٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
258
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى ذكر هٰهنا قصصاً ثلاثة: الأولى: منها في بيان إثبات العلم بالصّانع، والثانية والثالثة: في إثبات الحشر والنشر والبعث، والقصة الأولى مناظرة إبراهيم صلى الله عليه وسلم مع ملك زمانه وهي هذه الآية التي نحن في تفسيرها فنقول: أما قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ } فهي كلمة يوقف بها المخاطب على تعجب منها، ولفظها لفظ الاستفهام وهي كما يقال: ألم تر إلى فلان كيف يصنع، معناه: هل رأيت كفلان في صنعه كذا. أما قوله: {إِلَى ٱلَّذِى حَاجَّ إِبْرٰهِيمَ فِى رِبّهِ } فقال مجاهد: هو نمروذ بن كنعان، وهو أول من تجبر وادعى الربوبية، واختلفوا في وقت هذه المحاجة قيل: إنه عند كسر الأصنام قبل الإلقاء في النار عن مقاتل، وقيل: بعد إلقائه في النار، والمحاجة المغالبة، يقال: حاججته فحججته، أي غالبته فغلبته، والضمير في قوله {فِى رِبّهِ } يحتمل أن يعود إلى إبراهيم، ويحتمل أن يرجع إلى الطاعن، والأول أظهر، كما قال: {أية : وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِى ٱللَّهِ } تفسير : [الأنعام: 80] والمعنى وحاجه قومه في ربه. أما قوله: {أَنْ آتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ } فاعلم أن في الآية قولين الأول: أن الهاء في آتاه عائد إلى إبراهيم، يعني أن الله تعالى آتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم الملك، واحتجوا على هذا القول بوجوه الأول: قوله تعالى: {أية : فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إِبْرٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءاتَيْنَـٰهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً } تفسير : [النساء: 54] أي سلطاناً بالنبوّة، والقيام بدين الله تعالى والثاني: أنه تعالى لا يجوز أن يؤتي الملك الكفار، ويدعي الربوبية لنفسه والثالث: أن عود الضمير إلى أقرب المذكورين واجب، وإبراهيم أقرب المذكورين إلى هذا الضمير، فوجب أن يكون هذا الضمير عائداً إليه والقول الثاني: وهو قول جمهور المفسرين: أن الضمير عائد إلى ذلك الإنسان الذي حاج إبراهيم. وأجابو عن الحجة الأولى بأن هذه الآية دالة على حصول الملك لآل إبراهيم، وليس فيها دلالة على حصول الملك لإبراهيم عليه السلام. وعن الحجة الثانية بأن المراد من الملك هٰهنا التمكن والقدرة والبسطة في الدنيا، والحس يدل على أنه تعالى قد يعطي الكافر هذا المعنى، وأيضاً فلم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى أعطاه الملك حال ما كان مؤمناً، ثم أنه بعد ذلك كفر بالله تعالى. وعن الحجة الثالثة بأن إبراهيم عليه السلام وإن كان أقرب المذكورين إلا أن الروايات الكثيرة واردة بأن الذي حاج إبراهيم كان هو الملك، فعود الضمير إليه أولى من هذه الجهة، ثم احتج القائلون بهذا القول على مذهبهم من وجوه الأول: أن قوله تعالى: {أَنْ آتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ } يحتمل تأويلات ثلاثة، وكل واحد منها إنما يصح إذا قلنا: الضمير عائد إلى الملك لا إلى إبراهيم، وأحد تلك التأويلات أن يكون المعنى حاج إبراهيم في ربه لأجل أن آتاه الله الملك، على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتو فحاج لذلك، ومعلوم أن هذا إنما يليق بالملك العاتي، والتأويل الثاني أن يكون المعنى أنه جعل محاجته في ربه شكراً على أن آتاه ربه الملك، كما يقال: عاداني فلان لأني أحسنت إليه، يريد أنه عكس ما يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ } تفسير : [الواقعة: 82] وهذا التأويل أيضاً لا يليق بالنبي فإنه يجب عليه إظهار المحاجة قبل حصول الملك وبعده أما الملك العاتي فإنه لا يليق به إظهار هذا العتو الشديد إلا بعد أن يحصل الملك العظيم له، فثبت أنه لا يستقيم لقوله {أَنْ آتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ } معنى وتأويل إلا إذا حملناه على الملك العاتي. الحجة الثانية: أن المقصود من هذه الآية بيان كمال حال إبراهيم صلى الله عليه وسلم في إظهار الدعوة إلى الدين الحق، ومتى كان الكافر سلطاناً مهيباً، وإبراهيم ما كان ملكاً، كان هذا المعنى أتم مما إذا كان إبراهيم ملكاً، ولما كان الكافر ملكاً، فوجب المصير إلى ما ذكرنا. الحجة الثانية: ما ذكره أبو بكر الأصم، وهو أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لو كان هو الملك لما قدر الكافر أن يقتل أحد الرجلين ويستبقي الآخر، بل كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم يمنعه منه أشد منع، بل كان يجب أن يكون كالملجأ إلى أن لا يفعل ذلك، قال القاضي هذا الاستدلال ضعيف، لأنه من المحتمل أن يقال: إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان ملكاً وسلطاناً في الدين والتمكن من إظهار المعجزات، وذلك الكافر كان ملكاً مسلطاً قادراً على الظلم، فلهذا السبب أمكنه قتل أحد الرجلين، وأيضاً فيجوز أن يقال إنما قتل أحد الرجلين قوداً، وكان الاختيار إليه، واستبقى الآخر، إما لأنه لا قتل عليه أو بذل الدية واستبقاه. وأيضاً قوله {أنا أحيي وأميت} خبر ووعد، ولا دليل في القرآن على أنه فعله، فهذا ما يتعلق بهذه المسألة. أما قوله تعالى: {إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت } ففيه مسائل: المسألة الأولى: الظاهر أن هذا جواب سؤال سابق غير مذكور،وذلك لأن من المعلوم أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا للدعوة، والظاهر أنه متى ادعى الرسالة، فإن المنكر يطالبه بإثبات أن للعالم إلٰهاً، ألا ترى أن موسى عليه السلام لما قال: {أية : إِنّى رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الزخرف: 46] {أية : قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 23] فاحتج موسى عليه السلام على إثبات الإلٰهية بقوله {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } فكذا هٰهنا الظاهر أن إبراهيم ادعى الرسالة، فقال نمروذ: من ربك؟ فقال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت، إلا أن تلك المقدمة حذفت، لأن الواقعة تدل عليها. المسألة الثانية: دليل إبراهيم عليه السلام كان في غاية الصحة، وذلك لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بواسطة أفعاله التي لا يشاركه فيها أحد من القادرين، والأحياء والاماتة كذلك، لأن الخلق عاجزون عنهما، والعلم بعد الاختيار ضروري، فلا بد من مؤثر آخر غير هؤلاء القادرين الذين تراهم، وذلك المؤثر إما أن يكون موجباً أو مختاراً، والأول: باطل، لأنه يلزم من دوامه دوام الأثر، فكان يجب أن لا يتبدل الأحياء بالاماتة، وأن لا تتبدل الاماتة بالأحياء، والثاني: وهو أنا نرى في الحيوان أعضاء مختلفة في الشكل والصفة والطبيعة والخاصية، وتأثير المؤثر الموجب بالذات لا يكون كذلك فعلمنا أنه لا بد في الأحياء والاماتة من وجود آخر يؤثر على سبيل القدرة، والاختيار في إحياء هذه الحيوانات وفي إماتتها، وذلك هو الله سبحانه وتعالى، وهو دليل متين قوي ذكره الله سبحانه وتعالى في مواضع في كتابه كقوله {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 12] إلى آخره، وقوله {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ } تفسير : [التين: 4، 5] وقال تعالى: {أية : ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ } تفسير : [الملك:2]. المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: إنه تعالى قدم الموت على الحياة في آيات منها قوله تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ } تفسير : [البقرة: 28] وقال: {أية : ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ } تفسير : [الملك: 2] وحكي عن إبراهيم أنه قال في ثنائه على الله تعالى: {أية : وَٱلَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ } تفسير : [الشعراء: 81] فلأي سبب قدم في هذه الآية ذكر الحياة على الموت، حيث قال: {رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ }. والجواب: لأن المقصود من ذكر الدليل إذا كان هو الدعوة إلى الله تعالى وجب أن يكون الدليل في غاية الوضوح، ولا شك أن عجائب الخلقة حال الحياة أكثر، واطلاع الإنسان عليها أتم، فلا جرم وجب تقديم الحياة هٰهنا في الذكر. أما قوله تعالى: {أنا أحيي وأميت} ففيه مسائل: المسألة الأولى: يروى أن إبراهيم عليه السلام لما احتج بتلك الحجة، دعا ذلك الملك الكافر شخصين، وقتل أحدهما، واستبقى الآخر، وقال: أنا أيضاً أحيي وأميت، هذا هو المنقول في التفسير، وعندي أنه بعيد، وذلك لأن الظاهر من حال إبراهيم أنه شرح حقيقة الأحياء وحقيقة الإماتة على الوجه الذي لخصناه في الاستدلال، ومتى شرحه على ذلك الوجه امتنع أن يشتبه على العاقل الإماتة والإحياء على ذلك الوجه بالإماتة والإحياء بمعنى القتل وتركه، ويبعد في الجمع العظيم أن يكونوا في الحماقة بحيث لا يعرفون هذا القدر من الفرق، والمراد من الآية والله أعلم شيء آخر، وهو أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما احتج بالإحياء والإماتة من الله قال المنكر، تدعى الإحياء والإماتة من الله ابتداء من غير واسطة الأسباب الأرضية والأسباب السماوية، أو تدعى صدور الإحياء والإماتة من الله تعالى بواسطة الأسباب الأرضية والأسباب السماوية، أما الأول: فلا سبيل إليه، وأما الثاني: فلا يدل على المقصود لأن الواحد منا يقدر على الإحياء والإماتة بواسطة سائر الأسباب، فإن الجماع قد يفضي إلى الولد الحي بواسطة الأسباب الأرضية والسماوية، وتناول السم قد يفضي إلى الموت، فلما ذكر نمروذ هذا السؤال على هذا الوجه أجاب إبراهيم عليه السلام بأن قال: هب أن الإحياء والإماتة حصلا من الله تعالى بواسطة الاتصالات الفلكية إلا أنه لا بد لتلك الاتصالات والحركات الفلكية من فاعل مدبر، فإذا كان المدبر لتلك الحركات الفلكية هو الله تعالى، كان الإحياء والإماتة الحاصلان بواسطة تلك الحركات الفلكية أيضاً من الله تعالى، وأما الإحياء والإماتة الصادران على البشر بواسطة الأسباب الفلكية والعنصرية فليست كذلك، لأنه لا قدرة للبشر على الاتصالات الفلكية، فظهر الفرق. وإذا عرفت هذا فقوله {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِ بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ } ليس دليلاً آخر، بل تمام الدليل الأول: ومعناه: أنه وإن كان الإحياء والإماتة من الله بواسطة حركات الأفلاك، إلا أن حركات الأفلاك من الله فكان الإحياء والإماتة أيضاً من الله تعالى، وأما البشر فإنه وإن صدر منه الإحياء والإماتة بواسطة الاستعانة بالأسباب السماوية والأرضية إلا أن الأسباب ليست واقعة بقدرته، فثبت أن الإحياء والإماتة الصادرين عن البشر ليست على ذلك الوجه، وأنه لا يصلح نقضاً عليه، فهذا هو الذي أعتقده في كيفية جريان هذه المناظرة، لا ما هو المشهور عند الكل، والله أعلم بحقيقة الحال. المسألة الثانية: أجمع القرّاء على إسقاط ألف {أَنَاْ } في الوصل في جميع القرآن، إلا ما روي عن نافع من إثباته عند استقبال الهمزة، والصحيح ما عليه الجمهور، لأن ضمير المتكلم هو {أن} وهو الهمزة والنون، فأما الألف فإنما تلحقها في الوقف كما تلحق الهاء في سكوته للوقف، وكما إن هذه الهاء تسقط عند الوصل، فكذا هذه الألف تسقط عند الوصل، لأن ما يتصل به يقوم مقامه، ألا ترى أن همزة الوصل إذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشيء سقطت ولم تثبت، لأن ما يتصل به يتوصل به إلى النطق بما بعد الهمزة فلا تثبت الهمزة فكذا الألف في {أَنَاْ } والهاء التي في الوقف يجب سقوطها عند الوصل كما يجب سقوط الهمزة عند الوصل. أما قوله تعالى: {قَالَ إِبْرٰهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ } فاعلم أن للناس في هذا المقام طريقين الأول: وهو طريقة أكثر المفسرين أن إبراهيم عليه السلام لما رأى من نمروذ أنه ألقى تلك الشبهة عدل عن ذلك إلى دليل آخر أوضح منه، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ } فزعم أن الانتقال من دليل إلى دليل آخر أوضح منه جائز للمستدل. فإن قيل: هلا قال نمروذ: فليأت ربك بها من المغرب؟. قلنا: الجواب من وجهين: أحدهما: أن هذه المحاجة كانت مع إبراهيم بعد إلقائه في النار وخروجه منها سالماً، فعلم أن من قدر على حفظ إبراهيم في تلك النار العظيمة من الاحتراق يقدر على أن يأتي بالشمس من المغرب والثاني: أن الله خذله وأنساه إيراد هذه الشبهة نصرة لنبيه عليه السلام. والطريق الثاني: وهو الذي قال به المحققون: إن هذا ما كان انتقالاً من دليل إلى دليل آخر بل الدليل واحد في الموضعين وهو أنا نرى حدوث أشياء لا يقدر الخلق على إحداثها فلا بد من قادر آخر يتولى إحداثها وهو الله سبحانه وتعالى، ثم إن قولنا: نرى حدوث أشياء لا يقدر الخلق على إحداثها له أمثلة منها: الإحياء، والإماتة، ومنها السحاب، والرعد، والبرق، ومنها حركات الأفلاك، والكواكب، والمستدل لا يجوز له أن ينتقل من دليل إلى دليل آخر، لكن إذا ذكر لإيضاح كلام مثالاً فله أن ينتقل من ذلك المثال إلى مثال آخر، فكان ما فعله إبراهيم من باب ما يكون الدليل واحد إلا أنه يقع الانتقال عند إيضاحه من مثال إلى مثال آخر، وليس من باب ما يقع الانتقال من دليل إلى دليل آخر، وهذا الوجه أحسن من الأول وأليق بكلام أهل التحقيق منه، والإشكال عليهما من وجوه: الإشكال الأول: أن صاحب الشبهة إذا ذكر الشبهة، ووقعت تلك الشبهة في الأسماع، وجب على المحق القادر على الجواب أن يذكر الجواب في الحال إزالة لذلك التلبيس والجهل عن العقول، فلما طعن الملك الكافر في الدليل الأول، أو في المثال الأول بتلك الشبهة كان الاشتغال بإزالة تلك الشبهة واجباً مضيقاً، فكيف يليق بالمعصوم أن يترك ذلك الواجب. والإشكال الثاني: أنه لما أورد المبطل ذلك السؤال، فإذا ترك المحق الكلام الأول وانتقل إلى كلام آخر، أوهم أن كلامه الأول كان ضعيفاً ساقطاً، وأنه ما كان عالماً بضعفه، وأن ذلك المبطل علم وجه ضعفه وكونه ساقطاً، وأنه كأنه عالماً بضعفه فنبه عليه، وهذا ربما يوجب سقوط وقع الرسول وحقارة شأنه وأنه غير جائز. والإشكال الثالث: وهو أنه وإن كان يحسن الانتقال من دليل إلى دليل، أو من مثال إلى مثال، لكنه يجب أن يكون المنتقل إليه أوضح وأقرب، وهٰهنا ليس الأمر كذلك، لأن جنس الإحياء لا قدرة للخلق عليه، وأما جنس تحريك الأجسام، فللخلق قدرة عليه، ولا يبعد في العقل وجود ملك عظيم في الجثة أعظم من السمٰوات، وأنه هو الذي يكون محركاً للسمٰوات، وعلى هذا التقدير الاستدلال بالإحياء والإماتة على وجود الصانع أظهر وأقوى من الاستدلال بطلوع الشمس على وجود الصانع فكيف يليق بالنبي المعصوم أن ينتقل من الدليل الأوضح الأظهر إلى الدليل الخفي الذي لا يكون في نفس الأمر قوياً. والإشكال الرابع: أن دلالة الإحياء والإماتة على وجود الصانع أقوى من دلالة طلوع الشمس عليه وذلك لأنا نرى في ذات الإنسان وصفاته تبديلات واختلافات والتبدل قوي الدلالة على الحاجة إلى المؤثر القادر، أما الشمس فلا نرى في ذاتها تبدلاً، ولا في صفاتها تبدلاً، ولا في منهج حركاتها تبدلاً ألبتة، فكانت دلالة الإحياء والإماتة على الصانع أقوى، فكان العدول منه إلى طلوع الشمس انتقالاً من الأقوى الأجلى إلى الأخفى الأضعف، وأنه لا يجوز. الإشكال الخامس: أن نمروذ لما لم يستح من معارضة الإحياء والإماتة الصادرين عن الله تعالى بالقتل والتخلية، فكيف يؤمن منه عند استدلال إبراهيم بطلوع الشمس أن يقول: طلوع الشمس من المشرق مني فإن كان لك إلٰه فقل له حتى يطلعها من المغرب، وعند ذلك التزم المحققون من المفسرين ذلك فقالوا: إنه لو أورد هذا السؤال لكان من الواجب أن تطلع الشمس من المغرب ومن المعلوم أن الاشتغال بإظهار فساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثير من التزام إطلاع الشمس من المغرب، فبتقدير أن يحصل طلوع الشمس من المغرب، إلا أنه يكون الدليل على وجود الصانع هو طلوع الشمس من المغرب، ولا يكون طلوع الشمس من المشرق دليلاً على وجود الصانع، وحينئذ يصير دليله الثاني ضائعاً كما صار دليله الأول ضائعاً، وأيضاً فما الدليل الذي حمل إبراهيم عليه السلام على أن ترك الجواب عن ذلك السؤال الركيك والتزم الانقطاع، واعترف بالحاجة إلى الانتقال إلى تمسك بدليل لا يمكنه تمشيته إلا بالتزام طلوع الشمس من المغرب، وبتقدير أن يأتي باطلاع الشمس من المغرب فإنه يضيع دليله الثاني كما ضاع الأول ومن المعلوم أن التزام هذه المحذورات لا يليق بأقل الناس علماً فضلاً عن أفضل العقلاء وأعلم العلماء، فظهر بهذا أن هذا التفسير الذي أجمع المفسرون عليه ضعيف، وأما الوجه الذي ذكرناه فلا يتوجه عليه شيء من هذه الإشكالات، لأنا نقول: لما احتج إبراهيم عليه السلام بالإحياء والإماتة أورد الخصم عليه سؤالاً لا يليق بالعقلاء، وهو أنك إذا ادعيت الإحياء والإماتة لا بواسطة، فذلك لا تجد إلى إثباته سبيلاً، وإن ادعيت حصولهما بواسطة حركات الأفلاك فنظيره أو ما يقرب منه حاصل للبشر، فأجاب إبراهيم عليه السلام بأن الإحياء والإماتة وإن حصلا بواسطة حركات الأفلاك، لكن تلك الحركات حصلت من الله تعالى وذلك لا يقدح في كون الإحياء والإماتة من الله تعالى بخلاف الخلق فإنه لا قدرة لهم على تحريكات الأفلاك فلا جرم لا يكون الإحياء والإماتة صادرين منهم، ومتى حملنا الكلام على هذا الوجه لم يكن شيء من المحذورات المذكورة لازماً عليه، والله أعلم بحقيقة كلامه. أما قوله تعالى: {فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ } فالمعنى: فبقي مغلوباً لا يجد مقالاً، ولا للمسألة جوابه، وهو كقوله {أية : بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا } تفسير : [الأنبياء: 40] قال الواحدي، وفيه ثلاث لغات: بهت الرجل فهو مبهوت، وبهت وبهت، قال عروة العذري:شعر : فما هو إلا أن أراها فجاءة فأبهت حتى ما أكاد أجيب تفسير : أي أتحير وأسكت. ثم قال: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } وتأويله على قولنا ظاهر، أما المعتزلة فقال القاضي: يحتمل وجوهاً: منها أنه لا يهديهم لظلمهم وكفرهم للحجاج وللحق كما يهدي المؤمن فإنه لا بد في الكافر من أن يعجز وينقطع. وأقول: هذا ضعيف، لأن قوله لا يهديهم للحجاج، إنما يصح حيث يكون الحجاج موجوداً ولا حجاج على الكفر، فكيف يصح أن يقال: إن الله تعالى لا يهديه إليه، قال القاضي: ومنها أن يريد أنه لا يهديهم لزيادات الألطاف من حيث أنهم بالكفر والظلم سدوا على أنفسهم طريق الانتفاع به. وأقول: هذا أيضاً ضعيف، لأن تلك الزيادات إذا كانت في حقهم ممتنعة عقلاً لم يصح أن يقال: إنه تعالى لا يهديهم، كما لا يقال: إنه تعالى يجمع بين الضدين فلا يجمع بين الوجود والعدم قال القاضي: ومنها أنه تعالى لا يهديهم إلى الثواب في الآخرة ولا يهديهم إلى الجنة. وأقول: هذا أيضاً ضعيف، لأن المذكور هٰهنا أمر الاستدلال وتحصيل المعرفة ولم يجر للجنة ذكر، فيبعد صرف اللفظ إلى الجنة، بل أقول: اللائق بسياق الآية أن يقال إنه تعالى لما بيّن أن الدليل كان قد بلغ في الظهور والحجة إلى حيث صار المبطل كالمبهوت عند سماعه إلا أن الله تعالى لما لم يقدر له الاهتداء لم ينفعه ذلك الدليل الظاهر، ونظير هذا التفسير قوله {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الأنعام: 111]. القصة الثانية والمقصود منها إثبات المعاد، قوله تعالى: {أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا }. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلف النحويون في إدخال الكاف في قوله {أَوْ كَٱلَّذِى } وذكروا فيه ثلاثة أوجه الأول: أن يكون قوله {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَاجَّ إِبْرٰهِيمَ } [البقرة: 258] في معنى (أَلم تر كالذي حاج ابراهيم ) وتكون هذه الآية معطوفة عليه، والتقدير: أرأيت كالذي حاج إبراهيم، أو كالذي مرّ على قرية، فيكون هذا عطفاً على المعنى، وهو قول الكسائي والفرّاء وأبي علي الفارسي، وأكثر النحويين قالوا: ونظيره من القرآن قوله تعالى: {أية : قُل لّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } تفسير : [المؤمنون: 84، 85] ثم قال: {أية : مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } تفسير : [المؤمنون: 85، 86] فهذا عطف على المعنى لأن معناه: لمن السمٰوات؟ فقيل لله. قال الشاعر:شعر : معاوي إننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا تفسير : فحمل على المعنى وترك اللفظ. والقول الثاني: وهو اختيار الأخفش: أن الكاف زائدة، والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج والذي مرّ على قرية. والقول الثالث: وهو اختيار المبرد: أنا نضمر في الآية زيادة، والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، وألم تر إلى من كان كالذي مرّ على قرية. المسألة الثانية: اختلفوا في الذي مرّ بالقرية، فقال قوم: كان رجلاً كافراً شاكاً في البعث وهو قول مجاهد وأكثر المفسرين من المعتزلة، وقال الباقون: إنه كان مسلماً، ثم قال قتادة وعكرمة والضحاك والسدي: هو عزير، وقال عطاء عن ابن عباس: هو أرمياء، ثم من هؤلاء من قال: إن أرمياء هو الخضر عليه السلام، وهو رجل من سبط هارون بن عمران عليهما السلام، وهو قول محمد بن إسحاق، وقال وهب بن منبه: إن أرمياء هو النبي الذي بعثه الله عندما خرب بختنصر بيت المقدس وأحرق التوراة، حجة من قال: إن هذا المار كان كافراً وجوه الأول: أن الله حكى عنه أنه قال: {أنى يحي هذه الله بعد موتها} وهذا كلام من يستبعد من الله الإحياء بعد الإماتة وذلك كفر. فإن قيل: يجوز أن ذلك وقع منه قبل البلوغ. قلنا: لو كان كذلك لم يجز من الله تعالى أن يعجب رسوله منه إذ الصبي لا يتعجب من شكه في مثل ذلك، وهذه الحجة ضعيفة لاحتمال أن ذلك الاستبعاد ما كان بسبب الشك في قدرة الله تعالى على ذلك، بل كان بسبب إطراد العادات في أن مثل ذلك الموضع الخراب قلما يصيره الله معموراً وهذا كما أن الواحد منا يشير إلى جبل، فيقول: متى يقلبه الله ذهباً، أو ياقوتاً، لا أن مراده منه الشك في قدرة الله تعالى، بل على أن مراده منه أن ذلك لا يقع ولا يحصل في مطرد العادات، فكذا هٰهنا. الوجه الثاني: قالوا: إنه تعالى قال في حقه {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } وهذا يدل على أنه قبل ذلك لم يكن ذلك التبين حاصلاً له وهذا أيضاً ضعيف لأن تبين الإحياء على سبيل المشاهدة ما كان حاصلاً له قبل ذلك، فأما أن تبين ذلك على سبيل الاستدلال ما كان حاصلاً فهو ممنوع. الوجه الثالث: أنه قال: {أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } وهذا يدل على أن هذا العالم إنما حصل له في ذلك الوقت، وأنه كان خالياً عن مثل ذلك العلم قبل ذلك الوقت، وهذا أيضاً ضعيف لأن تلك المشاهدة لا شك أنها أفادت نوع توكيد وطمأنينة ووثوق، وذلك القدر من التأكيد إنما حصل في ذلك الوقت، وهذا لا يدل على أن أصل العلم ما كان حاصلاً قبل ذلك. الوجه الرابع: لهم أن هذا المار كان كافراً لانتظامه مع نمروذ في سلك واحد وهو ضعيف أيضاً، لأن قبله وإن كان قصة نمروذ، ولكن بعده قصة سؤال إبراهيم، فوجب أن يكون نبياً من جنس إبراهيم. وحجة من قال: إنه كان مؤمناً وكان نبياً وجوه الأول: أن قوله {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} يدل على أنه كان عالماً بالله، وعلى أنه كان عالماً بأنه تعالى يصح منه الإحياء في الجملة، لأن تخصيص هذا الشيء باستبعاد الإحياء إنما يصح أن لو حصل الاعتراف بالقدرة على الإحياء في الجملة فأما من يعتقد أن القدرة على الإحياء ممتنعة لم يبق لهذا التخصيص فائدة. /الحجة الثانية: أن قوله {كَمْ لَبِثْتَ } لا بد له من قائل والمذكور السابق هو الله تعالى فصار التقدير: قال الله تعالى: {كَمْ لَبِثْتَ } فقال ذلك الإنسان {لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } فقال الله تعالى: {بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ } ومما يؤكد أن قائل هذا القول هو الله تعالى قوله {وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ } ومن المعلوم أن القادر على جعله آية للناس هو الله تعالى، ثم قال: {وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } ولا شك أن قائل هذا القول هو الله تعالى؛ فثبت أن هذه الآية دالة من هذه الوجوه الكثيرة على أنه تكلم معه، ومعلوم أن هذا لا يليق بحال هذا الكافر. فإن قيل: لعله تعالى بعث إليه رسولاً أو ملكاً حتى قال له هذا القول عن الله تعالى. قلنا: ظاهر هذا الكلام يدل على أن قائل هذه الأقوال معه هو الله تعالى، فصرف اللفظ عن هذا الظاهر إلى المجاز من غير دليل يوجبه غير جائز. والحجة الثالثة: أن إعادته حياً وإبقاء الطعام والشراب على حالهما، وإعادة الحمار حياً بعد ما صار رميماً مع كونه مشاهداً لإعادة أجزاء الحمار إلى التركيب وإلى الحياة إكرام عظيم وتشريف كريم، وذلك لا يليق بحال الكافر له. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن كل هذه الأشياء إنما أدخلها الله تعالى في الوجود إكراماً لإنسان آخر كان نبياً في ذلك الزمان. قلنا: لم يجر في هذه الآية ذكر هذا النبي، وليس في هذه القصة حالة مشعرة بوجود النبي أصلاً فلو كان المقصود من إظهار هذه الأشياء إكرام ذلك النبي وتأييد رسالته بالمعجزة لكان ترك ذكر ذلك الرسول إهمالاً لما هو الغرض الأصلي من الكلام وأنه لا يجوز. فإن قيل: لو كان ذلك الشخص لكان إما أن يقال: إنه ادعى النبوّة من قبل الإماتة والإحياء أو بعدهما، والأول: باطل، لأن إرسال النبي من قبل الله يكون لمصلحة تعود على الأمة، وذلك لا يتم بعد الإماتة، وإن ادعى النبوّة بعد الإحياء فالمعجز قد تقدم على الدعوى، وذلك غير جائز. قلنا: إظهار خوارق العادات على يد من يعلم الله أنه سيصير رسولاً جائز عندنا، وعلى هذا الطريق زال السؤال. الحجة الرابعة: أنه تعالى قال في حق هذا الشخص {وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ } وهذا اللفظ إنما يستعمل في حق الأنبياء والرسل قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَـٰهَا وَٱبْنَهَا ءَايَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 91] فكان هذا وعداً من الله تعالى بأنه يجعله نبياً، وأيضاً فهذا الكلام لم يدل على النبوّة بصريحه فلا شك أنه يفيد التشريف العظيم، وذلك لا يليق بحال من مات على الكفر وعلى الشك في قدرة الله تعالى. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من جعله آية أن من عرفه من الناس شاباً كاملاً إذا شاهدوه بعد مائة سنة على شبابه وقد شاخوا أو هرموا، أو سمعوا بالخبر أنه كان مات منذ زمان وقد عاد شاباً صح أن يقال لأجل ذلك إنه آية للناس لأنهم يعتبرون بذلك ويعرفون به قدرة الله تعالى، ونبوّة نبي ذلك الزمان. والجواب من وجهين الأول: أن قوله {وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً } إخبار عن أنه تعالى يجعله آية، وهذا الاخبار إنما وقع بعد أن أحياه الله، وتكلم معه، والمجعول لا يجعل ثانياً، فوجب حمل قوله {وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ } على أمر زائد عن هذا الإحياء، وأنتم تحملونه على نفس هذا الإحياء فكان باطلاً والثاني: أنه وجه التمسك أن قوله {وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ } يدل على التشريف العظيم، وذلك لا يليق بحال من مات على الكفر والشك في قدرة الله تعالى. الحجة الخامسة: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب نزول الآية قال: إن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم الكثيرون، ومنهم عزير وكان من علمائهم، فجاء بهم إلى بابل، فدخل عزير يوماً تلك القرية ونزل تحت شجرة وهو على حمار، فربط حماره وطاف في القرية فلم ير فيها أحداً فعجب من ذلك وقال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} لا على سبيل الشك في القدرة، بل على سبيل الاستبعاد بحسب العادة، وكانت الأشجار مثمرة، فتناول من الفاكهة التين والعنب، وشرب من عصير العنب ونام، فأماته الله تعالى في منامه مائة عام وهو شاب، ثم أعمى عن موته أيضاً الإنس والسباع والطير، ثم أحياه الله تعالى بعد المائة ونودي من السماء: يا عزير {كَمْ لَبِثْتَ } بعد الموت فقال {يَوْماً } فأبصر من الشمس بقية فقال {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } فقال الله تعالى: {بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ } من التين والعنب وشرابك من العصير لم يتغير طعمهما، فنظر فإذا التين والعنب كما شاهدهما ثم قال: {وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ } فنظر فإذا هو عظام بيض تلوح وقد تفرقت أوصاله وسمع صوتاً أيتها العظام البالية إني جاعل فيك روحاً فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض، ثم التصق كل عضو بما يليق به الضلع إلى الضلع والذراع إلى مكانه ثم جاء الرأس إلى مكانه ثم العصب والعروق ثم أنبت طراء اللحم عليه، ثم انبسط الجلد عليه، ثم خرجت الشعور عن الجلد، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو قائم ينهق فخر عزير ساجداً، وقال: {أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ثم إنه دخل بيت المقدس فقال القوم: حدثنا آباؤنا أن عزير بن شرخياء مات ببابل، وقد كان بختنصر قتل ببيت المقدس أربعين ألفاً ممن قرأ التوراة وكان فيهم عزير، والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة، فلما أتاهم بعد مائة عام جدد لهم التوراة وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لم يخرم منها حرفاً، وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت وعورض بما أملاه فما اختلفا في حرف، فعند ذلك قالوا: عزير بن الله، وهذه الرواية مشهورة فيما بين الناس، وذلك يدل على أن ذلك المار كان نبياً. المسألة الثالثة: اختلفوا في تلك القرية فقال وهب وقتادة وعكرمة والربيع: إيلياء وهي بيت المقدس، وقال ابن زيد: هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت. أما قوله تعالى: {وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا } قال الأصمعي: خوى البيت فهو يخوى خواء ممدود إذا ما خلا من أهله، والخوا: خلو البطن من الطعام، وفي الحديث: «حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد خوى»تفسير : أي خلى ما بين عضديه وجنبيه، وبطنه وفخذيه، وخوى الفرس ما بين قوائمه، ثم يقال للبيت إذا انهدم: خوى لأنه بتهدمه يخلو من أهله، وكذلك: خوت النجوم وأخوت إذا سقطت ولم تمطر لأنها خلت عن المطر، والعرش سقف البيت، والعروش الأبنية، والسقوف من الخشب يقال: عرش الرجل يعرش ويعرش إذا بني وسقف بخشب، فقوله: {وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا } أي منهدمة ساقطة خراب، قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه وجوه أحدها: أن حيطانها كانت قائمة وقد تهدمت سقوفها، ثم انقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المنهدمة، ومعنى الخاوية المنقلعة وهي المنقلعة من أصولها يدل عليه قوله تعالى: {أية : أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } تفسير : [الحاقة: 7] وموضع آخر {أية : أَعْجَازُ نَخْلٍ منقعر } تفسير : [القمر: 20] وهذه الصفة في خراب المنازل من أحسن ما يوصف به والثاني: قوله تعالى: {خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا } أي خاوية عن عروشها، جعل (عَلَىٰ) بمعنى (عَنْ ) كقوله {أية : إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ } تفسير : [المطففين: 2] أي عنهم والثالث: أن المراد أن القرية خاوية مع كون أشجارها معروشة فكان التعجب من ذلك أكثر، لأن الغالب من القرية الخالية الخاوية أن يبطل ما فيها من عروش الفاكهة، فلما خربت القرية مع بقاء عروشها كان التعجب أكثر. أما قوله تعالى: {قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا } فقد ذكرنا أن من قال: المار كان كافراً حمله على الشك في قدرة الله تعالى، ومن قال كان نبياً حمله على الاستبعاد بحسب مجاري العرف والعادة أو كان المقصود منه طلب زيادة الدلائل لأجل التأكيد، كما قال إبراهيم عليه السلام: {أية : أرني كيف تحيي الموتى} تفسير : [البقرة: 260] وقوله {أنّى } أي من أين كقوله{أية : أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا } تفسير : [آل عمران: 37] والمراد بإحياء هذه القرية عمارتها، أي متى يفعل الله تعالى ذلك، على معنى أنه لا يفعله فأحب الله أن يريه في نفسه، وفي إحياء القرية آية {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ } وقد ذكرنا القصة. فإن قيل: ما الفائدة في إماتة الله له مائة عام، مع أن الاستدلال بالإحياء يوم أو بعد بعض يوم حاصل. قلنا: لأن الإحياء بعد تراخي المدة أبعد في العقول من الإحياء بعد قرب المدة، وأيضاً فلأن بعد تراخي المدة ما يشاهد منه، ويشاهد هو من غيره أعجب. أما قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثَهُ } فالمعنى: ثم أحياه، ويوم القيامة يسمى يوم البعث لأنهم يبعثون من قبورهم، وأصله من بعثت الناقة إذا أقمتها من مكانها، وإنما قال {ثُمَّ بَعَثَهُ } ولم يقل: ثم أحياه لأن قوله {ثُمَّ بَعَثَهُ } يدل على أنه عاد كما كان أولاً حياً عاقلاً فهما مستعدا للنظر والاستدلال في المعارف الإلٰهية، ولو قال: ثم أحياه لم تحصل هذه الفوائد. أما قوله تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: فيه وجهان من القراءة، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإدغام والباقون بالإظهار، فمن أدغم فلقرب المخرجين ومن أظهر فلتباين المخرجين وإن كانا قريبين. المسألة الثانية: أجمعوا على أن قائل هذا القول هو الله تعالى وإنما عرف أن هذا الخطاب من الله تعالى، لأن ذلك الخطاب كان مقروناً بالمعجز، ولأنه بعد الإحياء شاهد من أحوال حماره وظهور البلى في عظامه ما عرف به أن تلك الخوارق لم تصدر إلا من الله تعالى. المسألة الثالثة: في الآية إشكال، وهو أن الله تعالى كان عالماً بأنه كان ميتاً وكان عالماً بأن الميت لا يمكنه بعد أن صار حياً أن يعلم أن مدة موته كانت طويلة أم قصيرة، فمع ذلك لأي حكمة سأله عن مقدار تلك المدة. والجواب عنه: أن المقصود من هذا السؤال التنبيه على حدوث ما حدث من الخوارق. أما قوله تعالى: {لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } ففيه سؤالات: السؤال الأول: لم ذكر هذا الترديد؟. الجواب: أن الميت طالت مدة موته أو قصرت فالحال واحدة بالنسبة إليه فأجاب بأقل ما يمكن أن يكون ميتاً لأنه اليقين، وفي التفسير أن إماتته كانت في أول النهار، فقال {يَوْماً } ثم لما نظر إلى ضوء الشمس باقياً على رؤوس الجدران فقال: {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ }. السؤال الثاني: أنه لما كان اللبث مائة عام، ثم قال: {لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } أليس هذا يكون كذباً؟. والجواب: أنه قال ذلك على حسب الظن، ولا يكون مؤاخذاً بهذا الكذب، ونظيره أنه تعالى حكى عن أصحاب الكهف أنهم قالوا {أية : لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } تفسير : [الكهف: 19] على ما توهموه ووقع عندهم، وأيضاً قال أخوة يوسف عليه السلام: {أية : يَـٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } تفسير : [يوسف: 81] وإنما قالوا: ذلك بناء على الأمارة من إخراج الصواع من رحله. السؤال الثالث: هل علم أن ذلك اللبث كان بسبب الموت، أو لم يعلم ذلك بل كان يعتقد أن ذلك اللبث بسبب الموت. الجواب: الأظهر أنه علم أن ذلك اللبث كان بسبب الموت، وذلك لأن الغرض الأصلي في إماتته ثم إحيائه بعد مائة عام أن يشاهد الإحياء بعد الإماتة وذلك لا يحصل إلا إذا عرف أن ذلك اللبث كان بسبب الموت، وهو أيضاً قد شاهد إما في نفسه، أو في حماره أحوالاً دالة على أن ذلك اللبث كان بسبب الموت. أما قوله تعالى: {قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ } فالمعنى ظاهر، وقيل: العام أصله من العوم الذي هو السباحة، لأن فيه سبحاً طويلاً لا يمكن من التصرف فيه. أما قوله تعالى: {فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اختلف القراء في إثبات الهاء في الوصل من قوله {لَمْ يَتَسَنَّهْ } و {ٱقْتَدِهْ } و {مَالِيَهْ } و {سُلْطَـٰنِيَهْ } و {ماهيه} بعد أن اتفقوا على إثباتها في الوقف، فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل، وكان حمزة يحذفهن في الوصل وكان الكسائي يحذف الهاء في الوصل من قوله {وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ } و {ٱقْتَدِهْ } ويثبتها في الوصل في الباقي ولم يختلفوا في قوله {أية : لَمْ أُوتَ كِتَـٰبِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ } تفسير : [الحاقة: 25، 26] أنها بالهاء في الوصل والوقف. إذا عرفت هذا فنقول: أما الحذف ففيه وجوه أحدهما: أن اشتقاق قوله {يَتَسَنَّهْ } من السنة وزعم كثير من الناس أن أصل السنة سنوة، قالوا: والدليل عليه أنهم يقولون في الاشتقاق منها أسنت القوم إذا أصابتهم السنة، وقال الشاعر:شعر : ورجـال مكـة مسنتـون عجـاف تفسير : ويقولون في جمعها: سنوات وفي الفعل منها: سانيت الرجل مساناة إذا عامله سنة سنة، وفي التصغير: سنية إذا ثبت هذا كان الهاء في قوله {لَمْ يَتَسَنَّهْ } للسكت لا للأصل وثانيها: نقل الواحدي عن الفرّاء أنه قال: يجوز أن تكون أصل سنة سننة، لأنهم قالوا في تصغيرها: سنينة وإن كان ذلك قليلاً، فعلى هذا يجوز أن يكون {لَمْ يَتَسَنَّهْ } أصله لم يتسنن، ثم أسقطت النون الأخيرة ثم أدخل عليها هاء السكت عن الوقف عليه كما أن أصل لم يتقض البازي لم يتقضض البازي ثم أسقطت الضاد الأخيرة، ثم أدخل عليه هاء السكت عند الوقف، فيقال: لم يتقضه وثالثها: أن يكون {لَمْ يَتَسَنَّهْ } مأخوذاً من قوله تعالى: {أية : مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } تفسير : [الحجر: 26] والسن في اللغة هو الصب، هكذا قال أبو علي الفارسي، فقوله: لم يتسنن. أي الشراب بقي بحاله لم ينضب، وقد أتى عليه مائة عام، ثم أنه حذفت النون الأخيرة وأبدلت بها السكت عند الوقف على ما قررناه في الوجه الثاني، فهذه الوجوه الثلاثة لبيان الحذف، وأما بيان الإثبات فهو أن {لَمْ يَتَسَنَّهْ } مأخوذ من السنة، والسنة أصلها سنهه، بدليل أنه يقال في تصغيرها: سنيهة، ويقال: سانهت النخلة بمعنى عاومت، وآجرت الدار مسانهة، وإذا كان كذلك فالهاء في {لَمْ يَتَسَنَّهْ } لام الفعل، فلا جرم لم يحذف ألبتة لا عند الوصل ولا عند الوقف. المسألة الثانية: قوله تعالى: {لَمْ يَتَسَنَّهْ } أي لم يتغير وأصل معنى {لَمْ يَتَسَنَّهْ } أي لم يأت عليه السنون لأن مر السنين إذا لم يتغير فكأنها لم تأت عليه، ونقلنا عن أبي علي الفارسي: لم يتسنن أي لم ينضب الشراب، بقي في الآية سؤالان: السؤال الأول: أنه تعالى لما قال: {بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ } كان من حقه أن يذكر عقيبه ما يدل على ذلك وقوله {فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ } لا يدل على أنه لبث مائة عام بل يدل ظاهراً على ما قاله من أنه لبث يوماً أو بعض يوم. والجواب: أنه كلما كانت الشبهة أقوى مع علم الإنسان في الجملة أنها شبهة كان سماع الدليل المزيل لتلك الشبهة آكد ووقوعه في العمل أكمل فكأنه تعالى لما قال: {بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ } قال: {فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ } فإن هذا مما يؤكد قولك {لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } فحينئذ يعظم اشتياقك إلى الدليل الذي يكشف عن هذه الشبهة، ثم قال بعده {وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ } فرأى الحمار صار رميماً وعظاماً نخرة فعظم تعجبه من قدرة الله تعالى، فإن الطعام والشراب يسرع التغير فيهما، والحمار ربما بقي دهراً طويلاً وزماناً عظيماً، فرأى ما لا يبقى باقياً، وهو الطعام والشراب، وما يبقى غير باق وهو العظام، فعظم تعجبه من قدرة الله تعالى، وتمكن وقوع هذه الحجة في عقله وفي قلبه. السؤال الثاني: أنه تعالى ذكر الطعام والشراب، وقوله {لَمْ يَتَسَنَّهْ } راجع إلى الشراب لا إلى الطعام. والجواب: كما يوصف الشراب بأنه لم يتغير، كذلك يوصف الطعام بأنه لم يتغير، لا سيما إذا كان الطعام لطيفاً يتسارع الفساد إليه، والمروى أن طعامه كان التين والعنب، وشرابه كان عصير العنب واللبن، وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه (وانظر إِلى طعامك وهـذا شرابك لم يتسنن). أما قوله تعالى: {وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ } فالمعنى أنه عرفه طول مدة موته بأن شاهد عظام حماره نخرة رميمة، وهذا في الحقيقة لا يدل بذاته، لأنه لما شاهد انقلاب العظام النخرة حياً في الحال علم أن القادر على ذلك قادر على أن يميت الحمار في الحال ويجعل عظامه رميمة نخرة في الحال، وحينئذ لا يمكن الاستدلال بعظام الحمار على طول مدة الموت، بل انقلاب عظام الحمار إلى الحياة معجزة دالة على صدق ما سمع من قوله {بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ } قال الضحاك: معنى قوله أنه لما أحيى بعد الموت كان دليلاً على صحة البعث، وقال غيره: كان آية لأن الله تعالى أحياه شاباً أسود الرأس، وبنو بنيه شيوخ بيض اللحى والرؤوس. أما قوله تعالى: {وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ } فقد بينا أن المراد منه التشريف والتعظيم والوعد بالدرجة العالية في الدين والدنيا، وذلك لا يليق بمن مات على الكفر والشك في قدرة الله تعالى. فإن قيل: ما فائدة الواو في قوله {وَلِنَجْعَلَكَ } قلنا: قال الفرّاء: دخلت الواو لأنه فعل بعدها مضمر، لأنه لو قال: وانظر إلى حمارك لنجعلك آية، كان النظر إلى الحمار شرطاً، وجعله آية جزاء، وهذا المعنى غير مطلوب من هذا الكلام، أما لما قال: {وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً } كان المعنى: ولنجعلك آية فعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء، ومثله قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ نُصَرّفُ ٱلأَيَـٰتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ } تفسير : [الأنعام: 105] والمعنى: وليقولوا درست صرفنا الآيات {أية : وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } تفسير : [الأنعام: 75] أي ونريه الملكوت. أما قوله تعالى: {وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ } فأكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره، فإن اللام فيه بدل الكناية، وقال آخرون أرادوا به عظام هذا الرجل نفسه، قالوا: إنه تعالى أحيا رأسه وعينيه، وكانت بقية بدنه عظاماً نخرة، فكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها تجتمع وينضم البعض إلى البعض، وكان يرى حماره واقفاً كما ربطه حين كان حياً لم يأكل ولم يشرب مائة عام، وتقدير الكلام على هذا الوجه: وانظر إلى عظامك، وهذا قول قتادة والربيع وابن زيد، وهو عندي ضعيف لوجوه أحدها: أن قوله {لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } إنما يليق بمن لا يرى أثر التغير في نفسه فيظن أنه كان نائماً في بعض يوم، أما من شاهد أجزاء بدنة متفرقة، وعظام بدنة رميمة نخرة، فلا يليق به ذلك القول وثانيها: أنه تعالى حكي عنه أن خاطبه وأجاب، فيجب أن يكون المجيب هو الذي أماته الله، فإذا كانت الإماتة راجعة إلي كله، فالمجيب أيضاً الذي بعثه الله يجب أن يكون جملة الشخص وثالثها: أن قوله {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ } يدل على أن تلك الجملة أحياها وبعثها. أما قوله {كَيْفَ ننشرها} فالمراد يحييها، يقال: أنشر الله الميت ونشره، قال تعالى: {ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ } وقد وصف الله العظام بالإحياء في قوله تعالى: {أية : قَالَ مَن يُحىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا } تفسير : [يۤس: 78، 79] وقرىء {ننشرها} بفتح النون وضم الشين، قال الفرّاء: كأنه ذهب إلى النشر بعد الطي، وذلك أن بالحياة يكون الانبساط في التصرف، فهو كأنه مطوي ما دام ميتاً، فإذا عاد صار كأنه نشر بعد الطي، وقرأ حمزة والكسائي {كَيْفَ نُنشِزُهَا } بالزاي المنقوطة من فوق، والمعنى نرفع بعضها إلى بعض، وانشاز الشيء رفعه، يقال أنشزته فنشز، أي رفعته فارتفع، ويقال لما ارتفع من الأرض نشز، ومنه نشوز المرأة، وهو أن ترتفع عن حد رضا الزوج، ومعنى الآية على هذه القراءة: كيف نرفعها من الأرض فتردها إلى أماكنها من الجسد ونركب بعضها على البعض، وروي عن النخعي أنه كان يقرأ {ننشِزُهَا } بفتح النون وضم الشين والزاي ووجهه ما قال الأخفش أنه يقال: نشزته وأنشزته أي رفعته، والمعنى من جميع القراءات أنه تعالى ركب العظام بعضها على بعض حتى اتصلت على نظام، ثم بسط اللحم عليها، ونشر العروق والأعصاب واللحوم والجلود عليها، ورفع بعضه إلى جنب البعض، فيكون كل القراءات داخلاً في ذلك. ثم قال تعالى: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } وهذا راجع إلى ما تقدم ذكره من قوله {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} والمعنى فلما تبين له وقوع ما كان يستبعد وقوعه وقال صاحب «الكشاف»: فاعل {تَبَيَّنَ لَهُ } مضمر تقديره فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير قال: {أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، وهذا عندي فيه تعسف، بل الصحيح أنه لما تبين له أمر الإماتة والإحياء على سبيل المشاهدة قال: {أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } وتأويله: أني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه قبل ذلك الاستدلال وقرأ حمزة والكسائي {قَالَ أَعْلَمُ } على لفظ الأمر وفيه وجهان أحدهما: أنه عند التبين أمر نفسه بذلك، قال الأعشى:شعر : ودع أمامـة إن الركـب قد رحلـوا تفسير : والثاني: أن الله تعالى قال: {أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عبد الله والأعمش: قيل أعلم أن الله على كل شيء قدير ويؤكده قوله في قصة إبراهيم {أية : ربي أرني كيف تحيي الموتى } تفسير : [البقرة: 260] ثم قال في آخرها {أية : وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } تفسير : [البقرة: 260] قال القاضي: والقراءة الأولى وذلك لأن الأمر بالشيء إنما يحسن عند عدم المأمور به، وهٰهنا العلم حاصل بدليل قوله {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } فكان الأمر بتحصيل العلم بعد ذلك غير جائز، أما الاخبار عن أنه حصل كان جائزاً.
