٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
259
Tafseer
القرطبي
تفسير : . قوله تعالى: {أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} «أو» للعطف حملا على المعنى والتقدير عند الكسائي والفرّاء: هل رأيت كالذي حاجّ إبراهيم في ربِّه، أو كالذي مر على قرية. وقال المبرد: المعنى ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه، ألم تر من هو! كالذي مرّ على قرية. فأضمر في الكلام من هو. وقرأ أبو سفيان بن حسين «أَوَ كَالَّذِي مَرّ» بفتح الواو، وهي واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام الذي معناه التقرير. وسُمّيت القرية قرية لاجتماع الناس فيها؛ من قولهم: قَرَيت الماءَ أي جمعته، وقد تقدّم. قال سليمان بن بُريدة وناجية بن كعب وقتادة وابن عباس والرّبيع وعكرمة والضحاك: الذي مرّ على القرية هو عُزَيْر. وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عُبَيْد بن عمير وعبد الله بن بكر بن مضر: هو إرْميَاء وكان نبياً. وقال ابن إسحاق: إرمياء هو الخضر، وحكاه النقاش عن وهب بن منبه. قال ابن عطية: وهذا كما تراه، إلا أن يكون اسماً وافق اسماً؛ لأن الخضر معاصر لموسى، وهذا الذي مرّ على القرية هو بعده بزمان من سبط هارون فيما رواه وهب بن منبه. قلت: إن كان الخضر هو إرمياء فلا يبعد أن يكون هو؛ لأن الخضر لم يزل حياً من وقت موسى حتى الآن على الصحيح في ذلك، على ما يأتي بيانه في سورة «الكهف». وإن كان مات قبل هذه القصة فقول ابن عطية صحيح، والله أعلم. وحكى النحاس ومكيّ عن مجاهد أنه رجل من بني إسرائيل غير مسمًّى. قال النقّاش: ويقال هو غلام لوط عليه السلام. وحكى السّهيليّ عن القُتَبي هو شَعْيَا في أحد قوليه. والذي أحياها بعد خرابها كوشك الفارسي. والقرية المذكورة هي بيت المقدس في قول وهب بن منبه وقتادة والربيع بن أنس وغيرهم. قال: وكان مقبلاً من مصر وطعامه وشرابه المذكوران تِينٌ (أخضر) وعِنَب وَرِكْوَة من خمر. وقيل من عصير. وقيل: قُلَّةُ ماء هي شرابه. والذي أخلى بيت المقدس حينئذ بُخْتَنَصَّر وكان والياً على العراق لِلَهْرَاسِب ثم ليَسْتاسب بن لَهْرَاسِب والد اسبندِياد. وحكى النقاش أن قوماً قالوا: هي المُؤْتَفِكَةُ. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: إن بختنصر غزا بني إسرائيل فَسَبى منهم أُناساً كثيرة فجاء بهم وفيهم عُزَيْر بن شَرْخِيَا وكان من علماء بني إسرائيل فجاء بهم إلى بابل، فخرج ذات يوم في حاجة له إلى دير هِرْقل على شاطىء الدّجلة، فنزل تحت ظل شجرة وهو على حمار له، فربط الحمار تحت ظل الشجرة ثم طاف بالقرية فلم ير بها ساكناً وهي خاوية على عروشها فقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها. وقيل: إنها القرية التي خرج منها الأُلوف حذر الموت؛ قاله ابن زيد. وعن ٱبن زيد أيضاً أن القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم أُلوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا، مرّ رجل عليهم وهم عظام (نخرة) تلوح فوقف ينظر فقال: أني يحيي هذه الله بعد موتها! فأماته الله مائة عام. قال: ابن عطية: وهذا القول من ابن زيد مناقض لألفاظ الآية، إذ الآية إنما تضمّنت قرية خاوية لا أنيس فيها، والإشارة بـ «هَذِهِ» إنما هي إلى القرية. وإحياؤها إنما هو بالعمارة ووجود البناء والسكّان. وقال وهب بن منبّه وقتادة والضّحاك والربيع وعِكرمة: القرية بيت المقدس لما خرّبها بختنصر البابليّ. وفي الحديث الطويل حين أحدثت بنو إسرائيل الأحداث وقف إرمياء أو عُزَير على القرية وهي كالتَّل العظيم وسط بيت المقدس، لأن بختَنَصر أمر جنده بنقل التراب إليه حتى جعله كالجبل، ورأى إرمياء البيوت قد سقطت حيطانها على سُقُفها فقال؛ أنَّى يحي هذه الله بعد موتها. والعريش: سقف البيت. وكل ما يتهيأ ليُظل أو يُكنّ فهو عريش؛ ومنه عريش الدّالية؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} تفسير : [النحل: 68]. قال السُّدِّي: يقول هي ساقطة على سقفها، أي سقطت السُّقُف ثم سقطت الحيطان عليها؛ واختاره الطبريّ. وقال غير السُّدِّي: معناه خاوية من الناس والبيوتُ قائمة؛ وخاوية معناها خالية؛ وأصل الخَوَاء الخلوّ؛ يقال: خَوَت الدار وخَوِيَتْ تَخْوَى خَواء (ممدود) وخُوِياً: أَقْوَتْ، وكذلك إذا سقطت؛ ومنه قوله تعالى: {أية : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ} تفسير : [النمل: 52] أي خالية، ويقال ساقطة؛ كما قال: {أية : فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} تفسير : [الحج: 45] أي ساقطة على سُقُفها. والخَوَاء الجوع لخلو البطن من الغذاء. وخَوَت المرأة وخَوِيت أيضاً خَوًى أي خلا جوفها عند الولادة. وخوّيت لها تخوِية إذا عملت لها خَوِيةً تأكلها وهي طعام. والخَوِيّ البطن السهل من الأرض على فعيل. وخوّى البعيرُ إذا جافى بطنه عن الأرض في بروكه، وكذلك الرجل في سجوده. قوله تعالى: {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} معناه من أيّ طريق وبأيّ سبب، وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكّان، كما يقال الآن في المدن الخِربة التي يبعد أن تعمر وتسكن: أنَّى تعمر هذه بعد خرابها. فكأن هذا تلهّف من الواقف المعتبر على مدينته التي عهد فيها أهله وأحبّته. وضرب له المَثَل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه، والمثال الذي ضرب له في نفسه يحتمل أن يكون على أن سؤاله إنما كان على إحياء الموتى من بني آدم، أي أنَّى يحيي الله موتاها. وقد حكى الطبريّ عن بعضهم أنه قال: كان هذا القول شكّاً في قدرة الله تعالى على الإحياء؛ فلذلك ضرب له المثل في نفسه. قال ابن عطيّة: وليس يدخل شكّ في قدرة الله تعالى على إحياء قرية بجلب العمارة إليها وإنما يتصوّر الشك (من جاهل) في الوجه الآخر، والصواب ألاّ يتأوّل في الآية شك. قوله تعالى: {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ} «مائة» نصب على الظرف. والعام: السنة؛ يقال: سِنون عُوَّم وهو تأكيد للأوّل؛ كما يقال: بينهم شُغْلٌ شاغلٌ. وقال العجّاج:شعر : مِـن مـرّ أعـوامِ السِّنيـن العُـوَّم تفسير : وهو في التقدير جمع عائم، إلا أنه لا يفرد بالذِّكر؛ لأنه ليس باسم وإنما هو توكيد، قاله الجوهريّ. وقال النقاش: العام مصدر كالعَوْم؛ سُمّيَ به هذا القدر من الزمان لأنها عومة من الشمس في الفَلك. والعَوْم كالسَّبْح؛ وقال الله تعالى: {أية : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [الأنبياء: 33]. قال ابن عطية: هذا بمعنى قول النقاش، والعامُ على هذا كالقول والقال، وظاهر هذه الإماتة أنها بإخراج الروح من الجسد. وروي في قصص هذه الآية أن الله تعالى بعث لها مَلكاً من الملوك يعمرها ويجدّ في ذلك حتى كان كمال عمارتها عند بعث القائل. وقد قيل: إنه لما مضى لموته سبعون سنة أرسل الله ملِكاً من ملوك فارس عظيماً يقال له «كوشك» فعمّرها في ثلاثين سنة. قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثَهُ} معناه أحياه، وقد تقدّم الكلام فيه. قوله تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ} اختُلف في القائل له «كم لبثت»؛ فقيل: الله جل وعز؛ ولم يقل له إن كنت صادقاً كما قال للملائكة على ما تقدّم. وقيل: سمع هاتفاً من السماء يقول له ذلك. وقيل؛ خاطبه جبريل. وقيل: نبيّ. وقيل: رجل مؤمن ممن شاهده من قومه عند موته وعمر إلى حين إحيائه فقال له: كم لبثت. قلت: والأظهر أن القائل هو الله تعالى؛ لقوله {وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً} والله أعلم. وقرأ أهل الكوفة «كَمْ لبِتَّ» بإدغام الثاء في التاء لقربها منها في المخرج. فإن مخرجهما من طرف اللسان وأُصول الثنايا وفي أنهما مهموستان. قال النحاس: والإظهار أحسن لتباين مخرج الثاء من مخرج التاء. ويقال: كان هذا السؤال بواسطة الملك على جهة التقرير. و «كم» في موضع نصب على الظرف. {قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} إنما قال هذا على ما عنده وفي ظنه، وعلى هذا لا يكون كاذباً فيما أخبر به؛ ومثله قول أصحاب الكهف {أية : قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}تفسير : [الكهف: 19] وإنما لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين ـ على ما يأتي ـ ولم يكونوا كاذبين لأنهم أخبروا عما عندهم، كأنهم قالوا: الذي عندنا وفي ظنوننا أننا لبثنا يوماً أو بعض يوم. ونظيره حديث : قول النبيّ صلى الله عليه وسلم في قصة ذي اليَدَين: «لم أقصر ولم أَنْس»تفسير : . ومن الناس من يقول: إنه كذبٌ على معنى وجود حقيقة الكذب فيه ولكنه لا مؤاخذة به، وإلا فالكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه وذلك لا يختلف بالعلم والجهل، وهذا بيّن في نظر الأُصول. فعلى هذا يجوز أن يقال: إن الأنبياء لا يُعصمون عن الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه إذا لم يكن عن قصد، كما لا يعصمون عن السهو والنسيان. فهذا ما يتعلق بهذه الآية، والقول الأول أصح. قال ابن جُريج وقَتادة والربيع: أماته الله غُدوةَ يومٍ ثم بُعث قبل الغروب فظن هذا اليومَ واحداً فقال: لبثتُ يوماً، ثم رأى بقيةً من الشمس فخشي أن يكون كاذباً فقال: أو بعض يوم. فقيل: بل لبثتَ مائة عام؛ ورأى من عمارة القرية وأشجارها ومبانيها ما دلّه على ذلك. قوله تعالى: {فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ} وهو التِّين الذي جمعه من أشجار القرية التي مرّ عليها. {وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} وقرأ ابن مسعود «وهذا طعامك وشرابك لم يتسنَّه». وقرأ طلحة بن مُصَرِّف وغيره «وانظر لطعامك وشرابك لمائة سنة». وقرأ الجمهور بإثبات الهاء في الوصل إلاّ الأخَوَان فإنهما يحذفانها، ولا خلاف أن الوقف عليها بالهاء. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف أيضاً «لم يَسَّنَّ» «وانظر» أدغم التاء في السين؛ فعلى قراءة الجمهور الهاء أصلية، وحذفت الضمة للجزم، ويكون «يَتَسَنَّهْ» من السنَّة أي لم تُغيّره السِّنون. قال الجوهريّ: ويقال سُنون، والسَّنَة واحدة السِّنين، وفي نقصانها قولان: أحدهما الواو، والآخر الهاء. وأصلها سَنْهة مثل الجبْهَة؛ لأنه من سَنَهتِ النخلةُ وتسنَّهت إذا أتت عليها السّنون. ونخلة سَنَّاء أي تحمل سنة ولا تحمل أُخرى؛ وسَنْهَاء أيضاً، قال بعض الأنصار:شعر : فَلَيْسَتْ بسَنْهَاءٍ ولا رُجَبّية ولكن عَرَايَا في السِّنِين الجَوائح تفسير : وأسْنهتُ عند بني فلان أقمت عندهم، وتَسنّيت أيضاً. واستأجرته مساناة ومُسانهة أيضاً. وفي التصغير سُنَيّة وسنَيْهَة. قال النحاس: من قرأ «لم يتسنّ» و «انظر» قال في التصغير: سُنَيّة وحذفت الألف للجزم، ويقف على الهاء فيقول: «لم يتسنهْ» تكون الهاء لبيان الحركة. قال المَهْدَوِيّ: ويجوز أن يكون أصله من سانَيْتُه مساناة، أي عاملته سنَةً بعد سنة، أو من سانهت (بالهاء)؛ فإن كان من سانيت فأصله يتسنّى فسقطت الألف للجزم؛ وأصله من الواو بدليل قولهم سنَوات والهاء فيه للسكت، وإن كان من سانَهْت فالهاء لام الفعل؛ وأصل سنة على هذا سَنْهة. وعلى القول الأوّل سَنَوَة. وقيل: هو من أسِنَ الماء إذا تغيّر، وكان يجب أن يكون على هذا يتأسّن. أبو عمرو الشيبانيّ: هو من قوله {أية : حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} تفسير : [الحجر: 26] فالمعنى لم يتغيّر. الزجاج، ليس كذلك؛ لأن قوله «مسنون» ليس معناه متغيّر وإنما معناه مصبوب على سُنَّة الأرض. قال المهدوي: وأصله على قول الشيباني «يتسنّن» فأبدلت إحدى النونين ياءً كراهة التضعيف فصار يتسنّى، ثم سقطت الألف للجزم ودخلت الهاء للسكت. وقال مجاهد: «لم يَتَسَنَّهْ» لم ينتن. قال النحاس: أصح ما قيل فيه أنه من السّنَة، أي لم تغيّره السّنون. ويحتمل أن يكون من السَّنَة وهي الجَدْب؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ}تفسير : [الأعراف: 130] وقوله عليه السلام: «حديث : اللَّهُمّ اجعلها عليهم سِنِينَ كسِنِي يوسف»تفسير : . يقال منه: أسنَتَ القومُ أي أجدبوا؛ فيكون المعنى لم يغيّر طعامك القحوط والجدوب، أو لم تغيّره السّنون والأعوام، أي هو باق على طَراوته وغضارته. قوله تعالى: {وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ} قال وهب بن مُنْبّه وغيره: وٱنظر إلى اتصال عظامه وإحيائه جزءاً جزءاً. ويُروى أنه أحياه الله كذلك حتى صار عظاماً ملتئمة، ثم كساه لحماً حتى كمل حماراً، ثم جاءه ملَك فنفخ فيه الروح فقام الحمار ينْهَق؛ على هذا أكثر المفسرين. ورُوي عن الضحّاك ووهب بن منبّه أيضاً أنهما قالا: بل قيل له: وٱنظر إلى حمارك قائماً في مربطه لم يصبه شيء مائةَ عام؛ وإنما العظام التي نظر إليها عظام نفسه بعد أن أحيا الله منه عينيه ورأسَه، وسائرُ جسده ميتٌ، قالا: وأعمى الله العيون عن إرمياء وحماره طول هذه المدة. قوله تعالى: {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} قال الفرّاء: إنما أُدخل الواو في قوله «وَلِنَجْعَلَكَ» دلالة على أنها شرط لفعل بعده، معناه «وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ» ودلالة على البعث بعد الموت جعلنا ذلك. وإن شئت جعلت الواو مُقْحمةً زائدة. وقال الأعمش: موضع كونه آيةً هو أنه جاء شاباً على حاله يوم مات، فوجد الأبناء والحَفَدة شيوخاً. عِكرمة: وكان يوم مات ابنَ أربعين سنة. ورُوي عن علي رضوان الله عليه أن عُزيراً خرج من أهله وخلّف ٱمرأته حاملاً، وله خمسون سنة فأماته الله مائةَ عام، ثم بعثه فرجع إلى أهله وهو ابن خمسين سنة وله ولد من مائة سنة فكان ابنه أكبر منه بخمسين سنة. ورُوي عن ابن عباس قال: لما أحيا الله عُزيراً ركب حماره فأتى مَحلّته فأنكر الناسَ وأنكروه، فوجد في منزله عجوزاً عمياء كانت أمَة لهم، خرج عنهم عُزير وهي بنت عشرين سنة، فقال لها: أهذا منزل عُزير؟ فقالت نعم! ثم بكت وقالت: فارقنا عُزير منذ كذا وكذا سنة! قال: فأنا عُزير؛ قالت: إن عزيراً فقدناه منذ مائة سنة. قال: فالله أماتني مائة سنة ثم بعثني. قالت: فعزير كان مستجاب الدعوة للمريض وصاحبِ البلاء فيُفيق، فادع الله يرد عليّ بصري؛ فدعا الله ومسح على عينيها بيده فصحّت مكانها كأنها أُنْشطت من عِقَال. قالت: أشهد أنك عُزير! ثم انطلقت إلى ملإ بني إسرائيل وفيهم ابنٌ لعزير شيخٌ ابن مائة وثمانية وعشرين سنة، وبنو بنيه شيوخ، فقالت: يا قوم، هذا والله عُزير! فأقبل إليه ابنه مع الناس فقال ابنه: كانت لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه؛ فنظرها فإذا هو عُزير. وقيل: جاء وقد هلك كل من يعرف، فكان آيةً لمن كان حيّاً من قومه إذ كانوا موقنين بحاله سماعاً. قال ابن عطية: وفي إماتته هذه المدّة ثم إحيائه بعدها أعظم آية، وأمره كلّه آية غابر الدهر، ولا يحتاج إلى تخصيص بعض ذلك دون بعض. قوله تعالى: {وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا} قرأ الكوفيون وابن عامر بالزاي والباقون بالراء، وروى أَبَانُ عن عاصم «نَنْشُرُهَا» بفتح النون وضم الشين والراء، وكذلك قرأ ابن عباس والحسن وأبو حَيْوَة؛ فقيل: هما لغتان في الإحياء بمعنًى؛ كما يقال: رَجَع وَرَجَعْتُه، وغاض الماء وغِضْته، وخسِرت الدابةُ وخَسِرتها؛ إلا أن المعروف في اللغة أنشر الله الموتى فَنَشَروا، أي أحياهم الله فحيوا؛ قال الله تعالى: {أية : ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ}تفسير : [عبس: 22] ويكون نَشْرها مثل نشر الثوب. نشرَ الميّتُ ينشرُ نُشوراً أي عاش بعد الموت؛ قال الأعشي:شعر : حتى يقولَ الناسُ مما رأُوْا يا عَجَبَا للميّت النّاشِرِ تفسير : فكأن الموت طيٌّ للعظام والأعضاء، وكأن الإحياء وجمعَ الأعضاء بعضها إلى بعض نشرٌ. وأما قراءة «نُنْشِزُها» بالزاي فمعناه نرفعها. والنَّشْزُ: المرتفع من الأرض؛ قال:شعر : ترى الثعلب العوْليّ فيها كأنه إذا ما علا نَشْزاً حَصان مجلَّلُ تفسير : قال مكيّ: المعنى: ٱنظر إلى العظام كيف نرفع بعضها على بعض في التركيب للإحياء؛ لأن النشز الارتفاع؛ ومنه المرأة النَّشُوز، وهي المرتفعة عن موافقة زوجها؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ} تفسير : [المجادلة: 11] أي ارتفعوا وانضموا. وأيضاً فإن القراءة بالراء بمعنى الإحياء، والعظام لا تحيا على الانفراد حتى ينضم بعضها إلى بعض، والزاي أوْلى بذلك المعنى، إذ هو بمعنى الانضمام دون الإحياء. فالموصوف بالإحياء هو الرجل دون العظام على انفرادها، ولا يقال: هذا عظم حيّ، وإنما المعنى فانظر إلى العظام كيف نرفعها من أماكنها من الأرض إلى جسم صاحبها للإحياء. وقرأ النخعي «نَنشُزُها» بفتح النون وضم الشين والزاي؛ ورُوي ذلك عن ابن عباس وقتادة. وقرأ أُبَيّ بن كعب «ننشيها» بالياء. والكسوة: ما وارى من الثياب، وشُبّه اللحم بها. وقد استعاره لبيد للإسلام فقال:شعر : حتـى اكتسَيْـتُ مـن الإسـلام سِرْبـالاً تفسير : وقد تقدّم أوّل السورة. قوله تعالى: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} بقطع الألف. وقد رُوي أن الله جل ذكره أحيا بعضه ثم أراه كيف أحيا باقي جسده. قال قَتادة: إنه جعل ينظر كيف يوصل بعض عظامه إلى بعض؛ لأن أوّل ما خلق الله منه رأسه وقيل له: انظر، فقال عند ذلك: «أعلم» بقطع الألف، أي أعلم هذا. وقال الطبري: المعنى في قوله «فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ» أي لما اتضح له عياناً ما كان مستنكراً في قدرة الله عنده قبل عيانه قال: أعلم. قال ابن عطية: وهذا خطأ؛ لأنه ألزم ما لا يقتضيه اللفظ، وفسّر على القول الشاذ والاحتمال الضعيف، وهذا عندي ليس بإقرار بما كان قبلُ ينكره كما زعم الطبريّ، بل هو قول بعثه الاعتبار؛ كما يقول الإنسان المؤمن إذا رأى شيئاً غريباً من قدرة الله تعالى: لا إلۤه إلا الله ونحو هذا. وقال أبو عليّ: معناه أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته. قلت: وقد ذكرنا هذا المعنى عن قتادة، وكذلك قال مَكّيّ رحمه الله، قال مَكّيّ: إنه أخبر عن نفسه عند ما عاين من قدرة الله تعالى في إحيائه الموتى، فتيقّن ذلك بالمشاهدة، فأقرّ أنه يعلم أن الله على كل شيء قدير، أي أعلم (أنا) هذا الضرب من العلم الذي لم أكن أعلمه على معاينة؛ وهذا على قراءة من قرأ «أَعْلَمُ» بقطع الألف وهم الأكثر من القراء. وقرأ حمزة والكسائي بوصل الألف، ويحتمل وجهين: أحدهما قال له الملك: ٱعلم، والآخر هو أن ينزِّل نفسه منزلة المخاطَب الأجنبي المنفصل؛ فالمعنى فلما تبين له قال لنفسه: ٱعلمي يا نفس هذا العلم اليقين الذي لم تكوني تعلمين معاينة؛ وأنشد أبو عليّ في مثل هذا المعنى:شعر : ودّع هريـرةَ إن الرّكـب مُرتحِـلُ ألم تغْتَمِـضْ عينـاك ليلةَ أَرْمَـدا تفسير : قال ابن عطية: وتأنّس أبو عليّ في هذا المعنى بقول الشاعر:شعر : تذَكّر من أنَّى ومن أين شُرْبُه يُؤامِرُ نَفْسَيْه كذِي الهَجْمَة الأَبِل تفسير : قال مَكّيّ: ويبعد أن يكون ذلك أمراً من الله جلّ ذكره له بالعلم؛ لأنه قد أظهر إليه قدرته، وأراه أمراً أيقن صحته وأقرّ بالقدرة فلا معنى لأن يأمره الله بعلم ذلك، بل هو يأمر نفسه بذلك وهو جائز حسَن. وفي حرف عبد الله ما يدل على أنه أمرٌ من الله تعالىٰ له بالعلم على معنى الزم هذا العلم لما عاينت وتيقنت، وذلك أن في حرفه: قيل ٱعلم. وأيضاً فإنه موافق لما قبله من الأمر في قوله: «انْظُرْ إلَىٰ طَعَامِكَ» و «انْظُرْ إلَىٰ حمارك» و «وَانْظُرْ إلىٰ الْعِظَامِ» فكذلك و «واعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ» وقد كان ابن عباس يقرؤها «قيل أعلم» ويقول أهو خير أم إبراهيم؟ إذ قيل له: «واعلم أن الله عزيز حكيم». فهذا يبيّن أنه من قول الله سبحانه له لما عاين من الإحياء.
البيضاوي
تفسير : {أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ} تقديره أو أرأيت مثل الذي فحذف لدلالة ألم تر عليه، وتخصيصه بحرف التشبيه لأن المنكر للإِحياء كثير والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحصى، بخلاف مدعي الربوبية، وقيل الكاف مزيدة وتقدير الكلام ألم تر إلى الذي حاج أو الذي مر. وقيل إنه عطف محمول على المعنى كأنه قيل: ألم تر كالذي حاج، أو كالذي مر. وقيل: إنه من كلام إبراهيم ذكره جواباً لمعارضته وتقديره أو إن كنت تحيي فأحيي كإحياء الله تعالى الذي مر على قرية. وهو عزير بن شرحيا. أو الخضر، أو كافر بالبعث. ويؤيده نظمه مع نمروذ. والقرية بيت المقدس حين خربه بختنصر. وقيل القرية التي خرج منها الألوف. وقيل غيرهما واشتقاقها من القرى وهو الجمع. {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} خالية ساقطة حيطانها على سقوفها. {قَالَ أَنَّىٰ يُحْييِ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} اعترافاً بالقصور عن معرفة طريق الإِحياء، واستعظاماً لقدرة المحيي إن كان القائل مؤمناً، واستبعاداً إن كان كافراً. و {أَنَّى} في موضع نصب على الظرف بمعنى متى أو على الحال بمعنى كيف. {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ } فألبثه ميتاً مائة عام، أو أماته الله فلبث ميتاً مائة عام. {ثُمَّ بَعَثَهُ } بالإِحياء. {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ } القائل هو الله وساغ أن يكلمه وإن كان كافراً لأنه آمن بعد البعث أو شارف الإِيمان. وقيل ملك أو نبي. {قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } كقول الظان. وقيل: إنه مات ضحى وبعث بعد المائة قبيل الغروب فقال قبل النظر إلى الشمس يوماً ثم التفت فرأى بقية منها فقال أو بعض يوم على الإِضراب. {قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ } لم يتغير بمرور الزمان، واشتقاقه من السنة. والهاء أصلية إن قدرت لام السنة هاء وهاء سكت إن قدرت واواً. وقيل أصله لم يتسنن من الحمأ المسنون فأبدلت النون الثالثة حرف علة كتقضي البازي، وإنما أفرد الضمير لأن الطعام والشراب كالجنس الواحد. وقيل كان طعامه تيناً وعنباً وشرابه عصيراً أو لبناً وكان الكل على حاله. وقرأ حمزة والكسائي «لم يتسن» بغير الهاء في الوصل. {وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ } كيف تفرقت عظامه، أو انظر إليه سالماً في مكانه كما ربطته حفظناه بلا ماء وعلف كما حفظناه الطعام والشراب من التغير، والأول أدل على الحال وأوفق لما بعده. {وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً لِلنَّاسِ } أي وفعلنا ذلك لنجعلك آية. روي أنه أتى قومه على حماره وقال أنا عزير فكذبوه، فقرأ التوراة من الحفظ ولم يحفظها أحد قبله فعرفوه بذلك، وقالوا هو ابن الله. وقيل لما رجع إلى منزله كان شاباً وأولاده شيوخاً فإذا حدثهم بحديث قالوا حديث مائة سنة. {وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ} يعني عظام الحمار، أو الأموات الذين تعجب من إحيائهم. {كَيْفَ نُنشِزُهَا} كيف نحييها، أو نرفع بعضها على بعض ونركبه عليه، وكيف منصوب بنشزها والجملة حال من العظام أي: انظر إليها محياة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب «ننشرها» من أنشر الله الموتى، وقرىء «ننشرها» من نشر بمعنى أنشر. {ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } فاعل تبين مضمر يفسره ما بعده تقديره: فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير. {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، أو يفسره ما قبله أي فلما تبين له ما أشكل عليه. وقرأ حمزة والكسائي {قَالَ أَعْلَمُ} على الأمر والأمر مخاطبه، أو هو نفسه خاطبها به على طريق التبكيت.
ابن كثير
تفسير : تقدم قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِيمَ فِى رِبِّهِ}تفسير : [البقرة: 258] وهو في قوة قوله: هل رأيت مثل الذي حاج إبراهيم في ربه؟ ولهذا عطف عليه بقوله: {أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} اختلفوا في هذا المار من هو؟ فروى ابن أبي حاتم، عن عصام بن رواد، عن آدم بن أبي إياس، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي بن أبي طالب، أنه قال: هو عزير. ورواه ابن جرير عن ناجية نفسه، وحكاه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وسليمان بن بريدة، وهذا القول هو المشهور. وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير: هو أرميا بن حلقيا. قال محمد بن إسحاق: عمن لا يتهم عن وهب بن منبه، أنه قال: هو اسم الخضر عليه السلام. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: سمعت سليمان بن محمد اليساري الجاري من أهل الجار ابن عم مطرف، قال: سمعت سلمان يقول: إن رجلاً من أهل الشام يقول: إن الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه اسمه حزقيل بن بورا. وقال مجاهد بن جبر: هو رجل من بني إسرائيل، وأما القرية، فالمشهور أنها بيت المقدس، مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها {وَهِىَ خَاوِيَةٌ} أي: ليس فيها أحد، من قولهم: خوت الدار تخوي خواء خوياً. قوله: {عَلَىٰ عُرُوشِهَا} أي: ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها، فوقف متفكراً فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة، وقال: {أَنَّىٰ يُحْىِ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} وذلك لما رآى من دثورها وشدة خرابها وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه، قال الله تعالى: {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} قال: وعمرت البلاد بعد مضي سبعين سنة من موته، وتكامل ساكنوها، وتراجع بنو إسرائيل إليها، فلما بعثه الله عز وجل بعد موته، كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه؛ لينظر بهما إلى صنع الله فيه: كيف يحيــــي بدنه، فلما استقل سوياً (قال) الله له، أي: بواسطة الملك: {كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} قال: وذلك أنه مات أول النهار، ثم بعثه الله في آخر النهار، فلما رأى الشمس باقية، ظن أنها شمس ذلك اليوم، فقال: {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} وذلك أنه كان معه فيما ذكر عنب وتين وعصير، فوجده كما تقدم لم يتغير منه شيء، لا العصير استحال، ولا التين حمض ولا أنتن، ولا العنب تعفن {وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ} أي: كيف يحييه الله عز وجل، وأنت تنظر {وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ} أي: دليلاً على المعاد {وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا} أي: نرفعها، فيركب بعضها على بعض. وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث نافع بن أبي نعيم عن إسماعيل بن حكيم، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: {كَيْفَ نُنشِزُهَا} بالزاي، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقرىء {نُنشِرُهَا} أي: نحييها، قاله مجاهد {ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا}. وقال السدي وغيره: تفرقت عظام حماره حوله يميناً ويساراً، فنظر إليها وهي تلوح من بياضها، فبعث الله ريحاً، فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة، ثم ركب كل عظم في موضعه حتى صار حماراً قائماً من عظام لا لحم عليها، ثم كساها الله لحماً وعصباً وعروقاً وجلداً، وبعث الله ملكاً فنفخ في منخري الحمار، فنهق بإذن الله عز وجل، وذلك كله بمرأى من العزير، فعند ذلك لما تبين له هذا كله {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: أنا عالم بهذا، وقد رأيته عياناً، فأنا أعلم أهل زماني بذلك، وقرأ آخرون: «قال: اعلم» على أنه أمر له بالعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَوْ } رأيت {كَٱلَّذِى } الكاف زائدة {مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ } هي بيت المقدس راكباً على حمار ومعه سلة تين وقدح عصير وهو (عزير) {وَهِىَ خَاوِيَةٌ } ساقطة {عَلَىٰ عُرُوشِهَا } سقوطها لما خرَّبها بختنصر {قَالَ إِنّى } كيف {يُحْىِ هَٰذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} استعظاماً لقدرته تعالى {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ } وألبثه {مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ } أحياه ليريه كيفية ذلك {قَالَ } تعالى له {كَمْ لَبِثْتَ } مكثت هنا؟{قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } لأنه نام أول النهار فقُبِضَ وأُحيي عند الغروب فظن أنه يوم النوم {قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ } التين {وَشَرَابِكَ } الْعَصِير {لَمْ يَتَسَنَّهْ } لم يتغير مع طول الزمان، و(الهاء) قيل أصل من (سانَهْتُ) وقيل للسكت من (سَانَيتُ)، وفي قراءة بحذفها {وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ } كيف هو؟ فرآه ميتاً وعظامه بيض تلوح!فعلنا ذلك لتعلم {وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً } على البعث {لِلنَّاسِ وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ } من حمارك {كَيْفَ نُنشِزُهَا} نحييها بضم النون وقرىء بفتحها من (أنشر) و(نشر)- لغتان-، وفي قراءة( نُنشزُها) بضم النون والزاي أي نُحَرِّكُها ونَرْفَعُها { ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } فنظر إليها وقد تركبت وكسيت لحما ونفخ فيه الروح ونهق {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } ذلك بالمشاهدة {قَالَ أَعْلَمُ } علم مشاهدة {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } وفي قراءة (اعْلَمْ) أمْرٌ من الله له.
الشوكاني
تفسير : قوله: {أَوْ كَٱلَّذِى } "أو" للعطف حملاً على المعنى، والتقدير: هل رأيت كالذي حاجّ، أو كالذي مرّ على قرية؟ قاله الكسائي، والفراء. وقال المبرد: إن المعنى: ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه؟ ألم تر من هو كالذي مرّ على قرية، فحذف قوله من هو. وقد اختار جماعة أن الكاف زائدة، واختار آخرون أنها إسمية. والمشهور أن القرية هي بيت المقدس بعد تخريب بختنصر لها، وقيل: المراد بالقرية: أهلها. وقوله: {خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا } أي: ساقطة على عروشها، أي: سقط السقف، ثم سقطت الحيطان عليه، قاله السُّدِّيُ، واختاره ابن جرير، وقيل: معناه خالية من الناس، والبيوت قائمة، وأصل الخواء الخلوّ، يقال خوت الدار وخويت تخوى خواء - ممدود - وخوياً، وخويا: أقفرت، والخواء أيضاً: الجوع لخلوّ البطن عن الغذاء، والظاهر القول الأوّل بدلالة قوله: {عَلَىٰ عُرُوشِهَا } من خوى البيت إذا سقط، أو من خوت الأرض إذا تهدمت، وهذه الجملة حالية: أي: من حال كونها كذلك. وقوله: {أنّى يُحْيِي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ } أي: متى يحيي، أو كيف يحيي، وهو استبعاد لإحيائها، وهي على تلك الحالة المشابهة لحالة الأموات المباينة لحالة الأحياء، وتقديم المفعول لكون الاستبعاد ناشئاً من جهته لا من جهة الفاعل. فلما قال المارُّ هذه المقالة مستبعداً لإحياء القرية المذكورة بالعمارة لها، والسكون فيها ضرب الله له المثل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ } وحكى الطبري عن بعضهم أنه قال: كان هذا القول شكاً في قدرة الله على الإحياء، فلذلك ضرب له المثل في نفسه. قال ابن عطية: ليس يدخل شكّ في قدرة الله سبحانه على إحياء قرية بجلب العمارة إليها، وإنما يتصور الشك إذا كان سؤاله، عن إحياء موتاها. وقوله: {مِاْئَةَ عَامٍ } منصوب على الظرفية. والعام: السنة أصله مصدر كالعوم سمي به هذا القدر من الزمان. وقوله: {بَعَثَهُ } معناه: أحياه. قوله: {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ } هو استئناف كأنّ سائلاً سأله ماذا قال له بعد بعثه؟ واختلف في فاعل قال؛ فقيل: هو الله عزّ وجل، وقيل: ناداه بذلك ملك من السماء، قيل: هو جبريل، وقيل: غيره، وقيل: إنه نبيّ من الأنبياء. قيل: رجل من المؤمنين من قومه شاهده عند أنْ أماته الله، وعمر إلى عند بعثه. والأول أولى لقوله فيما بعد {وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا } وقرأ ابن عامر، وأهل الكوفة إلا عاصماً {كَمْ لبثت} بإدغام الثاء في التاء لتقاربهما في المخرج. وقرأ غيرهم بالإظهار، وهو أحسن لبعد مخرج الثاء من مخرج التاء. و«كم» في موضع نصب على الظرفية، وإنما قال: {يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } بناء على ما عنده، وفي ظنه، فلا يكون كاذباً، ومثله قول أصحاب الكهف {أية : قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ }تفسير : [الكهف: 19] ومثله قوله صلى الله عليه وسلم في قصة ذي اليدين «حديث : لم تَقُصر ولم أنس»تفسير : وهذا ما يؤيد قول من قال: إن الصدق ما طابق الاعتقاد، والكذب ما خالفه. وقوله: {قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ } هو: استئناف أيضاً كما سلف: أي: ما لبثت يوماً، أو بعض يوم بل لبثت مائة عام. وقوله: {فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ } أمره سبحانه أن ينظر إلى هذا الأثر العظيم من آثار القدرة، وهو عدم تغير طعامه، وشرابه مع طول تلك المدّة. وقرأ ابن مسعود: «وهذا طعامك وشرابك لم يتسنه» وقرأ طلحة ابن مصرِّف «وانظر لطعامك وشرابك لمائة سنة». وروى عن طلحة أيضاً أنه قرأ: «لم يسَّن» بإدغام التاء في السين، وحذف الهاء. وقرأه الجمهور بإثبات الهاء في الوصل، والتسنه مأخوذ من السنة أي: لم تغيره السنون، وأصلها سنهة، أو سنوة من سنهت النخلة، وتسنهت: إذا أتت عليها السنون، ونخلة سنا أي: تحمل سنة، ولا تحمل أخرى، وأسنهت عند بني فلان: أقمت عندهم، وأصله يتسنا سقطت الألف للجزم، والهاء للسكت. وقيل: هو من أسن الماء: إذا تغيَّر، وكان يجب على هذا أن يقال يتأسن من قوله: {أية : حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } تفسير : [الحجر: 26، 33] قاله أبو عمرو الشيباني. وقال الزجاج: ليس كذلك؛ لأن قوله {مَّسْنُونٍ } ليس معناه متغير، وإنما معناه مصبوب على سنَّه الأرض. وقوله: {وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ } اختلف المفسرون في معناه، فذهب الأكثر إلى أن معناه: انظر إليه كيف تفرّقت أجزاؤه، ونخرت عظامه، ثم أحياه الله، وعاد كما كان. وقال الضحاك، ووهب بن منبه: انظر إلى حمارك قائماً في مربطه لم يصبه شيء بعد أن مضت عليه مائة عام، ويؤيد القول الأول قوله تعالى: {وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ ننشزها} ويؤيد القول الثاني مناسبته لقوله: {فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ } وإنما ذكر سبحانه عدم تغير طعامه، وشرابه، بعد إخباره أنه لبث مائة عام، مع أن عدم تغير ذلك الطعام، والشراب لا يصلح أن يكون دليلاً على تلك المدة الطويلة، بل على ما قاله من لبثه يوماً، أو بعض يوم لزيادة استعظام ذلك الذي أماته الله تلك المدة، فإنه إذا رأى طعامه، وشرابه لم يتغير مع كونه قد ظنّ أنه لم يلبث إلا يوماً، أو بعض يوم زادت الحيرة، وقويت عليه الشبهة، فإذا نظر إلى حماره عظاماً نخرة تقرّر لديه أن ذلك صنع من تأتي قدرته بما لا تحيط به العقول، فإن الطعام، والشراب سريع التغير. وقد بقي هذه المدّة الطويلة غير متغير، والحمار يعيش المدة الطويلة. وقد صار كذلك {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } تفسير : [المؤمنون: 14]. قوله: {وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً لِلنَّاسِ } قال الفراء: إنه أدخل الواو في قوله: {وَلِنَجْعَلَكَ } دلالةً على أنها شرط لفعل بعدها؛ معناه: ولنجعلك آية للناس، ودلالة على البعث بعد الموت جعلنا ذلك. وإن شئت جعلت الواو مقحمة زائدة. قال الأعمش: موضع كونه آية هو أنه جاء شباباً على حاله يوم مات، فوجد الأبناء، والحفدة شيوخاً. قوله: وانظر إلى العظام كيف ننشزها» قرأ الكوفيون، وابن عامر بالزاي، والباقون بالراء. وروى أبان عن عاصم: «نَنْشُرها» بفتح النون الأولى، وسكون الثانية، وضم الشين، والراء. وقد أخرج الحاكم وصححه، عن زيد بن ثابت؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قرأ: «كيف ننشزها» بالزاي. فمعنى القراءة بالزاي نرفعها، ومنه النشر: وهو المرتفع من الأرض: أي: يرفع بعضها إلى بعض. وأما معنى القراءة بالراء المهملة، فواضحة من أنشر الله الموتى أي: أحياهم، وقوله: {ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } أي: نسترها به كما نستر الجسد باللباس، فاستعار اللباس لذلك، كما استعاره النابغة للإسلام، فقال:شعر : فَالْحَمْدُ للهِ إِذ لَمْ يَأتِنِي أَجَلي حَتَّى اكْتَسَيْتُ مِنَ الإِسْلاَمِ سِرْبَالاَ تفسير : قوله: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } أي: ما تقدّم ذكره من الآيات التي أراه الله سبحانه، وأمره بالنظر إليها، والتفكر فيها: {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } لا يستعصي عليه شيءٌ من الأشياء. قال ابن جرير: المعنى في قوله: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } أي: لما اتضح له عياناً ما كان مستنكراً في قدرة الله عنده قبل عيانه. {قَالَ أَعْلَمُ } وقال أبو علي الفارسي معناه: أعلم أن هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته. وقرأ حمزة، والكسائي: "قَالَ أَعْلَمُ" على لفظ الأمر خطاباً لنفسه على طريق التجريد. وقد أخرج عبد بن حيمد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن عليّ في قوله: {أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ } قال: خرج عزير نبيّ الله من مدينته، وهو شاب، فمرّ على قرية خَرِبة، وهي خاوية على عروشها، فقال: {أنى يحيى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه} فأوّل ما خلق الله عيناه، فجعل ينظر إلى عظامه ينضم بعضها إلى بعض، ثم كسيت لحماً، ثم نفخ فيه الروح، فقيل له: {كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ } فأتى مدينته. وقد ترك جاراً له إسكافاً شاباً، فجاء، وهو شيخ كبير. وقد روي عن جماعة من السلف أن الذي أماته الله عزير، منهم ابن عباس عند ابن جرير، وابن عساكر، ومنهم عبد الله بن سلام عند الخطيب، وابن عساكر، ومنهم عكرمة، وقتادة، وسليمان، وبريدة، والضحاك، والسديّ عند ابن جرير، وورود عن جماعة آخرين أن الذي أماته الله هو نبيّ اسمه أرمياء، فمنهم عبد الله بن عبيد بن عمير، عند عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ومنهم: وهب بن منبه، عند عبد الرزاق، وابن جرير، وأبي الشيخ. وأخرج ابن إسحاق عنه أيضاً أنه الخضر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن رجل من أهل الشام أنه حزقيل. وروى ابن كثير، عن مجاهد أنه رجل من بني إسرائيل. والمشهور القول الأوّل، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {خَاوِيَةٍ } قال: خراب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة قال: {خَاوِيَةٍ } ليس فيها أحد. وأخرج أيضاً عن الضحاك قال: {عَلَىٰ عُرُوشِهَا } سقوفها. وأخرج ابن جرير، عن السديّ قال: ساقطة على سقوفها. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: {لَبِثْتُ يَوْمًا } ثم التفت فرأى الشمس، فقال: {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ }. وأخرج عنه أيضاً قال: كان طعامه الذي معه سلة من تين، وشرابه زقّ من عصير. وأخرج أيضاً عن مجاهد نحوه. وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لَمْ يَتَسَنَّهْ } قال: لم يتغير. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير قال: {لَمْ يَتَسَنَّهْ } لم ينتن. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود في قوله: {وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً لِلنَّاسِ } مثل ما تقدّم عن الأعمش، وكذلك أخرج مثله أيضاً عن عكرمة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {كَيْفَ نُنشِزُهَا } قال: نخرجها. وأخرج ابن جرير، عن زيد بن ثابت قال: نحييها.
الماوردي
تفسير : {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} اختلفوا في الذي مر على قرية على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه عزيز، قاله قتادة. والثاني: أنه إرْمياء، وهو قول وهب. والثالث: أنه الخَضِر، وهو قول ابن إسحاق، واختلفوا في القرية على قولين: أحدهما: هي بيت المقدس لما خرّبه بُخْتنصَّر، وهذا قول وهب وقتادة. والربيع بن أنس. والثاني: أنها التي خرج منها الألوف حذر الموت، قاله ابن زيد. {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} في الخاوية قولان: أحدهما: الخراب، وهو قول ابن عباس، والربيع، والضحاك. والثاني: الخالية. وأصل الخواء الخلو، يقال خوت الدار إذا خلت من أهلها، والخواء الجوع لخلو البطن من الغذاء {عَلَى عُرُوشِهَا}: على أبنيتها، والعرش: البناء. {قَالَ أَنَّى يَحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} فيه وجهان: أحدهما: يعمرها بعد خرابها. والثاني: يعيد أهلها بعد هلاكهم. {فَأَمَاتَهُ اللهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ: كَمْ لَبِثْتَ} أي مكث. {قَالَ: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} لأن الله تعالى أماته في أول النهار، وأحياه بعد مائة عام آخر النهار، فقال: يوماً، ثم التفت فرأى بقية الشمس فقال: {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}. {قَالَ: بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} فيه تأويلان: أحدهما: معناه لم يتغير، من الماء الآسن وهو غير المتغير، قال ابن زيد: والفرق بين الآسن والآجن أن الآجن المتغير الذي يمكن شربه والآسن المتغير الذي لا يمكن شربه. والثاني: معناه لم تأتِ عليه السنون فيصير متغيراً، قاله أبو عبيد. قيل: إن طعامه كان عصيراً وتيناً وعنباً، فوجد العصير حلواً، ووجد التين والعنب طرياً جنيّاً. فإن قيل: فكيف علم أنه مات مائة عام ولم يتغير فيها طعامه؟ قيل: إنه رجع إلى حاله فعلم ـ بالآثار والأخبار، وأنه شاهد أولاد أولاده شيوخاً، وكان قد خلف آباءهم مُرْداً ـ أنه مات مائة عام. وروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أن عزيراً خرج من أهله وخلف امرأته حاملاً وله خمسون سنة، فأماته الله مائة عام، ثم بعثه فرجع إلى أهله، وهو ابن خمسين سنة، وله ولد هو ابن مائة سنة، فكان ابنه أكبر منه بخمسين سنة، وهو الذي جعله الله آية للناس. وفي قوله تعالى: {وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا} قراءتان: إحداهما: ننشرُها بالراء المهملة، قرأ بذلك ابن كثير ونافع وأبو عمرو، ومعناه نحييها. والنشور: الحياة بعد الموت، مأخوذ من نشر الثوب، لأن الميت كالمطوي، لأنه مقبوض عن التصرف بالموت، فإذا حَيِيَ وانبسط بالتصرف قيل: نُشِرَ وأُنشِر. والقراءة الثانية: قرأ بها الباقون ننشِزُها بالزاي المعجمة، يعني نرفع بعضها إلى بعض، وأصل النشوز الارتفاع، ومنه النشز اسم للموضع المرتفع من الأرض، ومنه نشوز المرأة لارتفاعها عن طاعة الزوج. وقيل إِنَّ الله أحيا عينيه وأعاد بصره قبل إحياء جسده، فكان يرى اجتماع عظامه واكتساءها لحماً، ورأى كيف أحيا الله حماره وجمع عظامه. واختلفوا في القائل له: كم لبثت على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه ملك. والثاني: نبي. والثالث: أنه بعض المؤمنين المعمرين ممن شاهده عند موته وإحيائه.
