٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
260
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في عامل {إِذْ } قولان قال الزَّجّاج التقدير: اذكر إذ قال إبراهيم، وقال غيره إنه معطوف على قوله {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَاجَّ إِبْرٰهِيمَ } ألم تر إذ حاج إبراهيم في ربه، وألم تر إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى. المسألة الثانية: أنه تعالى لم يسم عزيراً حين قال: {أية : أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ } تفسير : [البقرة: 259] وسمى هٰهنا إبراهيم مع أن المقصود من البحث في كلتا القصتين شيء واحد، والسبب أن عزيراً لم يحفظ الأدب، بل قال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} وإبراهيم حفظ الأدب فإنه أثنى على الله أولاً بقوله {رَبّ } ثم دعا حيث قال: {أَرِنِى } وأيضاً أن إبراهيم لما راعى الأدب جعل الإحياء والإماتة في الطيور، وعزيراً لما لم يراع الأدب جعل الإحياء والإماتة في نفسه. المسألة الثالثة: ذكروا في سبب سؤال إبراهيم وجوهاً الأول: قال الحسن والضحاك وقتادة وعطاء وابن جريج: أنه رأى جيفة مطروحة في شط البحر فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت، وإذا ذهبت السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت، فقال إبراهيم: رب أرني كيف تجمع أجزاء الحيوان من بطون السباع والطيور ودواب البحر، فقيل: أو لم تؤمن قال بلى ولكن المطلوب من السؤال أن يصير العلم بالاستدلال ضرورياً. الوجه الثاني: قال محمد بن إسحاق والقاضي: سبب السؤال أنه مع مناظرته مع نمروذ لما قال: {رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ } فأطلق محبوساً وقتل رجلاً قال إبراهيم: ليس هذا بإحياء وإماتة، وعند ذلك قال: {رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } لتنكشف هذه المسألة عند نمروذ وأتباعه، وروي عن نمرود أنه قال: قل لربك حتى يحيي وإلا قتلتك، فسأل الله تعالى ذلك، وقوله {لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } بنجاتي من القتل أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي وبرهاني، وإن عدولي منها إلى غيرها ما كان بسبب ضعف تلك الحجة، بل كان بسبب جهل المستمع. والوجه الثالث: قال ابن عباس وسعيد بن جُبَيْر والسُّدّي رضي الله عنهم: أن الله تعالى أوحى إليه إني متخذ بشراً خليلاً: فاستعظم ذلك إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وقال إلٰهي ما علامات ذلك؟ فقال: علامته أنه يحيي الميت بدعائه، فلما عظم مقام إبراهيم عليه السلام في درجات العبودية وأداء الرسالة، خطر بباله: إني لعلي أن أكون ذلك الخليل، فسأل إحياء الميت فقال الله {أَوَلَمْ تُؤْمِنُ قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } على أنني خليل لك. الوجه الرابع: أنه صلى الله عليه وسلم إنما سأل ذلك لقومه وذلك أتباع الأنبياء كانوا يطالبونهم بأشياء تارة باطلة وتارة حقة، كقولهم لموسى عليه السلام: {أية : اجعل لنا إلٰهاً كما لهم آلهة} تفسير : [الأعراف:138] فسأل إبراهيم ذلك. والمقصود أن يشاهده فيزول الإنكار عن قلوبهم. الوجه الخامس: ما خطر ببالي فقلت: لا شك أن الأمة كما يحتاجون في العلم بأن الرسول صادق في ادعاء الرسالة إلى معجز يظهر على يده فكذلك الرسول عند وصول الملك إليه وإخباره إياه بأن الله بعثه رسولاً يحتاج إلى معجز يظهر على يد ذلك الملك ليعلم الرسول أن ذلك الواصل ملك كريم لا شيطان رجيم وكذا إذا سمع الملك كلام الله احتاج إلى معجز يدل على أن ذلك الكلام كلام الله تعالى لا كلام غيره وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال: إنه لما جاء الملك إلى إبراهيم وأخبره بأن الله تعالى بعثك رسولاً إلى الخلق طلب المعجز فقال: {رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } على أن الآتي ملك كريم لا شيطان رجيم. الوجه السادس: وهو على لسان أهل التصوف: أن المراد من الموتى القلوب المحجوبة عن أنوار المكاشفات والتجلي، والإحياء عبارة عن حصول ذلك التجلي والأنوار الإلٰهية فقوله {أرني كيف تحيي الموتى} طلب لذلك التجلي والمكاشفات فقال أولم تؤمن قال بلى أؤمن به إيمان الغيب، ولكن أطلب حصولها ليطمئن قلبي بسبب حصول ذلك التجلي، وعلى قول المتكلمين: العلم الاستدلالي مما يتطرق إليه الشبهات والشكوك فطلب علماً ضرورياً يستقر القلب معه استقرار لا يتخالجه شيء من الشكوك والشبهات. الوجه السابع: لعله طالع في الصحف التي أنزلها الله تعالى عليه أنه يشرف ولده عيسى بأنه يحيي الموتى بدعائه فطلب ذلك فقيل له {أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } على أني لست أقل منزلة في حضرتك من ولدي عيسى. الوجه الثامن: أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أمر بذبح الولد فسارع إليه، ثم قال: أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح ففعلت، وأنا أسألك أن تجعل غير ذي روح روحانياً، فقال: أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي على أنك اتخذتني خليلاً. الوجه التاسع: نظر إبراهيم صلى الله عليه وسلم في قلبه فرآه ميتاً بحب ولده فاستحيى من الله وقال: أرني كيف تحيي الموتى أي القلب إذا مات بسبب الغفلة كيف يكون إحياؤه بذكر الله تعالى. الوجه العاشر: تقدير الآية أن جميع الخلق يشاهدون الحشر يوم القيامة فأرني ذلك في الدنيا، فقال: أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي على أن خصصتني في الدنيا بمزيد هذا التشريف. الوجه الحادي عشر: لم يكن قصد إبراهيم إحياء الموتى، بل كان قصده سماع الكلام بلا واسطة. الثاني عشر: ما قاله قوم من الجهال، وهو أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان شاكاً في معرفة المبدأ وفي معرفة المعاد، أما شكه في معرفة المبدأ فقوله {هَـٰذَا رَبّى } وقوله {أية : لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالّينَ } تفسير : [الأنعام: 77] وأما شكه في المعاد فهو في هذه الآية، وهذا القول سخيف، بل كفر وذلك لأن الجاهل بقدرة الله تعالى على إحياء الموتى كافر، فمن نسب النبي المعصوم إلى ذلك فقد كفر النبي المعصوم، فكان هذا بالكفر أولى، ومما يدل على فساد ذلك وجوه أحدها: قوله تعالى: {أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } ولو كان شاكاً لم يصح ذلك وثانيها: قوله {وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } وذلك كلام عارف طالب لمزيد اليقين، ومنها أن الشك في قدرة الله تعالى يوجب الشك في النبوّة فكيف يعرف نبوّة نفسه. /أما قوله تعالى: {أَوَلَمْ تُؤْمِن } ففيه وجهان أحدهما: أنه استفهام بمعنى التقرير، قال الشاعر:شعر : ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح تفسير : والثاني: المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه عليه السلام كان مؤمناً بذلك عارفاً به وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر. أما قوله تعالى: {قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } فاعلم أن اللام في {لّيَطْمَئِنَّ } متعلق بمحذوف، والتقدير: سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب، قالوا. والمراد منه أن يزول عنه الخواطر التي تعرض للمستدل وإلا فاليقين حاصل على كلتا الحالتين. وهٰهنا بحث عقلي وهو أن التفسير مفرع على أن العلوم يجوز أن يكون بعضها أقوى من بعض، وفيه سؤال صعب، وهو أن الإنسان حال حصول العلم له إما أن يكون مجوزاً لنقيضه، وإما أن لا يكون، فإن جوّز نقيضه بوجه من الوجوه، فذاك ظن قوي لا اعتقاد جازم، وإن لم يجوز نقيضه بوجه من الوجوه امتنع وقوع التفاوت في العلوم. واعلم أن هذا الإشكال إنما يتوجه إذا قلنا المطلوب هو حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة الله تعالى على الإحياء، أما لو قلنا: المقصود شيء آخر فالسؤال زائل. أما قوله تعالى: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ ٱلطَّيْرِ } فقال ابن عباس رضي الله عنهما: أخذ طاوساً ونسراً وغراباً وديكاً، وفي قول مجاهد وابن زيد رضي الله عنهما: حمامة بدل النسر، وهٰهنا أبحاث: البحث الأول: أنه لما خص الطير من جملة الحيوانات بهذه الحالة ذكروا فيه وجهين الأول: أن الطيران في السماء، والارتفاع في الهواء، والخليل كانت همته العلو والوصول إلى الملكوت فجعلت معجزته مشاكلة لهمته. والوجه الثاني: أن الخليل عليه السلام لما ذبح الطيور وجعلها قطعة قطعة، ووضع على رأس كل جبل قطعاً مختلطة، ثم دعاها طار كل جزء إلى مشاكله، فقيل له كما طار كل جزء إلى مشاكله كذا يوم القيامة يطير كل جزء إلى مشاكله حتى تتألف الأبدان وتتصل به الأرواح، ويقرره قوله تعالى: {أية : يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ } تفسير : [القمر: 7]. البحث الثاني: أن المقصود من الإحياء والإماتة كان حاصلاً بحيوان واحد، فلم أمر بأخذ أربع حيوانات، وفيه وجهان الأول: أن المعنى فيه أنك سألت واحداً على قدر العبودية وأنا أعطي أربعاً على قدر الربوبية والثاني: أن الطيور الأربعة إشارة إلى الأركان الأربعة التي منها تركيب أبدان الحيوانات والنباتات والإشارة فيه أنك ما لم تفرق بين هذه الطيور الأربعة لا يقدر طير الروح على الارتفاع إلى هواء الربوبية وصفاء عالم القدس. البحث الثالث: إنما خص هذه الحيوانات لأن الطاوس إشارة إلى ما في الإنسان من حب الزينة والجاه والترفع، قال تعالى: {أية : زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوٰتِ } تفسير : [آل عمران: 14] والنسر إشارة إلى شدة الشغف بالأكل والديك إشارة إلى شدة الشغف بقضاء الشهوة من الفرج والغراب إشارة إلى شدة الحرص على الجمع والطلب، فإن من حرص الغراب أنه يطير بالليل ويخرج بالنهار في غاية البرد للطلب، والإشارة فيه إلى أن الإنسان ما لم يسع في قتل شهوة النفس والفرج وفي إبطال الحرص وإبطال التزين للخلق لم يجد في قلبه روحاً وراحة من نور جلال الله. أما قوله تعالى: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } بكسر الصاد، والباقون بضم الصاد، أما الضم ففيه قولان الأول: أن من صرت الشيء أصوره إذا أملته إليه ورجل أصور أي مائل العنق، ويقال: صار فلان إلى كذا إذا قال به ومال إليه، وعلى هذا التفسير يحصل في الكلام محذوف، كأنه قيل: أملهن إليك وقطعهن، ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ، فحذف الجملة التي هي قطعهن لدلالة الكلام عليه كقوله {أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ } على معنى: فضرب فانفلق لأن قوله {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جزءاً} يدل على التقطيع. فإن قيل: ما الفائدة في أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها؟. قلنا: الفائدة أن يتأمل فيها ويعرف أشكالها وهيآتها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء، ولا يتوهم أنها غير تلك. والقول الثاني: وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد {صرهن إليك } معناه قطعهن، يقال: صار الشيء يصوره صوراً، إذ قطعه، قال رؤبة يصف خصماً ألد: صرناه بالحكم، أي قطعناه، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى الإضمار، وأما قراءة حمزة بكسر الصاد، فقد فسّر هذه الكلمة أيضاً تارة بالإمالة، وأخرى بالتقطيع، أما الإمالة فقال الفرّاء: هذه لغة هذيل وسليم: صاره يصيره إذا أماته، وقال الأخفش وغيره {صرهن} بكسر الصاد: قطعهن. يقال: صاره يصيره إذا قطعه، قال الفرّاء: أظن أن ذلك مقلوب من صرى يصري إذا قطع، فقدمت ياؤها، كما قالوا: عثا وعاث، قال المبرّد: وهذا لا يصح، لأن كل واحد من هذين اللفظين أصل في نفسه مستقل بذاته، فلا يجوز جعل أحدهما فرعاً عن الآخر. المسألة الثانية: أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية: قطعهن، وأن إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها، وخلط بعضها على بعض، غير أبي مسلم فإنه أنكر ذلك، وقال: إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الميت من الله تعالى أراه الله تعالى مثالا قرب به الأمر عليه، والمراد بصرهن إليك الإمالة والتمرين على الإجابة، أي فعود الطيور الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك وأتتك، فإذا صارت كذلك، فاجعل على كل جبل واحداً حال حياته، ثم ادعهن يأتينك سعياً، والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة وأنكر القول بأن المراد منه: فقطعهن. واحتج عليه بوجوه الأول: أن المشهور في اللغة في قوله { فَصُرْهُنَّ } أملهن وأما التقطيع والذبح فليس في الآية ما يدل عليه، فكان إدراجه في الآية إلحاقاً لزيادة بالآية لم يدل الدليل عليها وأنه لا يجوز والثاني: أنه لو كان المراد بصرهن قطعهن لم يقل إليك، فإن ذلك لا يتعدى بإلي وإنما يتعدى بهذا الحرف إذا كان بمعنى الإمالة. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: فخذ إليك أربعة من الطير فصرهن. قلنا: التزام التقديم والتأخير من غير دليل ملجىء إلى التزامه خلاف الظاهر والثالث: أن الضمير في قوله {ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ } عائد إليها لا إلى أجزائها، وإذا كانت الأجزاء متفرقة متفاصلة وكان الموضوع على كل جبل بعض تلك الأجزاء يلزم أن يكون الضمير عائداً إلى تلك الأجزاء لا إليها، وهو خلاف الظاهر، وأيضاً الضمير في قوله {يَأْتِينَكَ سَعْيًا } عائداً إليها لا إلى إجزائها وعلى قولكم إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض كان الضمير في {يَأْتِينَكَ } عائداً إلى أجزائها لا إليها، واحتج القائلون بالقول المشهور بوجوه الأول: أن كل المفسرين الذين كانوا قبل أبي مسلم أجمعوا على أنه حصل ذبح تلك الطيور وتقطيع أجزائها، فيكون إنكار ذلك إنكاراً للإجماع والثاني: أن ما ذكره غير مختص بإبراهيم صلى الله عليه وسلم، فلا يكون له فيه مزية على الغير والثالث: أن إبراهيم أراد أن يريه الله كيف يحيي الموتى، وظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ذلك، وعلى قول أبي مسلم لا تحصل الإجابة في الحقيقة والرابع: أن قوله {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا } يدل على أن تلك الطيور جعلت جزأ جزأ، قال أبو مسلم في الجواب عن هذا الوجه: أنه أضاف الجزء إلى الأربعة فيجب أن يكون المراد بالجزء هو الواحد من تلك الأربعة والجواب: أن ما ذكرته وإن كان محتملاً إلا أن حمل الجزء على ما ذكرناه أظهر والتقدير: فاجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزأً أو بعضاً. أما قوله تعالى: {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءاً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: ظاهر قوله {عَلَىٰ كُلّ جَبَلٍ } جميع جبال الدنيا، فذهب مجاهد والضحاك إلى العموم بحسب الإمكان، كأنه قيل: فرقها على كل جبل يمكنك التفرقة عليه، وقال ابن عباس والحسن وقتادة والربيع أربعة جبال على حسب الطيور الأربعة وعلى حسب الجهات الأربعة أيضاً أعني المشرق والمغرب والشمال والجنوب، وقال السدي وابن جريج: سبعة من الجبال لأن المراد كل جبل يشاهده إبراهيم عليه السلام حتى يصح منه دعاء الطير، لأن ذلك لا يتم إلا بالمشاهدة، والجبال التي كان يشاهدها إبراهيم عليه السلام سبعة. المسألة الثانية: روي أنه صلى الله عليه وسلم أمر بذبحها ونتف ريشها وتقطيعها جزءاً جزءاً وخلط دمائها ولحومها، وأن يمسك رؤوسها، ثم أمر بأن يجعل أجزاءها على الجبال على كل جبل ربعاً من كل طائر، ثم يصيح بها: تعالين بإذن الله تعالى، ثم أخذ كل جزء يطير إلى الآخر حتى تكاملت الجثث، ثم أقبلت كل جثة إلى رأسها وانضم كل رأس إلى جثته، وصار الكل أحياء بإذن الله تعالى. المسألة الثالثة: قرأ عاصم في رواية أبي بكر والفضل {جُزْءا } مثقلاً مهموزاً حيث وقع، والباقون مهمزاً مخففاً وهما لغتان بمعنى واحد. أما قوله تعالى: {ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا } فقيل عدواً ومشياً على أرجلهن، لأن ذلك أبلغ في الحجة، وقيل طيراناً وليس يصح، لأنه لا يقال للطير إذا طار: سعى، ومنهم من أجاب عنه بأن السعي هو الاشتداد في الحركة، فإن كانت الحركة طيراناً فالسعي فيها هو الاشتداد في تلك الحركة. وقد احتج أصحابنا بهذه الآية على أن البنية ليست شرطاً في صحة الحياة، وذلك لأنه تعالى جعل كل واحد من تلك الأجزاء والأبعاض حياً فاهماً للنداء، قادراً على السعي والعدو، فدل ذلك على أن البنية ليست شرطاً في صحة الحياة قال القاضي: الآية دالة على أنه لا بد من البنية من حيث أوجب التقطيع بطلان حياتها. والجواب: أنه ضعيف لأن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة، أما الانفكاك عنه في بعض الأحوال فإنه يدل على أن المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة، ولما دلّت الآية على حصول فهم النداء، والقدرة على السعي لتلك الأجزاء حال تفرقها، كان دليلاً قاطعاً على أن البنية ليست شرطاً للحياة. أما قوله تعالى: {وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فالمعنى أنه غالب على جميع الممكنات {حَكِيمٌ } أي عليم بعواقب الأمور وغايات الأشياء.