القرطبي
تفسير : . فيه مسألتان: الأُولى ـ قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ} هذه ألف التوقيف، وفي الكلام معنى التعجّب، أي اعجبوا له. وقال الفرّاء: «ألم تر» بمعنى هل رأيت، أي هل رأيت الذي حاجّ إبراهيم، وهل رأيت الذي مرّ على قرية، وهو النُّمْروذ بن كوش بن كنعان بن سام بن نوح مِلك زمانه وصاحبُ النار والبَعُوضَة! هذا قول ابن عباس ومجاهد وقَتادة والرّبيع والسُّدِّي وابن إسحاق وزيد بن أسلم وغيرهم. وكان إهلاكه لما قصد المحاربة مع الله تعالى بأن فتح الله تعالى عليه باباً من البَعُوض فستروا عين الشمس وأكلوا عسكره ولم يتركوا إلا العظام، ودخلت واحدة منها في دماغه فأكلته حتى صارت مثل الفأرة؛ فكان أعز الناس عنده بعد ذلك من يضرب دماغه بمطرقة عَتيدَة لذلك، فبقي في البلاء أربعين يوماً. قال ابن جُريج: هو أوّل ملِك في الأرض. قال ابن عطية: وهذا مردود. وقال قتادة: هو أوّل من تجبّر وهو صاحب الصَّرْح ببَابِلَ. وقيل: إنه ملك الدنيا بأجمعها؛ وهو أحد الكافرينْ؛ والآخر بُخْتَنَصَّر. وقيل: إن الذي حاجّ إبراهيم نمروذ بن فالخ بن شالخ بن أرفخشد بن سام؛ حكى جميعه ابن عطية. وحكى السهيليّ أنه النمروذ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح وكان ملكاً على السواد وكان ملّكه الضحاك الذي يعرف بالازدهاق واسمه بيوراسب بن أندراست وكان ملك الأقاليم كلها، وهو الذي قتله أفريدون بن أثفيان؛ وفيه يقول حبيب:شعر : وكأنه الضّحّاك من فَتَكاتهِ في العالمين وأنْتَ أفْرِيدُونُ تفسير : وكان الضحاك طاغياً جبّاراً ودام ملكه ألف عام فيما ذكروا. وهو أوّل من صلب وأوّل من قطع الأيدي والأرجل، وللنمروذ ابن لصلبه يسمى «كوشا» أو نحو هذا الاسم، وله ابن يسمى نمروذ الأصغر. وكان ملك نمروذ الأصغر عاماً واحداً، وكان ملك نمروذ الأكبر أربعمائة عام فيما ذكروا. وفي قصص هذه المحاجّة روايتان: إحداهما أنهم خرجوا إلى عيد لهم فدخل إبراهيم على أصنامهم فكسرها؛ فلما رجعوا قال لهم: أتعبدون ما تنحتون؟ فقالوا: فمن تعبد؟ قال: أعبد (ربي) الذي يُحْيي ويُمِيت. وقال بعضهم: إن نمروذ كان يحتكر الطعام فكانوا إذا احتاجوا إلى الطعام يشترونه منه، فإذا دخلوا عليه سجدوا له؛ فدخل إبراهيم فلم يسجد له، فقال: مالك لا تسجد لي! قال: أنا لا أسجد إلا لِرَبِّي. فقال له نمروذ: من ربك!؟ قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت. وذكر زيد بن أسلم أن النمروذ هذا قعد يأمر الناس بالمِيَرة، فكلما جاء قوم يقول: من ربكم وإلهكم؟ فيقولون أنت؛ فيقول: مِيروهم. وجاء إبراهيم عليه السلام يمتار فقال له: من ربك وإلهك؟ قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت؛ فلما سمعها نمروذ قال: أنا أُحيي وأُميت؛ فعارضه إبراهيم بأمر الشمس فبُهِتَ الذي كفر، وقال لا تَمِيروه؛ فرجع إبراهيم إلى أهله دون شيء فمرّ على كَثِيبِ رملٍ كالدقيق فقال في نفسه: لو ملأت غِرَارتيّ من هذا فإذا دخلت به فرح الصبيان حتى أُنظر لهم، فذهب بذلك فلما بلغ منزله فرح الصبيان وجعلوا يلعبون فوق الغِرارتين ونام هو من الإعْيَاء؛ فقالت ٱمرأته: لو صنعتُ له طعاماً يجده حاضراً إذا انتبه، ففتحت إحدى الغرارتين فوجدت أحسن ما يكون من الحُوَّارَى فخبزتْه، فلما قام وضعته بين يديه فقال: من أين هذا؟ فقالت: من الدقيق الذي سُقتَ. فعلم إبراهيم أن الله تعالى يسر لهم ذلك. قلت: وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي صالح قال: انطلق إبراهيم النبيّ عليه السلام يمتار فلم يقدر على الطعام، فمرّ بسِهْلَة حمراء فأخذ منها ثم رجع إلى أهله فقالوا: ما هذا؟ فقال: حنطة حمراء؛ ففتحوها فوجدوها حنطة حمراء، قال: وكان إذا زرع منها شيئاً جاء سنبله من أصلها إلى فرعها حَبّاً متراكباً. وقال الرّبيع وغيره في هذا القصص: إن النمروذ لما قال أنا أُحيي وأُميت أحضر رجلين فقتل أحدهما وأرسل الآخر فقال: قد أحييت هذا وأمت هذا؛ فلما ردّ عليه بأمر الشمس بُهِتَ. وروي في الخبر: أن الله تعالى قال: وعزَّتي وجلالي لا تقوم الساعة حتى آتي بالشمس من المغرب ليعلم أني أنا القادر على ذلك. ثم أمر نمروذ بإبراهيم فأُلقِيَ في النار، وهكذا عادة الجبابرة فإنهم إذا عورضوا بشيء وعجزوا عن الحجة اشتغلوا بالعقوبة، فأنجاه الله من النار، على ما يأتي. وقال السدي: إنه لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك ـ ولم يكن قبل ذلك دخل عليه ـ فكلمه وقال له: من ربك؟ فقال: ربي الذي يحيي ويميت. قال النمروذ: أنا أُحيي وأُميت، وأنا آخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتاً ولا يطعمون شيئاً ولا يسقون حتى إذا جاعوا أخرجتهم فأطعمت اثنين فحييا وتركت اثنين فماتا. فعارضه إبراهيم بالشمس فبُهِت. وذكر الأصوليون في هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام لما وصف ربه تعالى بما هو صفة له من الإحياء والإماتة لكنه أمر له حقيقة ومجاز، قصد إبراهيم عليه السلام إلى الحقيقة، وفَزِع نمروذ إلى المجاز ومَوّه على قومه؛ فسلّم له إبراهيم تسليم الجدل وانتقل معه من المثال وجاءه بأمر لا مجاز فيه {فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} أي انقطعت حجته ولم يمكنه أن يقول أنا الآتي بها من المشرق؛ لأن ذوي الألباب يكذبونه. الثانية ـ هذه الآية تدل على جواز تسمية الكافر مَلِكاً إذا آتاه الله المُلْك والعِزّ والرِّفعة في الدنيا، وتدلّ على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة. وفي القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمّله؛ قال الله تعالى: {أية : قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [البقرة: 111]. {أية : إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} تفسير : [يونس: 68] أي من حجة. وقد وصف خصومة إبراهيم عليه السلام قومه وردّه عليهم في عبادة الأوثان كما في سورة «الأنبياء» وغيرها. وقال في قصة نوح عليه السلام: {أية : قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا}تفسير : [هود: 32] الآياتِ إلى قوله: {أية : وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ} تفسير : [هود: 35]. وكذلك مجادلة موسى مع فرعون إلى غير ذلك من الآي. فهو كله تعليم من الله عز وجل السؤال والجواب والمجادلة في الدِّين؛ لأنه لا يظهر الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل. وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب وباهَلَهُم بعد الحجة، على ما يأتي بيانه في «آل عمران». وتحَاجّ آدم وموسى فغلبه آدم بالحجة. وتجادل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السّقِيفَة وتدافعوا وتقرّروا وتناظروا حتى صدر الحق في أهله، وتناظروا بعد مبايعة أبي بكر في أهل الردّة، إلى غير ذلك مما يكثر إيراده. وفي قول الله عز وجل: {أية : فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ}تفسير : [آل عمران: 66] دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع لمن تدبر. قال المُزنِيّ صاحب الشافعيّ: ومِن حق المناظرة أن يراد بها الله عز وجل وأن يُقبل منها ما تبيّن. وقالوا: لا تصح المناظرة ويظهر الحق بين المتناظرين حتى يكونوا متقاربين أو مستويين في مرتبة واحدة من الدين والعقل والفهم والإنصاف، وإلاّ فهو مِرَاءٌ ومكابرة. قراءات ـ قرأ عليّ بن أبي طالب «أَلَمْ تَرْ» بجزم الراء، والجمهور بتحريكها، وحذفت الياء للجزم. «أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ» في موضع نصب، أي لأن آتاه الله، أن من أجل أن آتاه الله. وقرأ جمهور القرّاء «أَنَ أُحْيِي» بطرح الألف التي بعد النون من «أَنَا» في الوصل، وأثبتها نافع وابن أبي أويس، إذا لقيْتها همزة في كل القرآن إلا في قوله تعالى: {أية : إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ} تفسير : [الأعراف: 188] فإنه يطرحها في هذا الموضع مثل سائر القراء لقلة ذلك، فإنه لم يقع منه في القرآن إلا ثلاثة مواضع أجراها مجرى ما ليس بعده همزة لقلته فحذف الألف في الوصل. قال النحويون: ضمير المتكلم الاسم فيه الهمزة والنون، فإذا قلت: أنا أو أنَهْ فالألف والهاء لبيان الحركة في الوقف، فإذا ٱتصلت الكلمة بشيء سقطتا؛ لأن الشيء الذي تتصل به الكلمة يقوم مقام الألف، فلا يقال: أنا فعلت بإثبات الألف إلا شاذّاً في الشعر كما قال الشاعر:شعر : أنا سيف العشِيرة فٱعرفوني حُمَيْداً قد تذَرّيْتُ السّناما تفسير : قال النحاس: على أن نافعاً قد أثبت الألف فقرأ {أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} ولا وجه له. قال مكي: والألف زائدة عند البصريين، والاسم المضمر عندهم الهمزة والنون وزيدت الألف للتقوية. وقيل: زيدت للوقف لتظهر حركة النون. والاسم عند الكوفيين «أنا» بكماله؛ فنافع في إثبات الألف على قولهم على الأصل، وإنما حذفَ الألفَ مَن حذفها تخفيفاً؛ ولأن الفتحة تدل عليها. قال الجوهري: وأما قولهم «أنا» فهو اسم مكنىّ وهو للمتكلم وحده، وإنما بُنِي على الفتح فرقا بينه وبين «أن» التي هي حرف ناصب للفعل، والألف الأخيرة إنما هي لبيان الحركة في الوقف، فإن توسطت الكلام سقطت إلاّ في لغة رديئة؛ كما قال:شعر : أنا سيف العشِيرة فاعرفوني حُمَيْداً قد تذَرّيْت السّناما تفسير : وبَهُت الرجل وبَهِت وبُهت إذا انقطع وسكت متحيِّراً؛ عن النحاس وغيره. وقال الطبري: وحكي عن بعض العرب في هذا المعنى «بَهَت» بفتح الباء والهاء. قال ابن جني قرأ أبو حَيْوَة: «فَبَهُتَ الذي كفر» بفتح الباء وضم الهاء، وهي لغة في «بُهِتَ» بكسر الهاء. قال: وقرأ ابن السميقع «فبَهَت» بفتح الباء والهاء على معنى فبهت إبراهيمُ الذي كفر؛ فالذي في موضع نصب. قال: وقد يجوز أن يكون بَهَت بفتحها لغة في بَهُت. قال: وحكى أبو الحسن الأخفش قراءة «فبَهِت» بكسر الهاء كغَرِق ودَهِش. قال: والأكثرون بالضم في الهاء. قال ابن عطية: وقد تأوّل قوم في قراءة من قرأ «فبهت» بفتحها أنه بمعنى سَبّ وقذف، وأن نمروذ هو الذي سب حين انقطع ولم تكن له حيلة.
البيضاوي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَاجَّ إِبْرٰهِيمَ فِي رِبّهِ} تعجيب من محاجة نمرود وحماقته. {أَنْ آتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} لأن آتاه أي أبطره إيتاء الملك وحمله على المحاجة، أو حاج لأجله شكراً له على طريقة العكس كقولك عاديتني لأني أحسنت إليك، أو وقت أن آتاه الله الملك وهو حجة على من منع إيتاء الله الملك الكافر من المعتزلة. {إِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ } ظرف لـ {حَاجَّ }، أو بدل من {أَنْ آتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} على الوجه الثاني. {رَبّيَ ٱلَّذِي يُحْييِ وَيُمِيتُ} بخلق الحياة والموت في الأجساد. وقرأ حمزة «رب» بِحذف الياء. {قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} بالعفو عن القتل وبالقتل. وقرأ نافع «أنا» بلا ألف. {قَالَ إِبْرٰهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ } أعرض إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن الاعتراض على معارضته الفاسدة إلى الاحتجاج بما لا يقدر فيه على نحو هذا التمويه دفعاً للمشاغبة، وهو في الحقيقة عدول عن مثال خفي إلى مثال جلي من مقدوراته التي يعجز عن الإِتيان بها غيره، لا عن حجة إلى أخرى. ولعل نمروذ زعم أنه يقدر أن يفعل كل جنس يفعله الله فنقضه إبراهيم بذلك، وإنما حمله عليه بطر الملك وحماقته، أو اعتقاد الحلول. وقيل لما كسر إبراهيم عليه الصلاة والسلام الأصنام سجنه أياماً ثم أخرجه ليحرقه، فقال له من ربك الذي تدعو إليه وحاجة فيه. {فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ } فصار مبهوتاً. وقرىء {فَبُهِتَ} أي فغلب إبراهيمُ الكافرَ. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} الذين ظلموا أنفسهم بالامتناع عن قبول الهداية. وقيل لا يهديهم محجة الاحتجاج أو سبيل النجاة، أو طريق الجنة يوم القيامة.
ابن كثير
تفسير : هذا الذي حاج إبراهيم في ربه هو ملك بابل نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، ويقال: نمرود ابن فالخ بن عبار بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، والأول قول مجاهد وغيره، قال مجاهد: وملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود، وذو القرنين، والكافران: نمرود، وبختنصر، والله أعلم. ومعنى قوله: {أَلَمْ تَرَ} أي: بقلبك يا محمد {إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِيمَ فِى رِبِّهِ}، أي: وجود ربه، وذلك أنه أنكر أن يكون ثم إله غيره، كما قال بعده فرعون لملئه: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} تفسير : [القصص: 38]. وما حمله على هذا الطغيان والكفر الغليظ والمعاندة الشديدة، إلا تجبره، وطول مدته في الملك، وذلك أنه يقال: إنه مكث أربعمائة سنة في ملكه، ولهذا قال: {أَنْ آتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} وكان طلب من إبراهيم دليلاً على وجود الرب الذي يدعو إليه، فقال إبراهيم: {رَبِّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ} أي: إنما الدليل على وجوده، حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها، وهذا دليل على وجود الفاعل المختار، ضرورة، لأنها لم تحدث بنفسها، فلا بد لها من موجد أوجدها، وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له. فعند ذلك قال المحاج ـ وهو النمرود ـ: {أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ}. قال قتادة ومحمد بن إسحاق والسدي، وغير واحد: وذلك أني أوتى بالرجلين، قد استحقا القتل، فآمر بقتل أحدهما، فيقتل، وآمر بالعفو عن الآخر، فلا يقتل، فذلك معنى الإحياء والإماتة والظاهر والله أعلم أنه ما أراد هذا؛ لأنه ليس جواباً لما قال إبراهيم، ولا في معناه؛ لأنه غير مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام عناداً ومكابرة، ويوهم أنه الفاعل لذلك، وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي}تفسير : [القصص: 38] ولهذا قال له إبراهيم، لما ادعى هذه المكابرة: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ} أي: إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت، فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهاً كما ادعيت تحيي وتميت، فأت بها من المغرب، فلما علم عجزه وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام، بهت، أي: أخرس، فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة، قال الله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي: لا يلهمهم حجة ولا برهاناً، بل حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد، وهذا التنزيل على هذا المعنى أحسن مما ذكره كثير من المنطقيين، إن عدول إبراهيم عن المقام الأول إلى المقام الثاني انتقال من دليل إلى أوضح منه، ومنهم من قد يطلق عبارة رديَّة وليس كما قالوه، بل المقام الأول يكون كالمقدمة للثاني، ويبين بطلان ما ادعاه نمرود في الأول والثاني، ولله الحمد والمنة. وقد ذكر السدي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم ونمرود بعد خروج إبراهيم من النار، ولم يكن اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم، فجرت بينهما هذه المناظرة. وروى عبد الرزاق عن معمر، عن زيد بن أسلم: أن النمرود كان عنده طعام، وكان الناس يغدون إليه للميرة، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة، فكان بينهما هذه المناظرة، ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس، بل خرج وليس معه شيء من الطعام، فلما قرب من أهله، عمد إلى كثيب من التراب، فملأ منه عدليه، وقال: أشغل أهلي عني إذا قدمت عليهم، فلما قدم وضع رحاله، وجاء فاتكأ فنام، فقامت امرأته سارة إلى العدلين، فوجدتهما ملآنين طعاماً طيباً، فعملت طعاماً، فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه، فقال: أنى لك هذا؟ قالت: من الذي جئت به، فعلم أنه رزق رزقهم الله عز وجل. قال زيد ابن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكاً، يأمره بالإيمان بالله، فأبى، عليه، ثم دعاه الثانية فأبى ثم الثالثة فأبى، وقال: اجمع جموعك وأجمع جموعي، فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، وأرسل الله عليهم باباً من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس، وسلطها الله عليهم، فأكلت لحومهم ودماءهم، وتركتهم عظاماً بادية، ودخلت واحدة منها في منخري الملك، فمكثت في منخري الملك أربعمائة سنة، عذبه الله بها، فكان يضرب برأسه بالمرازب في هذه المدة، حتى أهلكه الله بها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ } جادل {إِبْرٰهِيمَ فِى رِبّهِ } ل {أَنْ ءَاتَٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ } أي حمله بطره بنعمة الله على ذلك وهو( نمرود) {إِذ } بدل من (حاجَّ) {قَالَ إِبْرٰهِيمُ } لما قال له من ربك الذي تدعونا إليه؟ {رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ } أي يخلق الحياة والموت في الأجساد {قَالَ } هو {أَنا أُحْىِ وأُمِيتُ } بالقتل والعفو عنه، ودعا برجلين فقتل أحدهما وترك الآخر فلما رآه غبياً {قَالَ إِبْرٰهِيمُ } منتقلاً إلى حجة أوضح منها {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا } أنت {مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ } تَحيَّر ودَهشَ {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ } بالكفر إلى مَحجَّة الاحتجاج.
الشوكاني
تفسير : في هذه الآية استشهاد على ما تقدم ذكره، من أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت، وهمزة الاستفهام لإنكار النفي، والتقرير المنفي، أي: ألم ينته علمك، أو نظرك إلى هذا الذي صدرت منه هذه المحاجة؟ قال الفراء: {ألم تر} بمعنى هل رأيت: أي: هل رأيت الذي حاجّ إبراهيم، وهو النمروذ بن كوس بن كنعان بن سلم بن نوح، وقيل: إنه النمروذ بن فالخ بن عامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام. وقوله: {أَنْ آتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ } أي: لأن آتاه الله، أو من أجل أن آتاه الله، على معنى: أن إيتاء الملك أبطره، وأورثه الكبر، والعتو، فحاج لذلك، أو على أنه وضع المحاجة التي هي أقبح وجوه الكفر موضع ما يجب عليه من الشكر، كما يقال: عاديتني؛ لأني أحسنت إليك، أو وقت أن آتاه الله الملك. وقوله: {إِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ } هو ظرف لحاج. وقيل: بدل من قوله: {أَنْ آتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ } على الوجه الأخير، وهو بعيد. قوله: {رَبّى * ٱلَّذِى يُحْيىِ وَيُمِيتُ } بفتح ياء ربي، وقرىء بحذفها. وقوله: {أَنَاْ أحيى } قرأ جمهور القراء {أنا أحيى} بطرح الألف التي بعد النون من أنا في الوصل، وأثبتها نافع، وابن أبي أويس، كما في قول الشاعر:شعر : أنَا شَيْخُ العَشيرة فَاعْرِفُوني حُمْيداً قد تَذَرَّبْتُ السَّنامَا تفسير : أراد إبراهيم عليه السلام: أن الله هو: الذي يخلق الحياة، والموت في الأجساد، وأراد الكافر: أنه يقدر أن يعفو عن القتل، فيكون ذلك إحياء، وعلى أن يقتل، فيكون ذلك إماتة، فكان هذا جواباً أحمق لا يصح نصبه في مقابلة حجة إبراهيم؛ لأنه أراد غير ما أراده الكفار، فلو قال له: ربه الذي يخلق الحياة، والموت في الأجساد، فهل تقدر على ذلك؟ لبهت الذي كفر باديء بدء، وفي أوّل، وهلة، ولكنه انتقل معه إلى حجة أخرى تنفيساً لخناقه، وإرسالاً لعنان المناظرة فقال: {إِبْرٰهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ } لكون هذه الحجة لا تجري فيها المغالطة، ولا يتيسر للكافر أن يخرج عنها بمخرج مكابرة، ومشاغبة. قوله: {فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ } بُهِتَ الرجل، وبَهُتَ، وبَهِتَ: إذا انقطع، وسكت متحيراً. قال ابن جرير: وحكى عن بعض العرب في هذا المعنى بهت بفتح الباء، والهاء. قال ابن جني: قرأ أبو حيوة، "فَبَهُتَ" بفتح الباء، وضم الهاء، وهي لغة في بهت بكسر الهاء؛ قال: وقرأ ابن السميفع، "فبهت" بفتح الباء، والهاء على معنى، فبهت إبراهيم الذي كفر، فالذي في موضع نصب، قال: وقد يجوز أن يكون بهت بفتحهما لغة في بهت. وحكى أبو الحسن الأخفش قراءة: «فبهت» بكسر الهاء، قال: والأكثر بالفتح في الهاء. قال ابن عطية: وقد تأوّل قومٌ في قراءة من قرأ، "فبهت" بفتحهما أنه بمعنى سبَّ، وقذف، وأن النمروذ، هو الذي سبّ حين انقطع، ولم يكن له حيلة. انتهى. وقال سبحانه: {فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ } ولم يقل، فبهت الذي حاجّ، إشعاراً بأن تلك المحاجة كفر. وقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تذييل مقرر لمضمون الجملة التي قبله. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن علي بن أبي طالب أن الذي حاجّ إبراهيم في ربه هو: نمروذ بن كنعان. وأخرجه ابن جرير، عن مجاهد، وقتادة، والربيع، والسديّ. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن زيد بن أسلم: أن أول جبار كان في الأرض نمروذ، وكان الناس يخرجون يمتارون من عنده الطعام، فخرج إبراهيم عليه السلام يمتار مع من يمتار، فإذا مرَّ به ناس قال: من ربكم؟ قالوا: أنت، حتى مرّ به إبراهيم، فقال: من ربك؟ قال: الذي يحيي ويميت، قال: أن أحيي وأميت، قال: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر، فردّه بغير طعام. فرجع إبراهيم إلى أهله، فمرّ على كثيب من رمل أصفر فقال: ألا آخذ من هذا فآتي به أهلي، فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم، فأخذ منه فأتى أهله، فوضع متاعه، ثم نام، فقامت امرأته إلى متاعه، ففتحته فإذا هي بأجود طعام رآه آخذ، فصنعت له منه، فقرّبته إليه، وكان عهده بأهله أنه ليس عندهم طعام، فقال: من أين هذا؟ قالت: من الطعام الذي جئت به، فعرف أن الله رزقه، فحمد الله، ثم بعث الله إلى الجبار ملكاً أن آمن وأتركك على ملكك. قال: فهل ربّ غيري؟ فجاءه الثانية، فقال له ذلك فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة فأبى عليه، فقال له الملك: فاجمع جموعك إلى ثلاثة أيام، فجمع الجبار جموعه، فأمر الله الملَك، ففتح عليه باباً من البعوض، وطلعت الشمس، فلم يروها من كثرتها، فبعثها الله عليهم، فأكلت شحومهم، وشربت دماءهم، فلم يبق إلا العظام، والملك كما هو لا يصيبه من ذلك شيء، فبعث الله عليه بعوضة، فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه، ثم ضرب بهما رأسه، وكان جباراً أربعمائة سنة، فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته الله، وهو الذي كان بنى صرحاً إلى السماء، {أية : فأتى الله بنيانه من القواعد}تفسير : [النحل:26]. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في الآية، قال: هو نمروذ بن كنعان، يزعمون أنه أوّل من ملك في الأرض أتى برجلين قتل أحدهما، وترك الآخر، فقال: {أنا أحيي وأميت}. وأخرج أبو الشيخ، عن السدي: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } قال: إلى الإيمان.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ في رَبِّهِ} هو النمرود بن كنعان، وهو أول من تجبّر في الأرض وادّعى الربوبية. {أَنْ ءَاتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ} فيه قولان: أحدهما: هو النمرود لما أوتي الملك حاجَّ في الله تعالى، وهو قول الحسن. والثاني: هو إبراهيم لما آتاه الله الملك حاجّه النمرود، قاله أبو حذيفة. وفي المحاجّة وجهان محتملان: أحدهما: أنه معارضة الحجة بمثلها. والثاني: أنه الاعتراض على الحجة بما يبطلها. {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ: أَنَا أُحْي وَأُمِيتُ} يريد أنه يحيي من وجب عليه القتل بالتخلية والاستبقاء، ويميت بأن يقتل من غير سبب يوجب القتل، فعارض اللفظ بمثله، وعدل عن اختلاف الفعلين في علتهما. {قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فإنَّ اللهَ يَأْتي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغرِبِ} فإن قيل: فَلِمَ عَدَل إبراهيم عن نصرة حجته الأولى إلى غيرها، وهذا يضعف الحجة ولا يليق بالأنبياء؟ ففيه جوابان: أحدهما: أنه قد ظهر من فساد معارضته ما لم يحتج معه إلى نصرة حجته ثم أتبع ذلك بغيره تأكيداً عليه في الحجة. والجواب الثاني: أنه لمّا كان في تلك الحجة إشغاب منه بما عارضها به من الشبهة أحب أنه يحتج عليه بما لا إشغاب فيه، قطعاً له واستظهاراً عليه قال: {فإنَّ اللهَ يَأْتي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغرِبِ} فإن قيل فَهَلاَّ عارضه النمرود بأن قال: فليأت بها ربك من المغرب؟ ففيه جوابان: أحدهما: أن الله خذله بالصرف عن هذه الشبهة. والجواب الثاني: أنه علم بما رأى معه من الآيات أنه يفعل فخاف أن يزداد فضيحة. {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} فيه قولان: أحدهما: يعني تحيّر. والثاني: معناه انقطع، وهو قول أبي عبيدة. وقرئ: فَبَهَت الذي كفر بفتح الباء والهاء بمعنى أن الملك قد بهت إبراهيم بشبهته أي سارع بالبهتان. {واللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} يحتمل وجهين: أحدهما: لا يعينهم على نصرة الظلم. والثاني: لا يُخلِّصُهم من عقاب الظلم. ويحتمل الظلم هنا وجهين: أحدهما: أنه الكفر خاصة. والثاني: أنه التعدي من الحق إلى الباطل.
ابن عطية
تفسير : {ألم تر} تنبيه، وهي رؤية القلب، وقرأ علي بن أبي طالب "ألم ترْ" بجزم الراء، و {الذي حاج إبراهيم} هو نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح ملك زمانه وصاحب النار والبعوضة، هذا قول مجاهد وقتادة والربيع والسدي وابن إسحاق وزيد بن أسلم وغيرهم. وقال ابن جريج: هو أول ملك في الأرض وهذا مردود. وقال قتادة: هو أول من تجبر وهو صاحب الصرح ببابل. وقيل: إنه ملك الدنيا بأجمعها ونفذت فيها طينته وهو أحد الكافرين. والآخر بخت نصر. وقيل: إن {الذي حاج إبراهيم} نمرود بن فالخ بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وفي قصص هذه المحاجة روايتان إحدهما: ذكر زيد بن أسلم أن النمرود هذا قعد يأمر للناس بالميرة فكلما جاء قوم قال: من ربكم وإلهكم؟ فيقولون: أنت، فيقول: ميّروهم وجاء إبراهيم عليه السلام يمتار، فقال له من ربك وإلهك؟ قال {قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت}، فلما سمعها نمرود قال: {أنا أحيي وأميت}، فعارضه إبراهيم بأمر الشمس، {فبهت الذي كفر}، وقال: لا تميروه، فرجع إبراهيم إلى أهله دون شيء، فمر على كثيب من رمل كالدقيق، فقال لو ملأت غرارتي من هذا فإذا دخلت به فرح الصبيان حتى أنظر لهما، فذهب بذلك فلما بلغ منزله فرح الصبيان وجعلا يلعبان فوق الغرارتين ونام هو من الإعياء، فقالت امرأته: لو صنعت له طعاماً يجده حاضراً إذا انتبه، ففتحت إحدى الغرارتين فوجدت أحسن ما يكون من الحواري فخبرته، فلما قام وضعته بين يديه فقال: من أين هذا؟ فقالت من الدقيق الذي سقت، فعلم إبراهيم أن الله تعالى يسر لهم ذلك، وقال الربيع وغيره في هذه القصص: ان النمرود لما قال: {أنا أحيي وأميت} أحضر رجلين فقتل أحدهما وأرسل الآخر وقال: قد أحييت هذا وأمتُّ هذا، فلما رد عليه بأمر الشمس بهت، والرواية الأخرى ذكر السدي: أنه لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه، فكلمه وقال له: من ربك؟ قال: ربي الذي يحيي ويميت، قال نمرود: {أنا أحيي وأميت}، أنا آخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتاً ولا يطعمون شيئاً ولا يسقون، حتى إذا جاعوا أخرجتهم فأطعمت اثنين فحييا، وتركت اثنين فماتا، فعارضه إبراهيم بالشمس فبهت. وذكر الأصوليون في هذه الآية: أن إبراهيم عليه السلام وصف ربه تعالى بما هو صفة له من الإحياء والإماتة، لكنه أمر له حقيقة ومجاز، قصد إبراهيم عليه السلام الحقيقة، ففزع نمرود إلى المجاز وموه به على قومه، فسلم له إبراهيم تسليم الجدل، وانتقل معه من المثال، وجاءه بأمر لا مجاز فيه، {فبهت الذي كفر}،ولم يمكنه أن يقول: أنا الآتي بها من المشرق، لأن ذوي الأسنان يكذبونه، وقوله {حاجّ} وزنه "فاعل" من الحجة أي جاذبه أياها والضمير في {ربه} يحتمل أن يعود على إبراهيم عليه السلام، ويحتمل أن يعود على {الذي حاج}، و {أن} مفعول من أجله والضمير في {آتاه} للنمرود، وهذا قول جمهور المفسرين، وقال المهدوي: يحتمل أن يعود الضمير على إبراهيم أن آتاه ملك النبوءة، وهذا تحامل من التأويل، وقرأ جمهور القراء {أن أحيي} بطرح الألف التي بعد النون من {أنا} إذا وصلوا في كل القرآن غير نافع، فإن ورشاً وابن أبي أويس وقالون رأوا إثباتها في الوصل إذا لقيتها همزة في كل القرآن، مثل أنا أحيي أخوك إلا في قوله تعالى: {أية : إن أنا إلا نذير} تفسير : [الأعراف: 188] [الشعراء: 115] فإنه يطرحها في هذا الموضع مثل سائر القراء وتابع أصحابه في حذفها عند غير همزة، قال أبو علي: ضمير المتكلم الاسم فيه الهمزة والنون ثم إن الألف تلحق في الوقف كما تلحق الهاء أحياناً في الوقف فإذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشيء سقطت الهاء فكذلك الألف، وهي مثل ألف حيهلا. قال القاضي أبو محمد: وهذا مثال الألف التي تلحق في القوافي، فتأمل. قال أبو علي: فإذا اتصلت الكلمة بشيء سقطت الألف، لأن الشيء الذي تتصل به الكلمة يقوم مقام الألف، وقد جاءت الألف مثبتة في الوصل في الشعر من ذلك قول الشاعر: شعر : أنا شيخ العشيرة فاعرفوني حميداً قد تذريت السناما تفسير : وقرأ الجمهور: "فبُهِتَ" الذي بضم الباء وكسر الهاء، يقال بهت الرجل: إذا انقطع وقامت عليه الحجة. قال ابن سيده: ويقال في هذا المعنى: "بَهِتَ" بفتح الباء وكسر الهاء، "وَبَهُت" بفتح الباء وضم الهاء. قال الطبري: وحكي عن بعض العرب في هذا المعنى، "بَهَت" بفتح الباء والهاء. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هكذا ضبطت اللفظة في نسخة ابن ملول دون تقييد بفتح الباء والهاء، قال ابن جني: قرا أبو حيوة: "فبَهُت" بفتح الباء وضم الهاء هي لغة في بهت بكسر الهاء، قال: وقرأ ابن السميفع: "فبَهَت" بفتح الباء والهاء على معنى فبهت إبراهيم الذي كفر، فالذي في موضع نصب، قال: وقد يجوز أن يكون "بَهَتَ" بفتحهما لغة في بهت. قال: وحكى أبو الحسن الأخفش قراءة "فبهِت" بكسر الهاء كَخَرِقَ ودهِش، قال: والأكثر بالضم في الهاء، قال ابن جني: يعني أن الضم يكون للمبالغة، قال الفقيه أبو محمد: وقد تأول قوم في قراءة من قرأ {فبهت} بفتحهما أنه بمعنى سب وقذف، وأن نمرود هو الذي سب إبراهيم حين انقطع ولم تكن له حيلة، وقوله تعالى: {والله لا يهدي القوم الظالمين}، إخبار لمحمد عليه السلام وأمته. والمعنى: لا يرشدهم في حججهم على ظلمهم، لأنه لا هدى في الظلم، فظاهره العموم، ومعناه الخصوص، كما ذكرنا، لأن الله قد يهدي الظالمين بالتوبة والرجوع إلى الإيمان. ويحتمل أن يكون الخصوص فيمن يوافي ظالماً.
