقبى فكأن الله تعالى يقول اذا علمتم ان الله هو القابض والباسط وان ما عندكم انما هو من بسطه واعطائه فلا تبخلوا عليه فاقرضوه وانفقوا مما وسع عليكم واعطاكم ولا تعكسوا بان تبخلوا لئلا يعاملكم مثل معاملتكم فى التعكيس بان يقبض بعد ما بسط. ولعل تأخير البسط عند القبض فى الذكر للايماء الى انه يعقبه فى الوجود تسلية للفقراء. قال الامام الغزالى فى شرح الاسماء الحسنى القابض الباسط هو الذى يقبض الارواح من الاشباح عند الممات ويبسط الارواح فى الاجساد عند الحياة ويقبض الصدقات من الاغنياء ويبسط الارزاق للضعفاء يبسط الرزق على الاغنياء حتى لا تبقى فاقة ويقبضه من الفقراء حتى لا تبقى طاقة ويقبض القلوب فيضيقها بما يكشف لها من قلة مبالاته وتعاليه وجلاله ويبسطها لما يقرب اليها من بره ولطفه وجماله والقابض الباسط من العباد من ألهم بدائع الحكم واوتى جوامع الكلم فتارة يبسط قلوب العباد بما يذكرهم من آلاء الله ونعمائه وتارة يقبضها بما ينذرهم به من جلال الله وكبريائه وفنون عذابه وبلائه وانتقامه من اعدائه كما فعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حيث قبض قلوب الصحابة عن الحرص على العبادة حيث ذكرهم ان الله يقول لآدم يوم القيامة ابعث بعث النار فيقول كم فيقول من كل الف تسعمائة وتسعة وتسعين فانكسرت قلوبهم حتى فتروا عن العبادة فلما اصبح ورآهم على ما هم عليه من القبض والفتور روح قلوبهم وبسطها فذكر انهم فى سائر الامم كشامة سوداء فى مسك ثور ابيض انتهى قال القشيرى فى رسالته القبض والبسط حالتان بقدر ترقى العبد عن حال الخوف والرجاء والقبض للعارف بمنزلة الخوف للمستأنف والبسط للعارف بمنزلة الرجاء للمستأنف {وإليه ترجعون} فيجازيكم على ما قدمتم من الاعمال خير وشرا على الجود بالجنة وعلى البخل بالنار وهو وعد ووعيد او هو تنبيه على ان الغنى لمفارق ماله بالموت فليبادر على الانفاق قبل الفوت. واجتمع جماعة من الاغنياء والفقراء فقال غنى ان الله تعالى رفع درجاتنا حتى استقرض منا وقال فقير بل رفع درجاتنا حتى استقرض لنا والواحد قد يستقرض من غير الحبيب ولك ان لا تستقرض الا لاجل الحبيب وقبض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ودرعه عند يهودى بشعير اخذه لقوت عياله. انظر ممن استدان ولمن استدان وفى الحديث "حديث : يقول الله تعالى يوم القيامة ابن آدم استطعمتك فلم تطعمنى قال رب كيف اطعمك وانت رب العزة قال استطعمك عبدى فلان فلم تطعمه أما علمت انك لو اطعمته لوجدت ذلك عندىbr>". تفسير : فالقرض لا يقع عند المحتاج فكأنه ذكر نفسه ونزل وصفه منزلة المحتاج كقوله مرضت فلم تعدنى جعت فلم تطعمنى شفقة وتلطيفا للفقير والمريض وهذا من باب التنزلات الرحمانية عند المحققين لتكميل محبة العبد وجذبه الى حظرة اهل الشهود من عباده اذ جذبة من جذبات الحق توازى عمل الثقلين وذلك اذا شاهد العبد الفقير جلوة جمال الرحمن فى اطوار تنزلاته فى المشاهد الاعيانية: وفى المثنوى شعر : روى خو بان زانيه زيبا شود روى احسان از كدا ييدا شود جون كدا آيينه جودست هان دم بود بر روى آيينه زيان بس از ين فرمود حق در والضحى بانك كم زن اى محمد بر كدا تفسير : فالله تعالى من كمال فضله وكرمه مع عباده خلق انفسهم وملكهم الاموال ثم اشترى منهم انفسهم واموالهم ثم ردها اليهم بالعارية ثم اكرمهم فيها بالاستقراض منهم ثم بشر باضعاف كثيرة عليها فالعبد الصادق لا يطلب الا على قدر همته ولا يريد العوض مما اعطاه الا ذاته تعالى فيعطيه الله ما هو مطلوبه على قدر همته ويضاعف له مع مطلوبه ما اخفى لهم من قرة اعين اضعافا كثيرة على قدر كرمه فمن يكون له متاع الدنيا باسره قليلا فانظر ما يكون له كثيرا اللهم متعنا بما الهمت قلوب اوليائك واجعلنا من الذين قصروا اعينهم على استطلاع انوار لقائك.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: القرض هو القطع، أطْلِقَ على السلف؛ لأن المُقْرِضَ يقطع قطعة من ماله ويدفعها للمستلف، والمراد بها الصدقة؛ لأن المتصدق يدفع الصدقة فيردها الحق تعالى له بضعف أمثالها؛ فأشبهت القرض في مطلق الرد. يقول الحقّ جلّ جلاله: مَنْ هذا الذي يعامل الله تعالى ويقرضه {قرضاً حسناً} بأن بتصدق على عباده صدقة حسنة بنية خالصة، فيُكثرها الله تعالى له {أضعافاً كثيرة}؛ بسبعمائة إلى ما لا نهاية له، ولا يحمله خوف الفقر على ترك الصدقة؛ فإن الله تعالى يقبض الرزق عمن يشاء ولو قل إعطاؤه، ويبسط الرزق على من يشاء ولو كثر إعطاؤه، بل يقبض على من قبض يده شحّاً وبخلاً، ويبسط على من بسط يده عطاءً وبذلاً، يقول: "حديث : يا ابن آدم أَنْفِقْ أُنِفقْ عليك"تفسير : ،"حديث : أُنْفِقْ ولا تَخْش مِنْ ذِي العَرِشَ إِقلالاً ". تفسير : ونسبة القرض إليه تعالى ترغيب وتقريب للإفهام، كما قال في الحديث القدسي:"حديث : يقول الله تعالى يوم القيامة: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْني، قَالَ: يَا رَبّ! كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالِّمِين؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاَناً مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ. أَمَا إِنَكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتِني. يَا ابْنَ آدَم اسْتَطْعَمتُكَ فَلَمْ تُطْعِمني. قال: يَا رَبّ! كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَمْ تُطْعمْه؟ أَمَأ عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَه لَوَجَدْتَ ذَلكَ عِنْدِي. يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيتك فَلَمْ تَسْقِيني. قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيك وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قال: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَمْ تسْقِه. أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ". تفسير : الإشارة: من هذا الذي يقطع قلبه عن حب الدارين، ويرفع همته عن الكونين، فإن الله {يضاعفه له أضعافاً كثيرة} بأن يُمَلِّكَهُ الوجودَ بما فيه، "أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك"، {والله يقبض ويبسط} فيقبض الوجود تحت حكمك وهمتك، إن رفعت همتك عنه، ويبسط يدك بالتصرف فيه، إن علقت عمتك بخالقه. أو يقبض القلوب بالفقد والوحشة، ويبسطها بالإيناس والبهجة. أو يقبض الأرواح بالوفاة، ويبسطها بالحياة. والقبض والبسط عند أهل التصوف: حالتان تتعاقبان على القلوب تعاقب الليل والنهار، فإذا غلب حال الخوف كان مقبوضاً، وإذاغلب حال الرجاء كان مبسوطاً، وهذا حال السائرين. أما الواصلون فقد اعتدل خوفهم ورجاؤهم، فلا يؤثر فيهم قبض ولا بسط، لنهم مالكوا الأحوالَ. قال القشيري: فإذا كاشف العبدَ بنعت جماله بسطَه، وإذا كاشفه بنعت جلاله قَبضه. فالقبض يوجب إيحاشَه، والبسط يُوجب إيناسه، واعلم أنه يَرُدُّ العبد إلى حال بشريته، فيقبضه حتى لا يُطيق ذَرَّة، ويأخذه مَرَّة عن نعوته، فيجد لحمل ما يَرِدُ عليه قدرة وطاقة، قال الشَّبْلِي رضي الله عنه: (من عَرَفَ الله حمَل السماوات والأرض على شعرة من جَفْن عينه، ومن لم يعرف الله - جلّ وعلا - لو تعلق به جَناح بعوضة لضجَّ). وقال أهل المعرفة: [أذا قَبض قَبض حتى لا طاقة، وإذا بسط بسط حتى لا فاقة، والكل منه وإليه]. ومن عرف أن الله هو القابض الباسط، لم يَعتِب أحداً من الخلق، ولا يسكن إليه في إقبال ولا إدبار، ولم ييأس منه في البلاء، ولا يسكُن إليه في عطاء، فلا يكون له تدبير أبداً. هـ. ولكلٍّ من القبض والبسط آداب، فآداب القبض: السكون تحت مجاري الأقدار، وانتظار الفرج من الكريم الغفار. وآداب البسط: كف اللسان، وقبض العنان، والحياء من الكريم المنان. والبسط مَزَلَّة أقدام الرجال. قال بعضهم: (فُتح عليَّ بابٌ من البسط فزللتُ زَلَّة، فحُجِبْتُ عن مقامي ثلاثين سنة). ولذلك قيل: قف على البساط وإياك والانبساطَ. واعلم أن القبض والبسط فوق الخوف والرجاء، وفوق القبض والبسط: الهيبة والأنس فالخوف والرجاء للمؤمنين، والقبض والبسط للسائرين، والهيبة والأنس للعارفين، ثم المحو في وجود العين للمتمكنين، فلا هيبة لهم، ولا أنس، ولا علم، ولا حس. وأنشدوا: شعر : فلو كُنْتَ مِنْ أَهلِ الوُجودِ حقيقةً لغبْتَ عَن الأكوانِ والعرشِ والكرسي وكُنْتَ بلا حالٍ مَع اللّهِ واقفاً تُصان عَنْ التّذْكَارِ للجِن والإِنْسِ

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ أبو عمرو، ونافع، وحمزة، والكسائي {فيضاعفه} بالرفع. وقرأ عاصم بالألف، والنصب. وقرأ ابن كثير "فيضعّفه" بالتشديد، والرفع. وقرأ ابن عامر بالتشديد والنصب. المعنى، واللغة: والقرض الذي دعا الله إليه قال ابن زيد هو الجهاد، وقال في البر من النفل. والقرض: هو قطع جزء من المال بالاعطاء على أن يردّ بدل منه. وقوله: {يقرض الله} مجاز في اللغة لأن حقيقته أن يستعمل في الحاجة، وفى هذا الموضع يستحيل ذلك، فلذلك كان مجازاً، وقد يستعمل القرض في غير الحاجة قال أمية بن أبي الصلت: شعر : لا تخلطن خبيثات بطيبة واخلع ثيابك منها وانح عريانا كل امرىء سوف يجزى قرضه حسناً أو سيئاً ومديناً كالذي دانا تفسير : فهذا يبين أن القرض من غير عوز، وقال آخر: شعر : وإذا جوزيت قرضاً فاجزه إنما ليس الفتى غير الحمل تفسير : والقرض القطع بالناب. قرض يقرض قرضاً: إذا قطع الشيء بنابه، وقرّض تقريضاً، وتقرّض تقرضاً، واقترض المال اقتراضاً. والقرض ما أعطيته لتكافاه، أويرد بعينه. واقترض اقتراضاً، واستقرض استقراضاً، وتقارضا الثناء: إذا أثنى كل واحد منهما على صاحبه، وكذلك قارضه الثناء. وانقرضوا انقراضاً: إذا هلكوا. والدنيا قروض: أي يتقارضا الناس من بينهم بالمكافاة. وقرض الشيء يقرضه قرضاً. والشعر قريض. ومنه قوله: {أية : تقرضهم ذات الشمال}تفسير : أي تقطعهم بمرورها عليهم والمقراض: الجلم الصغير، وقراضات الثوب ما ينفيه الجلم. الاعراب، واللغة: وقوله: {فيضاعفه} من رفع عطفه على قوله: {يقرض} ومن نصب، فعلى جواب الاستفهام بالفاء. والاختيار الرفع لأن فيه معنى الجزاء، وجواب الجزاء بالفاء لا يكون إلا رفعاً "ويضاعفه" أكثر في الاستعمال، وإنما شدد أبو عمرو {أية : يضعف لها العذاب ضعفين}تفسير : ولم يشدد {فيضاعفه} لأن المضاعفة عنده لما لا يّحد. والتضعيف للمحدود، وتقول: ضعفت القوم أضعفهم ضعفاً: إذا كثرتهم، فصرت مع أصحابك على الضعف منهم، وضعف الشيء: مثلاه في المقدار. وأضعفت الشىء إضعافاً، وضعّفته تضعيفاً، وضاعفته مضاعفة، وهو الزيادة على أصل الشيء حتى يصير مثلين أو أكثر. وتضاعف الشيء تضاعفاً وضعف ضعفاً. والضعف خلاف القوة، لأنه قطع القوة عن التمام. وضعف الشيء مثله في المقدار إذا زيد عليه، فكل واحد منهما ضعف. والتضعيف: تكرير الخوف، واستضعفت الرجل استضعافاً، وأصل الباب الضعف. وهو زيادة المثل. وقوله: {والله يقبض ويبسط} قال الحسن، وابن زيد في الرزق، وحكى الزجاج: أنه يقبض الصدقات ويبسط الجزاء عليها