القرطبي
تفسير : . اختلف الناس في هذا السؤال هل صدر من إبراهيم عن شكّ أم لا؟ فقال الجمهور: لم يكن إبراهيم عليه السَّلام شاكّاً في إحياء الله الموتىٰ قطُّ وإنما طلب المعانية، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به؛ ولهذا قال عليه السلام: «حديث : ليس الخبر كالمعانية» تفسير : رواه ابن عباس لم يروه غيره؛ قاله أبو عمر. قال الأخفش: لم يُرد رؤية القلب وإنما أراد رؤية العين. وقال الحسن وقَتادة وسعيد ابن جُبير والربيع: سأل ليزداد يقيناً إلى يقينه. قال ابن عطية: وترجم الطبريّ في تفسيره فقال: وقال آخرون سأل ذلك ربّه؛ لأنه شك في قدرة الله تعالىٰ. وأدخل تحت الترجمة عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية أرجى عندي منها. وذُكر عن عطاء بن أبي رَبَاح أنه قال: دخل قلبَ إبراهيم بعضُ ما يدخل قلوب الناس فقال: رب أرني كيف تحيي الموتىٰ. وذكر حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نحن أحقّ بالشك من إبراهيم»تفسير : الحديث، ثم رجّح الطبريّ هذا القول. قلت: حديث أبي هريرة خرّجه البخاريّ ومُسْلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نحن أحق بالشّك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال أوَ لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ويرحم الله لوطاً لقد كان يأوِي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الدّاعي»تفسير : . قال ابن عطية: وما ترجم به الطبريّ عندي مردود، وما أدخل تحت الترجمة متأوّل؛ فأما قول ابن عباس: «هي أرجى آية» فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالىٰ وسؤال الإحياء في الدنيا وليست مظنة ذلك. ويجوز أن يقول: هي أرجى آية لقوله «أوَلم تؤمن» أي إن الإيمان كاف لا يحتاج معه إلى تنقير وبحث. وأما قول عطاء: «دخل قلبَ إبراهيم بعضُ ما يدخل قلوب الناس» فمعناه من حيث المعاينة على ما تقدّم. وأما قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : نحن أحق بالشك من إبراهيم»تفسير : فمعناه أنه لو كان شاكاً لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك فإبراهيم عليه السَّلام أحْرَىٰ ألاّ يشك؛ فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم، والذي روي فيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ذلك محض الإيمان»تفسير : إنما هو في الخواطر التي لا تثبت، وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفي عن الخليل عليه السَّلام. وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع وقد كان إبراهيم عليه السَّلام أعلم به، يدلّك على ذلك قوله {أية : رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ}تفسير : [البقرة: 258] فالشك يبعد على من تثبت قدمه في الإيمان فقط فكيف بمرتبة النبوّة والخُلّة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعاً. وإذا تأمّلت سؤاله عليه السلام وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكاً وذلك أن الإستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حالة شيء موجود متقرّر الوجود عند السائل والمسؤول؛ نحو قولك: كيف عِلْمُ زيد؟ وكيف نَسْجُ الثوب؟ ونحو هذا. ومتى قلت: كيف ثَوبكِ؟ وكيف زيد؟ فإنما السؤال عن حال من أحواله. وقد تكون «كيف» خبراً عن شيء شأنه أن يُستفهم عنه بكيف، نحو قولك: كيف شئت فكن، ونحو قول البخاريّ: كيف كان بدء الوَحْي. و «كيف» في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياءُ متقرِّرٌ، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبّرون عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح، فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح؛ مثال ذلك أن يقول مدّع: أنا أرفع هذا الجبل؛ فيقول المكذِّب له: أرني كيف ترفعه! فهذه طريقة مجازٍ في العبارة، ومعناها تسليم جَدَليٌّ، كأنه يقول: افرض أنك ترفعه، فأرني كيف ترفعه! فلما كانت عبارة الخليل عليه السَّلام بهذا الإشتراك المجازي، خلص الله له ذلك وحمله على أن بيّن له الحقيقة فقال له: {أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ} فكمل الأمر وتخلّص من كل شك، ثم علّل عليه السَّلام سؤاله بالطمأنينة. قلت: هذا ما ذكره ابن عطية وهو بالغ، ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك فإنه كفر، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث. وقد أخبر الله تعالىٰ أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}تفسير : [الحجر: 42] وقال اللعين: إلاَّ عبادك منهم المخلصين، وإذالم يكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم، وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتىٰ بعد تفريقها وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها؛ فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى علم اليقين؛ فقوله: «أرني كيف» طلب مشاهدة الكيفية. وقال بعض أهل المعاني: إنما أراد إبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي القلوب؛ وهذا فاسد مردود بما تعقّبه من البيان، ذكره الماورديّ وليست الألف في قوله: «أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ» ألف استفهام وإنما هي ألف إيجاب وتقرير كما قال جرير:شعر : ألستُـم خيَـر مـن ركـب المَطايَـا تفسير : والواو واو الحال. و «تُؤْمِنْ» معناه إيماناً مطلقاً، دخل فيه فضل إحياء الموتىٰ. {قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} أي سألتك ليطمئن قلبي بحصول الفَرْق بين المعلوم برهاناً والمعلوم عياناً. والطمأنينة: اعتدال وسكون، فطمأنينة الأعضاء معروفة، كما قال عليه السَّلام: «حديث : ثم ٱركع حتى تطمئنَّ راكعاً»تفسير : الحديث. وطمأنينة القلب هي أن يسكن فكره في الشيء المعتقَد. والفكر في صورة الإحياء غير محظور، كما لَنا نحن اليوم أن نفكر (فيها) إذْ هي فِكَر فيها عِبَرَ فأراد الخليل أن يعاين فيذهب فِكْره في صورة الإحياء. وقال الطبريّ: معنى «ليطمئن قلبي» ليوقن؛ وحُكي نحو ذلك عن سعيد بن جُبير، وحُكي عنه ليزداد يقيناً؛ وقاله إبراهيم وقتادة. وقال بعضهم: لأزداد إيماناً مع إيماني. قال ابن عطية: ولا زيادة في هذا المعنى تمكن إلاَّ السكون عن الفكر وإلاَّ فاليقين لا يتَبَعّض. وقال السُّدِّي وابن جُبير أيضاً: أو لم تؤمن بأنك خليلي؟ قال: بلىٰ ولكن ليطمئن قلبي بالخُلّة. وقيل: دعا أن يريه كيف يحيي الموتىٰ ليعلم هل تستجاب دعوته، فقال الله له: أو لم تؤمن أني أجيب دعاءك، قال: بلىٰ ولكن لطمئن قلبي أنك تجيب دعائي. واختلف في المحرّك له على ذلك؛ فقيل: إن الله وعده أن يتخذه خليلاً فأراد آيةً على ذلك؛ قاله السائب بن يزيد. وقيل: قول النمروذ: أنا أحيي وأُميت. وقال الحسن: رأى جيفة نصفها في البر تُوزّعها السباع ونصفها في البحر توزعها دواب البحر، فلما رأى تفرّقها أحبّ أن يرى انضمامها فسأل ليطمئن قلبه برؤية كيفية الجمع كما رأى كيفية التفريق؛ فقيل له: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ} قيل: هي الدِّيك والطاووس والحمام والغراب؛ ذكر ذلك ابن إسحاق عن بعض أهل العلم، وقاله مجاهد وابن جُريج وعطاء بن يسار وابن زيد. وقال ابن عباس مكان الغراب الكُرْكِيّ، وعنه أيضاً مكان الحمام النّسر. فأخذ هذه الطير حسب ما أمر وذكّاها ثم قطعها قطعاً صغاراً، وخلط لحوم البعض إلى لحوم البعض مع الدم والريش حتى يكون أعجب، ثم جعل من ذلك المجموع المختلط جزءاً على كل جبل، ووقف هو من حيث يرى تلك الأجزاء وأمسك رؤوس الطير في يده، ثم قال: تعالين بإذن الله، فتطايرت تلك الأجزاء وطار الدم إلى الدم والريش إلى الريش حتى التأمت مثل ما كانت أوّلاً وبقيت بلا رؤوس، ثم كرر النداء فجاءته سَعْياً، أي عَدْواً على أرجلهنّ. ولا يُقال للطائر: «سعى» إذا طار إلاَّ على التمثيل؛ قاله النحاس. وكان إبراهيم إذا أشار إلى واحد منها بغير رأسه تباعد الطائر، وإذا أشار إليه برأسه قربُ حتى لقي كل طائر رأسه، وطارت بإذن الله. وقال الزجاج: المعنى ثم ٱجعل على كل جبل من كل واحد جزءاً. وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو جعفر «جُزُؤاً» على فُعُل. وعن أبي جعفر أيضاً «جُزّاً» مشدّدة الزاي. الباقون مهموز مخفّف، وهي لغات، ومعناه النصيب. {يَأْتِينَكَ سَعْياً} نصب على الحال. و {فَصُرْهُنَّ} معناه قطعهن؛ قاله ابن عباس ومجاهد وأبو عبيدة وابن الأنباري؛ يُقال: صار الشيءَ يَصُوره أي قطعة؛ وقاله ابن إسحاق. وعن أبي الأسود الدؤلي: هو بالسريانية التقطيع؛ قال تَوْبة بن الحُمَيِّر يصفه:شعر : فلمّا جذبت الحبل أطّت نُسوعُه بأطراف عيدان شديد سيورها فأدْنت ليَ الأسباب حتى بلغتُها بنهضي وقد كاد ارتقائي يصورَها تفسير : أي يقطعها. والصَّوْر: القطع. وقال الضّحاك وعكرمة وابن عباس في بعض ما روي عنه: إنها لفظة بالنبطية معناه قَطِّعهن. وقيل: المعنى أمِلْهُنْ إليك، أي اضممهنّ وٱجمعهنّ إليك؛ يُقال: رجل أَصْور إذا كان مائل العنق. وتقول: إني إليكم لأصْور، يعني مشتاقاً مائلاً. وٱمرأة صَوْراء، والجمع صور مثل أَسْود وسُود، قال الشاعر:شعر : اللَّهُ يَعلم أَنّا في تلفّتِنا يومَ الفِراق إلى جيراننا صُورُ تفسير : فقوله {إِلَيْكَ} على تأويل التقطيع متعلق بـ «ـخُدْ» ولا حاجة إلى مضمر، وعلى تأويل الإمالة والضم متعلق بـ «ـصُرْهُنّ» وفي الكلام متروك: فأمِلْهُنّ إليك ثم قطعهن. وفيها خمس قراءات: ثنتان في السبع وهما ضم الصاد وكسرها وتخفيف الراء. وقرأ قوم «فصُرَّهن» بضم الصاد وشدّ الراء المفتوحة، كأنه يقول فشدّهن؛ ومنه صُرّة الدنانير. وقرأ قوم «فصِرّهن» بكسر الصاد وشدّ الراء المفتوحة، ومعناه صيّحهن؛ من قولك: صرّ البابُ والقلمُ إذا صوّت؛ حكاه النّقاش. قال ابن جِنِّي: هي قراءة غريبة، وذلك أن يفعل بكسر العين في المضاعف المتعدّىٰ قليل، وإنما بابه يفعُل بضم العين؛ كشدّ يشدّ ونحوه، لكن قد جاء منه نَمّ الحديثَ يَنُمّه وَيَنّمِه، وهر الحرب يهرها ويهِرّها؛ ومنه بيت الأعشىٰ:شعر : ليَعْتَوِرَنْـك القـولُ حتـى تَهِـرّه تفسير : إلى غير ذلك في حروف قليلة. قال ابن جِني: وأما قراءة عِكرمة بضم الصاد فيحتمل في الراء الضم والفتح والكسر (كمدّ وشد) والوجه ضم الراء من أجل ضمة الهاء من بعد. القراءة الخامسة «صَرِّهِنّ» بفتح الصاد وشدّ الراء مكسورة؛ حكاها المهدوِيّ وغيره عن عكرمة، بمعنى فاحبسهن؛ من قولهم: صَرَّى يُصَرِّي إذا حبس؛ ومنه الشاة المُصَرّاة. وهنا اعتراض ذكره الماورديّ (وهو) يُقال: فكيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسىٰ في قوله {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف: 143]؟ فعنه جوابان: أحدهما أن ماسأله موسى لا يصح مع بقاء التكليف، وما سأله إبراهيم خاص يصح معه بقاء التكليف. الثاني أن الأحوال تختلف فيكون الأصلح في بعض الأوقات الإجابة، وفي وقت آخر المنع فيما لم يتقدّم فيه إذن. وقال ابن عباس: أمر الله تعالىٰ إبراهيم بهذا قبل أن يُولد له وقبل أن يُنزل عليه الصحفَ، والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ} إنما سأل ذلك ليصير علمه عياناً، وقيل لما قال نمروذ أنا أحيي وأميت قال له: إن إحياء الله تعالى برد الروح إلى بدنها، فقال نمروذ: هل عاينته فلم يقدر أن يقول نعم. وانتقل إلى تقرير آخر، ثم سأل ربه أن يريه ليطمئن قلبه على الجواب إن سئل عنه مرة أخرى. {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} بأني قادر على الإِحياء بإعادة التركيب والحياة، قال له ذلك وقد علم أنه أغرق الناس في الإِيمان ليجيب بما أجاب به فيعلم السامعون غرضه. {قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} أي بلى آمنت ولكن سألت ذلك لأزيد بصيرة وسكون قلب بمضامة العيان إلى الوحي أو الاستدلال. {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ ٱلطَّيْرِ} قيل طاوساً وديكاً وغراباً وحمامة، ومنهم من ذكر النسر بدل الحمامة وفيه إيماء إلى أن إحياء النفس بالحياة الأبدية إنما يتأتى بإماتة حب الشهوات والزخارف الذي هو صفة الطاوس، والصولة المشهور بها الديك وخسة النفس وبعد الأمل المتصف بهما الغراب، والترفع والمسارعة إلى الهوى الموسوم بهما الحمام. وإنما خص الطير لأنه أقرب إلى الإِنسان وأجمع لخواص الحيوان والطير مصدر سمي به أو جمع كصحب. {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } فأملهن واضممهن إليك لتتأملها وتعرف شياتها لئلا تلتبس عليك بعد الإِحياء. وقرأ حمزة ويعقوب {فَصِرْهُنَّ } بالكسر وهما لغتان قال:شعر : وَمَا صَيَدُ الأَعْنَاقِ فِيهم حِيلَة ولَكِنْ أَطْرَافَ الرِّماحِ تَصُورُهَا تفسير : وقال:شعر : وَفَرْعٌ يصِيرُ الجِيدَ وَحْفٌ كَأنه عَلى اللَّيثِ قِنْوانُ الكُرُومِ الدَّوالِح تفسير : وقرىء {فَصُرْهُنَّ} بضم الصاد وكسرها وهما لغتان، مشددة الراء من صره يصره ويصره إذا جمعه وفصرهن من التصرية وهي الجمع أيضاً. {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءاً} أي ثم جزئهن وفرق أجزاءهن على الجبال التي بحضرتك. قيل كانت أربعة. وقيل سبعة. وقرأ أبو بكر «جزؤا» و «جزؤ» بضم الزاي حيث وقع. {ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ} قل لهن تعالين بإذن الله تعالى. {يَأْتِينَكَ سَعْيًا } ساعيات مسرعات طيراناً أو مشياً. روي أنه أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها فيمسك رؤوسها، ويخلط سائر أجزائها ويوزعها على الجبال، ثم يناديهن. ففعل ذلك فجعل كل جزء يطير إلى آخر حتى صارت جثثاً ثم أقبلن فانضممن إلى رؤوسهن. وفيه إشارة إلى أن من أراد إحياء نفسه بالحياة الأبدية، فعليه أن يقبل على القوى البدنية فيقتلها ويمزج بعضها ببعض حتى تنكسر سورتها، فيطاوعنه مسرعات متى دعاهن بدعاية العقل أو الشرع. وكفى لك شاهداً على فضل إبراهيم عليه الصلاة والسلام وَيُمْنُ الضراعة في الدعاء وحسن الأدب في السؤال، إنه تعالى أراه ما أراد أن يريه في الحال على أيسر الوجوه، وأراه عُزّيراً بعد أن أماته مائة عام. {وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} لا يعجز عما يريده. {حَكِيمٌ} ذو حكمة بالغة في كل ما يفعله ويذره.