النسفي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَاجَّ إِبْرٰهِيمَ فِى رِبّهِ } في معارضته ربوبية ربه. والهاء في «ربه» يرجع إلى إبراهيم أو إلى الذي حاج فهو ربهما {أَنْ آتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ } لأنّ آتاه الله يعني أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر فحاج لذلك، وهو دليل على المعتزلة في الأصلح أوحاج وقت أن أتاه الله الملك {إِذْ قَالَ } نصب بـ «حاج» أو بدل من «أن آتاه» إذا جعل بمعنى الوقت {إِبْرٰهِيمُ رَبّيَ } «رب»: حمزة {ٱلَّذِى يُحِْيى وَيُمِيتُ} كأنه قال له: من ربك؟ قال: ربي الذي يحيـي ويميت {قَالَ } نمرود {أَنَاْ أُحْيِى وَأُمِيتُ} يريد أعفو عن القتل وأقتل فانقطع اللعين بهذا عند المخاصمة فزاد إبراهيم عليه السلام ما لا يتأتى فيه التلبيس على الضعفة حيث {قَالَ إِبْرٰهِيمُ } عليه السلام {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ } وهذا ليس بانتقال من حجة إلى حجة كما زعم البعض لأن الحجة الأولى كانت لازمة، ولكن لما عاند اللعين حجة الإحياء بتخلية واحد وقتل آخر، كلمه من وجه لا يعاند، وكانوا أهل تنجيم، وحركة الكواكب من المغرب إلى المشرق معلومة لهم، والحركة الشرقية المحسوسة لنا قسرية كتحريك الماء النمل على الرحى إلى غير جهة حركة النمل فقال: إن ربي يحرك الشمس قسراً على غير حركتها، فإن كنت رباً فحركها بحركتها فهو أهون {فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ } تحير ودهش {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي لا يوفقهم وقالوا: إنما لم يقل نمرود فليأت ربك بالشمس من المغرب لأن الله تعالى صرفه عنه. وقيل: إنه كان يدعي الربوبية لنفسه وما كان يعترف بالربوبية لغيره. ومعنى قوله «أنا أحيـي وأميت» أن الذي ينسب إليه الإحياء والإماتة أنا لا غيري، والآية تدل على إباحة التكلم في علم الكلام والمناظرة فيه لأنه قال: «ألم ترى إلى الذي حاج إبراهيم في ربه». والمحاجة تكون بين اثنين فدل على أن إبراهيم حاجه أيضاً، ولو لم يكن مباحاً لما باشرها إبراهيم عليه السلام لكون الأنبياء عليهم السلام معصومين عن ارتكاب الحرام، ولأنا أمرنا بدعاء الكفرة إلى الإيمان بالله وتوحيده وإذا دعوناهم إلى ذلك لا بد أن يطلبوا منا الدليل على ذلك، وذا لا يكون إلا بعد المنظارة كذا في شرح التأويلات. {أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ } معناه أو أرأيت مثل الذي فحذف لدلالة «لم تر» عليه لأن كلتيهما كلمة تعجيب، أو هو محمول على المعنى دون اللفظ تقديره: أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مر. وقال صاحب الكشف: فيه الكاف زائدة و«الذي» عطف على قوله «إلى الذي حاج» عن الحسن أن المار كان كافراً بالبعث لانتظامه مع نمرود في سلك ولكلمة الاستبعاد التي هي «أنى يحيـي» والأكثر أنه عزير أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة كما طلبه إبراهيم عليه السلام و«أنى يحيـي» اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياة واستعظام لقدرة المحيي {عَلَىٰ قَرْيَةٍ } هي بيت المقدس حين خربه بختنصر وهي التي خرج منها الألوف {وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا } ساقطة مع سقوفها أو سقطت السقوف ثم سقطت عليها الحيطان وكل مرتفع عرش {قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِ } أي كيف {هَـٰذِهِ } أي أهل هذه {ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ } أي أحياه {قَالَ } له ملك {كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } بناء على الظن، وفيه دليل جواز الاجـتهاد روي أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غيبوبة الشمس فقال قبل النظر إلى الشمس «يوماً»، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال «أو بعض يوم» {قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ } روي أن طعامه كان تيناً وعنباً وشرابه عصيراً ولبناً فوجد التين والعنب كما جنيا والشراب على حاله {لَمْ يَتَسَنَّهْ } لم يتغير والهاء أصلية أو هاء سكت واشتقاقه من السنة على الوجهين، لأن لامها هاء لأن الأصل سنهة والفعل سانهت. يقال سانهت فلاناً أي عاملته سنة أو واو لأن الأصل سنوة والفعل سانيت ومعناه لم تغيره السنون. «لم يتسن» بحذف الهاء في الوصل وبإثباتها في الوقف: حمزة وعلي {وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ } كيف تفرقت عظامه ونخرت وكان له حمار قد ربطه فمات وتفتتت عظامه، أو وانظر إليه سالماً في مكانه كما ربطته وذلك من أعظم الآيات أن يعيش مائة عام من غير علف ولا ماء كما حفظ طعامه وشرابه من التغير {وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً لِلنَّاسِ } فعلنا ذلك يريد إحياءه بعد الموت وحفظ ما معه. وقيل: الواو عطف على محذوف أي لتعتبر ولنجعلك. قيل: أتى قومه راكباً حماراً وقال: أنا عزير فكذبوه فقال: هاتوا التوراة فأخذ يقرؤها عن ظهر قلبه ولم يقرأ التوراة ظاهر أحد قبل عزير فذلك كونه آية. وقيل: رجـع إلى منزله فرأى أولاده شيوخاً وهو شاب {وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ } أي عظام الحمار أو عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم {كَيْفَ نُنشِزُهَا } نحركها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب.«ننشرها» بالراء: حجازي وبصري نحييها «ثمّ نكسوها» أي العظام «لحماً» جعل اللحم كاللباس مجازاً «فلمّا تبيّن له» فاعله مضمر تقديره فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير {قال أعلم أنّ اللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ} فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كقولهم «ضربني وضربت زيداً» ويجوز فلما تبين له ما أشكل عليه يعني أمر إحياء الموتى. «قال اعلم» على لفظ الأمر: حمزة وعلي أي قال الله له اعلم أو هو خاطب نفسه. {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبّ أَرِنِى } بصرني {كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } موضع «كيف» نصب بـ « تحيـي» {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } وإنما قال له «أو لم تؤمن» وقد علم أنه أثبت الناس إيماناً ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين. و«بلى» إيجاب لما بعد النفي معناه بلى آمنت ولكن لأزيد سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال، وتظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة فعلم الاستدلال يجوز معه التشكيك بخلاف الضروري. واللام تتعلق بمحذوف تقديره ولكن سألت ذلك أراد طمأنينة القلب {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ ٱلطَّيْرِ } طاوساً وديكاً وغراباً وحمامة {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } وبكسر الصاد: حمزة أي أملهن واضممهن إليك {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِ ّجَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا } ثم جزئهن وفرق أجزاءهن على الجبال التي بحضرتك وفي أرضك وكانت أربعة أجبل أو سبعة. «جزأ» بضمتين وهمز: أبو بكر {ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ } قل لهن تعالين بإذن الله {يَأْتِينَكَ سَعْيًا } مصدر في موضع الحال أي ساعيات مسرعات في طيرانهن أو في مشيهن على أرجلهن. وإنما أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها ليتأملها ويعرف أشكالها وهيئآتها وحلاّها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ولا يتوهم أنها غير تلك، وروي أنه أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك رؤوسها، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال عل كل جبل ربعاً من كل طائر، ثم يصيح بها تعالين بإذن الله تعالى فجـعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثاً ثم أقبلن فانضممن إلى رؤوسهن كل جثة إلى رأسها {وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } لا يمتنع عليه ما يريده {حَكِيمٌ } فيما يدبر لا يفعل إلا ما فيه الحكمة، ولما برهن على قدرته على الإحياء حث على الإنفاق في سبيل الله، وأعلم أن من أنفق في سبيله فله في نفقته أجر عظيم وهو قادر عليه فقال: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } لا بد من حذف مضاف أي مثل نفقتهم {كَمَثَلِ حَبَّةٍ } أو مثلهم كمثل باذر حبة {أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } المنبت هو الله ولكن الحبة لما كانت سبباً أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء. ومعنى إنباتها سبع سنابل أن تخرج ساقاً يتشعب منه سبع شعب لكل واحد سنبلة، وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين عيني الناظر والممثل به موجود في الدخن والذرة وربما فرخت ساق البرة في الأرض القوية المغلة فيبلغ حبها هذا المبلغ، على أن التمثيل يصح وإن لم يوجد على سبيل الفرض، والتقدير ووضع سنابل موضع سنبلات كوضع قروء موضع أقراء {وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَاء } أي يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء لا لكل منفق لتفاوت أحوال المنفقين، أو يزيد على سبعمائة لمن يشاء. «يضعّف»: شامي و«يضعّف»: مكي {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ } واسع الفضل والجود {عَلِيمٌ } بنيات المنفقين. {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنّا } هو أن يعتد على من أحسن إليه بإحسانه ويريه أنه اصطنعه وأوجب عليه حقاً له وكانوا يقولون إذا صنعتم صنيعة فانسوها {وَلا أَذًى } هو أن يتطاول عليه بسبب ما أعطاه. ومعنى «ثم» إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى وأن تركهما خير من نفس الإنفاق كما جعل الاستقامة على الإيمان خيراً من الدخول فيه بقوله {أية : ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ }تفسير : [فصلت: 30] {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } أي ثواب إنفاقهم {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } من بخس الأجر {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } من فوته، أو لا خوف من العذاب ولا حزن بفوت الثواب. وإنما قال هنا: «لهم أجرهم» وفيما بعد «فلهم أجرهم» لأن الموصول هنا لم يضمن معنى الشرط وضمنه ثمة. {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } رد جميل {وَمَغْفِرَةٌ } وعفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول، أو ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل {خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى } وصح الإخبار عن المبتدأ النكرة لاختصاصه بالصفة {وَٱللَّهُ غَنِىٌّ } لا حاجة له إلى منفق يمن ويؤذي {حَلِيمٌ } عن معاجلته بالعقوبة وهذا وعيد له. ثم أكد ذلك بقوله { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلأَذَىٰ كَٱلَّذِى } الكاف نصب صفة مصدر محذوف والتقدير إبطالاً مثل إبطال الذي {يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } أي لا تبطلوا ثواب صدقاتكم بالمن والأذى كإبطال المنافق الذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يريد بإنفاقه رضا الله ولا ثواب الآخرة، ورئاء مفعول له {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ } مثّله ونفقته التي لا ينتفع بها البتة بحجر أملس عليه تراب {فَأَصَابَهُ وَابِلٌ } مطر عظيم القطر {فَتَرَكَهُ صَلْدًا } أجرد نقياً من التراب الذي كان عليه {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ } لا يجدون ثواب شيء مما أنفقوا، أو الكاف في محل النصب على الحال أي لا تطلبوا صدقاتكم مماثلين الذي ينفق. وإنما قال «لا يقدرون» بعد قوله «كالذي ينفق» لأنه أراد بالذي ينفق الجنس أو الفريق الذي ينفق {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } ما داموا مختارين الكفر. {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمُ ٱبْتِغَاء مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } أي وتصديقاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم، لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل الله علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه. و«من» لابتداء الغاية وهو معطوف على المفعول له أي للإبتغاء والتثبيت، والمعنى ومثل نفقة هؤلاء في زكاتها عند الله {كَمَثَلِ جَنَّةٍ } بستان {بِرَبْوَةٍ } مكان مرتفع، وخصها لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمراً «بربوة»: عاصم وشامي {أَصَابَهَا وَابِلٌ فَئَاتَتْ أُكُلُهَا } ثمرتها «أكلها»: نافع ومكي وأبو عمرو {ضِعْفَيْنِ } مثلي ما كانت تثمر قبل بسبب الوابل {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } فمطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها، أو مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل، وكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة بعد أن يطلب بها رضا الله تعالى زاكية عند الله زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } يرى أعمالكم على إكثار وإقلال ويعلم نياتكم فيهما من رياء وإخلاص. الهمزة في {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ } للإنكار {أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ } بستان {مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ لَهُ } لصاحب البستان {فِيهَا } في الجنة {مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها، أو أن النخيل والأعناب لما كانا أكرم الشجر وأكثرها منافع خصهما بالذكر وجعل الجنة منهما وإن كانت محتوية على سائر الأشجار تغليباً لهما على غيرهما ثم أردفهما ذكر كل الثمرات. {وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ } الواو للحال ومعناه أن تكون له جنة وقد أصابه الكبر، والواو في {وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاء } أولاد صغار للحال أيضاً، والجملة في موضع الحال من الهاء في «أصابه» {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ } ريح تستدير في الأرض ثم تستطع نحو السماء كالعمود {فِيهِ } في الإعصار وارتفع {نَّارٌ} بالظرف إذ جرى الظرف وصفاً لإعصار {فَٱحْتَرَقَتْ } الجنة، وهذا مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة رياء فإذا كان يوم القيامة وجدها محبطة فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة جامعة للثمار فبلغ الكبر وله أولاد ضعاف والجنة معاشهم فهلكت بالصاعقة {كَذٰلِكَ } كهذا البيان الذي بين فيما تقدم {يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ } في التوحيد والدين {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } فتنتبهوا. {تَتَفَكَّرُونَ يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ } من جياد مكسوباتكم، وفيه دليل وجوب الزكاة في أموال التجارة {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ ٱلأَرْضِ } من الحب والثمر والمعادن وغيرها والتقدير: ومن طيبات ما أخرجنا لكم إلا أنه حذف لذكر الطيبات {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ } ولا تقصدوا المال الرديء {مِنْهُ تُنفِقُونَ } تخصونه بالإنفاق وهو في محل الحال أي ولا تيمموا الخبيث منفقين أي مقدرين النفقة {وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ } وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم {إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ } إلا بأن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه من قولك «أغمض فلان عن بعض حقه» إذا غض بصره، ويقال للبائع «أغمض» أي لا تستقص كأنك لا تبصر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا يتصدقون بحشف التمر وشراره فنهوا عنه. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ } عن صدقاتكم {حَمِيدٌ } مستحق للحمد أو محمود. {ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ } في الإنفاق {ٱلْفَقْرَ } ويقول لكم إن عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا، والوعد يستعمل في الخير والشر {وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَاء } ويغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور والفاحش عند العرب البخيل {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم } في الإنفاق {مَّغْفِرَةً مّنْهُ } لذنوبكم وكفارة لها {وَفَضْلاً } وأن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم، أو وثواباً عليه في الآخرة {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ } يوسع على من يشاء {عَلِيمٌ } بأفعالكم ونياتكم. {يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء } علم القرآن والسنة، أو العلم النافع الموصل إلى رضا الله والعمل به، والحكيم عند الله هو العالم العامل {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ } «ومن يؤت»: يعقوب أي ومن يؤته الله الحكمة {فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } تنكير تعظيم أي أوتي خيراً أيّ خير كثير. {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } وما يتعظ بمواعظ الله إلا ذوو العقول السليمة أو العلماء العمال، والمراد به الحث على العمل بما تضمنت الآي في معنى الإنفاق.{وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ } في سبيل الله أو في سبيل الشيطان {أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ } في طاعة الله أو في معصيته {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ } لا يخفى عليه وهو مجازيكم عليه {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ } الذين يمنعون الصدقات أو ينفقون أموالهم في المعاصي أو ينذرون في المعاصي أو لا يفون بالنذور {مِنْ أَنصَارٍ } ممن ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه. {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ } فنعم شيئاً إبداؤها و «ما» نكرة غير موصولة ولا موصوفة، والمخصوص بالمدح «هي». فنعما «هي» بكسر النون وإسكان العين: أبوعمرو ومدني غير ورش. وبفتح النون وكسر العين: شامي وحمزة وعلي. وبكسر النون والعين: غيرهم. {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَاء } وتصيبوا بها مصارفها مع الإخفاء {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } فالإخفاء خير لكم. قالوا: المراد صدقات التطوع والجهر في الفرائض أفضل لنفي التهمة حتى إذا كان المزكي ممن لا يعرف باليسار كان إخفاؤه أفضل، والمتطوع إن أراد أن يقتدي به كان إظهاره أفضل. {وَيُكَفّرْ } بالنون وجزم الراء: مدني وحمزة وعلي. بالياء ورفع الراء: شامي وحفص. وبالنون والرفع: غيرهم. فمن جزم فقد عطف على محل الفاء وما بعده لأنه جواب الشرط، ومن رفع فعلى الاستئناف والياء على معنى يكفر الله. {عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ } والنون على معنى نحن نكفر {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الإبداء والإخفاء {خَبِيرٌ } عالم.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ...}. قوله تعالى: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ}. إن قلت: هلا قال نمرود: أَنا هو الَّذي يأتي بها من المشرق فليأت بها ربّك من المغرب؟ قلت: إنه لا يقدر أن يقول ذلك لئلا تقوم عليه الحجة لأن الشمّس كانت تطلع من المشرق قبل أن يوجد نمرود. وذكره ابن عطية فقال: إن ذوي الأسنان يكذبونه.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ربِّي الذي} مرسلة الياء: حمزة. الباقون بالفتح. {أنا أحيى} بالمد: أبو جعفر ونافع، وكذلك ما أشبهها من المفتوحة والمضمومة، وزاد أو نشيط بالمد في المكسورة في قوله تعالى {أية : إن أنا إلا نذير} تفسير : [الأعراف: 188] وأشباه ذلك {مائة} وبابه مثل "فئة" وقد مر. {لبث} وبابه بالأظهار: ابن كثير ونافع وخلف وسهل ويعقوب {لم يتسنه} في الوصل والوقف بالهاء: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب، لأن الهاء للسكت وهاء السكت تزاد للوقف. الباقون: بالهاء الساكنة في الحالين، والهاء إما أصلية مجزومة بلم، أو هاء سكت. وأجروا الوصل مجرى الوقف. {إلى حمارك} كمثل الحمار بالإمالة: عليّ غير ليث وأبي حمدون، وحمدويه والنجاري عن ورش، وابن ذكوان وأبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي بن شنبوذ عن أهل مكة. {ننشرها} بالراء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وأبو جعفر ونافع. الباقون بالزاي. {قال أعلم} موصولاً والابتداء بكسر الهمزة على الأمر: حمزة وعلي. الباقون: مقطوعاً والميم مضمومة على الإخبار {فصرهن} بكسر الصاد: يزيد وحمزة وخلف ورويس والمفضَّل، {جزءاً} بتشديد الزاي: يزيد ووجهه أنه خفف بطرح همزته ثم شدد كما يشدد في الوقف إجراء للوصل/ مجرى الوقف. وقرأ أبو بكر وحماد "جزءاً" مثقلاً مهموزاً. الباقون: ساكنة الزاي مهموزة. الوقوف: {الملك} م لأن إذ ليس بظرف لإيتاء الملك. {ويميت} (لا) لأن {قال} عامل، إذ {وأميت} ط، {كفر} ط، {الظالمين} لا، للعطف بأو التعجب. {عروشها} ج لأن ما بعده من تتمة كلام قبله من غير عطف. {موتها} ج لتمام المقول مع العطف بفاء الجواب والجزاء {بعثه} ط. {كم لبثت} ط. {يوم} ط. {لم يتسنه} ج وإن اتفقت الجملتان لوقوع الحال المعترض بينهما، ومن وصل حسن له الوقف على {حمارك} بإضمار ما يعطف عليه قوله {ولنجعلك} أي لتستيقن ولنجعلك، ومن جعل الواو مقحمة لم يقف. {لحما} ط لتمام البيان {له} (لا) لأن {قال} جواب لما.{قدير} ه {الموتى} ط {تؤمن} ط. {قلبي} ط. {سعياً} ط، لاعتراض جواب الأمر {حكيم}. التفسير: إنه سبحانه ذكر ههنا قصصاً ثلاثاً؛ أولاها في إثبات العلم بالصانع والباقيتان في إثبات البعث والنشور. فالقصة الأولى مناظرة إبراهيم ملك زمانه، عن مجاهد أنه نمرود بن كنعان وهو أول من تجبر وادّعى الربوبية والمحاجة المغالبة بالحجة. والضمير في "ربه" لإبراهيم، ويحتمل أن يكون لـ "نمرود"، والهاء في "أن آتاه" قيل لإبراهيم لأنه أقرب في الذكر، ولأنه لا يجوز أن يؤتى الكافر الملك والتسليط، ولأنه يناسب قوله {أية : فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً} تفسير : [النساء: 54]. وقال جمهور المفسرين: الضمير لذلك الشخص الذي حاج إبراهيم، ولا يبعد أن يعطي الله الكافر بسطةً وسعةً في الدنيا. ومعنى أن آتاه لله أي لأن أتاه الله الملك فأبطره وأورثه الكبر والعتو أو جعل محاجته في ربه شكراً له كقولك "عاداني فلان لأني أحسنت إليه" تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان، ويجوز أن يكون المعنى: حاج وقت أن آتاه. وعن مقاتل أن هذه المحاجة كانت حين ما كسر إبراهيم الأصنام وسجنه نمرود ثم أخرجه من السجن ليحرقه فقال: من ربك الذي تدعو إليه؟ فقال: ربي الذي يحيي ويميت. وهذا دليل في غاية الصحة لأن الخلق عاجزون عن الإحياء والإماتة فلا بد أن يستند إلى مؤثر قادر مختار خبير بأجزاء الحيوان وأشكاله، بصير بأعضائه وأحواله، ولأمر ما ذكره الله تعالى في مواضع من كتابه فقال {أية : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} تفسير : [المؤمنون: 12] {أية : وهو الذي خلقكم من تراب} تفسير : [غافر: 67] {أية : ألم نخلقكم من ماء مهين} تفسير : [المرسلات: 20] ويروى أن الكافر دعا حينئذٍ شخصين فاستبقى أحدهما وقتل الآخر وقال: أنا أيضاً أحيي وأميت. ثم للناس في هذا المقام طريقان: الأول وعليه أكثر المفسرين أن إبراهيم عليه السلام لما رأى من/ نمرود أنه ألقى تلك الشبهة عدل عن ذلك إلى دليل آخر ومثال آخر أوضح من الأول فقال {إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} قالوا: وفي هذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة. وأورد عليه أن الشبهة إذا وقعت في الأسماع وجب على المحق القادر على ذكر الجواب أن يذكر الجواب في الحال إزالة لذلك الجهل واللبس. ولما طعن الملك الكافر في الدليل الأول أو في المثال الأول بتلك الشبهة كان الاشتغال بإزالة ذلك واجباً مضيقاً فكيف يليق بالمعصوم أن يترك ذلك الواجب مع أن فيه إيهام أن كلامه الأول كان ضعيفاً؟ ولئن سلمنا أن الانتقال من دليل إلى دليل حسن لكنه يجب أن يكون المنتقل إليه أوضح. لكن الاستدلال بالإحياء والإماتة على وجود الصانع أظهر وأقوى من الاستدلال بطلوع الشمس، فإن جنس الحياة لا قدرة للخلق عليه، وأما جنس تحريك الأجسام فللخلق قدرة عليه. وأيضاً دلالة الإحياء والإماتة على الحاجة إلى المؤثر القادر لكونهما من المتبدلات أقوى من دلالة طلوع الشمس لكون حركة الأفلاك على نهج واحد. وأيضاً إن نمرود لما لم يستحي من معارضة الإحياء والإماتة الصادرين عن الله بالقتل والتخلية، فكيف يؤمن منه عند استدلال إبراهيم بطلوع الشمس أن يقول بل طلوع الشمس من المشرق مني، فإن كان لك إله فقل له حتى يطلعها من المغرب. وعند ذلك التزم المحققون من المفسرين ذلك وقالوا: إنه لو أورد هذا السؤال لكان من الواجب أن يطلع الشمس من مغربها، ومن المعلوم أن الاشتغال بإظهار فساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثير من التزام طلوع الشمس من المغرب، فما الذي حمل إبراهيم على ترك الجواب عن ذلك السؤال الركيك، والتزم الانقطاع، واعترف بالحاجة إلى الانتقال، وتمسك بدليل لا يمكن تمشيته إلا بالتزام اطلاع الشمس من المغرب؟ ولما كانت هذه الأعتراضات واردة على الطريق الأول عدل بعض المحققين إلى طريق آخر وقالوا: إن إبراهيم عليه السلام لما احتج بالإحياء والإماتة قال المنكر: أتدعي الإحياء والإماتة من الله ابتداء أم بواسطة الأسباب الأرضية والسماوية؟ أما الأول فلا سبيل إليه، وأما الثاني فنظيره أو ما يقرب منه حاصل للبشر. فإن الجماع يفضي إلى الولد بتوسط الأسباب، وتناول السم يفضي إلى الموت، فأجاب إبراهيم عليه السلام بناء على معتقدهم، وكانوا أصحاب تنجيم - بأن الإحياء والإماتة وإن حصلا بواسطة حركات الأفلاك، لكن الحركات والاتصالات لا بد لها من فاعل ومدبر، وليس ذلك هو البشر فإنه لا قدرة لهم على الفلكيات، فهي إذن بتحريك رب الأرض والسموات. قلت: وفيه أيضاً طريق آخر نذكره في التأويلات إن شاء الله تعالى. {فبهت الذي كفر} يقال: بهت الرجل بالكسر إذا دهش وتحير، وبهت بالضم مثله. وقد قرىء بهما وأفصح منهما القراءة المشهورة فبهت على البناء للمفعول لأنه يقال: رجل مبهوت ولا يقال/ باهت ولا بهيت قاله الكسائي. {والله لا يهدي القوم الظالمين} فلهذا لم ينفعه الدليل وإن بلغ في الظهور إلى حيث صار المبطل مبهوتاً محجوجاً، فيعلم منه أن الكل بقضاء الله وقدره وبمشيئته وإرادته. القصة الثانية قوله سبحانه {أو كالذي مر على قرية} ذهب الكسائي والفراء والفارسي وأكثر النحويين إلى أنه معطوف على المعنى، والتقدير: أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مر، ونظيره من القرآن {أية : قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله} تفسير : [المؤمنون: 84، 85] ثم قال {أية : قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله} تفسير : [المؤمنون: 186، 187] فهذا عطف على المعنى كأنه قيل: لمن السموات؟ فقيل: لله. ومثله قول الشاعر: شعر : فلسنا بالجبال ولا الحديدا تفسير : وعن الأخفش: أن الكاف زائدة والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، أو إلى الذي مر. وعن المبرد: أنا نضمر الفعل في الثاني والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إلى إبراهيم أو ألم تر إلى مثل الذي مر. واختلف في المار بالقرية فعن مجاهد وعليه أكثر المفسرين من المعتزلة أن المار كان رجلاً كافراً. شاكاً في البعث لأن قوله {أنى يحيي} استبعاد وإنه لا يليق بالمؤمن، ولأنه تعالى قال في حقه {فلما تبين له} وفيه دليل على أن ذلك التبين لم يكن حاصلاً قبل ذلك. وكذا قوله {أعلم أن الله على كل شيء قدير} وذهب سائر المفسرين إلى أنه كان مسلماً ثم قال قتادة وعكرمة والضحاك والسدي: هو عزير، وقال عطاء عن ابن عباس هو أرميا. ثم من هؤلاء من قال: إن أرميا هو الخضر عليه السلام وهو رجل من سبط هارون بن عمران وهذا قول محمد بن إسحق. وقال وهب بن منبه: إن أرميا هو النبي الذي بعثه الله عند ما خرب بختنصر بيت المقدس وأحرق التوراة. وقيل: هو عزير على ما يجيء. حجة هؤلاء أن قوله {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} يدل على أنه كان عالماً بالله، وبأنه تعالى يصح منه الإحياء في الجملة، والاستبعاد إنما هو في القرية المخصوصة. وأيضاً قد شرفه الله تعالى بالتكلم في قوله {قال كم لبثت} وفي قوله {وانظر} {ولنجعلك} وفي نفس قصته من الإعادة وغيرها إكرام له أيضاً. روي عن ابن عباس أن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم الكثير - ومنهم عزير وكان من علمائهم - فجاء بهم إلى بابل. فدخل عزير تلك القرية ونزل تحت ظل شجرة وربط حماره وطاف في القرية فلم ير فيها أحداً، فعجب من ذلك وقال {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} أي من أين يتوقع عمارتها؟ لا على/ سبيل الشك في القدرة، بل بسبب اطراد العادة في أن مثل ذلك الموضع الخراب قلما يصيره الله معموراً. وكانت الأشجار مثمرة فتناول منها التين والعنب وشرب من عصير العنب، ونام فأماته الله في منامه مائة عام وهو شاب، ثم أعمى عنه في موته أبصار الإنس والطير والسباع، ثم أحياه بعد المائة ونودي من السماء يا عزير {كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً أو بعض يوم. قال: بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك} من التين والعنب {وشرابك} من العصير لم يتغير. فنظر فإذا التين والعنب كما شاهد. ثم قال {وانظر إلى حمارك} فنظر فإذا عظام بيض تلوح وقد تفرقت أوصاله. فسمع صوتاً: أيتها العظام البالية إني جاعل فيك روحاً فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض ثم التصق كل عضو بما يليق به، الضلع إلى الضلع والذراع إلى مكانه، ثم جاء الرأس إلى مكانه، ثم العصب، ثم العروق، ثم انبسط اللحم عليه، ثم انبسط الجلد عليه، ثم خرجت الشعور من الجلد، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو قائم ينهق، فخر عزير ساجداً فقال {أعلم أن الله على كل شيء قدير} ثم إنه دخل بيت المقدس فقال القوم: حدثنا آباؤنا أن عزير بن شرحيا مات ببابل، وقد كان يختنصر قتل ببيت المقدس أربعين ألفاً من قراء التوراة وكان فيهم عزير. والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة، فلما أتاهم بعد مائة عام جدد لهم التوراة وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لم يخرم منها حرفاً. وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت وعورضت بما أملاه فما اختلفا في حرف، فعند ذلك قالوا: عزير ابن الله. وعن وهب وقتادة وعكرمة والربيع أن القرية إيليا وهو بيت المقدس. وقال ابن زيد: هي القرية التي خرجت منها الألوف حذر الموت. ومعنى قوله {خاوية على عروشها} ساقطة على سقوفها من خوى النجم إذا سقط. والعروش الأبنية، والسقوف من الخشب، كان حيطانها قائمة وقد تهدمت سقوفها ثم انقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المتهدمة، وهذا من أحسن ما يوصف به خراب المنازل. ويحتمل أن يكون من خوى المنزل إذا خلا عن أهله، وخوى بطن الحامل. "وعلى" بمعنى "عن" أي خاوية عن عروشها، ويجوز أن يراد أن القرية خاوية مع بقاء عروشها وسلامتها. قال في الكشاف: ويجوز أن يكون {على عروشها} خبراً بعد خبر كأنه قيل: هي خالية وهي على عروشها أي هي قائمة مظلة على عروشها على معنى أن السقوف سقطت إلى الأرض فصارت في قرار الحيطان، وبقيت الحيطان بحالها فيه مشرفة على السقوف الساقطة، ويجوز أن يراد أن القرية خاوية مع كون أشجارها معروشة، وكان التعجب من ذلك أكثر لأن الغالب من القرية الخالية أن يبطل ما فيها من عروش الفواكه {فأماته الله مائة عام} لأن الإحياء بعد مدة طويلة أغرب فيكون أدخل في كونه آية {ثم بعثه} أي أحياه كما كان أوّلاً عاقلاً فهماً مستعداً للنظر والاستدلال في المعارف الإلهية، ولو قال أحياه لم/ تحصل هذه الفوائد. {قال كم لبثت} أي كم مدة؟ فخذف المميز. والحكمة في السؤال هو التنبيه على حدوث ما حدث من الخوارق وإلا فمن المعلوم أن الميت لا يمكنه بعد أن صار حياً أن يعلم أن مدة موته طويلة أو قصيرة {قال} بناء على الظن لا بطريق الكذب {لبثت يوماً أو بعض يوم} روي أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غروب الشمس. فقال قبل النظر إلى الشمس: يوماً. ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: أو بعض يوم. والظاهر أنه علم أن ذلك اللبث كان سبب الموت بأمارات شاهدها في نفسه وفي حماره {لم يتسنه} لم يتغير. وأصله من السنة أي لم يأت عليه السنون لأن مرّ السنين إذا لم يغيره فكأنها لم تأت عليه. وعلى هذا فالهاء إما للسكت بناء على أن أصل سنة سنوة بدليل سنوات في الجمع وسنية في التحقير، وقولهم "سانيت الرجل مساناة" إذا عامله سنة. وإما أصلية على أن نقصان سنة هو الهاء بدليل سنيهة في التصغير، وقولهم "أجرت الدار مسانهة". وقيل: أصله لم يتسنن إما من السن وهو التغير قال تعالى {أية : من حمإ مسنون} تفسير : [الحجر: 26] أي متغير منتن. وإما من السنة أيضاً بناء على ما نقل الواحدي من أن أصل سنة يجوز أن يكون سننة بدليل سنينة في تحقيرها وإن كان قليلاً. وعلى التقديرين أبدلت النون الأخيرة ياء مثل تقضي الباري في تقضض. ثم حذفت الياء للجزم وزيدت هاء السكت في الوقف. وعن أبي علي الفارسي أن السن هو الصب فقوله "لم يتسن" أي الشراب بقي بحاله لم ينصب. فعلى هذا يكون قوله {لم يتسنه} عائداً إلى الشراب وحده، ويوافقه قراءةٍ ابن مسعود {فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسنن} وأما على سائر الأقوال فيكون عدم التغير صالحاً لأن يعود إلى الطعام وإلى الشراب جميعاً. فإن قيل: إنه تعالى لما قال {بل لبثت مائة عام} كان من حقه أن يذكر عقيبه ما يدل على ذلك، ولكن قوله {فانظر} يدل ظاهراً على ما قاله من أنه لبث يوماً أو بعض يوم. فالجواب أن الشبهة كلما كانت أقوى كان الاشتياق إلى الدليل الكاشف عنها أشد ولهذا قيل: {وانظر إلى حمارك} فرآه عظاماً نخرة فعظم تعجبه حيث رأى ما يسرع إليه التغير وهو الطعام والشراب باقياً، وما يمكن أن يبقى زماناً طويلاً وهو الحمار غير باقٍ فعرف طول مدة لبثه بأن شاهد عظام حماره رميماً. وهذا بالحقيقة لا يدل بذاته لأن القادر على إحياء الحيوان قادر على إماتته وجعل عظامه نخرة في الحال، ولكن انقلاب عظام الحمار إلى حالة الحياة كانت معجزة دالة على صدق ما سمع من قوله {بل لبثت مائة عام}. {ولنجعلك آية} قال الضحاك: معناه أنه جعله دليلاً على صحة البعث. وقال غيره: كان آية {للناس} لأن الله تعالى بعثه شاباً أسود الرأس، وبنو بنيه شيوخ بيض اللحى والمفارق. وقيل: إنه كان يقرأ التوراة عن ظهر قلبه فذلك كونه آية. وقيل: إن حماره لم يمت. والمراد وانظر إلى حمارك سالماً في مكانه كما ربطته وذلك من أعظم الأيات أن يعيشه مائة/ عام من غير علف ولا ماء كما حفظ طعامه وشرابه من التغير، وأما فائدة الواو في قوله {ولنجعلك آية للناس} فقد قال الفراء: فإنما دخلت لنية فعل بعدها مضمر، لأنه لو قال وانظر إلى حمارك لنجعلك آية، كان النظر إلى الحمار شرطاً وجعله آية جزاء، وهذا المعنى غير مطلوب من هذا الكلام. بل المعنى: ولنجعلك آية فعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء. ومثله في القرآن كثير {أية : وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون} تفسير : [الأنعام: 105] {أية : وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين} تفسير : [الأنعام: 75] {وانظر إلى العظام كيف ننشرها} بالراء المهملة أي كيف نحييها. وقرىء {كيف ننشرها} من نشر الله الموتى بمعنى أنشرهم. ويحتمل أن يكون من النشر ضد الطي فإن الحياة تكون بالانبساط. وقد وصف الله العظام بالإحياء في قوله {أية : من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} تفسير : [يس: 79] ومن قرأ بالزاء فمعناه نحركها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب. والنشز ما ارتفع من الأرض ومنه نشوز المرأة لأنها ترتفع عن حد رضا الزوج. "وكيف" في موضع الحال من العظام والعامل فيه "ننشرها" لا "انظر" لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. ثم أكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره، وأن اللام فيه بدل من الكناية. وعن قتادة والربيع وابن زيد: أن العظام عظام هذا الرجل نفسه. قالوا: إنه تعالى أحيا رأسه وعينيه وكانت بقية بدنه عظاماً نخرة وكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها تجتمع وينضم البعض إلى البعض وكان يرى حماره واقفاً كما ربطه، وزيف بأن قوله {لبثت يوماً أو بعض يوم} إنما يليق بمن لا يرى في نفسه أثر التغير لا بمن شاهد أجزاء بدنه متفرقة وعظامه رميمة. وأيضاً قوله {ثم بعثه} يدل على أن المبعوث هو تلك الجملة التي أماتها، وقيل: هي عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم، وفاعل تبين مضمر تقديره {فلما تبين له} أن الله على كل شيء قدير {قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كما في قوله "ضربني وضربت زيداً" أو التقدير: فلما تبين له ما أشكل عليه من أمر الإماتة والإحياء قال أعلم. وتأويله إني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه قبل ذلك استدلالاً. ومن قرأ {اعلم} على لفظ الأمر فمعناه أنه عند التبين أمر نفسه بذلك. والله تعالى أمره بذلك كما في آخر قصة إبراهيم {واعلم أن الله عزيز حكيم} قال القاضي: القراءة الأولى أولى لأن الأمر بالشيء إنما يحسن عند عدم المأمور به، وههنا العلم حاصل بدليل قوله {فلما تبين له} فلا يحسن الأمر بتحصيل العلم بعد ذلك. أما الإخبار عن أنه حصل فجائز. قلت: ليس هذا من باب الأمر بتحصيل الحاصل، وإنما الأمر فيه عائد إلى شيء آخر غير حاصل وهو عدم التعجب من إيجاد سائر الممكنات البعيدة، فإن من قدر/ على إيجاد أمر مستبعد الحصول كان قادراً على نظائره من الغرائب والعجائب لا محالة، ولهذا أوردت القضية كلية. نعم لو قيل: اعلم أن الله قادر على إحياء الموتى لأشبه أن يكون أمراً بتحصيل الحاصل، على أن ذلك أيضاً ممنوع فإن الأمر حينئذٍ يعود إلى شيء آخر غير حاصل هو عدم الشك فيما يستأنف من الزمان أي لتكن هذه الآية على ذكر منك كيلا يعترض لك شك فيما بعد، وذلك كقولك للمتحرك "تحرك" أي واظب على الحركة ولا تفتر. وليت شعري كيف يطعن بعض العلماء في بعض القراءات السبع مع ثبوت التواتر وكونها كلها كلام الحكيم العليم تقدس وتعالى؟ القصة الثالثة قوله عم طوله {وإذ قال إبراهيم} التقدير: واذكر وقت قول إبراهيم. وقيل: معطوف على قوله {إلى الذي} أي ألم تر إلى وقت قول إبراهيم. وههنا دقيقة وهي أنه لم يسم عزيراً في قصته بل قال {أو كالذي مرّ على قرية} وههنا سمى إبراهيم لأن عزيراً لم يحفظ الأدب بل قال ابتداء {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} وإبراهيم أثنى على الله أولاً بقوله {رب أرني} وأيضاً إن عزيراً استبعد الإحياء فأرى ذلك في نفسه، وإبراهيم التمس ودعا بقول {أرني} فأرى ذلك في غيره. ومعنى أرني بصرني. وذكروا في سبب سؤال إبراهيم وجوهاً. الأول قال الحسن والضحاك وقتادة وعطاء وابن جريج: إنه رأى جيفة مطروحة على شط النهر، فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت، فإذا أكل السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت، فقال إبراهيم: رب أرني كيف تجمع أجزاء هذا الحيوان من بطون السباع والطيور ودواب البحر. فقيل: أو لم تؤمن؟ قال: بلى. ولكن المطلوب بالسؤال أن يصير العلم الاستدلالي ضرورياً. الثاني: قال محمد بن إسحق والقاضي: إنه في مناظرته مع نمرود لما قال ربي الذي يحيي ويميت قال الكافر أنا أحيي وأميت فأطلق محبوساً وقتل آخر فقال إبراهيم: ليس هذا بإحياء وإماتة وعند ذلك قال {رب أرني كيف تحيي الموتى} لتنكشف هذه المسألة عند نمرود وأتباعه، ويزول الإنكار عن قلوبهم. وري أن نمرود قال له: قل لربك يحيي وإلا قتلتك، فسأل الله ذلك، وقوله {ليطمئن قلبي} أي بنجاتي من القتل، أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي وبرهاني، وأن عدولي إلى غيرها كان بسبب جهل المستمع. الثالث: عن ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي أن الله تعالى أوحى إليه أني أتخذ بشراً خليلاً، فاستعظم ذلك إبراهيم عليه السلام وقال: إلهي، ما علامة ذلك؟ فقال: علامته أنه يحيي الميت بدعائه فلما عظم مقام إبراهيم عليه السلام في درجات العبودية وأداء الرسالة خطر بباله أني لعلي أكون ذلك الخليل. فسأل الله إحياء الموتى فقال الله: أو لم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي على أني خليل/ لك. الرابع: لا يبعد أن يقال: إنه لما جاء الملك إلى ابراهيم وأخبره بأن الله بعثك رسولاً إلى الخلق طلب المعجزة ليطمئن قلبه على أن الآتي ملك كريم لا شيطان رجيم. الخامس: لعله طالع في الصحف المنزلة عليه أن الله تعالى يحيي الموتى بدعاء عيسى، فطلب ذلك ليطمئن قلبه أنه ليس أقل منزلة عند الله من عيسى وأنه من أولاده. السادس: أمر بذبح الولد فسارع إلى ذلك فقال: إلهي، أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح فامتثلت فشرفني بأن تجعل بدعائي فاقد الروح ذا روح. السابع: أراد أن يخصصه الله بهذا التشريف في الدنيا بأن جميع الخلائق يشاهدون الحشر في الآخرة. الثامن: لعل إبراهيم لم يقصد إحياء الموتى بل قصد سماع الكلام بلا واسطة. وأما أن إبراهيم عليه السلام كان شاكاً في المعاد فلا ينبغي أن يعتقد فيه، ومن كفر النبي المعصوم فهو بالكفر أولى وكيف يظن ذلك بإبراهيم عليه السلام وقوله {بلى} اعتراف بالإيمان، وقوله {ليطمئن قلبي} كلام عارف طالب لمزيد اليقين. والشك في قدرة الله يوجب الشك في نبوّة نفسه، والذي جاء في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم " حديث : نحن أحق بالشك من إبراهيم" تفسير : فذلك أنه "حديث : لما نزلت هذه الآية قال بعض من سمعها: شك إبراهيم ولم يشك نبينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تواضعاً منه وتقديماً لإبراهيم على نفسه "نحن أحق بالشك منه"" تفسير : والمعنى أننا لم نشك ونحن دونه، فكيف يشك هو؟ والاستفهام في قوله {أولم تؤمن} للتقرير كقوله: شعر : ألستم خير من ركب المطايا؟ تفسير : وأيضاً المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه صلى الله عليه وسلم كان مؤمناً بذلك عارفاً به، وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر. واللام في قوله {ليطمئن} تتعلق بمحذوف أي ولكن سألت ليزيد قلبي سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال. وقد تعرض الخواطر للمستدل بخلاف المعاين، هذا إذا قلنا: المطلوب حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة الله تعالى على الإحياء، أما إذا قلنا: إن الغرض شيء آخر فلا إشكال {فخذ أربعة من الطير} عن ابن عباس: هنّ طاوس ونسر وغراب وديك. وفي قول مجاهد وابن زيد: حمامة بدل النسر {فصرهن إليك} بضم الصاد وكسرها من صاره يصوره ويصيره أي أملهن وضمهن إليك. وقال الأخفش: يعني وجههنّ إليك. وفائدة أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها أن يتأملها ويعرف أشكالها وهيئتها وحلاها كيلا تلتبس بعد الإحياء، ولا يتوهم أنها غير تلك. وفي الآية حذف كأنه قبل أملهن وقطعهن {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً} وقيل: معنى صرهن قطعهن فلا اضمار. روي أنه أمر بذبحها ونتف ريشها وأن يقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط/ ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك رؤوسها، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال التي بحضرته وفي أرضه على كل جبل ربعاً من كل طائر، ثم يصيح بها تعالين بإذن الله. فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثاً، ثم أقبلن فانضممن إلى رؤوسهن كل جثة إلى رأسها. وأنكر أبو مسلم هذه القصة وقال: إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الموتى من الله أراه الله تعالى مثالاً قرب به الأمر عليه. والمراد بـ {صرهن إليك} الإمالة والتمرين على الإجابة أي قعود الطيور الأربعة بحيث إذا دعوتها أجابتك حال الحياة، والغرض منه ذكر مثال محسوس لعود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة، ويؤكده قوله {ثم ادعهن} أي الطيور لا الأجزاء {يأتينك سعياً} وزيف قول أبي مسلم بأنه خلاف إجماع المفسرين، وبأن ما ذكره غير مختص بإبراهيم فلا يلزم له مزية. وأيضاً إن ظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ما سأل، وعلى قوله لا تكون الإجابة حاصلة. ولأن قوله {على كل جبل منهنَّ جزءاً} دليل ظاهر على تجزئة الطيور وحمل الجزء على أحد الطيور الأربعة بعيد، ثم ظاهر قوله {على كل جبل} جميع جبال الدنيا. فذهب مجاهد والضحاك إلى العموم بحسب الإمكان كأنه قيل: فرقها على كل جبل يمكنك التفرقة عليه. وقال ابن عباس والحسن وقتادة والربيع: أربعة جبال على حسب الطيور الأربعة والجهات الأربع. وقال السدي وابن جريج: المراد كل جبل كان يشاهده إبراهيم وكانت سبعة. أما قوله {ثم ادعهنّ يأتينك سعياً} فقيل: عدواً ومشياً على أرجلهنّ لأن ذلك أبلغ في الحجة، وقيل: طيراناً. ورد بأنه لا يقال للطير إذا طار سعى. وأجيب بأن السعي هو الاشتداد في الحركة مشياً كانت أو طيراناً، واحتج الأصحاب بالآية على أن البنية ليست شرطاً على صحة الحياة لأنه تعالى جعل كل واحد من تلك الأجزاء والأبعاض حياً قادراً على السعي والعدو. قال القاضي: دلت الآية على أنه لا بد من البنية من حيث إنه أوجب التقطيع بطلان حياتها، والجواب أن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة، أما الانفكاك عنه في بعض الأحوال فيدل على المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة، ولما دلت الآية على حصول فهم النداء لتلك الأجزاء حال تفرقها كان دليلاً قاطعاً على أن البنية ليست شرطاً للحياة. {واعلم أن الله عزيز} غالب على جميع الممكنات {حكيم} عالم بعواقب الأمور وغايات الأشياء. التأويل: إن الله تعالى لما أعطى نمرود ملكاً ما أعطى أحداً قبله ادّعى الربوبية وما ادّعاها أحد قبله. وسبب ذلك أن الإنسان لحسن استعداده للطلب وغاية لطافته في الجوهر دائم الحركة في طلب الكمال لا يتوقف لحظة إلا لمانع، ولكنه جبل ظلوماً جهولاً، فمتى وكل إلى نفسه مال إلى عالم الحس، موافقاً لسيره الطبيعي لأنه خلق من تراب وطبعه الميل/ إلى السفل فيرى الكمال في جمع المال ثم طلب الجاه فيصرف المال فيه ثم في الحكم والتسلط. فإذا ملك السفليات بأسرها وقهر ملوك الأرض أراد أن ينازع ملك الملوك وجبار الجبابرة فيقول: أنا أحيي وأميت، وليس للعالم رب إلا أنا جهلاً بالكمال وذلك عند فساد جوهره وبطلان استعداده، كما أنه إذا صلح جوهره بحسن تربية النبي صلى الله عليه وسلم أو من ينوب منابه - وهو الشيخ - قال: ليس في الوجود سوى الله. وهذا هو حقيقة {أية : فاعلم أَنهُ لا إله إلا الله واستغفر لذنبك} تفسير : [محمد: 19] يعني كن فانياً عن وجودك بالكلية، واستغفر لذنب حسبان وجود غير وجوده فافهم جداً وإن لم تكن مجداً، فإن المجد من يدق بمطرقة "لا إله إلا الله" دماغ نمرود النفس إلى أن يؤمن بالله ويكفر بطاغوت وجود كل ما سوى الله. {قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} اعتراض على قول الكافر أنا أحيي وأميت، والمراد أن إرسال النفس الناطق لتدبير البدن اطلاع شمس الحياة من أفق البدن، فإن كنت صادقاً في دعواك أن هذا يتأتى منك فأمسكها عندك وهو الإتيان بالشمس من مغربها، وأنه آية القيامة من مات فقد قامت قيامته. {فبهت الذي كفر} لأنه إن أمكنه أن يدعي الإحياء بمعنى الإبقاء وهو اطلاع الشمس من المشرق، فلن يمكنه أن يدعي الإماتة بمعنى قبض الروح من غير آلة القتل وهو الإتيان بالشمس من المغرب، فهذه طريقة لا يرد عليها شيء من الاعتراضات المذكورة في التفسير. ثم أخبر عن إظهار قدرته في إحياء الموتى بعد انقطاع المدعي في حجته عقيب الدعوى بقوله تعالى {أو كالذي مر على قرية} وذلك أن قوماً أنكروا حشر الأجساد بعد اعترافهم بحشر الأرواح، وزعموا أن الأرواح إذا خرجت من سجن الأشباح وتقوت بالعلوم الكلية التي استفادتها من عالم الحس فما حاجتها أن ترجع إلى السجن والقيد، كما أن الصبي إذا استفاد العلوم في المكتب وكبر قدره وعظم وقعه لم يحتج إلى أن يرجع إلى المكتب وحال صباه، فهو سبحانه لكمال فضله ورأفته دفع هذه التسويلات النفسية ورفع هذه الشبهات الفلسفية بأن أمات عزيراً مائة سنة وحماره معه ثم أحياهما جميعاً ليعلم أن الله تعالى مهما أحيا عزير الروح أحيا معه حمار الجسد، وكما أن عزير الروح يكون عند الملك الجبار يكون حمار الجسد في جنات تجري من تحتها الأنهار. فلعزير الروح مشرب من كؤوس تجلي صفات الجلال والجمال {أية : وسقاهم ربهم شراباً طهوراً} تفسير : [الدهر: 21] "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" تفسير : ولحمار الجسد مرتع من/ الرياض ومشرب من الحياض {أية : وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} تفسير : [الزخرف: 71] و{أية : قد علم كل أناس مشربهم} تفسير : [البقرة: 60]. شعر : شربنا وأهرقنا على الأرض قسطها وللأرض من كأس الكرام نصيب تفسير : ثم أكد حديث الحشر بقصة عن خليله صلى الله عليه وسلم وذلك قوله {رب أرني كيف تحيي الموتى} فيفوح منه رائحة قول موسى {أية : رب أرني أنظر إليك} تفسير : [الأعراف: 143] إلا أن موسى لم يحفظ الأدب في الطلب فما رأى غير النصب والتعب، وأدب بتأديب الخاطىء الجاني، وعرك بتعريك {لن تراني} وذلك أنه كان صاحب شرب وكان الخليل صاحب ري، وصاحب الشرب سكران، وصاحب الري صاح. شعر : شربت الحب كأسا بعد كأس فما نفذ الشراب وما رويت تفسير : فلسكر موسى كان يبسط تارة مع الحق بقوله {أية : رب أرني أنظر إليك} تفسير : [الأعراف: 143] ويعربد أخرى بقوله {أية : إن هي إلا فتنتك} تفسير : [الأعراف: 155] ومن كمال صحو الخليل ما زل قدمه في أدب من اداب العبودية في الحضور والغيبة فلا جرم أكرم اليوم بكرامة الشيبة "حديث : إن أول ما شاب شيبة إبراهيم" تفسير : ويحترم غداً بالكسوة " حديث : إن أول من يكسى إبراهيم " تفسير : ولما ابتلي في ماله فبذل للضيفان وابتلي في ولده فأسلم وتله للجبين وابتلي بنفسه فاستسلم لمنجنيق ابن كنعان، وابتلي بجبرائيل فقال: أما إليك فلا. لا جرم أكرمه الله بالإمامة {أية : إني جاعلك للناس إماماً} تفسير : [البقرة: 124] ومن إمامته أنه كان أول من دق باب طلب الحق وقال {أية : هذا ربي} تفسير : [الأنعام: 76] وأول من سلك طريق الحق وقال {أية : إني ذاهب إلى ربي} تفسير : [الصافات: 69] وأول من نطق بالمحبة وقال {أية : لا أحب الآفلين} تفسير : [الأنعام: 76] وأول من أظهر الشوق وقال {أية : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين} تفسير : [الأنعام: 78] وأول من أظهر العداوة مع غير المحبوب {أية : فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين} تفسير : [الشعراء: 77] وأول من اشتاق فسأل الرؤية وقال {رب أرني} ولا تظن أن اشتياقه إلى الرب إنما كان وقت سؤاله. شعر : ولست حديث العهد شوقاً ولوعة حديث هواكم في حشاي قديم تفسير : ولكنه من حفظ آداب الإجلال كان لا يفتح على نفسه باب السؤال، ويقول حسبي من سؤالي علمه بحالي إلى أن ساقه التقدير إلى حسن التدبير. وسأله نمرود من ربك؟ فأجرى/ الحق على لسانه من فضله وإحسانه {ربي الذي يحيي ويميت} فقال نمرود: هل رأيت منه ما تقول؟ فوجد الخليل فرصة للمأمول فأدرج في السؤال السول فأخفى سره وهو أدنى في علنه وهو {كيف تحيي الموتى} وهو يعلم أنه يعلم السر وأخفى. فأول باب فتح عليه من مقصوده أن أسمعه من كلامه بفضله وجوده. و{قال أولم تؤمن} فكان في هذه الكلمة من إعجاز القرآن ثلاثة معان مضمرة: أو لم تؤمن وقت ما آمنت عند نمرود بأني أحيي وأميت فما كان إيمانك حقيقاً؟ أو لم تؤمن لميعاد رؤيتي في الجنة فأريك ثمة؟ أو لم تؤمن بما طلبت من الإحياء؟ مضمراً في كل منها الإثبات في لفظة النفي. فأجاب الخليل عن الاستفهامات الثلاثة ببلى سراً بسر أي بلى آمنت. وكان إيماناً حقيقياً ولكن ما كان مقصودي الإيمان والإيقان فإنه حاصل، ولا إحياء الموتى فإني فارغ من الموتى وإحيائهم، ولكني سألت ليطمئن قلبي بما تريد، أو بلى آمنت بميعاد رؤيتك في الجنة ولكن ليطمئن قلبي برؤيتك، فإنه كلما ازداد اليقين ازداد الشوق فاضطراب قلبي من غاية يقيني، أو بلى آمنت بقدرتك على الإحياء ولكن ما سألتك عن الإحياء وإنما سألتك عن كيفية الإحياء، ففي ضمن ذلك يحصل مقصودي كما أن من له معشوق خياط وهو يريد مشاهدة معشوقه ويحتشم أن يقول: أرني وجهك لأنظر إليك. لأنه يعلم أن الدلال فرين الجمال، وأن العزة والحسن توأمان: وفي مذهب الملاح الطلب رد والسبيل سد فيقول: أرني كيف تخيط الثياب؟ فكل صانع فاخر في صنعته يريد أن يرى جودة عمله فيحضر المعشوق عنده بلا حجاب وهو يخيط الثوب فيقول: انظر إليّ كيف أخيطه؟ فالعاشق ينظر بعلة الصنع إلى الصانع ويحظى منه بلا مانع ودافع ويطمئن قلبه بذلك. فالخليل لما اعتذر عن الجليل من اضطراب قلبه واضطرار حاله وتضرع بين يدي مولاه، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه حقق رجاءه وقال {خذ أربعة من الطير} الآية. والمراد أنك محجوب بك عني فبحجاب صفاتك عن صفاتي محجوب، وبحجاب ذاتك عن ذاتي ممنوع، فمهما تموت عن صفاتك تحيا بصفاتي، فإذا فنيت عن ذاتك بقيت ببقاء ذاتي {فخذ أربعة من الطير} وهي الصفات الأربع التي تولدت من العناصر الأربعة التي خمرت طينة الإنسان منها فتولدت من ازدواج كل عنصر مع قرينه صفتان: فمن التراب وقرينها وهو الماء تولد الحرص والبخل وهما قرينان يوجدان معاً، ومن الناء وقرينها وهو الهواء تولد الغضب والشهوة، ولكل واحد من هذه الصفات زوج خلق منها ليسكن إليها. فالحرص زوجه الحسد، والبخل زوجه الحقد، والغضب زوجه الكبر، وليس للشهوة اختصاص بزوج معين بل هي كالمعشوقة بين الصفات فتعلق بها كل صفة، فهن الأبواب السبعة للدركات السبع من جهنم {أية : لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} تفسير : [الحجر: 44] يعني من الخلق. فمن كان الغالب عليه صفة منها دخل النار من/ ذلك الباب، فأمر الله تعالى خليله بذبح هذه الصفات وهي الطيور الأربعة، طاوس البخل فلو لم يزين المال في نظر البخيل ما بخل به، وغراب الحرص وبكوره من حرصه، وديك الشهوة، ونسر الغضب لترفعه في الطيران وهذه صفة المغضب. فلما ذبح الخليل بسكين الصدق هذه الطيور وانقطعت منه متولداتها ما بقي له باب يدخل به النار فصارت النار عليه لما ألقي فيها برداً وسلاماً. والمبالغة في تقطيعها ونتف ريشها وخلط أجزائها إشارة إلى محو آثار الصفات المذكورة وهدم قواعدها علي يدي إبراهيم الروح بأمر الشرع {ثم اجعل على كل جبل} هي الجبال الأربعة التي جبل الإنسان عليها: النفس النامية وهي النباتية، والأرواح الثلاثة الحيواني والطبيعي والإنسان الملكي. فهذه الجبال كالأشجار والزروع، وأجزاء الطيور كالتراب المخلوط بالزبل يجعل على الزروع فيتقوى كل واحد من هؤلاء بقوّة واحد من أولئك، ويتربى بتربيتها ويتصرف فيها الروح الإنساني فيحييها بنور هو من خصائص أرواح الإنسان، فتكون تلك الصفات ميتة عن أوصافها حية باخلاق الروحانيات. هذا لخواص الخلق الذي الغالب على أحوالهم الروح، وأما خواص الخواص ومن أدركته العناية كالخليل، فالله تعالى بعد خمود هذه الصفات يتجلى له بصفته المحيي فيحيي هذه الصفات الفانية عن أوصافها بنور صفته المحيية فيكون العبد في تلك الحالة حياً بحياته محيياً بصفاته كما قال "حديث : لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش " تفسير : كما أن أمياً يقول لكاتب: أرني كيف تكتب. فيجعل الكاتب قلمه في يد الأمي ويأخذ يده بيده ويكتب فتظهر الكتابة من يدي الأمي على الصحيفة، ففي تلك الحالة يظن الأمي أنه صار كاتباً فيقول أنا الكاتب كقوله: شعر : عجبت منك ومني أفنيتني بك عني أدنيتني منك حتى ظننت أنك أني تفسير : فإذا رفع الكاتب يده عن يد الأمي فيعلم الأمي أنه أمي والكاتب هو الكاتب فيستغفر عن ذنب حسبانه أنه هو الكاتب وإليه الإشارة بقوله {أية : واستغفر لذنبك} تفسير : [محمد: 19] أي ذنب حسبان أنك كاتب وأنت نبي أمي عربي ما وصلت إلى ما وصلت إلا بفضلنا {أية : وكان فضل الله عليك عظيماً} تفسير : [النساء: 113] ثم إن الله تعالى إن تجلى لخليله بصفة واحدة وهي صفة المحيي ليريه آية من آياته وهي كيفية الإحياء، فقد تجلى لحبيبه بجميع صفاته ليلة المعراج كما قال {أية : لقد رأى من آيات ربه الكبرى} تفسير : [النجم: 18] والخليل طلب الرؤية لنفسه {رب أرني} والحبيب طلبها له ولأمته "حديث : أرنا الأشياء كما هي"تفسير : وذلك لعلو مرتبته وهمته ورفعته وكمال معرفته، فلعلو همته قال: أرنا. ولرفعة مرتبته قال: الأشياء كما هي، فإن فيه مع رعاية الأدب إخفاء المقصود. فكان قول الخليل بالنسبة إلى هذا تصريحاً وإن كان بالنسبة إلى قول الكليم تعريضاً. وفيه أيضاً طلب كمال الرؤية بجميع الصفات فإن جميعها داخلة في الأشياء، ولكمال معرفته طلب رؤية الماهية فقال "كما هي" وهذا هو الملك الحقيقي الذي لا يكتنه كنهه. ثم قيل للخليل {واعلم أن الله عزيز} أعز من أن يعرف كنه صفاته {حكيم} لا يطلع على أسراره إلا من يليق بذلك من مخلوقاته.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَاجَّ إِبْرَٰهِيمَ فِي رِبِّهِ...} الآية: {أَلَمْ تَرَ}: تنبيهٌ، وهي رؤية القَلْب، والَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ، هو نُمْرَوذُ بْنُ كَنْعَانَ مَلِكُ زمانه، وصاحبُ النَّار، والبَعُوضَةِ، قاله مجاهد وغيره، قال قتادة: هو أولُ من تجبَّر، وهو صاحبُ الصَّرْح بِبَابِلَ، قيل: إِنه مَلكَ الدُّنْيَا بأجمعها، وهو أحد الكَافِرَيْنِ، والآخر بُخْتَ نَصَّرَ، وقيل: إِن النُّمْرُوذَ الذي حاجَّ إِبراهيم هو نُمْرُوذُ بْنُ فَالخ، وفي قصص هذه المحاجَّة روايتان. إحداهما: ذكر زيْد بن أسْلم أنَ النُّمْروذ هذا قَعَدَ يأمر للنَّاس بالميرة، فكلَّما جاء قومٌ، قال: مَنْ رَبُّكُمْ وَإِلَهُكِمْ، فيقولُونَ: أَنْتَ، فيقولُ: مِيرُوهُمْ، وجاء إِبراهيم - عليه السلام -، يَمْتَارُ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ وَإِلَهُكَ؟ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّي الَّذِي يُحْيِـــي وَيُمِيتُ، فَلَمَّا سَمِعَهَا نُمْرُوذُ، قَالَ: أَنَا أُحْيِـــي وَأُمِيتُ، فَعَارَضَهُ إِبْرَاهِيمُ بِأَمْرِ الشَّمْسِ؛ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ، وَقَالَ: لاَ تُمِيرُوهُ، فَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَهْلِهِ دُونَ شَيْءٍ، فَمَرَّ عَلَىٰ كَثِيبٍ رَمْلٍ؛ كَالدَّقِيقِ، فَقَالَ: لَوْ مَلأْتُ غَرَارَتِي مِنْ هَذَا، فَإذَا دَخَلْتُ بِهِ، فَرِحَ الصِّبْيَانُ؛ حَتَّىٰ أَنْظُرَ لَهُمَا، فَذَهَبَ بِذَلِكَ، فَلَمَّا بَلَغَ مَنْزِلَهُ، فَرِحَ الصِّبْيَانُ، وَجَعَلاَ يَلْعَبَانِ فَوْقَ الغِرَارَتَيْنِ، وَنَامَ هُوَ مِنَ الإِعْيَاءِ، فَقَالَتِ ٱمْرَأَتُهُ: لَوْ صَنَعْتُ لَهُ طَعَاماً يَجِدُهُ حَاضِراً، إِذَا ٱنْتَبَهَ، فَفَتَحَتْ إِحْدَى الْغِرَارَتَيْنِ، فَوَجَدَتْ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الحَوَارِيِّ، فَخَبَزَتْهُ، فَلَمَّا قَامَ، وَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَتْ: مِنَ الدَّقِيقِ الَّذِي سُقْتَ، فَعَلِمَ إِبْرَاهِيمُ؛ أنَّ اللَّه يسَّر لَهُمْ ذَلِكَ. وقال الربيعُ وغيره في هذا القصص: إِن النُّمروذَ لَمَّا قال: أنَا أُحْيِـــي وأُمِيتُ، أَحْضَرَ رَجُلَيْنِ، فَقَتَل أحَدَهُمَا، وأَرْسَلَ الآخَرَ، وقَالَ: قَدْ أحْيَيْتُ هَذَا، وأَمَتُّ هذا، فردَّ علَيْهِ إِبراهيمُ بأمْرِ الشمْسِ. والروايةُ الأخرَىٰ: ذكر السُّدِّيُّ؛ أنه لما خَرَجَ إِبراهيمُ من النَّار، وأُدْخِلَ على المَلِكِ، قالَ له: مَنْ ربُّكَ؟ قَالَ: ربِّيَ الَّذِي يُحْيِـــي ويُمِيتُ. يقالُ: بُهِتَ الرَّجُلُ، إِذا انقطعَ، وقامَتْ عليه الحُجَّةُ. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}: إِخبارٌ لمحمَّد صلى الله عليه وسلم وأمته، والمعنَىٰ: لا يرشدهم في حججهم على ظُلْمهم، وظاهر اللفْظ العمومُ، ومعناه الخصوصُ؛ لأنَّ اللَّه سبحانه قد يَهْدي بعْضَ الظالمينَ بالتَّوْبة والرجوع إِلى الإِيمان. قوله تعالى: {أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا...} الآية: عطفت «أوْ» في هذه الآية على المعنى الَّذِي هو التعجُّب في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَاجَّ }. قال ابن عبَّاس وغيره: الذي مَرَّ على القَرْيَة هو عُزَيْرٌ، وقال وهْبُ بن مُنَبِّهٍ وغيره: هو أَرْمِيَا، قال ابن إِسحاق: أَرْمِيَا هو الخَضِرُ، وحكاه النَّقَّاش عن وهْب بن منَبِّه. وٱختلف في القَرْيَةِ، مَا هِيَ؟ فقِيلَ: المُؤْتَفِكَةُ، وقال زيْدُ بن أسلم: قريةُ الَّذين خَرَجُوا مِنْ ديارهم، وهم أُلُوفٌ، وقال وهْبُ بن مُنَبِّهٍ، وقتادة، والضَّحَّاك، والرَّبيع، وعِكْرِمَة هي بَيْت المَقْدِسِ، لما خرَّبها بُخْتَ نَصَّرُ البابليُّ، والعَرِيشُ: سقْف البيتِ، قال السُّدِّيُّ: يقول: هي ساقطةٌ علَىٰ سَقْفِها، أي: سقطت السقْف، ثم سقطت الحيطانُ عليها، وقال غيره: معناه: خاوية من الناس، وخاوية: معناه: خاليةٌ؛ يقال: خَوَتِ الدَّارُ تَخْوِي خَوَاءً وخُوِيًّا، ويقال: خويت، قال الطبريُّ: والأول أفْصَحُ، قال:* ص *: {وَهِيَ خَاوِيَةٌ } في موضع الحالِ من فَاعِلِ «مَرَّ» أو من «قَرْيَةٍ» و {عَلَىٰ عُرُوشِهَا}: قيل: على بابِهَا، والمعنَىٰ: خاويةٌ من أهلها، ثابتةٌ علَىٰ عروشها، والبُيُوت قائمةٌ، والمَجْرور علَىٰ هذا يتعلَّق بمحذوفٍ، وهو ثابتةٌ، وقيل: يتعلَّق بـــ «خَاوِيَة» والمعنى: وقعتْ جُدُرَاتُهَا علَىٰ سقوفها بعْد سُقُوط السقوفِ. انتهى، وقد زدنا هذا المعنى وضوحاً في سورة الكهف، واللَّه الموفِّق بفضله. وقوله: {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}: ظاهر اللفظ السؤَالُ عن إِحياءِ القَرْيَة بعمارةٍ أو سُكَّانٍ، فكأنَّ هذا تلهُّفٌ من الواقِفِ المعتبر علَىٰ مدينة أحبَّته، ويحتمل أنْ يكونَ سؤاله إِنما كانَ عن إِحياء الموتَىٰ، فضرب له المَثَل في نَفْسه، وحكى الطبريُّ عن بعضهم؛ أنَّ هذا القَوْلَ منه شك في قدرة اللَّه على الإِحياء؛ قال: * ع *: والصواب ألاَّ يتأول في الآية شكٌّ، وروي في قصص هذه الآية؛ أنَّ بني إِسرائيل، لَمَّا أحدثوا الأحدَاثَ، بعث اللَّه عليهم بُخْتَ نَصَّرَ، فقتَلَهُم، وجَلاَهم من بْيتِ المَقْدِسِ، وخرَّبه، فلَمَّا ذهب عنه، جاء عُزَيْرٌ أَوْ أزمِيَّا، فوقَف على المدينة معتبراً، فقال: {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}؛ فأماته اللَّه تعالَىٰ، وكان معه حمارٌ قد رَبَطَهُ بحَبْلٍ جديدٍ، وكان معه سَلَّة فيها تِينٌ هو طعامه، وقيل: تِينٌ وعِنَبٌ، وكانتْ معه رِكْوة من خَمْر، وقيل: من عصيرٍ، وقيل: قُلَّة من ماءٍ هي شرابُهُ، وبقي ميتاً مائةَ عامٍ، فروي أنَّه بَلِيَ، وتفرَّقت عظامه هو وحمارُهُ، وروي أنَّ الحمار بَلِيَ، وتفرَّقت أوصاله، دون عُزَيْرٍ. وقوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثَهُ}: معناه: أحياه، فسأله اللَّه تعالَىٰ بوسَاطَةِ المَلَكِ، كَمْ لَبِثْتَ؛ علَىٰ جهة التقرير، فقال: {لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ }، قال ابن جُرَيْج، وقتادة، والربيع: أماته اللَّه غدوة يَوْمٍ، ثم بعثه قُرْبَ الغروبِ، فظنَّ هو اليومَ واحداً، فقال: لَبِثْتُ يوماً، ثم رأى بَقِيَّةً مِن الشمْسِ، فَخَشِيَ أنْ يكون كاذباً، فقال: {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ }، فقيل له: {بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ }. وقوله تعالى: {فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ}، أي: لم يتغيَّر. * ت *: قال البخاريُّ في «جامعه»: {يَتَسَنَّهْ}: يتغيَّر. وأمَّا قوله تعالى: {وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ}، فقال وهْبُ بن منَبِّه وغيره: المعنى: ٱنظر إِلى ٱتصالِ عظامِهِ، وإِحيائه جُزْءاً جُزْءاً، ويروَىٰ؛ أنه أحياه اللَّهُ كذلك؛ حتى صار عظَاماً ملتئِمَةً، ثم كساه لَحْماً، حتَّىٰ كمل حماراً، ثم جاء ملَكٌ، فنفَخَ في أنْفِهِ الرُّوح، فقام الحمارُ ينْهَقُ. ورُوِيَ عن الضَّحَّاكِ، ووهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أيضاً؛ أنهما قالا: بل قيلَ لَهُ: وٱنظر إِلَىٰ حمارك قائماً في مربطه، لم يُصِبْهُ شيء مِائَةَ سَنَةٍ، قالا: وإِنما العظامُ التي نَظَر إِلَيْها عظامُ نَفْسِهِ، وأعمى اللَّه العُيُون عنه، وعن حِمَاره طُولَ هذه المُدَّة، وكَثَّر أهْلُ القصص في صورة هذه النَّازلة تَكْثيراً ٱختصرتُهُ، لعدم صحته. وقوله تعالى: {وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِّلنَّاسِ}، قال: * ع *: وفي إِمَاتَتِهِ هذه المُدَّةَ، ثم إِحيائِهِ - أعظمُ آية، وأمره كلّه آية للناس غابر الدهر. * ت *: قال ابن هِشَامٍ: لا يصحُّ ٱنتصابُ «مِائَة» بـــ «أَمَاتَهُ»؛ لأن الإِماتة سلْبُ الحياة، وهي لا تمتدُّ، وإِنما الوجْهُ أنْ يضمَّن «أَمَاتَهُ» معنى «أَلْبَثَهُ»، فكأنه قيلَ: فألبثه اللَّه بالمَوْت مِائَةَ عامٍ؛ وحينئذٍ يتعلَّق به الظرف. انتهى من «المُغْنِي». ومعنى «نُنْشِرُهَا»، أي: نُحْيِيها، وقرأ حمزةُ وغيره: «نُنْشِزُهَا» ومعناه: نرفعها، أي: ٱرتفاعاً قليلاً قليلاً؛ فكأنه وَقَفَ علَىٰ نباتِ العظامِ الرُّفَاتِ، وقال النَّقَّاشُ: نُنْشِزُهَا: معناه: نُنْبِتُهَا، ومِنْ ذلك: نَشَزَ نَابُ البَعِيرِ. وقوله تعالى: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ }: المعنى: قال هو: أَعلَمُ أنَّ اللَّه علَىٰ كلِّ شيء قديرٌ، وهذا عنْدي لَيْسَ بإِقرار بما كان قَبْلُ يُنْكِرُهُ؛ كما زعم الطبريُّ، بل هو قولٌ بَعَثَهُ الاعتبارُ؛ كما يقول الإِنسان المؤمن، إِذا رأى شيئاً غريباً مِنْ قدرةِ اللَّهِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، ونحْو هذا. وأما قراءة حمزةَ والكسائي: «قال ٱعْلَمْ»ـ موصولةَ الألفِ، ساكنةَ الميمِ، فتحتمل وجهيْن: أحدهما: قال المَلَكُ له: ٱعْلَمْ، وقد قرأ ابن مسعود، والأعمشُ: «قِيلَ ٱعْلَمْ». والوجه الثاني: أنْ يُنَزِّلَ نفسه منزلةَ المُخَاطَبِ الأجنبيِّ المُنْفَصِلِ، أي: قال لنفسه: ٱعْلَمْ، وأمثلةُ هذا كثيرةٌ.
ابن عادل
تفسير : تقدَّم الكلامُ في "أَلَمْ تَرَ إِلَى" في قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ}تفسير : [البقرة:243] قال القرطبيّ: وهذه ألف التوقيف، وفي الكلام معنى التَّعجب، أي: أعجبوا له قال الفرَّاء: "أَلَمْ تَرَ"، بمعنى: هل رأيتَ الَّذي حاجَّ إبراهيم، وهل رأَيْتَ الَّذي مرَّ على قرية؟ وقرأ عليٌّ رضي اللهُ عنه: بِسُكون الرَّاء وتقدَّم أيضاً توجيهها. والهاءُ في "رَبِّهِ" فيها قولان: أظهرهما: أنها تعود على "إبراهيم". والثاني: على "الَّذِي"، ومعنى حاجَّه: أظهرَ المغالبة في حجته. فصل أعلم أَنَّه تعالى ذكر هاهنا قصصاً ثلاثاً. الأولى: في بيان إِثبات العالم بالصَّانع، والثانية والثالثة: في إثبات الحشرِ والنَّشرِ والبعث. فالأولى مناظرة إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - مع ملك زمانِهِ، وهي هذه. قال مجاهِدٌ هو النُّمروذُ بن كنعانَ بن سام بن نُوح، هو أول من وضع التَّاجَ على رأسه، وتجبر وادَّعى الرُّبوبية؛ حاجَّ إبراهيم أي: خاصمَهُ وجادله، واختلفوا في وقتِ هذه المحاجَّةِ. فقال مقاتل: لمّا كسَّرَ الأَصنامَ سجنه النمروذ، ثم أخرجه ليحرقهُ فقال [له]: من رَبُّكَ الذي تَدعُونا إليه؛ فقال: {رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ}. وقال آخرون: كان هذا بعد إلقائه في النَّار. وقال قتادةُ: هو أَوَّلُ من تَجَبَّرَ، وهو صاحب الصَّرح ببابل. وقيل هو نُمروذُ بن فالج بن عابر بن شالخ بن أَرفخشذ بن سام، وحكى السُّهيليُّ أنه النُّمروذُ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وكان ملكاً على السَّواد، وكان ملكه الضحاك الَّذي يُعْرَفُ بالأزدهاق وذلك أن النَّاس قحطوا على عهد نمروذ، وكان النَّاسُ يمتارون من عنده الطَّعام، وكان إذا أتاه الرَّجلُ في طلب الطَّعام سأَلَ: مَنْ رَبُّكَ فإن قال: أَنْت؛ نال من الطعام فأتاه إبراهيم فيمن أتاه، فقال له نمروذُ: من رَبُّكَ؛ فقال له إبراهيم: ربيّ الّذِي يُحْيي وَيُمِيتُ. فاشتغل بالمحاجَّة، ولم يعطه شيئاً، فرجع إبراهيم عليه الصلاة والسلام فمر على كثيبٍ من رَمْلٍ أعفرٍ، فأخذ منه تطييباً لقلوبِ أهْلِه إذا دخل عليهم؛ فلما أَتى أَهلهُ، ووضع متاعه نام فقامت امرأته إلى متاعه، ففتحته فإذا هو بأجود طعام رأَتهُ؛ فصنعت له منه فقربته إليه، فقال من أين هذا؟ قالت مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي جئت به، فعرف أن الله - تعالى - رزقه فَحَمَدَ اللهَ تعالى. قوله: {أَنْ آتَاهُ ٱللهُ} فيه وجهان: أظهرهما: أَنَّهُ مفعولٌ من أجله على حذفِ العِلّة، أي: لأَنْ آتاه، فحينئذٍ في محلِّ "أَنْ" الوجهان المشهوران، أعني النَّصب، أو الجرِّ، ولا بُدَّ من تقديرِ حرفِ الجرِّ قبل "أَنْ"؛ لأَنَّ المفعول مِنْ أجلهِ هنا نَقَّص شرطاً، وهو عدمُ اتِّحادِ الفاعلِ، وإنما حُذفت اللامُ، لأَنَّ حرف الجرِّ يطَّرد حذفُهُ معها، ومع أنَّ، كما تقدَّم. وفي كونِهِ مفعولاً من أجلِهِ وجهان: أحدهما: أَنَّهُ من باب العكسِ في الكلام بمعنى: أنه وضعَ المُحاجَّة موضع الشُّكْر، إذ كان مِنْ حقِّه أن يشكرَ في مقابلة إتيانِ المُلْكِ، ولكنَّهُ عَمِلَ على عكس القضية، كقوله تعالى: {أية : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}تفسير : [الواقعة:82]، وتقول: "عَادَاني فُلانٌ؛ لأني أَحسنت إليه" وهو باب بليغٌ. والثاني: أَنَّ إيتاءَ المُلْكِ حَمَلَه على ذلك؛ لأَنَّهُ أورثه الكِبْرَ وَالبَطَرَ، فَنَشَأَ عنهما المُحاجَّةُ. الوجه الثاني: أنَّ "أَنْ"، وما في حيِّزها واقعةٌ موقعَ ظرفِ الزَّمانِ، قال الزَّمخشريُّ رحمه الله "وَيَجُوزُ أن يكونَ التَّقديرُ: حاجَّ وقتَ أَنْ آتاهُ اللهُ". وهذا الذي أجازه الزمخشريُّ فيه نظر؛ لأَنَّهُ إِنْ عنى أَنَّ ذلكَ على حذفِ مُضافٍ ففيه بُعْدٌ من جهةِ أَنَّ المحاجَّة لم تقع وقتَ إِيتاءِ اللهِ له المُلْك، إِلاَّ أَنْ يُتَجَوَّز في الوقتِ، فلا يُحْمَل على الظَّاهر، وهو أنَّ المُحاجَّة وَقَعَت ابتداء إيتاءِ المُلْك، بل يُحْمَلُ على أنَّ المُحاجَّة وقعت وقتَ وجود المُلْك، وإن عنى أَنَّ "أَنْ" وما حيِّزها واقعةٌ موقع الظَّرف، فقد نصَّ النَّحويون على منع ذلك وقالوا: لا يَنُوب عن الظَّرف الزَّماني إلا المصدرُ الصَّريحُ، نحو: "أَتيتُكَ صِيَاحَ الدِّيكِ" ولو قلت: "أَنْ يصيحَ الدِّيكُ" لم يَجز. كذا قاله أبو حيَّان قال شهاب الدين وفيه نظرٌ، لأنه قال: "لا ينوبٌ عن الظَّرفِ إلا المصدرُ الصّريح"، وهذا معارضٌ بأنهم نَصُّوا على أنَّ "ما" المصدريةَ تنوبُ عن الزَّمانِ، وليست بمصدرٍ صريحٍ. والضمير في "آتاه" فيه وجهان: أظهرهما: أَنْ يعودَ على "الَّذِي"، وهو قول جمهور المفسرين وأَجاز المهدويُّ أن يعودَ على "إِبْرَاهِيم"، أي: ملك النُّبُوَّة. قال ابن عطيَّة: "هذا تَحَاملٌ من التَّأْوِيل"، وقال أبو حيان: هذا قولُ المعتزلة، قالوا: لأنَّ الله تعالى قال: {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة:124] والمُلْك عهدٌ، ولقوله تبارك وتعالى: {أية : فَقَدْ ؤَاتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً}تفسير : [النساء:54]. وعودُ الضَّمير إِلى أقرب مذكور واجب، وأقرب مذكورٍ إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - وأجيب عن الأَوَّل بأَنَّ الملك حصل لآل إبراهيم، وليس فيها دلالةٌ على حصوله لإبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام -. وعن الثاني: بأن الذي حاج إبراهيم كان هو المَلِكُ، فعود الضَّمير إليه أَوْلَى. قوله: "إِذْ قَالَ" فيه أربعةُ أوجهٍ: أظهرها: أَنَّهُ معمولٌ لحاجَّ. والثاني: أن يكون معمولاً لآتاه، ذكرهُ أبو البقاء. وفيه نظرٌ من حيثُ إنَّ وقت إيتاءِ المُلْكِ ليس وقتَ قولِ إبراهيم، {رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ}، إِلاَّ أَنْ يُتَجَوَّز في الظَّرفِ كما تقدَّم. والثالث: أن يكون بدلاً من {أَنْ ءَاتَاهُ ٱللهُ ٱلْمُلْكَ} إذا جُعِلَ بمعنى الوقت، أجازه الزَّمخشريّ بناءً منه على أَنَّ "أَنْ" واقعةٌ موقعَ الظَّرف، وقد تقدَّم ضعفُهُ، وأيضاً فإِنَّ الظّرفين مختلفان، كما تقدَّم إلا بالتَّجوز المذكورِ. وقال أبو البقاء رحمه الله "وَذَكَرَ بَعْضُهم أنه بَدَلٌ من "أَنْ آتَاهُ الملك" وليس بشيءٍ؛ لأَنَّ الظرفَ غيرُ المصدرِ، فلو كان بدلاً لكان غلطاً إلا أَنْ تُجْعَل "إذ" بمعنى "أَنْ" المصدرية، وقد جاء ذلك" انتهى. وهذا بناءً منه على أنَّ "أَنْ" مفعولٌ من أجله، وليست واقعةً موقع الظَّرفِ، أمَّا إِذَا كانت "أَنْ" واقعةٌ موقع الظرف فلا تكون بدل غلط، بل بدلُ كلِّ من كُلِّ، كما هو قول الزمخشري وفيه ما تقدَّم بجوابه، مع أَنَّه يجوزُ أَنْ تكون بدلاً مِنْ "أَنْ آتاهُ"، و "أَنْ آتَاهُ" مصدرٌ مفعولٌ من أجلِهِ بدلَ اشتمالٍ؛ لأَنَّ وقتَ القولِ لاتِّسَاعِهِ مُشتملٌ عليه وعلى غيره. الرابع: أَنَّ العامِلَ فيه "تَرَ" منق وله: "أَلَمْ تَرَ" ذكره مكيٌّ رحمه الله تعالى، وهذا ليس بشيءٍ؛ لأَنَّ الرُّؤية على كِلاَ المذكورين في نظيرها لم تكن في وقتِ قوله: {رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ}. قوله: {ٱلَّذِي يُحْيِـي} مبتدأٌ في محلِّ نصب بالقول. فصل الظَّاهر أن هذا جواب سؤالٍ سابق غير مذكورٍ؛ لأَنَّ الأَنبياء بعثوا للدَّعوة ومتى ادَّعى الرسالة والدَّعوة، فلا بدَّ وأن يطالبه المنكر بإثبات أَنَّ للعالم إلهاً؛ ألا ترى لما قال موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - {أية : إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء:16] {أية : قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء:23] فاحتجَّ موسى على إثبات الإِله بقوله {أية : رَبُّ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الشعراء:24] فكذا هاهنا لما ادَّعى إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - الرِّسالة قال النُّمروذ من ربك؟ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت. وقرأ حمزة: {رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} بإسكان الياء، وكذلك {أية : حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ}تفسير : [الأعراف:33] {أية : سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الأعراف:146]، و {أية : قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ}تفسير : [إبراهيم:31]، و {أية : ءَاتَانِيَ ٱلْكِتَابَ}تفسير : [مريم:30] و {أية : مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}تفسير : [الأنبياء:83] و {أية : مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ}تفسير : [ص:41] و {أية : عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ}تفسير : [الأنبياء:105]، و {أية : عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ}تفسير : [سبأ:13] و {أية : إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللهُ}تفسير : [الزمر:38]، و {أية : إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللهُ}تفسير : [تبارك:28] أسكن الياء فيهن حمزة؛ وافق ابن عامر والكسائي في "لعبادي الذين ءَامنوا" وابن عامر في "آيَاتِي الَّذِين"، وفتحها الآخرون. فصل استدلَّ إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام على إثبات الإله بالإحياء والإماتة، وهو دليلٌ في غاية القُوَّة لأَنَّهُ لا سبيل إلى معرفةِ اللهِ تعالى إِلاَّ بواسطة أفعاله التي لا يُشاركُهُ فيها أحدٌ من القادرين، والإحياء والإماتة كذلك؛ لأَنَّ الخلق عاجزون عنهما والعلم بعد الاختيار ضروري، وهذا الدَّليل ذكره اللهُ تعالى في مواضع من كتابه كقوله: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ}تفسير : [المؤمنون:12] إلى آخرها وقوله: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}تفسير : [التين:4، 5] وقال: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَٰوةَ}تفسير : [الملك:2]. فإن قيل: لِمَ قدَّم هنا ذِكر الحياةِ على الموتِ في قوله {رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ}، وقدَّمَ الموتَ على الحياةِ في آياتٍ كقوله {أية : وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ}تفسير : [البقرة:28] وقال {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَٰوةَ}تفسير : [الملك:2]، وحكى عن إِبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ قوله في ثنائِهِ على الله تعالى {أية : وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ}تفسير : [الشعراء:81]. فالجواب: أَنَّ الدَّليل إذا كان المقصود منه الدَّعوة إلى اللهِ ـ تعالى ـ يجب أَنْ يكون في غاية الوضُوح، ولا شكّ أَنَّ عجائب الخلقة حال الحياة أكثر، واطلاع الإِنسان عليها أتم، فلا جرم قَدَّم ذكر الحياة هُنا. "قَالَ أَنَا أُحْيِـي" مبتدأٌ، وخبرٌ منصوب المحلِّ بالقول أيضاً. وأخبر عن "أَنَا" بالجملة الفعلية، وعن "رَبّي" بالموصولِ بها؛ لأَنَّه في الإِخبار بالموصولِ يُفيد الاختصاص بالمُخبَرِ عنه بخلافِ الثاني، فإِنَّهُ لم يدَّعِ لنفسه الخسيسة الخصوصية بذلك. و "أَنَا": ضميرٌ مرفوعٌ مُنفصلٌ، والاسمُ منه "أَنَ" والألفُ زائدةٌ؛ لبيان الحركةِ في الوقفِ، ولذلك حُذِفت وصلاً، ومن العربِ مَنْ يثبتها مطلقاً، فقيل: أُجريَ الوصلُ مجرى الوقف؛ قال القائل في ذلك: [المتقارب] شعر : 1189- وَكَيْفَ أَنَا وَانْتِحَالي القَوَا فِي بَعْدَ المَشِيبِ كَفَى ذَاكَ عَارا تفسير : وقال آخر: [الوافر] شعر : 1190- أَنَا سَيْفُ الْعَشِيرَةِ فَاعْرِفُونِي حُمَيْداً قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّنَاما تفسير : والصحيح أنه فيه لغتان، إحداهما: لغةُ تميم، وهي إثباتُ ألفه وصلاً ووقفاً، وعليها تُحْمَلُ قراءةُ نافع فإِنَّه قرأ بثبوت الألف وصلاً قبل همزةٍ مضمومة نحو: {أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ}، أو مفتوحةٍ نحو: {أية : وَأَنَاْ أَوَّلُ}تفسير : [الأعراف:143]، واختلف عنه في المكسروة نحو: {أية : إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ}تفسير : [الشعراء:115]، وقرأ ابن عامرٍ: {أية : لَّكِنَّا هُوَ ٱللهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً}تفسير : [الكهف:38] على ما سيأتي إن شاء الله تعالى وهذا أحسنُ من توجيه مَنْ يَقُولُ "أُجْري الوصلُ مجرى الوَقْفِ". واللُّغة الثانية: إثباتُها وَقْفاً وحَذفُها وَصْلاً، ولا يجوزُ إثباتُها وصلاً إِلاَّ ضرورةً كالبيتين المتقدِّمين. وقيل: بل "أَنَا" كلُّه ضمير. وفيه لغاتٌ: "أَنا وأَنْ" - كلفظ أَنِ النَّاصبةِ - و "آن"؛ وكأنه قَدَّم الألف على النون، فصار "أانَ"، قيل: إنَّ المراد به الزَّمان، وقالوا: أَنَهْ، وهي هاءُ السَّكْتِ، لا بدلٌ من الألف؛ قال: "هكذا فَرْدِي أَنَهْ"؛ وقال آخر: [الرجز] شعر : 1191- إِنْ كُنْتُ أَدْرِي فَعَلَيَّ بَدَنَهْ مِنْ كَثْرَةِ التَّخْلِيطِ أَنِّي مَنْ أَنَهْ تفسير : وإنما أثبت نافعٌ ألفَه قبل الهمز جمعاً بين اللُّغتين، أو لأَنَّ النُّطقَ بالهمزِ عسرٌ فاستراح له بالألف لأنها حرفُ مدٍّ. فصل قال أكثرُ المفسِّرين: لما احتج إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - على إثبات الإله بالإحياء، والإماتة؛ دعا النُّمروذ برجلين، فقتل أحدهما، واستبقى الآخر، وقال: أَنَا أيضاً أحيي وأُميت، فجعل تَرْكَ القتلِ إِحياءً. قال ابن الخطيب: وعندي أَنَّه بعيد؛ لأَنَّ الظَّاهر من حال إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - أنه شرح حقيقة الإحياء وحقيقة الإماتة ومتى شرحه امتنع أَن يشتبه على العاقل الإِماتة والإحياء على ذلك الوجه بالإماتة والإحياء بمعنى القتل وتركه ويبعد في الجمع العظيم أَنْ يكونُوا في الحماقة بحيث لا يعرفون هذا القدر من الفرق، والمرادُ من الآية ـ واللهُ أعْلَمُ - أن إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - لما احتجّ بالإحياء، والإِماتة قال المنكر: أتدعي الإِحياء والإِماتة مِن اللهِ ابتداء من غير واسطة الأَسباب الأرضيَّة والسَّماويَّة، أو بواسطتها. أَمَّا الأَوَّل: فلا سبيل إليه، وأَمَّا الثَّاني، فلا يدلُّ على المقصود، لأَنَّ الواحد منا يقدر على الإِحياء والإِماتة بواسطة سائر الأسباب فإِنَّ الجماع قد يُفْضي إلى الولد الحيّ بواسطة الأَسباب الأرضيَّة والسَّماويَّة، وتناول السّم قد يفضي إلى الموت، فلما ذكر النُّمروذ هذا السُّؤَال على هذا الوجه؛ أجاب إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - فقال: [هب أَنَّ الإِحياء، والإماتة] حصلا من الله تعالى بواسطة الاتِّصالات الفلكية إلاَّ أنه لا بُدَّ لتلك الاتصالات والحركات الفلكية من فاعل مُدَبّر، فإذا كان المُدبِّر لتلك الحركات الفلكيّة هو اللهُ تعالى؛ كان الإِحياءُ والإماتةُ الصَّادران من البشر بواسطة الأسباب الفلكية والعنصرية ليست كذلك؛ لأنه لا قدرة للبشر على الاتِّصالات الفلكية؛ فظهر الفرقُ. إذا عرف هذا فقوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ} ليس دليلاً آخر، بل من تمام الدَّليل الأَوَّل؛ ومعناه: أَنَّهُ وإن كان الإحياء والإماتة [من اللهِ] بواسطة حركات الأَفلاك إِلاَّ أن حركات الأفلاك من اللهِ تعالى فكان الإِحياء والإماتة أيضاً من الله تعالى، وأما البشر فإنه وإن صدر منه الإحياء والإماتة بواسطة الاستعانة بالأَسباب السَّماويَّة والأَرضيَّة إلاَّ أن تلك الأَسباب ليس واقعة بقدرته؛ فثبت أَنَّ الإِحياء والإِماتة الصَّادرين عن البشر ليسا على ذلك الوجه، فلا يصلح نقضاً عليه، فهذا هو الَّذي اعتقده في كيفيَّة جريان هذه المناظرة، لا ما هو المشهورُ عند الكلِّ واللهُ أَعلمُ بحقيقة الحال. قوله: "فَإِنَّ ٱللهَ" هذه الفاءُ جواب شرطٍ مقدَّر تقديره: قال إبراهيم - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - إِنْ زعمتَ، أو موَّهْتَ بذلك فإِنَّ اللهَ. ولو كانت الجملةُ محكيَّةً بالقول، لما دخلت هذه الفاءُ، بل كان تركيبُ الكلام: قال إبراهيم: إِنَّ اللهَ يَأْتِي، وقال أبو البقاء رحمه الله: "دَخَلَتِ الفاءُ؛ إيذاناً بتعلُّق هذه الكلام بما قبلَه، والمعنى: إذا ادَّعيت الإِحياءَ والإِماتة، ولم تفهم، فالحُجَّة أَنَّ الله تعالى يأتي، هذا هو "المعنى" والباءُ في "بالشَّمْسِ" للتعديةِ، تقول: أَتَتِ الشَّمْسُ، وأَتَى اللهُ بها، أي: أجاءها، و "مِنَ المَشْرِقِ" و "مِنَ المَغْرِبِ" متعلِّقان بالفعلين قبلهما، وأجاز أبو البقاء فيهما بعد أَنْ مَنع ذلك أن يكونا حالين، وجعل التقدير: مُسخَّرةً أو منقادةً قال شهاب الدين ـ رحمه الله ـ: وليته استمر على منعه ذلك. فصل للناس هاهنا طريقان: أحدهما: طريقة أكثر المفسِّرين: وهو أنَّ إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - لما رأى من النُّمروذ إِلقاءَ تلك الشُّبهة، عدل إلى دليل آخَرَ أوضح من الأَوَّل، فقال: {فَإِنَّ ٱللهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ، فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ} فزعم هؤلاء أن الانتقال مِنْ دليل إلى دليلٍ أوضح منه جائزٌ للمستدلِّ. فإن قيل: هلاَّ قال النمروذُ فليأتِ بها ربُّك من المغربِ. قلنا: الجوابُ من وجهين: أحدهما: أن هذه المُحاجَّة كانت بعد إلقاء إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - في النَّار وخروجه منها سالماً، فعلم أَنَّ من قدر على حفظ إبراهيم في تلك النار العظيمة من الاحتراق، يقدر على أن يأتي بالشَّمس من المغرب. والثاني: أن الله تعالى خذله وأنساه إيرادَ هذه الشُّبهة؛ نصرةً لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم -. والطريقُ الثاني: قاله المحقِّقون: إن هذا ليس بانتقالٍ من دليل إلى دليلٍ، بل الدليلُ واحدٌ في الموضعين، وهو أنا نرى حدوث الأشياء لا يقدر الخلق على إحداثها، فلا بُدَّ من قادر آخر يتولَّى إحداثها، وهو سبحانه وتعالى، ثم إنَّ قولنا: نرى حدوث أشياء لا يقدر الخلق على إحداثها، أمثلةٌ؛ منها: الإِحياء والإِماتة، ومنها: السحاب، والرعد، والبرق، ومنها: حركات الأفلاك، والكواكب، والمستدلُّ لا يجوز له أن ينتقل من دليل إلى دليلٍ، ولكن إذا ذكر لإيضاح كلام مثالاً، فله أن ينتقل مِنْ ذلك المثال إلى مثالٍ آخر، فيكون ما فعله إبراهيم ـ عليه السَّلامُ ـ من باب ما يكونُ الدليلُ فيه واحداً، إلاَّ أنه يقع الانتقال عند إيضاحه مِنْ مثالٍ إلى مثالٍ آخر، وليس ما يقع [من باب الانتقال من دليل إلى دليل آخر]. قال ابن الخطيب: وهذا الوجه أحسن من الأوَّل وأليقُ بكلام أهل التحقيق، وعليه إشكالات من وجوه: الإشكال الأول: أن صاحب الشُّبهة، إذا ذكرها وقعت في الأسماع، وجب على المحقِّ القادر على الجواب أن يجيب في الحال؛ إزالةً لذلك التلبيس والجهل عن العقول، فلما طعن الملك الكافر في الدَّليل الأوَّل أو في المثال الأول بتلك الشبهة، كان الاشتغال بإبطال تلك الشبهة واجباً مضيِّقاً، فكيف يليق بالمعصوم أن يترك ذلك الواجب. الإشكال الثاني: أن المبطل لمَّا أورد تلك الشُّبهة، فإذا ترك المحق الجواب عنها، وانتقل إلى كلام آخر، أوهم أن كلامه الأوَّل، كان ضعيفاً ساقطاً، وأنه ما كان عالماً بضعفه، وأن ذلك المبطل، علم وجه ضعفه، ونبَّه عليه، وهذا ربما يوجب سقوط شأن المحقِّ، وهو لا يجوز. الإشكال الثالث: أنَّه وإن كان يحسن الانتقال من دليلٍ إلى دليلٍ آخر، أو من مثالٍ إلى مثالٍ آخر، لكنه يجب أن يكون المنتقل إليه أوضح وأقرب، وهاهنا ليس كذلك؛ لأنَّ جنس الإحياء والإماتة لا قدرة للخلق عليهما، وأما جنس تحريك الأجسام، فللخلق قدرةُ عليه ولا يبعد في العقل وجود ملكٍ عظيم في الجثة أعظم من السموات، وأنه هو الذي يحرِّك السموات، وعلى هذا التقدير فالاستدلال بالإحياء والإماتة على وجود الصَّانع أقوى وأظهر من الاستدلال بطلوع الشَّمس على وجود الصانع، فكيف يليق بالمعصوم أن ينتقل من الدَّليل الأوضح الأظهر إلى الدليل الخفيِّ. الإشكال الرابع: أن دلالة الإحياء والإماتة على وجود الصَّانع أقوى وأظهر من دلالة طلوع الشَّمس عليه؛ لأنَّا نرى في ذات الإنسان وصفاته تبدّلات واختلافات، والتبدُّل قويّ الدلالة على الحاجة إلى المؤثِّر القادر، وأمَّا الشمس فلا نرى في ذاتها تبدُّلاً، ولا في صفاتها، ولا في منهج حركاتها ألبتَّة، فكانت دلالة الإحياء والإماتة على الصانع أقوى، فكان العدول منه إلى طلوع الشمس انتقالاً من الأجلى لأقوى للأضعف الأخفى، وإنه لا يجوز. الإشكال الخامس: أنَّ النمرود، لما لم يستح من معارضة الإحياء والإماتة الصادرين عن الله تبارك وتعالى بالقتل والتخلية، فكيف يؤمن منه عند استدلال إبراهيم بطلوع الشَّمس أن يقول: طلوع الشمس من المشرق مني، فإن كان لك إلهٌ، فقل له يطلعها من المغرب؛ وعند ذلك التزم المحقِّقون من المفسِّرين ذلك، فقالوا: إنه لو أورد هذا السُّؤال، لكان من الواجب أن تطلع الشَّمس من المغرب، ومن المعلوم: أن إفساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثيرٍ من إلزامه بطلوع الشَّمس من المغرب، ولا يكون طلوع الشَّمس من المشرق دليلاً على وجود الصَّانع، وحينئذٍ يصير دليله الثَّاني ضائعاً؛ كما صار دليله الأوَّل ضائعاً، فالذي حمل سيدنا إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - على أن يترك الجواب عن ذلك السؤال الرَّكيك، والتزام الانقطاع، واعترف بالحاجة إلى الانتقال والتمسُّك بدليلٍ لا يمكنه تمشيته، إلا بالتزام طلوع الشَّمس من المغرب، وبتقدير أن يأتي بإطلاع الشمس من المغرب، فإنه يضيع دليله الثَّاني أيضاً كما ضاع الأوَّل، والتزام هذه المحذورات لا يليق بأقلِّ الناس علماً؛ فضلاً عن أفضل العقلاء، وأعلم العلماء؛ فظهر بهذا أنَّ الذي أجمع جمهور المفسِّرين عليه ضعيفٌ. قال ابن الخطيب: وأما الوجه الذي ذكرناه، فلا يتوجَّه عليه شيءٌ من هذه الإشكالات، لأنَّا نقول: لما احتجَّ إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - بالإحياء والإماتة، أورد الخصم عليه سؤالاً لا يليق بالعقلاء، وهو أنَّك إذا ادعيت الإحياء والإماتة لا بواسطةٍ، فلا تجد إلى إثبات ذلك سبيلاً، وإن ادعيت حصولها بواسطة حركات الأفلاك، [فنظيره أو ما يقرب منه حاصلٌ للبشر؛ فأجاب إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - بأن الإحياء والإماتة، وإن حصلا بواسطة حركات الأفلاك]، لكن تلك الحركات حصلت من الله تعالى، وذلك لا يقدح في كون الإحياء والإماتة من الله تعالى؛ بخلاف الخلق، فإنهم لا قدرة لهم على تحريك الأفلاك، فلا يكون الإحياء والإماتة صادرين منهم، وعلى هذا تزول الإشكالات المذكورة، والله سبحانه وتعالى أعلم. [قال القرطبيُّ: وروي في الخبر أن الله تعالى قال: حديث : وَعِزَّتِي وَجَلاَلِي لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى آتِيَ بِالشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ لِيُعْلَمَ أَنِّي أَنَا القَادِرُ عَلَى ذَلِكَ"تفسير : ]. قوله: {فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} الجمهور: "بُهِتَ" مبنيّاً للمفعول، والموصول مرفوعٌ به، والفاعل في الأصل هو إبراهيم، لأنه المناظر له، ويحتمل أن يكون الفاعل في الأصل ضمير المصدر المفهوم من "قَالَ"، أي: فبهته قول إبراهيم، وقرأ ابن السَّميفع: "فَبَهَتَ" بفتح الباء والهاء مبنيّاً للفاعل، وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الفعل متعديّاً، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام -، و "الَّذِي" هو المفعول، أي: فبهت إبراهيم الكافر، أي: غلبه في الحجَّة، أو يكون الفاعل الموصول، والمفعول محذوفٌ، وهو إبراهيم، أي: بهت الكافر إبراهيم، أي: لمَّا انقطع عن الحجَّة بهته، أي: سبَّه وقذفه حين انقطع، ولم تكن له حيلةٌ. والثاني: أن يكون لازماً، والموصول فاعلٌ، والمعنى معنى بهت، فتتَّحد القراءتان، أو بمعنى أتى بالبهتان، وقرأ أبو حيوة: "فَبَهُتَ" بفتح الباء، وضمِّ الهاء، كظرف، والفاعل الموصول، وحكى الأخفش: فَبَهِتَ بكسر الهاء، وهو قاصر أيضاً، فيحصل فيه ثلاث لغاتٍ: بَهَت بفتحهما، بَهُتَ بضم العين، بَهِتَ بكسرها. قال عروة العدويُّ: [الطويل] شعر : 1192- فَمَا هُوَ إِلاَّ أَنْ أَرَاهَا فُجَاءَةً فَأُبْهَتَ حَتَّى مَا أَكَادُ أُجِيبُ تفسير : فالمفتوح يكون لازماً ومتعدياً، قال تعالى: {أية : فَتَبْهَتُهُمْ}تفسير : [الأنبياء:40]. والبَهْتُ: التحيُّر، والدَّهش، وبَاهَتَهُ وَبَهَتَهُ واجهه بالكذب، ومنه الحديث: "حديث : إنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ"تفسير : ، وذلك أن الكذب يحيِّر المكذوب عليه. ومعنى الآية: أنَّه: بقي مغلوباً لا يجد مقالاً، ولا للمسألة جواباً. قوله: {وَٱللهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}. وتأويله على قول أهل السُّنة ظاهر، وأما المعتزلة، فقال القاضي: يحتمل وجوهاً: منها: أنه لا يهديهم؛ لظلمهم وكفرهم للحجاج وللحق، كما يهدي المؤمن، فإنه لا بد في الكافر من أن يعجز وينقطع. ومنها: لا يهديهم بزيادة الهدى والألطاف. ومنها: لا يهديهم إلى الثواب أو لا يهديهم إلى الجنَّة. والجواب عن الأول: أنَّ قوله: "لاَ يَهْدِيهِمْ" إلى الحجاج إنما يصحُّ إذا كان الحجاج موجوداً؛ إذ لا حجاج على الكفر. وعن الثاني: أن تلك الزيادة، إذا كانت ممتنعةً في حقِّهم عقلاً، لم يصحَّ أن يقال: إنه تبارك وتعالى لا يهديهم كما لا يقال إنه تبارك وتعالى لا يجمع بين الضِّدَّين، فلا يجمع بين الوجود والعدم. وعن الثالث: أنه لم يهدهم للثواب ولم يجز للجنة ذكر فيبعد صرف اللَّفظ إليهما، بل اللائق بسياق الآية الكريمة أن يقال: إنه تعالى لما أخبر أن الدليل، لمَّا بلغ في الظهور والحجَّة إلى حيث صار المبطل كالمبهوت عن سماعه، إلاَّ أن الله تعالى لم يقدِّر له الاهتداء، لم ينفعه ذلك الدليل الظَّاهر، ونظير هذا التفسير قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللهُ}تفسير : [الأنعام:111].