عاجلا، وآجلا عليها. والقبض خلاف البسط والقبض ضم الكف على الشيء قبضه قبضا وتقبضّ عنه تقبّضا: إذا اشمأز منه, لأنه ضم نفسه عن الانبساط إليه. وانقبض انقباضا، وقبضت الرجل تقبيضا: إذا أعطيته لانضمام كفه على ما أخذه. ورجل قبيض: إذا كان منكمشا سريعاً لتجمعه للاسراع. وراع قبضة: إذا كان لا يتفسح في رعيه، لانقباضه. والتقبض: التشنج. وقبض الانسان: إذا مات. والملك قابض الارواح. والبسط خلاف القبض تقول: بسط يبسط بسطاً، وانبسط انبساطاً، وبسطه تبسيطاً، وتبسّط تبسطاً. والبساط - بكسر الباء - ما بسطته. والبساط - بفتح الباء - الأرض الواسعة، وناقة بسط: معها ولدها لانبساطه. والبسطة: الفضيلة في الجسم أو المال، ونحو ذلك {أية : وزاده بسطة في العلم والجسم}تفسير : وكتب "بصطة" بالصاد، وبسطة بالسين، لأن القلب على الساكن أقوى منه على المتحرك. المعنى: ومعنى {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} التلطف في الاستدعاء الى أعمال البرّ والانفاق في سبيل الخير. وجهلت اليهود لما نزلت هذه الآية، فقالوا ألله يستقرض منا فنحن أغنياء وهو فقير الينا! فأنزل الله تعالى {أية : لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء}تفسير : ذكره الحسن والهاء في قوله: {وإليه ترجعون} عائدة الى الله. ومعناه الى الله ترجعون في الآخرة. وقيل الى التراب الذي خلقكم منه ذكره قتادة.

الجنابذي

تفسير : بيان قرض الله وتحقيقه {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} القرض ما تعطيه لتقاضاه، وأقرضه أعطاه قرضاً، والاقراض لا يكون الاّ ممّا كان مملوكاً للمقرض فلو كان شيءٌ عارية ووديعة عند الشّخص فان ردّه الى صاحبه لم يكن ذلك الردّ قرضاً وان اعطاه غير صاحبه كان حراماً وتصرّفاً غصبيّاً لا اقراضاً، وما للانسان من الاموال العرضيّة الدّنيويّة والقوى النباتيّة والحيوانيّة والآلات والاعضاء الجسمانيّة والمدارك والشّؤن الانسانيّة كلّها ممّا أعارها الله ايّاه فان ردّ شيئاً منها الى الله كان ذلك ردّ العارية الى صاحبها لا اقراضاً وان أعطى شيئاً منها غير صاحبها كان حراماً وتصرّفاً فى مال الغير من دون اذن صاحبه، والله تعالى من كمال تلطّفه بعباده ورحمته عليهم يستقرض منهم ما أعاره ايّاهم ليشير بمادّة القرض الى اعطاء العوض ولا اختصاص لما استقرضه الله بالمال الدّنيوىّ بل يجرى فى جميع ما للانسان بحسب نشأته الدّنيويّة والاخرويّة من الاموال والقوى والاعضاء؛ وتعم ما قال المولوى قدّس سرّه فى بيان عموم ما استقرضه الله تعالى: شعر : تن جو بابركَ است روزوشب ازآن شاخ جان در بركَ ريز است وخزان بركَ تن بى بركَى جانست زود زين ببايد كاستن وانرا فزود أقرضوا الله قرض ده زين بركَ تن تا برويد در عوض در دل جمن قرض ده كم كن ازين لقمه تنت تا نمايد وجه لا عينٌ رأت تن زسر كَين خويش جون خالى كند بر ز كَوهر هاى اجلالى كند قرض ده زين دولتت در اقرضوا تا كه صد دولت ببينى بيش رو تفسير : وحسن الاقراض ان لا يطلب به عوضاً ولو كان قربه تعالى {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} الاضعاف جمع الضعف بكسر الضّاد واقلّ معناه مثلى ما يضاف اليه وأكثره لا حدّ له، وهو مفعول ثان ليضاعفه او حال او مصدر عددىّ على ان يكون الضعف اسم مصدر، ويصدق الاضعاف الكثيرة على عشرة امثاله الى ما لا يعلمه الاّ الله، وعن الصّادق (ع) انّه قال: لمّا نزلت هذه الآية من جاء بالحسنة فله خير منها قال رسول الله (ص) "حديث : ربّ زدنى فأنزل الله سبحانه {من جاء بالحسنة فله عشر امثالها}، فقال رسول الله (ص): ربّ زدنى فأنزل الله سبحانه: {من ذا الّذى يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له اضعافاً كثيرة}" تفسير : فعلم رسول الله (ص) انّ الكثير من الله لا يحصى وليس له المنتهى، ومنه يستفاد انّ كلّ طاعة لله اقراض لله سواء كانت فعلاً او تركاً وهو كذلك فانّ الطاعة ليست الاّ بتحريك القوى المحرّكة وامساك القوى الشهويّة والغضبيّة وكسر سورتهما فطاعة الله اقراض من القوى {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} جملة حاليّة وترغيب فى الاقراض لانّ المعنى من ذا الّذى يقرض الله فيضاعفه له فأقرضوا ولا تمسكوا خوف الفقر والافناء لانّ الله لا غيره يقبض الرّزق من اقوام ويبسط على اقوام، او يقبض فى حالٍ ويبسط فى حالٍ ولا يكون الامساك سبباً للبسط ولا الانفاق سبباً للقبض، او المراد فيضاعفه له فأقرضوا ولا تمسكوا لانّ الامساك حينئذٍ امّا لخوف عدم اطّلاع الله او لخوف عدم الوصول الى الله والحال انّ الله تعالى هو يقبض القرض لا غير الله ويبسط الجزاء {وَإِلَيْهِ} لا الى غيره {تُرْجَعُونَ} فتستحقّون رضاه عنكم وقربكم له زيادة على مضاعفة العوض. وقيل: المعنى انّ الله يقبض بعضاً بالموت ويبسط من ارثه على وارثه؛ وهو بعيد جدّاً، وروى انّ الآية نزلت فى صلة الامام، وروى: ما من شيءٍ احبّ الى الله من اخراج الدّراهم الى الامام وانّ الله ليجعل له الدّرهم فى الجنّة مثل جبل احدٍ؛ وعلى هذا فقوله تعالى {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} بطريق الحصر يكون مثل قوله {أية : أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ}تفسير : [التوبة: 104] فانّ معناه هو يقبل التّوبة فى مظاهر خلفائه فيكون معنى {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} انّ الله لا غيره فى مظاهر خلفائه يقبض القرض ويبسط الجزاء.

