٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
الرازي
تفسير : إعلم أنه تعالى لما بين فيما تقدم إخراج الكفار المؤمنين من ديارهم بغير حق، وأذن في مقاتلتهم وضمن للرسول والمؤمنين النصرة وبين أن لله عاقبة الأمور، أردفه بما يجري مجرى التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم في الصبر على ما هم عليه من أذيته وأذية المؤمنين بالتكذيب وغيره، فقال: وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم سائر الأمم أنبياءهم، وذكر الله سبعة منهم. فإن قيل: ولم قال: {وَكُذّبَ مُوسَىٰ } ولم يقل قوم موسى؟ فالجواب: من وجهين: الأول: أن موسى عليه السلام ما كذبه قومه بنو إسرائيل وإنما كذبه غير قومه وهم القبط الثاني: كأنه قيل بعد ما ذكر تكذيب كل قوم رسوله، وكذب موسى أيضاً مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره. أما قوله تعالى: {فَأمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ } يعني أمهلتهم إلى الوقت المعلوم عندي ثم أخذتهم بالعقوبة {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } استفهام تقرير (ي)، أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعذاب، أليس كان واقعاً قطعاً؟ ألم أبدلهم بالنعمة نقمة وبالكثرة قلة وبالحياة موتاً وبالعمارة خراباً؟ ألست أعطيت الأنبياء جميع ما وعدتهم من النصرة على أعدائهم والتمكين لهم في الأرض. فينبغي أن تكون عادتك يا محمد الصبر عليهم، فإنه تعالى إنما يمهل للمصلحة فلا بد من الرضاء والتسليم، وإن شق ذلك على القلب. واعلم أن بدون ذلك يحصل التسلية لمن حاله دون حال الرسول عليه السلام، فكيف بذلك مع منزلته، لكنه في كل وقت يصل إليه من جهتهم ما يزيده غماً، فأجرى الله عادته بأن يصبره حالاً بعد حال، وقد تقدم ذكر هؤلاء المكذبين وبأي جنس من عذاب الاستئصال هلكوا. وههنا بحث، وهو أن هذه الآية تدل على أنه سبحانه يفعل به وبقومه كل ما فعل بهم وبقومهم إلا عذاب الاستئصال فإنه لا يفعله بقوم محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان قد مكنهم من قتل أعدائهم وثبتهم. قال الحسن: السبب في تأخر عذاب الاستئصال عن هذه الأمة أن ذلك العذاب مشروط بأمرين: أحدهما: أن عند الله حد(اً) من الكفر من بلغه عذبه ومن لم يبلغه لم يعذبه والثاني: أن الله لا يعذب قوماً حتى يعلم أن أحداً منهم لا يؤمن، فأما إذا حصل الشرطان وهو أن يبلغوا ذلك الحد من الكفر وعلم الله أن أحداً منهم لا يؤمن، فحينئذ يأمر الأنبياء فيدعون على أممهم فيستجيب الله دعاءهم فيعذبهم بعذاب الاستئصال وهو المراد من قوله: { أية : حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ } تفسير : [يوسف: 110] أي من إجابة القوم، وقوله لنوح: { أية : أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ من قد آمن } تفسير : [هود: 36] وإذا عذبهم الله تعالى فإنه ينجي المؤمنين لقوله: { أية : فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } تفسير : [هود: 66] أي بالعذاب نجينا هوداً، واعلم أن الكلام في هذه المسألة قد تقدم فلا فائدة في الإعادة، فإن قيل كيف يوصف ما ينزله بالكفار من الهلاك بالعذاب المعجل بأنه نكير؟ قلنا إذا كان رادعاً لغيره وصادعاً له عن مثل ما أوجب ذلك صار نكيراً. أما قوله: {فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعضهم: المراد من قوله: {فَكَأَيِّن } فكم على وجه التكثير، وقيل أيضاً معناه، ورب قرية والأول أولى لأنه أوكد في الزجر، فكأنه تعالى لما بين حال قوم من المكذبين وأنه عجل إهلاكهم أتبعه بما دل على أن لذلك أمثالاً وإن لم يذكر مفصلاً. المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأهل الكوفة والمدينة {أَهْلَكْنَـٰهَا } بالنون، وقرأ أبو عمرو ويعقوب {أهلكتها} وهو اختيار أبي عبيد لقوله في الآية الأولى { فَأمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ }. المسألة الثالثة: قوله: {أَهْلَكْنَـٰهَا } أي أهلها ودل بقوله وهي ظالمة على ما ذكرنا، ويحتمل أن يكون المراد إهلاك نفس القرية، فيدخل تحت إهلاكها إهلاك من فيها لأن العذاب النازل إذا بلغ أن يهلك القرية فتصير منهدمة حصل بهلاكها هلاك من فيها وإن كان الأول أقرب. أما قوله وهي: {خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا } ففيه سؤالان: السؤال الأول: ما معنى هذه اللفظة؟ فقال صاحب الكشاف: كل مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظلة فهو عرش، والخاوي الساقط من خوى النجم إذا سقط أو الخالي من خوى المنزل إذا خلا من أهله، فإن فسرنا الخاوي بالساقط، كان المعنى أنها ساقطة على سقوفها، أي خرت سقوفها على الأرض، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف، وإن فسرناه بالخالي كان المعنى أنها خالية عن الناس مع بقاء عروشها وسلامتها، قال ويمكن أن يكون خبراً بعد خبر، كأنه قيل هي خاوية وهي على عروشها، بمعنى أن السقوف سقطت على الأرض فصارت في قرار الحيطان وبقيت الحيطان قائمة فهي مشرفة على السقوف الساقطة، وبالجملة فالآية دالة على أنها بقيت محلاً للاعتبار. السؤال الثاني: ما محل هاتين الجملتين من الإعراب. أعني {وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا } الجواب: الأولى: في محل النصب على الحال والثانية: لا محل لها لأنها معطوفة على (أهلكناها) وهذا الفعل ليس له محل. قال أبو مسلم: المعنى فكأين من قرية أهلكناها وهي كانت ظالمة وهي الآن خاوية. أما قوله: {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الحسن {مُّعَطَّلَةٍ } من أعطله بمعنى معطلة ومعنى المعطلة أنها عامرة فيها الماء ويمكن الاستقاء منها إلا أنها عطلت أي تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها وفي المشيد قولان: أحدهما: أنه المجصص لأن الجص بالمدينة يسمى الشيد والثاني: أنه المرفوع المطول، والمعنى أنه تعالى بين أن القرية مع تكلف بنائهم لها واغتباطهم بها جعلت لأجل كفرهم بهذا الوصف، وكذلك البئر التي كلفوها وصارت شربهم صارت معطلة بلا شارب ولا وارد، والقصر الذي أحكموه بالجص وطولوه صار ظاهراً خالياً بلا ساكن، وجعل ذلك تعالى عبرة لمن اعتبر وتدبر. وفيه دلالة على أن تفسير على بمع أولى لأن التقدير وهي خاوية مع عروشها ومعلوم أنها إذا كانت كذلك كانت أدخل في الاعتبار وهو كقوله تعالى: { أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ } تفسير : [الصافات: 137]، والله أعلم بالصواب. المسألة الثانية: روى أبو هريرة رضي الله عنه أن هذه البئر نزل عليها صالح مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به، ونجاهم الله تعالى من العذاب وهم بحضرموت، وإنما سميت بذلك لأن صالحاً حين حضرها مات، وثم بلدة عند البئر اسمها حاضوراً بناها قوم صالح، وأمروا عليها حاسر بن جلاس وجعلوا وزيره سنجاريب وأقاموا بها زماناً ثم كفروا وعبدوا صنماً، وأرسل الله تعالى إليهم حنظلة بن صفوان فقتلوه في السوق فأهلكهم الله تعالى، وعطل بئرهم وخرب قصورهم، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري، وهذا عجيب لأني زرت قبر صالح بالشام ببلدة يقال لها عكة فكيف يقال إنه بحضرموت. أما قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } فالمقصود منه ذكر ما يتكامل به ذلك الاعتبار لأن الرؤية لها حظ عظيم في الاعتبار وكذلك استماع الأخبار فيه مدخل، ولكن لا يكمل هذان الأمران إلا بتدبر القلب لأن من عاين وسمع ثم لم يتدبر ولم يعتبر لم ينتفع ألبتة ولو تفكر فيها سمع لانتفع، فلهذا قال: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ } كأنه قال لا عمى في أبصارهم فإنهم يرون بها لكن العمى في قلوبهم حيث لم ينتفعوا بما أبصروه، وههنا سؤالات: السؤال الأول: قوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ } هل يدل على الأمر بالسفر الجواب: يحتمل أنهم ما سافروا فحثهم على السفر ليروا مصارع من أهلكهم الله بكفرهم ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا، ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ورأوا ذلك ولكن لم يعتبروا فجعلوا كأن لم يسافروا ولم يروا. السؤال الثاني: ما معنى الضمير في قوله: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ } والجواب: هذا الضمير ضمير القصة والشأن يجيء مؤنثاً ومذكراً وفي قراءة ابن مسعود {فَإِنَّهُ } ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً يفسره الأبصار. السؤال الثالث: أي فائدة في ذكر الصدور مع أن كل أحد يعلم أن القلب لا يكون إلا في الصدر؟ الجواب: أن المتعارف أن العمى مكانه الحدقة، فلما أريد إثباته للقلب على خلاف المتعارف احتيج إلى زيادة بيان كما تقول: ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك، فقولك الذي بين فكيك تقرير لما ادعيته للسان وتثبيت، لأن محل المضاء هو هو لا غير، وكأنك قلت ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك سهواً، ولكني تعمدته على اليقين. وعندي فيه وجه آخر وهو أن القلب قد يجعل كناية عن الخاطر والتدبر كقوله تعالى: { أية : إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } تفسير : [قۤ: 37] وعند قوم أن محل التفكر هو الدماغ فالله تعالى بين أن محل ذلك هو الصدر. السؤال الرابع: هل تدل الآية على أن العقل هو العلم وعلى أن محل العلم هو القلب؟ الجواب: نعم لأن المقصود من قوله: {قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا } العلم وقوله: {يَعْقِلُونَ بِهَا } كالدلالة على أن القلب آلة لهذا التعقل، فوجب جعل القلب محلاً للتعقل ويسمى الجهل بالعمى لأن الجاهل لكونه متحيراً بشبه الأعمى.
القرطبي
تفسير : هذا تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم وتعزيةٌ؛ أي كان قبلك أنبياء كُذِّبوا فصبروا إلى أن أهلك الله المكذِّبين، فاقتد بهم واصبر. {وَكُذِّبَ مُوسَىٰ} أي كذبه فرعون وقومُه. فأما بنو إسرائيل فما كذبوه، فلهذا لم يعطفه على ما قبله فيكون وقومُ موسى. {فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ} أي أخّرت عنهم العقوبة. {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} فعاقبتهم. {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} استفهام بمعنى التغيير؛ أي فانظر كيف كان تغييري ما كانوا فيه من النعم بالعذاب والهلاك، فكذلك أفعل بالمكذبين من قريش. قال الجوهريّ: النكير والإنكار تغيير المنكر، والمنكر واحد المناكير.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مسلياً لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في تكذيب من خالفه من قومه: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} ــــ إلى أن قال ــــ {وَكُذِّبَ مُوسَىٰ} أي: مع ما جاء به من الآيات البينات والدلائل الواضحات، {فَأمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ} أي: أنظرتهم وأخرتهم، {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}؟ أي: فيكف كان إنكاري عليهم، ومعاقبتي لهم؟! وذكر بعض السلف: أنه كان بين قول فرعون لقومه: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النازعات:24]، وبين إهلاك الله له، أربعون سنة. وفي "الصحيحين" عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته» تفسير : ثم قرأ: {أية : وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} تفسير : [هود: 102] ثم قال تعالى: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا} أي: كم من قرية أهلكتها، {وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ} أي: مكذبة لرسلها، {فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} قال الضحاك: سقوفها، أي: قد خربت وتعطلت حواضرها، {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ} أي: لا يستقى منها، ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} قال عكرمة: يعني: المبيض بالجص، وروي عن علي بن أبي طالب ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبي المليح والضحاك نحو ذلك. وقال آخرون: هو المنيف المرتفع. وقال آخرون: المشيد: المنيع الحصين، وكل هذه الأقوال متقاربة، ولا منافاة بينها، فإنه لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه ولا إحكامه ولا حصانته عن حلول بأس الله بهم؛ كما قال تعالى: {أية : أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} تفسير : [النساء: 78]. وقوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ} أي: بأبدانهم وبفكرهم أيضاً، وذلك كاف؛ كما قال ابن أبي الدنيا في كتاب "التفكر والاعتبار": حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا مالك بن دينار قال: أوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران عليه السلام: أن يا موسى اتخذ نعلين من حديد وعصا، ثم سح في الأرض، ثم اطلب الآثار والعبر، حتى يتخرق النعلان وتنكسر العصا. وقال ابن أبي الدنيا: قال بعض الحكماء: أحي قلبك بالمواعظ، ونوره بالتفكر، وموته بالزهد، وقوّه باليقين، وذَلَّلْهُ بالموت، وقرِّره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الأيام، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره ما أصاب من كان قبله، وسيره في ديارهم وآثارهم، وانظر ما فعلوا، وأين حلوا، وعم انقلبوا، أي: فانظروا ما حل بالأمم المكذبة من النقم والنكال، {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} أي: فيعتبرون بها؛ {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ} أي: ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة، فإنها لا تنفذ إلى العبر، ولا تدري ما الخبر، وما أحسن ما قاله بعض الشعراء في هذا المعنى، وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن سارة الأندلسي الشنتريني، وقد كانت وفاته سنة سبع عشرة وخمسمائة:شعر : يا مَنْ يُصِيْخُ إلى داعي الشَّقاءِ وقَدْ نادى به الناعِيانِ الشَّيْبُ والكِبَرُ إِنْ كُنْتَ لا تَسْمَعُ الذَّكْرى فَفِيم ترَى في رأسك الواعيان السَّمْعُ والبَصَرُ ليسَ الأصَمُّ ولا الأعمى سِوى رجلٍ لم يَهْدهِ الهاديانِ العينُ والأَثَرُ لا الدَّهْرُ يَبْقى ولا الدُّنيا ولا الفَلَكُ الـأ على ولا النَّيِّرانِ الشمسُ والقمرُ لَيَرْحَلَنَّ عنِ الدنيا وإِنْ كَرِها فِراقَها الثاويانِ البَدْوُ والحَضَرُ
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِن يُكَذّبُوكَ } فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ } تأنيث قَوْم باعتبار المعنى {وَعَادٌ } قوم هود {وَثَمُودُ } قوم صالح.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَإِن يُكَذّبُوكَ } إلخ هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزية له متضمنة للوعد له بإهلاك المكذبين له كما أهلك سبحانه المكذبين لمن كان قبله. وفيه إرشاد له صلى الله عليه وسلم إلى الصبر على قومه والاقتداء بمن قبله من الأنبياء في ذلك، وقد تقدّم ذكر هذه الأمم وما كان منهم ومن أنبيائهم وكيف كانت عاقبتهم. وإنما غير النظم في قوله: {وَكُذّبَ مُوسَىٰ } فجاء بالفعل مبنياً للمفعول؛ لأن قوم موسى لم يكذبوه وإنما كذّبه غيرهم من القبط {فَأمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ } أي: أخرت عنهم العقوبة وأمهلتهم والفاء لترتيب الإمهال على التكذيب {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ } أي أخذت كلّ فريق من المكذبين بالعذاب بعد انقضاء مدّة الإمهال {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } هذا الاستفهام للتقرير، أي فانظر كيف كان إنكاري عليهم وتغيير ما كانوا فيه من النعم وإهلاكهم، والنكير اسم من الإنكار. قال الزجاج: أي ثم أخذتهم فأنكرت أبلغ إنكار. قال الجوهري: النكير والإنكار تغيير المنكر. ثم ذكر سبحانه كيف عذّب أهل القرى المكذبة فقال: {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا } أي أهلكنا أهلها، وقد تقدّم الكلام على هذا التركيب في آل عمران، وقرىء: "أهلكتها"، وجملة: {وَهِيَ ظَـٰلِمَةٌ } حالية، وجملة: {فَهِيَ خَاوِيَةٌ } عطف على {أهلكناها}، لا على {ظالمة} لأنها حالية، والعذاب ليس في حال الظلم، والمراد بنسبة الظلم إليها نسبته إلى أهلها. والخواء: بمعنى السقوط فهي ساقطة {عَلَىٰ عُرُوشِهَا } أي على سقوفها، وذلك بسبب تعطل سكانها حتى تهدّمت فسقطت حيطانها فوق سقوفها، وقد تقدّم تفسير هذه الآية في البقرة {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ } معطوف على قرية، والمعنى: وكم من أهل قرية، ومن أهل بئر معطلة، هكذا قال الزجاج. وقال الفراء: إنه معطوف على عروشها. والمراد بالمعطلة: المتروكة، وقيل: الخالية عن أهلها لهلاكهم. وقيل: الغائرة. وقيل معطلة من الدلاء والأرشية، والقصر المشيد هو: المرفوع البنيان، كذا قال قتادة والضحاك، ويدلّ عليه قول عديّ بن زيد:شعر : شاده مرمرا وجلله كِلْـ ساً فللطير في ذراه وكور تفسير : شاده: أي رفعه. وقال سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومجاهد: المراد بالمشيد: المجصص، مأخوذ من الشيد، وهو الجص، ومنه قول الراجز:شعر : لا تحسبني وإن كنت أمرأ غمرا كحية الماء بين الطين والشيد تفسير : وقيل: المشيد: الحصين قاله الكلبيّ. قال الجوهري: المشيد المعمول بالشيد، والشيد: بالكسر: كلّ شيء طليت به الحائط من جصّ أو بلاط، وبالفتح المصدر، تقول: شاده يشيده جصصه، والمشيد بالتشديد: المطوّل. قال الكسائي: [المشِيد] للواحد من قوله تعالى: {وقصر مشيد} والمُشيِّد للجمع، من قوله تعالى: {أية : فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ }تفسير : [النساء: 78] والمعنى المعنيّ: وكم من قصر مشيد معطل مثل البئر المعطلة؟ ومعنى التعطيل في القصر هو: أنه معطل من أهله، أو من آلاته، أو نحو ذلك. قال القرطبي في تفسيره: ويقال: إن هذه البئر والقصر بحضر موت معروفان، فالقصر مشرف على قلة جبل لا يرتقى إليه بحال، والبئر في سفحه لا تقرّ الريح شيئاً سقط فيها إلا أخرجته، وأصحاب القصر ملوك الحضر، وأصحاب البئر ملوك البدو. حكى الثعلبيّ وغيره: أن البئر كان بعدن من اليمن في بلد يقال لها: حضوراء، نزل بها أربعة آلاف ممن آمن بصالح ونجوا من العذاب ومعهم صالح فمات صالح، فسمي المكان حضر موت؛ لأن صالحاً لما حضره مات فبنوا حضوراء وقعدوا على هذه البئر وأمروا عليهم رجلاً، ثم ذكر قصة طويلة، وقال بعد ذلك: وأما القصر المشيد فقصر بناه شدّاد بن عاد بن إرم، لم يبن في الأرض مثله فيما ذكروا وزعموا، وحاله أيضاً كحال هذه البئر المذكورة في إيحاشه بعد الأنس، وإقفاره بعد العمران، وإن أحداً لا يستطيع أن يدنو منه على أميال، لما يسمع فيه من عزيف الجنّ والأصوات المنكرة بعد النعيم والعيش الرغد وبهاء الملك، وانتظام الأهل كالسلك فبادوا وما عادوا، فذكرهم الله سبحانه في هذه الآية موعظة وعبرة. قال: وقيل: إنهم الذين أهلكهم بختنصر على ما تقدّم في سورة الأنبياء في قوله: {أية : وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ } تفسير : [الأنبياء: 11]. فتعطلت بئرهم وخربت قصورهم. انتهى. ثم أنكر سبحانه على أهل مكة عدم اعتبارهم بهذه الآثار قائلاً: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ } حثاً لهم على السفر ليروا مصارع تلك الأمم فيعتبروا، ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ولم يعتبروا، فلهذا أنكر عليهم، كما في قوله: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } تفسير : [الصافات: 137، 138]. ومعنى {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا }: أنهم بسبب ما شاهدوا من العبر تكون لهم قلوب يعقلون بها ما يجب أن يتعقلوه وأسند التعقل إلى القلوب لأنها محل العقل. كما أن الآذان محل السمع. وقيل: إن العقل محله الدماغ ولا مانع من ذلك، فإن القلب هو الذي يبعث على إدراك العقل وإن كان محله خارجاً عنه. وقد اختلف علماء المعقول في محل العقل وماهيته اختلافاً كثيراً لا حاجة إلى التطويل بذكره {أو آذان يسمعون بها} أي ما يجب أن يسمعوه مما تلاه عليهم أنبياؤهم من كلام الله، وما نقله أهل الأخبار إليهم من أخبار الأمم المهلكة {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ } قال الفراء: الهاء عماد يجوز أن يقال: فإنه، وهي قراءة عبد الله بن مسعود، والمعنى واحد، التذكير على الخبر، والتأنيث على الأبصار أو القصة، أي فإن الأبصار لا تعمى، أو فإن القصة {لا تعمي الأبصار} أي أبصار العيون {وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ التي فِي ٱلصُّدُورِ } أي ليس الخلل في مشاعرهم، وإنما هو في عقولهم أي لا تدرك عقولهم مواطن الحق ومواضع الاعتبار. قال الفراء والزجاج: إن قوله {التي في الصدور} من التوكيد الذي تزيده العرب في الكلام كقوله: {أية : عشرة كاملة}تفسير : [البقرة: 196]، {أية : يقولون بأفواههم}تفسير : [المائدة: 41]، {أية : يطير بجناحيه} تفسير : [الأنعام: 38]. ثم حكى سبحانه عن هؤلاء ما كانوا عليه من التكذيب والاستهزاء فقال: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ } لأنهم كانوا منكرين لمجيئه أشدّ إنكار، فاستعجالهم له، هو على طريقة الاستهزاء والسخرية، وكأنهم كانوا يقولون ذلك عند سماعهم لما تقوله الأنبياء عن الله سبحانه من الوعد منه عزّ وجلّ بوقوعه عليهم وحلوله بهم، ولهذا قال: {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } قال الفراء: في هذه الآية وعيد لهم بالعذاب في الدنيا والآخرة. وذكر الزجاج وجهاً آخر فقال: أعلم أن الله لا يفوته شيء، وإن يوماً عنده وألف سنة في قدرته واحد، ولا فرق بين وقوع ما يستعجلون به من العذاب وتأخره في القدرة، إلا أن الله تفضل بالإمهال انتهى. ومحل جملة: {ولن يخلف الله وعده} النصب على الحال، أي والحال أنه لا يخلف وعده أبداً، وقد سبق الوعد فلا بدّ من مجيئه حتماً، أو هي اعتراضية مبينة لما قبلها، وعلى الأوّل تكون جملة: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } مستأنفة، وعلى الثاني تكون معطوفة على الجملة التي قبلها مسوقة لبيان حالهم في الاستعجال، وخطابهم في ذلك ببيان كمال حلمه، لكون المدة القصيرة عنده كالمدة الطويلة عندهم كما في قوله: {أية : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً } تفسير : [المعارج: 6، 7]. قال الفرّاء: هذا وعيد لهم بامتداد عذابهم في الآخرة أي: يوم من أيام عذابهم في الآخرة كألف سنة. وقيل: المعنى: وإن يوماً من الخوف والشدّة في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا فيها خوف وشدة، وكذلك يوم النعيم قياساً. قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: "مما يعدون" بالتحتية، واختار هذه القراءة أبو عبيد لقوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ } وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب، واختارها أبو حاتم. {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَـٰلِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِليَّ ٱلْمَصِيرُ }: هذا إعلام منه سبحانه أنه أخذ قوماً بعد الإملاء والتأخير. قيل: وتكرير هذا مع ذكره قبله للتأكيد، وليس بتكرار في الحقيقة؛ لأن الأوّل سيق لبيان الإهلاك مناسباً لقوله: {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } ولهذا عطف بالفاء بدلاً عن ذلك؛ والثاني: سيق لبيان الإملاء مناسباً لقوله: {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ } فكأنه قيل: وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أمهلتهم حيناً، ثم أخذتهم بالعذاب، ومرجع الكل إلى حكمي. فجملة: {وإليّ المصير} تذييل لتقرير ما قبلها. ثم أمره الله سبحانه أن يخبر الناس بأنه نذير لهم بين يدي الساعة مبين لهم ما نزل إليهم، فمن آمن وعمل صالحاً فاز بالمغفرة والرزق الكريم وهو الجنة، ومن كان على خلاف ذلك فهو في النار، وهم {الذين سعوا في آيات الله معاجزين} يقال: عاجزه: سابقه، لأن كل واحد منهما في طلب إعجاز الآخر، فإذا سبقه قيل: أعجزه وعجزه، قاله الأخفش. وقيل: معنى {معاجزين} ظانين ومقدّرين أن يعجزوا الله سبحانه ويفوتوه فلا يعذبهم، قاله الزجاج؛ وقيل: معاندين، قاله الفرّاء. وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في قوله: {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا } قال: خربة ليس فيها أحد {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ }: عطلها أهلها وتركوها {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } قال: شيدوه وحصنوه فهلكوا وتركوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ } قال: التي تركت لا أهل لها. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } قال: هو المجصص. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن عطاء نحوه أيضاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } قال: من الأيام الستة التي خلق الله فيها السمٰوات والأرض. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة، قال في الآية: هو يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة، فقد مضى منها ستة آلاف. وأخرج ابن عدّي والديلمي عن أنس مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {مُعَـٰجِزِينَ } قال: مراغمين. وأخرج ابن جرير عنه أنه قال: مشاقين.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ} فيها ثلاثة أوجه: أحدها: يعني خالية من أهلها لهلاكها. والثاني: غائرة الماء. والثالث: معطلة من دلالتها وأرشيتها. {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن المشيد الحصين وهو قول الكلبي، ومنه قول امرىء القيس: شعر : وتيماء لم يترك بها جذع نخلةٍ ولا أطماً إلا مشيراً بجندل تفسير : والثاني: أن المشيد الرفيع، وهو قول قتادة، ومنه قول عدي بن زيد: شعر : شاده مرمراً وجلله كلـــ ســاً فللطير في ذراه وُكورُ تفسير : والثالث: أن المشيد المجصص، والشيد الجص، وهو قول عكرمة ومجاهد ومنه قول الطرماح: شعر : كحية الماء بين الطين والشيد تفسير : وفي الكلام مضمر محذوف وتقديره: وقصر مشيد مثلها معطل، وقيل إن القصر والبئر بحضرموت من أرض اليمن معروفان، وقصرِ مشرف على قلة جبل ولا يرتقى إليه بحال، والبئر في سفحه لا تقر الريح شيئاً سقط فيها إلا أخرجته، وأصحاب القصور ملوك الحضر، وأصحاب الآبار ملوك البوادي، أي فأهلكنا هؤلاء وهؤلاء. قوله عز وجل: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} هذا يدل على أمرين: على أن العقل علم، ويدل على أن محله القلب. وفي قوله: {يَعْقِلُونَ بِهَا} وجهان: أحدهما: يعملون بها، لأن الأعين تبصر والقلوب تصير. {أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} أي يفقهون بها ما سمعوه من أخبار القرون السالفة. {فَإنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدورِ} يحتمل عندي وجهين: أحدهما: أنها لا تعمى الأبصار عن الهدى ولكن تعمى القلوب عن الاهتداء. والثاني: فإنها لا تعمى الأبصار عن الاعتبار ولكن تعمى القلوب عن الادّكار. قال مجاهد: لكل إنسان أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه، وعينان في قلبه لآخرته، فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه لم يضره عماه شيئاً، وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه لم ينفعه نظره شيئاً. قال قتادة: نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم الأعمى وهو عبد الله بن زائدة.
النسفي
تفسير : {وَإِن يُكَذّبُوكَ } هذه تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم من تكذيب أهل مكة إياه أي لست بأوحدي في التكذيب {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ } قبل قومك {قَوْمُ نُوحٍ } نوحاً {وَعَادٌ } هوداً {وَثَمُودُ } صالحاً {وَقَوْمِ إِبْرٰهِيمَ } إبراهيم {وَقَوْمُ لُوطٍ } لوطاً {وِأَصْحَـٰبِ مَدْيَنَ } شعيباً {وَكُذّبَ مُوسَىٰ } كذبه فرعون والقبط ولم يقل وقوم موسى لأن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل وإنما كذبه غير قومه، أو كأنه قيل بعدما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم وكذب موسى أيضاً مع وضوح آياته وظهور معجزاته فما ظنك بغيره! {فَأمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ } أمهلتهم وأخرت عقوبتهم {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ } عاقبتهم على كفرهم {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } إنكاري وتغييري حيث أبدلتهم بالنعم نقماً وبالحياة هلاكاً وبالعمارة خراباً. {نكيري} بالياء في الوصل والوقف: يعقوب {فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا } {أهلكتها} بصري {وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ } حال أي وأهلها مشركون {فَهِىَ خَاوِيَةٌ } ساقطة من خوى النجم إذا سقط {عَلَىٰ عُرُوشِهَا } يتعلق بـ {خاوية} والمعنى أنها ساقطة على سقوفها أي خرت سقوفها على الأرض ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف، ولا محل لـ {فهي خاوية} من الإعراب لأنها معطوفة على {أهلكناها} وهذا الفعل ليس له محل، وهذا إذا جعلنا {كأين} منصوب المحل على تقدير كثيراً من القرى أهلكناها { وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ } أي متروكة لفقد دلوها ورشائها وفقد تفقدها، أو هي عامرة فيها الماء ومعها آلات الاستقاء إلا أنها عطلت أي تركت لا يستقي منها لهلاك أهلها {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } مجصص من الشيد الجص أو مرفوع البنيان من شاد البناء رفعه، والمعنى كم قرية أهلكناها وكم بئر عطلناها عن سقاتها وقصر مشيد أخليناه عن ساكنيه أي أهلكنا البادية والحاضرة جميعاً فخلت القصور عن أربابها والآبار عن واردها والأظهر أن البئر والقصر على العموم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراآت: {نكيري} بإثبات الياء حيث كان في الحالين: يعقوب. وافق ورش وسهل وعباس في الوصل. {أهلكتها} على التوحيد: أبو عمرو وسهل ويعقوب الآخرون {أهلكناها} {وبير} بالياء: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعمش وورش وربيعة وابن فليح وحمزة في الوقف. {يعدون} على الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف {معجزين} بالتشديد: حيث كان: ابن كثير وأبو عمرو. ثم {قتلوا} بالتشديد ابن عامر {وأن ما يدعون} بياء الغيبة وكذلك في سورة لقمان: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وحفص. الوقوف: {وثمود} ه {ولوط} ه {مدين} ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى {أخذتهم} ج لابتداء التهديد مع فاء التعقيب {نكير} ه {مشيد} ه {يسمعون بها} ه للابتداء بأن مع الفاء {الصدور} ه {وعده} ط {تعدون} ه {أخذتها} ط {المصير} ه {مبين} ه ج للابتداء مع الفاء {كريم} ه {الجحيم} ه {أمنيته} ج لانقطاع النظم مع إتحاد المعنى {آياته} ط {حكيم} ه لا لتعلق اللام {قلوبهم} ط {بعيد} ه لا {قلوبهم} ط {مستقيم} ه {عقيم} ه {لله} ط {بينهم} ط {النعيم} ه {مهين} ه {حسناً} ط {الرازقين} ه {يرضونه} ط {حليم} ه {ذلك} ج {لينصرنه الله} ط {غفور} ه {بصير} ه {الكبير} ه {ماء} ز لنوع عدول مع العطف {مخضرة} ط {خبير} ه {وما في الأرض} ط {الحميد} ه. التفسير: إنه سبحانه بعد ضمان النصر لنبيه صلى الله عليه وسلم والدفع عن أمته ذكر ما فيه تسليته وهو أنه ليس بأوحدي في التكذيب له والقصص معلومة مما سلف. قال جار لله. إنما لم يقل "وقوم موسى" لأن موسى كذبه غير بني إسرائيل وهم القبط، أو المراد وكذب موسى أيضاً مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره؟ والنكير بمعنى الإنكار عبر به عن الهلاك المعجل لأنه يستلزمه أو لأن الهلاك رادع لغيرهم فكأنه أنكر به عليهم حتى ارتدعوا، أو هو بمعنى التغيير لأنه أبدلهم بالنعمة محنة وبالحياة هلاكاً وبالعمارة خراباً. قوله {وهي ظالمة فهي خاوية} الأولى في محل النصب على أنها حال، والثانية لا محل لها لأنها معطوفة على {أهلكناها} وهذه ليس لها محل. قال أبو مسلم: اراد هي كانت ظالمة فهي الآن خاوية على عروشها وقد مر تفسيرها في البقرة في قوله {أية : أو كالذي مر على قرية وهي خاوية}تفسير : [البقرة: 259] قوله {وبئر معطلة} عطف على {قرية} أي وكم بئر عطلناها عن سقائها مع أنها عامرة فيها الماء ومعها آلات الاستقاء، وكم قصر مشيد مجصص أو مرتفع أخليناه عن ساكنيه؟ فحذف هذه الجملة لدلالة معطلة عليها. وقد يغلب على لاظن من هاتين القرينتين أن "على" في قوله {على عروشها} بمعنى "مع" كأنه قيل: هي خاوية أي ساقطة أو خالية مع بقاء عروشها قاله في الكشاف. وأقول: إذا كانت القرى المهلكة غير البئر والقصر فهذا الظن مرجوح أو مساوٍ لا غالب. يروى أنها بئر نزل عليها صالح مع اربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم وسميت بلدة عند البئر اسمها حاضوراء بناها قوم صالح واقاموا بها زماناً ثم كفروا وعبدوا صنماً وأرسل الله إليهم حنظلة بن صفوان نبياً فقتلوه فأهلكهم الله وعطل بئرهم وخرب قصورهم. يحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري قال: هذا عجيب لأني زرت قبر صالح بالشام ببلدة يقال لها عكة فكيف قيل: إنه بحضرموت؟ قلت: لا غرو أن يتفق الموت بأرض والدفن بأرض أخرى. ثم أنكر على أهل مكة عدم اعتبارهم بهذه الاثار قائلاً {أفلم يسيروا} حثهم على السفر ليروا مصارع تلك الأمم فيعتبروا. ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ولم يعتبروا فلهذا جاء الإنكار كقوله {أية : وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون}تفسير : [الصافات: 137 - 138] والمراد بالسماع سماع تدبر وانتفاع وإلا كان كلا سماع كما أن المراد بالإبصار إبصار الاعتبار ولهذا قال {فإنها} أي إن القصة {لا تعمى الأبصار} أي أبصارهم {ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} وفي هذا التصوير زيادة التمكين والتقرير لغرابة نسبة العمى إلى القلب، وجوز في الكشاف أن يكون الضمير في {فإنها} ضميراً مبهماً يفسره الأبصار وفاعل {تعمى} ضمير عائد إلى الضمير الأول المبهم. والمعنى على الوجهين أن أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها وإنما العمى بقلوبهم، أو لا تعتدوا بعمى الأبصار وإن فرض لأنه ليس بعمى بالإضافة إلى عمى القلوب. وزعم بعضهم أن في الآية إبطالاً لقول من جعل محل الكفر الدماغ وليس بقوي فقد يتشاركان في ذلك، أو يكون سلطانه في القلب والدماغ كالآلة. ثم حكى من عظيم ما هم عليه من التكذيب أنهم يستهزؤن باستعجال العذاب العاجل والآجل كأنهم جوزوا الفوت فلهذا قال {ولن يخلف الله وعده} أو لعلهم طلبوا عذاب الآخرة فذكر أن استعجاله في الدنيا كالخلف لأن موعده الآخرة {وإن يوماً عند ربك كألف سنة} قال أبو مسلم: أراد أن العاقل لا ينبغي أن يستعجل عذاب الآخرة لأن يوماً واحداً من أيام عذاب الله في الشدة كألف سنة من سنينكم لأن أيام الشدائد مستطالة، أو كالف سنة من سني العذاب إذا عدها العاد وذلك لشدة العذاب ايضاً. وقيل: أراد أن اليوم الواحد وألف سنة بالنسبة إليه على السواء لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء، فإذا لم يستبعدوا إمهال يوم فلا يستبعدوا أيضاً إمهال ألف سنة. وقد يدور في الخلد أن هذا إشارة إلى لا تناهي طرف الأبد المستتبع لازدياد امتداد الآحاد الاعتبارية لأجل سهولة الضبط، والغرض أن من كانت أيامه في الطول إلى هذا الحد لا يفيد الاستعجال بالنسبة إليه شيئاً فالأولى بل الواجب تفويض الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها من غير تقدم ولا تأخر ثم كرر قوله {وكأين من قرية} وليس بتكرار في الحقيقة لأن الأول سيق لبيان الإهلاك مناسباً لقوله {فكيف كان نكير} ولهذا عطف بالفاء بدلاً عتن ذلك، والثاني سيق لبيان الإملاء مناسباً لقوله {ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة} فكأنه قيل: وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حيناً ثم أخذتهم بالعذاب والمرجع للكل إلى حكمي. ثم أمر رسوله بأن يتلو عليهم جملة حاله في الرسالة وهي أنه نذير مبين وجملة حالهم في باب التكليف مآلا، وإنما اقتصر على النذارة لأنها تتضمن البشارة فإن كلام الحيكم لا يخلو عن ترغيب وإن كان مبنياً على الترهيب بدليل {يا ايها الناس} وهو نداء الكفرة في قول ابن عباس. قال في الكشاف: هم الذين قيل فيهم {أفلم يسيروا} ووصفوا بالاستعجال، وإنما أقحم المؤمنون وثوابهم ليغاظوا. قالت الأشاعرة: المغفرة إما للصغائر أو للكبائر بعد التوبة أو قبلها. والأولان واجبان عند الخصم وأداء الواجب لا يسمى غفراناً فبقي الثالث ويلزم منه عفو صاحب الكبيرة من أهل القبلة، أما الرزق فلا شك أنه الثواب، وأما الكريم فإما أن يكون أمراً سلبياً وهو أن يكون الإنسان معه بحيث يستغنى عن المكاسب وتحمل المتاعب والذل والدناءة وما ينجر إلى المآثم والمظالم، وإما أن يكون ثبوتياً وهو أن يكون رزقاً كثيراً دائماً خالصاً عن شوائب الضرر مقروناً بالتعظيم والإجلال {والذين سعوا في آياتنا} أي بذلوا جهدهم في تكذيبها وإرادة إبطالها كمن يسعى سعياً أي يمشي سريعاً. قال أهل اللغة: عاجزه سابقه لأن كل واحد منهما في طلب إعجاز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل أعجزه وعجزه. والمراد معاجزين الله ورسوله أي مقدرين ذلك ظنا منهم أن كيدهم للإسلام يتم لهم، وأن طعنهم في القرآن وتثبيطهم الناس عن التصديق يبلغ بهم غرضهم. ثم بين أن له أسوة بالأنبياء السالفة والرسل السابقة في كل ما يأتي ويذر فقال {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} خصص أولاً ثم عمم، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، فقد لا يكون معه كتاب بل يؤمر بأن يدعو إلى شريعة من قبله، وقد لا ينزل عليه الملك ظاهراً وإنما يرى الوحي في المنام أو يخبره بذلك رسول في عصره، ولا بد للكل من المعجزة. حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الأنبياء فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً قيل: فكم الرسل منهم؟ قال: ثلثمائة وثلاثة عشر جماً غفيراًتفسير : . قال عامة المفسرين في سبب نزول الآية: أنه صلى الله عليه وسلم لما شق عليه إعراض قومه عنه تمنى في نفسه أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه لحرصه على إيمانهم. وكان ذات يوم جالساً في نادٍ من أنديتهم وقد نزل عليه سورة {أية : والنجم إذا هوى}تفسير : [النجم: 1] فأخذ يقرؤها عليهم حتى بلغ قوله {أية : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى}تفسير : [النجم: 19 - 20] وكان ذلك التمني في نفسه فجرى على لسانه "تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى" فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته حتى ختم السورة، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي من المسلمين والمشركين، فتفرقت قريش مسرورين وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فأتاه جبرائيل وقال: ما صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاف خوفاً شديداً فأنزل الله تعالى هذه الآية. واعترض المحققون على هذه الرواية بالقرآن والسنة وبالمعقول. أما القرآن فكقوله {أية : ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين}تفسير : [الحاقة: 44 - 46] وقوله {أية : وما ينطق عن الهوى}تفسير : [النجم: 3] وقوله {أية : ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن}تفسير : [الإسراء: 74] نفى القرب من الركون فكيف به؟ وأما السنة فهي ما روي عن ابن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا وضع من الزنادقة، وقد صنف فيه كتاباً وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي. هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم. وقد روى البخاري في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون الإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق. وأما المعقول فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث لنفي الأوثان فكيف يثبتها؟ وأيضاً إنه بمكة لم يتمكن من القراءة والصلاة عند الكعبة ولا سيما في محفل غاص. وايضاً إن معاداتهم إياه كانت أكثر من أن يغتروا بهذا القدر فيخروا سجداً قبل أن يقفوا على حقيقة الأمر. وأيضاً منع الشيطان من اصله أولى من تمكنه من الإلقاء ثم نسخه. وايضاً لوجوزنا ذلك لارتفع الأمان من الشرع، ولناقض قوله {أية : بلغ ما أنزل إليك}تفسير : [المائدة: 67] وحال الزيادة في الوحي كحال النقصان منه. إذا عرفت هذا فللأئمة في تأويل الآية قولان: الأول أن التمني بمعنى القراءة كما سلف في البقرة في قوله {أية : ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني}تفسير : [الآية: 78] وما المراد بهذه القراءة فيه وجهان: أحدهما أنه يجوز أن يسهو النبي فيه ويشتبه على القارئ دون ما رووه من قوله "تلك الغرانيق العلى". وثانيهما أنه قراءة هذه الكلمة وإنها قد وقعت بعينها. وكيف وقعت؟ ذهبت جماعة إلى أنه لما قرأ سورة والنجم اشتبه على الكفار فتوهموا بعض ألفاظه ذلك، وزيف بأن هذا التوهم من الجم الغفير بعيد. وقيل: إن شيطان الجن ألقاها في البين فظنها الحاضرون من قول الرسول. وضعف بأن هذا يفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل ما يتكلم به النبي. قلت: الإنصاف أنه غير ضعيف ولا يفضي إلى ارتفاع الوثوق لقوله سبحانه {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} وقيل: إن المتكلم به شيطان الإنس وهم الكفرة كانوا يقربون منه في حال صلاته ويسمعون قراءته ويلقون فيها في إثناء وقفاته. وقيل: إن المتكلم به الرسول قاله سهواً كما روي عن قتادة ومقاتل أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند المقام فنعس وجرى على لسانه هاتان الكلمتان، ولا ريب أنه يكون بإلقاء الشيطان. وضعف باستلزامه زوال الأمان عن الشرع وقد عرفت جوابه، وبأن مثل هذا الكلام المطابق لفواصل السورة يستبعد وقوعها في النعاس. وزعم قوم أن الشيطان أجبره على ذلك ورد بنحو قوله تعالى {أية : إِنه ليس له سلطان على الذين آمنوا}تفسير : [النحل: 99] وذهب جماعة إلى أنه قال ذلك اختياراً. ثم إنها باطلة أم لا فيه وجهان: أما اول ففيه طريقان: أحدهما قول ابن عباس في رواية أن "شيطاناً" يقال له الأبيض أتاه على صورة جبريل وألقاها إليه فقرأها فلما سمع المشركون ذلك أعجبهم فجاء جبريل واستعرضه فقرأها، فلما بلغ إلى تلك الكلمة أنكر عليه جبريل فقال: إنه أتاني آتٍ على صورتك فألقاها على لساني. وثانيهما أنه لشدة حرصه على إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من تلقاء نفسه ثم رجع عنها. والطريقان منحرفان عند المحققين، لأن الأول يقتضي أن النبي لا يفرق بين الملك والمعصوم والشيطان الخبيث. والثاني أنه يؤدي إلى كونه خائناً في الوحي. وأما الوجه الثاني فتصحيحه أنه اراد بالغرانيق الملائكة، وقد كان قرآناً منزلاً في وصف الملائكة فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ الله تلاوته. أو هو في تقدير الاستفهام بمعنى الإنكار، أو المراد بالإِثبات ههنا النفي كقوله {أية : يبين الله لكم أن تضلوا}تفسير : [النساء: 176] قال الجوهري: الغرنيق بضم الغين وفتح النون من طير الماء طويل العنق، وإذا وصف به الرجال فواحدهم غرنيق وغرنوق بكسر الغين وفتح النون، وغرنوق وغرانق بالضم وهو الشاب السيد والجمع غرانق بالفتح والغرانيق. القول الثاني أن التمني هو تمني القلب ومعنى الآية ما من نبي إلا وهو بحيث إذا تمنى أمراً من الأمور وسوس الشيطان إليه بالباطل ويدعوه إلى مالا ينبغي، ثم إن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ما هو الحق. وما تلك الوسوسة؟ قيل: هي أن يتمنى ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر آلهتهم بالخير وقد مر فساده. وقال مجاهد: إنه كان يتمنى إنزال الوحي بسرعة دون تأخير فعرفه الله تعالى أن ذلك خاطر غير رحماني، وإنما المصلحة هي إنزال الوحي على وفق الحوادث. وقيل: كان يتفكر في تأويل المجمل فيلقي الشيطان إلى جملته ما هو غير مراد، وكان رد الله سبحانه إلى المعنى المراد بإنزال المحكمات. وقيل: معناه إذا أراد فعلاً يتقرب به إلى الله حال الشيطان بينه وبين مقصوده والله تعالى يثبته على ذلك نظيره {أية : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}تفسير : [الأعراف: 201] {أية : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله}تفسير : [الأعراف: 200] واعترض على هذا القول بأن تمني القلب كيف يكون فتنة للذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون، وللقاسية قلوبهم وهم المشركون؟ وأجيب بأنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر به فحصل السهو في الأفعال الظاهرة بسبه فيصير ذلك فتنة لمن ضعفت عقيدته في النبي. والحاصل أن الرسل لا ينفكون عن السهو وإن كانوا معصومين عن العمد فعليهم أن لا يتبعوا إلا ما يقطعون به لصدوره عن علم وذلك هو المحكم. وذهب أبو مسلم إلى أن حاصل الآية هو أن كل نبي من جنس البشر الذين هم بصدد الخطأ والنسيان من قبل وساوس الشيطان. ووجه النظم بين هذه الآية والتي قبلها أنه أمر بأن يقول إني لكم نذير لكني من البشر لا من الملائكة ولم يرسل الله قبلي ملكاً بل أرسل رجالا يوسوس الشيطان إليهم، وعلى هذا فالملائكة لعدم إمكان استيلاء الشيطان عليهم أعظم درجة من الأنبياء وأقوى حالاً منهم. وقال صاحب الكشاف: المعنى أن الرسل والأنبياء من قبلك كانت هجيراهم كذلك إذا تمنوا مثل ما تمنيت وهو أن لا ينزل ما ينفر أمتة ولا يوافق هواهم، مكن الله الشيطان ليلقي في أمانيهم مثل ما ألقي في أمنيتك حتى سبق لسانك. فقلت "تلك الغرانيق" الخ. وسبب التمكين إرادة امتحان من حولهم والله سبحانه له أن يمتحن عباده بما شاء من صنوف المحن وأنواع الفتن ليضاعف ثواب الثابتين ويزيد في عقاب المذبذبين. فهذه جملة أقوال المفسرين في الآية. وأما قوله {فينسخ الله} فالمراد إزالة تأثير ما يلقي الشيطان وهو النسخ اللغوي لا النسخ الشرعي المستعمل في الأحكام وقوله {ثم يحكم الله آياته} فالمراد بالآيات هي آيات القرآن أي يجعلها بحيث لا يختلط بها شيء من كلام غيره فتكون ثابتة في مظانها، أو يجعلها بحيث لا يتطرق إليها تأويل فاسد معمول به عند الأمة. ويحتمل أن يكون المراد بأحكام الآيات الإرشاد إلى أدلة الأحكام الشرعية. وقوله {وإن الظالمين} أراد المنافقين والمشركين المذكورين إلا أنه وضع الظاهر موضع الضمير قضاء عليهم بالظلم والشقاق البعيد والمعاداة الكاملة. وأعلم أنه سبحانه ذكر لتمكين الشيطان من الإلقاء في الأمنية أثرين: أحدهما في حق غير أهل الإيمان وهم أهل النفاق والشرك وذلك قوله {وليجعل} الآية. وثانيهما في حق المؤمنين العارفين بالله وصفاته وهو قوله {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق} قال مقاتل: يعني القرآن. وعن الكلبي: أي النسخ. قال جار الله: أي تمكين الشيطان من الإلقاء قلت: أما عند الأشاعرة فلأن المالك له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، وأما عند المعتزلة فلأن أفعاله جارية على وفق الحكمة والتدبير. {فتخبت} تخضع وتطمئن {له قلوبهم} بناء على أصلي الفريقين. والصراط المستقيم ههنا فسروه بالتأويلات الصحيحة والبيانات المطابقة للأصول. قلت: وتفسيره بمعنى أعم من ذلك غير ضائر. ثم بين أن الأعصار إلى قيام الساعة لا تخلو ممن يكون في شك من القرآن والرسول واليوم العقيم. قيل: يوم بدر لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه، أو لأنه لا خير فيه للكفار من قولهم "ريح عقيم" إذا لم تنشئ مطراً ولم تلقح شجراً، أو لأن يوم الحرب يقال له "العقيم" من حيث أن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرون كأنهن عقم لم يلدن، أو من حيث إن المقاتلين يقال لهم "أبناء الحرب" فإذا قتلوا بقي الحرب بلا أبناء. وعن الضحاك أنه يوم القيامة لأنهم لا يرون فيه خيراً، أو لأن كل ذات حمل تضع فيه حملها، أو لأنه لا ليل فيه فيستمر كاستمرار المرأة على عدم الولادة. ولا تكرار على هذا القول لأن المراد بالساعة مقدماته، أو المراد حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذابها، فوضع يوم عقيم مقام الضمير. واستحسن بعض الأئمة قول الضحاك ورجحه لأن الأول يلزم منه أن الكفار ينتهي شكهم في يوم بدر وليس كذلك فإنهم في مرية بعد يوم بدر أيضاً. ويمكن أن يقال: "أو" للعطف على أول الآية فيكون المراد بالذين كفروا في الأول الجنس، وفي الثاني العهد. سلمنا أنه للعطف على {تأتيهم} إلا أن اللام في {الذين كفروا} للجنس فيقع على الذين ما انتهى شكهم إلى يوم القيامة ويحتمل أن يراد بالساعة وقت موت كل واحد وبعذاب يوم عقيم القيامة. ثم بين أنه لا مالك يوم تأتي الساعة إلا الله وأنه يحكم بين الناس فيميز بين أهل الجنة وأهل النار. ثم أفرد المهاجرين بالذكر تخصيصاً لهم بمزيد التشريف. يروى أن طوائف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله، هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك؟ فأنزل الله عز وجل {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا} قال بعض المفسرين هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة. وقال بعضهم: هم الذين خرجوا من الأوطان في سرية أو عسكر. ولا يبعد حمل الآية على الفريقين. والرزق الحسن نعيم الجنة. وعن الكلبي: هو الغنيمة لأنها حلال. وقال الأصم: العلم والفهم كقول شعيب {أية : ورزقني منه رزقاً حسناً}تفسير : [هود: 88] وضعف الوجهان بأنهما ممتنعان بعد القتل أو الموت. قال العلماء: وإنما تظهر هذه الفضيلة للمهاجرين في مزيد الدرجات وإلا فلا بد من شرط اجتناب الكبائر كما في حق غيرهم. {وإن الله لهو خير الرازقين} لأن رزق غيره ينتهي إليه وغيره لا يقدر على مثل رزقه، ولأن رزقه لا يختلط بالمن والأذى ولا بغرض من الأغراض الفاسدة، ولأنه يرزق ويعطي ما به يتم الانتفاع بالرزق من القوى والحواس وغير ذلك من الشرائط الوجودية والعدمية. قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن غير الله يقدر على الفعل وهو الرزق. ويمكن أن يجاب بأنه مجاز أو على سبيل الفرض والتقدير. وليس في الآية دليل ظاهر على أن المهاجر المقتول والمهاجر الميت على فراشه هل يستويان في الأجر أم لا بل المعلوم منها هو الجمع بينهما في الوعد. وقد يستدل على التسوية بما روي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : المقتول في سبيل الله والمتوفي في سبيل الله بغير قتل هما في الأجر شريكان"تفسير : فإن لفظ الشركة مشعر بالتسوية. وحين بين رزقهم شرع في ذكر مسكنهم. قيل: في المدخل الذي يرضونه خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم، لها سبعون ألف صراع. وقال أبو القاسم القشيري: هو أن يدخلهم الجنة من غير مكروه تقدم. وقال ابن عباس: يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيرضونه ولا يبغون عنها حولاً {وإن الله لعليم} بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم {حليم} عن تفريط المفرط منهم فيمهله حتى يتوب فيدخل الجنة. ثم بين أنه مع إكرامه لهم في الآخرة لا يدع نصرهم في الدنيا قبل أن يقتلوا أو يموتوا فقال {ذلك} قال الزجاج: أي الأمر ما قصصنا عليكم من إنجاز الوعد للمهاجرين خاصةً إذا قتلوا أو ماتوا. عن مقاتل: أن قوماً من المشركين لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فقالوا: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر فأبوا وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم وثبت لهم المسلمون فنصروا، فوقع في أنفس المسلمين شيء من القتال في الشهر الحرام فنزل {ومن عاقب} أي قاتل {بمثل ما عوقب به} أي كما ابتدئ بقتاله سمى الابتداء باسم الجزاء للطباق وللمبلابسة من حيث إن ذلك سبب وهذا مسبب عنه {ثم بغي عليه} أي ثم كان المجازي مبغياً عليه أي مظلوماً. ومعنى "ثم" تفاوت الرتبة لأن كونه مبدوأ بالقتال معه نوع ظلم كما قيل "البادي أظلم" وهو موجب لتنصرته ظاهراً إلا أن كونه في نفس الأمر مظلوماً هو السبب الأصلي في النصرة. وعن الضحاك أن الآية مدنية وهي في القصاص والجراحات. واستدل الشافعي بها في وجوب رعاية المماثلة في القصاص فقال: من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه. وفي ختم الآية بذكر العفو والمغفرة وجوه منها: أن المندوب للمجني عليه هو أن يعفو عن الجاني كقوله {أية : فمن عفا وأصلح فأجره على الله}تفسير : [الشورى: 40] وكأنه قال: أنا ضامن لنصرته إن ترك الانتقام وطلب إكثار ما هو أولى به فإِني عفوّ غفور. ومنها أنه ضمن النصر على الباغي ولوح بذكر هاتين الصفتين بما هو أولى بالمجني عليه وهو العفو والصفح. ومنها أن دل بذكرهما على أنه قادر على العقوبة لأن العفو عند المقدرة. ثم بين أن ذلك النصر بسبب أنه قادر ومن كمال قدرته إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وذلك أن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر، أو أراد تحصيل أحد العرضين الظلام والضياء في مكان الآخر وقد مر في أوائل آل عمران. وفيه أن خالق الليل والنهار ومصرف الأدوار والأكوار لا يخفى عليه شيء من الزمانيات خيراً أو شراً إنصافاً أو بغياً وأكد هذا المعنى بقوله {إن الله سميع بصير} يسمع أقوال الخلائق ويبصر أفعالهم. ثم بين أن كمال القدرة والعلم هو يقتضي وجوب الوجود فقال {ذلك} أي الوصف بخلق الملوين وبالإحاطة بما يجري فيهما بسبب أن الحقية منحصرة في ذاته وأن وجود غيره ولا سيما الأوثان موسوم بالبطلان فلا نقص كالإمكان. ويعلم مما ذكر أنه لا شيء أعلى منه شاناً وأكبر سلطاناً. وإنما قال ههنا {من دونه هو الباطل} بزيادة هو وفي "لقمان" {أية : من دونه الباطل}تفسير : [لقمان: 30] لأن هذا وقع بين عشر آيات كل آية مؤكدة مرة أو مرتين ولهذا أيضاً زيدت اللام في قوله {وإن الله لهو الغني الحميد} بخلاف ما في "لقمان" وأيضاً يمكن أن يقال: تقدم في هذه السورة ذكر الشيطان فلهذا ذكرت هذه المؤكدات بخلاف "لقمان" فإنه لم يتقدم ذكر الشيطان هناك بنحو ما ذكر ههنا. ثم ذكر أنواعاً أخر من دلائل قدرته ونعمته فقال {الم تر} قيل: هي رؤية البصر لأن نزول الماء من جهة السماء أو اخضرار النبات من المبصرات. وقيل: بمعنى العلم لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم لم يعتد بها. وفي قوله {فتصبح} دون أن يقول فأصبحت مناسباً لـ {أنزل} إشارة إلى بقاء أثر المطر زماناً طويلاً وإن كان ابتداء الإصباح عقيب النزول نظيره قول القائل: "أنعم فلان عليّ عام كذا فأروح وأغدو شاكراً له". ولو قال: "فرحت وغدوت" لم يقع ذلك الموقع. وإنما لم ينصب {فتصبح} جواباً للاستفهام لإيهام عكس ما هو المقصود لأنه يوهم نفي الاخضرار كما لو قلت لصاحبك: الم تراني أنعمت عليك فتشكر. إن نصبته أو همت أنك نافٍ لشكره شاكٍ تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت لشكره بطريق الاستمرار ولا يبعد أن تكون هذه الآية إشارة إلى دليل الإعادة كما في أول السورة وهذا قول أبي مسلم: {إن الله لطيف خبير} قال الكلبي: لطيف في أفعاله خبير بأعمال خلقه، وقال مقاتل: لطيف باستخراج النبت خبير بكيفية خلقه. وقال ابن عباس: لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط وقد مر مثل هذه في أواسط "الأنعام". ثم بين أن كل ما في السموات والأرض ملكه وملكه لاي متنع شيء منها من تصرفاته، وهو غني عن كل ذلك وإنما خلقها لحاجة المكلفين إليها ومن جملتها المطر والنبات خلقها رحمة للحيوانات وإنعاماً عليها. وإذا كان إنعامه خالياً عن غرض عائد إليه كان مستحقاً للحمد بل هو حميد في ذاته وإن لم يحمده الحامدون. التأويل: {وكأين من قرية} قالب {أهلكناها} بضيق الصدر وسوء الخلق واستيلاء الغفلة. {وبئر معطلة} هي القلب الفارغ عن أعمال القوى الروحانية في طلب المعارف والحقائق {وقصر مشيد} وهو الرأس الخالي عن نتائج الفكر الصافي والحواس السليمة {أفلم يسيروا} في أرض البشرية عابرين على منازل السالكين إلى أن يصلوا إلى مقام القلب {فتكون لهم قلوب يعقلون بها} الرحمن بذاته {أو آذان} قلوب {يسمعون بها} أقواله أو أبصار بصائر يبصرون بها أفعاله. وإذا صح وصف القلب بالسمع والبصر صح وصفه بسائر وجوه الإدراكات، فقد يدرك نسيم الإقبال بمشام السر كقوله "إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن" وكقول يعقوب {أية : إني لأجد ريح يوسف}تفسير : [يوسف: 94] {ولن يخلف الله وعده} ليس خلفه في وعيد المؤمنين بخلف في الحقيقة لأنه تصديق قوله "حديث : سبقت رحمتي غضبي"تفسير : {وإن يوماً عند ربك كألف سنة} قيل: لأنه موجد الزمان وليس عنده صباح ولا مساء فوجود الزمان وعدمه وكثرته وقلته سواء عنده والاستعجال وضده إنما يتصور في المتزمنات قلت: ففيه أن الكل بإرادته وإن ما أراد الله فأسبابه متهيئة يحصل في يوم بإرادته مالا يحصل في ألف سنة بحسب فرضنا وتقديرنا ومن هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين {أمليت لها} فيه انه تعالى يمهل ولنه لا يهمل {لهم مغفرة} أي ستر فمنهم من يستر زلته، ومنهم من يستر عليه أعماله الصالحة صيانة له عن الملاحظة، ومنهم من يستر عليه حاله لئلا يصيبه من الشهوة فتنة كما قيل: شعر : لا تنكرن جحدي هواك فإنما ذاك الجحود عليك ستر مسبل تفسير : ومنهم من يستره بين أوليائه في باب العزة كما قال "حديث : أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري"تفسير : ومنهم من يستر أنانيته بهويته فيقول أنا الحق وسبحاني. والرزق الكريم هو الخالي عن شوائب الحدوث لأنه من القديم الكريم {إلا إذا تمنى} فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بل الولي لا يليق به التمني بل ما على الرسول إلا البلاغ ولا على الولي إلا الرضا والتسليم، فلو بقي في أحدهم أدنى ملاحظة لغير الله كالحرص على إيمان القوم فوق ما أمر به ابتلاه ببلاء مجال الشيطان في أمنيته بقول أو بعمل، فتدركه العناية الأولية ويزيل الخاطر الشيطاني ويثبته على الخاطر الرحماني، ولا يكون لدخان الفتنة تاثير في نور يقينه كما لا تأثير للضباب في شعاع الشمس بخلاف من في قلبه ظلم الشبهات فإن ذلك الدخان يزيدها كدورة وريناً حتى تأتيه ساعة سلب الاستعداد بالكلية، {أو يأتيهم عذاب يوم عقيم} هو الأبد لأنه لا ليل له وهو عذاب قطيعة لا وصلى بعدها {والذين هاجروا} عن أوطان الطبيعة في طلب الحقيقة {ثم قتلوا} بسيف الصدق والرياضة حتى تزكوا أنفسهم {أو ماتوا} عن أوصاف البشرية {ليرزقهم الله رزقاً حسناً} فرزق القلوب حلاوة العرفان. ورزق الأسرار مشاهدات الجمال، ورزق الأرواح مكاشفات الجلال. {وإن الله لهو خير الرازقين} لأنه يرزق من أوصاف ربوبيته كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ابيت عند ربي يطعمني ويسقيني"تفسير : {ومن عاقب} بالمجاهدة نفسه {بمثل} ما عاقبت النفس بالمخالفة قلبه {ثم بغي عليه} أي غلبت النفس على القلب باستيلاء صفاتها {لينصرنه الله} باستئصال النفس وتمحيق صفاتها {إن الله لعفوّ} لما سلف {غفور} لما بقي في نفوس الطالبين من الأنانية. {يولج} ليل السر في نهار التجلي وبالعكس، أو يولج ليل القبض في نهار البسط، أو ليل الهيبة في نهار الأنس {أنزل من} سماء القلب ماء الحكمة {فتصبح} أرض البشرية {مخضرة} بالشريعة وأرض القلوب والأرواح والأسرار بالعلوم والكشوف والأنوار والله أعلم بالصواب.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ}: يعني: قريشاً، {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ...} الآية فيها وعد لقريشٍ، و {فَأمْلَيْتُ} معناه: أمهلتُ، والنكير مصدر بمعنى الإنكار. وقوله: «وبير معطلة» قيل: هو معطوف على العروش, وقيل: على القرية؛ وهو أصوب. ثم وَبَّخَهُمْ تعالى على الغفلة وترك الاعتبار بقوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ} وهذه الآية تقتضي أَنَّ العقل في القلب، وذلك هو الحق، ولا يُنْكَرُ أَنَّ للدماغ اتصالاً بالقلب يوجب فساد العقل متى اختل الدماغ. وقوله: {فَتَكُونَ}: نصب بالفاء في جواب الاستفهام؛ صُرِفَ الفعلُ من الجزم إلى النصب. وقوله سبحانه: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ} لفظ مبالغة كأنه قال: ليس العمى عَمَى العين، وإنما العمى كُلَّ العمى عَمَى القلب، ومعلوم أن الأبصار تعمى، ولكن المقصود ما ذكرنا؛ وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ»تفسير : ، وَ «حديث : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَافِ»تفسير : ، والضمير في {إِنَّها} للقصة ونحوها من التقدير، والضميرُ في {يَسْتَعْجِلُونَكَ} لقريشٍ. وقوله: {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} وعيد وإخبار بأنَّ كل شيءٍ إلى وقت محدود، والوعد هنا مُقَيَّدٌ بالعذاب. وقوله سبحانه: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} قالت فرقة: معناه وإنَّ يوماً من أَيَّامِ عذاب اللّه كألف سنة من هذه؛ لطول العذاب وبؤسه، فكان المعنى أي من هذه السنين فما أَجْهَلَ مَنْ يَسْتَعْجِلَ هذا، وكُرِّرَ قوله: {وَكَأَيِّن}؛ لأَنَّهُ جلب معنى آخر؛ ذكر أَوَّلاً القرى المُهْلَكَةَ دون إملاء، بل بعقب التكذيب، ثم ثَنَّى سبحانه بالممهلة؛ لئلاَّ يفرحَ هؤلاء بتأخير العذاب عنهم، وباقي الآية بَيِّنٌ، والرزق الكريم: الجنة، و {مُعَـٰجِزِينَ} معناه: مغالبين، كأَنهم طلبوا عَجْزَ صاحب الآياتِ، والآياتُ تقتضي تعجيزهم؛ فصارت مُفَاعَلَةً.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} الآية. لما بيَّن إخراج الكفار المؤمنين من ديارهم بغير حق، وأذن في مقاتلتهم، وضمن للرسول النصرة، وبين أن لله عاقبة الأمور، أردفه بما يجري مجرى التسلية للرسول بالصبر على أذيته بالتكذيب وغيره، فقال: وإن يكذبوك قومك فقد كذبت قبلهم سائر الأمم أنبياءهم، وذكر الله تعالى سبعة منهم. فإن قيل: فلم قال: وكذب موسى. ولم يقل: وقوم موسى؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه غير قومه وهم القبط. الثاني: كأنه قيل بعدما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم، وكُذِّب موسى أيضاً مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره. "فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِيْنَ" أي: أمهلتهم إلى الوقت المعلوم عندي "ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ" عاقبتهم {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعذاب، وهذا استفهام تقرير، أي؛ أليس كان واقعاً قطعاً، أبدلتهم بالنعمة نقمة، وبالكثرة قلة، وبالحياة موتاً، وبالعمارة خراباً؟ وأعطيت الأنبياء جميع ما وعدتهم من النصر على أعدائهم والتمكين لهم في الأرض، فينبغي أن تكون عادتك يا محمد الصبر عليهم، فإنه تعالى إنما يمهل لمصلحة، فلا بد من الرضا والتسليم، وإن شق ذلك على القلب. والنكير: مصدر بمعنى الإنكار كالنذير بمعنى الإنذار. وأثبت يا نكيري حيث وقعت ورش في الوصل وحذفها في الوقف، والباقون بحذفها وصلاً ووقفاً. قوله: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ} يجوز أن تكون "كأين" منصوبة المحل على الاشتغال بفعل مقدر يفسره (أَهْلَكْتُهَا) وأن تكون في محل رفع بالابتداء، والخبر (أَهْلَكْتُهَا). وتقدم تحقيق القول فيها. قال بعضهم: المراد من قوله: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ} وكم، على وجه التكثير. وقيل: معناه: ورب قرية. والأول أولى، لأنه أوكد في الزجر. وقوله: "أَهْلَكْتُهَا" قرأ أبو عمرو ويعقوب "أَهْلَكْتُها" بالتاء، وهو اختيار أبي عبيد لقوله: {فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} وقرأ ابن كثير وأهل الكوفة والمدينة "أَهْلَكْنَاهَا". قوله: {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} جملة حالية من هاء "أَهْلَكْنَاهَا". وقوله: {فَهِيَ خَاوِيَةٌ} عطف على "أَهْلَكْتُها"، فيجوز أن تكون في محل رفع لعطفها على الخبر على القول الثاني، وأن لا تكون لها محل لعطفها على الجملة المفسرة على القول الأول. وهذا عنى الزمخشري بقوله: والثانية - يعني قوله: "فَهِيَ خَاوِيَةٌ" - لا محل لها، لأنها معطوفة على "أَهْلَكْنَاهَا" وهذا الفعل ليس له محل. تفريعاً على القول بالاشتغال، وإلا إذا قلنا إنه خبر لكان له محل ضرورة. فصل المعنى: وكم من قرية أهلكتها (أي أهلها) لقوله: "وَهِيَ ظَالِمَةٌ"، أي: وأهلها ظالمون، "فَهِيَ خَاوِيَةٌ" ساقطة "عَلَى عُرُوشِهَا" على سقوفها. قال الزمخشري: كل مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظلة فهو عرش، والخاوي: الساقط من خوى النجم: إذا سقط، أو من خوى المنزل: إذا خلا من أهله. فإذا فسرنا الخاوي بالساقط كان المعنى أنها ساقطة على سقوفها، أي: خرت سقوفها على الأرض، ثم تهدمت حيطانها، فسقطت فوق السقوف. وإن فسرناه بالخالي كان المعنى أنها خلت من الناس مع بقاء عروشها وسلامتها ويمكن أن يكون خبراً بعد خبر، أي: هي خالية وهي على عروشها، يعني أن السقوف سقطت على الأرض فصارت في قرار الحيطان، وبقيت الحيطان قائمة، فهي مشرفة على السقوف الساقطة. قوله: "وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ" عطف على "قَرْيَةٍ"، وكذلك "قَصْرٍ" أي: وكأيٍّ من بئر وقصر أهلكناهما. وقيل: يحتمل أن تكون معطوفة وما بعدها على "عُرُوشِها" أي: خاوية على بئر وقصر أيضاً، وليس بشيء. والبئر: من بأرت الأرض، أي: حفرتها ومنه التأبير، وهو شق كيزان الطلع، والبئر: فعل بمعنى مفعول كالذِّبح بمعنى المَذْبُوح، وهي مؤنثة وقد تذكر على معنى القليب. وقوله: شعر : 3772- وَبِئْرِي ذُو حَفَرْتُ وَذُو طَوَيْتُ تفسير : يحتمل التذكير والتأنيث. والمُعَطَّلَةُ: المهملة، والتعطيل: الإهمال. وقرأ الحسن: "مُعْطَلَةٍ" بالتخفيف، يقال: أَعْطَلَتِ البئرُ وعَطَلْتُهَا فعَطَلَتْ بفتح الطاء، وأما عَطِلَتِ المرأة من الحُلِيّ فبكسر الطاء. والمعنى: وكم من بئر معطلة متروكة مخلاة عن أهلها. والمَشيدُ: المرتفع، قال قتادة والضحاك ومقاتل: رفيع طويل. وقال سعيد بن جُبير وعطاء ومجاهد: المُجصص من الشِّيد وهو الجص. وإنما بني هنا من شاده، وفي النساء من شَيَّدَهُ، لأنه هناك بعد جمع فناسب التكثير، وهنا بعد مفرد فناسب التخفيف، ولأنه رأس آية وفاصلة. فصل المعنى أنه تعالى بيَّن أن القرية مع تكليف بنيانهم لها واغتباطهم بها جعلت لأجل كفرهم بهذا الوصف وكذلك البئر التي تكلفوها وصارت شربهم صارت معطلةً بلا شارب، ولا وارد، والقصر الذي أحكموه بالجصِّ وطولوه صار خالياً بلا ساكن، وجعل ذلك عبرة لمن اعتبر، وهذا يدل على أن تفسير "على" بـ "مع" أولى، لأن التقدير: وهي خاوية مع عروشها. قيل: إنَّ البئر المعطلة والقصر المشيد باليمن، أما القصر على قُلَّة جبل والبئر في سفحه، ولكل واحد منهما قوم في نعمة فكفروا فأهلكهم الله، وبقي البئر والقصر خاليين. وروى أبو روق عن الضحاك: أن هذه البئر بحضرموت في بلدة يقال لها حاضوراء وذلك أن صالحاً مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به أتوا حضرموت، فلما نزلوها مات صالح فسميت بذلك لأن صالحاً حين حضرها مات، فبنوا قوم صالح حاضوراء، وقعدوا على هذه البئر، وأمروا عليهم جلهس بن جلاس، وجعلوا وزيره سنحاريب، فأقاموا بها زماناً ثم كفروا وعبدوا صنماً، فأرسل الله إليهم حنظلة بن صفوان، وكان حمّالاً فيهم، فقتلوه في السوق، فأهلكهم الله وعطّل بئرهم وخرب قصورهم. قال الإمام أبو القاسم الأنصاري: وهذا عجيب، لأني زرت قبر صالح بالشام في بلدة يقال لها: عكا، فكيف يقال: إنه بحضرموت. قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} الآية. يعني كفار مكة أفلم يسيروا في الأرض فينظروا إلى مصارع المكذبين من الأمم الخالية، فذكر ما يتكامل به الاعتبار، لأن الرؤية لها حظّ عظيم في الاعتبار، وكذلك سماع الأخبار ولكن لا يكمل هذان الأمران إلا بتدبير القلب، لأن من عاين وسمع ولم يتدبر ولم يعتبر لم ينتفع، فلهذا قال: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ}. قوله: "فَتَكُونَ" منصوب على جواب الاستفهام، وعبارة الحوفي على جواب التقرير. وقيل: على جواب النفي وقرأ مبشر بن عبيد: "فَيَكُونَ" بالياء من تحت لأن التأنيث مجازي. ومتعلق العقل محذوف أي: ما حل بالأمم السالفة. ثم قال: {قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ} أي: يعلمون بها، وهذا يدل على أن العقل العلم، وعلى أن محل العلم هو القلب، لأنه جعل القلب آلة لهذا العقل، فيكون القلب محلاً للعقل، ولهذا سمي الجهل بالعمى، لأن الجاهل لكونه متحيراً يشبه الأعمى. ثم قال: {أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} أي: ما يذكر لهم من أخبار القرون الماضية يعتبرون بها. قوله: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى} الضمير للقصة، و{لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ} مفسرة له، وحسن التأنيث في الضمير كونه وليه فعل بعلامة تأنيث، ولو ذكر في الكلام فقيل: "فإنه" لجاز، وهي قراءة مروية عن عبد الله بن مسعود، والتذكير باعتبار الأمر والشأن. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً يفسره "الأبصار" وفي "تعمى" ضمير راجع إليه. قال أبو حيان: وما ذكره لا يجوز، لأن الذي يفسره ما بعده محصور وليس هذا واحداً منه وهو في باب (رُبَّ)، وفي باب نعم وبئس، وفي باب الإعمال، (وفي باب البدل)، وفي باب المبتدأ والخبر على خلاف في بعضها، وفي باب ضمير الشأن، والخمسة الأُول تفسر بمفرد إلا ضمير الشأن فإنه يفسر بجملة، وهذا ليس واحداً من الستة. قال شهاب الدين: بل هذا من المواضع المذكورة، وهو باب المبتدأ غاية ما في ذلك أنه دخل عليه ناسخ وهو "إنَّ" فهو نظير قولهم: هي العرب تقول ما شاءت، و: شعر : 3773- هِيَ النَّفْس تَحْمِلُ مَا حُمِّلَت تفسير : وقوله تعالى: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الأنعام: 29] وقد جعل الزمخشري جميع ذلك مما يفسر بما بعده، ولا فرق بين الآية الكريمة وبين هذه الأمثلة إلا دخول الناسخ، ولا أثر له، وعجيب من غفلة الشيخ عن ذلك. قوله: {ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} صفة أو بدل أو بيان، وهل هو توكيد كقوله: "يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ" لأن القلوب لا تكون في غير الصدور، أو لها معنى زائد كما قال الزمخشري: الذي قد تعورف واعتقد أنَّ العمى في الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها، واستعماله في القلب استعارة وَمَثلٌ، فلما أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار، احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين وفضل تعريف لتقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الأبصار كما تقول: ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك. (فقولك: الذي بين فكيك) تقرير لما ادعيته للسان وتثبيت لأن محل المضاء هو هو لا غير، وكأنك قلت: ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك فلتة مني ولا سهواً، ولكن تعمدت به إياه بعينه تعمداً. وقد رد أبو حيان على الزمخشري قوله: تعمدت به إياه، وجعل هذه العبارة عجمة من حيث إنه فصل الضمير، وليس من مواضع فصله، وكان صوابه أن يقول تعمدته به. كما تقول: السيف ضربتك به، لا ضربت به إياك. وقد تقدم نظير هذا الرد والجواب عنه بما أجيب عن قوله تعالى: {أية : يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} تفسير : [الممتحنة: 1] {أية : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ} تفسير : [النساء: 131] وهو أنه مع قصد تقديم غير الضمير عليه لغرض يمنع اتصاله. قال شهاب الدين: وأي خطأ في مثل هذا حتى يدعي العجمة على فصيح شهد له بذلك أعداؤه وإن كان مخطئاً في بعض الاعتقادات مما لا تعلق له بما نحن بصدده. وقال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن القلب قد يجعل كناية عن الخاطر والتدبر كقوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} تفسير : [ق: 37]، وعند قوم أن محل الفكر هو الدماغ، فالله تعالى بين أن محل ذلك هو الصدر. وفي محل العقل خلاف مشهور، وإلى الأول مال ابن عطية قال: هو مبالغة كما تقول: نظرت إليه بعيني، وكقوله: {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم} تفسير : [آل عمران: 167]. وقد تقدم أن في قوله: "بِأَفْوَاهِهِمْ" فائدة زيادة على التأكيد.
