٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
243
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن عادته تعالى في القرآن أن يذكر بعد بيان الأحكام القصص ليفيد الاعتبار للسامع، ويحمله ذلك الاعتبار على ترك التمرد والعناد، ومزيد الخضوع والانقياد فقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ } أما قوله: {أَلَمْ تَرَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الرؤية قد تجىء بمعنى رؤية البصيرة والقلب، وذلك راجع إلى العلم، كقوله: {أية : وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } تفسير : [البقرة: 128] معناه: علمنا، وقال: {أية : لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ } تفسير : [النساء: 105] أي علمك، ثم إن هذا اللفظ قد يستعمل فيما تقدم للمخاطب العلم به، وفيما لا يكون كذلك فقد يقول الرجل لغيره يريد تعريفه ابتداء: ألم تر إلى ما جرى على فلان، فيكون هذا ابتداء تعريف، فعلى هذا يجوز أن يكون النبـي صلى الله عليه وسلم لم يعرف هذه القصة إلا بهذه الآية، ويجوز أن نقول: كان العلم بها سابقاً على نزول هذه الآية، ثم إن الله تعالى أنزل هذه الآية على وفق ذلك العلم. المسألة الثانية: هذا الكلام ظاهره خطاب مع النبـي صلى الله عليه وسلم إلا أنه لا يبعد أن يكون المراد هو وأمته، إلا أنه وقع الابتداء بالخطاب معه، كقوله تعالى: {أية : يـٰأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } تفسير : [الطلاق: 1]. المسألة الثالثة: دخول لفظة {إِلَىٰ } في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ } يحتمل أن يكون لأجل أن {إِلَىٰ } عندهم حرف للانتهاء كقولك: من فلان إلى فلان، فمن علم بتعليم معلم، فكأن ذلك المعلم أوصل ذلك المتعلم إلى ذلك المعلوم وأنهاه إليه، فحسن من هذا الوجه دخول حرف {إِلَىٰ } فيه، ونظيره قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظّلَّ } تفسير : [الفرقان: 45]. أما قوله: {إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ } ففيه روايات أحدها: قال السدي: كانت قرية وقع فيها الطاعون وهرب عامة أهلها، والذين بقوا مات أكثرهم، وبقي قوم منهم في المرض والبلاء، ثم بعد ارتفاع المرض والطاعون رجع الذين هربوا سالمين، فقال من بقي من المرضى: هؤلاء أحرص منا، لو صنعنا ما صنعوا لنجونا من الأمراض والآفات، ولئن وقع الطاعون ثانياً خرجنا فوقع وهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفاً، فلما خرجوا من ذلك الوادي، ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه: أن موتوا، فهلكوا وبليت أجسامهم، فمر بهم نبـي يقال له حزقيل، فلما رآهما وقف عليهم وتفكر فيهم فأوحى الله تعالى إليه أتريد أن أريك كيف أحييهم؟ فقال نعم فقيل له: ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي، فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى تمت العظام ثم أوحى الله إليه: ناد يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً ودماً، فصارت لحماً ودماً، ثم قيل: ناد إن الله يأمرك أن تقومي فقامت، فلما صاروا أحياء قاموا، وكانوا يقولون: «سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت» ثم رجعوا إلى قريتهم بعد حياتهم، وكانت أمارات أنهم ماتوا ظاهرة في وجوههم ثم بقوا إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم. الرواية الثانية: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أمر عسكره بالقتال، فخافوا القتال وقالوا لملكهم: إن الأرض التي نذهب إليها فيها الوباء، فنحن لا نذهب إليها حتى يزول ذلك الوباء، فأماتهم الله تعالى بأسرهم، وبقوا ثمانية أيام حتى انتفخوا، وبلغ بني إسرائيل موتهم، فخرجوا لدفنهم، فعجزوا من كثرتهم، فحظروا عليهم حظائر، فأحياهم الله بعد الثمانية، وبقي فيهم شيء من ذلك النتن وبقي ذلك في أولادهم إلى هذا اليوم، واحتج القائلون بهذا القول بقوله تعالى عقيب هذه الآية {أية : وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 244]. والرواية الثالثة: أن حزقيل النبـي عليه السلام ندب قومه إلى الجهاد فكرهوا وجبنوا، فأرسل الله عليهم الموت، فلما كثر فيهم خرجوا من ديارهم فراراً من الموت، فلما رأى حزقيل ذلك قال: اللهم إله يعقوب وإله موسى ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم تدلهم على نفاذ قدرتك وأنهم لا يخرجون عن قبضتك، فأرسل الله عليهم الموت، ثم إنه عليه السلام ضاق صدره بسبب موتهم، فدعا مرة أخرى فأحياهم الله تعالى. أما قوله تعالى: {وَهُمْ أُلُوفٌ } ففيه قولان الأول: أن المراد منه بيان العدد، واختلفوا في مبلغ عددهم، قال الواحدي رحمه الله: ولم يكونوا دون ثلاثة آلاف، ولا فوق سبعين ألفاً، والوجه من حيث اللفظ أن يكون عددهم أزيد من عشرة آلاف لأن الألوف جمع الكثرة، ولا يقال في عشرة فما دونها ألوف. والقول الثاني: أن الألوف جمع آلاف كقعود وقاعد، وجلوس وجالس، والمعنى أنهم كانوا مؤتلفي القلوب، قال القاضي: الوجه الأول أولى، لأن ورود الموت عليهم وهم كثرة عظيمة يفيد مزيد اعتبار بحالهم، لأن موت جمع عظيم دفعة واحدة لا يتفق وقوعه يفيد اعتباراً عظيماً، فأما ورود الموت على قوم بينهم ائتلاف ومحبة، كوروده وبينهم اختلاف في أن وجه الاعتبار لا يتغير ولا يختلف. ويمكن أن يجاب عن هذا السؤال بأن المراد كون كل واحد منهم آلفاً لحياته، محباً لهذه الدنيا فيرجع حاصله إلى ما قال تعالى في صفتهم: {أية : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ } تفسير : [البقرة: 96] ثم إنهم مع غاية حبهم للحياة والفهم بها، أماتهم الله تعالى وأهلكهم، ليعلم أن حرص الإنسان على الحياة لا يعصمه من الموت فهذا القول على هذا الوجه ليس في غاية البعد. أما قوله: {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ } فهو منصوب لأنه مفعول له، أي لحذر الموت، ومعلوم أن كل أحد يحذر الموت، فلما خص هذا الموضع بالذكر، علم أن سبب الموت كان في تلك الواقعة أكثر، إما لأجل غلبة الطاعون أو لأجل الأمر بالمقاتلة. أما قوله تعالى: {فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ } ففي تفسير {قَالَ ٱللَّهُ } وجهان الأول: أنه جار مجرى قوله: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [النحل: 40] وقد تقدم أنه ليس المراد منه إثبات قول، بل المراد أنه تعالى متى أراد ذلك وقع من غير منع وتأخير، ومثل هذا عرف مشهور في اللغة، ويدل عليه قوله: {ثُمَّ أَحْيَـٰهُمْ } فإذا صح الإحياء بالقول، فكذا القول في الإماتة. والقول الثاني: أنه تعالى أمر الرسول أن يقول لهم: موتوا، وأن يقول عند الإحياء ما رويناه عن السدي، ويحتمل أيضاً ما رويناه من أن الملك قال ذلك، والقول الأول أقرب إلى التحقيق. أما قوله تعالى: {ثُمَّ أَحْيَـٰهُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: الآية دالة على أنه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا فوجب القطع به، وذلك لأنه في نفسه جائز والصادق أخبر عن وقوعه فوجب القطع بوقوعه، أما الإمكان فلأن تركب الأجزاء على الشكل المخصوص ممكن، وإلا لما وجد أولاً، واحتمال تلك الأجزاء للحياة ممكن وإلا لما وجد أولاً، ومتى ثبت هذا فقد ثبت الإمكان، وأما إن الصادق قد أخبر عنه ففي هذه الآية، ومتى أخبر الصادق عن وقوع ما ثبت في العقل إمكان وقوعه وجب القطع به. المسألة الثانية: قالت المعتزلة: إحياء الميت فعل خارق للعادة، ومثل هذا لا يجوز من الله تعالى إظهاره إلا عندما يكون معجزة لنبـي، إذ لو جاز ظهوره لا لأجل أن يكون معجزة لنبـي لبطلت دلالته على النبوة، وأما عند أصحابنا فإنه يجوز إظهار خوارق العادات لكرامة الولي، ولسائر الأغراض، فكأن هذا الحصر باطلاً، ثم قالت المعتزلة: وقد روي أن هذا الإحياء إنما وقع في زمان حزقيل النبـي عليه السلام ببركة دعائه، وهذا يحقق ما ذكرناه من أن مثل هذا لا يوجد إلا ليكون معجزة للأنبياء عليهم السلام، وقيل: حزقيل هو ذو الكفل، وإنما سمي بذلك لأنه تكفل بشأن سبعين نبياً وأنجاهم من القتل، وقيل: إنه عليه السلام مر بهم وهم موتى فجعل يفكر فيهم متعجباً، فأوحى الله تعالى إليه: إن أردت أحييتهم وجعلت ذلك الإحياء آية لك، فقال: نعم فأحياهم الله تعالى بدعائه. المسألة الثالثة: أنه قد ثبت بالدلائل أن معارف المكلفين تصير ضرورية عند القرب من الموت: وعند معاينة الأهوال والشدائد، فهؤلاء الذين أماتهم الله ثم أحياهم لا يخلو إما أن يقال إنهم عاينوا الأهوال والأحوال التي معها صارت معارفهم ضرورية، وإما ما شاهدوا شيئاً من تلك الأهوال بل الله تعالى أماتهم بغتة، كالنوم الحادث من غير مشاهدة الأهوال ألبتة، فإن كان الحق هو الأول، فعندما أحياهم يمتنع أن يقال: إنهم نسوا تلك الأهوال ونسوا ما عرفوا به ربهم بضرورة العقل، لأن الأحوال العظيمة لا يجوز نسيانها مع كمال العقل، فكان يجب أن تبقى تلك المعارف الضرورية معهم بعد الإحياء، وبقاء تلك المعارف الضرورية يمنع من صحة التكليف، كما أنه لا يبقى التكليف في الآخرة، وإما أن يقال: إنهم بقوا بعد الإحياء غير مكلفين، وليس في الآية ما يمنع منه، أو يقال: إن الله تعالى حين أماتهم ما أراهم شيئاً من الآيات العظيمة التي تصير معارفهم عندها ضرورية، وما كان ذلك الموت كموت سائر المكلفين الذين يعاينون الأهوال عند القرب من الموت، والله أعلم بحقائق الأمور. المسألة الرابعة: قال قتادة: إنما أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم، وهذا القول فيه كلام كثير وبحث طويل. أما قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ } ففيه وجوه أحدها: أنه تفضل على أولئك الأقوام الذين أماتهم بسبب أنه أحياهم، وذلك لأنهم خرجوا من الدنيا على المعصية، فهو تعالى أعادهم إلى الدنيا ومكنهم من التوبة والتلافي وثانيها: أن العرب الذين كانوا ينكرون المعاد كانوا متمسكين بقول اليهود في كثير من الأمور، فلما نبه الله تعالى اليهود على هذه الواقعة التي كانت معلومة لهم، وهم يذكرونها للعرب المنكرين للمعاد، فالظاهر أن أولئك المنكرين يرجعون من الدين الباطل الذي هو الإنكار إلى الدين الحق الذي هو الإقرار بالبعث والنشور فيخلصون من العقاب، ويستحقون الثواب، فكان ذكر هذه القصة فضلاً من الله تعالى وإحساناً في حق هؤلاء المنكرين وثالثها: أن هذه القصة تدل على أن الحذر من الموت لا يفيد، فهذه القصة تشجع الإنسان على الإقدام على طاعة الله تعالى كيف كان، وتزيل عن قلبه الخوف من الموت، فكان ذكر هذه القصة سبباً لبعد العبد عن المعصية وقربه من الطاعة التي بها يفوز بالثواب العظيم، فكان ذكر هذه القصة فضلاً وإحساناً من الله تعالى على عبده، ثم قال: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } وهو كقوله: {أية : فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا } تفسير : [الفرقان: 50].
القرطبي
تفسير : . فيه ست مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ} هذه رؤية القلب بمعنى ألم تعلم. والمعنى عند سيبويه تَنَبَّهْ إلى أمر الذين. ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين. وقرأ أبو عبد الرحمن السلميّ «أَلَمْ تَرْ» بجزم الراء، وحذفت الهمزة حذفاً من غير إلقاء حركة لأن الأصل ألم ترء. وقصة هؤلاء أنهم قوم من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء، وكانوا بقرية يقال لها «دَاوَرْدَان» فخرجوا منها هاربين فنزلوا وادياً فأماتهم الله تعالى. قال ٱبن عباس: كانوا أربعة آلاف خرجوا فراراً من الطاعون وقالوا: نأتي أرضاً ليس بها موت، فأماتهم الله تعالى؛ فمرّ بهم نبيّ فدعا الله تعالى فأحياهم. وقيل: إنهم ماتوا ثمانية أيام. وقيل: سبعة، والله أعلم. قال الحسن: أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة لهم، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم. وقيل: إنما فعل ذلك بهم مُعجزةً لنبيّ من أنبيائهم، قيل: كان ٱسمه شَمْعُون. وحكى النقاش أنهم فَرُّوا من الحُمىّ. وقيل: إنهم فَرّوا من الجهاد ولما أمرهم الله به على لسان حِزْقِيل النبيّ عليه السلام، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد فخرجوا من ديارهم فراراً من ذلك، فأماتهم الله ليعرّفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}؛ قاله الضحاك. قال ٱبن عطية: وهذا القصصُ كله لَيِّنُ الأسانيد، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم إخباراً في عبارة التّنبيه والتّوْقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فراراً من الموت فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم؛ ليَرَوْا هم وكلُّ من خلَف من بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالى لا بيد غيره؛ فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغترّ. وجعل الله هذه الآية مقدّمة بين يدي أمره المؤمنين من أُمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد؛ هذا قول الطبريّ وهو ظاهر رصف الآية. قوله تعالى: {وَهُمْ أُلُوفٌ} قال الجمهور: هي جمع ألف. قال بعضهم: كانوا ستمائة ألف. وقيل: كانوا ثمانين ألفاً. ٱبن عباس: أربعين ألفاً. أبو مالك: ثلاثين ألفاً. السدّي: سبعة وثلاثين ألفاً. وقيل: سبعين ألفاً؛ قاله عطاء ٱبن أبي رباح. وعن ٱبن عباس أيضاً أربعين ألفاً، وثمانية آلاف؛ رواه عنه ٱبن جُريج. وعنه أيضاً ثمانية آلاف، وعنه أيضاً أربعة آلاف، وقيل: ثلاثة آلاف. والصحيح أنهم زادوا على عشرة آلاف لقوله تعالى: {وَهُمْ أُلُوفٌ} وهو جمع الكثرة، ولا يقال في عشرة فما دونها أُلوف. وقال ابن زيد في لفظة أُلوف: إنما معناها وهم مُؤْتَلِفُون، أي لم تخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم إنما كانوا مؤتلفين، فخالفت هذه الفرقة فخرجت فراراً من الموت وابتغاء الحياة بزعمهم، فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم. فأُلوف على هذا جمع آلف؛ مثل جالس وجلوس. قال ابن العربيّ: أماتهم الله تعالى (مدةً) عقوبةً لهم ثم أحياهم؛ ومَيْتةُ العقوبة بعدها حياةٌ، وميتة الأجل لا حياة بعدها. قال مجاهد: إنهم لما أُحيُوا رجعوا إلى قومهم يَعرفون (أنهم كانوا موتى) ولكن سَحْنَة الموت على وجوههم، ولا يلبس أحد منهم ثوباً إلا عاد كفنا دَسِما حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم. ابن جُريج عن ابن عباس: وبقيت الرائحة على ذلك السِّبْط من بني إسرائيل إلى اليوم. وروي أنهم كانوا بواسط العراق. ويقال: إنهم أحيوا بعد أن أنتنوا؛ فتلك الرائحة موجودة في نَسْلهم إلى اليوم. الثانية ـ قوله تعالى: {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} أي لحذر الموت؛ فهو نصب لأنه مفعول له. و {مُوتُواْ} أمر تكوين، ولا يبعد أن يقال: نودوا وقيل لهم: موتوا. وقد حُكي أن ملكين صاحا بهم: موتوا فماتوا؛ فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين «مُوتُوا»، والله أعلم. الثالثة ـ أصح هذه الأقوال (وأبينها) وأشهرها أنهم خرجوا فراراً من الوَبَاء؛ رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرجوا فراراً من الطاعون فماتوا، فدعا الله نَبَيٌّ من الأنبياء أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم الله. وقال عمرو بن دينار في هذه الآية: وقع الطاعون في قريتهم فخرج أُناس وبقي أُناس، ومن خرج أكثر ممن بقي، قال: فنجا الذين خرجوا ومات الذين أقاموا؛ فلما كانت الثانية خرجوا بأجمعهم إلا قليلاً فأماتهم الله ودوابَّهم، ثم أحياهم فرجعوا إلى بلادهم وقد توالدت ذريتهم. وقال الحسن: خرجوا حذاراً من الطاعون فأماتهم الله ودوابهم في ساعة واحدة، وهم أربعون ألفاً. قلت: وعلى هذا تترتب الأحكام في هذه الآية. فروى الأئمة واللفظ للبخاريّ من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أُسامة بن زيد يحدّث سعداً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الوجع فقال: «حديث : رِجْزٌ أَوْ عَذابٌ عُذِّب به بعض الأُمم ثم بقي منه بِقيّةٌ فيذهب المرّةَ ويأتي الأُخْرى فمن سمع به بأرض فلا يقِدَمنّ عليه ومن كان بأرض وقع بها فلا يخرج فِراراً منه»تفسير : وأخرجه أبو عيسى الترمذيّ فقال: حدّثنا قتيبة أنبأنا حمّاد بن زيد عن عمرو بن دينار عن عامر بن سعد عن أُسامة بن زيد أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ذكر الطاعون فقال: «حديث : بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها»تفسير : قال: حديث حسن صحيح. وبمقتضى هذه الأحاديث عمل عمر والصحابة رضوان الله عليهم لما رجعوا من سَرْغ حين أخبرهم عبد الرحمن بن عوف بالحديث، على ما هو مشهور في الموطأ وغيره. وقد كَرِه قوم الفِرار من الوَبَاء والأرض السقيمة؛ رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: الفِرار من الوباء كالفرار من الزَّحْف. وقصة عمر في خروجه إلى الشام مع أبي عبيدة معروفة، وفيها: أنه رجع. وقال الطبريّ: في حديث سعد دلالةٌ على أن على المرء توقِّي المكاره قبل نزولها، وتجنُّب الأشياء المخوفة قبل هجومها، وأن عليه الصبر وترك الجزع بعد نزولها؛ وذلك أنه عليه السلام نَهى مَن لم يكن في أرض الوَبَاء عن دخولها إذا وقع فيها، ونَهى مَن هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها فراراً منه؛ فكذلك الواجب أن يكون حكم كل مُتّق من الأُمور غوائلها، سبيله في ذلك سبيل الطاعون. وهذا المعنى نظير قوله عليه السلام: «حديث : لا تتَمنَّوْا لقاء العدوّ وسَلُوا الله العافية فإذا لقيتموهم فٱصبروا».تفسير : قلت: وهذا هو الصحيح في الباب، وهو مقتضى قول الرسول عليه السلام، وعليه عمل أصحابه البررة الكرام (رضي الله عنهم)، وقد قال عمر لأبي عبيدة محتجّاً عليه لما قال له: أفراراً من قدر الله! فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم، نَفِرّ من قدر الله إلى قدر الله. المعنى: أي لا محيص للإنسان عما قدّره الله له وعليه، لكن أمرنا الله تعالى بالتحرّز من المخاوف (والمهلكات)، وبٱستفراغ الوسع في التَوقِّي من المكروهات. ثم قال له: أرأيت لو كانت لك إبْلٌ فهبطت وادياً له عُدْوَتان إحداهما خَصْبة والأُخرى جَدْبَة، أليس إن رَعَيْتَ الخَصْبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجَدْبَة رعيتها بقَدَر الله (عز وجل). فرجع عمر من موضعه ذلك إلى المدينة. قال الكيا الطبريّ: ولا نعلم خلافاً أن الكفار أو قُطّاع الطريق إذا قصدوا بلدة ضعيفة لا طاقة لأهلها بالقاصدين فلهم أن يتنحّوا من بين أيديهم، وإن كانت الآجال المقدّرة لا تزيد ولا تنقص. وقد قيل: إنما نُهي عن الفرار منه لأن الكائن بالموضع الذي الوباء فيه لعله قد أخذ بحظ منه، لاشتراك أهل ذلك الموضع في سبب ذلك المرض العام، فلا فائدة لفراره، بل يُضِيف إلى ما أصابه من مَبادىء الوباء مَشَقّات السفر، فتتضاعف الآلام ويكثر الضرر فيهلكون بكل طريق ويطرحون في كل فَجْوَة ومَضِيق، ولذلك يقال: ما فرّ أحد من الوباء فسَلِم؛ حكاه ٱبن المدائني. ويكفي في ذلك موعظة قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ} ولعله إن فرّ ونجا يقول: إنما نجوت من أجل خروجي عنه. فيسوء اعتقاده. وبالجملة فالفرار منه ممنوع لما ذكرناه، ولما فيه من تخلية البلاد: ولا تخلو من مستَضْعَفين يصعب عليهم الخروج منها، ولا يتأتّى لهم ذلك، ويتأذّون بخلوِّ البلاد من المياسير الذين كانوا أركاناً للبلاد ومَعُونَةً للمستضعفين. وإذا كان الوباء بأرض فلا يقدَم عليه أحدٌ أخْذاً بالحَزْم والحَذَر والتحرّز من مواضع الضرر، ودفْعاً للأوهام المشوِّشة لنفس الإنسان؛ وفي الدخول عليه الهلاك، وذلك لا يجوز في حكم الله تعالى، فإنّ صيانة النفس عن المكروه واجبةٌ، وقد يُخاف عليه من سوء الاعتقاد بأن يقول: لولا دخولي في هذا المكان لما نَزَل بي مكروه. فهذه فائدة النّهْي عن دخول أرض بها الطاعون أو الخروج منها، والله أعلم. وقد قال ٱبن مسعود: الطاعون فِتْنَةٌ على المقيم والفارّ؛ فأما الفارّ فيقول: فبفراري نجوت، وأما المقيم فيقول: أقمتُ فمتّ؛ وإلى نحو هذا أشار مالك حين سئل عن كراهة النظر إلى المجْذُوم فقال: ما سمعت فيه بكراهة، وما أرى ما جاء من النهي عن ذلك إلا خِيفَةَ أن يفزعه أو يُخيفه شيء يقع في نفسه؛ حديث : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في الوباء: «إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه»تفسير : . وسئل أيضاً عن البلدة يقع فيها الموت وأمراض، فهل يُكره الخروج منها؟ فقال: ما أرى بأساً خرج أو أقام. الرابعة ـ في قوله عليه السلام: «حديث : إذا وقع الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه»تفسير : . دليل على أنه يجوز الخروج من بلدة الطاعون على غير سبيل الفرار منه، إذا ٱعتقد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وكذلك حكم الداخل إذا أيْقَنَ أن دخولها لا يجلب إليه قَدَراً لم يكن الله قدّره له؛ فباح له الدخول إليه والخروج منه على هذا الحدّ الذي ذكرناه، والله أعلم. الخامسة ـ في فضل الصبر على الطاعون وبيانه. الطاعون وزنه فاعول من الطَّعْن، غير أنه لما عُدِل به عن أصله وُضع دالاّ على الموت العام بالوباء؛ قاله الجوهري. ويروى من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «فَناء أُمتي بالطَّعْن والطاعون» قالت: الطعن قد عرفنا فما الطاعون؟ قال: «غُدّة كغدّة البعير تخرج في المَرَاقِّ والآباط» تفسير : . قال العلماء: وهذا الوَبَاء قد يُرسله الله نِقْمَةً وعُقوبةً على من يشاء من العُصَاة من عبيده وكَفَرَتهم، وقد يُرسله شهادةً ورحمةً للصالحين؛ كما قال معاذ في طاعون عَمْوَاس: إنه شهادة ورحمة لكم ودعوة نبيِّكم، اللهم أعط معاذاً وأهله نصيبهم من رحمتك. فطعن في كفه رضي الله عنه. قال أبو قِلابة: قد عرفت الشهادة والرحمة ولم أعرف ما دعوة نبيكم؟ فسألت عنها فقيل: دعا عليه السلام أن يجعل فَناء أُمته بالطعن والطاعون حين دعاء ألا يجعل بأس أُمته بينهم فمُنِعَها فدعا بهذا. ويروى من حديث جابر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الفارّ من الطاعون كالفارّ من الزَّحْف والصابر فيه كالصابر في الزحف»تفسير : . وفي البخاري حديث : عن يحيى بن يَعْمَر عن عائشة أنها أخبرته أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم: «أنه كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين فليس من عبد يَقَع الطاعون فيمكث في بلده صابراً يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مِثْلَ أجر الشهيد»تفسير : . وهذا تفسير لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : الطاعون شهادة والمطعون شهيد»تفسير : . أي الصابر عليه المحتسب أجره على الله العالم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله عليه؛ ولذلك تَمَنّى معاذٌ أن يموت فيه لعلمه أن من مات فهو شهيد. وأما من جزع من الطاعون وكرهه وفرّ منه فليس بداخل في معنى الحديث، والله أعلم. السادسة ـ قال أبو عمر: لم يبلغني أن أحداً من حملة العلم فرّ من الطاعون إلا ما ذكره ٱبن المدائني أن علي بن زيد بن جُدْعان هرب من الطاعون إلى السَّيَالة فكان يُجَمِّع كل جمعة ويرجع؛ فكان إذا جَمَّع صاحوا به: فرّ من الطاعون! فمات بالسَّيَالة. قال: وهرب عمرو بن عبيد ورباط بن محمد إلى الرباطية فقال إبراهيم بن علي الفُقَيْمي في ذلك:شعر : ولما ٱستفزّ الموتُ كلَّ مكذِّب صبرتُ ولم يصبر رباطٌ ولا عمْرو تفسير : وذكر أبو حاتم عن الأصمعي قال: هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حماراً له ومضى بأهله نحو سَفَوَان؛ فسمع حادِياً يَحْدُو خلفه:شعر : لن يُسبقَ ٱللَّه على حمارِ ولا على ذي مَنْعة طيّار أو يأتيَ الحَتْفُ على مقدار قد يُصبح اللَّه أمام السّاري تفسير : وذكر المدائني قال: وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مَرْوَان فخرج هارباً منه فنزل قرية من قُرى الصعيد يقال لها «سُكَر». فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك بن مروان. فقال له عبد العزيز: ما ٱسمك؟ فقال له: طالب بن مُدْرِك. فقال: أَوْه ما أرَاني راجعاً إلى الفُسْطاط! فمات في تلك القرية.
البيضاوي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ} تعجيب وتقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأرباب التواريخ، وقد يخاطب به من لم ير ومن لم يسمع فإنه صار مثلاً في التعجب. {إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ} يريد أهل داوردان قرية قبل واسط وقع فيها طاعون فخرجوا هاربين، فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ويتيقنوا أن لا مفر من قضاء الله تعالى وقدره. أو قوماً من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد ففروا حذر الموت فأماتهم الله ثمانية أيام ثم أحياهم. {وَهُمْ أُلُوفٌ} أي ألوف كثيرة. قيل عشرة. وقيل ثلاثون. وقيل سبعون وقيل متألفون جمع إلف أو آلف كقاعد وقعود والواو للحال. {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ } مفعول له. {فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ } أي قال لهم موتوا فماتوا كقوله: {أية : كُنْ فَيَكُونُ} تفسير : [البقرة: 117] والمعنى أنهم ماتوا ميتة رجل واحد من غير علة، بأمر الله تعالى ومشيئته. وقيل ناداهم به ملك وإنما أسند إلى الله تعالى تخويفاً وتهويلاً. {ثُمَّ أَحْيَـٰهُمْ} قيل مر حزقيل عليه السلام على أهل داوردان وقد عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم، فتعجب من ذلك فأوحى الله تعالى إليه ناد فيهم أن قوموا بإذن الله تعالى، فنادى فقاموا يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إِلا أنت. وفائدة القصة تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وحثهم على التوكل والاستسلام للقضاء. {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} حيث أحياهم ليعتبروا ويفوزوا وقص عليهم حالهم ليستبصروا {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} أي لا يشكرونه كما ينبغي، ويجوز أن يراد بالشكر الاعتبار والاستبصار.
ابن كثير
تفسير : روي عن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف، وعنه كانوا ثمانية آلاف، وقال أبو صالح: تسعة آلاف، وعن ابن عباس أربعون ألفاً، وقال وهب بن منبه وأبو مالك: كانوا بضعة وثلاثين ألفاً. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: كانوا أهل قرية يقال لها داوردان. وكذا قال السدي وأبو صالح، وزاد: من قبل واسط، وقال سعيد بن عبد العزيز: كانوا من أهل أذرعات، وقال ابن جريج عن عطاء قال: هذا مثل. وقال علي بن عاصم: كانوا من أهل داوردان قرية على فرسخ من قبل واسط. وقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا سفيان عن ميسرة بن حبيب النهدي، عن المنهال بن عمرو الأسدي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فراراً من الطاعون، قالوا: نأتي أرضاً ليس بها موت، حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال الله لهم: {مُوتُواْ} فماتوا، فمر عليهم نبي من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم، فأحياهم، فذلك قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} الآية. وذكر غير واحد من السلف، أن هؤلاء القوم، كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل، استوخموا أرضهم، وأصابهم بها وباء شديد، فخرجوا فراراً من الموت، هاربين إلى البرية، فنزلوا وادياً أفيح، فملؤوا ما بين عدوتيه، فأرسل الله إليهم ملكين، أحدهما من أسفل الوادي، والآخر من أعلاه، فصاحا بهم صيحة واحدة، فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد، فحيزوا إلى حظائر، وبني عليهم جدران وقبور، وفنوا وتمزقوا وتفرقوا، فلما كان بعد دهر، مرّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل، يقال له: حزقيل، فسأل الله أن يحييهم على يديه، فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يقول: أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى: أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً وعصباً وجلداً، فكان ذلك وهو يشاهد، ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره، فقاموا أحياءً ينظرون، قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة، وهم يقولون: سبحانك لا إله إلا أنت. وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة، ولهذا قال: {إن الله لذو فضل على الناس}، أي: فيما يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة والدلالات الدامغة {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} أي: لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم. وفي هذه القصة عبرة ودليل، على أنه لن يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، فإن هؤلاء خرجوا فراراً من الوباء، طلباً لطول الحياة، فعوملوا بنقيض قصدهم، وجاءهم الموت سريعاً في آن واحد. ومن هذا القبيل، الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، أخبرنا مالك وعبد الرزاق، أخبرنا معمر، كلاهما عن الزهري، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن عبد الله ابن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عباس: أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ، لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فذكر الحديث، فجاءه عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيباً لبعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علماً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه»تفسير : فحمد الله عمر، ثم انصرف، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به بطريق أخرى لبعضه. قال أحمد: حدثنا حجاج ويزيد العمي، قالا: أخبرنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشام عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أن هذا السقم عذب به الأمم قبلكم، فإذا سمعتم به في أرض، فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فراراً»تفسير : قال: فرجع عمر من الشام، وأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك، عن الزهري بنحوه. وقوله: { وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي: كما أن الحذر لا يغني من القدر، كذلك الفرار من الجهاد وتجنبه، لا يقرب أجلاً ولا يبعده، بل الأجل المحتوم والرزق المقسوم مقدر مقنن، لا يزاد فيه، ولا ينقص منه، كما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}تفسير : [آل عمران: 168]، وقال تعالى: {أية : وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}تفسير : [النساء: 77 ـ 78] وروينا عن أمير الجيوش، ومقدم العساكر، وحامي حوزة الإسلام، وسيف الله المسلول على أعدائه: أبي سليمان خالد بن الوليد رضي الله عنه، أنه قال، وهو في سياق الموت: لقد شهدت كذا وكذا موقفاً. وما من عضو من أعضائي إلا وفيه رمية أو طعنة أو ضربة، وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء ـ يعني: أنه يتألم لكونه ما مات قتيلاً في الحرب، ويتأسف على ذلك، ويتألم أن يموت على فراشه. وقوله: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}، يحث تعالى عباده على الإنفاق في سبيل الله، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع، وفي حديث النزول أنه يقول تعالى: «حديث : من يقرض غير عديم ولا ظلوم»تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود، قال: لما نزلت: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ}، قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله وإن الله عز وجل ليريد منا القرض؟ قال: «حديث : نعم يا أبا الدحداح»تفسير : . قال: أرني يدك يا رسول الله قال: فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي عز وجل حائطي، قال: وحائط له فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها. قال: فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح قالت: لبيك. قال: اخرجي، فقد أقرضته ربي عز وجل. وقد رواه ابن مردويه من حديث عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عمر رضي الله عنه مرفوعاً بنحوه، وقوله: {قَرْضًا حَسَنًا} روي عن عمر وغيره من السلف: هو النفقة في سبيل الله، وقيل: هو النفقة على العيال، وقيل: هو التسبيح والتقديس. وقوله: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} كما قال تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [البقرة: 261] الآية، وسيأتي الكلام عليها. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، قال: أتيت أبا هريرة رضي الله عنه، فقلت له: إنه بلغني أنك تقول: إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة، قال: وما أعجبك من ذلك؟ لقد سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة»تفسير : هذا حديث غريب، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير، لكن رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال: حدثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد المؤدب، حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا محمد بن عقبة الرفاعي عن زياد الجصاص عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يكن أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني، فقدم قبلي حاجاً، قال: وقدمت بعده، فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة»تفسير : فقلت: ويحكم، والله ما كان أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني، فما سمعت هذا الحديث، قال: فتحملت أريد أن ألحقه، فوجدته قد انطلق حاجاً، فانطلقت إلى الحج أن ألقاه في هذا الحديث، فلقيته لهذا، فقلت: يا أبا هريرة ما حديث سمعت أهل البصرة يأثرون عنك؟ قال: ما هو؟ قلت: زعموا أنك تقول: إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة، قال: يا أبا عثمان وما تعجب من ذا، والله يقول: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} ويقول: {أية : فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ}تفسير : [التوبة: 38] والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة»تفسير : . وفي معنى هذا الحديث ما رواه الترمذي وغيره من طريق عمرو بن دينار، عن سالم، عن عبد الله ابن عمر بن الخطاب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من دخل سوقاً من الأسواق، فقال: لا إله إلا الله وحده لاشريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة»تفسير : الحديث، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة إسماعيل بن إبراهيم بن بسام، حدثنا أبو إسماعيل المؤدب عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لما نزلت: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ}تفسير : [البقرة: 261] إلى آخرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رب زد أمتي»تفسير : ، فنزلت: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}. قال: «حديث : رب زد أمتي»تفسير : ، فنزلت: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [الزمر: 10]. وروى ابن أبي حاتم أيضاً عن كعب الأحبار: أنه جاءه رجل فقال: إني سمعت رجلاً يقول: من قرأ: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1] مرة واحدة، بنى الله له عشرة آلاف ألف غرفة من درّ وياقوت في الجنة، أفأصدق ذلك؟ قال: نعم، أو عجبت من ذلك؟ قال: نعم، وعشرين ألف ألف وثلاثين ألف ألف وما لا يحصي ذلك إلا الله، ثم قرأ: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} فالكثير من الله لا يحصى. وقوله: {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} أي: أنفقوا ولا تبالوا، فالله هو الرازق، يضيق على من يشاء من عباده في الرزق، ويوسعه على آخرين، له الحكمة البالغة في ذلك {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ } استفهام تعجيب وتشويق إلى استماع ما بعده أي ألم ينته علمك {إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ } أربعة أو ثمانية أو عشرة أو ثلاثون أو أربعون أو سبعون ألفاً {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ } مفعول له وهم قوم من بني إسرائيل وقع الطاعون ببلادهم ففروا {فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ } فماتوا {ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ } بعد ثمانية أيام أو أكثر بدعاء نبيهم حزقيل بكسر المهملة والقاف وسكون الزاي فعاشوا دهراً عليهم أثر الموت لا يلبسون ثوباً إلا عاد كالكفن واستمرت في أسباطهم {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ } ومنه إحياء هؤلاء {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ } وهم الكفار {لاَ يَشْكُرُونَ } والقصد من ذكر خبر هؤلاء تشجيع المؤمنين على القتال ولذا عطف عليه.