ابن عطية
تفسير : {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِـى هَـذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ} عطفت {أو} في هذه الآية على المعنى، لأن مقصد التعجيب في قوله: {أية : ألم تر إلى الذي حاج} تفسير : [الآية: 258] يقتضي أن المعنى أرأيت كالذي حاج، ثم جاء قوله {أو كالذي}، عطفاً على ذلك المعنى، وقرأ أبو سفيان بن حسين "أوَ كالذي مر" بفتح الواو، وهي واو عطف دخل عليها ألف التقرير، قال سليمان بن بريدة وناجية بن كعب وقتادة وابن عباس والربيع وعكرمة والضحاك: الذي مر على القرية هو عزير، وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير وبكر بن مضر: هو أرمياء، وقال ابن إسحاق: أرمياء هو الخضر وحكاه النقاش عن وهب بن منبه، قال الفقيه أبو محمد: وهذا كما تراه، إلا أن يكون اسماً وافق اسماً؛ لأن الخضر معاصر لموسى، وهذا الذي مر على القرية هو بعده بزمان من سبط هارون فيما روى وهب بن منبه، وحكى مكي عن مجاهد أنه رجل من بني إسرائيل غير مسمى، قال النقاش: ويقال هو غلام لوط عليه السلام. قال أبو محمد: واختلف في القرية أيما هي؟ فحكى النقاش أن قوماً قالوا هي المؤتفكة. وقال ابن زيد: إن القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله: {أية : موتوا} تفسير : [البقرة: 243] مرّ عليهم رجل وهم عظام تلوح، فوقف ينظر فقال: {أنّى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام}، وترجم الطبري على هذا القصص بأنه قول بأن القرية التي مرّ عليها هي التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم. قال القاضي أبو محمد: وقول ابن زيد لا يلائم الترجمة، لأن الإشارة بهذه على مقتضى الترجمة هي إلى المكان، وعلى نفس القول هي إلى العظام والأجساد. وهذا القول من ابن زيد مناقض لألفاظ الآية، إذ الآية إنما تضمنت قرية خاوية لا أنيس فيها. والإشارة بهذه إنما هي إلى القرية، وإحياؤها إنما هو بالعمارة ووجود البناء والسكان. وقال وهب بن منبه وقتادة والضحاك وعكرمة الربيع: القرية بيت المقدس لما خربها بخت نصر البابلي في الحديث الطويل. حين أحدثت بنو إسرائيل الأحداث وقف أرمياء أو عزير على القرية وهي كالتل العظيم وسط بيت المقدس لأن بخت نصر أمر جنده بنقل التراب إليه حتى جعله كالجبل، ورأى أرمياء البيوت قد سقطت حيطانها على سقفها، والعريش سقف البيت وكل ما يهيأ ليظل أو يكن فهو عريش ومنه عريش الدالية والثمار، ومنه قوله تعالى: {أية : ومما يعرشون} تفسير : [النحل: 68] قال السدي: يقول هي ساقطة على سقفها أي سقطت السقف ثم سقطت الحيطان عليها، وقال غير السدي: معناه خاوية من الناس على العروش أي على البيوت، وسقفها عليها لكنها خوت من الناس والبيوت قائمة، قال أبو محمد وانظر استعمال العريش مع على، في الحديث في قوله، وكان المسجد يومئذ على عريش في أمر ليلة القدر، و {خاوية} معناه خالية، يقال خوت الدار تخوي خواء وخوياً ويقال خويت قال الطبري: والأول أفصح وقوله: {أنّى يحيي هذه الله بعد موتها} معناه من أي طريق وبأي سبب؟ وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان كما يقال الآن في المدن الخربة التي يبعد أن تعمر وتسكن فكأن هذا تلهف من الواقف المعتبر على مدينته التي عهد فيها أهله وأحبته، وضرب له المثل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه، والمثال الذي ضرب له في نفسه يحتمل أن يكون على أن سؤاله، إنما كان عن إحياء الموتى من بني آدم، أي أنى يحيي الله موتاها، وقد حكى الطبري عن بعضهم أنه قال كان هذا القول شكاً في قدرة الله على الإحياء، فلذلك ضرب له المثل في نفسه. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وليس يدخل شك في قدرة الله على إحياء قرية بجلب العمرة إليها، وإنما يتصور الشك من جاهل في الوجه الآخر، والصواب أن لا يتأول في الآية شك، وروي في قصص هذه الآية أن بني إسرائيل لما أحدثوا الأحداث بعث الله عليهم بخت نصر البابلي فقتلهم وجلاهم من بيت المقدس فخربه، فلما ذهب عنه جاء أرمياء فوقف على المدينة معتبراً فقال، {أنّى يحيي هذه الله بعد موتها}؟ قال: {فأماته الله} تعالى وكان معه حمار قد ربطه بحبل جديد وكان معه سلة فيها تبن وهو طعامه، وقيل تبن وعنب، وكان معه ركوة من خمر، وقيل من عصير وقيل، قلة ماء هي شرابه، وبقي ميتاً مائة عام، فروي أنه بلي وتفرقت عظامه هو وحماره، وروي أنه بلي دون الحمار، وأن الحمار بقي حياً مربوطاً لم يمت ولا أكل شيئاً ولا بليت رمته، وروي أن الحمار بلي وتفرقت أوصاله دون عزير، وروي أن الله بعث إلى تلك القرية من عمرها ورد إليها جماعة بني إسرائيل حيث كملت على رأس مائة سنة، وحينئذ حيي عزير، وروي أن الله رد عليه عينيه وخلق له حياة يرى بها كيف تعمر القرية ويحيى مدة من ثلاثين سنة تكملة المائة، لأنه بقي سبعين ميتاً كله، وهذا ضعيف ترد عليه ألفاظ الآية، وقوله تعالى: {ثم بعثه}، معناه: أحياه وجعل له الحركة والانتقال، فسأله الله تعالى بواسطة الملك {كم لبثت}؟ على جهة التقرير، و {كم} في موضع نصب على الظرف، فقال: {لبثت يوماً أو بعض يوم}، قال ابن جريج وقتادة والربيع: أماته الله غدوة يوم ثم بعث قبل الغروب، فظن هذا اليوم واحداً فقال {لبثت يوماً} ثم رأى بقية من الشمس فخشي أن يكون كاذباً فقال: {أو بعض يوم} فقيل له {بل لبثت مائة عام}، ورأى من عمارة القرية وأشجارها ومبانيها ما دله على ذلك قال النقاش: العام مصدر كالعوم سمي به هذا القدر من الزمان لأنها عومة من الشمس في الفلك، والعوم كالسبح، وقال تعالى: {أية : وكل في فلك يسبحون} تفسير : [الأنبياء: 33]. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه هذا معنى كلام النقاش. والعام على هذا كالقول والقال. وظاهر هذه الإماتة أنها بإخراج الروح من الجسد، وروي في قصص هذه الآية: أن الله بعث لها ملكاً من الملوك يعمرها ويجد في ذلك حتى كان كمال عمارتها عند بعث القائل: {أنّى يحيي هذه الله بعد موتها} وقرأ ابن كثير وعاصم ونافع: {لبثت} في كل القرآن بإظهارالثاء وذلك لتباين الثاء من مخرج التاء، وذلك أن الطاء والتاء والدال من حيز، والظاء والذال والثاء المثلثة من حيز، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي، بالإدغام في كل القرآن، أجروهما مجرى المثلى من حيث اتفق الحرفان في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا وفي أنهما مهموستان، قال أبو علي: ويقوي ذلك وقوع هذين الحرفين في "روي قصيدة واحدة". قوله عز وجل: {فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وقف في هذه الألفاظ على بقاء طعامه وشرابه على حاله لم يتغير، وعلى بقاء حماره حيّاً على مربطه. هذا على أحد التأويلين. وعلى التأويل الثاني: وقف على الحمار كيف يحيى وتجتمع عظامه. وقرأ ابن مسعود: "وهذا طعامك وشرابك لم يتسنه"، وقرأ طلحة بن مصرف وغيره: "وانظر إلى طعامك وشرابك لمائة سنة"، قال أبو علي: واختلفوا في إثبات الهاء في الفعل من قوله عز وجل: {لم يتسنه} و {أية : اقتده} تفسير : [الأنعام: 90]، و {أية : ما أغنى عني ماليه} تفسير : [الحاقة: 28] و{أية : سلطانيه} تفسير : [الحاقة: 29] {أية : وما أدراك ماهية} تفسير : [القارعة: 10] وإسقاطها في الوصل، ولم يختلفوا في إثباتها في الوقف. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل، وكان حمزة يحذفهن في الوصل، وكان الكسائي يحذفها في {يتسنّه}، و {اقتده}، ويثبتها في الباقي. ولم يختلفوا في {أية : حسابيه} تفسير : [الحاقة: 20-26] و {أية : كتابيه} تفسير : [الحاقة: 19-25] أنهما بالهاء في الوقف والوصل، و{يتسنّه} يحتمل أن يكون من تسنن الشيء إذا تغير وفسد، ومنه الحمأ المسنون في قول بعضهم. وقال الزجّاج: ليس منه وإنما المسنون المصبوب على سنة الأرض، فإذا كان من تسنن فهو لم يتسنن. قلبت النون ياء كما فعل في تظننت، حتى قلت لم أتظنن، فيجيء تسنن تسنى. ثم تحذف الياء للجزم فيجيء المضارع لم يتسن. ومن قرأها بالهاء على هذا القول فهي هاء السكت. وعلى هذا يحسن حذفها في الوصل. ويحتمل {يتسنه} أن يكون من السنة وهو الجدب. والقحط، وما أشبهه، يسمونه بذلك. وقد اشتق منه فعل فقيل: استنّوا، وإذا كان هذا أو من السنة التي هي العام على قول من يجمعها سنوات فعلى هذا أيضاً الهاء هاء السكت، والمعنى لم تغير طعامك القحوط والجدوب ونحوه، أو لم تغيره السنون والأعوام. وأما من قال في تصغير السنة سنيهة وفي الجمع سنهات، وقال أسنهت عند بني فلان وهي لغة الحجاز ومنها قول الشاعر: شعر : وليست بسنهاء ولا رجبية ولكن عرايا في السنين الجوائح تفسير : فإن القراءة على هذه اللغة هي بإثبات الهاء ولا بد، وهي لام الفعل، وفيها ظهر الجزم بــ {لم}، وعلى هذا هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو، وقد ذكر. وقرأ طلحة بن مصرف "لم يسنّه" على الإدغام. وقال النقاش: {لم يتسنه} معناه: لم يتغير من قوله تعالى: {أية : ماء غير آسن} تفسير : [محمد: 15]، قال أبو محمد: ورد النحاة على هذا القول، لأنه لو كان من أسن الماء لجاء لم يتأسن، وأما قوله تعالى: {وانظر إلى حمارك}، فقال وهب بن منبه وغيره: المعنى وانظر إلى اتصال عظامه وإحيائه جزءاً جزءاً، ويروى أنه أحياه الله كذلك حتى صار عظاماً ملتئمة، ثم كساه لحماً حتى كمل حماراً، ثم جاء ملك فنفخ في أنفه الروح، فقام الحمار ينهق، وروي عن الضحاك ووهب بن منبه أيضاً أنهما قالا: بل قيل له وانظر إلى حمارك قائماً في مربطه لم يصبه شيء مائة سنة، قالا: وإنما العظام التي نظر إليها عظام نفسه، قالا: وأعمى الله العيون عن أرمياء وحماره طول هذه المدة. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وكثر أهل القصص في صورة هذه النازلة تكثيراً اختصرته لعدم صحته، وقوله تعالى: {ولنجعلك آية للناس} معناه لهذا المقصد من أن تكون آية فعلنا بك هذا، وقال الأعمش موضع كونه آية هو أنه جاء شاباً على حاله يوم مات، فوجد الحفدة والأبناء شيوخاً، وقال عكرمة: جاء وهو ابن أربعين سنة كما كان يوم مات، ووجد بنيه قد نيفوا على مائة سنة، وقال غير الأعمش: بل موضع كونه آية أنه جاء وقد هلك كل من يعرف، فكان آية لمن كان حياً من قومه، إذ كانوا موقنين بحاله سماعاً. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفي إماتته هذه المدة، ثم إحيائه أعظم آية، وأمره كله آية للناس غابر الدهر، لا يحتاج إلى تخصيص بعض ذلك دون بعض. وأما العظام التي أمر بالنظر إليها فقد ذكرنا من قال: هي عظام نفسه، ومن قال: هي عظام الحمار، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: "نَنْشُرُها" بضم النون الأولى وبالراء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. "ننشزها" بالزاي، وروى أبان عن عاصم "نَنشرُها" بفتح النون الأولى وضم الشين وبالراء، وقرأها كذلك ابن عباس والحسن وأبو حيوة. فمن قرأها "نُنشرها" بضم النون الأولى وبالراء فمعناه نحييها. يقال أنشر الله الموتى فنشروا، قال الله تعالى: {أية : ثم إذا شاء أنشره} تفسير : [عبس: 22]. وقال الأعشى: [السريع] شعر : يَا عَجَبا للميِّت النَّاشِرِ تفسير : وقراءة عاصم: "نَنشرها" بفتح النون الأولى يحتمل أن تكون لغة في الإحياء، يقال: نشرت الميت وأنشرته فيجيء نشر الميت ونشرته، كما يقال حسرت الدابة وحسرتها، وغاض الماء وغضته، ورجع زيد ورجعته. ويحتمل أن يراد بها ضد الطيّ، كأن الموت طيّ للعظام والأعضاء، وكأن الإحياء وجمع بعضها إلى بعض نشر. وأما من قرأ: "ننشزها" بالزاي بمعناه: نرفعها، والنشز المرتفع من الأرض، ومنه قول الشاعر: شعر : ترى الثَّعْلَبَ الْحَوليَّ فيها كأنَّهُ إذا مَا علا نَشْزاً حِصَانٌ مُجَلَّلُ تفسير : قال أبو علي وغيره: فتقديره ننشزها برفع بعضها إلى بعض للإحياء، ومنه نشوز المرأة وقال الأعشى: [الطويل] شعر : قُضَاعِيَّةٌ تَأْتي الْكَواهِنَ ناشِزا تفسير : يقال نشز وأنشزته. قال القاضي أبو محمد: ويقلق عندي أن يكون معنى النشوز رفع العظام بعضها إلى بعض، وإنما النشوز الارتفاع قليلاً قليلاً، فكأنه وقف على نبات العظام الرفات وخروج ما يوجد منها عند الاختراع، وقال النقاش: ننشزها معناه ننبتها، وانظر استعمال العرب تجده على ما ذكرت، من ذلك نشز ناب البعير، والنشز من الأرض على التشبيه بذلك، ونشزت المرأة كأنها فارقت الحال التي ينبغي أن تكون عليها، وقوله تعالى: {أية : وإذا قيل انشزوا فانشزوا} تفسير : [المجادلة: 11] أي فارتفعوا شيئاً شيئاً كنشوز الناب. فبذلك تكون التوسعة، فكأن النشوز ضرب من الارتفاع. ويبعد في الاستعمال أن يقال لمن ارتفع في حائط أو غرفة: نشز. وقرأ النخعي "نَنشُزُها" بفتح النون وضم الشين والزاي، وروي ذلك عن ابن عباس وقتادة. وقرأ أبي بن كعب: "كيف ننشيها" بالياء. والكسوة: ما وارى من الثياب،وشبه اللحم بها، وقد استعاره النابغة للإسلام فقال: شعر : الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيتُ من الإسلامِ سربالا تفسير : وروي أنه كان يرى اللحم والعصب والعروق كيف تلتئم وتتواصل وقال الطبري: المعنى في قوله {فلما تبين له} أي لما اتضح له عياناً ما كان مستنكراً في قدرة الله عنده قبل عيانه، {قال أعلم}. قال القاضي أبو محمد: وهذا خطأ لأنه ألزم ما لا يقتضيه اللفظ، وفسر على القول الشاذ والاحتمال الضعيف، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: "أعلمُ أن" مقطوعة الألف مضمومة الميم. وقرأ حمزة والكسائي: "قال اعلم أن الله" موصولة الألف ساكنة الميم. وقرأها أبو رجاء، وقرأ عبد الله بن مسعود والأعمش، "قيل أعلم". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فأما هذه فبينة المعنى أي قال الملك له. والأولى بينة المعنى أي قال هو أنا أعلم أن الله على كل شيء قدير. وهذا عندي ليس بإقرار بما كان قبل ينكره كما زعم الطبري. بل هو قول بعثه الاعتبار كما يقول الإنسان المؤمن إذا رأى شيئاً غريباً من قدرة الله: الله لا إله إلا هو ونحو هذا. وقال أبو علي: معناه أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: يعني علم المعاينة، وأما قراءة حمزة والكسائي فتحتمل وجهين أحدهما، قال الملك له "اعلم"، والآخر أن ينزل نفسه منزلة المخاطب الأجنبي المنفصل، فالمعنى فلما تبين له قال لنفسه: "اعلم" وأنشد أبو علي في مثل هذا قول الأعشى: [البسيط] شعر : ودّعْ هُرَيْرَةَ إنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ تفسير : و - شعر : ألمْ تَغْتَمِضْ عَيْناكَ لَيْلَةَ أَرْمَدَا؟ تفسير : [الطويل] وأمثلة هذا كثيرة وتأنس أبو علي في هذا المعنى بقول الشاعر: [الطويل] شعر : تَذّكَّرَ مِنْ أَنّى ومِنْ أَيْنَ شُرْبُه يؤامِرُ نَفْسيْهِ كَذِي الْهَجْمَةِ الآبل
ابن عبد السلام
تفسير : {كَالِّذِى مَرَّ} عُزير، أو أرميا، أو الخضر. {قَرْيَةٍ} بيت المقدس لما خربه بختنصر، أو القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت. {خَاوِيَةٌ} خراب، أو خالية من الخواء وهو الخلو، ومنه خوت الدار، والخواء الجوع لخلو البطن. {عُرُوشِهَا} العروش البناء. {يُحْىِ هَذِهِ اللَّهُ} بالعمارة {بَعْدَ مَوْتِهَا} بالخراب. {يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} قال ذلك، لأنه مات أول النهار، وعاش بعد المائة آخر النهار فقال: يوماً، ثم رأى بقية الشمس فقال: أو بعض يوم. {لَمْ يَتَسَنَّهْ} لم يأتِ عليه السنون فيتغير، أو لم يتغير بالأسن. {نُنِشزُهَا} نحييها، من نشر الثوب، لأن الميت كالثوب المطوي، لانقباضه عن التصرف فإذا عاش فقد انتشر بالتصرف. {نُنِشزُهَا} نرفع بعضها إلى بعض، النشز المكان المرتفع، نشزت المرأة لارتفاعها عن طاعة زوجها، قاله ملك، أو نبي، أو بعض المعمرين ممن شاهد موته وحياته.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {أو كالذي مر على قرية} هذه معطوفة على الآية التي قبلها والمعنى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم أو كالذي مر على قرية فيكون هذا عطفاً على المعنى وقيل تقديره هل رأيت كالذي حاج إبراهيم وهل رأيت كالذي مر على قرية وقيل الكاف زائدة التقدير ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم أو إلى الذي مر على قرية واختلفوا في ذلك المار فروى عن مجاهد أنه كان كافراً شك في البعث وهذا قول ضعيف لقوله تعالى: {قال كم لبثت} والله تعالى لا يخاطب الكافر ولقوله تعالى: {ولنجعلك آية للناس} وهذا اللفظ لا يستعمل في حق الكافر وإنما يستعمل في حق الأنبياء وقال قتادة وعكرمة والضحاك والسدي هو عزيز بن شرخيا وقال وهب بن منبه هو أرمياء بن حلقيا من سبط هارون وهو الخضر ومقصود القصة تعريف منكري البعث قدرة الله تعالى على إحياء خلقه بعد إماتتهم لا تعريف اسم ذلك المار على القرية فجائز أن يكون ذلك المار هو عزيز وجائز أن يكون أرمياء وفي هذه القصة دلالة عظيمة بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر اليهود بما يجدونه في كتبهم ويعرفونه وهو أمي لم يقرأ الكتب القديمة واختلفوا في تلك القرية فقيل هي بيت المقدس وذلك لما خربها بختنصر والمراد بالإحياء هنا عمارتها وقيل هي القرية التي أهلك الله أهلها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف وقيل هي دير سابر آباد وقيل سلماباد وقيل هي دير هرقل وقيل قرية العنب هي على فرسخين من بيت المقدس وقوله هي دير سابر أباد موضع كان بفارس وسلماباد محلة أو قرية من نواحي جرجان وقيل: أيضاً من نواحي همدان ودير هرقل بكسر أوله وراء ساكنة وقاف مكسورة دير مشهور بين البصرة وعسكر مكرم. وقيل: هو موضع الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم لحزقيل كما تقدم ويقال إن المراد بقوله تعالى: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها} هي التي عندها أحيا الله حمار عزير {وهي خاوية على عروشها} أي ساقطة على سقوفها وذلك أن السقوف سقطت أولاً وقفت الحيطان عليها بعد ذلك {قال} يعني ذلك المار {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} فمن قال إن ذلك المار كان كافراً وهو ضعيف إنما حمله على الشك في قدرة الله ومن قال كان نبياً حمله على سبيل الاستبعاد بحسب مجاري العرف والعادة لا على سبيل الإنكار لقدرة الله تعالى أو كان المقصود منه طلب زيادة الدلائل لأجل التأكيد كما قال إبراهيم عليه السلام: {أية : رب أرني كيف تحيي الموتى} تفسير : [البقرة: 260] ومعنى {أنى يحيي هذه الله} من أين يحيي هذه القرية والمراد بالإحياء عمارتها فأحب الله أن يريه آية في نفسه وفي إحياء تلك القرية. وكان سبب القصة في ذلك ما روي عن وهب بن منبه أن الله تعالى بعث أرمياء إلى ناشية بن أموص ملك بني إسرائيل ليسدده ويأتيه بالخبر من الله تعالى فعظمت الأحداث في بني إسرائيل وركبوا المعاصي فأوحى الله تعالى إلى أرمياء أن ذكر قومك نعمي عليهم وعرفهم أحداثهم وادعهم إلي فقال أرمياء يا رب إني ضعيف إن لم تقوني عاجز إن لم تبلغني مخذول إن لم تنصرني فقال الله تعالى: إني ألهمك فقام أرمياء فيهم ولم يدر ما يقول، فألهمه الله تعالى في الوقت خطبة بليغة طويلة بين لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية وقال في آخرها عن الله عز وجل إني أحلف بعزتي لأقيضن له فتنة يتحير فيها الحكيم ولأسلطن عليهم جباراً فارسياً ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم ثم أوحى الله تعالى إليه إني مهلك بني إسرائيل بيافث ويافث هم أهل بابل وهم من ولد يافث بن نوح فلما سمع أرمياء ذلك صاح وبكى وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه فلما رأى الله تضرعه وبكاءه ناداه يا أرمياء أشق عليك ما أوحيت إليك قال نعم يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل مالا أسربه فقال الله عز وجل: وعزتي وجلالي لا أهلك بني إسرائيل حتى يكون الأمر في ذلك من قبلك ففرح أرمياء بذلك وطابت نفسه وقال: لا والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني إسرائيل، ثم أتى الملك فأخبره بذلك وكان ملكاً صالحاً فاستبشر وفرح وقال إن يعذبنا ربنا فبذنوبنا وإن يعف عنا فبرحمته ثم إنهم مكثوا بعد ذلك الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلاّ معصية وتمادياً في الشر فقل الوحي وذلك حين اقترب هلاكهم فدعاهم الملك إلى التوبة فلم يفعلوا فسلط الله عليهم بختنصر البابلي فخرج في ستمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس فلما فصل سائراً وأتى الخبر إلى ملك بني إسرائيل قال لأرمياء: أين ما زعمت أن الله تعالى أوحى إليك فقال أرمياء: إن الله لا يخلف الميعاد وأنا به واثق فلما قرب الأجل بعث الله تعالى إلى أرمياء ملكاً قد تمثل له في صورة رجل من بني إسرائيل فقال له أرمياء من أنت قال أنا رجل من بني إسرائيل أتيتك أستفتيك في أهل رحمي وصلت أرحامهم ولم آت إليهم إلاّ حسناً ولا يزيدهم إكرامي إياهم إلاّ سخطاً لي فأفتني فيهم فقال أرمياء: أحسن فيما بينك وبين الله وصلهم وأبشر بخير فانصرف الملك فمكث أياماً ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل فقعد بين يديه فقال له أرمياء من أنت قال أنا الرجل أتيتك أستفتيك في شأن أهلي فقال له أرمياء أما طهرت أخلاقهم بعدلك فيهم فقال يا نبي الله والذي بعثك بالحق نبياً ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى رحمه إلاّ قدمتها إليهم وأفضل فقال أرمياء: ارجع إليهم فأحسن إليهم واسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم فقام الملك فمكث أياماً ثم إن يختنصر نزل بجنوده بيت المقدس ففزع منهم بنو إسرائيل فقال ملكهم لأرمياء با نبي الله أين ما وعدك الله فقال إني بربي واثق ثم أقبل ذلك الملك إلى أرمياء وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذي وعده فقعد بين يديه فقال له أرمياء من أنت قال أنا الذي جئتك في شأن أهلي مرتين فقال أرمياء: أما آن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه فقال الملك يا نبي الله إن كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه فاليوم رأيتهم على عمل لا يرضي الله تعالى فقال له أرمياء: على أي عمل رأيتهم؟ قال على عمل عظيم يسخط الله تعالى فغضبت لله عز وجل فأتيتك لأخبرك وأنا سألك بالله الذي بعثك بالحق أن تدعو الله عليهم ليهلكوا فقال أرمياء: يا مالك السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام إن كانوا على حق وصواب فأبقهم وإن كانوا على عمل لا ترضاه فأهلكهم فما خرجت الكلمة من فيه حتى أرسل الله عز وجل صاعقة من السماء على بيت المقدس فالتهب مكان القربان وأحرقت سبعة أبواب من أبوابه، فلما رأى ذلك أرمياء صاح وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه وقال يا مالك السموات والأرض أين ميعادك الذي وعدتني به فنودي أنهم لم يصبهم ما أصابهم إلاّ بفتياك ودعائك عليهم، فاستيقن أرمياء أنها فتياه وأن ذلك السائل كان رسولاً من الله تعالى إليه فخرج أرمياء حتى خالط الوحوش ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس ووطئ الشام، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس وأمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه تراباً ويقذفه في بيت المقدس ففعلوا ذلك حتى ملؤوه ثم أمرهم أن يجمعوا من كان بقي في بلدان بيت المقدس فاجتمع عنده من كان بقي من بني إسرائيل من صغير وكبير فاختار منهم سبعين ألف صبي فقسمهم بين الملوك الذي كانوا معه فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمة. وكان في أولئك الغلمان دانيال عليه السلام وحنانيا وعزير، وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق فثلثاً قتلهم وثلثاً سباهم وثلثاً أقرهم بالشام فكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل بظلمهم فلما ولى بختنصر راجعاً إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل أقبل أرمياء على حمار له ومعه عصير عنب في ركوة وسلة تين حتى غشي إيليا وهي أرض بيت المقدس فلما رأى خرابها قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها. ومن قال: إن المار كان عزيراً قال: إن بختنصر لما خرب بيت المقدس بسبايا بني إسرائيل وكان فيهم عزيز ودانيال وسبعة آلاف من أهل بيت داود، فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار حتى نزل دير هرقل على شط دجلة فطاف بالقرية فلم ير أحداً وعامة شجرها حامل فأكل من الفاكهة واعتصر من العنب فشرب منه وجعل فضل الفاكهة في سلة وفضل العصير في زق، ولما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال أني يحيي هذه الله بعد موتها وإنما قال ذلك تعجباً لا شكا في البعث. ورجعنا إلى حديث وهب قال ثم إن أرمياء ربط حماره بحبل جديد وألقى الله تعالى عليه النوم فلما نام ونزع الله منه الروح فمات مائة عام وأمات حماره وبقي عصيره وتينه عنده وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد وذلك ضحى ومنع لحمه من السباع والطير، فلما مضى من وقت موته مدة سبعين سنة أرسل الله تعالى ملكاً إلى ملك من ملوك فارس يقال له نوشك وقال له: إن الله يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيليا حتى يعود أعمر ما كان فانتدب الملك ألف قهرمان مع كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل وجعلوا يعمرونه وأهلك الله بختنصر ببعوضة دخلت في دماغه ونجى الله من بقي من بني إسرائيل وردهم جميعاً إلى بيت المقدس ونواحيها فعمروها ثلاثين سنة وكثروا كأحسن ما كانوا، فلما مضت المائة أحيا الله منه عينيه وسائر جسده ميت ثم أحيا الله جسده وهو ينظر ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه تلوح بيض متفرقة فسمع صوتاً من السماء أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي فاجتمع بعضها إلى بعض، ثم نودي إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً وجلداً فكان كذلك، ثم نودي إن الله يأمرك أن تحيي فقام الحمار بإذن الله ثم نهق وعمر الله أرمياء فهو يدور في الفلوات فذلك قوله تعالى: {فأماته الله مائة عام} أصل العام من العوم وهو السباحة سميت السنة عاماً لأن الشمس تعوم في جميع بروجها {ثم بعثه} أي ثم أحياه وأصله من بعثت الناقة إذا أقمتها من مكانها {قال كم لبثت} يعني قال الله تعالى له كم قدر الزمان الذي مكثت فيه ميتاً قبل أن أبعثك من مكانك حياً؟ ويقال إن الله تعالى لما أحياه بعث إليه ملكاً فسأله كم لبثت {قال} يعني ذلك المبعوث بعد مماته {لبثت يوماً} وذلك أن الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة سنة في آخر النهار قبل أن تغيب الشمس فقال لبثت يوماً وهو يرى أن الشمس قد غابت ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: {أو بعض يوم قال} يعني قال الله له، وقيل قال الملك له {بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك} يعني التين الذي كان معه قبل موته {وشرابك} يعني العصير {لم يتسنه} يعني لم تغيره السنون التي أتت عليه فكان التين كأنه قد قطف من ساعته والعصير كأنه قد عصر من ساعته لم يتغير ولم ينتن {وانظر إلى حمارك} أي وانظر إلى إحياء حمارك فنظر فإذا هو عظام بيض فركب الله تعالى العظام بعضها على بعض ثم كساه اللحم والجلد وأحياه وهو ينظر {ولنجعلك آية للناس} قيل الواو زائدة مقحمة وقيل: دخول الواو فيه دلالة على أنها شرط لفعل بعدها والمعنى وفعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء لنجعلك آية للناس يعني عبرة ودلالة على البعث بعد الموت. وقال أكثر المفسرين وقيل: إنه عاد إلى القرية وهو شاب أسود الرأس واللحية وأولاده وأولاد أولاده شيوخ وعجائز شمط فكان ذلك آية للناس {وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً} قرئ بالراء ومعناه كيف نحييها يقال أنشر الله الميت إنشاراً يعني أحياه وقرئ بالزاي ومعناه: كيف نرفعها من الأرض ونردها إلى مكانها من الجسد، وتركيب بعضها على بعض وإنشاز الشيء رفعه وإنزعاجه يقال: نشزته فنشز أي رفعته فارتفع واختلفوا في معنى الآية فقال الأكثرون إنه أراد عظام الحمار قيل إن الله تعالى أحيا عزيراً أو أرمياً على اختلاف القولين فيه ثم قال: له: انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه، فنظر وبعث الله ريحاً فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل، فاجتمعت فركب بعضها على بعض حتى الكسرة من العظم رجعت إلى موضعها فصار حماراً من عظام ليس عليه لحم، ولا فيه دم ثم كسا الله تلك العظام اللحم والعروق والدم، فصار حماراً ذا لحم ودم لا روح فيه، ثم بعث الله ملكاً فأقبل إليه يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه الروح فقام الحمار حياً بإذن الله تعالى، ثم نهق وقيل: أراد بالعظام عظام هذا الرجل نفسه وذلك أن الله تعالى أماته ثم بعثه ولم يمت حماره. ثم قيل: له انظر إلى حمارك فنظر فرأى حماره حياً قائماً كهيئته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب مائة عام ونظر إلى الرمة في عنقه جديدة لم تتغير ثم قيل له: انظر إلى العظام كيف ننشزها وذلك أن الله أول ما أحيا منه عينيه فنظر فرأى سائر جسده ميتاً وفي الآية تقديم وتأخير تقديره وانظر إلى حمارك وانظر إلى العظام كيف ننشزها، ولنجعلك آية للناس وعن ابن عباس وغيره من المفسرين لما أحيا الله عزيراً بعد ما أماته سنة ركب حماره حتى أتى إلى محلته فأنكر الناس، وأنكر منازله فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة، وكانت أمة لهم ولما خرج عزير عنهم كانت بنت عشرين سنة، وكانت قد عرفته وعقلته فقال لها عزير: يا هذه هذا منزل عزير فقالت: نعم وبكت وقالت ما رأيت أحداً يذكر عزيراً منذ كذا وكذا؛ فقال: أنا عزير فقالت: سبحان الله أن عزيراً فقدناه من مائة سنة ولم نسمع له بذكر فقال: إني عزير إن الله تعالى أماتني مائة سنة ثم أحياني فقالت: إن عزيراً كان رجلاً مجاب الدعوة وكان يدعو للمريض وصاحب البلايا بالعافية فادع الله أن يرد علي بصري حتى أراك فإن كنت عزيراً عرفتك فدعا ربه ومسح بيده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها وقال لها: قومي بإذن الله تعالى فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة، فنظرت إليه وقالت: أشهد أنك عزير وانطلقت إلى بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثمانية عشرة سنة، وبنو بنيه شيوخ فنادت هذا عزير قد جاءكم، فكذبوها فقالت: أنا فلانة مولاتكم فدعا عزير ربه فرد عليَّ بصري وأطلق رجلي، وزعم أن الله تعالى قد أماته مائة سنة ثم بعثه قال: فنهض الناس إليه، وقال: ابنه: كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه فكشف عن كتفيه فنظر إليها فرآها فعرف أنه عزير، وقيل: لما رجع عزير إلى قريته وقد أحرق بختنصر التوراة ولم يكن من الله عهد بين الخلائق بكى عزير على التوراة فأتاه ملك بإناء فيه ماء فسقاه من ذلك الماء فثبتت التوراة في صدره فرجع إلى بني إسرائيل وقد علمه الله التوراة، وبعثه نبياً فقال أنا عزير: فلم يصدقوه فقال إني عزير وقد بعثني الله إليكم لأجدد لكم توراتكم، قالوا: فاملها علينا فأملاها عليهم من ظهر قلبه فقالوا: ما جعل الله التوراة في قلب رجل بعد ما ذهبت إلاّ أنه ابنه فقالوا: عزير ابن الله وستأتي القصة في سورة التوبة إن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: {فما تبين له} يعني فلما اتضح له عياناً ما كان ينكره من إحياء القرية ورآه عياناً في نفسه {قال أعلم} قرئ مجزوماً موصولاً على الأمر يعني قال الله له أعلم وقرئ أعلم على قطع الألف، ورفع الميم على الخبر عن الذي قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها والمعنى فلما تبين له ورأى ذلك عياناً قال: أعلم {أن الله على كل شيء قدير} يعني الإماتة والإحياء.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى:/ {أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ...}. قال ابن عطية عن ابن عباس وجماعة: هو عزيز بن منبه، وجماعة هو أرمياء. (وقال ابن اسحاق أرميا هو الخضر). (وضعفه ابن عطية. قال: إلاّ أن يكون اسما وافق اسما لأن الخضر) هو معاصر لموسى عليه السلام، والّذي مر على القرية (هو) بعده بزمان من سبط هارون فيما روى وهب بن منبه. قال ابن عرفة: هذا بناء منه على أنّ الخضر عليه السلام مات والنّاس يقولون: لم يزل حيا إلى الآن على أنّ العلماء قد حكوا في موته خلافا. (قال ابن عرفة: وعطفه) بغير فاء دليل على سرعة القول حتى أنه قال ذلك مع المرور لا بعده وتعجب من نفس الإحياء أو من كيفيته. قوله تعالى: {بَعْدَ مَوْتِهَا...}. ولم يقل من بعد موتها إشارة إلى (كمال) التأخر والانفصال عن أزمنة البعدية لا أوّلها والمجاز فيها من أحد وجهين: إما أن يراد بالإحياء العمارة وبالموت الخراب أو يكون الإحياء حقيقة، والموت كذلك والمراد بعد موت أهلها. قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثَهُ...}. قيل لابن عرفة: ثم للمهلة ولا مهلة بين المائة عام وبين البعثة؟ فقال: إما أن يعتبر أول أزمنة المائة عام أو نقول: المائة عام ماهية مركبة من أجزاء والإماتة بعد مجموعها، ولا تسمى الماهية إلا بكمال أجزائها فكانت المهلة بين إماتته مائة عام وبعثه لابين آخر جزء مائة). قوله تعالى: {قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ...}. قالوا: إنه مات في أول النهار ضحوة وبُعث آخر النهار فقال: لبثت يوما ثم نظر فوجد الشّمس لم تزل على (الجدران) فقال: بعض يوم. قيل لابن عرفة: وكذلك كان يقول: لو وجدها غابت لأنه (ما مات) إلا ضحوة بعد مضي بعض النهار؟ فقال: ما اعتبر إلاّ ما بعد (موته) وما قبله كان فيها فيها مستصحبا الحياة. قوله تعالى: {فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ...}. الفاء للسببية والنّظر البصر ويستلزم العلم لقول الله: {أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. وقوله: {لَمْ يَتَسَنَّهْ}. الزمخشري حمله على ثلاثة أوجه: أحدها: لم تمرّ عليه السنون لعدم تغيره مثل "عَلى لا حب لا يهتدي بمناره" فبقاؤه دال على عدم مرور السنين عليه ومرور السّنين عليه يقتضي عدم بقائه. الثاني: أنّ معناه لم يتغير. قوله تعالى: {كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً...}. قال أبو حيان: أعربوا "كَيْفَ نُنشِزُهَا" حالا من "العظام" أي انظر إلى العظام محياة. وردّ بأن الجملة الاستفهامية لا تقع حالا وإنما تقع حالا (كيف) وحدها. قال ابن عرفة: (يصح) ذلك على إضمار القول كما قال: "جاؤوا بمذق هل رأيت الذيب قط"؟. قوله تعالى: {نُنشِزُهَا...}. على قراءة الرّاء معناه نحييها فيحتج به على أن العظام تحلمها الحياة. قوله تعالى: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ...}. وقال أولا: {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}؟ قال ابن عرفة: إن كان كافرا فظاهر، وإن كان مؤمنا (فمذهبنا) على القول بأن العلوم النظرية تتفاوت بالقوة والضعف خلافا لقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه "لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا". فهذا كان يعلم ذلك لكن علم المشاهدة أقوى من علم ما هو غائب. قيل لابن عرفة: إنّ بعض الناس يجري على لسانه: يا حمار عزير. فقال: يتقدم إليه وينهى عن ذلك فإن عاد إليه فلا يبعد أن يقال: إنه يؤدب. قلت: في كتاب القذف من التهذيب ومن قال: يا شارب خمر أو يا خائن، أو يا آكل الربا، أو يا ابن الحمار، (أو يا ثور)، أو يا خنزير فعليه النكال. وفي المدارك للقاضي أبي الفضل عياض رحمه الله في باب نوادر من أخبار مالك سأله رجل عمن قال للآخر: يا حمار؟ قال: يجلد. قال: وإن قال له: يا فرس؟ قال: تجلد أنت. ثم قال: يا ضعيف هل سمعت أحدا يقول: يا فرس؟.