اطفيش

تفسير : {مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً} يعامل الله بأعماله الصالحة، من إنفاق ماله فى الجهاد، وأنواع الأجر، واستعمال نفسه فى ذلك فرضا أو نفلا وسائر الأعمال الصالحة ولو غير الجهاد أيضا، ويدخل الجهاد أولا، وعن عمر أداء الجهاد والإنفاق فيه معاملة من يقرض محتاجا، فإن الله يثيبه بالجنة الدائمة على ذلك كما يرد إليه المستقرض مثل ما أقرض، والله غنى، وفى البخارى ومسلم من الحديث القدسى "حديث : يا ابن آدم، مرضت فلم تعدنى، واستطمعتك فلم تطعمنى واستسقيتك فلم تسقنى، قال: يا رب، كيف تمرض وكيف أطعمك وأسقيك وأنت رب العالمين قال: مرض عبدى فلان فلم تعده، واستسقاك فلم تسقه، استطعمك فلم تطعمه، أما إنك لو فعلت ذلك لوجدته عندى"تفسير : وحسن القرض أن يكون بإخلاص وطيب نفس ومن حلال غير ردىء، والقرض اسم مصدر ليقرض، أى إقراضا، أو مالا فيكون مفعولا به ليقرض {فَيُضَٰعِفَهُ} يكثر جزاءه كما، ويعظمه كيفا، والمفاعلة مبالغة {لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} لا يعلمها إلا الله: الواحدة بعشر أو أكثر إلى سبعمائة وأكثر، قيل عن أبى هريرة، إن الله تعالى ليكتب لعبده المؤن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، فحج أبو عثمان الهندى ليسمع هذا عن أبى هريرة فلقيه: فقال: لم يحفظ الراوى، وإنما قلت ألفى ألف حسنة، والله قد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأضعافاً جمع ضعف، والضعف بمعنى إضعاف بكسر الهمزة، أو مضاعفة مفعول مطلق، والمصدر واسمه يصلحان للكثير من الإفراد، ولكن جمع للدلالة على الأنواع، أو بمعنى نفس القسم حال من الهاء، أو مفعول ثان، لأن المعنى يصيره أقساما كثيرة {وَاللهُ يَقْبِضُ} يضيق الرزق على من يشاء، قدم القبض تسليمة للفقراء بأنه يعقبه البسط كما قال {وَيَبْصُطُ} الرزق لمن يشاء؛ وكل ذلك حكمة؛ فلا تبخلوا بما أعطاكم، وفى الحديث القدسى: من عبادى من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لفسد، ولا تمسكوا خوف الفقر؛ فإن الله يقبض عن من يشاء ولو أمسك، وقيل: يقبض الصدقة ويبسط الثواب عليها {وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ} فيجازيكم على ما قدمتم من قليلكم أو كثيركم.

الالوسي

تفسير : {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ} {مَنْ} استفهامية مرفوعة المحل بالابتداء، و {ذَا} خبره و {ٱلَّذِى} صفة له أو بدل منه، ولا يجوز أن يكون {مَن ذَا} بمنزلة اسم واحد مثل ما تكون ماذا كذلك كما نص عليه أبو البقاء لأن ما أشد إبهاماً من ـ من ـ وإقراض الله تعالى مثل لتقديم العمل العاجل طلباً للثواب الآجل، والمراد هٱهنا إمّا الجهاد المشتمل على بذل النفس والمال، وإمّا مطلق العمل الصالح، ويدخل فيه ذلك دخولاً أولياً، وعلى كلا التقديرين لا يخفى انتظام الجملة بما قبلها {قَرْضًا} إمّا مصدر بمعنى ـ إقراضاً ـ فيكون نصباً على المصدرية، وإما بمعنى المفعول فيكون نصباً على المفعولية، وقوله سبحانه: {حَسَنًا} صفة له على الوجهين وجهة الحسن على الأول الخلوص مثلاً وعلى الثاني الحل والطيب، وأخرج ابن أبـي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ـ القرض الحسن ـ المجاهدة والانفاق في سبيل الله تعالى، وعليه يلتئم النظم أتم التئام {فَيُضَـٰعفَهُ} أي ـ القرض ـ {لَهُ} وجعله ـ مضاعفاً ـ مجاز لأنه سبب ـ المضاعفة ـ وجوز تقدير مضاف أي ـ فيضاعف ـ جزاءه، وصيغة المفاعلة ليست على بابها إذ لا مشاركة وإنما اختيرت للمبالغة المشيرة إليها المغالبة. وقرأ عاصم بالنصب، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون ـ معطوفاً ـ على مصدر ـ يقرض ـ في المعنى أي ـ من ذا الذي ـ يكون منه قرض فمضاعفة من الله تعالى، وثانيهما: أن يكون جواباً لاستفهام معنى أيضاً لأن المستفهم/ عنه وإن كان المقرض في اللفظ إلا أنه في المعنى الإقراض فكأنه قيل: أيقرض الله تعالى أحد فيضاعفه وهذا ما اختاره أبو البقاء ولم يجوز أن يكون جواب الاستفهام في اللفظ لأن المستفهم عنه فيه المقرض لا القرض ولا عطفه على المصدر الذي هو قرضاً كما يعطف الفعل على المصدر بإضمار إن لأمرين ـ على ما قيل ـ الأوّل: أن (قرضاً) هنا مصدر مؤكد وهو لا يقدر بأن والفعل، والثاني: إن عطفه عليه يوجب أن يكون معمولاً ليقرض، ولا يصح هذا لأن المضاعفة ليست مقروضة، وإنما هي فعل من الله تعالى وفيه تأمل، وقرأ ابن كثير (يضعفه) بالرفع والتشديد، ويعقوب وابن عامر (يضعفه) بالنصب. {أَضْعَافًا} جمع ضعف وهو مثل الشيء في المقدار إذا زيد عليه فليس بمصدر والمصدر الإضعاف أو المضاعفة فعلى هذا يجوز أن يكون حالاً من الهاء في {يُضَـٰعِفْهُ} وأن يكون مفعولاً ثانياً على المعنى بأن تضمن المضاعفة معنى التصيير، وجوّز أن يعتبر واقعاً موقع المصدر فينتصب على المصدرية حينئذ، وإنما جمع والمصادر لا تثنى ولا تجمع لأنها موضوعة للحقيقة من حيث هي لقصد الأنواع المختلفة، والمراد به أيضاً إذ ذاك الحقيقة لكنها تقصد من حيث وجودها في ضمن أنواعها الداخلة تحتها {كَثِيرَةً} لا يعلم قدرها إلا الله تعالى، وأخرج الإمام أحمد وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن أبـي عثمان النهدي قال: بلغني عن أبـي هريرة أنه قال: إن الله تعالى ليكتب لعبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة فحججت ذلك العام ولم أكن أريد أن أحج إلا للقائه في هذا الحديث فلقيت أبا هريرة فقلت له: فقال: ليس هذا قلت ولم يحفظ الذي حدثك إنما قلت إن الله تعالى ليعطي العبد المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة ثم قال أبو هريرة: أوَ ليس تجدون هذا في كتاب الله تعالى: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}؟ فالكثيرة عنده تعالى أكثر من ألفي ألف وألفي ألف والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله تعالى يضاعف الحسنة ألفي ألفي حسنة»تفسير : . {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} أي يقتر على بعض ويوسع على بعض أو يقتر تارة ويوسع أخرى حسبما تقتضيه الحكمة التي قد دق سرها وجل قدرها وإذا علمتم أنه هو القابض والباسط وأن ما عندكم إنما هو من بسطه وعطائه فلا تبخلوا عليه فأقرضوه وأنفقوا مما وسع عليكم بدل توسعته وإعطائه ولا تعكسوا بأن تبخلوا بدل ذلك فيعاملكم مثل معاملتكم في التعكيس بأن يقبض ويقتر عليكم من بعد ما وسع عليكم وأقدركم على الانفاق، وعن قتادة، والأصم، والزجاج أن المعنى يقبض الصدقات، ويبسط الجزاء عليها فالكلام كالتأكيد والتقرير لما قبله ووجه تأخير البسط عليه ظاهر، ووجه تأخيره على الأول الإيماء إلى أنه يعقب القبض في الوجود تسلية للفقراء، وقرىء {يبصط}. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فيجازيكم على حسب ما قدمتم. ومن باب الإشارة: إن الصلوات خمس، صلاة السر بشهوده مقام الغيب، وصلاة النفس بخمودها عن دواعي الريب، وصلاة القلب بمراقبته أنوار الكشف، وصلاة الروح بمشاهدة الوصل، وصلاة البدن بحفظ الحواس وإقامة الحدود، فالمعنى حافظوا على هذه الصلوات الخمس، والصلاة الوسطى التي هي صلاة القلب التي شرطها الطهارة عن الميل إلى السوى وحقيقتها التوجه إلى المولى ولهذا تبطل بالخطرات والانحراف عن كعبة الذات {وَقُومُواْ لِلَّهِ} بالتوجه إليه {أية : قَـٰنِتِينَ } تفسير : [البقرة: 238] أي مطيعين له ظاهراً وباطناً بدفع الخواطر {فَإِنْ خِفْتُمْ} صدمات الجلال حال سفركم إلى الله تعالى فصلوا راجلين في بيداء/ المسير سائرين على أقدام الصدق أو راكبين على مطايا العزم ولا يصدنكم الخوف عن ذلك {فَإِذَا أَمِنتُمْ} بعد الرجوع عن ذلك السفر إلى الوطن الأصلي بكشف الحجاب {أية : فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ }تفسير : [البقرة: 239] أي فصلوا له بكليتكم حتى تفنوا فيه أو فإذا أمنتم بالرجوع إلى البقاء بعد الفناء فاذكروا الله تعالى لحصول الفرق بعد الجمع حينئذ، وأمّا قبل ذلك فلا ذكر إذ لا امتياز ولا تفصيل وقد قيل للمجنون: أتحب ليلى؟ فقال: ومن ليلى؟! أنا ليلى، وقال بعضهم:شعر : أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا فإذا أبصرتني أبصرته وإذا أبصرته أبصرتنا تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ} أي أوطانهم المألوفة ومقار نفوسهم المعهودة ومقاماتهم ومراتبهم من الدنيا وما ركنوا إليها بدواعي الهوى {وَهُمْ} قوم {أُلُوفٌ} كثيرة أو متحابون متألفون في الله تعالى حذر موت الجهل والانقطاع عن الحياة الحقيقية والوقوع في المهاوي الطبيعية {فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ} أي أمرهم بالموت الاختياري أو أماتهم عن ذواتهم بالتجلي الذاتي حتى فنوا فيه {أية : ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} تفسير : [البقرة: 243] بالحياة الحقيقية العلمية أو به بالوجود الحقاني ـ والبقاء بعد الفناء ـ {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى} تفسير : [البقرة: 243] سائر {أية : ٱلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 243] بتهيئة أسباب إرشادهم {أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ }تفسير : [البقرة: 243] لمزيد غفلتهم عما يراد بهم {أية : وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 244] النفس والشيطان {أية : وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} تفسير : [البقرة: 244] هواجس نفوس المقاتلين في سبيله {أية : عَلِيمٌ} تفسير : [البقرة: 244] بما في قلوبهم {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ} ويبذل نفسه له بذلاً خالصاً عن الشركة {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} بظهور نعوت جماله وجلاله فيه ـ {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ} أرواح الموحدين ـ بقبضته الجبروتية في نور الأزلية، {وَيَبْسُطُ} [البقرة: 245] أسرار العارفين من قبضة الكبرياء وينشرها في مشاهدة ثناء الأبدية، ويقال: القبض سره والبسط كشفه، وقيل: القبض للمريدين والبسط للمرادين أو الأول: للمشتاقين والثاني: للعارفين، والمشهور أن القبض والبسط حالتان بعد ترقي العبد عن حالة الخوف والرجاء فالقبض للعارف كالخوف للمستأمن، والفرق بينهما أن الخوف والرجاء يتعلقان بأمر مستقبل مكروه أو محبوب، والقبض والبسط بأمر حاضر في الوقت يغلب على قلب العارف من وارد غيبـي وكان الأول: من آثار الجلال والثاني: من آثار الجمال.