الشوكاني
تفسير : الاستفهام هنا للتقرير، والرؤية المذكورة هي رؤية القلب لا رؤية البصر. والمعنى، عند سيبويه: تنبه إلى أمر الذين خرجوا، ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين كذا قيل. وحاصله أن الرؤية هنا التي بمعنى الإدراك مضمنة معنى التنبيه، ويجوز أن تكون مضمنة معنى الانتهاء. أي: ألم ينته علمك إليهم؛ أم معنى الوصول. أي: ألم يصل علمك إليهم، ويجوز أن تكون بمعنى الرؤية البصرية. أي: ألم تنظر إلى الذين خرجوا. جعل الله سبحانه قصة هؤلاء لما كانت بمكان من الشيوع، والشهرة يحمل كل أحد على الإقرار بها بمنزلة المعلومة لكل فرد، أو المبصرة لكل مبصر؛ لأن أهل الكتاب قد أخبروا بها ودوَّنوها، وأشهروا أمرها، والخطاب هنا لكل من يصلح له. والكلام جار مجرى المثل في مقام التعجيب ادّعاءً لظهوره، وجلائه بحيث يستوي في إدراكه الشاهد، والغائب. وقوله: {وَهُمْ أُلُوفٌ } في محل نصب على الحال من ضمير خرجوا، وألوف من جموع الكثرة، فدل على أنها ألوف كثيرة. وقوله: {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ } مفعول له. وقوله: {فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ } هو أمر تكوين عبارة عن تعلق إرادته بموتهم دفعة، أو تمثيل لإماتته سبحانه إياهم ميتة نفس واحدة كأنهم أمروا، فأطاعوا. قوله: {ثُمَّ أَحْيَـٰهُمْ } هو معطوف على مقدّر يقتضيه المقام، أي: قال الله لهم: موتوا، فماتوا ثم أحياهم، أو على قال لما كان عبارة، عن الإماتة، وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ } التنكير في قوله فضل للتعظيم. أي: لذو فضل عظيم على الناس جميعاً، أما هؤلاء الذين خرجوا، فلكونه أحياهم، ليعتبروا، وأما المخاطبون، فلكونه قد أرشدهم إلى الاعتبار، والاستبصار بقصة هؤلاء، قوله: {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } هو معطوف على مقدّر، كأنه قيل: اشكروا فضله بالاعتبار بما قصّ عليكم، وقاتلوا، هذا إذا كان الخطاب بقوله: {وَقَاتِلُواْ } راجعاً إلى المخاطبين بقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ } كما قاله جمهور المفسرين، وعلى هذا يكون إيراد هذه القصة لتشجيع المسلمين على الجهاد، وقيل: إن الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل، فيكون عطفاً على قوله: {مُوتُواْ } وفي الكلام محذوف تقديره، وقال لهم قاتلوا. وقال ابن جرير: لا وجه لقول من قال: إن الأمر بالقتال للذين أحيوا. وقوله: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ } لما أمر سبحانه بالقتال، والجهاد أمر بالإنفاق في ذلك، و{من} استفهامية مرفوعة المحل بالابتداء، و«ذا» خبره، و«الذي» وصلته وصف له، أو بدل منه، وإقراض الله مثل لتقديم العمل الصالح الذي يستحق به فاعله الثواب، وأصل القرض اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، يقال: أقرض فلان فلاناً. أي: أعطاه ما يتجازاه. قال الشاعر:شعر : وَإذا جوزِيت قَرضاً فاجزْه تفسير : وقال الزجاج: القرض في اللغة: البلاء الحسن، والبلاء السيء. قال أمية:شعر : كلُّ امرىء سَوفَ يُجْزَي قْرضَه حَسَناً أو سَيِئاً وَمديناً مِثْل مَا دَانَا تفسير : وقال آخر:شعر : فجازَى القُرُوض بِأمثَالها فبالخْيَر خَيْراً وبِالشر شرّاً تفسير : وقال الكسائي: القرض: ما أسلفت من عمل صالح، أو سيء، وأصل الكلمة القطع، ومنه المقراض، واستدعاء القرض في الآية إنما هو: تأنيس، وتقريب للناس بما يفهمونه. والله هو الغني الحميد. شبه عطاء المؤمن ما يرجو ثوابه في الآخرة بالقرض، كما شبه إعطاء النفوس، والأموال في أخذ الجنة بالبيع، والشراء. وقوله: {حَسَنًا } أي: طيبة به نفسه من دون مَنِّ، ولا أذى. وقوله: {فَيُضَاعِفَهُ } قرأ عاصم، وغيره بالألف، ونصب الفاء. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي بإثبات الألف، ورفع الفاء، وقرأ ابن عامر، ويعقوب: «فيضعفه» بإسقاط الألف مع تشديد العين، ونصب الفاء. وقرأ ابن كثير، وأبو جعفر بالتشديد، ورفع الفاء. فمن نصب، فعلى أن جواب الاستفهام، ومن رفع، فعلى تقدير مبتدأ، أي: هو يضاعفه. وقد اختلف في تقدير هذا التضعيف على أقوال. وقيل: لا يعلمه إلا الله وحده. وقوله: {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ } هذا عام في كل شيء، فهو القابض الباسط، والقبض: التقتير، والبسط: التوسيع، وفيه وعيد بأن من بخل من البسط يوشك أن يبدل بالقبض، ولهذا قال: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } أي: هو يجازيكم بما قدمتم عند الرجوع إليه، وإذا أنفقتم مما وسع به عليكم أحسن إليكم، وإن بخلتم عاقبكم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم عن ابن عباس في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ } قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فراراً من الطاعون، وقالوا: نأتي أرضاً ليس بها موت، حتى إذا كانوا بموضع كذا، وكذا قال لهم الله: موتوا، فماتوا، فمر عليهم نبيّ من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم حتى يعبدوه، فأحياهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عنه: أن القرية التي خرجوا منها داوردان. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم هذه القصة مطوّلة، عن أبي مالك، وفيها: أنهم بضعة وثلاثون ألفاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن عبد العزيز: أن ديارهم هي أذَرُعات. وأخرج أيضاً، عن أبي صالح قال: كانوا تسعة آلاف. وأخرج جماعة من محدثي المفسرين هذه القصة على أنحاء، ولا يأتي الاستكثار من طرقها بفائدة. وقد ورد في الصحيحين، وغيرهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي، عن الفرار من الطاعون، وعن دخول الأرض التي هو بها من حديث عبد الرحمن بن عوف. وأخرج سعيد بن منصور، وابن سعد، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود، قال: «لما نزلت: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله إن الله ليريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال: أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وله فيه ستمائة نخلة». وقد أخرج هذه القصة عبد الرزاق، وابن جرير من طريق زيد بن أسلم، زاد الطبراني، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، وابن مردويه، عن أبي هريرة، وابن إسحاق، وابن المنذر، عن ابن عباس. وأخرج ابن جرير، عن السدي في قوله: {أَضْعَافًا كَثِيرَةً } قال: هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو. وأخرج أحمد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي عثمان النَّهْدي قال: بلغني عن أبي هريرة، حديث أنه قال: «إن الله ليكتب لعبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة» فحججت ذلك العام، ولم أكن أريد أن أحج إلا لألقاه في هذا الحديث، فلقيت أبا هريرة، فقلت له، فقال: ليس هذا، قلت: ولم يحفظ هذا الحديث الذي حدثك، إنما، قلت: «إن الله ليعطي العبد المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة» ثم قال أبو هريرة: أوليس تجدون هذا في كتاب الله؟ {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } فالكثيرة عند الله أكثر من ألفي ألف، وألفي ألف، والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة»تفسير : . وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان في صحيحه، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عمر قال:«لما نزلت {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ } تفسير : [البقرة: 261] إلى آخره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : رب زِدْ أمتي، تفسير : فنزلت: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } قال: رب زد أمتي فنزلت: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ }تفسير : [الزمر: 10]. وأخرج ابن المنذر، عن سفيان، قال لما نزلت {أية : مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }تفسير : [الأنعام: 160] قال: ربّ زد أمتي، فنزلت: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ } قال: ربّ زد أمتي، فنزلت: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ في سبيل الله}تفسير : [البقرة: 261] قال: رب زد أمتي، فنزلت: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ } وفي الباب أحاديث هذه أحسنها وستأتي عند تفسير قوله تعالى: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ } فابحثها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ } قال: يقبض الصدقة، ويبسط: قال يخلف: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } قال: من التراب، وإلى التراب تعودون. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في الآية قال: علم الله أن فيمن يقاتل في سبيل الله من لا يجد قوّة، وفيمن لا يقاتل في سبيل الله من يجد غنى، فندب هؤلاء إلى القرض، فقال: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قرضاً حسناً} قال: يبسط عليك، وأنت ثقيل، عن الخروج لا تريده، ويقبض عن هذا، وهو يطيب نفساً بالخروج، ويخفّ له، فقوّه مما بيدك يكن لك الحظ.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ} يعني ألم تعلم. {وَهُمْ أُلُوفٌ} فيه قولان: أحدهما: يعني مُؤْتَلِفِي القلوب وهو قول ابن زياد. والثاني: يعني ألوفاً في العدد. واختلف قائلو هذا في عددهم على أربعة أقاويل: أحدها: كانوا أربعة آلاف، رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس. والثاني: كانوا ثمانية آلاف. والثالث: كانوا بضعة وثلاثين ألفاً، وهو قول السدي. والرابع: كانوا أربعين ألفاً، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً، والألوف تستعمل فيما زاد على عشرة آلاف. ثم قال تعالى: {حَذَرَ الْمَوتِ} وفيه قولان: أحدهما: أنهم فرّوا من الطاعون، وهذا قول الحسن، ورَوَى سعيد بن جبير قال: كانوا أربعة آلاف، خرجوا فراراً من الطاعون، وقالوا نأتي أرضاً ليس بها موت، فخرجوا، حتَّى إذا كانوا بأرض كذا، قال الله لهم: موتوا فماتوا، فمر عليهم نبي، فدعا ربه أن يحييهم، فأحياهم الله. القول الثاني: أنهم فروا من الجهاد، وهذا قول عكرمة والضحاك. {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا} فيه قولان: أحدهما: يعني فأماتهم الله، كما يقال: قالت السماء فمطرت، لأن القول مقدمة الأفعال، فعبر به عنها. والثاني: أنه تعالى قال قولاً سمعته الملائكة. {ثُمَّ أَحْيَاهُمُ} إنما فعل ذلك معجزة لنبي من أنبيائه كان اسمه شمعون من أنبياء بني إسرائيل، وأن مدة موتهم إلى أن أحياهم الله سبعة أيام. قال ابن عباس، وابن جريج: رائحة الموت توجد في ولد ذلك السبط من اليهود إلى يوم القيامة. قوله عز وجل: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهُ قَرْضاً حَسَناً} فيه تأويلان: أحدهما: أنه الجهاد، وهو قول ابن زيد. والثاني: أبواب البر، وهو قول الحسن، ومنه قول الشاعر: شعر : وإذا جُوزِيتَ قَرضاً فاجْزِه إنما يجزي الفتى ليس الجمل تفسير : قال الحسن: وقد جهلت اليهود لما نزلت هذه الآية فقالوا: إن الله يستقرض منا، فنحن أغنياء، وهو فقير، فأنزل الله تعالى: {أية : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَولَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنحَنْ أَغْنِيَاءُ} تفسير : [آل عمران: 181]. قوله تعالى: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} فيه قولان: أحدهما: سبعمائة ضعف، وهو قول ابن زيد. والثاني: لا يعلمه أحد إلا الله، وهو قول السدي. {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} فيه تأويلان: أحدهما: يعني في الرزق، وهو قول الحسن وابن زيد. والثاني: يقبض الصدقات ويبسط الجزاء، وهو قول الزجاج.
ابن عطية
تفسير : هذه رؤية القلب بمعنى: ألم تعلم، والكلام عند سيبويه بمعنى تنبه إلى أمر الذين، ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين، وقصة هؤلاء فيما قال الضحاك هي أنهم قوم من بني إسرائيل أمروا بالجهاد، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد، فخرجوا من ديارهم فراراً من ذلك، فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله {أية : وقاتلوا في سبيل الله} تفسير : [البقرة: 190، 244] الآية، وحكى قوم من اليهود لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جماعة من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء، فخرجوا من ديارهم فراراً منه، فأماتهم الله، فبنى عليهم سائر بني إسرائيل حائطاً، حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل النبي عليه السلام، فدعا الله فأحياهم له، وقال السدي: "هم أمة كانت قبل واسط في قرية يقال لها داوردان، وقع بها الطاعون فهربوا منه وهم بضعة وثلاثون ألفاً". في حديث طويل، ففيهم نزلت الآية. وقال إنهم فروا من الطاعون: الحسن وعمرو بن دينار. وحكى النقاش أنهم فروا من الحمى. وحكى فيهم مجاهد أنهم لما أحيوا رجعوا إلى قومهم يعرفون. لكن سحنة الموت على وجوههم. ولا يلبس أحد منهم ثوباً إلا عاد كفناً دسماً حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم، وروى ابن جريج عن ابن عباس أنهم كانوا من بني إسرائيل، وأنهم كانوا أربعين ألفاً وثمانية آلاف، وأنهم أميتوا ثم أحيوا وبقيت الرائحة على ذلك السبط من بني إسرائيل إلى اليوم، فأمرهم الله بالجهاد ثانية فذلك قوله {أية : وقاتلوا في سبيل الله} تفسير : [البقرة: 190- 244]. قال القاضي أبو محمد: وهذا القصص كله لين الأسانيد، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أخباراً في عبارة التنبيه والتوقيف، عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فراراً من الموت، فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم، ليروا هم وكل من خلف بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولاغترار مغتر، وجعل الله تعالى هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد بالجهاد. هذا قول الطبري، وهو ظاهر رصف الآية، ولموردي القصص في هذه القصة زيادات اختصرتها لضعفها. واختلف الناس في لفظ {ألوف}. فقال الجمهور: هي جمع ألف. وقال بعضهم: كانوا ثمانين ألفاً. وقال ابن عباس: "كانوا أربعين ألفاً". وقيل: كانوا ثلاثين ألفاً. وهذا كله يجري مع {ألوف} إذ هو جمع الكثير، وقال ابن عباس أيضاً: "كانوا ثمانية آلاف"، وقال أيضاً: أربعة آلاف، وهذا يضعفه لفظ {ألوف} لأنه جمع الكثير. وقال ابن زيد في لفظ {ألوف}: "إنما معناها وهم مؤتلفون" أي لم تخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم. إنما كانوا مؤتلفين، فخالفت هذه الفرقة فخرجت فراراً من الموت وابتغاء الحياة، فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم. وقوله تعالى: {فقال لهم الله موتوا} الآية، إنما هي مبالغة في العبارة عن فعله بهم. كان ذلك الذي نزل بهم فعل من قيل له: مت، فمات، وحكي أن ملكين صاحا بهم: موتوا، فماتوا. فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين. وهذا الموت ظاهر الآية، وما روي في قصصها أنه موت حقيقي فارقت فيها الأرواح الأجساد، وإذا كان ذلك فليس بموت آجالهم، بل جعله الله في هؤلاء كمرض حادث مما يحدث على البشر. وقوله تعالى: {إن الله لذو فضل على الناس} الآية، تنبيه على فضل الله على هؤلاء القوم الذين تفضل عليهم بالنعم وأمرهم بالجهاد، وأمرهم بأن لا يجعلوا الحول والقوة إلاّ له، حسبما أمر جميع العالم بذلك، فلم يشكروا نعمته في جميع هذا، بل استبدوا وظنوا أن حولهم وسعيهم ينجيهم. وهذه الآية تحذير لسائر الناس من مثل هذا الفعل، أي فيجب أن يشكر الناس فضل الله في إيجاده لهم ورزقه إياهم وهدايته بالأوامر والنواهي، فيكون منهم الجري إلى امتثالها لا طلب الخروج عنها، وتخصيصه تعالى الأكثر دلالة على الأقل الشاكر.
ابن عبد السلام
تفسير : {أُلوُفٌ} مؤتلفو القلوب، أو ألوف في عددهم أربعة آلاف أو ثمانية آلاف أو بضعة وثلاثون ألفاً، أو أربعون ألفاً، والألوف تستعمل فيما زاد على عشرة آلاف. {حَذَرَ الْمَوْتِ} فروا من الجهاد، أو من الطاعون إلى أرض لا طاعون بها فلما خرجوا ماتوا، فمر بهم نبي فدعا أن يُحيوا فأُجيب. {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ} عبّر عن الإماتة بالقول, كما يقال: قالت السماء فمطرت، أو قال قولاً سمعته الملائكة، وإحياؤهم معجزة لذلك النبي.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ...}. أي متآلفون مجتمعون، خرجوا في وقت واحد فارين من الموت، والرؤية إما بصرية أو علمية لكن (العلمية لاتتعدى بـ (الى) فلذلك قال أبو حيان: "المعنى لم ينته علمك إلى الذين خرجوا من ديارهم). قال ابن عرفة: وكذا البصرية ممتنعة هنا فإن أولئك غير موجودين(حين) الخطاب لكن نزل الماضي منزلة الحاضر تحقيقا له حتى كأنه مشاهد كما قال سيبويه، وهذا باب كذا. وفرق في الإرشاد بين نظر في كذا وهو النظر الفكري فجعله يتعدى (بفي). قوله تعالى: {فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ...}. أورد الزمخشري هنا سؤالا فقال: كيف قال لهم الله "مُوتُوا" وكان الأصل فأماتهم الله. قال ابن عرفة: هذا السؤال إنّما يرد على مذهبه لأنه ينفي الكلام النفسي. وأجاب بأنه عبارة عن سرعة (التكوين) وزاد فيه (تدقيقا) لمذهبه بقاعدة (إجماعية) وهي قول الله تعالى: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}تفسير : وهذا بناء على خطاب المعدوم وهل يصح (أم) لا؟ قال ابن عرفة: وهنا إضمارٌ أي: فماتوا ثم أحياهم. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ...}. فضله عام باعتبار الكم وباعتبار الكيف فالكم راجع إلى تكثير أعداد النعم والكيف راجع إلى حالها في أنفسها، والناس عام، فالكافر منعم عليه في الدنيا وأما في الأخرة فمحل نظر. والاستدراك في قوله {وَلَٰكِنّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} راجع إلى لازم قوله {لَذُو فَضْلٍ} فإن من لوازم فضله على الناس أن يشكروه ويحمدوه فلذلك استدرك بعده بـ (لكن).
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {فيضاعفه} بالألف والنصب: عاصم غير المفضل وسهل "فيضعفه" بالتشديد والنصب: ابن عامر ويعقوب غير روح. فيضعفه بالتشديد والرفع: ابن كثير ويزيد وروح. الباقون فيضاعفه بالألف والرفع وكذلك في سورة الحديد {ويبصط} بالصاد: ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير الخزاعي عن ابن فليح، وابن مجاهد وأبي عون عن قنبل، وسهل وعاصم وابن ذكوان وغير ابن مجاهد والنقاش وشجاع وعلي الحلواني من قالون مخير. الباقون بالسين. الوقوف: {الموت} ص {أحياهم} ط {لا يشكرون} ه {عليم} ه {كثيرة} ط {ويبسط} ص {ترجعون} ه. التفسير: قد جرت عادته سبحانه أن يذكر بعد بيان الأحكام القصص اعتباراً للسامعين ليحملهم ذلك الاعتبار على ترك التمرد والعناد ومزيد الخضوع والانقياد فقال: {ألم تر} وفيه تقرير لمن سمع بقصتهم ووقف على أخبار الأولين وتعجيب من حالهم. ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجب، أو تكون الرؤية بمعنى العلم والمعنى: ألم ينته علمك ولهذا عدي بإلى. وعلى هذا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف هذه القصة إلا بهذه الآية، ويجوز أن يقال: كان العلم بها سابقاً على نزول هذه الآية، ثم إنه تعالى أنزل الآية على وفق ذلك. روي أن أهل داوردان - قرية قبل واسط - وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفر من حكم الله وقضائه. ويروى أن حزقيل النبي الذي يقال له: ذو الكفل مر عليهم بعد زمان طويل وقد عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم، فتعجب مما رأى فأوحى إليه: أتريد أن أريك كيف أحيهم؟ فقال: نعم فقيل له: ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي. فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى تمت العظام. ثم أوحى الله إليه: نادها إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً فصارت لحماً ودماً. ثم نادها إن الله يأمرك أن تقومي فقامت. فلما أحياهم كانوا يقولون: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت. ثم رجعوا إلى قومهم بعد حياتهم، وكانت تظهر أمارات الموت في وجوههم إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم. وعن ابن عباس أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أمر عسكره بالقتال فخافوا القتال فهربوا وقالوا لملكهم: إن الأرض التي نذهب إليها فيها الوباء، فنحن لا نذهب إليها حتى يزول ذلك الوباء. فأماتهم الله بأسرهم وبقوا ثمانية أيام حتى انتفخوا. وبلغ بني إسرائيل موتهم فخرجوا لدفنهم فعجزوا من كثرتهم فحظروا عليهم الحظائر وأحياهم الله تعالى بعد الثمانية، فبقي فيهم شيء من ذلك النتن وبقي ذلك في أولادهم إلى هذا اليوم وقيل: إن حزقيل النبي ندب قومه إلى الجهاد فكرهوا وجبنوا فأرسل الله تعالى عليهم الموت، فلما كثر فيهم الموت خرجوا من ديارهم فراراً من الموت، فلما رأى حزقيل ذلك قال: اللهم إله يعقوب وإله موسى ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم تدلهم على نفاذ قدرتك وأنهم لا يخرجون عن قبضتك. فأرسل الله عليهم الموت فلما رآه عليه السلام ضاق قلبه فدعا مرة أخرى فأحياهم الله تعالى. أما قوله سبحانه {وهم ألوف حذر الموت} ففيه دليل على الألوف الكثيرة ولكنهم اختلفوا. فقيل: عشرة آلاف، وقيل: ثلاثون، وقيل: سبعون. وعن بعضهم أن الألوف جمع آلف كقعود جمع قاعد أي خرجوا وهم مؤتلفو القلوب، وزيف بأن ورود الموت عليهم وفيهم كثرة يفيد مزيد اعتبار بحالهم بخلافهم لو كانوا نفراً يسيراً. فأما ورود الموت على قوم بينهم ائتلاف ومحبة فكوروده على قوم بينهم اختلاف كثير في أن وجه الاعتبار لا يتغير، وقد يوجه بأن المراد إلفهم بالدنيا ومحبتهم لها فأهلكوا ليعلم أن حرص الإنسان على الحياة لا يعصمه عن الفوت. و {حذر الموت} مفعول لأجله. {فقال لهم الله موتوا} معناه فأماتهم وجيء بهذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد، وأنها خارجة عن العادة ولا أمر ولا قول كما مر في قوله {أية : سبحانه إذا قضى أمر فإنما يقول له كن فيكون} تفسير : [مريم: 35] ويدل عليه قوله {ثم أحياهم} وإذا صح الإحياء بلا قول فكذا الإماتة. ويحتمل أنه تعالى أمر الرسول بأن يقول لهم موتوا. والظاهر أنهم لم يكونوا رأوا عند الموت من الأهوال والأحوال ما تصير بها معارفهم ضرورية ويمنع من صحة التكليف بعد الإحياء كما في الآخرة. وقال قتادة: إنما أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم. {إن الله لذو فضلٍ على الناس} تفضل عليهم بأن خرجوا من الدنيا على المعصية فأعادهم إلى الدنيا ومكنهم من التوبة والتلافي، وتفضل على منكري المعاد باقتصاص خبرهم ليستبصروا ويعتبروا، وذلك أن تركب الأجزاء على الشكل المخصوص ممكن وإلا لما وجد أولاً، وإذا كان ممكناً في نفسه، وقد أخبر الصادق بوجوده وجب القطع به. وفي القصة تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وأن الموت إذا لم ينفع منه الفرار فأولى أن يكون في سبيل الله، ولهذا أتبعت بقوله {وقاتلوا في سبيل الله} ثم إن كان هذا الأمر خطاباً للذين أحياهم على ما قال الضحاك أحياهم ثم أمرهم بأن يذهبوا إلى الجهاد، فلا بد من إضمار تقديره، وقيل لهم: قاتلوا. وإن كان استئناف خطاب للحاضرين على ما هو اختيار الجمهور من المفسرين فلا إضمار، وفيه ترغيب وإرهاب كيلا ينكص على عقبيه محب للحياة بسبب خوف الموت فإن الحذر لا يغني عن القدر. {واعلموا أن الله سميع عليم} يسمع ما يقوله القاعدون والمجاهدون ويعلم ما يضمرونه وهو من وراء الجزاء. ولما أمر المكلفين بالقتال في سبيل الله أردف ذلك بقوله {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} أي في باب الجهاد، كأنه ندب العاجز عن الجهاد أن ينفق على الفقير القادر على الجهاد، وأمر القادر على الجهاد أن ينفق على نفسه في طريق الجهاد. و "ذا" في {من ذا} إما زائدة و "من" استفهام في موضع الرفع، و "الذي" مع صلتها خبره أو موصولة و "الذي" بدلها أو اسم إشارة خبر "من" و "الذي" نعت له، أو بدل منه. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون "من" و "ذا" بمنزلة اسم واحد كما كانت "ماذا" لأن "ما" أشد إبهاماً من "من" إذا كانت "من" لمن يعقل. وقد بني الكلام على طريقة الاستفهام لأن ذلك أدخل في الترغيب والحث على الفعل من ظاهر الأمر. وقيل: إن هذا الكلام مبتدأ لا تعلق له بما قبله، وإنما ورد مستأنفاً في الإنفاق إما على الإطلاق وهو الأليق بعموم لفظ القرض، وإما الواجب منه لأن قوله {وإليه ترجعون} كالزجر. وهو إنما يليق بالواجب، وأما غير الواجب لأن القرض بالتبرع أشبه وهذا قول الأصم. وقد يروى عن بعض أصحاب ابن مسعود أن المراد من هذا القرض هو قول الرجل "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر". وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من لم يكن عنده ما يتصدق به فليلعن اليهود فإنه له صدقة"تفسير : ويشبه أن يكون الفقير الذي لا يملك شيئاً إذا كان في قلبه أنه إذا قدر أنفق وأعطى، قامت تلك النية مقام الإنفاق. وعن الزجاج أن لفظ القرض حقيقة في كل ما يفعل ليجازى عليه. وأصل القرض القطع ومنه المقراض والانقراض لانقطاع الأثر، ومن أقرض فكأنما قطع له من ماله أو عمله قطعة يجازى عليها. وقيل: إن لفظ القرض في الآية مجاز، فإن القرض إنما يأخذه من يحتاج إليه لفقره وذلك في حق الله محال، ولأن البدل في القرض المعتاد لا يكون إلا بالمثل وهنا يضاعف، ولأن المال الذي يأخذه المستقرض لا يكون ملكاً له وههنا المال المأخوذ ملك الله. ثم مع حصول هذه الفروق سماه الله تعالى قرضاً تنبيهاً على أن ذلك لا يضيع عند الله. فكما أن القرض يجب أداؤه ولا يجوز الإخلال به فكذا الثواب المستحق على هذا الإنفاق واصل إلى المكلف لا محالة. وقوله {قرضاً حسناً} يحتمل كونه اسم مصدر وكونه مصدراً بمعنى الإقراض. ومعنى كونه حسناً حلالاً خالصاً لا يختلط به الحرام ولا يشوبه منٌ ولا أذى ولا يفعله رياء وسمعة، وإنما يفعله خالصاً لوجه الله تعالى. و {أضعافاً} نصب على الحال أو على المفعول الثاني إن ضمن ضاعف معنى صير، ويجوز أن يكون مصدراً لأن الضعف وإن كان اسماً إلا أنه قد يقع موقع المصدر كالعطاء فإنه اسم للمعطى، وقد يستعمل بمعنى الإعطاء قال القطامي: شعر : أكفراً بعد رد الموت عني وبعد عطائك المائة الرتاعا؟ تفسير : وإنما جاز جمع المصدر بحسب اختلاف أنواع الجزاء لاختلاف الإقراض في المقدار والإخلاص وغير ذلك. والضعف المثل، والتضعيف والأضعاف والمضاعفة كلها الزيادة على أصل الشيء حتى يصير مثلين أو أكثر. قيل: الواحد بسبعمائة. وعن السدي أن هذا التضعيف لا يعلم أحدكم هو وما هو، وإنما أبهمه الله تعالى لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود {والله يقبض ويبسط} يقتر على عباده ويوسع فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبدلكم الضيقة بالسعة. وأيضاً من كتب له الفقر فليس له إلا ذلك سواء أنفق أو لم ينفق، ومن كتب له الغنى فليس له إلا ذلك. فعلى التقديرين يكون إنفاق المال في سبيل الله أولى. وإذا علم المكلف أن القبض والبسط بالله انقطع نظره عن مال الدنيا وبقي اعتماده على الله، فحينئذٍ يسهل عليه الإنفاق في مرضاة الله. ويحتمل أن يكون المعنى: والله يقبض بعض القلوب حتى لا يقدم على هذه الطاعة، ويبسط بعضها حتى يسهل عليه البذل وصرف المال. {وإليه ترجعون} فيجازيكم بحسب ما قدمتم من أعمال الخير و الله ولي التوفيق وإليه انتهاء الطريق.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ...} الآية: هذه رؤية القَلْب؛ بمعنى: ألم تَعْلَمْ، وقصَّة هؤلاء فيما قال الضَّحَّاك؛ أنهم قوم من بني إِسرائيل أُمِرُوا بالجهَادِ، فخافوا الموْتَ بالقَتْل في الجهادِ، فخرجوا من ديارهم فِرَاراً من ذلك، فأماتهم اللَّه؛ ليعرِّفهم أنه لا يُنْجِيهِمْ من الموت شيْء، ثم أحياهم، وأمرهم بالجهادِ، بقوله: {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...} الآية. وروى ابن جريج عن ابن عبَّاس؛ أنهم كانوا من بني إِسرائيل، وأنهم كانوا أربعينَ ألفاً، وثمانيةَ آلاف، وأنهم أُميتوا، ثم أُحْيُوا، وبقيتِ الرائحَةُ علَىٰ ذلك السِّبْط من بني إِسرائيل إِلى اليَوْم، فأمرهم اللَّه بالجهَادِ ثانيةً، فذلك قوله: {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ }. قال:* ع *: وهذا القَصَصُ كلُّه ليِّن الإِسناد، وإِنما اللازم من الآية أنَّ اللَّه تعالَىٰ أخبر نبيَّه محمَّداً صلى الله عليه وسلم إِخباراً في عبارة التنْبيه، والتوقيفِ عنْ قَوْم من البَشَر خَرَجوا من ديارهم فراراً من المَوْت، فأماتهم اللَّه، ثم أحياهم؛ ليعلموا هم وكلُّ من خَلَفَ بعدهم؛ أن الإِماتة إِنما هي بإِذْنِ اللَّه لا بيَدِ غَيْره، فلا معنَىٰ لخوفِ خائفٍ، وجعل اللَّه تعالَىٰ هذه الآية مقدِّمة بين يدَيْ أمره المؤمنين من أُمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم بالجهادِ، هذا قول الطَّبري، وهو ظاهرُ رَصْف الآية. والجمهورُ علَىٰ أنَّ {أُلُوفٌ} جمعُ أَلْفٍ، وهو جمعُ كَثرة، وقال ابن زَيْد في لفظة {أُلُوفٌ }: إِنما معناها، وهم مؤتلفُونَ. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ...} الآية: تنبيهٌ علَىٰ فضله سبحانه على هؤلاء القَوْم الذين تفضَّل عليهم بالنعم، وأمرهم بالجهاد، وألاَّ يجعلوا الحَوْل والقُوَّة إِلا له سبحانه؛ حَسْبما أمر جميع العالم بذلك، فلم يشكروا نعمته في جميعِ هذا، بل استبدُّوا وظَنُّوا أنَّ حولَهُمْ وسعْيَهم ينجِّيهم، وهذه الآيةُ تَحْذيرٌ لسائر النَّاسِ مِنْ مثل هذا الفعْلِ، أي: فيجب أنْ يشكر النَّاسُ فضْلَه سبحانه؛ في إِيجاده لهم، ورزْقِهِ إِياهم، وهدايتِهِ بالأوامر والنواهِي، فيكون منهم المبادرة إلى ٱمتثالها، لا طَلَبُ الخُرُوج عنْها، وفي تَخْصِيصه تعالَىٰ: «الأَكْثَر» دلالةٌ على أنَّ الأقلَّ الشَّاكِر. وقوله تعالَىٰ: {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...} الآية: الجمهورُ أن هذه الآية مخاطبة لأمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم بالقتالِ في سبيلِ اللَّهِ، وهو الذي يُنْوَىٰ به أن تكون كلمةُ اللَّه هي العليا؛ حَسَب الحديث. وقال ابن عَبَّاس، والضَّحَّاك: الأمْرُ بالقتال هو لِلَّذينَ أُحْيُوا من بني إسرائيل، قال الطبريُّ: ولا وجه لهذا القَوْل، ثم قال تعالَىٰ: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ...} الآية: فدخل في ذلك المقاتلُ في سبيل اللَّه، فإِنه يقرض؛ رَجَاء ثوابِ اللَّهِ؛ كما فعل عثمانُ في جَيْش العُسْرة، ويُرْوَىٰ أنَّ هذه الآية، لَمَّا نزلَتْ، "حديث : قال أبو الدَّحْدَاحِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ إِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ مِنَّا القَرْضَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ»، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُهُ حَائِطِي لِحَائِطٍ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ، ثُمَّ جَاءَ الحَائِطَ، وَفِيهِ أُمُّ الدَّحْدَاحِ، فَقَالَ: ٱخْرُجِي، فَإِنِّي قَدّ أَقْرَضْتُ رَبِّي حَائِطِي هَذَا، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:«كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُذَلَّلٍ لأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الجَنَّةِ»». تفسير : واستدعاء القَرْض؛ في هذه الآية وغيرها؛ إنما هو تأنيسٌ وتقريبٌ للأفهام، واللَّه هو الغنيُّ الحميدُ. قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» وكَنَى اللَّه عزَّ وجلَّ عن الفقيرِ بنَفْسه العليَّة ترغيباً في الصَّدَقة؛ كما كَنَىٰ عن المريضِ، والجائِعِ، والعاطشِ بنفسه المقدَّسة؛ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إِنَّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ، فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاَناً مَرِضَ، فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدتَّهُ، لَوَجَدتَّنِي عِنْدَهُ، يَا ابْنَ آدَمَ، ٱسْتَطْعَمْتُكَ، فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ ٱسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ، لَوَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ، ٱسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: ٱسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَه، وَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي »تفسير : انتهى، واللفظ لصحيح مسلم، قال ابنُ العَرَبِيِّ: وهذا كلُّه خرَجَ مَخْرَجَ التشريفِ لمَنْ كُنِيَ عنه، وترغيباً لمن خوطِبَ انتهى. وقوله: {حَسَنًا }: معناه: تَطِيبُ فيه النية، ويشبه أيضاً أنْ تكون إِشارة إِلى كثرته وجَوْدته. وهذه الأضعاف الكثيرةُ إِلى السَّبْعِمِائَةِ التي رُوِيَتْ، ويعطيها مثالُ السُّنْبُلة. * ت *: والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه وجوبُ الإِيمان بما ذكر المولَىٰ سبحانه، ولا سبيل إِلى التحديد؛ إِلاَّ أنْ يثبتَ في ذلك حديثٌ صحيحٌ، فيصار إِليه، وقد بيَّن ذلك صلى الله عليه وسلم فيما خرَّجه مُسْلِم، والبُخاريُّ، ٱنظره عند قوله تعالى: {أية : كَمَثَلِ حَبَّةٍ }تفسير : [البقرة:261] قال: * ع *: «حديث : رُوِيَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُسَعِّر بِسَبَبِ غَلاَءٍ خِيفَ عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ البَاسِطُ القَابِضُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ، وَلاَ يَتْبَعْنِي أَحَدٌ بِمَظْلَمَةٍ فِي نَفْسٍ؛ وَلاَ مَالٍ»»تفسير : ، قال صاحب «سِلاحِ المؤمن» عند شَرْحه لاسمه تعالَى «القَابِضِ البَاسِطِ»: قال بعْضُ العلماءِ: يجبُ أن يُقْرَنَ بيْنَ هذَيْن الٱسمين، ولا يفصل بينهما؛ ليكون أنبأَ عن القُدْرة، وأدلَّ على الحكمة؛ كقوله تعالى: {يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ}، وإِذا قلْتَ: «القَابِض» مفرداً، فكأنَّك قَصَرْتَ بالصفة على المنع والحرْمان، وإِذا جمعْتَ أَثْبَتَّ الصفتين؛ وكذلك القولُ في الخافضِ والرافعِ والمُعِزِّ والمُذِلِّ. انتهى، وما ذكره عن بعض العلماءِ، هو كلامُ الإِمام الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه الحسنَىٰ، ولفظه: القابضُ والباسطُ: الأحسنُ في هذين الاِسمَيْن أنْ يقْرَنَ أحدهما في الذِّكْر بالآخر؛ ليكون ذلك أدلَّ على القدرة والحكمةِ؛ ولهذا السببِ قال اللَّه تعالى: {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} وإذا ذكرت «القابضَ» منْفرداً عن «البَاسِطِ»، كنْتَ قد وصفته بالمَنْع والحرمانِ، وذلك غير جائز، وقوله: «المُعِزُّ المُذِلّ»، وقد عرفْتَ أنه يجبُ في أَمثالِ هذَيْن ذكْرُ كل واحد منهما مع الآخر. انتهى.
