Verse. 251 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَقَاتِلُوْا فِيْ سَبِيْلِ اللہِ وَاعْلَمُوْۗا اَنَّ اللہَ سَمِيْعٌ عَلِيْمٌ۝۲۴۴
Waqatiloo fee sabeeli Allahi waiAAlamoo anna Allaha sameeAAun AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقاتلوا في سبيل الله» أي لإعلاء دينه «واعلموا أن الله سميع» لأقوالكم «عليم» بأحوالكم فمجازيكم.

244

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه قولان الأول: أن هذا خطاب للذين أحيوا، قال الضحاك: أحياهم ثم أمرهم بأن يذهبوا إلى الجهاد لأنه تعالى إنما أماتهم بسبب أن كرهوا الجهاد. واعلم أن القول لا يتم إلا بإضمار محذوف تقديره: وقيل لهم قاتلوا. والقول الثاني: وهو اختيار جمهور المحققين: أن هذا استئناف خطاب للحاضرين، يتضمن الأمر بالجهاد إلا أنه سبحانه بلطفه ورحمته قدم على الأمر بالقتال ذكر الذين خرجوا من ديارهم لئلا ينكص عن أمر الله بحب الحياة بسبب خوف الموت، وليعلم كل أحد أنه يترك القتال لا يثق بالسلامة من الموت، كما قال في قوله: {أية : قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [الأحزاب: 16] فشجعهم على القتال الذي به وعد إحدى الحسنيين، إما في العاجل الظهور على العدو، أو في الآجل الفوز بالخلود في النعيم، والوصول إلى ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. أما قوله تعالى: {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } فالسبيل هو الطريق، وسميت العبادات سبيلاً إلى الله تعالى من حيث أن الإنسان يسلكها، ويتوصل إلى الله تعالى بها، ومعلوم أن الجهاد تقوية للدين، فكان طاعة، فلا جرم كان المجاهد مقاتلاً في سبيل الله ثم قال: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } أي هو يسمع كلامكم في ترغيب الغير في الجهاد، وفي تنفير الغير عنه، وعليم بما في صدوركم من البواعث والأغراض وأن ذلك الجهاد لغرض الدين أو لعاجل الدنيا.

القرطبي

تفسير : . هذا خطاب لأُمة محمد صلى الله عليه وسلم بالقتال في سبيل الله في قول الجمهور. وهو الذي يُنْوَى به أن تكون كلمة الله هي العليا. وسُبُل الله كثيرة فهي عامة في كل سبيل؛ قال الله تعالى: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ} تفسير : [يوسف: 108]. قال مالك: سُبُل الله كثيرة، وما من سبيل إلا يقاتل عليها أو فيها أولها، وأعظمها دين الإسلام، لا خلاف في هذا. وقيل: الخطاب للذين أُحْيُوا من بني إسرائيل؛ روي عن ٱبن عباس والضحاك. والواو على هذا في قوله {وَقَاتِلُواْ} عاطفة على الأمر المتقدّم، وفي الكلام متروك تقديره: وقال لهم قاتلوا. وعلى القول الأوّل عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدّم، ولا حاجة إلى إضمار في الكلام. قال النحاس: «وقَاتِلُوا» أمر من الله تعالى للمؤمنين ألاّ تهربوا كما هرب هؤلاء. {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي يسمع قولكم إن قلتم مثل ما قال هؤلاء ويعلم مرادكم به. وقال الطبري: لا وجه لقول من قال: إن الأمر بالقتال للذين أُحْيُوا. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لما بين أن الفرار من الموت غير مخلص منه وأن المقدر لا محالة واقع، أمرهم بالقتال إذ لو جاء أجلهم في سبيل الله وإِلا فالنصر والثواب. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لما يقوله المتخلف والسابق. {عَلِيمٌ } بما يضمرانه وهو من وراء الجزاء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي لإعلاء دينه {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لأقوالكم {عَلِيمٌ } بأحوالكم فمجازيكم.