ابن عاشور

تفسير : اعتراض بين جملة: { أية : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } تفسير : [البقرة: 243] إلى آخرها، وجملة { أية : ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل } تفسير : [البقرة: 246] الآية، قصد به الاستطراد للحث على الإنفاق لوجه الله في طرق البر، لمناسبة الحث على القتال، فإن القتال يستدعي إنفاق المقاتل على نفسه في العُدَّة والمَؤُونة مع الحث على إنفاق الواجد فضلاً في سبيل الله بإعطاء العُدَّة لمن لا عُدَّة له، والإنفاق على المعسرين من الجيش، وفيها تبيين لمضمون جملة: { أية : واعلموا أن الله سميع عليم } تفسير : [البقرة: 244] فكانت ذات ثلاثة أغراض. و{القرض}إسلاف المال ونحوه بنية إرجاع مثله، ويطلق مجازاً على البذل لأجل الجزاء، فيشمل بهذا المعنى بذل النفس والجسم رجاءَ الثواب، ففعل (يقرض) مستعمل في حقيقته ومجازه. والاستفهام في قوله: {من ذا يقرض الله} مستعمل في التحضيض والتهييج على الاتصاف بالخير كأنَّ المستفهم لا يدري مَن هو أهل هذا الخير والجديرُ به، قال طرفة: شعر : إذا القوم قالوا مَن فتى خِلْتُ أنني عُنِيتُ فلَم أَكسَلْ ولم أتَبَلَّدِ تفسير : و(ذا) بعد أسماء الاستفهام قد يكون مستعملاً في معناه كما تقول وقد رأيتَ شخصاً لا تعرفه: (مَن ذا) فإذا لم يكن في مقام الكلام شيء يصلح لأن يشار إليه بالاستفهام كان استعمال (ذا) بعد اسم الاستفهام للإشارة المجازية بأن يَتصوَّر المتكلم في ذهنه شخصاً موهوماً مجهولاً صدر منه فعل فهو يسأل عن تعيينه، وإنما يكون ذلك للاهتمام بالفعل الواقع وتطلُّب معرفة فاعله ولكون هذا الاستعمال يلازم ذكر فعللٍ بعد اسم الإشارة، قال النُّحاة كلهم بصريُّهم وكوفيُّهم: بأن (ذا) مع الاستفهام تتحوّل إلى اسم موصول مبهم غير معهود، فعدُّوه اسمَ موصول، وبوَّب سيبويه في «كتابه» فقال: «باب إجرائهم ذَا وحدَه بمنزلة الذي وليس يكون كالذي إلا مع (ما) و(من) في الاستفهام فيكون (ذا) بمنزلة الذي ويكون ما ــــ أي أو من ــــ حرفَ الاستفهام وإجراؤهم إياه مع ما ــــ أي أو من ــــ بمنزلة اسم واحد» ومثَّله بقوله تعالى: { أية : ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً } تفسير : [النحل: 30] وبقية أسماء الإشارة مثل اسم (ذا) عند الكوفيين، وأما البصريون فقصروا هذا الاستعمال على (ذا) وليس مرادهم أن ذا مع الاستفهام يصير اسم موصول فإنه يكثر في الكلام أن يقع بعده اسم موصول، كما في هذه الآية، ولا معنى لوقوع اسمى موصول صلتهما واحدة، ولكنهم أرادوا أنه يفيد مُفاد اسم الموصول، فيكون ما بعده من فِعل أو وصف في معنى صلة الموصول، وإنما دوَّنوا ذلك لأنهم تناسوا ما في استعمال ذا في الاستفهام من المجاز، فكان تدوينها قليل الجدوى. والوجه أن (ذا) في الاستفهام لا يخرج عن كونه للإشارة وإنما هي إشارة مجازية، والفعل الذي يجيء بعده يكون في موضع الحال، فوزان قوله تعالى: { أية : ماذا أنزل ربكم } تفسير : [النحل: 24] وزان قول يزيد بن ربيعة بن مفرغ يخاطب بغلته: شعر : نَجَوْتِ وهٰذَا تَحْمِلِينَ طَلِيق تفسير : والإقراض: فعل القرض. والقرض: السلف، وهو بذل شيء ليرد مثله أو مساويه، واستعمل هنا مجازاً في البذل الذي يرجى الجزاء عليه تأكيداً في تحقيق حصول التعويض والجزاء. ووصف القرض بالحسن لأنه لا يرضَى الله به إلاَّ إذا كان مبرَّأً عن شوائب الرياء والأذى، كما قال النابغة: شعر : ليست بذات عقارب تفسير : وقيل: القرض هنا على حقيقته وهو السلف، ولعله علق باسم الجلالة لأن الذي يُقرض الناس طمعاً في الثواب كأنه أقرض الله تعالى؛ لأن القرض من الإحسان الذي أمر الله به وفي معنى هذا ما جاء في الحديث القدسي « حديث : أن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه » تفسير : الحديث. وقد رووا أن ثواب الصدقة عشْر أمْثالها وثواب القرض ثمانية عشر من أمثاله. وقرأ الجمهور «فيضاعفُه» بألف بعد الضاد، وقرأه ابن كثير، وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بدون ألف بعد الضاد وبتشديد العين. ورُفع «فيضاعفُه» في قراءة الجمهور، على العطف على {يقرض}، ليدخل في حيز التحضيض معاقباً للإِقراض