السيوطي
تفسير : أخرج الطيالسي وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: الذي حاج إبراهيم في ربه هو نمرود بن كنعان. وأخرج ابن جرير عن مجاهد وقتادة والربيع والسدي. مثله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن زيد بن أسلم، أن أول جبار كان في الأرض نمرود، وكان الناس يخرجون يمتارون من عنده الطعام، فخرج إبراهيم عليه السلام يمتار مع من يمتار، فإذا مر به ناس قال: من ربكم؟ قالوا له: أنت. حتى مر به إبراهيم فقال: من ربك: قال: الذي يحيي ويميت. قال: أنا أحيي وأميت. قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب. فبهت الذي كفر فرده بغير طعام، فرجع إبراهيم إلى أهله فمر على كثيب من رمل أعفر فقال: ألا آخذ من هذا فآتي به أهلي فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم؟ فأخذ منه فأتى أهله، فوضع متاعه ثم نام، فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته فإذا هو بأجود طعام رآه أحد، فصنعت له منه فقربته إليه، و كان عهده بأهله أنه ليس عندهم طعام فقال: من أين هذا؟! قالت من الطعام الذي جئت به. فعرف أن الله رزقه فحمد الله. ثم بعث الله إلى الجبار ملكاً أن آمن بي وأنا أتركك على ملكك، فهل رب غيري؟ فأبى، فجاءه الثانية فقال له ذلك فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة فأبى عليه فقال له الملك: فاجمع جموعك إلى ثلاثة أيام، فجمع الجبار جموعه، فأمر الله الملك ففتح عليه باباً من البعوض، فطلعت الشمس فلم يروها من كثرتها، فبعثها الله عليهم فأكلت شحومهم وشربت دماءهم، فلم يبق إلا العظام، والملك كما هو لم يصبه من ذلك شيء، فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه ثم ضرب بهما رأسه، وكان جباراً أربعمائة سنة فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته الله وهو الذي كان بنى صرحاً إلى السماء، فأتى الله بنيانه من القواعد. وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جرير عن ابن عباس في قوله {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم} قال: نمرود بن كنعان، يزعمون أنه أول من ملك في الأرض، أتى برجلين قتل أحدهما وترك الآخر. فقال: أنا أحيي وأميت. قال: استحيي: أترك من شئت، وأميت: أقتل من شئت. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: كنا نحدث أنه ملك يقال له نمرود بن كنعان، وهو أول ملك تجبر في الأرض، وهو صاحب الصرح ببابل، ذكر لنا أنه دعا برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر، فقال: أنا استحيي من شئت وأقتل من شئت. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {قال أنا أحيي وأميت} قال: أقتل من شئت، واستحيي من شئت، أدعه حياً فلا أقتله، وقال: ملك الأرض مشرقها ومغربها أربعة نفر: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود وذو القرنين، والكافران: بختنصر ونمرود بن كنعان، لم يملكها غيرهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي قال: لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه، فكلمه وقال له: من ربك؟ قال: ربي الذي يحيي ويميت. قال نمرود: أنا أحيي وأميت، أنا أدخل أربعة نفر بيتاً فلا يطعمون ولا يسقون حتى إذا هلكوا من الجوع أطعمت اثنين وسقيتهما فعاشا وتركت اثنين فماتا، فعرف إبراهيم أنه يفعل ذلك قال له: فإن ربي الذي يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر وقال: إن هذا إنسان مجنون فأخرجوه، ألا ترون أنه من جنونه اجترأ على آلهتكم فكسرها، وإن النار لم تأكله، وخشي أن يفتضح في قومه. وأخرج أبو الشيخ عن السدي {والله لا يهدي القوم الظالمين} قال: إلى الإِيمان.
ابو السعود
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَاجَّ إِبْرٰهِيمَ فِى رِبّهِ} استشهادٌ على ما ذكر من أن الكفَرةَ أولياؤُهم الطاغوتُ وتقريرٌ له على طريقة قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ } تفسير : [الشعراء، الآية 225] كما أن ما بعده استشهاد على ولايته تعالى للمؤمنين وتقريرٌ لها وإنما بُدىء بهذا لرعاية الاقترانِ بـينه وبـين مدلولِه ولاستقلاله بأمر عجيبٍ حقيق بأن يُصدَّر به المقالُ وهو اجتراؤه على المُحاجّة في الله عز وجل وما أتى بها في أثنائها من العظيمة المنادية بكمال حماقته ولأن فيما بعده تعدداً وتفصيلاً يورث تقديمُه انتشار النظم على أنه قد أشير في تضاعيفه إلى هداية الله تعالى أيضاً بواسطة إبراهيمَ عليه السلام فإن يحكى عنه من الدعوة إلى الحق وإدحاضِ حجةِ الكافر من آثار ولايته تعالى، وهمزةُ الاستفهامِ لإنكار النفي وتقريرِ المنفي أي ألم تنظُرْ أو ألم ينتهِ علمُك إلى هذا الطاغوت المارد كيف تصدى لإضلال الناس وإخراجهم من النور إلى الظلمات أي قد تحققت الرؤيةُ وتقرَّرت بناءً على أن أمره من الظهور بحيث لا يكاد يخفىٰ على أحد ممن له حظٌّ من الخطاب فظهر أن الكفَرةَ أولياؤُهم الطاغوتُ وفي التعرض لعنوان الربوبـية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام تشريفٌ له وإيذانٌ بتأيـيده في المُحاجة {أَنْ آتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} أي لاِءَنْ آتاه إياه حيث أبطره ذلك وحملَه على المُحاجّة أو حاجه لأجله وضعاً للمُحاجّة التي هي أقبحُ وجوهِ الكفر موضعَ ما يجبُ عليه من الشكر كما يقال: عاديتني لاِءَن أحسنتُ إليك، أو وقتَ أن آتاه الله الملكَ وهو حجةٌ على من منع إيتاءَ الله المُلك للكافر. {إِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ} ظرفٌ لحاجَّ أو بدلٌ من آتاه على الوجه الأخير {رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ} بفتح ياء ربـي وقرىء بحذفها. رُوي أنه عليه الصلاة والسلام لما كسر الأصنام سجنه ثم أخرجه فقال: من ربُّك الذي تدعو إليه؟ قال: "ربـي الذي يُحيـي ويميت" أي يخلُق الحياةَ والموتَ في الأجساد {قَالَ} استئنافٌ مبني على السؤال كأنه قيل: كيف حاجّه في هذه المقالة القوية الحقة؟ فقيل قال: {أنا أحيى وأميت} رُوي أنه دعا برجلين فقتل أحدَهما وأطلق الآخر فقال ذلك {قَالَ إِبْرٰهِيمُ} استئنافٌ كما سلف كأنه قيل: فماذا قال إبراهيمُ لمن في هذه المرتبة من الحماقة وبماذا أفحمه؟ فقيل قال: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ} حسبما تقتضيه مشيئتُه {فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ} إن كنت قادراً على مثل مقدوراته تعالى فلم يلتفِتْ عليه السلام إلى إبطال مقالةِ اللعين إيذاناً بأن بطلانها من الجلاءِ والظهورِ بحيث لا يكاد يخفى على أحد وأن التصديَ لإبطالها من قبـيل السعي في تحصيل الحاصل وأتى بمثال لا يجد اللعين فيه مجالاً للتمويه والتلبـيس {فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ} أي صار مبهوتاً وقرىء على بناء الفاعل على أن الموصول مفعوله أي فغلب إبراهيمُ الكافر وأسكته، وإيراد الكفر في حيز الصلة للإشعار بعلة الحكم والتنصيص على كون المحاجة كفراً {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} تذيـيلٌ مقرِّر لمضمون ما قبله أي لا يهدي الذين ظلموا أنفسَهم بتعريضها للعذاب المخلد بسبب إعراضِهم عن قبول الهداية إلى مناهج الاستدلالِ أو إلى سبـيل النجاة أو إلى طريق الجنةِ يوم القيامة.
التستري
تفسير : إذا قلت: {رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ}[258] فيقول: أنت رأيته يحيي ويميت، فيطمئن قلبي إلى الإجابة بنعم إذا شاهدت ذلك، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس الخبر كالمعاينة"تفسير : ، وقال سهل: وفيها وجه آخر أنه سأله أن يريه إحياء الموتى طمأنينة له في أنه اتخذ خليلاً. قال سهل: وفيه وجه آخر معناه: أن سؤالي إياك لا أستحق به عليك إلاَّ ما تحققه لي، وذلك موقف الخواص من خلقه، فسؤالي إياك أن تريني إحياء الموتى ليطمئن قلبي مني، وقد كان في الجاهلية يسمى الخليل.
القشيري
تفسير : عَجَّل الحق سبحانه لأعدائه عقوبة الفرقة قبل أن يعاقبهم بالحرقة، وهذه العقوبة أشد أثراً في التحقيق - لو كانت لهم عين البصيرة. وإن الحق سبحانه أخبر أن إبراهيم عليه السلام انتقل مع العدو اللعين من الحجة الصحيحة إلى أخرى، أَوْضَحَ منها - لا لِخَلَلٍ في الحجة - ولكنْ لقصورٍ في فهم الكافر، ومحكُّ مَنْ سُدَّتْ بصائره عن التحقيق تضييعُ الوقت بلا فائدة تُجدِي، لا بمقدار ما يكون من الحاجة لأمرٍ لا بُدَّ منه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم تر} اى ألم ينته علمك الذى يضاهى العيان فى الايقان وحقيقته اعلم باخبارنا فانه مفيد لليقين {إلى الذى} اى الى قصة الملك الذى {حاج} اى جادل وخاصم وقابل بالحجة {إبراهيم} فى معارضة ربوبيته {فى ربه} وفى التعرض لعنوان الربوبية مع ان الاضافة الى ضميره عليه الصلاة والسلام تشريف له وايذان بتأييده فى المحاجة والذى حاج هو نمرود ابن كنعان بن سام بن نوح وهو اول من وضع التاج على رأسه وتجبر وادعى الربوبية {أن آتاه الله الملك} اى لان آتاه فهو مفعول له لقوله حاج. وله معنيان. احدهما انه من باب العكس فى الكلام بمعنى انه وضع المحاجة موضع الشكر اذ كان من حقه ان يشكر فى مقابلة ايتاء الملك ولكنه عكس ما هو الحق الواجب عليه كما تقول عادانى فلان لانى احسنت اليه تريد انه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لاجل الاحسان. والثانى ان ايتاء الملك حمله على ذلك لانه اورثه الكبر والبطر فنشأ عنهما المحاجة والمعنى اعطاه كثرة المال واتساع الحال وملك جميع الدنيا على الكمال. قال مجاهد لم يملك الدنيا باسرها الا اربعة مسلمان وكافران فالمسلمان سليمان وذو القرنين والكافران نمرود وبخت نصر وهو شداد بن عاد الذى بنى ارم فى بعض صحارى عدن. ثم هو حجة على من منع ايتاء الله الملك للكافر وهم المعتزلة لان مذهبهم وجوب رعاية الاصلح للعبد على الله وايتاء الله الملك للكافر تسليط له على المؤمنين وذلك ليس باصلح لحال المؤمن قلنا انما ملكه امتحانا له ولعباده {إذ قال إبراهيم} ظرف لحاج {ربى الذى يحيى ويميت} روى انه عليه السلام لما كسر الاصنام سجنه ثم اخرجه ليحرقه فقال من ربك الذى تدعونا اليه قال {ربى الذى يحيى ويميت} اى يخلق الحياة والممات فى الاجساد وجواب ابراهيم فى غاية الصحة لانه لا سبيل الى معرفة الله الا بمعرفة صفاته وافعاله التى لا يشاركه فيها احد من القادرين والاحياء والاماتة من هذا القبيل {قال} كأنه قيل كيف حاجه فى هذه المقالة القوية الحقة فقيل قال {أنا أحيى وأميت} روى انه دعا برجلين قد حبسهما فقتل احدهما واطلق الآخر فقال قد احييت هذا وامت هذا فجعل ترك القتل احياء وكان هذا تلبيسا منه {قال إبراهيم} كأنه قيل فماذا قال ابراهيم لمن فى هذه الرتبة فى المحاجة وبماذا افحمه فقيل قال {فان الله} جواب شرط مقدر تقديره قال ابراهيم اذا ادعيت الاحياء والاماتة واتيت بمعارضة مموهة ولم تعلم معنى الاحياء فالحجة ان الله {يأتى بالشمس من المشرق} تحريكا قسريا حسبما تقتضيه مشيئته والباء للتعدية {فائت بها من المغرب} تسييرا طبيعيا فانه اهون ان كنت قادرا على مثل مقدوراته تعالى ولم يلتفت عليه السلام الى ابطاله مقالة اللعين ايذانا بان بطلانها من الجلاء والظهور بحيث لا يكاد يخفى على احد وان التصدى بابطالها من قبيل السعى فى تحصيل الحاصل واتى بمثال لا يجد اللعين فيه مجالا للتمويه والتلبيس فهو عدول عن مثال الى مثال آخر لايضاح كلامه وليس انتقالا من دليل الى دليل آخر لان ذلك غير محمود فى باب المناظرة {فبهت الذى كفر} اى صار مبهوتا ومتحيرا مدهوشا وايراد الكفر فى حيز الصلة للاشعار بعلة الحكم والتنصيص على كون المحاجة كفرا. قال فى اسئلة الحكم الحكمة فى طلوع شمس قرب القيامة من مغربها ان ابراهيم عليه الصلاة والسلام قال لنمرود {ان الله يأتى بالشمس من المشرق فائت بها من المغرب فبهت الذى كفر} وان السحرة والمنجمة عن آخرهم ينكرون ذلك وانه غير كائن فيطلعها الحق يوما من المغرب ليرى المنكرين قدرته وان الشمس فى ملكه ان شاء اطلعها من المشرق او المغرب {والله لا يهدى القوم الظالمين} اى الذين ظلموا انفسهم بتعريضها للعذاب المخلد بسبب اعراضهم عن قبول الهداية الى مناهج الاستدلال اى عن قبول الدلائل القطعية الدالة على الحق دلالة واضحة بالغة فى الوضوح والقوة الى حيث جعل الخصم مبهوتا متحيرا فمن ظلم نفسه بالامتناع عن قبول مثل هذه الدلائل لا يجعله الله مهتديا بها لان المعتبر فى دار التكليف ان يهتدى وقت اختيارهم الكفر والظلم اى لا يخلق فيهم فعل الهداية وهم يختارون فعل الضلال ويحتمل انه لا يهدى طريق الجنة فى الآخرة من كفر بالله فى الدنيا ـ روى ـ ان النمرود لما عتا عتوا كبيرا والقى ابراهيم فى النار بعد هذه المحاجة سلط الله على قومه البعوض فاكلت لحومهم وشربت دماءهم فلم يبق الا العظام والنمرود كما هو لم يصبه شىء فبعث الله بعوضة فدخلت فى منخره فمكث اربعمائة سنة تضرب رأسه بالمطارق فعذبه الله اربعمائة سنة كما ملك اربعمائة سنة وهو الذى بنى صرحا الى السماء ببابل فاتى الله بنياهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم: قال الشيخ العطار قدس سره شعر : سوى او خصمى كه تير انداخته بشه كارش كفايت ساخته تفسير : والاشارة ان الله تعالى اعطى النمرود ملكا ما اعطى لاحد قبله ادعى الربوبية ما ادعى بها احد قبله وذلك ان الله اعطى الانسان حسن استعداد لطلب الكمال فمن حسن استعداده فى الطلب وغاية لطافته فى الجوهر دائم الحركة فى طلب الكمال فحيثما توجه الكمال اخذ فى السير فيها الى اقصى مراتبها فى العلوى والسفلى فان وكل الى نفسه فى طلب الكمال فينظر بنظر الحواس الخمس الى المحسوسات وهى الدنيا فلا يتصور الا الدنيا فلا يتصور الكمال الا فيها فيأخذ فى السير لطلب الكمال وهذا السير موافق لسيره الطبيعى لانه خلق من تراب والتراب سفلى الطبع فيميل الى السفليات طبعا والدنيا هى السفل فيسير فيها بقدمى الطبع وطلب الكمال ففى البداية يرى الكمال فى جمع المال فيجمعه ثم يرى الكمال فى الجاه فيصرف المال فى طلب الجاه ثم يرى الكمال فى المناصب والحكم ثم يرى فى الامارة والسلطنة فيسير فيها ما لم يكن مانع الى ان يملك الدنيا باسرها كما كان حال النمرود ثم لا يسكن جوهر الانسان فى طلب الكمال بل كلما ازداد استغناؤه ازداد حرصه وكلما ازداد حرصه ازداد طلبه الى ان لا يبقى شىء من السفليات دون ان يملكه ثم يقصد العلويات والى الآن كان ينازع ملوك الارض والآن ينازع ملك الملوك ومالك الملك فى السموات والارض فيدعى الربوبية كالنمرود فانه كان سبب طغيانه استغناؤه قال تعالى {أية : إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} تفسير : [العلق: 6-7]. فاذا كمل استغناؤه كمل طغيانه حتى يكفر بالنعمة فهذا كله عند فساد جوهره لما وكل الى نفسه واذا اصلح جوهره بالتربية ولم يكله الى نفسه هدى الى جهة الكمال المستعد له كقوله {أية : أهدكم سبيل الرشاد} تفسير : [غافر: 38]. فصاحب التربية وهو النبى او خليفته وهو الشيخ المرشد يربيه وتربيته فى تبرئته مما سوى الله الى ان بلغ حد كماله فى طلب الكمال وهو افناء الوجود فى وجود الموجود ليكون مفقودا عن وجوده موجودا بموجده فلما كان يقول عند فساد الجوهر وابطال حسن الاستعداد بالكمال انا احيى واميت فيقول عند صلاح الجوهر وصرف حسن الاستعداد فى طلب الكمال ما فى الوجود سوى الله فالمجد يدق بمطرقة لا اله الا الله دماغ نمرود النفس الى ان يؤمن بالله ويكفر بطاغوت وجوده ووجود كل موجود سوى الله والله لا يهدى القوم المشركين الى عالم التوحيد والشرك ظلم عظيم فالبشرك ضل من ضل فزل عن الصراط المستقيم كذا فى التأويلات النجمية. فعلى العاقل ان يتخلص من الشرك الخفى ويزكى نفسه عن سفساف الاخلاق ولا يغتر بالمال والمنال بل يرجع الى الله الملك المتعال. وقد وجدت صخرة عظيمة وعليها اسطر قديمة. فرحك بشىء من الدنيا دليل على بعدك من الله. وسكونك الى ما فى يدك دليل على قلة ثقتت بالله. ورجوعك الى الناس فى حال الشدة دليل على انك لم تعرف الله انتهى: قال السعدى قدس سره شعر : شنيدم كه جمشيد فرخ سرشت بسر جشمة بر بسنكى نوشت برين جشمه جون مابسى دم زدند برفتند جون جشم برهم زدند كرفتيم عالم بمردى وزور وليكن نبرديم باخود بكور برفتند وهركس درود آنجه كشت نماند بجز نام نيكو وزشت تفسير : اللهم اجعلنا من الذين طال عمرهم وحسن عملهم وقصر املهم وكمل عقلهم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {أن آتاه}: على حذف لام العلة، و {إذ قال}: ظرف لـ {حاجَّ}، أبو بدل من {آتاه الله}. يقول الحقّ جلّ جلاله: متعجباً من جهالة النمرود، والمراد تعجيب السامع: {ألم تر} يا محمد، {إلى} جهالة {الذي حاج إبراهيم} أي: خاصمه {في ربه} لأجْل {أن} أعطاه {الله الملك}، أي: حمله على ذلك بطر الملك. وذلك أنه لما كسَّر إبراهيم الأصنام، سجنه أياماً، وأخرجه من السجن، وقال له: من ربك الذي تعبد؟ {قال} له {إبراهيم} عليه السلام: {ربي الذي يحيي ويميت}، أي: يخلق الأرواح في الأجسام، ويخرجها عند انقضاء آجالها، {قال} نمرود: {أنا أحيي واميت}، فدعا برجلين فقتل أحدهما، وعفا عن الآخر، فلما رأى إبراهيم عليه السلام غلطه وتشغيبه عدل له إلى حجة أخرى، لا مقدور للبشر على الإتيان بمثلها، فال له: {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها} أنت {من المغرب}؛ لأنك تدَّعي الربوبية، ومن شأن الربوبية أن تقدر على كل شيء، ولا يعجزها شيء، {فبُهت الذي كفر} أي: غُلب وصار مبهوتاً، {والله لا يهدي القوم الظالمين} إلى قبول الهداية، أو إلى طريق النجاة، أو إلى محجة الاحتجاج. الإشارة: قال بعض الحكماء: للنفس سر، ظهر على فرعون والنمرود، حتى صرّحا بدعوى الربوبية: قلت: وهذا السر هو ثابت للروح في أصل نشأتها؛ لأنها جاءت من عالم العز والكبرياء. انظر قوله تعالى:{أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى}تفسير : [الحِجر: 29]، وقال أيضاً:{أية : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى}تفسير : [الإسَراء: 85] أي: سر من أسراره، فلما رُكبت في هذا القلب الذي هو قالب العبودية - طلبت الرجوع إلى أصلها. فجعل لها الحقّ جلّ جلاله باباً تدخل منه فترجع إلى أصلها؛ وهو الذل والخضوع والانكسار والافتقار، فمن دخل من هذا الباب، واتصل بمن يعرّفه ربه، رجعت روحه إلى ذلك الأصل، وأدركت ذلك السر، فمنها من تتسع لذلك السر وتطيقه، ومنها من تضيق عن حمله وتبوح به، فتقتلها الشريعة، كالحلاج وأمثاله، ومن طلب الرجوع إلى ذلك الأصل من غير بابه، ورام إدراكه بالعز والتكبّر، طُرد وأُبعد، وهو الذي صدر من النمرود وفرعون وغيرهما ممن ادّعى الربوبية جهلاً. والله تعالى أعلم. ثم ذكر الحقّ تعالى من أدركته العناية، وفي قصته برهان على إحياء الموتى الذي احتج إبراهيم - عليه السلام -.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ أهل المدينة {أنا أحيي وأميت} باثبات الألف إذا كان بعدها همزة مضمومة أو مفتوحة. فان كان بعدها همزة مكسورة حذفوها إجماعاً. المعنى: قال مجاهد، وقتادة والربيع: إن المحاج لأبراهيم كان نمرود بن كنعان وهو أوّل من تجبر في الأرض بادعاء الربوبية. وقوله: {ألم تر إلى} دخلت إلى الكلام للتعجب من حال الكافر المحاج بالباطل، كما يقولون: أما ترى إلى فلان كيف يصنع، وفيه معنى هل رأيت كفلان في صنيعه كذا، وإنما دخلت {إلى} لهذا المعنى من بين حروف الجر، لأن إلى لما كانت نهاية صارت بمنزلة هل انتهت رؤيتك إلى من هذه صفته لتدل على بعد وقوع مثله على التعجب منه، لأن التعجب إنما يكون مما استبهم شبيه بما لم يجز عادة به، وقد صارت إلى ها هنا بمنزلة كاف التشبيه من حروف الاضافة، لما بينا من العلة إذ كان ما ندر مثله كالذي يبعد وقوعه. وقوله: {أن آتاه الله الملك} معناه أعطاه والهاء في {آتاه} قال الحسن وأبو علي: إنها كناية عن المحاج لابراهيم. وقال أبو حذيفة والبلخي إنها عائدة إلى إبراهيم. فان قيل: كيف يجوز أن يؤتي الله الكافر الملك؟ قيل: الملك على وجهين: أحدهما - يكون بكثرة المال واتساع الحال، فهذا يجوز أن ينعم الله (عزّ وجل) به على أحد من مؤمن وكافر، كما قال في قصة بني إسرائيل: {أية : وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين}.تفسير : والثاني - ملك بتمليك الأمر والنهي والتدبير لأمور الناس، فهذا لا يجوز أن يجعله الله لأهل الضلال لما فيه من الاستفساد بنصب من هذا سبيله للناس، لأنه لا يصح مع علمه بفساده إرادة الاستصلاح به كما يصح منا فيمن لا يعلم باطن حاله ممن يؤمن علينا. ومن قال الهاء كناية عن إبراهيم (ع) لم يتوجه عليه السؤال، لأنه تعالى لم يؤت الكافر الملك، وإنما آتى نبياً مرسلاً. وقوله {إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت} معناه يحيي الميت ويميت الحي، فقال الكافر عند ذلك: أنا أحيي وأميت، يعنى أحييه بالتخلية من الحبس ممن وجب عليه القتل وأميت بالقتل من شئت ممن هو حي، وهذا جهل منه، لأنه اعتمد في المعارضة على العبارة فقط دون المعنى، عادلا عن وجه الحجة بفعل الحياة للميت أو الموت للحي على سبيل الاختراع كما يفعله الله (تعالى) من إحياء من قتل أو مات ودفن وذلك معجز لا يقدر عليه سواه، فقال إبراهيم {إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} ولم يكن ذلك انتقالا من إبراهيم من دليل إلى دليل آخر من وجهين: أحدهما - أن ذلك يجوز من كل حكيم بعد تمام ما ابتدأ به من الحجاج، وعلامة تمامه ظهوره من غير اعتراض عليه بشبهة لها تأثير عند التأمل، والتدبر لموقعها من الحجة المعتمد عليها. الثاني - أن إبراهيم إنما قال ذلك ليتبين أن من شأن من يقدر على إحياء الأموات وإماتة الأحياء، أن يقدر على الاتيان بالشمس من المشرق، فان كنت قادراً على ذلك فأت بها من المغرب {فبهت الذي كفر} وإنما فعل ذلك، لأنه لو تشاغل معه بأني أردت اختراع الحياة والموت من غير سبب ولا علاج لاشتبه على كثير ممن حضر، فعدل إلى ما هو أوضح وأكشف، لأن الأنبياء (ع) إنما بعثوا للبيان والايضاح، وليس أمورهم مبنية على بناء الخصمين إذا تحاجا، وطلب كل واحد غلبة خصمه، فلذلك فعل إبراهيم (ع) ما فعل وقد روي عن أبي عبد الله (ع) أن إبراهيم قال له: احيي من قتلته إن كنت صادقا، ثم استظهر عليه بما قال. اللغة: والشمس معروفة وجمعها شموس، وقد شمس يومنا يشمس شموساً، فهو شامس: إذا اشتدت شمسه، وكذلك أشمس. وشمس الفرس شماساً، فهو شموس، إذا اشتد نفوره، لأنه كاشتداد الشمس في اليوم ما يكون من زيادة حرّها، وتوقدّها. وشمس فلان إذا اشتدت عداوته. قال الشاعر: شعر : شمس العداوة حتى يستقاد لهم وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا تفسير : والشمس في القلادة وغيرها: دائرة مشرقة كالشمس. وشمس الشيء تشميساً إذا ألقاه في الشمس، وتشمس تشمساً: إذا قعد في الشمس. المعنى: وقوله: {فبهت الذي كفر} معناه تحير عند الانقطاع بما بان ظهور الحجة. فان قيل هلاّ قال لابراهيم. فليات ربك بها من المغرب؟ قلنا عن ذلك جوابان: أحدهما - أنه لما علم بما رأى من الآيات منه أنه لو اقتراح ذلك لفعل الله ذلك فتزداد نصيحته، عدل عن ذلك، ولو قال ذلك واقترح لأتى الله بالشمس من المغرب تصديقاً لابراهيم (ع). والجواب الثاني - أنه (تعالى) خذله عن التلبيس والشبهة. اللغة: وفي بهت ثلاث لغات: بُهت على لفظ القرآن، وبَهُت وبَهت على وزن ظرف وحذر، وحكي بهت على وزن ذهب والبهت: الحيرة عند استيلاء الحجة، لأنها كالحيرة للمواجهة بالكذب، لأن تحير المكذب في مذهبه كتحير المكذوب عليه، ومنه قوله: {أية : أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً} تفسير : كأنه قال أتأخذونه ادعاء للكذب فيه. وفي إبراهيم خمس لغات إبراهيم، وابراهام، وابراهم، وابراهم، وابراهم باسقاط الياء وتعاقب الحركات الثلاث عليه. المعنى: وقوله {والله لا يهدي القوم الظالمين} لا يعارض قوله: {أية : وأما ثمود فهديناهم فاستحبّوا العمى على الهدى}تفسير : لأن الهدى يتصرف على وجوه وأصله واحد وهو الدلالة على الطريق المؤدي إلى البغية والله (تعالى) قد هدى جميع المكلفين بأن دّلهم على طريق الحق وخص المؤمنين في هدايته لهم بالمعونة على سلوك طريق الحق، لأنه بمنزلة الدلالة على طريق الحق والله (تعالى) لا يهدي للمعونة على بلوغ البغية في فساد القوم الظالمين. وفي الآية دلالة على فساد قول من يقول: المعارف ضرورة، لأنها لو كانت ضرورة لما حاج إبراهيم الكافر، ولا ذكر له الدلالة على إثبات الصانع، وفيها دلالة على فساد التقليد وحسن المحاجة والجدال، لأنه لو كان ذلك غير جائز لما فعل إبراهيم (ع) ذلك.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ} الم ينته رؤيتك {إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ} التّعدية بالى للتّضمين المذكور المشعر ببعد المفعول عن الرّؤية والادراك والجملة جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما الشّاهد على الاخراجين؟ - فقال تعالى اخراج نمرود حين المحاجّة فى الله من نور التّسليم لربوبيّة الله الى ظلمات انكار الرّبّ والمغالطة فى المحاجّة والتّحيّر حين المغلوبيّة واخراج النّبىّ الّذى مرّ على القرية من ظلمة الشّكّ والحيرة وحجاب العلم الى نور الشّهود والعيان لكنّه أخرجه فى صورة الاستفهام التعجيبىّ تفضّلاً فى الجواب بالمبالغة فى استغراب القضيّتين، ونمرود حاجّ ابراهيم (ع) قبل القائه فى النّار كما قيل او بعد القائه وخروجه سالماً من النّار كما نسب الى الصّادق (ع) {أَنْ آتَاهُ} اى ابراهيم {ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} ملك النّبوّة والطّاعة او نمرود الملك الصورىّ وهو بتقدير لام التّعليل {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ} بدلٌ من الّذى حاجّ نحو بدل الاشتمال، او ظرف لحاجّ والمقصود اذ قال ابراهيم بعد ما قال نمرود له من ربّك يا ابراهيم؟ - {رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} اتى بوصف الاحياء الّذى يعجز عنه غير الله وذكر الاماتة ليس للتّعجيز بل لمناسبة التضادّ او هى ايضاً للتعجيز فانّ الاماتة ازهاق الرّوح من دون فعلٍ من المميت بالنّسبة الى بدن الميّت او روحه، وهذا خاصّ بالله فان كان الازهاق بسبب فعل فاعلٍ كان قتلاً لا اماتة {قَالَ} مثل هذا يكون جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ {أَنَا أُحْيِـي} بان لا اقتل من وجب القتل عليه وانجيه من الحبس {وَأُمِيتُ} بقتل من اردت قتله، وهذا مغلطة منه فى الجواب تمويهاً على العوامّ لانّ ابقاء الحياة الحاصلة من الله ليس احياءً على انّه ليس ابقاءً للحياة بل هو ترك لفعلٍ يؤدّى الى ازهاق الرّوح؛ وهكذا الحال فى الاماتة، ولمّا كان الزامه ببيان مغلطته فى الجواب لم يكن يظهر على العوامّ عدل عن الالزام ببيان المغلطة الى التّعجيز بوصف آخر، روى عن الصّادق (ع): انّ ابراهيم (ع) قال له فأحى من قتلته ان كنت صادقاً و {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ} لمّا ادّعى الرّبوبيّة لنفسه بالاشارة الى قياسٍ مستفادٍ من ادّعاء حصر الاحياء والاماتة فى نفسه بتقديم المسند اليه فى قوله {أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} تصويره هكذا ربّك الّذى يحيى ويميت وكلّ محيىٍ ومميتٍ اَنَا فَانَا ربّك، وموّه ذلك على العوامّ عدل عن اسم الرّبّ وقال: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي}؛ باسم الجلالة حتّى لا يتأتّى له التّمويه بوصف المسند اليه ولا بوصف المسند {فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ} البهت كالنّصر الانقطاع والتحيّر وفعلهما كعلم ونصر وكرم وعنى والوصف مبهوت لا باهت وقرء مبنيّاً للفاعل ومبنيّاً للمفعول والمعنى فانقطع حجّته او تحيّر {ٱلَّذِي كَفَرَ} اى نمرود {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي} جملة حاليّة والمعنى فانقطع حجّته والحال انّه لم يكن له معينٌ يعينه فانّ المعين ليس الاّ الله والله لا يهدى {ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} على أنفسهم ثمّ على الخلق ثمّ على خلفاء الله.
الأعقم
تفسير : {الم تر الى الذي حاج ابراهيم في ربه ان اتاه الله الملك} الهاء في اتاه تعود الى الذي حاج، وقيل: الى ابراهيم (عليه السلام) والملك ملك النبوة ومعنى {الم تر} الم تعلم يا محمد هذا هو النمرود بن كنعان وهو اول من وضع التاج على رأسه وادعى الربوبيَّة فإن قيل: متى كانت محاجته لإبراهيم (عليه السلام)؟ قيل: عند كسر الاصنام، وقيل: عند ألقي في النار وقد روي ان النمرود لعنه الله لما فلجَه ابراهيم وقطع حجته بالآيات العظيمة قال: هل يستطيع ربك ان يقابلني فقد طالت المحاجة بيني وبينك فاوحى الله تعالى الى ابراهيم ان عده غداً عند طلوع الشمس فقال له ابراهيم (عليه السلام): إن ميعادك فيما سألت غداً عند طلوع الشمس فبات الملعون يجمع عساكره حتى أصبح وقد حشد خلقاً كثيراً لا يحصى ثم أرسل إلى إبراهيم حين أصبح فأتاه فقال: يا إبراهيم أين ما وعدتني؟ فقال له (عليه السلام): اتاك الأمر مع طلوع الشمس، فلما طلعت الشمس طلعت متغيرة اللون لا يرى ضوؤها فقال له: ما بال الشمس اليوم؟ فقال له: انه قد ذهب بنورها كثرة الجند الذين وجههم الله تعالى إليك أنه قد أرسل إليك اضعف جُنده وهي الفراش تغشي الملعون وأصحابه فجعل الفراش يدخل في أفواههم وآذانهم فيقتلهم والملعون ينظر ما نزل به وأصحابه من الأمر العظيم الذي لا حيلة فيه حتى اهلكهم وهو ينظر ثم دخلت في رأسه فأقبلت تأكل دماغه وهو ينطح برأسه الجدار حتى هلك لا رحمه الله على اشر حال روي ذلك في تفسير الهادي (عليه السلام)، فان قيل: كيف جاز ان يؤتي الله الملك الكافر؟ فيه قولان: اتاه ما علا به وتسلط من الخدام والاتباع، وقيل: ملكه امتحاناً لعباده ولان أهل مملكته كانوا كفاراً ومعنى المحاجة المجادلة يعني جادلَه وخاصمَه، وقال: يا إبراهيم من ربك الذي تدعُو اليه؟ {قال ابراهيم ربي الذي يحي ويميت قال انا احيي وأميت} روي انه جاءه برجلين قتل احدهما وأبقى الآخر فانتقل إبراهيم الى حجة أُخرى، وقيل: من مثال إلى مثال، وقال: {فان الله يأتي بالشمس من المشرق} الآية، قيل: انه لما قتل احد الرجلين، وقال: أنا احيي وأميت، قال له ابراهيم: ليس هكذا ولكن ادخل الروح في جسد الذي قتلته واحييه وانزع روح الحي من جسده {فبهت الذي كفر} إي انقطعت حجته روي ان الله اهلكه وجنوده على يدي ابراهيم (عليه السلام).
اطفيش
تفسير : {ألَمْ تَر إلى الَّذِى حاجَّ إبْراهِيمَ فىَ رَبِّهِ}: الذى حاجه النمرود وذلك تعجيب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يمكن منه التعجب من حال هذا المحاج الغريبة الشبيهة بالمثل فى الغرابة، إذا حاج فى كفره وحماقته وعظم جهله، إبراهيم الذى هو خليل الله فى شأن مالكه ومالك كل شئ، أو معنى حاج جادل، والهاء فى ربه لإبراهيم عليه السلام، ويصح عودها إلى الذى، والأول أظهر لقربه، والثانى أنسب فى تقبيح ذلك المحاج، إذ حاج فى ربه الخالق له، المالك له، إبراهيم يريد نفيه. {أنْ آتاهُ اللّهُ}: أظهر لهُ الجلالة ويستر ضمير رب فى أتى مع تقدمه، لأن لفظ ربه مجمل يجوز أن يريد به أن يقول نمرود: ما ربك أو كيف هو. {المُلْكَ}: أن حرف مصدر، وحرف التعليل مقدر متعلق بحاج، أى لأن آتاه الله الملك، أى حاج إبراهيم ربه لآتاه الله إياه الملك، أى بطره إيتاء الملك، وحمله على الجدال، كما قال الله تعالى:{أية : إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى}،تفسير : ويجوز أن يكون معنى التعليل على العكس فى الكلام بمعنى أنه وضع المحاجاة موضع الشر عكس الواجب عليه، إذ الواجب الشكر، كقول حسان: فشكركما لخيركما الفداء تقول لمن فعلت له الخير وأساء إليك، أفعلت هذه الإساءة لإحسانى إليك، وأجاز القاضى أن يكون المصدر من قوله: {أن آتاه} منصوبا على النيابة عن الظرف، أى وقت أن آتاه، أى وقت إيتائه، ويبحث فيه بأن المصدر الذى ينوب عن الزمان هو المصدر الملفوظ به، لا الذى بالتأويل، ولا يعترض على هذا البحث بما المصدرية الظرفية، إذ دلت على الزمان، وليس المصدر صريحا، لأن ما المصدرية الظرفية وضعت على التلويح بها إلى الزمان، بخلاف أن المصدرية، وذكر عن بعض المعتزلة أنه ينكر إيتاء الله الكافر الملك، والحجة عليه الآية والمشاهدة والتواتر، وذلك أن صاحب الكشاف ذكر ما إيضاحه أنه يمتنع تغليب الله الكافر وتسليطه بايتائه الملك، فأجاب بأنه لم يغلبه ولم يسلطه، ولكن آتاه الله ما تغلب وتسلط به، ولم يعطه للتغليب والتسليط، وأجاب أيضاً بأنه قبل أعطاء الملك امتحانا، وأما أن يعطى الكافر الملك على غير ذلك فلا. {إذْ قالَ إبراهِيمُ}: متعلق بحاج، ومن يقدر وقت أن آتاه الله، جعل إذ بدلا من أن آتاه الله لنيابته عن وقت. {ربِّىَ الَّذِى يُحْيى ويُميتُ}: لا مفعول لهما لأنه ليس المراد بحيى كذا ويميت كذا، أو يميته، بل المراد أنه يخلق الحياة والموت فى الأجسام، وقرأ حمزة رب بحذف الياء هذه عبارة القاضى، والمتبادر منها أنه حذف الياء استغناء بالكسرة لا لتسكينه إياها؛ والتقاء الساكنين لأنه رسمها القاضى فى قراءة ورش بلا باء، وعبارة ابى عمرو الدانى ربى الذى أسكنها حمزة وهو نص فى أنهُ حذفها للساكن بعدها بعد ما أسكنها؛ ولعل هذا مراد القاضى ولم يثبتها فى قراءة حمزة فى رسمها، لأنه لم يجلب حين ذكرها لفظة الذى. {قالَ}: قال الذى حاج إبراهيم. {أنا أُحيْى وأُمِيتُ}: هكذا قال مجملا فقال لهُ إبراهيم: أرنى ذلك، فدعا برجلين فخلى أحدهما فذهب حيا فسمى ذلك إحياء، وقتل آخر فسمى قتله إماته، ويمكن أن يريد من أول مرة إذ عندى ذلك النوع مكابرة منه، زاعما أن ترك الحى وقتل الآخر نوع إحياء وإماتة وذلك منه خطأ، لأن كل قادر يشاركه فى ذلك حتى البهائم والجعل، ثم إنه كيف ترك القتل إحياء وإنما هو إمساك عن قتله لا يسمى إحياء إلا مجازا يسمى القتل إماتة، وإنما تسبب فيه كيف يكون مميتاً ولا يدرى أين وصلت روحه، وحيث هى بالحقيقة ومتى تخرج كلها * قال أبو عمرو الدانى: (أنا أحيى وأميت)، (وأنا أول)، (وأنا أنبيئكم) وشبهه إذ كان بعد أنا همزة مضمومة أو مفتوحة لإثبات الألف وصلا ووقفا، وروى أو نشيط عن قالون إثباتها مع المكسورة فى قوله: إن أنا إلا، وما أنا إلا والباقون يحذفون الألف فى الوصل خاصة؛ وكلهم يثبتها فى الوقف، وفى ذلك لغات قررتها فى النحو، ومنهن تلك القراءات. {قال إبراهيم فإنَّ الله يأتى بالشمسِ منَ المشرق}. من جنس مشرقها، أى من جنس المشارقة التى تشرق منها، وهى المنازل وما يسامتها من الأرض أو الحبال يحسب ما يفهمه نمرود عنه، والفاء فى جواب شرط محذوف، أى أن موهت ولست على الجهلة فى الإحياء والإماتة، فإن الله يأتى بالشمس إلخ * بل هذه الفاء تعليلية قامت مقام فاء الجواب، أى إن موهت لم يتم لك التمويه لأن لنا جحة لا تجد معها تمويها هى أن الله يأتى بالشمس من المشرق، فإن كنت لها كما تدعى: {فَأتِ بِها مِنَ المغْرِبِ}: وهذه الفاء فى جواب شرط محذوف أيضاً كما رأيت والباءات للتغذية، أى يصير الشمس آتية من المشرق فصيرها آتية من المغرب، والمغرب جنس مغاربها انتقل له إبراهيم عليه السلام من دليل التمويه إلى هذا الدليل لظهور عجزه عن اضطراره إلى التمويه عند كل حاضر وسامع، وقد علم أنهٌ عارف بعجز نفسه، ولذلك لم يقل لهٌ بل اجعل الحياة حيث لم تكن، أو أحيى من قتلت، ولو قال ذلك فيموه نمرود لإجابته أيضاً، وكأنه قال: قد أفحمتك وأزيدك إفحاماً أقوى، وهو أن لا إله يأتى بالشمس من حيث شاء وأنت لا تقدر عليها أن تأتى بها من موضع غير الذى تأتى منه، فليس ذلك من إبراهيم انتقالا من دليل، قبل الإيضاح به والتسليم له إلى دليل آخر، وذلك غير محمود، واستدل فى الكشاف بالآية على جواز الانتقال عن دليل الآخر، والحامل على ذلك لنمرود بطر الملك أو اعتقاد الحلول فى المواضع بالله سبحانه، وعنه تعالى، فصار يتناول أن يفعل كل ما يفعل الله، قال: قد وردت الآية من الشكل الأول، يعنى أن يكون الحد المكرر محمولا فى الصغرى موضوعا فى الكبرى، هكذا أنت لا تقدر أن تأتى بالشمس من المغرب، ومن لا يقدر على الإتيان بها منه فليس برب، فأنت لست برب. {فبَهُِتَ الذى كَفَرَ}: أى تحير ودهش، فلفظ بهت مبنى للمفعول ومعناه للفاعل كما قيل فى: زكم وجن، وعنى مما قد يبنى للفاعل وما لا يبنى له أصلا، وقد أطلت الكلام على ذلك فى العربية، والذى لى فى ذلك إبقاء المبنى للفمعول على معناه، فنقول إنه ضمن بهت بالبناء للفاعل معنى حيرأ وأدهش، وأغلب فبنى للمفعول فرفع النائب، والذى كفر هو نمرود الذى حاج إبراهيم، وقرأ أبو حيوة: فبهت بفتح الباء وضم الهاء، أى دهش الذى، وقرئ: فبهت بفتح الباء والهاء على أن فيه ضمير إبراهيم فى هذه القراءة خاصة ل والذى مفعول به على هذه القراءة خاصة، أى غلب إبراهيم ذلك الذى كفر، وأما على الأولى فالذى نائب الفاعل، وأما على الثانية فالذى فاعل. {واللّهُ لاَ يَهْدِى القَوْمَ الظَالِمينَ}: أى لا يوافق الذى قضى عليهم الموت على ظلم أنفسهم بالكفر، أو على ظلم أنفسهم بالإمتناع عن قبول الهداية التى هى الإرشاد، أولا يوفقهم إلى طريق الحجة التى هى حق أو إلى طريق الجنة يوم القيامة، وأما الموفقون السعداء، فإنهم يعرفون يوم القيامة موضعا يمشون فيه إلى الجنة، ويمتنعون به عن النار، وما ذلك لتجويد نظرهم وفكرهم يوم القيامة، بل لعملهم وتوحيدهم فى الدنيا، وليس الأشقياء يوم القيامة يتركون يمشون حيث شاءوا، بل يجرهم الملائكة إلى النار جرا، ولو قال نمرود: إن كان ربك هو الذى يأتى بها من المشرق فليأت بها من المغرب، لأتى الله تعالى بها منه، أو لقال إبراهيم: اقتضت حكمته أن يأتى بها كذلك، وهو الذى يأتى بها قبلك وبعدك ومعلوم أنها مسخرة لا بد لها من مسخر، وقد التفيت أنت عن تسخيرها ببهتك، وقيل: إن عدم قول نمرود فليأت بها ربك من المغرب معجزة لإبراهيم. وهو نمرود بن كنعان بن سام بن نوح عليه السلام، وقيل نمرود هذا هو نمرود بن فالخ، وهو أول من وضع التاج على رأسه وتجبر وادعى الربوبية، وقيل نمرود بن حام بن نوح عليه السلام، حاج إبراهيم حين كسر الأصنام، قال مقاتل: لما كسر الأصنام سجنه نمرود ثم أخرجه ليحرقه: فقال له من ربك الذى تدعونا إليه؟ فقال: ربى الذى يحيى ويميت. وقال السدى حاجه بعد إخراجه من النار، خرج منها ودخل عليه فقال له: من ربك؟ فقال ربى الذى يحيى ويميت. وقال زيد بن أسلم، قحط الناس على عهد نمرود وصاروا يمتارون من عنده الطعام، فأتاه إبراهيم عليه السلام فيمن أتاه، وكان لا يمتار منه أحد حتى يقول له من ربك فإن قال أنت باع له، وإلا راده. وقال لإبراهيم عليه السلام: من ربك؟ فقال: ربى الذى يحيى ويميت، فاشتغل بالمجادلة ولم يعطه شيئا، فرجع إلى أهله دون شئ، فمر على كثيب رمل كالدقيق، فقال لو ملأت الغرارتين من هذا فإذا دخلت به على الصبيان والمرأة فرحوا حتى أنظر لهم، ففعل ولما بلغ منزله عليه السلام فرح الصبيان والمرأة وجعلوا يلعبون فوق الغرارتين، ونام هو من الإعياء، فقالت امرأته لو صنعت له طعاماً يجده حاضراً ذا انتبه؟. ففتحت إحدى الغرارتين فوجدت أحسن ما يكون من دقيق البر، فخبزته، فلما انتبه وضعته بين يديه فقال: من أين هذا؟ قالت: من الدقيق الذى سقت لنا. فعلم إبراهيم أن الله تبارك وتعالى رد له الرمل دقيق قمح، فحمد الله تعالى وتأتى قصة نمرود وجند البعوض وصرحه فى غير هذه السورة إن شاء الله تعالى، قيل وبقيت البعوضة فى رأسه دخلا يضرب فى رأسه بالمقامع لْسكن أربعمائة عام، قال مجاهد: ملك الأرض أربعة. مؤمنان وكافران، فالمؤمنان سليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصر.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذَى حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ} إلى قصة الذى جادل إبراهيم، فإنها ظاهرة الفساد، كالشىء المحسوس بالعين، والاستفهام تعجيب وإنكار للياقة حاله {فِى رَبِّهِ} فى رب إبراهيم، أو فى رب الذى حاج، والأول أولى، لأن إبراهيم معترف بالله عز وجل، ووجه رد الضمير إليه تقبيح حاله فى إنكاره من ملكه ورباه وأنعم عليه {أَنْ ءَاتَٰهُ اللهُ الْمُلْكَ} تعليل للمحاجة وإيتاء الملك علة لها، أورثه ملكه بطرا، ونشأت منه المحاجة، والتقدير، لأن آتاه الله الملك، وزعم بعض أن المصدر منصوب على الظرفية، أى إيتاء الله الملك، والمعنى وقت إيتائه، كقولك، جئت طلوع الشمس، وإيتاء الملك متقدم على المحاجة، لكنه ممتد باعتبار البقاء إلى وقت المحاجة وبعدها، ويجوز اعتبار أن كل إبقاء ولو أقل من لحظة هو إطاء، ويرده أن المصدر المنصوب على الظرفية يكون حاصلا صريحا لا محصلا بالتأويل، أو أن يكون محصلا لما بعد ما المصدرية، نحو لا أحىء ما دام زيد قائما، أو ما بقى حيا، فتعين التلعيل كما فسرته، أو التعليل التهكمى فإن الحق أن يؤمن بالله ويعطيه، شكراً على ما آتاه الله، لكنه وضع الكفر موضع الشكر، وهو أول من وضع التاج على رأسه، وتجبر وادعى سليمان وذو القرنين، ولا يجب الأصلح على الله، ولا واجب عليه تعالى، فملّك الله عز وجل كافرين، ولا قبح فى ذلك، بل حكمة وعدل، ولا قبح فى تغليبه، وذكر بعض المعتزلة، أن المعنى أتاه ما غلب به من المال والأتباع، وهو ظاهر الآية بلا شك، لكن لا يخفى أن إيتاءه تغليب، وهم منعوه، ويرده أن إيتاء الأسباب على زعمهم قبيح أيضا، ونحن لا نعتبر التقبيح والتحسين الفعليين مع أنه لا قبيح إلا ويمكن فيه غرض صحيح كالامتحان {إِذْ} بدل من مصدر آتى المنصوب على الظرفية الزمانية إن نصبناه على الظرفية، وقد مر رده، أو متعلق بحاج، وهو الصحيح {قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّىَ الَّذِى يُحْيِى} مالا حياة فيه {وَيُمِيتُ} ما فيه حياة، ولو بلا قتل ولا مضرة، أو يخلق الحياة والموت على أن الموت أمر وجودى يضاد الحياة، والراجح أن الموت أمر عدمى لا يتعلق به الخلق، كذا قيل، ولا يخفى أن الأعدام المضافة إلى الملكات يتعلق بها الإيجاد والخلق والملكة الفعل والوجود، كما قال الله تعالى: خلق الموت والحياة {قَالَ} الذى حاجه {أَنَا أُحْيِى} ما أردت {وَأُمِيتُ} ما أردت، أو أخلق الحياة والموت، وهذا كفر عناد، لأنه أنكر الله، فمن يحيى ويميت قبل أن يوجد، وكيف يحيى من لم يحضر أو يميته أو لم يعلم به، إذ لم يقل، أنا أحيى وأموت كما يحيى ربك ويميت، أو كان غبيا يرى أن حياة الميت بالطبع وموت الحى بالطبع، أو بقتل قاتل أو مضرة، وأراد بالإحياء ترك الحى بلا قتل له، بالإماتة القتل، كما قيل: إنه أتى برجلين، فقتل أحدهما، وأبقى الآخر، فقال: هذا إحياء وإماتة، وهذا أمر شاركه فيه كل قادر على قتل، وكأنه خص نفسه لقدرته على القتل، وأعرض إبراهيم عن هذه الحجة لظهور بطلانها لكلك أحد، إلى حجة تدفع الشغب والشبهة، وتظهر بطلانه وتزيد إثبات الإحياء والإماتة لله بقوله {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ} أى إن كانت لك قدرة كقدرة الله فإن الله الخ، أو إن لم تفهم معنى الإحياء، والإماتة المنسوبين لله فإن الله... الخ، وحال نمروذ إذا ادع الربوبية دعوى أنه يقدر على فعل كل جنس يفعله الله فنقضه إبراهيم عليه السلام بقوله: فإن الله {يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ} أل للحقيقة أى من مطالعها {فَأْتِ} أمر تعجيز له {بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} ولو مرة واحدة، أو من مغاربها فى أيام السنة فتغرب فى مطالعها، {فَبُهِتَ} حعل باهتاً، أى متحيراً ذاهل العقل من حجة إبراهيم عليه السلام، أو عاجزاً عن الحجة فيما يدعيه، أو عن الحق الذى يجب أن يقوله ويهدى قومه إليه، وهو على معنى البناء للمفعول أو معناه تحير فهو من أفعال يذكرون أنها مبنية للمفعول ومعناها البناء للفاعل، فيقال فى مرفوعها فاعل كزكم وجن وعنى وأولع وزهى، وقد أبقيتها على معنى البناء للمفعول فى بعض الكتب {الَّذِى كَفَرَ} نمروذ المحاج، وذلك بعد كسر إبراهيم عليه السلام الأصنام وحبسه على كسرها، وقيل الإلقاء فى النار لا بعده كما زعم بعض، ولما أعجزه بالحجة تجبر بالإلقاء فيها كفرعون لما أعجزه موسى عليه السلام تجبر بالقتال {وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّٰلِمِينَ} لأنفسهم وغيرهم بامتناعهم عن النظر الصحيح، نمروذ وغيره، لا يهديهم إلى طريق الجنة يوم القيامة، أو لا يوفقهم بعد أن يبين لهم الحجج الموصلة إلى مناهج الحق، والنجاة من النار، والفوز بالجنة، والصحيح أنه لا يجوز للمحقق أن يترك حجة مخاصمة بلا إبطال، لئلا يتوهم المجادل المعاند أنه على الحق فيها، أو يتوهم السامع ذلك، وإنما فعل إبراهيم ذلك، لأن نمروذ والحاضرين عالمون يبطلان إحياء نمروذ وقتله لمن يشاء، وعالمون بأن ترك أحد بلا قتل ليس إحياء إلا مجازاً، أو عالمون بأن الكلام فى إحياء من مات، وإماتة حى، وقيل: يجوز تركها بلا إبطال لها بحجة إذا انتقل إلى أقوى، ولا يخفى على نمروذ والحاضرين أن العجز على الإيتاء بالشمس من المغرب فتطلع منه إلى المشرق أقوى إبطالا.