ابن عطية

تفسير : الواو في هذه الآية عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدم، هذا قول الجمهور إن هذه الآية هي مخاطبة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بالقتال في سبيل الله، وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا حسب الحديث، وقال ابن عباس والضحاك: الأمر بالقتال هو للذين أحيوا من بني إسرائيل، فالواو على هذا عاطفة على الأمر المتقدم، المعنى وقال لهم قاتلوا، قال الطبري رحمه الله: "ولا وجه لقول من قال إن الأمر بالقتال هو للذين أحيوا"، و {سميع} معناه للأقوال، {عليم} بالنيات. ثم قال تعالى: {من ذا الذي يقرض الله} الآية، فدخل في ذلك المقاتل في سبيل الله فإنه يقرض رجاء الثواب، كما فعل عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة، ويروى أن هذه الآية لما نزلت حديث : قال أبو الدحداح: "يا رسول الله أَوَ إن الله يريد منا القرض؟" قال: "نعم، يا أبا الدحداح"، قال: فإني قد أقرضت الله حائطي": لحائط فيه ستمائة نخلة، ثم جاء الحائط وفيه أم الدحداح، فقال: اخرجي فإني قد أقرضت ربي حائطي هذا، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كم من عذق مذلل لأبي الدحداح في الجنة" . تفسير : قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويقال فيه ابن الدحداحة، واستدعاء القرض في هذه الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه من شبه القرض بالعمل للثواب، والله هو الغني الحميد، لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن في الدنيا ما يرجو ثوابه في الآخرة بالقرض، كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء، وقد ذهبت اليهود في مدة النبي صلى الله عليه وسلم إلى التخليط على المؤمنين بظاهر الاستقراض وقالوا إلهكم محتاج يستقرض، وهذا بين الفساد، وقوله {حسناً} معناه تطيب فيه النية، ويشبه أيضاً أن تكون إشارة إلى كثرته وجودته، واختلف القراء في تشديد العين وتخفيفها ورفع الفاء ونصبها وإسقاط الألف وإثباتها من قوله تعالى: {فيضاعفه} فقرأ ابن كثير "فيضعّفُه" برفع الفاء من غير ألف وتشديد العين في جميع القرآن وقرأ ابن عامر كذلك إلا أنه نصب الفاء في جميع القرآن، ووافقه عاصم على نصب الفاء إلا أنه أثبت الألف في "فيضاعفه" في جميع القرآن، وكان أبو عمرو لا يسقط الألف من ذلك كله إلا من سورة الأحزاب. قوله تعالى: {أية : يضعف لها العذاب} تفسير : [الأحزاب: 30]، فإنه بغير ألف كان يقرأه، وقرأ حمزة والكسائي ونافع ذلك كله بالألف ورفع الفاء. فالرفع في الفاء يتخرج على وجهين: أحدهما العطف على ما في الصلة. وهو يقرض، والآخر أن يستأنف الفعل ويقطعه، قال أبو علي: "والرفع في هذا الفعل أحسن". قال القاضي أبو محمد: لأن النصب إنما هو بالفاء في جواب الاستفهام، وذلك إنما يترتب إذا كان الاستفهام عن نفس الفعل الأول ثم يجيء الثاني مخالفاً له. تقول: أتقرضني فأشكرك، وها هنا إنما الاستفهام عن الذي يقرض لا عن الإقراض، ولكن تحمل قراءة ابن عامر وعاصم في النصب على المعنى، لأنه لم يستفهم عن فاعل الإقراض إلا من أجل الإقراض، فكأن الكلام أيقرض أحد الله فيضاعفه له، ونظير هذا في الحمل على المعنى قراءة من قرأ {أية : من يضلل الله فلا هادي له ونذرهم} تفسير : [الأعراف: 186] بجزم {نذرهم}، لما كان معنى قوله {أية : فلا هادي له} تفسير : [الأعراف: 186] فلا يهد وهذه الأضعاف الكثيرة هي إلى السبعمائة التي رويت ويعطيها مثال السنبلة، وقرأ ابن كثير {يبسط} بالسين، ونافع بالصاد في المشهور عنه، وقال الحلواني عن قالون عن نافع: إنه لا يبالي كيف قرأ بسطة ويبسط بالسين أو بالصاد، وروى أبو قرة عن نافع {يبسط} بالسين، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه أن يسعر بسبب غلاء خيف على المدينة، فقال: "إن الله هو الباسط القابض، وإني لأرجوا أن ألقى الله ولا يتبعني أحد بمظلمة في نفس ولا مال".