ابن عادل
تفسير : هذه القصة الثانية والجمهور على سكون واو "أَوْ" وهي هنا للتفضيل، وقيل: للتخيير بين التعجُّب من شأنهما، وقرأ سفيان بن حسين "أَوَ" بفتحها، على أنها واو العطف، والهمزة قبلها للاستفهام. وفي قوله: "كَالَّذِي" أربعة أوجهٍ: أحدها: أنه عطفٌ على المعنى وهو قولٌ عند الكسائي والفرَّاء وأبي علي الفارسيِّ وأكثر النحويّين، قالوا: ونظيره من القرآن قوله تعالى: {أية : لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ}تفسير : [المؤمنون:84-85] ثم قال: {أية : مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَاتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ}تفسير : [المؤمنون:86-87]. فهذا عطف على المعنى؛ لأنَّ معناه: لمن السَّموات؟! فقيل لله؛ وقال الشَّاعر: [الوافر] شعر : 1193- مُعَاوِيَ، إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ فَلَسْنَا بِالجِبَالِ وَلاَ الحَدِيدَا تفسير : فحمل على المعنى، وترك اللفظ، وتقدير الآية: هل رأيت كالذي حاجَّ إبراهيم، أو كالذي مرَّ على قريةٍ، هكذا قال مكيٌّ، أمَّا العطف على المعنى، فهو وإن كان موجوداً في لسانهم؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1194- تَقِيٌّ نَقِيٌّ لَمْ يُكَثِّرْ غَنِيمَةٌ بِنَهْكَةِ ذِي قُرْبَى وَلاَ بِحَقَلَّدِ تفسير : وقول الأخر في هذين البيتين: [الوافر] شعر : 1195- أَجِدَّكَ لَنْ تَرَى بِثُعَيْلِبَاتٍ وَلاَ بَيْدَانَ نَاجِيَةً ذَمُولاَ وَلاَ مُتَدَارِكٍ وَاللَّيْلُ طَفْلٌ بِبَعْضِ نَوَاشِغِ الوَادِي حُمُولاَ تفسير : فإنَّ معنى الأول: ليس بمكثِّر، ولذلك عطف عليه "وَلاَ بِحَقَلَّد"، ومعنى الثاني: أجِدَّك لست بِرَاءٍ، ولذلك عطف عليه "وَلاَ مُتَدَارِكٍ"، إلا أنهم نصُّوا على عدم اقتياسه. الثاني: أنه منصوبٌ على إضمار فعلٍ، وإليه نحا الزمخشريُّ، وأبو البقاء، قال الزمخشريُّ: "أو كالَّذِي: معناه أوَ رَأَيْتَ مَثَلَ الَّذِي"، فحذف لدلالة "أَلَمْ تَرَ" عليه؛ لأنَّ كلتيهما كلمتا تعجُّبٍ، وهو حسنٌ؛ لأنَّ الحذف ثابتٌ كثيرٌ، بخلاف العطف على المعنى. الثالث: أنَّ الكاف زائدةٌ؛ كهي في قوله: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}تفسير : [الشورى:11]، وقول الآخر: [السريع أو الرجز] شعر : 1196- فَصُيِّرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولْ تفسير : والتقدير: ألم تر إلى الذي حاجَّ، أو إلى الذي مرَّ على قريةٍ. وفيه ضعفٌ؛ لأنَّ الأصل عدم الزيادة. والرابع: أنَّ الكاف اسم بمعنى مثل، لا حرفٌ؛ وهو مذهب الأخفش. قال شهاب الدِّين: وهو الصحيح من جهة الدليل، وإن كان جمهور البصريين على خلافه، فالتقدير: ألم تر إلى الذي حاجَّ، أو إلى مثل الذي مرَّ، وهو معنى حسنٌ. وللقول باسمية الكاف دلائل مذكورةٌ في كتب القوم، ذكرنا أحسنها في هذا الكتاب. منها: معادلتها في الفاعلية بـ "مِثْل" في قوله: [الطويل] شعر : 1197- وَإِنَّكَ لَمْ يَفْخَرْ عَلَيْكَ كَفَاخِرٍ ضَعِيفٍ وَلَمْ يَغْلِبْكَ مِثْلُ مُغَلَّبِ تفسير : ومنها دخول حروف الجر، والإسناد إليها. وتقدَّم [الكلام] في اشتقاق القرية. قوله: "وهي خَاوِيَةٌ" هذه الجملة فيها خمسة أوجهٍ: أحدها: أن تكون حالاً من فاعل "مَرَّ" والواو هنا رابطةٌ بين الجملة الحالية وصاحبها، والإتيان بها واجبٌ؛ لخلوِّ الجملة من ضمير يعود إليه. الثاني: أنها حالٌ من "قرية": إمَّا على جعل "عَلَى عُرُوشِهَا" صفةٌ لقرية على أحد الأوجه الآتية في هذا الجارِّ، أو على رأي من يجيز الإتيان بالحال من النكرة مطلقاً؛ وهو ضعيف عند سيبويه. الثالث: أنها حالٌ من "عُرُوشِهَا" مقدَّمةٌ عليه، تقديره: مرَّ على قرية على عروشها خاويةٌ. الرابع: أن تكون حالاً من "هَا" المضاف إليها "عُرُوش" قال أبو البقاء: "والعَامِلُ مَعْنَى الإِضَافَةِ، وهو ضَعِيفٌ مع جوازه" انتهى. والذي سهَّل مجيء الحال من المضاف إليه، كونه بعض المضاف؛ لأنَّ "العُرُوشَ" بعض القرية، فهو قريب من قوله تعالى: {أية : مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً}تفسير : [الحجر:47]. الخامس: أن تكون الجملة صفةً لقرية، وهذا ليس بمرتضى عندهم؛ لأنَّ الواو لا تدخل بين الصفة والموصوف، وإن كان الزمخشريُّ قد أجاز ذلك في قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ}تفسير : [الحجر:4] [فجعل: "وَلَهَا كِتَابٌ"] صفةً، قال: "وتَوَسَّطَتِ الواوُ؛ إيذاناً بإلصاق الصفة بالموصوف" وهذا مذهب سبقه إليه أبو الفتح ابن جنِّي في بعض تصانيفه، وفي ما تقدَّم، وكأنَّ الذي سهَّل ذلك تشبيه الجملة الواقعة صفةً، بالواقعة حالاً، لأنَّ الحال صفةٌ في المعنى، ورتَّب أبو البقاء جعل هذه الجملة صفةً لقرية، على جواز جعل "عَلَى عُرُوشِهَا" بدلاً من "قَرْيَةٍ" على إعادة حرف الجرِّ، ورتَّب جعل "وَهِي خَاوِيَةٌ" حالاً من العروش، أو من القرية، أو من "ها" المضاف إليها، على جعل "عَلَى عُرُوشِهَا" صفةٌ للقرية، وهذا نصُّه، قد ذكرته؛ ليتضح لك، فإنه قال: وقد قيل: هو بدلٌ من القرية تقديره: مرَّ على قريةٍ على عروشها، أي: مَرَّ على عروش القرية، وأعاد حرف الجرِّ مع البدل، ويجوز أن يكون "عَلَى عُرُوشِهَا" على هذا القول صفةً للقرية، لا بدلاً، تقديره: على قرية ساقطةٍ على عروشها، فعلى هذا لا يجوز أن تكون "وَهِيَ خَاوِيَةٌ" حالاً من العروش وأن تكون حالاً من القرية؛ لأنها قد وصفت، وأن تكون حالاً من "هَا" المضاف إليه، وفي هذا البناء نظرٌ لا يخفى. قوله: "عَلَىٰ عُرُوشِهَا" فيه أربعة أوجهٍ: أحدها: أن يكون بدلاً من "قرية" بإعادة العامل. الثاني: أن يكون صفةً لـ "قَرْيَةٍ" كما تقدَّم فعلى الأول: يتعلَّق بـ "مَرَّ"؛ لأنَّ العامل في البدل العامل في المبدل منه، وعلى الثاني: يتعلَّق بمحذوفٍ، أي: ساقطةٍ على عروشها. الثالث: أن يتعلَّق بنفس خاوية، إذا فسَّرنا "خَاوِيَةٌ" بمعنى متهدِّمة ساقطة. الرابع: أن يتعلَّق بمحذوفٍ يدلُّ عليه المعنى، وذلك المحذوف قالوا: هو لفظ "ثَابِتَةٌ"؛ لأنهم فسَّروا "خَاوِيَةٌ" بمعنى: خاليةٌ من أهلها ثابتةٌ على عروشها، وبيوتها قائمة لم تتهدَّم، وهذا حذفٌ من غير دليلٍ، ولا يتبادر إليه الذهن، وقيل: "عَلَى" بمعنى "مَعَ"، أي: مع عروشها، قالوا: وعلى هذا فالمراد بالعروش الأبنية. وقيل: "عَلَى" بمعنى "عَنْ" أي: خاويةٌ عن عروشها، جعل "عَلَى" بمعنى "عَنْ" كقوله: {أية : إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ}تفسير : [المطففين:2] أي: عنهم. والخاوي: الخالي. يقال: خوت الدار تخوي خواءً بالمد، وخويّاً، وخويت ـ أيضاً ـ بكسر العين تَخْوَى خَوًى بالقصر، وخَوْياً، والخَوَى: الجوع؛ لخلوِّ البطن من الزَّاد. والخويُّ على فعيل: البطن السَّهل من الأرض، وخوَّى البعير: جَافَى جنبه عن الأرض؛ قال القائل في ذلك: [الرجز] شعر : 1198- خَوَّى عَلَى مُسْتَوِيَاتٍ خَمْسِ كِرْكِرَةٍ وَثَفِنَاتٍ مُلْسِ تفسير : ومنه الحديث: "حديث : كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إِذَا سَجَدَ خَوَّى" تفسير : أي: خلا عن عضده، وجنبيه، وبطنه، وفخذيه، وخوَّى الفرس ما بين قوائمه، ويقال للبيت إذا انهدم خوى؛ لأنه بتهدمه يخلو من أهله، وكذلك خوت النجوم وأخوت إذا سقطت. والعُرُوشُ: جمع عرش، وهو سقف البيت، وكذلك كلُّ ما هُيِّىءَ ليستظلَّ به، وقيل: هو البنيان نفسه؛ قال القائل في ذلك: [الكامل] شعر : 1199- إِنْ يَقْتُلُوكَ فَقَدْ ثَلَلْتَ عُرُوشَهُمْ بِعُتَيْبَةَ بْنِ الحَارِثِ بِنْ شِهَابِ تفسير : اختلفوا في الذي مرَّ بالقرية فقال مجاهد، وأكثر المفسرين من المعتزلة: كان رجلاً كافراً شاكّاً في البعث. وقال قتادة، وعكرمة، والضحاك، والسديُّ: هو عُزَيرُ بن شرخيا. وقال وهب بن منبه، ورواه عطاء، عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ هو إرمياء بن خلقيا، ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم: إنَّ إرمياء هو الخضر ـ عليه السَّلام ـ، وهو من سبط هارون بن عمران ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ وهو قول محمد بن إسحاق. وقال وهب بن منبِّه: إنَّ إرمياء، هو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي بعثه الله عندما خرَّب بخت نصَّر بيت المقدس، وأحرق التوراة. واحتجَّ من قال إنه كان كافراً بوجوه: الأول: استبعاده الإحياء بعد الإماتة من الله وذلك كفرٌ. فإن قيل: يجوز وقوع ذلك منه قبل البلوغ. قلنا: لو كان كذلك، لم يجز أن يعجب الله رسوله منه إذ الصَّبيُّ لا يتعجَّب من شكِّه في مثل ذلك، وضعَّفوا هذه الحجة؛ بأن ذلك الاستبعاد ما كان بسبب الشَّكِّ في قدرة الله تعالى، بل يحتمل أن يكون بسبب اطِّراد العادات في أنَّ مثل ذلك الموضع الخراب قلَّما يصيِّره الله معموراً، كما أنَّ الواحد إذا رأى جبلاً، فيقول: متى يقلب الله هذا ذهباً، أو ياقوتاً؟ لا أن مراده الشَّكُّ في قدرة الله، بل إنَّ ذلك لا يقع في مطرد العادات، فكذا هاهنا. الحجة الثانية: قوله تعالى في حقه: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} وهذا يدلُّ على أنه قبل ذلك لم يحصل له التبين، وضعِّف ذلك بأن تبيُّن الإحياء على سبيل المشاهدة، ما كان حاصلاً له قبل ذلك، وأمَّا التبين على سبيل الاستدلال فلا يسلم أنه لم يكن حاصلاً له. الحجة الثالثة: قوله: {أَعْلَمُ أَنَّ ٱللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وهذا يدلُّ على أنَّ هذا العلم إنما حصل له في ذلك الوقت، وهذا أيضاً ضعيفٌ؛ لأن تلك المشاهدة أفادت نوع توكيد، وطمأنينة، وذلك إنما حصل في ذلك الوقت، وهذا لا يدلُّ على أنَّ أصل العلم ما كان موجوداً قبل ذلك. الحجة الرابعة: انتظامه مع النمروذ في سلكٍ واحدٍ، وهذا ـ أيضاً ـ ضعيفٌ؛ لأنه وإن كان قبله قصَّة النمروذ، ولكن بعده قصة سؤال إبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ فوجب أن يكون نبياً من جنس إبراهيم. واحتج من قال إنه كان مؤمناً بوجوه: منها قوله تعالى: {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} وهذا يدلُّ على أنَّه كان عالماً بعد موتها بالله تعالى وبأنَّه يصحُّ منه الإحياء في الجملة، لأن تخصيص هذا الشيء باستبعاد الإحياء، إنما يصحُّ إذا حصل الاعتراف بالقدرة على الإحياء في الجملة، فأما من يعتقد أنَّ القدرة على الإحياء ممتنعةٌ لم يبق لهذا التخصيص فائدة. ومنها مخاطبة الله تعالى له بقوله: "كَمْ لَبِثْتَ" وبقوله: {بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ}، وبقوله: {فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ}، وبقوله: {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ}، وبقوله {وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً} وهذه المخاطبات لا تليق بالكافر، قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ ءَايَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء:91]، فجعله آية للناسن دليلٌ على مزيد التشريف. ومنها ما روي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: إن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم الكثير، ومنهم العزير وكان من علمائهم، فجاء بهم إلى "بابل" فدخل عُزَيرٌ يوماً تلك القرية ونزل تحت ظلِّ شجرةٍ، وهو على حمارٍ، فربط حماره، وطاف في القرية فلم ير فيها أحداً، فعجب من ذلك، وقال {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} لا على سبيل الشَّكِّ في القدرة، بل على سبيل الاستبعاد بحسب العادة، وكانت الأشجار مثمرة، فتناول من الفاكهة التين والعنب، وشرب من عصير العنب، ونام فأماته الله في منامه مائة عام وهو شابٌّ ثم أعمى عنه عيون الإنس والسِّباع والطَّير، ثمَّ أحياه الله بعد المائة، ونودي من السَّماء يا عزير "كَمْ لَبِثْتَ" بعد الموت، فقال: "يَوْماً" وذلك أن الله أماته ضحًى في أول النهار، وأحياه بعد مائة عامٍ آخر النَّهار قبل غيبوبة الشَّمس، فلما أبصر من الشَّمس بقيةً قال: "أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ" فقال الله تبارك وتعالى: {بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ} من التِّين، والعنب "وَشَرَابِكَ" من العصير لم يتغير طعمه، فنظر فإذا التين والعنب كما شاهدهما قال: "وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ" فنظر فإذا هو عظامٌ بيض تلوح وقد تفرَّقت أوصاله، وسمع صوتاً: أيَّتها العظام البالية، إنِّي جاعلٌ فيك روحاً، فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعضٍ، ثم التصق كلُّ عضو بما يليق به الضلع إلى الضلع، والذِّراع إلى مكانه، ثم جاء الرأس إلى مكانه، ثم العصب والعروق، ثم أنبت طراء اللحم عليه ثم انبسط الجلد عليه ثم خرجت الشعور من الجلد، ثمَّ نفخ فيه الروح، فإذا هو قائم ينهق، فخرَّ عزير ساجداً، وقال: {أَعْلَمُ أَنَّ ٱللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ثم إنَّه دخل بيت المقدس. فقال القوم: حدَّثنا آباؤنا: أنَّ عزير بن شرخيا مات ببابل، وقد كان بختنصر قد قتل ببيت المقدس أربعين ألفاً من قراء التوراة، وكان فيهم عزير، والقوم ما عرفوا أنَّه يقرأ التوراة، فلمَّا أتاهم بعد مائة عام جدَّد لهم التوراة، وأملاها عليهم عن ظهر قلبه، فلم يخرم منها حرفاً، وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت وعورض بما أملاها فما اختلفا في حرفٍ واحدٍ، فعند ذلك قالوا: عزير ابن الله، وهذه الرواية مشهورة. ويروى أنه أرميا ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ فدلَّ على أنَّ المارَّ كان نبيّاً؛ واختلفوا في تلك القرية: فقال وهبٌ، وقتادة، وعكرمة، والربيع هي: إيلياء، وهي بيت المقدس، وقال ابن زيد هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت، وعن ابن زيد أيضاً أن القوم الذين خرجوا من ديارهم، وهم ألوفٌ حذر الموت فقال الله لهم: موتوا، مرَّ عليهم رجلٌ، وهم عظامٌ تلوح فوقف ينظر؛ فقال: {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللهُ مِئَةَ عَامٍ}. قال ابن عطية: وهذا القول من ابن زيد مناقض لألفاظ الآية، إذا الآية إنما تضمَّنت قريةً خاويةً، لا أنيس فيها، والإشارة بـ "هذه" إنَّما هي إلى القرية، وإحياؤها إنما هو بالعمارة، ووجود البناء والسكان. قال القرطبي: روي في قصص هذه الآية: أنَّ الله تعالى بعث لها ملكاً من الملوك، فعمرها وجدَّ في ذلك، حتى كان كمال عمارتها عند بعث القائل. وقيل: إنه لمَّا مضى لمدته سبعون سنةً، أرسل الله ملكاً من ملوك فارس عظيماً يقال له "كُوشَك" فعمَّرها في ثلاثين سنةً. وقال الضحاك: هي الأرض المقدَّسة. وقال الكلبيُّ: هي دير سابر أباد وقال السديُّ مسلم أباد، وقيل: دير هرقل. وقوله: {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللهُ} في "أَنَّى" وجهان: أحدهما: أن تكون بمعنى "متى". قال أبو البقاء رحمه الله: "فَعَلى هذا تكون ظرفاً". والثاني: أنَّها بمعنى كيف. قال أبو البقاء رحمه الله: فيكون مَوْضِعُها حالاً من "هذه"، وتقدَّم لما فيه من الاستفهام، والظاهرُ أنها بمعنى كيف، وعلى كلا القولين: فالعاملُ فيها "يُحْيِي"، و "بعد" أيضاً معمول له. والإحياء، والإماتة: مجازٌ؛ إن أريد بهما العمران والخراب، أو حقيقةٌ إن قدَّرنا مضافاً، أي: أنَّى يحيي أهل هذه القرية بعد موت أهلها، ويجوز أن تكون هذه إشارة إلى عظام أهل القرية البالية، وجثثهم المتمزقة، دلَّ على ذلك السياق. قوله: "مِئَةَ عَامٍ" قال أبو البقاء رحمه الله: "مائَة عامٍ": ظرفٌ لأماته على المعنى؛ لأنَّ المعنى ألبثه مئة عام، ولا يجوز أن يكون ظرفاً على ظاهر اللفظ، لأنَّ الإماتة تقع في أدنى زمانٍ، ويجوز أن يكون ظرفاً لفعل محذوف، تقديره: "فأَمَاتَه اللهُ فلبِثَ مائة عام" ويدلُّ على ذلك قوله: "كَمْ لَبِثْتَ"، ولا حاجة إلى هذين التأويلين، بل المعنى جعله ميِّتاً مائة عام. و "مِئة" عقدٌ من العدد معروفٌ، ولامها محذوفة، وهي ياء، يدلُّ على ذلك قولهم: "أَمْأَيْتُ الدَّرَاهِمَ"، أي: صيَّرتها مئة، فوزنها فعة ويجمع على "مِئَات"، وشذَّ فيها مئون؛ قال القائل: [الطويل] شعر : 1200- ثَلاَثُ مِئِينٍ لِلْمُلُوكِ وَفَى بِهَا رِدَائِي وَجَلَّتْ عَنْ وُجُوهِ الأَهَاتِمِ تفسير : كأنَّهم جروها بهذا الجمع لما حذف منها؛ كما قالوا: سنون: في سنة. والعام: مدَّة من الزمان معلومةٌ، وعينه واوٌ؛ لقولهم في التصغير: عويم، وفي التكسير: "أَعْوَام". وقال النقَّاش: "هو في الأصل مصدرٌ وسمِّي به الزمان؛ لأنه عومةٌ من الشمس في الفلك، والعوم: هو السبح؛ وقال تعالى: {أية : وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}تفسير : [يس:40] فعلى هذا يكون العوم والعام كالقول والقال". فإن قيل: ما الحكمة في أنْ أماته الله مائة عامٍ، مع أنَّ الاستدلال بالإحياء بعد يومٍ، أو بعض يومٍ حاصل. فالجواب: أنَّ الإحياء بعد تراخي المدَّة أبعد في العقول من الإحياء بعد قرب المدَّة، وبعد تراخي المدَّة يشاهد منه، ويشاهد هو من غيره، ما هو عجبٌ. قوله: "ثُمَ بَعَثَهُ"، أي: أحياه، ويوم القيامة يسمَّى يوم البعث؛ لأنهم يبعثون من قبورهم، وأصله: من بعثت الناقة، إذا أقمتها من مكانها. فإن قيل: ما الحكمة في قوله ـ تبارك وتعالى ـ "ثُمَّ بَعَثَهُ" ولم يقل: ثمَّ أحياه؟ فالجواب: أن قوله: "بَعَثَهُ" يدلُّ على أنه عاد كما كان أوَّلاً: حيّاً، عاقلاً، فاهماً، مستعداً للنظر، والاستدلال، ولو قال: ثمَّ أحياه، لم تحصل هذه الفوائد. قوله: "كَمْ" منصوبٌ على الظرف، ومميِّزها محذوفٌ تقديره: كم يوماً، أو وقتاً. والناصب له "لَبِثْتَ"، والجملة في محلِّ نصب بالقول، والظاهر أنَّ "أَوْ" في قوله: {يوماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} بمعنى "بَلْ" للإضراب، وهو قول ثابت، وقيل: هي للشك. فصل قال ابن الخطيب: من الخوارق ما يمكن في حالة، ومن الناس من يقول في قصة أهل الكهف، والعزير: إنه كذب على معنى وجود حقيقة الكذب فيه، ولكنه لا مؤاخذة به، وإلاَّ فالكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه، وذلك لا يختلف بالعلم، والجهل؛ فعلى هذا يجوز أن يقال: إنَّ الأنبياء لا يعصمون عن السَّهو والنِّسيان، والقول الأوَّل أصحُّ. قوله: "قَالَ بَلْ لَبِثْتَ" عطفت "بل" هذه الجملة على جملةٍ محذوفةٍ، تقديره: ما لبثتَ يوماً أو بعض يوم، بل لبثت مئة عام. وقرأ نافع، وعاصم، وابن كثير: بإظهار الثَّاء في جميع القرآن الكريم، والباقون: بالإدغام. فصل فيمن قال: كم لبثت أجمعوا على أن ذلك القائل هو الله تعالى؛ لأنَّ ذلك الخطاب كان مقروناً بالمعجز، ولأنه بعد الإحياء شاهد من أحوال حماره، وظهور البلى في عظامه، ما عرف به أنَّ تلك الخوارق لم تصدر إلاَّ من الله تعالى. وقيل: سمع هاتفاً من السماء، يقول له ذلك. وقيل: خاطبه جبريل، وقيل: نبيٌّ. وقيل: مؤمنٌ شاهده من قومه عند موته، وعمِّر إلى حين إحيائه. قال القرطبي: والأظهر أنَّ القائل هو الله ـ عز وجل ـ، لقوله تعالى: {وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً}. فإن قيل: إنه تعالى كان عالماً بأنه كان مَيْتاً، والميِّت لا يمكنه بعد أن صار حيّاً أن يعلم مدَّة موته طويلةً كانت أم قصيرةً؛ فلأيِّ حكمةٍ سأله عن مقدار المدة؟ فالجواب: أنَّ المقصود منه التنبيه على حدوث ما حدث من الخوارق، بقوله: {لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} على حسب ظنِّه؛ كما روي في القصة: أنه أماته ضحًى، وأحياه بعد المائة قبل غروب الشمس؛ فظن أنَّ اليوم لم يكمل، كما حكي عن أصحاب الكهف: {أية : قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}تفسير : [الكهف:19] على ما توهَّموه، ووقع في ظنِّهم. وقول إخوة يوسف {أية : يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا}تفسير : [يوسف:81] وإنما قالوا ذلك؛ بناءً على إخراج الصُّواع من رحله. قوله: "لَمْ يَتَسَنَّهْ" هذه الجملة في محلِّ نصب على الحال، وزعم بعضهم: أنَّ المضارع المنفيَّ بـ "لَمْ" إذا وقع حالاً، فالمختار دخول واو الحال؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 1201- بِأَيْدِي رِجَالٍ لَمْ يَشِيْمُوا سُيُوفَهُمْ وَلَمْ تَكْثُرِ القَتْلَى بِهَا حِينَ سُلَّتِ تفسير : وزعم آخرون: أنَّ الأولى نفي المضارع الواقع حالاً بما، ولمَّا. وهذان الزَّعمان غير صحيحين؛ لأنَّ الاستعمالين واردان في القرآن، قال تعالى: {أية : فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ}تفسير : [آل عمران:174]، وقال تعالى: {أية : أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ}تفسير : [الأنعام:93] فجاء النفي بـ "لم" مع الواو ودونها. فإن قيل: قد تقدَّم شيئان، وهما "طَعَامِكَ وشَرَابِكَ" ولم يعد الضَّمير إلاَّ مفرفاً، قلنا فيه ثلاثة أوجهٍ: أحدهما: أنها لمَّا كانا متلازمين، بمعنى أنَّ أحدهما لا يكتفى به بدون الآخر، صارا بمنزلة شيء واحد؛ حتى كأنه [قال:] فانظر إلى غذائك. الثاني: أنَّ الضمير يعود إلى الشَّراب فقط؛ لأنه أقرب مذكور، وثمَّ جملة أخرى حذفت لدلالة هذه عليها. والتقدير: وانظر إلى طعامك لم يتسنَّه، وإلى شرابك لم يتسنَّه، وقرأ ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ "فانْظُرْ إِلى طَعَامِكَ وهذا شَرابُك لم يتسنه"، أو يكون سكت عن تغيُّر الطعام؛ تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، وذلك أنه إذا لم يتغيَّر الشراب مع نزعة النَّفس إليه، فعدم تغيُّر الطعام أولى، قال معناه أبو البقاء. الثالث: أنه أفرد في موضع التثنية، قاله ـ أيضاً ـ أبو البقاء؛ وأنشد: [الكامل] شعر : 1202- فَكَأَنَّ في الْعَيْنَيْنِ حَبَّ قَرَنْفُلٍ أَوْ سُنْبَلٍ كُحِلَتْ بِهِ فَانْهَلَّتِ تفسير : وليس بشيءٍ. وقرأ حمزة، والكسائي: "لَمْ يَتَسَنَّهْ" بالهاءِ وقفاً، وبحذفها وصلاً، والباقون: بإثباتها في الحالين. فأمَّا قراءتهما، فالهاءُ فيها للسكتِ. وأمَّا قراءةُ الجماعةِ: فالهاءُ تحتملُ وجهين: أحدهما: أن تكون ـ أيضاً ـ للسكت، وإنما أُثبتت وصلاً إِجراءً للوصل مجرى الوقف، وهو في القرآن كثيرٌ، [سيمرُّ بك منه مواضع] فعلى هذا يكون أصل الكلمة: إِمَّا مشتقاً من لفظ "السَّنَةِ" على قولنا إِنَّ لامَها المحذوفة واوٌ، ولذلك تُرَدُّ في التصغير والجمع؛ قالوا: "سُنَيَّة وَسَنَوات"؛ وعلى هذه اللغة قالوا: "سَانَيْتُ" أُبْدِلَتِ الواو ياءً؛ لوقوعها رابعةً، وقالوا: أَسْنَتَ القومُ إذا أصابتهُمُ السَّنَةُ؛ قال الشاعر: [الكامل] شعر : 1203 -.......................... وَرِجَالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ تفسير : ويقولون في جمعها: سنوات فقلبوا الواو تاءً، والأصلُ: أَسْنُووا، فأَبْدلوها كما أَبْدلُوها في تُجاه وتُخمة؛ كما تقدَّم، فأصله: يَتَسَنَّى فحُذِفت الألف جزماً. وإما من لفظ "مَسْنُون" وهو المتغيرُ، ومنه {أية : حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}تفسير : [الحجر:28]، والأصلُ: يتَسَنَّنُ، بثلاثٍ نونات، فاسْتُثْقل توالي الأَمثال، فأَبدلنا الأخيرة ياءً؛ كما قالوا في تظنَّن: تظنَّى، وفي قصَّصت أظفاري: قصَّيتُ، ثم أبدلنا الياء ألفاً؛ لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، ثم حُذِفت جزماً، قاله أبو عمرو، وخطَّأَه الزجاج، قال: "لأنَّ المسنونَ: المصبوبُ على سنن الطريق". وحُكِيَ عن النقَّاش أنه قال: "هو مأخوذٌ من أَسِن الماءُ" أي: تغيَّر، وهذا وإِنْ كان صحيحاً معنًى، فقد رَدَّ عليه النحاةُ قوله؛ لأنه فاسِدٌ اشتقاقاً، إذ لو كان مشتقاً من "أَسِنَ الماءُ" لكان ينبغي حين منه تفعَّل، أَنْ يقال تأسَّنَ. ويمكن أَنْ يُجاب عنه: أنه يمكنُ أن يكون قد قُلبت الكلمةُ بأن أُخِّرت فاؤها ـ وهي الهمزة ـ إلى موضع لامها، فبقي: يَتَسَنَّأ، بالهمزة آخراً، ثمَّ أُبدلت الهمزةُ ألفاً، كقولهم في قرأ: "قَرَا"، وفي استهزأ: "اسْتَهْزا" ثم حُذفت جزماً. والوجه الثاني: أن تكون الهاءُ أصلاً بنفسها، ويكونُ مشتقاً من لفظ "سَنَة" أيضاً، ولكن في لغةِ من يجعلُ لامها المحذوفة هاءً، وهم الحجازيون، والأصلُ: سُنَيْهة، يدلُّ على ذلك التصغير والتكسير، قالوا: سُنَيْهةٌ، وسُنَيْهَاتٌ، وسَانَهْتُ؛ قال شاعرهم: شعر : 1204- وَلَيْسَتْ بِسَهْنَاءٍ وَلاَ رُجَبِيَّةٍ وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الجَوَائِحِ تفسير : ومعنى "لم يَتَسَنَّهْ" على قولنا: إِنَّهُ من لفظ السَّنَة، أي: لم يتغيَّر بمَرِّ السنين عليه، بل بقي على حالِهِ، وهذا أَوْلَى من قول أَبي البقاء في أثناء كلامه: "مِنْ قولك: أَسْنَى يُسْنِي، إذا مَضَتْ عليه سِنُون"؛ لأنه يصير المعنى: لم تمضِ عليه سِنُون، وهذا يخالفه الحِسُّ، والواقع. وقرأ أُبَيّ؛ "لَمْ يَسَّنَّهْ" بإِدْغَام التَّاءِ في السِّينِ، والأَصْلُ: "لم يَتَسَنَّهْ". كما قُرِئ: {أية : لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ}تفسير : [الصافات:8]، والأصل: يَتَسَمَّعُونَ؛ فأُدغم، وقرأ طلحة بن مصرفٍ: "لِمِئَةِ سَنَةٍ". فإن قيل: لما قال تعالى: {بَلْ لبثت مائة عام} كان مِنْ حقِّه أن يذكر عقيبه ما يدل على ذلك وقوله: {فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} لا يدلُّ على أنه لبث مائة عامٍ، بل يدلُّ ظاهراً على قول المسؤول إنه لبث يوماً أو بعض يوماً. فالجواب أنه ذكر ذلك ليعظم اشتياقه إلى طلب الدَّليل الذي يكشف هذه الشبهة، فلما قال تعالى: {وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ} فرأى الحمار صار رميماً وعظاماً نخرة، فعظُم تعجبه من قُدرة الله تعالى؛ فإنَّ الطعامَ، والشراب يسرع التغير إليهما، والحمارُ ربما بقي دهراً طويلاً عظيماً، فرأى ما لا يبقى باقياً، وهو الطعامُ، والشَّرابُ، وما يبقى غير باقٍ، وهو العظامُ فعظُم تعجبه من قدرة الله تعالى، وتمكّنت الحجةُ في قلبه، وعقله. قوله: {وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ} معناه أَنَّه عرَّفه طُول مدة موته، بأن شاهد انقلاب العِظام النخرة حيّاً في الحال، فإنه إذْ شاهد ذلك، علِمَ أن القادر على ذلك قادِرٌ على أَنْ يُميته مائة عام، ثم يُحْييه. فإن قيل: إنَّ القادِرَ على إحياء العِظام النخرة، قادِرٌ على أَنْ يجعل الحمار عظاماً نخرة في الحال، وحينئذٍ لا يمكن الاستدلال بعظام الحمار على طُول مدة الموت. فالجواب: أَنَّ انقلاب العِظام إلى الحياة معجزةٌ دالَّةٌ على صدق قوله: "بَلْ لَبِثْتَ مائةَ عامٍ". قال الضحاك: إنَّهُ تعالى بعثهُ شابّاً أسود الرأس، وبنو بنيه شيوخٌ بيض اللِّحى، والرُّؤوس. قوله: "وَلِنَجْعَلَكَ" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متعلقٌ بفعلٍ محذوفٍ مقدَّرٍ بعده، تقديره: ولنجعلك فعلنا ذلك. الثاني: أنه معطوفٌ على محذوفٍ تقديره: فعلنا ذلك، لتعلَمَ قُدْرتنا ولنجعلك. الثالث: أن الواو زائدة واللامُ متعلقةٌ بالفعلِ قبلها، أي: وانظر إلى حِمارِك، لنجعلَكَ. قال الفرَّاء: وهذا المعنى غير مطلوبٍ من الكلامِ؛ لأنه لو قال فانظر إلى حِمارك لنجعلك آيةً للناسِ، كان النظرُ إلى الحمار شرطاً، وجعله آية جزاءً أَمَّا لمَّا قال: "وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً" [كان المعنى: ولنجعلك آيةً فعلنا ما فعلنا، من الإماتة، والإحياء. وليس في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، كما زعم بعضهم؛ فقال: إن قوله: "وَلِنَجْعَلَكَ" مؤخر بعد قوله تعالى: {وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ}، وأَنَّ الأَنظارَ الثلاثةَ منسوقةٌ بعضها على بعضٍ، فُصِل بينها بهذا الجارّ؛ لأنَّ الثالث مِنْ تمامِ الثاني، فلذلك لم تجعل هذه العلةُ فاصلةً معترضةً. وهذه اللامُ لامُ كي، والفعلُ بعدها منصوبٌ بإضمار "أَنْ" وهي وما بعدها من الفعلِ في محلِّ جرٍّ على ما سبق بيانُهُ غير مرةٍ. و "آية" مفولٌ ثانٍ؛ لأنَّ الجَعْلَ هنا بمعنى: التصيير. و "لِلنَّاسِ" صفةٌ لآيةٍ، و "أَلْ" في الناس، قيل: للعهدِ، إِنْ عَنَى بهم بقيةَ قومِهِ، وقيل: للجنس، إِنْ عَنَى بهم جميع بني آدم]. قوله: {وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ}. أكثر المفسرين على أن المراد بالعظام حمارُه، وقال آخرون: أراد بها عظام الرجلِ نفسه، قالوا: إِنَّ الله أَحْيَا رأسهُ وعينيه، وكانت بقيةُ بدنه، عظاماً نخرةً، فكان ينظرُ إلى أَجزاء عظام نفسه فرآها تجتمعُ، وينضمُّ بعضها إلى بعضٍ وكان يرى حمارَه واقفاً كما ربطه حين كان حيّاً لم يأكل، ولم يشرب مائة عام، وتقدير الكلام على هذا الوجه وانظر إلى عظامك؛ وهو قولُ قتادة، والرَّبيع، وابن زيدٍ، وضُعِّف ذلك بوجوه: منها: أَنَّ قوله {لَبِثْتُ يَوْمَا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} إنما يليقُ بمن لا يرى أثر التغير في نفسه، فيظن أنه كان نائِماً في بعض يومٍ، وأَمَّا من شاهد بعض أجزاءِ بدنه متفرقةً، وعظامُه رميمة نخرةً، فلا يليقُ به ذلك. ومنها أنه خاطبُه، وأَجاب، والمجيب، هو الذي أَماتهُ اللهُ، فإذا كانت الإِماتةُ راجعةً إلى كله، فالمجيب ـ أيضاً ـ الذي بعثه اللهُ، يجب أن يكون جملة الشَّخص. ومنها أَنَّ قوله ـ تعالى ـ {فَأَمَاتَهُ ٱللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} يدلُّ على أَنَّ تلك الجملة أَحياها، وبعثها. قوله: "كَيْفَ" منصوبٌ نصبَ الأَحوال، والعاملُ فيها "نُنْشِزُها" وصاحبُ الحالِ الضميرُ المنصوبُ في "نُنْشِزُها"، ولا يعملُ في هذا الحالِ "انظُرْ" إذ الاستفهامُ له صدرُ الكلام، فلا يعملُ فيه ما قبله، هذا هو القولُ في هذه المسألة، ونظائرها. وقال أبو البقاء: "كيف نُنْشِزُها" في موضِعِ الحالِ من "العِظَامِ"، والعاملُ في "كيف" نُنْشِزُها، ولا يجوز أن يعمل فيها "انظُرْ" لأنَّ هذه جملة استفهام، والاستفهامُ لا يقعُ حالاً، وإنما الذي يقعُ حالاً "كَيْفَ"، ولذلك تُبْدَلُ منه الحالُ بإعادة حرفِ الاستفهامِ، نحو: "كيف ضَرَبْتَ زيداً؛ أقائماً أم قاعداً"؟ والذي يَقْتَضِيه النظرُ الصحيحُ في هذه المسألة، وأمثالها: أَنْ تكونَ جملةُ "كَيْفَ نُنْشِزُها" بدلاً مِنَ "العِظَامِ" فيكونَ في محلِّ جَرٍّ أو محلِّ نصبِ، وذلك أنَّ "نظر" البصرية تتعدَّى بـ "إِلَى"، ويجوزُ فيها التعليقُ، كقوله تعالى: {أية : ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}تفسير : [الإسراء:21] فتكونُ الجملةُ في محلِّ نصبٍ؛ لأنَّ ما يتعدى بحرف الجرِّ يكونُ ما بعده في محلِّ نصبٍ به. ولا بُدَّ مِنْ حذف مضافٍ؛ لتصِحَّ البدليَّة، والتقدير: إلى حال العظام، ونظيرُهُ قولهم: عَرفْتُ زيداً: أبو مَنْ هُوَ؟ فـ "أَبُو مَنْ" هو بدلٌ من "زَيْداً"، على حذفٍ تقديرُهُ: "عَرَفْتُ قِصَّةَ زَيْدٍ". والاستفهامُ في بابِ التعليقِ، لا يُراد به معناه؛ بل جرى في لسانِهم مُعلَّقاً عليه، حكُم اللفظِ دونَ المعنى، و [هو] نظيرُ "أي" في الاختصاص، نحو: "اللهُمَّ اغفِرْ لنا أَيَّتُها العِصَابَةُ" فاللفظُ كالنداء في جميعِ أَحكامه، وليس معناه عليه. وقرأ أبو عمروٍ، والحرميَّان: "نُنْشِزُهَا" بضم النون، وكسر الشِّين، والراءِ المُهملةِ، والباقُون: كذلك؛ إلاَّ أَنَّها بالزاي المُعْجمة. وابن عباسٍ: بفتح النونِ، وضمِّ الشِّين، والراءِ المهملةِ أيضاً والنخعيّ: كذلك؛ إلا أنها بالزاي المعجمةِ، ونُقِل عنه أيضاً ضمُّ الياءِ، وفتحِها مع الراءِ، والزاي. فأَمَّا قراءة الحرميّين: فمن "أَنشَرَ اللهُ الموتى" بمعنى: أَحْيَاهم، وأمَّا قراءةُ ابن عباس: فَمِنْ "نَشَر" ثُلاَثيّاً، وفيه حينئذٍ وجهان: أحدهما: أَنْ يكون بمعنى أَفعلَ، فتتحدَ القراءتان. والثاني: أَنْ يكونَ مِنْ "نَشَرَ" ضِدَّ: طَوى، أي: يَبسُطها بالإِحياء، ويكونُ "نَشَرَ" أيضاً مطاوِع أَنْشَرَ، نحو: أَنْشَرَ الله الميتَ، فَنَشَرَ، فيكونُ المتعدي، واللازمُ بلفظٍ واحدٍ؛ إلاَّ أنَّ كونه مطاوعاً لا يُتَصَوَّر في هذه الآيةِ الكريمة؛ لتعدِّي الفعل فيها، وإنْ كان في عبارة أبي البقاء رحمه الله في هذا الموضع بعضُ إبهامٍ؛ ومِنْ مجيء "نَشَر" لاَزِماً قوله: [السريع] شعر : 1205- حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مِمَّا رَأَوْا يَا عَجَباً لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ تفسير : فناشِر: مِنْ نَشَر؛ بمعنى: حَيِيَ. والمراد بقوله ننشرها، أي: نُحْييها، يقال أنشر الله الميتَ ونشرَهُ، قال تعالى: {أية : ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ}تفسير : [عبس:22] وقد وصف اللهُ العِظِام بالإِحياءِ في قوله: {أية : مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ}تفسير : [يس:78، 79]. وأَمَّا قراءةُ الزَّاي فمن "النَّشْزِ" وهو الارتفاعُ، ومنه: "نَشْزُ الأَرْضِ" وهو المرتفع، ونشوزُ المرأةِ، وهو ارتفاعها عن حالها إلى حالةٍ أُخرى، فالمعنى: يُحرِّك العِظام، ويرفعُ بعضها إلى بعضٍ للإِحياء. قال ابن عطية: "وَيَقْلَقُ عندي أَنْ يكونَ النشوزُ رفعَ العِظَامِ بعضها إلى بعضٍ، وإنما النشوزُ الارتفاعُ قليلاً قليلاً"، قال: "وانظر استعمال العربِ، تَجده كذلك؛ ومنه: "نَشَزَ نَابُ البَعِير" و "أَنْشَزُوا، فَأَنْشَزوا"، فالمعنى هنا على التدرُّج في الفعلِ" فجعل ابنُ عطية النشوزَ ارتفاعاً خاصّاً. ومَنْ ضَمَّ النونَ جعلهُ مِنْ "أَنْشَزَ"، ومَنْ فَتَحها، فَمِنْ "نَشَزَ"، يقال: "نَشَزه" و "أَنْشَزَه" بمعنى. ومَنْ قرأَ بالياءِ، فالضميرُ لله تعالى. وقرأ أُبيّ "نُنْشِئُها" من النَّشْأَةِ. ورجَّح بعضهم قراءة الزاي على الراء، بِأَنْ قال: العِظامُ لا تُحْيَا على الانفرادِ؛ بل بانضمام بعضِها إلى بعضٍ، والزايُ أَوْلى بهذا المعنى؛ إذ هو بمعنى الانضمام دونَ الإِحياءِ، فالموصُوفُ بالإِحياءِ الرجلُ دونَ العظامِ، ولا يقال: هذا عظمٌ حيٌّ. وهذا ليس بشيءٍ؛ لقوله: {أية : مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}تفسير : [يس:78]. ولا بُدَّ من ضميرِ محذوفٍ من قوله: "العِظام" أي؛ العظامِ منه، أي: من الحمارِ، أو تكونُ "أَلْ" قائمةً مقامَ الإِضافة، أي: عظامِ حمارِك. قوله: "لَحْماً" مفعولٌ ثانٍ لِـ "نَكْسُوها" وهو من باب أَعْطَى، وهذا من الاستعارة، ومثله قول لبيدٍ: [البسيط] شعر : 1206- الحَمْدُ لِلَّهِ إِذْ لَمْ يَأْتِينِي أَجَلِي حَتَّى اكْتَسَيْتُ مِنَ الإِسْلاَمِ سِرْبَالا تفسير : قوله: "فَلَمَّا تَبَيَّنَ" في فاعل "تَبيَّن" قولان: أحدهما: مُضمرٌ يُفَسِّره سياقُ الكلامِ، تقديرُهُ: فلمَّا تبيَّن له كيفيةُ الإِحياءِ التي استقر بها، وقدَّره الزمخشريُّ: "فلمَّا تبيَّن له ما أَشْكَل عليه" يعني مِنْ أَمْرِ إِحياءِ الموتى، والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ قوةَ الكلامِ تدِلُّ عليه بخلافِ الثاني. والثاني: ـ وبه بدأ الزمخشري ـ: أن تكون المسألةُ من بابِ الإِعمالِ، يعني أن "تَبَيَّن" يطلُبُ فاعلاً، و "أَعْلَمُ" يطلبُ مفعولاً، و "أَنَّ اللهَ على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ" يصلُح أَنْ يكونَ فاعلاً لتبيَّن، ومفعولاً لأعلَمُ، فصارَتِ المسألةُ من التنازع، وهذا نصُّه، قال: وفَاعِلُ "تبيَّن" مضمرٌ تقديره: فلمَّا تبيَّن له أَنَّ الله على كل شيءٍ قدير قال: أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ على كل شيء قديرٌ، فحُذف الأَوَّل؛ لدلالةِ الثاني عليه، كما في قولهم: "ضَرَبَنِي، وضَرَبْتُ زَيْداً" فجعله مِنْ باب التنازع وجعله من إعمال الثاني، وهو المختارُ عند البصريين، فلمَّا أعملَ الثاني، أَضْمَرَ في الأَولِ فاعلاً، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ من إعمال الأَولِ؛ لأنه كان يلزَمُ الإِضمارُ في الثاني بضميرِ المفعول، فكأنه قال: فلمَّا تبيَّن له، قال أعلمه أن الله. ومثله في إعمال الثاني: {أية : ءَاتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً}تفسير : [الكهف:96] {أية : هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ}تفسير : [الحاقة:19] لما ذكرت. إِلاَّ أَنَّ أبا حيَّان ردَّ عليه بأنَّ شرط الإِعمالِ على ما نصَّ عليه النحويون اشتراكُ العاملَينِ، وأَدْنى ذلك بحرفِ العطفِ ـ حتى لا يكون الفصلُ معتبراً ـ أو يكونُ العاملُ الثاني معمولاً للأول، نحو: "جاءني يَضْحَكُ زيدٌ" فإنَّ "يَضْحَكُ" حالٌ عاملها "جاءني" فيجعل في: "جاءني"، أو في: "يضحك" ضميراً؛ حتَّى لا يكونَ الفعلُ فاصلاً، ولا يَردُ على هذا جعلُهُم "آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً" {أية : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ}تفسير : [النساء:176] {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللهِ}تفسير : [المنافقون:5] و {أية : هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ}تفسير : [الحاقة:19] من باب الإِعمال؛ لأنَّ هذه العوامل مشتركةٌ بوجهٍ ما من وجوهِ الاشتراكِ، ولم يُحْصَرِ الاشتراكُ في العطفِ ولا العَمَلِ، فإذا كان على ما نصُّوا، فليس العاملُ الثاني مُشْتركاً مع الأولِ بحرفِ العطفِ، ولا بغيره، ولا هو معمولٌ للأول؛ بل هو معمولٌ لقال، و "قال" جوابُ "لَمَّا" إِنْ قلنا: إنَّها حرفٌ، وعاملةٌ في "لَمَّا" إن قلنا: إنها ظرفٌ، و "تبيَّن" على هذا القول مخفوضٌ بالظرف، ولم يذكر النحاةُ التنازع في نحو: "لَوْ جَاءَ قَتَلْتُ زيداً"، ولا "لَمَّا جاء ضربت زيداً"، ولا "حِينَ جاء قتلْتُ زيداً"، ولا "إذا جاء قتلتُ زيداً"، ولذلك حكى النحاةُ أَنَّ العربَ لا تقول: "أَكْرَمْتُ أَهْنتُ زيداً" ـ يعني لعدم الاشتراكِ بين العاملين ـ وقد ناقضَ قوله؛ حيثُ جعل الفاعل محذوفاً، كما تقدَّم في عبارتِهِ، والحذفُ ينافي الإِضمارَ، فإنْ كان أرادَ بالإِضمار في قوله: "وفاعِلُ تبيَّن مُضْمَرٌ" الحذفَ فهو قول الكسائيِّ؛ لأنه لا يُجيزُ إضمارَ المرفوع قبل الذكر فيدَّعي فيه الحذف، ويُنشد: [الطويل] شعر : 1207- تَعَفَّقَ بِالأَرْطَى لَهَا وَأَرَادَهَا رِجَالٌ فَبَذَّتْ نَبْلَهُمْ وَكَلِيبُ تفسير : ولهذا تأويل مذكورٌ؛ ورُدَّ عليه بالسماع قال القائِلُ: [البسيط] شعر : 1208- هَوَيْنَنِي وَهَوَيْتُ الخُرَّدَ الْعُرُبَا أَزْمَانَ كُنْتُ مَنُوطاً بِي هَوًى وَصِبَا تفسير : فقال: "هَوَيْنَنِي" فجاءَ في الأَوَّل بضمير الإِناث، من غير حذفٍ. انتهى ما رُدَّ به عليه، قال شهاب الدِّين ـ رحمه الله ـ وفيه نظرٌ لا يخفى. وقرأ ابن عبَّاس: "تُبُيِّن" مبنياً للمفعولِ، والقائمُ مقامَ الفاعلِ، الجارُّ والمجرورُ بعدَه. وابنُ السَّمَيْفع "يُبَيِّن" من غير تاء مبنياً للمفعولِ، والقائمُ مقامه ضميرُ كيفية الإِحياء أو الجارُّ والمجرورُ. قوله: "قَالَ أَعْلَمُ" الجمهورُ على: "قال" مبنيّاً للفاعلِ. وفي فاعله على قراءة حمزة والكسائي: "اعْلَمْ" أمراً من "عَلِمَ" قولان: أظهرهما: أنه ضميرٌ يعودُ على اللهِ تعالى أو على المَلِك، أي: قال اللهُ تعالى أو الملكُ لذلك المارِّ اعْلَمْ. الثاني: أنه ضميرٌ يعودُ على المارِّ نفسه، نزَّل نفسه منزلة الأجنبي، فخاطبها؛ ومنه: [البسيط] شعر : 1209- وَدِّعْ أُمَامَة إِنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ ........................ تفسير : وقوله: [المتقارب] شعر : 1210- تَطَاوَلَ لَيْلُكَ.................. ......................... تفسير : يعني نفسه، قال أبو البقاء رحمه الله: "كما تقول لنفسك: اعلم يا عبد الله، ويُسَمَّى هذا التجريدَ" يعني: كأنه جَرَّد من نفسه مُخَاطباً يخاطِبُه. وأمَّا على قراءةِ "أَعْلَمُ" مضارعاً [للمتكلم] وهي قراة الجمهور ففاعل "قال" ضميرُ المارِّ، أي: قال المارُّ: أعلمُ أنا. وقرأ الأَعمشُ: "قِيل" مبنيّاً للمفعولِ. والقائمُ مقام الفاعل: إمَّا ضميرُ المصدرِ من الفعلِ، وإمَّا الجملةُ التي بعده، على حسبِ ما تقدَّم أول السورة. [وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ: "اعلمْ" على الأَمر، والباقون: "أَعْلَمُ" مضارعاً] وقرأ الجعفيّ عن أبي بكر: "أَعْلِمْ" أَمْراً من "أَعْلَمَ"، والكلامُ فيها كالكلامِ في قراءةِ حمزة والكسائي بالنسبةِ إلى فاعل "قال" ما هو؟ فصلٌ في معنى قوله: "فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ" قال الطبريُّ: معنى قوله: "فلمَّا تبيَّنَ لهُ" أي: لما اتضح له عياناً ما كان مستنكراً في قدرة الله عنده قبل عيانه، قال: أَعلمُ. قال ابن عطيَّة: وهذا خطأٌ؛ لأنه ألزم ما لا يقتضيه اللفظ، وفسر على القول الشاذِّ، وهذا عندي ليس بإِقرارٍ بما كان قبل ينكره، كما زعم الطبريُّ، بل هو قولٌ بعثه الاعتبارُ؛ كما يقول المؤمنُ إذا رأى شيئاً غريباً من قدرة الله تعالى: لاَ إِلَه إِلاَّ اللهُ، ونحو هذا. وقال أبو عليّ: معناه أعلم هذا الضرب من العلمِ الذي لم أكُن أَعْلَمه. و "أَنَّ الله" في محلّ نصب، سادَّةً مسد المفعولين، أو الأَوَّل والثاني محذوفٌ على ما تقدّم من الخلاف.