ابو السعود
تفسير : {وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} تسليةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم متضمِّنةٌ للوعدِ الكريمِ بإهلاكِ مَن يُعاديه من الكفَرَةِ وتعيـينٌ لكيفيَّةِ نصرِه تعالى له الموعودِ بقوله تعالى: { أية : وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} تفسير : [الحج: 40] وبـيانٌ لرجوعِ عاقبةِ الأمور إليه تعالى. وصيغةُ المضارع في الشَّرطِ مع تحقُّقِ التَّكذيبِ لما أنَّ المقصودَ تسليتُه عليه السلام عمَّا يترتَّبُ على التَّكذيبِ من الحزن المتوقَّعِ أي وإنْ تحزنْ على تكذيبِهم إيَّاك فاعلم أنَّك لست بأوحديَ في ذلك فقد كذَّبتْ قبل تكذيبِ قومِك إيَّاك قومُ نوحٍ {وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرٰهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَـٰبُ مَدْيَنَ} أي رُسُلَهم ممَّن ذُكر ومَن لم يُذكر، وإنَّما حُذف لكمال ظهور المرادِ أو لأنَّ المرادَ نفسُ الفعل أي فعلتْ التَّكذيبَ قومُ نوحٍ إلى آخره. {وَكُذّبَ مُوسَىٰ} غُيِّر النَّظمُ الكريم بذكرِ المفعولِ وبناء الفعل له لا لأنَّ قومَه بنوُ إسرائيل وهم لم يكذِّبوه وإنَّما كذَّبه القِبْطُ لما أنَّ ذلك إنَّما يقتضي عدمَ ذكرِهم بعُنوان كونِهم قومَ مُوسى لا بعنوانٍ آخرَ على أنَّ بني إسرائيلَ أيضاً قد كذَّبوه مرَّةً بعد أُخرى حسبما نطقَ به قوله تعالى: { أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [البقرة: 55] ونحو ذلك من الآياتِ الكريمة بل للإيذانِ بأنَّ تكذيبَهم له كان في غاية الشَّناعةِ لكون آياتِه في كمال الوضوحِ وقوله تعالى: {فَأمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ} أي أمهلتهم حتَّى انصرمتْ حبالُ آجالِهم. والفاءُ لترتيبِ إمهالِ كلِّ فريقٍ من فِرق المكذِّبـينَ على تكذيب ذلك الفريقِ لا لترتيب إمهال الكلِّ على تكذيب الكلِّ. ووضعُ الظَّاهر موضعَ الضَّميرِ العائد إلى المكذِّبـين لذمِّهم بالكفرِ والتَّصريحِ بمكذبِـي موسى عليه السلام حيثُ لم يذكروا فيما قبل صَريحاً {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} أي أخذتُ كلَّ فريقٍ من فرق المكذِّبـين بعد انقضاء مدَّةِ إملائِه وإمهالِه {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي إنكارِي عليهم بالإهلاك أي فكان ذلك في غاية ما يكون من الهول والفظاعة. وقوله تعالى: {فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ} منصوبٌ بمضمر يفسِّرُه قوله تعالى: {أَهْلَكْنَـٰهَا} أي فأهلكنا كثيراً من القُرى بإهلاك أهلهِا. والجملةُ بدلٌ من قوله تعالى: {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [الحج: 44] أو مرفوعٌ على الابتداءِ وأهلكنا خبرُهُ أي فكثيرٌ من القُرى أهلكناها. وقُرىء أهلكتُها على وفق قوله تعالى: {فَأمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [الحج: 44] {وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ} جملة حاليَّةٌ من مفعول أهلكنا. وقوله تعالى: {فَهِىَ خَاوِيَةٌ} عطفٌ على أهلكناها لا على (وهي ظالمةٌ) لأنَّها حالٌ والإهلاك ليس في حالِ خوائها فعلى الأوَّلِ لا محلَّ له من الإعرابِ كالمعطوف عليه وعلى الثَّاني في محلِّ الرَّفعِ لعطفه على الخبرِ والخَوَاءُ إمَّا بمعنى السُّقوطِ من خَوَى النَّجمُ إذ سقطَ فالمعنى فهي ساقطةٌ حيطانُها {عَلَىٰ عُرُوشِهَا} أي سُقوفِها بأنْ تعطَّل بنيانُها فخرَّتْ سقوفُها ثم تهدَّمتْ حيطانُها فسقطتْ فوق السُّقوفِ. وإسنادُ السُّقوطِ على العُروش إليها لتنزيلِ الحيطانِ منزلةَ كلِّ البنيانِ لكونها عمدةً فيه وإمَّا بمعنى الخُلوِّ من خَوَى المنزلُ إذا خَلاَ من أهله فالمعنى فهي خاليةٌ مع بقاءِ عُروشها وسلامتها فتكونُ على بمعنى معَ ويجوزأنْ يكون على عُروشها خبراً بعد خبرٍ أي فهي على عُروشها أي قائمةٌ مشرفةٌ على عروشِها على معنى أنَّ السُّقوفَ سقطتْ إلى الأرضِ وبقيتْ الحيطانُ قائمةً فهي مشرفة على السُّقوفِ السَّاقطةِ. وإسنادُ الإشرافِ إلى الكلِّ مع كونِه حال الحيطانِ لما مرَّ آنِفاً {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ} عطفٌ على قريةٍ أي وكم بئرٍ عامرةٍ في البوادي تُركت لا يُستقى منها لهلاكِ أهلِها. وقُرىء بالتَّخفيفِ من أعطلَه بمعنى عطَّله {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} مرفوعِ البنيانِ أو مجصَّصٍ أخليناهُ عن ساكنيهِ وهذا يؤيِّد كونَ معنى (خاويةٌ على عروشِها) خاليةً مع بقاء عروشِها، وقيل: المراد بالبئرِ بئرٌ بسفحِ جبلٍ بحضْرَمَوت وبالقصرِ قصرٌ مشرفٌ على قُلَّتهِ كانا لقومِ حنظلةَ بنِ صفوانَ من بقايا قومِ صالحٍ فلما قتلُوه أهلكَهم الله تعالى وعطَّلهما.
القشيري
تفسير : في الآيات تسليةٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم، وأمرٌ حَتْمٌ عليه بالصبر على مقاساة ما كان يلقاه من قومه من فنون البلاءِ وصنوفِ الأسواء.
اسماعيل حقي
تفسير : {وان يكذبوك} يا محمد وصيغة المضارع فى الشرط مع تحقق التكذيب لما ان المقصود تسليته عليه السلام عما يترتب على التكذيب من الحزن المتوقع اي وان تحزن على تكذيب قومك اياك فاعلم انك لست باوحدى فى ذلك {فقد كذبت قبلهم} قبل تكذيبهم {قوم نوح} اى نوحا {وعاد} اى هودا {وثمود} اى صالحا {وقوم ابراهيم} اى ابراهيم {وقوم لوط} أى لوطا {واصحاب مدين} اى شعيبا ومدين كان ابنا لابراهيم عليه السلام ثم صار علما لقرية شعيب {وكذب موسى} كذبه القبط واصروا الى وقت الهلاك واما بنو اسرائيل فانهم وان قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ونحوه فما استمروا على العناد بل كلما تجدد لهم المعجزة جددوا الايمان هكذا ينبغى ان يفهم هذا المقال وغير النظم بذكر المفعول وبناء الفعل له للايذان بان تكذيبهم لهم كان فى غاية الشناعة لكون آياته فى كمال الوضوح {فامليت للكافرين} امهلتهم الى اجلهم المسمى {ثم اخذتهم} اى اخذت كل فريق من فرق المكذبين بعد انقضاء مدة املائه وامهاله بعذاب الطوفان والريح الصرصر والصيحة وجند البعوض والخسف والحجارة وعذاب يوم الظلمة والغرق فى بحر القلزم، قال الراغب الاخذ وضع الشىء وتحصيله وذلك تارة بالتناول نحو معاذ الله ان نأخذ الامن وجدنا متاعنا عنده وتارة بالقهر ومنه الآية {فكيف كان نكير} اى انكارى عليهم بتغيير النعمة محنة والحياة هلاكا والعمارة خرابا اى فكان ذلك فى غاية الهول والفظاعة فمعنى الاستفهام التقرير ومحصول الآية قد اعطيت هؤلاء الانبياء ما وعدتهم من النصرة فاستراحوا فاصبر انت الى هلاك من يعاديك فتستريح ففى هذا تسلية للنبى عليه السلام.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإن يُكذبوك} يا مُحمد، أي: أهل مكة، فلا تحزن؛ فلست بأول من كُذب، {فقد كَذَّبت قبلهم} أي: قبل قومك {قومُ نوح} نوحًا، {وعادٌ} هودًا، {وثمودُ} صالحًا، {وقومُ إِبراهيمَ} إبراهيم، {وقومُ لوطٍ} لوطًا، {وأصحابُ مدينَ} شعيبًا، {وكُذِّب موسى}؛ كذَّبه فرعونُ والقبط. ولم يقل: وقوم موسى؛ لأن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه القبطُ. أو: كأنه لمَّا ذكر تكذيب كلُّ قوم رسولهم، قال: وكُذِّب موسى، مع وضوح آياته وظهور معجزاته، فما ظنك بغيره؟ {فأمليتُ للكافرين}: أمهلتهم وأخرت عقوبتهم، {ثم أخذتُهم}: عَاقَبْتُهم على كفرهم، أي: أخذت كل فريق من فِرَقِ المكذبين، بعد انقضاء مدة إملائه وإمهاله، {فكيف كان نكير} أي: إنكاري وتغييري؛ حيث أبدلتهم بالنعم نقمًا، وبالحياة هلاكًا، وبالعمارة خرابًا، فكان ذلك في غاية ما يكون من الهول والفظاعة. {فكأيِّن من قريةٍ أهلكناها} أي: كثيرًا من القرى أهلكناها وخربناها بإهلاك أهلها، {وهي ظالمةٌ} أي: والحال أنها ظالمة بالكفر والمعاصي، {فهي خاوية}: ساقطة على {عروشها}، من خوى النجم: سقط. والمعنى أنها ساقطة على سقوفها، أي: خربت سقوفُها على الأرض، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف. ويجوز أن يكون {على عروشها}: خبرًا بعد خبر، أي: فهي خالية من السكان، وهي على عروشها، أي: قائمة مشرفة على السقوف الساقطة. {وبئرٍ مُعَطَّلَةٍ} أي: وكم من بئر متروكة مهملة في البوادي والحواضر، لا يستسقى منها؛ لهلاك أهلها مع توفير مائها، {وقصْرٍ مَشيدٍ}: مرفوع البنيان، من شاد البنيان: إذا رفعه، أو مجصّص بالشيد، أي: الجص، أي: مبنيًا بالشيد والجندل. وقال الضحاك: كانت هذه البئر المعطلة بحضرموت، في بلدة يقال لها: حاضوراء، وذلك أن أربعة آلاف ممن آمن بصالح، ونجوا من العذاب، أتوا حضرموت، ومعهم صالح، فلما حضروا ذلك الموضع، مات صالح، فسُمي حضرموت؛ لأن صالحًا لما حضره مات، فبنوا حاضوراء، وقعدوا على هذه البئر، فأقاموا دهرًا طويلاً، وتناسلوا حتى كثروا، ثم عبدوا الأصنام وكفروا، فأرسل الله إليهم نبيًا يقال له: "حنظلة بن صفوان"، فقتلوه فأهلكهم الله، وعطلت بئرهم وخربت قصورهم. هـ. وحاصل المعنى: وكم قرية أهلكناها، وكم بئر عطلناها عن سقاتها، وقصر مشيد أخليناه عن ساكنه، أي: أهلكنا البادية والحاضرة جميعًا، فخلت القصور عن أربابها، والآبار عن روادها. فالأظهر أن البئر والقصر على العموم. الإشارة: ما سلّى به الرسل - عليهم السلام - تسلى به الأولياء - رضوان الله عليهم - فتكذيب أهل الخصوصية سُنَّة ماضية، غير أن مُكذبي الرسل يُعاجَلون بالعقوبة، ومكذبي الأولياء يعاقبون بالبعد والحجاب. وقال القشيري: {وبئر معطلة}، الإشارة إلى العيون المفجرة من بواطنهم، {وقصر مشيد}؛ الإشارة إلى تعطيل أسرارهم عن ساكنيها، من الهيبة والأنس وسائر المواجيد. هـ. قلت: وكأنه فسر القرية بالقلب، وهلاكه: خلاؤه من نور التوحيد، فقلوب الغافلين خاوية على عروش عقولهم، المطموس نورها، وعيون بواطنهم معطلة من الفكرة، وأسرارهم خاربة من نور النظرة. والله تعالى أعلم. ثمَّ أمر بالاعتبار عن سلف من القرون المهلكة والآبار المعطلة
الجنابذي
تفسير : {وَإِن يُكَذِّبُوكَ} عطف على مقدّرٍ تقديره فان يصدّقوك فهو المطلوب وان يكذّبوك فلا تحزن فانّ التّكذيب شيمة الانسان ما لم يخرج من انانيّته {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ} امهلتهم واطلت عمرهم {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} اى انكارى عليهم ما فعلوا وتبديلى نعمتهم بالنّقمة، او كيف كان نقلى ايّاهم من حالٍ تسرّهم الى حالٍ تسوءهم.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ} يعني الذين بعث الله إليهم شعيباً. قال: {وَكُذِّبَ مُوسَى} أي: كذّبه فرعون وقومه {فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ} والذين كفروا، يعني جميع هؤلاء لم أهلكهم عند تكذيبهم رُسُلهم، حتى جاء الوقت الذي اردت أن أهلكهم فيه. {ثُمَّ أَخَذتُهُمْ} أي: بالعذاب حين جاء الوقت {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي: عقابي، أي: كان شديداً. يحذّر بذلك المشركين. قوله: {فَكَأَيِّن مِّنْ قَرْيَةٍ} أي: فكم من قرية {أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ} يعني أهلكنا أهلها. {فَهِيَ خَاوِيَةٌ} أي: فالقرية خاوية ليس فيها أحد. قد هلك أهلها. فهي خاوية {عَلَى عُرُوشِهَا} أي: على بنيانها. وبعضهم يقول: العروش السقوف، صار أعلاها أسفلها {وَبِئرٍ مُّعَطَّلَةٍ} أي: باد أهلها فعطِّلت {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} أي: مبني معطّل. [معطوف] على قوله معطّلة. وقال الكلبي: المشيد الحصين. قوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ} يعني المشركين {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَو ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} أي: لو ساروا وتفكروا لعاينوا ما نزل بإخوانهم من الكفار فيتوبون لو كانت لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها. {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التِي فِي الصُّدُورِ} أي: إنما أوتوا من قِبَل قلوبهم. ولو أن رجلاً كان أعمى بعد أن يكون مؤمناً لم يضرّه شيء وكان قلبه بصيراً. وقال بعضهم: إنما هذه الأبصار التي في الرؤوس جعلها الله منفعة وبلغة، وأما البصر النافع فهو في القلب. وذكر لنا أنها نزلت في عبد الله بن زائدة. ذكروا عن مجاهد قال: لكل عين، يعني نفساً، أربعة عيون: عينان في رأسه لدنياه، وعينان في قلبه لآخرته. فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه لم يضره عماه شيئاً. وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه لم ينفعه [بصره] شيئاً إذا عميت عينا قلبه. قال الله: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التِي فِي الصُّدُورِ}.