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وقاتلوا في سبيل الله} قيل هو خطاب للذين أحيوا أحياهم الله ثم أمرهم بالجهاد فعلى هذا القول فيه إضمار تقديره وقيل لهم قاتلوا في سبيل الله وقيل هو خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ومعناه لا تهربوا من الموت كما هرب هؤلاء فلم ينفعهم ذلك ففيه تحريض للمؤمنين على الجهاد {واعلموا أن الله سميع} يعني لما يقوله المتعلل عن القتال {عليم} بما يضمره. قوله عز وجل: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} القرض اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه فسمى الله تعالى عمل المؤمنين له قرضاً على رجاء ما وعدهم به من الثواب لأنهم يعلمون لطلب الثواب، وقيل: القرض من ما أسلفت من عمل صالح أو شيء قال أمية بن أبي الصلت: شعر : كل امرئ سوف يجزى قرضه حسناً أو سيئاً أو مديناً كالذي دانا تفسير : وأصل القرض في اللغة القطع سمي به لأن المقرض يقطع من ماله شيئاً فيعطيه ليرجع إليه مثله ومعنى الآية من ذا الذي يقدم لنفسه إلى الله ما يرجو ثوابه عنده وهذا تلطف من الله تعالى في استدعاء عباده إلى أعمال البر والطاعة وقيل في الآية اختصار تقديره من ذا الذي يقرض عباد الله والمحتاجين من خلقه فهو كقوله: {أية : إن الذين يؤذون الله} تفسير : [الأَحزاب: 57] أي يؤذون عباد الله، وكما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟" تفسير : الحديث، واختلفوا في المراد بهذا القرض، فقيل هو الإنفاق في سبيل الله، وقيل هو الصدقة الواجبة قيل صدقة التطوع لأن الله تعالى سماه قرضاً والقرض لا يكون إلاّ تبرعاً ولما روى الطبري بسنده عن ابن مسعود قال: لما نزلت: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} قال أبو الدحداح وأن الله يريد منا القرض؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم نعم يا أبا الدحداح قال: ناولني يدك فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي حائطاً فيه ستمائة نخلة ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه في عيالها فناداها يا أم الدحداح قالت لبيك قال اخرجي من الحائط فإني قد أقرضته لربي، زاد غيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كم من عذق رداح لأبي الدحداح"تفسير : وقيل في معنى يقرض الله أي ينفق في طاعته فيدخل فيه الواجب والتطوع وهو الأقرب حسناً يعني محتسباً طيبة به نفسه. وقيل: هو الإنفاق من المال الحلال في وجوه البر وقيل هو أن لا يمن بالقرض ولا يؤذي وقيل هو الخالص لله تعالى ولا يكون فيه رياء ولا سمعة {فيضاعفه له} يعني ثواب ما أنفق {أضعافاً كثيرة} قيل هو يضاعفه إلى سبعمائة ضعف، وقال السدي هذا التضعيف لا يعلمه إلاّ الله تعالى وهذا هو الأصح وإنما أبهم الله ذلك لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود {والله يقبض ويبسط} قيل يقبض بإمساك الرزق والتقتير على من يشاء ويبسط بمعنى يوسع على من يشاء وقيل يقبض بقبول الصدقة ويبسط بالخلف والثواب وقيل إنه تعالى لما أمرهم بالصدقة وحثهم على الإنفاق أخبر أنه لا يمكنهم ذلك إلاّ بتوفيقه وإرادته وإعانته والمعنى والله يقبض بعض القلوب حتى لا تقدر على الإنفاق في الطاعة وعمل الخير ويبسط بعض القلوب حتى تقدر على فعل الطاعات والإنفاق في البر. كما روي عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء" تفسير : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم مصرف القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك" تفسير : أخرجه مسلم. وهذا الحديث من أحاديث الصفات التي يجب الإيمان بها والسكوت عنها وإمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا إثبات جارحة، هذا مذهب أهل السنة وسلف هذه الأمة {وإليه ترجعون} يعني في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...}. المقاتلة تكون للجهاد بالذات لتكون كلمة الله هي العليا أو باللزوم كمن يقاتل ليذبّ عن حريمه، فإنّه يستلزم الجهاد. معناها ليكن اعتقادهم ونيتكم بالقتال (سبيل الله). قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. قال ابن عرفة: وجه مناسبة الصفتين أن من قعد ولم يخرج للقتال لا بد أن يتكلم في المؤمنين ويتحدث في أمره فالله سميع له عليم. (قتال) من قاتل، ففيه وعد ووعيد.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا} هذه الجملة فيها أقوالٌ: أحدها: أنه عطفٌ على قوله: "مُوتُوا" وهو أمرٌ لِمَنْ أَحياهُم اللهُ بعد الإِماتةِ بالجهاد، [أي] فقال لهم: مُوتوا وقاتِلوا، رُوي ذلك عن ابن عبَّاسٍ، والضَّحاك. قال الطَّبريِّ: "ولا وجهَ لهذا القَوْلِ". والثاني: [أنها معطوفةٌ على قوله: "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ" وما بينهما اعتراضٌ. والثالث]: أَنَّها معطوفةٌ على محذوفٍ تقديره: "فَأَطِيعُوا وَقَاتلوا، أو فلا تَحْذَروا الموتَ كما حَذِرَهُ الذين مِنْ قَبْلكُم، فلم يَنْفَعهم الحذرُ، قاله أبو البقاء. والظَّاهر أنَّ هذا أمرٌ لهذه الأمةِ بالجهاد، بعد ذكره قوماً لم ينفعهم الحذرُ من المَوتِ، فهو تشجيعٌ لهم، فيكونُ من عطفِ الجملِ؛ فلا يُشْتَرَطُ التوافقُ في أمرٍ ولا غيره. قوله: {فِي سَبِيلِ اللهِ} فالسَّبيلُ: هو الطَّريق، وسمِّيتُ العباداتُ سبيلاً إلى اللهِ مِن حيثُ إِنَّ الإنسان بسلوكها يتوصَّلُ إلى ثوابِ اللهِ. قال القرطبي: وهذا قول الجمهور: وهو الَّذِي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العُليا، وسُبُلُ الله كثيرةٌ، فهي عامَّةٌ فِي كُلِّ سبيل. قال تعالى: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ}تفسير : [يوسف:108] قال مالكٌ: سبل الله كثيرة، وما مِنْ سبيلٍ إِلاَّ يقاتل عليها أو فيها أو لها، وأعظمها دينُ الإسلامِ، فلا جرم كان المُجاهِدُ مُقاتِلاً في سبيلِ اللهِ. ثُمَّ قال: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أَي: يسمعُ كلامكم في ترغيب الغير في الجهاد، أو في ترعيب الغيرِ عنه، و "عليمٌ" بما في ضمائركُم من البواعثِ، والأَعراضِ: أَنَّ ذلك الجهاد لغرض الدِّينِ، أو لغرض الدُّنيَا.