البقاعي
تفسير : ولما كان الإحياء والإماتة من أظهر آيات الربانية وأخصها بها أظهر سبحانه وتعالى الغيرة عليها تارة بإبهات المدعي للمشاركة، وتارة بإشهاد المستبعد في نفسه وغيره بفعل ربه، وتارة بإشهاد المسترشد في غيره بنفسه معبراً في كل منها بما اقتضاه حاله وأشعر به سؤاله، فعبر في الكافر بإلى إشارة إلى أنه في محل البعد عن المخاطب صلى الله عليه وسلم، وفي المتعجب بإسقاطها إسقاطاً لذلك البعد، وفي المسترشد المستطلع بإذ كما هي العادة المستمرة في أهل الصفاء والمحبة والوفاء فأتبع التعجيب من حال المحاجج التعجيب أيضاً من حال من استعظم إحياءه تعالى لتلك القرية. ولما كان معنى {ألم تر} هل رأيت لأن هل كما ذكر الرضي وغيره تختص مع كونها للاستفهام بأن تفيد فائدة النافي حتى جاز أن يجيء بعدها {إلا} قصداً للايجاب كقوله سبحانه تعالى {أية : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} تفسير : [الرحمن: 60] وقوله سبحانه وتعالى {أية : هل هذا إلا بشر مثلكم} تفسير : [الأنبياء: 3] كان كأنه قيل: هل رأيت الذي حاج إبراهيم {أو} هل رأيت {كالذي} ويجوز أن يكون التقدير لأن أخبار الأولين إنما هي مواعظ لنا: أقومك كهذا المحاج لأعظم إبائهم فهم يقولون: إن الإحياء ليس على حقيقته بالبعث بعد الموت، أو هم كالذي {مر} قال الحرالي: من المرور وهو جعل الشيء على مسلك إلى غيره مع التفات إليه في سبيله {على قرية} وهي التي خرج منها الألوف أو بيت المقدس {وهي خاوية} أي متهدمة ساقطة جدرانها {على عروشها} أي سقوفها، أو خالية على بقاء سقوفها. قال الحرالي: من الخوا وهو خلو الشيء عما شأنه أن يعينه حساً أو معنىً، والعروش جمع عرش من نحو معنى العريش وهو ما أقيم من البناء على حالة عجالة يدفع سورة الحر والبرد ولا يدفع جملتها كالكن المشيد، فكان المشيد في الحقيقة عريشاً لوهاء الدنيا بجملتها في عين الاستبصار - انتهى. ولما كان كأنه قيل: ما الذي في حاله ذلك مما يعجب منه؟ قيل: {قال أنى يحيي هذه} أي القرية {الله} أي الذي له الأمر كله {بعد موتها} أي بما صارت إليه من الخراب وذهاب الأهل فيعيدها إلى ما كانت عليه عامرة آهلة. قال الحرالي: وفي لفظة "أنى" لشمول معناها لمعنى كيف وحيث ومتى استبعاده الإحياء في الكيف والمكان والزمان، ومنشأ هذا الاستبعاد إنما يطوق النفس من طلبها لمعرفة تكييف ما لا يصل إليه علمها - انتهى. ولما كان هذا المستبعد قاصراً عن رتبة الخليل عليه الصلاة والسلام في التهيؤ للطمأنينة بل كان إيقانه على الكيفية متوقفاً في الحكمة على تركه في عالم الغيب المدة التي ضربت لبقائه ميتاً ليكون ذلك كالتخمير في الطين لتتهيأ نفسه لعلم ذلك والإيقان به قال: {فأماته} أي فتسبب عن ذلك أن أماته {الله} أي الذي لا كفوء له فمهما أراد كان لإيقانه على علم ذلك عناية من الله به {مائة} ولما كان المراد أن مدة موته كانت طويلة ليكون قد بلي فيها فتكون إعادته أمكن في القدرة على ما تستبعده العرب وأن ذلك الزمان كان حسناً طيباً لقبوله الإحياء والعمارة عبر عنه بما يدل على السعة فقال: {عام} حتى بلي حماره وحفظ طعامه وشرابه من التغير ليتحقق كمال القدرة بحفظ ما شأنه التغير وتغير ما شأنه البقاء وإعادة ما فني. قال الحرالي: وخص المائة لكمالها في العد المثلث من الآحاد والعشرات وعشرها وتر الشفع لأن ما تم في الثالث كان ما زاد عليه تكراراً يجزىء عنه الثلاث {ثم بعثه} في بيانه إشعار بأن بدنه لم يتغير ولا فني فناء حماره حيث لم يكن ثم نشره والله سبحانه وتعالى أعلم كما قال {أية : ثم إذا شاء أنشره} تفسير : [عبس: 22] - انتهى. ولما أحاط العلم بأن هذا العمل لأجل إيقانه على القدرة تشوفت النفس إلى ما حصل له بعد البعث فأجيبت بقوله تنبيهاً له ولكل سامع على ما في قصته من الخوارق: {قال} أي له الله سبحانه وتعالى أو من شاء ممن خطابه ناشىء عنه {كم لبثت} أي في رقدتك هذه {قال} لنظره إلى سلامة طعامه وشرابه {لبثت يوماً} ثم تغير ظنه بحسب الشمس أو غيرها فقال: {أو بعض يوم} وكأنه استعجل بهذا الجواب - كما هي عادة الإنسان - قبل النظر إلى حماره {قال} أي الذي خاطبه مضرباً عن جوابه بياناً لأنه غلط ظاهر {بل لبثت مائة عام} معبراً عن الحول بلفظ يدور على معنى السعة والامتداد والطول ودله على ذلك وعلى كمال القدرة بقوله: {فانظر إلى طعامك وشرابك} أي الذي كان معك لما رقدت وهو أسرع الأشياء فساداً تين وعصير {لم يتسنه} من السنة أي يتغير بمر السنين على طول مرورها وقوة تقلباتها وتأثيرها، ومعنى القراءة بهاء السكت أن الخبر بذلك أمر جازم مقنع لا مرية فيه ولا تردد أصلاً {وانظر إلى} {حمارك} بالياً رميماً، فجمع الله له سبحانه وتعالى بين آيتي الرطب في حفظه واليابس في نقضه. ولما كان التقدير: فعلنا ذلك لنجعله آية لك على كمال القدرة أو لتعلم أنت قدرتنا، عطف عليه قوله: {ولنجعلك} أي في مجموع خبرك {آية للناس} أي كافة فكان أمره إبقاء وتثبيتاً آية في موجود الدنيا على ما سيكون في أمر الآخرة قيام ساعة وبعثاً ونشوراً - قاله الحرالي. ولما أمره بالنظر إلى ما جعله له آية على لبثه ذلك الزمن الطويل أمره بالنظر إلى ما جعله له آية على اقتداره على الإحياء كيف ما أراد فقال: {وانظر إلى العظام} أي من حمارك وهي جمع عظم وهو عماد البدن الذي عليه مقوم صورته {كيف ننشزها} قال الحرالي: بالراء من النشر وهو عود الفاني إلى صورته الأولى وبالضم جعل وتصيير إليه، وبالزاي من النشز وهو إظهار الشيء وإعلاؤه، من نشز الأرض وهو ما ارتفع منها وظهر - انتهى. وضم بعضها إلى بعض على ما كانت عليه ينظم ذلك كله {ثم نكسوها لحماً} قال الحرالي: جعل حياته بعثاً وحياة حماره نشوراً وأراه النشر، واللحم الذي لحم بين العظام حتى صارت صورة واحدة ليتبين أمر الساعة عياناً فيكون حجة على الكافر والمستبعد {فلما تبين له} أي هذا الأمر الخارق الباهر الدال على ما وصف سبحانه وتعالى به نفسه المقدسة في آية الكرسي. قال الحرالي: وفي صيغة تفعل إشعار بتردده في النظر بين الآيتين حتى استقر عنده أمر ما أعلم به واضمحل عنده ما قدره {قال أعلم} بصيغة الفعل بناء على نفسه وبصيغة الأمر إفادة لغيره ما علم لتدل القراءتان على أنه علم وعلم لأن العلم إنما يتم حين يصل إلى غير العالم فيجمع فضل العلم والتعليم - انتهى. ويجوز أن يدل التعبير بالمضارع في أعلم على أنه لم يزل متصفاً بهذا العلم من غير نظر إلى حال ولا استقبال ويكون ذلك اعتذاراً عن تعبيره في التعجيب بما دل على الاستبعاد بأنه إنما قاله استبعاداً لتعليق القدرة بذلك لا للقدرة عليه {أن الله} أي لما أعلم من عظمته {على كل شيء} أي من هذا وغيره {قدير} قال الحرالي: في إشعاره إلزام البصائر شهود قدرة الله سبحانه وتعالى في تعينها في الأسباب الحكمية التي تتقيد بها الأبصار إلحاقاً لما دون آية الإحياء والإماتة بأمرها ليستوي في العلم أن محييك هو مصرفك، فكما أن حياتك بقدرته فكذلك عملك بقدرته فلاءم تفصيل افراد القدرة لله بما تقدم من إبداء الحفظ بالله والعظمة لله، فكأنها جوامع وتفاصيل كلها تقتضي إحاطة أمر الله سبحانه وتعالى بكلية ما أجمل وبدقائق تفاصيل ما فصل - انتهى. وفي الآية بيان لوجه مغالطة الكافر لمن استخفه من قومه في المحاجة مع الخليل صلوات الله وسلامه عليه بأن الإحياء الذي يستحق به الملك الألوهية هو هذا الإحياء الحقيقي لا التخلية عمن استحق القتل. ولما كان الإيمان بالبعث بل الإيقان من المقاصد العظمى في هذه السورة وانتهى إلى هذا السياق الذي هو لتثبيت دعائم القدرة على الإحياء مع تباين المناهج واختلاف الطرق فبين أولاً بالرد على الكافر ما يوجب الإيمان وبإشهاد المتعجب ما ختم الإيقان علا عن ذلك البيان في قصة الخليل صلوات الله وسلامه عليه إلى ما يثبت الطمأنينة، وقد قرر سبحانه وتعالى أمر البعث في هذه السورة بعد ما أشارت إليه الفاتحة بيوم الدين أحسن تقرير، فبث نجومه فيها خلال سماوات آياتها وفرق رسومه في أرجائها بين دلائلها وبيناتها فعل الحكيم الذي يلقي ما يريد بالتدريج غير عجل ولا مقصر، فكرر سبحانه وتعالى ذكره بالآخرة تارة والإحياء أخرى تارة في الدنيا وتارة في الآخرة في مثل قوله {أية : وبالآخرة هم يوقنون} تفسير : [البقرة: 4] {أية : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم} تفسير : [البقرة: 28] {أية : ثم بعثناكم من بعد موتكم} تفسير : [البقرة: 56] {أية : كذلك يحيي الله الموتى} تفسير : [البقرة: 73] {أية : فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} تفسير : [البقرة: 243] وما كان من أمثاله ونظائره وأشكاله في تلك الأساليب المرادة غالباً بالذات لغيره فاستأنست أنفس المنكرين له به، فصار لها استعداد لسماع الاستدلال عليه حتى ساق لهم أمر خليله عليه الصلاة والسلام والتحية والإكرام، فكان كأنه قيل: يا منكري البعث ومظهري العجب منه ومقلدي الآباء في أمره بالأخبار التي أكثرها كاذب! اسمعوا قصة أبيكم إبراهيم صلى الله عليه وسلم التي لقاكم بها الاستدلال على البعث وجمع المتفرق وإعادة الروح باخبار من لا يتهم بشهادة القرآن الذي أعجزكم عن الإتيان بمثل شيء منه فشهادته شهادة الله لتصيروا من ذلك على علم اليقين بل عين اليقين فقال تعالى: {وإذ} عطفاً على نحو اذكروا ما تلي عليكم من أمر البعث واذكروا قصة أبيكم إبراهيم فيما يدل عليه إذ. وقال الحرالي: ولما كان أمر منزل القرآن إقامة الدين بمكتوبه وحدوده فأنهاه تعالى منتهى منه ثم نظم به ما نظم من علنه في آية الكرسي ورتب على ذلك دين الإسلام الذي هو إلقاء كإلقاء اليد عند الموت انتظم به أمر المعاد الذي لا مدخل للعباد في أمره فرتب سبحانه وتعالى ذكر المعاد في ثلاثة أحوال: حال الجاحد الذي انتهت غايته إلى بهت، ثم حال المستبعد الذي انتهت غايته إلى علم وإيمان، وأنهى الخطاب إلى حال المؤمن الذي انتهى حاله إلى يقين وطمأنينة ورؤية ملكوت في ملكوت الأرض - انتهى، فقال سبحانه وتعالى: واذ {قال إبراهيم} ولقد استولى الترتيب والتعبير في هذه الآيات الثلاث على الأمد الأقصى من الحسن، فإنها بدئت بمن أراد أن يخفي ما أوضحته البراهين من أمر الإله في الإحياء بأن ادعى لنفسه المشاركة بإحياء مجازي تلبيساً بلفظ إلى الدال على بعده ولعنه وطرده، ثم بمن استبعد إحياء القرية فأراه الله سبحانه وتعالى كيفية الإحياء الحقيقي آية له وتتميماً للرد على ذلك مع الإقبال عليه بالمخاطبة ولذة الملاطفة ثم بمن سأل إكرام الله تعالى له بأن يريه كيف يحيي فيثبت ثم أثبتت ثم أكدت، ومناسبة الثلاث بكونها في إحياء الأشباح بالأرواح لما قبلها وهو في إحياء الأرواح بأسرار الصلاح أجل مناسبة، فالمراد التحذير عن حال الأول والندب إلى الارتقاء عن درجة الثاني إلى مقام الثالث الذي حقيقته الصدق في الإيمان لرجاء الحيازة مما أكرم به، ولذلك عبر في قصته بقوله واذ ولم يسقها مساق التعجيب كالأول {رب} أي أيها المحسن إليّ {أرني كيف تحيي الموتى} قال الحرالي: طلب ما هو أهله بما قال تعالى {أية : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} تفسير : [الأنعام: 75] فمن ملكوت الأرض الإحياء، فقرره سبحانه وتعالى على تحقيق ابتداء حاله من تقرر الإيمان فقال مستأنفاً: {قال} ولما كان التقدير: ألم تعلم أني قادر على الإحياء لأني قادر على كل شيء عطف عليه قوله: {أو لم تؤمن} فإن الإيمان يجمع ذلك كله {قال بلى} فتحقق أن طلبه كيفية الإحياء ليس عن بقية تثبت في الإيمان، فكان في إشعاره أن أكثر طالبي الكيف في الأمور إنما يطلبونه عن وهن في إيمانهم، ومن طلب لتثبت الإيمان مع أن فيما دون الكيف من الآيات كفايته لم ينتفع بالآية في إيمانه، لأن كفايتها فيما دونه ولم يعل لليقين لنقص إيمانه عن تمام حده، فإذا تم الإيمان بحكم آياته التي في موجود حكمة الله في الدنيا بيناته ترتب عليه برؤية ملكوت شهود الدنيا رتبة اليقين، كما وجد تجربته أهل الكشف من الصادقين في أمر الله حيث أورث لهم اليقين، ومتى شاركهم في أمر من رؤية الكشف أو الكرامات ضعيف الإيمان طلب فيه تأويلاً، وربما كان عليه فتنة تنقصه مما كان عنده من حظ من إيمانه حتى ربما داخله نفاق لا ينفك منه إلا أن يستنقذه الله، فلذلك أبدى تعالى خطاب تقريره لخليله صلى الله عليه وسلم على تحقيق الإيمان ليصح الترقي منه إلى رتبة الإيقان، وهو مثل نحو ما تقدم في مطلق قوله سبحانه وتعالى {أية : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} تفسير : [البقرة: 257] وذكر عن الخليل عليه الصلاة والسلام أنه نظر إلى بدن دابة توزعها دواب البحر ودواب البر وطير الهواء، فتعجب منها وقال: يا رب! قد علمت لتجمعنها فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك، فإنما ينبني يقين العيان على تحقيق الإيمان {ولكن} أريد المعاينة {ليطمئن} من الطمأنينة وهي الهدو والسكون على سواء الخلقة واعتدال الخلق {قلبي} من فطر على نيل شيء جبل على الشوق له، فلما كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام متهيئاً لقبول الطمأنينة قذف في قلبه طلبها، فأجابه الله بما قد هيأه له، فضرب سبحانه وتعالى له مثلاً أراه إياه، جعله جري العيان جلي الإيقان، وذلك أن الله تعالى سبحانه هو الأحد الذي لا يعد ولا يحد وكان من تنزل تجليه لعباده أنه الإله الواحد، والواحد بريء من العد، فكان أول ظهور الخلق هو أول ظهور العد، فأول العد الاثنان {أية : ومن كل شيء خلقنا زوجين} تفسير : [الذاريات: 49] فالاثنان عد هو خلق كل واحد منهما واحد، فجعل تعالى اثنين كل واحد منهما اثنان لتكون الاثنينية فيه كلاًّ وجزءاً فيكون زوجاً من زوج، فكان ذلك العد هو الأربع، فجعله الله سبحانه وتعالى أصلاً لمخلوقاته فكانت جملتها وتره، فجعل الأقوات من أربع {أية : وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام} تفسير : [فصلت: 10] وجعل الأركان التي خلق منها صور المخلوقات أربعاً، وجعل الأقطار أربعاً، وجعل الأعمار أربعاً، وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : خير الرفقاء أربعة، وخير البعوث أربعون، وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف"تفسير : والمربعات في أصول الخلق كثيرة تتبعها العلماء واطلع عليها الحكماء {أية : هو الذي بعث في الأميين رسولاً} تفسير : [الجمعة: 2] ولما كان خلق آدم وسائر المخلوقات من مداد الأركان التي هي الماء والتراب والهواء والنار فأظهر منها الصور {أية : وصوركم فأحسن صوركم} تفسير : [غافر: 64] ثم أظهر سبحانه وتعالى قهره بإماتته وإفناء صوره، "حديث : كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذَّنَبِ، منه خلق وفيه يركب" تفسير : فكان بددها في أربعة أقطار شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، أرى خليله عليه الصلاة والسلام كيف يدعو خلقه من أقطار آفاقه الأربعة بعد بددها واختلاطها والتئام أجزائها على غير حدها، يقال إن علياً رضي الله تعالى عنه ضرب بيده على قدح من فخار فقال: كم فيه من خد أسيل وعين كحيل! {أية : قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} تفسير : [ق: 4] فأرى تعالى خليله عليه الصلاة والسلام مثلاً من جملة ذلك {قال فخذ} بالفاء تحقيقاً لمقاله وتصديقاً فيما تحقق من إيمانه وإبداء لاستحقاقه اليقين والطمأنينة بتقرر إيمانه {أربعة من الطير} هو اسم جمع من معنى ما منه الطيران وهو الخفة من ثقل ما ليس من شأنه أن يعلو في الهواء، جعل تعالى المثل من الطير لأن الأركان المجتمعة في الأبدان طوائر تطير إلى أوكارها ومراكزها التي حددها الله تعالى لها جعلاً فيها لا طبعاً واجباً منها، فإن الله عزّ وجلّ هو الحكيم الذي جعل الحكمة، فمن أشهده الحكمة وأشهده أنه جاعلها فهو حكيمها، ومن أشهده الحكمة الدنياوية ولم يشهده أنه جاعلها فهو جاهلها، فالحكمة شهود الحكمة مجعولة من الله كل ماهية ممهاة، وكل معنوية ممعناة، وكل حقيقة محققة، فالطبع وما فيه جعل من الله، من جهله ألحد ومن تحققه وحد. كذلك المعقول وما فيه إقباس من الله وإراءة من أمر الله، من تقيد به واعتقده لا ينفك نسبة الحد في الطبع واحتاج إلى ملجأ فتن التأويل في غيب الشرع، وكل ما سوى الحق موضوع معطي حظاً وحداً ينال ما أعطى ويعجز عما فوقه، للعقول حد تقف عنده لا تتعداه، فلذلك جعلها تعالى طوائر يقهرها قفص الصورة وتمام التسوية، ويظهر تماسكها نفخ الروح انتهى. وقوله سبحانه وتعالى، {فصرهن} أي اضممهن {إليك} أي لتعرف أشكالها فيكون ذلك أثبت في أمرها. قال الحرالي: من الصور وهو استمالة القلوب بالإحسان حتى يشتد إلى المستميل صغوها وميلها، وإشعاره ينبىء والله سبحانه وتعالى أعلم أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام رباهن وغذاهن حتى عرفنه ليكون ذلك مثلاً لما لله سبحانه وتعالى في خلقه من تربيتهم بخلقهم ورزقهم حتى عرفوه بما احتاجوا إليه، فوجدوه معرفة عجز عنه لا معرفة نيل له، فمتى دعاهم من أقطار الآفاق أجابوه إجابة هذه الطوائر لخليله بحظ يسير من تربيته لهن، وإذا كانت هذه الأربع مجيبة للخليل عليه السلام بهذا الحظ اليسير من الصور والصغو فكيف تكون إجابة الجملة للجليل العزيز الحكيم! قال تعالى: {ثم اجعل} عطفاً بكلمة المهلة تجاوزاً بعد تربيتهن عن ذبحهن ودرسهن وخلطهن حتى صرن لحمة واحدة لا يبين في جملتها شيء من الصور الذاهبة، كما تصير المواليد تراباً عند موتها وتبددها صورة واحدة ترابية ليتطابق المثل والممثول مطابقة تامة إلى ما وراء ذلك من مجاوزة عبرة وروية {على كل جبل} من الجبال القريبة إليك {منهن جزءاً} والجزء بعض من كل يشابهه كالقطعة من الذهب ونحوه، فجعل الجبال مثل الأقطار وهي لارتفاعها أمكن في الرؤية وأبعد من الاشتباه {أية : إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} تفسير : [يس: 53] {أية : فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة} تفسير : [النازعات: 13] فما كان بالصيحة والزجرة من الممثول كان بالدعاء في المثل، كما أن ما كان بالخلق والرزق في الممثول كان بالصور في المثل وجعله جزءاً حيث كان يشبه بعضه بعضاً {ثم ادعهن يأتينك سعياً} والسعي هو العدو والقصد المسرع يكون في الحس، والمعنى في إتيان الطائر طائراً حظ من مُنَّته وفي إتيانه سعياً حظ من ذلته، فلذلك جلبهن عليه سعياً بحال المتذلل الطالب للرزق والأمنة من اليد التي عهد منها الرزق والجنبة التي ألف منها الأمن فبدأ المثل مطابقاً للمثول وغايته مرأى عين، فصار موقناً مطمئناً وليس ذلك بأعجب من مشي الأحجار تارة والأشجار كرة وأغصانها أخرى إلى خدمة ولده المصطفى صلى الله عليه وسلم، "حديث : وكذا إلحام يد معوذ بن عفراء بعد ما قطعت وجاء يحملها كما ذكر في السير في غزوة بدر، فصارت مثل أختها" تفسير : في أشياء من أمثال ذلك، على أنه قد كان له من إحياء الموتى ما أذكره في آل عمران، وكان لآحاد أمته من ذلك ما ذكره البيهقي في الدلائل منه عدداً كثيراً، وإنما لم يكثر ذلك على يده صلى الله عليه وسلم لأنه مرسل إلى قوم لا يقرون بالبعث، ومحط الإيمان التصديق بالغيب، فلو كثر وقوع ذلك له صلى الله عليه وسلم لكشف الغطاء، وإذا كشف الغطاء عوجل من تخلف عن الإيمان بالعذاب وهو نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، وأما عيسى عليه الصلاة والسلام فكان في قوم يؤمنون بالآخرة ففعله ذلك لإظهار المعجزة بنوع أعلى مما كانوا يصلون إليه بالطب، على أنه لا فرق في إظهار الخارق بين واحد وأكثر - والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما أراه سبحانه وتعالى ملكوت الأرض صارت تلك الرؤية علماً على عزة الله من وراء الملكوت في محل الجبروت فقال: {واعلم أن الله} أي المحيط علماً وقدرة {عزيز} ولما كان للعزة صولة لا تقوى لها فطر المخترعين نزل تعالى الخطاب إلى محل حكمته فقال: {حكيم *} فكان فيه إشعار بأنه سبحانه وتعالى جعل الأشياء بعضها من بعض كائنة وبعضها إلى بعض عامدة وبعضها من ذلك البعض معادة {أية : منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى}تفسير : [طه: 55] وهذه الحكمة التي أشار إليها اسمه الحكيم حكمة ملكوتية جامعة لوصلة ما بين حكمة الدنيا وحكمة الآخرة، لأن الحكيم بالحقيقة ليس من علمه الله حكمة الدنيا وألبس عليه جعله لها بل ذلك جاهلها كما تقدم، إنما الحكيم الذي أشهده الله حكمة الدنيا أرضاً وأفلاكاً ونجوماً وآفاقاً وموالد وتوالداً، وأشهده أنه حكيمها، ومزج له علم حكمة موجود الدنيا بعلم حكمة موجود الآخرة، وأراه كيفية توالج الحكمتين بعضها في بعض ومآل بعضها إلى بعض حتى يشهد دوران الأشياء في حكمة أمر الآخرة التي هي غيب الدنيا إلى مشهود حكمة الدنيا ثم إلى مشهود حكمة الآخرة كذلك عوداً على بدء وبدءاً على عود في ظهور غيب الإبداء إلى مشهوده وفي عود مشهوده إلى غيبه {أية : قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} تفسير : [غافر: 11] كذلك إلى المعاد الأعظم الإنساني {أية : يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن} تفسير : [التغابن: 9] فهذا هو الحكيم المتوسط الحكمة، ثم وراء ذلك أمر آخر من على أمر الله في متعالي تجلياته بأسماء وأوصاف يتعالى ويتعاظم للمؤمنين ويتبارك ويستعلن للموقنين الموحدين، فله سبحانه وتعالى العزّة في خلقه وأمره وله الحكمة في خلقه وأمره ومن ورائها كلمته التي لا ينفد تفصيل حكمها{أية : قل لو كان البحر مداداً} تفسير : [الكهف: 109] وكلماته لا تحد ولا تعد {أية : ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} تفسير : [لقمان: 27]، فهو العزيز الحكيم العلي العظيم - انتهى. وهو أعلى من الجوهر الثمين وقد لاح بهذا أن قصد الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين بل إلى حق اليقين، وكأنه عد المرتبة الدنيا من الطمأنينة بالنسبة إلى العليا عدماً، وقيل: بل كان قصده بالسؤال رؤية المحيي ولكنه طلبها تلويحاً فأجيب بالمنع منها بوصف العزة تلويحاً، وموسى عليه الصلاة والسلام لما سأل تصريحاً أجيب تصريحاً، وسؤال الخليل عليه الصلاة والسلام ليس على وجه الشك، وقول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : نحن أحق بالشك من إبراهيم" تفسير : يرشد إلى ذلك، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يشك، وإذا انتفى الشك عن الأحق انتفى الشك عن غيره من باب الأولى، ولئن سلمنا فالمراد أنه فعل مثل ما يفعل الشاك إطلاقاً لاسم الملزوم على اللازم في الجملة، وأما نفس الشك فقد نفاه القرآن عنه صلى الله عليه وسلم تصريحاً بقوله "بلى" وتلويحاً بكون هذه الآية عقب آية محاجته لذلك الذي بهت، نقل أن الشيخ أحمد أخا حجة الإسلام الغزالي سئل أيما أعلى المقام الإبراهيمي في سؤال الطمأنينة أو المقام العلوي القائل: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً؟ فقال: الإبراهيمي لقوله تعالى {أية : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} تفسير : [النمل: 14].
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب في قوله {أو كالذي مر على قرية} قال: خرج عزير نبي الله من مدينته وهو شاب، فمر على قرية خربة وهي خاوية على عروشها فقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام ثم بعثه، فأول ما خلق منه عيناه، فجعل ينظر إلى عظامه وينظم بعضها إلى بعض، ثم كسيت لحماً، ثم نفخ فيه الروح فقيل له: كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً أو بعض يوم. قال: بل لبثت مائة عام، فأتى مدينته وقد ترك جاراً له اسكافاً شاباً، فجاء وهو شيخ كبير. واخرج اسحاق بن بشر والخطيب وابن عساكر عن عبدالله بن سلام: أن عزيراً هو العبد الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه. وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن ابن عباس: أن عزير بن سروخا هو الذي فيه قال الله في كتابه {أو كالذي مر على قرية} الآية. وأخرج ابن جرير عن عكرمة وقتادة وسليمان بن بريدة والضحاك والسدي مثله. وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طرق عن ابن عباس وكعب والحسن ووهب يزيد بعضهم على بعض. أن عزيراً كان عبداً صالحاً حكيماً، خرج ذات يوم إلى ضيعة له يتعاهدها، فلما انصرف انتهى إلى خربة حين قامت الظهيرة أصابه الحر، فدخل الخربة وهو على حمار له، فنزل عن حماره ومعه سلة فيها تين وسلة فيها عنب، فنزل في ظل تلك الخربة. وأخرج قصعة معه، فاعتصر من العنب الذي كان معه في القصعة، ثم أخرج خبزاً يابساً معه فألقاه في تلك القصعة في العصير ليبتل ليأكله، ثم استلقى على قفاه وأسند رجليه إلى الحائط، فنظر سقف تلك البيوت ورأى منها ما فيها وهي قائمة على عرشها وقد باد أهلها، ورأى عظاماً بالية فقال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها:} فلم يشك أن الله يحييها ولكن قالها تعجبا. فبعث الله ملك الموت فقبض روحه، فأماته الله مائة عام، فلما أتت عليه مائة عام وكان فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث، فبعث الله إلى عزير ملكاً فخلق قلبه ليعقل به، وعينيه لينظر بهما فيعقل كيف يحيي الله الموتى، ثم ركب خلقه وهو ينظر، ثم كسا عظامه اللحم والشعر والجلد، ثم نفخ فيه الروح كل ذلك يرى ويعقل، فاستوى جالساً فقال له الملك: كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً وذلك أنه كان نام في صدر النهار عند الظهيرة، وبعث في آخر النهار والشمس لم تغب. فقال: أو بعض يوم، ولم يتم لي يوم. فقال له الملك: بل لبثت مائة عام، فانظر إلى طعامك وشرابك، يعني الطعام الخبز اليابس، وشرابه العصير الذي كان اعتصر في القصعة، فإذا هما على حالهما لم يتغير العصير والخبز اليابس، فذلك قوله {لم يتسنَّه} يعني لم يتغير، وكذلك التين والعنب غض لم يتغير عن حاله، فكأنه أنكر في قلبه. فقال له الملك: أنكرت ما قلت لك أنظر إلى حمارك. فنظر فإذا حماره قد بليت عظامه وصارت نخرة، فنادى الملك عظام الحمار فأجابت وأقبلت من كل ناحية حتى ركبه الملك وعزير ينظر إليه، ثم ألبسها العروق والعصب، ثم كساها اللحم، ثم أنبت عليها الجلد والشعر، ثم نفخ فيه الملك، فقام الحمار رافعاً رأسه وأذنيه إلى السماء ناهقاً، فذلك قوله {وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً} يعني انظر إلى عظام حمارك كيف يركب بعضها بعضاً في أوصالها، حتى إذا صارت عظاماً مصوراً حماراً بلا لحم، ثم انظر كيف نكسوها لحماً {فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} من إحياء الموتى وغيره. قال فركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس، وأنكر الناس، وأنكر منازله، فانطلق على وهم منه حتى أتى منزله، فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمة لهم، فخرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة كانت عرفته وعقلته فقال لها عزير: يا هذه أهذا منزل عزير؟ قالت: نعم، وبكت وقالت: ما رأيت أحداً من كذا وكذا سنة يذكر عزيرا وقد نسيه الناس. قال: فإني أنا عزير. قالت: سبحان الله! فإن عزيرا قد فقدناه منذ مائة سنة فلم نسمع له بذكر. قال: فإني أنا عزير، كان الله أماتني مائة سنة ثم بعثني. قالت: فإن عزيرا كان رجلاً مستجاب الدعوة، يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء فادع الله أن يرد علي بصري حتى أراك، فإن كنت عزيراً عرفتك. فدعا ربه ومسح يده على عينيها فصحتا، وأخذ بيدها فقال: قومي بإذن الله، فأطلق الله رجلها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال، فنظرت فقالت: أشهد أنك عزير. فانطلقت إلى محلة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثمان عشرة سنة، وبنو بنيه شيوخ في المجلس، فنادتهم فقالت: هذا عزير قد جاءكم. فكذبوها فقالت: أنا فلانة مولاتكم، دعا لي ربه فرد علي بصري وأطلق رجلي، وزعم أن الله كان أماته مائة سنة ثم بعثه، فنهض الناس فأقبلوا إليه فنظروا إليه فقال ابنه: كانت لأبي شامة سوداء بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير! فقالت بنو إسرائيل: فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حدثنا غير عزير، وقد حرق بختنصر التوراة ولم يبق منها شيء إلا ما حفظت الرجال فاكتبها لنا. وكان أبوه سروخا قد دفن التوراة أيام بختنصر في موضع لم يعرفه أحد غير عزير، فانطلق بهم إلى ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراة، وكان قد عفن الورق ودرس الكتاب، فجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله فجدد لهم التوراة، فنزل من السماء شهابان حتى دخلا جوفه، فتذكر التوراة فجددها لبني إسرائيل، فمن ثم قالت اليهود: عزير ابن الله للذي كان من أمر الشهابين، وتجديده للتوراة، وقيامه بأمر بني إسرائيل، وكان جدد لهم التوراة بأرض السواد بدير حزقيل، والقرية التي مات فيها يقال لها سابر أباد، قال ابن عباس: فكان كما قال الله {و لنجعلك آية للناس} يعني لبني إسرائيل، وذلك أنه كان يجلس مع بني بنيه وهم شيوخ وهو شاب، لأنه كان مات وهو ابن أربعين سنة، فبعثه الله شاباً كهيئته يوم مات. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبدالله بن عبيد بن عمير في قوله {أو كالذي مر على قرية} قال: كان نبياً اسمه أورميا. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال: إن ارميا لما خرب بيت المقدس وحرق الكتب، وقف في ناحية الجبل فقال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟} فأماته الله مائة عام ثم بعثه وقد عمرت على حالها الأول، فجعل ينظر إلى العظام كيف يلتئم بعضها إلى بعض، ثم نظر إلى العظام تكسى عصباً ولحماً {فلما تبين له قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير} فقال: أنظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه، وكان طعامه تيناً في مكتل، وقلة فيها ماء. وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله {أو كالذي مر على قرية} قال: القرية بيت المقدس مر بها عزير بعد أن خربها بختنصر. وأخرج عن قتادة والضحاك والربيع. مثله. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق محمد بن سليمان السياري. سمعت رجلاً من أهل الشام يقول: إن الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه اسمه حزقيل بن بوزا. وأخرج اسحاق بن بشر وابن عساكر عن الحسن قال: كان أمر عزير وبختنصر في الفترة. وأخرج اسحاق وابن عساكر عن عطاء بن أبي رباح قال: كان أمر عزير بين عيسى ومحمد. وأخرج اسحاق بن بشر وابن عساكر عن وهب بن منبه قال: كانت قصة عزير وبختنصر بين عيسى وسليمان. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله {خاوية} قال: خراب. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة {خاوية} قال: ليس فيها أحد. وأخرج عن الضحاك {على عروشها} قال: سقوفها. وأخرج ابن جرير عن السدي {خاوية على عروشها} قال: ساقطة على سقفها. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} قال: أنى تعمر هذه بعد خرابها. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقي في البعث عن الحسن في قوله {فأماته الله مائة عام ثم بعثه} قال: ذكر لنا أنه أميت ضحوة وبعث حين سقطت الشمس قبل أن تغرب، وأن أول ما خلق الله منه عيناه، فجعل ينظر بهما إلى عظم كيف يرجع إلى مكانه. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: لبثت يوماً ثم التفت فرأى بقية الشمس، فقال: أو بعض يوم. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان طعامه الذي معه سلة من تين، وشرابه زق من عصير. وأخرج عن مجاهد قال: طعامه سلة تين، وشرابه دن خمر. وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر من طرق عن ابن عبّاس في قوله {لم يتسنه} قال: لم يتغير. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس. أن نافع ابن الأزرق سأله عن قوله {لم يتسنه} قال: لم تغيره السنون. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: شعر : طاب منه الطعم والريح معا لن تراه يتغير من أسن تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {لم يتسنه} قال: لم ينتن. وأخرج ابن راهويه في مسنده وأبو عبيد في الفضائل وعبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن هانىء البربري مولى عثمان قال: لما كتب عثمان المصاحف شكوا في ثلاث آيات، فكتبوها في كتف شاة وأرسلوني بها إلى أبي بن كعب و زيد بن ثابت، فدخلت عليهما فناولتها أبي بن كعب، فقرأها فوجد فيها (لا تبديل للخلق ذلك الدين القيم) فمحا بيده أحد اللامين و كتبها {أية : لا تبديل لخلق الله}تفسير : [الروم: 30]. ووجد فيها (انظر إلى طعامك و شرابك لم يتسنن) فمحا النون و كتبها {لم يتسنه} . وقرأ فيها (فأمهل الكافرين) فمحا الألف و كتبها {أية : فمهل} تفسير : [الطارق: 17]. و نظر فيها زيد بن ثابت، ثم انطلقت بها إلى عثمان فاثبتوها في المصاحف كذلك. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري عن هانىء قال: كنت الرسول بين عثمان وزيد بن ثابت، فقال زيد: سله عن قوله "لم يتسنن" أو {لم يتسنه} فقال عثمان: اجعلوا فيها هاء. وأخرج سفيان بن عيينه وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {و لنجعلك آية للناس} قال: كان يوم بعث ابن مائة وأربعين شاباً، و كان ولده ابناء مائة سنة و هم شيوخ. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود. مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {كيف ننشزها} قال: نخرجها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لم يتسنه} قال: لم يفسد بعد مائة حول، والطعام والشراب يفسد في أقل من ذلك {وانظر إلى العظام كيف ننشزها} يقول: نشخصها عضواً عضواً. وأخرج الحاكم و صححه عن زيد بن ثابت. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {كيف ننشزها} بالزاي. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور ومسدد في مسنده وعبد بن حميد وابن المنذر عن زيد بن ثابت أنه كان يقرأ {كيف ننشزها} بالزاي، وأن زيد أعجم عليها في مصحفه. وأخرج مسدد عن أبي بن كعب أنه قرأ {كيف ننشزها} أعجم الزاي. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد من طرق عن ابن عباس أنه كان يقرأ "ننشرها" بالراء. وأخرج ابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح أنه قرأ (ننشرها) بالراء. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن. مثله. وأخرج ابن جرير عن السدي {كيف ننشزها} قال: نحركها. وأخرج عن ابن زيد {كيف ننشزها} قال: نحييها. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قرأ {فلما تبين له قال أعلم} قال: إنما قيل له ذلك. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ {قال أعلم} ويقول: لم يكن بأفضل من إبراهيم، قال الله (وأعلم أن الله). وأخرج ابن جرير عن هارون قال: في قراءة ابن مسعود "قيل أعلم أن الله" على وجه الأمر. و أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءة عبدالله (قيل أعلم).
ابو السعود
تفسير : {أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ} استشهادٌ على ما ذكر من ولايته تعالى للمؤمنين وتقريرٌ له معطوفٌ على الموصول السابق، وإيثارُ أو الفارقةِ على الواو الجامعة للاحتراز عن توهّم اتحادِ المستشهد عليه من أول الأمر والكاف إما اسميةٌ كما اختاره قوم جيء بها للتنبـيه على تعدد الشواهد وعدم انحصارِها فيما ذكر كما في قولك: الفعلُ الماضي مثلُ نصر وإما زائدة كما ارتضاه آخرون، والمعنى أَوَ لَمْ تَرَ إلى مثل الذي أو إلى الذي مرَّ على قرية كيف هداه الله تعالى وأخرجه من ظُلمة الاشتباه إلى نور العِيان والشهود، أي قد رأيت ذلك وشاهدتَه فإذن لا ريب في أن الله وليُّ الذين آمنوا الخ. هذا وأما جعلُ الهمزةِ لمجرد التعجيبِ على أن يكون المعنى في الأول ألم تنظرُ إلى الذي حاجّ الخ أي انظُر إليه وتعجبْ من أمره وفي الثاني أو أرأيتَ مثلَ الذي مرَّ الخ إيذاناً بأن حالَه وما جرىٰ عليه في الغرابة بحيث لا يُرى له مَثَلٌ كما استقر عليه رأي الجمهور فغيرُ خليقٍ بجزالة التنزيلِ وفخامة شأنه الجليل، فتدبر. والمارُّ هو عُزيرُ بنُ شرخيا قاله: قتادةُ والربـيع وعِكْرِمةُ وناجية بن كعب وسليمان بن يزيدَ والضحاك والسدي رضي الله عنهم وقيل: هو أرميا بن حلقيا من سبط هارونَ عليه السلام قاله: وهب وعبـيدُ اللَّه بنُ عمير وقيل: أرميا هو الخَضِرُ بعينه قال مجاهد كان المارُّ رجلاً كافراً بالبعث، وهو بعيد، والقريةُ بـيتُ المقدِس قاله: وهْبٌ وعكرِمة والربـيع، وقيل: هي ديرُ هِرَقل على شط دِجْلةَ وقال الكلبـي: هي ديرُ سابر آباد وقال السدي: هي دير سلما باد والأول هو الأظهر والأشهر. رُوي أن بني إسرائيلَ لما بالغوا في تعاطي الشرِّ والفسادِ وجاوزوا في العتوِّ والطغيانِ كلَّ حدّ معتادٍ سلط الله تعالى عليهم بُختَ نَصَّر البابليَّ فسار إليهم في ستمائة ألفِ رايةٍ حتى وطِىءَ الشامَ وخرَّب بـيتَ المقدِس وجعل بني إسرائيلَ أثلاثاً ثلثٌ منهم قتلَهم وثلثٌ منهم أسكنهم بالشام وثلثٌ منهم سباهم وكانوا مائةَ ألفِ غلام يافعٍ وغيرِ يافع فقسمهم بـين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل ملك منهم أربعة غِلمة وكان عُزير من جملتهم فلما نجاه الله تعالى منهم بعد حين مرّ بحماره على بـيتَ المقدِس فرآه على أفظع مرأىً وأوحشَ منظرٍ وذلك قوله عز وجل: {وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} أي ساقطة على سقوفها بأن سقطت العروشُ ثم الحيطانُ من خوَى البـيتُ إذا سقط أو من خوَت الأرضُ أي تهدمت والجملة حال من ضمير {مَرَّ} أو من {قَرْيَةٌ} [البقرة، الآية 259] عند من يجوِّز الحالَ من النكرة مطلقاً {قَالَ} أي تلهفاً عليها وتشوقاً إلى عِمارتها مع استشعار اليأس عنها {أنَّى يُحيِى هذه الله} وهي على ما يُرى من الحالة العجيبةِ المباينة للحياة، وتقديمُها على الفاعل للاعتناء بها من حيث أن الاستبعاد ناشىء من جهتها لا من جهة الفاعل وأنّى نُصب على الظرفية إن كانت بمعنى متى، وعلى الحالية من هذه إن كانت بمعنى كيف والعامل يُحيـي وأياً ما كان فالمرادُ استبعادُ عمارتها بالبناء والسكان من بقايا أهلها الذين تفرقوا أيديَ سَبَاْ ومن غيرِهم، وإنما عبر عنها بالإحياء الذي هم علَمٌ في البعد عن الوقوع عادةً تهويلاً للخطب وتأكيداً للاستبعاد كما أنه لأجله عبر عن خرابها بالموت حيث قيل: {بَعْدَ مَوْتِهَا} وحيث كان هذا التعبـيرُ معرِباً عن استبعاد الإحياء بعد الموت على أبلغ وجهٍ وآكَدِه أراه الله عز وجل آثِرَ ذي أثيرٍ أبعدَ الأمرين في نفسه ثم في غيره ثم أراه ما استبعده صريحاً مبالغةً في إزاحة ما عسى يختلِجُ في خلَده، وأما حملُ إحيائها على إحياء أهلها فيأباه التعرُّضُ لحال القرية دون حالهم والاقتصارَ على ذكر موتهم دون كونهم تراباً وعظاماً مع كونه أدخلَ في الاستبعاد لشدة مباينتِه للحياة وغايةِ بعدِه عن قَبولها على أنه لم تتعلقْ إرادتُه تعالى بإحيائهم كما تعلقت بعمارتها ومعاينةِ المارِّ لها كما ستحيط به خبراً. {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ} وألبثه على الموت {مِاْئَةَ عَامٍ} رُوي أنه لما دخل القريةَ ربطَ حمارَه فطاف بها ولم يرَ بها أحداً فقال ما قال، وكانت أشجارُها قد أثمرت فتناول من التين والعنب وشرِب من عصيره ونام فأماته الله تعالى في منامه وهو شابٌّ وأماتَ حماره وبقيةُ تينِه وعِنَبه وعصيرِه عنده ثم أعمىٰ الله تعالى عنه عيونَ المخلوقاتِ فلم يرَه أحد فلما مضىٰ من موته سبعون سنةً وجّه الله عز وعلا ملِكاً عظيماً من ملوك فارسَ يقال له يوشَكُ إلى بـيت المقدس ليعمُرَه ومعه ألفُ قَهْرمانٍ مع كل قهرمانٍ ثلثُمائة ألفِ عاملٍ فجعلوا يعمُرونه وأهلك الله تعالى بُخْتَ نَصَّر ببعوضة دخلتْ دماغَه ونجّىٰ الله تعالى من بقيَ من بني إسرائيلَ وردَّهم إلى بـيت المقدِس وتراجَع إليه من تفرَّق منهم في الأكناف فعمروه ثلاثين سنةً وكثُروا وكانوا كأحسنِ ما كانوا عليه فلما تمت المائةُ من موت عُزير أحياه الله تعالى وذلك قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثَهُ} وإيثارُه على أحياه للدلالة على سرعته وسهولةِ تأتِّيه على البارىء تعالى كأنه بعثه من النوم وللإيذان بأنه أعاده كهيئته يومَ موته عاقلاً فاهماً مستعداً للنظر والاستدلال، {قَالَ} استئنافٌ مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا قال له بعد بعثه؟ فقيل: قال: {كَمْ لَبِثْتَ} ليُظهرَ له عجزَه عن الإحاطة بشؤونه تعالى وأن إحياءَه ليس بعد مدة يسيرةٍ ربما يُتوَهم أنه هيِّنٌ في الجملة بل بعد مدةٍ طويلةٍ وينحسِم به مادةُ استبعادِه بالمرة ويطلُع في تضاعيفه على أمر آخرَ من بدائع آثارِ قُدرتِه تعالى وهو إبقاءُ الغذاء المتسارعِ إلى الفساد بالطبع على ما كان عليه دهراً طويلاً من غير تغيّرٍ ما، وكم نُصبَ على الظرفية مميِّزُها محذوفٌ أي كم وقتاً لبِثَ والقائلُ هو الله تعالى أو ملَكٌ مأمورٌ بذلك من قِبَله تعالى قيل: نُوديَ من السماء يا عزيرُ كم لبثت بعد الموت؟ {قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} قاله بناءً على التقريب والتخمين أو استقصاراً لمدة لُبثِه، وأما ما يقال من أنه مات ضُحىً وبُعث بعد المائة قبـيل الغروب فقال: قبلَ النظرِ إلى الشمس يوماً فالتفت إليها فرأى منها بقيةً فقال: أو بعضَ يوم - على وجه الإضراب - فبمعزلٍ عن التحقيق إذ لا وجهَ للجزم بتمام اليوم ولو بناءً على حُسبان الغروب لتحقق النُقصان من أوله {قَالَ} استئنافٌ كما سلف {بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ} عطف على مقدر أي ما لبثتَ ذلك القدرَ بل هذا المقدارَ {فَٱنظُرْ} لتُعايِنَ أمراً آخرَ من دلائلِ قدرتنا {إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} أي لم يتغيرْ في هذه المدة المتطاولة مع تداعيه إلى الفساد. رُوي أنه وجد تينَه وعِنَبه كما جَنَى وعصيرَه كما عَصَر، والجملة المنفيةُ حالٌ بغير واو كقوله تعالى: {أية : لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء} تفسير : [آل عمران، الآية 174] إما من الطعام والشراب وإفرادُ الضمير لجَرَيانهما مَجرىٰ الواحدِ كالغذاء وإما من الأخير اكتفاءً بدلالة حالِه على حال الأول ويؤيده قراءةُ من قرأ وهذا شرابُك لم يتسنَّ والهاء أصليةٌ أو هاءُ سَكْتٍ، واشتقاقُه من السنة لما أن لامها هاءٌ أو واوٌ وقيل: أصلُه لم يتسنّنْ من الحمأ المسنون فقلبت نونُه حرفَ علة كما في تقضّىٰ البازي وقد جوز أن يكون معنى لم يتسنهْ لم يمرَّ عليه السنونَ التي مرت لا حقيقةً بل تشبـيهاً أي هو على حاله كأنه لم يلبَثْ مائةَ عامٍ وقرىء لم يَسَّنَّهْ بإدغام التاء في السين. {وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ} كيف نخِرَتْ عظامُه وتفرقت وتقطعت أوصالُه وتمزقتْ ليتبـيَّن لك ما ذُكرَ من لُبثك المديدِ وتطمئِنَّ به نفسُك، وقولُه عز وجل: {وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً لِلنَّاسِ} عطفٌ على مقدر متعلقٍ بفعل مقدرٍ قبله بطريق الاستئنافِ مقرِّرٌ لمضمون ما سبق، أي فعلنا ما فعلنا من إحيائك بعد ما ذكر لتُعايِنَ ما استبعَدْتَه من الإحياء بعد دهرٍ طويلٍ ولنجعلَك آيةً للناس الموجودين في هذا القرنِ بأن يشاهدوك وأنت من أهل القرونِ الخاليةِ ويأخذوا منك ما طُوِي عنهم منذ أحقابٍ مِنْ علمِ التوراة كما سيأتي، أو متعلقٌ بفعل مقدرٍ بعده، أي ولنجعلك آية لهم على الوجه المذكور فعلنا ما فعلنا فهو على التقديرين دليلٌ على ما ذكر من اللُبث المديدِ ولذلك فُرِّق بـينه وبـين الأمرِ بالنظر إلى حماره، وتكريرُ الأمر في قوله تعالى: {وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ} مع أن المرادَ عظامُ الحمار أيضاً لما أن المأمور به أولاً هو النظرُ إليها من حيث دِلالتُها على ما ذكر من اللُبث المديد، وثانياً هو النظرُ إليها من حيث تعتريها الحياةُ ومباديها، أي وانظرْ إلى عظام الحمار لتشاهِدَ كيفيةَ الإحياء في غيرك بعد ما شاهدتَ نفسَه في نفسك {كَيْفَ نُنشِزُهَا} بالزاي المعجمة أي نرفَعُ بعضَها إلى بعض ونردُّها إلى أماكنها من الجسد فنركبُها تركيباً لائقاً بها، وقال الكسائي: نُلِينُها ونُعْظِمُها. ولعل من فسره بنُحيـيها أراد بالإحياء هذا المعنى وكذا من قرأ نُنْشِرُها بالراء من أَنْشَر الله تعالى الموتىٰ أي أحياها لا معناه الحقيقي لقوله تعالى: {ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا} أي نستُرها به كما يُستر الجسدُ باللباس، وأما من قرأ نَنشُرُها بفتح النون وضم الشين فلعله أراد به ضِدَّ الطيِّ كما قال الفراء، فالمعنى كيف نبسُطها، والجملةُ إما حالٌ من العظام أي وانظُر إليها مركبةً مكسُوَّةً لحماً، أو بدلُ اشتمالٍ أي وانظُرْ إلى العظام كيفيةِ إنشازِها وبسطِ اللحم عليها، ولعل عدمَ التعرض لكيفية نفخِ الروحِ لما أنها مما لا تقتضي الحِكمةُ بـيانَه. رُوي أنه نودي: «أيتها العظامُ الباليةُ إن الله يأمرُك أن تجتمعي» فاجتمعَ كلُّ جزءٍ من أجزائها التي ذهبَ بها الطيرُ والسِّباعُ وطارت بها الرياح من كل سهلٍ وجبلٍ فانضم بعضُها إلى بعض والتصق كلُّ عضوٍ بما يليق به الضِّلْعُ والذراعُ بمحلها والرأسُ بمَوْضِعها ثم الأعصابُ والعروق ثم انبسط عليه اللحمُ ثم الجلدُ ثم خرجت منه الشعورُ ثم نُفخ فيه الروحُ فإذا هو قائم ينهَقُ. {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} أي ما دل عليه الأمرُ بالنظر إليه من كيفية الإحياءِ بمباديه، والفاءُ للعطف على مقدر يستدعيه الأمرُ المذكور، وإنما حذف للإيذان بظهور تحققِه واستغنائِه عن الذكر، وللإشعار بسرعة وقوعِه كما في قوله عز وجل: {أية : فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ } تفسير : [النمل، الآية 40] بعد قوله: {أية : أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}تفسير : [النمل، الآية 40] كأنه قيل: فأنشَزَها الله تعالى وكساها لحماً فنظرَ إليها فتبـيّن له كيفيتُه فلما تبـين له ذلك أي اتضح اتضاحاً تاماً {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء} من الأشياء التي من جملتها ما شاهده في نفسه وفي غيره من تعاجيبِ الآثارِ {قَدِيرٌ} لا يستعصي عليه أمرٌ من الأمور، وإيثارُ صيغةِ المضارعِ للدَلالة على أن علمَه بذلك مستمِرٌّ نظراً إلى أن أصلَه لم يتغيرْ ولم يتبدل، بل إنما تبدل بالعِيان وصفُه، وفيه إشعارٌ بأنه إنما قال ما قال بناءً على الاستبعاد العادي واستعظاماً للأمر. وقد قيل: فاعلُ تبـيَّن مُضمرٌ يفسرُه مفعولُ {أَعْلَمُ}، [البقرة، الآية 259] أي فلما تبـيّن له أن الله على كل شيء قدير قال أعلم أن الله على كل شيء قدير فتدبر. وقرىء تُبُـيِّن له على صيغة المجهول وقرىء: قالَ اعْلَمْ على صيغة الأمر، رُوي أنه ركب حماره وأتى مَحَلّته وأنكره الناسُ وأنكر الناسَ وأنكر المنازلَ فانطلق على وهْمٍ منه حتى أتى منزلَه فإذا هو بعجوزٍ عمياءَ مُقعَدةٍ قد أدركت زمنَ عُزيرٍ فقال لها عزيرٌ: يا هذه هذا منزلُ عزيرٍ؟ قالت: نعم وأين ذكرى عزير وقد فقدناه منذ كذا وكذا فبكت بكاءً شديداً قال: فإني عزيرٌ قالت: سبحان الله أنّىٰ يكونُ ذلك؟ قال: قد أماتني الله مائة عام ثم بعثني قالت: إن عزيراً كان رجلاً مستجابَ الدعوة فادعُ الله لي يردُّ عليَّ بصري حتى أراك فدعا ربه ومسَحَ بـيده عينيها فصحَّتا فأخذ بـيدها فقال لها: قومي بإذن الله فقامت صحيحةً كأنها نشِطَتْ من عِقالٍ فنظرت إليه فقالت: أشهدُ أنك عزيرٌ فانطلقت إلى مَحَلّة بني إسرائيلَ وهم في أنديتهم وكان بها ابنٌ لعزير قد بلغ مائة وثمانيَ عشْرةَ سنةً وبنو بنيه شيوخ فنادت هذا عزيرٌ قد جاءكم فكذبوها فقالت: انظُروا فإني بدعائه رجعت إلى هذه الحالة فنهض الناسُ فأقبلوا إليه فقال ابنه: كان لأبـي شامةٌ سوداءُ بـين كتِفَيه مثلَ الهلالِ فكشف فإذا هو كذلك وقد كان قتل بُختُ نَصَّرُ ببـيت المقدس من قرّاء التوراةِ أربعين ألفِ رجل ولم يكن يومئذ بـينهم نسخةٌ من التوراة ولا أحدٌ يعرفُ التوراةَ فقرأها عليهم عن ظهر قلبه من غير أن يخْرِم منها حرفاً فقال رجل من أولاد المَسْبـيّـين ممن ورد بـيتَ المقدس بعد مهلِك بُختَ نَصَّرَ: حدثني أبـي عن جدي أنه دفن التوراةَ يوم سُبـينا في خابـيةٍ في كَرْم فإن أرَيتُموني كرمَ جدّي أخرجتُها لكم فذهبوا إلى كرم جدِّه ففتشوا فوجدوها فعارضوها بما أملىٰ عليهم عُزيرٌ من ظهر القلب فما اختلفا في حرف واحد فعند ذلك قالوا: هو ابنُ الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبـيراً.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الآية: 259]. لم أرى إبراهيم إحياء الموتى فى غيره وأرى عُزير فى نفسه؟ قيل: لأن الخليل تلطَّف فى السؤال فقال: أرنى وأرُىِ في الغير وتعجب عُزيرٌ فى القدرة فأخرجه بلفظة أنى يحيى فأرى فى نفسه ليسقط عنه التعجب فى القدرة، ألا ترى أنه ختم قصته بالإيمان {أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، وختم قصة الخليل بلفظ العزة والحكمة فقال: {وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الآية: 260] لأن الخليل سأل إظهار الحكمة ومشاهدة العزة وعزيرٌ تعجب من القدرة فأجيب كلُّ أحدٍ من حيثُ سأل. سُئل ابن عطاء لم أرى إبراهيم إحياء الموتى فى غيره؛ وأُرى عزيرٌ فى نفسه فقال: لأن الخليل تلطف فى السؤال فقال: أرنى، وتعجب عزيرٌ من القدرة فأرى ذلك فى نفسه تأديبًا.