ابن عادل
تفسير : اعلم أنَّ عادته تعالى: أن يذكر القصص بعد بيان الأحكام ليفيد الاعتبار للسَّامع. قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ}: هذه همزة الاستفهام دخلت على حرف النَّفي، فصيَّرت النَّفي تقريراً، وكذا كلُّ استفهام دخل على نفي نحو: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}تفسير : [الشرح:1] {أية : أَلَيْسَ ٱللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}تفسير : [الزمر:36] فيمكن أن يكون المخاطب علم هذه القصّة قبل نزول هذه الآية، فيكون التَّقرير ظاهراً، أي: قد رأيت حال هؤلاء، كقول الرَّجل لغيره يريد تعريفه ابتداء: "ألم تر إلى ما جرى على فلان"؟. قال القرطبيُّ: والمعنى عند سيبويه: تنبُّه إلى أمر الذين، ولا تحتاج هذه الرواية إلى مفعولين والمخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كل سامع، إلاَّ أنَّه قد وقع الخطاب معه ابتداءً كقوله: {أية : يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ}تفسير : [الطلاق:1] ويجوز أن يكون المراد بهذا الاستفهام: التعجب من حال هؤلاء، وأكثر ما يرد كذلك: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً}تفسير : [المجادلة:14] {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ}تفسير : [الفرقان:45]؛ وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 1151- أَلَمْ تَرَ أَنِّي كُلَّمَا جِئْتُ طَارِقاً وَجَدْتُ بِهَا طِيباً وإنْ لَمْ تَطَيَّبِ تفسير : والرُّؤية هنا علميَّة، فكان من حقِّها أن تتعدَّى لاثنين، ولكنَّها ضمِّنت معنى ما يتعدَّى بإلى. والمعنى: ألم ينته علمك إلى كذا. وقال الرَّاغب: "رأيت: يتعدَّى بنفسه دون الجارِّ، لكن لما استعير قولهم: "ألم تَرَ" بمعنى ألم تنظر؛ عدِّي تعديته، وقلَّما يستعمل ذلك في غير التقدير، لا يقال: رأيت إلى كذا". وقرأ السُّلمي: "تَرْ" بسكون الرَّاء، وفيها وجهان: أحدهما: أنه توهَّم أنَّ الراء لام الكلمة، فسكَّنها للجزم؛ كقوله: [الرجز] شعر : 1152- قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا سَوِيقَا وَاشْتَرْ فَعَجِّلْ خَادِماً لَبِيقَا تفسير : وقيل: هي لغة قومٍ، لم يكتفوا في الجزم بحذف حرف العلَّة. والثاني: أنه أجرى الوصل مجرى الوقف، وهذا أولى، فإنَّه كثيرٌ في القرآن؛ نحو: "الظُّنُونَا"، و "الرَّسُولاَ"، و "السَّبِيلاَ"، و "لَمْ يَتَسَنَّهُ"، و "بِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ" وقوله: "وَنُصْلِهِ"، و "نُؤْتِهِ"، و "يُؤَدِّه"، وسيأتي ذلك، إن شاء الله تعالى. قوله: "وَهُمْ أُلُوفٌ" مبتدأٌ وخبرٌ، وهذه الجملة في [موضع] نصب على الحال، وهذا أحسن مجيئها، إذ قد جمع فيها بين الواو والضمير، و "أُلوفٌ" فيه قولان: أظهرهما: أنه جمع "ألْف" لهذا العدد الخاصِّ، وهو جمع الكثرة، وجمع القلّة: آلاف كحمول، وأحمال. والثاني: أنه جمع "آلِف" على فاعل كشاهدٍ وشهود، وقاعدٍ وقُعودٍ، أي: خرجوا وهم مؤتلفون، قال الزَّمخشريُّ: "وهذا من بِدَع التَّفاسير". قوله تعالى: {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} أي من خوف الموت وهو مفعولٌ من أجله، وفيه شروط النَّصب، أعني المصدرية، واتحاد الفاعل، والزمان. قوله: {ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: أنه معطوفٌ على معنى: فقال لهم الله: موتوا، لأنَّه أمرٌ في معنى الخبر تقديره: فأماتهم الله ثم أحياهم. والثاني: أنه معطوفٌ على محذوفٍ، تقديره: فماتوا ثم أحياهم بعد موتهم، و "ثم" تقتضي تراخي الإحياء عن الإماتة. وألف "أَحْيَا" عن ياء؛ لأنَّه من "حَيِيَ"، وقد تقدَّم تصريف هذه المادّة عند قوله: {أية : إِنَّ ٱللهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً}تفسير : [البقرة:26]. فصل قال السُّدِّيُّ وأكثر المفسرين: "كانت قرية يقال لها: "دَاوْردَان" قيل واسط، وقع بها الطَّاعون، فخرج عامَّة أهلها، وبقيت طائفةٌ، فهلك أكثر الباقين وبقي منهم بقيَّةٌ في المرض والبلاء، فلما ارتفع الطَّاعون؛ رجع الَّذين هربوا سالمين فقال من بَقِيَ من المرضى: هؤلاء أحزم منّا، لو صنعنا كما صنعوا لنجونا، ولئن وقع الطَّاعون ثانيةً لنخرجنّ إلى أرض لا وباء فيها، فوقع الطاعون من قابِلٍ؛ فهرب عامَّة أهلها، وهم بضعةٌ وثلاثون ألفاً؛ حتى نزلوا وادياً أفيح فلمّا نزلوا المكان الذين يبتغون فيه النَّجاة، ناداهم ملك من أسفل الوادي، وآخر من أعلاه: "أنْ مُوتُوا" فماتوا جميعاً وبليت أجسامهم، فمرَّ بهم نبيٌّ يقال له: "حِزْقِيل بن يوذي": ثالث خلفاء بني إسرائيل، بعد موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام -، وذلك أن القيم بعد موسى بأمر بني إسرائيل يُوشَعُ بْنُ نُون ثم كالب بن يوفنا، ثم حزقيل، وكان يقال له: ابن العجوز؛ لأنَّه أمَّه كانت عجوزاً، فسألت الله الولد بعدما كبرت، وعقمت، فوهبه الله لها". قال الحسن، ومقاتل: هو ذو الكفل، وسمِّي: ذا الكفل؛ لأنَّه تكفَّل بسبعين نبيّاً، وأنجاهم من القتل، فلمَّا مرَّ حزقيل على أولئك الموتى، وقف متفكّراً فيهم متعجِّباً، فأوحى الله إليه أتريد أن أُريك آيةً؟ قال: نعم، فقيل له: نادِ! يَا أَيُّهَا العِظَامُ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكِ أن تَجْتَمِعِي، فجعلتِ العِظَامُ يَطِيرُ بعضها إلى بعض، حتى تمّت العِظَامُ، ثم أوحى اللهُ إليه ثانياً أن ينادي: يا أيَّتُها العِظَامُ؛ إنَّ اللهَ يأمرك أنَّ تَكْتَسِي لحماً ودماً، ثم نادي: إنَّ اللهَ يأمرك أن تَقُومي؛ فقامت، فلمَّا صاروا أحياءً قاموا، وكانوا يقولون: "سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ" ثم رجعوا إلى قريتهم، بعد حياتهم، وكانت أمارات موتهم ظاهرةً في وجوههم، ثمَّ بقوا إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم. "حديث : روى عبد الله بن عامر بن ربيعة أنَّ عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه ـ: خرج إلى الشَّام، فلمَّا جاء "سَرْغَ" بلغه أنَّ الوباء قد وقع بالشَّام؛ فأخبره عبد الرحمن بن عوف: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضِ فَلاَ تَقْدُمُوا عَلَيْهِ، وإذا وَقَعَ بِأَرْضٍ وأَنْتُمْ بِهَا؛ فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَاراً"؛ فرجع عمر من "سرغ" . تفسير : وقال ابن عبَّاس، والكلبيُّ ومقاتل والضَّحَّاك: إنَّ ملكاً من ملوك بني إسرائيل أمر عسكره بالقتال؛ فخافوا القتال، وجبنوا، وكرهوا الموت، فاعتلُّوا، وقالوا لملكهم: إنَّ الأرض التي تذهب إليها بها الوباء، فلا نأتيها حتى يزول ذلك الوباء منها؛ فأرسل الله عليهم الموت؛ فخرجوا من ديارهم فراراً من الموت، فلما رأى الملك ذلك قال: اللَّهمّ ربّ يعقوب، وإله موسى، وهارون قد ترى معصية عبادك، فأرهم آيةً في أنفسهم، حتى يعلموا أنَّهم لا يستطيعون الفرار منك، فلمَّا خرجوا قال لهم الله "مُوتُوا"، فماتوا جميعاً، وماتت دوابهم كموت رجل واحدٍ، وبقوا ثمانية أيَّام، حتَّى انتفخوا وأروحت أجسادهم، وبلغ بني إسرائيل موتهم، فخرجوا لدفنهم؛ فعجزوا لكثرتهم، فحظروا عليهم حظائر دون السِّباع، فأحياهم الله بعد الثمانية أيَّام، وبقي فيهم شيءٌ من ذلك النتن، وفي أولادهم إلى هذا اليوم. واحتجُّوا على هذه الرِّواية بقوله عقيب ذلك: {أية : وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ} تفسير : [البقرة:244] وقال مقاتل والكلبي كانوا قوم حزقيل، أحياهم الله تعالى بعد ثمانية أيَّام، وذلك أنه لمَّا أصابهم ذلك، خرج حزقيل في طلبهم، فوجدهم موتى؛ فبكى وقال: "يا ربِّ؛ كُنْتُ من قومٍ يحمدونَكَ ويسبِّحُونَكَ ويقدِّسُونَكَ، ويكبِّرُونَكَ، ويهللونَكَ؛ فبقيت واحداً لا قوم لي"؛ فأوحى الله إليه: إنِّي جعلت حياتهم إليك، فقال حزقيل: احيوا بإذن الله تعالى؛ فعاشوا. قال مجاهدٌ: إنهم قالوا حين أُحيوا: سبحانك ربنا، وبحمدك لا إله إلاّ أنت، فرجعوا إلى قومهم، وعاشوا دهراً طويلاً وسحنة الموت على وجوههم، لا يلبسون ثوباً إلاَّ عاد دنساً مثل الكفن، حتى ماتوا لآجالهم التي كتب لهم. قال ابن عباس: إنَّها لتوجد اليوم في ذلك السِّبط من اليهود تلك الرِّيح. قال الحسن: أماتهم الله قبل آجالهم عُقُوبَةً لهم، ثم بعثهم إلى بقيَّة آجالهم. قال ابن العربيّ: أماتهم الله عقوبة لهم، ثم أحياهم، وميتة العقوبة بعدها حياةٌ، وميتة الأجل لا حياة بعدها. قوله تعالى: {فَقَالَ لَهُمُ ٱللهُ مُوتُواْ}. قال ابن الخطيب: قيل: هو من قوله: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}تفسير : [النحل:40] والمراد سرعة وقوع المراد، ولا قول هناك. وقيل: أمر الرَّسول أن يقول لهم: "مُوتُوا" أو الملك، والأوَّل أقرب. قوله تعالى: {ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} يقتضي أنهم أُحيوا بعد موتهم، وذلك ممكنٌ، وقد أخبر الصَّادق به؛ فوجب القطع. وقالت المعتزلة: إحياء الميِّت فعلٌ خارق للعَادَةِ، ولا يجوز إظهاره إلا معجزة للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. قال ابن الخطيب: وأصحابنا يجوّزون خرق العادة كرامةً للأولياء، ولغير ذلك. قالت المعتزلة: وهذا الإحياء، وقع في زمن حزقيل ببركة دعائه. وهاهنا بحثٌ وهو أنَّه قد ثبت بالدَّليل أن المعارف تصير ضروريّة عند القرب من الموت ومعاينة الأهوال والشدائد، فهؤلاء إن كانوا عاينوا تلك الأهوال الموجبة للعلم الضَّروريِّ؛ وجب إذا عاشوا أن يبقوا ذاكرين لذلك؛ لأن الأشياء العظيمة لا تنسى مع كمال العقل؛ لتبقى لهم تلك العلوم، ومع بقائها يمتنع التَّكليف كما في الآخرة، ولا مانع يمنع من بقائهم غير مكلَّفين وإن كان جاءهم الموت بغتةً، كالنَّوم ولم يعاينوا شدَّةَ، ولا هولاً، فذلك أيضاً ممكن. وقال قتادة: إنَّما أحيوا ليستوفوا بقيَّة آجالهم. فصل واختلفوا في عدّتهم. قال الواحديُّ ـ رحمه الله ـ: لم يكنوا دون ثلاثة آلاف، ولا فوق سبعين ألفاً. والوجه من حيث اللَّفظ: أن يكون عددهم أزيد من عشرة آلاف؛ لأنَّ الألوف جمع الكثرة، ولا يقال في عشرة فما دونها ألوف، وقيل: إنَّ الألوف جمع ألفٍ، كقعودٍ وقاعدٍ، وجلوسٍ، وجالسٍ، والمعنى: أنَّهم كانوا مؤتلفي القلوب. قال القاضي: والوجه الأوَّل أولى؛ لأنَّ ورود الموت عليهم دفعةً واحدةً، وهم كثرةٌ عظيمةٌ، تفيد مزيد اعتبار بحالهم؛ لأنَّ موت الجمع العظيم دفعةً واحدةً لا يتَّفق وقوعه، وأمَّا ورود الموت على قوم تآلفوا حب الحياة، وبينهم ائتلافٌ ومحبةٌ كوروده وبينهم اختلاف، فوجه الاعتبار لا يتغيَّر. قال ابن الخطيب: ويمكن أن يجاب بأنَّ المراد كون كلّ واحد منهم آلفاً لحياته، محباً لهذه الدُّنيا، فرجع حاصله إلى ما قال تعالى في صفتهم {أية : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ}تفسير : [البقرة:96]، ثم إنهم مع غاية حبِّهم للحياة وألُفهم بها أماتهم الله تعالى، وأهلكهم ليعلم أنّ حرص الإنسان على الحياة، لا يعصمه من الموت، فهذا القول ليس ببعيدٍ. فصل قال القرطبيُّ: الطَّاعون وزنه فاعول من الطَّعن، غير أنَّه لما عدل به عن أصله؛ وضع دالاً على الموت العام بالوباء. قاله الجوهريُّ. حديث : وروت عائشة - رضي الله عنها - أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ" قالت: الطَّعن قد عرفناه فما الطَّاعون، قال: "غُدَّةٌ كَغُدَّةِ البَعِيرِ تَخْرُجُ في المراقِّ والآبَاطِ" تفسير : قال العلماء: وهذا الوباء يرسله الله نقمة، وعقوبة على من يشاء من عصاة عبيده، وكفرتهم، وقد يرسله الله شهادة، ورحمة للصَّالحين، كقول معاذٍ في طاعون عمواس: إنَّه شهادةٌ ورحمةٌ لكم، ودعوة نبيكم، وهي قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُعَاذاً وَأَهْلَهُ نَصِيبَهُم مِنْ رَحْمَتِكَ"تفسير : ، فَطُعِنَ في كَفِّهِ - رضي الله عنه -. فصل وروى البخاريُّ: "حديث : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين ذكره الوباء: إنَّه رجزٌ، أو عذابٌ عذِّب به بعض الأمم، ثمَّ بقي منه بقيَّةٌ، فيذهب المرَّة، ويأتي الأخرى، فمن سمع به بأرضٍ، فلا يقدمنَّ عليه، ومن كان بأرضٍ وقع بها، فلا يخرج فراراً منه" تفسير : وعمل عمر - رضي الله عنه - بمقتضى هذا الحديث لمَّا رجعوا من "سَرْغ" حين أخبرهم ابن عوف بهذا الحديث. وقالت عائشة - رضي الله عنها - "الفَارُّ مِنَ الوَبَاءِ كالفَارِّ مَنَ الزَّحْفِ". قال الطَّبريُّ: يجب على المرء توقّي المكاره قيل نزولها، وتجنُّب الأشياء المخيفة قبل هجومها، وكذلك كلّ متَّقًى من غوائل الأمور، سبيله إلى ذلك سبيل الطَّاعون، ونظيره قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : لاَ تَتَمَنَّوا لِقَاءَ العَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللهَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا"تفسير : ، ولما خرج عمر - رضي الله عنه - مع أبي عبيدة إلى الشَّام فسمع عمر أنَّ الوباء بها فرجع، فقال له أبو عبيدة: أفراراً من قدر الله، فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟! نعم نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله، والمعنى لا محيص للإنسان عمَّا قدَّره الله عليه، لكن أمرنا الله من التَّتحرُّز من المخاوف، والمهلكات، وباستفراغ الوسع في التَّوقِّي من المكروهات، ثمَّ قال له: أرأيت لو كانت لك إبل، فهبطت وادياً له عدوتان، إحداهما خصبةٌ والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة، رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ فرجع عمر من موضعه ذلك إلى المدينة. قوله: {إِنَّ ٱللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ}. أَتَى بهذه الجملة مؤكَّدة بـ "إِنْ" واللام، وأتى بخبرٍ "إِنَّ": "ذو" الدَّالة على الشَّرفِ بخلافِ "صاحبِ"، و "عَلَى النَّاسِ" متعلقٌ بفَضْل تقول: تَفَضَّل فلان عليَّ، أو بمحذوفٍ؛ لأنه صفةٌ له فَهُوَ في محلّ جرٍّ، أي: فضلٍ كائنٍ على النَّاسِ. وأل في النَّاسِ لِلْعمُوم. والمعنى أَنَّ هذه القِصَّة تشجع الإِنسان على الإِقدام على طاعة الله تعالى، وتزيل على قَلبه الخَوفَ، فكان ذِكْرُ هذه القِصَّة سبباً لبعد العبد عن المعصية، وقربه من الطَّاعةِ، فكان ذِكرُ هذه القصَّةِ فضلاً وإحساناً من اللهِ على عبدهِ وقيل للعهدِ والمُرادُ بهم: الَّذين أَمَاتَهُم لأنهم خرجُوا من الدُّنيا على المعصيةِ، ثم أعادهُم إلى الدُّنيا؛ حتى تَابُوا. وقيل: المُرادُ بالعَهدِ أَنَّ العرب الذين كانُوا منكرين للمعاد؛ كانوا مُتمسكين بقول اليهُود في كثير من الأُمور إذا سمِعُوا بهذه الواقعة، فالظَّاهِرُ أَنَّهُم يرجعون من الدين الباطل الَّذِي هو الإِنكارُ إلى الدِّين الحَقّ، وهو الإِقرار بالبعث، فيتخلَّصُون مِنَ العقاب، وكان ذكر هذه القصَّة؛ فضلاً من الله في حقّ هؤلاء. قوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} هذا استدراكٌ مِمَّا تَضَمَّنَهُ قوله {إِنَّ ٱللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ}؛ لأنَّ تقديره: فيجب عليهم أَنْ يَشْكُروه لتفضُّلِهِ عليهم بالإِيجادِ، والرِّزْق، ولكنَّ أكثرَهم غيرُ شاكرٍ. وهو كقوله: {أية : فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً}تفسير : [الإسراء:89].
السيوطي
تفسير : أخرج وكيع والفريابي وابن جرير وابن المنذر والحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فراراً من الطاعون، وقالوا: نأتي أرضاً ليس بها موت، حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا، قال لهم الله: موتوا. فمر عليهم نبي من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في الآية قال: كانوا أربعة آلاف من أهل قرية يقال لها داوردان، خرجوا فارين من الطاعون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي عن أبي مالك في الآية قال: كانت قرية يقال لها داوردان قريب من واسط، فوقع فيهم الطاعون، فأقامت طائفة وهربت طائفة، فوقع الموت فيمن أقام وسلم الذين أجلوا، فلما ارتفع الطاعون رجعوا إليهم، فقال الذين بقوا: اخواننا كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا سلمنا، ولئن بقينا إلى أن يقع الطاعون لنصنعن كما صنعوا. فوقع الطاعون من قابل فخرجوا جميعاً، الذين كانوا أجلوا والذين كانوا أقاموا وهم بضعة وثلاثون ألفاً، فساروا حتى أتوا وادياً فسيحا فنزلوا فيه وهو بين جبلين، فبعث الله إليهم ملكين، ملكاً بأعلى الوادي وملكاً بأسفله، فناداهم: أن موتوا فماتوا. فمكثوا ما شاء الله، ثم مر بهم نبي يقال له حزقيل، فرأى تلك العظام فوقف متعجباً لكثرة ما يرى منهم، فأوحى الله إليه أن ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمعت العظام من أعلى الوادي وأدناه حتى التزق بعضها ببعض كل عظم من جسد التزق بجسده، فصارت أجساداً من عظام لا لحم ولا دم، ثم أوحى الله إليه أن ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً فاكتست لحماً، ثم أوحى الله إليه أن ناد أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي فبعثوا أحياء. فرجعوا إلى بلادهم فأقاموا لا يلبسون ثوباً إلا كان عليهم كفناً دسماً، يعرفهم أهل ذلك الزمان أنهم قد ماتوا، ثم أقاموا حتى أتت عليهم آجالهم بعد ذلك قال أسباط: وقال منصور عن مجاهد: كان كلامهم حين بعثوا أن قالوا سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت...! وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن عبد العزيز في قوله تعالى {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم} قال: هم من أذرعات. وأخرج عن أبي صالح في الآية قال: كانوا تسعة آلاف. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} قال: مقتهم الله على فرارهم من الموت، فأماتهم الله عقوبة ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليستوفوها، ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم. وأخرج ابن جرير عن أشعث بن أسلم البصري قال: بينا عمر يصلي ويهوديان خلفه قال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ فلما انتعل عمر قال: أرأيت قول أحدكما لصاحبه أهو هو؟ قالا: إنا نجده في كتابنا قرناً من حديد يعطى ما يعطى حزقيل الذي أحيا الموتى بإذن الله. فقال عمر: ما نجد في كتاب الله حزقيل ولا أحيا الموتى بإذن الله إلا عيسى. قال: أما تجد في كتاب الله {أية : ورسلا لم نقصصهم عليك }تفسير : [النساء : 164]؟ فقال عمر: بلى. قال: وأما احياء الموتى فسنحدثك أن بني إسرائيل وقع عليهم الوباء، فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا على رأس ميل أماتهم الله، فبنوا عليهم حائطاً حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل، فقام عليهم فقال ما شاء الله، فبعثهم الله له، فأنزل الله في ذلك {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف...} الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن هلال بن يساف في الآية قال: هؤلاء قوم من بني إسرائيل، كانوا إذا وقع فيهم الطاعون خرج أغنياؤهم وأشرافهم، وأقام فقراؤهم وسفلتهم فاستحر القتل على المقيمين ولم يصب الآخرين شيء، فلما كان عام من تلك الأعوام قالوا: لو صنعنا كما صنعوا نجونا، فظعنوا جميعاً فأرسل عليهم الموت فصاروا عظاماً تبرق، فجاءهم أهل القرى فجمعوهم في مكان واحد، فمر بهم نبي فقال: يا رب لو شئت أحييت هؤلاء فعمروا بلادك وعبدوك. فقال: قل كذا وكذا، فتكلم به، فنظر إلى العظام تركب، ثم تكلم فإذا العظام تكسى لحماً، ثم تكلم فإذا هم قعود يسبحون ويكبرون، ثم قيل لهم {وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم} . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في الآية قال: هم قوم فروا من الطاعون، فأماتهم الله قبل آجالهم عقوبة ومقتاً، ثم أحياهم ليكملوا بقية آجالهم. وأخرج ابن جرير عن وهب بن منبه. أن كالب بن يوقنا لما قبضه الله بعد يوشع خلف في بني إسرائيل حزقيل من بوزى وهو ابن العجوز، وإنما سمي ابن العجوز لأنها سألت الله الولد وقد كبرت فوهبه لها، وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في كتابه في قوله {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم} الآية. وأخرج عبد بن حميد عن وهب قال: أصاب ناساً من بني إسرائيل بلاء وشدة من زمان، فشكوا ما أصابهم وقالوا: يا ليتنا قد متنا فاسترحنا مما نحن فيه، فأوحى الله إلى حزقيل أن قومك صاحوا من البلاء، وزعموا أنهم ودوا لو ماتوا واستراحوا، وأي راحة لهم في الموت، أيظنون أني لا أقدر على أن أبعثهم بعد الموت؟ فانطلق إلى جبانة كذا وكذا، فإن فيها أربعة آلاف قال وهب: وهم الذين قال الله {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} فقم فناد فيهم، وكانت عظامهم قد تفرقت كما فرقتها الطير والسباع، فنادى حزقيل: أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل إنسان منهم معاً، ثم قال: أيتها العظم إن الله يأمرك أن ينبت العصب والعقب، فتلازمت واشتدت بالعصب والعقب، ثم نادى حزقيل فقال: أيتها العظام ان الله يأمرك أن تكتسي اللحم. فاكتست اللحم وبعد اللحم جلداً فكانت أجساداً، ثم نادى حزقيل الثالثة فقال: أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن تعودي في أجسادك. فقاموا بإذن الله فكبروا تكبيرة رجل واحد. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} يقول: عدد كثير خرجوا فراراً من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم الله حتى ذاقوا الموت الذي فروا منه، ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا عدوهم، فذلك قوله تعالى {وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم} وهم الذين قالوا لنبيهم {أية : ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله} تفسير : [البقرة : 246]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في الآية قال: كانوا أربعين ألفا وثمانية آلاف حظر عليهم حظائر، وقد أروحت أجسادهم وأنتنوا، فإنها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح، خرجوا فراراً من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم ثم أحياهم فأمرهم بالجهاد، فذلك قوله {وقاتلوا في سبيل الله} . وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: خرجوا فراراً من الطاعون وهم ألوف ليست الفرقة أخرجتهم كما يخرج للحرب والقتال قلوبهم مؤتلفة، فلما كانوا حيث ذهبوا يبتغون الحياة قال الله لهم: موتوا، ومر رجل بها وهي عظام تلوح، فوقف ينظر فقال {أية : أنى يحيى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام}تفسير : [البقرة: 259]. وأخرج البخاري والنسائي عن عائشة قالت حديث : "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرني أنه كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء وجعله رحمة للمؤمنين، فليس من رجل يقع الطاعون ويمكث في بلده صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد" . تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن عوف "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الطاعون: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه ". تفسير : وأخرج سيف في الفتوح عن شرحبيل بن حسنة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فإن الموت في أعناقكم، وإذا كان بأرض فلا تدخلوها فإنه يحرق القلوب ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن أم أيمن "حديث : أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي بعض أهله فقال: وإن أصاب الناس موتان وأنت فيهم فاثبت ". تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب الطواعين وأبو يعلى والطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تفنى أمتي إلا بالطعن والطاعون. قلت: يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: غدة كغدة البعير، المقيم بها كالشهيد والفار منه كالفار من الزحف". تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبزار وابن خزيمة والطبراني عن جابر بن عبد الله {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً . . . } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يا أهل الإِسلام اقرضوا الله من أموالكم يضاعفه لكم أضعافاً كثيرة. فقال له ابن الدحداحة: يا رسول الله لي مالان مال بالعالية ومال في بني ظفر، فابعث خارصك فليقبض خيرهما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفروة بن عمر: انطلق فانظر خيرهما فدعه واقبض الآخر، فانطلق فأخبره فقال: ما كنت لاقرض ربي شر ما أملك ولكن أقرض ربي خير ما أملك، إني لا أخاف فقر الدنيا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رب عذق مدلل لابن الدحداح في الجنة ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن الشعبي قال "حديث : استقرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل تمراً فلم يقرضه قال: لو كان هذا نبياً لم يستقرض، فأرسل إلى أبي الدحداح فاستقرضه فقال: والله لأنت أحق بي وبمالي وولدي من نفسي، وإنما هو مالك فخذ منه ما شئت واترك لنا ما شئت، فلما توفي أبو الدحداح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رب عذق مدلل لأبي الدحداح في الجنة ". تفسير : وأخرج ابن اسحق وابن المنذر عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً . . . } الآية. في ثابت بن الدحداحة حين تصدق بماله. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب في قوله {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} قال: النفقة في سبيل الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع هذه الآية قال: أنا أقرض الله، فعمد إلى خير مال له فتصدق به. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} قال: هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو. وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عثمان النهدي قال: بلغني عن أبي هريرة حديث أنه قال: إن الله ليكتب لعبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، فحججت ذلك العام ولم أكن أريد أن أحج إلا لألقاه في هذا الحديث، فلقيت أبا هريرة فقلت له؟ فقال: ليس هذا قلت: ولم يحفظ الذي حدثك، إنما قلت أن الله ليعطي العبد المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة، ثم قال أبو هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " حديث : الفار من الطاعون كالفار من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف ".