ابو السعود

تفسير : {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} عطفٌ على مقدر يعيِّنه ما قبله كأنه قيل: فاشكروا فضلَه بالاعتبار بما قص عليكم وقاتلوا في سبـيله لما علمتم أن الفِرارَ لا يُنْجي من الحِمام وأن المقدرَ لا مردَّ له، فإن كان قد حان الأجلُ فموتٌ في سبـيل الله عز وجل وإلا فنصرٌ عزيزٌ وثواب {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} يسمع مَقالة السابقين والمتخلّفين {عَلِيمٌ} بما يُضمِرونه في أنفسهم وهو من وراء الجزاء خيراً أو شراً فسارعوا إلى الامتثال واحذروا المخالفة والمساهلة. {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ} من استفهامية مرفوعةُ المحلِّ بالابتداء وذا خبرُه، والموصولُ صفة له أو بدل منه، وإقراضُ الله تعالى مَثَلٌ لتقديم العمل العاجل طلباً للثواب الآجل، والمراد هٰهنا إما الجهادُ الذي هو عبارةٌ عن بذل النفسِ والمالِ في سبـيل الله عز وجل ابتغاءً لمرضاته وإما مطلقُ العملِ الصالحِ المنتظم له انتظاماً أولياً {قَرْضًا حَسَنًا} أي إقراضاً مقروناً بالإخلاص وطيبِ النفسِ أو مقرضاً حلالاً طيباً {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} بالنصب على جواب الاستفهام حملاً على المعنى فإنه في معنى أَيُقرِضُه وقرىء بالرفع أي يضاعفُ أجرَه وجزاءَه، جعل ذلك مضاعفةً له بناءً على ما بـينهما من المناسبة بالسببـية والمسبَّـية ظاهراً، وصيغةُ المفاعلة للمبالغة وقرىء فيُضْعِفُه بالرفع بالنصب {أَضْعَافًا} جمعُ ضِعف، ونصبُه على أنه حال من الضمير المنصوب أو مفعولٌ بأن يُضمَّنَ المضاعفةُ معنى التصيـير، أو مصدرٌ مؤكد على أن الضِعْفَ اسم للمصدر والجمع للتنوين {كَثِيرَةٍ} لا يعلم قدرَها إلا الله تعالى وقيل: الواحد بسبعمائة {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} أي يقتّر على بعض ويوسّع على بعض أو يقتِّر تارةً ويوسّع أخرى حسبما تقتضيه مشيئتُه المبنيةُ على الحِكَم والمصالح فلا تبخلوا عليه بما وسَّع عليكم كي لا يبدِّل أحوالَكم. ولعل تأخيرَ البسط عن القبض في الذكر للإيماء إلى أنه يعقُبه في الوجود تسليةً للفقراء وقرىء يبصُط بالصاد لمجاورة الطاء {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فيجازِيكم على ما قدّمتم من الأعمال خيراً وشراً.

القشيري

تفسير : يعني إنْ مَسَّكم ألمٌ فتصاعد منكم أنين فاعلموا أن الله سميع لأنينكم، عليم بأحوالكم، بصير بأموركم. والآية توجِبُ تسهيل ما يقاسونه من الألم، وقالوا: شعر : إذا ما تمنى الناسُ روحا وراحةً تمنيت أن أشكو إليك فتسمع

اسماعيل حقي

تفسير : {وقاتلوا} الخطاب لهذه الامة وهو معطوف على مقدر تقديره فاطيعوا وقاتلوا {فى سبيل الله} لاعلاء دينه متيقنين ان الفرار من الموت غير مخلص وان القدر واقع فلا تحرموا من احد الحظين اما النصر والثواب واما الموت فى سبيل الله الملك الوهاب {واعلموا ان الله سميع} يسمع مقالة السابقين الى الجهاد من ترغيب الغير فيه ومقالة المتخلفين عنه من تنفير الغير {عليم} بما يضمرونه فى انفسهم يعلم ان خلف المتخلف لأى غرض وان جهاد المجاهد لأى سبب وانه لاجل الدين او الدنيا وهو من وراء الجزاء ثم ان قوله تعالى {أية : ألم تروا} تفسير : [لقمان: 20]. رد لتقبيح حال هؤلاء الذين خرجوا وقد جعل الله جزاء خروجهم الموت والخيبة فى رجائهم الخلاص وكل ذلك يدل على كراهية الفرار فثبت بهذه الآية فضيلة القرار وفائدته وفى الحديث "حديث : الفار من الطاعون كالفار من الزحف" تفسير : وهذا الحديث يدل على ان النهى عن الخروج للتحريم وانه من الكبائر. قيل ان عبد الملك هرب من الطاعون فركب ليلا واخرج غلاما معه فكان ينام على دابته فقال للغلام حدثنى فقال من انا حتى احدثك فقال على كل حال حدث حديثا سمعته فقال بلغنى ان ثعلبا كان يخدم اسدا ليحميه ويمنعه مما يريده فكان يحميه فرأى الثعلب عقابا فلجأ الى الاسد فاقعده على ظهره فانقض العقاب واختلسه فصاح الثعلب يا ابا الحارث اغثنى واذكر عهدك لى فقال انما اقدر على منعك من اهل الارض فاما اهل السماء فلا سبيل اليهم فقال عبد الملك وعظتنى واحسنت وانصرف ورضى بالقضاء قال السعدى قدس سره شعر : قضا كشتى آنجا كه خواهد برد وكر ناخدا جامه برثن درد در آبى كه بيدا نباشد كنار غرور شناور نيايد بكار تفسير : واعلم ان ما كان من القضاء حتما مقضيا لا ينفعه شىء كما قال عليه السلام "حديث : الحذر لا ينفع من القدرbr>". تفسير : واما المعلق فتنفعه الصدقة وامثالها كما قال عليه السلام "حديث : الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان فى الاعمارbr>". تفسير : قال بعض المحققين ان المقدرات على ضربين ضرب يختص بالكليات وضرب يختص بالجزئيات التفصيلية فالكليات المختصة بالانسان ما اخبر النبى عليه الصلاة والسلام انها محصورة فى اربعة اشياء العمر والرزق والاجل والسعادة او الشقاوة وهى لا تقبل التغير فالدعاء فيها لا يفيد كصلة الرحم الا بطريق الفرض بمعنى ان لصلة الرحم مثلا من الاثر فى الخير ما لو امكن ان يبسط فى رزق الواصل ويؤخر فى اجله بها لكان ذلك ويجوز فرض المحال اذا تعلق بذلك حكمة قال تعالى {أية : قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} تفسير : [الزخرف: 81]. واما الجزئيات ولوازمها التفصيلية فقد يكون ظهور بعضها وحصوله للانسان متوقفا على اسباب وشروط ربما كان الدعاء او الكسب والسعى والتعمد من جملتها بمعنى انه لم يقدر حصوله بدون ذلك الشرط ـ حكى ـ ان قصارا مر على عيسى عليه السلام مع جماعة من الحواريين فقال لهم عيسى احضروا جنازة هذا الرجل وقت الظهر فلم يمت فنزل جبريل فقال ألم تخبرنى بموت هذا القصار فقال نعم ولكن تصدق بعد ذلك بثلاثة ارغفة فنجا من الموت وقد سبق منا فى الجزء الاول عند قوله تعالى {أية : فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون تفسير : [البقرة: 59]. ما يتعلق بالطاعون والفرار منه فليرجع اليه. قال الامام القشيرى فى قوله تعالى {وقاتلوا فى سبيل الله} الآية يعنى ان مسكم ألم فتصاعد منكم أنين فاعلموا ان الله سميع بأنينكم عليم باحوالكم والآية توجب عليهم تسهيل ما يقاسونه من الالم قال قائلهم شعر : اذا ما تمنى الناس روحا وراحة تمنيت ان اشكوا اليك وتسمع تفسير : انتهى كلامه قدس سره اللهم اجعلنا من الذين يفرون الى جنابك ويميلون.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقاتلوا} الكفار {في سبيل الله} وإعلاء كلمة الله حتى يكون الدين كله لله، {واعلموا أن الله سميع} لأقوالكم ودعائكم {عليم} بنياتكم وإخلاصكم؛ فيجازي المخلصين، ويحرم المخلطين. الإشارة: وجاهدوا نفوسكم في طريق الوصول إلى الله، وأديموا السير إلى حضرة الله، فحضرة القدوس محرمة على أهل النفوس. قال الششتري: شعر : إِنْ تُردْ وَصْلَنَا فموتُكَ شَرطٌ لاَ ينالُ الوِصَالَ مَنْ فِيه فَضْلَه تفسير : ومجاهدة النفس هو تحميلها ما يثقل عليها، وبُعدها مما يخف عليها، حتى لا يثقل عليها شيء، ولا تشره إلى شيء، بل يكون هواها ما يقضيه عليها مولاها. قيل لبعضهم، [ما تشتهي؟ قال: ما يقضي الله]. واعلموا أيها السائرون أن الله سميع لأذكاركم، عليهم بإخلاصكم ومقاصدكم. ولما كان الجهاد يحتاج إلى مؤنة التجهيز، وليس كل الناس يقدر على ذلك، رَغَّبَ الحق تعالى الأقوياء بالإنفاق على الفقراء.