الالوسي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَاجَّ إِبْرٰهِـْمَ فِى رِبّهِ} بيان لتسديد المؤمنين إذ كان وليهم وخذلان غيرهم ولذا لم يعطف، واهتم ببيانه لأن منكري ولايته تعالى للمؤمنين كثيرون، وقيل: استشهاد على ما ذكر من أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت وتقرير لهم كما أن ما بعده استشهاد على ولايته تعالى للمؤمنين وتقرير لها، وبدأ به لرعاية الاقتران بينه وبين مدلوله ولاستقلاله بأمر عجيب حقيق بأن يصدر به المقال وهو اجتراؤه على المحاجة في الله عز وجل، وما أتى به في أثنائها من العظيمة المنادية بكمال حماقته، ولأن فيما بعده تعداداً وتفصيلاً يورث تقديمه انتشار النظم على أنه قد أشير في تضاعيفه إلى هدايته تعالى أيضاً بواسطة إبراهيم عليه الصلاة والسلام فإنّ ما يحكى عنه من الدعوة إلى الحق وادحاض حجة الكافرين من آثار ولايته تعالى ولا يخفى ما فيه. وهمزة الاستفهام لإنكار النفي وتقرير المنفي، والجمهور على أن في الكلام معنى التعجب أي ـ ألم تنظر، أو ألم ينته علمك ـ إلى قصة هذا الكافر الذي لست بوليّ له كيف تصدى لمحاجة من تكفلت بنصرته وأخبرت بأني ولي له ولمن كان من شيعته أي قد تحققت رؤية هذه القصة العجيبة وتقررت بناءاً على أن الأمر من الظهور بحيث لا يكاد يخفى على أحد ممن له حظ من الخطاب فلتكن في الغاية القصوى من تحقق ما ذكرته لك من ولايتي للمؤمنين وعدمها للكافرين ولتطب نفسك أيها الحبيب وأبشر بالنصر فقد نصرت الخليل، وأين مقام الخليل من الحبيب، وخذلت رأس الطاغين فكيف بالأذناب الأرذلين والمراد بالموصول نمروذ بن كنعان بن سنجاريب ـ وهو أول من تجبر وادعى الربوبية، كما قاله مجاهد وغيره ـ وإنما أطلق على ما وقع لفظ المحاجة وإن كانت مجادلة بالباطل لإيرادها موردها، واختلف في وقتها فقيل: عند كسر الأصنام وقبل إلقائه في النار ـ وهو المروي عن مقاتل ـ وقيل: بعد إلقائه في النار وجعلها عليه برداً وسلاماً ـ وهو المروي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه ـ وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام تشريف له وإيذان/ من أول الأمر بتأييد وليه له في المحاجة فإن التربية نوع من الولاية. {أنْ ءآتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} أي لأن آتاه الله تعالى ذلك فالكلام على حذف اللام وهو مطرد في ـ أن، وإن ـ وليس هناك مفعولاً لأجله منصوب لعدم اتحاد الفاعل، والتعليل فيه على وجهين: إما أن إيتاء الملك حمله على ذلك لأنه أورثه الكبر والبطر فنشأت المحاجة عنهما، وإما أنه من باب العكس في الكلام بمعنى أنه وضع المحاجة موضع الشكر إذ كان من حقه أن يشكر على ذلك فعلى الأول: العلة تحقيقية، وعلى الثاني: تهكمية ـ كما تقول: عاداني فلان لأني أحسنت إليه ـ وجوز أن يكون {ءآتَـٰهُ} الخ واقعاً موقع الظرف بدون تقدير أو بتقدير مضاف أي حاج وقت أن آتاه الله وأورد عليه أن المحاجة لم تقع وقت إيتاء الملك بل الإيتاء سابق عليها، وبأن النحاة نصوا على أنه لا يقوم مقام الظرف الزماني إلا المصدر الصريح بلفظه ـ كجئت خفوق النجم، وصياح الديك ـ ولا يجوز إن خفق وإن صاح. وأجيب باعتبار الوقت ممتداً، وبأن النص معارض بأنهم نصوا على أن (ما) المصدرية تنوب عن الزمان وليست بمصدر صريح، والذي جوز ذلك ابن جني والصفار في «شرح الكتاب»، والحق أن التعليل لما أمكن ـ وهو متفق عليه ـ خال عما يقال لا ينبغي أن يعدل عنه لا سيما وتقدير المضاف مع القول بالامتداد والتزام ـ قول ابن جني والصفار مع مخالفته لكلام الجمهور ـ في غاية من التعسف. والآية حجة على من منع إيتاء الله الملك لكافر وحملها على إيتاء الله تعالى ما غلب به وتسلط من المال والخدام والأتباع، أو على أن الله تعالى ملكه امتحاناً لعباده كما فعل المانع القائل بوجوب رعاية الأصلح ـ ليس بشيء إذ من له مسكة من الإنصاف يعلم أنه لا معنى لإيتاء الملك والتسليط إلا إيتاء الأسباب ولو سلم ففي إيتاء الأسباب يتوجه السؤال ولو سلم فما من قبيح إلا ويمكن أن يعتبر فيه غرض صحيح كالامتحان، ولقوة هذا الاعتراض التزم بعضهم جعل ضمير {آتَـٰهُ } لإبراهيم عليه السلام لأنه تعالى قال: {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} تفسير : [البقرة: 124] وقال سبحانه: {أية : فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إِبْرٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءاتَيْنَـٰهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً}تفسير : [النساء: 54] وهو المحكي عن أبـي قاسم البلخي ـ ولا يخفى أنه خلاف المنساق إلى الذهن ـ وخلاف التفسير المأثور عن السلف الصالح، والواقع مع هذا يكذبه إذ ليس لإبراهيم عليه السلام إذ ذاك ملك ولا تصرف ولا نفوذ أمر. وذهب بعض الإمامية إلى أن الملك الذي لا يؤتيه الله للكافر هو ما كان بتمليك الأمر والنهي، وإيجاب الطاعة على الخلق، وأما ما كان بالغلبة وسعة المال ونفوذ الكلمة قهراً كملك نمروذ فهو مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان أو تكون فيه كلمتان، والقول بأن هذا المارد أعطى الملك بالاعتبار الأول خارج عن الإنصاف بل الذي أوتي ذلك في الحقيقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلا أنه قد عورض في ملكه وغولب على ما منّ الله تعالى به عليه إلى أن قضى الله تعالى ما قضى ومضى من مضى وللباطل جولة ثم يزول، وهو كلام أقرب ما يكون إلى الصواب لكني أشم منه ريح الضلال، ويلوح لي أنه تعريض بالأصحاب ـ والله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ـ وفي العدول عن الإضمار إلى الإظهار في هذا المقام ما لا يخفى. {إِذْ قَالَ إِبْرٰهِـْمُ} ظرف لحاج، وجوّز أن يكون بدلاً من (آتاه) بناءاً على القول الذي علمت، واعترضه أبو حيان بأن الظرفين مختلفان إذ وقت إيتائه الملك ليس وقت إبراهيم عليه السلام {رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ } فإنه على ما روي قاله بعد أن سجن لكسره الأصنام وإثر قول نمروذ له ـ وقد كان أوتي قبل الملك: مَن ربك الذي تدعو إليه؟ وأجاب السفاقسي بالتجوز في {آتَـٰهُ} وعدم إرادة ابتداء الإتيان منه بل زمان الملك وهو ممتد يسع قولين بل أقوالاً، واعترض أبو البقاء أيضاً بأن المصدر غير الظرف فلو كان/ بدلاً لكان غلطاً إلا أن يجعل (إذ) بمعنى أن المصدرية، وقد جاء ذلك، وقال الحلبـي: ـ وهذا بناءاً ـ منه على أن إنّ مفعول من أجله وليست واقعة موقع الظرف أما إذا كانت واقعة موقعه فلا يكون بدل ـ غلط بل بدل كل من كل، وفيه ما تقدم من الكلام، وقيل: يجوز أن يكون بدلاً من {آتَـٰهُ} بدل اشتمال، واستشكل بعضهم على جميع ذلك موقع قوله تعالى: {قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ} إلا أن يجعل استئنافاً جواب سؤال، وجعله بمنزلة المرئي يأبـى ذلك، ومن هنا قيل: إن الظرف متعلق بقوله سبحانه: {قَالَ أَنَا} الخ، ويقدر السؤال قبل {إذْ قَالَ} كأنه قيل: كيف حاج إبراهيم؟ فأجيب بما أجيب، ولا يخفى أن الإباء هو الإباء، فالأولى القول من أول الأمر بأن هذا القول بيان لقوله سبحانه: {حَاجَّ}، و {رَبّيَ} بفتح الياء، وقرىء بحذفها، وأراد عليه السلام ـ بيحي ويميت ـ يخلق الحياة والموت في الأجساد، وأراد اللعين غير ذلك فقد روي عنه أنه أتي برجلين فقتل أحدهما وترك الآخر وقال ما قال، ولما كان هذا بمعزل عن المقصود وكان بطلانه من الجلاء والظهور بحيث لا يخفى على أحد والتعرض لإبطال مثل ذلك من قبيل السعي في تحصيل الحاصل أعرض الخليل عليه الصلاة والسلام عن إبطاله وأتى بدليل آخر أظهر من الشمس. {قَالَ إِبْرٰهِـْمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ} وفيه دليل على جواز انتقال المجادل من حجة إلى أخرى أوضح منها، وهي مسألة متنازع فيها، وحمل ذلك على هذا أحد طريقين مشهورين في الآية، وثانيهما أن الإنتقال إنما هو في المثال كأنه قال: ربـي الذي يوجد الممكنات ويعدمها وأتى بالإحياء والإماتة مثالاً فلما اعترض جاء بمثال أجلى دفعاً للمشاغبة، قال الإمام: ((والإشكال عليهما من وجوه: الأول: أن صاحب الشبهة إذا ذكر الشبهة ووقعت تلك الشبهة في الأسماع وجب على المحق القادر على ذكر الجواب، أن يذكر الجواب في الحال إزالة للتلبيس والجهل عن العقول، فلما طعن المارد في الدليل [الأول] أو في المثال الأوّل بتلك الشبهة كان الاشتغال بإزالتها واجباً مضيقاً فكيف يليق بالمعصوم تركه والانتقال إلى شيء آخر؟ والثاني: أنه لما أورد المبطل ذلك السؤال كان ترك المحق الكلام عليه والتنبيه على ضعفه مما يوجب سقوط وقع الرسول وحقارة شأنه وأنه غير جائز. والثالث: أنه وإن كان [يحسن] الانتقال من دليل إلى آخر أو من مثال إلى غيره لكنه يجب أن يكون المنتقل إليه أوضح وأقرب وهٰهنا ليس [الأمر] كذلك لأن جنس الحياة لا قدرة للخلق عليه، وأما جنس تحريك الأجسام فللخلق قدرة عليه فلا يبعد [في العقل] وجود ملك عظيم الجثة يكون محركاً للسماوات فعلى هذا [التقدير] الاستدلال بالإماتة والإحياء أظهر وأقوى من الاستدلال بطلوع الشمس فكيف يليق بالنبي المعصوم أن ينتقل من الدليل الأوضح إلى الدليل الخفي؟ والرابع: أن المارد لما لم يستح من معارضة الإحياء والإماتة الصادرين من الله تعالى بالقتل والتخلية فكيف يؤمن منه عند الانتقال إلى طلوع الشمس أن يقول بل طلوع الشمس من المشرق مني فإن كان لك إله فقل له حتى يطلعها من المغرب وعند ذلك التزم المحققون أنه لو أورد هذا السؤال لكان [من] الواجب أن يطلعها من المغرب، ومن المعلوم أن الاشتغال بإظهار فساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثير من التزام هذا الاطلاع، وأيضاً فبتقدير أن يحصل طلوع الشمس من المغرب يكون الدليل على وجود الصانع هو هذا الطلوع لا الطلوع الأول، وحينئذ يصير ذلك ضائعاً كما صار الأول كذلك، وأيضاً فما الذي حمل الخليل عليه السلام على ترك الجواب عن السؤال الركيك وتمسك بدليل لا يمكن تمشيته إلا بالتزام اطلاع الشمس من المغرب وبتقدير ذلك يضيع الدليل الثاني كما ضاع/ الأوّل، ومن المعلوم أن التزام هذه المحذورات لا تليق بأقل الناس علماً فضلاً عن أفضل العلماء وأعلم الفضلاء. فالحق أن هذا ليس دليلاً آخر ولا مثالاً بل هو من تتمة الدليل الأول، وذلك أنه لما احتج إبراهيم عليه السلام بالإماتة والاحياء أورد الخصم عليه سؤالا وهو أنك إن ادعيت الإحياء والإماتة بلا واسطة فذلك لا تجد إلى إثباته سبيلاً وإن ادعيت حصولهما بواسطة حركات الأفلاك فنظيره أو ما يقرب منه حاصل للبشر فأجاب الخليل عليه السلام بأن الإحياء والإماتة وإن حصلا بواسطة حركات الأفلاك لكن تلك الحركات حصلت من الله تعالى وذلك لا يقدح في كون الإحياء والإماتة منه بخلاف الخلق فإنهم لا قدرة لهم على تحريك الأفلاك فلا جرم لا يكون الإحياء والإماتة صادرين منهم، ومتى حملت الآية على هذا الوجه لم يلزم شيء من المحذورات عليه)) انتهى. ولا يخفي ما فيه. أما أولاً: فلأن الشبهة إذا كانت في غاية السقوط ونهاية البطلان بحيث لا يكاد يخفى حالها ولا يغر أحداً من الناس الها لم يمتنع الإعراض عنها إلى ما هو بعيد عن التمويه دفعاً للشغب وتحصيلاً لما هو المقصود من غير كثير تعب، ولا يوجب ذلك سقوط وقع ولا حقارة شأن وأي تلبيس يحصل من هذه الشبهة للعقول حتى يكون الاشتغال بإزالتها واجباً مضيقاً فيخل تركه بالمعصوم على أنه روي أنه ما انتقل حتى بين للمارد فساد قوله حيث قال له: إنك أحييت الحي ولم تحي الميت، وعن الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال له: أحي من قتلته إن كنت صادقاً لكن لم يقص الله تعالى ذلك الإلزام علينا في الكتاب اكتفاءاً بظهور الفساد جداً، وأما ثانياً: فلأنه من الواضح أن المنتقل إليه أوضح في المقصود من المنتقل عنه ويكاد القول بعكسه يكون مكابرة، وما ذكره في معرض الاستدلال لا يخفى ما فيه، وأما ثالثاً: فلأن ما ذكره رابعاً يرد أيضاً على الوجه الذي اختاره إذ لا يؤمن المارد من أن يقول لو كانت حركات الأفلاك من ربك فقل له حتى يطلعها من المغرب ـ فما هو الجواب هنا هو الجواب ـ وقد أجابوا عن عدم قول اللعين ذلك بأن المحاجة كانت بعد خلاصه من النار فعلم أن من قدر على ذلك قدر على الإتيان بالشمس من مغربها فسكت، أو بأن الله تعالى أنساه ذلك نصرة لنبيه عليه السلام ـ وهو ضعيف ـ بل الجواب أنه عليه السلام استدل بأنه لا بد للحركة المخصوصة والمتحرك بها من محرك لأن حاجة المتحرك في الحركة إلى المحرك بديهية، وبديهي أنه ليس بنمروذ فقال: هو ذا ربـي فإن ادعيت أنك الذي تفعل فأت بها من المغرب وهذا لا يتوجه عليه السؤال بوجه إذ لو ادعى أن الحركة بنفسها ـ مع أنها مسبوقة بالغير ولو بآحاد الحركات ـ كان منع البديهي ولو ادعى أنه الفاعل مع ظهور استحالته ألزم بالتغيير عن تلك الحالة فلا بد من الاعتراف بفاعل يأتي بها من المشرق، والمدعي أن ذلك الفاعل هو الرب، وأما رابعاً: فلأن ما اختاره لا تدل عليه الآية الكريمة بوجه، وليس في كلام الكافر سوى دعواه الإحياء والإماتة ولم يستشعر منها بحث توسط حركات الأفلاك ولم يوقف له على أثر ليجاب بأن تلك الحركات أيضاً من الله تعالى فلا يقدح توسطها في كون الإحياء والإماتة منه تعالى شأنه ـ ولا أظنك في مرية من هذا ـ ولعل الأظهر ما ذهب إليه الإمام ما ذكره بعض المحققين من أن المارد لما كان مجوزاً لتعدد الآلهة لم يكن مدعياً أنه إله العالم ولو ادعاه لجنن على نحو من مذهب الصابئة أن الله تعالى فوض إلى الكواكب التدبير والأفعال من الإيجاد وغيره منسوبة إليهن، فجوز أن يكون في الأرض أيضاً من يفوض إليه إما قولاً بالحلول أو لاكتساء خواص فلكية أو غير ذلك أراد إبراهيم عليه السلام أن ينبه على قصوره عن هذه الرتبة وفساد رأيه من جهة علمه الضروري بأنه مولود أحدث بعد أن لم يكن/ وأن من لا وجود له في نفسه لا يمكنه الإيجاد الذي هو إفاضة الوجود البتة ضرورة احتياجه إلى الموجد ابتداءاً ودواماً وهذا كاف في إبطال دعوى اللعين فلم يعمم الدعوى في تفرده تعالى بالإلهية على أنه لوّح إليه من حيث أنّه لا فرق بين الإيجاد والإعدام نوعين هما الإحياء والإماتة والقادر على إيجاد كل ممكن وإعدامه يلزمه أن يكون خارجاً عن الممكنات واحداً من كل الوجوه لأن التعدد يوجب الإمكان والافتقار كما برهن عليه في محله، فعارضه اللعين بما أوهم أنه يجوز أن يكون الممكن لاستغنائه عن الفاعل في البقاء ـ كما عند بعض القاصرين من المتكلمين ـ مفوضاً إليه بعد إيجاده ما يستقل بإيجاد الغير وتدبير الغير، وهذا قد خفي على الأذكياء فضلاً عن الأغبياء، وقال: ـ أنا أحي وأميت وأبدي ـ فعليه مشيراً إلى أن للدوام حكم الابتداء في طرف الإحياء وهو في ذلك مناقض نفسه من حيث لا يشعر إذ لو كان كذلك لم يكن التدبير مفوضاً إلى غير الباري ولم يكن مستغنياً عن الموجد طرفة عين وإلا فليس العفو إحياءاً إن سلم أن القتل إماتة فألزمه الخليل عليه السلام بأن القادر لا يفترق بالنسبة إليه الدوام والابتداء ـ فإن الله تعالى يأتي بالشمس من المشرق فأت بها أنت من المغرب ـ منبهاً على المناقضة المذكورة مصرحاً بأنه غالط في إسناد الفعل دواماً إلى غير ما أسند إليه ابتداءاً مظهراً لدى السامعين ما كان عسى أن يغبـى على البعض فهذا كلام وارد على الخطابة، والبرهان يتلقاه المواجه به طوعاً أو كرهاً بالإذعان ليس فيه مجال للاعتراض سليم عن العراض، وعليه يكون المجموع دليلاً واحداً وليس من الانتفال إلى دليل آخر لما فيه من القيل والقال، ولا من العدول إلى مثال أوضح حتى يقال كأنه قيل: ربـي الذي يوجد الممكنات وأتى بالإحياء والإماتة مثالاً، فلما اعترض جاء بآخر أجلى دفعاً للمشاغبة لأنه مع أن فيه ما في الأول يرد عليه أن الكلام لم يسق هذا المساق ـ كما لا يخفى ـ هذا والله تعالى أعلم بحقائق كتابه المجيد فتدبر. وإنما أتى في الجملة الثانية بالاسم الكريم ولم يؤت بعنوان الربوبية كما أتى بها في الجملة الأولى بأن يقال: إن ربـي ليكون في مقابلة أنا في ذلك القول مع ما فيه من الدلالة على ربوبيته تعالى له عليه السلام ولذلك المارد عليه اللعنة ففيه ترق عما في تلك الجملة كالترقي من الأرض إلى السماء وهو في هذا المقام حسن حسن التأكيد بأن والأمر للتعجيز والفاء الأولى للإيذان بتعلق ما بعدها بما قبلها، والمعنى إذا ادعيت الإحياء والإماتة لله تعالى وأخطأت أنت في الفهم أو غالطت فمريح البال ومزيح الالتباس والإشكال (إن الله يأتي بالشمس) الخ. والباء للتعدية و (من) في الموضعين لابتداء الغاية متعلقة بما تقدمها من الفعل، وقيل: متعلقة بمحذوف وقع حالا أي مسخرة أو منقادة. {فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ} أي غلب وصار مبهوتاً منقطعاً عن الكلام متحيراً لاستيلاء الحجة عليه، وقرىء (بهت) بفتح الباء وضم الهاء ـ وبهت ـ بفتح الأولى وكسر الثانية وهما لغتان والفعل فيهما لازم ـ وبهت ـ بفتحهما فيجوز أن يكون لازماً أيضاً، و (الذي) فاعله وأن يكون متعدياً وفاعله ضمير (إبراهيم)، و (الذي) مفعوله ـ أي فغلب إبراهيم عليه السلام الكافر وأسكته ـ وإيراد الكفر في حيز الصلة للإشعار بعلة الحكم، قال إلكيا: وفي الآية دليل على جواز المحاجة في الدين وإن كانت محاجة هذا الكافر كفراً {وَٱللَّهُ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي إلى مناهج الحق كما هدى أولياءه، وقيل: لا يهديهم إلى طريق الجنة يوم القيامة.
سيد قطب
تفسير : هذه الآيات الثلاث تتناول موضوعاً واحداً في جملته: سر الحياة والموت، وحقيقة الحياة والموت. وهي بهذا تؤلف جانبا من جوانب التصور الإسلامي؛ يضاف إلى القواعد التي قررتها الآيات السابقة منذ مطلع هذا الجزء؛ وتتصل اتصالاً مباشراً بآية الكرسي وما قررته من صفات الله تعالى.. وهي جميعاً تمثل جانباً من جوانب الجهد الطويل المتجلي في القرآن الكريم لإنشاء التصور الصحيح لحقائق هذا الوجود في ضمير المسلم وفي إدراكه. الأمر الذي لا بد منه للإقبال على الحياة بعد ذلك إقبالاً بصيراً، منبثقاً من الرؤية الصحيحة الواضحة، وقائماً على اليقين الثابت المطمئن. فنظام الحياة ومنهج السلوك وقواعد الأخلاق والآداب.. ليست بمعزل عن التصور الاعتقادي؛ بل هي قائمة عليه، مستمدة منه. وما يمكن أن تثبت وتستقيم ويكون لها ميزان مستقر إلا أن ترتبط بالعقيدة، وبالتصور الشامل لحقيقة هذا الوجود وارتباطاته بخالقه الذي وهبه الوجود.. ومن ثم هذا التركيز القوي على إيضاح قواعد التصور الاعتقادي الذي استغرق القرآن المكي كله؛ وما يزال يطالع الناس في القرآن المدني بمناسبة كل تشريع وكل توجيه في شؤون الحياة جميعاً. والآية الأولى تحكي حواراً بين إبراهيم - عليه السلام - وملك في أيامه يجادله في الله. لا يذكر السياق اسمه، لأن ذكر اسمه لا يزيد من العبرة التي تمثلها الآية شيئاً. وهذا الحوار يعرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى الجماعة المسلمة في أسلوب التعجيب من هذا المجادل، الذي حاج إبراهيم في ربه؛ وكأنما مشهد الحوار يعاد عرضه من ثنايا التعبير القرآني العجيب: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك؟ إذ قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت. قال: أنا أحيي وأميت! قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب. فبهت الذي كفر. والله لا يهدي القوم الظالمين}.. إن هذا الملك الذي حاج إبراهيم في ربه لم يكن منكراً لوجود الله أصلاً إنما كان منكراً لوحدانيته في الألوهية والربوبية ولتصريفه للكون وتدبيره لما يجري فيه وحده، كما كان بعض المنحرفين في الجاهلية يعترفون بوجود الله ولكنهم يجعلون له انداداً ينسبون إليها فاعلية وعملاً في حياتهم! وكذلك كان منكراً أن الحاكمية لله وحده، فلا حكم إلا حكمه في شؤون الأرض وشريعة المجتمع. إن هذا الملك المنكر المتعنت إنما ينكر ويتعنت للسبب الذي كان ينبغي من أجله أن يؤمن ويشكر. هذا السبب هو {أن آتاه الله الملك}.. وجعل في يده السلطان! لقد كان ينبغي أن يشكر ويعترف، لولا أن الملك يُطغي ويبطر من لا يقدرون نعمة الله، ولا يدركون مصدر الإنعام. ومن ثم يضعون الكفر في موضع الشكر؛ ويضلون بالسبب الذي كان ينبغي أن يكونوا به مهتدين! فهم حاكمون لأن الله حكمهم، وهو لم يخولهم استعباد الناس بقسرهم على شرائع من عندهم. فهم كالناس عبيد لله، يتلقون مثلهم الشريعة من الله، ولا يستقلون دونه بحكم ولا تشريع فهم خلفاء لا أصلاء! ومن ثم يعجب الله من أمره وهو يعرضه على نبيه: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك؟}.. ألم تر؟ إنه تعبير التشنيع والتفظيع؛ وإن الإنكار والاستنكار لينطلقان من بنائه اللفظي وبنائه المعنوي سواء. فالفعلة منكرة حقاً: أن يأتي الحجاج والجدال بسبب النعمة والعطاء! وأن يدعي عبد لنفسه ما هو من اختصاص الرب، وأن يستقل حاكم بحكم الناس بهواه دون أن يستمد قانونه من الله. {قال إبراهيم: ربي الذي يحي ويميت}.. والإحياء والإماتة هما الظاهرتان المكرورتان في كل لحظة، المعروضتان لحس الإنسان وعقله. وهما - في الوقت نفسه - السر الذي يحير، والذي يلجيء الإدراك البشري الجاء إلى مصدر آخر غير بشري. وإلى أمر آخر غير أمر المخاليق. ولا بد من الالتجاء إلى الألوهية القادرة على الإنشاء والإفناء لحل هذا اللغز الذي يعجز عنه كل الأحياء. إننا لا نعرف شيئاً عن حقيقة الحياة وحقيقة الموت حتى اللحظة الحاضرة. ولكننا ندرك مظاهرهما في الأحياء والأموات. ونحن ملزمون أن نكل مصدر الحياة والموت إلى قوة ليست من جنس القوى التي نعرفها على الإطلاق.. قوة الله.. ومن ثم عرّف إبراهيم - عليه السلام - ربه بالصفة التي لا يمكن أن يشاركه فيها أحد، ولا يمكن أن يزعمها أحد، وقال وهذا الملك يسأله عمن يدين له بالربوبية ويراه مصدر الحكم والتشريع غيره.. قال: {ربي الذي يحيى ويميت} فهو من ثم الذي يحكم ويشرع. وما كان إبراهيم - عليه السلام - وهو رسول موهوب تلك الموهبة اللدنية التي أشرنا إليها في مطلع هذا الجزء - ليعني من الأحياء والإماتة إلا إنشاء هاتين الحقيقتين إنشاء. فذلك عمل الرب المتفرد الذي لا يشاركه فيه أحد من خلقه. ولكن الذي حاج إبراهيم في ربه رأى في كونه حاكماً لقومه وقادراً على إنفاذ أمره فيهم بالحياة والموت مظهراً من مظاهر الربوبية. فقال لإبراهيم: أنا سيد هؤلاء القوم وأنا المتصرف في شأنهم، فأنا إذن الرب الذي يجب عليك أن تخضع له، وتسلم بحاكميته: {قال: أنا أحيي وأميت}! عند ذلك لم يرد إبراهيم - عليه السلام - أن يسترسل في جدل حول معنى الإحياء والإماتة مع رجل يماري ويداور في تلك الحقيقة الهائلة. حقيقة منح الحياة وسلبها. هذا السر الذي لم تدرك منه البشرية حتى اليوم شيئاً.. وعندئذ عدل عن هذه السنة الكونية الخفية، إلى سنة أخرى ظاهرة مرئية؛ وعدل عن طريقة العرض المجرد للسنة الكونية والصفة الإلهية في قوله: {ربي الذي يحيي ويميت}.. إلى طريقة التحدي، وطلب تغيير سنة الله لمن ينكر ويتعنت ويجادل في الله؛ ليريه أن الرب ليس حاكم قوم في ركن من الأرض، إنما هو مصرف هذا الكون كله. ومن ربوبيته هذه للكون يتعين أن يكون هو رب الناس المشرع لهم: {قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب}.. وهي حقيقة كونية مكرورة كذلك؛ تطالع الأنظار والمدارك كل يوم؛ ولا تتخلف مرة ولا تتأخر. وهي شاهد يخاطب الفطرة - حتى ولو لم يعرف الإنسان شيئاً عن تركيب هذا الكون، ولم يتعلم شيئاً من حقائق الفلك ونظرياته - والرسالات تخاطب فطرة الكائن البشري في أية مرحلة من مراحل نموه العقلي والثقافي والاجتماعي، لتأخذ بيده من الموضع الذي هو فيه. ومن ثم كان هذا التحدي الذي يخاطب الفطرة كما يتحدث بلسان الواقع الذي لا يقبل الجدل: {فبهت الذي كفر}.. فالتحدي قائم، والأمر ظاهر، ولا سبيل إلى سوء الفهم، أو الجدال والمراء.. وكان التسليم أولى والإيمان أجدر. ولكن الكبر عن الرجوع إلى الحق يمسك بالذي كفر، فيبهت ويبلس ويتحير. ولا يهديه الله إلى الحق لأنه لم يتلمس الهداية، ولم يرغب في الحق؛ ولم يلتزم القصد والعدل: {والله لا يهدي القوم الظالمين}.. ويمضي هذا الجدل الذي عرضه الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - وعلى الجماعة المسلمة. مثلاً للضلال والعناد؛ وتجربة يتزود بها أصحاب الدعوة الجدد في مواجهة المنكرين؛ وفي ترويض النفوس على تعنت المنكرين! كذلك يمضي بتقرير تلك الحقائق التي تؤلف قاعدة التصور الإيماني الناصع: {ربي الذي يحيي ويميت}.. {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب!}.. حقيقة في الأنفس وحقيقة في الآفاق. حقيقتان كونيتان هائلتان؛ وهما - مع ذلك - مكرورتان معروضتان للبصائر والأبصار آناء الليل وأطراف النهار. لا تحتاجان إلى علم غزير، ولا إلى تفكير طويل. فالله أرحم بعباده أن يكلهم في مسألة الإيمان به والاهتداء إليه، إلى العلم الذي قد يتأخر وقد يتعثر، وإلى التفكير الذي قد لا يتهيأ للبدائيين. إنما يكلهم في هذا الأمر الحيوي الذي لا تستغني عنه فطرتهم، ولا تستقيم بدونه حياتهم، ولا ينتظم مع فقدانه مجتمعهم.. ولا يعرف الناس بدونه من أين يتلقون شريعتهم وقيمهم وآدابهم.. يكلهم في هذا الأمر إلى مجرد التقاء الفطرة بالحقائق الكونية المعروضة على الجميع، والتي تفرض نفسها فرضاً على الفطرة، فلا يحيد الإنسان عن إيحائها الملجيء إلا بعسر ومشقة ومحاولة ومحال وتعنت وعناد! والشأن في مسألة الاعتقاد هو الشأن في كل أمر حيوي تتوقف عليه حياة الكائن البشري. فالكائن الحي يبحث عن الطعام والشراب والهواء - كما يبحث عن التناسل والتكاثر - بحثاً فطرياً ولا يترك الأمر في هذه الحيويات حتى يكمل التفكير وينضج، أو حتى ينمو العلم ويغزر.. وإلا تعرضت حياة الكائن الحي إلى الدمار والبوار.. والإيمان حيوي للإنسان حيوية الطعام والشراب والهواء سواء بسواء. ومن ثم يكله الله فيه إلى تلاقي الفطرة بآياته المبثوثة في صفحات الكون كله في الأنفس والآفاق. وفي سياق الحديث عن سر الموت والحياة تجيء القصة الأخرى: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام، ثم بعثه. قال: كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً أو بعض يوم! قال: بل لبثت مائة عام. فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه؛ وانظر إلى حمارك - ولنجعلك آية للناس - وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً. فلما تبين له قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير}.. من هو {الذي مر على قرية}؟ ما هذه القرية التي مر عليها وهي خاوية على عروشها؟ إن القرآن لم يفصح عنهما شيئاً، ولو شاء الله لأفصح، ولو كانت حكمة النص لا تتحقق إلا بهذا الإفصاح ما أهمله في القرآن. فلنقف نحن - على طريقتنا في هذه الظلال - عند تلك الظلال. إن المشهد ليرتسم للحس قوياً واضحاً موحياً. مشهد الموت والبلى والخواء.. يرتسم بالوصف: {وهي خاوية على عروشها}.. محطمة على قواعدها. ويرتسم من خلال مشاعر الرجل الذي مر على القرية. هذه المشاعر التي ينضح بها تعبيره: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟}.. إن القائل ليعرف أن الله هناك. ولكن مشهد البلى والخواء ووقعه العنيف في حسه جعله يحار: كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ وهذا أقصى ما يبلغه مشهد من العنف والعمق في الإيحاء.. وهكذا يلقي التعبير القرآني ظلاله وإيحاءاته، فيرسم المشهد كأنما هو اللحظة شاخص تجاه الأبصار والمشاعر. {أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟}.. كيف تدب الحياة في هذا الموات؟ {فأماته الله مائة عام. ثم بعثه}.. لم يقل له كيف. إنما أراه في عالم الواقع كيف! فالمشاعر والتأثرات تكون أحياناً من العنف والعمق بحيث لا تعالج بالبرهان العقلي، ولا حتى بالمنطق الوجداني؛ ولا تعالج كذلك بالواقع العام الذي يراه العيان.. إنما يكون العلاج بالتجربة الشخصية الذاتية المباشرة، التي يمتلىء بها الحس، ويطمئن بها القلب، دون كلام! {قال: كم لبثت قال لبثت؟ يوماً أو بعض يوم!}.. وما يدريه كم لبث والإحساس بالزمن لا يكون إلا مع الحياة والوعي؟ على أن الحس الإنساني ليس هو المقياس الدقيق للحقيقة؛ فهو يخدع ويضل؛ فيرى الزمن الطويل المديد قصيراً لملابسة طارئة؛ كما يرى اللحظة الصغيرة دهراً طويلاً لملابسة طارئة كذلك! {قال: بل لبثت مائة عام}.. وتبعاً لطبيعة التجربة، وكونها تجربة حسية واقعية، نتصور أنه لا بد كانت هنالك آثار محسوسة تصور فعل مائة عام.. هذه الآثار المحسوسة لم تكن في طعام الرجل ولا شرابه، فلم يكونا آسنين متعفنين: {فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه}.. وإذن فلا بد أن هذه الآثار المحسوسة كانت متمثلة في شخصه أو في حماره: {وانظر إلى حمارك - ولنجعلك آية للناس - وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً}.. أية عظام؟ عظامه هو؟ لو كان الأمر كذلك - كما يقول بعض المفسرين إن عظامه هي التي تعرت من اللحم - للفت هذا نظره عندما استيقظ، ووخز حسه كذلك، ولما كانت إجابته: {لبثت يوماً أو بعض يوم}. لذلك نرجح أن الحمار هو الذي تعرت عظامه وتفسخت. ثم كانت الآية هي ضم هذه العظام بعضها إلى بعض وكسوتها باللحم وردها إلى الحياة. على مرأى من صاحبه الذي لم يمسه البلى، ولم يصب طعامه ولا شرابه التعفن. ليكون هذا التباين في المصائر والجميع في مكان واحد، معرضون لمؤثرات جوية وبيئية واحدة، آية أخرى على القدرة التي لا يعجزها شيء، والتي تتصرف مطلقة من كل قيد؛ وليدرك الرجل كيف يحيي هذه الله بعد موتها! أما كيف وقعت الخارقة؟ فكما تقع كل خارقة! كما وقعت خارقة الحياة الأولى. الخارقة التي ننسى كثيراً أنها وقعت، وأننا لا ندري كيف وقعت! ولا ندري كذلك كيف جاءت إلا أنها جاءت من عند الله بالطريق التي أرادها الله.. وهذا "دارون" أكبر علماء الحياة يظل ينزل في نظريته بالحياة درجة درجة، ويتعمق أغوارها قاعاً قاعاً، حتى يردها إلى الخلية الأولى.. ثم يقف بها هناك. إنه يجهل مصدر الحياة في هذه الخلية الأولى. ولكنه لا يريد أن يسلم بما ينبغي أن يسلم به الإدراك البشري، والذي يلح على المنطق الفطري إلحاحاً شديداً. وهو أنه لا بد من واهب وهب الحياة لهذه الخلية الأولى. لا يريد أن يسلم لأسباب ليست علمية وإنما هي تاريخية في صراعه مع الكنيسة! فإذا به يقول: "أن تفسير شؤون الحياة بوجود خالق يكون بمثابة ادخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت!".. أي وضع ميكانيكي! إن الميكانيكية هي أبعد شيء عن هذا الأمر الذي يفرض على الإدراك فرضاً أن يبحث عن مصدر لهذا السر القائم تجاه الأبصار والبصائر! وإنه - هو نفسه - ليجفل من ضغط المنطق الفطري، الذي يلجئ الإدراك البشري إلجاء إلى الاعتراف بما وراء الخلية الأولى، فيرجع كل شيء إلى "السبب الأول"! ولا يقول: ما هو هذا السبب الأول؟ ما هو هذا السبب الذي يملك إيجاد الحياة أول مرة، ثم يملك - حسب نظريته هو وهي محل نظر طويل - توجيه الخلية الأولى في طريقها الذي افترض هو أنها سارت فيه صعداً، دون أي طريق آخر غير الذي كان! إنه الهروب والمراء والمحال!!! ونعود إلى خارقة القرية لنسأل: وما الذي يفسر أن ينال البلى شيئاً ويترك شيئاً في مكان واحد وفي ظروف واحدة؟ إن خارقة خلق الحياة أول مرة أو خارقة رجعها كذلك لا تفسر هذا الاختلاف في مصائر أشياء ذات ظروف واحدة. إن الذي يفسر هذه الظاهرة هو طلاقة المشيئة.. طلاقتها من التقيد بما نحسبه نحن قانوناً كلياً لازماً ملزماً لا سبيل إلى مخالفته أو الاستثناء منه! وحسباننا هذا خطأ بالقياس إلى المشيئة المطلقة: خطأ منشؤه أننا نفرض تقديراتنا نحن ومقرراتنا العقلية أو "العلمية!" على الله سبحانه! وهو خطأ يتمثل في أخطاء كثيرة: فأولاً: ما لنا نحن نحاكم القدرة المطلقة إلى قانون نحن قائلوه؟ قانون مستمد من تجاربنا المحدودة الوسائل، ومن تفسيرنا لهذه التجارب ونحن محدودو الإدراك؟ وثانياً: فهبه قانوناً من قوانين الكون أدركناه. فمن ذا الذي قال لنا: إنه قانون نهائي كلي مطلق، وأن ليس وراءه قانون سواه؟ وثالثاً: هبه كان قانوناً نهائياً مطلقاً. فالمشيئة الطليقة تنشىء القانون ولكنها ليست مقيدة به.. إنما هو الاختيار في كل حال. وكذلك تمضي هذه التجربة، فتضاف إلى رصيد أصحاب الدعوة الجدد، وإلى رصيد التصور الإيماني الصحيح. وتقرر - إلى جانب حقيقة الموت والحياة وردهما إلى الله - حقيقة أخرى هي التي أشرنا إليها قريباً. حقيقة طلاقة المشيئة، التي يعنى القرآن عناية فائقة بتقريرها في ضمائر المؤمنين به، لتتعلق بالله مباشرة، من وراء الأسباب الظاهرة، والمقدمات المنظورة. فالله فعال لما يريد. وهكذا قال الرجل الذي مرت به التجربة: {فلما تبين له، قال أعلم أن الله على كل شيء قدير}.. ثم تجيء التجربة الثالثة. تجربة إبراهيم أقرب الأنبياء إلى أصحاب هذا القرآن: {وإذ قال إبراهيم: رب أرني كيف تحيي الموتى. قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى! ولكن ليطمئن قلبي. قال: فخذ أربعة من الطير، فصرهن إليك، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً، ثم ادعهن يأتينك سعياً، واعلم أن الله عزيز حكيم}.. إنه التشوف إلى ملابسة سر الصنعة الإلهية. وحين يجيء هذا التشوف من إبراهيم الأواه الحليم، المؤمن الراضي الخاشع العابد القريب الخليل.. حين يجيء هذا التشوف من إبراهيم فإنه يكشف عما يختلج أحياناً من الشوق والتطلع لرؤية أسرار الصنعة الإلهية في قلوب أقرب المقربين! إنه تشوف لا يتعلق بوجود الإيمان وثباته وكماله واستقراره؛ وليس طلباً للبرهان أو تقوية للإيمان.. إنما هو أمر آخر.. له مذاق آخر إنه أمر الشوق الروحي، إلى ملابسة السر الإلهي، في أثناء وقوعه العملي. ومذاق هذه التجربة في الكيان البشري مذاق آخر غير مذاق الإيمان بالغيب ولو كان هو إيمان إبراهيم الخليل، الذي يقول لربه، ويقول له ربه. وليس وراء هذا إيمان، ولا برهان للإيمان. ولكنه أراد أن يرى يد القدرة وهي تعمل؛ ليحصل على مذاق هذه الملابسة فيستروح بها، ويتنفس في جوها، ويعيش معها.. وهي أمر آخر غير الإيمان الذي ليس بعده إيمان. وقد كشفت التجربة والحوار الذي حكي فيها عن تعدد المذاقات الإيمانية في القلب الذي يتشوف إلى هذه المذاقات ويتطلع: {وإذ قال إبراهيم: رب أرني كيف تحيي الموتى. قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى! ولكن ليطمئن قلبي}.. لقد كان ينشد اطمئنان الأنس إلى رؤية يد الله تعمل؛ واطمئنان التذوق للسر المحجب وهو يجلى ويتكشف. ولقد كان الله يعلم إيمان عبده وخليله. ولكنه سؤال الكشف والبيان، والتعريف بهذا الشوق وإعلانه، والتلطف من السيد الكريم الودود الرحيم، مع عبده الأواه الحليم المنيب! ولقد استجاب الله لهذ الشوق والتطلع في قلب إبراهيم، ومنحه التجربة الذاتية المباشرة: {قال: فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك؛ ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً؛ ثم ادعهن يأتينك سعياً. واعلم أن الله عزيز حكيم}.. لقد أمره أن يختار أربعة من الطير، فيقربهن منه ويميلهن إليه، حتى يتأكد من شياتهن ومميزاتهن التي لا يخطىء معها معرفتهن. وأن يذبحهن ويمزق أجسادهن، ويفرق أجزاءهن على الجبال المحيطة. ثم يدعوهن. فتتجمع أجزاؤهن مرة أخرى، وترتد إليهن الحياة، ويعدن إليه ساعيات.. وقد كان طبعاً.. ورأى إبراهيم السر الإلهي يقع بين يديه. وهو السر الذي يقع في كل لحظة. ولا يرى الناس إلا آثاره بعد تمامه. إنه سر هبة الحياة. الحياة التي جاءت أول مرة بعد أن لم تكن؛ والتي تنشأ مرات لا حصر لها في كل حي جديد. رأى إبراهيم هذا السر يقع بين يديه.. طيور فارقتها الحياة، وتفرقت مزقها في أماكن متباعدة. تدب فيها الحياة مرة أخرى، وتعود إليه سعياً! كيف؟ هذا هو السر الذي يعلو على التكوين البشري إدراكه. إنه قد يراه كما رآه إبراهيم. وقد يصدق به كما يصدق به كل مؤمن. ولكنه لا يدرك طبيعته ولا يعرف طريقته. إنه من أمر الله. والناس لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. وهو لم يشأ أن يحيطوا بهذا الطرف من علمه، لأنه أكبر منهم، وطبيعته غير طبيعتهم. ولا حاجة لهم به في خلافتهم. إنه الشأن الخاص للخالق. الذي لا تتطاول إليه أعناق المخلوقين. فإذا تطاولت لم تجد إلا الستر المسدل على السر المحجوب. وضاعت الجهود سدى، جهود من لا يترك الغيب المحجوب لعلام الغيوب!