ابن كثير
تفسير : ذكروا لسؤال إبراهيم عليه السلام أسباباً، منها: أنه لما قال لنمرود: {رَبِّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ} أحب أن يترقى من علم اليقين بذلك، إلى عين اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدة، فقال: {رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى} فأما الحديث الذي رواه البخاري عند هذه الآية: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، وسعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى، قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي»تفسير : . وكذا رواه مسلم عن حرملة بن يحيى، عن وهب به، فليس المراد ههنا بالشك، ما قد يفهمه من لا علم عنده بلا خلاف، وقد أجيب عن هذا الحديث بأجوبة أحدها. وقوله: {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} اختلف المفسرون في هذه الأربعة ما هي؟ وإن كان لا طائل تحت تعيينها، إذ لو كان في ذلك مهم لنص عليه القرآن، فروي عن ابن عباس، أنه قال: هي الغرنوق والطاوس والديك والحمامة، وعنه أيضاً أنه أخذ وزاً، ورألاً، وهو فرخ النعام، وديكاً، وطاوساً. وقال مجاهد وعكرمة: كانت حمامة وديكاً وطاوساً وغراباً. وقوله: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} أي: وقطعهن، قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو مالك وأبو الأسود الدؤلي ووهب بن منبه والحسن والسدي وغيرهم. وقال العوفي عن ابن عباس: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ}: أوثقهن، فلما أوثقهن، ذبحهن، ثم جعل على كل جبل منهن جزءاً، فذكروا أنه عمد إلى أربعة من الطير، فذبحهن، ثم قطعهن ونتف ريشهن ومزقهن، وخلط بعضهن ببعض، ثم جزأهن أجزاء، وجعل على كل جبل منهن جزءاً، قيل: أربعة أجبل، وقيل سبعة، قال ابن عباس: وأخذ رؤوسهن بيده، ثم أمره الله عز وجل أن يدعوهن، فدعاهن كما أمره الله عز وجل، فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدم إلى الدم، واللحم إلى اللحم، والأجزاء من كل طائر، يتصل بعضها إلى بعض، حتى قام كل طائر على حدته، وأتينه يمشين سعياً؛ ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم عليه السلام، فإذا قدم له غير رأسه يأباه، فإذا قدم إليه رأسه تركب مع بقية جسده بحول الله وقوته، ولهذا قال: {وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي: عزيز لا يغلبه شيء، ولا يمتنع من شيء، وما شاء كان بلا ممانع؛ لأنه العظيم القاهر لكل شيء، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أيوب في قوله: {وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى} قال: قال ابن عباس: ما في القرآن آية أرجى عندي منها. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت زيد بن علي يحدث عن رجل عن سعيد بن المسيب قال: اتفق عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص أن يجتمعا، قال: ونحن شببة، فقال أحدهما لصاحبه: أي آية في كتاب الله أرجى عندك لهذه الأمة؟ فقال عبد الله بن عمرو: قوله الله تعالى: {أية : قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا}تفسير : [الزمر: 53] الآية، فقال ابن عباس: أما إن كنت تقول هذا، فأنا أقول: أرجى منها لهذه الأمة، قول إبراهيم: {رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى} وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني محمد بن أبي سلمة عن عمرو، حدثني ابن المنكدر أنه قال: التقى عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص، فقال ابن عباس لابن عمرو بن العاص: أي آية في القرآن أرجى عندك؟ فقال عبد الله بن عمرو: قول الله عز وجل: {أية : قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا} تفسير : [الزمر: 53] الآية، فقال ابن عباس: لكن أنا أقول: قول الله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ} فرضي من إبراهيم قوله: {بَلَىٰ}، قال: فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان، وهكذا رواه الحاكم في المستدرك عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب بن الأحزم، عن إبراهيم بن عبد الله السعدي، عن بشر بن عمر الزهراني، عن عبد العزيز بن أبي سلمة بإسناده مثله، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر { وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبِّ أَرِنِى كيف تُحْي المَوْتىٰ} تعالى له {أَوَلَمْ تُؤْمِن } بقدرتي على الإحياء؟ سأله مع علمه بإيمانه بذلك ليجيبه بما سأل فيعلم السامعون غرضه {قَالَ بَلَىٰ } آمنت {وَلَٰكِنِ } سألتك {لّيَطْمَئِنَّ } يسكن {قَلْبِى } بالمعاينة المضمومة إلى الاستدلال {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } بكسر الصاد وضمها أملهن إليك وقطعهن واخلط لحمهن وريشهن {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلّ جَبَلٍ } من جبال أرضك {مّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ } إليك {يَأْتِينَكَ سَعْيًا } سريعاً {وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } لا يعجزه شيء {حَكِيمٌ } في صنعه فأخذ طاووساً ونسراً وغراباً وديكاً وفعل بهن ما ذكر وأمسك رؤوسهن عنده ودعاهن فتطايرت الأجزاء إلى بعضها حتى تكاملت ثم أقبلت إلى رؤوسها.
الشوكاني
تفسير : قوله: "وَإِذْ" ظرف منصوب بفعل محذوف، أي: اذكر وقت قول إبراهيم، وإنما كان الأمر بالذكر موجهاً إلى الوقت دون ما وقع فيه مع كونه المقصود لقصد المبالغة؛ لأن طلب وقت الشيء يستلزم طلبه بالأولى، وهكذا يقال في سائر المواضع الواردة في الكتاب العزيز بمثل هذا الظرف. وقوله: {رَبّ } آثره على غيره لما فيه من الاستعطاف الموجب لقبول ما يرد بعده من الدعاء. وقوله: {أَرِنِى } قال الأخفش: لم يرد رؤية القلب، وإنما أراد رؤية العين، وكذا قال غيره، ولا يصح أن يراد الرؤية القلبية هنا؛ لأن مقصود إبراهيم أن يشاهد الإحياء لتحصل له الطمأنينة، والهمزة الداخلة على الفعل لقصد تعديته إلى المفعول الثاني، وهو الجملة: أعني قوله: {كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } وكيف: في محل نصب على التشبيه بالظرف، أو بالحال، والعامل فيها الفعل الذي بعدها. وقوله: {أَوَلَمْ تُؤْمِن } عطف على مقدر أي: ألم تعلم، ولم تؤمن بأني قادر على الإحياء حتى تسألني إراءته؟ {قَالَ بَلَىٰ } علمت، وآمنت بأنك قادر على ذلك، ولكن سألت ليطمئن قلبي باجتماع دليل العيان إلى دلائل الإيمان. وقد ذهب الجمهور إلى أن إبراهيم لم يكن شاكاً في إحياء الموتى قط، وإنما طلب المعاينة لما جُبلت عليه النفوس البشرية من رؤية ما أخبرت عنه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس الخبر كالمعاينة»تفسير : . وحكى ابن جرير، عن طائفة من أهل العلم أنه سأل ذلك؛ لأنه شك في قدرة الله. واستدلوا بما صح عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين، وغيرهما من قوله: «حديث : نحن أحق بالشك من إبراهيم»تفسير : وبما روى عن ابن عباس أنه قال: «ما في القرآن عندي آية أرجى منها». أخرجه عنه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، ورجح هذا ابن جرير بعد حكايته له. قال ابن عطية: وهو عندي مردود، يعني: قول هذه الطائفة، ثم قال: وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : نحن أحق بالشك من إبراهيم» تفسير : فمعناه: أنه لو كان شاكاً لكنا نحن أحق به، ونحن لا نشك، فإبراهيم أحرى أن لا يشك. فالحديث مبني على نفي الشكّ عن إبراهيم. وأما قول ابن عباس: هي أرجى آية، فمن حيث أن فيها الإدلال على الله، وسؤال الإحياء في الدنيا، وليست مظنة ذلك. ويجوز أن نقول هي أرجى آية لقوله: {أَوَلَمْ تُؤْمِن } أي: أن الإيمان كاف لا يحتاج معه إلى تنقير، وبحث، قال: فالشك يبعد على من ثبت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوة، والخلة؟ والأنبياء معصومون من الكبائر، ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعاً، وإذا تأملت سؤاله عليه السلام، وسائر الألفاظ للآية لم تعط شكاً، وذلك أن الاستفهام بـ {كيف} إنما هو سؤال عن حالة شيء موجود متقرر الوجود عند السائل، والمسئول نحو قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت: كيف ثوبك؟ وكيف زيد؟ فإنما السؤال عن حال من أحواله. وقد تكون {كيف} خبراً، عن شيء شأنه أن يستفهم، عنه بكيف نحو قولك: كيف شئت فكن، ونحو قول البخاري: كيف كان بدء الوحي؟ وهي في هذه الآية استفهام، عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرّر، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبرون، عن إنكاره بالاستفهام، عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح، فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح، مثال ذلك أن يقول مدُعَّ: أنا أرفع هذا الجبل، فيقول المكذب له: أرني كيف ترفعه. فهذه طريقة مجاز في العبارة، ومعناها تسليم جدل، كأنه يقول: افرض أنك ترفعه. فلما كان في عبارة الخليل هذا الاشتراك المجازي خلص الله له ذلك، وحمله على أن بين له الحقيقة، فقال له: {أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ } فكمل الأمر، وتخلص من كل شيء، ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة. قال القرطبي: هذا ما ذكره ابن عطية، وهو بالغ، ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك، فإنه كفر، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث. وقد أخبر الله سبحانه أن أنبياءه، وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل: فقال: {أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ }تفسير : [الإسراء: 65]. وقال اللعين: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ }تفسير : [الحجر: 40] وإذا لم يكن له عليهم سلطنة، فكيف يشككهم، وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها، واتصال الأعصاب، والجلود بعد تمزيقها، فأراد أن يرقى من علم اليقين إلى عين اليقين، فقوله: {أَرِنِى كَيْفَ } طلب مشاهدة الكيفية. قال الماوردي: وليست الألف في قوله: {أَوَلَمْ تُؤْمِن } ألف الاستفهام، وإنما هي ألف إيجاب، وتقرير، كما قال جرير:شعر : ألَستُم خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا وَأنْدَى العَالَمين بُطونَ رَاحِ تفسير : والواو واو الحال، و{تؤمن}: معناه إيماناً مطلقاً دخل فيه فضل إحياء الموتى، والطمأنينة: اعتدال، وسكون. وقال ابن جرير: معنى: {لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } ليوقن. قوله: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ ٱلطَّيْرِ } الفاء جواب شرط محذوف أي: إن أردت ذلك فخذ، والطير: اسم جمع لطائر كركب لراكب، أو جمع، أو مصدر، وخص الطير بذلك، قيل: لأنه أقرب أنواع الحيوان إلى الإنسان، وقيل: إن الطير همته الطيران في السماء، والخليل كانت همته العلوّ، وقيل: غير ذلك من الأسباب الموجبة لتخصيص الطير. وكل هذه لا تسمن، ولا تغني من جوع، وليس إلا خواطر أفهام، وبوادر أذهان لا ينبغي أن تجعل وجوها لكلام الله، وعللاً لما يرد في كلامه، وهكذا قيل: ما وجه تخصيص هذا العدد، فإن الطمأنينة تحصل بإحياء واحد؟ فقيل إن الخليل إنما سأل واحداً على عدد العبودية، فأعطى أربعاً على قدر الربوبية، وقيل: إن الطيور الأربعة إشارة إلى الأركان الأربعة التي منها تتركب أركان الحيوان، ونحو ذلك من الهذيان. قوله: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } قرىء بضم الصاد، وكسرها أي: اضممهنّ إليك، وأملْهُنّ، واجمعهن، يقال: رجل أصور: إذا كان مائل العنق، ويقال: صار الشيء يصوره: أماله. قال الشاعر:شعر : اللهُ يَعْلَمُ أَنَّا في تَلَفِتُّنا يَوْمَ الفِرَاقِ إلى جِيَرانِنا صُورُ تفسير : وقيل: معناه قطعهنّ. يقال صار الشيء يصوره، أي: قطعه، ومنه قول توبة بن الحميِّر:شعر : فَأَدْنَتَ لي الأَسْبَابَ حَتَّى بَلَغْتُها بِنَهْضِى وَقَد كَادَ اجْتِماعِي يَصُورُهَا تفسير : أي: يقطعها، وعلى هذا يكون قوله: {إِلَيْكَ } متعلقاً بقوله: {خُذ }. وقوله: {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا } فيه الأمر بالتجزئة؛ لأن جعل كل جزء على جبل تستلزم تقدّم التجزئة. قال الزجاج: المعنى، ثم اجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءاً، والجزء: النصيب. وقوله: {يَأْتِينَكَ } في محل جزم على أنه جواب الأمر، ولكنه بُنِي لأجل نون الجمع المؤنث. وقوله: {سَعْيًا } المراد به: الإسراع في الطيران، أو المشي. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس قال: إن إبراهيم مرّ برجل ميت زعموا أنه حبشي على ساحل البحر، فرأى دواب البحر تخرج، فتأكل منه، وسباع الأرض تأتيه، فتأكل منه، والطير يقع عليه، فيأكل منه، فقال إبراهيم عند ذلك: ربّ، هذه دواب البحر تأكل من هذا، وسباع الأرض، والطير، ثم تميت هذه فتبلى، ثم تحييها، فأرني كيف تحيي الموتى؟ {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن } يا إبراهيم أني أحيي الموتى؟ {قَالَ بَلَىٰ } يا ربّ {وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } يقول: لأرى من آياتك، وأعلم أنك قد أجبتني، فقال الله: خذ أربعاً من الطير، واصنع ما صنع، والطير الذي أخذ: وز، ورأل، وديك، وطاوس، وأخذ نصفين مختلفين: ثم أتى أربعة أجْبُل، فجعل على كل جبل نصفين مختلفين، وهو قوله: {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءاً} ثم تنحى ورءوسها تحت قدميه، فدعا باسم الله الأعظم، فرجع كل نصف إلى نصفه، وكل ريش إلى طائره، ثم أقبلت تطير بغير رءوس إلى قدميه تريد رءوسها بأعناقها، فرفع قدميه، فوضع كل طائر منها عنقه في رأسه، فعادت كما كانت. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة نحوه. وأخرج أيضاً، عبد بن حميد، وابن المنذر، عن الحسن، نحوه. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج أنها كانت جيفة حمار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله: {وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } يقول: أعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ ٱلطَّيْرِ } قال: الغرنوق، والطاوس، والديك، والحمامة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، قال الأربعة من الطير: الديك، والطاوس، والغراب، والحمام وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس: {قصرهنّ} قال: قطعهنّ. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه قال: هي بالنبطية: شققهن. وأخرجا عنه أنه قال: {فَصُرْهُنَّ} أوثقهنّ، وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: وضعهن على سبعة أجبل، وأخذ الرءوس بيده، فجعل ينظر إلى القطرة تلقي القطرة، والريشة تلقي الريشة حتى صرن أحياء ليس لهن رءوس، فجئن إلى رءوسهن، فدخلن فيها.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْي الْمَوْتَى} اختلفوا لِمَ سأله عن ذلك؟ على قولين: أحدهما: أنه رأى جيفة تمزقها السباع فقال ذلك، وهذا قول الحسن، وقتادة، والضحاك. والثاني: لمنازعة النمرود له في الإحياء، قاله ابن إسحاق. ولأي الأمرين كان، فإنه أحب أن يعلم ذلك علم عيان بعد علم الاستدلال. ولذلك قال الله تعالى له: {أَوَلَمْ تُؤْمِن؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني ليزداد يقيناً إلى يقينه، هكذا قال الحسن، وقتادة، وسعيد بن جبير، والربيع، ولا يجوز ليطمئن قلبي بالعلم بعد الشك، لأن الشك في ذلك كفر لا يجوز على نبي. والثاني: أراد ليطمئن قلبي أنك أجبت مسألتي، واتخذتني خليلاً كما وعدتني، وهذا قول ابن السائب. والثالث: أنه لم يرد رؤية القلب، وإنما أراد رؤية العين، قاله الأخفش. ونفر بعض من قال بغوامض المعاني من هذا الالتزام وقال: إنما أراد إبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي القلوب بالإيمان، وهذا التأويل فاسد بما يعقبه من البيان. وليست الألف في قوله: {أَوَ لَمْ تُؤْمِن} ألف استفهام وإنما هي ألف إيجاب كقول جرير: شعر : ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح تفسير : {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ} فيها قولان: أحدهما: هن: الديك، والطاووس، والغراب، والحمام، قاله مجاهد. والثاني: أربعة من الشقانين، قاله ابن عباس. {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} قرأت الجماعة بضم الصاد، وقرأ حمزة وحده بكسرها، واختلف في الضم والكسر على قولين: أحدهما: أن معناه متفق ولفظهما مختلف، فعلى هذا في تأويل ذلك أربعة أقاويل: أحدها: معناه انْتُفْهُنَّ بريشهن ولحومهن، قاله مجاهد. والثاني: قَطِّعْهُن، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن. قال الضحاك: هي بالنبطية صرتا، وهي التشقق. والثالث: اضْمُمْهُن إليك، قاله عطاء، وابن زيد. والرابع: أَمِلْهُن إليك، والصور: الميل، ومنه قول الشاعر في وصف إبل: شعر : تظَلُّ مُعقّلات السوق خرساً تصور أنوفها ريح الجنوب تفسير : والقول الثاني: أن معنى الضم والكسر مختلف، وفي اختلافهما قولان: أحدهما: قاله أبو عبيدة أن معناه بالضم: اجْمَعْهن، وبالكسر: قَطِّعْهُنّ. والثاني: قاله الكسائي ومعناه بالضم أَمِلْهُنّ، وبالكسر: أقْبِلْ بهن. {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنها كانت أربعة جبال، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة. والثاني: أنها كانت سبعة، قاله ابن جريج، والسدي. والثالث: كل جبل، قاله مجاهد. والرابع: أنه أراد جهات الدنيا الأربع، وهي المشرق والمغرب والشمال والجنوب، فمثّلها بالجبال، قاله ابن بحر. واختلفوا هل قطّع إبراهيم الطير أعضاء صرن به أمواتاً، أم لا؟ على قولين: أحدهما:أنه قطَّعَهُن أعضاء صرن به أمواتاً، ثم دعاهن فعدْن أحياء ليرى كيف يحيي الله الموتى كما سأل ربه، وهو قول الأكثرين. والثاني: أنه فَرَّقَهُن أحياء، ثم دعاهن فأجبنه وعدن إليه، يستدل بعودهن إليه بالدعاء، على عَوْد الأموات بدعاء الله أحياءً، ولا يصح من إبراهيم أن يدعو أمواتاً له، قاله ابن بحر. والجزء من كل شيء هو بعضه سواءً كان منقسماً على صحة أو غير منقسم، والسهم هو المنقسم عليه جميعه على صحة. فإنْ قيل: فكيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله: {أية : رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف: 143] فعنه جوابان: أحدهما: أن ما سأله موسى لا يصح مع بقاء التكليف، وما سأله إبراهيم خاص يصح. والثاني: أن الأحوال تختلف، فيكون الأصلح في بعض الأوقات الإجابة، وفي بعض وقت آخر المنع فيما لم يتقدم فيه إذن. قال ابن عباس: أمر الله إبراهيم بهذا قبل أن يولد له، وقبل أن يُنَزِّلَ عليه الصُّحُف. وحُكِيَ: أن إبراهيم ذبح الأربعة من الطير، ودق أجسامهن في الهاون لا روحهن، وجعل المختلط من لحومهن عشرة أجزاء على عشرة جبال، ثم جعل مناقيرها بين أصابعه، ثم دعاهن فأتين سعياً، تطاير اللحم إلى اللحم، والجلد إلى الجلد، والريش إلى الريش، فذهب بعض من يتفقه من المفسرين إلى من وصّى بجزء من ماله لرجل أنها وصية بالعُشْر، لأن إبراهيم وضع أجزاء الطير على عشرة جبال.
ابن عطية
تفسير : العامل في {إذ} فعل مضمر تقديره واذكر. واختلف الناس لم صدرت هذه المقالة عن إبراهيم عليه السلام؟ فقال الجمهور: إن إبراهيم عليه السلام لم يكن شاكاً في إحياء الله الموتى قط، وإنما طلب المعاينة. وترجم الطبري في تفسيره فقال: وقال آخرون سأل ذلك ربه لأنه شك في قدرة الله على إحياء الموتى وأدخل تحت الترجمة عن ابن عباس أنه قال: ما في القرآن آية أرجى عندي منها، وذكر عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فقال: {رب أرني كيف تحيي الموتى}؟ وذكر حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : نحن أحق بالشك من إبراهيم تفسير : . الحديث. ثم رجح الطبري هذا القول الذي يجري مع ظاهر الحديث. وقال: إن إبراهيم لما رأى الجيفة تأكل منها الحيتان ودواب البر ألقى الشيطان في نفسه فقال: متى يجمع الله هذه من بطون هؤلاء؟ وأما من قال: بأن إبراهيم لم يكن شاكاً، فاختلفوا في سبب سؤاله. فقال قتادة: إن إبراهيم رأى دابة قد توزعتها السباع فعجب وسأل هذا السؤال. وقال الضحاك: نحوه، قال: وقد علم عليه السلام أن الله قادر على إحياء الموتى، وقال ابن زيد: رأى الدابة تتقسمها السباع والحيتان لأنها كانت على حاشية البحر، وقال ابن إسحاق، بل سببها أنه لما فارق النمرود وقال له: أنا أحيي وأميت، فكر في تلك الحقيقة والمجاز، فسأل هذا السؤال. وقال السدي وسعيد بن جبير: بل سبب هذا السؤال أنه بشر بأن الله اتخذه خليلاً أراد أن يدل بهذا السؤال ليجرب صحة الخلة، فإن الخليل يدل بما لا يدل به غيره، وقال سعيد بن جبير: {ولكن ليطمئن قلبي} يريد بالخلة. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وما ترجم به الطبري عندي مردود، وما أدخل تحت الترجمة متأول، فأما قول ابن عباس: هي أرجى آية فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالى وسؤال الإحياء في الدنيا، وليست مظنة ذلك، ويجوز أن يقول: هي أرجى آية لقوله: {أو لم تؤمن}؟ أي إن الإيمان كاف لا يحتاج بعده إلى تنقير وبحث، وأما قول عطاء ابن أبي رباح: دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فمعناه من حب المعاينة، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت، به، ولهذا قال النبي عليه السلام: "ليس الخبر كالمعاينة"، وأما قول النبي عليه السلام نحن أحق بالشك من إبراهيم فمعناه: أنه لو كان شك لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك، فإبراهيم عليه السلام أحرى أن لا يشك، فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم. والذي روي فيه عن النبي عليه السلام أنه قال: ذلك محض الإيمان إنما هو في الخواطر الجارية التي لا تثبت، وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفي عن الخليل عليه السلام. وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم عليه السلام أعلم به، يدلك على ذلك قوله: {أية : ربي الذي يحيي ويميت} تفسير : [البقرة: 258] فالشك يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوءة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعاً، وإذا تأملت سؤاله عليه السلام وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكاً، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو عن حال شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول. نحو قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت كيف ثوبك وكيف زيد فإنما السؤال عن حال من أحواله، وقد تكون {كيف} خبراً عن شيء شأنه أن يستفهم عنه، {كيف} نحو قولك: كيف شئت فكن، ونحو قول البخاري: كيف كان بدء الوحي، و {كيف} في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبر عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح، فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح، مثال ذلك أن يقول مدع: أنا أرفع هذا الجبل، فيقول له المكذب: أرني كيف ترفعه؟ فهذه طريقة مجاز في العبارة، ومعناها تسليم جدلي، كأنه يقول افرض أنك ترفعه أرني كيف؟ فلما كان في عبارة الخليل عليه السلام هذا الاشتراك المجازي، خلص الله له ذلك وحمله على أن يبين الحقيقة فقال له: {أَوَلَمْ تؤمن قال بلى}، فكمل الأمر وتخلص من كل شك، ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة. قال القاضي أبو محمد: وقوله تعالى: {أَوَلَمْ تؤمن} معناه إيماناً مطلقاً دخل فيه فصل إحياء الموتى، والواو واو حال دخلت عليه ألف التقرير، و {ليطمئن} معناه ليسكن عن فكره، والطمأنينة اعتدال وسكون على ذلك الاعتدال فطمأنينة الأعضاء معروفة، كما قال عليه السلام: "ثم اركع حتى تطمئن راكعاً"، الحديث، وطمأنينة القلب هي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد. والفكر في صورة الإحياء غير محظورة، كما لنا نحن اليوم أن نفكر فيها، بل هي فكر فيها عبر، فأراد الخليل أن يعاين، فتذهب فكره في صورة الإحياء، إذ حركه إلى ذلك إما أمر الدابة المأكولة وإما قول النمرود: أنا أحيي وأميت، وقال الطبري: معنى {ليطمئن} ليوقن. وحكي نحو ذلك عن سعيد بن جبير، وحكي عنه ليزداد يقيناً وقاله إبراهيم وقتادة. وقال بعضهم: لأزداد إيماناً مع إيماني. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ولا زيادة في هذا المعنى تمكن إلا السكون عن الفكر، وإلا فاليقين لا يتبعض، وروي أن الأربعة التي أخذ إبراهيم هي الديك، والطاووس، والحمام، والغراب، ذكر ذلك ابن إسحاق عن بعض أهل العلم الأول، وقاله مجاهد وابن جريج وابن زيد، وقال ابن عباس: مكان الغراب الكركي. وروي في قصص هذه الآية أن الخليل عليه السلام أخذ هذه الطير حسبما أمر وذكاها ثم قطعها قطعاً صغاراً وجمع ذلك مع الدم والريش، ثم جعل من ذلك المجموع المختلط جزءاً على كل جبل، ووقف هو من حيث يرى تلك الأجزاء، وأمسك رؤوس الطير في يده، ثم قال تعالين بإذن الله، فتطايرت تلك الأجزاء وطار الدم إلى الدم، والريش إلى الريش، حتى التأمت كما كانت أولاً وبقيت بلا رؤوس، ثم كرر النداء فجاءته سعياً حتى وضعت أجسادها في رؤوسها، وطارت بإذن الله تعالى، وقرأ حمزة وحده: "فصِرهن إليك" بكسر الصاد، وقرأ الباقون بضمها ويقال صرت الشيء أصوره بمعنى قطعته، ومنه قول ذي الرمة: [الرجز] شعر : صِرْنَا بِهِ الحُكْمَ وَعَنَّا الحَكَمَا تفسير : ومنه قول الخنساء: [السريع] شعر : فلو يلاقي الذي لاقيتُه حضنٌ لظلَّتِ الشُّمُّ مِنْهُ وَهْيَ تنصارُ تفسير : أي تنقطع ويقال أيضاً صرت الشيء بمعنى أملته ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : يصُورُ عنوقَها أحوى زنيمٌ لَهُ صَخَبٌ كَمَا صَخِبَ الْغَرِيمُ تفسير : ومنه قول الأعرابي في صفة نساء هن إلى الصبا صور، وعن الخنا زور، فهذا كله في ضم الصاد، ويقال أيضاً في هذين المعنيين،: القطع والإمالة: صرت الشيء بكسر الصاد أصيره، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : وفرعٌ يَصيرُ الْجِيدَ وَجْفٌ كأَنَّهُ عَلى اللِّيتِ قِنْوانُ الكرومِ الدَّوالِحِ تفسير : ففي اللفظة لغتان قرىء بهما، وقد قال ابن عباس ومجاهد في هذه الآية {صرهن} معناه: قطعهن، وقال عكرمة وابن عباس فيما في بعض ما روي عنه أنها لفظة بالنبطية معناها قطعهن، وقاله الضحاك، وقال أبو الأسود الدؤلي: هي بالسريانية، وقال قتادة: {صرهن} فصلهن، وقال ابن إسحاق: معناه قطعهن، وهو الصور في كلام العرب، وقال عطاء بن أبي رباح: {فصرهن} معناه اضممهن إليك. وقال ابن زيد معناه اجمعهن، وروي عن ابن عباس معناه أوثقهن. قال القاضي أبو محمد: فقد تأول المفسرون اللفظة بمعنى التقطيع وبمعنى الإمالة. فقوله {إليك} على تأويل التقطيع متعلق بخذ. وعلى تأويل الإمالة والضم متعلق بــ {صرّهنّ}، وفي الكلام متروك يدل عليه الظاهر تقديره فأملهن إليك فقطعهن. وقرأ قوم "فصُرَّهن" بضم الصاد وشد الراء المفتوحة كأنه يقول فشدَّهن. ومنه صرة الدنانير. وقرأ قوم" فصِرَّهن" بكسر الصاد وشد الراء المفتوحة ومعناه صيحهن من قولك صر الباب والقلم إذا صوَّتَ، ذكره النقاش. قال ابن جني وهي قراءة غريبة وذلك أن يفعل بكسر العين في المضاعف المتعدي قليل، وإنما بابه يفعُل بضم العين كشد يشُد ونحوه. لكن قد جاء منه نمَّ الحديث يَنمُّه ويُنمّه وهر الحرب يَهرها ويُهرها ومنه قول الأعشى: شعر : لَيَعْتَوِرَنْكَ الْقَوْلَ حَتَّى تهرَّهُ تفسير : إلى غير ذلك في حروف قليلة. قال ابن جني، وأما قراءة عكرمة بضم الصاد فيحتمل في الراء الضم والفتح والكسر كمد وشد والوجه ضم الراء من أجل ضمة الهاء من بعد قال المهدوي وغيره وروي عن عكرمة فتح الصاد وشد الراء المكسورة. قال القاضي أبو محمد: وهذه بمعنى فاحبسهن من قولهم صرى يصري إذا حبس، ومنه الشاة المصراة، واختلف المتأولون في معنى قوله: {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً}، فروى أبو حمزة عن ابن عباس أن المعنى اجعل جزءاً على كل ربع من أرباع الدنيا كأن المعنى اجعلها في أركان الأرض الأربعة. وفي هذا القول بعد، وقال قتادة والربيع المعنى واجعل على أربعة أجبل على كل جبل جزءاً من ذلك المجموع المقطع، فكما يبعث الله هذه الطير من هذه الجبال فكذلك يبعث الخلق يوم القيامة من أرباع الدنيا وجميع أقطارها. وقرأ الجمهور "جزءاً" بالهمز، وقرأ أبو جعفر "جزّاً" بشد الزاي في جميع القرآن. وهي لغة في الوقف فأجرى أبو جعفر الوصل مجراه. وقال ابن جريج والسدي أمر أن يجعلها على الجبال التي كانت الطير والسباع حين تأكل الدابة تطير إليها وتسير نحوها وتتفرق فيها. قالا: وكانت سبعة أجبل فكذلك جزأ ذلك المقطع من لحم الطير سبعة أجزاء. وقال مجاهد: بل أمر أن يجعل على كل جبل يليه جزءاً. قال الطبري معناه دون أن تحصر الجبال بعدد، بل هي التي كان يصل إبراهيم إليها وقت تكليف الله إياه تفريق ذلك فيها، لأن الكل لفظ يدل على الإحاطة. قال القاضي أبو محمد: وبعيد أن يكلف جميع جبال الدنيا، فلن يحيط بذلك بصره، فيجيء ما ذهب إليه الطبري جيداً متمكناً. والله أعلم أي ذلك كان. ومعنى الآية أن إبراهيم عليه السلام كان بحيث يرى الأجزاء في مقامه، ويرى كيف التأمت، وكذلك صحت له العبرة، وأمره بدعائهن وهن أموات إنما هو لتقرب الآية منه وتكون بسبب من حاله، ويرى أنه قصد بعرض ذلك عليه. ولذلك جعل الله تعالى سيرهن إليه {سعياً}، إذ هي مشية المجدّ الراغب فيما يمشي إليه، فكان من المبالغة أن رأى إبراهيم جدها في قصده وإجابة دعوته. ولو جاءته مشياً لزالت هذه القرينة، ولو جاءت طيراناً لكان ذلك على عرف أمرها، فهذا أغرب منه.