القشيري
تفسير : لمّا استبعدوا قدرة الله في الإعادة أراهم في أنفسهم عياناً، ثم لم ينفع إظهار ذلك لِمَنْ لم يشحذ بصيرته في التوحيد. ومن قويت بصيرته لم يضره عدم تلك المشاهدات فإنهم تحققوا بما أُخْبِرُوا، لِمَا آمنوا به بالغيب.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم} جمع دار اى منازلهم وهذا الخطاب وان كان بحسب الظاهر متوجها الى النبى عليه السلام الا انه من حيث المعنى متوجه الى جميع من سمع بقصتهم من اهل الكتاب وارباب التواريخ فمقتضى الظاهر ان يقال ألم تسمع قصتهم الا انه نزل سماعهم اياها منزلة رؤيتهم تنبيها على ظهورها واشتهارها عندهم فخوطبوا بألم تر وهو تعجيب من حال هؤلاء وتقرير اى حمل على الاقرار بما دخله النفى. قال الامام الواحدى ومعنى الرؤية ههنا رؤية القلب وهى بمعنى العلم انتهى فتعدية الرؤية بالى مع انها ادراك قلبى لتضمين معنى الوصول والانتهاء على معنى ألم ينته علمك اليهم. قال العلماء كل ما وقع فى القرآن ألم تر ولم يعاينه النبى عليه السلام فهو بهذا المعنى. وفى التيسير وتحقيقه اعلم ذلك. وفى الكواشى معناه الوجوب لان همزة الاستفهام اذا دخلت على النفى او على الاستفهام صار تقريرا او ايجابا والمعنى قد علمت خبر الذين خرجوا الآية. قال ابن التمجيد فى حواشيه لفظ ألم تر قد يخاطب به من تقدم علمه بالقصة وقد يخاطب به من لم يتقدم علمه بها فانه قد يقول الرجل للآخر ألم تر الى فلان أى شىء قال يريد تعريفه ابتداء فالمخاطبون به ههنا اما من سمعها وعلمها قبل الخطاب به من اهل التواريخ فذكرهم وعجبهم واما من لم يسمعها فعرفهم وعجبهم وقيل الخطاب عام لكل من يتأتى منه الرؤية دلالة على شيوع القصة وشهرتها بحيث ينبغى لكل احد ان يعلمها او يبصرها ويتعجب منها {وهم الوف} جمع الف الذى هو من جملة اسماء العدد واختلفوا فى عدد مبلغهم والوجه من حيث اللفظ ان يكون عددهم ازيد من عشرة آلاف لان الالوف جمع الكثرة فلا يقال فى عشرة آلاف فما دونها الوف {حذر الموت} مفعول له اى خرجوا من ديارهم خوفا من الموت {فقال لهم الله} على لسان ملك وانما اسند اليه تعالى تخويفا وتهويلا لان قول القادر القهار والملك الجبار له شأن {موتوا} التقدير فماتوا لاقتضاء قوله ثم احياهم ذلك التقدير لان الاحياء يستدعى سبق الموت {ثم احياهم} اى اعادهم احياء ليستوفوا بقية اعمارهم وليعلموا ان لا فرار من القدر. قال ابن العربى عقوبة لهم ثم احياهم وميتة العقوبة بعدها حياة للاعتبار وميتة الاجل لا حياة بعدها. وعن الحسن ايضا أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة لهم ثم بعثهم الى بقية أجالهم. وقصة هؤلاء ما ذكره اكثر اهل التفسير انهم كانوا قوما من بنى اسرائيل بقرية من قرى واسط يقال لها داوودان وقع بها الطاعون فذهب اشرافهم واغنياؤهم واقام سفلتهم وفقراءهم فهلك اكثر من بقى فى القرية وسلم الذين خرجوا فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين فقال الذين بقوا اصحابنا كانوا احزم منا لو صنعنا كما صنعوا لبقينا كما بقوا ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن الى ارض لا وباء بها فوقع الطاعون من العام القابل فهرب عامة اهلها فخرجوا حتى نزلوا واديا افيح بين جبلين فلما نزلوا المكان الذى يبتغون فيه النجاة ناداهم ملك من اسفل الوادى وملك آخر من اعلاه ان موتوا فماتوا جميعا من غير علة بامر الله ومشيئته وماتت دوابهم كموت رجل واحد فاتت عليهم ثمانية ايام حتى انتفخوا واروحت اجسادهم اى انتنت فخرج اليهم الناس فعجزوا عن دفنهم فاحدقوا حولهم حظيرة دون السباع وتركوهم فيها فاتت على ذلك مدة وقد بليت اجسادهم وعريت عظامهم فمر عليهم نبى يقال له حزقيل بن يوزى ثالث خلفاء بنى اسرآئيل بعد موسى عليه السلام وذلك ان القيم بعد موسى بامر بنى اسرائيل كان يوشع بن نون ثم كالب بن يوحنا ثم حزقيل وكان يقال له ابن العجوز لان امه كانت عجوزا فسألت الله الولد بعدما كبرت وعقمت فوهبه الله لها. وقال الحسن هو ذو الكفل وسمى حزقيل ذا الكفل لانه كفل سبعين نبيا وانجاهم من القتل وقال لهم اذهبوا فانى ان قتلت كان خيرا لكم من ان تقتلوا جميعا فلما جاء اليهود وسألوا ذا الكفل عن الانبياء السبعين قال انهم ذهبوا ولا ادرى اين هم ومنع الله تعالى ذا الكفل من اليهود بفضله وكرمه فلما مر حزقيل على اولئك الموتى وقف عليهم لكثرة ما يرى فجعل يتفكر فيهم متعجبا فاوحى الله اليه أتريد ان اريك آية قال نعم فقال الله ناد ايتها العظام ان الله يأمرك ان تجتمعى فاجتمعت من اعلى الوادى وادناه حتى التزق بعضها ببعض فصارت اجسادا من عظام لا لحم ولا دم ثم اوحى الله اليه ناد ايتها الارواح ان الله يأمرك ان تقومى فقاموا وبعثوا احياء يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لا اله الا انت فبقيت فيهم بقايا من ريح النتن حتى انه بقى فى اولاد ذلك السبط من اليهود الى اليوم ثم انهم رجعوا الى بلادهم وقومهم وعاشوا دهرا سحنة الموت على وجوههم لا يلبسون ثوبا الا عاد دسما مثل الكفن حتى ماتوا لآجالهم التى ثبتت لهم وفائدة القصة تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض لاسباب الشهادة وحثهم على التوكل والاستسلام وان الموت حيث لم يكن منه بد ولم ينفع منه المفر فاولى ان يكون فى سبيل الله {إن الله لذو فضل} عظيم {على الناس} قاطبة اما اولئك فقد احياهم ليعتبروا بما جرى عليهم فيفوزوا بالسعادة العظمى واما الذين سمعوا قصتهم فقد هداهم الى مسلك الاعتبار والاستبصار {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} فضله كما ينبغى لعجز بعضهم وكفر بعضهم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الاستفهام للتعجب والتشويق، والرؤية قلبية، والواو للحال، و {حَذَرَ} مفعول من أجله. يقول الحقّ جلّ جلاله: ألم تنظر يا محمد، بعين الفكر والاعتبار، {إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف} عشرة، أو ثلاثون، أو أربعون، أو سبعون، حذراً من {الموت} في زمن الطاعون. وكانوا في قرية يقال لها: (داوردان) فلما وقع بها الطاعون، خرجت طائفة هاربين، وبقيت أخرى، فهلك أكثر من بقي، وسلم الخارجون، ثم رجعوا، فقال الباقون: لو صنعنا مثلهم لبقينا، لئن أصابنا الطاعون مرة ثانية لخرجنا، فأصابهم من قابل، فهربوا كلهم، ونزلوا وادياً أفيح، فناداهم ملك من أسفل الوادي، وآخر من أعلاه، أن: موتوا، فماتوا كلهم أجمعون، ومرت عليهم مدة ثمانية أيام أو أكثر حتى انتفخوا، وقيل: صاروا عظاماً، فمرَّ عليهم نبيّ الله (حزقيل)، فدعا الله تعالى، واستشفع فيهم، فأحياهم الله، وعاشوا دهراً، عليهم سيما الموت؛ لا يلبسون ثوباً إلا عاد كالكفن، واستمر في أسباطهم. هـ. قال الأصمعي: لما وقع الطاعون بالبصرة، خرج رجل منها على حمار معه أهله، وله عبد يسوق حماره، فأنشأ العبد يقول: شعر : لن يُسبَقَ اللّهُ على حِمار ولا على ذي مَشعَةٍ طَيّار قَدْ يُسبحُ الله أمَامَ السارِي تفسير : فرجع الرجل بعياله. والآية تدل على أن الفرار من الطاعون حرام في تلك الشريعة، كما حرم في شرعنا، وروى عبد الرحمن بن عوف أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إِذَا سَمِعْتُمْ هذا الوباء بِبلد فَلاَ تَقْدُمُوا عَلَيْهِ، وإذَا وَقَعَ بِبلد وَأَنْتُمْ فيه فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهُ ". تفسير : قلت: وقد اختلف الأئمة في حكم الفرار والقدوم: فمنهم من شهر المنع فيهما تمسكاً بظاهر الحديث، ومنهم من شهر الكراهة، والمختار في الفرار: التحريم، وفي القدوم: التفصيل، فمن قوي يقينه، وصفا توحيده، حَلَّ له القدوم، ومن ضعف يقينه، بحيث إذا أصابه شيء نسب التأثير لغير الله حرم عليه القدوم. وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - قلت: يا رسول الله، ما الطاعون؟ قال:"حديث : غدة كغدة البعير، المقيم فيه كالشهيد، والفارُّ منه كالفار من الزحْف"تفسير : . قال ابن حجر: كون المقيم فيه له أجر شهيد إنما بشرط أن يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، وأن يسلم إليه أمره ويرضى بقضائه، وأن يبقى في مكانه ولا يخرج منه بقصد الفرار، فإذا اتصف الجالس بهذه القيود حصل له أجر الشهادة، ودخل تحته ثلاث صور، الأولى: من اتصف بذلك فوقع له الطاعون ومات فهو شهيد. والثانية: من وقع به ولم يمت به فهو شهيد وإن مات بعد ذلك. والثالثة: من لم يقع به أصلاً ومات بغيره عاجلاً أو آجلاً فهو شهيد، إذا حصلت فيه القيود الثلاثة، ومن لم يتصف بالقيود الثلاثة فليس بشهيد، ولو مات بالطاعون، والله أعلم. هـ. وأما القدوم من بلد الطاعون إلى البلد السالمة منه فجائز. ولا يُمنع من الدخول، قاله الباجي وابن حجر والحطاب وغيرهم لقوله - عليه الصلاة والسلام -:"حديث : لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ"تفسير : وأما قوله عليه الصلاة والسلام:"حديث : فِرَّ مِنَ المَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ"تفسير : . وقوله:"حديث : لاَ يُرد مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ"تفسير : . فهو محمول على حسم المادة، وسد الذريعة؛ لئلا يحدث للمخالط شيء من ذلك، فيظنه بسبب المخالطة، فيثبت العدوى التي نفاها الشارع، هذا المختار في الجمع بين الحديثين. والله تعالى أعلم. وإنما أطلت في المسألة لِمَسْ الحاجة؛ لأن التأليف وقع في زمن الوباء، حفظنا الله من وبالها. وقيل: إن الذين خرجوا من ديارهم قوم من بني إسرائيل، أُمروا بالجهاد، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد، فخرجوا من ديارهم فراراً من ذلك، فأماتهم الله؛ ليعرفهم أنهم لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم؛ وأمرهم بالجهاد، بقوله: {وقاتلوا في سبيل الله} الآية. وقوله تعالى: {إن الله لذو فضل على الناس}؛ حيث أنزل بهم رحمته، ففروا منها، ولم يعاقبهم، حيث أحياهم بعد موتهم، {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} إذ لا يفهم النعم في طي النقم إلا القليل، فيشكروا الله في السراء والضراء. الإشارة: ألم تر أيها السامع إلى الذين خرجوا من ديار عوائدهم وأوطان شهواتهم، وهم جماعة أهل التجريد، القاصدين إلى صفاء التوحيد، الغرق في بحر التفريد، حذراً من موت أرواحهم بالجهل والفَرْقِ، فاصطفاهم الله لحضرته، وجذبهم إلى مشاهدة ذاته، فقال لهم الله: موتوا عن حظوظكم، وغيبوا عن وجودكم، فلما ماتوا عن حظوظهم، وغابوا عن وجودهم، أحياهم الله بالعلم والمعرفة، {إن الله لذو فضل على الناس} حيث فتح لهم باب السلوك، وهيأهم لمعرفة ملك الملوك، {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} حيث تجلّى لهم، وعرَّفهم به، وهم لا يشعرون، إلا من فتح الله بصيرتهم، وقليل ما هم.
الطوسي
تفسير : المعنى: معنى {ألم تر} ألم تعلم، لأن الرؤية مشتركة بين العلم - وهي رؤية القلب - وبين رؤية القلب. وقيل في معنى قوله: {وهم ألوف} قولان: أحدهما - أن معناه: الكثرة، فكأنه: وهم أكثر الناس، ذهب إليه ابن عباس، والضحاك، والحسن. وقال ابن زيد: معناه هم مؤتلفوا القلوب، لم يخرجوا عن تباغض. ومن قال: المراد به العدد الكثير، اختلفوا، فقال ابن عباس: كانوا أربعين الفاً. وقال قوم: أربعة آلاف. وقال آخرون: ثمانية آلاف وقال السدي: بضعة وثلاثون ألفاً. والذي يقضي به الظاهر: أنهم أكثر من عشرة آلاف، لأن بناء (فُعول) للكثير، وهو ما زاد على العشرة. فأما ما نقص، فيقال فيه: آلاف على وزن (أفعال) نحو عشرة آلاف ولا يقال: عشرة ألوف. وقال الحسن، وأكثر المفسرين: كانوا فرّوا من الطاعون الذي وقع بأرضهم. وقال الضحاك: فرّوا من الجهاد. ومعنى الآية: الحضّ على الجهاد، بأنه لا ينفع - من الموت - فرار، ومن أمر الله، لأنه يجوز أن يعجله على جهة العقاب، كما عجله لهؤلاء، للاعتبار. وفي الآية دليل على من أنكر عذاب القبر والرجعة معاً، لأن الاحياء في القبر، وفي الرجعة مثل إحياء هؤلاء الذين أحياهم للعبرة. وقوله: {فقال لهم الله موتوا} قيل في معناه قولان: أحدهما - أن معناه أماتهم الله، كما يقال: قالت السماء، فهطلت، وقلت برأسي كذا, وقلت بيدي، وذلك لما كان القول في الأكثر استفتاحاً للفعل، كالقول الذي هو تسمية، وما جرى مجراها مما كان يستفتح به الفعل، صار معنى قالت السماء، فهطلت أي استفتحت الهطلان، وصار بمنزلة استفتاح الافعال فلذلك صارت أماتتهم بمنزلة استفتاح الأفعال. الثاني - أن يكون أحياهم عند قول سمعته الملائكة بضرب من العبرة. ويجوز - عندنا - أن يكونوا أحيوا في غير زمان نبي. وقالت المعتزلة: لا يجوز أن يكون ذلك إلا في زمان نبي، لأن المعجزة لا يجوز ظهورها إلا للدلالة على صدق نبي، تكون له آية. وقد بينا فساد ذلك في غير موضع، وأنه تجوز المعجزات على دين من الصادقين: من الأئمة، والأولياء وإن لم يكونوا أنبياء. وروي عن ابن عباس: أنه مرّ بهم نبيّ، فدعا الله تعالى، فأحياهم. وقوله: {إن الله لذو فضل على الناس} إنما ذكر، واتصل بما تقدم، لأنه لما ذكر النعمة عليهم بما آتاهم من الآية العظيمة في أنفسهم ليلزموا سبيل الهدى، ويتجنبوا طرق الردى ذكر عند ذلك ما له على الناس من الانعام مع ما هم من الكفران.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ} استفهام انكارىّ وكان حقّ العبارة ان يقول الم تذكر لكنّه اتى بالرّؤية الدّالّة على جواز الرّؤية لهم للاشعار بأنّهم وان كانوا قد مضوا ولا يراهم المقيّدون بالزّمان لكنّهم بالنّسبة اليه (ص) حاضرون فانّ الازمان بالنّسبة اليه (ص) منطوية ولا فرق عنده (ص) بين الماضى والمستقبل والحال لكونه (ص) محيطاً بالزّمان والزّمانيّات {إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ} قولاً مناسباً لشأنه لا بنداءٍ يُسمع ولا بصوتٍ يُقرع بل بارادةٍ هى ظهور فعله {لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} روى انّ هؤلاء كانوا اهل مدينة من مدائن الشّام وكانوا سبعين الف بيت وكان الطّاعون يقع فيهم فى كلّ اوانٍ فكانوا اذا أحسّوا به خرج من المدينة الاغنياء لقوّتهم وبقى فيها الفقراء لضعفهم فكان الموت يكثر فى الّذين اقاموا ويقلّ فى الّذين خرجوا، فيقول الّذين خرجوا: لو كنّا اقمنا لكثر فينا الموت، ويقول الّذين اقاموا: لو كنّا خرجنا لقلّ فينا الموت، قال: فاجتمع رأيهم جميعاً انّه اذا وقع الطّاعون وأحسّوا به خرجوا كلّهم من المدينة فلمّا أحسّوا بالطّاعون خرجوا جميعاً وتنحّوا عن الطّاعون حذر الموت فسافروا فى البلاد ما شاء الله ثمّ انّهم مرّوا بمدينة خربة قد جلا اهلها عنها وأفناهم الطّاعون فنزلوا بها، فلمّا حطّوا رحالهم واطمأنّوا قال لهم الله: موتوا جميعاً فماتوا من ساعتهم وصاروا رميماً يلوح وكانوا على طريق المارّة فكنستهم المارّة فنحوّهم وجمعوهم فى موضع فمرّ بهم نبىّ من انبياء بنى اسرائيل يقال له حزقيل فلمّا رأى تلك العظام بكى واستعبر وقال: يا ربّ لو شئت لأحييتهم السّاعة كما أمتّهم فعمروا بلادك وولدوا عبادك وعبدوك مع من يعبدك من خلقك، فأوحى الله اليه افتحبّ ذلك؟ - قال: نعم يا ربّ؛ فأحياهم الله، قال: فأوحى الله عزّ وجلّ ان قل كذا وكذا؛ فقال الّذى أمره الله عزّ وجلّ ان يقوله قال: قال ابو عبد الله (ع): وهو الاسم الاعظم؛ فلمّا قال حزقيل ذلك نظر الى العظام يطير بعضها الى بعضٍ فعادوا احياء ينظر بعضهم الى بعضٍ يسبّحون الله عزّ وجلّ ويكبّرونه ويهلّلونه، فقال حزقيل عند ذلك: اشهد انّ الله على كلّ شيءٍ قدير، وذكر فى نيروز الفرس انّ النّبىّ (ع) أمره الله ان صبّ الماء عليهم فصبّ عليهم الماء فى هذا اليوم فصار صبّ الماء فى يوم النّيروز سنّة ماضية لا يعرف سببها الاّ الرّاسخون فى العلم، وروى انّ الله ردّهم الى الدّنيا حتّى سكنوا الدّور واكلوا الطّعام ونكحوا النّساء ومكثوا بذلك ما شاء الله ثمّ ماتوا بآجالهم {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} تعليل للاحياء بعد الاماتة او لمجموع الاماتة والاحياء بعدها اى أماتهم ثمّ أحياهم ليستكملوا بذلك لانّ الله ذو فضل على النّاس او ليعتبر غيرهم بهم لانّ الله ذو فضلٍ على النّاس فيجعل بعضهم عبرة للآخرين {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} فضله عليهم فلا ينظرون الى انعامه ولا يصرفون نعمته فيما خلقت لاجله.
اطفيش
تفسير : {ألمْ تَرَ إلىَ الَّذِينَ خرجُوا مِن دِيارِهمْ وَهُمْ ألوفٌ حَذَرَ الموْتِ فقالَ لهمُ الله مُوتُوا ثمَّ أحياهُمْ}: الاستفهام للتعجيب، أى تصيير السامع متعجباً من هؤلاء الخارجين، أو للتقرير، وهو حمل السامع على الإقرار بعلم حالهم، سواء علم السامع بقصتهم من أهل الكتاب أو من غيرهم من أهل التاريخ، أو لم يعلم، وهذا تلويح بأن حالهم مشهور متحقق مما لا ينبغى أن يجهل، وكأنه مما لا يجهله أحد، فالخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم، وهو لا يعلم حالهم إلا من هذه الآية، لأنه لا يوقن بما يقول أهل الكتاب، إلا أن ألهمهُ الله أنهُ حق أو مما لا يخفى أنه حق كالتوحيد، وذكر الله فإن علم فالتعجيب أو التقرير على حقيقته، وإلا فالاستعارة تمثيلية، بأن شبه حالهم وهو لم يعلم قبل الآية بحال من علم فى أنه لا ينبغى خفاء ذلك عنه، وفى أنه يتعجب ويقر، وكذا إذا قلنا الخطاب لكل من يصلح له علم أو لم يعلم، ومعنى ترى: تعلم، وعداه بإلى لتضمنه معنى تنظر أو على معنى إلى نيته علمك إلى الذين، وقل ما يقال رأيت إلى كذا إلا فى التعجب والتقرير، وسوى ذلك يكون بدون إلى، والديار ديار بلدة تسمى داور دان، وهى قبل واسط، وقع طاعون فخرجوا هاربين. وقال الضحاك: قوم من بنى إسرائيل أمرهم نبيهم بالجهاد، وقيل ملكهم، ففروا حذر الموت، فحذر مفعول لأجله، ويجمع بين القولين بأن وحى القتال بلسان نبيهم وسياسته، والقيام به بالملك على عادة بنى إسرائيل وعدد ألوفهم على ما روى عن السدى بضعة وثلاثون ألفا. وقال ابن جريح عن ابن عباس: ثمانية وأربعون ألفا، وقال عطاء ابن أبى رباح سبعون ألفاً، وقيل عشرة آلاف، وقيل ثلاثون ألفاً، وقيل ثلاثة آلاف، ولا قائل بأنهم فوق سبعين ألفاً بالرواية، ولو كان اللفظ قابلا لذلك، ولا بأنهم دون ثلاثة آلاف ممن قال المراد بالألوف العدد المعروف، ويضعف قول الثلاثة الآلاف، لأن الألوف جمع كثرة، ولو كان كذلك لقيل آلاف بصيغة القلة، وكذا يضعف قول الكلبى ثمانية آلاف، واختلف فى العشرة، هل يعبر فيها بصيغة الكثرة أو القلة، ومر حديث الأعرابية، فإن جمع القلة ثمانية، قال الواحدى لا يقال فى العشرة وما دونها ألوف، بل آلاف، يعنى أن جمع الكثرة لأحد عشر فصاعداً، وقال ابن زيد: ألوف جمع آلاف من الألفة كقاعد وقعود، وشاهد وشهود، وراكع وركوع، وساجد وسجود وجالس وجلوس، وحاضر وحضور، يعنى أنهم قوم تمكنت الألفة بينهم والمحبة، أو كان كل واحد محبا للحياة ألفالها لنفسه، كما قال الله تعالى:{أية : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة}تفسير : إذا قلنا ذلك فى بنى إسرائيل، ومع هذه الألفة أماتهم فيعلمون أن الحرص على الحياة لا يعصم من الموت، وعلى القول بأنه جمع ألف كقاعدة يمكن أن يكونوا ألفين أو ألفا واحدا، ولكنه قول غريب. والأولى أنه جمع ألف من العدد، وأنهم عشرة آلاف أو أحد عشر فصاعدا على ما مر فى جمع الكثرة بدون أن نعلم منتهاها، وفى الكلام حذف تقديره: فقال لهم الله موتوا فماتوا، دل على هذا المحذوف شيئان الأول أن الله تعالى إذا قال لشئ كن فإنه يكون ولا بد، والثانى قوله: {ثم أحياهم} فإن الإحياء يستلزم تقدم موتهم، ومعنى قوله لهم: {موتوا} تعلق إرادة الموت بهم فيموتوا، ولا بد، وقيل هو أمر إهانة مثل:{أية : كونوا قردة خاسئين}تفسير : فقوله: {قال الله موتوا}، من الاستعارة التمثيلية شبه تعلق الإرادة بموتهم جميعا بمرة واحدة، وترتب موتهم بالمرة الواحدة على ذلك التعلق بأمر الآمر المطاع، وامتثال المأمور المطيع المبادر إلى الطاعة، كأنهم أمروا أن يموتوا فى وقت واحد فماتوا فيه موتة رجل واحد. وقيل: القول من الملك ناداهم ملك من أعلى فذهبوا إليه وأقاموا فيه، وآخر من أسفله، قالا موتوا فماتوا، وأسند القول إليه تعالى، لأنه الخالق الآمر به، والحكمة فى الإسناد إليه التهويل والتخويف، لأن قول القادر القهار لهُ شأن، وأحياهم الله بعد موتهم بثمانية أيام، قال أكثر المفسرين: لما وقع الطاعون فى داور دان خرجت طائفة هربا منه، فسلموا وبقيت طائفة فهلك أكثرها، ولما ارتفع الطاعون رجع الذين خرجوا سالمين، فقال الذين بقوا ولم يموتوا كان أصحابنا أحرص منا لو صنعنا كما صنعوا، فخرجنا بمن كان معنا لم يمت منا من مات، ولئن وقع الطاعون مرة ثانية لتخرجن إلى أرض لا وباء فيها، فرجع الطاعون من قابل، فخرج عامة أهلها حتى نزول واديا أفج ابتغاء للنجاة، فناداهم ملك من أسفل الوادى، وملك من أعلاه موتوا فماتوا جميعاً، وقال الضحاك: إن ملكا من بنى إسرائيل أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدوهم فعسكروا، ثم جنبوا وكرهوا الموت فاعتلوا، وقالوا لملكهم: إن الأرض التى نأتيها فيها وباء فلا تخرج إليها حتى ينقطع منها الوباء، فخرجوا عن ديارهم فرارا من الملك والجهاد، فقال الملك: اللهم رب يعقوب وإله موسى، قد ترى معصية عبادك فأرهم آية فى أنفسهم حتى يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار منك: وقال لهم الله. موتوا، فماتوا هم ودوابهم موته رجل واحد قال الربيع عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ وهو موضع بالشام، لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح رضى الله عنه مع أصحابه، وأخبروه بأن الوباء وقع بأرض الشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: خرجت لأمر لا نرى أن نرجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال عمر: ارتفعوا عنى. فقال: ادع لى المهاجرين الأولين، فدعوتهم فاستشارهم، فاختلفوا فقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نرى أن نقدمهم على هذا الوباء، وقال بعضهم: خرجت لأمر ولا نرى أن نرجع عنه، فقال ارتفعوا عنى، فقال: ادع لى الأنصار فدعوتهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم، فقال ارتفعوا عنى فارتفعوا، ثم قال: ادع لى من كان ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم ولم يختلف عليه منهم رجلان، فقالوا نرى أن ترجع الناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر فى الناس إنى مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه؛ فقال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله يا عمر؟ فقال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نفر من قدر الله إلى قدر الله. قال ابن عباس: حديث : فجاء عبد الرحمن بن عوف، فكان متغيبا فى بعض حاجته، فقال: إن عندى من هذا علما، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم به فى أرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منهتفسير : ، قال: فحمد الله عمر وأثنى عليه، ثم انصرف. والمراد ببقية الناس، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة، أى الجامعون بين الصحبة والبقاء عمن مضى من أمثالهم، وخرج الناس إلى هؤلاء الذين قال لهم الله موتوا بعد ثمانية أيام، وهم عشائرهم، وقد انتفخوا فكانت فيهم رائحة الميت وعجزوا عن دفنهم لكثرتهم، فجعلوا عليهم خضيرة دون السباع ومرت عليهم مدة فبليت أجسامهم وعريت عظامهم فمر عليهم حزقيل، بكسر الحاء والقاف، ابن بودى، وهو ثالث خلفاء بنى إسرائيل بعد موسى وشع وكالب بن يوقنا وحزقيل، ويقال له ابن العجوز، لأن أمه كانت عجوزاً، فسألت الله الولد بعد ما كبرت وعقمت، فوهب الله لها حزقيل ويقال له ذو الكفل، سمى به لأنه تكفل سبعين نبياً وأنجاهم من القتل، وقال لهم: أذهبوا فإنى إن قتلت كان خيرا من أن تقتلوا جميعاً، فلما جاء اليهود سألوا حزقيل عن الأنبياء السبعين؟ قال لهم: ذهبوا ولا أدرى أين هم، ومنع الله ذا الكفل من اليهود بفضله، وعن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : كان فى بنى إسرائيل رجل يقال له ذو الكفل، يعصى الله فاتبع امرأة وأعطاها ستين دينارا على أن تعطيه نفسها، فلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة، ارتعدت وبكت، فقال ما يبكيك، قالت: بكيت من هذا العمل ما عملته، قط، قال أكرهت؟ قالت: لا ولكن حملتنى عليه الحاجة، قال: اذهبى فهى لك ثم قال: والله لا أعصى الله أبدا، فمات من ليلته فوجد على باب داره أن الله عز وجل قد غفر لذى الكفل"تفسير : . وقال أبو موسى: لم يكن ذو الكفل نبيا، ولكن عبداً صالحاً، يصلى كل ليلة مائة صلاة، فأحسن الله الثناء عليه، وقيل هو إلياس، وقيل هو زكريا عليهما السلام، ولما مر حزقيل على هؤلاء الذين خرجوا وماتوا، وقف عليهم وجعل يفكر فى أمرهم، ولوى شدقه وأصابعه تعجبا، فأوحى الله تعالى إليه: أتريد أن أريك آية؟ قال: نعم يا رب. فأحياهم الله تعالى، وقيل: دعا حزقيل ربه أن يحييهم فأحياهم الله تعالى، وقيل: إنهم كانوا قومه أحياهم الله تعالى بعد ثمانية أيام، وذلك أنه لما أصابهم ذلك خرج فى طلبهم فوجدهم موتى، فبكى وقال: يا رب كنت فى قوم يعبدونك ويذكرونك، فبقيت وحيداً لا قوم لى، فأوحى الله: أنى قد جعلت حياتهم إليك، فقال حزقيل احيوا بإذن الله تعالى فحيوا بإذن الله، فقال: سبحانك ربنا وبحمدك، لا إله إلا أنت، وقيل سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، وعاشوا دهراً طويلا، وأثر الموت على وجوههم، لا يلبسون ثوبا إلا عاددسما كالكفن، حتى لآجالهم الأخرى فلهم موتتان لأجلين، معجزة لنبيهم الأول أجل موت يرجعون بعده، والآخر أجل موت يستمر إلى يوم البعث. قال ابن عباس: وتوجد تلك الريح فى ذلك السبط من اليهود إلى الآن رواه عنه ابن جريح وذلك معجزة للنبى صلى الله عليه وسلم، إذ أخبر اليهود بأمر لم يشاهده وهم يعلمون صحته وفيه حجة على منكرى البعث، إذ بعثهم بعد موتهم وتفرق أعضاءهم أبو بعد انتفاخهم، ومضى مدة لا تمكن معها الحياة، وتشجيع المؤمنين على الجهاد، والتعرض للشهادة والحث على التوكل والاستسلام للقضاء والمنع عن الفرار من الطاعون. {إنَّ اللّهَ لذُو فَضْلٍ علىَ النَّاسِ}: كلهم هؤلاء الذين خرجوا وغيرهم، إذ شملتهم نعم الله فى الدنيا كلهم، ودعاهم كلهم إلى النعيم الدائم، ويسر لهم ما يتوصلون به إليه من الدين على ألسنة الرسل، وجعل لهم دلائل الصنعة فى الأرض والسماء، ومن ذلك إيحاء هؤلاء بعد إماتتهم، فإنه داع إلى الاعتبار والاستبصار، لما شاهدوا من أنفسهم وما قص عليهم، وما شاهد غيرهم، وقص على غيرهم من حالهم، وقيل: المراد بالناس هم الذين خرجوا من ديارهم، وفضل الله عليهم أن يعتبروا بما صار فيهم ويؤجروا على ذلك إن استقاموا وتابوا من معصيتهم، وقيل المراد بالناس العرب، فإنهم أنكروا البعث، فمن فضل الله عليهم ذكر هذه القصة، فإنها من أسباب الإيمان بالبعث، به داع إلى فعل ما يوجب الفوز، ولا سيما أنها كانت فى اليهود وهم يعلمونها، ويذكرونها للعوب، وقد تمسكوا بأمور كثيرة مما يقول اليهود، وما ذكرته أولى، لأنه أعم، ولأنه أدعى إلى الرضا والصبر على البلاء والتوكل والائتمار والانتهاء، فأل للاستغراق، وعلى القول الثانى تكون للعهد الذكرى، وعلى الثالث للعهد الذهنى، لأن العرب فى ذهنه صلى الله عليه وسلم يحاول استقامتهم بالقرآن. {ولِكنَّ أكْثرَ النَّاسِ لاَ يشْكُرونَ}: أراد الناس، كلهم فإن أكثرهم لا يشكرون لنفاقهم أو شركهم، والقليل منهم يشكرون بما شكر المنافق، ثم أفسد شكره، ولو قيل الناس كلهم لا يشكرون لصح، لأن منهم من لا يشكر، ومنهم المسلمون الشاكرون لا يطيقون الشكر الحقيقى لأن الملائكة لم تبلغه فكيف يبلغه غيرهم، فالناس كلهم غير شاكرين الشكر الحقيقى، فمنهم من لم يشكر أصلا، ومنهم من لم يشكر (الشكر) الحقيقى، لكن لا تحسن تلك العبارة لأنها بظاهرها تنافى قوله تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يشكرون}، وقوله تعالى:{أية : إما شاكراً وإما كفوراً}تفسير : ونحوهما، والشكر لله فعل الطاعة بالقلب، أو به مع الجارحة فى مقابلة الإحسان من الله، ويجوز أن يراد به الاعتبار بهذه القصة والإنابة بها إلى الله تعالى، والمراد من ذكرها تشجيع المؤمنين على القتال وائتمارهم بما أمر الله، وبيان أن الفرار من الموت غير مخلص منه، وأن قضاء الله لا يبطل ولا يتخلف، ولذلك أمرهم بالقتال بعد هذه القصة بقوله: {وقَاتِلُوا فى سبيل الله}
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ تَرَ} تعجيب من القصة، والرؤية علمية بمعنى الإدراك، مضمنا معنى الوصول والانتهاء، ولذا عداه بإلى، أو بصرية مجاز عن النظر للحث على الاعتبار، لأن النظر اختيارى دون الإدراك، وقد تعدى هذا أيضا بنفسه فى قوله: شعر : ألم تريانى كلما جئت زائرا وجدت بها طيبا وإن لم تطيب تفسير : وروى طارقا. والخطاب له صلى الله عليه وسلم، ولو لم يعلمها قبل، أو لمن يصلح للخطاب ولو لم يعلمها، فيكون إيجازا معنويا أفاد الإعلام كقولك لمن لم يعلم بمجىء زيد وأردت إخباره، ألم تعلم أن زيدا جاء؟ أو إخبار لمن علم تشبيها لمن لم يعلم بها بحال من علم من حيث إنه ينبغى ألا تخفى عليه، وأن يتعجب كأنها مثل مضروب مشهور لا يخفى {إِلَى الَّذِينَ} إلى قصة الذين {خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ} داوردان، قبل واسط، هاربين من طاعون، أو هم قوم أرمهم السلطان بالجهاد من بنى إسرائيل ففروا حذر الموت {وَهُمْ أُلُوفٌ} سبعون أو أربعون أو ثلاثون أو عشرة كما هو جمع كثرة، أو تسعة أو ثمانية أو أربعة استعمالا لجمع الكثرة فى القلة، وذلك من العدد، جمع ألف بفتح الهمزة، وقيل من الألفة ضد الوحشة لا من العدد والمفرد إنك بكسر الهمزة كصنف وصنوف، أو ءالف بهمزة فألف كشاهد وشهود، أى وهم متألفون، وهو ضعيف. لأن المقام للقدرة على إماتة العدد الكثير مرة. وإحيائهم مرة كذلك، لا للتفريق بين المتألفين بإماتتهم {حَذَرَ الْمَوْتِ} بالطاعون أو بالقتال {فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ} فماتوا، كما يدل له أمره التكوينى فإنه لا يتخلف، وكما يدل له ثم أحياهم، وذلك عبارة عن تعلق الإرادة بموتهم دفعة، أو لموتهم بموتة نفس واحدة بلا علة، أو قال لهم ملك عن الله، وعن السدى: ناداهم ملكان، وذلك إماتة بدون ملك الموت، أو به بإقدار الله له، أو بأعوان، ففى كل ساعة من أيام الدنيا يموت مقدار ذلك، أو أقل أو أكثر من مطلق الحيوان، الجن والإنس والدواب وسائر ما فيه روح، ويقال، ناداهم ملك جبريل أو إسرافيل أو غيرهما، موتوا، والظاهر أَنهم ماتوا بلا وجع، أو وجع خفيف، والله قادر أن يموتوا بوجع كالمتطاول فى لحظة، وذلك أنهم ماتوا موتة يرجعون بعدها إلى الدنيا، ويكلفون فيها كما قبل الموت، وهو موت عقوبة وخرق عادة، وقيل، ذلك غير موت، بل سلب روح سلبا أعظم من سلب النوم، وسماه موتا مجازا {ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ} بعد ثمانية أيام، أَو بعد ما صاروا عظاما، أو عجل الله بإيلائهم، فقد ماتوا مرتين كما قال، ثم بعثنا كم من بعد موتكم، والأولى عقوبة، ولله أن يفعل ما يشاء، مر حزقيل بالحاء أو بالهاء وكسرهما ويقال له ابن العجوز، إذ سألت الله الولد بعد عقمها بالكبر فوهبه لها، وقيل مر شمويل، ويسمى ذا الكفل، لأنه تكفل بتنجية سبعين نبيا من القتل، وهو خليفة ثالث بعد يوشع، ثم كالب بعد موسى عليه السلام، وقيل مر يوشع، وقيل شمعون، وهم موتى متفرقو اللحوم والعظام، وتفكر وبكى، وقال، يارب، كنت فى قوم يحمدونك ويسبحونك ويقدسونك ويكبرونك ويهللونك فبقيت وحدى، فأوحى الله إليه، نادهم، فناداهم، فقاموا يقولون، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله أنت، ويقال، أمره الله أن يناديهم أيتها العظام، إن الله أمرك أن تجتمعى فنادى، فاجتمعت والتزقت وأمره أن ينادى، إن الله أمرك أن تكتسى لحما، فنادى فاكتسيت، وأمره أن ينادى، إن الله أمرك أن تقومى فقاموا أحياء إلى بلادهم {إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} فيجب عليهم شكره على فضله كإحياء هؤلاء بعد موتهم، ليعتبروا ويفوزوا بالسعادة العظمى، وكمن سمع بإحيائهم واعتبر {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} بل يكفرون بفسق، وبه وبشرك، والمشركون أكثر من الموحدين، وقد انضم إليهم من كفر بالجارحة أيضا، وفى القصة تمهيد للاجتراء على القتال كما قال: {وَقَٰتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللهِ} يا أيها المسلمون، ولا بد من الموت، فإن قتلتم متم شهداء فائزين، ولا يرد الموت لأجله شىء، فقد فر هؤلاء الإسرائيليون عن الطاعون أو القتال أو أهل داوردان فماتوا ولم يغنهم الفرار شيئا فتوكلوا على الله وقاتلوا أعداءه، ولو بالدعاء على من استعد منهم لإهانة الإسلام، والعطف على ألم تر عطف قصة على أخرى، أو مراعاة لمعنى ألم تر، إذ منعناه انظر وتفكر، أو يقدر اشكروا وقاتلوا فى سبيل الله {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} لا يخفى عنه الجهاد والإخلاص ولا عدم الجهاد أو الإخلاص، ولا يخفى عنه قول المتخلف عن الجهاد وتنفيره لغيره عنه، وقيل، الخطابان فى الزمان السابق لمن أماتهم ثم أحياهم.