ابن عاشور
تفسير : جرى هذا الكلام مجرى الحجة على مضمون الجملة الماضية أو المثالِ لها؛ فإنّه لما ذكر أنّ الله يخرج الذين آمنوا من الظلمات إلى النور وأنّ الطاغوت يخرجون الذين كفروا من النور إلى الظلمات، ساق ثلاثة شواهد على ذلك هذا أولها وأجمعها لأنّه اشتمل على ضلال الكافر وهدى المؤمن، فكان هذا في قوّة المثال. والمقصود من هذا تمثيل حال المشركين في مجادلتهم النبي صلى الله عليه وسلم في البعث بحال الذي حاجّ إبراهيم في ربه، ويدل لذلك ما يرد من التخيير في التشبيه في قوله: { أية : و كالذي مر على قرية } تفسير : [البقرة: 259] الآية. وقد مَضى الكلام على تركيب ألم تر. والاستفهامُ في {ألم تر} مجازي متضمّن معنى التعجيب، وقد تقدم تفصيل معناه وأصله عند قوله تعالى: { أية : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } تفسير : [البقرة: 243]. وهذا استدلال مسوق لإثبات الوحدانية لله تعالى وإبطال إلاهية غيره لانفراده بالإحياء والإماتة، وانفراده بخلق العوالم المشهودة للناس. ومعنى {حاجّ} خاصم، وهو فعل جاء على زنة المفاعلة، ولا يعرف لحاجّ في الاستعمال فعل مجرد دال على وقوع الخصام ولا تعرف المادة التي اشتق منها. ومن العجيب أنّ الحجة في كلام العرب البرهان المصدّق للدعوى مع أنّ حاج لا يستعمل غالباً إلاّ في معنى المخاصمة؛ قال تعالى: { أية : وإذ يتحاجّون في النار } تفسير : [غافر: 47] مع قوله: { أية : إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } تفسير : [ص: 64]، وأنّ الأغلب أنّه يفيد الخصام بباطل، قال تعالى: { أية : وحاجّه قومه قال أتحاجّوني في الله وقد هدان } تفسير : [الأنعام: 80] وقال: { أية : فإن حاجّوك فقل أسلمت وجهي لله } تفسير : [آل عمران: 20] والآيات في ذلك كثيرة. فمعنى {الذي حاجّ إبراهيم} أنّه خاصمه خصاماً باطلاً في شأن صفات الله ربّ إبراهيم. والذي حَاجّ إبرهيم كافر لا محالة لقوله: {فبهت الذي كفر}، وقد قيل: إنّه نمرودُ بن فالخ بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن كوش بن حام بن نوح، فيكون أخا (رَعو) جدِّ إبراهيم. والذي يُعتمد أنّه ملك جبّار، كان ملكاً في بابل، وأنّه الذي بنى مدينة بابل، وبنى الصرح الذي في بابل، واسمه نمرُود ــــــ بالدال المهملة في آخره ــــــ ويقال بالذال المعجمة، ولم تتعرّض كتب اليهود لهذه القصة وهي في المرويات. والضمير المضاف إليه رَب عائِد إلى إبراهيم، والإضافة لتشريف المضاف إليه، ويجوز عوده إلى الذي، والإضافة لإظهار غلطه كقول ابن زيابة: شعر : نُبِّئْتُ عَمراً غارزاً رأسَه في سِنَةٍ يُوعِدُ أخوا لَه تفسير : أي ما كان من شأن المروءة أن يُظهر شراً لأهلِ رحمه. وقوله: {أن أتاه الله الملك} تعليل حذفت منه لام التعليل، وهو تعليل لما يتضمنّه حاجّ من الإقدام على هذا الغلط العظيم الذي سهّله عنده ازدهاؤه وإعجابه بنفسه، فهو تعليل محض وليس علة غَائِيَّة مقصودةً للمحاجِّ من حجاجه. وجوّز صاحب «الكشاف» أن يكون تعليلاً غائياً أي حاجّ لأجل أنّ الله آتاه الملك، فاللام استعارة تبعية لمعنى يُؤدَّى بحرف غير اللام، والداعي لهاته الاستعارة التهكّم، أي أنّه وضعَ الكفر موضع الشكر كما في أحد الوجهين في قوله تعالى: { أية : وتجعلون رزقكم أنَّكم تكذبون } تفسير : [الواقعة: 82]، أي جزاءَ رزقكم. وإيتاء الملك مجاز في التفضّل عليه بتقدير أن جعله ملكاً وخوّله ذلك، ويجيء تفصيل هذا الفعل عند قوله تعالى: { أية : وتلك حجّتنا آتيناها إبراهيم } تفسير : في سورة الأنعام (83). قيل: كان نمرود أولَ ملك في الأرض وأولَ من وضع التاج على رأسه. و {إذ قال} ظرف لحَاجّ. وقد دل هذا على أنّ إبراهيم هو الذي بدأ بالدعوة إلى التوحيد واحتجّ بحجة واضحة يدركها كل عاقل وهي أن الربّ الحق هو الذي يحيي ويميت؛ فإن كل أحد يعلم بالضرورة أنّه لا يستطيع إحياء ميت فلذلك ابتدأ إبراهيم الحجة بدلالة عجز الناس عن إحياء الأموات، وأراد بأنّ الله يحيي أنّه يخلق الأجسام الحيّة من الإنسان والحيوان وهذا معلوم بالضرورة. وفي تقديم الاستدلال بخلق الحياة إدماج لإثبات البعث لأنّ الذي حاجّ إبراهيم كان من عبدة الأصنام، وهم ينكرون البعث. وذلك موضع العِبرة من سياق الآية في القرآن على مسامع أهل الشرك، ثم أعقبه بدلالة الإماتة، فإنّه لا يستطيع تنهية حياة الحي، ففي الإحياء والإماتة دلالة على أنّهما من فعل فاعل غير البشر، فالله هو الذي يحيي ويميت. فالله هو الباقي دون غيره الذين لا حياة لهم أصلاً كالأصنام إذْ لا يُعطون الحياة غيرَهم وهم فاقدوها، ودون من لا يدفع الموت على نفسه مثل هذا الذي حاجّ إبراهيم. وجملة {قال أنا أحيي} بيان لحاجّ والتقدير حاجّ إبراهيمَ قال أنا أحيي وأميت حين قال له إبراهيم {ربي الذي يحيي ويميت}. وقد جاء بمغالطة عن جهل أو غرور في الإحياء والإماتة إذ زعم أنّه يعمد إلى من حَكَم عليه بالموت فيعفو عنه، وإلى بريء فيقتله، كذا نقلوه. ويجوز أن يكون مراده أنّ الإحياء والإماتة من فِعله هوَ لأنّ أمرهما خفي لا يقوم عليه برهان محسوس. وقرأ الجمهور ألف ضمير (أنا) بقصر الألف بحيث يكون كفتحة غير مشبعة وذلك استعمال خاص بألف (أنا) في العربية. وقرأه نافع وأبو جعفر مثلَهم إلاّ إذا وقع بعد الألفِ همزةُ قطع مضمومةٌ أو مفتوحةٌ كما هنا، وكما في قوله تعالى: { أية : وأنا أول المسلمين } تفسير : [الأنعام: 163] فيقرأه بألف ممدودة. وفي همزة القطع المكسورة روايتان لقالونَ عن نافع نحو قوله تعالى: { أية : إن أنا إلا نذير } تفسير : [الأعراف: 188] وهذه لغة فصيحة. وقوله: {قال إبراهيم} مجاوبة فقطعت عن العطف جرياً علَى طريقة حكاية المحاورات، وقد عدل إبراهيم عن الاعتراض بأنّ هذا ليس من الإحياء المحتجّ به ولا من الإماتة المحتجّ بها، فأعرض عنه لِمَا علم من مكابرة خصمه وانتقل إلى ما لا يستطيع الخصم انتحاله، ولذلك بُهت، أي عجز لم يجد معارضة. وبهت فعل مبْني للمجهول يقال بَهَتَه فبُهت بمعنى أعجزه عن الجواب فعَجز أو فَاجَأه بما لم يَعرف دفعه قال تعالى: { أية : بل تأتيهم بغتة فتبهتهم } تفسير : [الأنبياء: 40] وقال عروة العذري: شعر : فما هو إلاّ أن أراها فُجَاءَة فأُبْهَتَ حتى ما أكادُ أجيب تفسير : ومنه البهتان وهو الكذب الفظيع الذي يُبهت سامعَه. وقوله: {والله لا يهدي القوم الظالمين} تذييل هو حوصلة الحجة على قوله {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور}، وإنّما انتفى هدي الله القوم الظالمين لأنّ الظلم حائل بين صاحبه وبين التنازل إلى التأمّل من الحجج وإعمال النظر فيما فيه النفع؛ إذ الذهن في شاغل عن ذلك بزهوه وغروره. والآية دليل على جواز المجادلة والمناظرة في إثبات العقائد، والقرآن مملوء بذلك، وأما ما نهي عنه من الجدل فهو جدال المكابرة والتعصّب وترويج الباطل والخطإ.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ألم تر: ألم ينته إلى علمك يا رسولنا، والإستفهام يفيد التعجب من الطاغية المحاج لإِبراهيم. حاج: جادل ومارى وخاصم. في ربّه: في شأن ربه من وجوده تعالى وربوبيته وألوهيته للخلق كلهم. آتاه الله الملك: أعطاه الحكم والسيادة على أهل بلاده وديار قومه. إبراهيم: هو أبو الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام. وكان هذا الحِجاج قبل هجرة إبراهيم إلى أرض الشام. فبّهِتَ الذي كفر: انقطع عن الحجَّة متحِّيراً مدهوشاً ذاك الطاغية الكافر وهو النمرود البابلي. معنى الآية الكريمة: لما ذكر الله تعالى ولايته لأوليائه وأنه مؤيدهم وناصرهم ومخرجهم من الظلمات إلى النور ذكر مثالاً لذلك وهو محاجة النمرود لإِبراهيم عليه السلام فقال تعالى مخاطباً رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أي ألم ينته إلى علمك حجاج ذاك الطاغية الذي بطرته نعمة الملك الذي آتيناه امتحاناً له فكفر وادعى الربوبية وحاج خليلنا فبينا إنه لأمر عجب. إذ قال له إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت، وأنت لا تحيي ولا تميت فقال أنا أحيي وأميت، فرد عليه إبراهيم حجته قائلاً: ربي يأتي بالشمس من المشرق فأت بها أنت من المغرب فاندهش وتحير وانقطع وأيد الله وليه إبراهيم فانتصر، فهذا مثال لإِخراج الله تعالى أوليائه من ظلمة الجهل إلى نور العلم. هداية الآية من هداية الآية: 1- النعم تبطر صاحبها إذا حرم ولاية الله تعالى. 2- نصرة الله لأوليائه وإلهامهم الحجة لخصم أعدائهم. 3- إذا ظلم العبد ووالى الظلم حتى أصبح وصفاً له يحرم هداية الله تعالى فلا يهتدي أبداً. 4- جواز المجادلة والمناظرة في إثبات العقيدة الصحيحة السليمة.
القطان
تفسير : حاج: جادل. بهت: انقطع وسكت متحيرا. ألم ينته الى علمك يا محمد قصة ذلك الملك الجبار الذي ادعى الربوبيّةَ وجادل ابراهيم خليل الله، في الوهية ربه ووحدانيته. لقد أبطره الملك فحمله على الاسراف والاعجاب بقدرته، حتى جادل ابراهيم، فعندما قال له ابراهيم: ان الله يحيي ويميت، وذلك بنفخ الروح في الجسم واخراجها منه ـ قال الملك: أنا أيضاً أحيي وأميت، أعفو عمن حُكم عليه بالاعدام فأحييه، وأميت من شئت إماتته فآمرُ بقتله. فقال ابراهيم ليقطع مجادلته: ان الله يُطلع الشمس من المشرق، فان كنت تستطيع ان تغير شيئاً من نظام هذا الكون فأطلع لنا الشمس من المغرب. عند ذاك بُهت الملك وانقطع، وسكت متحيرا. ومع هذا بقي على غيه وضلاله وقال: ان هذا انسان مجنون فأخرِجوه، ألا ترونه قد اجترأ على آلهتكم؟ والله لا يهدي القوم الظالمين الى اتباع الحق. القراءات: قرأ حمزة "رب" بحذف الياء. وقرأ نافع "أنا" من غير ان يمد الألف.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِبْرَاهِيمَ} {آتَاهُ} {ٱلظَّالِمِينَ} {يُحْيِـي} {أحْيِـي} (258) - أَلَمْ يَنْتَهِ إلى عِلْمِكَ يَا مُحَمَّدُ نَبَأ المَلِكِ الذِي ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ، فَجَادَلَ إِبْرَاهِيمَ فِي وُجُودِ رَبِّهِ؟ وَمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ إلاّ الطُغْيَانُ وَالكُفْرُ وَالتَّجَبُّرُ وَطُولُ مُدَّتِهِ في المُلْكِ، فَطَلَبَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ دليلاً عَلَى وُجُودِ اللهِ، الذِي يَدْعُو إليهِ. فَقَالَ إِبْراهِيمُ: إنَّ رَبِّي هُوَ الذِي يَخْلُقُ الحَيَاةَ، وَهُوَ الذِي يَعْدِمُها. فَقَالَ لَهُ المَلِكُ المُجَادِلُ المُدَّعِي الرُّبُوبِيَّة (وَقِيلَ إنَّهُ النَّمْرُودُ بْنُ كِنْعَانَ)؛ إنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُحْيِيَ بِالعَفْوِ مَنْ حُكِمَ عَلَيهِ بِالإِعْدامِ، وَيُمِيتَ مَنْ شَاءَ إِماتَتَهُ بِأنْ يَأمُرَ بِقَتْلِهِ. فَقَالَ إبرَاهيمُ: إِنَّ الذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَادِرٌ عَلَى التَّصرُّفِ فِي الوُجُودِ، وَتَسْخِيرِ الكَواكِبِ وَحَرَكَاتِهَا، فَإنْ كُنْتَ كَمَا تَدَّعِي إلهاً فَبَدِّلْ حَرَكَةَ الشَّمْسِ التي تَطْلُعُ مِنَ المَشْرِقِ، فَاجْعَلْها تَطْلُعُ مِنَ المَغْرِبِ. فَبُهِتَ الذي كَفَرَ وَأُبْلِسَ، إذْ قَامَتْ عَلَيهِ الحُجَّةُ، وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمينَ وَلا يُلْهِمُهُمْ حُجَّةً وَلاَ بُرْهَاناً. بُهِتَ - تَحَّيرَ وَانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ.
الثعلبي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} أي خاصم وجادل وأصلها من الحجّة، وهو نمرود بن كنعان بن سخاريب بن كوش بن سام بن نوح وهو أول مَنْ وضع التاج على رأسه وتجبّر في الأرض وادّعى الربوبيّة {أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} أي لأنّ أتاه الله الملك فطغى، وموضع (أن) نصب بنزع حرف الصفة. العلاء بن عبد الكريم الأيامي عن مجاهد. قال: ملك الأرض مؤمنان وكافران، فأمّا المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين، وأمّا الكافران فنمرود وبخت نصر. واختلفوا في وقت هذه المناظرة، فقال مقاتل: لما كسّر إبراهيم الأصنام سجنه نمرود ثم أخرجه ليحرقه بالنار، فقال له: مَنْ ربّك الذي تدعونا إليه؟ قال: ربّي الذي يُحيي ويُميت. وقال آخرون: كان هذا بعد إلقائه في النار. عبد الرزاق عن معمّر بن زيد بن أسلم: أن أوّل جبار في الأرض كان نمرود بن كنعان وكان الناس يخرجون فيمتارون من عنده الطعام. قال: فخرج إبراهيم عليه السلام يمتار. فإذا مرّ به أُناس قال: مَنْ ربّكم؟ قالوا: أنت، حتّى مرّ به إبراهيم قال: مَنْ ربّك، قال: الذي يُحيي ويُميت. كما ذكره الله تعالى. قال: فردّه بغير طعام فرجع إبراهيم عليه السلام إلى أهله فمرّ على كثيب من رمل أعفر فقال: ألا أخذ من هذا فأتي به أهلي فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم، فأخذ منه فأتى به أهله فوضع متاعه ثم نام فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته فإذا هو أجود طعام رآه أحد فصنعت له منه فقرّبت إليه وكان عهد بأهله ليس لهم طعام. فقال: من أين هذا؟ قالت: من الطعام الذي جئت به، فعرف أنّ الله رزقه فحمد الله. قال: ثم بعث الله مَلَكاً إلى الجبّار أن آمِن بيّ فأتركك على ملكك، فقال نمرود: وهل ربّ غيري؟ فجاءه الثانية فقال له مثل ذلك، فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة فأبى عليه وقال: لا أعرف الذي تقول، ألربك جنود؟ قال: نعم. قال: فليقاتلني إنّ كان ملكاً فإنّ الملوك يقاتل بعضهم بعضاً. قال له الملك: نعم إن شئت، قال: قد شئت. قال: فاجمع جندك إلى ثلاثة أيام حتّى تأتيك جنود ربّي. قال: فجمع الجبّار جنوده. فأوحى الله عزّ وجلّ إلى خزنة البعوض أن افتحوا منها ففتحوا باباً من البعوض، فلما أصبح اليوم الثالث نظر نمرود إلى الشمس فقال: ما بالها لا تطلع، وظنّ أنّها أُبطئت، فقال الملك: حال دونها جنود ربّي. قال: فأحاطت بهم البعوض فأكلت لحومهم وشربت دماءهم فلم يبق من الناس والدواب إلاّ العظام ونمرود كما هو لم [يصبه] شيء. فقال له الملك: أتؤمن الآن؟ قال: لا. فأمر الله عزّ وجلّ بعوضة فقرصت شفته السفلى فشربت وعظمت، ثم قرصت شفته العليا فشربت وعظمت، ثم دخلت منخره وصارت في دماغه وأكلت من دماغه حتّى صارت مثل الفأرة فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، فأرحم الناس به من كان يجمع يده ثم يضرب به رأسه فعذّبه الله أربعمائة سنة كما ملك أربعمائة سنة. قال الله عزّ وجلّ: {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} وهو جواب سؤال سابق غير مذكور تقديره: قال له: مَنْ ربّك؟ قال إبراهيم: {رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ}. قرأ الأعمش وحمزة وعيسى: {رَبِّيَ ٱلَّذِي} بإسكان الياء، وقرأ الباقون بفتحه لمكان الألف واللام. فقال نمرود: {أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ}. قرأ أهل المدينة (أنا) بالمدّ في جميع القرآن، وهو لغة قوم يجعلون الوصل فيه كالأصل. وأنشد الكسائي: شعر : أنا سيف العشرة فاعرفوني حميد قد تذرّيت السناما تفسير : وقال آخر: شعر : أنا عبيد الله [يميني] عمرْ خير قريش من مضى ومن غبر إلاّ رسول الله والشيخ الأغر تفسير : والأصل في (أنا) أن تفتح النون وابتغي لها الوقت فكتبت ألفاً على نيّة الوقف فصار: أنا. وأكثر العرب يقول في الوقف: أنّه. قال أكثر المفسّرين: دعا نمرود برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر فسمّى ترك القتل إحياءً. كقوله: {أية : وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} تفسير : [المائدة: 32] أي لم يقتلها. وقال السدي في قوله تعالى: {أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} قال: أخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتاً فلا يُطعمون ولا يُسقون حتّى إذا أشرفوا على الهلاك أطعم اثنين وسقاهما وترك اثنين فماتا، فانتقل إبراهيم إلى حجّة أخرى لا عجزاً لأن له أن يقول: فأحي مَنْ أمتّ إن كنت صادقاً، بل إيضاحاً بالحجّة فقال: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ} كلّ يوم {مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} أي تحيّر ودُهش وانقطعت حجّته. يقال: رجل مبهوت، أي مدهوش. قال الشاعر: شعر : ألا إنّ لرئاها فجأة فأبهت حتّى ما أكاد أسير تفسير : وقرأ محمد بن السميقع اليماني: {فَبُهِتَ} بفتح الباء والهاء أي بهته إبراهيم. تصديقه قوله تعالى: {أية : بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ} تفسير : [الأنبياء: 40] أي تدهشهم. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} إلى الحجّة {أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ} هذا عطف على معنى الآية الأولى تقديره: هل رأيت كالذي حاج إبراهيم في ربّه، أو هل رأيت كالذي مرّ على قرية. قال بعض نحّاة البصرة: (الكاف) صلة كأنّه قال: ألم ير إلى الذي أو الذي. واختلفوا في ذلك المارّ من هو، فقال قتادة والربيع وعكرمة وناجية بن كعب وسليمان بن بريدة والضحاك والسدي وسليم الخواص: هو عزير بن شرحيا. وقال وهب بن منبّه وعبد الله بن عبيد بن عمير: هو أرميا بن خلفيا وكان من سبط هارون ابن عمران، وهو الخضر. وقال مجاهد: هو رجل كافر شكّ في البعث. واختلفوا في القرية التي عليها، فقال وهب وعكرمة وقتادة والربيع: هي بيت المقدّس، وقال الضحاك: هي الأرض المقدّسة، وقال ابن زيد: الأرض التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر موت. وقال الكلبي: هي دير سائداباذ، وقال السدي: هي سلماباذ، وقيل: دير هرافيل، وقيل: قرية العنب وهو على فرسخين من بيت المقدس. {وَهِيَ خَاوِيَةٌ} ساقطة، يقال: خوى البيت يخوى خوىً مقصوراً إذا سقط، وخوى البيت بالفتح خواً ممدود إذا خلا. {عَلَىٰ عُرُوشِهَا} سقوفها وأبنيتها واحدها عرش وجمعه القليل: أعرش، وكلّ بناء عرش، يقال: عرش فلان، إذا بنى فهو يعرش ويعرش عرشاً، قال الله: {أية : وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} تفسير : [الأعراف: 137] أي يبنون. ومعنى الآية: إنّ السقوف سقطت ثم وقعت الحيطان عليها. وقيل: (على) بمعنى مع، أي خاوية مع عروشها. قال الشاعر: شعر : كأن مصفحات في ذراه وأبراجاً عليهن المآلي تفسير : أي معهن. نظيرها في سورة الكهف والحجّ. {قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} وكان السبب في ذلك على ماروى محمد بن إسحاق عن وهب بن منبّه: إن الله سبحانه وتعالى قال لأرميا عليه السلام حين بعثه نبيّاً إلى بني إسرائيل: يا أرميا من قبل أن خلقتك اخترتك، ومن قبل أن أُصوّرك في رحم أُمّك قدّستك، ومن قبل أن تبلغ السعي نبّأتك ولأمر عظيم أحببتك. فبعث الله أرميا إلى ناشئة بن أموص ملك بني إسرائيل ليسدده ويأتيه بالخبر من الله تعالى، فعظمت الأحداث في بني إسرائيل فركبوا المعاصي واستحلّوا المحارم، فأوحى الله تعالى إلى أرميا أن ذكّر قومك نعمي وعرّفهم أحداثهم فادعهم إليّ. فقال أرميا: إنّي ضعيف إنّ لم تقوّني عاجز إن لم تنصرني. فقال الله تعالى: أنا ألهمك، فقام أرميا فيهم ولم يدر ما يقول، فألهمه الله عزّ وجلّ في الوقت خطبة بليغة طويلة بيّن لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية. وقال في آخرها: وإنّي أنا الله بعزتي لأقضين لهم فتنة يتحيّر فيها الحليم ولأسلطنّ عليهم جبّاراً قاسياً ألبسه الهيبة وأنزع من قلبه الرحمة يتّبعه عدد مثل سواد الليل المظلم. فأوحى الله تعالى إلى أرميا: إنّي مهلك بني اسرائيل بيافث ويافث، أهل بابل وهم من ولد يافث بن نوح، فلمّا سمع ذلك أرميا صاح وبكى وشقّ ثيابه ونبذ الرماد على رأسه فلما سمع الله تضرّع أرميا وهو الخضرعليه السلام وبكاه ناداه: يا أرميا أشق عليك ما أوحيت إليك؟ قال: نعم يارب، أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسرّ به. فقال الله عزّ وجلّ: وعزّتي لا أهلك بني اسرائيل حتّى يكون الأمر في ذلك من قبلك، ففرح بذلك أرميا وطابت نفسه، وقال: والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني اسرائيل، ثم أتى الملك فأخبره بذلك وكان ملكاً صالحاً فاستبشر وفرح وقال: إن يُعذّبنا ربّنا فبذنوب كثيرة لنا وإنّ عفا عنّا فبرحمته. ثم إنّهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلاّ معصية وتمادياً في الشر وذلك حين اقترب هلاكهم، فقل الوحي ودعاهم الملك إلى التوبة فلم يفعلوا، فسلّط الله عليهم بخت نصّر فخرج في ستمائة ألف راية تريد أهل بيت المقدس، فلما فصل سائراً أتى الخبر الملك فقال لأرميا: أين مازعمت أن الله أوحى إليك؟ فقال أرميا: إنّ الله لا يخلف الميعاد وأنا به واثق. فلما قرب الأجل وعزم الله تعالى على هلاكهم، بعث الله إلى أمريا مَلَكاً قد تمثّل له رجلاً من بني إسرائيل. فقال: يا نبي الله أستعينك في أهل رحمي وصلت أرحامهم ولم أت إليهم إلاّ حيناً ولا يزيدون مع إكرامي إياهم إلاّ اسخاطاً لي فأفتني فيهم، فقال له: أحسن فيما بينك وبين الله وصلهم وأبشر بخير. فانصرف المَلَك فمكث أياماً ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل فقعد بين يديه، فقال له أرميا: أوماظهرت أخلاقهم لك بعد؟ قال: يانبي الله والذي بعثك بالحقّ ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى أهل رحمة إلاّ قدّمتها إليهم وأفضل. فقال النبيّ: أرجع إلى أهلك وأحسن إليهم واسأل الله تعالى الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم، فقام المَلَك فمكث أياماً وقد نزل بخت نصر وجنوده حول بيت المقدس أكثر من الجرّاد ففزع بني اسرائيل وشقّ عليهم. فقال المَلِك لارميا: يانبي الله أين ما وعدك الله؟ قال: إنّي بربّي واثق. ثم أقبل المَلَك إلى أرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس فضحك واستبشر بنصر ربّه الذي وعده فقعد بين يديه وقال: أنا الذي أنبأتك في شأن أهلي مرّتين. فقال النبيّ: ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه؟ فقال المَلَك: يانبي الله كلّ شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم أصبر عليه فاليوم رأيتهم في عمل لا يرضى الله عزّ وجلّ به. فقال النبي: على أي عمل رأيتهم؟ قال: عمل عظيم من سخط الله فغضبت لله ولك وأتيتك لأخبرك وإنّي أسألك بالله الذي بعثك بالحق إلاّ ما دعوت الله عليهم ليهلكهم. فقال أرميا: يا مَالك السماوات والأرض إنّ كانوا على حق وصواب فابقهم وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكهم. فلما خرجت الكلمة من فم أرميا أرسل الله عزّ وجلّ صاعقة من السماء في بيت المقدس والتهب مكان القربان وخسف سبعة أبواب من أبوابها. فلما رأى ذلك أرميا صاح وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه، وقال: يا مَالك السماوات والأرض أين ميعادك الذي وعدتني؟، فنودي أنّه لم يصبهم الذي أصابهم إلاّ بفتياك ودعائك، فاستيقن النبيّ أنّها فتياه التي أفتى بها، وأنه رسول ربه. فطار أرميا حتّى خالط الوحوش، ودخل بخت نصّر وجنوده بيت المقدس ووطىء الشام وقتل بني إسرائيل حتّى أفناهم وخرّب بيت المقدس، ثم أمر جنوده أن يملأ كلّ رجل منهم ترسه تراباً ثم يقذفه في بيت المقدس فقذفوا فيه التراب حتى ملاؤه، ثم أمرهم أن يجمعوا مَنْ كان في بلدان بيت المقدس كلّهم فاجتمع عنده كلّ صغير وكبير من بني إسرائيل واختار منهم مائة ألف صبي فقسّمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كلّ رجل منهم أربعة أغلمة، وفرّق بخت نصّر مَنْ بقى من بني إسرائيل ثلاث فرق: فثلثاً أقرّ بالشام، وثلثاً أسر، وثلثاً قتل، فكانت هذه الواقعة الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل بظلمهم. فلما ولّى بخت نصّر عنهم راجعاً إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل، أقبل أرميا على حمار له معه عصير عنب في زُكرة وسلّة تين حتّى أتى ايليا فلما وقف عليها ورأى خرابها قال: {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}؟! وقال الذين قالوا إن هذا المارّ كان عزيراً: إن بخت نصّر لما خرّب بيت المقدس وأقدم بسبي بني إسرائيل إلى أرض بابل كان فيهم عزير وكان من علماء بني إسرائيل، ودانيال وسبعة آلاف من أهل بيت داود. فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار حتّى نزل على دير هرقل على شط دجلة، فطاف في القرية فلم يرَ فيها أحد وعلم بخبرها، فأكل من الفاكهة وعصر من العنب فشرب منه وجعل فضل الفاكهة في سلّة وفضل العصير في زق فلما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال: {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} [البقرة: 259]. لم يشك في البعث ولكن قالها تعجبّاً. رجعنا إلى حديث وهب: قال: ربط أرميا حماره بحبل جديد فألقى الله عليه النوم، فلمّا نام نزع منه الروح مائة سنة وأمات حماره، وعصيره وتينه عنده، وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد وذلك ضحى، ومنع الله السباع والطير لحمه. فلمّا مضى من موته سبعون سنة أرسل الله عزّ وجلّ مَلَكاً إلى ملك من بني اسرائيل عظيم يقال له: [يوسك] فقال: إنّ الله عزّ وجلّ يأمرك أن تنفر قومك فتعمّر بيت المقدس وإيليا وأرضها حتّى تعود أعمر ما كان، فانتدب الملك ألف قهرمان مع كلّ قهرمان ثلاثمائة ألف عامل وجعلوا يعمّرونها، وأهلك الله تعالى بخت نصّر ببعوضة دخلت دماغه [...] الله تعالى مَنْ بقى من بني إسرائيل ولم يمت ببابل وردّهم جميعاً إلى بيت المقدس ونواحيه، فعمّروه ثلاثين سنة وكثروا حتى صاروا كأحسن ما كانوا عليه، فلما مضت المائة أحيا الله تعالى منه عينيه وسائر جسده ميّت، ثم أحيا جسده وهو ينظر، ثم نظر إلى حماره وإذا عظامه متفرّقة بيض تلوّح، فسمع صوتاً من السماء: أيّها العظام البالية إنّ الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع بعضها إلى بعض واتصل بعضها ببعض. ثم نودي: إنّ الله يأمرك أن تكتسي لحماً وجلداً، فكان كذلك، ثم نُودي: إنّ الله يأمرك أن تحيي، فقام بأذن الله ونهق الحمار. وعمّر الله أرميا، فهو الذي يُرى في الفلوات فذلك قوله تعالى: {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} أي أحياه. {قَالَ كَمْ} إستفهام عن مبلغ العدد {لَبِثْتَ} قرأ ابن محيص والأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي: لبث ولبثتم بالإدغام في جميع القرآن. الباقون بالإظهار. فمَنْ أدغم فلا يجاوره في المخرج والمشاكلة في الهمس، ومَنْ أظهر [فلإظهارها] في المصحف، وكلاهما غريبان فصيحان ومعناه: كم مكثت وأقمت هاهنا. يقال: لبث يلبث لبثاً والباثاً. {قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً} وذلك إنّ الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، فقال: {لَبِثْتُ يَوْماً} وهو يرى إنّ الشمس قد غربت، ثم التفَتَ فرأى بقيّة من الشمس فقال: {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} بمعنى بل بعض يوم، لأن قوله {بَعْضَ يَوْمٍ} رجوع عن قوله: {لَبِثْتُ يَوْماً} كقوله: {أية : أَوْ يَزِيدُونَ} تفسير : [الصافات: 147]. {قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ} يعني التين {وَشَرَابِكَ} يعني العصير {لَمْ يَتَسَنَّهْ} قرأ حمزة والكسائي بحذف الهاء وَصْلاً وكذلك في قوله {أية : فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90]. وقرأ الباقون بالهاء فيها وصلاً ووقفاً. وذكر أبو حاتم عن طلحة {لَمْ يَتَسَنَّهْ} بادغام التاء في السين وزعم أنّه في حرف أُبيّ كذلك ومعناه: لم تغيّره السنون. فمن أسقط الهاء في الوصل حول الهاء صلة زائدة، وقال: أصله لم يتسنّي فحذف الياء بالجزم وأبدل منها هاء في الوقف، وهذا على قول من جعل الهاء في السنة زائدة. وقال: أصلها يسنوه وجمعها سنوات والفعل منه سانيت مساناة وتسنّيت تسنّياً، إلاّ أن الواو يردّ إلى الباقي التفعّل والتفاعل، كقولهم: التداعي والتداني؛ لأن الياء أخف من الواو. وقال أبو عمر: وهو من التسنن بنونين، وهو التغيير كقوله: {أية : مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} تفسير : [الحجر: 26] أي متغيّر ثم عوّضت عن إحدى النونين كقول الشاعر: شعر : فهلا إذ سمعت بحثت عنه ولم تمس الحكومة بالتطنّي تفسير : أراد بالتعيّن. قال العجّاج: شعر : تفصّي البازي إذ البازي كسر تفسير : أراد تفضض. وتقول العرب: نتلعى، إذا خرجوا في إجتناء نبت ناعم يقال له المقاع. قال الله تعالى: {أية : وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} تفسير : [الشمس: 10] أي دسَّسها. ومن أثبت الهاء في الحالين جعلها هاءً أصلّيّة لام الفعل، وعلى هذا قول من جعل السنة سنهية وتصغيرها سنيهة والفعل منه المسانهة. قال الشاعر: شعر : ليست بسنهاء ولا رجبية ولكن عرايا في السنين الجوائح تفسير : فإن قيل: أخبر عن شيئين اثنين ثم قال: {لَمْ يَتَسَنَّهْ} ولم يثنه، قيل: لأن التغيير راجع إلى أقرب اللفظين وهو السنوات، واكتفى بذكر أحد المذكورين عن الآخر لأنّه في موضع الفاني كقول الشاعر: شعر : [عقاب عقبناه كان وظيفه وخرطوعة إلاّ على سنان فلوج] تفسير : ولم يقل سنانان فلوجان، ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود: فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسنّه. {وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} قال أكثر العلماء: في الآية تقديم وتأخير، أي وانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه ولنجعلك آية للناس وأنظر إلى حمارك، ويحتمل أن يكون [المعنى]: فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه وأنظر إلى حمارك. {وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً}. فأمّا تفسير الآية والقراءات فيها فقرأ خارجة والأعرج وعيسى بن عمر وابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائي حمارك والحمار بالأمالة، الباقون بالتفخيم، وقوله تعالى: {كَيْفَ نُنْشِزُهَا}. قرأ أُبي بن كعب وعبد الله بن عامر والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: ننشزها بالزاء وضم النون وكسر الشين. وروى أبو العالية عن زيد بن ثابت قال: إنّما هي راء قرؤها زاء أي أنقطها. وكذلك روى معاوية بن قرّة عن ابن عباس بالزاي واختاره أبو عبيدة. وانشاز الشيء: رفعه ونقله وإزعاجه، فقال: أنشزته فنشز، أي رفعته فارتفع، ومنه نشز المرأة على زوجها ونشز الغلام، أي ارتفع، فمعنى الآية: كيف نرفعها من الأرض فنردّها إلى أماكنها من الجسد ونركّب بعضها على بعض. قال ابن عباس والسدي: نخرجها، والكسائي: فننبتها ونعظّمها. قتادة وعطاء وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وأيوب: ننشرها بالراء وضمّ النون وكسر الشين، وأختاره أبو حاتم، ومعناه: نحييها. فقال: أنشر الله الميّت إنشاراً فينشر هو نشوراً، قال الله تعالى: {أية : ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ} تفسير : [عبس: 22]. وقال: {أية : هُمْ يُنشِرُونَ} تفسير : [الأنبياء: 21]، وقال: {أية : بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً} تفسير : [الفرقان: 40] وقال: {أية : كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ} تفسير : [فاطر: 9]. {أية : وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} تفسير : [الملك: 15]. وقال حارثة بن بدر الغداني: شعر : فأنشر موتاها وأقسط بينها فبان وقد ثابت إليها عقولها تفسير : وقال الأعشى في اللازم: شعر : حتّى يقول الناس ممّا رأوا يا عجباً للميّت الناشر تفسير : وقرأ الحسن والمفضّل ننشرها بالراء وفتح النون وضمّ الشين. قال الفرّاء: ذهب إلى النشر والطي. وقال بعضهم: هو من الإحياء أيضاً، يقال: أنشر الله الميّت ونشره إذا أحياه، قال أبو حاتم: وليس بالمعروف. وقرأ النخعي بالزاء وفتح النون وضم الشين. قال أبو حاتم ذلك غلط، وقال غيره: يقال نشزه [ونشطه] وأنشزه بمعنى واحد. {ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً} أي نكسوها ونواريها به كما نواري الجسد بالثوب، واختلفوا في معنى الآية، فقال بعضهم: أراد به عظام حماره وذلك أن الله تعالى أمات حماره ثم أحياه خلقاً سويّاً وهو ينظر. قال السدي: إنّ الله أحيا عزيراً ثم قال انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه، فبعث الله عزّ وجلّ ريحاً فجاءت بعظام الحمار من كلّ سهل وجبل ذهبت به الطير والسباع واجتمعت فركّب بعضها في بعض وهو ينظر فصار حماراً من عظام ليس فيه لحم ولا دم، ثم كسا العظام لحماً ودماً فصار حماراً ليس فيه روح، ثم أقبل مَلَك يمشي حتّى أخذ منخر الحمّار فنفخ فيه فقام الحمار ونهق بإذن الله. ومعنى الآية على هذا القول: وانظر إلى لحم حمارك وإلى عظامه كيف ننشزها، فلما حذف الهاء من العظام أبدل الألف و.............. وعلى هذا أكثر المفسّرين. وقال آخرون: أراد به عظام هذا الرجل نفسه، وذلك أنّ الله تعالى لم يمت حماره فأحيا الله عينيه، ورأسه وسائر جسده ميّت، ثم قال له: انظر إلى حمارك، فنظر فرأى حماره قائماً واقفاً كهيئة يوم ربطه حيّاً لم يطعم ولم يشرب مائة عام ونظر إلى الرقية في عنقه جديداً لم تتغيّر. وتقدير الآية على هذا القول: فانظر إلى حمارك وانظر إلى عظامك كيف ننشزها. وهذا قول الضحاك وقتادة والربيع وابن زيد. {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} فعلنا ذلك [لنجعلك]. وإن شئت جعلت الواو مفخّمة زائدة، كقول الشاعر الأسود بن جعفر: شعر : فإذا وذلك لا مهاة لذكره والدهر يعقب صالحاً بفساد تفسير : أي فإذا ذلك. ومعنى الآية: فعلنا هذا بك لنجعلك آية للناس، أي عبرة ودلالة على البعث بعد الموت، قاله أكثر المفسّرين. وقال الضحاك وغيره: هذه الآية أنّه عاد إلى قريته شاباً وإذا أولاده وأولاد أولاده شيوخ وعجائز وهو أسود الرأس واللحية. وروى قتادة عن كعب وعن الحسن ومقاتل وجويبر عن الضحاك عن ابن عباس، وعبد الله ابن إسماعيل السدي عن أبيه عن مجاهد عن ابن عباس قالوا: لمّا أحيا الله عزيراً بعدما أماته مائة سنة ركب حماره حتّى أتى محلّته فأنكره الناس وأنكر الناس وأنكر منازله، فانطلق على وهم منه حتّى أتى منزله فإذا بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمةً لهم فخرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة كانت عرفته وكفلته فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة فقال لها عزير: ياهذه أهذا منزل عزير؟ قالت: نعم هذا منزل عزير وبكت وقالت: ما رأيت أحداً من كذا وكذا سنة يذكر عزيراً وقد نسيه الناس، قال: فإنّي أنا عزير. قالت: سبحان الله إنّ عزيراً قد فقدناه من مائة سنة فلم نسمع بذكره. قال: فإنّي أنا عزير كان الله عزّ وجلّ أماتني مائة سنة ثم بعثني. قالت: فإنّ عزيراً كان مستجاب الدعوة يدعو للمريض وصاحب البلاء بالعافية والشفاء، فادع الله حتّى يردّ عليّ بصري حتى أراك فإنّ كنت عزيراً عرفتك، قال: فدعا ربّه ومسح يده على عينيها ففتحت وأخذ بيدها وقال: قومي بإذن الله، فاطلق الله عزّ وجلّ رجليها فقامت صحيحة بإذن الله كأنّها نشطت من عقال، فنظرت فقالت: أشهد إنّك عزير، فأنطلقت إلى محلة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم، وابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثمانية عشر سنة وبني بنيه شيوخ في المجلس فنادت: هذا عزير قد جاءكم، فكذّبوها. فقالت: أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربّه عزّ وجلّ فردّ عليّ بصري وأطلق رجلي وزعم إنّ الله تعالى كان أماته مائة سنة ثم بعثه. قال: فنهض الناس فأقبلوا إليه، فقال ابنه: كانت لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير. قال [قتادة ومقاتل] والسدي والكلبي: هو أن عزيراً رجع إلى قريته وقد أحرق بخت نصّر التوراة ولم يكن من الله تعالى عهد بين الخلق فبكى عزير على التوراة، فأتاه مَلَك بأناء فيه ماء فسقاه من ذلك الإناء فمثلت التوراة في صدره، فرجع إلى بني إسرائيل، وقد علّمه الله التوراة وبعثه نبيّاً. فقال: أنا عزير، ولم يصدّقون. وقال: حدّثنا أبائنا إنّ عزيراً مات بأرض بابل. فقال: أنا عزير بعثني الله إليكم لأجدد لكم توراتكم. فقالوا: أملها علينا إن كنت صادقاً، فأملاها عليهم من ظهر قلبه. وقال رجل منهم: حدّثني أبي عن جدّي أنّه دفن التوراة يوم سُبينا في خابية في كرم لأبي، فإنّ أريتموني كرم جدي أخرجتها لكم، فأروه، فأخرجها لهم، فعارضوها بما أملى عزير فما اختلفا في حرف، ولم يقرأ التوراة منذ أنزلت عن ظهر قلبه إلى هذا اليوم غير عزير. فقالوا: ما جعل الله التوراة في قلب رجل بعدما نسخت وذهبت إلاّ أنّه ابنه، فعندها قالوا: عزير ابن الله، وسنذكر هذه القصّة بالاستقصاء في سورة التوبة إنّ شاء الله. {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} ذلك عياناً {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قرأ ابن عباس وأبو رجاء وحمزة والكسائي: {قَالَ أَعْلَمُ} موصولاً مجزوماً على الأمر بمعنى قال الله له اعلم، يدلّ عليه قراءة عبد الله والأعمش: قل اعلم، وقرأ الباقون {قَالَ أَعْلَمُ} معطوفاً مرفوعاً على الخبر عن عزير أنّه قال لمّا رأى ذلك: {أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. عن المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب قال: ليس في الجنّة كلب ولا حمار إلاّ كلب أصحاب الكهف وحمار أرميا الذي أماته الله مائة عام.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة تسمع {أَلَمْ تَرَ} [البقرة: 258]؛ فأنت تعلم أنها مكونة من همزة هي "أ" وحرف نفي وهو "لم"، ومنفي هو "تر" والهمزة: تأتي هنا للإنكار، والإنكار نفي بتقريع، ولكنها لم تدخل على فعل مثبت حتى يقال: إنها أنكرت الفعل بعدها، مثلما تقول للولد: أتضرب أباك! هنا الهمزة جاءت لا لتستفهم وإنما أتت تنكر هذه الفعلة، لأن الفعل بعدها مثبت وهو "تضرب"، وجاءت الهمزة قبله فتسمى "همزة إنكار" للتقريع. إذن فالإنكار: نفي بتقريع إذا دخلت على فعل منفي. وما دام الإنكار نفياً والفعل بعدها منفيٌ فكأنك نفيت النفي، إذن فقد أثبته، كأنه سبحانه عندما يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ تَرَ} [البقرة: 258] فالمقصود "أنت رأيت". ولماذا لم يقل له: أرأيت؟ لقد جاء بها بأسلوب النفي كي تكون أوقع، فقد يكون مجيء الإثبات تلقيناً للمسئول، فعندما يقول لك صديق: أنت لم تسأل عني وأنت تهملني. فأنت قد ترد عليه قائلاً: ألم أساعدك وأنت ضعيف؟ ألم آخذ بيدك وأنت مريض؟ لقد سبق أن قدمت خدماتك لهذا الصديق، ولكنك تريد أن تنكر النفي الذي يقوله هو، وهكذا نعلم أن نفي النفي إثبات، ولذلك فنحن نأخذ من قوله تعالى من هذه العبارة {أَلَمْ تَرَ} [البقرة: 258] على معنى: أنت رأيت، والرؤية تكون بالعين. فهل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو المخاطب الأول بالقرآن الكريم من ربه - هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحادثة أيام إبراهيم؟ طبعاً لا، فكأن {أَلَمْ تَرَ} [البقرة: 258] هنا تأتي بمعنى: ألم تعلم. ولماذا جاء بـ {أَلَمْ تَرَ} [البقرة: 258] هنا؟ لقد جاء بها لنعلم أن الله حين يقول: "ألم تعلم" فكأنك ترى ما يخبرك به، وعليك أن تأخذه على أنه مصدق كأنك رأيته بعينك. فالعين هي حاسة من حواسك، والحاسة قد تخدع، ولكن ربك لا يخدع، إذن فـ {أَلَمْ تَرَ} [البقرة: 258] تعني: "ألم تعلم علم اليقين"، وكأنك قد رأيت ما يخبرك به الله، ولذلك يقول تعالى للرسول: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ}تفسير : [الفيل: 1]. والرسول ولد عام الفيل، فلم ير هذه الحادثة، وكأن الله يخبره بها ويقول له: ألم تعلم، وكأنه يقول له: اعلم علماً يقيناً كأنك تراه؛ لأن ربك أوثق من عينيك، وعندما يقال: {أَلَمْ تَرَ} [البقرة: 258] فالمراد بها "ألم تر كذا"، لكن الحق قال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} [البقرة: 258] واستعمال حرف "إلى" هنا يشير إلى أمر عجيب قد حدث، ومثال ذلك ما نقوله أحياناً: ألم تر إلى زيد يفعل كذا. فكأن ما فعله زيد أمر عجيب، وكأنه ينبه هنا إلى الالتفات إلى نهاية الأمر، لأن "إلى" تفيد الوصول إلى غاية، فكأنها مسألة بلغت الغاية في العجب، فلا تأخذها كأنك رأيتها فقط، ولكن انظر إلى نهايتها فيما حدث. والحق يقول هنا: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} [البقرة: 258] و"إلى" جاءت هنا لتدل على أنه أمر بلغ من العجب غاية بعيدة، وهو بالفعل قد بلغ من العجب غاية بعيدة، والحق سبحانه وتعالى لم يقل لنا من هو ذلك الإنسان الذي حاج إبراهيم في ربه، لأنه لا يعنينا التشخيص سواءً كان النمروذ أو غيره. فإذا ذهب بعض المفسرين إلى القول: إنه ملك واسمه النمروذ. فإننا نقول لهم شكراً لاجتهادكم، ولكن لو شاء الله تحديد اسم الرجل لحدده لنا، والذي يهمنا هو أنه واحد خرج على رسول الله إبراهيم عليه السلام وجادله في هذه المسألة، والتشخيص هنا ليس ضرورياً، والحق سبحانه وتعالى حينما يريد شيوع الأمر وإمكان حدوثه في أي زمان أو مكان فإن الله لا يشخص الأمر، فأي إنسان في أي مكان قد يحاجج أي مؤمن. وليس كذلك الأمر بالنسبة لأي تشخيص أو تحديد، ومثال ذلك هؤلاء الذين يريدون أن يعرفوا قصة أهل الكهف، ويتساءلون: أين ومتى، وكم عددهم، ومن هم؟ ونقول: لو جاءت واحدة من هؤلاء لفسدت القصة؛ لأنه لو حددنا زمانها سيأتي واحد يقول لك: مثل ذلك الزمان الذي حدثت فيه القصة كان يسمح بها. ولو حددنا المكان سيقول آخر: إن المكان كان يسمح بهذه المسألة. ولو حددنا الأشخاص بأسمائهم فلان وفلان، فسيقول ثالث: إن مثل هذه الشخصيات يمكن أن يصدر منها مثل هذا السلوك وأنَّى لنا بقوة إيمان هؤلاء؟ والحق لم يحدد الزمان والمكان والأشخاص وجاء بها مبهمة ليدل على أن أي فتية في أي زمان وفي أي مكان يقولون ما يقولون، ولو شخصها في واحد لفسد المراد. لننظر إلى دقة الحق حين ضرب مثلاً للذين كفروا بامرأة نوح وامرأة لوط حين قال جل وعلا: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ}تفسير : [التحريم: 10]. ولم يحدد لنا اسم امرأة من هاتين المرأتين، بل ذكر الأمر المهم فقط؛ وهو أن كلا منهما زوجة لرسول كريم، ولكن كلا منهما أصرت على الكفر فدخلتا النار. ولكن الحق سبحانه وتعالى حين أراد التخصيص بحادث لن يتكرر في أي زمان أو مكان جاء بذكر السيدة مريم بالتشخيص والتحديد الواضح حين قال:{أية : وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ}تفسير : [التحريم: 12]. تحديد الحق لمريم بالاسم والحادث لماذا؟ لأن الواقعة غير قابلة للتكرار من أيَّةِ امرأة أخرى. التشخيص هنا واجب؛ لأنه لن تلد امرأة من غير زوج إلا هذه، إنما إذا كانت المسألة ستتكرر في أي زمان أو مكان فهو سبحانه يأتي بوصفها العام، ومثال ذلك قول الحق: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَٰهِمَ} [البقرة: 258] فلم يقل لنا: من هو؟ و"حاجَّ" أصلها "حاجج"، مثل "قاتل" و"شارك". وعندما يكون هناك حرفان مثلان، فنحن نسكن الأول وندغم الثاني فيه وذلك للتخفيف، فتصير (حاج)، و"حاج" من مادة "فاعل" التي تأتي للمشاركة، وحتى نفهم معنى "المشاركة". إليكم هذا المثال: نحن نقول: قاتل زيد عَمراً، أو نقول: قاتل عَمرو زيداً، ومعنى ذلك أن كُلاًّ منهما قد تقاتل، وكلاهما فاعل ومفعول في الوقت نفسه، لكننا غلبنا جانب الفاعل في واحد، وجانب المفعول في الثاني. برغم أن كلا منهما فاعل ومفعول معاً. ومثال آخر، حين نقول: شارك زيد عمراً، وشارك عمرو زيداً، إذن فالمفاعلة جاءت من الاثنين، هذا فاعل وهذا مفعول، لكننا عادة نُغلب الفاعلية فيمن بدأ، والمفعولية في الثاني، وإن كان الثاني فاعلاً أيضاً. ولذلك يقول الشاعر عندما يريد أن يشرح حال إنسان يمشي في مكان فيه حيات كثيرة ومتحرزاً من أن حية تلدغه فقال: شعر : قـد سـالم الحـيـات مـنـه القـدم الأفـعـوان والشـجـاع القـشـعـما تفسير : إن الشاعر هنا يصف لنا إنساناً سار في مكان مليء بالحيات، وعادة ما يخاف الإنسان أن تلدغه حية، لكن هذا الإنسان الموصوف في هذا البيت نجد أن الحيات قد سالمت قدمه، أي لم تلدغه لأنه لم يَهِجْها، والثعابين عادة لا تلدغ إلا من يبدأها بالإهاجة، نجد هنا أن الفاعل هو الحيات؛ لأنها سالمت قدمه. ويصح أيضاً أن نقول: إن القدم هي التي سالمت الحيات. ونحن نعرف من قواعد اللغة ما درسناه قديماً ما يسمى بالبدل، والبدل يأخذ حكم المبدل منه، فإن كان المبدل منه مرفوعاً جاء البدل مرفوعاً، وإن كان المبدل منه منصوباً جاء البدل منصوباً، وإن كان المبدل منه مجروراً كان البدل كذلك. هنا جاءت "الحيات" في هذا البيت من الشعر مرفوعة ولكن الأفعوانَ جاءت في البيت منصوبة مع أنها بدل من مرفوع هو "الحيات" لأنه لاحظ ما فيها أيضاً من المفعولية فأتى بها منصوبة. كما أن بالإمكان أن تُقرأ "الحيات" بالنصب و"القدم" بالرفع لأن كلا منهما فاعل ومفعول من حيث المسالمة. وكذلك في قول الحق سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَٰهِمَ} [البقرة: 258] نحن نلاحظ أن كلمة "إبراهيم" تأتي في الآية الكريمة منصوبة بالفتحة، أي يغلب عليها المفعولية. فمن إذن الذي حاجّ إبراهيم؟ إنه شخص ما، وهو الفاعل؛ لأنه الذي بدأ بالمحاجّة، وهكذا تدلنا الآية الكريمة، وتصف الآية ذلك الرجل {أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} [البقرة: 258] أي أن الرجل قد وهبه الله الملك وقد حاج هذا الرجل إبراهيم في ربه، فكأن هذا الرجل هو الذي بدأ الحِجاج قائلاً لإبراهيم: من ربك؟ فقال إبراهيم عليه السلام: {رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258] وهذه هي براعة القرآن في أن يترك الشيء ثقة بأن السامع يرد كل شيء إلى أصله، فقوله الحق: {إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِمَ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258] فكأن الذي حاج إبراهيم سأله: من ربك؟ فقال إبراهيم: {رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258]. ولنا أن نلحظ أن هذه الآية قد جاءت بعد قوله الحق في الآية السابقة: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [البقرة: 257]، والولاية هي النصر والمحبة والمعونة، فيريد سبحانه أن يبين لنا كيف أعان الله إبراهيم على من حاجه، إلا أن الذي حاج إبراهيم دخل في متاهات السفسطة بعد أن سمع قول إبراهيم: {رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258]، وقد جاء الحق بـ"يحيـي ويميت"؛ لأن تلك القضية هي التي لم يدَّعِ أحد أنه فعلها، ولم يدَّع أحد أنه شريك فيها، حتى الكافرون إذا سألتهم: من الذي خلق؟ يقولون الله. إذن فهذه قضية ثابتة. إلا أن الخصم الذي حاجّ إبراهيم أراد أن ينقل المحاجة نقلة سفسطائية. والسفسطة كما نعلم هي الكلام الذي يطيل الجدل بلا نهاية. وقال الرجل الذي يحاج إبراهيم عليه السلام: إذا كان ربك الذي يحيي ويميت فأنا أحيي وأميت. فسأله إبراهيم عليه السلام؛ كيف تحيي أنت وتميت؟ قال الرجل: أنا أقدر أن أقتل ما عندي من مساجين وأقدر ألا أقتلهم، فالذي لم أقتله كأنني أحييته، والذي قتلته فقد أمته. ولم يقل سيدنا إبراهيم لنتفق أولاً ما الحياة؟ وما الموت؟ ذلك أن إبراهيم خليل الرحمن لم يشأ أن يطيل هذه المجادلة، فجاء له بأمر يُلجمه من البداية وينتهي الجدل، فقال له: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} [البقرة: 258]. وهكذا أنهى سيدنا إبراهيم هذا الجدل. كان من الممكن أن يدخل معه سيدنا إبراهيم في جدل، ويقول له: ما هي الحياة؟ ونحن نعرف أن الحياة هي إعطاء المادة ما يجعلها متحركة حساسة مريدة مختارة، أما الموت فهو إخراج الروح من الجسد، فالذي يقتل إنساناً؛ إنما يخرج روحه من جسده، والقتل يختلف عن الموت؛ لأن الموت خروج الروح من الجسد بدون جرح، أو نقض بنية، أو عمل يفعله الإنسان في بدنه كالانتحار. وقد يكون الإنسان جالساً مكانه وينتهي عمره فيموت، ولا أحد قادر قبل ذلك أن يقول له: مت فيموت، هذا هو الموت، لكن إزهاق الروح بجرح جسيم أو نقض بنية فهذا هو القتل وليس الموت، ولذلك يجعل الله القتل مقابلاً للموت، في قوله تعالى:{أية : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفَإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي ٱلشَّاكِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 144-145]. وقد أوضح لنا الله سبحانه وتعالى الفرق بين الموت والقتل، وجعل كلا منهما مقابلاً للآخر، فعندما أشيع أن رسول الله قد قتل، هَمَّ بعض المسلمين بالارتداد إلى الكفر، فأنكر الله عليهم ذلك قائلاً: إن محمداً رسول من عند الله قد مات من قبله المرسلون أفإن مات أو قتل رجعتم عن الإيمان للكفر، ومَنْ يفعل ذلك فإنما يضر نفسه، والثواب عند الله للثابتين على منهج الله الشاكرين لنعمه، أوضح لنا الحق أن موت أي إنسان لا يمكن أن يحدث إلا بإذن الله، وقد كتب الله ذلك في كتاب مشتمل على الآجال. ويريد الله أن يُنبهنا ويُلفتنا إلى حقيقة هامة وهي أن الرسل في جدلهم مع أممهم أو مع المناقشين لهم لا يكون الهدف أنّ النبي يظفر بالغلبة وإنما يكون الهدف بالنسبة للرسول أو النبي أن يصل إلى الحقيقة، ولذلك لم يتوقف إبراهيم عليه السلام مع الرجل الذي يحاجّه في الله عند نقطة الإحياء والإماتة؛ لأنه رأى في مناقشة الرجل لوناً من السفسطة. وعلينا ونحن نتدبر آيات القرآن بالخواطر الإيمانية أن نفهم الفرق بين الإماتة والقتل. الصحيح أن الإماتة والقتل يشتركان في أمر واحد وهو خروج الروح من الجسد. والإماتة تختلف عن القتل بأنه لا يقدر عليها إلا واهب الحياة الذي وضع مقومات خاصة في البنية الإنسانية حتى تسكنها الروح، وهو القادر على أن يسلب الروح بأمر غير مُحس. أما القتل فهو أن تجرح إنساناً فيموت، أو تنقض بنيته، تكسر له رأسه مثلاً، أما "الإماتة" فهي أن تنقبضَ حياته بمجرد الأمر دون أن تقربه، هل أحد من البشر يقدر على هذه؟ لا. إذن فالذي حاج إبراهيم لم يحي الذي قال: إنه سيتركه بدون عقوبة، إنه لم يقتله، لكنه أبقى الحياة التي كانت فيه، هذا إذا أردنا أن ندخل في جدل. والله قد جعل القتل مقابلاً للموت، صحيح أنهما ينتهيان بأن لا روح، لكنْ هناك فرق بين أن تؤخذ الروح بدون هذه الوسائل. وأن تترك الروحُ البدنَ لأن بنيته قد تهدمت. وإياك أن تظن أن الروح لا تخضع لقوانين معينة، إن الروح لا تحل إلا في مادة خاصة، فإذا انتهت المقومات الخاصة في المادية فالروح لا تسكنها، فلا تقل: إنه عندما ضربه على رأسه أماته! لا، هو لم يخرج الروح لأن الروح بمجرد ما انتهت البنية تختفي. والمثال الذي يوضح ذلك: لنفترض أن أمامنا نوراً، إذا كسرت الزجاجة يذهب النور. هل الزجاجة هي النور؟ لا، لكن الكهرباء لا تظهر إلا في هذه الزجاجة، كذلك الروح لا توجد إلا في بنية لها مواصفات خاصة، إذن فالقاتل لا يُخرج الروح ولكنه يَهدم البنية بأمر مُحسّ؛ فالأمر الغيبي وهو الروح لا يسكن في بنية مهدومة. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} [البقرة: 258]، انظر إلى الطغيان، أتجعل إيتاء الْمُلك وهو نعمة وسيلة إلى التمرد على من أنعم عليك بهذا؟ أتجعل شكر النعمة بأنك تخالف المنعم؟ من الذي أبطره؟ أأبطره أن آتاه الله الملك؟ وكيف يعين الله واحداً ليس مؤمناً به؟ والمُلْكُ - بمعنى الأمر والنهي - إنما يكون للمبلغ عن الله، إنما الملك الآخر مُلْكُ السلطان بأن يُحَكِّمَ إنساناً على جماعة، فمن الجائز أن يكون مؤمناً، وأن يكون كافراً. وقوله {أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258] هو جواب على من قال: "من ربك" فجاءته إجابة إبراهيم عليه السلام {رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258] وعرفنا ما في هذا الأمر من سفسطة، فلم يقل له إبراهيم: أأنت تُحيي وتميت، بل ينقله إلى أمر آخر، كأنه قد قال له: اترك الأمر الغيبي وهو الروح، وتعالى للأمر المشهود {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} [البقرة: 258]. ولأن الله ولي الذين آمنوا فهو سبحانه لم يلهم المحاج أن يَرُدّ؛ كان يستطيع أن يقول له: اجعل من يأتي بها من المشرق يأتِ بها من المغرب، لكنه لم يقلها! مما يدل على أنه غبي! أو يكون ذكياً فيقول: إن الرب الذي معه بهذا الشكل قد يفعلها، فخاف. إذن فـ {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [البقرة: 257] حقاً. وهو سبحانه {أية : يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [البقرة: 257]. وما معنى كلمة "بُهِتَ"؟ إن البهت يأخذ ثلاث صور: الصورة الأولى: الدهشة؛ نَقَله فيما يمكن أن تحدث فيه مماحكة إلى ما لا تحدث فيه مماحكة وجدال، أراد أن يجد أمراً يرد به فلم يقدر، مثلما قال: أنا أحيي وأميت، لقد دهش، وأول ما فاجأه هو الدهش، ثم كان التحيّر، أراد أن يجد أي مخرج من هذه الورطة فلم يجد، إذن فقد هُزم. فهذه هي نهاية البَهت. فـ"بُهت" تعني أنه دهش أولاً، فتحير في أن يرد ثانياً، فكان نتيجة ذلك أنه هُزم ثالثاً، وهذا أمر ليس بعجيب؛ لأنه ما دام كافراً فليس له ولي، أو وليه من لا يقدر {أية : أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ} تفسير : [البقرة: 257]، أما إبراهيم خليل الرحمن فوليه الله. ويختم الحق الآية بقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 258] لا يهديهم إلى برهان، ولا إلى دليل، ولا إلى حاجة، لأن وليهم الشيطان، {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 258] والآية التي تأتي من بعد ذلك كلها ستتدخل في الحياة والموت، ومن المهم أن الآية تدخل في الحياة والموت كي لا نفهم أن إبراهيم إنما ترك المحاجة مع ذلك الذي حاجّه في أمر الموت والحياة هرباً من الكلام فيها، لذلك يريد الله أن يستوفي تلك القضية استيفاء في قصص متعددة، ويبسط الحق القضية التي عدل عنها إبراهيم وهي الموت والحياة فيقول سبحانه: {أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى الإِيمان بالله وصفاته القدسية العلية، وذكر ولايته للمؤمنين وولاية الطاغوت للكافرين، ذكر هنا نموذجاً عن تحكم الطغيان في نفوس الكفرة المعاندين ومجادلتهم في وحدانية الله، فذكر هٰهنا قصصاً ثلاثة: الأولى في بيان إِثبات الخالق الحكيم والثانية والثالثة في إِثبات الحشر، والبعث بعد الفناء. اللغَة: {حَآجَّ} المحاجّة: المغالبة يقال: حاججته فحججته، وحاجّه أي بادله الحجة {فَبُهِتَ} انقطع وسكت متحيراً قال العذري: شعر : فما هو إِلا أن أَراها فَجاءةً فأبهتُ حتى ما أكاد أجيب تفسير : {خَاوِيَةٌ} ساقطة {عُرُوشِهَا} العرش: سقف البيت، وكلُّ ما يهيأ ليُظلَّ أو يُكنَّ فهو عريش {يَتَسَنَّهْ} يتغيّر ويتبدّل من تسنَّهت النخلة إِذا أتت عليها السنون وغيَّرتها {نُنْشِزُهَا} نركّب بعضها فوق بعض من النشاز وهو الرفع يقال لما ارتفع من الأرض نشز ومنه نشوز المرأة {فَصُرْهُنَّ} ضمهنَّ إِليك ثم اقطعهنَّ من صار الشيء يصوره إِذا قطعه. التفسِير: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} تعجيب للسامع من أمر هذا الكافر، المجادل في قدرة الله أي ألم ينته علمك إِلى ذلك المارد وهو "النمروذ بن كنعان" الذي جادل إِبراهيم في وجود الله؟ {أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} أي لأن آتاه الله الملك حيث حمله بطره بنعم الله على إِنكار وجود الله، فقابل الجود والإِحسان بالكفر والطغيان {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} أي حين قال له إِبراهيم مستدلاً على وجود الله إِن ربي هو الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد فهو وحده ربُّ العالمين {قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} أي قال ذلك الطاغية وأنا أيضاً أحيي وأميت، روي أنه دعا برجلين حكم عليهما بالإِعدام فأمر بقتل أحدهما فقال: هذا قتلتُه، وأمر بإِطلاق الآخر وقال: هذا أحييتُه، ولما رأى الخليل حماقته ومشاغبته في الدليل عدل إِلى دليل آخر أجدى وأروع وأشد إِفحاماً {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ} أي إِذا كنت تدعي الألوهية وأنك تحيي وتميت كما يفعل رب العالمين جل جلاله فهذه الشمس تطلع كل يوم من المشرق بأمر الله ومشيئته فأطلعها من المغرب بقدرتك وسلطانك ولو مرة واحدة {فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} أي أُخرس ذلك الفاجر بالحجة القاطعة، وأصبح مبهوتاً دهشاً لا يستطيع الجواب {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} أي لا يلهمهم الحجة والبيان في مقام المناظرة والبرهان بخلاف أوليائه المتقين {أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} وهذه هي القصة الثانية وهي مثلٌ لمن أراد الله هدايته والمعنى ألم ينته إلى علمك كذلك مثل الذي مرَّ على قرية وقد سقطت جدرانها على سقوفها وهي قرية بيت المقدس لما خرَّ بها بختنصر {قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي قال ذلك الرجل الصالح واسمه "عزير" على الرأي الأشهر: كيف يحيي الله هذه البلدة بعد حرابها ودمارها؟ قال ذلك استعظاماً لقدرة الله تعالى وتعجباً من حال تلك المدينة وما هي عليه من الخراب والدمار، وكان راكباً على حماره حينما مرَّ عليها {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} أي أمات الله ذلك السائل واستمر ميتاً مائة سنة ثم أحياه الله ليريه كمال قدرته {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} أي قال له ربه بواسطة الملك كم مكثتَ في هذه الحال؟ قال يوماً ثم نظر حوله فرأى الشمس باقية لم تغب فقال: أو بعض يوم أي أقل من يوم فخاطبه ربه بقوله {قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ} أي بل مكثت ميتاً مائة سنة كاملة {فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} أي إن شككت فانظر إلى طعامك لم يتغير بمرور الزمان، وكان معه عنبٌ وتينٌ وعصير فوجدها على حالها لم تفسد {وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ} أي كيف تفرقت عظامه ونخرت وصار هيكلاً من البلي {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} أي فعلنا ما فعلنا لتدرك قدرة الله سبحانه ولنجعلك معجزة ظاهرة تدل على كمال قدرتنا {وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً} أي تأمل في عظام حمارك النخرة كيف نركّب بعضها فوق بعض وأنت تنظر ثم نكسوها لحماً بقدرتنا {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي فلما رأى الآيات الباهرات قال أيقنت وعلمت علم المشاهدة أن الله على كل شيء قدير {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} وهذه هي القصة الثالثة وفيها الدليل الحسي على الإِعادة بعد الفناء والمعنى: اذكر حين طلب إِبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، سأل الخليل عن الكيفية مع إِيمانه الجازم بالقدرة الربانية، فكان يريد أن يعلم بالعيان ما كان يوقن به بالوجدان، ولهذا خاطبه ربه بقوله {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} أي أولم تصدِّق بقدرتي على الإِحياء؟ قال بلى آمنت ولكن أردت أن أزداد بصيرةً وسكون قلب برؤية ذلك {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} أي خذ أربعة طيور فضمهنَّ إِليك ثم اقطعهن ثم اخلط بعضهن ببعض حتى يصبحن كتلة واحدة {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا} أي فرِّق أجزاءهن على رءوس الجبال {ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً} أي نادهنَّ يأتينك مسرعات قال مجاهد: كانت طاووساً وغراباً وحمامة وديكاً فذبحهن ثم فعل بهن ما فعل ثم دعاهن فأتين مسرعات {وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي لا يعجز عما يريده حكيم في تدبيره وصنعه. قال المفسرون: ذبحهن ثم قطعهن ثم خلط بعضهن ببعض حتى اختلط ريشها ودماؤها ولحومها ثم أمسك برءوسها عنده وجزأها أجزاءً على الجبال ثم دعاهن كما أمره تعالى فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدم إلى الدم، واللحم إلى اللحم حتى عادت طيراً كما كانت وأتينه يمشين سعياً ليكون أبلغ له في الرؤية لما سأل. ذكره ابن كثير. البَلاَغَة: 1- {أَلَمْ تَرَ} الرؤية قلبية والاستفهام للتعجيب. 2- {يُحْيِـي وَيُمِيتُ} التعبير بالمضارع يفيد التجدد والاستمرار، والصيغة تفيد القصر {رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} لأن المبتدأ والخبر وردا معرفتين والمعنى أنه وحده سبحانه هو الذي يحيي ويميت، وبين كلمتي "يحيي" و "يميت" طباقٌ وهو من المحسنات البديعية وكذلك بين لفظ "المشرق" و "المغرب". 3- {فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} التعبير بالنص السامي يشعر بالعلة وأن سبب الحيرة هو كفره ولو قال: فبهت الكافرُ لما أفاد ذلك المعنى الدقيق. 4- {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} موت القرية هو موتُ السكان فهو من قبيل إِطلاق المحل وإِرادة الحال ويسمى المجاز المرسل. 5- {ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً} نسترها به كما يستر الجسد باللباس قال أبو حيان: الكسوةُ حقيقةً هي ما وراء الجسد من الثياب واستعارها هنا لما أنشأ من اللحم الذي غطّى العظم وهي استعارة في غاية الحسن. الفوَائِد: الأولى: قال مجاهد: ملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان، وكافران فالمؤمنان "سليمان بن داود" و "ذو القرنين" والكافران "النمرود" و "بختنصّر" الذي خرّب بيت المقدس. الثانية: لما رأى الخليل تجاهل الطاغية معنى الحياة والموت وسلوكه مسلك التلبيس والتمويه على الرعاع، وكان بطلان جوابه من الجلاء بحيث لا يخفى على أحد، انتقل إِبراهيم إِلى حجة أخرى لا تجري فيها المغالطة ولا يتيسر للطاغية أن يخرج عنها بمكابرة أو مشاغبة فقال {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ} فلوى خليل الله عنقه حتى أراه عجزه وأخرس لسانه. الثالثة: سؤال الخليل ربه بقوله {كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} ليس عن شك في قدرة الله ولكنه سؤال عن كيفية الإِحياء ويدل عليه وروده بصيغة {كَيْفَ} وموضوعها السؤال عن الحال ويؤيد المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : نحن أحق بالشك من إبراهيم" تفسير : ومعناه: ونحن لم نشك فلأن لا يشك إِبراهيم أحرى وأولى.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {فَبُهِتَ} معناهُ انْقَطَعتْ حُجتُهُ. ويقالُ: بَهُتَ وبَهِتَ، وأَكثرُ الكَلامِ بَهُتْ.
الأندلسي
تفسير : {فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} أي الحامل له على المحاجة إحسان الله إليه فبطر وتكبّر حتى انتهى من عتوّه إلى هذه المحاجة ووضعها مكان الشكر على هذه النعمة فإِن آتاه مفعول من أجله. فأجاز الزمخشري أن يكون التقدير حاج وقت أن آتاه الله الملك فإِن عني أن ذلك على حذف مضاف فيمكن ذلك على أن فيه بعداً من جهة ان المحاجّة لم تقع وقت أن آتاه الله الملك إلا أن يجوز في الوقت فلا يحمل على ما يقتضيه الظاهر من أنه وقت ابتداء إيتاء الله الملك له ألا ترى أن إيتاء الله الملك إياه سابق على المحاجة وإن عني انّ انْ والفعل وقعت موقع ظرف الزمان كقولك: جئت خفوق النجم، ومقدم الحاج، وصياح الديك فلا يجوز ذلك، لأن النحويين نصوا: على أنه لا يقوم مقام ظرف الزمان إلا المصدر المصرّح بلفظه فلا يجوز: أجيء أن يصيح الديك، ولا جئت إن صاح الديك. {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} سبق سؤال من الكافر: وهو قوله من ربك أي الذي يتصرف فيك وفي أشباهك بما لا تقدر عليه. وفي قوله: ربي الذي اختصاص فعارضه الكافر بأن أحضر رجلين قتل أحدهما وأرسل الآخر. ولما رأى إبراهيم مغالطة الكافر وادّعاءه ما يوهم أنه اله، ذكر له ما لا يمكن أن يغالط فيه ولا أن يدعيه، وقد كان لإِبراهيم أن ينازعه فيما ادعاه ولكنه أراد قطع تشغيبه عن قرب وأن لا يطيل معه الكلام إذ شاهد منه ما لا يمكن أن يدعيه عاقل. {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ} وعدل الى الاسم. الشائع عند العالم كلهم وهو الله وقرر بذلك ان ربه الذي يحيي ويميت هو الله الفاعل لهذا الأمر العظيم، الذي لا يمكنك أن تموّه بدعواك كما موّهت بالاحياء والاماتة. {فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} أي دهش وشغل وتحير ونبه على الوصف الموجب لبهته وهو كفره. وقرىء مبنياً للمفعول والفاعل المحذوف إبراهيم أي بهت إبراهيم الكافر بالحجة الدامغة له ومبنياً للفاعل أي فبهته إبراهيم وبهت بضم الهاء وفتح الباء وبفتح الباء وكسر الهاء أي الكافر. وقد منع الله هذا الكافر أن يدعي أنه هو الذي يأتي بالشمس من المشرق إذ من كابر في ادّعاء الاحياء والاماتة قد يكابر في ذلك ويدعيه إذ المسألتان سواء في دعوى ما لا يمكن لبشر ولكن جعله مبهوتاً دهشاً متحيراً إكراماً لنبيه إبراهيم وإظهاراً لدينه.
الجيلاني
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى} الكافر العابد للطاغوت وهو نمورد اللعين المعاند {ٱلَّذِي حَآجَّ} جادل مكابرة مع { إِبْرَاهِيمَ} صلوات الرحمن عليه {فِي} شأن {رَبِّهِ} حين {أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} وأبطره عليه وغيره بملكه وذلك وقت {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ} إلزاماً له حين أخرجه من السجن، فسأكل عن ربه الذي يدعي الدعوة إليه: {رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي} يُوجِدُ من العدم {وَيُمِيتُ} يرد إليه بعد إيجاده {قَالَ} مكابرة ومجادلة: {أَنَا} أيضاً {أُحْيِـي وَأُمِيتُ} بالعفو والقصاص {قَالَ إِبْرَاهِيمُ} تصريحاً لإلزامه من غير التفات إلى كلام: {فَإِنَّ ٱللَّهَ} القادر على ما يشاء {يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ} أيها المعاند المكابر {بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} بالله بالمعارضة معه فصار مبهوتاً متحيراً {وَٱللَّهُ} الهادي للكل {لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 259] المجاوزين عن حقوق الله وآداب العبودية معه. {أَوْ كَٱلَّذِي} أي: ألم تر إلى الشخص الذي {مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ} هي البيت المقدس في زمان خربها بُخْتنَصَّر فرآها { وَهِيَ خَاوِيَةٌ} ساقطة {عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ} محاجاً مجادلاً مبعداً للحشر والنشر: {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي: كيف يقدر على إحياء أهلها وهم قد انقرضوا واندرسوا إلى حيث لم يبق منهم أثر؟ {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ} فجأة؛ إظهار لقدرته وتبييناً لحجته، وألبثه {مِئَةَ عَامٍ} ميتاً كالأموات الأخر {ثُمَّ بَعَثَهُ} إحياءً بعد تلك المدة، ثم سأله هاتف بأن {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ} في هذا المكان {قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً} والتفت إلى الشمس فرآها باقية قال: {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ} السائل: ما تعرف مدة لبثك {بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَٱنْظُرْ} أيها المبعد للحشر الجسماني بنظر العبرة إلى كمال قدرة الله {إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} لم يتغير مع سرعة تغييره {وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ} كيف تفرقت عظامه وتفتت أجزاؤه مع بطء تغيره وبعد ما نظرت إليهما تذكر قولك حين مرورك على القرية: أنَّى يحيي هذه الله بعد موتها؟ فألزم. ثم قيل له من قبل الحق: {وَ} إنما فعلنا ذلك معك أيها المبعد للحشر الجسماني {لِنَجْعَلَكَ آيَةً} ودليلاً وحجة {لِلنَّاسِ} القائلين بالحشر الجسماني على المنكرين المبعدين لها {وَ} بدما تحققت حالك {ٱنْظُرْ} بنظرة العبرة {إِلَى ٱلعِظَامِ} الرفات التي تعجبت من كيفية إحيائها وأنكرت عليها {كَيْفَ نُنْشِزُهَا} نركب بعضها مع بعض {ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً} بعد تتميم تركيب العظام {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} أمر الحشر ألزم وسلم و{قَالَ أَعْلَمُ} يقيناً {أَنَّ ٱللَّهَ} القادر {عَلَىٰ} إحياء {كُلِّ شَيْءٍ} مبدئاً مبدعاً {قَدِيرٌ} [البقرة: 259] على إحيائه معيداً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن الكافر أنه إذا عجز عن العبودية كيف عارض الربوبية بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} [البقرة: 258]، الإشارة فيها أن الله تعالى لما أعطى نمرود ملكاً ما أعطى لأحد قبله، وذلك لأن الله تعالى أعطى الإنسان حتى استعداد لطلب كمال ما أعطى لأحد من العالمين كقوله تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 4]، يعني: حسن استعداد في طلب الكمال فمن حسن استعداده في الطلب وغاية لطافته في الجواهر دائم الحركة في طلب الكمال فحيث ما توهم جهة الكمال يأخذ في السير فيها إلى أقصى مراتبها في العلوي أو السفلي لا يتوقف لحظة إلا لما هي، ولكن الإنسان جبل على الصفة الظلومية والجهولية كقوله تعالى: {أية : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72]، فإن وكل إلى نفسه في طلب الكمال فينظر بنظر الحواس الخمس إلى المحسوسات وهي الدنيا فلا يتصور الكمال إلا فيها، فيأخذ في السير لطلب الكمال فيها، وهذا السير موافق لبشرية الطبيعة لأنه خلق من تراب، والتراب سفلي الطبع فيميل إلى السفليات طبعاً والدنيا هي السفل فيسير فيها بقدر الطبع ويطلب الكمال، وفي البداية يرى الكمال في جميع المال فيجمعه، ثم الكمال في الجاه فيصرف المال في طلب الجاه، ثم يرى الكمال المناصب والحكم، ثم يرى في الأمارة والسلطنة فيسير فيها ما لم يكن مانع إلى أن يملك الدنيا بأسرها كما كان حل نمرود، ثم لا يسكن جوهر الإنسان في طلب الكمال كلما ازداد استغناؤه ازداد حرصه وكلما ازداد حرصه ازداد طلبه إلى أن لا يبقى شيء من السفليات أن ملكه بقصد العلويات، وإلى الآن كان ينازع ملك الملوك ومالك الملك، وكان سبب طغيانه استغناؤه كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ}تفسير : [العلق: 6-7]، فإذا كمل كمال الله أتاه الملك وكان سبب طغيانه حتى يكفر بالنعمة {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ}تفسير : [العاديات: 6] {أية : إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}تفسير : [إبراهيم: 34]، فهذا كله عند فساد جوهره لما وكل إلى نفسه، فبحسن استعداده أينما تصور الكمال توجه إليه لتحصيله إلى أنه رأى الكمال في الربوبية قصدها وادعى الربوبية ولكن جوهر الإنسان إذا صلح بالتربية ولم يوكل إلى نفسه هدي إلى جهة الكمال المستعد له، كقوله: {أية : أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ}تفسير : [غافر: 38] فصاحب التربية وهو النبي أو بنيابته وخلافته الولي وهو الشيخ يربيه وتربيته في تربية كما سوى الله، وعداوته لتحقق تولية الله ومحبته، كما كان حال إبراهيم عليه السلام في طلب الحق بقوله: {أية : أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}تفسير : [هود: 54]، {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 77]، إلى أن يبلغ الإنسان حد كماله في طلب الكمال، وهو إفناء الوجود في وجود الموجود الموجد؛ ليكون مفقوداً عن وجوده موجوداً بوجوده، فكما كان يقول عند فساد الجواهر وإبطال حسن الاستعداد للكمال: {أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258] وليس للعالم رب إلا أنا جهلاً بهذا الكمال، فيقول عند صلاح الجوهر وصرف حسن الاستعداد في طلب الكمال وحصوله: "ليس في الوجود سوى الله"، وهذا هو حقيقة {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ}تفسير : [محمد: 19]؛ يعني: كن فانياً عن وجودك بالكلية، فإذا فنيت عنك به علمت ما في الوجود سوى الله واستغفر لذنبك حسبان وجود غير وجوده، فافهم جدّاً. وإن لم تكن مجداً، فإن المجد من يدق بمطرقة لا إله إلا الله دماغ نمرود ودماغ النفس إلى أن يؤمن بالله، ويكفر بالطاغوت وجوده وجود كل موجود سوى الله، {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 258] يعني إلى عالم التوحيد والوحدة القوم المشركين فإن الشرك لظلم عظيم بالشرك ضل من ضل عن الصراط المستقيم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه } أي: إلى جرائته وتجاهله وعناده ومحاجته فيما لا يقبل التشكيك، وما حمله على ذلك إلا { أن آتاه الله الملك } فطغى وبغى ورأى نفسه مترئسا على رعيته، فحمله ذلك على أن حاج إبراهيم في ربوبية الله فزعم أنه يفعل كما يفعل الله، فقال إبراهيم { ربي الذي يحيي ويميت } أي: هو المنفرد بأنواع التصرف، وخص منه الإحياء والإماتة لكونهما أعظم أنواع التدابير، ولأن الإحياء مبدأ الحياة الدنيا والإماتة مبدأ ما يكون في الآخرة، فقال ذلك المحاج: { أنا أحيي وأميت } ولم يقل أنا الذي أحيي وأميت، لأنه لم يدع الاستقلال بالتصرف، وإنما زعم أنه يفعل كفعل الله ويصنع صنعه، فزعم أنه يقتل شخصا فيكون قد أماته، ويستبقي شخصا فيكون قد أحياه، فلما رآه إبراهيم يغالط في مجادلته ويتكلم بشيء لا يصلح أن يكون شبهة فضلا عن كونه حجة، اطرد معه في الدليل فقال إبراهيم: { فإن الله يأتي بالشمس من المشرق } أي: عيانا يقر به كل أحد حتى ذلك الكافر { فأت بها من المغرب } وهذا إلزام له بطرد دليله إن كان صادقا في دعواه، فلما قال له أمرا لا قوة له في شبهة تشوش دليله، ولا قادحا يقدح في سبيله { بهت الذي كفر } أي: تحير فلم يرجع إليه جوابا وانقطعت حجته وسقطت شبهته، وهذه حالة المبطل المعاند الذي يريد أن يقاوم الحق ويغالبه، فإنه مغلوب مقهور، فلذلك قال تعالى: { والله لا يهدي القوم الظالمين } بل يبقيهم على كفرهم وضلالهم، وهم الذين اختاروا لأنفسهم ذلك، وإلا فلو كان قصدهم الحق والهداية لهداهم إليه ويسر لهم أسباب الوصول إليه، ففي هذه الآية برهان قاطع على تفرد الرب بالخلق والتدبير، ويلزم من ذلك أن يفرد بالعبادة والإنابة والتوكل عليه في جميع الأحوال، قال ابن القيم رحمه الله: وفي هذه المناظرة نكتة لطيفة جدا، وهي أن شرك العالم إنما هو مستند إلى عبادة الكواكب والقبور، ثم صورت الأصنام على صورها، فتضمن الدليلان اللذان استدل بهما إبراهيم إبطال إلهية تلك جملة بأن الله وحده هو الذي يحيي ويميت، ولا يصلح الحي الذي يموت للإلهية لا في حال حياته ولا بعد موته، فإن له ربا قادرا قاهرا متصرفا فيه إحياء وإماتة، ومن كان كذلك فكيف يكون إلها حتى يتخذ الصنم على صورته، ويعبد من دونه، وكذلك الكواكب أظهرها وأكبرها للحس هذه الشمس وهي مربوبة مدبرة مسخرة، لا تصرف لها بنفسها بوجه ما، بل ربها وخالقها سبحانه يأتي بها من مشرقها فتنقاد لأمره ومشيئته، فهي مربوبة مسخرة مدبرة، لا إله يعبد من دون الله. "من مفتاح دار السعادة"، ثم قال تعالى: { أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 326- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن الكلبي، وقتادة، في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ}: [الآية: 258]، قالا: هُوَ جبار اسمه نمروذ، وهُوَ أوَّلُ مَنْ تَجَبَّر في الأرْضِ فَحَاجَّ إبراهيم في ربِّه أن أتاه الله الملك، أن أتى اللهُ الجبار الملك، إذْ قال إبراهيم: {رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ}: [الآية: 258]، فقال ذلك الجبار: و{أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ}: [الآية: 258]، يقول: أنا أقتل مَنْ شِئْت وأحْيي من شِئْت. 327- عبد الرزاق، قال: حدثنا بكار بن عبد الله، قال: سمعت وهب بن منبه يحدّث، قال: لما خرج، أو قال: برز طالوت لجالوت، قال جالوت: أبرزوا إليّ من يقاتلني، فإن قتلني فلكم مُلكي، وإن قتلته فلي مُلككم! فأُتيَ بداود إلى طالوت، فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته، ويحكِّمه في ملكه. قال: فألبسه طالوت سلاحه، فكره داود أن يقاتله بسلاح، وقال: إن الله لم ينصرني عليه، لم يغن السلاح شيئاً! فخرج إليه بالمِقلاع، ومخلاة فيها أحجار، ثم بَرَزَ إليه فقال جالوت: أنت تقاتلني!! قال داود: نعم! قال: ويلك! ما خرجت إليَّ إلا كما يَخْرج الكلب بالمقلاع والحجارة! لأبدِّدن لحمه ولأطمعنّه اليوم السباع والطَّيْر! فقال له داود: بل أنت عدوّ الله شرٌّ من الكلب، فأخذ داود حجراً فرماه بالمقلاع، فأصاب بين عينيه حتى نفذ دماغه، فَصُرع جَالُوت وانْهَزَمَ من معه، واحتزَّ داود رأسه، فلما رجعوا إلى طالوت، ادَّعى الناس قتل جالوت، فمنهم من يأتي بالسيف، وبالشيء من سلاحه أو جسده، وخبأ داود رأسه. فقال طالوت: من جاء برأسه فهو الذي قتله! فجاء به داود، ثم قال لطالوت: أعطني ما وعدتني! فندم طالوت على ما شرط له، وقال: إنّ بنات الملوك لا بد لهن من صداق، وأنت رجل جريءٌ شجاعٌ، فاجعل لها صداق ثلاثمائة غُلْفة من أعدائنا. وكان يرجو بذلك أن يُقتل داود. فَأَسَرَ ثلاثمائة وقطع غُلَفهم وجاء بها، فلم يجد طالوت بُدّاً من أن يزوجه فزوّجه. ثم أدركته الندامة، فأراد قتلَ داود فهرب منه إلى الجبل، فنهض إليه طالوت فحاصره. فلما كان ذات ليلة سُلِّط النوم على طالوتَ وحرسِه، فهبط إليهم داود فأخذ إبريق طالوت الذي كان يشرب به ويتوضأ وقطع شعرات من لحيته وشيئاً من هُدْب ثيابه، ثم رجع داود إلى مكانه فناداه: أنْ تعاهد حرسك، فإني لو شئت أن أقتلك البارحة فعلت بآية أن هذا إبريقك، وشيءٌ من شعر لحيتك وهُدْب ثيابك! وبعث به إليه، فعلم طالوت أنه لو شاء قتله، فعطفه ذلك عليه فأمنَّه، وعاهده الله أن لايرى منه بأساً، ثم انصرف. ثم كان في آخر أمر طالوت أنه كان يدُسُّ لقتله. وكان طالوت لا يقاتل عدوّاً إلاّ هُزم، حتى مات، قال بكار: وسئل وهب وأنا أسمع: أنبيّاً كان طالوتُ يُوحَى إليه؟ فقال: لا، لم يأته وحيٌ، ولكن كان معه نبيٌّ يوحى إليه، يقال له: أشمويل، وهو الذي مَلَّك طالوت. [حديث نمروذ] 328- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن زيد بن أسلم، أن أول جبار كان في الأرض نمروذ، قال: وكان الناس يخرجون يمتارون من عنده الطعام، فخرج إبراهيم يمتار مع من يمتار، قال: فإذا مرّ به الناسُ قال: من ربكم؟ قالوا: أنتّ! حتى مرَّ به إبراهيم، قال: من ربك؟ قال: الذي يُحيي ويُميت؟ قال: أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر. قال: فردَّه بغير طعام، قال: فرجع إبراهيم إلى أهله، فمرّ على كثيب رمل أعفر، فقال: ألا آخذ من هذا، فآتي به أهلي، فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم! فأخذ منه فأتى أهله. قال: فوضع متاعه ثم نام، قال: فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته، فإذا هي بأجود طعام رأه أحد، فصنعت له منه فقرَّبته إليه، وكان عهده بأهله أنه ليس عندهم طعام، فقال: من أين هذا؟ فقالت: من الطعام الذي جئت به! فعرف أن الله رزقه، فحمد الله، ثم بعثَ الله تعالى إلى الجبار ملَكاً: أ نْ آمن بي وأتركك على ملكك! قال: فهل ربٌّ غيري؟ قا ل: فجاءه الثانية فقا له ذلك، فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة فأبى عليه، فقال له الملك: فاجْمع جموعك إلى ثلاثة أيام! قال: فجمع الجبار جموعه، قال: فأمر الله المَلَك ففتح علي باباً من البعوض، قال: فطلعت الشمس فلم يروها من كثرتها، قال: فبعثها الله تعالى عليهم فأ:لت لحومهم وشربت دماءهم، فلم تُبْقِ إلاّ العظام، والملِك كما هو لم يصبه من ذلك شيء، قال: فبعث الله عليه بعوضة فدخلت من مَنْخره، فمكث أربعمائة سنة يُضرب رأسه بالمطارق، وأرحمُ الناس به من جمع يديه ثم ضرب بهما رأسه. وكان جبَّاراً أربعمائة عام، فعذبه الله أربعمائة سنة كمُلكه ثم أماته الله، وهو الذي بنى صرحاً إلى السماء، فأتى الله بنيانه من القواعد، وهو الذي قال الله تبارك وتعالى: {أية : فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ}تفسير : : [سورة النحل: 26].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):