القشيري
تفسير : لم يكن لك سؤال جحدٍ، ولا قضية جهل، ولا دلالة شكٍ في القدرة، فإن هذا الخبر عن عُزَيْر النبي عليه السلام، والأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم الشّكُّ والجهل، ولكنه كان سؤال تعجُّب، وأراد بهذه المقالة زيادة اليقين، فأراه الله ذلك في نفسه، بأن أماته ثم أحياه ثم بعث حماره وهو ينظر إليه، فازداد يقيناً على يقين. وسؤالُ اليقين من الله، والحيلةُ في ردِّ الخواطر المشكلةُ، دَيْدَنُ المتعرفين، ولذلك (....) الله سبحانه عُزيراً في هذه المقالة حتى قدَّر عليه ما طلب من زيادة اليقين فيه. ثم قال {أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} من الإحياء والإماتة أي ازددت معرفة بذلك، وأراني من عظيم الآيات ما أزداد به يقيناً؛ فإنَّ طعامه وشرابه لم يتغيرا في طول تلك المدة، وحماره مات بلا عظام والطعام والشراب بالتغيير أَوْلى.
اسماعيل حقي
تفسير : {أو كالذى مر على قرية} عطف على قوله ألم تر وتقديره اورأيت مثل الذى فعل كذا اى ما رأيت مثله فتعجب منه وتخصيصه بحرف التشبيه لان المنكر للاحياء كثير والجاهل بكيفيته اكثر من ان يحصى بخلاف مدعى الربوبية. والمار هو عزير بن شرخيا والقرية بيت المقدس على الاشهر الاظهر واشتقاقها من القرى وهو الجمع ـ روى ـ ان بنى اسرائيل لما بالغوا فى تعاطى الشر والفساد سلط الله عليهم بخت نصر البابلى فسار اليهم فى ستمائة الف راية حتى وطئ الشام وخرب بيت المقدس وجعل بنى اسرائيل اثلاثا ثلثا منهم قتلهم وثلثا منهم اقرهم بالشام وثلثا منهم سباهم وكانوا مائة الف غلام يافع وغير يافع فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فاصاب كل ملك منهم اربعة غلمة وكان عزير من جملتهم فلما نجاه الله منهم بعد حين مر بحماره على بيت المقدس فرآه على افظع مرأى واوحش منظر وذلك قوله {وهى خاوية على عروشها} اى خالية عن اهلها وساقطة على سقوفها بان سقطت العروش ثم الحيطان سقطت عليها من خوت المرأة وخويت خوى اى خلا جوفها عند الولادة وخوت الدار خواء بالمد وخوى البيت خوى بالقصر اى سقط والعرش سقف البيت ويستعمل فى كل ما هيئ ليستظل به {قال أنى يحيى هذه الله بعد موتها} اى يعمر الله تعالى هذه القرية بعد خرابها على هذا الوجه اذ ليس المراد بالقرية اهلها بل نفسها بدليل قوله {وهى خاوية على عروشها} لم يقله على سبيل الشك فى القدرة بل على سبيل الاستبعاد بحسب العادة {فأماته الله} اى جعله ميتا {مائة عام} ـ روى ـ انه لما دخل القرية نزل تحت ظل شجرة وهو على حمار فربط حماره وطاف فى القرية ولم ير بها احدا فقال ما قال وكانت اشجارها قد اثمرت فتناول من فواكهها التين والعنب وشرب من عصير العنب ونام فاماته الله فى منامه وهو شاب وكان معه شىء من التين والعنب والعصير وكانت هذه الاماتة عبرة لا انقضاء مدة كاماتة الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف وامات حماره ايضا ثم اعمى الله عن جسده وجسد حماره ابصار الانس والسباع والطير فلما مضى من موته سبعون سنة وجه الله ملكا عظيما من ملوك فارس يقال له يوشك الى بيت المقدس ليعمره ومعه الف قهرمان مع كل قهرمان ثلاثمائة الف عامل فجعلوا يعمرون واهلك الله بخت نصر ببعوضة دخلت دماغه ونجى الله من بقى من بنى اسرائيل وردهم الى بيت المقدس وتراجع اليه من تفرق منهم فى الاكناف فعمروه ثلاثين سنة وكثروا وكانوا كاحسن ما كانوا فلما تمت المائة من موت العزير احياه الله تعالى وذلك قوله تعالى {ثم بعثه} من بعثت الناقة اذا اقمتها من مكانها ويوم القيامة يسمى يوم البعث لانهم يبعثون من قبورهم وانما قا ثم بعثه ولم يقل ثم احياه لانه قوله ثم بعثه يدل على انه عاد كما كان اولا حيا عاقلا فاهما مستعدا للنظر والاستدلال فى المعارف الآلهية ولو قال ثم احياه لم تحصل هذه الفوائد {قال} كأنه قيل فماذا قال بعد بعثه فقيل قال الله تعالى او ملك مأمور من قبله تعالى {كم} يوما او وقتا {لبثت} يا عزير ليظهر له عجزه عن الاحاطة بشئونه تعالى وان احياءه ليس بعد مدة يسيرة ربما يتوهم انه هين فى الجملة بل مدة طويلة وتنحسم به مادة استبعاده بالمرة ويطلع فى تضاعيفه على امر آخر من بدائع آثار قدرته تعالى وهو ابقاء الغذاء المتسارع الى الفساد بالطبع على ما كان عليه دهرا طويلا من غير تغير ما {قال لبثت يوما او بعض يوم} كقول الظان قاله بناء على التقريب والتخمين او استقصار المدة لبثه {قال} ما لبثت ذلك المقدار {بل لبثت مائة عام} يعنى كنت ميتا هذه المدة {فانظر} لتعاين امرا آخر من دلائل قدرتنا {إلى طعامك وشرابك لم يتسنه} اى لم يتغير فى هذه المدة المتطاولة مع تداعيه الى الفساد ـ روى ـ انه وجد تينه وعنبه كما جنى وعصيره كما عصر والجملة المنفية حال بغير واو من الطعام والشراب لان المضارع المنفى اذا وقع حالا يجوز ان يكون بالواو وبدونها وافراد الضمير مع ان الظاهر ان يقال لم يتسنها او لم يتسنيا لان المذكور قبله شيآن الطعام والشراب لجريانهما مجرى الواحد كالغذاء. والهاء فى لم يتسنه ان كانت اصلية فهو من السنة التى اصلها سنهة وان كانت هاء سكت فهو من السنة التى اصلها سنوة واستعمال لم يتسنه فى معنى لم يتغير من قبيل استعمال اللفظ فى لازم معناه لان المعنى الاصلى لقولنا تسنه او تسنى مرت عليه السنون والاعوام ويلزمه التغيير {وانظر إلى حمارك} كيف نخرت عظامه وتفرقت وتقطعت اوصاله وتمزقت ليتبين لك ما ذكر من لبثك المديد وتطمئن به نفسك {ولنجعلك آية} كائنة {للناس} الواو استئنافية واللام متعلقة بمحذوف والتقدير فعلنا ذلك اى احياءك واحياء حمارك وحفظ ما معك من الطعام والشراب لنجعلك آية للناس الموجودين فى هذا القرن بان يشاهدوك وانت من اهل القرون الخالية ويأخذوا منك ما طوى عنهم منذ احقاب من علم التوراة {وانظر إلى العظام} تكرير الامر مع ان المراد عظام الحمار ايضا لما ان المأمور به اولا هو النظر اليها من حيث دلالتها على ما ذكر من اللبث المديد وثانيا هو النظر اليها من حيث تعتريها الحياة ومباديها اى وانظر الى عظام الحمار لتشاهد كيفية الاحياء فى غيرك بعد ما شاهدت نفسه فى نفسك {كيف ننشزها} يقال انشزته فنشز اى رفعته فارتفع اى نرفع بعضها من الارض الى بعض ونردها الى اماكنها من الجسد فتركبها تركيبا لائقا بها. والجملة حال من العظام والعامل فيها انظر تقديره انظر الى العظام محياة او بدل من العظام على حذف المضاف والتقدير انظر الى حال العظام {ثم نكسوها لحما} اى نسترها به كما يستر الجسد باللباس وانما وحد اللحم مع جمع العظام لان العظام متفرقة متعددة صورة واللحم متصل متحد مشاهدة ولعل عدم التعرض لكيفية نفخ الروح لما انها مما لا تقتضى الحكمة بيانه ـ روى ـ انه سمع صوتا من السماء ايتها العظام البالية المتفرقة ان الله يأمرك ان ينضم بعضك الى بعض كما كان وتكتسى لحما وجلدا فالتصق كل عظم بآخر على الوجه الذى كان عليه اولا وارتبط بعضها ببعض بالاعصاب والعروق ثم انبسط اللحم عليه ثم انبسط الجلد عليه ثم خرجت الشعور من الجلد ثم نفخ فيه الروح فاذا هو قائم ينهق {فلما تبين له} اى ظهر له احياء الميت عيانا {قال أعلم أن الله على كل شىء} من الاشياء التى من جملتها ما شاهده فى نفسه وفى غيره من تعاجيب الآثار {قدير} لا يستعصى عليه امر من الامور ـ روى ـ انه ركب حماره واتى محلته وانكره الناس وانكر الناس وانكر المنازل فانطلق على وهم منه حتى اتى منزله فاذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد ادركت زمن عزير فقال لها عزير يا هذه هذا منزل عزير قالت نعم واين ذكرى عزير وقد فقدناه منذ كذا وكذا فبكت بكاء شديدا قال فانى عزير قالت سبحان الله أنى يكون ذلك قال قد أماتنى الله مائة عام ثم بعثنى قالت ان عزيرا كان رجلا مستجاب الدعوة فادع الله لى برد بصرى حتى اراك فدعا ربه ومسح بين عينيها فصحتا فاخذ بيدها فقال قومى باذن الله فقامت صحيحة كأنها نشطت من عقال فنظرت اليه فقالت اشهد انك عزير فانطلقت الى محلة بنى اسرائيل وهم فى انديتهم وكان فى المجلس ابن العزير قد بلغ مائة وثمانى عشرة سنة وبنوا بنيه شيوخ فنادت هذا عزير قد جاءكم فكذبوها فقالت انظروا فانى بدعائه رجعت الى هذه الحالة فنهض الناس فاقبلوا اليه فقال ابنه كان لأبى شامة سوداء بين كتفيه مثل الهلال فكشف فاذا هو كذلك وقد كان قتل بخت نصر بيت المقدس من قراء التوراة اربعين الف رجل ولم يكن يومئذ بينهم نسخة من التوراة ولا احد يعرف التوراة فقرأها عليهم عن ظهر قلبه من غير ان يخرم منها حرفا اى ينقص ويقطع فقال رجل من اولاد المسبيين ممن ورد بيت المقدس بعد مهلك بخت نصر حدثنى ابى عن جدى انه دفن التوراة يوم سبينا فى خابية فى كرم فان أريتمونى كرم جدى اخرجتها لكم فذهبوا الى كرم جده ففتشوه فوجدوها فعارضوها بما املى عليهم عزير عليه السلام عن ظهر القلب فما اختلفا فى حرف واحد فعند ذلك قالوا عزير ابن الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وفى القصة تنبه على ان الداعى اذا راعى آداب الدعاء اجيب سريعا من غير مشقة تلحقه واذا ترك الادب لحقته المشقة وابطأت الاجابة فان ابراهيم عليه السلام لما قال {أية : رب أرنى كيف تحيى الموتى} تفسير : [البقرة: 260] وبدأ بالثناء ثم سأل احياء الموتى اراه اله ذلك فى غيره فانه اراه فى طيره وعجل له ذلك على فوره وعزير قال {أنى يحيى هذه الله بعد موتها} فأرى ذلك فى نفسه بعد مائة عام مضت على موته: قال السعدى شعر : نبايد سخن مفت ناساخته نشايد بريدن نينداخته تفسير : والاشارة فى تحقيق الآية ان قوما انكروا حشر الاجساد مع انهم اعتقدوا واقروا بحشر الارواح وقالوا الارواح كان تعلقها بالاجساد لاستكمالها فى عالم المحسوس كالصبى يبعث الى المكتب ليتعلم الادب فلما حصل مقصوده من التعلم بقدر استعداده وحرج من المكتب ودخل محفل اهل الفضل وصاحبهم سنين كثيرة واستفاد منهم انواع العلوم التى لم توجد فى المكتب الا انه استفاد العلوم من الفضلاء بقوة ادبه الذى تعلمه فى المكتب وصار فاضلا فى العلوم فما حاجته بعد ان كبر شأنه وعظم قدره الى ان يرجع الى المكتب وحالة صباه فكذا الارواح لما خرجت من سجن الاشباح واتصلت بالارواح المقدسة بقوة علوم الجزئيات التى حصلتها من عالم الحس واستفادت من الارواح العلوية علم الكليات التى لم توجد فى عالم الحس فما حاجتها الى ان ترجع الى سجن الاجساد فكانت نفوسهم تسول لهم هذه التسويلات والشيطان يوسوسهم بمثل هذه الشبهات فالله سبحانه من كمال فضله ورحمته على عباده المخلصين امات عزيرا مائة سنة وحماره معه ثم احياهما جميعا ليستدل به العقلاء على ان الله مهما يحيى عزير الروح يحيى معه حمار جسده فلا يشك العاقل بتسويل النفس ووسوسة الشيطان وشبهات الفلسفى فى حشر الاجساد فكما ان عزير الروح يكون فى مقعد صدق عند مليك مقتدر يكون حمار جسده فى الجنة فلعزير الروح مشرب من كؤوس تجلى صفحات الجمال والجلال عن ساقى وسقاهم ربهم شرابا طهورا والحمار الجسد مشرب من انهار الجنات وحياض رياض ولكم فيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين وقد علم كل اناس مشربهم شعر : شربنا واهرقنا على الارض جرعة وللأرض من كأس الكرام نصيب تفسير : كذا فى التأويلات النجمية.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {أو} عاطفة، و {كالذي}: معطوف على الموصول المجرور بإلى، أي: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه، وإلى مثل الذي مرّ على قرية. وإنما أدخل حرف التشبيه؛ لأن المُنكر للإحياء كثيرٌ، والجاهل بكيفيته أكثر، بخلاف مدعي الربوبية فإنه قليل. وقيل: الكاف مزيدة، والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج وإلى الذي مرَّ، و {أنَّى}: ظرف ليُحيي، بمعنى: متى، أو حال بمعنى كيف، و {يتسنه} بمعنى يتغير، وأصله: يتسنن، فأبدلت النون الثالثة حرف علة. قال في الكافية: شعر : وثَالِثَ الأمثَالِ أبدِلَنْه يا نحو (تَظَنَّى خالدٌ تَظَنِّيَا) تفسير : فصار تَسَنَّى ثم حُذفت للجازم، وأتى بهاء السَّكْت، وقفا ووصل، كالعِوض من المحذوف، وقيل: من السَّنة، وهو التغير، فالهاء أصلية، و {لنجعلنك}: معطوف على محذوف، أي: لتعتبر ولنجعلك آية للناس. يقول الحقّ جلّ جلاله: ألم تر يا محمد أيضاً إلى مثل الذي {مرَّ على قرية}، وهو عُزَير، حَبْرُ بني إسرائيل - وقيل: غيره - مرَّ على بيت المقدس حين خربها بُختنصر {وهي خاوية} ساقطة حيطانها {على عروشها} أي: سقفها، وذلك بعد مائة سنة حتى سقطت العروش، ثم سقطت الحيطان عليها، فلما رآها خالية، وعظام الموتى فيها بالية، {قال} في نفسه: {أنَّى يحيي هذ الله بعد موتها} أي: متى يقع هذا. اعترافاً بالقصور عن معرفة طريق الإحياء، واستعظاماً لقدرة المحيي، إن كان القائل عزيراً، أو استبعاداً إن كان كافراً، {فأماته الله مائة عام} أي: ألبثه ميتاً مائة عام، {ثم بعثه} بالإحياء، فقال له على لسان الملك، أو بلا واسطة: {كم لبثت} ميتاً؟ {قال لبثت يوماً أو بعض يوم}، وذلك أنه مات ضحى وبعث بعد مائة عام قبل غروب الشمس، فقال قبل النظر إلى الشمس {يوماً}، ثم التفت فرأى بقية منها، فقال: {أو بعض يوم} على الإضراب، قال له الحقّ جلّ جلاله: {بل لبثت مائة عام}. وذلك أن عزيراً ذهب ليخترف لأهله فجعل على حماره سَلة عنب وجَرَّة عصير. فلما مرَّ بتلك القرية ربط حماره، وجعل يتعجب من خرابها وخلائها بعد عمارتها، فقال في نفسه ما قال، فلطف الله به، وأراه كيفية الأحياء عياناً، فأماته مائة عام، حتى بليت عظام حماره وبقي العصير والعنب كأنه حين جنى وعصر فقال له جلّ جلاله: {فانظر إلى طعامك} وهو العنب، {وشرابك} وهو العصير، {لم يتسنه}، أي: لم يتغير بمرور الزمان وطول المدة، {وانظر إلى حمارك} كيف تفرقت أوصاله، وبليت عظامه، فعلنا ذلك بك لتشاهد قدرتنا، {ولنجعلك آية للناس} بعدك، {وانظر إلى العظام} أي: عظام حمارك، {كيف ننشرها}، أي: نحييها، من نَشَرَ الله الموتى: أحياها. أو: {كيف ننشزها} بالزاي - أي: نرفع بعضها، ونركبه عليه، {ثم نكسوها لحماً}. فنظر إلى العظام، فقام كلُّ عَظْم إلى موضعه، ثم كسى لحماً وجلداً، وجعل ينهق، {فلما تبين له} ما كان استغربه وأُشكل عليه {قال أعلمُ} عليم اليقين {أن الله على كل شيء قدير}، أو فلما تبين له الحق، وهو قدرته تعالى على كل شيء، قال لنفسه: {أعلمُ أن الله على كل شيء قدير}. رُوِيَ أنه أتى قومه على حماره، وقال أنا عزير، فكذبوه، فقرأ التوراة من حفظه، ولم يحفظها أحد قبله، فعرفوه بذلك، وقالوا: هو ابن الله - تعالى عن قولهم - وقيل: لما رجع إلى منزله - وكان شاباً - وجد أولاده شيوخاً، فإذا حدَّثهم بحديث قالوا: حديث مائة سنة. والله تعالى أعلم. الإشارة: في هذه الآية والتي بعدها، الإشارة إلى الأمر بتربية اليقين والترقي فيه من علم اليقين إلى عين اليقين، فإن الروح ما دامت محجوبة بالوقوف مع الأسباب والعوائد، وبرؤية الحس والوقوف مع الوسائط، لم تخل من طوارق الشكوك وخواطر، فإذا انقطعت إلى ربها، وخرقت عوائد نفسها، كشف لها الحق تعالى عن أستار غيبه، وأطلعها على مكنونات سره، وكشف لها عن أسرار الملكوت، وأراها سنا الجبروت، فنظرت إلى قدرة الحي الذي لا يموت، وتمتعت بشهود الذات وأنوار الصفات، في هذه الحياة وبعد الممات، فحينئذٍ ينقطع عنها الشكوك والأوهام، وتتطهر من طوارق الخواطر، وتزول عنها الأمراض والأسقام. قال في الحكم: "كيف تُخْرَق لك العوائد وأنت لم تخرِق من نفسك العوائد". فانظر إلى عزير... ما أراه الحق قدرته عياناً حتى خرق له عوائده فأماته ثم أحياه، فكذلك أنت أيها المريد؛ لا تطمع أن تخرق لك العوائد، فتشاهد قدرة الحق أو ذاته عياناً، حتى تموت عن حظوظك وهواك، ثم تحيا روحك وسرك، فحينئذٍ تشاهد أسرار ربك، ويكشف الأستار عن عين قلبك. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ثم ذكر الحقّ تعالى قصة خليله عليه السلام في طلبه رؤية عين القدرة في إحياء الموتى، ليترقى من علم اليقين إلى عين اليقين.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب. والكسائي عن أبي بكر {يتسنّ} بحذف الهاء وفي الوقف باثباتها بلا خلاف. قرأ ابن عامر وأهل الكوفة {ننشزها} بالزاي الباقون بالراء. وقرأ حمزة الكسائي {قال اعلم} بهمزة موصولة الباقون بقطعها. الاعراب: هذه الآية معطوفة على الآية الأولى وتقديره أرأيت كـ {الذي حاج إبراهيم في ربه} وكـ {الذي مر على قرية} وموضع الكاف نصب بـ (تر) ومعناه التعجب منه لأن كلما خرج في بابه يعظمه عن حد نظائره مما يتعجب منه نحو (ما أجهله) أي قد خرج بعظم جهله عن حد نظائره، وكذلك لو قلت: هل رأيت كزيد الجاهل، لدللت على مثل الأول في التعجب، لما بينا إلا أن (ما أفعله) صيغة موضوعة للتعجب، وليس كذلك هل رأيت لأنها في الأصل للاستفهام، ونحو قولك: هل رأيت في الدنانير مثل هذا الدينار فهذا استفهام محض لا تعجب فيه، لأن أمثاله كثير، فلم يخرج بعظم حاله عن حد نظائره، كما خرج الأول بعظم جهله. وقيل: الكاف زائدة للتوكيد، كما زيدت في ليس كمثله شيء والأول الوجه، لأنه لا يحكم بالزيادة إلا للضرورة. المعنى: وقال قتادة والربيع: الذي مر على قرية هو عزير، وروي ذلك عن أبي عبد الله (ع). وقال وهب بن منبه: هو أرميا، وهو المروي عن أبي جعفر (ع). وقال ابن إسحاق: هو الخضر، والقرية التي مرّ عليها. قال وهب بن منبه، وقتادة، والربيع هي بيت المقدس لما خر به بخت نصر، وقال ابن زيد: هي القرية التي خرج منها الألوف {حذر الموت}. وقوله: {وهي خاوية} معناه خاليه. وقال ابن عباس، والربيع، والضحاك خراب. قال قوم: معناه وهي قائمة على أساسها وقد وقع وقد وقع سقفها. وأصل الخواء الخلاء قال الراجز: شعر : يبدو خواء الارض من خوليه تفسير : والخواء: الفرجة بين الشيئين يخلو ما بينهما. وخوت الدار فهي خاوية. تخوي خواء. إذا باد أهلها بخلوها منهم والخوى: الجوع، خوى يخوى خوى: يخلو البطن من الغذاء. والتخوية التفريج بين العضدين والجبينين يخلو ما بينهما بتباعدهما. والتخوية تمكين البعير لنفسه في بروكه، لأنه تفحصه الأرض بخلوها مما يمنع من تمكنه. واخواء النجم: سقوطه من غير مطر بخلوه من المطر. خوى النجم واخوى. وخوى المنزل إذا تهدم، لانه بتهدمه يخلو من أهله وأصل الباب الخلو. وقوله: {على عروشها} يعني على أبنيتها ومنه {أية : وما كانوا يعرشون} تفسير : أي يبنون. ومنه عريش مكة: أبنيتها وخيامها، وكل بناء: عرش، عرش يعرِش ويعرُش عرشاً: إذا بنى. والعرش البيت، وجمعه عروش لارتفاع أبنيته. والعرش: السرير، لارتفاعه على غيره. وعرش الرجل: قوام أمره وعرش البيت: سقفه، لارتفاعه. والتعريش جعل الخشب تحت الكرم ليمتد عليه. تقول: عرشته تعريشاً. وعرشته أعرشه عرشاَ. وذلك، لارتفاعه في امتداده على الخشب الذي تعمده. والتعريش رفع الحمار رأسه شاحيا فاه على عانته، عرش بعانته تعريشاً. والعريش ظلة من شجر أو نحوه، لارتفاعه على ما يستره. وعرش البئر طيّها بالخشب بعد طيها بالحجارة. والعرشان من الفرس: آخر شعر العرف لارتقاع العرف على العنق. وثل عرشه: إذا قتله. وأصل الباب: الارتفاع. والقرية أصلها من قريت الماء: إذا جمعته، سميت بذلك لاجتماع الناس فيها للاقامة بها. المعنى: وقوله {أنىَّ يحيي هذه الله بعد موتها} معناه كيف، وذلك يدل على أن {أنى}. في قوله {أية : فأتوا حرثكم أنى شئتم}تفسير : معناه كيف شئتم دون ما قاله بعضهم من أن معناه حيث شئتم، لان معناه ها هنا لا يكون إلا على كيف. ولقائل أن يقول: إن اللفظ مشترك. وإنما يستفاد بحسب مواضعه. وقال الزجاج: معناه من أين في الموضعين. وقوله {فأماته الله مائة عام ثم بعثه} قال أبو علي لا يجوز أن يكون الذي أماته ثم أحياه نبيا لأن الله تعالى عجب منه ولولا ذلك، لجاز أن يكون نبيا على أنه شك في ذلك قبل البلوغ لحال التكليف، ثم نبي في ما بعده، وعلى هذا لا يمتنع أن يكون نبياً في ما تقدم. والأول أقوى، وأقرب. ويجوز هذه الآية أن تكون في غير زمان نبي. وقال الجبائي: لا يجوز ذلك لأن المعجزات لا تجوز إلا للأنبياء لأنها دالة عليهم. فلو وقعت المعجزة في غير زمن نبي لم يكن وقوعها دليلا على النبوة، وهذا ليس بصحيح - عندنا - لأن المعجزات تدل على صدق من ظهرت على يده, وربما كان نبياً وربما كان إماماً أو ولياً لله، وما روي أن الحياة جعلت في عينيه أولا، ليرى كيف يحيي الله الموتى لا يجوز، لأن الرأي هو الانسان بكماله غير أنه يجوز أن يكون أول ما نفخ فيه الروح عيناه، وتكون الحياة قد وجدت في جميع الروح، ولم يحصل في البدن من الروح إلا ما في العينين دون ما في البدن. اللغة، والمعنى: وقوله: {مئة عام} معناه مئة سنة، والعام جمعه أعوام، وهو حول يأتي بعد شتوة وصيفة، لأن فيه سبحاً طويلاً بما يكن من التصرف فيه. والعوم: السباحة. عام في الماء يعُوم عوماً: إذا سبح. والسّفينة تعوم في جريها. والابل تعوم في سيرها، لأنها تسبح في السير بجريها. والاعتيام: اصطفاء خيار مال الرجل ليجري في أحده له شيئاً بعد شيء كالسابح في الماء الجاري واعتام الموت النفوس أولاً أولاً، لأنه يجري في أحدها حالاً بعد حال كجري السابح في الماء، وأصل الباب السبح. وقوله: {ثم بعثه} يعني أحياه. وقوله: {كم لبثت} موضع نصب بلبثت، كأنه قيل: أمائة سنة لبثت أو أقل أو أكثر؟ فقال {لبثت يوماً أو بعض يوم} لأن الله تعالى أماته في أول النهار وأحياه بعد مائة سنة في آخر النهار، فقال: {يوماً} ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال {أو بعض يوم}. واللبث المكث، لبث لبثاً فهو لابث وتلبث تلبثاً إذا تمكث ولبثه تلبيثا، وأصل الباب المكث. وقوله: {فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه} معناه لم تغيره السنون. وقيل: كان زاده عصيراً وتيناً وعنباً، فوجد العصير حلواً، والتين، والعنب كما جناه لم يتغير، أو هو مأخوذ من السنة، والاصل فيه على قولهم: سانيته مساناة اذا عاملته سنة سنة أن يكون في الوصل لم يتسن، نحو لم يتعد، والأصل الواو، بدليل قولهم سنوات فاذا وقف جاء بهاء السكت، ويجوز أن يكون على قولهم: سانهة وسنهات، واكتريت مسانهة. والهاء على هذا أصلية مجزومة بلم، ولا يجوز أن يكون من الأسن، لأنه لو كان منه لقيل لم يتأسن. قال الزجاج لا يجوز أن يكون من قوله: {أية : من حمأ مسنون} تفسير : لأن معنى مسنون منصوب على سنة الطريق قال الشاعر: شعر : ليست بسنهاء ولا رُجّبيّة ولكن عرايا في السنين الجوائح تفسير : فجعل الهاء أصلية. والسنهاء: النخلة القديمة، لأنه قد مرت عليها سنون كثيرة. وإنما علم بأنه مات مائة سنة بشيئين: أحدهما - باخبار من اراه المعجزة في نفسه وحماره وطعامه، وشرابه من تقطع أوصاله، ثم اتصال بعضها الى بعض حتى رجع الى حاله التي كان عليها في أول أمره. والآخر - بالآيات الدالة على ذلك لما رجع الى وطنه فرأى ولد ولده شيوخاً وقد كان خلف أباهم شبابا الى غير ذلك من الأمور التي تغيرت، والاحوال التي تقلبت مع تظاهر الأخبار عما يسأل عنه أنه كان في مائة سنة. وقوله: {ولنجعلك آية للناس} قيل بعث وأولاد أولاده شيوخ. وروي عن علي (ع) أن عزيراً خرج من أهله وامرأته حامل وله خمسون سنة. فأماته الله مائة سنة، ثم بعثه فرجع إلى أهله ابن خمسين سنة وله ابن له مائة سنة، فكان ابنه أكبر منه، وذلك من آيات الله. وقيل: لتتعظ أنت ويتعظ الناس بك، فيكون الاعتبار عاماً. ودخلت الواو في الكلام لا تصال اللام بفعل محذوف كأنه قال: ولنجعله آية للناس. فعلنا ذاك، لأن الواو لو سقطت اتصلت اللام بالفعل المتقدم. وقوله: {وانظر إلى حمارك} فالحمار يقال للوحشي والأهلي لأن الحمرة أغلب على الوحشي ثم صار لكل حمار تشبيهاً بالوحشي، والحمرة لون أحمر تقول: احمر احمراراً واحمارا حميراراً والحمر: فرس هجين، لأنه كالحمار في التقصير، وحمارة القيظ: شدّة حرّه، وحمار السرج الذي يركبه السرج وحمر فو الفرس يحمر حمرا إذا انتن. والحمارة حجارة عريضة توضع على اللحد لركوب التراب عليها كالحمار وجمعها حمائر. وما يخفى على الاسود والاحمر أي العرب والعجم، لأن السواد أغلب على لون العرب كما الحمرة أغلب على العجم. وموت أحمر: شديد مشبه بحمرة النار في شدة الايقاد. وعبث حمر شديد، وأصل الباب الحمرة. ومنه الحمرة طائر كالعصفور، لأنه تغلب عليه الحمرة. وقوله: {وانظر إلى العظام كيف ننشزها} فمن قرأ بالراء غير المعجمة ذهب إلى النشور، وهو الحياة بعد الموت. نشر الميت: إذا عاش ونشره الله وأنشره: إذا أحياه. ومنه قوله {أية : ثم أنشأناه خلقاً آخر} تفسير : وقوله: {أية : ثم إذا شاء أنشره}تفسير : والنشر خلاف الطي. يقال: نشرت الثوب وغيره أنشره نشراً وانتشر انتشاراً. والنشر إذاعة الحديث والنشر: الرائحة الطيبة، وربما قيل في الخبيثة. والنشر نحت العود بالمنشار. والنشر نبات الربيع. والنشر: اكتساء البازي ريشاً واسعاً طويلاً. والنشرة عن المريض الرقية حتى يفيق والتناشر: عرض كتابة الغلمان على المعلم ينشرونه عليه أي يرونه إياه، وذلك لبسط الكتاب بين يديه. وأصل الباب الانبساط. ومن قرأ بالزاء فمعناه يرفع بعضها إلى بعض وأصل النشوز: الارتفاع فمنه النشز المرتفع من الارض. ومنه نشوز المرأة رفعها عن طاعة زوجها. وقوله: {ثم نكسوها لحماً} معناه نغطّيها باللحم كما نغطّي باللباس. وإنما قيل ذلك لأجل التفصيل الذي كان عليه، فوصله الله عز وجل حتى صار كجزء. منه قال الجعدي: شعر : فالحمد لله إذا لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الاسلام سربالا تفسير : فجعل الاسلام غطاء للكفر كما يجعل غطاء للمعصية قوله {فلما تبين له} أي ظهر. {قال اعلم} فمن قطع الهمزة جعل ذلك أخباراً عن نفسه ومن وصلها احتمل أمرين: أحدهما - أن يكون ذلك أمراً من الله له. والثاني - أن يكون تذكيراً للنفس بالواجب وأخرجه مخرج الأمر لها كأنه قال: يا أيها الانسان. وفي الآية دليل على بطلان قول من قال: المعارف ضرورة، لأنه لما شك أراه الله الآيات التي استبصر بها ولو كان مضطراً إلى المعرفة بالله وما يجوز عليه وما لا يجوز لم يحتج إلى دليل يعلم به ما هو مضطر إليه وكان يقال: ان عند الموت لم تحصل له المعارف الضرورية كما يحصل لمن لا يريد الله إعادته إلى التكليف فتكون الاماتة كالنوم. والمعلوم خلافه.
الجنابذي
تفسير : {أَوْ كَٱلَّذِي} عطف على صلة الموصول اى الم تر الى الّذى كالّذى {مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ} وقيل فى اعرابه وجوهٌ اُخر والمارّ كان عزير النّبىّ (ع) او ارمياء (ع) وهما مذكوران فى الاخبار، وقيل: كان الخضر والقرية بيت المقدّس حين خرابه بجنود بختنصّر، وقيل: الارض المقدّسة اى الشام، وقيل: القرية الّتى خرج منها الالوف فقال لهم الله: موتوا {وَهِيَ خَاوِيَةٌ} خالية او خربة وعليهما فقوله تعالى: {عَلَىٰ عُرُوشِهَا} حال او ساقطة على سقوفها بمعنى انّ سقوفها سقطت ثمّ سقطت جدرانها على سقوفها، {قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ} اى اهل هذه القرية او انّى يعمر هذه القرية {ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} اى موت اهلها او خرابها وانّما قال ذلك استعظاماً لأمرها لا انكاراً لقدرة الله عليها {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مائةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مائةَ عَامٍ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ} يعنى انظر الى قدرة الله وعجيب صنعه فى انّ طعامك وشرابك {لَمْ يَتَسَنَّهْ} فى طول هذه المدّة، والهاء للسّكت والمعنى لم يتغيّر {وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ} كيف صار رميماً وتفرّقت عظامه مع بقاء طعامك وشرابك {وَ} فعلنا ذلك بك {لِنَجْعَلَكَ} او فعلنا ذلك بك لتصير موقناً مشاهداً ولنجعلك {آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ} عظام بدنك وعظام حمارك {كَيْفَ نُنْشِزُهَا} نرفعها ونركّب بعضها على بعضٍ وقرء بالرّاء المهملة من باب الافعال ومن الثلاثىّ المجرّد {ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} وشاهد ما علمه سابقاً بعد اماتته مائة عامٍ {قَالَ} النّبىّ {أَعْلَمُ} على قرائة المضارع او قال الله (اعلم) على قراءة الامر وقد ذكر فى الاخبار وجوه لاماتة هذا النّبىّ (ع) وتفاصيل لكيفيّتها من أراد فليرجع الى المفصّلات {أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ومنه الاحياء بعد الاماتة.
الأعقم
تفسير : {أو كالذي مر على قرية} الآية معناه أرأيت مثل الذي كان كافراً بالبعث وهو الظاهر لانتظامه مع نمرود و بقوله {أنّى يحي هذه الله بعد موتها} قيل: هو عزير، وقيل: الخضر اراد أن يعاين احياء الموتى لتزداد بصيرته والقريَة بيت المقدس حين خربه بخت نصَّر، وقيل: هي التي خرج منها الالوف {خاوية على عروشها} قيل: ساقطة، وعروشها سقوفها، أي سقطت السقوف ثم سقطت عليها الجدر، وقيل: عروشها أبنيتها من قوله: {يعرشون} قوله تعالى: {لبثت يوماً أو بعض يوم} نام اول النهار ثم احياه الله تعالى اخر النهار بعد المئَة فقال: {لبثت يوماً} ثم التفت فرآى بقية الشمس فقال: {أو بعض يوم فانظر إلى طعامك} روي ان طعامه كان تيناً وعنباً وشرابَه عصيراً ولبناً فوجده على حاله {لم يتسنَّه} لم يتغير {وانظر إلى حمارك} كان معه حمار فهلك وبليتْ عظامَهُ، وقيل: كان حماره مربوطاً فقام وهو حي كما كان وذلك من أعظم الآيات ان يُعَيّشَهُ الله مائة عام من غير علف ولا ماء، وقد قيل: انه أتى قومه راكباً حماره فقال: أنا عزير فكذبوه فقال: هاتُوا التوراة فأخذها يهذهَا هذاً عن ظهر قلبه وهم ينظرون في الكتاب فما حرم حرفاً فقالوا: هذا ابن الله، وقيل: رجع الى منزله فرأى اولاده شيوخاً وهو شاب فاذا حدثهم بحديث: قالوا حديث مائة سنَة [ولم احداً قرأ] التوراة ظاهراً قبل عزير فذلك كونه آية {وانظر الى العظام} هي عظام الحمار، وقيل: عظام الموتى الذي تعجب من احيائهم {كيف ننشزها} كيف نحييها وقرأ ننشرها من نشر الله الموتى اذا احياهم. {وإذ قال إبراهيم رب أرني} من رؤية العين {ولكن ليطمئن قلبي} ليزداد سكوناً ويقيناً وطمأنينة واختلفوا في سبب سؤال ابراهيم هذا على أقوال: قيل: احب ان يعلم ذلك علم عيان دون علم استدلال، وقيل: سأل عن قومه وان اضاف السؤال إلى نفسه كما فعل موسى في سؤال الرؤية، وقيل: بشَّر الملك ابراهيم بأن الله اتخذه خليلاً والله يجيبُ دعوته ويحي الموتى بدعائه، قوله تعالى: {فخذ أربعة من الطير} قيل: طاووس وديكاً وغراباً وحمامة {فصرهن إليك} أي قطعهن، وقيل: بالضم املهن اليك وبالكسر قطعهن، وقيل: المراد بالآية قطعهن وهو قوله الاكثر لان إبراهيم (عليه السلام) قطع أعضاءها ولحمها وريشها ودمها وخلط بعضها ببعض {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً} قيل: على اربعة جبال، وقيل: سبعة، وقيل: تسعة جبال ففعل ذلك إبراهيم وأمسك رؤوسهم عنده ثم دعاهن فذلك قوله تعالى: {ثم ادعهن} وقل لهن: تعالين بإذن الله تعالى فجعل أمر الطير يطير بعضها إلى بعض ثم أتته {سعياً} على أرجلهن ويلقى كل طائر رأسه فذلك قوله تعالى: {يأتينك سعياً} يعني ساعيات مسرعات {مثل الذين ينفقون} الآية يعني مثلهم {كمثل} باذر {حبة} والمنبت هو الله تعالى ولكن الحبَّة لما كانت سبباً اسند إليها النبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء ومعنى انباتها {سبع سنابل} يخرج ساقها يبدو فيها سبع لكل واحدة سنبلة وهذا موجود في الدخن والذرة، قوله تعالى: {في سبيل الله} يعني دينه اراد النفقة في الجهاد، وقيل: في جميع أبواب البر ويدخل فيه الواجب يعني ان النفقة في سبيل الله بسبع مائة ضعف والله يضاعف لمن يستوجب ذلك، قوله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} نزلت الآية في عبد الرحمن تصدق بنصف ماله اربعة آلاف دينار {ثم لا يتبعون ما أنفقوا منّاً ولا أذىً} وهو ان يذكر نعمته عليه بما ينقصه، وقيل: يمن على الناس بنفقته، قوله تعالى: {ولا أذىً} يعني ما يؤذي به الفقير، قوله تعالى: {قول معروف} أي رد جميل {ومغفرة} عفو عن السائل اذا وجد منه ما يثقل على المسؤول، وقيل: المغفرة بالعفو عن ظالمه {كالذي ينفق ماله رئاء الناس} أي لا تبطلوا صدقاتكم كإبطال المنافق الذي ينفق ماله رئاء الناس لا يريد بها رضاء الله وثواب الآخرة {فمثله كمثل صفوان} أي مثله ونفقته بصفوان حجر أملس {عليه تراب فأصابه وابل} مطر عظيم القطر {فتركه صلداً} أي أجرداً نقياً من التراب الذي كان عليه {لا يقدرون على شيء} ممن ثابه {مما كسبوا} حيث أعطوه بالرياء، وقيل: هو قوله تعالى: {أية : فجعلناه هباءً منثوراً}تفسير : [الفرقان: 23].
الهواري
تفسير : قوله: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} قال: هذا من حجة الله أيضاً وعجائبه. {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} أي خراب. {قَالَ أنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} يعني كيف يحيي هذه الله بعد موتها. {فَأَمَاتَهُ اللهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ}. قال بعض المفسّرين: هو عزيز، والقرية بيت المقدس بعدما خرج منها بخت نصّر، فقال: أنى تعمر هذه بعد خرابها. {قَالَ: كَمْ لَبِثْتَ، قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}. قال بعضهم: ذكر لنا أنه مات ضحى وبعث قبل غروب الشمس فقال: {لَبِثْتُ يَوْماً}؛ ثم التفت فرأى بقيّة من الشمس [ظنّ أنها] من ذلك اليوم فقال: {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}. {قَالَ} الله {بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهُ} أي لم يتغيّر. {وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ}. قال بعض المفسّرين: أول ما خلق الله منه رأسه، ثم ركبت فيه عيناه، ثم قيل له: انظر؛ فجعلت عظامه يتواصل بعضها إلى بعض، وبعينيه كل ذلك؛ فقال: أعلم أن الله على كل شيء قدير. قال بعضهم: إنما أراه الله خلق حماره بعدما أحياه بجميعه؛ وهذا أحق التأويلين وأولاهما بالصواب. وقال الكلبي في طعامه وشرابه: كان معه سلتان: سلة من تين وسلة من عنب وزق فيه عصير، والقرية إنما هي دير هزقل،......... وكان الرجل عزيراً؛ وكان فيمن سباه بخت نصّر من أرض إسرائيل، فحملهم إلى أرض بابل. وفي قوله: {وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ}: فنظر إلى حماره فإذا هو عظام بالية. قال: فرأى العظام قد ارتهشت أي تحرّكت وسعى بعضها إلى بعض؛ فرأى الصلب تسعى كل فقرة منه إلى صاحبتها، ثم رأى الوركين يسعيان إلى أماكنهما، وكل شيء منه يسعى بعضه إلى بعض. ثم جاء الرأس إلى مكانه، ثم رأى العصب والعرق ألقي عليه، ثم وضع عليه اللحم، ثم بسط عليه الجلد، ثم رد عليه الشعر، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو قائم ينهق؛ فخر عزير ساجداً وقال: أعلم أن الله على كل شيء قدير. فهكذا أراه الله خلق حماره. فأما خلق نفسه إذ لم يتكامل خلقه ويتم، فإن الله لم يفعل هذا بأحد.