اطفيش
تفسير : {وإن يكذِّبوكَ} يكذبك قومك تسلية له صلى الله عليه وسلم كما يترتب على التكذيب، ولذلك كا مضارعاً لا ماضياً مع أن التكذيب ماض، أو لأن شأن التكذيب أن لا يقع كما تناسبه أداة الشرط، ومفعول كذب محذوف أى أبنياءهم يقدر بعد مدين، أو نزل منزلة اللازم بمعنى أوقعت التكذيب {فَقَد كُذِّبت} التأنيث لأن القَوْم اسم جمع فهو جائز التذكير والتأنيث، وإنما جاز التأنيث فى اسم الجمع لتأويله بمؤمنث كأمته هنا، كما أشار اليه أبو حيان {قَبْلهم قَوْم نُوحٍ وثمُودُ} لم يذكرهما بلفظ قوم لاشتهارهم بالاسمين بلا ذكر لفظ قوم، فالمراد بهما القومان، فلم يقل قوم هود قوم صالح.
الالوسي
تفسير : {وِأَصْحَـٰبِ مَدْيَنَ} تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وصيغة المضارع في الشرط مع تحقق التكذيب لما أن المقصود تسليته عليه الصلاة والسلام عما يترتب على التكذيب من الحزن المتوقع أو للإشارة إلى أنه مما لا ينبغي تحققه وإلحاق {كَذَّبَ} تاء التأنيث لأن الفاعل وهو {قَوْمٌ} اسم جمع يحوز تذكيره وتأنيثه ولا حاجة لتأويله بالأمة أو القبيلة كما فعل أبو حيان ومن تبعه، وفي اختيار التأنيث حط لقدر المكذبين ومفعول كذب محذوف لكمال ظهور المراد. وجوز أن يكون الفعل منزلاً منزلة اللازم أي فعلت التكذيب واستغنى في عاد وثمود عن ذكر القوم لاشتهارهم بهذا الاسم الأخصر والأصل في التعبير العلم فلذا لم يقل قوم صالح وقوم هود ولا علم لغير هؤلاء، ولم يقل وقوم شعيب قيل لأن قومه المكذبين له عليه السلام هم هؤلاء دون أهل الأيكة لأنهم وإن أرسل عليه السلام إليهم فكذبوه أجنبيون، وتكذيب هؤلاء أيضاً أسبق وأشد، والتخصيص لأن التسلية للنبـي عليه الصلاة والسلام عن تكذيب قومه أي وإن يكذبك قومك فاعلم أنك لست بأوحدى في ذلك فقد كذبت قبل تكذيب قومك إياك قوم نوح الخ. {وَكُذّبَ مُوسَىٰ} المكذب له عليه السلام هم القبط وليسوا قومه بل قومه عليه السلام بنو إسرائيل ولم يكذبوه بأسرهم ومن كذبه منهم تاب إلا اليسير وتكذيب اليسير من القوم كلا تكذيب ألا ترى أن تصديق اليسير من المذكورين قبل عد كلا تصديق ولهذا لم يقل وقوم موسى كما قيل: قوم نوح وقوم إبراهيم وأما أنه لم يقل والقبط بل أعيد الفعل مبنياً للمفعول فللإيذان بأن تكذيبهم له عليه الصلاة والسلام في غاية الشناعة لكون آياته في كمال الوضوح. {فَأمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ} أي أمهلتهم حتى انصرمت حبال آجالهم. والفاء لترتيب إمهال كل فريق من فرق المكذبين على تكذيب ذلك الفريق لا لترتيب إمهال الكل على تكذيب الكل. ووضع الظاهر موضع المضمر العائد على المكذبين لذمهم بالكفر والتصريح بمكذبـي موسى عليه السلام حيث لم يذكروا فيما قبل تصريحاً {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} أي أخذت كل فريق من فريق المكذبين بعد انقضاء مدة إملائه وإمهاله. والأخذ كناية عن الإهلاك {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي إنكاري عليهم بتغيير ما هم عليه من الحياة والنعمة وعمارة البلاد وتبديله لضده فهو مصدر من نكرت عليه إذا فعلت فعلاً يردعه بمعنى الإنكار كالنذير بمعنى الإنذار. وياء الضمير المضاف إليها محذوفة للفاصلة وأثبتها بعض القراء، والاستفهام للتعجب كأنه قيل فما أشد ما كان إنكاري عليهم، وفي الجملة إرهاب لقريش.
سيد قطب
تفسير : انتهى الدرس السابق عند الإذن بالقتال لحماية العقائد والشعائر؛ ووعد الله بالنصر لمن ينهضون بتكاليف العقيدة، ويحققون النهج الإلهي في حياة الجماعة. وإذ انتهى من بيان تكاليف الأمة المؤمنة أنشأ يطمئن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى تدخل يد القدرة الإلهية لنصره؛ ولخذلان أعدائه، كما تدخلت من قبل لنصرة إخوانه الرسل ـ عليهم السلام ـ وأخذ المكذبين على مدار الأجيال. وأخذ يوجه المشركين إلى تأمل مصارع الغابرين إن كانت لهم قلوب للتأمل والتدبر، فإنها لا تعمي الأبصار، ولكن تعمي القلوب التي في الصدور. ثم يطمئن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أن يحمي رسله من كيد الشيطان كما يحميهم من كيد المكذبين. ويبطل ما يحاوله الشيطان ويحكم آياته ويجلوها للقلوب السليمة. فأما القلوب المريضة والقلوب الكافرة فتظل الريبة فيها حتى تنتهي بها إلى شر مصير.. فالدرس كله بيان لآثار يد القدرة وهي تتدخل في سير الدعوة، بعد أن يؤدي أصحابها واجبهم، وينهضوا بتكاليفهم التي سبق بها الدرس الماضي في السياق. {وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وكذب موسى، فأمليت للكافرين ثم أخذتهم، فكيف كان نكير؟}.. فهي سنة مطردة في الرسالات كلها، قبل الرسالة الأخيرة، أن يجيء الرسل بالآيات فيكذب بها المكذبون. فليس الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بدعا من الرسل حين يكذبه المشركون. والعاقبة معروفه، والسنة مطردة {فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط}.. ويفرد موسى بفقرة خاصة: {وكذب موسى} أولاً. لأنه لم يكذب من قومه كما كذب هؤلاء من قومهم، إنما كذب من فرعون وملئه. وثانياً لوضوح الآيات التي جاء بها موسى وتعددها وضخامة الأحداث التي صاحبتها.. وفي جميع تلك الحالات أملى الله للكافرين حيناً من الزمان ـ كما يملي لقريش ـ ثم أخذهم أخذاً شديداً.. وهنا سؤال للتهويل والتعجيب: {فكيف كان نكير؟}.. والنكير هو الإنكار العنيف المصحوب بالتغيير. والجواب معروف. فهو نكير مخيف! نكير الطوفان والخسف والتدمير والهلاك والزلازل والعواصف والترويع.. وبعد الاستعراض السريع لمصارع أولئك الأقوام يعمم في عرض مصارع الغابرين: {فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة، فهي خاوية على عروشها؛ وبئر معطلة، وقصر مشيد}. فهي كثيرة تلك القرى المهلكة بظلمها. والتعبير يعرض مصارعها في مشهد شاخص مؤثر: {فهي خاوية على عروشها}.. والعروش السقوف، وتكون قائمة على الجدران عند قيام البناء. فإذا تهدم خرت العروش وسقطت فوقها البنيان، وكان منظرها هكذا موحشاً كئيباً مؤثراً. داعياً إلى التأمل في صورتها الخالية وصورتها البادية. والربوع الخربة أوحش شيء للنفس وأشدها استجاشة للذكرى والعبرة والخشوع. وإلى جوار القرى الخاوية على عروشها.. الآبار المعطلة المهجورة تذكر بالورد والورّاد؛ وتتزاحم حولها الأخيلة وهي مهجورة خواء. ثم إلى جوارها القصور المشيدة وهي خالية من السكان موحشة من الأحياء، تطوف بها الرؤى والأشباح، والذكريات والأطياف! يعرض السياق هذه المشاهد ثم يسأل في استنكار عن آثارها في نفوس المشركين الكفار: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها؟ أو آذان يسمعون بها؟ فإنها لا تعمى الأبصار ولـكن تعمى القلوب التي في الصدور}! إن مصارع الغابرين حيالهم شاخصة موحية، تتحدث بالعبر، وتنطق بالعظات.. {أفلم يسيروا في الأرض} فيروها فتوحي لهم بالعبرة؟ وتنطق لهم بلسانها البليغ؟ وتحدثهم بما تنطوي عليه من عبر؟ {فتكون لهم قلوب يعقلون بها} فتدرك ما وراء هذه الآثار الدوارس من سنة لا تتخلف ولا تتبدل. {أو آذان يسمعون بها} فتسمع أحاديث عن تلك الدور المهدمة والآبار المعطلة والقصور الموحشة؟. أفلم تكن لهم قلوب؟ فإنهم يرون ولا يدركون، ويسمعون ولا يعتبرون {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}! ويمعن في تحديد مواضع القلوب: {التي في الصدور} زيادة في التوكيد، وزيادة في إثبات العمى لتلك القلوب على وجه التحديد! ولو كانت هذه القلوب مبصرة لجاشت بالذكرى، وجاشت بالعبرة، وجنحت إلى الإيمان خشية العاقبة الماثلة في مصارع الغابرين، وهي حولهم كثير. ولكنهم بدلاً من التأمل في تلك المصارع، والجنوح إلى الإيمان، والتقوى من العذاب.. راحوا يستعجلون بالعذاب الذي أخره الله عنهم إلى أجل معلوم: {ويستعجلونك بالعذاب. ولن يخلف الله وعده. وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون}.. وذلك دأب الظالمين في كل حين. يرون مصارع الظالمين، ويقرأون أخبارهم ويعلمون مصائرهم. ثم إذا هم يسلكون طريقهم غير ناظرين إلى نهاية الطريق! فإذا ذكروا بما نال أسلافهم استبعدوا أن يصيبهم ما أصابهم.. ثم يطغى بهم الغرور والاستهتار إذا أملى لهم الله على سبيل الاختبار. فإذا هم يسخرون ممن يخوفهم ذلك المصير. وإذا هم ـ من السخرية ـ يستعجلون ما يوعدون! {ولن يخلف الله وعده} فهو آت في موعده الذي أراده الله وقدره وفق حكمته. واستعجال الناس به لا يعجله كي لا تبطل الحكمة المقصودة من تأجيله. وتقدير الزمن في حساب الله غيره في حساب البشر: {وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون}.. ولقد أملى الله للكثير من تلك القرى الهالكة؛ فلم يكن هذا الإملاء منجياً لها من المصير المحتوم والسنة المطردة في هلاك الظالمين: {وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة، ثم أخذتها، وإليَّ المصير}.. فما بال هؤلاء المشركين يستعجلون بالعذاب، ويهزأون بالوعيد، بسبب إملاء الله لهم حيناً من الزمان إلى أجل معلوم؟ وعند هذا الحد من عرض مصارع الغابرين، وبيان سنة الله في المكذبين.. يلتفت السياق بالخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لينذر الناس ويبين لهم ما ينتظرهم من مصير: {قل: يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين. فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم، والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولـئك أصحاب الجحيم}.. ويمحض السياق وظيفة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا المقام للإنذار: {إنما أنا لكم نذير مبين}.. لما يقتضيه التكذيب والاستهزاء واستعجال العذاب من إبراز الإنذار.. ثم يأخذ في تفصيل المصير: فأما الذين آمنوا وأتبعوا إيمانهم بثمرته التي تدل على تحققه: {وعملوا لصالحات} فجزاؤهم مغفرة من ربهم، لما سلف من ذنوبهم أو تقصيرهم، {ورزق كريم} غير متهم ولا مهين! وأما الذين بذلوا غاية جهدهم في تعطيل آيات الله عن أن تبلغ القلوب، وتتحقق في حياة الناس ـ وآيات الله هي دلائله على الحق وهي شريعته كذلك للخلق ـ فأما هؤلاء فقد جعلهم مالكين للجحيم ـ ويا لسوئها من ملكية ـ في مقابل ذلك الرزق الكريم! والله الذي يحفظ دعوته من تكذيب المكذبين، وتعطيل المعوقين، ومعاجزة المعاجزين.. يحفظها كذلك من كيد الشيطان، ومن محاولته أن ينفذ إليها من خلال أمنيات الرسل النابعة من طبيعتهم البشرية. وهم معصومون من الشيطان ولكنهم بشر تمتد نفوسهم إلى أمانيّ تتعلق بسرعة نشر دعوتهم وانتصارها وإزالة العقبات من طريقها. فيحاول الشيطان أن ينفذ من خلال أمانيهم هذه فيحول الدعوة عن أصولها وعن موازينها.. فيبطل الله كيد الشيطان، ويصون دعوته، ويبين للرسل أصولها وموازينها، فيحكم آياته، ويزيل كل شبهة في قيم الدعوة ووسائلها: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته، فينسخ الله ما يلقي الشيطان، ثم يحكم الله آياته، والله عليم حكيم. ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، وإن الظالمين لفي شقاق بعيد. وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم، وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم}.. لقد رويت في سبب نزول هذه الآيات روايات كثيرة ذكرها كثير من المفسرين. قال ابن كثير في تفسيره: "ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح. والله أعلم". وأكثر هذه الروايات تفصيلاً رواية ابن أبي حاتم. قال: حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن إسحاق الشيبي، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال: أنزلت سورة النجم، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر. وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالهم؛ فكان يتمنى هداهم. فلما أنزل الله سورة النجم قال: {أية : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى؟ ألكم الذكر وله الأنثى؟} تفسير : ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت فقال: وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى.. وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته.. فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، وزلت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إن محمداً قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه.. فلما بلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ آخر النجم سجد، وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك. غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلاً كبيراً فرفع ملء كفه تراباً فسجد عليه. فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين. ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان في مسامع المشركين، فاطمأنت أنفسهم ـ أي المشركون ـ لما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحدثهم به الشيطان أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد قرأها في السورة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم. ففشت تلك الكلمة في الناس؛ وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين: عثمان بن مظعون وأصحابه؛ وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا مع رسول الله؛ وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه؛ وحدثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة، فأقبلوا سراعاً، وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، وحفظه من الفرية، وقال: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته، فينسخ الله ما يلقي الشيطان. ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم. ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم. وإن الظالمين لفي شقاق بعيد}.. فلما بين الله قضاءه، وبرأه من سجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم على المسلمين، واشتدوا عليهم.." قال ابن كثير: وقد ساق البغوي في تفسيره روايات مجموعة من كلام ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما بنحو من ذلك، ثم سأل هنا سؤالاً: كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسوله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ثم حكى أجوبة عن الناس، من ألطفها أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك. فتوهموا أنه صدر عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وليس كذلك في نفس الأمر، بل إنما كان من صنيع الشيطان لا عن رسول الرحمن ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ والله أعلم. وقال البخاري: قال ابن عباس: {في أمنيته} إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه. فيبطل الله ما يلقي الشيطان {ثم يحكم الله آياته}. وقال مجاهد: {إذا تمنى} يعني إذا قال؛ ويقال أمنيته: قراءته. وقال البغوي: وأكثر المفسرين قالوا: معنى قوله: {تمنى} أي تلا وقرأ كتاب الله {ألقى الشيطان في أمنيته} أي في تلاوته. وقال ابن جرير عن تفسير {تمنى} بمعنى تلا: هذا القول أشبه بتأويل الكلام! هذه خلاصة تلك الروايات في هذا الحديث الذي عرف بحديث الغرانيق.. وهو من ناحية السند واهي الأصل. قال علماء الحديث: إنه لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه بسند سليم متصل ثقة. وقال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروىعن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإسناد متصل يجوز ذكره. وهو من ناحية موضوعه يصادم أصلاً من أصول العقيدة وهو عصمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أن يدس عليه الشيطان شيئاً في تبليغ رسالته. وقد أولع المستشرقون والطاعنون في هذا الدين بذلك الحديث، وأذاعوا به، وأثاروا حوله عجاجة من القول. والأمر في هذا كله لا يثبت للمناقشة، بل لا يصح أن يكون موضوعاً للمناقشة. وهناك من النص ذاته ما يستبعد معه أن يكون سبب نزول الآية شيئاً كهذا، وأن يكون مدلوله حادثاً مفرداً وقع للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فالنص يقرر أن هذه القاعدة في الرسالات كلها مع الرسل كلهم: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته، فينسخ الله ما يلقي الشيطان، ثم يحكم الله آياته}.. فلا بد أن يكون المقصود أمراً عاماً يستند إلى صفة في الفطرة مشتركة بين الرسل جميعاً، بوصفهم من البشر، مما لا يخالف العصمة المقررة للرسل. وهذا ما نحاول بيانه بعون الله. والله أعلم بمراده، إنما نحن نفسر كلامه بقدر إدراكنا البشري.. إن الرسل عندما يكلفون حمل الرسالة إلى الناس، يكون أحب شيء إلى نفوسهم أن يجتمع الناس على الدعوة، وأن يدركوا الخير الذي جاءوهم به من عند الله فيتبعوه.. ولكن العقبات في طريق الدعوات كثيرة. والرسل بشر محدودو الأجل. وهم يحسون هذا ويعلمونه. فيتمنون لو يجذبون الناس إلى دعوتهم بأسرع طريق.. يودون مثلاً لو هادنوا الناس فيما يعز على الناس أن يتركوه من عادات وتقاليد وموروثات فيسكتوا عنها مؤقتاً لعل الناس أن يفيئوا إلى الهدى، فإذ دخلوا فيه أمكن صرفهم عن ذلك الموروثات العزيزة! ويودون مثلاً لو جاروهم في شيء يسير من رغبات نفوسهم رجاء استدراجهم إلى العقيدة، على أمل أن تتم فيما بعد تربيتهم الصحيحة التي تطرد هذه الرغبات المألوفة! ويودون. ويودون. من مثل هذه الأماني والرغبات البشرية المتعلقة بنشر الدعوة وانتصارها.. ذلك على حين يريد الله أن تمضي الدعوة على أصولها الكاملة، وفق موازينها الدقيقة، ثم من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. فالكسب الحقيقي للدعوة في التقدير الإلهي الكامل غير المشوب بضعف البشر وتقديرهم.. هو أن تمضي على تلك الأصول وفق تلك الموازين، ولو خسرت الاشخاص في أول الطريق. فالاستقامة الدقيقة الصارمة على أصول الدعوة ومقاييسها كفيل أن يثني هؤلاء الأشخاص أو من هم خير منهم إلى الدعوة في نهاية المطاف، وتبقى مثل الدعوة سليمة لا تخدش، مستقيمة لا عوج فيها ولا انحناء.. ويجد الشيطان في تلك الرغبات البشرية، وفي بعض ما يترجم عنها من تصرفات أو كلمات، فرصة للكيد للدعوة، وتحويلها عن قواعدها، وإلقاء الشبهات حولها في النفوس.. ولكن الله يحول دون كيد الشيطان، ويبين الحكم الفاصل فيما وقع من تصرفات أو كلمات، ويكلف الرسل أن يكشفوا للناس عن الحكم الفاصل، وعما يكون قد وقع منهم من خطأ في اجتهادهم للدعوة. كما حدث في بعض تصرفات الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي بعض اتجاهاته، مما بين الله فيه بياناً في القرآن.. بذلك يبطل الله كيد الشيطان، ويحكم الله آياته، فلا تبقى هنالك شبهة في الوجه الصواب: {والله عليم حكيم}.. فأما الذين في قلوبهم مرض من نفاق أو انحراف، والقاسية قلوبهم من الكفار المعاندين؛ فيجدون في مثل هذه الأحوال مادة للجدل واللجاج والشقاق: {وإن الظالمين لفي شقاق بعيد}. وأما الذين أوتوا العلم والمعرفة فتطمئن قلوبهم إلى بيان الله وحكمه الفاصل: {إن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم}.. وفي حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي تاريخ الدعوة الإسلامية نجد أمثلة من هذا، تغنينا عن تأويل الكلام، الذي أشار إليه ابن جرير رحمه الله. نجد من ذلك مثالاً في قصة ابن أم مكتوم ـ رضي الله عنه ـ الأعمى الفقير الذي جاء إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: يا سول الله اقرئني وعلمني مما علمك الله، ويكرر هذا القول والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشغول بأمر الوليد بن المغيرة يود لو يهديه إلى الإسلام ومعه صناديد قريش، وابن أم مكتوم لا يعلم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشغول بهذا الأمر. حتى كره، رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلحاحه فعبس وأعرض عنه.. فأنزل الله في هذا قرآناً يعاتب فيه الرسول عتاباً شديداً: {أية : عبس وتولى. أن جاءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكى، أو يذكر فتنفعه الذكرى! أما من استغنى، فأنت له تصدى؟ وما عليك ألا يزكى؟ وأما من جآءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى؟ كلا! إنها تذكرة فمن شاء ذكره... }. تفسير : وبهذا رد الله للدعوة موازينها الدقيقة وقيمها الصحيحة. وصحح تصرف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي دفعته إليه، رغبته في هداية صناديد قريش، طمعاً في إسلام من وراءهم وهم كثيرون. فبين الله له: أن استقامة الدعوة على أصولها الدقيقة أهم من إسلام أولئك الصناديد. وأبطل كيد الشيطان من الدخول إلى العقيدة من هذه الثغرة، وأحكم الله آياته. واطمأنت إلى هذا البيان قلوب المؤمنين. ولقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد ذلك يكرم ابن مكتوم. ويقول إذا رآه: "حديث : مرحباً بمن عاتبني فيه ربي" تفسير : ويقول له: "حديث : هل لك من حاجة" تفسير : واستخلفه على المدينة مرتين. كذلك وقع ما رواه مسلم في صحيحه قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن اسرائيل، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد ـ هو ابن أبي وقاص ـ قال: كنا مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ستة نفر. فقال المشركون للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان نسيت اسميهما. فوقع في نفس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله عز وجل: {أية : ولا تطرد الذين يدعون ربهم؛ بالغداة والعشي يريدون وجهه }. تفسير : وهكذا رد الله للدعوة قيمها المجردة، وموازينها الدقيقة. ورد كيد الشيطان فيما أراد أن يدخل من تلك الثغرة. ثغرة الرغبة البشرية في استمالة كبراء قريش بإجابة رغبتهم في أن لا يحضر هؤلاء مجلسهم مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقيم الدعوة أهم من أولئك الكبراء، وما يتبع إسلامهم من إسلام الألوف معهم وتقوية الدعوة في نشأتها بهم ـ كما كان يتمنى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والله أعلم بمصدر القوة الحقيقية، وهو الاستقامة التي لا ترعى هوى شخصياً ولا عرفاً جارياً! ولعله مما يلحق بالمثلين المتقدمين ما حدث في أمر زينب بنت جحش ابنة عمة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد زوجها من زيد بن حارثة ـ رضي الله عنه ـ وكان قد تبناه قبل النبوة، فكان يقال له: زيد بن محمد. فأراد الله أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة فقال تعالى: {أية : ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} تفسير : وقال: {أية : وما جعل أدعياءكم أبناءكم}.. تفسير : وكان زيد ـ رضي الله عنه ـ أحب الناس إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فزوجه من ابنة عمته زينب بنت جحش ـ رضي الله عنها ـ فلم تستقم بينهما الحياة.. وكانوا في الجاهلية يكرهون أن يتزوج المتبني مطلقة متبناه. فاراد الله سبحانه إبطال هذه العادة، كما أبطل نسبة الولد إلى غير أبيه. فأخبر رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه سيزوجه من زينب بعد أن يطلقها زيد ـ لتكون هذه السنة مبطلة لتلك العادة ـ ولكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخفى في نفسه ما أخبره به الله. وكان كلما شكا إليه زيد تعذر الحياة مع زينب قال له: {أية : أمسك عليك زوجك}تفسير : مراعياً في هذا كراهية القوم لزواجه منها حين يطلقها زيد. وظل يخفي ما قدر الله إظهاره حتى طلقها زيد.. فأنزل الله في هذا قرآناً، يكشف عما جال في خاطر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويقرر القواعد التي أراد الله أن يقوم تشريعه في هذه المسألة عليها: {أية : وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه: أمسك عليك زوجك واتق الله. وتخفي في نفسك ما الله مبديه، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه. فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً. وكان أمر الله مفعولاً }. تفسير : ولقد صدقت عائشة ـ رضي الله عنها وهي تقول. لو كتم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيئاً مما أوحي إليه من كتاب الله تعالى لكتم: {أية : وتخفي في نفسك ما الله مبديه، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه }.. تفسير : وهكذا أنفذ الله شريعته وأحكمها، وكشف ما خالج خاطر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من كراهية القوم لزواجه من مطلقة دعيه. ولم يمكن للشيطان أن يدخل من هذه الثغرة. وترك الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم يتخذون من هذه الحادثة، مادة للشقاق والجدال ما تزال!!! هذا هو ما نطمئن إليه في تفسير تلك الآيات. والله الهادي إلى الصواب. ولقد تدفع الحماسة والحرارة أصحاب الدعوات ـ بعد الرسل ـ والرغبة الملحة في انتشار الدعوات وانتصارها.. تدفعهم إلى استمالة بعض الأشخاص أو بعض العناصر بالإغضاء في أول الأمر عن شيء من مقتضيات الدعوة يحسبونه هم ليس أصيلاً فيها، ومجاراتهم في بعض أمرهم كي لا ينفروا من الدعوة ويخاصموها! ولقد تدفعهم كذلك إلى اتخاذ وسائل وأساليب لا تستقيم مع موازين الدعوة الدقيقة، ولا مع منهج الدعوة المستقيم. وذلك حرصاً على سرعة انتصار الدعوة وانتشارها. واجتهاداً في تحقيق "مصلحة الدعوة" ومصلحة الدعوة الحقيقية في استقامتها على النهج دون انحراف قليل أو كثير. أما النتائج فهي غيب لا يعلمه إلا الله. فلا يجوز أن يحسب حملة الدعوة حساب هذه النتائح؛ إنما يجب أن يمضوا على نهج الدعوة الواضح الصريح الدقيق، وأن يدعوا نتائج هذه الاستقامة لله. ولن تكون إلا خيراً في نهاية المطاف. وها هو ذا القرآن الكريم ينبههم إلى أن الشيطان يتربص بأمانيهم تلك لينفذ منها إلى صميم الدعوة. وإذا كان الله قد عصم أنبياءه ورسله فلم يمكن للشيطان أن ينفذ من خلال رغباتهم الفطرية إلى دعوتهم. فغير المعصومين في حاجة إلى الحذر الشديد من هذه الناحية، والتحرج البالغ، خيفة أن يدخل عليهم الشيطان من ثغرة الرغبة في نصرة الدعوة والحرص على ما يسمونه "مصلحة الدعوة".. إن كلمة "مصلحة الدعوة" يجب أن ترتفع من قاموس أصحاب الدعوات، لأنها مزلة، ومدخل للشيطان يأتيهم منه، حين يعز عليه أن يأتيهم من ناحية مصلحة الأشخاص! ولقد تتحول "مصلحة الدعوة" إلى صنم يتعبده أصحاب الدعوة وينسون معه منهج الدعوة الأصيل!.. إن على أصحاب الدعوة أن يستقيموا على نهجها ويتحروا هذا النهج دون التفات إلى ما يعقبه هذا التحري من نتائج قد يلوح لهم أن فيها خطراً على الدعوة وأصحابها! فالخطر الوحيد الذي يجب أن يتقوه هو خطر الانحراف عن النهج لسبب من الأسباب، سواء كان هذا الانحراف كثيراً أو قليلاً. والله أعرف منهم بالمصلحة وهم ليسوا بها مكلفين. إنما هم مكلفون بأمر واحد. ألا ينحرفوا عن المنهج، وألا يحيدوا عن الطريق.. ويعقب السياق على تلك الآيات وما فيها من صيانة لدعوة الله من كيد الشيطان بأن الذين يكفرون بها مدحورون ينتظرهم العذاب المهين: {ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم. الملك يومئذ لله يحكم بينهم. فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولـئك لهم عذاب مهين}. ذلك شأن الذين كفروا مع القرآن كله، يذكره السياق بعد بيان موقفهم مما يلقي الشيطان في أمنيات الأنبياء والرسل، لما بين الشأنين من تشابه واتصال. فهم لا يزالون في ريبة من القرآن وشك. منشأ هذه الريبة أن قلوبهم لم تخالطها بشاشته فتدرك ما فيه من حقيقة وصدق. ويظل هذا حالهم {حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم} بعد قيام الساعة. ووصف هذا اليوم بالعقيم وصف يلقي ظلاً خاصاً. فهو يوم لا يعقب.. إنه اليوم الأخير.. في هذا اليوم الملك لله وحده. فلا ملك لأحد، حتى الملك الظاهري الذي كان يظنه الناس في الأرض ملكاً. والحكم يومئذ لله وحده، وهو يقضي لكل فريق بجزائه المقسوم: {فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم}.. {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولـئك لهم عذاب مهين}..جزاء الكيد لدين الله، وجزاء التكذيب بآياته البينات. وجزاء الاستكبار عن الطاعة لله والتسليم..
ابن عاشور
تفسير : لما نعى على المشركين مساويَهم في شؤون الدين بإشراكهم وإنكارهم البعث وصدّهم عن الإسلام وعن المسجد الحرام وما ناسب ذلك في غرضه من إخراج أهله منه، عُطف هنا إلى ضلالهم بتكذيب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقُصد من ذلك تسليّةُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتمثيلُهم بأمثال الأمم التي استأصلها الله، وتهديدهم بالمصير إلى مصيرهم، ونظير هذه الآية إجمالاً وتفصيلاً تقدم غير مرة في سورة آل عمران وغيرها. وجواب الشرط محذوف دلّ عليه قوله: {فقد كذبت قبلهم} الخ إذ التقدير: فلا عجب في تكذيبهم، أو فلا غضاضة عليك في تكذيب قومك إياك فإن تلك عادة أمثالهم. وقوم إبراهيم هم الكلدان، وأصحاب مَدْين هم قوم شُعيب، وإنما لم يعبّر عنهم بقوم شُعيب لئلا يتكرر لفظ قَوم أكثر من ثلاث مرات. وقال: {وكذب موسى} لأن مُكذّبيه هم القبط قوم فرعون ولم يكذبه قومه بنو إسرائيل. وقوله: {فأمليتُ للكافرين} معناه فأمليت لهم، فوُضع الظاهر موضع الضمير للإيماء إلى أن علة الإملاء لهم ثم أخذِهم هو الكفر بالرسُل تعريضاً بالنذارة لمشركي قُريش. والأخذ حقيقته: التناول لِما لم يكن في اليد، واستعير هنا للقدرة عليهم بتسليط الإهلاك بعد إمهالهم، ومناسبة هذه الاستعارة أن الإملاء لهم يشبه بعد الشيء عن متناوله فشبّه انتهاءُ ذلك الإملاء بالتناول، شبه ذلك بأخذ الله إياهم عنده، لظهور قدرته عليهم بعد وعيدهم، وهذا الأخذ معلوم في آيات أخرى عدا أن قوم إبراهيم لم يتقدم في القرآن ذكر لعذابهم أو أخذهم سوى أن قوله تعالى في [سورة الأنبياء: 70] {أية : وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين} تفسير : مشير إلى سُوءِ عاقبتهم مما أرادوا به من الكيد، وهذه الآية صريحة في ذلك كما أشرنا إليه هنالك. ومناسبة عَدّ قوم إبراهيم هنا في عداد الأقوام الذين أخذهم الله دون الآيات الأخرى التي ذُكر فيها من أُخذوا من الأقوام، أنّ قوم إبراهيم أتمّ شبهاً بمشركي قُريش في أنهم كذبوا رسولهم وآذوه. وألجأوه إلى الخروج من موطنه {أية : وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين}تفسير : [الصافات: 99]. فكان ذكر إلجاء قريش المؤمنين إلى الخروج من موطنهم في قوله: {أية : الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق}تفسير : [الحج: 40] مناسبةٌ لذكر قوم إبراهيم. والإملاءُ: ترك المتلبّس بالعِصيان دون تعجيل عقوبته وتأخيرها إلى وقت متأخر حتى يحسب أنه قد نَجا ثم يؤخذ بالعقوبة. والفاء في {فأمليت للكافرين} للتعقيب دلالة على أن تقدير هلاكهم حاصل من وقت تكذيبهم وإنما أُخر لهم، وهو تعقيب موزع، فلكل قوم من هؤلاء تعقيبُ إملائه، والأخذ حاصل بعد الإملاء بمهلة، فلذلك عطف فعلُه بحرف المهلة. وعطفت جملة {فكيف كان نكير} بالفاء لأنّ حق ذلك الاستفهام أن يحصل عند ذكر ذلك الأخذ، وهو استفهام تعجيبي، أي فأعْجَب من نكيري كيف حصل. ووجه التعجيب منه أنهم أبدلوا بالنعمة مِحنة، وبالحياة هلاكاً، وبالعمارة خراباً فهو عبرة لغيرهم. والنكير: الإنكار الزجري لتغيير الحالة التي عليها الذي يُنكَر عليه: و{نكيرِ} ــــ بكسرة في آخره ــــ دالة على ياء المتكلم المحذوفة تخفيفاً. وكأنّ مناسبة اختيار النكير في هذه الآية دون العذاب ونحوه أنه وقع بعد التنويه بالنهي عن المنكر لينبه المسلمين على أن يبذلوا في تغيير المنكر منتهى استطاعتهم، فإن الله عاقب على المنكر بأشد العقاب، فعلى المؤمنين الائتساء بصنع الله، وقد قال الحكماء: إنّ الحكمة هي التشبه بالخالق بقدر ما تبلغه القوة الإنسانية، وفي هذا المجال تتسابق جياد الهمم.