في الحصول، وقرأه ابن عامر وعاصم ويعقوب بنصب الفاء على جواب التحضيض، والمعنى على كلتا القراءتين واحد. وقوله: {والله يقبض ويبصط} أصل القبض الشد والتماسك، وأصل البسط: ضد القبض وهو الإطلاق والإرسال، وقد تفرعت عن هذا المعنى معان: منها القبض بمعنى الأخذ { أية : فَرِهانٌ مقبوضة } تفسير : [البقرة: 283] وبمعنى الشح { أية : ويقبضون أيديَهم } تفسير : [التوبة: 67] ومنها البَسط بمعنى البذل { أية : الله يبسط الرزق لمن يشاء } تفسير : [الرعد: 26] وبمعنى السخاء { أية : بل يداه مبسوطتان } تفسير : [المائدة: 64] ومن أسمائه تعالى القابض الباسط بمعنى المانع المعطي. وقرأ الجمهور: (ويبسط) بالسين، وقرأه نافع والبزي عن ابن كثير وأبو بكر عن عاصم والكسائي وأبو جعفر وزوج عن يعقوب بالصاد وهو لغة. يحتمل أن المراد هنا: يقبض العطايا والصدقات ويبسط الجزاء والثواب، ويحتمل أن المراد يقبض نفوساً عن الخير ويبسط نفوساً للخير، وفيه تعريض بالوعد بالتوسعة على المنفق في سبيل الله، والتقتير على البخيل. وفي الحديث « حديث : اللهم أعط منفقاً خلفا وممسكاً تلفاً » تفسير : وفي ابن عطية عن الحلواني عن قالون عن نافع «أنه لا يبالي كيف قرأ يبسط وبسطه بالسين أو بالصاد» أي لأنهما لغتان مثل الصراط والسراط، والأصل هو السين، ولكنها قلبت صاداً في بصطه ويبصط لوجود الطاء بعدها، ومخرجها بعيد عن مخرج السين؛ لأن الانتقال من السين إلى الطاء ثقيل بخلاف الصاد. وقوله: {وإليه ترجعون} خبر مستعمل في التنبيه والتذكير بأن ما أعد لهم في الآخرة من الجزاء على الإنفاق في سبيل الله أعظم مما وعدوا به من الخير في الدنيا، وفيه تعريض بأن الممسك البخيل عن الإنفاق في سبيل الله محروم من خير كثير. حديث : روي أنه لما نزلت الآية جاء أبو الدحداح إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: "أو أنّ الله يريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال: أرني يدك" فناوله يده فقال: "فإني أقرضت الله حائطاً فيه ستمائة نخلة" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كم من عذق رَدَاح ودار فَسَاح في الجنة لأبي الدحداح".

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: { مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَة}. لم يبين هنا قدر هذه الأضعاف الكثيرة، ولكنه بين في موضع آخر أنها تبلغ سبعمائة ضعف وتزيد عن ذلك. وذلك في قوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة: 261].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 245- والجهاد فى سبيل الله يحتاج إلى المال فقدموا أموالكم، فأى امرئ لا يبذل أمواله لله طيبة بها نفسه وقد وعده الله أن يردها عليه مضاعفة أضعافاً كثيرة؟ والرزق بيد الله فيضيق على مَن يشاء ويوسع لمن يشاء لما فيه مصلحتكم، وإليه مصيركم فيجازيكم على ما بذلتم، ومع أن الرزق من فضل الله وعنايته وأنه هو الذى يعطى ويمنع، سمى المنفق مقرضاً للحث على الإنفاق والتحبيب فيه، وتأكيد الجزاء المضاعف فى الدنيا والآخرة. 246- تنبه إلى النبأ العجيب عن جماعة من بنى إسرائيل بعد عهد موسى طلبوا من نبيهم فى ذلك الوقت أن يجعل عليهم حاكماً يجمع شملهم بعد تفرق ويقودهم تحت لوائه إعلاء لكمة الله واسترداداً لعزتهم، سألهم ليستوثق من جدهم فى الأمر: ألن تجبنوا عن القتال إذا فرض عليكم؟.. فأنكروا أن يقع ذلك منهم قائلين: وكيف لا نقاتل لاسترداد حقوقنا وقد طردنا العدو من أوطاننا؟.. فلما أجاب الله رغبتهم وفرض عليهم القتال أحجموا إلا جماعة قليلة منهم، وكان إحجامهم ظلماً لأنفسهم ونبيهم ودينهم، والله يعلم ذلك منهم وسيجزيهم جزاء الظالمين. 247- وقال لهم نبيهم: إن الله استجاب لكم فاختار طالوت حاكماً عليكم. فاعترض كبراؤهم على اختيار الله قائلين: كيف يكون ملكاً علينا ونحن أولى منه، لأنه ليس بذى نسب ولا مال، فرد عليهم نبيهم قائلا: إن الله اختاره حاكماً عليكم لتوافر صفات القيادة فيه، وهى سعة الخبرة بشئون الحرب، وسياسة الحكم مع قوة الجسم؛ والسلطان بيد الله يعطيه من يشاء من عباده ولا يعتمد على وراثة أو مال، وفضل الله وعلمه شامل، يختار ما فيه مصالحكم.