اطفيش
تفسير : {أوْ كالَّذِىَ مرَّ}: الكاف اسم بمعنى مثل مضاف للذى مفعول لمحذوف، أى: أوَ رأيت مثل الذى مر، أى ما رأيت مثله، وهذا المقدر معطوف على قوله:{أية : ألم تر إلى الذى}،تفسير : ودل عليه قوله {أية : ألم تر إلى الذى حاج} تفسير : وأدخل الكاف هنا دون {أية : ألم تر إلى الذى حاج} تفسير : لأن منكرى إحياء الموتى كثير، والجاهل بكيفية الإحياء أكثر، بخلاف مدعى الربوبية، ويجوز أن تكون الكاف حرفاً زائداً، والذى معطوف على الذى، ويجوز أن تكون الكاف اسما معطوفا على المعنى ويقال له فى غير كلام عطف توهم جعل الكلام كأنه قيل فيه أرأيت كالذى حاج؟ فقال: {أو كالذى مر} وبه قال الكسائى والفراء وأبو على الفارسى، ويجوز أن يكون معمولا لمحذوف معطوف على إيت من قوله:{أية : فأت بها من المغرب}تفسير : أى فأت بها من المغرب أو أحى مثل إحياء الله الذى مر، ولم يعطف الكاف على الذى لأنه يلزم عليه دخول إلى على الكاف الاسمية، وإنما يدخل عليها ما سمع كعن، فلا يحمل الكلام على دخول غيرها، كذا قيل، ويبحث أنه يجوز عطفها على الذى بناء على أن من يستعملها اسما يتصرف فيها بالعوامل، وبأنه يقرب أن يكون على المنع اغتفر فى الثانى ما لم يفتقر فى الأول، ولو قلنا هذا الاغتفار سماعى، وضعف هذا العطف، لأن المراد النظر إلى نفس الذى مر لا إلى مثله، ويجاب بإرادة الكناية والذى مر هو عزير بن شرحيا عند قتادة وعكرمة والضحاك والسدى وقال وهب ابن منبه: هو أرميا، قال: ابن إسحاق أرميا هو الخضر، وقيل كافر بالبعث وعليه أكثر المفسرين، من المعتزلة، ونسب لمجاهد واعترض بأن الله لا يخاطب الكافر، وقد خاطبه بقوله: {كم لبثت}، وبأنه لا يقال: {نجعلك آية للناس} إلا فى حق الأنبياء والجواب أنه لا مانع من ذلك، مع أنه قد يكون الخطاب بقوله: {كم لبثت}، بواسطة ملك، بل قيل يؤيد قول مجاهد نظم هذا مع نمرود، وأيضا يقال: كلمة الله لأنه آمن بعد البعث لقوله: {أعلم أن كل شئ قدير}. {عَلَى قَرْيةٍ}: قرية بيت المقدس حين خربه بختنصر، هذا قول وهب ابن منبه، وقتادة والضحاك والربيع وعكرمة. وقال زيد بن أسلم: هى قرية الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وقيل المؤتفكات، واشتقاق القرية من القرى بالياء وهو الجمع كالقرء بالهمزة، وقيل دير سلعى إياد وقيل دير هرقل، وقيل قرية العيد، وهى على فرسخين من بيت المقدس. {وهىَ خَاوِيةٌ عَلَى عُرُوشِها}: ساقطة على شقوقها، والعرش السقف، وذلك بأن تسقط سقوفها أولا، ثم تسقط عليها حيطانها، أى ساقطة الحيطان على العروش، ويجوز أن يكون المعنى خاوية من أهلها، أى خالية منهم ثابتة على سقوفها، أى ليست مجردة عن السقوف، بل سقوفها موجودة، فعلى الوجه الأول تتعلق على بخاوية، وعلى الثانى بمحذوف خبر ثان أو حال من ضمير خاوية، والجملة حال من ضمير مر. {قالَ أنَّى يُحْيِى هذهِ اللّهُ بعد مَوْتِها}: أى أنى يعمر الله هذه القرية بعد خرابها شبه عمرنها بالإحياء بجامع الانتفاع وخرابها بالموت بجامع عدمه، وأنى يحيى الله أهل هذه القرية بعد موتهم، ولما حذف الأهل لم يبق له ضمير يتصل بالموت، فأضيف الموت لضمير ما ناب عن أهل، وهو هذه فإن كان الذى مر على القرية مؤمنا فذلك اعتراف بالقهور عن معرفة طريق الإحياء، واستعظام لقدرة المحيى وازدياد لقوة الإيمان وهو الصحيح، وإن كان كافرا فذلك استعاد للبعث وإنكار له، أى أنَّى يحيى الله أهل هذه وأنى ظرف زمان استفهامى بمعنى متى متعلق بيحيى، أو اسم غير ظرف، بل بمعنى كيف فهو حال من لفظ الجلالة. {فَأماتَهُ اللّهُ مِائَةَ عام}: أراه الله الآية فى نفسه تدله على قدرة الله على إحياء الموتى، أو على قدرته على عمران القرية، والأول أنسب، ولا يخفى أن الإماتة لا تمتد مائة عام، بل تقع فى أدنى زمان، فلا يتعلق مائتان بأمات على ظاهره، بل يتعلق به تأويله بمعنى ألبثه الله ميتا مائة عام، والباثة ميتا فرع إيقاعه ميتا، ويجوز تعليقه بمحذوف مستأنف، أو محذوف، أى فأماته الله فلبث ميتا مائة عام، أو أماته لبث فى موته مائة عام، أو يجوز تعليقه بمعمول حال مقدرة، أى فأماته مقدارا لبثه مائة، وأولى من ذلك أن يتعلق بأمات باعتبار ما فيه من معنى الفعل اللازم المعدى بالهمزة، لا باعتبار ما فيه من معنى متعدية، كأنه قيل صيره ميتا مائة عام، فعلق مائة بميتا وهذا كما قيل فى خوفا حال أو مفعول لأجله، باعتبار ما فى يريكم من معنى الفعل الثلاثى، وسمى العام عاما لأن الشمس تعوم فيه جميع البروج. {ثُمَّ بَعَثه}: بالإحياء ليريه كيف يحيى الله هذه بعد موتها، وإنما قال: بعثه لإحياء مع أن المار قال أنَّى يحيى، لأن البعث أدل على أنه عاد كما كان حيا عاقلا مستعد للمعارف والاستدلال. {قالَ}: الله تعالى به بخلق كلام أو بملك أو بنبيى: {كَمْ لَبثْتَ}: وكم ظرف للبث بعده متعلق به، وإنما كان ظرفا لأن المعنى كم عام أو كم يوم كم ساعة أو نحو ذلك، أو مفعول مطلق واقع على اللبث، أى كم لبثت: {قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بعْضَ يَوْمٍ}: وذلك أن الله أماته أول اليوم المائة، وبعثه آخر اليوم الأخير منها، فظن أن بعثه فى آخر اليوم اليوم الذى مات فيه، وهو يظن أن الشمس قد غربت، فالتفت فرآها فقال: أو بعض يوم، وقيل أماته صحى، ولما قال يوماً أضرب عن ذلك، بأن قال: أو بعض يوم، لأن اليوم لم يكمل له، وقيل قال لبثت يوما يظن ذلك ظنا، فخاف خلاف ذلك، فتكون كاذبا أو كاذب، فقال: أو بعض يوم شكا منه. {قالَ}: الله يخلق كلام أو بالملك أو بالنبى: {بَلْ لَبثْتَ مِائَةَ عامٍ فانْظُر إلَى طَعَامِكَ وشرابك لم يتَسَنَّهْ}: لم يتغير، وعلامة الجزم حذف الألف والهاء للسكت، تقرأ فى الوصل شذوذا، والأصل يتسنن بثلاث نونات، أدغمت الأولى فى الثانية، وقلبت الثانية، وقلبت الثالثة ألفا، فإن القاعدة أنه إذا اجتمع ثلاثة أحرف متجانسة آخر الكلمة، خفف بقلب الثانى من جنس الفاء كلملم، أصله لمم بتشديد الميم الأولى أو بقلب الثالثة ألفا كتقضى، أصله تقضض، وتسرى. أصله تسرر، وربى، أصلهُ ربب، فيقال تسنى يتسنى، فحذفت الألف للجازم، ومعلوم أن المجزوم يحذف بحذف الآخر إذا كان الباقى ثلاثة أحرف، يجوز إلحاق هاء السكت به وقفا فقيد يتسنه وقفا ووصلا شذوذا، وقيل كل ما فيه هاء السكت فى القرآن يجب الوقف عليه، ويجوز أن يكون الأصل يتسنى يتفعل من السنة على لغة من يجعل لام سنة واوا حذفت، وعوض عنها الهاء، ويجمع على سنوات فيقال سانيته أسانيه مساناة، بقلب تلك الواو ياء لكونها فوق ثلاثة، أى عاملة بالسنين، فيقال تسناه بتسناه بذلك المعنى، فحذف للجازم ألفه ولحقته هاء السكت، فأصل لم يتسنه على هذا لم تمض عليه سنة، لكنه استعمل فى معنى لم يتغير، لأنهُ يلزم فى الجملة من مضى السنة على الشئ أن يتغير أو المعنى على الشبيه، أى انظر إلى طعامك وشرابك لم تمض عليهِ السنة، أى كأنه فى عدم تغيره لم تمض عليه السنة، وهذا المعنى يليق به تفسير الطعام والشراب بما لا يسرع فساده، وقرأ الكسائى وحمزة لم يتسن بغير الهاء فى الوصل على القياس، ويجوز أن تكون الهاء أصلا وسكونها جزما، وهى لام سنة المحذوفة المعوض عنها التاء على لغة من يجعل لام سنة هاء فيقول سنهاة وسانهته مسانهة، وتسنه يتسنه تسنهاً، والكلام فيه كالكلام فى الذى قبله سواء لضمير المستتر فى يتسنه عائد للطعام والشراب معاً، ولكن أفرد لتأويلها بالشئ الواحد وهو ما تقوم به بنية الحيوان، أو ما يسيغه لبطنه، ويجوز عوده لشرابك، ويدل لهُ قراءة ابن مسعود: انظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسنه، فإما أن يقدر مثله لطعامك، أى فانظر إلى طعامك لم يتسنه وشرابك لم يتسنه، وإما أن يكتفى بالأمر بالنظر إلى ما هو طعامه بعينه وصفته، ومثل هذا ممكن فى الشراب، لكن الشراب لما كانت إفاته أزيد لأنه يتغير أيضا بالنقص بالهواء، ضم إليه لم يتسنه وعلى كل وجه، فالمراد أنهما لم تتغير ذاتهما بالنقص، ولا باللون ولا بالطعم ولا بالرائحة، قيل: كان طعامهُ تيناً أو عنبا، وشرابه عصيراً أو لبنا، وقيل شرابه ماء فى قلة، وقيل خمر قديمة ليست من عصير تلك الشجرة. {وانْظُرْ إلى حِمَارِكَ}: قال وهب ابن منبه: انظر إليه كيف زال، لحمه وتفرفت عظامه، وبليت، وكان له حمار قد ربطه ونحييه الآن وأنت ترى، وقال الضحاك ووهب بن منبه فى رواية عنه: انظر إليه حيا سالما فى مربطه بلا علف ولا شراب بإذن الله، والحبل المربوط به جديد بقى فى عنقه جديداً والقادر على إحيائه مائة عام بلا طعام ولا شراب قادر على إحياء ما مات، وعمران ما خرب، والوجه أدل لما فيه الكلام، وهى إحياء هذه، لأن الكلام ليس فى الإبقاء على غير العادة، بل فى رد ما فات، وإنما يتم الاستدلال الذى مر على القرية ويتحقق برؤيته حماره ميتاً ثم يراه يحيى وبنفسه إن رأى نفسه تحيا شيئا فشيئا، وبوجود أولاده شيبا وهو شاب، وإلا فالمعاند لا يكتفى بقول الله تعالى: {قد لبثت مائة عام} فإنه يكذب المائة أيضاً، وكذا يزداد يقين الموقنين بذلك، وإنما مد على الكل ما قال الله تعالى والأنبياء والمسلمون: {وَلنجْعلكَ آيةً للنَّاسِ}: أى وفعلنا ذلك لنجعلك آية للناس، يؤمن بها المنكر للبعث، إلا إن عاند، ويزداد بها إيمان المؤمن به، وقيل الواو زائدة فجاء قومه وقرأ لهم التوراة بلا نظر، وقد فقدت كتبها وحفاظها، ووجدوا نسخة تطابق ما يقرأ وأخبرهم بأخبار صدق، ووجد أولاد أولاده شيوخا، فهم إذا حدثهم بشئ قالوا حديث مائة سنة. {وانْظُرْ إلى العِظَامِ}: عظام حمارك، قال له ذلك بعدما أحياه كله، وبقيت عظام حماره، فأحيا حماره شيئاً فشيئا وهو بنظر، أو انظر إلى عظام نفسك وقد أحيا الله رأسه إلى عينيه، أو عظامه وعظام حماره، أو عظامهما وعظام الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف، وليس ينظر إلى ذلك كله بمرة، بل ينظر إلى نفسه ثم غيره وقد مر قول أن حماره لم يمت. {كَيْفَ نُنْشِزُها}: نحييها ونبعثها من موتها، وقرئ بفتح النون الأولى وضم الشين من نشر، بمعنى انتشر وقرأ الكوفيون وابن عامر ننشرها بالراء المعجمة، وضم النون الأولى، وكسر الزاى أى نرفعها بعضها إلى بعض لنركبها ونحييها، يقال انشره فنشر بالراء، وانشزه فنشر بالراء، وكيف حال من ضمير ننشزها المنصوب أو المرفوع المستتر، وجملة كيف ننشرها مفعول انظر، ساغ علمه فى جملة الاستفهام، ولو جعلنا الجملة بدلا من العظام، أو من مضاف مقدر، أى إلى حال العظام أو أول ننشز بالمصدر، وجعل بدلا لكان المعنى صحيحا، لكن لا نعرف فى العربية إبدال حملة من مفرد، ولا سيما مفرد غير وصف، ولا نعرف كيف حرف مصدر إلا ما يتكلف من يتكلف فى المسألتين، ولا نقبل عنه، وقال أبو البقاء: كيف ننشرها حال من العظام. {ثمَّ نَكْسُوها لحْماً}: تغطيها بلحم، ونجعله كاللباس عليها، أو هو اللحم الذى كان عليها قبل، ولم نذكر له ما يتخلل وما فى دخل اكتفاء بما يظهر، وأما الجلد فمتصل بالجلد بل هو لحم غليظ. {فَلمَّا تَبيَّنَ لهُ}: وفاعل تبين مستتر تقديره فلما تبين له قدر لله، أى قدرته ودل عليه قوله أعلم. {قَالَ أعْلَم أن اللّهَ عَلَى كُلِّ شىءٍ قَدِيرٌ}: أو فاعله ضمير مستتر عائد إلى قوله: {أن اللّهَ عَلَى كل شئ قدير} أى فلما تبين هو، أى تبين الله على كل شئ قدير، لم يؤنث لأن ضمير المصدر غير الصريح لا يؤنث، ولو كان المصدر إذا صرح به كان مؤنث كالقدرة هنا، وأولى من ذلك أن يرجع ضمير تبين إلى الإحياء المأخوذ من قوله: {أنَّى يحيى هذه الله بعد موتها} أو لما تبين له ما أشكل عليه وهو ذلك الإحياء ما تقادم عهده، تبين له ذلك مشاهدة بإحيائه بعد مدة أطول من مده موت هؤلاء أو مدة خراب قريتهم، أو بإحياء هؤلاء. وقرأ حمزة والكسائى: {قال أعلم}، بوصل الهمزة وإسكان الميم على الأمر، والذى أمره الله بخلق كلام أو بنبى أو بملك، أو قال لنفسه اعلم بأمرها تبكيتاً لها إذ عاينت ما استبعدت، وضمير قال على قراءة {أَعلم}. بفتح الهمزة وضم الميم عائد إلى {الذى مر على قرية}، وعلى القراءة الأخرى عائد إلى الله أو نفس المار، وقرأ ابن مسعود: قيل اعلم ببناء القول للمفعول، ووصل الهمزه وإسكان الميم، وإنما جعلت الضمير لله بخلق الكلام أو بالملك أو بالنبى حيث جعلته كذلك، ولم أجعله أيضاً كغيرى للملك أو للنبى عدم تقدم عهد لهما إلا ما يفهم فهماً، ويؤيد أن الذى أمره هو الله قوله تعالى بعد قصة إبراهيم {أية : واعلم أن الله عزيز حكيم}،تفسير : وقوله: {ننشرها ثم نكسوها}، وإذا كان المأمور مؤمنا فإنما ذلك منه تعجب من قدرة الله، وزاده الله يقيناً، والمشهور أنه عزير وهو نبى، أو أرميا وهو نبى، وأحدهما هو نبى ذلك الزمان مر على الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف موتى، فوقف وتفكر، فأوحى الله إليه: أتريد أن أريك كيف أحييهم،؟ فقال: نعم. فقيل له: ناد أيتها العظام إن الله تعالى يأمركن أن تكتسين لحَما ودماً، وأن تقمن. فقاموا أحياء يقولون: سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت. وذلك بعدما أماته بعد تعجبه مائة عام وأحياه، وروى عن وهب ابن منبه: أن الله تعالى بعث أرميا إلى ناشئة بن أموص ملك بنى إسرائيل ليسدده ويأتيه بالخبر من الله تعالى، فعظمت الأحداث فى بنى إسرائيل، وركبوا المعاصى، فأوحى الله تعالى إلى أرميا أن ذكِّر قومك نعمتى عليهم، وعِّرفهم أحداثهم، وادعهم إلىَّ. فقال أرميا: يا رب إنى ضعيف إن لم تقونى، عاجز إن لم تبلغنى، مخذول إن لم تنصرنى. فقال الله تعالى: إنى ألهمك. فقام. أرميا فيهم ولم يدر ما يقول، فألهمه الله تعالى فى الوقت خطبة بليغة طويلة بيَّن لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية، وقال فى آخرها عن الله عز وجل: إنى أحلف بعزتى لاقضين عليهم فتنة يتحير فيها الحليم، ولأسلطن عليهم جباراً فارسا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم. ثم أوحى الله تعالى إلى ملك بنى إسرائيل أنى مهلك بنى إسرائيل بيافث، وهم أولاد يافث بن نوح عليه السلام، وهم أهل بابل، وصالح أرميا وبكى ونبذ الرماد على رأسه، كل ذلك منه شفقة على الدين، وتضرع إلى الله لا جزع، فلما رأى الله تضرعه وبكأه ناداه. يا أرميا أشق عليك ما أوحيته إليك؟ قال: نعم يا رب، أهلكنى قبل أن أرى فى بنى إسرائيل ما لا أسر به. فقال الله عز وجل: وعزتى وجلالى لأهلكن بنى إسرائيل حتى يكون الأمر فى ذلك من قبلك. ففرح أرميا بذلك وطابت نفسه، وقال: لا والذى بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بنى إسرائيل، ثم أتى الملك فأخبره بذلك، وكان ملكا صالحا فاستبشر وقال: إن يعذبنا ربنا فبذنوبنا، وإن يعفو عنا فبرحمته، ومكثوا بعد ذلك الوحى ثلاثة سنين لم يزدادوا إلا معصية وتمادياً فى الشر، وقلَّ الوحى، ودعاهم الملك إلى التوبة، فلم يفعلوا، فسلط الله عليهم بخت نصر البابلى، فخرج فى ستمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس، فلما فصل سائرا أتى الخبر الملك فقال لأرمياء: أين ما زعمت أن الله تعالى أوحى إليك؟ فقال أرميا: إن الله لا يخلف وأنا بربى واثق. ولما قرب الأجل بعث الله تعالى تعالى إلى أرميا ملكا فى صورة رجل من بنى إسرائيل، فقال: أتيتك أستفتك فى رحمى، وصلت أرحامهم ولم يأتهم منى إلا حسن، ولا يزيدهم إكرامى إلا إسخاطى فأفتنى فيهم، فقال أرميا أحسن فيما بينك وبين الله وواصلهم وأبشر بخير. فانصرف الملك، فمكث أياما ثم أقبل إليه فى صورة ذلك الرجل، فقعد بين يديه فقال له أرميا: من أنت؟ قال: أنا الرجل أتيتك أستفتيك فى شأن أهلى. فقال له أرميا: ما طهرت أخلاقهم بعد ذلك قال. با نبى الله والذى بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأتيها أحد إلا قدمتها إليهم وأفضل. فقال أرميا. إرجع إليهم فأحسن إليهم، أسال الله الذى يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم. فقام الملك فمكث أياما، ثم نزل بخت نصر بجنوده بيت المقدس، ففزع منهم بنو إسرائيل. فقال ملكهم لأرميا. يا نبى الله؟ ما وعدك الله تعالى؟ فقال. إنى بربى وإثق. ثم أقبل ذلك الملك إلى أرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس يستبشر بنصر ربه الذى وعده، فقعد بين يديه رجل فقال له. من أنت؟ فقال. أنا الذى جئتك فى شأن أهلى مرتين. فقال له أرميا. أما آن لهم أن يفيقوا من الذى هم فيه؟ فقال الملك. يا نبى الله. إن كل شئ كان يصيبنى منهم قبل اليوم كانت أصبر عليه، فاليوم رأيتهم على عمل لا يرضى الله تعالى به. فقال أرميا. على أى عمل رأيتهم؟ قال. على عمل عظيم يسخط الله تعالى، فغضبت لله عز وجل، فأتيتك لأخبرك، وإنى. أسألك بالله الذى بعثك بالحق أن تدعوا لله عليهم ليهلكوا، فقال أرميا. يا مالك السماوات والأرض ياذا الجلال والإكرام، وإن كانوا على حق وصواب فابقهم، وإن كانوا على عمل لا ترضاه فاهلكهم، فما خرجت الكلمة من فيه حتى أرسل الله عز وجل صاعقة من السماء على بيت المقدس، فالتهب مكان القربان، وأحرقت سبعة أبواب من أبوابه، فلما رآء ذلك أرميا صاح ونبذ الرماد على رأسه وقال يا مالك السماوات والأرض ميعادك الذى أوعدتنى به. فنودى إنهم لم يصيبهم ما أصابهم إلا بفتياك ودعاءك عليهم، فاستيقن أنها فتياه وأن ذلك السائل كان رسولا من ربه، فخرج حتى خالط الوحوش، ودخل بخت نصر وجنوده بيت المقدس، ووطئ الشام، وقتل بنى إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس، وأمر جنوده أن يملأ كل رجل ترسه تراباً ويقذفه فى بيت المقدس، ففعلوا ذلك حتى ملوه، ثم أمرهم أن يجمعوا من كل بقى فى بلدان بيت المقدس، فاجتمع عنده من بقى من بنى إسرائيل من كبير وصغير، فاختار منهم سبعين ألفاً، فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه، فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمان، وكان فى أولئك الغلمان دانيال وخيانيا وعزير، وفرق من بقى ثلاث فرق. ثلث قتلهم، وثلث سباهم وثلث أقرهم فى الشام. ولما رجع بخت نصر إلى بابل، رجع أرميا إلى بيت المقدس على حمار له، ومعه عصير عنب فى ركوة وسلة تين فرآى خراب القرية. فقال: {أنى يحيى هذه الله بعد موتها}، ومن قال. إن المار عزير قال. إن بخت نصر ذهب به وبدانيال إلى بابل وسبعة آلاف من أهل بيت داود عليه السلام، ثم نجا عزير من بابل، وارتحل على حمار حتى نزل دير هرقل على سطح دجلة فطاف فى القرية فلم ير أحدا، وعامة شجرها حامل، فأكل من الفاكهة واعتصر من العنب فشرب منه، وجعل فضل الفاكهة فى سلة، وفضل العصير فى زق وقدر، أى خراب القرية وهلاك أهلها. فقال. {أنىَّ يحيى هذه الله بعد موتها} فربط حماره بحبل جديد، وألقى الله عليه النوم، ولما نام نزع الله منه الروح مائة عام، وأمات حماره، وبقى عصيره وتينه عنده، وأعمى الله عنه العيون، فلم يره أحد ومنع لحمه من السباع والطير، ولما مضت عليه سبعون سنة رسل الله تعالى ملكا إلى ملك من ملوك فارس يقال له توشد وقال له. إن الله يأمرك أن تنفر بقومك. فتعمر بيت المقدس وإيليا حتى يعود أعمر ما كان، فانتدب الملك بالف قهرمان مع قهرمان ثلثمائة ألف عامل فجعلوا يعمرون، وأهلك الله بخت نصر ببعوضة دخلت دماغه، ونجى الله من بقى من بنى إسرائيل، وردهم جميعا إلى بيت المقدس ونواحيه فعمروها ثلاثين سنة، وكثروا كأحسن ما كانوا، ولما تمت المائة على عزير أحيا الله عينيه، وسائر جسده ميت، ثم أحيا الله جسده وهو ينظر، ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه تلوح متفرقة فسمع صوتاً من السماء. أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تكتسى لحماً وجلداً، فكان ذلك، ثم نودى إن الله يأمرك أن تحيى فقام الحمار بإذن الله، ثم نهق وسجد لله، وقال: أعلم أن الله على كل شئ قدير، فعاد إلى القرية وهو شاب أسود اللحية والرأس، وأولاد أولاده شيوخ وعجائز شمط، وقيل لما أحيا الله هذا وهو أرميا وعزير بعث ريحا فجاءت بعظام الحمار، فركبت حتى الكسرة من عظم: فصار حماراً من عظام، ثم كساها اللحم والعروق والدم والجلد، فنبت الشعر فصار حماراً إلا روح فيه فبعث الله ملكا، فأقبل إليه يمشى حتى أخذ بمنخر الحمار، فنفخ فيه الروح فقام حياً بإذن الله، ونهق، وقيل مغمر هو فى الفلوات، وعن ابن عباس وغيره: لما أحياه الله ركب حماره حتى أتى بلده، فأنكره الناس وأنكرهم، وأنكر منازلهم، فانطلق على وهم حتى أتى منزله، فإذا بعجوز عمى مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة، وكانت امة لهم، وحين خرج عنهم كانت بنت عشرين سنة، فقال لها عزير: يا هذه هذا منزل عزير؟ فقالت: نعم. وبكت وقالت: ما رأيت أحداً يذكر عزيراً مند كذا وكذا. فقال: أنا عزير. فقالت: سبحان الله إن عزيرا فقدناه منذ مائة سنة، ولم نسمع له بذكر، فقال: إنى عزير أماتنى الله مائة سنة، ثم أحيانى. فقالت: إن عزيراً كان مجاب الدعوة، وكان يدعو للمريض وصاحب البلايا بالعافية، فادع الله أن يرد على َّ بصرى، حتى أراك، فإن كنت عزيراً عرفتك، فدعا ربه ومسح بيده على عينيها بأبصرتا، وأخذ بيدها وقال لها: قومى بإذن الله، فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة، فنظرت إليه وقالت: أشهد أنك عزير، وانطلقت إلى بنى إسرائيل وهم فى أبنيتهم ومجالسهم، ولعزير بن شيخ ابن مائة سنة وثمانى عشرة وبنو ابنيه شيوخ، فنادت: هذا عزير قد جاءكم، فكذبوها. فقالت، أنا فلانة مولاتكم دعى لى عزير ربه فرد بصرى، وأطلق رجلى، وزعم أن الله أماته مائة سنة ثم بعثه، فنهض الناس إليه وقال ابنه: كان لأبى شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فنظر إليها فعرف أنه عزير. ورى أنه لما رجع عزير إلى قويته، وقد أحرق بخت نصر التوراة ولا عهد لهم بها فبكى عزير عليها، فأتاه ملك بإناء فيه ماء فسقاه من ذلك الماء، فصار يقرؤها من صدره، فرجع إلى بنى إسرائيل وقد علمه الله التوراة، وبعثه نبيا، فقال: أنا عزير، فلم يصدقوه، فقال، أنا عزير قد بعثنى الله إليكم لأجدد لكم توراتكم. فقالوا، فأملها علينا فأملاها من ظهر قلبه، فقالوا، ما جعل الله التوراة فى قلبه بعد ذهابه، إلا لكونه ابنه، ورى أنه دخل بيت المقدس، فقال القوم، حدثنا آباؤنا أن عزير ابن شرحيل مات ببابل، وقد كان بخت نصر قتل ببيت المقدس نحو أربعين ألفا من قرأة التوراة وفيهم عزير والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة، فقرأها عليهم، وقوبل بنسخة وجدت فى موضع فما اختلفا فى حرف فقالوا عزير ابن الله.
اطفيش
تفسير : {أَوْ كَالَّذَى} أو أرأيت مثل الذى، والكاف اسم، ولا تختص اسميتها عند القائل بها بدخول عن وحذف أرأيت لدلالة ألم تر، والاستفهام للإنكار، أى ما رأيت مثل الذى... الخ فتعجب منه، أو للتقرير، أى قد رأيته مثل الذى... الخ فتعجب منه، لأنه مثل التعجب، فالكاف مفعول به لرأيت محذوفا، أو معطوفا على الذى كأنه قيل: وإلى كالذى مر، إلا أن اسمية الكاف مختلف فيها، ودخول الجار عليها ينبغى أن يخص بعن، إذ هو الوارد، وأو للتخيير مع صحة الجمع، أو هى بمعنى الواو، والكاف لكثرة من ينكر البعث، أو يجهل كيفيته، بحلاف مدعى الربوبية، أو الكاف صلة، أى: أو أرأيت الذى، أو العطف على المعنى كما يقال له فى غير القرآن عطف توهم، كأنه قيل: أم رترد كالذى حاج، أو كالذى مر... الخ ولتقدم إبراهيم على الخضر وعزير لم يصح ما قيل من أنه عطف على إيت بها من المغرب، أى فأت بها من المغرب، أو أحى كإحياء الله الذى، فيكون إبراهيم قد تعرض لإبطال قوله أحيى وأميت، وكأنه قال: إن كنت تحيى فأحى مثل إحياء الله الذى {مَرَّ} هو عزير بن شرحيا، أو الخضر، أو إسحق بن بشر أو أرميا بن خلفيا من سبط هرون وقيل: أرميا هو الخضر، وقيل المار شعيا، وقيل غلام لوط، أو كافر بالبعث {عَلَى قَرْيَةٍ} قرية بيت المقدس إذ خربه بخت نصر، والقرية التى خرج منها الألوف حذر الموت، ولا يلزم فى اسم القرية أن تكون صغيرة قليلة الناس، ولا سيما أن الاشتقاق من القرآن وهو الجمع، لاجتماع الناس فيها، ولا حد للاجتماع، وقيل: دير سابراياد، وقيل دير هرقل، وقيل: المؤتفكة وقيل: قرية العتب على فرسخين من بيت المقدس، والأشهر الأول {وَهِىَ خَٰوِيَةٌ} على حذف مضاف، أى حيطانها خاوية، أى ساقطة {عَلَى عُرُوشِهَا} سقوفها الأوائل والثوانى، وما فوق ذلك إن تعددت، بأن يسقط السقف، ثم ينهد الجدار عليه، ولزم من ذلك أن أهلها غير موجودين فيها. إذ لا يكونون فيها مع ذلك ولا يتركونها بلا بناء لو لم يذهبوا عنها، إما بالخروج أو بالموت، أو ذلك كناية عن ذهاب أهلها، سواء أسقطت أم لم تسقط، لجواز ألا يوجد معنى ما وضع له اللفظ فى الكناية وعلى متعلق بخاوية كما رأيت، ويجوز تعليقها بمحذوف، أى خاوية عن أهلها، ثابتة على عرشها لم تسقط، فهو خبر ثان، والجملة حال من ضمير مر {قَالَ أَنَّىٰ} كيف أو متى {يُحْيِى هَذِهِ} أى القرية، أى أهلها، أو سمى أهلها بلفظ هذه، أو إحياؤها مجاز عن عمارتها بإحياء أهلها، أو الإشارة إلى العظام البالية {اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} موت أهلها، أو بعد خرابها، سماه موتاً مجازاً، وذلك استعظام من القائل لقدرة الله، إن كان مسلماً كالخضر وعزير، واستبعاد وإنكار إلى إن كان كافرا، أو استبعاد ولو كان مسلما عن طريق العادة، كقوله تعالى: {أية : قالت أنى يكون لى ولد} تفسير : [آل عمران: 47]، {أية : قال رب أنى يكون لى غلام} تفسير : [آل عمران 40]، أو تعجبا أو استفهاما حقيقيا عن الكيفية كقول الخليل عليه السلام، رب أرنى كيف تحيى الموتى {فَأَمَاتَهُ اللهُ مِاْئَةَ عَامٍ} أى ألبته الله مائة عام ميتاً، وذلك يستلزم وقوع الموت قبل الإثبات، وهو لا يكون إلا دفعة، أو يقدر، فأماته الله وألبثه مائة عام أو ولبث مائة عام، ووجه السببية أن الاستفهام أو التعجب أو الإنكار سبب لإرادة القدرة على البعث، وسمى الحول عاماً لأنه قعود الشمس فيه للبروج كلها {ثُمَّ بَعَثَهُ} ليريه الإحياء مع كيفيته من بعث الناقة من مكانها، تمثيلا للسرعة مع أنه أخرجه تام العقل والفهم كهيئته يوم مات {قَالَ} الله بواسطة هاتف من السماء أو جبريل، أو رجل مؤمن شاهده يوم مات، وعمره الله إلى حين إحيائه {كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} تام أول النهار، أو ضحى، فقبض، وأحيى عند الغروب بعد مائة عام، وأو للشك، أو بمعنى، بل ظن أنه بعث بعد اليوم الذى نام فيه، أو بعد فجره ليصح حزمه بتمام اليوم، وإلا لم يصح جزمه مع نقصان ما قبل الضحى منه، إلا إن لم يعده لقلته، وقال بعض، يوم شكا أو إضراباً، إذ رأى بقية الشمس {قَالَ بَلْ لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ} لا يوماً ولا بعض يوم، فالعطف على محذوف، أى ما لبثت ذلك، بل لبثت مائة عام {فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ} تيناً أو عنباً {وَشَرَابِكَ} عصيراً أو لبناً {لَمْ يَتَسَنَّهْ} عائد إلى الأول، ويقدر مثله للثانى، أو يعكس، أو لم يتسنه ما ذكر، أو اعتبر شيئاً واحداً، لافترانهما كما مر فى جعل المن والسلوى طعاماً واحداً، والهاء للسكت، والفعل يتسنن بتشديد النون الأولى، قلبت الثالثة ألفا لكراهة الأمثال، كتقضَّى فى تقضيض وتظنى فى تظنن، وحذفت للجازم، والهاء للسكت، أو من السنة على أن لامه هاء، فلهاء أصل، أى لم تمض عليه سنة أو سنون، أى لم يتصف بما يتصف به ما مرت عليه سنة أو سنون من التغيير. والتسنه عبارة عن مضى السنين، بالغ الإسرائيليون فى الفساد، فسلط الله عليهم بخت نصر، بضم الباء والنون وفتح الصاد مشددة، وبخت بمعنى عطية أو بان ونصر صنم، وجد عند الصنم ولم يعرف له أب، فنسب إليه، جاءهم من بابل بستمائة ألف راية، فخرب بيت المقدس، فقتل ثلثهم وأقر ثلثهم إلى الشام، وسبى ثلثا، وهو مائة ألف، فقسمه بين الملوك الذين معه، فأصاب كل ملك أربعة، وكان عاملا لكهراسف على بابل، وكان عزير ممن سباه، ولما تخلص من السبى ورم على القرية، وكان من أهلها، راكبا على حمار دخلها وطاف بها، فلم يجد أحداً، وغالب أشجارها حامل، فأكل وقطف فى سلة، وعصر فى زق وربط حماره، وألقى الله عليه النوم، وأماته فى نومه، وأمات حماره، وحفظ الله تينه وعصيره، أو لبنه ولحمه والأشجار عن الخلق، ومضت سبعون سنة، فسار ملك عظيم من ملوك فارس، اسمه كوسك، بإرسال الله ملكا من الملائكة، يقول له، إن الله تعالى يأمرك أن تنفر بقومك، فتعمر بيت المقدس وإيليا وأرضها حتى تعود أحسن مما كانت، فانتدب بثلاثة آلاف قهرمان مع كل قهرمان عامل فعمر بيت المقدس أحسن ما كان ورد الله بنى إسرائيل، وعمروه ثلاثين سنة كأحسن ما كان، وكثروا. وقد مات بخت نصر ببعوضة دخلت دماغه، فأحيا الله منه عينيه، ثم شيئاً فشيئاً منه، وهو ينظر ونظر إلى طعامه وشرابه عنده لم يتسنه مع سرعة التغير إلى الطعام غالبا، ثم نظر إلى حماره عظاما متفرقة تلوح، فاجتمعت هى ثم أجزاؤه إليها فأحيا بمشاهدته فقام بنهق كما قال {وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} فنظر إليه عظاما وأجزاءه متفرقة، فعلنا ذلك لتعلم كيف نحيى الموتى، وتمام قدرتنا على إحيائها والأزمة فى الإحياء سواء {وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لّلنَّاسِ} دالة على البعث، أو وفعلنا ذلك لنجعلك وأحوالك وأحوال حمارك آية للناس، أو لنجعلك وما معك آية للناس، فعلنا ذلك. وسماها، أعنى أجزاء الحمار حماراً باعتبار ما كان أو ما يكون {وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ} عظام الحمار، وقبل عظام الحمار وعظام القوم، لا عظام الحمار فقظ كما قيل، وقيل: عظام نفسه، بأن خلق الله الحياة فى قلبه وعينيه وردهما فشاهد جسده عظاما بالية، وشاهد إحياءه، وإنما قلت، أحيا قلبه، لأن العين بلا قلب لا تحس، لكن إن شاء الله أحست، وكرر الأمر بالنظر لأن الأول ليرى أثر المكث الطويل والثانى ليشاهد الإحياء {كَيْفَ نُنْشِزُهَا} فبعثها حية، فالعظم حى يؤثر فيه الموت، كقوله تعالى: قل يحييها، أى من موت، وذلك مذهبنا ومذهب الشافعى، أو نركب بعضاً على بعض، وانظر إلى حمارك سالما محفوظا كطعامك بلا علف ولا ماء، وانظر إلى عظام الآدميين الموتى الذين تعجبت من إحيائهم، والحمار على هذا حقيق، ورجحوا لأول لمناسبته أمر البعث وقد يرجع الثانى لأنه سماه حماراً، أو لم يسمه عظاماً، وفصل بينه وبين قوله، وانظر إلى العظام بقوله: ولنجعلك آية للناس {ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً} فنظر إلى عظام الحمار أو الموتى تنتشر وتكسى لحما، روى أنه نادى ملك، أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعى، فاجتمع كل جزء من أجزائها التى ذهب بها الطير والسباع والرياح، فانضم بعضها إلى بعض، والأعصاب والعروق، واتصل كل بمحله، وانبسط عليه اللحمن ثم الجلد ثم الشعر، ونفخ فيه الروح، وقام رافعاً رأسه وأذنيه ينهق، وروى أنه أقبل ملك يمشى وأخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه الروح فقام حيا {فلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} أن الإحياء أو شأن الإحياء، وهو أى قدر الله المدلول عليه بقوله {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} لا على التنازع، لأن قوله، إن الله على كل شىء قدير مع أَعلم قبله لفظ مفرد بالحكاية، أحاط به القول ولا يشاركه غيره فيه، ولو كان فى الأصل جملتين فإن الله... الخ جزء اسم، وأما أن يشترط للتنازع الارتباط بعطف فلا أقول به، ولو قال به ابن عصفور، وهو باز من بيزان الفن، كما قالوا بالتنازع فى قوله تعالى، {أية : هاؤم اقرءوا كتابيه} تفسير : [الحاقة: 19]، والمراد، أعلم علم مشاهدة ومعاينة بعد العلم بالبرهان، أو المراد بأعلم العلم الاستمرارى السابق والمتأخر والحاضر، وأتى قومه على ذلك الحمار، وقال، أنا عزير فكذبوه، فقرأ التوراة من رأسه، ولم يحفظها أحد قبله، فعرفوه بذلك، وقالوا، هو ابن الله، ويروى أنه رجع إلى بيته شابا وأولاد أولاده شيوخ فإذا حدثهم قالوا حديث مائة سنة فكذبوه، فقال، هاتوا التوراة، فقرأها من رأسه وهم ينظرون فى الكتاب، ولم يزد حرفا ولم ينقص، وكان قبل بخت نصر ببيت المقدس ممن قرأ التوراة أربعون ألف رجل. ولما رجع عزير وجدهم جاهلين بالتوراة فاقدين نسختها، فقرأها عن ظهر الغيب، فقال رجل من أولاد المسلمين ممن ورد بيت المقدس بعد هلاك بخت نصر، حدثنى أبى عن جدى لكم، فذهبوا به إلى كرم جده، ففتشوا فوجدوها، فعرضوها على قراته فما خالف خوفا، وروى أنه حين اسود الرأس واللحية إذ هو ابن أربعين سنة حين أماته الله، وأنكر الناس وأنكروه، وأتى محلته وأنكر المنازل، ووجد فى محلته عجوزا قد أدركت زمن عزير، فقال لها عزير: يا هذه، هذا منزل عزير، قالت: نعم وأين عزير، فقدناه منذ كذا، وبكت شديدا، قال: فإنى عزير، قالت سبحان الله، كيف ذلك، قال: أماتنى الله مائة عام ثم بعثنى. قالت: إن عزيرا محاب الدعاء، فادع الله يرد علىَّ بصرى حتى أراك، فدعا الله، ومسح بين عينيها فأبصرتا، وأخذ بيدها، فقال، قومى بإذن الله، فقامت صحيحة، فنظرت إليه فقالت، أشهد أنك عزير، وانطلقت به إلى محلة بنى إسرائيل، وكان فيهم ابن لعزير بلغ مائة سنة وثمانى عشرة، وبنو بنيه شيوخ، فنادت، هذا عزيز قد جاءكم، فكذبوها، فقالت، انظروا، إنى بدعائه رجعت إلى هذه الحالة، فنهض الناس إليه، فقال ابنه، لقد كان لأبى شامة سوداء بين كتفيه، فنظروا فإذا هو كذلك.