الطوسي

تفسير : المعنى: قيل فيمن يتوجه إليه هذا الخطاب قولان: أحدهما - أنه متوجه الى الصحابة بعد ما ذكرهم بحال من فرّ من الموت، فلم ينفعه الفرار، حضهم على الجهاد، لئلاّ يسلكوا سبيلهم في الفرار من الجهاد، كما فرّ أولئك من الديار. الثاني - الخطاب للذين جرى ذكرهم على تقدير، وقيل لهم: قاتلوا في سبيل الله. والقول الأول أظهر، لأن الكلام على وجهه، لا محذوف فيه. وقوله: {واعلموا أن الله سميع عليم} معناه ها هنا: أنه {سميع} لما يقوله المنافق {عليم} بما يحبه المنافق، فاحذروا حاله. وقيل: {سميع} لما يقوله المتعلل {عليم} بما يضمر، فاياكم والتعلل بالباطل. وقيل: {سميع} لقولكم إن قلتم كقول من قبلكم {عليم} بضمائركم. وسبيل الله الذي أمر بالقتال فيها: قتل في دين الله، لاعزازه، والنصر له، وقتل في طاعة الله، وقتل في جهاد أعداء المؤمنين. اللغة: والقتل: نقض البنية التي تحتاج إليها الحياة. والقتال: هو تعرض كل واحد منهما للقتل. والفرق بين سميع وسامع: أن سامعاً يقتضي وجوه السمع، وسميع لا يدل عليه، وإنما معناه: أنه من كان على صفة لأجلها يسمع المسموعات اذا وجدت ولذلك يوصف تعالى فيما لم يزل بأنه سميع، ولا يوصف بأنه سامع إلا بعد وجود المسموعات.

الجنابذي

تفسير : {وَقَاتِلُواْ} عطف على مقدّرٍ مستفادٍ ممّا سبق كأنّه قال: فلا تحذروا الموت وكلوا أمركم الى القدر فانّه لا ينجى الحذر من القدر وقاتلوا {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قد مضى بيان سبيل الله وانّ الظّرف لغو او مستقرّ والظرفيّة حقيقيّة او مجازيّة وانّ المعنى قاتلوا حال كونكم فى سبيل الله او فى حفظ سبيل الله واعلانه وانّ سبيل الله الحقيقىّ هو الولاية وطريق القلب وكلّ عملٍ يكون معيناً على ذلك او صادراً منه فهو سبيل الله {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لما يقوله المجاهدون والقاعدون والمثبّطون والمرغبّون {عَلِيمٌ} بالمتخلّف ونيّته والمجاهد ومراده؛ ترغيب وتهديد ووعد ووعيد.