ثم وقف عليه السلام على العلم بالعزة التي في ضمنها القدرة وعلى الحكمة التي بها إتقان كل شيء.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنىِ} لما حاجه نمرود في الإحياء، أو رأى جيفة تمزقها السباع. {أَوَلَمْ تُؤْمِن} ألف إيجاب. شعر : ألستم خير من ركب المطايا ............................ تفسير : {لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى} بعلم المشاهدة بعد علم الاستدلال من غير شك. {أَرْبَعَةً} ديك وطاووس، وغراب، وحمام. {فَصُرْهُنَّ} بالضم والكسر واحد ضمهن إليك، أو قطعهن فيتعلق إليك بخذ. {عَلَى كُلِّ جَبَلٍ} أربعة أجبال، أو سبعة، أو كل جبل.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى} اختلفوا في سبب هذا السؤال من إبراهيم عليه السلام فقيل: إنه مر على دابة ميتة وهي جيفة حمار وقيل: بل كانت حوتاً ميتاً وقيل: كان رجلاً ميتاً بساحل البحر وقيل: بحر طبرية فرآها وقد توزعها دواب البحر والبر. فإذا مد البحر جاءت الحيتان فأكلت منها وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت منها. فإذا ذهبت السباع جاءت الطير فأكلت منها فلما رأى إبراهيم ذلك تعجب منها. وقال: يا رب إني قد علمت إنك لتجمعها من بطون السباع وحواصل الطير وأجواف الدواب فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك، فأزداد يقيناً فعاتبه الله تعالى: {قال أولم تؤمن} يعني ألم تصدق {قال بلى} يا رب قد علمت وآمنت {ولكن ليطمئن قلبي} أي ليسكن قلبي عند المعاينة أراد إبراهيم عليه السلام أن يصير له علم اليقين عين اليقين لأن الخبر ليس كالمعاينة وقيل لما رأى الجيفة على البحر وقد تناولتها السباع والطير ودواب البحر تفكر كيف يجتمع ما تفرق من تلك الجيفة وتطلعت نفسه إلى مشاهدة ميت يحييه ربه، ولم يكن إبراهيم عليه السلام شاكاً في إحياء الله الموتى ولا دافعاً له ولكنه أحب أن يرى ذلك عياناً كما أن المؤمنين يحبون أن يروا نبيهم محمداً صلى الله عليه وسلم، ويحبون رؤية الله تعالى في الجنة ويطلبونها، ويسألونه في دعائهم مع الإيمان بصحة ذلك وزوال الشك عنهم فكذلك أحب إبراهيم أن يصير الخبر له عياناً، وقيل: كان سبب هذا السؤال من إبراهيم أنه لما احتج على نمرود فقال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت فقال نمرود: أنا أحيي وأميت فقتل أحد الرجلين وأطلق الآخر فقال إبراهيم: إن الله تعالى يقصد إلى جسد ميت فيحييه فقال له نمرود: أنت عاينته فلم يقدر إبراهيم أن يقول: نعم فانتقل إلى حجة أخرى ثم سأل إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى؟ قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي بقوة حجتي فإذا قيل: أنت عاينته فأقول نعم وقال سعيد بن جبير لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً سأل ملك الموت ربه أن يأذن له فيبشر إبراهيم بذلك فأذن له، فأتى إبراهيم ولم يكن في الدار فدخل داره وكان إبراهيم من أغير الناس وكان إذا خرج أغلق بابه فلما جاء، وجد في الدار رجلاً فثار إليه ليأخذه وقال له: من أذن لك أن تدخل داري فقال: أذن لي رب الدار فقال: إبراهيم صدقت وعرف أنه ملك فقال له: من أنت قال: أنا ملك الموت جئتك أبشرك أن الله قد اتخذك خليلاً فحمد الله عز وجل وقال له: ما علامة ذلك قيل: أن يجيب الله دعاءك ويحيي الموتى بسؤالك فحينئذٍ قال إبراهيم: رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي بأنك اتخذتني خليلاً، وتجيبني إذا دعوتك وتعطيني إذا سألتك (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى. قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي ويرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي ". تفسير : (القول على معنى الحديث) وما يتعلق به اختلف العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن أحق بالشك من إبراهيم" تفسير : على أقوال كثيرة فأحسنها وأصحها ما نقل المزني وغيره من العلماء أن الشك مستحيل في حق إبراهيم فإن الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقاً إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به من إبراهيم ولقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أن إبراهيم لم يشك وإنما خص إبراهيم بالذكر لكون الآية قد يسبق إلى بعض الأذهان الفاسدة منها احتمال الشك فنفى ذلك عنه، وقال الخطابي: ليس في قوله نحن أحق بالشك من إبراهيم؛ اعتراف بالشك على نفسه، ولا على إبراهيم لكن فيه نفي الشك عنهما يقول: إذا لم أشك أنا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فإبراهيم أولى بأن لا يشك وقال ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس وكذلك قولهم: لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي وفيه الإعلام بأن المسألة من إبراهيم لم تعرض من جهة الشك لكن من قبل زيادة العلم بالبيان، والعيان يفيد من المعرفة، والطمأنية ما لا يفيد الاستدلال وقيل: لما نزلت هذه الآية قال: قوم: شك إبراهيم ولم يشك نبينا صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن أحق بالشك من إبراهيم" تفسير : ومعناه أن هذا الذي تظنونه شكاً أنا أولى به فإنه ليس بشك، وإنما هو طلب لمزيد اليقين وإنما رجح إبراهيم صلى الله عليه وسلم على نفسه صلى الله عليه وسلم تواضعاً منه وأدباً، أو قبل أن يعلم أنه صلى الله عليه وسلم خير ولد آدم وأما تفسير الاية فقوله تعالى: وإذا قال إبراهيم: أي واذكر يا محمد، إذ قال: إبراهيم، وقيل: انه معطوف على قوله: {أية : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} تفسير : [البقرة: 258] والتقدير ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ألم تر إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى، قال يعني قال الله إبراهيم: "أولم تؤمن" الألف في أولم تؤمن من ألف إثبات وإيجاب كقول جرير: شعر : ألستم خير من ركب المطايا تفسير : أي ألستم كذلك والمعنى أو لست قد آمنت وصدقت أني أحيي الموتى قال بلى قد آمنت وصدقت ولكن ليطمئن قلبي يعني سألتك ذلك إرادة طمأنينة القلب وزيادة اليقين وقوة الحجة وقال ابن عباس: معناه ولكن لأرى من آياتك وأعلم أنك قد أجبتني {قال فخذ أربعة من الطير} قيل أخذ طاووساً وديكاً وحمامة وغراباً وقيل نسراً بدل الحمامة. فإن قلت لم خص الطير من جملة الحيوانات بهذه الحالة. قلت لأن الطير صفته الطيران في السماء والارتفاع في الهواء، وكانت همة إبراهيم عليه السلام كذلك وهو العلو في الوصول إلى الملكوت فكانت معجزته مشاكلة لهمته. فإن قلت: لم خص هذه الأربعة الأجناس من الطير بالأخذ. قلت فيه إشارة ففي الطاوس إشارة إلى ما في الإنسان من حب الزينة، والجاه وفي النسر إشارة إلى شدة الشغف بالأكل وفي الديك إشارة إلى شدة الشغف بحب النكاح وفي الغراب إشارة إلى شدة الحرص، ففي هذه الطيور مشابهة لما في الإنسان من حب هذه الأوصاف وفيه إشارة إلى أن الإنسان إذا ترك هذه الشهوات الذميمة لحق أعلى الدرجات في الجنة، وفاز بنيل السعادات {فصرهن} قرئ بكسر الصاد ومعناه قطعهن ومزقهن وقرئ بضم الصاد ومعناه أملهن {إليك} ووجههن وقيل: معناه اجمعهن واضممهن إليك فمن فسره بالإمالة والضم قال فيه إضمار ومعناه فصرهن إليك ثم قطعهن فحذف اكتفاء بقوله: {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً} لأنه يدل عليه قال لمفسرون: أمر الله تعالى إبراهيم صلى الله عليه وسلم أن يذبح تلك الطيور وينتف ريشها وأن يخلط ريشها ولحمها ودمها بعضه ببعض ففعل ثم أمره أن يجعل على كل جبل منهن جزءاً. واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أمر أن يجعل كل طائر أربعة أجزاء وأن يجعلها أربعة أجبل على كل جبل ربعاً من كل طائر، قيل: جبل على جهة الشرق وجبل على جهة الغرب، وجبل على جهة الشمال وجبل على جهة الجنوب وقيل جزأه سبعة أجزاء ووضعها على سبعة أجبل وأمسك رؤوسهن بيده ثم دعاهن فقال: تعالين بإذن الله تعالى: فجعلت كل قطرة من دم طائر تطير إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة الأخرى وكل عظم يطير إلى العظم الآخر وكل بضعة تطير إلى البضعة الأخرى، وإبراهيم ينظر حتى لقيت كل جثة بعضها ببعض في السماء بغير رؤوس ثم أقبلن سعياً إلى رؤوسهن كلما جاء طائر مال برأسه فإن كان رأسه دنا منه وإن لم يكن تأخر عنه حتى التقى كل طائر برأسه فذلك قوله تعالى: {ثم ادعهن يأتينك سعياً} وقيل: المراد بالسعي الإسراع والعدو وقيل المشي، والحكمة في سعي الطيور إليه دون الطيران، لأن ذلك أبعد من الشبهة لأنها لو طارت لتوهم متوهم أنها غير تلك الطيور أو أن أرجلها غير سليمة، فنفى الله تعالى هذه الشبهة بقوله: {يأتينك سعياً} وقيل: المراد بالسعي المشي والمراد بالمشي الطيران وفيه ضعف لأنه لا يقال: للطائر إذا طار سعى وقيل السعي هو الحركة الشديدة {واعلم أن الله عزيز} يعني أنه تعالى غالب على جميع الأشياء لا يعجزه شيء {حكيم} يعني في جميع أموره.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ...}. قال ابن عطية: قال الجمهور: إن إبراهيم لم يكن شاكا قط في إحياء الله الموتى، وإنما طلب المعاينة، وقال آخرون: إنه شك في قدرة الله تعالى (في) إحياء الموتى (ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما ما في القرآن آية أرجى عندي من هذه. ابن عرفة: هذا كلام لا يليق بابن عباس). وحمله على ظاهره يلزم عليه الكفر فلا بد من تأويله وهو أن الشك في كيفية وجود الشيء لا يلزم منه الشك في وجود ذلك الشيء، كما أنا لا نشك في موت عثمان رضي الله عنه مقتولا ونشك في كيفية ذلك حسبما اختلف فيه الرواة والنقلة. قال: ومن هنا يستدل على القول بعدم تواتر القراءات (السبعة) غير ملزوم (للقول) بعدم تواتر القرآن جملة. قال ابن عرفة: فأراد ابراهيم عليه السلام الانتقال من العلم النظري إلى العلم الضروري لأن (النظري) تعرض له الشكوك (والضروري لا تعرض له الشكوك) ولذلك يقول الفخر ابن الخطيب: في كلامه هذا تشكيك في الضروريات فلا يستحق جوابا. قيل له علم (النبي) ضروري لا نظري؟ فقال: علمه بنفس الإحياء ضروري وبكيفيته نظري، وقول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : نحن أحق بالشك من إبراهيم"تفسير : على سبيل الفرض والتقدير في حق إبراهيم، وعلى جهة التواضع منه عليه الصلاة والسلام، أي لو فرض وقوع الشك من إبراهيم عليه السلام لكنا نحن أحق بذلك منه. قلت: تأول عياض في الشفاء هذه الآية بستة أوجه. أحدها: ما تقدم أنه طلب زيادة اليقين لأن العلوم تتفاوت. الثاني: علم وقوعه وأراد مشاهدته وكيفيته. الثالث: المراد اختبار منزلته عند الله تعالى وأن يعلم / إجابة دعوته، والمراد: أو لم تؤمن بمنزلتك واصطفائي (لك). الرابع: لما احتج على الكفار بأن الله يحيي ويميت طلبه من ربه ليصحح احتجاجه به عيانا. الخامس: أنّه سؤال على طريق الأدب أي (أقدرني) على إحياء الموتى. والسادس: أنه آمن من نفسه الشّك ولم يشك لكن ليجاب فيزداد قربة. وقول (رسول الله صلى الله عليه وسلم) "حديث : نحن أحق بالشك من إبراهيم"تفسير : . نفي لأن يكون من إبراهيم شك أي نحن موقنون بالبعث وإحياء الموتى، فلو شك إبراهيم لكنا أولى بالشك منه (أو) على طريق الأدب أو المراد أمته (الذين) يجوز عليهم الشك أو هو تواضع، فأما قول الله تعالى {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ}.تفسير : فقيل: معناه قل يا محمد للشاك: إن كنت في شك، كقوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي}.تفسير : وَ {أية : فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ}.تفسير : وقيل: المخاطب غيره وقيل: إنّه تقرير كقوله: {أية : ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ}.