الالوسي
تفسير : {أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ} عطف على سابقه والكاف إما اسمية بمعنى مثل معمولة ـ لأرأيت ـ محذوفاً أي ـ أو أرأيت مثل الذي مر ـ وإلى ذلك ذهب الكسائي والفراء وأبو علي وأكثر/ النحويين وحذف لدلالة {أية : أَلَمْ تَرَ} تفسير : [البقرة: 258] عليه على أنه قد قيل: إن مثال هذا النظم كثيراً ما يحذف منه فعل الرؤية كقوله:شعر : قال لها كلابها أسرعي كاليوم (مطلوباً ولا طالباً) تفسير : وجيء بهذه الكاف للتنبيه على تعدد الشواهد وعدم انحصارها فيما ذكر كما في قولك ـ الفعل الماضي ـ مثل: نصر، وتخصيص هذا بذلك على ما قيل: لأن منكر الإحياء كثير، والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحصى بخلاف مدعي الربوبية، وقيل: إنها زائدة ـ وإلى ذلك ذهب الأخفش ـ أي: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم أو الذي مر الخ، وقيل: إنه عطف محمول على المعنى كأنه قيل: ألم تر كالذي حاج أو كالذي مر وقيل: إنه من كلام إبراهيم عليه السلام ذكره جواباً لمعارضة ذلك الكافر، وتقديره وإن كنت تحي فأحي كإحياء الذي مرّ، ولا يخفى ضعفه للفصل وكثرة التقدير، وإنما لم تجعل الكاف أصلية والعطف على {ٱلَّذِي} نفسه في الآية السابقة لاستلزامه دخول (إلى) على الكاف، وفيه إشكال لأنها إن كانت حرفية فظاهر وإن كانت اسمية فلأنها مشبهة بالحرف في عدم التصرف لا يدخل عليها من الحروف إلا ما ثبت في كلامهم، وهو ـ عن ـ وذلك على قلة أيضاً، وقال بعضهم: إن كلاً من لفظ (ألم تر) و (أرأيت) مستعمل لقصد التعجب إلا أن الأول: تعلق بالمتعجب منه فيقال: ألم تر إلى الذي صنع كذا بمعنى أنظر إليه فتعجب من حاله، والثاني: بمثل المتعجب منه فيقال ـ أرأيت مثل الذي صنع كذا بمعنى أنه من الغرابة بحيث لا يرى له مثل ولا يصح ألم تر إلى مثله إذ يكون المعنى أنظر إلى المثل وتعجب من الذي صنع، ولذا لم يستقم عطفك {ٱلَّذِي مَرَ} على (أية : ٱلَّذِي حَآجَّ )تفسير : [البقرة: 258] ويحتاج إلى التأويل في المعطوف بجعله متعلقاً بمحذوف ـ أي أرأيت كالذي مر ـ فيكون من عطف الجملة أو في المعطوف عليه نظراً إلى أنه في معنى ـ أرأيت كالذي حاج ـ فيصح العطف عليه؛ ومن هذا يعلم أن عدم الاستقامة ليس لمجرد امتناع دخول (إلى) على الكاف بل لو قلت: ألم تر إلى الذي حاج أو مثل الذي مر فعدم الاستقامة بحاله عند من له معرفة بأساليب الكلام، وإن هذا ليس من زيادة الكاف في شيء بل لا بد في التعجب بكلمة (أرأيت) من إثبات كاف، أو ما في معناه ـ ولا يخفى أن هذا من الغرابة بمكان ـ فإن (ألم تر) يستعمل للتعجب مع التشبيه في كلام العرب كما يشير إليه كلام سيبويه، و (أرأيت) كثيراً ما يستعمل بدون الكاف أو ما في معناه، وهو في القرآن كثير وكيف يفرق بينهما بأن الأول تعلق بالمتعجب منه، وفي الثاني بمثله، والمثلية إنما جاءت من ذكر الكاف ولو ذكرت في الأول لكان مثله بلا فرق فهذا مصادرة على المطلوب فليس إلا ما ذكر أولاً سوى أن تقدير (أرأيت) مع الكاف أولى لأن استعماله معها أكثر فتدبر. و (أو) للتخيير أو للتفصيل ـ والمار ـ هو عزيز بن شرخيا ـ كما أخرجه الحاكم عن علي كرم الله تعالى وجهه وإسحاق بن بشر عن ابن عباس وعبد الله بن سلام، وإليه ذهب قتادة وعكرمة والربيع والضحاك والسدي وخلق كثير ـ وقيل: هو أرميا بن خلقيا من سبط هارون عليه السلام ـ وهو المروي عن أبـي جعفر رضي الله تعالى عنه ـ وإليه ذهب وهب، وقيل: هو الخضر عليه السلام ـ وحكي ذلك عن ابن إسحاق ـ وزعم بعضهم أن هذين القولين واحد، وأن أرميا هو الخضر بعينه، وقيل: شعيا، وقيل: غلام لوط عليه السلام، وقال مجاهد: كان المار رجلاً كافراً بالبعث وأيد بنظمه مع نمروذ في سلك واحد حيث سيق الكلام للتعجيب من حالهما، وبأن كلمة الاستبعاد في هذا المقام تشعر بالإنكار ظاهراً وليست هي فيه مثلها في {أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } تفسير : [آل عمران: 40] و {أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌ } تفسير : [آل عمران: 47] وعورض بما بين قصته وقصة إبراهيم الآتية بعد من التناسب المعنوي فإن كليهما طلبا / معاينة الإحياء مع أن ما جرى له في القصة مما يبعد أن يجري مع كافر ـ وإذا انضم إلى ذلك تحريه الظاهر في الاحتراز عن الكذب في القول الصادر قبل التبيين الموجب لإيمانه على زعم من يدعي كفره ـ قوى المعارض جداً، وإن قلنا: بأن دلالة الانتظام في سلك نمروذ على الإيمان أحق لينطبق على التفصيل المقدم في {أية : ٱللَّهِ وَلِىٌّ ٱلَّذِينَ آمنوا}تفسير : [البقرة: 257] الخ حسب ما أشرنا إليه في القيل قبل لم يكد يتوهم القول بالكفر كما لا يخفى، ـ والقرية ـ قال ابن زيد: هي التي خرج منها الألوف، وقال الكلبـي: دير سابراباد، وقال السدي: دير سلما باذ، وقيل: دير هرقل، وقيل: المؤتفكة، وقيل: قرية العنب على فرسخين من بيت المقدس، وقال عكرمة والربيع ووهب: هي بيت المقدس وكان قد خربها بختنصر وهذا هو الأشهر، واشتقاقها من القرى وهو الجمع {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} أي ساقطة على سقوفها بأن سقط السقف أولا ثم تهدمت الجدران عليه، وقيل: المعنى خالية عن أهلها ثابتة على عروشها أي إن بيوتها قائمة والجار والمجرور على الأول متعلق ـ بخاوية ـ وعلى الثاني بمحذوف وقع خبراً بعد خبر ـ لهي ـ والجملة قيل: في موضع الحال من الضمير المستتر في (مرّ) وقيل: من (قرية) ويجيء الحال من النكرة على القلة، وقيل: في موضع الصفة لها ويبعده توسط الواو، ومن الناس من جوز كون {عَلَىٰ عُرُوشِهَا} بدلاً من {قَرْيَةٌ} بإعادة الجار وكونه صفة لها، وجملة {وَهِيَ خَاوِيَةٌ} إما حال من ـ العروش ـ أو من ـ القرية ـ أو من ـ ها ـ والعامل معنى الإضافة والكل مما لا ينبغي حمل التنزيل عليه. {قَالَ} في نفسه أو بلسانه {أَنَّىٰ يُحْىِ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} المشار إليه إما نفس القرية بدون تقدير كما هو الظاهر، فالإحياء والإماتة مجازان عن العمارة والخراب، أو بتقدير مضاف ـ أي أصحاب هذه القرية ـ فالإحياء والإماتة على حقيقتها، وإما عظام القرية البالية وجثثهم المتفرقة، والسياق دال على ذلك، والإحياء والإماتة على حالهما أيضاً، فعلى القول بالمجاز يكون هذا القول على سبيل التلهف والتشوق إلى عمارة تلك القرية لكن مع استشعار اليأس عنها على أبلغ وجه وأوكده ولذا أراه الله تعالى أبعد الأمرين في نفسه ثم في غيره، ثم أراه ما استبعده صريحاً مبالغة في إزاحة ما عسى يختلج في خلده، وعلى القول الثاني يكون اعترافاً بالعجز عن معرفة طريق الإحياء واستعظاماً لقدرة المحي إذا قلنا: إن القائل كان مؤمناً وإنكاراً للقدرة على ذلك إن كان كافراً، ورجح أول الاحتمالات الثلاثة في المشار إليه بأن إرادة إحياء ـ لأهل، أو عظامهم ـ يأباه التعرض لحال القرية دون حال من ذكر، والاقتصار على ذكر موتهم دون كونهم تراباً أو عظاماً نخرة مع كونه أدخل في الاستبعاد لشدة مباينته للحياة وغاية بعده عن قبولها على أنه لم تتعلق إرادته تعالى بإحيائهم كما تعلقت إرادته تعالى بعمارتها ومعاينة المار لها كما ستسمعه، وتقديم المفعول على الفاعل للاعتناء به من حيث إن الاستبعاد ناشىء من جهته لا من جهة الفاعل، و {أَِنّىٰ} نصب على الظرفية إن كانت بمعنى متى، وعلى الحالية من هذه إن كانت بمعنى كيف، والعامل فيه على أي حال {يُحْيِي}. {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ} أي فألبثه ميتاً مائة عام ولا بد من اعتبار هذا التضمين لأن الإماتة بمعنى إخراج الروح وسلب الحياة مما لا تمتد، ـ والعام ـ السنة من العوم وهو السباحة، وسميت بذلك لأن الشمس تعوم في جميع بروجها {ثُمَّ بَعَثَهُ} أي أحياه من بعثت الناقة إذا أقمتها من مكانها، ولعل إيثاره على أحياه للدلالة على سرعته وسهولة/ تأتيه على الباري عز اسمه، وللإيذان بأنه قام كهيئته يوم مات عاقلاً فاهماً مستعداً للنظر والاستدلال وكان ذلك بعد عمارة القرية، ففي «البحر» أنه لما مر له سبعون سنة من موته وقد منعه الله تعالى من السباع والطير ومنع العيون أن تراه أرسل ملكاً إلى ملك عظيم من ملوك فارس يقال له: كوسك فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيليا وأرضها حتى تعود أحسن مما كانت فانتدب الملك في ثلاثة آلاف قهرمان مع كل قهرمان ألف عامل وجعلوا يعمرونها وأهلك الله تعالى بختنصر ببعوضة دخلت دماغه ونجى الله تعالى من بقي من بني إسرائيل وردهم إلى بيت المقدس فعمروها ثلاثين سنة وكثروا حتى كانوا كأحسن ما كانوا عليه فعند ذلك أحياه الله تعالى. {قَالَ} استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا قال له؟ فقيل قال: {كَمْ لَبِثْتَ} ليظهر له العجز عن الإحاطة بشؤون الله تعالى على أتم وجه وتنحسم مادة استبعاده بالمرة و {كَمْ} نصب على الظرفية ومميزها محذوف تقديره: كم وقتاً والناصب له {لَبِثْتُ} والظاهر أن القائل هو الله تعالى، وقيل: هاتف من السماء، وقيل: جبريل، وقيل: نبـي، وقيل: رجل مؤمن شاهده يوم مات وعمر إلى حين إحيائه فيكون الإسناد إليه تعالى مجازاً {قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} قاله بناءاً على التقريب والتخمين أو استقصاراً لمدة لبثه، وقيل: إنه مات ضحى وبعث بعد المائة قبل الغروب فقال قبل النظر إلى الشمس: {يَوْماً} ثم التفت فرأى بقية منها فقال: {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} على الاضراب، واعترض بأنه لا وجه للجزم بتمام اليوم ولو بناءاً على حسبان الغروب لتحقق النقصان من أوله. {قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ} عطف على مقدر أي ما لبثت ذلك القدر بل هذا المقدار {فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ} قيل: كان طعامه عنباً أو تيناً وشرابه عصيراً أو لبناً {لَمْ يَتَسَنَّهْ} أي لم يتغير في هذه المدة المتطاولة، واشتقاقه من ـ السنة ـ وفي لامها اختلاف فقيل: هاء بدليل سانهت فلانا فهو مجزوم بسكون الهاء، وقيل: واو بدليل الجمع على سنوات فهو مجزوم بحذف الآخر والهاء هاء سكت ثبتت في الوقف وفي الوصل لإجرائه مجراه، ويجوز أن يكون التسنه عبارة عن مضي السنين كما هو الأصل ويكون عدم التسنه كناية عن بقائه على حاله غضاً طرياً غير متكرج، وقيل: أصله لم يتسنن ومنه ـ الحمأ المسنون ـ أي الطين المتغير ومتى اجتمع ثلاث حروف متجانسة يقلب أحدها حرف علة كما قالوا في تظننت: تظنيت وفي تقضضت: تقضيت، وقد أبدلت هنا النون الأخيرة في رأي ياء، ثم أبدلت الياء ألفاً، ثم حذفت للجازم والجملة المنفية حال، وقد جاء مثلها بغير واو خلافاً لمن تردد فيه كقوله تعالى: {أية : لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء }تفسير : [آل عمران: 174] و {أية : أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء }تفسير : [الأنعام: 93] وصاحبها إما الطعام والشراب، وإفراد الضمير لإجرائهما مجرى الواحد كالغذاء وإما الأخير واكتفى بدلالة حاله على حال الأول ويؤيده قراءة عبد الله، (وهذا شربك ـ لم يتسنه) ـ وقرأ أبـي ـ لم يسنه ـ بإدغام التاء في السين واستشكل تفرع {فَٱنظُرْ} على ـ لبث المائة ـ بالفاء وهو يقتضي التغير، وأجيب بأن المفرع عليه ليس ـ لبث المائة ـ بل لبث المائة من غير تغير في جسمه حتى ظنه زماناً قليلاً ففرع عليه ما هو أظهر منه وهو عدم تغير الطعام والشراب وبقاء الحيوان حياً من غير غذاء، وقيل: إن التقدير ـ إن حصل لك عدم طمأنينة في أمر البعث ـ فانظر إلى طعامك وشرابك السريع التغير حتى تعرف أن من لم يغيره يقدر على البعث. وفيه نظر لأنه مع كونه خلاف الظاهر يعكر عليه قوله تعالى: {وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ} كيف نخرت عظامه وتفرقت أوصاله وهذا/ هو الظاهر لأنه أدل على الحال وأوفق بما بعده، وكون المراد ـ انظر إليه سالماً في مكانه كما ربطته حفظناه بلا ماء وعلف كما حفظنا الطعام والشراب ـ ليس بشيء ولا يساعده المأثور {وَلِنَجْعَلَكَ} متعلق بمقدر أي وفعلنا ذلك لنجعلك، ومنهم من قدره متأخراً، وقيل: إنه متعلق بما قبله والواو زائدة وعلى تقديره فهو معطوف على {لَبِثْتُ} أو على مقدر بطريق الاستئناف أي فعلنا ذلك لتعاين ما استبعدت أو لتهدى ولنجعلك، وقيل: إنه عطف على {قَالَ} ففيه التفات. {ءايَةً} أي عبرة أو مرشداً {لِلنَّاسِ} أي جنسهم أو من بقي من قومه أو للموجودين في هذا القرن بأن يشاهدوك وأنت من أهل القرون الخالية ويأخذوا عنك ما انطوى عنهم منذ أحقاب من علم التوراة، وفيه دليل على ما ذكر من اللبث المديد ولذلك قرن بينه وبين الأمر بالنظر إلى حماره. {وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ} أي عظام الحمار ـ كما قاله السدي ـ وكرر الأمر لما أن المأمور به أولا هو النظر إليها من حيث الدلالة على المكث المديد، وثانياً: هو النظر إليها من حيث تعتريها الحياة ومباديها، وقيل: عظام أموات أهل القرية، وعن قتادة. والضحاك. والربيع عظام نفسه قالوا: أول ما أحيا الله تعالى منه عيناه وسائر جسده ميت وعظامه نخرة فأمر بالنظر إليها، وقيل: عظامه وعظام حماره والكل لا يعول عليه. {كَيْفَ نُنشِزُهَا} بالزاي المعجمة من الإنشاز وهو الرفع أي كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها من الجسد، وقال الكسائي: نلينها ونعظمها، وقرأ أبيّ (ننشيها)، وابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب ـ ننشرها ـ من أنشر الله تعالى الموتى أحياها ولعل المراد بالإحياء ما تقدم لا معناه الحقيقي لقوله تعالى: {ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا} أي نسترها به كما نستر الجسد باللباس، وقرأ أبان عن عاصم ـ ننشرها ـ بفتح النون وضم الشين والراء وهو حينئذ من النشر ضد الطي ـ كما قال الفراء ـ فالمعنى كيف نبسطها، والجملة قيل: إما حال من العظام أي وانظر إليها مركبة مكسوة لحماً أو بدل اشتمال أي وانظر إلى العظام كيفية إنشازها وبسط اللحم عليها، واعترضت الحالية بأن الجملة استفهامية وهي لا تقع حالا، وأجيب بأن الاستفهام ليس حقيقته فما المانع من الحالية، ولعل عدم التعرض لكيفية نفخ الروح ـ كما قيل ـ لما أنها مما لا تقتضي الحكمة بيانها، وفي بعض الآثار إن ملكاً نادى العظام فأجابت وأقبلت من كل ناحية ثم ألبسها العروق والعصب ثم كساها اللحم ثم أنبت عليها الجلد والشعر ثم نفخ فيه الروح فقام الحمار رافعاً رأسه وأذنيه إلى السماء ناهقاً. {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} أي اتضح اتضاحاً تاماً له ما دل عليه الأمر من كيفية الإحياء بمباديه، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه الأمر المذكور وإنما حذف للإيذان بظهور تحققه واستغنائه عن الذكر وللإشعار بسرعة وقوعه كأنه قيل: فأنشرها الله تعالى وكساها لحماً فنظر إليها فتبين له كيفيته فلما تبين ذلك {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء} ومن جملته ما شوهد {قَدِيرٌ}. وقيل: فاعل (تبين) مضمر يفسره مفعول (أعلم) فالكلام من باب التنازع على مذهب البصريين، وأورد عليه أن شرط التنازع كما نص عليه النحاة اشتراك العاملين بعطف ونحوه بحيث يرتبطان فلا يجوز ضربني أهنت زيداً قيل: وليس بشيء لأنه لم يشترطه إلا ابن عصفور، وقد صرح بازات الفن بخلافه ـ كأبـي علي وغيره ـ مع أنه لم يخص بالعطف إذ هو جار في قوله تعالى: {أية : هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ}تفسير : [الحاقة: 19] و ـ لما ـ رابطة للجملتين فيكفي مثله في/ الربط وإن لم يصرحوا به، ومن الناس من استحسن أن يجعل من باب ما يكون المراد بالفعل نفس وقوعه لا التلبس بالفاعل فكان معناه فلما فلما حصل له التبين قال أعلم الخ، ويساعده قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} على البناء للمفعول، وإيثار صيغة المضارع للدلالة على أن علمه بذلك مستمر نظراً إلى أن أصله لم يتغير بل إنما تبدل بالعيان وصفه، وفيه إشعار بأنه إنما قال ما قال بناءاً على الاستبعاد العادي واستعظاماً للأمر، وقرأ ابن مسعود ـ قيل اعلم ـ على وجه الأمر، وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ {قَالَ أَعْلَمُ} ويقول: لم يكن بأفضل من إبراهيم عليه السلام قال الله تعالى له: {أية : وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ} تفسير : [البقرة: 260] وبذلك قرأ حمزة والكسائي، والآمر هو الله تعالى أو النبـي أو الملك، ويحتمل أن يكون المخاطب هو نفسه على سبيل التجريد مبكتاً لها موبخاً على ما اعتراها من ذلك الاستبعاد. يروى أنه بعد هذا القول قام فركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس وأنكرهم وأنكر منازلهم فانطلق على وهم منهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمة له وكان قد خرج عزير وهي بنت عشرين سنة فقال لها: يا هذه أهذا منزل عزير؟ قالت: نعم وبكت وقالت: ما رأيت أحداً منذ كذا وكذا سنة يذكر عزيراً وقد نسيه الناس قال: فإني أنا عزير قالت: سبحان الله فإن عزيراً قد فقدناه منذ مائة سنة فلم يسمع له بذكر قال: فإني عزير كان الله تعالى أماتني مائة سنة ثم بعثني قالت: فإن عزيراً كان رجلاً مستجاب الدعوة يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء فادع الله تعالى أن يرد عليّ بصري حتى أراك فإن كنت عزيراً عرفتك فدعا ربه ومسح يده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها فقال: قومي بإذن الله تعالى فأطلق الله تعالى رجليها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال فنظرت فقالت: أشهد أنك عزير فانطلقت إلى محلة بني إسرائيل وأنديتهم ومجالسهم، وابن العزير شيخ ابن مائة سنة وثمان عشرة سنة وبنو بنيه شيوخ في المجلس فنادتهم فقالت: هذا عزير قد جاءكم فكذبوها فقالت: أنا فلانة مولاتكم دعا إلى ربه فرد عليّ بصري وأطلق رجلي، وزعم أن الله تعالى كان أماته مائة سنة ثم بعثه فنهض الناس فأقبلوا عليه فنظروا إليه فقال ابنه: كانت لأبـي شامة سوداء بين كتفيه فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير فقالت بنو إسرائيل: فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حدثنا غير عزير وقد حرق بختنصر التوراة ولم يبق منها شيء إلا ما حفظت الرجال فاكتبها لنا وكان أبوه قد دفن التوراة أيام بختنصر في موضع لم يعرفه غير عزير فانطلق بهم إلى ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراة وكان قد عفن الورق ودرس الكتاب فجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله فنزل من السماء شهابان حتى دخلا جوفه فتذكر التوراة فجددها لبني إسرائيل، وفي رواية أنه قرأها عليهم حين طلبوا منه ذلك عن ظهر قلب من غير أن يخرم منها حرفاً فقال رجل من أولاد المسبيين مما ورد بيت المقدس بعد مهلك بختنصر: حدثني أبـي عن جدي أنه دفن التوراة يوم سبينا في خابية في كرم فإن أريتموني كرم جدي أخرجتها لكم فذهبوا إلى كرم جده ففتشوها فوجدوها فعارضوها بما أملى عليهم عزير عن ظهر قلب فما اختلفا في حرف واحد ـ فعند ذلك قالوا: {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 30]، تعالى عن ذلك علواً كبيراً. ومن باب الإشارة والتأويل في الآيات: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ} لأنه في الحقيقة هو الهدى المستفاد من النور القلبـي اللازم للفطرة وهو لا مدخل للإكراه فيه {قَد تَّبَيَّنَ} ووضح {ٱلرُّشْدُ} الذي هو طريق الوحدة وتميز {مِنَ ٱلْغَيّ} الذي هو النظر إلى الأغيار {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ} وهو ما سوى الله تعالى {وَيُؤْمِن بِٱللَّهِ} إيماناً حقيقياً شهودياً {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} التي هي الوحدة الذاتية {لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا} في نفسها/ لأنها الموافقة لما في نفس الأمر والممكنات والشؤون داخلة في دائرتها غير منقطعة عنها {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} يسمع قول كل ذي دين {أية : عَلِيمٌ }تفسير : [البقرة: 256] بنيته {ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} وليس وليّ سواه ولا ناصر ولا معين لهم غيره {يُخْرِجُهُم مّنَ} ظلمات ـ النفس وشبه الخيال والوهم إلى نور اليقين والهداية وفضاء عالم الأرواح {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالميل إلى الأغيار {أَوْلِيَاؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ} الذي حال بينهم وبين الله تعالى فلم يلتفتوا إليه {يُخْرِجُونَهُم مّنَ} نور الاستعداد والهداية الفطرية إلى ظلمات صفات النفس والشكوك والشبهات {أُوْلَـٰئِكَ} المبعدون عن الحضرة {أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ} الطبيعية {أية : هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [البقرة: 257] {أَلَمْ تَرَ ٱلَّذِى حَاجَّ إِبْرٰهِيمَ فِى رِبّهِ} وهو نمروذ النفس الأمارة المجادلة لإبراهيم الروح القدسية التي ألقيت في نار الطبيعة فعادت عليها برداً وسلاماً، أو نمروذ الجبار وإبراهيم الخليل عليه السلام {أَنْ ؤآتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} الذي هو عالم القوى البدنية وملك هذه الدنيا الدنية {إِذْ قَالَ إِبْرٰهِـْمُ} الروح أو إبراهيم الخليل {رَبّي} أي من غذيت ببيان أنواره أو إيجاده وهدايته {ٱلَّذِى يُحْيىْ} من توجه إليه {وَيُمِيتُ} من أعرض عنه، أو يحيـى ويميت الإحياء والإماتة المعهودتين {قَالَ} نمروذ النفس الأمارة، أو الجبار {أناْ أُحْيِىْ} بعض القوى بصرفها في ميادين اللذات واستنشاق ريح الشهوات {وَأُمِيتُ} بعضها بتعطيله عن ذلك برهة، أو أحي بالعفو وأميت بالقتل {قَالَ إِبْرٰهِيمُ} الروح، أو الخليل {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي} بشمس العرفان من مشرقها وهو جانب المبدأ الفياض {فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ} أي أظهرها بعد غروبها وحيلولة أرض الوجود بينك وبينها، أو أن الله ـ يأتي بشمس الروح من مشرقها ـ وهو مبدأها الأصلي فتشرق أنوارها على صفحات البدن ـ فأت بها بعدما غربت ـ أي فأرجعها إلى من قتلته وأمته، وعلى هذا يكون من تتمة الأول {فَبُهِتَ} وغلب {أية : ٱلَّذِى كَفَرَ }تفسير : [البقرة: 258] وهو النفس الأمارة المدعية للربوبية على عرش البدن أو نمروذ اللعين {أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ} وهو العقل الإنساني {عَلَىٰ قَرْيَةٍ} القلب الذي هو البيت المقدس، أو هو عزير النبـي وكان قدم على بيت المقدس قبل التجلي باسمه تعالى المحيـى {وَهِىَ خَاوِيَةٌ} خالية من التجليات النافعة ثابتة {عَلَىٰ عُرُوشِهَا} صورها أو ساقطة منهدمة لضعف أس الاستعداد على عروش العزائم {قَالَ} لذهوله عن النظر إلى الحقائق {أِنَّى} متى، أو كيف {يُحْيِ هَـٰذِهِ} القرية {ٱللَّهَ} الجامع لصفات الجمال والجلال {بَعْدَ مَوْتِهَا} بداء الجهل والالتفات إلى السوى {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ} أبقاه جاهلاً {مِئَةَ عَامٍ} أي مدة طويلة، وقيل: هي عبارة في الأصل عن ثمانية أعوام وأربعة أشهر أو خمسة وعشرين سنة {ثُمَّ بَعَثَهُ} بالحياة الحقيقية وطلب منه الوقوف على مدة اللبث فما ظنها ـ إلا يوماً أو بعض يوم ـ استصغاراً لمدة اللبث في موت الجهل المنقضية بالنسبة إلى الحياة الأبدية، أو أماته بالموت الإرادي في إحدى المدد المذكورة فتكون المدة زمان رياضته وسلوكه ومجاهدته في سبيل الله تعالى، أو أماته حتف أنفه بالموت الطبيعي ثم بعثه بالإحياء قال: بل لبثت في الحقيقة مائة عام {فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ} وكان التين أو العنب، والأول: إشارة إلى المدركات الكلية لكونه لباً كله وكون الجزئيات فيه بالقوة كالحبات التي في التين، والثاني: إشارة إلى الجزئيات لبقاء اللواحق المادية معها في الإدراك كالقشر والعجم {وَشَرَابِكَ} وكان عصير العنب أو اللبن، والأول: إشارة إلى العشق والإرادة وعلوم المعارف والحقائق، والثاني: إشارة إلى العلم النافع كالشرائع {لَمْ يَتَسَنَّهْ} أي لم يتغير عما كان في الأول بحسب الفطر مودعاً فيك فإن العلوم مخزونة في كل نفس بحسب استعداده والناس معادن كمعادن الذهب والفضة وإن حجبت بالمواد وخفيت مدة بالتقلب في البرازخ وظلماتها لم تبطل ولم تتغير عن حالها حتى إذا رفع الحجاب ظهرت كما كانت {وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ} وهو القالب الحامل للقلب أو/ المعنى الظاهر {وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً} أي دليلاً {لِلنَّاس} بعثناك {وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ} من القوى {كَيْفَ نُنشِزُهَا} ونرفعها عن أرض الطبيعة {ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا} وهو العرفان الذي يكون لباساً لها، وعبر عنه باللحم لنموه وزيادته كلما تغذت الروح بأطعمة الشهود وأشربة الوصال، والمعنى الظاهر ظاهر {فَلَمَّا تَبَيَّنَ} ووضح {لَهُ} ذلك {قَالَ أَعْلَمُ} علماً مستمراً {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء} ومن جملته ما كان {قَدِيرٌ} [البقرة: 259] لا يستعصي عليه ولا يعجزه.
ابن عاشور
تفسير : تَخيير في التشبيه على طريقة التشبيه، وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى: { أية : أو كصيب من السماء } تفسير : [البقرة: 19] لأنّ قوله: { أية : ألم تر إلى الذي حاجَ إبرهيم } تفسير : [البقرة: 258] في معنى التمثيل والتشبيه كما تقدم، وهو مراد صاحب «الكشاف» بقوله: «ويجوز أن يحمل على المعنى دون اللفظ كأنه قيل: أرأيت كالذي حاجَّ أو كالذي مرَّ» وإذ قد قرّر بالآية قبلها ثبوت انفراد الله بالإلاٰهية، وذلك أصل الإسلام، أعقب بإثبات البعث الذي إنكاره أصل أهل الإشراك. واعلم أنّ العرب تستعمل الصيغتين في التعجّب: يقولون ألم تر إلى كذا، ويقولون أرأيتَ مثل كذا أو ككَذا، وقد يقال ألم تر ككذا لأنّهم يقولون لم أر كاليوم في الخير أو في الشر، وفي الحَديث «فلم أَره كاليوم مَنْظَرا قط»، وإذا كان ذلك يقال في الخير جاز أن يدخل عليه الاستفهام فتقول: ألم تر كاليوم ــــــ في الخير والشر ــــــ، وحيث حذف الفعل المستفهَم عنه فلك أن تقدره على الوجهين، ومال صاحب «الكشاف» إلى تقديره: أرأيتَ كالذي لأنّه الغالب في التعجّب مع كاف التشبيه. والذي مر على قريةٍ قيل هو أرْمِيَا بن حلقيا، وقيل هو عُزَير بن شرخيا (عزرا بن سَرَّيَّا). والقرية بيت المقدس في أكثر الأقوال، والذي يظهر لي أنّه حزقيال ابن بوزي نبيء إسرائيل كان معاصراً لأرميا ودانيال وكان من جملة الذين أسرهم بختنصر إلى بابل في أوائل القرن السادس قبل المسيح، وذلك أنه لما رأى عزم بختنصر على استئصال اليهود وجمعه آثار الهيكل ليأتي بها إلى بابل، جمع كتب شريعة موسى وتابوتَ العهد وعصَا موسى ورماها في بئر في أورشليم خشية أن يحرقها بختنصر، ولعله اتّخذ علامة يعرفها بها وجعلها سراً بينه وبين أنبياء زمانِه وورثتهم من الأنبياء. فلما أخرج إلى بابل بقي هنالك وكتب كتاباً في مَراءً رآها وَحْيا تدل على مصائب اليهودِ وما يرجى لهم من الخلاص، وكان آخر ما كتبه في السنة الخامسة والعشرين بعد سبي اليهود، ولم يعرف له خبر بعدُ كما ورد في تاريخهم، ويظن أنّه مات أو قُتل. ومن جملة ما كتبه «أخْرَجَنِي روحُ الرب وأنزلني في وسط البقعة وهي ملآنة عظاماً كثيرة وأمّرَني عليها وإذا تلك البقعة يابسة فقال لي: أتَحيَى هذه العظامُ؟ فقلت: يا سيدي الرّب أنتَ تعلم. فقال لي: تنبأْ على هذه العظام وقل لها: أيتها العظام اليابسة اسمعي كلمة الرب قال ها أنا ذا أدخل فيكم الروح وأضع عليكم عصباً وأكسوكم لحماً وجلداً. فتنبأت، كما أمرني فتقاربتْ العظام كل عظم إلى عظمه، ونظرت وإذا باللحم والعصب كساها وبسط الجلد عليها من فوق ودخل فيهم الروح فحيُوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جداً». ولما كانت رؤيا الأنبياء وحيا فلا شكّ أن الله لما أعاد عُمران أورشليم في عهد عزرا النبي في حدود سنة450 قبل المسيح أحيا النبي حزقيال ــــــ عليه السلام ــــــ ليرى مصداق نبوته، وأراه إحياء العظام، وأراه آية في طعامه وشرابه وحماره ــــــ وهذه مخاطبة بين الخالق وبعض أصفيائه على طريق المعجزة ــــــ وجعل خبره آية للناس من أهل الإيمان الذين يوقنون بما أخبرهم الله تعالى، أو لقوم أطلعهم الله على ذلك من أصفيائه، أو لأهل القرية التي كان فيها وفُقِد من بينهم فجاءهم بعد مائة سنة وتحققه من يعرفه بصفاته، فيكون قوله تعالى: {مرّ على قرية} إشارة إلى قوله: «أخرجني روح الرب وأمّرني عليها». فقوله: {قال أنَّى يحيي هذه الله} إشارة إلى قوله أتحيي هذه العظام فقلت يا سيدي أنت تعلم لأنّ كلامه هذا ينبىء باستبعاد إحيائها، ويكون قوله تعالى: {فأماته الله مائة عام} إلخ مما زاده القرآن من البيان على ما في كتب اليهود لأنّهم كتبوها بعد مرور أزمنة، ويظن من هنا أنّه مات في حدود سنة 560 قبل المسيح، وكان تجديد أورشليم في حدود 458 فتلك مائة سنة تقريباً، ويكون قوله: {وانظر إلى العظام كيف ننشرها ثم نكسوها لحمَا} تذكرة له بتلك النبوءة وهي تجديد مدينة إسرائيل. وقوله: {وهي خاوية على عروشها} الخاوية: الفارغة من السكان والبناء. والعروش جمع عرش وهو السقف. والظرف مستقرٌ في موضع الحال، والمعنى أنّها خاوية ساقطة على سقفها وذلك أشدّ الخراب لأنّ أول ما يسقط من البناء السُقُف ثم تسقط الجدران على تلك السُقُف. والقرية هي بيت المقدس رآها في نومه كذلك أو رآها حين خربها رسل بختنصر، والظاهر الأول لأنّه كان ممن سُبي مع (يهويا قيم) ملكِ إسرائيل وهو لم يقع التخريب في زمنه بل وقع رفي زمن (صدقيا) أخيه بعد إحدى عشرة سنة. وقوله: {أنّى يحيي هذه الله بعد موتها} استفهامُ إنكار واستبعاد، وقوله: {فأماته الله} التعقيب فيه بحسب المعقب فلا يلزم أن يكون أماته في وقت قوله: {أنَّى يحيي هذه الله}. وقد قيل: إنّه نام فأماته الله في نومه. وقوله: {ثم بعثه} أي أحياه وهي حياة خاصة ردّت بها روحه إلى جسده؛ لأنّ جسده لم يبلَ كسائر الأنبياء، وهذا بعث خارق للعادة وهو غير بعث الحشر. وقوله: {لبثت يوماً أو بعض يوم} اعتقد ذلك بعلم أودعه الله فيه أو لأنّه تذكر أنّه نام في أول النهار ووجد الوقت الذي أفاق فيه آخر نهار. وقوله: {فانظر إلى طعامك} تفريع على قوله: {لبثت مائة عام}. والأمرُ بالنظر أمر للاعتبار أي فانظُره في حال أنّه لم يتسنه، والظاهر أنّ الطعام والشراب كانا معه حين أميت أو كانا موضوعين في قبره إذا كان من أمة أو في بلد يضعون الطعام للموتى المكرّمين كما يفعل المصريون القدماء، أو كان معه طعام حين خرج فأماته الله في نومه كما قيل ذلك. ومعنى {لم يتسنه} لم يتغيّر، وأصله مشتق من السَّنَة لأنّ مر السنين يوجب التغيّر وهو مثل تحجَّرَ الطين، والهاء أصلية لا هاء سكت، وربما عاملوا هَاء سنة معاملة التاء في الاشتقاق فقالوا أسنت فلان إذا أصابته سنة أي مجاعة، قال مطرود الخزاعي، أو ابن الزبعري: شعر : عَمْرُو الذي هشَم الثريدَ لقومِه قومٍ بمَكَة مُسنتين عجافِ تفسير : وقوله: {وانظر إلى حمارك} قيل: كان حماره قد بلي فلم تبق إلاّ عظامه فأحياه الله أمامه. ولم يؤت مع قوله: {وانظر إلى حمارك} بذكر الحالة التي هي محل الاعتبار لأنّ مجرد النظر إليه كاف، فإنه رآه عظاماً ثم رآه حيا، ولعلّه هلك فبقي بتلك الساحة التي كان فيها حزقيال بعيداً عن العُمران، وقد جمع الله له أنواع الإحياء إذْ أحيى جسده بنفخ الروح ــــــ عن غير إعادة ــــــ وأحيى طعامه بحفظه من التغيّر وأحيىٰ حماره بالإعادة فكان آية عظيمة للناس الموقنين بذلك، ولعلّ الله أطْلَع على ذلك الإحياءِ بعض الأحياء من أصفيائه. فقوله: {ولنجعلك آية} معطوف على مقدر دل عليه قوله {فانظر إلى طعامك} وانظر إلى حمارك؛ فإن الأمر فيه للاعتبار لأنّه ناظر إلى ذلك لا محالة، والمقصود اعتباره في استبعاده أن يُحيي الله القرية بعد موتها، فكان من قوة الكلام انظر إلى ما ذكر جعلناه آية لك على البعث وجعلناك آية للناس لأنّهم لم يروا طعامه وشرابَه وحماره، ولكن رأوا ذاته وتحققّوه بصفاته. ثم قال له: {وانظر إلى العظام كيف ننشرها}، والظاهر أنّ المراد عظام بعض الآدميين الذين هلكوا، أو أراد عظام الحمار فتكون (أل) عوضاً عن المضاف إليه فيكون قوله {إلى العظام} في قوة البدل {من حمارك} إلاّ أنّه برز فيه العامل المنويّ تكريرُه. وقرأ جمهور العشرة {نُنْشِرها} بالرّاء مضارع أنْشَر الرباعي بمعنى الإحياء. وقرأه ابن عامر وحمزة وعاصم والكسائي وخلف: {نُنشِزها} ــــــ بالزاي ــــــ مضارع أنشزه إذا رفعه، والنشز الارتفاع، والمراد ارتفاعها حين تغلظ بإحاطة العصب واللحم والدم بها فحصل من القراءتين معنيان لكملة واحدة، وفي كتاب (حزقيال) «فتقاربت العِظام كل عظم إلى عظمه، ونظرتُ وإذا بالعصب واللحم كساها وبسط الجلد عليها». وقوله: {قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} قرأ الجمهور أعلم بهمزة قطع على أنّه مضارع عَلم فيكون جوابَ الذي مر على قرية عن قول الله له {فانظر إلى طعامك} الآية، وجاء بالمضارع ليدل على ما في كلام هذا النبي من الدلالة على تجدد علمه بذلك لأنه عَلمِه في قبلُ وتجدد علمه إياه. وقرأه حمزة والكسائي بهمزة وصل على أنه من كلام الله تعالى، وكان الظاهر أن يكون معطوفاً على {فانظر إلى طعامك} لكنّه ترك عطفه لأنّه جُعل كالنتيجة للاستدلال بقوله: {فانظر إلى طعامك وشرابك} الآية.
الواحدي
تفسير : {أو كالذي مرَّ على قرية} [عطفٌ على المعنى لا على اللفظ، كأنه قال: أرأيت الذي حاجَّ، أو كالذي مرَّ] وهو عزيرٌ {على قرية} وهي إيليا {وهي خاوية} ساقطةٌ مُتهدِّمةٌ {على عروشها} أي: سقوفها {قال: أنى يحيي هذه الله} أَيْ: من أين يُحيي هذه الله {بعد موتها} يعمرها بعد خرابها؟! استبعد أَنْ يفعل الله ذلك، فأحبَّ الله أن يُريه آيةً في نفسه في إحياء القرية {فأماته الله مائة عام} وذلك أنه مرَّ بهذه القرية على حمارٍ ومعه ركوة عصيرٍ، وسلةُ تينٍ، فربط حماره، وألقى الله عزَّ وجلَّ عليه النَّوم، فلمَّا نام نزع الله عزَّ وجلَّ روحه مائة سنةٍ، فلمَّا مضت مائة سنةٍ أحياه الله تعالى، وذلك قوله: {ثمَّ بعثه} {قال كم لبثت} كم أقمت ومكثت ها هنا؟ {قال: لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك} أَي: التِّين {و} إلى {شرابك} أي: العصير {لم يتسنَّه} أَيْ: لم يتغيَّر ولم ينتن بعد مائة سنةٍ، وأراه علامة مكثه مائة سنةٍ. ببلى عظام حماره، فقال: {وانظر إلى حمارك} فرأى حماره ميتاً، عظامه بيضٌ تلوح {ولنجعلك آية للناس} الواو زائدة، والمعنى: لبثتَ مائة عامٍ لنجعلك آيةً للنَّاس، وكونه آيةً أَنْ بعثه شابّاً أسود الرَّأس واللِّحية، وبنو بنيه شِيبٌ {وانظر إلى العظام} أَيْ: عظام حماره {كيف نُنْشِزُها} أَيْ: نحييها، يقال: أَنشرَ اللَّهُ الموتى، وقرىء: {ننشزها} أَيْ: نرفعها من الأرض، ونشوز كلِّ شيءٍ: ارتفاعه {ثم نكسوها لحماً فلما تبيَّن له} شاهدَ ذلك {قال: أعلم أنَّ الله على كلِّ شيء قدير} أَيْ: أعلم العلم الذي لا يعترض عليه الإِشكال، وتأويله: إنِّي قد علمت مُشاهدةً ما كنت أعلمه غيباً. {وإذ قال إبراهيم ربِّ أرني كيف تحيي الموتى} وذلك أنَّه رأى جيفةً ساحل البحر يتناولها سباع الطير والوحش ودوابُّ البحر، ففكَّر كيف يجتمع ما قد تفرَّق منها، وأحبَّ أن يرى ذلك، فسأل الله تعالى أن يُريه إحياء الموتى، فقال الله تعالى: {أو لم تؤمن} ألست آمنت بذلك؟ {قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} بالمُعاينة بعد الإِيمان بالغيب {قال: فخذ أربعة من الطير} طاوُساً ونسراً وغراباً وديكاً {فصرهنَّ إليك} أَيْ: قطِّعهنَّ، كأنَّه قال: خذ إليك أربعة من الطَّير فقطعهنَّ {ثمَّ اجعل على كلِّ جبلٍ منهنَّ جزءاً} ثمَّ أُمر أن يخلط ريشها ولحومها، ثمَّ يفرِّق أجزاءها بأن يجعلها على أربعة أجبلٍ ففعل ذلك إبراهيم، وأمسك رؤوسهنَّ عنده، ثمَّ دعاهنَّ فقال: تعالين بإذن الله، فجعلت أجزاء الطُّيور يطير بعضها إلى بعض حتى تكاملت أجزاؤها، ثمَّ أقبلن على رؤوسهنّ فذلك قوله: {ثم ادعهنَّ يأتينك سعياً واعلم أنّ الله عزيز} لا يمتنع عليه ما يريد {حكيم} فيما يدبِّر، فلمَّا ذكر الدَّلالة على توحيده بما أتى الرُّسل من البيِّنات حثٍّ على الجهاد والإِنفاق فيه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 259- ثم تَدَبَّرْ فى مثل هذه القصة العجيبة، قصة الذى مرَّ على قرية متهدمة سقطت سقوفها وهدمت حيطانها وهلك أهلها، فقال: كيف يحيى الله أهل هذه القرية بعد موتهم؟ فأماته الله وأبقاه على موته مائة عام ثم بعثه ليظهر له سهولة البعث ويزول استبعاده، ثم سئل أى مدة مكثتها ميتاً؟ قال - غير شاعر بطول المدة -: يوماً أو بعض يوم، قيل له بل مكثت على هذه الحالة مائة عام، ثم لفت الله نظره إلى أمر آخر من دلائل قدرته فقال له: فانظر إلى طعامك لم يفسد، وإلى شرابك لم يتغير، وانظر إلى حمارك أيضاً، وقد فعلنا ذلك لتعاين ما استبعدته من إحياء بعد الموت ولنجعلك آية ناطقة للناس تدل على صدق البعث، ثم أمره الله أن ينظر إلى عجيب خلقه للأحياء، وكيف يركِّب عظامها، ثم يكسوها لحما، ثم ينفخ فيها الروح فتتحرك، فلما وضحت له قدرته وسهولة البعث، قال: أعلم أن الله قادر على كل شئ. 260- واذكر كذلك قصة إبراهيم إذ قال إبراهيم: رب أرنى كيفية إحياء الموتى، فسأله ربه عن إيمانه بإحياء الموتى ليجيب إبراهيم بما يزيل كل الشك فى إيمانه، فقال الله له: أو لم تؤمن بإحياء الموتى؟ قال: إنى آمنت ولكنى طلبت ذلك ليزداد اطمئنان قلبى. قال: فخذ أربعة من الطير الحى فضمها إليك لتعرفهنَّ جيداً، ثم جَزِّئهن بعد ذبحهن، واجعل على كل جبل من الجبال المجاورة جزءا منهن، ثم نادهنَّ فسيأتينك ساعيات وفيهنَّ الحياة كما هى، واعلم أن الله لا يعجز عن شئ، وهو ذو حكمة بالغة فى كل أمر.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قرية: مدينة لم يذكر الله تعالى اسمها فلا يبحث عنها لعدم جدوى معرفتها. خاوية: فارغة من سكانها ساقطة عروشها على مبانيها وجدرانها. أنّى يحيي: كيف يحيي. بعد موتها: بعد خوائها وسقوطها على عروشها. لبثت: مكثت وأقمت. لم يتسنه: لم يتغير بمر السنين عليه. آية: علامة على قدرة الله على بعث الناس أحياء يوم القيامة. ننشزها: في قراءة ورش ننشرها بمعنى نحييها بعد موتها. وننشزها نرفعها ونجمعها لتكون حماراً كما كانت. معنى الآية: هذا مثل آخر معطوف على الأول الذي تجلت فيه على حقيقتها ولاية الله لإِبراهيم حيث أيده بالحجة القاطعة ونصره على عدوه النمرود قال تعالى: {أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ} فارغة من سكانها ساقطة سقوفها على مبانيها فقال المارّ بها مُستبعداً حياتها مرة ثانية: كيف يحيي الله هذه القرية بعد خرابها؟ فأماته الله مائة عام ثم أحياه، وسأله: كم لبثت؟ قال: حسب عادة من نام في يوم واستيقظ فيه فإنه يرى أنه نام يوماً أو بعض يوم. فأجابه مُصَوِّباً له فهمه: بل لبثت مائة عام، ولكي تقتنع بما أخبرت به فانظر إلى طعامك وكان سلة من تين، وشرابك وكان عصيراً من عنب فإنه لم يتغير طعمه ولا لونه وقد مر عليه قرن من الزمن، وانظر إلى حمارك فإنه هلك بمرور الزمن ولم يبق منه إلا عظامه تلوح بيضاء فهذا دليل قاطع على موته وفنائه، لمرور مائة سنة عليه، وانظر إلى العظام كيف نجمعها ونكسوها لحماً فإذا هي حمارك الذي كنت تركبه من مائة سنة ونمت وتركته إلى جانبك يرتع، وتجلت قدرة الله تعالى في عدم تغير الذي جرت العادة أنه يتغير في ظرف يوم واحد وهو سلة التين وشراب العصير. وفي تغير الذي جرت العادة أنه لا يتغير إلا في عشرات الأعوام، وهو الحمار. كما هي ظاهرة في موت صاحبهما وحياته بعد لبثه على وجه الأرض ميتاً لم يعثر عليه أحد طيلة مائة عام. وقال له الرب تبارك وتعالى بعد أن وقفه على مظاهر قدرته فعلنا هذا بك لنريك قدرتنا على إحياء القرية متى أردنا إحياءها ولنجعلك في قصتك هذه آية للناس، تهديهم إلى الإِيمان بنا وتوحيدنا في عبادتنا وقدرتنا على البعث الآخر الذي لا ريب فيه لتجزى كل نفس بما كسبت. وأخيراً لما لاحت أنوار ولاية الله في قلب هذا العبد المؤمن الذي أثار تعجبه خراب القرية فاستبعد حياتها قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير، فهذا مصداق قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [البقرة: 257]. هداية الآية من هداية الآية: 1- جواز طروء استبعاد ما يؤمن به العبد أنه حق وكائن، كما استبعد هذا المؤمن المار بالقرية حياة القرية مرة أخرى بعد ما شاهد من خرابها وخوائها. 2- عظيم قدرة الله تعالى بحيث لا يعجزه تعالى شيء وهو على كل شيء قدير. 3- ثبوت البعث الآخر وتقريره. 4- ولاية الله تعالى للعبد المؤمن التقي تجلت في إذهاب الظلمة التي ظهرت على قلب المؤمن باستبعاده قدره الله على إحياء القرية، فأراه الله تعالى من مظاهر قدرته ما صرح به في قوله: {أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
القطان
تفسير : القرية: معروفة، وقد تطلق على البلد الكبير. وهنا لم يحدد مكانها، ولم يرد خبر صحيح عن مواضعها. خاوية على عروشها: خالية وساقطة على سقوفها. ويقال العروش هي الأبنية أيضا. لم يتسنّه: لم يتغير ولم يفسد ننشزها: نجعلها ترتفع، ثم نكسوها اللحم. في هذه الآية الكريمة والتي بعدها يعرض علينا الله سبحانه بعض أسرار الحياة والموت. فالموتُ نتيجة حتمية لهذه الحياة، بل هو ظاهرة طبيعية مكملة لصفات الكائن الحي. فكما تتصف الأحياء بالنمو والتكاثر والحركة تتصف أيضاً بالضعف والفناء. وبين الآية السابقة {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ} وهذه الآيةِ عطف. فيقول: ألم تعلم بهذه القصة العجيبة، قصة ذلك الرجل الذي مر على قرية متهدمة سقطت سقوفها وهلك أهلها، فقال متعجبا: كيف يحيي الله أهل هذه القرية بعد موتهم! وكيف تعمرُ هذه القرية بعد خرابها! فأماته الله مائة عام، ثم بعثه حتى يبيّن له سهولة البعث على الله. وبعد ذلك سُئل: كم المدة التي لبثْتَها ميتا؟ قال، وهو لا يعلم: قد مكثت يوما أو بعض يوم. فقال له الله: بل مكثتَ مائة عام. ثم وجّه نظره الى أمر آخر من دلائل قدرته فقال له: انظر الى طعامك لم يفسد ولم يتغير، وكذلك شرابك. وانظر الى حمارك أيضاً كيف نخرتْ عظامه وتقطعت أوصاله حتى تستيقن طول المدة التي مكثتها وتؤمن بالإحياء بعد الموت. ولنجعلَكَ آيةً ناطقة للناس بالبعث. انظر الى العظم كيف نركّبه ونجعله ينمو ثم نكسوه اللحم ثم ننفخ فيه الروح فتتحرك. لقد أطلعناك على بعض آياتنا الدالة على قدرتنا على البعث، لتعلم ان الله تعالى قادر على ان يعيد العمران للقرية ويعمرها بالناس والحيوان. وأن ذلك القادر على الإحياء بعد مائة عام هو قادر عليه بعد آلاف السنين. و{كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ}. فلما ظهر له إحياء الميت عياناً قال: إن الله على كل شيء قدير. القراءات: قرأ حمزة والكسائي "لم يتسن" بغير الهاء. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب "ننشرها" بالراء المهملة من أنشر، وقرأ حمزة والكسائي: "اعلم" بصيغة الأمر.