الهواري

تفسير : قوله: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي يعلم ما تنوون وما تفعلون. قوله: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً} أي حلالاً. وقال بعضهم: محتسباً. {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً}. قال الحسن: هذا في التطوع. لما نزلت هذه الآية قالت اليهود: هذا ربكم يستقرضكم، وإنما يستقرض الفقير، فهو فقير ونحن أغنياء. فأنزل الله: (أية : لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) تفسير : [آل عمران:181]. وكان المشركون يخلطون أموالهم بالحرام، حتى جاء الإِسلام، فنزلت هذه الآية، وأمروا أن يتصدقوا من الحلال. ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا يقبل الله صلاة بغير طُهور، ولا صدقة من غُلول . تفسير : قوله: {وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} أي يقبض عمن يشاء ويبسط الرزق لمن يشاء. وهو كقوله: (أية : اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ) تفسير : [العنكبوت:62] أي: وينظر للمؤمن فيكف عنه. قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يعني البعث.

اطفيش

تفسير : {وقَاتِلُوا فى سبيل الله}: لإعلاء دينه أيها المؤمنين ولا تجبنوا عن القتال، كما جبنت عنه بنو إسرائيل، لأنه إما أن تموتوا فى القتال لآجالكم شهداء، أو تنصرونه وتثابوا، وذلك قول الجمهور وقال الضحاك عن ابن عباس: الخطاب للذين خرجوا لما أحياهم الله من الموت، أمرهم ثانيا بالقتال، وذلك على تقدير القول، أى وقال لهم بعد ذلك: قاتلوا فى سبيل الله، أو وقيل لهم بعد ذلك: قاتلوا فى سبيل الله، أو فقال قاتلوا: أو ثم قال: قاتلوا، أو فقيل: أو ثم قيل، وضعف الطبرى هذا القول، حتى قال: لا وجه له، ولبس كذلك، ولكن قول الجمهور أولى. {واعْلَمُوا أنَّ اللّهَ سَمِيعٌ}: أى عليم بما يقوله من لا يحب القتال، أو يجبن عنه فى اعتلاله، وبما يقول من له عذر صحيح، وبمن يمضى إلى القتال. {عَليمٌ}: بما يضمره فى قلبه من ذكرناه وبأحواله فيثيب المحسن ويعاقب من لا عذر له، ويعذر من له عذر صحيح. {منْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسناً}: بإنفاق مال حلال فى سبيل الله بطيب قلب، وإخلاص، وقيل حسنة كثرته، وقيل خلاصه من المن والأذى، شبه تقديم المال فى سبيل الله، أو بدنه فى الدنيا ليثيبه فى الأخرى بإعطاء المال لأحد، فيرد له مثله ووجه الشبه الردو أو تفاوت بالمضاعفة وغيرها، والقرض: القطع ومن سلف غير، فقد قطع له من ماله، والمراد بالقرض فى سبيل الله إعطاء المال الواجب وغير الواجب، أو استعمال البدن فى أمر الطاعة الجهاد أو غيره، وتسمى الطاعة سبيل الله لأنها توصل إلى ثوابه ورضاه، وذلك ما ظهر لى من التفسير بالعموم وقيل: المراد إنفاق المال فى الجهاد من قدر على الجهاد، ينفق على نفسه ودابته فيه، ومن لم يقدر عليه أنفق على الفقير القادر على الجهاد، وقيل المراد الإنفاق الواجب فى الطاعة مطلقا كالزكاة والضيافة وإنفاق المال فى الجهاد إذا تعين. وقيل: المراد الإنفاق فى التطوع، ويدل له ما رواه ابن عباس: حديث : أن الآية نزلت فى أبى الدحداح، قال: يا رسول الله إن لى حديقتين فإن تصدقت بإحداهما فهل لى مثلاها فى الجنة؟ قال "نعم" قال: وأم الدحداح معى؟ قال: "نعم"، وقال: والصبية معى، قال: "نعم" فتصدق بأفضل حديقتيه تفسير : ، وكانت تسمى الحنينية، فرجع أبو أبو الدحداح إلى أهله وكانت فى الحديقة التى تصدق بها، فقام على باب الحديقة وذكر ذلك لامرأته، فقالت أم الدحداح: بارك الله لك فيما اشتريت، ثم خرجوا منها وسلموها، فكان صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : كم من نخلة تدلى فى الجنة لأبى الدحداح"تفسير : وروى: "حديث : كم من عذق رداح لأبى الدحداح"تفسير : ، وقيل: سمع أعرابى الآية فقال: أعطانا فضلا وسألنا منهُ فرضا، يرد إلينا أكثر وأوفر منه إنه الكريم. وسمع ذلك أبو الدحداح فقال للنبى صلى الله عليه وسلم: إن لى حديقتين. وأقول العبرة بعموم اللفظ، وفى الحائط ستمائة نخلة، فقيل نزلت الآية، فعمل بها أبو الدحداح، وقيل: عمل ما ذكر، فنزلت فيه كما رأيت وقال بعض. أصحاب ابن مسعود: المراد بالقرض قول الرجل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، والظاهر إنفاق المال، ولفظ القرض يتبادر منه التطوع، ولكن القرض أيضا قرض من حيث إنه تعالى يثيبنا عليه، والإثابة رد كرد المقترض، وقيل المعنى إعطاء العبد على أن يؤدى الله عن العبد فى الأخرى، أى من ذا الذى يقرض عباد الله على أن يرد الله عنهم، فحذف المضاف، كما قال أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة يا بن آدم استطعمتك فلم تطعمنى، قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين، قال: استطعمك عبدى فلان فلا تطعمه، أما أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندى، يا