الشنقيطي
تفسير : في هذه الآيات الكريمة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأن الذي عامله به قومه من التكذيب عومل به غيره من الرسل الكرام، وذلك يسليه ويخفف عليه كما قال تعالى: {أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ}تفسير : [هود: 120] الآية. وقوله تعالى: {أية : مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ}تفسير : [فصلت: 43] وقوله: {أية : وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ}تفسير : [فاطر: 4] الآية إلى غير ذلك من الآيات. وذكر تعالى في هذه الآيات سبع أمم كل واحدة منهم كذبت رسولها. الأولى: قوم نوح في قوله: {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} والآيات الدالة على تكذيب قوم نوح لا تكاد تحصى في القرآن، لكثرتها ولنقتصر على الأمثلة لكثرة الآيات الدالة على تكذيب هذه الأمم رسلها كقوله: {أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الشعراء: 105] وقوله: {أية : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ}تفسير : [القمر: 9] إلى غير ذلك من الآيات. الثانية: عاد، وقد بين تعالى في غير هذا الموضع في آيات كثيرة أنهم كذبوا رسولهم هوداً، كقوله تعالى: {أية : كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الشعراء: 123] وقوله: {أية : قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}تفسير : [هود: 53]. الثالثة: ثمود وقد بين تعالى في غير هذا الموضع تكذيبهم لنبيهم صالح في آيات كثيرة كقوله تعالى:{أية : كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الشعراء: 141] وقوله: {أية : فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا}تفسير : [الشمس: 14] إلى غير ذلك من الآيات. الرابعة: قوم إبراهيم، وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أنهم كذبوه في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [العنكبوت: 24] وقوله: {أية : قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ}تفسير : [الأنبياء: 68] الآية. وكقوله: {أية : أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً}تفسير : [مريم: 46] إلى غير ذلك من الآيات. الخامسة: قوم لوط وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أنهم كذبوه في آيات كثيرة كقوله: {أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الشعراء: 160] وقوله: {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ}تفسير : [النمل: 56] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. السادسة: أصحاب مدين، وقد بين تعالى أنهم كذبوا نبيهم شعيباً في غير هذا الموضع في آيات كثيرة كقوله: {أية : أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ}تفسير : [هود: 59] وقوله: {أية : وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ}تفسير : [هود: 84] إلى قوله: {أية : قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَوَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ}تفسير : [هود: 87] وقوله: {أية : قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ}تفسير : [هود: 91] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. السابعة: من كذبوا موسى وهم فرعون وقومه، وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أن فرعون وقومه كذبوا موسى في آيات كثيرة كقوله: {أية : لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ}تفسير : [الشعراء: 29] وقوله: {أية : أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [الشعراء: 18-19] وقوله: {أية : وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الأعراف: 132] إلى غير ذلك من الآيات، وقوله تعالى في هذه الآية: {فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} قد بين تعالى نوع العذاب الذي عذب به كل أمة من تلك الأمم، بعد الإملاء لها والإمهال، فبين أنه أهلك قوم نوح بالغرق في مواضع كثيرة كقوله تعالى: {أية : فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 14] وقوله: {أية : فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} تفسير : [القمر: 11-12] وقوله: {أية : ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ ٱلْبَاقِينَ} تفسير : [الشعراء: 120] إلى غير ذلك من الآيات، وبين في مواضع كثيرة أنه بعد الإملاء والإمهال لعاد أهلكهم بالريح العقيم كقوله تعالى: {أية : وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ}تفسير : [الحاقة: 6] الآيات وقوله تعالى: {أية : وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ}تفسير : [الذاريات: 41-42] وقوله: {أية : بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ}تفسير : [الأحقاف: 24-25] إلى غير ذلك من الآيات وبين أنه أهلك ثمود بصيحة أهلكتهم جميعاً كقوله فيهم: {أية : وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ}تفسير : [هود: 67] وقوله: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ}تفسير : [فصلت: 17] الآية إلى غير ذلك من الآيات، وقوم إبراهيم الذين كذبوه هم نمروذ، وقومه، وقد ذكر المفسرون أن العذاب الدنيوي الذي أهلكهم الله به هو المذكور في قوله تعالى في سورة النحل: {أية : قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} تفسير : [النحل: 26] وقد بين تعالى أنه أهلك قوم لوط بجعل عالي أرضهم سافلها، وأنه أرسل عليهم مطراً من حجارة السجيل في مواضع متعددة كقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} تفسير : [هود: 82] ونحو ذلك من الآيات. وقد بين تعالى أنه أهلك أصحاب مدين بالصيحة في مواضع كقوله فيهم: {أية : وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} تفسير : [هود: 94-95] إلى غير ذلك من الآيات وقد بين في مواضع كثيرة أنه أهلك الذين كذبوا موسى، وهم فرعون وقومه بالغرق كقوله: {أية : وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ}تفسير : [الدخان: 24] وقوله تعالى: {أية : فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}تفسير : [طه: 78] الآية وقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [يونس: 90] إلى غير ذلك من الآيات. ومعلوم أن الآيات كثيرة في بيان ما أهلكت به هذه الأمم السبع المذكورة، وقد ذكرنا قليلاً منها كالمثال لغيره، وكل ذلك يوضح معنى قوله تعالى بعد أن ذكر تكذيب الأمم السبع لأنبيائهم {فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} أي بالعذاب، وهو ما ذكرنا بعض الآيات الدالة على تفاصيله وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} النكير: اسم مصدر بمعنى الإنكار أي كيف كان إنكاري عليهم منكرهم، الذي هو كفرهم بي، وتكذيبهم رسلي، وهو ذلك العذاب المستأصل الذي بينا وبعده عذاب الآخرة الذي لا ينقطع نرجو الله لنا ولإخواننا المسلمين العافية من كل ما يسخط خالقنا، ويستوجب عقوبته. والجواب إنكارك عليهم بذلك العذاب واقع موقعه على أكمل وجه، لأن الجزاء من جنس العمل، فجزاء العمل البالغ غاية القبح بالنكال العظيم جزاء وفاق واقع موقعه، فسبحان الحكم الخبير الذي لا يضع الأمر إلا في موضعه ولا يوقعه إلا في موقعه، وقرأ هذا الحرف ورش وحده عن نافع: {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} بياء المتكلم بعد الراء وصلاً فقط وقرأ الباقون بحذفها اكتفاء بالكسرة عن الياء.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وإن يكذبوك: أي إن يكذبك قومك فقد كذبت قبلهم قوم نوح إذاً فلا تأس إذ لست وحدك المكذب. وأصحاب مدين: هم قوم شعيب عليه السلام. وكذب موسى: أي كذبه فرعون وآله الأقباط. فأمليت للكافرين: أي أمهلتهم فلم أُعجل العقوبة لهم. ثم أخذتهم: أي بالعذاب المستأصل لهم. فكيف كان نكير: أي كيف كان إنكاري عليهم تكذيبهم وكفرهم أكان واقعاً موقعه؟ نعم إذ الإِستفهام للتقرير. فهي خاوية على عروشها: أي ساقطة على سقوفها. بئر معطلة: أي متروكة لا يستخرج منها ماء لموت أهلها. وقصر مشيد: مرتفع مجصص بالجص. فإنها لا تعمى الأبصار: أي فإنها أي القصة لا تعمى الأبصار فإن الخلل ليس في أبصارهم ولكن في قلوبهم حيث أعماها الهوى وأفسدتها الشهوة والتقليد لأهل الجهل والضلال. معنى الآيات: مازال السياق الكريم في دعوة قريش إلى الإِيمان والتوحيد وإن تخللته إرشادات للمؤمنين فإنه لما أَذِن للمؤمنين بقتال المشركين بين مقتضيات هذا الإِذن وضمن النصرة لهم وأعلم أن عاقبة الأمور إليه لا إلى غيره وسوف يقضي بالحق والعدل بين عباده يوم يلقونه. قال لرسوله صلى الله عليه وسلم مسلياً له عن تكذيب المشركين له: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ} أيها الرسول فيما جئت به من التوحيد والرسالة والبعث والجزاء يوم القيامة فلا تأس ولا تحزن {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} أي قبل مُكذِّبيك من قريش والعرب واليهود {قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ} قوم هود {وَثَمُودُ} قوم صالح {وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ} أيضاً مع ما آتيناه من الآيات البينات، وكانت سنتي فيهم أني أمليت لهم أي مددت لهم في الزمن وأرخيت لهم الرسن حتى إذا بلغوا غاية الكفر والعناد والظلم والاستبداد وحقت عليهم كلمة العذاب أخذتهم أخذ العزيز المقتدر {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}، أي انكاري عليهم؟ كان وربّك واقعاً موقعه، وليس المذكورون أخذت فقط.. {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ} عظيمة غانية برجالها ومالها وسلطانها {أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ} أي ضالعة في الظلم أي الشرك والتكذيب {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} أي ساقطة على سقوفها، وكم من بئر ماء عذب كانت سقيا لهم فهي الآن معطلة، وكم من قصر مشيد أي رفيع مشيد بِالجص إذ مات أهله وتركوه هذا ما تضمنته الآيات الأربع [42، 43، 44، 45] أما الآية الأخيرة من هذا السياق فالحق عز وجل يقول {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} حاثاً المكذبين من كفار قريش والعرب على السير في البلاد ليقفوا على آثار الهالكين فلعل ذلك يكسبهم حياة جديدة في تفكيرهم ونظرهم فتكون لهم قلوب حية واعية يعقلون بها خطابنا إليهم ونحن ندعوهم إلى نجاتهم وسعادتهم أو تكون لهم آذان يسمعون بها نداء النصح والخير الذي نوجهه إليهم بواسطة كتابنا ورسولنا، وما لهم من عيون مبصرة بدون قلوب واعية وآذان صاغية فإن ذلك غير نافع {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ}. وهذا حاصل القول ألا فليسيروا لعلهم يكسبون عبراً وعظات تحيي قلوبهم وسائر حواسهم المتبلدة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تكذيب الرسل والدعاة إلى الحق والخير سنة مطردة في البشر لها عواملها من أبرزها التقليد والمحافظة على المنافع المادية، وظلمات القلب الناشئة عن الشرك والمعاصي. 2- مظاهر قدرة الله تعالى في إهلاك الأمم والشعوب الظالمة بعد الإِمهال لهم والإِعذار. 3- مشروعية طلب العبر وتصيدها من آثار الهالكين. 4- العبرة بالبصيرة القلبية لا بالبصر فكم من أعمى هو أبصر للحقائق وطرق النجاة من ذي بصر حاد حديد. ومن هنا كان المفروض على العبد أن يحافظ على بصيرته أكثر من المحافظة على عينيه، وذلك بأن يتجنب مدمرات القلوب من الكذب والترهات والخرافات، والكبر والعجب والحب والبغض في غير الله.
القطان
تفسير : فأمليت: فامهلت. ثم أخذتهم: أهلكتهم. النكير: العقوبة الرادعة. خاوية: خالية وساقطة. عروشها: سقوفها. بئر معطلة: مهملة لا يُستقى منها. قصر مَشيد: عظيم فخم. معاجِزين مسرعين من الحق الى الباطل. {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} إن يكذِّب هؤلاء المشركون بالله، فلا تحزن أيها الرسول.... لقد كَذّبت أمم كثيرة رسُلهم قبلك، ولستَ أولَ رسولٍ كذّبه قومه وآذوه، فقد كذّب قومُ نوحٍ نوحا، وكذبت عاد وثمود رسُلهم، وكذب قوم ابراهيم رسولَهم ابراهيم، وكذلك فعلَ قوم لوط، وكذب اهل مَدْيَنَ رسولهم شُعيبا، وكذب فرعونُ وقومه موسى.... وقد أمهلتُ أولئك المكذبين مدة لعلّهم يتوبون الى رشدهم ويستجيبون لدعوة الحق، فلم يرتدعوا بل تمادَوا في غيّهم، فعاقبتُهم بأشد انواع العقاب، فانظر يا محمد في آثارهم كيف كان عقابي لهم. {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ}. وكثير من القرى أهلكناها بسبب ظُلْم أهلها وكفرهم، وأصبحت خاليةً من سكانها، سقوفها ساقطة على جدرانها، كأن لم تكن بيوتها موجودة من قبل. وكم بئرٍ معطلة لا يرِدُ عليها أحد، وقصرٍ عظيم خلا من سكانه! قراءات قرأ اهل البصرة: اهلكتها بالتاء. والباقون: اهلكناها بالنون. {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} أوَلَم يتعظ هؤلاء المكذبون بمصارع الأولين، وينظروا كيف أصبحتْ ديارهم خاليةً ودورهم معطلة! أين عقولهم وسمعُهم وأبصارهم، هل تعطلت؟ ان العمى الحقيقي ليس في العيون، ولكنه في القلوب والبصائر، فإنهم في هذه الحالة يرون ولا يدركون، ويسمعون ولا يعتبرون. {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}. ها إنَّ قومُك يا محمد بدلاً من التأمل في مصارع الماضين، وديارِهم الخاوية، والاتعاظ بها والايمان بالله - راحوا يستعجلون في العذاب الذي أخَّره اللهُ عنهم إلى أجلٍ معلوم!! وهذاغرور كبير منه، واللهُ تعالى لن يُخلف وعدَه، فهو واقع بهم، ولكن في موعدٍ قدَّره الله في الدنيا او في الآخرة. ان أيام الله لا تقدير لها، فان يوماً واحداً من أيامه كألف سنةٍ من أيامكم. ولم يكن هذا مفهوماً في الزمن الماضي، ولكنه اليومَ أصبح بديهيا، بعد ان صعد الانسان الى القمر وعرف أَن الزمن نسبيٌّ، وان الانسان إذا خرج من جوّ الأرض الذي نعيش فيه اصبح الزمن بلا حدود. قراءات قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: مما يعدّون بالياء والباقون: مما تعدون بالتاء. ثم أكد الله تعالى ما ذكره من عدم إخلاف الوعد وان طال الأمد فقال: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ ٱلْمَصِيرِ}. كم من قريةٍ أخرتُ إهلاكها مع استمرارها على ظُلمها، فاغترَّتْ بذلك، ثم أنزلتُ بها أشد العذاب، ثم مرجعُهم جميعاً اليَّ يوم القيامة فأجازيهم بما يستحقون.... فلا تغتروا ايها الجاحدون بتأخير العذاب عنكم. {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} بعد ان بيّن مصارع الغابرين، وسُنّةَ الله في المكذّبين، يخاطب سبحانه وتعالى رسوله الكريم لينذر الناس ويبين لهم ما ينتظرهم. قل ايها النبي لهؤلاء المكذّبين الذين يطلبون منك استعجالَ العذاب: ليس ذلك إليّ، وإنما ارسلني ربي نذيراً لكم محذِّراً تحذيراً واضحا، واللهُ هو الذي يتولى حسابكم ومجازاتكم. فالذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة لهم مغفرةٌ من الله كما ان لهم رزقاً كريماً في الجنة. واما الذين سَعوا في محاربة القرآن وتعطيل آياته، ظناً منهم أنهم يُعْجِزوننا وأنهم لا يُبعثون - فأولئك هم أهلُ النار المقيمون خالدين فيها ابدا. قراءات قرأ ابن كثير وابو عمرو: معجّزين بتشديد الجيم المكسورة بمعنى مثبطين ومبطئين. والباقون: معاجِزين بالالف.
د. أسعد حومد
تفسير : (42) - يُسَلِّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم عَمَّا يُلاَقِيهِ مِنْ تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ لَهُ؛ فَيَقُولُ لَهُ: إِنْ كَانَ قَوْمُكَ قَد كَذَّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أَقْوامُ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمودَ أَنْبِيَاءَهُم.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {وَإِن يُكَذِّبُوكَ ..} [الحج: 42] يعني: في دعوتك فيواجهونك، ويقفون في سبيل دعوتك ليبطلوها، فاعلم أنك لست في ذلك بِدْعاً من الرسل، فقد كُذِّب كثير من الرسل قبلك، وعليك أَلاَّ تلاحظ مسألة التكذيب منفصلةً عن عاقبته، نعم: كذب القوم لكن كيف كانت العاقبة؟ أتركناهم أم أخذناهم أَخْذ عزيز مقتدر؟ فلا تحزن، فسوف يحلُّ بهم ما حَلَّ بسابقيهم من المكذِّبين والمعاندين. وقلنا: إن الرسول يتحمّل من مشقة الرسالة وعناء الدعوة على قَدْر رسالته، فكلُّ رسل الله قبل محمد كان الرسول يُرْسَل إلى قومه خاصة، وفي مدة محدودة، وزمان محدود، ومع ذلك تعبوا كثيراً في سبيل دعوتهم، فما بالك برسول بُعِثَ إلى الناس كافة في كل زمان وفي كل مكان، لا شَكَّ أنه سيتحمل من التعب والعناء أضعاف ما تحمِّله إخوانه من الرسل السابقين. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يُعد رسوله صلى الله علية وسلم ويُوطِّنه على تحمُّل المشاقِّ من بداية الطريق حتى لا تفتّ في عَضُده حين يواجهها عند مباشرة أمر الدعوة، يقول له: ليست السيادة أمراً سهلاً، إنما دونها متاعب وأهوال ومصاعب فاستعد، كما تنبه ولدك: انتبه، فالامتحانات ستأتي هذا العام صعبة، فالوزارة تريد تقليل عدد المتقدمين للجامعة، فاجتهد حتى تحصل على مجموع مرتفع، وحين يسمع الولد هذا التنبيه يُجمع تماسكه، ويجمع تركيزه، فلا يهتز حين يواجه الامتحانات. ثم يذكر الحق - تبارك وتعالى - نماذج للمكذِّبين للرسل: {قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ} [الحج: 42]. ثم يقول تعالى: {وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتربيته بقوله تعالى: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ} [الحج: 42] يشير إلى: أمر حتَّم الصبر من النبي صلى الله عليه وسلم على مقاساة ما يلقاه من قومه من فنون البلاء وصنوف الأسواء. وبقوله تعالى: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ} [الحج: 45] يشير إلى: خراب قلوب أهل الظلم، فإن الظلم يوجب خراب أوطان الظالم، فيخرب أولاً أوطان راحة الظالم وهو قلبه، فالوحشة هي غالبة على الظلمة من ضيق صدورهم، وسوء أخلاقهم، وفرط غيظهم على من يظلمون عليهم، كل ذلك من خراب أوطانهم راحاتهم وهي في الحقيقة من جملة العقوبات التي تلحقهم على ظلمهم، ويقال: خراب منازل الظلمة ربما يستأخر وربما يستعجل، وخراب نفوسهم في تعطلها عن العبادات بشؤم ظلمها كما قال تعالى: {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} [الحج: 45] وخراب قلوبهم باستيلاء الغفلة عليهم خصوصاً في أوقات صلواتهم وأوان خلواتهم فهو غير مستأخر. وبقوله تعالى: {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ} [الحج: 45] يشير إلى: العيون المتفجرة التي كانت في بواطنهم وكانوا يستقون لإحياء أوقاتهم من غلبات الإرادة وتوجيه المواجيد، فإذا انفقوا بظلمهم غلب غشاؤها بقطع وانقطع ماؤها، لانسداد عيونها، ويشير بقوله تعالى: {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} [الحج: 45] إلى: تعطيل أسرارهم عن مساكنها من الهيبة والإنس، وخلوا أرواحهم عن نوازل المحابة وسلطان الاشتياق وصنوف المواجيد. وبقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} [الحج: 46] يشير إلى: السير في أرض البشرية، والعبور عنها، والوصول إلى مقامات القلب {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ} [الحج: 46] فيه إشارة إلى أن العقل الحقيقي إنما يكون من نتائج القلب بعد تصفية حواسه عن العمى والصمم، كما قال الله تعالى: {أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} [الحج: 46] فإن صح وصف القلوب بالسمع والبصر صح وصفه بسائر صفات الحق من وجوه الإدراكات، فكما تبصر القلوب بنور اليقين تدرك نسيم الإقبال بمشام السر، وفي الخبر: "حديث : إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن"تفسير : ، وقال الله تعالى مخبراً عن يعقوب عليه السلام أنه قال: {أية : إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} تفسير : [يوسف: 94] وما كان ذلك إلا لأدراك السرائر دون اشتمام الريح في الظاهر.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإن يكذبك هؤلاء المشركون فلست بأول رسول كذب، وليسوا بأول أمة كذبت رسولها { فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ } أي: قوم شعيب. { وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ } المكذبين، فلم أعاجلهم بالعقوبة، بل أمهلتهم، حتى استمروا في طغيانهم يعمهون، وفي كفرهم وشرهم يزدادون، { ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ } بالعذاب أخذ عزيز مقتدر { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } أي: إنكاري عليهم كفرهم، وتكذيبهم كيف حاله، كان أشد العقوبات، وأفظع المثلات، فمنهم من أغرقه، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من أهلك بالريح العقيم، ومنهم من خسف به الأرض، ومنهم من أرسل عليه عذاب يوم الظلة، فليعتبر بهم هؤلاء المكذبون، أن يصيبهم ما أصابهم، فإنهم ليسوا خيرا منهم، ولا كتب لهم براءة في الكتب المنزلة من الله، وكم من المعذبين المهلكين أمثال هؤلاء كثير، ولهذا قال: { فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ } أي: وكم من قرية { أَهْلَكْنَاهَا } بالعذاب الشديد، والخزي الدنيوي، { وَهِيَ ظَالِمَةٌ } بكفرها بالله وتكذيبها لرسله، لم يكن عقوبتنا لها ظلما منا، { فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا } أي: فديارهم متهدمة، قصورها، وجدرانها، قد سقطت عروشها، فأصبحت خرابا بعد أن كانت عامرة، وموحشة بعد أن كانت آهلة بأهلها آنسة، { وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ } أي: وكم من بئر، قد كان يزدحم عليه الخلق، لشربهم، وشرب مواشيهم، ففقد أهله، وعدم منه الوارد والصادر، وكم من قصر، تعب عليه أهله، فشيدوه، ورفعوه، وحصنوه، وزخرفوه، فحين جاءهم أمر الله، لم يغن عنهم شيئا، وأصبح خاليا من أهله، قد صاروا عبرة لمن اعتبر، ومثالا لمن فكر ونظر. ولهذا دعا الله عباده إلى السير في الأرض، لينظروا، ويعتبروا فقال: { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ } بأبدانهم وقلوبهم { فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا } آيات الله ويتأملون بها مواقع عبره، { أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } أخبار الأمم الماضين، وأنباء القرون المعذبين، وإلا فمجرد نظر العين، وسماع الأذن، وسير البدن الخالي من التفكر والاعتبار، غير مفيد، ولا موصل إلى المطلوب، ولهذا قال: { فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } أي: هذا العمى الضار في الدين، عمى القلب عن الحق، حتى لا يشاهده كما لا يشاهد الأعمى المرئيات، وأما عمى البصر، فغايته بلغة، ومنفعة دنيوية.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):