الالوسي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ} هذه الكلمة قد تذكر لمن تقدم علمه فتكون للتعجب والتقرير والتذكير لمن علم بما يأتي كالأحبار وأهل التواريخ، وقد تذكر لمن لا يكون كذلك فتكون لتعريفه وتعجيبه، وقد اشتهرت في ذلك حتى أجريت مجرى المثل في هذا الباب بأن شبه حال من لم ير الشيء بحال من رآه في أنه لا ينبغي أن يخفى عليه وأنه ينبغي أن يتعجب منه ثم أجرى الكلام معه كما يجري مع من رأى قصداً إلى المبالغة في شهرته وعراقته في التعجب، والرؤية إما بمعنى الأبصار مجازاً عن النظر، وفائدة التجوز الحث على الاعتبار لأن النظر اختياري دون الإدراك الذي بعده وإما بمعنى الإدراك القلبـي متضمناً معنى الوصول والانتهاء ولهذا تعدت بإلى في قوله تعالى: {إِلَى ٱلَّذِينَ} كما قاله غير واحد، وقال الراغب: إن الفعل مما يتعدى بنفسه لكن لما استعير لمعنى ـ ألم تنظر ـ عدي تعديته بإلى وفائدة استفادته أن النظر قد يتعدى عن الرؤية فإذا أريد الحث على نظر ناتج لا محالة لها استعيرت له وقلما استعمل ذلك في غير التقرير فلا يقال رأيت إلى كذا انتهى. وقد يتعدى اللفظ على هذا المعنى بنفسه وقل من نبه عليه كقول امرىء القيس:شعر : ـ ألم تر ـ بأني كلما جئت طارقا وجدت بها طيباً ولم تتطيب تفسير : والمراد بالموصول أهل قرية يقال لها داوردان قرب واسط. {خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم} فارين من الطاعون أو من الجهاد حيث دعوا إليه {وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} وكانوا فوق عشرة آلاف على ما استظهره الأكثر بناءاً على أنه لا يقال ـ عشرة ألوف ولا تسعة ألوف ـ وهكذا وإنما يقال آلاف، فقول عطاء الخراساني: إنهم كانوا ثلاثة آلاف، وابن عباس في إحدى الروايات عنه أنهم أربعة آلاف، ومقاتل والكلبـي إنهم ثمانية آلاف، وأبـي صالح إنهم تسعة آلاف، وأبـي رءوف إنهم عشرة آلاف لا يساعده هذا الاستعمال، والقائلون بالفوقية اختلفوا فقيل: كانوا بضعة وثلاثين ألفاً، وحكى ذلك عن السدي، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم أربعون ألفاً، وقال عطاء بن أبـي رباح: إنهم سبعون ألفاً ولا أرى لهذا الخلاف ثمرة بعد القول بالكثرة وإلى ذلك يميل كلام الضحاك، وحكي عن ابن زيد أن المراد: خرجوا مؤتلفي القلوب ولم يخرجوا عن تباغض فجعله جمع/ آلف مثل قاعد وقعود وشاهد وشهود وهو خلاف الظاهر، وليس فيه كثير اعتبار إذ ورود الموت دفعة كما ينبىء عنه قوله تعالى: {فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ} على جمع عظيم أبلغ في الاعتبار، وأما وقوعه على قوم بينهم ألفة فهو كوقوعه على غيرهم، ومثل هذا القول بأن المراد ألفهم وحبهم لديارهم أو لحياتهم الدنيا، والمراد بقوله تعالى إما ظاهره وإما مجاز عن تعلق إرادته تعالى بموتهم دفعة، وقيل: هو تمثيل لإماتته تعالى إياهم ميتة نفس واحدة في أقرب وقت وأدناه وأسرع زمان وأوحاه بأمر [آمر] مطاع لمأمور مطيع، وقيل: ناداهم ملك بذلك، وعن السدي أن المنادي ملكان وإنما أسند إليه تعالى تخويفاً وتهويلاً. {ثُمَّ أَحْيَـٰهُمْ} عطف على مقدر يستدعيه المقام أي: فماتوا ثم أحياهم قيل: وإنما حذف للدلالة على الاستغناء عن ذكره لاستحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته الكونية، وجوز أن يكون عطفاً على ـ قال ـ لما أنه عبارة عن الإماتة والمشهور أنهم بقوا موتى مدة حتى تفرقت عظامهم فمرّ بهم حزقيل الشهير بابن العجوز خليفة كالب بن يوفنا خليفة يوشع بن نون، وقيل: شمعون، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال وهب: إنه شمويل وهو ذو الكفل، وقيل: يوشع نفسه فوقف متعجباً لكثرة ما يرى منهم (فأوحى الله تعالى إليه أن ناد أيتها العظام أن الله تعالى يأمركم أن تجتمعي فاجتمعت حتى التزق بعضها ببعض فصارت أجساداً من عظام لا لحم ولا دم ثم أوحى الله تعالى إليه أن ناد أيتها الأجسام أن الله تعالى يأمرك أن تكتسي لحماً فاكتست لحماً ثم أوحى الله تعالى إليه أن ناد أن الله تعالى يأمرك تقومي فبعثوا أحياء يقولون سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت) والروايات في هذا الباب كثيرة. والظاهر أنهم لم يروا في هذا الموت من الأهوال والأحوال ما يصير بها معارفهم ضرورية، ويمنع من صحة التكليف بعد الإحياء كما في الآخرة، ويمكن أن يقال إنهم رأوا ما يراه الموتى إلا أنهم أنسوه بعد العودة والقادر على الإماتة والإحياء قادر على الإنساء وسبحان من لا يعجزه شيء، وعلى كلا التقديرين لا يشكل موت هؤلاء في الدنيا مرتين مع قوله تعالى: {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ } تفسير : [الدخان: 56] الآية لأن ذلك لم يكن عن استيفاء آجال ـ كما قال مجاهد ـ وإنما هو موت عقوبة فكأنه ليس بموت، وأيضاً هو من خوارق العادات فلا يرد نقضاً، ومن الناس من قال: إن هذا لم يكن موتاً كالموت الذي يكون وراءه الحياة للنشور، وإنما هو نوع انقطاع تعلق الروح عن الجسد بحيث يلحقه التغير والفساد وهو فوق داء السكتة والإغماء الشديد حتى لا يشك الرائي الحاذق لو رآه بانقطاع التعلق أصلاً ولم يعلم أنه قد بقي تعلق ما لكنه لم يصل إلى حد الحياة المعلومة لدينا، ولعل هذا القول يعود بالآخرة إلى انقسام الموت أو إلى أن إطلاق الموت على ما ذكر مجاز، وكلا الأمرين في القلب منهما شيء بل أشياء. وقد ذهب إلى مثله ابن الراوندي في جميع الأموات فقال: إن الأرواح لا تفارق الأبدان أصلاً وإنما يحدث في الأبدان عوارض وعلل يحدث تفرق الأجزاء منها كما يحدث للمجذومين، والروح كامنة في الأجزاء المتفرقة أينما كانت لكونها عرية عن الإحساس والإدراك وهو مذهب تحكم الضرورة برده عافانا الله تعالى والمسلمين عن اعتقاد مثله. {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} جميعاً، أمّا أولئك فقد أحياهم ليعتبروا فيفوزوا بالسعادة وأمّا الذين سمعوا فقد هداهم إلى الاعتبار، وهذا كالتعليل لما تقدم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} استدراك مما تضمنه ما قبله والتقدير: فيجب عليهم أن يشكروا فضله ولكان الخ، وجوز أن يراد بالشكر الاستبصار والاعتبار، ولا يخفى بعده، والإظهار في مقام الإضمار لمزيد التشنيع ومناسبة هذه لما قبلها أنه سبحانه لما ذكر جملاً من الأحكام/ التكليفية مشتملة على ذكر شيء من أحكام الموتى عقب ذلك بهذه القصة العجيبة تنبيهاً على عظيم قدرته وأنه القادر على الإحياء والبعث للمجازاة واستنهاضاً للعزائم على العمل للمعاد والوفاء بالحقوق والصبر على المشاق. وقيل: وجه المناسبة أنه لما ذكر سبحانه {أية : كَذَلِكَ يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءآيَـٰتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }تفسير : [البقرة: 242] ذكر هذه القصة لأنها من عظيم آياته وبدائع قدرته، وقيل: جعل الله تعالى هذه القصة لما فيها من تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، والحث على التوكل والاستسلام للقضاء تمهيداً لقوله تعالى: {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}.
سيد قطب
تفسير : ندرك قيمة هذا الدرس. وما يتضمنه من تجارب الجماعات السابقة والأمم الغابرة، حين نستحضر في أنفسنا أن القرآن هو كتاب هذه الأمة الحي؛ ورائدها الناصح؛ وأنه هو مدرستها التي تلقت فيها دروس حياتها. وأن الله - سبحانه - كان يربي به الجماعة المسلمة الأولى التي قسم لها إقامة منهجه الرباني في الأرض، وناط بها هذا الدور العظيم بعد أن أعدها له بهذا القرآن الكريم. وأنه - تعالى - أراد بهذا القرآن أن يكون هو الرائد الحي - الباقي بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لقيادة أجيال هذه الأمة، وتربيتها، وإعدادها لدور القيادة الراشدة الذي وعدها به، كلما اهتدت بهديه، واستمسكت بعهدها معه، واستمدت منهج حياتها كله من هذا القرآن، واستعزت به واستعلت على جميع المناهج الأرضية. وهي بصفتها هذه، مناهج الجاهلية! إن هذا القرآن ليس مجرد كلام يتلى.. ولكنه دستور شامل.. دستور للتربية، كما أنه دستور للحياة العملية، ومن ثم فقد تضمن عرض تجارب البشرية بصورة موحية على الجماعة المسلمة التي جاء لينشئها ويربيها؛ وتضمن بصفة خاصة تجارب الدعوة الإيمانية في الأرض من لدن آدم - عليه السلام - وقدمها زاداً للأمة المسلمة في جميع أجيالها. تجاربها في الأنفس، وتجاربها في واقع الحياة. كي تكون الأمة المسلمة على بينة من طريقها، وهي تتزود لها بذلك الزاد الضخم، وذلك الرصيد المتنوع. ومن ثم جاء القصص في القرآن بهذه الوفرة، وبهذا التنوع، وبهذا الإيحاء.. وقصص بني إسرائيل هو أكثر القصص وروداً في القرآن الكريم، لأسباب عدة، ذكرنا بعضها في الجزء الأول من الظلال عند استقبال أحداث بني إسرائيل؛ وذكرنا بعضها في هذا الجزء في مناسبات شتى - وبخاصة في أوله - ونضيف إليها هنا ما نرجحه.. وهو أن الله - سبحانه - علم أن أجيالاً من هذه الأمة المسلمة ستمر بأدوار كالتي مر فيها بنو إسرائيل، وتقف من دينها وعقيدتها مواقف شبيهة بمواقف بني إسرائيل؛ فعرض عليها مزالق الطريق، مصورة في تاريخ بني إسرائيل، لتكون لها عظة وعبرة؛ ولترى صورتها في هذه المرآة المرفوعة لها بيد الله - سبحانه - قبل الوقوع في تلك المزالق أو اللجاج فيها على مدار الطريق! إن هذا القرآن ينبغي أن يقرأ وأن يتلقى من أجيال الأمة المسلمة بوعي. وينبغي أن يتدبر على أنه توجيهات حية، تتنزل اليوم، لتعالج مسائل اليوم، ولتنير الطريق إلى المستقبل. لا على أنه مجرد كلام جميل يرتل؛ أو على أنه سجل لحقيقة مضت ولن تعود! ولن ننتفع بهذا القرآن حتى نقرأه لنلتمس عنده توجيهات حياتنا الواقعة في يومنا وفي غدنا؛ كما كانت الجماعة المسلمة الأولى تتلقاه لتلتمس عنده التوجيه الحاضر في شؤون حياتها الواقعة.. وحين نقرأ القرآن بهذا الوعي سنجد عنده ما نريد. وسنجد فيه عجائب لا تخطر على البال الساهي! سنجد كلماته وعباراته وتوجيهاته حية تنبض وتتحرك وتشير إلى معالم الطريق؛ وتقول لنا: هذا فافعلوه وهذا لا تفعلوه. وتقول لنا: هذا عدو لكم وهذا صديق. وتقول لنا: كذا فاتخذوا من الحيطة وكذا فاتخذوا من العدة. وتقول لنا حديثاً طويلاً مفصلاً دقيقاً في كل ما يعرض لنا من الشؤون.. وسنجد عندئذ في القرآن متاعاً وحياة؛ وسندرك معنى قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}.. تفسير : فهي دعوة للحياة.. للحياة الدائمة المتجددة. لا لحياة تاريخية محدودة في صفحة عابرة من صفحات التاريخ. هذا الدرس يعرض تجربتين من تجارب الأمم؛ يضمهما إلى ذخيرة هذه الأمة من التجارب؛ ويعد بهما الجماعة المسلمة لما هي معرضة له في حياتها من المواقف؛ بسبب قيامها بدورها الكبير، بوصفها وارثة العقيدة الإيمانية، ووارثة التجارب في هذا الحقل الخصيب. والأولى تجربة لا يذكر القرآن أصحابها؛ ويعرضها في اختصار كامل، ولكنه واف. فهي تجربة جماعة {خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت}.. فلم ينفعهم الخروج والفرار والحذر؛ وأدركهم قدر الله الذي خرجوا حذراً منه.. فقال لهم الله: {موتوا}.. {ثم أحياهم}.. لم ينفعهم الجهد في اتقاء الموت، ولم يبذلوا جهداً في استرجاع الحياة. وإنما هو قدر الله في الحالين. وفي ظل هذه التجربة يتجه إلى الذين آمنوا يحرضهم على القتال، وعلى الإنفاق في سبيل الله، واهب الحياة. وواهب المال. والقادر على قبض الحياة وقبض المال. والثانية تجربة في حياة بني إسرائيل من بعد موسى.. بعدما ضاع ملكهم، ونهبت مقدساتهم، وذلوا لأعدائهم، وذاقوا الويل بسبب انحرافهم عن هدْي ربهم، وتعاليم نبيهم.. ثم انتفضت نفوسهم انتفاضة جديدة؛ واستيقظت في قلوبهم العقيدة؛ واشتاقوا القتال في سبيل الله. فقالوا: {لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله}. ومن خلال هذه التجربة - كما يعرضها السياق القرآني الموحي - تبرز جملة حقائق، تحمل إيحاءات قوية للجماعة المسلمة في كل جيل، فضلاً على ما كانت تحمله للجماعة المسلمة في ذلك الحين. والعبرة الكلية التي تبرز من القصة كلها هي أن هذه الانتفاضة - انتفاضة العقيدة - على الرغم من كل ما اعتورها أمام التجربة الواقعة من نقص وضعف، ومن تخلي القوم عنها فوجاً بعد فوج في مراحل الطريق - على الرغم من هذا كله فإن ثبات حفنة قليلة من المؤمنين عليها قد حقق لبني إسرائيل نتائج ضخمة جداً.. فقد كان فيها النصر والعز والتمكين، بعد الهزيمة المنكرة، والمهانة الفاضحة، والتشريد الطويل والذل تحت أقدام المتسلطين. ولقد جاءت لهم بملك داود، ثم ملك سليمان - وهذه أعلى قمة وصلت إليها دولة بني إسرائيل في الأرض - وهي عهدهم الذهبي الذي يتحدثون عنه؛ والذي لم يبلغوه من قبل في عهد النبوة الكبرى.. وكان هذا النصر كله ثمرة مباشرة لانتفاضة العقيدة من تحت الركام؛ وثبات حفنة قليلة عليها أمام جحافل جالوت! وفي خلال التجربة تبرز بضع عظات أخرى جزئية؛ كلها ذات قيمة للجماعة المسلمة في كل حين: من ذلك.. أن الحماسة الجماعية قد تخدع القادة لو أخذوا بمظهرها. فيجب أن يضعوها على محك التجربة قبل أن يخوضوا بها المعركة الحاسمة.. فقد تقدم الملأ من بني إسرائيل - من ذوي الرأي والمكانة فيهم - إلى نبيهم في ذلك الزمان، يطلبون إليه أن يختار لهم ملكاً يقودهم إلى المعركة مع أعداء دينهم، الذين سلبوا ملكهم وأموالهم ومعها مخلفات أنبيائهم من آل موسى وآل هارون. فلما أراد نبيهم أن يستوثق من صحة عزيمتهم على القتال، وقال لهم: {هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا!} استنكروا عليه هذا القول، وارتفعت حماستهم إلى الذروة وهم يقولون له: {وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا؟}.. ولكن هذه الحماسة البالغة ما لبثت أن انطفأت شعلتها، وتهاوت على مراحل الطريق كما تذكر القصة؛ وكما يقول السياق بالإجمال: {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم}.. ومع أن لبني إسرائيل طابعاً خاصاً في النكول عن العهد، والنكوص عن الوعد، والتفرق في منتصف الطريق.. إلا أن هذه الظاهرة هي ظاهرة بشرية على كل حال، في الجماعات التي لم تبلغ تربيتها الإيمانية مبلغاً عالياً من التدريب.. وهي خليقة بأن تصادف قيادة الجماعة المسلمة في أي جيل.. فيحسن الانتفاع فيها بتجربة بني إسرائيل. ومن ذلك أن اختبار الحماسة الظاهرة والاندفاع الفائر في نفوس الجماعات ينبغي أن لا يقف عند الابتلاء الأول.. فإن كثرة بني إسرائيل هؤلاء قد تولوا بمجرد أن كتب عليهم القتال استجابة لطلبهم. ولم تبق إلا قلة مستمسكة بعهدها مع نبيها. وهم الجنود الذين خرجوا مع طالوت بعد الحجاج والجدال حول جدارته بالملك والقيادة، ووقوع علامة الله باختياره لهم، ورجعة تابوتهم وفيه مخلفات أنبيائهم تحمله الملائكة...! ومع هذا فقط سقطت كثرة هؤلاء الجنود في المرحلة الأولى. وضعفوا أمام الامتحان الأول الذي أقامه لهم قائدهم: {فلما فصل طالوت بالجنود قال: إن الله مبتليكم بنهر: فمن شرب منه فليس مني. ومن لم يطعمه فإنه مني - إلا من اغترف غرفة بيده - فشربوا منه إلا قليلاً منهم}.. وهذا القليل لم يثبت كذلك إلى النهاية. فأمام الهول الحي، أمام كثرة الأعداء وقوتهم، تهاوت العزائم وزلزلت القلوب: {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده}.. وأمام هذا التخاذل ثبتت الفئة القليلة المختارة.. اعتصمت بالله ووثقت، وقالت: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}.. وهذه هي التي رجحت الكفة، وتلقت النصر، واستحقت العز والتمكين. وفي ثنايا هذه التجربة تكمن عبرة القيادة الصالحة الحازمة المؤمنة.. وكلها واضحة في قيادة طالوت. تبرز منها خبرته بالنفوس؛ وعدم اغتراره بالحماسة الظاهرة، وعدم اكتفائه بالتجربة الأولى، ومحاولته اختبار الطاعة والعزيمة في نفوس جنوده قبل المعركة، وفصله للذين ضعفوا وتركهم وراءه.. ثم - وهذا هو الأهم - عدم تخاذله وقد تضاءل جنوده تجربة بعد تجربة؛ ولم يثبت معه في النهاية إلا تلك الفئة المختارة. فخاض بها المعركة ثقة منه بقوة الإيمان الخالص، ووعد الله الصادق للمؤمنين. والعبرة الأخيرة التي تكمن في مصير المعركة.. أن القلب الذي يتصل بالله تتغير موازينه وتصوراته؛ لأنه يرى الواقع الصغير المحدود بعين تمتد وراءه إلى الواقع الكبير الممتد الواصل، وإلى أصل الأمور كلها وراء الواقع الصغير المحدود. فهذه الفئة المؤمنة الصغيرة التي ثبتت وخاضت المعركة وتلقت النصر، كانت ترى من قلتها وكثرة عدوها ما يراه الآخرون الذين قالوا: {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده}.. ولكنها لم تحكم حكمهم على الموقف. إنما حكمت حكماً آخر، فقالت: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين}.. ثم اتجهت لربها تدعوه: {ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين}. وهي تحس أن ميزان القوى ليس في أيدي الكافرين، إنما هو في يد الله وحده، فطلبت منه النصر، ونالته من اليد التي تملكه وتعطيه.. وهكذا تتغير التصورات والموازين للأمور عند الاتصال بالله حقاً، وعندما يتحقق في القلب الإيمان الصحيح. وهكذا يثبت أن التعامل مع وعد الله الواقع الظاهر للقلوب أصدق من التعامل مع الواقع الصغير الظاهر للعيون! ولا نستوعب الإيحاءات التي تتضمنها القصة. فالنصوص القرآنية - كما علمتنا التجربة - تفصح عن إيحاءاتها لكل قلب بحسب ما هو فيه من الشأن؛ وبقدر حاجته الظاهرة فيه. ويبقى لها رصيدها المذخور تتفتح به على القلوب، في شتى المواقف، على قدر مقسوم.. فنخلص إذن من هذا العرض العام إلى تفصيل النصوص: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت؛ فقال لهم الله: موتوا. ثم أحياهم. إن الله لذو فضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون}.. لا أحب أن نذهب في تيه التأويلات، عن هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت.. من هم؟ وفي أي أرض كانوا؟ وفي أي زمان خرجوا؟ فلو كان الله يريد بياناً عنهم لبين، كما يجيء القصص المحدد في القرآن. إنما هذه عبرة وعظة يراد مغزاها، ولا تراد أحداثها وأماكنها وأزمانها. وتحديد الأماكن والأزمان لا يزيد هنا شيئاً على عبرة القصة ومغزاها.. إنما يراد هنا تصحيح التصور عن الموت والحياة، وأسبابهما الظاهرة، وحقيقتهما المضمرة؛ ورد الأمر فيهما إلى القدرة المدبرة. والاطمئنان إلى قدر الله فيهما. والمضي في حمل التكاليف والواجبات دون هلع ولا جزع، فالمقدر كائن، والموت والحياة بيد الله في نهاية المطاف.. يراد أن يقال: إن الحذر من الموت لا يجدي؛ وإن الفزع والهلع لا يزيدان حياة، ولا يمدان أجلاً، ولا يردان قضاء؛ وإن الله هو واهب الحياة، وهو آخذ الحياة؛ وإنه متفضل في الحالتين: حين يهب، وحين يسترد؛ والحكمة الإلهية الكبرى كامنة خلف الهبة وخلف الاسترداد. وإن مصلحة الناس متحققة في هذا وذاك؛ وإن فضل الله عليهم متحقق في الأخذ والمنح سواء: {إن الله لذو فضل على الناس. ولكن أكثر الناس لا يشكرون}. إن تجمع هؤلاء القوم {وهم ألوف} وخروجهم من ديارهم {حذر الموت}.. لا يكون إلا في حالة هلع وجزع، سواء كان هذا الخروج خوفاً من عدو مهاجم، أو من وباء حائم.. إن هذا كله لم يغن عنهم من الموت شيئاً: {فقال لهم الله.. موتوا}.. كيف قال لهم؟ كيف ماتوا؟ هل ماتوا بسبب مما هربوا منه وفزعوا؟ هل ماتوا بسبب آخر من حيث لم يحتسبوا؟ كل ذلك لم يرد عنه تفصيل، لأنه ليس موضع العبرة. إنما موضع العبرة أن الفزع والجزع والخروج والحذر، لم تغير مصيرهم، ولم تدفع عنهم الموت، ولم ترد عنهم قضاء الله. وكان الثبات والصبر والتجمل أولى لو رجعوا لله.. {ثم أحياهم}.. كيف؟ هل بعثهم من موت ورد عليهم الحياة ; هل خلف من ذريتهم خلف تتمثل فيه الحياة القوية فلا يجزع ولا يهلع هلع الآباء؟ ذلك كذلك لم يرد عنه تفصيل. فلا ضرورة لأن نذهب وراءه في التأويل، لئلا نتيه في أساطير لا سند لها كما جاء في بعض التفاسير.. إنما الإيحاء الذي يتلقاه القلب من هذا النص أن الله وهبهم الحياة من غير جهد منهم. في حين أن جهدهم لم يرد الموت عنهم. إن الهلع لا يرد قضاء؛ وإن الفزع لا يحفظ حياة؛ وإن الحياة بيد الله هبة منه بلا جهد من الأحياء.. إذن فلا نامت أعين الجبناء! {وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم}.. هنا ندرك طرفاً من هدف تلك الحادثة ومغزاها؛ وندرك طرفاً من حكمة الله في سوق هذه التجربة للجماعة المسلمة في جيلها الأول وفي أجيالها جميعاً.. ألا يقعدن بكم حب الحياة، وحذر الموت، عن الجهاد في سبيل الله. فالموت والحياة بيد الله. قاتلوا في سبيل الله لا في سبيل غاية أخرى. وتحت راية الله لا تحت راية أخرى.. قاتلوا في سبيل الله: {واعلموا أن الله سميع عليم}.. يسمع ويعلم.. يسمع القول ويعلم ما وراءه.. أو يسمع فيستجيب ويعلم ما يصلح الحياة والقلوب. قاتلوا في سبيل الله وليس هناك عمل ضائع عند الله، واهب الحياة وآخذ الحياة. والجهاد في سبيل الله بذل وتضحية. وبذل المال والإنفاق في سبيل الله يقترن في القرآن غالباً بذكر الجهاد والقتال. وبخاصة في تلك الفترة حيث كان الجهاد تطوعاً، والمجاهد ينفق على نفسه، وقد يقعد به المال حين لا يقعد به الجهد؛ فلم يكن بد من الحث المستمر على الإنفاق لتيسير الطريق للمجاهدين في سبيل الله. وهنا تجيء الدعوة إلى الإنفاق في صورة موحية دافعة: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسنا فيضاعفه له أضعافاً كثيرة، والله يقبض ويبسط، وإليه ترجعون}.. وإذا كان الموت والحياة بيد الله، والحياة لا تذهب بالقتال إذا قدر الله لها البقاء، فكذلك المال لا يذهب بالإنفاق. إنما هو قرض حسن لله، مضمون عنده، يضاعفه أضعافاً كثيرة. يضاعفه في الدنيا مالاً وبركة وسعادة وراحة؛ ويضاعفه في الآخرة نعيماً ومتاعاً ورضى وقربى من الله. ومرد الأمر في الغنى والفقر إلى الله، لا إلى حرص وبخل. ولا إلى بذل وإنفاق: {والله يقبض ويبسط}.. والمرجع إليه سبحانه في نهاية المطاف. فأين يكون المال والناس أنفسهم راجعون بقضهم وقضيضهم إلى الله: {وإليه ترجعون}.. وإذن فلا فزع من الموت، ولا خوف من الفقر، ولا محيد عن الرجعة إلى الله. وإذن فليجاهد المؤمنون في سبيل الله، وليقدموا الأرواح والأموال؛ وليستقينوا أن أنفاسهم معدودة، وأن أرزاقهم مقدرة، وأنه من الخير لهم أن يعيشوا الحياة قوية طليقة شجاعة كريمة. ومردهم بعد ذلك إلى الله.. ولا يفوتني بعد تقرير تلك الإيحاءات الإيمانية التربوية الكريمة التي تضمنتها الآيات.. أن ألم بذلك الجمال الفني في الأداء: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت؟}.. إن في التعبير استعراضاً لهذه الألوف ولهذه الصفوف استعراضاً ترسمه هاتان الكلمتان: {ألم تر؟}.. وأي تعبير آخر ما كان ليرسم أمام المخيلة هذا الاستعراض كما رسمته هاتان الكلمتان العاديتان في موضعهما المختار. ومن مشهد الألوف المؤلفة، الحذرة من الموت، المتلفتة من الذعر.. إلى مشهد الموت المطبق في لحظة؛ ومن خلال كلمة: {موتوا}.. كل هذا الحذر، وكل هذا التجمع، وكل هذه المحاولة.. كلها ذهبت هباء في كلمة واحدة: {موتوا}.. ليلقي ذلك في الحس عبث المحاولة، وضلالة المنهج؛ كما يلقي صرامة القضاء، وسرعة الفصل عند الله. {ثم أحياهم}.. هكذا بلا تفصيل للوسيلة.. إنها القدرة المالكة زمام الموت وزمام الحياة. المتصرفة في شؤون العباد، لا ترد لها إرادة ولا يكون إلا ما تشاء.. وهذا التعبير يلقي الظل المناسب على مشهد الموت ومشهد الحياة. ونحن في مشهد إماتة وإحياء. قبض للروح وإطلاق.. فلما جاء ذكر الرزق كان التعبير: {والله يقبض ويبسط}.. متناسقاً في الحركة مع قبض الروح وإطلاقها في إيجاز كذلك واختصار. وكذلك يبدو التناسق العجيب في تصوير المشاهد، إلى جوار التناسق العجيب في إحياء المعاني وجمال الأداء.. ثم يورد السياق التجربة الثانية، وأبطالها هم بنو إسرائيل من بعد موسى: {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله. قال: هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا! قالوا: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله، وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا؟ فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم. والله عليم بالظالمين}.. ألم تر؟ كأنها حادث واقع ومشهد منظور.. لقد اجتمع الملأ من بني إسرائيل، من كبرائهم وأهل الرأي فيهم - إلى نبي لهم. ولم يرد في السياق ذكر اسمه، لأنه ليس المقصود بالقصة، وذكره هنا لا يزيد شيئاً في إيحاء القصة، وقد كان لبني إسرائيل كثرة من الأنبياء يتتابعون في تاريخهم الطويل.. لقد اجتمعوا إلى نبي لهم، وطلبوا إليه أن يعين لهم ملكاً يقاتلون تحت إمرته {في سبيل الله}.. وهذا التحديد منهم لطبيعة القتال، وأنه في {سبيل الله} يشي بانتفاضة العقيدة في قلوبهم، ويقظة الإيمان في نفوسهم، وشعورهم بأنهم أهل دين وعقيدة وحق، وأن أعداءهم على ضلالة وكفر وباطل؛ ووضوح الطريق أمامهم للجهاد في سبيل الله. وهذا الوضوح وهذا الحسم هو نصف الطريق إلى النصر. فلا بد للمؤمن أن يتضح في حسه أنه على الحق وأن عدوه على الباطل؛ ولا بد أن يتجرد في حسه الهدف.. في سبيل الله.. فلا يغشيه الغبش الذي لا يدري معه إلى أين يسير. وقد أراد نبيهم أن يستوثق من صدق عزيمتهم، وثبات نيتهم، وتصميمهم على النهوض بالتبعة الثقيلة، وجدّهم فيما يعرضون عليه من الأمر: {قال: هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا!}.. ألا ينتظر أن تنكلوا عن القتال إن فرض عليكم؟ فأنتم الآن في سعة من الأمر. فأما إذا استجبت لكم، فتقرر القتال عليكم فتلك فريضة إذن مكتوبة؛ ولا سبيل بعدها إلى النكول عنها.. إنها الكلمة اللائقة بنبي، والتأكد اللائق بنبي. فما يجوز أن تكون كلمات الأنبياء وأوامرهم موضع تردد أو عبث أو تراخ. وهنا ارتفعت درجة الحماسة والفورة؛ وذكر الملأ أن هناك من الأسباب الحافزة للقتال في سبيل الله ما يجعل القتال هو الأمر المتعين الذي لا تردد فيه: {قالوا: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا؟}.. ونجد أن الأمر واضح في حسهم، مقرر في نفوسهم.. إن أعداءهم أعداء الله ولدين الله. وقد أخرجوهم من ديارهم وسبوا أبناءهم. فقتالهم واجب؛ والطريق الواحدة التي أمامهم هي القتال؛ ولا ضرورة إلى المراجعة في هذه العزيمة أو الجدال. ولكن هذه الحماسة الفائرة في ساعة الرخاء لم تدم. ويعجل السياق بكشف الصفحة التالية: {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم}.. وهنا نطلع على سمة خاصة من سمات إسرائيل في نقض العهد، والنكث بالوعد، والتفلت من الطاعة، والنكوص عن التكليف، وتفرق الكلمة، والتولي عن الحق البين.. ولكن هذه كذلك سمة كل جماعة لا تنضج تربيتها الإيمانية؛ فهي سمة بشرية عامة لا تغير منها إلا التربية الإيمانية العالية الطويلة الأمد العميقة التأثير. وهي - من ثم - سمة ينبغي للقيادة أن تكون منها على حذر، وأن تحسب حسابها في الطريق الوعر، كي لا تفاجأ بها، فيتعاظمها الأمر! فهي متوقعة من الجماعات البشرية التي لم تخلص من الأوشاب، ولم تصهر ولم تطهر من هذه العقابيل. والتعقيب على هذا التولي: {والله عليم بالظالمين}.. وهو يشي بالاستنكار؛ ووصم الكثرة التي تولت عن هذه الفريضة - بعد طلبها - وقبل أن تواجه الجهاد مواجهة عملية.. وصمها بالظلم. فهي ظالمة لنفسها، وظالمة لنبيها، وظالمة للحق الذي خذلته وهي تعرف أنه الحق، ثم تتخلى عنه للمبطلين! إن الذي يعرف أنه على الحق، وأن عدوه على الباطل - كما عرف الملأ من بني إسرائيل وهم يطلبون أن يبعث لهم نبيهم ملكاً ليقاتلوا {في سبيل الله}.. ثم يتولى بعد ذلك عن الجهاد ولا ينهض بتبعة الحق الذي عرفه في وجه الباطل الذي عرفه.. إنما هو من الظالمين المجزيين بظلمهم.. {والله عليم بالظالمين}.. {وقال لهم نبيهم: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً. قالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال؟ قال: إن الله اصطفاه عليكم، وزاده بسطة في العلم والجسم. والله يؤتي ملكه من يشاء. والله واسع عليم}.. وفي هذه اللجاجة تتكشف سمة من سمات إسرائيل التي وردت الإشارات إليها كثيرة في هذه السورة.. لقد كان مطلبهم أن يكون لهم ملك يقاتلون تحت لوائه. ولقد قالوا: إنهم يريدون أن يقاتلوا {في سبيل الله}. فها هم أولاء ينغضون رؤوسهم، ويلوون أعناقهم، ويجادلون في اختيار الله لهم كما أخبرهم نبيهم؛ ويستنكرون أن يكون طالوت - الذي بعثه الله لهم - ملكاً عليهم. لماذا؟ لأنهم أحق بالملك منه بالوراثة. فلم يكن من نسل الملوك فيهم! ولأنه لم يؤت سعة من المال تبرر التغاضي عن أحقية الوراثة!.. وكل هذا غبش في التصور، كما أنه من سمات بني إسرائيل المعروفة.. ولقد كشف لهم نبيهم عن أحقيته الذاتية، وعن حكمة الله في اختياره: {قال إن الله اصطفاه عليكم، وزاده بسطة في العلم والجسم. والله يؤتي ملكه من يشاء. والله واسع عليم}.. إنه رجل قد اختاره الله.. فهذه واحدة.. وزاده بسطة في العلم والجسم.. وهذه أخرى.. والله {يؤتي ملكه من يشاء}.. فهو ملكه، وهو صاحب التصرف فيه، وهو يختار من عباده من يشاء.. {والله واسع عليم}.. ليس لفضله خازن وليس لعطائه حد. وهو الذي يعلم الخير، ويعلم كيف توضع الأمور في مواضعها.. وهي أمور من شأنها أن تصحح التصور المشوش، وأن تجلو عنه الغبش.. ولكن طبيعة إسرائيل - ونبيها يعرفها - لا تصلح لها هذه الحقائق العالية وحدها. وهم مقبلون على معركة. ولا بد لهم من خارقة ظاهرة تهز قلوبهم، وتردها إلى الثقة واليقين: {وقال لهم نبيهم: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت، فيه سكينة من ربكم، وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة. إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين}.. وكان أعداؤهم الذين شردوهم من الأرض المقدسة - التي غلبوا عليها على يد نبيهم يوشع بعد فترة التيه ووفاة موسى - عليه السلام - قد سلبوا منهم مقدساتهم ممثلة في التابوت الذي يحفظون فيه مخلفات أنبيائهم من آل موسى وآل هارون وقيل: كانت فيه نسخة الألواح التي أعطاها الله لموسى على الطور.. فجعل لهم نبيهم علامة من الله، أن تقع خارقة يشهدونها، فيأتيهم التابوت بما فيه {تحمله الملائكة} فتفيض على قلوبهم السكينة.. وقال لهم: إن هذه الآية تكفي دلالة على صدق اختيار الله لطالوت، إن كنتم حقاً مؤمنين.. ويبدو من السياق أن هذه الخارقة قد وقعت، فانتهى القوم منها إلى اليقين. ثم أعد طالوت جيشه ممن لم يتولوا عن فريضة الجهاد، ولم ينكصوا عن عهدهم مع نبيهم من أول الطريق.. والسياق القرآني على طريقته في سياقة القصص يترك هنا فجوة بين المشهدين. فيعرض المشهد التالي مباشرة وطالوت خارج بالجنود: {فلما فصل طالوت بالجنود قال: إن الله مبتليكم بنهر. فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني - إلا من اغترف غرفة بيده. فشربوا منه إلا قليلاً منهم}.. هنا يتجلى لنا مصداق حكمة الله في اصطفاء هذا الرجل.. إنه مقدم على معركة؛ ومعه جيش من أمة مغلوبة، عرفت الهزيمة والذل في تاريخها مرة بعد مرة. وهو يواجه جيش أمة غالبة فلا بد إذن من قوة كامنة في ضمير الجيش تقف به أمام القوة الظاهرة الغالبة. هذه القوة الكامنة لا تكون إلا في الإرادة. الإرداة التي تضبط الشهوات والنزوات، وتصمد للحرمان والمشاق، وتستعلي على الضرورات والحاجات، وتؤثر الطاعة وتحتمل تكاليفها، فتجتاز الابتلاء بعد الابتلاء.. فلا بد للقائد المختار إذن أن يبلو إرادة جيشه، وصموده وصبره: صموده أولاً للرغبات والشهوات، وصبره ثانياً على الحرمان والمتاعب.. واختار هذه التجربة وهم كما تقول الروايات عطاش. ليعلم من يصبر معه ممن ينقلب على عقبيه، ويؤثر العافية.. وصحت فراسته: {فشربوا منه إلا قليلاً منهم}.. شربوا وارتووا. فقد كان أباح لهم أن يغترف منهم من يريد غرفة بيده، تبل الظمأ ولكنها لا تشي بالرغبة في التخلف! وانفصلوا عنه بمجرد استسلامهم ونكوصهم. انفصلوا عنه لأنهم لا يصلحون للمهمة الملقاة على عاتقه وعاتقهم. وكان من الخير ومن الحزم أن ينفصلوا عن الجيش الزاحف، لأنهم بذرة ضعف وخذلان وهزيمة. والجيوش ليست بالعدد الضخم، ولكن بالقلب الصامد، والإرادة الجازمة، والإيمان الثابت المستقيم على الطريق. ودلت هذه التجربة على أن النية الكامنة وحدها لا تكفي؛ ولا بد من التجربة العملية، ومواجهة واقع الطريق إلى المعركة قبل الدخول فيها. ودلت كذلك على صلابة عود القائد المختار الذي لم يهزه تخلف الأكثرية من جنده عند التجربة الأولى.. بل مضى في طريقه. وهنا كانت التجربة قد غربلت جيش طالوت - إلى حد - ولكن التجارب لم تكن قد انتهت بعد: {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده}.. لقد صاروا قلة وهم يعلمون قوة عدوهم وكثرته: بقيادة جالوت. إنهم مؤمنون لم ينكصوا عن عهدهم مع نبيهم. ولكنهم هنا أمام الواقع الذي يرونه بأعينهم فيحسون أنهم أضعف من مواجهته. إنها التجربة الحاسمة. تجربة الاعتزاز بقوة أخرى أكبر من قوة الواقع المنظور. وهذه لا يصمد لها إلا من اكتمل إيمانهم، فاتصلت بالله قلوبهم؛ وأصبحت لهم موازين جديدة يستمدونها من واقع إيمانهم، غير الموازين التي يستمدها الناس من واقع حالهم! وهنا برزت الفئة المؤمنة. الفئة القليلة المختارة. والفئة ذات الموازين الربانية: {قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. والله مع الصابرين}.. هكذا..{كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة}.. بهذا التكثير. فهذه هي القاعدة في حس الذين يوقنون أنهم ملاقو الله. القاعدة: أن تكون الفئة المؤمنة قليلة لأنها هي التي ترتقي الدرج الشاق حتى تنتهي إلى مرتبة الاصطفاء والاختيار. ولكنها تكون الغالبة لأنها تتصل بمصدر القوى؛ ولأنها تمثل القوة الغالبة. قوة الله الغالب على أمره، القاهر فوق عباده، محطم الجبارين، ومخزي الظالمين وقاهر المتكبرين. وهم يكلون هذا النصر لله: {بإذن الله}.. ويعللونه بعلته الحقيقية: {والله مع الصابرين}.. فيدلون بهذا كله على أنهم المختارون من الله لمعركة الحق الفاصلة بين الحق والباطل.. ونمضي مع القصة. فإذا الفئة القليلة الواثقة بلقاء الله، التي تستمد صبرها كله من اليقين بهذا اللقاء، وتستمد قوتها كلها من إذن الله، وتستمد يقينها كله من الثقة في الله، وأنه مع الصابرين.. إذا هذه الفئة القليلة الواثقة الصابرة، الثابتة، التي لم تزلزلها كثرة العدو وقوته، مع ضعفها وقلتها.. إذا هذه الفئة هي التي تقرر مصير المعركة. بعد أن تجدد عهدها مع الله، وتتجه بقلوبها إليه، وتطلب النصر منه وحده، وهي تواجه الهول الرعيب: {ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا: ربنا أفرغ علينا صبراً، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. فهزموهم بإذن الله، وقتل داود جالوت، وآتاه الله الملك والحكمة، وعلمه مما يشاء}.. هكذا.. {ربنا أفرغ علينا صبراً}.. وهو تعبير يصور مشهد الصبر فيضاً من الله يفرغه عليهم فيغمرهم، وينسكب عليهم سكينة وطمأنينة واحتمالاً للهول والمشقة. {وثبت أقدامنا}.. فهي في يده - سبحانه - يثبتها فلا تتزحزح ولا تتزلزل ولا تميد. {وانصرنا على القوم الكافرين}.. فقد وضح الموقف.. إيمان تجاه كفر. وحق إزاء باطل. ودعوة إلى الله لينصر أولياءه المؤمنين على أعدائه الكافرين. فلا تلجلج في الضمير، ولا غبش في التصور. ولا شك في سلامة القصد ووضوح الطريق. وكانت النتيجة هي التي ترقبوها واستيقنوها: {فهزموهم بإذن الله}.. ويؤكد النص هذه الحقيقة: {بإذن الله}.. ليعلمها المؤمنون أو ليزدادوا بها علماً. وليتضح التصور الكامل لحقيقة ما يجري في هذا الكون، ولطبيعة القوة التي تجريه.. إن المؤمنين ستار القدرة؛ يفعل الله بهم ما يريد، وينفذ بهم ما يختار.. بإذنه.. ليس لهم من الأمر شيء، ولا حول لهم ولا قوة ولكن الله يختارهم لتنفيذ مشيئته، فيكون منهم ما يريده بإذنه.. وهي حقيقة خليقة بأن تملأ قلب المؤمن بالسلام والطمأنينة واليقين.. إنه عبد الله. اختاره الله لدوره. وهذه منة من الله وفضل. وهو يؤدي هذا الدور المختار، ويحقق قدر الله النافذ. ثم يكرمه الله - بعد كرامة الاختيار - بفضل الثواب.. ولولا فضل الله ما فعل، ولولا فضل الله ما أثيب.. ثم إنه مستيقن من نبل الغاية وطهارة القصد ونظافة الطريق.. فليس له في شيء من هذا كله أرب ذاتي، إنما هو منفذ لمشيئة الله الخيرة قائم بما يريد. استحق هذا كله بالنية الطيبة والعزم على الطاعة والتوجه إلى الله في خلوص. ويبرز السياق دور داود: {وقتل داود جالوت}.. وداود كان فتى صغيراً من بني إسرائيل. وجالوت كان ملكاً قوياً وقائداً مخوفاً.. ولكن الله شاء أن يرى القوم وقتذاك أن الأمور لا تجري بظواهرها، إنما تجري بحقائقها. وحقائقها يعلمها هو. ومقاديرها في يده وحده. فليس عليهم إلا أن ينهضوا هم بواجبهم، ويفوا الله بعهدهم. ثم يكون ما يريده الله بالشكل الذي يريده. وقد أراد أن يجعل مصرع هذا الجبار الغشوم على يد هذا الفتى الصغير، ليرى الناس أن الجبابرة الذين يرهبونهم ضعاف ضعاف يغلبهم الفتية الصغار حين يشاء الله أن يقتلهم.. وكانت هنالك حكمة أخرى مغيبة يريدها الله. فلقد قدر أن يكون داود هو الذي يتسلم الملك بعد طالوت، ويرثه إبنه سليمان، فيكون عهده هو العهد الذهبي لبني إسرائيل في تاريخهم الطويل؛ جزاء انتفاضة العقيدة في نفوسهم بعد الضلال والانتكاس والشرود: {وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء}.. وكان داود ملكاً نبياً، وعلمه الله صناعة الزرد وعدة الحرب مما يفصله القرآن في مواضعه في سور أخرى.. أما في هذا الموضع فإن السياق يتجه إلى هدف آخر من وراء القصة جميعاً.. وحين ينتهي إلى هذه الخاتمة، ويعلن النصر الأخير للعقيدة الواثقة لا للقوة المادية، وللإرادة المستعلية لا للكثرة العددية.. حينئذ يعلن عن الغاية العليا من اصطراع تلك القوى.. إنها ليست المغانم والأسلاب، وليست الأمجاد والهالات.. إنما هو الصلاح في الأرض، وإنما هو التمكين للخير بالكفاح مع الشر: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض. ولكن الله ذو فضل على العالمين}.. وهنا تتوارى الأشخاص والأحداث لتبرز من خلال النص القصير حكمة الله العليا في الأرض من اصطراع القوى وتنافس الطاقات وانطلاق السعي في تيار الحياة المتدفق الصاخب الموار. وهنا تتكشف على مد البصر ساحة الحياة المترامية الأطراف تموج بالناس، في تدافع وتسابق وزحام إلى الغايات.. ومن ورائها جميعاً تلك اليد الحكيمة المدبرة تمسك بالخيوط جميعاً، وتقود الموكب المتزاحم المتصارع المتسابق، إلى الخير والصلاح والنماء، في نهاية المطاف.. لقد كانت الحياة كلها تأسن وتتعفن لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض. ولولا أن في طبيعة الناس التي فطرهم الله عليها أن تتعارض مصالحهم واتجاهاتهم الظاهرية القريبة، لتنطلق الطاقات كلها تتزاحم وتتغالب وتتدافع، فتنفض عنها الكسل والخمول، وتستجيش ما فيها من مكنونات مذخورة، وتظل أبداً يقظة عاملة، مستنبطة لذخائر الأرض مستخدمة قواها وأسرارها الدفينة.. وفي النهاية يكون الصلاح والخير والنماء.. يكون بقيام الجماعة الخيرة المهتدية المتجردة. تعرف الحق الذي بينه الله لها. وتعرف طريقها إليه واضحاً. وتعرف أنها مكلفة بدفع الباطل وإقرار الحق في الأرض. وتعرف أن لا نجاة لها من عذاب الله إلا أن تنهض بهذا الدور النبيل، وإلا أن تحتمل في سبيله ما تحتمل في الأرض طاعة لله وابتغاء لرضاه.. وهنا يمضي الله أمره، وينفذ قدره، ويجعل كلمة الحق والخير والصلاح هي العليا، ويجعل حصيلة الصراع والتنافس والتدافع في يد القوة الخيرة البانية، التي استجاش الصراع أنبل ما فيها وأكرمه. وأبلغها أقصى درجات الكمال المقدر لها في الحياة. ومن هنا كانت الفئة القليلة المؤمنة الواثقة بالله تغلب في النهاية وتنتصر. ذلك أنها تمثل إرادة الله العليا في دفع الفساد عن الأرض، وتمكين الصلاح في الحياة. إنها تنتصر لأنها تمثل غاية عليا تستحق الانتصار. وفي النهاية يجيء التعقيب الأخير على القصة: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق، وإنك لمن المرسلين}.. تلك الآيات العالية المقام البعيدة الغايات {نتلوها عليك}.. الله - سبحانه وتعالى - هو الذي يتلوها وهو أمر هائل عظيم حين يتدبر الإنسان حقيقته العميقة الرهيبة.. {نتلوها عليك بالحق}.. تحمل معها الحق. ويتلوها من يملك حق تلاوتها وتنزيلها، وجعلها دستوراً للعباد. وليس هذا الحق لغير الله سبحانه. فكل من يسن للعباد منهجاً غيره إنما هو مفتات على حق الله، ظالم لنفسه وللعباد، مدع ما لا يملك، مبطل لا يستحق أن يطاع. فإنما يطاع أمر الله. وأمر من يهتدي بهدى الله.. دون سواه.. {وإنك لمن المرسلين}.. ومن ثم نتلو عليك هذه الآية؛ ونزودك بتجارب البشرية كلها في جميع أعصارها ; وتجارب الموكب الإيماني كله في جميع مراحله، ونورثك ميراث المرسلين أجمعين.. بهذا ينتهي هذا الدرس القيم الحافل بذخيرة التجارب. وبهذا ينتهي هذا الجزء الذي طوَّف بالجماعة المسلمة في شتى المجالات وشتى الاتجاهات؛ وهو يربيها ويعدها للدور الخطير، الذي قدره الله لها في الأرض، وجعلها قيمة عليه، وجعلها أمة وسطاً تقوم على الناس بهذا المنهج الرباني - إلى آخر الزمان.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي للتحريض على الجهاد والتذكير بأن الحذر لا يؤخر الأجل، وأن الجبان قد يلقى حتفه في مظنة النجاة. وقد تقدم أن هذه السورة نزلت في مدة صلح الحديبية وأنها تمهيد لفتح مكة، فالقتال من أهم أغراضها، والمقصود من هذا الكلام هو قوله: {وقاتلوا في سبيل الله} الآية. فالكلام رجوع إلى قوله: { أية : كتب عليكم القتال وهو كره لكم } تفسير : [البقرة: 216] وفصلت بين الكلامين الآيات النازلة خلالهما المفتتحة بــــ { أية : يسألونك } تفسير : [البقرة: 217، 219، 220، 222]. وموقع {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم} قبل قوله: {وقاتلوا في سبيل الله} موقع ذكر الدليل قبل المقصود، وهذا طريق من طرق الخطابة أن يقدم الدليل قبل المستدل عليه لمقاصد كقول علي رضي الله عنه في بعض خطبه لما بلغه استيلاء جند الشام على أكثر البلاد، إذ افتتح الخطبة فقال: «ما هي إلا الكوفة أقبضها وأبسطها أنبئت بُسْراً هو ابن أبي أرطأة من قادة جنود الشام قد اطلع اليمن، وإني والله لأظن أن هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم» فقوله: «ما هي إلا الكوفة» موقعه موقع الدليل على قوله: «لأظن هؤلاء القوم إلخ» وقال عيسى بن طلحة لما دخل على عروة بن الزبير حين قطعت رجل «ما كنا نعدك للصراع، والحمد لله الذي أبقى لنا أكثرك: أبقى لنا سمعك، وبصرك، ولسانك، وعقلك، وإحدى رجليك» فقدم قوله: ما كنا نعدك للصراع، والمقصود من مثل ذلك الاهتمام والعناية بالحجة قبل ذكر الدعوى تشويقاً للدعوى، أو حملاً على التعجيل بالامتثال. واعلم أن تركيب (ألم تر إلى كذا) إذا جاء فعل الرؤية فيه متعدياً إلى ما ليس من شأن السامع أن يكون رآه، كان كلاماً مقصوداً منه التحريض على علم ما عدي إليه فعل الرؤية، وهذا مما اتفق عليه المفسرون ولذلك تكون همزة الاستفهام مستعملة في غير معنى الاستفهام بل في معنى مجازي أو كنائي، من معاني الاستفهام غير الحقيقي، وكان الخطاب به غالباً موجهاً إلى غير معين، وربما كان المخاطب مفروضاً متخيلاً. ولنا في بيان وجه إفادة هذا التحريض من ذلك التركيب وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن يكون الاستفهام مستعملاً في التعجب أو التعجيب، من عدم علم المخاطب بمفعول فعل الرؤية، ويكون فعل الرؤية علمياً من أخوات ظن، على مذهب الفراء وهو صواب؛ لأن إلى ولام الجر يتعاقبان في الكلام كثيراً، ومنه قوله تعالى: { أية : والأمر إليك } تفسير : [النمل: 33] أي لك وقالوا: {أحمد الله إليك}كما يقال: {أحمد لك الله}والمجرور بإلى في محل المفعول الأول، لأن حرف الجر الزائد لا يطلب متعلقاً، وجملة {وهم ألوف} في موضع الحال، سادة مسد المفعول الثاني، لأن أصل المفعول الثاني لأفعال القلوب أنه حال، على تقدير: ما كان من حقهم الخروج، وتفرع على قوله: {وهم ألوف} قوله: {فقال لهم الله موتوا} فهو من تمام معنى المفعول الثاني أو تجعل (إلى) تجريداً لاستعارة فعل الرؤية لمعنى العلم، أو قرينة عليها، أو لتضمين فعل الرؤية معنى النظر، ليحصل الادعاء أن هذا الأمر المدرك بالعقل كأنه مدرك بالنظر، لكونه بين الصدق لمن علمه، فيكون قولهم: {ألم تر إلى كذا} في قوله: جملتين: ألم تعلم كذا وتنظر إليه. الوجه الثاني: أن يكون الاستفهام تقريرياً فإنه كثر مجيء الاستفهام التقريري في الأفعال المنفية، مثل: { أية : ألم نشرح لك صدرك } تفسير : [الشرح: 1] { أية : ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } تفسير : [البقرة: 106]. والقول في فعل الرؤية وفي تعدية حرف (إلى) نظير القول فيه في الوجه الأول. الوجه الثالث: أن تجعل الاستفهام إنكارياً، إنكاراً لعدم علم المخاطب بمفعول فعل الرؤية والرؤية علمية، والقول في حرف (إلى) نظير القول فيه على الوجه الأول، أو أن تكون الرؤية بصرية ضمن الفعل معنى تنظر على أن أصله أن يخاطب به من غفل عن النظر إلى شيء مبصر ويكون الاستفهام إنكارياً: حقيقة أو تنزيلاً، ثم نقل المركب إلى استعماله في غير الأمور المبصرة فصار كالمثل، وقريب منه قول الأعشى: شعر : ترى الجود يجري ظاهراً فوق وجهه تفسير : واستفادة التحريض، على الوجوه الثلاثة إنما هي من طريق الكناية بلازم معنى الاستفهام لأن شأن الأمر المتعجب منه أو المقرر به أو المنكور علمه، أن يكون شأنه أن تتوافر الدواعي على علمه، وذلك مما يحرض على علمه. واعلم أن هذا التركيب جرى مجرى المثل في ملازمته لهذا الأسلوب، سوى أنهم غيروه باختلاف أدوات الخطاب التي يشتمل عليها من تذكير وضده، وإفراد وضده، نحو ألم ترَيْ في خطاب المرأة وألم تريا وألم تروا وألم ترين، في التثنية والجمع هذا إذا خوطب بهذا المركب في أمر ليس من شأنه أن يكون مبصراً للمخطاب أو مطلقاً. وقد اختلف في المراد من هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم، والأظهر أنهم قوم خرجوا خائفين من أعدائهم فتركوا ديارهم جبناً، وقرينة ذلك عندي قوله تعالى: {وهم ألوف} فإنه جملة حال وهي محل التعجيب، وإنما تكون كثرة العدد محلاً للتعجيب إذا كان المقصود الخوف من العدو، فإن شأن القوم الكثيرين ألا يتركوا ديارهم خوفاً وهلعاً والعرب تقول للجيش إذا بلغ الألوف {لا يغلب من قلة.}فقيل هم من نبي إسرائيل خالفوا على نبي لهم في دعوته إياهم للجهاد، ففارقوا وطنهم فراراً من الجهاد، وهذا الأظهر، فتكون القصة تمثيلاً لحال أهل الجبن في القتال، بحال الذين خرجوا من ديارهم، بجامع الجبن وكانت الحالة الشبه بها أظهر في صفة الجبن وأفظع، مثل تمثيل حال المتردد في شيء بحال من يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، فلا يقال إن ذلك يرجع إلى تشبيه الشيء بمثله، وهذا أرجح الوجوه لأن أكثر أمثال القرآن أن تكون بأحوال الأمم الشهيرة وبخاصة بني إسرائيل. وقيل هم من قوم من بني إسرائيل من أهل داوردان قرب واسط وقع طاعون ببلدهم فخرجوا إلى واد أفيح فرماهم الله بداء موت ثمانية أيام، حتى انتفخوا ونتنت أجسامهم ثم أحياها. وقيل هم من أهل أذرعات، بجهات الشام. واتفقت الروايات كلها على أن الله أحياهم بدعوة النبي حزقيال بن بوزى فتكون القصة استعارة شبه الذين يجبنون عن القتال بالذين يجبنون من الطاعون، بجامع خوف الموت، والمشبهون يحتمل أنهم قوم من المسلمين خامرهم الجبن لما دُعوا إلى الجهاد في بعض الغزوات، ويحتمل أنهم فريق مفروض وقوعه قبل أن يقع، لقطع الخواطر التي قد تخطر في قلوبهم. وفي «تفسير ابن كثير» عن ابن جريج عن عطاء أن هذا مثل لا قصة واقعة، وهذا بعيد يبعده التعبير عنهم بالموصول وقوله: {فقال لهم الله}. وانتصب {حذر الموت} على المفعول لأجله، وعامله {خرجوا}. والأظهر أنهم قوم فروا من عدوهم، مع كثرتهم، وأخلوا له الديار، فوقعت لهم في طريقهم مصائب أشرفوا بها على الهلاك، ثم نجوا، أو أوبئة وأمراض، كانت أعراضها تشبه أعراض الموت، مثل داء السكت ثم برئوا منها فهم في حالهم تلك مثَل قول الراجز: شعر : وخارجٍ أَخرجه حب الطمع فَرَّ من الموت وفي الموت وقع تفسير : ويؤيد أنها إشارة إلى حادثةٍ وليست مثلاً قولُه: {إن الله لذو فضل على الناس} الآية ويؤيد أن المتحدث عنهم ليسوا من بني إسرائيل قوله تعالى بعد هذه { أية : ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى } تفسير : [البقرة: 246] والآية تشير إلى معنى قوله تعالى: { أية : أينما تكونوا يدرككم الموت } تفسير : [النساء: 78] ــــ وقوله ــــ { أية : قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } تفسير : [آل عمران: 154]. فأما الذين قالوا إنهم قوم من بني إسرائيل أحياهم الله بدعوة حزقيال، والذين قالوا إنما هذا مثَل لا قصةٌ واقعةٌ، فالظاهر أنهم أرادوا الرؤيا التي ذكرت في كتاب حزقيال في الإصحاح 37 منه إذ قال: «أخرجَني روحُ الرب وأنزلني في وسط بقعة ملآنة عظاماً ومرَّ بي من حولها وإذا هي كثيرة ويابسة فقال لي يابن آدم أتحيا هذه العظام؟ فقلت يا سيدي أنت تعلم، فقال لي تنبأْ على هذه العظام وقُل لها أيتها العظام اليابسة اسمعي كلمة الرب، فتقاربت العظام، وإذا بالعصَب واللحم كساها وبُسط الجلدُ عليها من فوق وليس فيها روح فقال لي تنبأْ للروح وقل قال الرب هلم يا روح من الرياح الأربععِ وهِبِّ على هؤلاء القتلى فتنبأْتُ كما أمرني فدخل فيهم الروح فحيُوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جداً جداً» وهذا مثل ضربهُ النبي لاستماتة قومه، واستسلامهم لأعدائهم، لأنه قال بعده «هذه العظام وهي كل بيوت إسرائيل هم يقولون يبست عظامنا وهلك رجاؤنا قد انقطعنا فتنبأْ وقل لهم قال السيد الرب هأنذا أفتح قبوركم وأصعدكم منها يا شعبي وآتي بكم إلى أرض إسرائيل وأجعل روحي فيكم فتحيَوْن» فلعل هذا المثل مع الموضع الذي كانت فيه مرائي هذا النبي، وهو الخابور، وهو قرب واسط، هو الذي حدا بعض أهل القصص إلى دعوى أن هؤلاء القوم من أهل دَاوَرْدَان: إذ لعل دَاوَرْدَان كانت بجهات الخابور الذي رأى عنده النبي حزقيال ما رأى. وقوله تعالى: {فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} القَولُ فيه إما مجاز في التكوين والموت حقيقة أي جعل فيهم حالة الموت، وهي وقوف القلب وذهاب الإدراك والإحساس، استعيرت حالة تلقي المكوَّن لأثر الإرادة بتلقي المأمور للأمر، فأطلق على الحالة المشبهة المركبُ الدال على الحالة المشبَّه بها على طريقة التمثيل، ثم أحياهم بزوال ذلك العارض فعلموا أنهم أصيبوا بما لو دام لكان موتاً مستمراً، وقد يكون هذا من الأدواء النادرة المشْبِهة داء السكت وإما أن يكون القول مجازاً عن الإنذار بالموت، والموتُ حقيقة، أي أراهم الله مهالك شموا منها رائحة الموت، ثم فرج الله عنهم فأحياهم. وإما أن يكون كلاماً حقيقياً بوحي الله، لبعض الأنبياء، والموتُ موت مجازي، وهو أمر للتحقير شتماً لهم، ورَماهم بالذل والصغار، ثم أحياهم، وثبتَ فيهم روح الشجاعة. والمقصود من هذا موعظة المسلمين بترك الجبن، وأن الخوف من الموت لا يدفع الموت، فهؤلاء الذين ضُرب بهم هذا المثلُ خرجوا من ديارهم خائفين من الموت، فلم يغن خوفهم عنهم شيئاً، وأراهم الله الموت ثم أحياهم، ليصير خُلُق الشجاعة لهم حاصلاً بإدراك الحس. ومحل العبرة من القصة هو أنهم ذاقوا الموت الذي فروا منه، ليعلموا أن الفرار لا يغني عنهم شيئاً، وأنهم ذاقوا الحياة بعد الموت، ليعلموا أن الموت والحياة بيد الله، كما قال تعالى: { أية : قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل } تفسير : [الأحزاب: 16]. وجملة: {وقاتلوا في سبيل الله} الآية هي المقصود الأول، فإن ما قبلها تمهيد لها كما علمتَ، وقد جعلت في النظم معطوفة على جملة {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم} عطفاً على الاستئناف، فيكون لها حكم جملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، ولولا طول الفصل بينها وبين جملة { أية : كتب عليكم القتال وهو كره لكم } تفسير : [البقرة: 216]، لقُلنا: إنها معطوفة عليها على أن اتصال الغرضين يُلحقها بها بدون عطف. وجملة {واعلموا أن الله سميع عليم} حث على القتال وتحذير من تركه بتذكيرهم بإحاطة علم الله تعالى بجميع المعلومات: ظاهرها وباطنها. وقدِّم وصف سميع، وهو أخص من عليم، اهتماماً به هنا؛ لأن معظم أحوال القتال في سبيل الله من الأمور المسموعة، مثل جلبة الجيش وقعقعة السلاح وصهيل الخيل. ثم ذكر وصف عليم لأنه يعم العلم بجميع المعلومات، وفيها ما هو من حديث النفس مثل خلُق الخوف، وتسويل النفس القعودَ عن القتال، وفي هذا تعريض بالوعد والوعيد. وافتتاح الجملة بقوله: {واعلموا} للتنبيه على ما تحتوي عليه من معنى صريح وتعريض، وقد تقدم قريباً عند قوله تعالى: { أية : واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه } تفسير : [البقرة: 223].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ}. المقصود من هذه الآية الكريمة، تشجيع المؤمنين على القتال بإعلامهم بأن الفرار من الموت لا ينجي، فإذا علم الإنسان أن فراره من الموت أو القتل لا ينجيه، هانت عليه مبارزة الأقران. والتقدم في الميدان. وقد أشار تعالى أن هذا هو مراده بالآية حيث أتبعها بقوله: {أية : وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 190] الآية وصرح بما أشار إليه هنا في قوله: {أية : قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 16] وهذه أعظم آية في التشجيع على القتال. لأنها تبين أن الفرار من القتل لا ينجي منه ولو فرض نجاته منه فهو ميت عن قريب، كما قال قعنب ابن أم صاحب: شعر : إذا أنت لاقيت في نجدة فلا تتهيبك أن تقدما فإن المنية من يخشها فسوف تصادفه أينما وإن تتخطاك أسبابها فإن قصاراك أن تهرما تفسير : وقال زهير: شعر : رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم تفسير : وقال أبو الطيب: شعر : وإذا لم يكن من الموت بلد فمن العجز أن تكون جبانا تفسير : ولقد أجاد من قال: شعر : في الجبن عار وفي الإقدام مكرمة والمرء في الجبن لا ينجو من القدر تفسير : وهذا هو المراد بالآيات المذكورة، ويؤخذ من هذه الآية عدم جواز الفرار من الطاعون إذا وقع بأرض وأنت فيها، وقد ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الفرار من الطاعون وعن القدوم على الأرض التي هو فيها إذا كنت خارجاً عنها. تنبيه: لم تأت لفظة ألم تر ونحوها في القرآن مما تقدمه لفظ ألم، معداة إلا بالحرف الذي هو إلى. وقد ظن بعض العلماء أن ذلك لازم والتحقيق عدم لزومه وجواز تعديته بنفسه دون حرف الجر، كما يشهد له قول امرئ القيس: شعر : ألم ترياني كلما جئت طارقاً وجدت بها طيباً وإن لم تطيب
الواحدي
تفسير : {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم} ألم تعلم، ألم ينته علمك إلى هؤلاء، وهم قومٌ من بني إسرائيل خرجوا من بلدتهم هاربين من الطَّاعون، حتى نزلوا وداياً فأماتهم الله جميعاً، فذلك قوله: {حذر الموت} أَيْ: لحذر الموت {فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} مقتهم الله على فرارهم من الموت، فأماتهم عقوبةً لهم ثمَّ بعثهم ليستوفوا بقيَّة آجالهم {إنَّ الله لذو فضل على الناس} أَيْ: تفضُّلٍ عليهم بأَنْ أحياهم بعد موتهم. {وقاتلوا في سبيل الله} يحرِّض المؤمنين على القتال {واعلموا أنَّ الله سميعٌ} لما يقوله المُتعلِّل {عليمٌ} بما يضمره، فإيَّاكم والتَّعلُّلَ. {مَنْ ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} أَيْ: مَنْ ذا الذي يعمل عمل المُقرض، بأن يقدِّم من ماله فيأخذ أضعاف ما قدَّم، وهذا استدعاءٌ من الله تعالى إلى أعمال البرِّ {والله يقبض} أَيْ: يُمسك الرِّزق على مَنْ يشاء {ويبسط} أي: ويوسِّع على من يشاء. {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل} أَي: إلى الجماعة {إذ قالوا لنبيٍّ لهم ابعث لنا ملكاً} سألوا نبيَّهم أشمويل عليه السَّلام ملكاً تنتظم به كلمتهم، ويستقيم حالهم في جهاد عدوِّهم، وهو قوله: {نقاتل في سبيل الله} فـ {قال} لهم ذلك النَّبيُّ: {هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا} أَيْ: لعلَّكم أَنْ تجبنوا عن القتال {قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله} أَيْ: وما يمنعنا عن ذلك؟ {وقد أخرجنا من ديارنا} {و} أُفردنا من {أبنائنا} بالسِّبي والقتل. يعنون: إذا بلغ الأمر منَّا هذا فلا بدَّ من الجهاد. قال الله تعالى: {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلاَّ قليلاً منهم} وهم الذين عبروا النَّهر، ويأتي ذكرهم. {وقال لهم نبيُّهم إنَّ الله قد بعث لكم طالوت ملكاً} أَيْ: قد أجابكم إلى ما سألتم من بعث الملك {قالوا} كيف يملك علينا؟ وكان من أدنى بيوت بني إسرائيل، ولم يكن من سبط المملكة، فأنكروا ملكه وقالوا: {ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال} أَيْ: لم يُؤت ما يتملَّك به الملوك {قال} النبيُّ: {إنَّ الله اصطفاه عليكم} [اختاره] بالملك {وزاده بسطة في العلم والجسم} كان طالوت يومئذٍ أعلم رجلٍ في بني إسرائيل وأجمله وأتمَّه. والبسطة: الزِّيادة في كلِّ شيء {والله يؤتي ملكه من يشاء} ليس بالوراثة {والله واسع} أَيْ: واسع الفضل والرِّزق والرَّحمة، فسألوا نبيَّهم على تمليك طالوت آيةً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ألم تر: ألم يَنته إلى علمك... فالرؤية قلبية والإِستفهام للتعجيب. ألوف: جَمْع ألف، وهي صيغة كثرة فهم إذاً عشرات الألوف. في سبيل الله: الطريق الموصل إلى مرضاته وهو طاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه ومن ذلك جهاد الكفار والظالمين حتى لا تكون فتنة. يقرض الله: يقتطع شيئا من ماله وينفقه في الجهاد لشراء السلاح وتسيير المجاهدين. يقبض ويبسط: يضيق ويبسط يوسع، يقبض ابتلاءً، ويبسُط امتحاناً. معنى الآيات: يخاطب الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول ألم ينته إلى علمك قصة لذين خرجوا من ديارهم فراراً من الموت وهم ألوف وهم أهل مدينة من مدن بني إسرائيل أصابها الله تعالى بمرض الطاعون ففروا هاربين من الموت فأماتهم الله عن آخرهم ثم أحياهم بدعوة نبيهم حِزقيل عليه السلام، فهل أنجاهم فرارهم من الموت، فكذلك من يفر من القتال هل ينجيه فراره من الموت؟ والجواب لا، وإذاً فلم الفرار من الجهاد إذا تعينّ؟ وفي تأديب تلك الجماعة بإماتتها ثم بإحيائها فضل من الله عليها عظيم، ولكن أكثر الناس لا يشكرون. وإذاً فقاتلوا أيها المسلمون في سبيل الله ولا تتأخروا متى دعيتم إلى الجهاد بالنفس والمال، واعلموا أن الله سميع لأقوالكم عليم بنياتكم وأعمالكم فاحذروه، ثم فتح تعالى باب الاكتتاب المالي للجهاد فقال {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} لا شائبة شرك فيه لأحد والنفس طيبة به فإن الله تعالى يضاعفه له أضعافا كثيرة الدرهم بسبعمائة درهم فأنفقوا أيها المؤمنون في سبيل إعلاء كلمة الله، ولا تخافوا الفقر فإن ربكم يقبض ويبسط: يضيق على العبد ابتلاء ويوسع امتحانا، فمنعكم الإِنفاق في سبيل الله لا يغير من تدبير الله شيئا. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إذا نزل الوباء ببلد لا يجوز الخروج فراراً منه، بهذا ثبتت السنة. 2- وجوب ذكر النعم وشكرها. 3- وجوب القتال في سبيل الله إذا تعين. 4- فضل الإِنفاق في سبيل الله. 5- بيان الحكمة في تضييق الله على العبد رزقه، وتوسيعه، وهو الابتلاء لأجل الصبر والامتحان لأجل الشكر، فيالخيبة من لم يصبر، عند التضييق عليه، ولم يشكر عند التوسعة له.