بن آدم استسقيتك فلم تسقنى، قال: كيف أسقيك وأنت رب العالمين، قال استسقاك عبدى فلان فلم تسقه أما أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندى، يا بن آدم مرضت لم تعدنى، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين، "قال: إن عبدى فلانا مرض فلم تعده أما أنك لو عدته لوجدتنى عنده"تفسير : ولما نزلت الآية قالت اليهود لعنهم الله: يستقرضكم ربكم فهو فقير ونحن أغنياء. فنزل:{أية : لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء}،تفسير : ومن ذا مبتدأ اسم استفهام مركب أو خبر، والذى خبر له، أو من مبتدأ وذا خبره، أو بالعكس، والذى نعت ذا أو بدله أو بيانه وقرضاً مفعول مطلق اسم مصدر، أقرض فهو نائب عن الإقراض، ويجوز أن يكون بمعنى مقرضا بفتح الراء، وهو المال المقرض، فيكون مفعولا ثانيا ليقرض، وعلى الوجه الأول يكون المفعول الثانى محذوف أى مالا أو شيئا ما، فالحسن فى الإقراض إخلاصه وكونه من حلال ويطيب وخالص من المن والأذى، قيل وتجويده أو تكثيره مما يحبه المقرض، وقيل المراد كونه من حلال، وقيل خلاصه من المن والأذى، وقيل. كونه من حلال وطيب نفس والأولى ذلك كله إلا التجويد والتكثير فلا يشترطان إلا بحسب ما لا يكون إسرافا إلا أنه من يتعمد إلى ما هان عنده ولا رغبة له فيه أو بقى فينفقه، ويمسك سواه لا يكون منه ذلك قرضاً حسناً. {فَيُضاعِفَهُ لَهُ}: أى يضاعف قرضه، فالهاء للقرض على حذف مضاف، أى ثواب قرضه، وجاء بصيغة المفاعلة، لأنها وضعت لما يفعل فى محاولة الغلبة، وما يفعل فى محاولة المغالبة يكون أقوى، فدلت المضاعفة على إكثار المثل فى ثواب القرض بعشرة أمثاله فصاعداً إلى سبع مائة وأكثر، وضعف الشئ مثلاه فصاعدا، والمراد هنا عشرة فصاعداً، لأن الحسنة بعشر فصاعدا، ثم تذكرت أن بعد ذلك قوله تعالى: {أضْعافاً كَثِيرةً}؛ فهو نص فيما ذكرت، قال السدى: هذه المضاعفة لا يعلم قدرها إلا الله، وقيل الواحد بسبعمائة، وقول السدى أولى، لأن باب الترغيب الإبهام أليق به، وقرأ عاصم: {فيضاعفه} بالنصب هنا وفى الحديد، وقرأ بن كثير وابن عامر: {فيضعفه} ويضعف ومضعفة بالتشديد من غير ألف، حيث وقع، والباقون بالألف والتخفيف حيث وقع، إلا أن ابن عامر بنصب يضعف هنا وغيره، وغير عاصم برفعه، وكذا قرأ يعقوب بالتشديد والنصب، ولست أذكر قراءة نافع، ومن وافقه، لأنها التى أقرأ بها وأجرى عليها، وإتما أنبه على ما خالفها إلا ما شاء الله، ووجه للعطف على يقرض، ووجه النصب العطف على المعنى، عطف مصدر يضاعف على مصدر مقدر من المعنى، كأنه قيل: من الذى يكون منه إقراض الله قرضا حسنا فمضاعفة من الله له، وأضعافاً جمع ضعف وهو حال من هاء يضاعفه، أو مفعول ثان ليضاعف، أى يصيره بالتضعيف أضعافا، فعداه لاثنين لتضمنه معنى التصيير، أو مفعول مطلقا على أنه جمع الضعف الذى هو مصدر، والمصدر ولو كان يصلح للقلة والكثرة والأنواع، لكن إذا أريد النص على الكثرة أو النوعية، جئ به على صيغته، ومضاعفة الثواب تختلف باختلاف المقرض فى قوة الإخلاص واليقين، وباختلاف المال مثلا فى شدة حليته وتجويده وإكثاره باختلاف أنواع الجزاء. {وَاللّهُ يَقْبضُ} الرزق عن من يشاء إلا قليلا ابتلاء له أيصير أم يتعد الحد؟، {ويَبْسطُ}: يوسعه لمن يشاء امتحانا له، أيشكر أم يكفر؟ بحسب ما اقتضته الحكمة من تعليله على ذلك وبسطه بهذا، فلا تبخلوا فيدل بسطكم بقبض، ويرى الصلاح فى القبض، والبعض فى البسط، وقرأ غير نافع والكسائى وللبزى وأبى بكر يبسط بالسين، وقيل عنه بالصاد، وروى النقاش عن الأخفش السين هنا، والصاد فى الأعراف وكلتا اللغتين فى اسم الله، يقال الباسط بالسين وبالصاد، وما فيه رغبة الطبع يجوز إفراده عن مقابله من أسماء الله وما فيه لها صعوبة، يجمع مع ذلك ولا يفرد عنه، فيقال: القابض الباسط، الرافع الخافض، المعز والمذل، أو الباسط الرافع، المعز، ولا يقتصر على ذكر القابض أو الخافض أو المذل. وإليْهِ}: وهو أكرم الأكرمين لا إلى غيره. {تُرْجَعونَ}: بالموت والبعث، فيجازيكم على أعمالكم وصدقتكم، فمن معنى كونه تعالى قابضاً أنه يقبضكم إليه بالموت والبعث، ومن معنى كونه باسطا بسط الإنعام على المؤمنين فى الأخرى، وأما فى الدنيا فيبسط على المؤمن والكافر، ومعنى القابض الباسط قابض الأرواح عند الموت، وباسطها فى الجسم عند الحياة، وقيل قابض الصدقات من الأغنياء، وباسطها للفقراء. وقيل مضيق القلوب ومؤنسها، وقيل مضيق الرزق وموسعه، وفسرت الآية به، لأن فى الآية الأخرى {أية : يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر}،تفسير : ومثل ذلك، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم التسعير فى المدنية وقت غلاء فقال: "حديث : إن الله هو الباسط القابض وإنى لأرجو أن ألقى الله ولا يتبعنى أحد بمظلمة فى نفس ولا مال"تفسير : ولأن الكلام قبل فى القرض.