د. أسعد حومد
تفسير : {يُحْيِـي} {آيَةً} (259) - واذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ مَثَلاً مِنَ الأمْثَالِ البَالِغَةِ الغَرَابَةِ، وَهُوَ مَثَلُ الرَّجُلِ الذِي مَرَّ عَلَى قَرْيةٍ خَالِيَةٍ مِنْ سُكَّانِهَا (وَقِيلَ هِيَ بَيْتُ المَقْدِسِ بَعْدَ أنْ خَرَّبَها بَخْتَنَصَّرُ) وَقَدْ خَرِبَتْ وَسَقَطَتْ سُقُوفُها عَلَى عَرْصَاتِها، فأخَذ يَتَفَكَّرُ فِيمَا آلَ إليهِ حَالُها، وَقَدْ كَانَتْ عَامِرَةً فِيمَا سَلَفَ مِنَ الأَزْمَانِ، وَسَأَلَ نَفْسَهُ كَيْفَ (أَنَّى) يَسْتَطِيعُ اللهُ أنْ يُحْيِيَ هَذِهِ القَرْيَةَ، وَيُعِيدَها إلى مَا كَانَتْ عَلَيهِ مِنْ عُمْرانٍ وَسُكَّانٍ. فَأَمَاتَهُ اللهُ تَعَالَى مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ، وَقَدْ عَمَرَتِ المَدِينَةُ، وَتَكَامَلَ سَاكِنُوهَا. وَسَألَهُ اللهُ تَعَالَى كَمْ لَبِثْتَ؟ قَالَ: يَوْمَاً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامِ. فَانْظُرْ إلى مَا كَانَ مَعكَ مِنْ طَعَامٍ وَشَرابٍ وَفَاكِهَةٍ لَمْ يَتَعَطَّلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَمْ يَفْسُدْ. وَانْظُرْ إلى حِمَارِكَ الذِي نَخِرَتْ عِظَامُهُ، وَتَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ، كَيْفَ يُحيِيهِ اللهُ، وَأَنْتَ تَنْظُرُ إليهِ، وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً عَلَى قُدْرَتِنا عَلَى بَعْثِ العِبَادِ يَوْمَ المَعَادِ، وَنُزِيلَ بِذَلِكََ تَعَجُّبَكَ، وَنُرِيَكَ آيَاتِنا فِي نَفْسِكَ وَطَعَامِكَ وَشَرَابِكَ. وَانْظُرْ إلى عِظَامِ الحِمَارِ كَيْفَ نَرْفَعُها (نُنْشِزُها) فَيَرْكَبُ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ثُمَّ نَكْسُو العِظَامَ لَحْماً. وَالقَادِرُ عَلَى أنْ يَكْسُوَ هَذِهِ العِظَامَ لَحْماً، وَيَمُدَّهَا بِالحَيَاةِ، وَيَجْعَلَها أَصْلاً لِجِسْمٍ حَيٍّ، قَادِرٌ عَلَى أنْ يُحيِيَ هَذِهِ القَرْيَةَ. فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلُ ذَلِكَ بِعَينِهِ قَالَ: إِنَّنِي أَعْلَمُ بِأنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَقَدْ رَأيْتُ ذَلِكَ بِعَيْنِي. خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا - سَاقِطَةٌ عَلَى سُقُوفِها التِي سَقَطَتْ. أنَّى يُحْيِي - كَيْفَ أوْ مَتَى يُحْيِي. لَمْ يَتَسَنَّهْ - لَمْ يَتَغَيَّرْ مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ عَلَيهِ. نُنْشِزُهَا - نَرْفَعُهَا مِنَ الأَرْضِ لنُؤلِّفَهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وعندما ننظر إلى بداية الآية نجدها تبدأ بـ"أو"، وما بعد "أو" يكون معطوفاً على ما قبلها، فكأن الحق يريد أن يقول لنا: أو (ألم تر) إلى مثل الذي مر على قرية. وعندما تسمع كلمة "قرية" فإنها تفيد تجمع جماعة من الناس يسكنون في مكان محدود، ونفهم أن الذي مر على هذه القرية ليس من سكانها، إنما هو قد مر عليها سياحة في رحلة. ونلحظ كذلك أن الحق سبحانه لم يشأ أن يأتي لنا باسم القرية أو باسم الذي مر عليها. قال البعض: إنه هو أرمياء بن حلقيا أو هو الخضر، أو هو عزير، وقد قلنا من قبل: إنه إذا أبهم الحق فمعناه: لا تشخص الأمر، فيمكن لأي أحد أن يحدث معه هذا. {أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ} [البقرة: 259]. وقالوا: إنها بيت المقدس، {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} [البقرة: 259] وحتى نفهم معنى خاوية على عروشها، لنا أن نعرف أنني عندما أقول: "أنا خويان" أي "أنا بطني خاوية": "جوعان" فـ"خاوية" المقصود بها أنها قرية خالية من السكان، وقد تكون أبنيتها منصوبة، لكن ليس فيها سكان، والحق بقوله عن تلك القرية: إنها خاوية على عروشها، و"العرش" يُطلق على البيت من الخيام، ويطلق كما نعرف على السقف، فإذا قال: {خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} [البقرة: 259] أي أنّ العرش قد سقط أولاً، ثم سقطت الجدران عليه، مثلما نقول في لغتنا العامية: "جاب عاليها على واطيها". وعندما يمر إنسان على قرية مثل هذه القرية فلا بد أن مشهدها يكون شيئاً لافتا للنظر، قال: {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} [البقرة: 259] فكأنه يسأل عن القرية، وعن إماتة وإحياء الناس الذين يسكنون القرية. والحق حين يذكر القرية في القرآن فهو يقصد في بعض الأحيان الحديث عن أهلها مثل قوله تعالى:{أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}تفسير : [يوسف: 82]. إن أبناء يعقوب عليه السلام حين عادوا من مصر وتركوا أخاهم الأصغر مع يوسف عليه السلام قالوا لأبيهم: أرسل من يأتيك بشهادة أهل مصر واسأل بنفسك زملاءنا الذين كانوا معنا في القافلة، وسيقولون لك: إننا قد تركنا أخانا بمصر. لكن سؤال الذي مر على القرية الخاوية على عروشها هو سؤال عن أهلها. {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} [البقرة: 259] وساعة تسمع "أَنَّى" فهي تأتي مرة بمعنى "كيف"، ومرة تأتي بمعنى: "من أين"، والمناسب لها هنا هو أن يكون السؤال كالتالي: "كيف يُحيي الله هذه بعد موتها"؟ وقوله هذا يدل على أنه مؤمن، فهو لا يشك في أن قضية الإحياء من الله، وإنما يريد أن يعرف الكيفية، فكأنه مؤمن بأن الله هو الذي يحيي ويميت، وهذه ستأتي في قصة سيدنا إبراهيم: {أية : أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ ..}تفسير : [البقرة: 260]. هو لا يشك في أن الله يُحيي الموتى، إنما يريد أن يرى كيف تتم هذه الحكاية؛ لأن الذي يريد أن يعرف كيفية الشيء، لابد أن متعجب من وجود هذا الشيء، فيتساءل: كيف تم عمل هذا الشيء؟ مثلما نرى الأهرام، ونحن لا نشك أن الأهرام مبنية بهذا الشكل، لكننا نتساءل فقط: كيف بنوها؟ كيف نقلوا الحجارة بضخامتها لأعلى ولم يكن هناك سقالات أو روافع آلية؟ إذن فنحن نتعجب فقط، والتعجب فرع الإيمان بالحدث. والسؤال عن الكيفية معناه التيقن من الحدث، فقول الحق: {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ} [البقرة: 259] .. يعني: كيف يُحيي الله هذه القرية بعد موتها، فكأن القائل لا يشك في أن الله يُحيي، ولكنه يريد الكيفية، والكيفية ليست مناط إيمان، فالله لم ينهنا عن التعرف على الكيفية؛ فهو يعلم أننا نؤمن بأنه قادر على إيجاد هذا الحدث. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - فمُصمم الملابس عندما يقوم بتفصيل أزياء جميلة، أنت تراها، فأنت تتيقن من أنه صانعها، ولكنك تتعجب فقط من دقة الصنعة، وتقول له: بالله كيف عملت هذه؟ كأنك قد عشقت الصنعة! فتشوقت إلى معرفة كيف صارت، فما بالنا بصنعة الحق تبارك وتعالى؟ إنك تندهش وتتعجب لتعيش في ظل السر السائح من الخالق في المخلوق، وتريد أن تنعم بهذه النعم. ومثال آخر - ولله المثل الأعلى من قبل ومن بعد - أنت ترى مثلاً لوحة رسمها رسام، فتقول له: بالله كيف مزجت هذه الألوان؟ أنت لا تشك في أنه قد مزج الألوان. بل تريد أن تسعد نفسك بأن تعرف كيف رسمها، إذن فقوله وقول إبراهيم بالسؤال في الإحياء والإماتة فيما يأتي ليس معناه أنه غير مؤمن بل هو عاشق ومشتاق لأن يعرف الكيفية؛ ليعيش في جو الإبداع الجمالي الذي أنشأ هذه الصنعة. ونعلم أن إحياء الناس سيترتب عليه إحياء القرية، فالإنسان هو باعث الحركة التي تعمر الوجود، والناس لهم حياة ولهم موت، والقرية بأنقاضها وجدرانها وعروشها لها حياة ولها موت. وعندما سأل العبد هذا السؤال، أراد الله أن تكون الإجابة تجربة معاشة في ذات السائل؛ لذلك يأتي القرآن بالقول {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ} [البقرة: 259]. إن صاحب السؤال قد أراد أن يعرف الكيفية، وطلبه هو إيمان دليل، ليصبح فيما بعد إيماناً بواقع مشاهد {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ} [البقرة: 259] لقد جعل الله الأمر والتجربة في السائل ذاته وهذا إخبار الله. لقد أماته مائة عام، والعام هو الحول، وقد سموا "الحَوْل" عاماً؛ لأن الشمس تعوم في الفلك كله في هذه المدة، والعَوْم سَبْحٌ، والحق يقول: {أية : وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}تفسير : [يس: 40]. ولذلك نسميه عاماً. {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [البقرة: 259]، فكأن الله قال له كلاماً كما كلم موسى، أو سمع صوتاً أو ملكاً أو أنّ أحداً من الموجودين رأى التجربة. فالمهم أن هناك سؤالاً وجواباً. ويخبرنا الحق سبحانه بحوار دار في هذا الشأن، السؤال هو: كم لبثت؟ فأجاب الرجل: لبثت يوماً أو بعض يوم. وإجابة الرجل تعني أنه قد تشكك، فقد وجد اليوم قد قارب على الانتهاء أو انتهى، أو أنه عندما رأى الشمس مشرقة أجاب هذه الإجابة: {لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [البقرة: 259] أو يكون قد قال ذلك؛ لأنه لا يستطيع أن يتحكم في تقدير الزمن. فهل هو صادق في قوله أو كاذب؟ إنه صادق، لأنه لم ير شيئاً قد تغير فيه ليحكم بمقدار التغير، فلو كان قد حلق لحيته مثلاً، وقام بعد ذلك ليجد لحيته قد طالت، أو قد نام بشعر أسود، وقام بعد ذلك بشعر أشيب، فلو حدثت أية تغيرات فيه لكان قد لمسها، لكنه لم يجد تغيراً. فماذا كان جواب الحق؟ قال الحق: {بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ} [البقرة: 259]. إننا هنا أمام طرفين ويكاد الأمر أن يصبح لغزاً، طرف يقول: {لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [البقرة: 259] ورب يقول: {بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ} [البقرة: 259]. ونريد أن نحل هذا اللغز. إن الحق سبحانه صادق ومُنزّه، والعبد المؤمن صادق في حدود ما رأى من أحواله. ونريد دليلاً على هذا، ودليلاً على ذاك. نريد دليلاً على صدق العبد في قوله: {لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [البقرة: 259]. ونريد من الحق سبحانه وتعالى دليل اطمئنان لا دليل برهان على أن الرجل قد مات مائة عام وعاد إلى الحياة. ونقول: إن في القصة ما يؤيد {لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [البقرة: 259]، وما يؤيد {بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ} [البقرة: 259]، فقد كان مع الرجل حماره، وكان معه طعامه وشرابه من عصير وعنب وتين. فقال الحق سبحانه وتعالى: {لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ} [البقرة: 259]، وأراد أن يدلل على الصدق في القضيتين معاً قال: {فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} [البقرة: 259]، ونظر الرجل إلى طعامه وشرابه فوجد الطعام والشراب لم يتغيرا، وهذا دليل على أنه لم يمكث إلا يوماً أو بعض يوم، وبذلك ثبت صدق الرجل، بقيت قضية "مائة عام". فقال الحق: {وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} [البقرة: 259] وهذا القول يدل على أن هنا شيئاً عجيباً، وأراد الله أن يبين له بنظرة إلى الحمار دليلاً على صدق مرور مائة عام، ووجد الرجل حماره وقد تحول عظاماً مبعثرة، ولا يمكن أن يحدث ذلك في زمن قصير، فإن موت الحمار أمر قد يحدث في يوم، لكن أن يَرِمّ جسمه، ثم ينتهي لحمه إلى رماد، ثم تبقى العظام مبعثرة، فتلك قضية تريد زماناً طويلاً لا يتسع له إلا مائة عام، فكأن النظر إلى الحمار هو دليل على صدق مرور مائة عام، والنظر إلى الطعام دليل على صدق "يوماً أو بعض يوم". فالقضية إذن قضية عجيبة، وكيف طُوي الزمن في مسألة الطعام، وكيف بُسط الزمن في مسألة الحمار. إنه سبحانه يظهر لنا أنه هو القابض الباسط، فهو الذي يقبض الزمن في حق شيء، ويبسط الزمن في حق شيء آخر، والشيئان متعاصران معاً. وتلك العملية لا يمكن أن تكون إلا لقدرة طليقة لا تملكها النواميس الكونية، وإنما هي التي تملك النواميس. وقد قال الحق سبحانه: {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} [البقرة: 259]، فمن هم الناس الذين سيجعل الله من قضية الذي مَرَّ على قرية آية لهم؟ كان لابد أن يوجد أناس في القصة، لكن القرية خاوية على عروشها، وليس فيها إنسان أو بنيان، أهم الذين كانوا في القرية أم سواهم؟ قال بعض المفسرين هذا، وقال البعض الآخر الرأي المضاد. وأصدق شيء يمكن أن يتصل بصدق الله في قوله: {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} [البقرة: 259] هو قبض الله للزمن في حق شيء، وبسطه في حق شيء آخر، وعزير كما قال جمهرة العلماء هو الذي مر على قرية، وعزير هذا كان من الأربعة الذين يحفظون التوراة، فلم يحفظ التوراة إلا أربعة: موسى، وعيسى، وعزير، ويوشع، وقد أراه الله العظام وكيف ينشزها ويرفعها فتلتحم ثم يكسوها لحماً، أي أراه عملية الإحياء مشهدياً، وفي هذا إجابة للسؤال: {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} [البقرة: 259]؟ والحق يقول: {وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا} [البقرة: 259] و"ننشزها" أي نرفعها، ورأى "عزير" كل عظمة في حماره، وهي تُرفع من الأرض، وشاهد كل عظمة تركب مكانها، وبعد تكوين الهيكل العظمي للحمار بدأت رحلة كسوة العظام لحماً، وبعد ذلك تأتي الحياة. لقد وجد عزير إجابة في نفسه، ووجد إجابة في الحمار، ومن بعد ذلك تذكر قريته التي خرج منها، وأراد العودة إليها، فلما عاد إليها وجد أمرها قد تغير بما يتناسب مع مرور مائة عام، وكان في تلك القرية مولاة لهم، أي أمة في أسرته، وكانت هذه الأمة قد عميت وأصبحت مقعدة، فلما دخل وقال: أنا العزير. قالت الأمة: ذهب العزير من مائة عام ولا ندري أين ذهب ولم يعد؟ قال: أنا العزير. قالت: إن للعزير علامة، هذه العلامة أنه مجاب الدعوة، ولم تنس نفسها. قالت: فإن كنت العزير فادع الله أن يرد عليَّ بصري وأن يخرجني من قعودي هذا. فدعا عزير الله فبرئت، فلما برئت؛ نظرت إليه فوجدته هو العزير فذهبت إلى قومها وأعلنت أن العزير قد عاد. وبعد ذلك ذهب العزير إلى ابنه، فوجده رجلاً قد تجاوز مائة سنة، وكان العزير لا يزال شاباً في سن خمسين سنة. ولذلك ترى الشاعر يقول مُلغزاً: وما ابنٌ رأى أباه وهو في ضعف عمره؟ والمقصود بهذا اللغز هو العزير الذي أماته الله وهو في الخمسين ثم أحياه الله في عمره نفسه بعد مائة عام، والتقى العزير بابنه. قال الابن: كنت أسمع أن لأبي علامة بين كتفيه "شامة". فلما كشف العزير كتفه لابنه وجد الشامة. وتَثَبَّتَ أهل القرية من صدق عزير: بشيء آخر هو أن "بختنصر" حينما جاء إلى بيت المقدس وخربها حرق التوراة، إلا أن رجلاً قال: إن أباه قد دفن في مكان ما نسخة من التوراة، فجاءوا بالنسخة، قال العزير: وأنا أحفظها. وتلا العزير التوراة كما وُجدت في النسخة، فصدق القوم أنه العزير، وتعجب الناس وهم يشاهدون ابناً تخطى المائة وأبا في سن الخمسين. ولذلك يذيل الحق الآية بالقول: {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259]. ألم يكن قبل ذلك يعلم أن الله على كل شيء قدير؟ نعم كان يعلم علم الاستدلال، وهو الآن يعلم علم المشهد، علم الضرورة، فليس مع العين أين. إذن فـ {أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259] هي تأكيد وتعريف بقدرة الله على أن يبسط الزمن ويقبضه، وقدرة الله على الإحياء والإماتة، فصار يعلم حق اليقين بعد أن كان يعلم علم اليقين. وهذه المسألة تفسر ما يقوله العلم الحديث عن تعليق الحياة. ومعنى تعليق الحياة هو يشبه ما تفعله بعض الثعابين عندما تقوم بالبيات الشتوي، أي تنكمش في الشتاء في ذاتها ولا تُبدي حركة، وتظل هكذا إلى أن يذهب الشتاء، ومدة البيات الشتوي لا تحتسب من عمر الثعابين، ولذلك يقال: إن ذلك هو عملية تعليق الحياة. وهذه العملية التي قد نفسر بها مسألة أهل الكهف. فأهل الكهف أيضاً مرت عليهم العملية نفسها:{أية : وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}تفسير : [الكهف: 19]. إنهم لم يروا شيئاً قد تغير فيهم. وبعد ذلك قال الحق سبحانه: {أية : وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً}تفسير : [الكهف: 25]. إن الله حدد الزمن الذي لبثوه، بينما هم قالوا: إن الزمن هو يوم أو بعض يوم. ومعنى ذلك أنهم عندما ناموا هذا اللون من النوم واستيقظوا وجدوا أنفسهم على حالتهم التي كانت قبل هذا اللون من النوم. إذن فقد علق الله حياتهم. ونلاحظ أن كل هذه العملية قد جاءت هنا في قصة العزير بعد آية الكرسي التي تصور العقيدة الإيمانية: {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ}تفسير : [البقرة: 255]. وتصور قضية الحياة وقضية الموت ونعلم أن إبراهيم حين حاجَّه الرجل وقال له: {أية : أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} تفسير : [البقرة: 258] نقل إبراهيم الحجة إلى الليل والنهار، وطلب منه أن يعكس آية الليل والنهار، فقال للرجل: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} تفسير : [البقرة: 258]. وحتى لا يظن أحد أن إبراهيم عليه السلام إنما ترك الكلام عن الإحياء والإماتة فراراً من الجدل. ونقل الأمر إلى الشمس، لكن أراد الله أن يأتي بقصة هذا الإنسان الذي مر على قرية وهي خاوية، فيحدث له كل ما تقدم ليثبت الحق لنا أن قضية الحياة وقضية الموت بيده وحده. وليخرج الحق سبحانه أمر الحياة والموت عن مجال السفسطة الجدلية. وعرفنا أن قبل معنى السفسطة الجدلية حينما تعرضنا لقول الذي حاج إبراهيم في ربه باثنين من المسجونين وقال: أنا أستطيع أن أقتل واحداً، وأن أترك الثاني بلا قتل. هذه هي السفسطة: إنه لم يحيي، بل أبقى حياة. وعرفنا أن الإحياء ضد الإماتة؛ لأن الإماتة هي أن تخرج الروح من الجسد بدون جرح، أو نقض بنية، أو عمل يفعله الإنسان في البدن. أما إذا فعل إنسان أي شيء من هذه الأفعال ضد إنسان آخر فلا يقال إنه أماته بل يقال لقد قتله. والموت كما عرفنا غير القتل. وتأتي بعد ذلك قصة لإبراهيم أيضاً بعد أن نقل الجدل مع الرجل إلى الشمس، فبهت الرجل الذي كفر، أما إبراهيم عليه السلام فهو يؤمن بقدرة الله، لكنه يريد أن يعرف الكيفية. إن إبراهيم عليه السلام لم يكن شاكاً لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} . تفسير : ونحن المسلمين لم نشك في هذا الأمر. إذن، فإبراهيم عليه السلام لم يشك من باب أولى بدليل منطوق الآية حين قال الحق سبحانه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} فالخَاوي: [الخراب] الخَالي الذي لا أَنيسَ بهِ. والعُرُوشُ: البيوتُ والأَبنِيةُ، واحدُها عَرْشٌ. ومَا بينَ الثَّلاثةِ إِلى العَشَرةِ عُرُشٌ. والعُرُوشُ أَكثرُ الكَلامِ. تفسير : وقولهُ تعالى: {لَمْ يَتَسَنَّهْ} معناهُ لَمْ تَأتِ عَليهِ السّنونُ؛ فَيَتغيَّر. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا} معناهُ كيفَ نَنْقُلُهَا إِلى مَواضِعهَا.
الأندلسي
تفسير : {أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ} قرىء أو حرف عطف وأو بهمزة استفهام والواو العاطفة. والجمهور على أن أو كالذي معطوف على ألم تر من حيث المعنى إذ التقدير أرأيت الذي حاج ونختار أن تكون الكاف اسماً إذ قد ثبت اسميتها في كلام العرب على ما تقرر في النحو وإن كان لا يرى ذلك جمهور البصريين، فتكون الكاف اسماً إذ قد ثبت اسميتها في كلام العرب في موضع الجر معطوفة على الذي من قوله: ألم تر إلى الذي، التقدير أو إلى مثل الذي مر، ولم يعين سبحانه وتعالى هذا المار ولا القرية إذ المقصود إنما هو في هذه القصة العجيبة ولا حاجة إلى تعيين المار ولا القرية. والخاوي: الخالي. يقال: خوت الدار تخوي خواء، وخويت تخوي خوى، والمعنى: خاوية من أهلها. ثابتة على عروشها أي سقوفها وكل ما يظل ويكن فهو عريش، فالبيوت: قائمة، والجملة حال من الفاعل في مرّأ ومن قرية وإن كانت نكرة تأخرت الحال عنها. وقد أجاز ذلك سيبويه في مواضع من كتابة. قال: {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} ليس هذا شكاً: بل هو اعتراف بالعجز عن معرفة طريق الاحياء واستعظام لقدرة الله تعالى والاحياء والاماتة مجازان عن الخراب والعمارة أو يكون على حذف، أي رأي أهلها وقد تمزقت جثتهم وتفرقت أوصالهم فتعجب من قدرة الله تعالى على إحيائهم إذ كان مقراً بالبعث. {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} أي أحياه برد روحه إلى جسده لم يتغير منه شيء على مر هذه السنين الكثيرة. {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ} سؤال تقرير أي كم مدة لبثت ميتاً؟ {قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} قيل. أماته الله غدوة ثم بعثه قبل الغروب. قيل: بعد مائة سنة فقال قبل النظر إلى الشمس يوماً ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: أو بعض يوم. وفي قوله: أو بعض يوم إطلاق البعض على الأكثر. {قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ} أي بل لبثت ميتاً مائة عام. وقرىء بإِدغام الثاء في التاء وبالاظهار. {فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} وابهم الطعام والشراب ولم يتسنه. قيل: الهاء فيه أصلية من قولهم سانهت وقيل هاء السكت فهو من قولهم: سانيت، والمعنى: لم يتغير. ولما كان طعامه وشرابه متلازمين أخبر عنهما اخبار الواحد فلم يأت التركيب يتسنها أو لم يتسنيا والجملة حال وكونها إذا وقعت حالاً منفية بكم دون الواو أكثر منها بالواو. {وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ} قيل: نظر إلى حماره وهو واقف كهيئته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب أحياه الله له وهو يرى ذلك. {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} أي فعلنا ذلك والناس ناس قومه. أو الْ فيه للجنس أي لمن عاصره ولمن أتى بعدهم. {وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ} أي عظامك أو عظام الحمار أو عظامهما. قيل: أحيا الله منه عينيه وسائر جسده ميت ثم أحيا جسده وهو ينظر ثم نظر إلى حماره فإِذا عظامه متفرقة تلوح بيضاء. {كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً} قرىء. بالراء من أنشر الله الموتى ونشر بمعنى أحيا. وبالزاي من أنشر. أي نحركها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب والجملة من قوله: كيف ننشرها في موضع البدل من العظام على الموضع لأن موضعه نصب وهو على حذف مضاف، أي: وانظر إلى حال العظام كيف ننشرها كقولهم: عرفت زيداً أبو من هو؟، أي: عرفت قصة زيد أبو من هو. وعلى هذا يتخرج ما جاء منه، نحو قوله: {أية : أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} تفسير : [الغاشية: 17]، والاستفهام في باب التعليق لا يراد به حقيقته والكسوة هنا إستعارة في غاية الحسن استعارها هاهنا لما انشأ تعالى من اللحم الذي غطى به العظام، وهي استعارة عين لعين. وظاهر اللفظ ان أمره إياه بالنظر كان بعد تمام بعثه لأن الأمر كان بعد إحياء بعضه وتكرر الأمر بالنظر في الثلاث الخوارق ولم تنسق متعلقه نسق المفردات لأن كل واحد منها خارق عظيم ومعجز بالغ. {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} تبين: فعل لازم، فاعله مضمر يعود على كيفية الاحياء التي استغربها بعد الموت. وقدره الزمخشري فلما تبين له ما أشكل عليه يعني من إحياء الموتى، وينبغي أن يحمل على أنه تفسير معنى وتفسير الاعراب ما ذكرناه أولاً. وقرىء تبين مبنياً للمفعول وله هو المقام مقام الفاعل. وقرىء اعلم مضارعاً فيه ضميراً لمار وقال ذلك على سبيل الاعتبار. وقرىء اعلم أمراً من الله أو من الملك عن الله أو منه لنفسه نزلها منزلة الأجنبي المخاطب. وقرىء اعلم أمراً من أعلم أي قال الله له: اعلم غيرك بما شاهدت من قدرة الله.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن إظهار قدرته في إحياء الموتى بعد انقطاع المدعي في محبته عقيب الدعوى بقوله تعالى: {أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} [البقرة: 259]. والإشارة فيها: أن قوماً أنكروا حشر الأجساد مع أنهم اعتقدوا وأقروا بحشر الأرواح، وقالوا: الأرواح كان تعلقها بالأجساد ولاستكمالها في عالم المحسوس كالصبي يبعث إلى المكتب لتعلم الأدب، فلما حصل مقصوده من التعلم بقدر استعداده وخرج من المكتب ودخل محفل أهل الفضل وصاحبهم سنين كثيرة، واستفاد منهم أ نواع العلوم التي لم توجد في المكتب واستفاد العلوم من الفضلاء بقوة أدبه التي تعلم في المكتب، وصار فاضلاً في العلوم فما حاجته بعد أن كبر شأنه وعظم قدره أن يرجع إلى المكتب وحالة صباه. فلذلك الأرواح لما خرجت من سجن الأشباح واتصلت بالأرواح المقدسة بقوة علوم الجزئيات التي حصلتها من عالم الحس مستفادة عن الأرواح العلوية علم الكليات التي لم توجد في عالم الحسن فما حاجتها أن ترجع إلى سجن الأجساد، فكانت نفسهم تسولت بهذه التسويلات والشيطان يوسوسهم بمثل هذه الشبهات، فالله سبحانه وتعالى من كمال فضله ورحمته على عباده المسلمين أمت عزيزاً مائة سنة وحماره ثم أحياهما جميعاً ليستدل به العقلاء على أن الله مهما يحيي عزيز الروح يحيي معه حمار جسده فلا يشك العاقل بتسويل النفس ووسوسة الشيطان وشبهات المتفلسفين في حشر الأجساد كما قال تعالى: {وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً} [البقرة: 259]؛ يعني: انظر إلى حمارك الميت والعظام الرميمة، ثم انظر إلى العظام ننشزها لنجعل حالك وحال حمارك في الأحياء آية، والآية واضحة وأمارة لائحة للعاقل المؤيد عقله بنور الإيمان {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} [البقرة: 259]، بعد كشف الحجاب برؤية مشاهدة أنوار الغيب {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259] يقر ويؤمن بأن الله يحيي عزيز الروح ويحيي معه حمار جسده، فكما أن عزيز الروح يكون في مقعد صدق عند مليك مقتدر يكون حمار عزيز الروح، وهو جسده ونفسه في الجنة، فلعزيز الروح مشرب من كئوس تجلي صفات الجمال والجلال عن ساقي {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}تفسير : [الإنسان: 21] والحمار الجسد مشرب من أنهار الجنان وحياض رياض، {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ}تفسير : [الزخرف: 71] {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60] مشربنا، وأهرقنا على الأرض سؤرنا وللأرض من كأن الكرام نصيب، وإن الحشر الأجساد وإعادة الأرواح إليها فوائد وحِكَماً سنبينها في موضعه إن شاء الله تعالى. ثم أخبر عن إراءة كيفية الإحياء لخليله "شيخ الأنبياء" عليهم الصلاة السلام قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260]، والإشارة فيها أن في قوله: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ}تفسير : [الأعراف: 143]، تفوح رائحة معنى قول موسى عليه السلام {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف: 143]، ولكن موسى عليه السلام كان الغالب عليه السكر فإذا أديرت عليه كاسات المكالمات وأثر فيه شراب ملاطفات المحاورات، وسكر قلبه بشراب الذوق وطاش لبه عن غلبات الشوق وارتفعت الحشمة والحياد، وانقطعت الكلفة والعناد أرويت الآذان بالإصغاء تعطشت العيون إلى اللقاء فانبسط على بساط البسط، وأطلق عنان اللسان بالتصريح في ميدان البيان لسبق رؤية العيان وقال: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف: 143]، فلم يحفظ الأدب في الطلب فما أرى غير النصب والتعب وأدب تأديب الخاطئ الجاني وعرك بتعريك {أية : لَن تَرَانِي}تفسير : [الأعراف: 143] فأما الخليل عليه السلام فكان الغالب عليه الصحو على أنه أسقي بأقداح الخلة ما لو سقى موسى عليه السلام بقطرة منه لم يفق أبداً لأنه كان صاحب شرب، وكان الخليل عليه السلام صاحب ري، فصاحب الشرب سكران وصاحب الري صاح كما قيل شعر: شعر : شرب الحب كأساً بعد كأس فما نفد الشراب وما رويت تفسير : كان شرب موسى عليه السلام من شراب الكلام بأقداح السماع في أفواه السماع أحياناً فكان دائماً سكراناً فتارة ينبسط مع الحق بقوله {أية : أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف: 143] وأجري يعربد بقوله {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ}تفسير : [الأعراف: 155] وتارة يعربد مع هارون {أية : وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ}تفسير : [الأعراف: 150]، وتارة يعربد من الخضر عليه السلام {أية : لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً}تفسير : [الكهف: 74]، وتارة يعربد مع ملك الموت فلطمه ففقأ عينه، وأما القبطي وقتله فوكزه موسى فلا يقربه به. والخليل عليه السلام شرب من شراب الخلة بكاسات الوصلة في أفواه الأرواح ومع هذا ما زلت قدمه في أدب من آداب العبودية في الحضور والغيبة من كمال صحوة بسطوات الهيبة، فلا جرم أكرم اليوم بكرامة الشيبة: "إن أول من شاب شيبة إبراهيم عليه السلام" ويحترم غداً بالكسوة أما أول من بكى إبراهيم عليه السلام ولما ابتلي في ماله بذل الضيفان وابتلي في ولده {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}تفسير : [الصافات: 103]، للقربان وابتلي في نفسه استسلم لمنجنيق ابن كنعان وابتلي بجبريل عليه السلام فقال: أما إليك فلا عند الامتحان فلا جرم على قضيته عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، أكرمه بالإمامة للإنسان قال الله تعالى: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}تفسير : [البقرة: 124]، ومن إمامته أنه كان أول من دق باب الطلب للحق، وقال: {أية : قَالَ هَـٰذَا رَبِّي}تفسير : [الأنعام: 76]، وأول من سلك طريق الحق، وقال: {أية : وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الصافات: 99] وأول من نطق بمحبته وقال: {أية : قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ}تفسير : [الأنعام: 76]، وأول من أظهر الشوق، وقال: {أية : لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ}تفسير : [الأنعام: 77]، وأول من أظهر العداوة مع غير المحبوب وقال: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 77]، أول من اشتاق إلى الرب سأل الرؤية وقال: {رَبِّ أَرِنِي} [البقرة: 260]، ولا تحسبن أن اشتياقه إلى الرب وتعطشه للرؤية، إنما كان وقت سؤال رب أرني، كما قيل شعر: شعر : ولست حديث العهد شوقاً لوعة حديث هواكم في حشاي قديم تفسير : فإنه كان برهة من الدهر مستغرقاً في هذا البرح؛ ولكن من غاية الحلم والحياة في مقام الصدق والوفاء يراعي حق إجلال العظمة والكبرياء، ومن حفظ أدب الإجل لا يفتح على نفسه باب السؤال، ويقول: "حسبي من سؤال علمه بحالي" والله تعالى يرى قلبه وتقلبه والعشق وليسمع تحنثه وتأوهه من الحرقة والشوق، ويشاء تحمله وتحمله وتخلده إجلالاً لمولاه، فيقول الله تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}تفسير : [التوبة: 114]، وهو في ذلك يترصد فرصته يجد للسؤال فيها رخصة إلى أن يساقه التقدير إلى حسن التدبير وسأله نمرود: من ربك؟ فأجرى الحق على لسانه من فضله وإحسانه: {أية : ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ}تفسير : [البقرة: 258]، قال نمرود: وهي رأيت منه ما تقول أو رميت برمية ما به رأيت فوجد الخليل عليه السلام فرصة بهذا المقال لحق رخصته السؤال فأدرج في السؤال، فطلب بهذا الطريق مأموله فأخفى سره وهو: أرني في علته، وهو كيف يحيي الموتى بحفظ الأدب مع الرب، وهو يعلم أنه يعلم السر وأخفى، وكان يعلم الجليل ما هو مقصود الخليل وأول باب فتح عليه من مقصوده بأن خاطبه واسمعه بكلامه بفضله وجوده، وقال تعالى: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} [البقرة: 260]، وكان فيه هذه الكلمة من إعجاز القرآن ثلاثة أجوبة مضمرة وثلاثة معان مدرجة مناسبة للسؤال. وأما الأجوبة: فظاهر السؤال كان دالاً على طلب إحياء الموتى. فأجابه وقال: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} يعني ما آمنت عند نمرود بأني أحيي وأميت، فما كان إيمانك حقيقاً. والجواب الثاني: وذلك أن الخليل أخفى سره وهو طلب الرؤية وعين سؤاله، فكذلك الرب تعالى أخفى سره، وقال: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} بمعياد رؤيتي في الجنة فأريك ثمة. والجواب الثالث: أن الخليل ما كان شاكاً فيما التمس ظاهراً؛ ولكنه أرى نفسه مشككاً تعللاً لسؤال المرام في ثناء الكلام، فكذلك الرب تعالى ما كان شاكاً في مقصود الخليل المضمر في سؤاله؛ ولكنه أجاب تشككه في إراءة نفسه كالمتشكك في المقصود والمضمر في سؤاله وقال: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} يعني بما طلبت من الإحياء وتغافل عن مرام الجليل من كلامه مجيباً فيما صنع. وأما المعاني الثلاثة: فالأول: أنه أضمر معنى الإثبات في لفظه النفي قال: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} أي: بل تؤمن، كقوله: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172] أي: أنا ربكم، والثاني: أنه درج فيها معاني جواز الرؤية يعني {أَوَلَمْ تُؤْمِن} بأني أرى يوم الميعاد، فتراني أنت أيضاً، فتتضمر في سؤالك طلب رؤيتي. والثالث: أنه أحيى فيها معنى معالجة الخليل بالبصر يعني: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} بإنجاز وعدي لك بالرؤية فاصبر فإن الميعاد لخواص العباد، ثم قال الخليل في الاستفهام للمبالغة في تحصيل المرام: {بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} عن الاستفهامات ببلى السر بالسر، وقرر المضمرات في السؤال بقوله: {وَلَـكِن} يعني ولكن مع الحديث اعلم واضمر في لفظه: {لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ضرورات السؤال وحقائقها إضمار بإضمار، فأما الجواب عن الاستفهام الأول في جواب المفهوم الأول منه طلب الأحياء، ومعنى الاستفهام أي: ما آمنت عند نمرود بأني أحيي وأميت قال: {بَلَىٰ} وكان إيماني حقيقياً، ولكن كان مقصودي من السؤال عن إحياء الموتى الإيمان والإيقان، فإنه حاصل لي ولا إحياء الموتى، فإني فارغ من الموتى وإحيائهم ولي اضطراب قلبي بمثل هذه الأشياء حتى تطمئن، وإنك تعلم ما نريد. والجواب عن مفهوم الثاني بالاستفهام، وهو قوله: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} بميعاد رؤيتي في الجنة فأريك ثمة، فقال: أؤمن بهذا ولكن لا يسكن اضطراب قلبي في الطلب وقلقة في الشوق أرني ليطمئن قلبي، فإن سبب اضطراب القلب عين الإيمان، وكلما ازداد يقينه بالرؤية ازداد شوقه وقلقه. والجواب الثالث {بَلَىٰ}: اعلم أنك أبهمت الجواب عن سؤال الرؤية وأظهرت التشكك عن معنى الرؤية كما أبهمت السؤال عن الرؤية وأظهرت التشكك عن معنى الرؤية كما أبهمت السؤال عن الرؤية وأظهرت التشكك في معنى الإحياء، وقلت: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} بقدرتي على الإحياء، ولكن ما سألتك عن الإحياء مسألتك عن كيفية الإحياء أن ترني كيف {تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} ففي ذلك تحصيل مقصودي، وهذا كما أن العاشق معشوقاً احتياطاً وهو يريد أن يرى مشاهدة معشوقه، ويحتشم منه أن يقول له: {أَرِنِي} وجهك لأنظر إليك؛ لأنه يعلم أن الدلال قرين الجمال، وأن الحسرة والحسن وتؤمان، وفي مذهب الملاح الطلب والسبيل سر، وغلبات الشوق الشوق مزعجة، وطلبات العشق تخرجه حتى يضطرب إلى السؤال، فيتصنع في طلب المقصود من صاحب الكمال، فيقول: {أَرِنِي كَيْفَ} يختط الثياب، وكل صانع فاخر في صنعه يريد أن يرى جودة صنعه صاحب بصيرة وتمييز، ويجب أن يظهر كماله في ذلك فلا يبخل أن يريه كيفية خياطة الثوب ولا يستنكف عن هذا المعنى ليريه بأن يحضره عنده بلا حجاب، وهو يخيط الثوب ويقول: انظرني كيف أخيطه، فالعاشق يصل بعله الصنع إلى الصانع، ويخطى منه بلا مانع ولا دافع ويطمئن قلبه بذلك؛ فالخليل لما اعتذر عن الخليل من استعمال الاضطرار حاله في سؤاله وتضرع بين يدي مولاه، وهو من يجيب المضطر إذا دعاه وحقق رجاه: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً} [البقرة: 260]. والإشارة فيها أنك محجوبٌ بك عني فحجاب صفاتك عن صفاتي محجوب، ولحجاب ذاتك عن ذاتي ممنوع، فمهما تموت عن صفاتك تجئ بصفاتي، وإذا فنيت عن ذاتك أبقيت ببقاء ذاتي: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ} وهي الصفات الأربعة التي تولدت من العناصر الأربعة التي تخمرت طينة الإنسان منها، وهي التراب والماء والنار والهوى، فتولدت من أزواج كل عنصر مع قرينه صفتان منها، وهي التراب وقرينه وهو الماء تولد الحرص والبخل، ومن النار وقرينه، وهو الهواء تولد الغضب والشهوة، وهو قرينان يوجدان معاً، ولكن واحد من هذه الصفة زوج خلق منها ليسكن إليها كحواء وآدم. وتتولد منها صفات أخرى فالحرص زوجة الحسد، والبخل زوجة الحقد، والغضب زوجة الكبر، وليس للشهوة اختصاص بزوج معين بل هي كالمشوقة بين الصفات، فيتعلق بها كل صفة ولها منها متولدات يطول شرحها، فهي الأبواب السبعة للدركات السبع من جهنم التي لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم يعني: من الخلق، فمن كان الغالب عليه صفة منها، فيدخل النار بذلك الباب فافهم جدّاً. فأمر الله تعالى خليله عليه السلام بذبح هذه الصفات وهي الطيور الأربعة: طاووس البخل، فلو لم يزن المال في نظر البخيل كما يزين الطاووس بألوانه ما بخل به، وغراب الحرص، وهو من حرصه يكثر في الطلب، وديك الشهوة وهو بها معروف، ونسر الغضب ونسبته إليه لتصريفه في الطيران فوق الطيور وهذه صفة الغضب، فلما ذبح الخليل عليه السلام بسكين الصدق هذه الطيور وانقطعت منه متولداتها ما بقي له باب يدخل به النار، فلما ألقي فيها بالمنجنيق قهراً ووقراً صارت عليه {أية : بَرْداً وَسَلَٰماً}تفسير : [إبراهيم: 69]، تفهم إن شاء الله تعالى وحده. والإشارة في تقطيعهن بالمالغة ونتف ريشها، وتفريق أجزائها، وتلخيط ريشها ودمائها ولحومها بعضها ببعض، إشارة إلى: محو آثار الصفات الأربعة المذكورة، وهدم قواعدها على يد إبراهيم الروح بأمر الشرع ونائب الحق وهو الشيخ، والأمر بتقسيم أجزائها وجعلها {عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا} [البقرة: 260]، فالجبال الأربعة هي النفوس التي جُبل الإنسان عليها: أولها: النفس النامية وتسمى النفس النباتية. وثانيها: النفس الأمارة وتسمى الروح الحيواني. وثالثها: قوة الشيطنة وتسمى الروح الطبيعي. ورابعها: قوة الملكية وهو الروح الإنساني. وطيور الصفات لما ذُبحت وقُطعت وخُلطت أجزاء بعضها ببعض، ووضعت على كل جبال روح ونفس منهما جزءاً بأمر الشرع، يكون بمثابة أشجار وزرع يجعل عليها اقتراب المخلوط بالزبل والقاذورات، باستصواب دهقان ذي بصارة في الدهقنة بمقدار معلوم ووقت معلوم، ثم يسقيها بالماء ليتقوى الزرع بقوة التراب والزبل، وتتصرف النفس النامية النباتية في التراب المخلوط الميتة فيحيها بإذن الله تعالى بقوله: {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ}تفسير : [الروم: 50]. فكذلك الصفات الأربع وهي: الحرص والبخل والشهوة والغضب، فمهما كانت كل واحدة منها على حالها غالبة على الجواهر الروحاني تكدر صفاؤه وتمنعه من الرجوع إلى مقامه الأصلي ووطنه الحقيقي، فإذا كسرت صورتها وذهبت قوتها، وأميتت شعلتها، ومحيت آثار طباعها بأمر الشرع، وخلطت أجزاؤها المتفرقة بعضها ببعض، ثم قسمت بأربعة أجزاء وجعل كل جزء منها على جبل قوة أو نفس أو روح، فيتقوى كل واحد من هؤلاء بتقويتها، ويتربى بتربيتها، فيتصرف فيها الروح الإنساني بقوة الملك فيحييها، ويبدل تلك الظلمات التي هي من خصائص تلك الصفات المذمومة بنورٍ هو من خصائص الروح الإنساني والملكي، كقوله: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ}تفسير : [الأنعام: 122]، فتكون تلك الصفة ميتة عن أوصافها، حية بأخلاق الروحانيات، هذا الخواص الخلق الذين غلبت على أحوالهم الروح، وأما خواص الخواص، ولمن أدركته العناية {أية : وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ}تفسير : [يوسف: 21]، كما كان حال الخليل عليه السلام، فإن الله تعالى بعد خمود هذه الصفات يتجلى لها بصفة المحيي، فيحيي هذه الصفات الغالبية عن أوصافها بنور صفة المحيية، فيكون العبد في تلك الحالة حياً بحياته محيياً بصفاته، وهذا المقام مخصوص بأهل الجنة والمحبة كما قال جل جلاله: "حديث : لا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً ومؤيداً، فبي يسمع وربي يبصر، وبي ينظق وبي يبطش"، تفسير : ففي هذا المقام تجلى الحق تبارك وتعالى لإبراهيم عليه والسلام؛ لينعم عليه بما ولاه، ويكرمه بإعطاء سؤاله، فيتجلى له بصفة المحيي، فكان في تلك الحالة حياً بحياته محيياً بصفاته، وكان ينطق بالحق، فقال له الحق: "حديث : قلت لي: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} [البقرة: 260]، فأريك كيف أحيي الموتى، قل لهن: تعالين {يَأْتِينَكَ سَعْياً} [البقرة: 260]؛ لأنك عنك فإنٍ وبي باقٍ فبي تقول: تعالين لابك ". تفسير : ومثال هذا كما أن أُميِّاً يقول لكاتب: أرني كيف تكتب؟ فيجعل الكاتب قلمه في يد الأُمِّي، ويأخذ يده ويمد بقوة يده بيد الأُمِّي على الصحيفة، فيقول: أنا الكاتب، رأيت كتابي، هكذا أكتب، ففي تلك الحالة يظن الأمي أنه صار كاتباً إذا رأى الكتابة تكتب من يده، فيقول: أنا الكاتب، وفي هذا المقام قال من قال: شعر : عَجِبتُ مِنكَ وِمنّي يا مُنيَةَ المُتَمَنّي أَدَنَيتَني مِنكَ حَتّى ظَنَنتُ أَنَّك أَني تفسير : فإذا رفع الكاتب يده عن يد الأُمِّي فيعلم الأُمِّي أنه أُمِّي والكاتب هو الكاتب، ثم يستغفر عن ذنب حسبانه أنه هو الكاتب، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى إن تجلى لخليله عليه السلام بصفة واحدة وهي المحيي ليريه آية من آياته وهي كيفية الإحياء، فقد تجلى لحبيبه بجميع صفاته ليلة المعراج، كما قال تعالى: {أية : لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ}تفسير : [الإسراء: 1]؛ أي: لنريه جميع آياتنا. واعلم أن آيات الله تنقسم إلى قسمين: قسم منها: هي صفاته القديمة القائمة بذاته. وقسم هي: آثار صفاته وهي المخلوقات: كالشمس والقمر وقال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ}تفسير : [الإسراء: 12]، وأمثالها كثيرة وهي آثار صفات القدرة، كما قال تعالى: {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ}تفسير : [الروم: 50]، فالرحمة صفة الحق، والماء الذي حيي الأرض آثار الرحمة، والآيات التي هي صفاته مثل آيات القرآن، فالله تعالى: {أية : أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً}تفسير : [الإسراء: 1]، وهي ليلة المعراج؛ ليريه جميع صفاته، كما سأل الحبيب بقوله: "حديث : أرنا الأشياء كما هي"،تفسير : فإنه أيضاً طلب الرؤية؛ ولكن بقدر علو همته، ورفعة مرتبة، وكمال معرفته، فعلى قدر علو همته قال: "أرنا الأشياء ما هي لي"، والأُمِّي كان يرى أن سر الناس من كل وحده برفعة مرتبته، وقال: الأشياء راعى فيها معنيين: حفظ الأدب وإخفاء مقصوده غاية الإخفاء: في قوله: "الأشياء"، ما قاله الخليل بالنسبة إلى قوم الكليم كان تعريضاً، وبالنسبة إلى قول الحبيب كان تصريحاً، والمعنى الثاني: طلب كمال الرؤية بجميع الصفات؛ لأنه لا يبقى شيء إلا في الأشياء داخلها، فافهم. ولكمال المعرفة طلب رؤية الماهية، فقال: "كما هي"، ولعمري هذا هو الملك الحقيقي الذي لا ينبغي لأحد من قبله ولا من بعده، وتجلى له الرب تبارك وتعالى تلك الليلة بجميع صفاته، كما قال تعالى: {أية : إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ * مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ * لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ}تفسير : [النجم: 16-18]، وإنما خص الآيات بالكبرى؛ ليفهم أن الآيات الصغرى هي: الآثار، والآيات الكبرى هي: الصفات العليا، ثم قال تعالى له: {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ}تفسير : [محمد: 19]، هذا إخبار عن إفناء ذاته وصفاته بالكلية عند تجلي الإلوهية، فبعث وحده بإفناء بالماهية عن العبدية وإبقاء بالوحدة؛ ليعلم ما هية {أية : أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ}تفسير : [محمد: 19]، فما بقي غير الحق، وما رأى الحق إلا الحق، {أية : وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ}تفسير : [محمد: 19]؛ أي: لذنب حسبانك أنك كاتب وأنت نبي أُمِّي عربي لست بكاتب، وهذه إشارات وبشارات عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، ولعلي ما سبقت بهذا التقرير، والله أعلم. ثم قال لخليله حتى يعلم أنه ليس بكاتب {وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260]؛ يعني بعد أن أحييتك بحياتي وأكرمتك بصفاتي، فأحييت الطيور وعَلِمْت كيفية إحيائي الموتى على قدر استعدادك واستحقاقك، فاعلم أني أعز من أن يُعرف كنه صفة من صفاتي أو كيفيتها أو ما هيتها، {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ}تفسير : [البقرة: 255]، وأنا حيكم لا يحيط بعلمي إلا حكمتي، ولا يحيط بحكمتي إلا علمي، لأنهما موصوفان بإحاطه القدم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا أيضا دليل آخر على توحد الله بالخلق والتدبير والإماتة والإحياء، فقال: { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها } أي: قد باد أهلها وفني سكانها وسقطت حيطانها على عروشها، فلم يبق بها أنيس بل بقيت موحشة من أهلها مقفرة، فوقف عليها ذلك الرجل متعجبا و { قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها } استبعادا لذلك وجهلا بقدرة الله تعالى، فلما أراد الله به خيرا أراه آية في نفسه وفي حماره، وكان معه طعام وشراب، { فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم } استقصارا لتلك المدة التي مات فيها لكونه قد زالت معرفته وحواسه وكان عهد حاله قبل موته، فقيل له { بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } أي: لم يتغير بل بقي على حاله على تطاول السنين واختلاف الأوقات عليه، ففيه أكبر دليل على قدرته حيث أبقاه وحفظه عن التغير والفساد، مع أن الطعام والشراب من أسرع الأشياء فسادا { وانظر إلى حمارك } وكان قد مات وتمزق لحمه وجلده وانتثرت عظامه، وتفرقت أوصاله { ولنجعلك آية للناس } على قدرة الله وبعثه الأموات من قبورهم، لتكون أنموذجا محسوسا مشاهدا بالأبصار، فيعلموا بذلك صحة ما أخبرت به الرسل { وانظر إلى العظام كيف ننشزها } أي: ندخل بعضها في بعض، ونركب بعضها ببعض { ثم نكسوها لحما } فنظر إليها عيانا كما وصفها الله تعالى، { فلما تبين له } ذلك وعلم قدرة الله تعالى { قال أعلم أن الله على كل شيء قدير } والظاهر من سياق الآية أن هذا رجل منكر للبعث أراد الله به خيرا، وأن يجعله آية ودليلا للناس لثلاثة أوجه أحدها قوله { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } ولو كان نبيا أو عبدا صالحا لم يقل ذلك، والثاني: أن الله أراه آية في طعامه وشرابه وحماره ونفسه ليراه بعينه فيقر بما أنكره، ولم يذكر في الآية أن القرية المذكورة عمرت وعادت إلى حالتها، ولا في السياق ما يدل على ذلك، ولا في ذلك كثير فائدة، ما الفائدة الدالة على إحياء الله للموتى في قرية خربت ثم رجع إليها أهلها أو غيرهم فعمروها؟! وإنما الدليل الحقيقي في إحيائه وإحياء حماره وإبقاء طعامه وشرابه بحاله، والثالث في قوله: { فلما تبين له } أي: تبين له أمر كان يجهله ويخفى عليه، فعلم بذلك صحة ما ذكرناه، والله أعلم. ثم قال تعالى: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 127 : 78 - سفين عن أبي اسحاق عن ناجية بن كعب الأسدي قال، هو عزير. أتى خزازا، فدنا منه. فقال له عزير: "هل تعرفني"؟ قال: "ما أعرف؛ ولكن أشبهك رجلاً عندنا يقال له عزير". 128 : 77 - سفين عن الأعمش عن المنهال بن عمرو في قوله {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} قال، جاء وولده أشياخ وهو شاب. [الآية 259]. 129 : 90 - سفين عن أبي اسحاق عن أبي هلال التغلبي ان بن عباس كان يقرءوها {انظر إلى العظام كيف ينشزها} [الآية 259].
همام الصنعاني
تفسير : 310- عبد الرزاق، قال: حدثنا عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهب بن منبه يقول: إنَّ أرميا لما خُرِّبَ بيت المقدس، وحُرِّقَتِ الكتب وقف في ناحيةِ الجبل، فقال: {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ}: [الآية: 259]، ثم ردَّ اللهُ مَنْ رَدَّ من بني إسرائيل، على رأس سبعين سنة من حين أماتَهُ الله، فعمروها ثلاثين سنة تمام المائة، فلمَّا تمت المائة ردَّ اللهُ إليْهِ روحَهُ وقد عمرت، وهِيَ على حالها الأول. قال: فجَعَلَ ينظر إلى العظام كيف يلْتئِم بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ثم نَظَرَ إلى العظام تُكْسَى عَصباً ولحماً، {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: [الآية: 259]، فقال: الله: {فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ}: [إلآية: 259]، قال: وكان طعامه تيناً في مِكْتَلٍ، وقُلَّة فيها ماء. قال: ثم سلط الله تعالى الوصب، فَلمَّا أراد أن يردَّ عليهم التابوت، أوْحى الله تعالى إلى نبي من أنبيائهم: إمَّ دانْيَال وإمَّا غيره: إن كنتم تريدون أن يرفَعَ الله عنكم العرض، فأخْرِجوا عنكم هذا التابوت، قالوا: بآية ماذا؟ قال: بآيةِ أنكم تأتون ببقرتين صعبتين، لم تَعْمَلا عملاً قط، فإذا نظرتما إليهما وضَعَتا بأعْناقهمَا للنِّير حتَّى يُشَدُّ علَيْهما، ثم يُشدّ التابوت على عجل ثم يعلق على البقرتين، ثم يخلَّيان فتسيران حيث يريد الله أن يبلغُهُما، ففعلوا ذلكَ، وَوَكَّلَ الله بهما أربعة مِنَ الملائكة يسُوقونهما، فَسَارَتِ البقرتان بها سَيْراً سريعاً حتى إذا بلغتا طرف القُدْس كسرتا نيرهما، وقطعتا حبالهما، وتركتاها وذهبتا، فَنَزَل إليها داود ومن معه، فلمَّا رأى داود التابوت حَجَل إليها فرحاً بها. قال: فقلنا لوهب بن منبه، ما حَجل إليها؟ قال: شبيهاً بالرقص، فقالت له امرأته: لقد خفضت حتى كاد الناس أن يمقُتُوكَ بِمَا صَنَعْتَ! فقالَ: أتبطئيني عن طاعةِ ربي! لا تكونين لي زوْجةً بعدها أبداً، ففارقها. 311- قال عبد الرزاق، قال بكار، وسمعت وبهاً يقول: لما ردَّ الله بني إسرائيل إلى مدينتهم، وكان بُخْت نصّر أحَرَقَ التَّورَاةَ أمَر الله ملكاً، فجاء بمغرفةٍ من نور فقذفها في عزير فنسخ التوراة حرفاً بحرف، حتى فرغ مِنْهَا. 312- حدثنا بكار بن عَبْدِ الله، قال: سألنا وهب بن منبه عن تابوت مُوسَى، ما كان فِيهَا وما كانت؟ فقال: كانت نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين، فقُلْنا ما كَانَ فيهَا؟ قال: عصا موسى والسّكينة. فقيل له: ما السكينة؟ قال: روح من الله تعالى يَتَكَلَّم، إذا اختلفوا في شيء تكلم فأخبرهم [ببيان ما يريدون]. 313- عبد الرزاق، قال: حدثنا الثوري، عن سلمة بن كُهَيْل، عن أبي الأحوص، عن عليّ، قال: السكينة لها زوجه كوجه الإنسان، ثم هي بعد ريح هفافة. 314- عبد الرزاق، قال: حدثنا الثوري، عن ابن نجيح، عن مجاهد، قال: لها جناحان وذنب مثل ذنب الهرة. 329- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}: [الآية: 259]، قال هو عُزَيْرٌ مَرَّ على قَرْيَةٍ خَرِبة فتعجَّب فقال: أنَّى يُحيي هذه الله بعد موتِهَا! فأماته الله أول النهار فلبث مائة عام ثم بعثه في آخر النهار فقال: كم لبثت؟ فقال: يوماً أو بْعض يوم قال: بل لبثت مائة عام. 330- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {لَمْ يَتَسَنَّهْ}: [الآية: 259]، قال: لم يتغيَّر. 331- عبد الرزاق، قال: سمعت هشام بن حسَّان يُحَدِّث عنْ محمد بن سيرين: أنَّ زيد بن ثابت كان يقرأها {كَيْفَ نُنْشِزُهَا}: [الآية: 259]. 336- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر عن قتادة والحسن، في قوله تعالى: {نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً}: [الآية: 259]، قالا: بلغنا أن أوَل ما خُلِقَ من عُزَيْر خلق عَيْناه. فكان يَنْظر إلى عظامه، كيف تجمع إليه وإلى لحمه. 339- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: سمعت ابن عباس يقول: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: [الآية: 259]، قال: إنما قيل له ذلك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):