القطان
تفسير : مر بنا كثير من قصص الأمم السابقة، اختارها سبحانه وتعالى لينبه الناس الى ما فيها من العبر. وقد وردت هذه القصص مجملة مختصرة مثل قصص قوم نوح وعاد وثمود، وكانت العرب تتلقاها أباً عن جد، ومثل قصص ابراهيم وأنبياء بني اسرائيل، والتي كانت مألوفة لأسماعهم لمخالطتهم اليهود في قرون كثيرة. وهنا يقص علينا القرآن خبر قوم لم يسمّهم ولم يَرِدْ فيهم خبر صحيح. وقد قال عدد من المفسرين ان هذا مثلٌ ضربه الله لا قصة واقعة. والمقصود منه تصحيح التصور عن الحياة والموت، وحقيقتهما الخافية، وردّ الأمر فيهما الى قدرة الله، والمضيّ في حمل التكاليف والواجبات. روي عن ابن عباس ان الآية عُني بها قوم كثيرو العدد خرجوا من ديارهم فراراً من الجهاد فأماتهم الله، ثم أحياهم، وأمرهم ان يجاهدوا عدوهم. فكأن الآية ذُكرت ممهدةً للأمر بالقتال بعدها في قوله تعالى {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}. وعلى هذا يكون معناها: ألم تعلم يا محمد هذه القصة العجيبة؟ وهي حالة القوم الذين خرجوا من ديارهم فراراً من الجهاد خشية الموت، فقضى الله عليهم بالموت والهوان من أعدائهم. حتى إذا استبسلت بقيتهم وقامت بالجهاد أحيا الله جماعتهم به. والخلاصة ان موت الأمة يكون بتسليط الأعداء عليها والتنكيل بها، جزاء تخاذلها وتفرقها كما هو حاصل للعرب اليوم. اما إحياؤها فيكون بفعلٍ جماعة مؤمنة من أبنائها تسترد قواها وتعيد لها ذلك المجد الضائع والشرف المسلوب. وهو أيضاً حاصل للعرب.
د. أسعد حومد
تفسير : {دِيَارِهِمْ} {أَحْيَاهُمْ} (243) - يَقُولُ المُفَسِّرُونَ انَّ قَوْماً خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ فِرَاراً مِنْ وَبَاءٍ أَوْ مَرَضٍ حَلَّ بِهَا أَوْ خَوْفاً مِنْ عَدُوٍّ مُهَاجِمٍ وَهُمْ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ تَدْعُو كَثْرَتُهُمْ إلى الشَّجَاعَةِ وَالاطْمِئْنانِ إلى القُدْرَةِ عَلَى الدِّفاعِ عَنِ الأهْلِ وَالوَطَنِ وَالعِرْضِ، لا إلى الهَلَعِ وَالخَوْفِ، الذِي يَحْمِلُ الخَائِفَ عَلَى الهَرَبِ لا يَلْوِي عَلَى شَيءٍ. وَقِيلَ إنَّ هَؤُلاءِ الهَارِبينَ مِنْ دِيَارِهِمْ حَذَرَ المَوْتِ نَزَلُوا وَادِياً فَأمَرَهُمُ اللهُ بِالمَوْتِ فَمَاتُوا جَمِيعاً. ثُمَّ مَرَّ نَبِيٌّ فَدَعا اللهَ أنْ يُحْيِيَهُمْ عَلَى يَدَيهِ، فَأحيَاهُمْ لِيَكُونُوا عِظَةً وَعِبْرةً لِمَنْ خَلْفَهُمْ، وَلِيَعْلَمَ النَّاسُ أنَّهُ لا يَنْفَعُ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ. وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ فِيمَا يُرِيهِمْ مِنْ آيَاتِهِ وَحُجَجِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَقُومُونَ بِشُكْرِ اللهِ عَلَى نِعَمِهِ، وَأَفْضَالِهِ. (وَقَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إنَّ هَذَا مَثَلٌ لاَ قِصَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ وَهُوَ يَعْنِي أَنَّ هَؤُلاءِ الأُلُوفُ الَّذِينَ دَبَّ الذُّعْرُ فِيهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ فَخَرجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ هَارِبينَ، فَجَاءَ أعْدَاؤُهم وَفَتكُوا بِهِمْ، وَفَرَّقُوا شَمْلَهُمْ، وَأصْبَحَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ خَاضِعاً لِلْغَالِبينَ، ثُمَّ أحْيَاهُمُ اللهُ بَعْدَ أنْ يَسَّرَ لَهُمْ جَمْعَ كَلِمَتِهِمْ، وَتَوْثيقَ رَوَابِطِهِمْ، فَقَامُوا بِمَا يَتَوَجَّبُ عَلَيهِمْ مِنْ مُجَاهَدَةِ أعْدَائِهِمْ، وَبَذْلِ الأنْفُسِ وَالأمْوَالِ فِي سَبيلِ الجَمَاعَةِ، فَخُرَجُوا مِنْ ذُلِّ العُبُودِيَّةِ إلى رِيَاضِ الحُرِّيَّةِ، وَكَانَ كُلُّ الذِي أصَابَهُمْ مِنَ البَلاَءِ تَأدِيباً لَهُمْ وَعِظَةً).
الثعلبي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ} الآية، قال أكثر المفسّرين: كانت قرية يقال لها داوردان قِبلَ واسط وقع بها الطاعون، فخرجت طائفة هاربين من الطاعون، وبقيت طائفة فهلك أكثر من بقي في القرية، وسلم الذين خرجوا، فلمّا ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا كانوا أحزم منا، لو صنعنا كما صنعوا لبقينا، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجنّ إلى أرض نأوي بها، فوقع الطاعون من قابل؛ فهرب عامّة أهلها فخرجوا حتى نزلوا وادياً أفيح، فلمّا نزلوا المكان الذي يبتغون فيه النجاة والحياة ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه أن موتوا فماتوا جميعاً. وعن الأصمعي قال: لما وقع الطاعون بالبصرة خرج رجل من أهلها عنها على حمار ومعه أهله وولده وخلفه عبد حبشي يسوق حماره، فطفق العبد يرتجز وهو يقول: شعر : لن نسبق الله على حمار ولا على ذي منعة مُطار قد يصبح الله أمام الساري تفسير : فرجع الرجل بعياله لمّا سمع قوله، وروى عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه، وإذا وقع وأنتم فيه فلا تخرجوا فراراً منه ". تفسير : وقال الضحّاك ومقاتل والكلبي: إنما فرّوا من الجهاد وذلك أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدوّهم، فخرجوا فعسكروا ثم جبنوا وكرهوا الموت واعتلّوا، وقالوا لملكهم: إن الأرض التي نأتيها فيها الوباء فلا نأتيها حتى ينقطع منها الوباء، فأرسل الله تعالى عليهم الموت، فلمّا رأوا أن الموت كثر فيهم خرجوا {مِن دِيَارِهِمْ} فراراً من الموت، فلمّا رأى الملك ذلك قال: اللهم رب يعقوب وإله موسى قد ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم حتى يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار منك، فلمّا خرجوا قال لهم الله: موتوا، عقوبة لهم، فماتوا جميعاً، وماتت دوابهم كموت رجل واحد، فأتى عليهم ثمانية أيام حتى انتفخوا وأروّحت أجسادهم، فخرج إليهم الناس فعجزوا عن دفنهم فحظروا عليهم حظيرة دون السباع وتركوهم فيها. واختلفوا في مبلغ عددهم، فقال عطاء الخراساني: كانوا ثلاثة آلاف، ابن عباس ووهب: أربعة آلاف، مقاتل والكلبي: ثمانية آلاف، أبو روق: عشرة آلاف، أبو مالك: ثلاثون ألفاً، الواقدي بضعة ومائتين ألفاً، ابن جريج: أربعين ألفاً، عطاء بن أبي رياح: سبعين ألفاً، الضحّاك: كانوا عدداً كبيراً، وأَولى الأقاويل بالصواب قول من قال: زادوا على عشرة آلاف، وذلك أنّ الله تعالى قال {وَهُمْ أُلُوفٌ} وما دون العشرة لا يقال ألوف، إنّما يقال: ثلاثة آلاف فصاعداً إلى عشرة آلاف، فمن الألوف جمع الكثير وجمعه القليل آلاف، مثل يوم وأيام، ووقت وأوقات، وألف على وزن أفعل. [وقيل: ] كانوا ثلاثة آلاف [وكيسة] اليمان أعجمي من بني الفداحم. قالوا: فأتى على ذلك مدة وقد بليت أجسادهم وعريت عظامهم وتقطّعت أوصالهم، فمرّ عليهم نبي يقال له حزقيل بن بوري ثارم أحد خلفاء بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام، وذلك بأنّ القيّم بأمر بني إسرائيل كان بعد موسى عليه السلام يوشع بن نون، ثم كالب بن يوفنا، ثم حزقيل، وكان يقال له ابن العجوز وذلك أنّ أمه كانت عجوزاً فسألت الله تعالى الولد، وقد كبرت وعقمت فوهبه الله لها فلذلك قيل له: ابن العجوز. قال الحسن ومقاتل: هو ذو الكفل لأنّه تكفل سبعين نبيّاً وأنجاهم من القتل، وقال لهم: اذهبوا فإني إنْ قُتلت كان خيراً من أن تقتلوا جميعاً، فلمّا جاء اليهود وسألوا حزقيل عن الأنبياء السبعين، قال: إنهم ذهبوا ولا أدري أين هم، ومنع الله ذا الكفل من اليهود، فلمّا مرّ حزقيل على أُولئك الموتى وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم متعجباً منهم، فأوحى الله إليه: يا حزقيل تريد أن أريك آية، فأريك كيف أحيي الموتى؟ قال: نعم، فأحياهم الله. هذا قول السدي وجماعة من المفسّرين. وقال هلال بن يساف وجماعة من العلماء: بل دعا حزقيل ربّه أن يحييهم، فقال: ياربّ لو شئت أحييت هؤلاء فعمّروا بلادك وعبدوك، فقال الله: أتحب أن أفعل؟ قال: نعم، فأحياهم. وقال عطاء ومقاتل والكلبي: بل هم كانوا قوم حزقيل أحياهم الله تعالى بعد ثمانية أيام، وذلك أنّهم لما أصابهم ذلك خرج حزقيل في طلبهم فوجدهم موتى وبكى وقال: ياربّ كنت في قوم يحمدونك ويسبحونك ويقدّسونك ويهللونك ويكبّرونك؛ فبقيت وحيداً لا قوم لي، فأوحى الله إليه: إني قد جعلت حياتهم إليك، فقال حزقيل: احيوا بأمر الله، فعاشوا. وقال: وثمّت أصابهم بلاء وشدّة من الزمان فشكوا ما أصابهم وقالوا: ما لبثنا، متنا واسترحنا مما نحن فيه؛ فأوحى الله تعالى إلى حزقيل: إن قومك قد صاحوا من البلاء وزعموا أنهم ودّوا لو ماتوا واستراحوا وأي راحة لهم في الموت، أيظنون أنّي لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت، فانطلقْ إلى جبّانة كذا فإن فيها قوماً أمواتاً، فأتاهم فقال الله: يا حزقيل قم فنادهم، وكانت أجسادهم وعظامهم قد تفرّقت، فنادى حزقيل: أيتها العظام إنّ الله يأمركِ أن تكتسي باللحم، فاكتست جميعاً باللحم، وبعد اللحم جلداً ودماً وعصباً وعروقاً وكانت أجساداً، ثم نادى أيّتها الأرواح إنّ الله يأمرك أن تعودي في أجسادك، فقاموا جميعاً وعليهم ثيابهم التي ماتوا فيها، وكبّروا تكبيرة واحدة. وروى المنصور بن المعتمر عن مجاهد أنهم قالوا حين أُحيوا: سبحانك ربّنا وبحمدك، لا إله إلاّ أنت، فرجعوا إلى قومهم بعد ما أحياهم الله، وتناسلوا وعاشوا دهراً يعرفون أنهم كانوا موتى، سحنة الموت على وجوههم، لا يلبسون ثوباً إلاّ عاد دسماً مثل الكفن حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت عليهم. قال ابن عباس: فإنها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح. قال قتادة: مقتهم الله تعالى على فرارهم من الموت، فأماتهم [عقربة] ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليستوفوها، ولو كان آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم، فذلك قوله {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ} ألمْ ترَ أي ألمْ تُخبر، ألمْ تعلم بإعلامي إيّاك وهو رؤية القلب لا رؤية العين؛ فصار تصديق أخبار الله عزّ وجلّ كالنظر إليه عياناً. وقال أهل المعاني: هو تعجب وتعظيم يقول: هل رأيت مثلهم كما تقول: ألمْ ترَ إلى ما يصنع فلان؟ وكلّ لم في القرآن من قوله {أَلَمْ تَرَ} ولم يعاينه النبي صلى الله عليه وسلم فهذا وجهه ومعناه، وقرأها كلّها أبو عبد الرحمن السلمي {أَلَمْ تَرَ} بسكون الراء وهي لغة قسم من العرب لمّا حذفوا الياء للجزم توهّموا أن الراء آخر الكلمة فسكّنوها، وأنشد الفراء: شعر : قالت سليمى سرْ لنا دقيقا تفسير : إلى الذين خرجوا من ديارهم {وَهُمْ} واو الحال {أُلُوفٌ} جمع ألف، وقال ابن زيد: مؤتلف قلوبهم جعله جمع ألف مثل جالس وجلوس وقاعد وقعود {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} أي من خوف الموت {فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ} أمر تحويل كقوله {كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ}. {ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} من بعد موتهم {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} إلى {يَشْكُرُونَ} ثم حثّهم على الجهاد فقال: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} طاعة الله، أعداءَ الله {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} قال أكثر المفسّرين: هذا للذين أُحيوا، قال الضحّاك: أُمروا أن يقاتلوا في سبيل الله فخرجوا من ديارهم فراراً من الجهاد؛ فأماتهم الله عزّ وجلّ ثم أحياهم ثم أمرهم أن يعودوا إلى الجهاد، وقال بعضهم: هذا الخطاب لأُمّة محمد صلى الله عليه وسلم. {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} الآية، قال سفيان:"حديث : لمّا نزلت {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] قال النبي صلى الله عليه وسلم "رب زد أُمتي" فنزلت {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ} الآية، فقال: "زد أُمتي" فنزلت {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] ". تفسير : واختلف العلماء في معنى هذا القرض، فقال الأخفش: قوله {يُقْرِضُ} ليس لحاجة بالله ولكن تقول العرب: لك عندي قرض صدق وقرض سوء لأمر يأتي فيه مسرّته أو مساءته. وقال الزجاج: القرض في اللغة البلاء الحسن والبلاء السيّىء، قال أُمية بن أبي الصلت: شعر : لا تخلطنّ خبيثات بطيّبة واخلع ثيابك منها وأنج عريانا كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا أو سيّئاً أو مديناً مثل ما دانا تفسير : وأنشد الكسائي: شعر : تجازى القروض بأمثالها فبالخير خيراً وبالشرّ شرّا تفسير : وقال أيضاً: ما أسلفت من عمل صالح أو سيّىء. ابن كيسان: القرض أن تعطي شيئاً ليرجع إليك مثله ويقضى شبهه؛ فشبّه الله عمل المؤمنين لله على ما يرجون من ثوابه بالقرض؛ لأنّهم إنما يعطون ما ينفقون ابتغاء ما عند الله عزّ وجلّ من جزيل الثواب، فالقرض اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه، قال لبيد: شعر : وإذا جوزيت قرضاً فاجز به إنما يجزى الفتى ليس الجمل تفسير : قال بعض أهل المعاني: في الآية اختصار وإضمار، مجازها: من ذا الذي يقرض عباد الله [قرضاً] كقوله أية : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [الأحزاب: 57] وقوله {أية : فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ} تفسير : [الزخرف: 55] فأضافه سبحانه ههنا إلى نفسه للتفضيل وللاستعطاف، كما في الحديث: "حديث : إن الله تعالى يقول لعبده: استطعمتك فلم تطعمني، واستسقيتك فلم تسقني، واستكسيتك فلم تكسني، فيقول العبد: وكيف ذلك يا سيدي؟ يقول: مرّ بك فلان الجائع، وفلان العاري فلم [تعطف] عليه من فضلك، فلأمنعنّك اليوم من فضلي كما منعته ". تفسير : وقال أهل الإشارة: أمر الله تعالى بالصدقة على لفظ القرض إظهاراً لمحبّته لعباده المؤمنين، وذلك أنه إنما يستقرض من الأحبّة، ولذلك قال يحيى بن معاذ: عجبت ممن يبقى له مال ورب العرش يستقرضه، وقال بعضهم: هذا [تلطف] من الله تعالى في المواساة والإقراض لعباده. أبوالقاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت على باب الجنة مكتوباً: والقرض بثمانية عشر، والصدقة بعشر فقلت: يا جبرئيل ما بال القرض أعظم أجراً؟ قال: لأن صاحب القرض لا يأتيك إلاّ محتاجاً، وربّما وقعت الصدقة في غير أهلها ". تفسير : أبو سلمة عن أبي هريرة وابن عباس قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أقرض أخاه المسلم فله بكل درهم وزن أُحد وثبير وطور سيناء حسنات ". تفسير : فمعنى الآية: مَنْ هذا الذي (من) استفهام ومحلّه رفع بالإبتداء و(الذي) خبره (يقرض الله) ينفق في طاعة الله، وأصل القرض القطع، ومنه قرض الفأر الثوب وسُمّي الشعر قريضاً لأنّه يقطعه من كلامه، والدَّين قرضاً لأنّه يقطعه من ماله. {قَرْضاً حَسَناً} قال علي بن الحسين الواقدي يعني محتسباً، طيّبة به نفسه. ابن المبارك: هو أن يكون المال من الحلال. عمر بن عثمان الصدفي: هو أن لا يمنّ به ولا يؤذي. سهل بن عبد الله: هو أن لا يعتقد بقرضه عوضاً {فَيُضَاعِفَهُ} يزيده {لَهُ} واختلف القرّاء فيه، فقرأ عاصم وابن أبي إسحاق وأبو حاتم {فَيُضَاعِفَهُ} نصباً بالألف، وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتشديد والنصب وبالألف، وقرأ ابن كثير وأبو جعفر بالتشديد والرفع، وقرأ الآخرون بالألف والتخفيف ورفع الفاء، فمن رفع جعله نسقاً على قوله {يُقْرِضُ}، وقيل: فهو يضاعفه، ومَنْ نصبه جعله جواباً للإستفهام بالفاء، وقيل: بإضمار أنْ والتشديد والتخفيف لغتان، ودليل التشديد قوله {أَضْعَافاً كَثِيرَةً} لأنّ التشديد للتكثير. قال الحسن والسدي: هذا التضعيف لا يعلمه إلاّ الله مثل قوله {أية : وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 40] وقال أبو هريرة: هذا في نفقة الجهاد، قال: وكنّا نحسب ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا نفقة الرجل على نفسه ورفقائه وظهره ألفي ألف. {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ} يعني يمسك الرزق عمّن يشاء ويقتر ويضيق عليه، دليله قوله {أية : وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} تفسير : [التوبة: 67] أي يمسكونها عن النفقة في سبيل الله {وَيَبْسُطُ} أي يوسع الرزق على من يشاء، نظيره قوله {أية : وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ} تفسير : [الشورى: 27] الآية، والأصل في هذا قبض اليد عند البخل وبسطها عند البذل. وقيل: هو الإحياء والإماتة فمن أماته فقد قبضه ومن مدّ له في عمره فقد بسط له، وقيل: والله يقبض الصدقة ويبسط بالخلف، وروى اليزيدي عن عمرو قال: بالصاد في بعض الروايات، وعن بعضهم كأنّه قال: هذا في القلوب، لمّا أمرهم الله بالصدقة أخبرهم أنه لا يمكنهم ذلك إلاّ بتوفيقه، والله يقبض ويبسط يعني يقبض على القلوب فيزويه كيلا ينبسط لخير ويبسط بعضها فيقدّم لنفسه خيراً. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يعني وإلى الله تعودون فيحسن لكم بأعمالكم، وقال قتادة: الهاء راجعة إلى التراب كناية عن غير مذكور أي من التراب خلقهم وإليه يعودون، وعن ابن مسعود وأبي أمامة وزيد بن أسلم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: نزلت {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} الآية، فلمّا نزلت قال أبو الدحداح:" حديث : فداك أبي وأمي يا رسول الله، إنّ الله يستقرض وهو غنيّ عن القرض، قال: "نعم، يريد أن يدخلكم الجنة" قال: فإنّي إن أقرضت ربي قرضاً تضمن لي الجنة؟ قال: "نعم، من تصدّق بصدقة فله مثلها في الجنّة"، قال: فزوجي أم الدحداح معي؟ قال: نعم قال (وصبيان) الدحداح معي؟ قال: نعم، قال: ناولني يدك فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال: إنّ لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية، والله لا أملك غيرهما وجعلتهما قرضاً لله عزّ وجلّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إجعل إحداهما لله عزّ وجلّ والأخرى معيشة لك ولعيالك" قال: فاشهدك يا رسول الله أني جعلت غيرهما لله تعالى وهو حائط فيه ستمائة نخلة، قال: "يجزيك الله إذاً به بالجنة". فانطلق أبو الدحداح حتى أتى أم الدحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشأ يقول: *هداك ربي سُبُلَ الرشادِ * إلى سبيل الخير والسدادِ* *قرضي من الحائط لي بالواد* فقد مضى قرضاً إلى التناد* *أقرضته الله على اعتماد * بالطوع لا منّ ولا ارتداد* *إلاّ رجاء الضعف في المعاد * فارتحلي بالنفس والأولاد* *والبرّ لاشك فخير زاد * قدّمه المرؤ إلى المعاد* قالت أم الدحداح: ربح بيعك، بارك الله لك فيما اشتريت، فأنشأ أبو الدحداح يقول: *مثلك أجدى ما لديه ونصح * إن لك الحظ إذا الحق وضح* *قد متّع الله عيالي ومنح * بالعجوة السوداء والزهو البلح* *والعبد يسعى وله ما قد كدح * طول [الليالي] وعليه ما اجترح* ثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر فقال النبي صلى الله عليه وسلم كم من عذق رداح، ودار فياح في الجنة لأبي الدحداح "
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى على ما يتعلق بالأسرة المسلمة في حالة علاج الفراق في الزواج إما بالطلاق وإما بالوفاة، أراد الحق سبحانه وتعالى للأمة الإسلامية أن تعرف أن أحداً لن يفر من قدر الله إلا إلى قدر الله، فالأمة الإسلامية هي الأمة التي أمنها على حمل رسالة ومنهج السماء إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة، فلم يعد محمد صلى الله عليه وسلم يأتى ولا نبي يُبعث. ولابد لمثل هذه الأمة أن تُربى تربية تناسب مهمتها التي حملها الله إياها. ولابد أن يضع الحق سبحانه وتعالى بين يدي هذه الأمة كل ما لاقته وصادفته مواكب الرسل في الأمم السابقة ليأخذوا العبرة من المواقف ويتمثلوا المنهج لا من نظريات تُتلى ولكن من واقع قد دُرس ووقع في المجتمع. أراد الحق سبحانه وتعالى أن يلفتنا إلى أساس المسألة وهو أنه سبحانه واهب الحياة ولا أحد غيره، وواهب الحياة هو الذي يأخذها. ولم يضع لهبة الحياة سبباً عند الناس. وإنما هو سبحانه الذي يحيى ويميت. وفي الحياة والموت استبقاء للنوع الإنساني، ولكن استبقاء حياة الأفراد إنما ينشأ بالقوت الذي ينشأ من التمول. ويعالج الحق هذه المسألة بواقع سبق أن عاشه موسى عليه السلام مع قومه وهم بنو إسرائيل، ونعرف أن قصة موسى مع قومه قد أخذت أوسع قصص القرآن؛ لأنها الأمة التي أتعبت الرسل، وأتعبت الأنبياء، وكان لابد أن يعرض الحق هذا الأمر برمته على أمة محمد صلى الله عليه وسلم من واقع ما حدث، فقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} [البقرة: 243]. ونعرف من هذا القول أن علة الخروج إنما كانت مخافة أن يموتوا. أما عن سبب هذا الموت فلم تتعرض له الآيات، وإن تعرض المفسرون له وقالوا كلاماً طويلاً، فمنهم من قال: إنهم خرجوا هرباً من وباء يحل بالبلد خشية أن يموتوا، وبعضهم قال: إنهم خرجوا فِراراً من عدو قد سُلط عليهم ليستأصلهم، المهم أنهم أرادوا أن يفروا خوفاً من الموت. إذن فالقرآن يعالج تلك المسألة من الزاوية التي تهم، ولكن ما هو السبب ولماذا الخروج؟ فذلك أمر لا يهم؛ لأن القرآن لا يعطي تاريخاً، فلم يقل متى كانت الوقائع ولا زمنها، ولا على يد من كان هذا، ولا يحدد أشخاص القضية، كل ذلك لا يهتم به القرآن. والذين يتعبون أنفسهم في البحث عن تفاصيل تلك الأمور في القصص القرآني إنما يحاولون أن يربطوا الأشياء بزمن مخصوص، ومكان مخصوص، وأشخاص مخصوصة. ونقول لهم: إن القرآن لو أراد ذلك لفعل، ولو كان ذلك له أصل في العبرة والعظة لبيّنه الحق لنا، وأنتم تريدون إضعاف مدلول القصة بتلك التفاصيل؛ لأن مدلول القصة إن تحدد زمنها، فربما قيل: إن الزمان الذي حدثت فيه كان يحتمل أن تحدث تلك المسألة والزمن الآن لم يعد يحتملها، وربما قيل: إن هذا المكان الذي وقعت فيه يحتمل حدوثها، إنما الأمكنة الأخرى لا تحتمل. وكذلك لو حددها بشخصيات معينة لقيل: إنّ القصص لا يمكن أن تحدث إلا على يد هذه الشخصيات؛ لأنها فلتات في الكون لا تتكرر. إن الله حين يبهم في قصة ما عناصر الزمان والمكان والأشخاص وعمومية الأمكنة إنه - سبحانه - يعطي لها حياة في كل زمان وفي كل مكان وحياة مع كل شخص، ولا يستطيع أحد أن يقول: إنها مشخصة. وأضرب دائماً هذا المثل بالذين يحاولون أن يعرفوا زمن أهل الكهف ومكان أهل الكهف وأسماء أهل الكهف وكلب أهل الكهف. نقول لهؤلاء: أنتم لا تثرون القصة، لأنكم عندما تحددون لها زماناً ومكاناً وأشخاصاً فسيقال: إنها لا تنفع إلا للزمان الذي وقعت فيه. ولذلك إذا أراد الحق أن يبهم فقد أبهم ليعمم، وإن أراد أن يحدد فهو يشخِّص ومثال ذلك قوله تعالى: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ}تفسير : [التحريم: 10]. لم يحدد الحق هنا اسم أي امرأة من هاتين المرأتين، بل ذكر فقط الأمر المهم وهو أن كلاً منهما كانت زوجة لرسول كريم، ومع ذلك لم يستطع نوح عليه السلام أن يستلب العقيدة الكافرة من زوجته، ولم يستطع لوط عليه السلام أن يستلب العقيدة الكافرة من زوجته، بل كانت كل من المرأتين تتآمر ضد زوجها - وهو الرسول - مع قومها، لذلك كان مصير كل منهما النار، والعبرة من القصة أن اختيار العقيدة هو أمر متروك للإنسان، فحرية العقيدة أساس واضح من أسس المنهج. وأيضا قال سبحانه في امرأة فرعون: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [التحريم: 11]. لم يذكر اسمها؛ لأنه لا يهمنا في المسألة، المهم أنها امرأة من ادّعى الألوهية، ومع ذلك لم يستطع أن يقنع امرأته بأنه إله. لكن حينما أراد أن يشخص قال في مريم عليها السلام: {أية : وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ}تفسير : [التحريم: 12]. لقد ذكرها الحق وذكر اسم والدها، ذلك لأن الحدث الذي حدث لها لن يتكرر في امرأة أخرى. فالذين يحاولون أن يُقَوّوا القصة بذكر تفاصيلها نقول لهم: أنتم تُفقرون القصة؛ فالمهم هو أن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يقول: إنهم خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. ونريد أن نقف موقفاً لغوياً عند قول الحق: {أَلَمْ تَرَ} [البقرة: 243]. أنت تقول لإنسان: {أَلَمْ تَرَ} [البقرة: 243] يعني ألم ير بعينيه، وبالله هل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهل المؤمنون معه والمؤمنون بعده إلى أن تقوم الساعة رأوا هذه المسألة؟ لا. لقد وصلتهم بوسيلة السماع وليس بالرؤية. ونحن نعلم أن الرؤية تكون بالعين، والسماع يكون بالأذن، والتذوق يكون باللسان، والشم يكون بالأنف، واللمس يكون باليد، إن هذه هي الوسائل التي تعطي للعقل إدراكاً وإحساساً لكي يعطي معنويات، وفي ذلك اقرأ قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [النحل: 78]. إذن فوسيلة العلم تأتي من الحواس، وسيدة الحواس هي العين؛ لأنه من الممكن أن تسمع شيئاً من واحدٍ بتجربته هو، لكن عندما ترى أنت بنفسك فتكون التجربة خاصة بك، ولذلك يقال: "ليس مَن رأى كمن سمع"، فإذا أراد الحق أن يقول: ألم تعلم يا من أخاطبك بالقرآن خبر هؤلاء القوم؟ فهو سبحانه يأتي بها على هذه الصورة: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ} [البقرة: 243] ويعني ألم تعلم والعلم هنا بأي وسيلة؟ بالسمع. ولماذا لم يختصر سبحانه المسافة ويقول: "ألم تسمع" بدلا من "ألم تر"؟. إنه في قوله: "ألم تر" يخبرك بشيء سابق عن وجودك أو بشيء متأخر عن وجودك، فعليك أن تستقبله استقبالك لما رأيته؛ لأن الله الذي خلق الحواس هو - سبحانه - أصدق من الحواس، ولذلك جاء قوله تعالى في سورة الفيل: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ}تفسير : [الفيل: 1]. إننا نعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في عام الفيل ولم ير هذه الحادثة فكيف يقول الله له ألم تر؟ إن المعنى من ذلك هو "ألم تعلم"؟ "ألم تسمع مني" ولم يقل "ألم تسمع"؟ لكي يؤكد له أنه سيقول له حدثاً هو لم يره ولكن الحق سيخبره به، وإخبار الحق له كأنه يراه. فكأن الله يقول: إن هذه المسألة مفروغ منها وساعة أخبرك بها فكأنك رأيتها. ونحن نسمع في حياتنا قول الناس: إن فلاناً ألمعي. ومعنى ذلك أنه يحدثك حديثاً كأنه رأى أو سمع. شعر : الألـمـعي الـذي يـظـن بـك الظـن كــأن قــد رأى وقــد سـمـعـا تفسير : ويحدثنا الحق عن هؤلاء القوم فيقول: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة: 243]. إنه سبحانه يخبرنا بأن الأمر الذي يفرون منه لاحِقٌ بهم، لأنه لا يَحتاط من قدر الله أحد، لذلك أماتهم الله ثم أحياهم ليتعظوا. ولو أخر الله الإحياء إلى يوم البعث فلن تؤثر العبرة؛ لأنه بعد يوم القيامة لا اعتبار ولا تكليف، وكل ذلك لا قيمة له. وقوله تعالى: {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} [البقرة: 243] بيان لعلة الخروج، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يبين لهم أن هذه قضية لا ينفع فيها الحذر، أنتم خرجتم خوفاً من الموت سأميتكم، والذي كنتم تطلبونه بعد الموت سأحدث لكم غيره، لذلك أحياهم إحياءً آخر حتى يتحسروا، ويأخذوا أجلهم المكتوب {ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة: 243] حتى يبين لكم أن أمر الموت بيده سبحانه سواءً كان خوفهم من الموت نابعاً من أعدائهم أو من وباء وطاعون، فالأمر في جوهره لا يختلف، ولو أن الآية ذكرت أنهم خرجوا خوفاً من وباء ما كنا فهمنا منها احتمال خروجهم خوفاً من أعدائهم. إذن إبهام السبب المباشر في القضية أعطاها ثراءً. وقوله تعالى: {وَهُمْ أُلُوفٌ} [البقرة: 243] يبين لنا مدى الخيبة والغباء الذي كانوا فيه، لأنهم كيف يخرجون خائفين من الأعداء وهم ألوف مؤلفة. ولم يظهر واحد من هؤلاء الألوف ليقول لهم: إن الموت والحياة بيد الله. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ} [البقرة: 243]. وساعة تأمر مأموراً منك بأمر فلا بد أن يكون عندك طلاقة قدرة أن تفعل، وهل إذا قلت لأحد: مت، سيموت؟ إذا أمات نفسه فقد قتلها، وفرق كبير بين الموت والقتل. إنما الموت يأتي بلا سبب من الميت، ولكن القتل ربما يكون بسبب الانتحار أو بأي وسيلة أخرى، المهم أنه قتل للنفس وليس موتاً. ويوضح لنا الحق الفرق بين القتل والموت حين يقول: {أية : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفَإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 144]. ولقد جاءت هذه الآية في مجال استخلاص العبر من هزيمة أحُد حين شاع بين المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، ففكر بعض منهم في الارتداد، وجاء قول الحق موضحاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو نبي سبقه رسل جاءوا بالمنهج، والأمة المسلمة التي أمنها الله على تمام المنهج لا يصح أن يهتز الإيمان فيها بموت الرسول الكريم؛ لأن من ينقلب ويرتد لن يضر الله شيئاً، إنما الجزاء سيكون للشاكرين العارفين فضل منهج الله. ولنا أن نعرف أن الحق سبحانه جاء بالموت كمقابل للقتل، وأوضح في الآية التالية أمر الموت حين قال: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي ٱلشَّاكِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 145]. إذن فأمر الموت مرهون بمشيئة الله وطلاقة قدرته وتحديده لكل أجل بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر، وسيلقى كل إنسان نتيجة عمله، فمن عمل للدنيا فقط نال جزاءه فيها، ومن عمل للآخرة فسيجزيه الله في دنياه وآخرته. لذلك يصدر الأمر من الحق بقوله: {فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة: 243] فلم يكن بإرادتهم أن يصنعوا موتهم، أو أمر عودتهم إلى الحياة، لكنه أمر تسخيري. إنهم يموتون بطلاقة قدرته المتمثلة في "كن فيكون". ويعودون إلى الحياة بتمام طلاقة القدرة المتمثلة في "كن فيكون". فليس لهم رأي في مسألة الموت أو العودة للحياة، إنه أمر تسخيري، كما قال الحق من قبل للأرض والسماء: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}تفسير : [فصلت: 11]. لقد شاءت قدرته أن يخلق السماء على هيئة دخان فوُجدت، وخلقه للسماوات والأرض على وفق إرادته وهو هين عليه بمنزلة ما يقال للشيء احضر راضياً أو كارهاً، فيسمع الأمر ويطيعه. وهذه أمور تسخيرية من الخالق الأكرم، وليس للمخلوق من سماوات وأرض وما بينهما إلا الامتثال للأمر التسخيري من الخالق عز وجل. فعندما يقول الحق سبحانه: {مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة: 243] فهذا أمر تسخيري بالموت، وأمر تسخيري بعودتهم إلى الحياة. وأليس الموت هو ما خافوه وفروا منه واحتاطوا بالهرب منه؟ نعم، لكن لا أحد بقادر على أن يحتاط على قدر الله؛ لأن الحق أراد لهم أن يعرفوا أن أحداً لا يفر من قدر الله إلا لقدر الله. ولذلك فسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أراد للناس ألا تذهب إلى أرض فيها الطاعون. قالوا له: - أتَفِرُّ من قدر الله؟ قال عمر: نعم: نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله. إن ذلك يجعل الإنسان في تسليم مطلق بكل جوارحه لله. صحيح على الإنسان أن يحتاط، ولكن القدر الذي يريده الله سوف ينفذ. والمؤمن يأخذ بالأسباب، ويسلم أمره إلى الله. وقد يقول قائل: لماذا لم يترك الله هؤلاء القوم من بني إسرائيل ليموتوا وإلى أن يأتي البعث يوم القيامة ليحاسبهم. وأقول: لقد أراد الحق سبحانه بالأمر التسخيري بالإحياء ثانية أن توجد العبرة والعظة، ولتظل ماثلة أمام أعين الخلق ومحفوظة في أكرم كتاب حفظه الله منهجاً للناس وهو القرآن الكريم. إن الحق أراد بالأمر عظة واعتباراً وتجربة يموتون بأمر تسخيري، ويعودون إلى الحياة بأمر تسخيري آخر، ثم يعيشون الحياة المقدرة لهم ويموتون بعدها حتف أنوفهم، ولتظل عبرة ماثلة أمام كل مؤمن حق، فلا يخاف الموت في سبيل الله. لقد أراد الله بهذه التجربة أن نستخدم قضية الجهاد في سبيل الله، فلا يظن ظان أن القتال هو الذي يسبب الموت، إنما أمر الموت والحياة بيد واهب الحياة. وها هو ذا قول خالد بن الوليد على فراش الموت باقياً ليعرفه كل مؤمن بالله: - لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت العَيْر، فلا نامت أعين الجبناء. إذن: فأمر الحياة والموت ليس مرهوناً بقتال أو غيره، إنما هو محدد بمشيئة الله. ولننظر إلى تذييل الآية حين يقول الحق: {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} [البقرة: 243]. وما الفضل؟ إنه أن تتلقى عطاءً يزيد على حاجتك. والحق سبحانه وتعالى لا يعطي الناس فقط على قدر حاجتهم إنما يعطيهم ما هو أكثر من حاجتهم. إذن فلو مات هؤلاء القوم الذين خرجوا من ديارهم خوفاً من وباء أو عدو لكان هذا الموت فضلاً من عند الله؛ لأنهم لو ماتوا بالوباء لماتوا شهداء، وهذا فضل من الله. ولو ماتوا في لقاء عدو وحاربوا في سبيل الله لنالوا الشهادة أيضاً، وذلك فضل من الله. لماذا يكون مثل هذا الموت فضلاً من الله؟ لأننا جميعاً سوف نموت، فإن مات الإنسان استشهاداً في سبيله فهذا عطاء زائد. لكن أكثر الناس لا يشكرون؛ لأنهم لا يعلمون مدى النعمة فيما يجريه الحق سبحانه وتعالى عليهم من أمور؛ لأن الناس لو علمت مدى النعمة فيما يجريه الحق عليهم من أحداث بما فيها الإحياء والإماتة، لشكروا الله على كل ما يجريه عليهم، فالحق سبحانه وتعالى لا يجري على البشر، وهم من صنعته إلا ما يصلح هذه الصنعة، وإلا ما هو خير لهذه الصنعة. لقد استبقى الحق سبحانه هذه العبرة بما أجراه على بعض من بني إسرائيل لنرى أن القتال في سبيل الله هو من نعم الله على العباد، فلا مهرب من قضاء الله. وها هو ذا الشاعر العربي يقول: شعر : ألا أيها الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي فدعني أبادرها بما ملكت يدي تفسير : إن الشاعر يسأل من يوجه له الدعوة لا إلى القتال، ولكن إلى الاستمتاع بملذات الحياة قائلاً: ما دمت لا تملك لي خلوداً في هذه الحياة ولا أنت بقادر على رد الموت عني فدعني أقاتل في سبيل الله بما تملكه يداي. وبعد الحديث عن محاولة هرب بعض من بني إسرائيل من قدر الله فأجرى عليهم الموت تسخيراً وأعادهم إلى الحياة تسخيراً، وهذا درس واضح للمؤمنين الذين سيأتي إليهم الأمر بالقتال في سبيل الله. فلا تبالوا أيها المؤمنون إن كان القتال يجلب لكم الموت؛ لأن الموت يأتي في أي وقت. بعد ذلك يقول الحق: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن حصين ابن عبد الرحمن السلمي، عن هلال بن يساف قال: كانت أُمة من بني إِسرائيل إِذا وقع الوجع فيهم، خرج أَشرافهم. وأَغنياؤهم، وأَقام سفلتهم وفقراؤهم. فمات الذين أَقاموا ونجا الذين خرجوا. فقال الأَشراف لو أَقمنا كما أَقام هؤلاءِ لهلكنا كما هلكوا. وقالت السفلة لو ظعنَّا كما ظعن هؤلاءِ، نجونا كما نجوا. فأَجمع رأْيهم جميعاً في سنة من السنين على أَن يظعنوا وظعنوا جميعاً، فماتوا كلهم حتى صاروا عظاماً تبرق، فكنسهم أَهل البيوت وأَهل الطرق عن بيوتهم وطرقهم، فمر بهم نبي من الأَنبياءِ فقال: يارب لو شئت أَحييتهم فعبدوك وولدوا أَولاداً يعبدونك ويعمرون بلادك. فقيل له: تكلم كذا وكذا. فتكلم به، فنظر إِلى العظام تخرج من عند العظام التي ليست منها، إِلى العظام التي هي منها. ثم قيل له: تكلم بكذا وكذا. فتكلم به. فنظر إِلى العظام، فكسيت لحماً وعصباً، ثم قيل له تكلم بكذا وكذا. فتكلم به. فنظر، فإِذا هم قعود يسبحون الله، ويكبرونه، فأَنزل الله، عز وجل، فيهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ} [الآية: 243]. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد:{أية : أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}تفسير : [الآية: 259]. أَي: كيف يحيي الله؟ قال: كان نبياً وكان اسمه أَرميا. أنا عبد الرحمن، قال: نا إبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، قال: سمعت عمرو بن دينار يقول في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ} [الآية: 243]. قال: وقع الطاعون في قريتهم فخرج ناس وأقام ناس. فنجا الذين خرجوا، وهلك الذين أَقاموا. فلما وقع الطاعون في قريتهم، فخرج ناس وأَقام ناس فنجا الذين خرجوا وهلك الذين أَقاموا، فلما وقع الطاعون الثانية، خرجوا بأَجمعهم، فأَماتهم الله ودوابّهم {ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [الآية: 243] فرجعوا إِلى بلادهم، وقد توالدت ذريتهم ومن تركوا. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا / 8و / إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [الآية: 246]. قال: هم الذين قال الله، عز وجل:{أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ}تفسير : [النساء: 77]. فقال لهم نبيهم: {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} [الآية: 247]. فكان طالوت على الجيش أَميراً فبعث أَبو داود مع داود بشيء إِلى إِخوته، فقال داود لطالوت: ماذا لي وأَقتل جالوت؟ قال: لك ثلث ملكي، وأَنكحك ابنتي. فأَخذ داود مخلاة فجعل فيها ثلاث مروات يعني ثلاثة أَحجار، وسمى أَحجاره إِبراهيم وإِسحاق ويعقوب، ثم أَدخل يده فقال: بسم الله، إِلهي وإِله آبائي: إِبراهيم وإِيحاق ويعقوب. فخرج الذي على اسم إِبراهيم. فجعلها في مرجمته، فرمى بها جالوت، فخرقت ثلاثا وثلاثين بيضة عن رأْسه، وقتلت ما وراءَه ثلاثين أَلفاً. يقول: {وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ} [الآية: 247]. يعني: سلطانه. قال ابن أَبي نجيح: وسمعت مجاهداً يقول: أَقبلت السكينة والصرد وجبريل، عليه السلام، مع إِبراهيم خليل الرحمن، عز وجل، من الشام. قال مجاهد: فبلغني أَن السكينة لها رأْس كرأْس الهرة وجناحان. [في الآية: 248]. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} [الآية: 251] يقول: لهلك أَهلها. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} [الآية: 253]. قال: كلم الله موسى، وأَرسل محمداً، صلى الله عليه وسلم، إِلى الناس كافة.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أحكام الأسرة بالتفصيل والنظم التي تربط بين أفرادها، وسعى لإِصلاحها باعتبار أنها النواة واللبنة التي يشاد منها صرح المجتمع الفاضل، ذكر بعدها أحكام الجهاد وذلك لحماية العقيدة وصيانة المقدسات، وتأمين البيئة الصالحة للأسرة المسلمة التي تنشد الحياة الكريمة، فلا صلاح للأسرة إِلا بصلاح المجتمع، ولا بقاء لها ولا خلود إِلا ببقاء الحق وأنصاره، ولهذا أمر تعالى بالقتال وضرب عليه الأمثال بالأمم السابقة، كيف جاهدت في سبيل الحق وانتصرت القلة مع إِيمانها على الكثرة مع كفرها وطغيانها، فليست العبرة بكثرة أنصار الباطل بل بصمود أهل الحق والتزامهم له وجهادهم في سبيله. اللغَة: {أُلُوفٌ} جمع ألف جمع كثرة وفي القلة آلاف، ومعناه كثرة كاثرة وألوف مؤلفة. {حَذَرَ} خشية وخوف {يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} القبض: ضم الشيء والجمع عليه والمراد به التقتير والبسط ضدَّه والمراد به التوسيع قال أبو تمام: شعر : تعوَّد بسطَ الكفِّ حتى لو أنه دعاها لقبضٍ لم تُجْبه أناملُه تفسير : {ٱلْمَلإِ} الأشراف من الناس سمّوا بذلك لأنهم يملؤون العين مهابةً وإِجلالاً. {فَصَلَ} انفصل من مكانه يقال: فصل عن الموضع انفصل عنه وجاوزه. {مُبْتَلِيكُمْ} مختبركم. {يَظُنُّونَ} يستيقنون ويعلمون. {فِئَةٍ} الفئة: الجماعة من الناس لا واحد له كالرهط والنفر. {أَفْرِغْ} أفرغ الشيء صبَّه وأنزله. التفسِير: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ} أي ألم يصل إِلى سمعك يا محمد أو أيها المخاطب حال أولئك القوم الذين خرجوا من وطنهم وهم ألوف مؤلفة {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} أي خوفاً من الموت وفراراً منه، والغرض من الاستفهام التعجيب والتشويق إِلى سماع قصتهم وكانوا سبعين ألفاً {فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} أي أماتهم الله ثم أحياهم، وهم قوم من بني إِسرائيل دعاهم ملكهم إِلى الجهاد فهربوا خوفاً من الموت فأماتهم الله ثمانية أيام ثم أحياهم بدعوة نبيهم "حزقيل" فعاشوا بعد ذلك دهراً، وقيل: هربوا من الطاعون فأماتهم الله قال ابن كثير: وفي هذه القصة عبرةٌ على أنه لا يغني حذرٌ من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إِلا إِليه {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} أي ذو إِنعام وإِحسان على الناس حيث يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة ما يبصّرهم بما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} أي لا يشكرون الله على نعمه بل ينكرون ويجحدون {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي قاتلوا الكفار لإِعلاء دين الله، لا لحظوظ النفس وأهوائها واعلموا أنّ الله سميع لأقوالكم، عليم بنيّاتكم وأحوالكم فيجازيكم عليها، وكما أنّ الحذر لا يغني من القدر فكذلك الفرار من الجهاد لا يقرّب أجلاً ولا يبعده {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} أي من الذي يبذل ماله وينفقه في سبيل الخير ابتغاء وجه الله، ولإِعلاء كلمة الله في الجهاد وسائر طرق الخير، فيكون جزاؤه أن يضاعف الله تعالى له ذلك القرض أضعافاً كثيرة؟ لأنه قرضٌ لأغنى الأغنياء ربّ العالمين جلّ جلاله وفي الحديث "حديث : مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيم وَلاَ ظَلُومٍ" تفسير : {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} أي يقتّر على من يشاء ويوسّع على من يشاء ابتلاءً وامتحاناً {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ} أي ألم يصل خبر القوم إليك؟ وهو تعجيب وتشويق للسامع كما تقدم وكانوا من بني إسرائيل وبعد وفاة موسى عليه السلام كما دلت عليه الآية {إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي حين قالوا لنبيِّهم "شمعون" - وهو من نسل هارون أقم لنا أميراً واجعله قائداً لنا لنقاتل معه الأعداء في سبيل الله {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ} أي قال لهم نبيّهم: أخشى أن يُفرض عليكم القتال ثم لا تقاتلوا عدوكم وتجبنوا عن لقائه {قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا} أي أيُّ سببٍ لنا في ألاّ نقاتل عدونا وقد أخذت منا البلاد وسُبيت الأولاد؟ قال تعالى بياناً لما انطوت عليه نفوسهم من الهلع والجبن {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} أي لما فرض عليهم القتال نكل أكثرهم عن الجهاد إِلا فئة قليلة منهم صبروا وثبتوا، وهم الذين عبروا النهر مع طالوت، قال القرطبي: وهذا شأن الأمم المتنعِّمة المائلة إِلى الدَّعة، تتمنى الحرب أوقات الأنفة فإِذا حضرت الحرب جُبنت وانقادت لطبعها {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} وعيدٌ لهم على ظلمهم بترك الجهاد عصياناً لأمره تعالى {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} أي أخبرهم نبيّهم بأنَّ الله تعالى قد ملَّك عليهم طالوت ليكونوا تحت إِمرته في تدبير أمر الحرب واختاره ليكون أميراً عليهم {قَالُوۤاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ} أي قالوا معترضين على نبيّهم كيف يكون ملكاً علينا والحال أننا أحقُّ بالملك منه لأن فينا من هو من أولاد الملوك وهو مع هذا فقير لا مال له فكيف يكون ملكاً علينا؟ {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ} أي أجابهم نبيّهم على ذلك الاعتراض فقال: إِنّ الله اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم، والعمدة في الاختيار أمران: العلم ليتمكن به من معرفة أمور السياسة، والأمر الثاني قوة البدن ليعظم خطره في القلوب، ويقدر على مقاومة الأعداء ومكابدة الشدائد، وقد خصّه الله تعالى منهما بحظ وافر، قال ابن كثير: ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علمٍ، وشكلٍ حسن، وقوّةٍ شديدة في بدنه ونفسه، {وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ} أي يعطي الملك لمن شاء من عباده من غير إِرثٍ أو مال {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي واسع الفضل عليمٌ بمن هو أهلٌ له فيعطيه إِياه.. ولمّا طلبوا آية تدل على اصطفاء الله لطالوت أجابهم إِلى ذلك {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ} أي علامة ملكه واصطفائه عليكم {أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ} أي يردَّ الله إِليكم التابوت الذي أخذ منكم، وهو كما قال الزمخشري: صندوق التوراة الذي كان موسى عليه السلام إِذا قاتل قدَّمه فكانت تسكن نفوس بني إِسرائيل ولا يفرون {فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} أي في التابوت السكون والطمأنينة والوقار وفيه أيضاً بقية من آثار آل موسى وآل هارون وهي عصا موسى وثيابه وبعض الألواح التي كتبت فيها التوراة تحمله الملائكة، قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} أي إِن في نزول التابوت لعلامة واضحة أنّ الله اختاره ليكون ملكاً عليكم إِن كنتم مؤمنين بالله واليوم الآخر {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ} أي خرج بالجيش وانفصل عن بيت المقدس وجاوزه وكانوا ثمانين ألفاً أخذ بهم في أرضٍ قفرة فأصابهم حرٌّ وعطشٌ شديد {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} أي مختبركم بنهر وهو نهر الشريعة المشهور بين الأردن وفلسطين {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} أي من شرب منه فلا يصحبني - وأراد بذلك أن يختبر إِرادتهم وطاعتهم قبل أن يخوض بهم غمار الحرب - {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ} أي من لم يشرب منه ولم يذقه فإِنه من جندي الذين يقاتلون معي {إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} أي لكن من اغترف قليلاً من الماء ليبلَّ عطشه وينقع غلته فلا بأس بذلك، فأذن لهم برشفةٍ من الماء تذهب بالعطش {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} أي شرب الجيش منه إِلا فئة قليلة صبرت على العطش، قال السدي: شرب منه ستة وسبعون ألفاً وتبقّى معه أربعة آلاف {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} أي لما اجتاز النهر مع الذين صبروا على العطش والتعب ورأوا كثرة عدوهم اعتراهم الخوف فقال فريق منهم {قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} أي لا قدرة لنا على قتال الأعداء مع قائد جيشهم جالوت فنحن قلة وهم كثرة كاثرة {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ} أي قال الذين يعتقدون بلقاء الله وهم الصفوة الأخيار والعلماء الأبرار من أتباع طالوت {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي كثيراً ما غلبت الجماعة القليلة الجماعة الكثيرة بإِرادة الله ومشيئته، فليس النصر عن كثرة العدد وإِنما النصر من عند الله {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} أي معهم بالحفظ والرعاية والتأييد ومن كان الله معه فهو منصور بحول الله {وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} أي ظهروا في الفضاء المتسع وجهاً لوجه أمام ذلك الجيش الجرار جيش جالوت المدرّب على الحروب {قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} دعوا الله ضارعين إِليه بثلاث دعوات تفيد إِدراك أسباب النصر فقالوا أولاً: ربنا أفضْ علينا صبراً يعمنا في جمعنا وفي خاصة نفوسنا لنقوى على قتال أعدائك {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} أي ثبتنا في ميدان الحرب ولا تجعل للفرار سبيلاً إِلى قلوبنا وهي الدعوة الثانية {وَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} أي انصرنا على من كفر بك وكذب رسلك وهم جالوت وجنوده وهي الدعوة الثالثة قال تعالى إِخباراً عنهم {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي هزموا جيش جالوت بنصر الله وتأييده إِجابةً لدعائهم وانكسر عدوهم رغم كثرته {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ} أي وقتل داود - وكان في جيش المؤمنين مع طالوت - رأس الطغيان جالوت واندحر جيشه {وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ} أي أعطى الله تعالى داود الملك والنبوّة وعلّمه ما يشاء من العلم النافع الذي أفاضه عليه، قال ابن كثير: كان طالوت قد وعده إِن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له ثم آل الملك إِلى داود عليه السلام مع ما منحه الله به من النبوّة العظيمة {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} أي لولا أن يدفع الله شرّ الأشرار بجهاد الأخيار لفسدت الحياة، لأنّ الشر إِن غلب كان الخراب والدمار {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} أي ذو تفضلٍ وإِنعام على البشر حيث لم يمكّن للشر من الاستعلاء {تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ} أي ما قصصنا عليك يا محمد من الأمور الغريبة والقصص العجيبة التي وقعت في بني إِسرائيل هي من آيات الله وأخباره المغيبة التي أوحاها إِليك بالحق بواسطة جبريل الأمين {وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي وإِنك يا محمد لمن جملة الرسل الذين أرسلهم الله لتبليغ دعوة الله عزَّ وجلَّ. البَلاَغَة: 1- قال أبو حيان: تضمنت الآية الكريمة من ضروب البلاغة وصنوف البيان أموراً كثيرة منها الاستفهام الذي أُجري مجرى التعجب في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ} والحذف بين {مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} أي فماتوا ثم أحياهم، والطباق في قوله: {مُوتُواْ} و {أَحْيَاهُمْ} وكذلك في قوله: {يَقْبِضُ} و {يَبْسُطُ} والتكرار في قوله: {فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} و {لَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} والالتفات في {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} والتشبيه بدون الأداة في قوله: {قَرْضاً حَسَناً} شبّه قبوله تعالى إِنفاق العبد في سبيله بالقرض الحقيقي فأطلق اسم القرض عليه، والتجنيس المغاير في قوله: {فَيُضَاعِفَهُ} وقوله: {أَضْعَافاً}. 2- {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} فيه استعارة تمثيلية فقد شبّه حالهم والله تعالى يفيض عليهم بالصبر بحال الماء يصب ويفرغ على الجسم فيعمه كله، ظاهره وباطنه فيلقي في القلب برداً وسلاماً وهدوءاً واطمئناناً. الفوَائِد: الأولى: أسند الاستقراض إِلى الله في قوله: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ} وهو المنزه عن الحاجات ترغيباً في الصدقة كما أضاف الإِحسان إِلى المريض والجائع والعطشان إِلى نفسه تعالى في قوله جلّ وعلا في الحديث القدسي: "حديث : ابن آدم مرضتُ فلم تعدني" و "استطعمتك فلم تطعمني" و "استسقيتك فلم تسقني" تفسير : الحديث الذي رواه الشيخان. الثانية: روي أنه لمّا نزلت الآية الكريمة حديث : جاء أبو الدحداح الأنصاري إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: وإِنّ الله ليريد منّا القرض؟ قال: "نَعَمْ يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ!" قال: أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده قال: فإِني قد أقرضتُ ربي حائطي - أي بستاني وكان فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها - فجاء أبو الدحداح فنادها: يا أُمَّ الدحداح قالت: لبّيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي عزَّ وجلَّتفسير : ، وفي رواية قالت: ربح بيعك يا أبا الدحداح وخرجت منه مع عيالها. الثالثة: قال البقاعي: ولعلّ ختام بني إِسرائيل بهذه القصة لما فيها للنبيّ صلى الله عليه وسلم من واضح الدلالة على صحة رسالته لأنها مما لا يعلمه إِلا القليل من حذاق علماء بني إِسرائيل.
الجيلاني
تفسير : {أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي {إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ} وهم أهل "داود" قرية قبل "واسط" وقع فيهم طاعون فخرجوا هاربين {وَهُمْ أُلُوفٌ} كثيير {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ} بعدما علم منهم الفرار عن قضائه: {مُوتُواْ} فماتوا بالمرة {ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ} بدعاء حزقيل عليه السلام حين مر على تلك القرية، فأبصروا قد عريت عظامهم وتفرقت أجسامهم فتعجب من ذلك، فأوحى الله تعالى إليه، ناد فيهم: أن قوموا بأمر الله ومشيئته، فنادى فقاموا يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت {إِنَّ ٱللَّهَ} المدبر لمصالح عباده {لَذُو فَضْلٍ} وإحسان {عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} [البقرة: 243] فضله وإحسانه. وبوجه آخر {أَلَمْ تَرَ} أيها المغتر الرائي {إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ} المألوفة المأنوسة وهي بقعة الإمكان {وَ} الحال أنهم {هُمْ أُلُوفٌ} متألفون فيها مع بني نوعهم {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} الإرادي {فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ} الهادي إلى توحيد الذات بلسان مرشديهم: {مُوتُواْ} عن إنابتكم وهويتكم أيها المتوجهون إلى بحر الحقيقة، فماتوا عن مقتضيات القوى البشرية، ولوازم الحياة الطبيعية بالكلية {ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ} الله بالحياة الحقيقية والعلم اللدني والوجود العيني الحقي، والبقاء الأزلي السرمدي {إِنَّ ٱللَّهَ} المتكفل لأمور عباده {لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} الناسين منزلهم الأصلي ومقصدهم الحقيقي بإيصالهم إلى ما هم عليه قبل نزولهم إلى فضاء الإمكان {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} [البقرة: 243] ولا يعقلون ولا يفهمون نعمة الوصول إلى الموطن الأصلي والمقام الحقيقي حتى يقوموا بشكره ويتواظبوا عليه. {وَ} إن أردتم أيها المؤمنون أن تكونوا من الشاكرين لنعمه الفائزين بفضله وإحسانه {قَٰتِلُواْ} مع الكفرة التي هي القوى الحيوانية {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} المفني للغير مطلقاً، واعلموا إن متم فإلى الله تحشرون، وإن عشتم فإلى الله تبعثون، وما لكم أيها المؤمنون ألاَّ تقاتلوا مع جنود الشياطين حتى تنجوا من مهلكة الإمكان، وتصلوا إلى فضاء الوجوب {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لأقوالكم المتعلقة بعدم الجهاد {عَلِيمٌ} [البقرة: 244] بنياتكم المترتبة على الحياة الطبيعية. {مَّن ذَا} العارف {ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ} أي: يفوض ويسلم هوية الإمكان وماهية الكوني والكياني إلى الله المسقط للهويات مطلقاً {قَرْضاً حَسَناً} تفويضاً سلساً نشطاً فرحاناً بلا مضايقة ولا مماطلة، راضياً بما قضى عليه، صابراً على عموم البلوى المقربة إليه {فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ} بعدما فني عن هيوته فيه {أَضْعَافاً كَثِيرَةً} لا يحيط بكنهها إلا هو؛ إذ المحدث قرن بالعديم، وترتب عليه ما ترتب عليه بل سقط الاثنينية بالكلية، وارتفع غيار الأغيار بالمرة {وَٱللَّهُ} الواحد الأحد الصمد {يَقْبِضُ} إلى ذاته ما ينشر {وَيَبْسُطُ} كم أظلال أسمائه وصفاته وآثار تجلياته الذاتية {وَإِلَيْهِ} لا إلى غيره {تُرْجَعُونَ} [البقرة: 245] أيها الأظلال والآثار طوعاً وكرهاً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن فضل الجهاد وبالتعريض حيث عليها العباد بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ} [البقرة: 243]، الآيتين والإشارة فيهما أن قوماً لما أمروا بالجهاد في سبيل الله وهو الجهاد الأصغر فجبنوا وخالفوا الأمر وهربوا حذراً من مقاسات شدائد الجهاد، وابتلاهم الله تعالى بموت الأجساد فكيف بقوم أمروا بالجهاد في الله وهو الجهاد الأكبر بقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}تفسير : [العنكبوت: 69]. ثم أخبر أن نفع جهادهم إلى أنفسهم وقال تعالى: {أية : وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ}تفسير : [العنكبوت: 6]، فإن جبنوا وخالفوا الأمر وفروا من محل مشقة المجاهدة وأعرضوا عن طلب الحق واتبعوا الهوى واشتغلوا بالشهوات واللذات فلا يبتليهم الله بموت القلب بل ولعمري لو لم يمت قلوبهم ما أعرضوا عن الحق في طلب الباطل وفي قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ}تفسير : [غافر: 61]، والإشارة أن الله تعالى بفضله وكرمه أحيا قلوب المؤمنين بنور الإيمان قال تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ}تفسير : [الأنعام: 122]، فقليل منهم أقدموا على أداء شكر الإيمان بالقيام في الأوامر والنواهي كما هو الواجب فاستحقوا بذلك المزيد كما قال تعالى: {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ}تفسير : [سبأ: 13]، وأكثرهم كفروا بنعمة الإيمان، وركنوا بالخذلان في مخالفة الرحمن فكذبوا بحرمان الجنان وأغرقوا في بحار العصيان، وفي قوله تعالى: {وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 244]، إشارة إلى أن إحياء القلوب الميتة مضمر في قتل النفس الأمارة كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ}تفسير : [البقرة: 154] يعني: قتلوا أنفسهم ولكن الله أحيى قلوبهم وأرواحهم فقاتلوا في سبيل الله مع نفوسكم، فإنها أعدى عدوكم واعلموا أن الله سميع دعائكم وتضرعكم إليه في الاستغاثة به والاستعانة، به على قتل نفوسكم وإحياء قلوبكم كما سمع دعاء نبيهم عليه السلام في إحياء قومه عليم بصدق نياتكم وبذل جهدكم في جهادكم فيعينكم على قتل نفوسكم ويحيي بأنوار فضله قلوبكم. ثم أخبر عن طريق من حقيقة القتال مع النفس بطريق بذل المال بقوله تعالى: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} [البقرة: 245]، والإشارة فيها أن من كمال فضله وكرمه مع عباده أنه خلق أنفسهم ومدهم الأموال ثم اشترى منهم أنفسهم وأموالهم ثم ردها لهم بالعارية، ثم أكرمهم فيها بالاستقراض ثم شرط بأضعاف كثيرة عليها فقال تعالى: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} [البقرة: 245]؛ يعني: يقرض إلى الله لا إلى الفقير ويعطي لله لا للجنة قرضاً حسناً فالقرض الحسن ما لا يقصد في عوضه غير الله {فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة: 245]؛ يعني: أن العبد لا يطلب إلا على قدره فيعطيه ما هو مطلوبه ما أخفى لهم من قرة أعين أضعافاً كثيرة على قدر كرمه فمن يكون له متاع الدنيا بأسرها قليلاً، فانظر ما يكون له ثم ما يكون أضعافاً كثيرة وقال تعالى: {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} [البقرة: 245]؛ يعني: هو القابض والباسط هو يقبض الصدقة عن الأغنياء ليطهرهم بها عن أنجاس الدنيا وأدناسها ويبسط على الفقراء لئلا يتقلدوا المنة من الأغنياء ويعظمونهم بقبض؛ لئلا يرى الأغنياء غيره ويبسط لئلا يرى الفقراء غيره بقبض قلوب الأحباء عن الدنيا والآخرة، ويبسط الجود ويقبض الفاني ويبسط الباقي عنك بقاء يفنيه ويبسط به عن باسطيه، وهذا هو معنى: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 245].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقص تعالى علينا قصة الذين خرجوا من ديارهم على كثرتهم واتفاق مقاصدهم، بأن الذي أخرجهم منها حذر الموت من وباء أو غيره، يقصدون بهذا الخروج السلامة من الموت، ولكن لا يغني حذر عن قدر، { فقال الله لهم موتوا } فماتوا { ثم } إن الله تعالى { أحياهم } إما بدعوة نبي أو بغير ذلك، رحمة بهم ولطفا وحلما، وبيانا لآياته لخلقه بإحياء الموتى، ولهذا قال: { إن الله لذو فضل } أي: عظيم { على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون } فلا تزيدهم النعمة شكرا، بل ربما استعانوا بنعم الله على معاصيه، وقليل منهم الشكور الذي يعرف النعمة ويقر بها ويصرفها في طاعة المنعم. ثم أمر تعالى بالقتال في سبيله، وهو قتال الأعداء الكفار لإعلاء كلمة الله ونصر دينه، فقال: { وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم } أي: فأحسنوا نياتكم واقصدوا بذلك وجه الله، واعلموا أنه لا يفيدكم القعود عن القتال شيئا، ولو ظننتم أن في القعود حياتكم وبقاءكم، فليس الأمر كذلك، ولهذا ذكر القصة السابقة توطئة لهذا الأمر، فكما لم ينفع الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت خروجهم، بل أتاهم ما حذروا من غير أن يحتسبوا، فاعلموا أنكم كذلك. ولما كان القتال في سبيل الله لا يتم إلا بالنفقة وبذل الأموال في ذلك، أمر تعالى بالإنفاق في سبيله ورغب فيه، وسماه قرضا فقال: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } فينفق ما تيسر من أمواله في طرق الخيرات، خصوصا في الجهاد، والحسن هو الحلال المقصود به وجه الله تعالى، { فيضاعفه له أضعافا كثيرة } الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، بحسب حالة المنفق، ونيته ونفع نفقته والحاجة إليها، ولما كان الإنسان ربما توهم أنه إذا أنفق افتقر دفع تعالى هذا الوهم بقوله: { والله يقبض ويبسط } أي: يوسع الرزق على من يشاء ويقبضه عمن يشاء، فالتصرف كله بيديه ومدار الأمور راجع إليه، فالإمساك لا يبسط الرزق، والإنفاق لا يقبضه، ومع ذلك فالإنفاق غير ضائع على أهله، بل لهم يوم يجدون ما قدموه كاملا موفرا مضاعفا، فلهذا قال: { وإليه ترجعون } فيجازيكم بأعمالكم. ففي هذه الآيات دليل على أن الأسباب لا تنفع مع القضاء والقدر، وخصوصا الأسباب التي تترك بها أوامر الله. وفيها: الآية العظيمة بإحياء الموتى أعيانا في هذه الدار. وفيها: الأمر بالقتال والنفقة في سبيل الله، وذكر الأسباب الداعية لذلك الحاثة عليه، من تسميته قرضا، ومضاعفته، وأن الله يقبض ويبسط وإليه ترجعون.
همام الصنعاني
تفسير : 302- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن الحسن، وقتادة، في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ}: [الآية: 243]، قال: فَرُّوا من الطاعون، فقالَ لهم الله: "مُوتُوا" ثم أحْياهم ليُكْمِلُوا بقية آجالهم. 303- عبد الرزاق، قال معمر، وقال الكلْبي: كانوا ثمانية آلاف. 304- عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة عن عكرمة: فرُّوا مِنَ القتال.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):