الالوسي

تفسير : {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} وهو عطف في المعنى على {أية : أَلَمْ تَرَ }تفسير : [البقرة: 243] لأنه بمعنى انظروا وتفكروا، والسورة الكريمة لكونها سنام القرآن ذكر فيها كليات الأحكام الدينية من الصيام والحج والصلاة والجهاد على نمط عجيب مستطرداً تارة للاهتمام بشأنها يكر عليها كلما وجد مجال، ومقصوداً أخرى دلالة على أن المؤمن المخلص لا ينبغي أن يشغله حال عن حال، وإن المصالح الدنيوية ذرائع إلى الفراغة للمشاغل الأخروية، والجهاد لما كان ذروة سنام الدين، وكان من أشق التكاليف حرضهم عليه من طرق شتى مبتدأ من قوله سبحانه: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ ٱللَّهِ }تفسير : [البقرة: 154] منتهياً إلى هذا المقام الكريم مختتماً بذكر الانفاق في سبيله للتتميم ـ قاله في «الكشف» وجوز في العطف وجوه أخر، الأوّل: أنه عطف على مقدر يعينه ما قبله كأنه قيل فاشكروا فضله بالاعتبار بما قص عليكم ـ وقاتلوا في سبيله ـ لما علمتم أن الفرار لا ينجي من الحمام وأن المقدر لا يمحى فإن كان قد حان الأجل فموت في سبيل الله تعالى خير سبيل وإلا فنصر وثواب، الثاني: أنه عطف على ما يفهم من القصة أي اثبتوا ولا تهربوا كما هرب هؤلاء وقاتلوا، والثالث: أنه عطف على {أية : حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ} تفسير : إلى {أية : فَإِنْ خِفْتُمْ } تفسير : [البقرة: 238ـ239] الآية لأن فيه إشعاراً بلقاء العدوّ وما جاء جاء كالاعتراض، الرابع: أنه عطف على {أية : فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ }تفسير : [البقرة: 243] والخطاب لمن أحياهم الله تعالى وهو كما ترى {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لما يقوله المتخلف عن الجهاد من تنفير الغير عنه وما يقوله السابق إليه من ترغيب فيه {عَلِيمٌ} بما يضمره هذا وذلك من الأغراض والبواعث فيجازي كلاً حسب عمله ونيته.

القطان

تفسير : والأمر بالجهاد هنا يوضح أن الآية السابقة جاءت مثلاً للتذكير وتفهيم الناس ان الجبن والبخل والخوفَ مِن مسببات ضعف الأمم وموتها. فاذا علمتم يا أيها الناس ان الفرار من الموت لا ينجي منه، فجاهدوا في سبيل الله، وابذلوا أنفسكم لإعلاء كلمته، واعلموا ان الله يسمع ما يقول المتخلفون منكم وما يقول المجاهدون.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَقَاتِلُواْ} (244) - وَيَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَلَى الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ لإِعْلاَءِ كَلِمَةِ اللهِ، وَتَأمِينِ الدَّعْوَةِ وَالدِّفَاعِ عَنْ بلادِ الإِسْلاَمِ. وَيُذَكِّرُهُمْ بِأنَّ القُعُودَ عَنِ الجِهَادِ خَوفَ المَوْتِ لا يُطِيلُ عُمْراً، كَمَا أنَّ الجِهَادَ لاَ يُقَرِّبُ أجَلاً، فَلِكُلِّ أجَلٍ كِتَابٌ. وَأيْنَما كَانَ الإِنسَانُ فَالمَوْتُ مُدْرِكُهُ، وَاللهُ سَمِيعٌ لِمَا يَقُولُهُ العَبْدُ، عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُهُ، وَعَلى العَبْدِ أنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ حَتَّى يَتَجَلَّى لهُ تَقْصِيرُهُ فَيُشَمِّرُ عَنْ سَاعِدِ الجِدِّ لِتَدارُكِ مَا فَاتَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إنه الأمر الواضح بالقتال في سبيل الله دون مخافة للموت. لماذا؟ لأن واهب الحياة وكاتب الأجل سميع عليم، سميع بأقوال من يقاتل وعليم بنواياه. وكان الجهاد قديماً عبئاً ثقيلاً على المجاهد؛ لأنه كان يتحمل نفقة نفسه ويتحمل المركبة - حصاناً أو جملاً - ويتحمل سلاحه، كان كل مجاهد يُعِدّ عدته للحرب، فكان ولابد إذا سمح لنفسه أن تموت فمن باب أولى أن يسمح بماله، وأن يجهز عدته للحرب، وعلى ذلك كان القتال بالنفس والمال أمراً ضرورياً. وقوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 244] أي قاتلوا بأنفسكم ثم عرج إلى الأموال فقال: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ...}.