القطان

تفسير : بما ان الجهاد يحتاج الى المال، وقد أمر سبحانه في الآية السابقة بالجهاد ـ فقد حث هنا على بذل المال فيما يُعين عليه. والله تعالى يقول: ان المال الذي ينفَق في سبيل الله لا يذهب سدى، بل هو دَين عند الله، يضمنه ويضاعفه أضعافاً كثيرة، في الدنيا مالاً وبركة وسعادة، وفي الآخرة نعيماً مقيماً في جنات الخلد. {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} هو الذي يعطي ويمنع، يضيّق على من يشاء من عباده في الرزق، ويوسعه على آخرين. لذلك لا تبخلوا في الانفاق في سبيله بما وسّع عليكم، واعلموا ان المنفِق في هذا السبيل انما يدافع عن نفسه، ويحفظ حقوقها. والاسلام دين التكافل الاجتماعي بحق، وهو ما عبرت عنه الآية الكريمة بقوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} والحديث الشريف "حديث : مَثَل المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"تفسير : الى غير ذلك من الآيات والأحاديث. { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وعندها يوفي الله كل انسان بحسب ما قدم من خير أو شر. القراءات: قرأ نافع والكسائي والبزي وأبو بكر "يبصط" بالصاد، ومثلَ ذلك في سورة الأعراف في {وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَسْطَةً}.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَيُضَاعِفَهُ} {يَبْسُطُ} (245) - يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ عَلَى الإِنْفاقِ فِي سَبيلِ اللهِ، وَجَعَلَ ما يُنْفِقُهُ العَبْدُ لإِعْلاَءِ كَلِمَةِ اللهِ قَرْضاً يَرُدُّهُ اللهُ إلى أصْحَابِهِ أضْعَافاً مُضَاعَفَةً، وَاللهُ هُوَ الذِي يَقْبِضُ الرِّزْقَ وَيُضَيِّقُهُ عَلَى بَعْضِ عِبَادِهِ، لِحِكْمَةٍ لاَ يَعْلَمُها إلاَّ هُوَ، وَهُوَ الذِي يَبْسُطُ الرِّزْقَ وَيُوسعِهُ عَلى بَعْضِهِم الآخرِ وَفْقَ حِكْمَتِهِ، فَلَيسَ لِلْعِبَادِ أنْ يَخْشَوا إذَا أنْفَقُوا الفَاقَةَ. وَيَرْجِعُ الخَلْقُ إلى اللهِ فِي الآخِرَةِ فَيُجَازِيهِمْ عَلَى مَا بَذَلُوا مِنْ مَالٍ وَنَفْسٍ فِي سَبيلِ إعْلاءِ كَلِمَةِ اللهِ. قَبَضَ الرِّزْقَ - ضَيَّقَهُ وَقَتَرهُ. بَسَطَ الرِّزْقَ - وَسَّعَهُ وَأفَاضَهُ. قَرْضاً حَسَناً - احْتِسَاباً بِهِ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ساعة تسمع {يُقْرِضُ ٱللَّهَ} [البقرة: 245] فذلك أمر عظيم؛ لأنك عندما تقرض إنساناً فكأنك تقرض الله، ولكن المسألة لا تكون واضحة، لماذا؟ لأن ذلك الإنسان سيستفيد استفادة مباشرة، لكن عندما تنفق في سبيل الله فليس هناك إنسان بعينه تعطيه، وإنما أنت تعطي المعنى العام في قضية التدين، وتعاملك فيها يكون مع الله. كأنك تقرض الله حين تنفق من مالك لتعد نفسك للحرب. والحق سبحانه وتعالى يريد أن ينبهنا بكلمة القرض على أنه يطلب منا عملية ليست سهلة على النفس البشرية، وهو سبحانه يعلم بما طبع عليه النفوس. والقرض في اللغة معناه قضم الشيء بالناب، وهو سبحانه وتعالى يعلم أن عملية الإقراض هي مسألة صعبة، وحتى يبين للناس أنه يعلم صعوبتها جاء بقوله: "يقرض"، إنه المقدر لصعوبتها، ويقدر الجزاء على قدر الصعوبة. {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} [البقرة: 245]. وما هو القرض الحسن؟ وهل إذا أقرضت عبداً من عباد الله لا يكون القرض حسناً؟ أولاً إذا أقرضت عبداً من عباد الله فكأنك أقرضت الله، صحيح أنت تعطي الإنسان ما ييسر له الفرج في موقف متأزم، وصحيح أيضاً أنك في عملية الجهاد لا تعطي إنساناً بعينه وإنما تعطي الله مباشرة، وهو سبحانه يبلغنا: أن من يقرض عبادي فكأنه أقرضني. كيف؟ لأن الله هو الذي استدعى كل عبد له للوجود، فإذا احتاج العبد فإن حاجته مطلوبة لرزقه في الدنيا، فإذا أعطى العبد لأخيه المحتاج فكأنه يقرض الله المتكفل برزق ذلك المحتاج. وقوله تعالى: {يُقْرِضُ ٱللَّهَ} [البقرة: 245] تدلنا على أن القرض لا يضيع؛ لأن القرض شيء تخرجه من مالك على أمل أن تستعيده، وهو سبحانه وتعالى يطمئنك على أنه هو الذي سيقترض منك، وأنه سيرد ما اقترضه، لكن ليس في صورة ما قدمت وإنما في صورة مستثمرة أضعافاً مضاعفة، إن الأصل محفوظ ومستثمر، ولذلك يقول: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة: 245]، إنها أضعاف كثيرة بمقاييس الله عز وجل لا بمقاييسنا كبشر. والتعبير بالقرض الحسن هنا يدلنا على أن مصدر المال الذي تقرض منه لابد أن يكون من حلال، ولذلك قيل للمرأة التي تتصدق من مال الزنا: "ليتها لم تزن ولم تتصدق". وقيل: إن القرض ثوابه أعظم من الصدقة، مع أن الصدقة يجود فيها الإنسان بالشيء كله، في حين أن القرض هو دين يسترجعه صاحبه، لأن الألم في إخراج الصدقة يكون لمرة واحدة، فأنت تخرجها وتفقد الأمل فيها، لكن القرض تتعلق نفسك به، فكلما صبرت مرة أتتك حسنة، كما أن المتصدق عليه قد يكون غير محتاج، ولكن المقترض لا يكون إلا محتاجاً. والقرض من المال الذي لديك يجعل المال يتناقص، لذلك فالله يعطيك أضعافاً مضاعفة نتيجة هذا القرض، وذلك مناسب تماماً لقوله تعالى: {يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} [البقرة: 245] التي جاء بها في قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 245] أي ساعة تذهب إليه ويأخذ كل منا حقه بالحساب أي أن المال الذي تقرض منه ينقص في ظاهر الأمر ولكن الله - سبحانه - يزيده ويبسطه أضعافاً مضاعفة وفي الآخرة يكون الجزاء جزيلاً. ثم ينتقل الله عز وجل إلى قضية أخرى يستهلها بقوله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ} [البقرة: 245] تأكيداً للخبر الذي سيأتي بعدها على أنه أمر واقع وقوع الشيء المرئي، يقول سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 307- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن زيد بن أسلم، قال: لمّا نزلت: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً}: [الآية: 245]، قال: حديث : جاءَ [ابن الدحداح] إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله، ألا أرى رَبَّنا يَسْتَقْرِضْنَا [مما] أعْطانا لأنْفُسنا، وإنَّ لي أرْضَيْنِ إحْداهُمَا بالْعالِية، والأُخرى بالسافِلَة، وإني قد جَعَلْتُ خَيْرَهُمَا صَدَقةً، قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "كم من عذق مدلل لانب الدحداح في الجَنَّةِ ".