تفسير : وقد علم أنّه لم يقل. "وقيل: إن كنت في شك فاسأل تزدد علما إلى علمك، وقيل: إن كنت شاكا فيما شرّفناك به فاسألهم عن صفتك في الكتاب؟ وقيل: إن كنت في شك من غيرك فيما أنزلنا إليك. قال القاضي عياض: واحذر أن يخطر ببالك ما نقله بعضهم عن ابن عباس رضي الله عنهما أو غيره من إثبات شك النبي صلى الله عليه وسلم فيما أوحي إليه وأنه من البشر فمثل هذا لايجوز جملة بل قال ابن عباس: لم يشك عليه الصلاة والسلام. وانظر ما قيل على هذا الحديث (في كتاب الإيمان في دفتر الحديث، وفي أسئلة السكوني). قوله تعالى: {قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي...}. دليل على أن (العقل) في القلب. قوله تعالى: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ...}. قوله تعالى: {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً...}. أي من الطير لأنهم جعلوه حالا من جزء فيكون نكرة تقدم عليها فانتصب (على الحال). قال ابن عرفة: ويحتمل هذا أن يكون على كل جبل من الجبال فيعود الضمير على الجبال المفهومة من كل جبل. قيل لابن عرفة: هلا بين له ذلك بإعدامهن جملة ثم أيجادهن عن عدم؟ فقال: إيجادهن لايلزم منه إعادتهن بأعيانهن لأنه يشاهد كل قوم أمثالهن: وقد يظن أن الموجود غير هذا مماثل لهن فهذا أغرب، وهو رؤيته أجْزَاءهُنّ المفترقة (حين) تجتمع وتعود كما كانت أول مرة قالوا: ولما اجتمعت أتت إليه التصق كل جسد مع رأسه. قال ابن راشد في اختصار ابن الخطيب: في الآية دليل على عدم اشتراط البنية خلاقا للمعتزلة. فقال ابن عرفة: هذا بناء فيه على أن البنية هي الشكل الخاص وليس كذلك مطلقا بل البنية المشترطة في الرؤية هي الشكل الخاص والبنية المشترطة في الحياة هي البلة والرطوبة المزاجية. نص عليه القاضي والمقترح وغيرهما لأنا نجد الحيوانات على أشكال متنوعة ولو كانت الشكل الخاص لكانت على (شكل) واحد. قوله تعالى: {يَأْتِينَكَ سَعْياً...}. دليل على أنّهن أتينه يمشين خلافا لمن أتينه يطرن. قوله تعالى: {وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. الحكمة مشروطة (بالإتقان) وهو سأل عن كيفية الإتقان فأخبره أنّه إذا علم كيفية الإتقان فلا يسأل عما وراء ذلك، فَإنّ اللهَ عَزِيز حَكِيم لا يمانع ولا يعاند في فعله فإذا تدبّر الإنسان في ملكوت الله وقدرته على الأشياء وخلقه لها، فلا يتدبّر فيها وراء ذلك لئلا (يجر به) تدبيره إلى الكفر وفساد العقيدة كما قال تعالى: {أية : فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ ثُمَّ ٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ }.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ...} الآية: قال جمهور العلماء: إِن إبراهيم - عليه السلام - لم يكُنْ شَاكًّا في إِحياء اللَّه الموتَىٰ قطُّ، وإنما طلب المعايَنَة، وأما قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ»تفسير : فمعناه: أنْ لو كانَ شَكَّ، لكنَّا نحْنُ أَحَقُّ به، ونحْنُ لا نشكُّ، فإِبراهيم - عليه السلام - أحْرَىٰ ألاَّ يشكَّ، فالحديث مبنيٌّ علَىٰ نفْيِ الشكِّ عن إِبراهيم، والذي روي فيه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : ذَلِكَ مَحْضُ الإِيمَانِ» تفسير : ؛ إِنما هو في الخواطر الجاريَةِ الَّتي لا تثبتُ، وأما الشَّكُّ، فهو توقّف بيْن أمرين، لا مزية لأحدهما على الآخرِ، وذلك هو المنفيُّ عن الخليل صلى الله عليه وسلم. وإِحياء الموتَىٰ إِنما يثبُتُ بالسمْع، وقد كان إِبراهيمُ أُعْلِمَ بذلك؛ يدلُّك على ذلك قولُهُ: {أية : رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ }،تفسير : [البقرة:258]، والشكُّ يبعد علَىٰ مَنْ ثبت قدمه في الإِيمان فقَطْ، فكيف بمرتبة النبوَّة والخُلَّة، والأنبياءُ معصومون من الكبائرِ، ومن الصغائرِ التي فيها رذيلةٌ إِجماعاً، وإِذا تأمَّلت سؤاله - عليه السلام - وسائِرَ ألفاظ الآيةِ، لم تعط شكًّا، وذلك أنَّ الاستفهام بـــ «كَيْفَ»، إِنما هو عن حالِ شيء موجودٍ، ومتقرّر الوجودِ عند السائل والمسئول؛ نحو قولكَ: كَيْفَ عِلْمُ زَيْدٍ، وَكَيْفَ نَسْجُ الثَّوْبِ؟ فـــ «كَيْفَ» في هذه الآية إِنما هي استفهامٌ عن هيئة الإِحياء، والإِحياءُ متقرِّر، ولما وجدنا بعض المنكرين لوجودِ شيْء قد يعبَّر عن إِنكاره بالٱستفهامِ عن حالةٍ لذلك الشيء، يعلم أنها لا تصحُّ، فيلزم من ذلك؛ أنَّ الشيْءَ في نفْسه لا يصحُّ؛ مثال ذلك: أنْ يقولَ مدَّعٍ: أنا أرفَعُ هذا الجَبَلَ، فيقول المكذِّب: كَيْفَ ترفعه، فهذه طريقة مجازٍ في العبارة، ومَعْنَاها: تسليمٌ جدليٌّ؛ كأنه يقول: ٱفْرِضْ أنَّك ترفعه، أَرِنِي كَيْفَ، فَلَمَّا كان في عبارةِ الخَلِيلِ صلى الله عليه وسلم هذا الاشتراكُ المجازيُّ، خَلَّصَ اللَّه سبحانه ذلك، وحمَلَهُ علَىٰ أنْ يبيّن الحقيقةَ، فقال له: {أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ } فكمل الأمر، وتخلَّص من كلِّ شك، ثم علَّل - عليه السلام - سؤالَهُ بالطُّمَأْنينة. * ت *: قال الداووديُّ: وعن ابن جُبَيْر: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} بالخُلَّة، قال مجاهدٌ، والنَّخَعِيُّ: {وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}، أي: أزداد إِيماناً إِلى إِيماني، وعن قتادة: لأزداد يقيناً. انتهى. قال: * ع *: وقوله تعالى: {أَوَلَمْ تُؤْمِن } معناه: إِيماناً مطلقاً دخل فيه فصْل إِحياء الموتَىٰ، والواو: واو حالٍ دخَلَتْ عليها ألِفُ التقريرِ، وقال: * ص *: الهمزة في {أَوَلَمْ تُؤْمِن } للتقرير؛ كقوله تعالى: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } تفسير : [الشرح:1]؛ وكقوله [الوافر] شعر : أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا ...................... تفسير : أي: قد شَرَحْنا لك صدرك، وأنتم خَيْر. وقولُ ابن عطيَّة: «الواو للحالِ، دخَلَتْ عليها ألفُ التقرير»: متعقَّب، والظاهر أنَّ التقرير منسحبٌ على الجملة المنفيَّة فقطْ، وأن الواو للعطْف. انتهى. {ولِّيَطْمَئِنَّ}: معناه: ليسكُنَ، فطمأنينةُ القَلْب هي أنْ تَسْكُنَ فِكَرُهُ في الشيء المعتَقَدِ، والفِكَرُ في صورة الإِحياء غيْرُ محظورةٍ؛ كما لنا نحن اليوم أنْ نفكِّر فيها، بل هي فِكَرٌ، فيها عِبَرٌ، فأراد الخليلُ؛ أن يعاين، فتذهب فِكَرُهُ في صُورة الإِحياء؛ إِذ حرَّكه إِلى ذلك، إِما الدابَّةُ المأكولةُ في تأويل، وإِمَّا قولُ النُّمْرُوذِ: أنا أُحْيِـــي وأميتُ في تأويل آخر، ورُوِيَ أن الأربعة التي أَخَذَ إِبراهيم - عليه السلام - هي الدِّيكُ، وَالطَّاوُسُ، والحَمَامُ، وَالغُرَابُ، قاله مجاهد وغيره، وقال ابن عباس: مكان الغرابِ الكَرْكِيّ، فروي أنه أخذها - عليه السلام - حَسَب ما أمر، وذكَّاها، ثم قَطَعها قِطَعاً قِطَعاً صِغَاراً، وجمع ذلك مع الدم والرِّيش، ثم جعل من ذلك المجْمُوع المختلط جزْءاً علَىٰ كلِّ جبل، ووقَفَ هو من حيثُ يَرَىٰ تلك الأجزاء، وأمْسَك رُءُوس الطَّيْر في يده، ثم قال: تَعَالَيْنَ؛ بإِذنِ اللَّه، فتطايَرَتْ تلك الأجزاءُ، وطار الدمُ إِلى الدمِ، والريشُ إِلى الريشِ؛ حتى ٱلتأَمَتْ؛ كما كانَتْ أولاً، وبقيتْ بلا رءوسٍ، ثم كرر النداء، فجاءته سعياً؛ حتى وضعت أجسادها في رءوسها، وطارتْ بإِذن اللَّه تعالَىٰ. وقوله تعالى: {فَصُرْهُنَّ}، يقال: صُرْتُ الشَّيْءَ، أصُورُهُ، بمعنى: قطعته، ويقال أيضاً: صُرْتُ الشيْءَ، بمعنى: أَمَلْتُهُ، وقد تأوَّل المفسِّرون اللفظة بمعنى التقطيع، وبمعنى الإمالَةِ، وقد قال ابن عَبَّاس وغيره في هذه الآية: «صُرْهُنَّ»: معناه: قَطِّعْهُنَّ، وقال قتادة: صُرْهُنَّ: فَصِّلْهن، وقال عطاء بن أبي رَبَاح: صُرْهُنَّ: ٱضمُمْهُنَّ، وقال ابن زيد: معناه: ٱجْمَعْهُنَّ، وعن ابن عباس أيضاً: أوْثِقْهُن. وقرأ قومٌ: «فَصُرَّهُنَّ»؛ بضم الصاد، وشدِّ الراء؛ كأنه يقول: فَشُدَّهُنَّ؛ ومنه: صُرَّة الدَّنَانِيرِ.
ابن عادل
تفسير : هذه القصة الثالثة الدالَّةُ على صحَّة البعث. في العامل في "إذْ" ثلاثةُ أوجه: أظهرها: أنه قال: "أَوَلَمْ تُؤْمِن"، أي: قال له ربَّه وقتَ قوله ذلك. والثاني: أنه "أَلَمْ تَرَ" أي: ألم تر إذ قال إبراهيم. والثالث: أنه مضمرٌ تقديره: واذكر قاله الزجاح فـ "إِذْ" على هذين القولين مفعولٌ به، لا ظرفٌ. و "ربِّ" منادى مضافٌ لياءِ المتكلم، حُذفَتْ؛ استغناءً عنها بالكسرةِ قبلَها، وهي اللغةُ الفصيحةُ، وحُذِف حرفُ النداءِ. وقوله: "أَرِنِي" تقدَّم ما فيه من القراءات، والتوجيه في قوله: {أية : وَأَرِنَا}تفسير : [البقرة:128] والرؤية ـ هنا ـ بصرية تتعدَّى لواحدٍ، ولمَّا دخلَتْ همزةُ النقل، أكسبته مفعولاً ثانياً، والأولُ ياءُ المتكلم، والثاني الجملة الاستفهامية، وهي معلقة للرؤية و "رأى" البصرية تُعَلَّق، كما تعلق "نَظر" البصرية، ومن كلامهم: "أَمَا تَرَى أَيُّ بَرْقٍ هَهُنَا". و "كَيْفَ" في محلِّ نصب: إمَّا على التشبيه بالظرف، وإمَّا على التشبيه بالحال، كما تقدَّم في قوله: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ}تفسير : [البقرة:28]. والعاملُ فيها "تُحيي" وقدَّره مكي: بأي حالٍ تُحْيي الموتى، وهو تفسيرُ معنًى، لا إعرابٍ. قال القرطبيُّ: الاستفهامُ بكيف، إنما هو سؤالٌ عن حالةِ شيءٍ موجودٍ متقرر الوجوه عند السائل، والمسؤول؛ نحو قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا: ومتى قلت: كيف ثوبُكَ؟ وكيف زيدٌ؟ فإِنَّما للسؤال عن حالٍ من أحواله، وقد تكون "كَيْفَ" خبراً عن شيءٍ شأنه أَنْ يُسْتفهم عنه بكيف، نحو قولك: كيف شِئتَ فكُنْ، ونحو قول البخاريّ: "كَيْفَ كان بَدْءُ الوَحْي"، و "كَيْفَ" في هذه الآية إِنَّما هي استفهامٌ عن هيئة الإِحياء، والإحياءُ متقرِّرٌ، ولكن لمَّا وجدنا بعض المنكرين لوجود شيءٍ، قد يعبرون عن إنكاره بالاستفهام عن حالة ذلك الشيء، يعلم أنها لا تصح؛ فيلزم من ذلك أَنَّ الشيء في نفسه لا يصحُّ؛ مثاله أَنْ يقول مُدَّعٍ أنا أرفع هذا الجبل، فيقول المكذِّب له: أَرِني كيف ترفعه فهذه طريقةُ مجاز في العبارة، ومعناها تسلِيمٌ جدلي، كأنه يقول: افرِض أَنَّكَ ترفعه، فأرني كيف ترفعه فلما كان في عبارة الخليل ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ هذا الاشتراك المجازي، خلص اللهُ له ذلك، وحمله على أَنْ بيَّن له الحقيقة، فقال له: "أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ؟ قال: بَلَى" فكمل الأَمر، وتخلص من كُلِّ شكٍّ. فإِن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى لم يُسَمِّ عزيراً، بل قال: {أية : أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ}تفسير : [البقرة:259]، وهاهُنَا سمَّى إبراهيم، مع أَنَّ المقصُودَ في كِلتا القصَّتين شيءٌ واحِدٌ؟! فالجواب: قال ابن الخطيب ـ رحمه الله ـ: والسببُ فيه: أَنَّ عزيراً لم يحفظِ الأَدَبَ، بل قال {أية : أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}تفسير : [البقرة:259] ولذلك جعل الإِحياء، والإِماتة في نفسه، وإبراهيم ـ عليه وعلى نبينا أفضل الصَّلاة والسَّلام ـ حفظ الأَدب، ورَاعاهُ؛ فقال أَوَّلاً "رَبِّ" ثُمَّ دعا فقال: {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} ولذلك جعل الإِحياء، والإِماتة في الطيور. قوله: {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن} في هذه الواوِ وجهان: أظهرهما: أنها للعطفِ قُدِّمت عليها همزةُ الاستفهامِ، لأنها لها صدرُ الكلامِ والهمزةُ هنا للتقريرِ؛ لأنَّ الاستفهامَ إذا دخل على النفي، قَرَّره؛ كقول القائل: [الوافر] شعر : 1211- أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا وَأَنْدَى العَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ تفسير : و {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}تفسير : [الشرح:1]، المعنى: أنتم خيرُ، وقد شرحنا. والثاني: أنها واوُ الحالِ، دخلت عليها ألفُ التقرير، قال ابن عطية؛ وفيه نظرٌ من حيث إنها إذا كانَتْ للحالِ، كانت الجملةُ بعدها في محلِّ نصبٍ، وإذا كانت كذلك، استدعَتْ ناصباً، وليس ثمَّ ناصبٌ في اللفظِ، فلا بُدَّ من تقديره؛ والتقديرُ "أَسأَلْتَ وَلَمْ تُؤْمِنْ"، فالهمزةُ في الحقيقة، إِنما دخَلَتْ على العامل في الحالِ. وهذا ليس بظاهر، بل الظاهرُ الأَوَّلُ، ولذلك أُجيبت ببلى، وعلى ما قال ابنُ عطية يَعْسُر هذا المعنى. وقوله: "بلى" جوابٌ للجملة المنفيَّة، وإنْ صار معناه الإِثبات اعتباراً باللفظ لا بالمعنى، وهذا من قسم ما اعتبر فيه جانبُ اللفظِ دون المعنى، نحو: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ}تفسير : [البقرة:6] وقد تقدَّم تحقيقه واللهُ أَعْلَمُ. قوله: "لِّيَطْمَئِنَّ" اللامُ لامُ كَيْ، فالفعلُ منصوبٌ بعدها، بإضمار "أَنْ"، وهو مبنيٌّ لاتِّصاله بنون التوكيد واللامُ متعلِّقة بمحذوفٍ بعد "لكنْ" تقديرُه: ولكن سألتُكَ كيفية الإِحياء للاطمئنان، ولا بُدَّ من تقدير حذفٍ آخر، قبل "لكنْ"؛ حتَّى يصحَّ معه الاستدراكُ، والتقديرُ: بلى آمنْتُ، وما سألتُ غير مؤمنٍ، ولكنْ سألتُ ليطمئِنَّ قَلْبي ليحصل الفرقُ بين المعلوم بالبرهان وبين المعلوم عياناً. قال السُّدِّيُّ، وابن جبير: "أَوَلَمْ تُؤْمِن" بأَنَّكَ خليلي {قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} بالخُلَّةِ. والطُّمأنينةُ: السكونُ، وهي مصدرُ "اطمأنَّ" بوزن: اقْشَعَرَّ، وهي على غير قياس المصادر، إذ قياسُ "اطْمَأنَّ" أَن يكون مصدرُه على الاطمئنان. واختلف في "اطْمَأَنَّ" هل هو مقلوبٌ؛ أم لا؟ فمذهب سيبويه ـ رحمه الله ـ أنه مقلوبٌ من "طَأْمَنَ"، فالفاءُ طاءٌ، والعينُ همزةٌ، واللامُ ميمٌ، فقُدِّمت اللامُ على العينِ فوزنه: افْلَعَلَّ بدليل قولهم: طامنتُه، فتطامَنَ. ومذهبُ الجرمي: أنه غيرُ مقلوب، وكأَنَّه يقول: إِنَّ اطمَأَنَّ وطَأْمَنَ مادَّتانِ مُسْتَقلَّتانِ، وهو ظاهرُ كلام أبي البقاء فإنه قال: والهَمزةُ في "لِيَطْمَئِنَّ" أصلٌ، ووزنه يفعَلِلُّ، ولذلك جاء {أية : فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ}تفسير : [النساء:103] مثل: "اقْشَعْرَرْتُمْ". انتهى. فوزنه على الأصل دونَ القلب، وهذا غيرُ بعيدٍ؛ ألا ترى أَنَّهم في "جَبَذَ، وجَذَبَ، قالوا: ليس أحدهما مقلُوباً من الآخر لاستواءِ المادَّتين في الاستعمال. ولترجيح كلٍّ من المذهبين موضعٌ غير هذا. فصلٌ في الداعي على السؤال ذكروا في سبب سؤال إبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ وجوهاً: أحدها: قال الحسنُ، والضحاكُ، وقتادةُ، وعطاءٌ، وابن جريج: أَنَّهُ رأى جيفةً مطروحةً على شطّ البحر، قال ابن جريج: جيفة حمارٍ، بساحل البحر وقال عطاءٌ: بحيرة طبريَّة؛ فإذا مَدَّ البحر أكل منها دوابُّ البحر، وإذا جزر البحر، جاءت السِّباعُ وأَكلت، وإذا ذهب السباع، جاءت الطيورُ، فأكلت وطارت، فقال إبراهيم: ربِّ أَرِنِي كيف تجمعُ أجزاءَ الحيوانِ من بطون السباع، والطيور، ودوابِّ البحر؟ فقيل: أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ؟ قال: بلى، ولكن المطلُوبُ من السؤال أن يصير العلمُ الاستدلاليُّ ضروريًّا. الثاني: قال محمد بن إسحاق، والقاضي إِنَّ سببهُ أَنَّ إبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ في مناظرته مع النُّمروذ، لما قال: {أية : رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ}تفسير : [البقرة:258] قال الملعون {أية : أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ}تفسير : [البقرة:258] فأطلق محبوساً، وقتل رجلاً، فقال إبراهيم ليس هذا بإحياءٍ وإماتة، وإنما الإِحياءُ، أن [الله] يقصد إلى جسد ميِّت فيُحْييه. فقال له نمروذ: أَنتَ عانيته؟ فلم يقدر أن يقول: نعم، فقال له نمروذ: قُل لربّك حتَّى يحيي، وإِلاَّ قتلتك، فسأل اللهَ ـ تعالى ـ ذلك. وقوله: "لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" يعني: بنجاتي من القتل، أو ليطمئِنَّ قلبي بقوة حُجَّتي، وإذا قيل لي: أنت عانيته؟ فأقول: نعم، وأَنَّ عدولي منها إلى غيرها، ما كان بسبب ضعفِ تلك الحُجَّة، بل بسبب جهل [المستمع]. الثالث: قال ابن عباسٍ، وسعيد بن جبير، والسديُّ: إِنَّ الله تعالى أوحى إليه إِنِّي متَّخذٌ بشراً خليلاً، فاستعظم إبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ ذلك، وقال: إِلهي، ما علامةُ ذلك؟ فقال تعالى: علامتُه: أَنْ يُحْيي الميِّت بدعائه فلمَّا عظُم مقام إبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ في مقام العُبُودية وأداءِ الرسالة خطر بباله إنّي لعلِّي أكون ذلك الخليل فسأل إحياء الميت، فقال الله: أَوَ لَمْ تُؤْمِنُ؟ قال: بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بأَنِّي خليلٌ لك. الرابع: أنه ـ عليه السلام ـ إِنَّما سأل ذلك لقومه؛ لأَنَّ أَتْبَاع الأَنبياءِ كانوا يُطالبونهم بأشياء: تارةً باطلةٌ وتارةً حقة، كقولهم لموسى {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}تفسير : [الأعراف:138] فسأل إبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ ذلك. والمقصودُ أَنْ يُشاهِدَه قومه فيزول الإنكارُ عنهم. الخامس: قال ابن الخطيب ـ رحمه الله ـ: إِنَّ الأمَّة لا يحتاجون إلى العلم بأَنَّ الرسول ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ صادق في ادِّعاء الرسالة إلى معجزة تظهر عليه، فكذلك الرسولُ، عن وصول الملك إليه، وإِخباره بأَنَّ اللهَ بعثه رسولاً يحتاج إلى معجزة تظهرُ على يد ذلك الملك؛ ليعلم الرسولُ أَنَّ ذلك الواصل ملكٌ لا شيطانٌ، فلا يبعد أَن يقال: إنه لمَّا جاء الملك إلى إبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ وأخبره بأن اللهَ بعثك رسولاً إلى الخلق طلب المعجزة، فقال {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} على أَنَّ الآتي ملكٌ كريمٌ لا شيطانٌ رجيمٌ. [قال ابن الخطيب: وعلى قول المتكلمين طلب العلم الضروريِّ، لأَنَّ الاستدلاليَّ مما يتطرقُ إليه الشكوكُ، والشُّبهاتُ، ولعلَّه طالع في الصُّحف المتقدمة أَنَّ عيسى يُحيي الموْتَى بدعائه، ومعنى "لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" على أَني لستُ أَقَلَّ منزلةً من عيسى، أو أَنَّهُ سارع في الطَّاعة بذبح ولده، كأنه قال أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح، ففعلتُ، فأنا أسألُك أن تجعل غير ذي روح رُوحانيّاً؛ ليطمئن قلبي بإجابتك، أو أَنَّ المعنى أَرِني كيف يكونُ الحشرُ يوم القيامة؟ أَي: ليطمئِنَّ قلبي بهذا التشريف أو يكون قصَّة سماع الكلام، لا نفس الإِحياء]. قال ابن الخطيب: وهاهنا سؤالٌ صعبٌ، وهو أنَّ الإنسان حال حصول العلم له إمَّا يكون مجوِّزاً لنقيضه أو لا. فإن جوَّز نقيضه بوجهٍ من الوجوه، فذلك ظنٌّ قويٌّ لا اعتقاد جازم، وإن لم يجوّز نقيضه بوجه من الوجوه، امتنع وقوع التفاوت في المعلوم. وهذا الإشكال إنما يتوجَّه إذا قلنا: المطلوب هو حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة الله تعالى على الإحياء، أمَّا إذا قلنا: المقصود شيءٌ آخر، فالسؤال زائلٌ. روى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "حديث : نَحْنُ أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ورحم اللهُ لوطاً، لَقَد كَانَ يَأْوِي إلى ركْن شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعِي" وأخرج مسلم بن الحجَّاج هذا الحديث عن حرملة بن يحيى عن ابن وهب مثله. وقال: نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ رَبِّ أَرِني كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى ". تفسير : حكى محمد بن إسحاق بن خزيمة عن أبي إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى المزني أنه قال على هذا الحديث: لم يشكَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا إبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ أنَّ الله قادرٌ على أن يحيي الموتى، وإنَّما شكَّا أنه: هل يجيبهما إلى ما سألاه؟ وقال أبو سليمان الخطَّابي لي في قوله "حديث : نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ" تفسير : اعترافٌ بالشكِّ على نفسه، ولا على إبراهيم، ولكن فيه نفي الشَّكِّ عنهما يقول: إذا لم أشُكُّ أنا في قدرة الله، على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى ألا يشكَّ، وقال ذلك على سبيل التَّواضع، وهضم النَّفس، فكذلك قوله: "حديث : لَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعِي" تفسير : وفيه إعلامٌ بأنَّ المسألة من إبراهيم لم تعرض من جهة الشك، لكن من قبل زيادة العلم بالعيان؛ فإن العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال. وقيل: لما نزلت هذه الآية الكريمة قال قوم: شكَّ إبراهيم، ولم يشك نبيُّنا، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا القول تواضعاً منه؛ وتقديماً لإبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ. [قال القرطبيُّ: اختلف النَّاس في هذا السؤال: هل صدر من إبراهيم ـ عليه الصلاة والسَّلام ـ عن شكٍّ، أم لا؟ فقال الجمهور: لم يكن إبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ شاكّاً في إحياء الله الموتى قطُّ، وإنَّما طلب المعاينة؛ وذلك أنَّ النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به؛ ولهذا قال ـ عليه السلام ـ: "حديث : لَيْسَ الخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ" تفسير : رواه ابن عباس قال أبو عمر: لم يروه غيره]. قوله: "مِّنَ ٱلطَّيْرِ" في متعلِّقه قولان: أحدهما: أنه محذوفٌ لوقوع الجارِّ صفةً لأربعة، تقديره: أربعةً كائنةً من الطير. والثاني: أنه متعلقٌ بخذ، أي: خذ من الطير. و "الطير" اسم جمع، كركبٍ وسفر، وقيل: بل هو جمع طائرٍ، نحو: تاجر وتجر، وهذا مذهب أبي الحسن. وقيل: بل هو مخفَّف من "طَيِّر" بتشديد [الياء]، كقولهم: "هَيْن ومَيْت" في "هَيِّن ومَيِّت. قال أبو البقاء رحمه الله: "هو في الأصل مصدر طارَ يطِير، ثم سمِّي به هذا الجنسُ". فتحصَّل فيه أربعة أقوال. وجاء جرُّه بـ "مِنْ" بعد العدد على أفصح الاستعمال، إذ الأفصح في اسم الجمع في باب العدد أن يفصل بمن كهذه الآية الكريمة، ويجوز الإضافة كقوله تعالى: {أية : تِسْعَةُ رَهْطٍ}تفسير : [النمل:48]؛ وقال ذلك القائل: [الوافر] شعر : 1212- ثَلاثَةَ أَنْفُسٍ وَثَلاَثُ ذَوْدٍ لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي تفسير : وزعم بعضهم: إن إضافته نادرةٌ، لا يقاس عليها، وبعضهم: أنَّ اسم الجمع لما يعقل مؤنث، وكلا الزعمين ليس بصوابٍ؛ لما تقدَّم من الآية الكريمة، واسم الجمع لما لا يعقل يذكَّر، ويؤنَّث؛ وهنا جاء مذكراً لثبوت التاء في عدده. قوله: "فَصُرْهُنَّ" قرأ حمزة، والكسائي: بكسر الصَّاد، والباقون: بضمِّها، وتخفيف الراء. واختلف في ذلك، فقيل: القراءتان يحتمل أن تكونا بمعنًى واحدٍ، وذلك أنه يقال: صاره يصوره ويَصِيرُهُ، بمعنى قطعه، أو أماله، فاللغتان لفظٌ مشتركٌ بين هذين المعنيين، والقراءتان تحتملهما معاً، وهذا مذهب أبي عليّ. وقال الفراء: "الضمُّ مشتركٌ بين المعنيين، وأمَّا الكسر: فمعناه القطع فقط". وقال غيره: "الكَسْرُ بمعنى القطع، والضمُّ بمعنى الإمالة". يقال رجل أصور، أي: مائلُ العنق، ويقال: صار فلان إلى كذا، إذا قال به، ومال إليه، وعلى هذا يصير في الكلام محذوفٌ، كأنه قيل أملهنَّ إليك، وقطِّعهنَّ. وقال ابن عبَّاسٍ، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد: صرهنَّ بالضم: بمعنى قطِّعهنَّ، يقال صار الشَّيء يصوره صوراً، إذا قطعه، قال رؤبة يصف خصماً ألد: [الرجز] شعر : 1213- صُرْنَاهُ بِالحُكْمِ وَيَبْغِي الحَكَمَا تفسير : أي: قطعناهُ، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى الإضمار، وقال عطاء: معناه اجمعهنَّ، واضممهنَّ إليك، يقال: صار يصور صوراً، إذا اجتمع، ومنه قيل لجماعة النَّحل: صورٌ. فصل في لفظ "الصِّرِّ" في القرآن قال أبو العبَّاس المقرئ: ورد لفظ الصِّرِّ في القرآن على ثلاثة أوجهٍ: الأول: بمعنى القطع؛ كهذه الآية، أي: قطِّعهنَّ إليك صوراً. الثاني: بمعنى الريح الباردة، قال تعالى: {أية : رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ}تفسير : [آل عمران:117] أي: بردٌ. الثالث: يعني الإقامة على الشيء؛ قال تعالى {أية : وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ}تفسير : [آل عمران:135]، أي: لم يقيموا، ومثله: {أية : وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الواقعة:46]. ونقل عن الفرَّاء أيضاً: أنه قال: "صَارَه" مقلوبٌ من قولهم: "صَرَاهُ عَنْ كَذَا"، أي: قطعه عنه، ويقال: صُرْتُ الشيء، فانصار، أي: انقطع؛ قالت الخنساء: [البسيط] شعر : 1214- فَلَوْ يُلاَقِي الَّذي لاَقَيْتُهُ حَضِنٌ لَظَلَّتِ الشُّمُّ مِنْهُ وَهْيَ تَنْصَارُ تفسير : أي: تنقطع. قال المبرد: وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ كلَّ واحد من اللفظين أصل بنفسه فرع على الآخر. واختلف في هذه اللفظة: هل هي عربيةٌ، أو معرَّبة؟ فعن ابن عباس: أنها معرَّبة من النَّبطية، وعن أبي الأسود، أنَّها من السُّريانية، والجمهور على أنها عربيةٌ، لا معرَّبةٌ. و "إِلَيْكَ" إن قلنا: إِنَّ "صُرْهُنَّ" بمعنى أملهنَّ: تعلَّق به، وإن قلنا: إنه بمعنى: قطِّعهنَّ، تعلَّق بـ "خُذْ". ولمَّا فسَّر أبو البقاء "فَصُرْهُنَّ" بمعنى: أَمِلْهُنَّ" قدَّر محذوفاً بعده تقديره: فأملهنَّ إليك، ثم قطِّعهنَّ، ولمَّا فسَّره بقطِّعهن ـ كما تقدم ـ قدَّر محذوفاً يتعلَّق به "إِلَى" تقديره: قطِّعهنَّ بعد أن تميلهنَّ إليك. ثم قال: "والأجودُ عندي أن يكون "إليك" حالاً من المفعول المضمر تقديره: فقطِّعهنَّ مقرَّبةً إليك، أو ممالةً، أو نحو ذلك". وقرأ ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: "فَصُرْهُنَّ" بتشديد الراء، مع ضم الصاد وكسرها، مِنْ: صرَّه يَصُرّه، إذا جمعه؛ إلاَّ أنَّ مجيء المضعَّف المتعدِّي على يفعل ـ بكسر العين في المضارع ـ قليلٌ. ونقل أبو البقاء رحمه الله تعالى عمَّن شدَّد الراء: أنَّ منهم من يضمُّها، ومنهم من يفتحها، ومنهم من يكسرها، مثل: "مُدَّهُنَّ" فالضمُّ على الإتباع، والفتح للتخفيف، والكسر على أصل التقاء الساكنين. قال القرطبي: قرئ "صَرِّهِنَّ" بفتح الصاد، وتشديد الراء مكسورة؛ حكاها المهدوي وغيره عن عكرمة؛ بمعنى فاحبسهنَّ، من قولهم: "صرَّى يُصَرِّي": إذا حبس، ومنه الشاة المصرَّاة، قال القرطبي: وهاهنا اعتراضٌ ذكره الماوردي، وهو أن يقال: كيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى ـ عليه السلام ـ في قوله: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف:143]؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن ما سأله موسى لا يصحُّ مع بقاء التكليف، وما سأله إبراهيم خاصٌّ يصحُّ معه بقاء التكليف. الثاني: أن الأحوال تختلف، فيكون الأصلح في بعض الأوقات الإجابة، وفي وقتٍ آخر المنع، فيما لا يتقدَّم فيه إذنٌ. قال ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ أمر الله تعالى إبراهيم بهذا، قبل أن يولد، وقبل أن ينزل عليه الصُّحف. فصل في الطير المأخوذة قال مجاهدٌ، وعطاءٌ، وابن جريج: أخذ طاووساً، وديكاً، وحمامةً، وغراباً. ونقل عن ابن عباس: ونسراً بدل الحمامة. وقال عطاء الخراساني: بطَّة خضراء، وغراباً أسود، وحمامةً بيضاء، وديكاً أحمر "فَصُرْهُنَّ" أي: قطِّعهنَّ، ومزقهن، وقيل أملهُنَّ على ما تقدَّم. فصل في الحكمة في نوع الطير وعدده وهاهنا سؤالات: الأول: ما الحكمة في كونه أمره بأخذ أربعةٍ من الطير، ولم يأمره بأكثر، ولا بأقل؟! الثاني: ما الحكمة في كونها من الطير، دون غيرها من الحيوان؟! الثالث: هل كان من حيوان البحر، ثم الوحش، والطير وبهم الأنعام؟ الرابع: هل كان الأربعة كلُّ واحدٍ مخلوقٌ من غالب عنصرٍ من العناصر الأربعة، كالطير، مخلوق من غالب عنصر الهواء، والسمك مخلوق من غالب عنصر الماء، وحيوان البرّ مخلوقٌ من غالب عنصر التراب، وسراج البحر، والدرّاج التي هي تطيرُ بالليل كلُّها نارٌ، والسَّمندل الذي يعيش في النار فإنهم مخلوقون من غالب عنصر النار. فإن قيل: ما الفائدة في أمره بضمِّها إلى نفسه بعد أخذها؟ فالجواب: فائدته أن يتأمل فيها، ويعرف أشكالها، وهيئاتها؛ لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء، ولا يتوهَّم أنَّها غير تلك، وأجمع المفسِّرون على أن المراد من الآية الكريمة قطعهن، وأنَّ إبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ قطع أعضاءها، ولحومها، وريشها، ودماءها، وخلط بعضها ببعضٍ؛ غير أبي مسلم؛ فإنه أنكر ذلك، وقال: إنَّ إبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ لما طلب إحياء الميت من الله تعالى، أراه مثالاً قرب به الأمر عليه. والمراد بـ "فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ" الإمالةُ والتمرين على الإجابة، وتعلمها، أي: فعوَّد الطير الأربعة، بحيث تصير إذا دعوتها، أجابتك. والغرض منه ذكر مثالٍ محسوسٍ في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة وأنكر القول بأن المراد منه: فقطعهن. واحتجَّ على ذلك بوجوهٍ: أحدها: أنَّ المشهور في قوله: "فَصُرْهُنَّ" أي: أملهنَّ، وأمَّا التقطيع والذبح، فليس في الآية ما يدل عليه، فكان إدراجه في الآية الكريمة زيادة بغير دليل، وهو لا يجوز. وثانيها: لو كان المراد قطِّعهنَّ، لم يقل إليك؛ فإنَّ ذلك لا يتعدى بإلى. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال في الكلام تقديمٌ، وتأخيرٌ، تقديره: فخذ إليك أربعةً من الطير، فصرهن؟ قلنا: التزام التقديم والتَّأخير من غير ضرورة خلاف الظاهر. وثالثها: أن الضمير في قوله: "ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ" عائدٌ إليها لا إلى أجزائها، وإذا كانت الأجزاء متفرقةً، وكان الموضوع على كلِّ جبلٍ بعض تلك الأجزاء يلزم أن يكون الضمير عائداً إلى تلك الأجزاء لا إليها، وهو خلاف الظاهر، وأيضاً في قوله: "يَأْتِينَكَ سَعْياً" عائد إليها، لا إلى أجزائها، وعلى قولكم إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض، كان الضمير في "يَأْتِينَكَ" عائداً إلى أجزائها لا إليها. واحتجَّ الجمهور بوجوهٍ: الأول: أنَّ المفسِّرين قبل أبي مسلم أجمعوا على أنه ذبح تلك الطيور، وقطَّعها أجزاءً، فيكون إنكار ذلك إنكاراً للإجماع. الثاني: أنَّ ما ذكره غير مختصٍّ بإبراهيم؛ فلا يكون له فيه مزية على الغير. الثالث: أن إبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ إنما أراد أن يريه الله كيف يحيي الموتى، وظاهر الآية، يدلُّ على أنه أجيب إلى ذلك، وعلى قول أبي مسلمٍ لم تحصل الإجابة في الحقيقة. الرابع: أنَّ قوله {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا} يدلُّ على أنَّ تلك الطيور جعلت أجزاءً. قال أبو مسلم في الجواب عن هذا الوجه: إنَّه أضاف الجزء إلى الأربعة، فيجب أن يكون المراد بالجزء، هو الواحد من تلك الأربعة. وأُجيب بأنَّ ما ذكرتم، وإن كان محتملاً إلاَّ أنَّ ما ذكرناه أظهر، والتقدير: فاجعل على كل جبلٍ من كلِّ واحدٍ منهن جزءاً أو بعضاً. قوله: "ثُمَّ ٱجْعَلْ" "جَعَلَ" يحتمل أن يكون بمعنى الإلقاء، فيتعدَّى لواحدٍ، وهو "جُزْءاً"، فعلى هذا يتعلَّق "عَلَى كُلِّ" و "مِنْهُنَّ" بـ "اجعل"، وأن يكون بمعنى "صَيَّر"، فيتعدَّى لاثنين، فيكون "جُزءاً" الأول، و "عَلَى كُلِّ" هو الثاني، فيتعلَّق بمحذوفٍ. و "منهنَّ" يجوز أن يتعلَّق على هذا بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من "جُزْءاً"، لأنه في الأصل صفة نكرة، فلمَّا قُدِّم عليها، نصب حالاً. وأجاز أبو البقاء أن يكون مفعولاً لـ "اجْعَلْ" يعني: إذا كانت "اجْعَلْ" بمعنى "صَيِّر"، فيكون "جُزْءاً" مفعولاً أول، و "منهنَّ" مفعولاً ثانياً قدِّم على الأول، ويتعلَّق حينئذٍ بمحذوف. [ولا بد من حذف صفةٍ مخصِّصة بعد] قوله: "كُلِّ جَبَلٍ" تقديره: "عَلَى كُلِّ جبلٍ بحضرتك، أو يليك" حتى يصحَّ المعنى. وقرأ الجمهور: "جُزْءاً" بسكون الزاي والهمز، وأبو بكر ضمَّ الزاي، وأبو جعفر شدَّد الزاي، من غير همزٍ؛ ووجهها: أنَّه لمَّا حذف الهمزة، وقف على الزاي، ثم ضعَّفها، كما قالوا: "هذا فَرَجّ"، ثم أُجري الوصل مجرى الوقف. وقد تقدم تقرير ذلك عند قوله: {أية : هُزُواً}تفسير : [البقرة:67]. وفيه لغةٌ أخرى وهي: كسر الجيم. قال أبو البقاء: "وَلاَ أَعْلَمُ أَحَداً قرأ بها". والجزء: القطعة من الشيء، وأصل المادَّة يدلُّ على القطع، والتفرق، ومنه: التجزئة والأجزاء. فصل في المعنيِّ بالجبل في الآية ظاهر قوله: {عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ} جميع جبال الدنيا، فذهب مجاهد، والضحاك إلى العموم بحسب الإمكان، كأنه قيل: فرقها على كلِّ جبلٍ يمكنك التفرقة عليه. وقال ابن عبَّاس، والحسن، وقتادة، والربيع: أُمر أن يجعل كلَّ طائرٍ أربعة أجزاءٍ، ويجعلها على أربعة أجبلٍ، على كل جبلٍ ربعاً من كل طائرٍ. وقيل: على حسب الجهات الأربع: أعني المشرق، والمغرب، والشمال، والجنوب. وقال السديُّ، وابن جريج: سبعةٌ من الجبال؛ لأنَّ المراد على كل جبل يشاهده إبراهيم حتى يصح منه دعاء الطائر، وكانت الجبال التي يشاهدها ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ سبعةٌ. قوله: "يَأْتِينَكَ" جواب الأمر، فهو في محلِّ جزمٍ، ولكنه بُني لاتصاله بنون الإناث. قوله: "سَعْياً" فيه أوجه: أحدها: أنه مصدرٌ واقعٌ موقع الحال من ضمير الطير، أي: يَأتينك ساعياتٍ، أو ذوات سعي. والثاني: أن يكون حالاً من المخاطب، ونقل عن الخليل ما يقوِّي هذا، فإنه روي عنه: "أن المعنى: يأتينك وأنت تسعى سعياً" فعلى هذا يكون "سعياً" منصوباً على المصدر، وذلك الناصب لهذا المصدر في محلِّ نصب على الحال من الكاف في "يَأْتِينَكَ". قال شهاب الدين: والذي حمل الخليل ـ رحمه الله ـ على هذا التقدير؛ أنه لا يقال عنده: "سَعَى الطائرُ" فلذلك جعل السَّعي من صفات الخليل ـ عليه السلام ـ لا من صفة الطيور. الثالث: أن يكون "سَعْياً" منصوباً على نوع المصدر؛ لأنه نوعٌ من الإتيان، إذ هو إتيانٌ بسرعةٍ، فكأنه قيل: يأتينك إتياناً سريعاً. وقال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون مصدراً مؤكِّداً؛ لأنَّ السعي، والإتيان يتقاربان"، وهذا فيه نظرٌ؛ لأن المصدر المؤكِّد لا يزيد على معنى عامله، إلاَّ أنه تساهل في العبارة. فصل في معنى "سَعْياً" قيل: معنى "سَعْياً" عدواً ومشياً على أرجلهنَّ؛ لأن ذلك أبلغ في الحجة. وقيل: "طَيَراناً". ولا يصحُّ؛ لأنه لا يقال للطائر إذا طار: سعى، ومنهم من أجاب عنه: بأن "السَّعْي" هو الاشتداد في الحركة، فإن كانت الحركة طيراناً، فالسَّعيُ فيها هو الاشتداد في تلك الحركة. روي أنَّه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ ذبحها، ونتف ريشها، وقطَّعها أجزاءً، وخلط لحمها، وريشها، ودمها، ووضع على كلِّ جبلٍ جزءاً من ذلك المجموع، وأمسك رؤوسهن، ثم دعاهنَّ فقال: تَعَالَيْن بإذن الله تعالى، فجعلت كلُّ قطرةٍ من دم طائرٍ تطير إلى القطرة الأخرى، وكل عظم يصير إلى الآخر من جثَّته، وكل بضعةٍ تصير إلى الأخرى، وإبراهيم ـ عليه الصَّلاةُ والسَّلام ـ ينظر؛ حتى لقيت كل جثَّة بعضها بعضاً في الهواء بغير رأسٍ، ثم أقبلن إلى رؤوسهنَّ سعياً: كلُّ جثَّةٍ إلى رأسها، فانضمَّ كلَّ رأسٍ إلى جثَّته، وصار الكلُّ أحياءً بإذن الله. {وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللهَ عَزِيزٌ} غالبٌ على جميع الممكنات "حَكِيمٌ" عالمٌ بعواقب الأمور، وغاياتها.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: إن إبراهيم مر برجل ميت زعموا أنه حبشي على ساحل البحر، فرأى دواب البحر تخرج فتأكل منه، وسباع الأرض تأتيه فتأكل منه، والطير تقع عليه فتأكل منه. فقال إبراهيم عند ذلك: رب هذه دواب البحر تأكل من هذا، وسباع الأرض والطير، ثم تميت هذه فتبلى، ثم تحييها فأرني كيف تحيي الموتى؟ قال: أولم تؤمن يا إبراهيم أني أحيي الموتى؟ قال: بلى يا رب ولكن ليطمئن قلبي. يقول: لأرى من آياتك وأعلم أنك قد أجبتني. فقال الله: خذ أربعة من الطير فصنع ما صنع، والطير الذي أخذه: وز ورال، وديك، وطاوس وأخذ نصفين مختلفين ثم أتى أربعة أجبل، فجعل على كل جبل نصفين مختلفين، وهو قوله {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً} ثم تنحى ورؤوسهما تحت قدميه، فدعا باسم الله الأعظم، فرجع كل نصف إلى نصفه وكل ريش إلى طائره، ثم أقبلت تطير بغير رؤوس إلى قدمه تريد رؤوسها بأعناقها، فرفع قدمه فوضع كل طائر منها عنقه في رأسه فعادت كما كانت {واعلم أن الله عزيز} يقول: مقتدر على ما يشاء {حكيم} يقول: محكم لما أراد. الرال فرخ النعام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة. نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج عن ابن عباس قال: بلغني أن إبراهيم بينا هو يسير على الطريق إذا هو بجيفة حمار عليها السباع والطير قد تمزق لحمها وبقي عظامها، فوقف فعجب ثم قال: رب قد علمت لتجمعنها من بطون هذه السباع والطير، رب أرني كيف تحيي الموتى قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليس الخبر كالمعاينة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: سأل إبراهيم عليه السلام ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، وذلك مما لقي من قومه من الأذى، فدعا به عند ذلك مما لقي منهم من الأذى فقال: رب أرني كيف تحيي الموتى. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً سأل ملك الموت أن يأذن له فيبشر إبراهيم بذلك فأذن له، فأتى إبراهيم ولبس في البيت، فدخل داره وكان إبراهيم من أغير الناس إذا خرج أغلق الباب، فلما جاء وجد في بيته رجلاً ثار إليه ليأخذه، وقال له: من أذن لك أن تدخل داري؟ قال ملك الموت: أذن لي رب هذه الدار. قال إبراهيم: صدقت، وعرف أنه ملك الموت. قال: من أنت؟ قال: أنا ملك الموت جئتك أبشرك بأن الله قد اتخذك خليلاً. فحمد الله وقال: يا ملك الموت أرني كيف تقبض أرواح الكفار؟ قال: يا إبراهيم لا تطيق ذلك. قال: بلى. قال: فاعرض، فاعرض إبراهيم ثم نظر فإذا هو برجل أسود ينال رأسه السماء يخرج من فيه لهب النار، ليس من شعرة في جسده إلا في صورة رجل يخرج من فيه ومسامعه لهب النار، فغشي على إبراهيم ثم أفاق وقد تحوّل ملك الموت في الصورة الأولى. فقال: يا ملك الموت لو لم يلق الكافر عند موته من البلاء والحزن إلا صورتك لكفاه، فأرني كيف تقبض أرواح المؤمنين؟ قال: فأعرض، فاعرض إبراهيم ثم التفت، فإذا هو برجل شاب أحسن الناس وجهاً، وأطيبه ريحاً، في ثياب بياض. قال: يا ملك الموت لو لم ير المؤمن عند موته من قرة العين والكرامة إلا صورتك هذه لكان يكفيه. فانطلق ملك الموت وقام إبراهيم يدعو ربه يقول: رب أرني كيف تحيي الموتى حتى أعلم أني خليلك. قال: أو لم تؤمن؟ يقول: تصدق بأني خليلك. قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي بخلولتك. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن سعيد بن جبير في قوله {ولكن ليطمئن قلبي} قال: بالخلة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله {ولكن ليطمئن قلبي} يقول: أعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن مجاهد وإبراهيم {ليطمئن قلبي} قال: لأزداد إيماناً إلى إيماني. وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن ماجة وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: {رب أرني كيف تحيي الموتى. قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي}. ويرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن أيوب في قوله {ولكن ليطمئن قلبي} قال: قال ابن عباس: ما في القرآن آية أرجى عندي منها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس. أنه قال لعبدالله بن عمرو بن العاص: أي آية في القرآن ارجى عندك؟ فقال: قول الله {أية : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله...}تفسير : [الزمر: 53] الآية. فقال ابن عباس: لكن أنا أقول: قول الله لإِبراهيم {أولم تؤمن قال بلى} فرضي من إبراهيم بقوله بلى، فهذا لما يعترض في الصدور ويوسوس به الشيطان. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق حنش عن ابن عباس {فخذ أربعة من الطير} قال: الغرنوق، والطاوس، والديك، والحمامة. الغرنوق الكركي. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الأربعة من الطير: الديك، والطاوس، والغراب، والحمام. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس {فصرهن} قال: قطعهن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس {فصرهن} قال: هي بالنبطية شققهن. وأخرج ابن جرير عن عكرمة {فصرهن} قال: بالنبطية قطعهن. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {فصرهن} قال: هذه الكلمة بالحبشية يقول: قطعهن واخلط دماءهن وريشهن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس {فصرهن} قال: أوثقهن ذبحهن. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب قال: ما من اللغة شيء إلا منها في القرآن شيء، قيل: وما فيه من الرومية؟ قال {فصرهن} يقول: قطعهن. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث من طريق أبي جمرة عن ابن عباس {فصرهن إليك} قال: قطع أجنحتهن ثم اجعلهن أرباعاً، ربعاً ههنا وربعاً ههنا في أرباع الأرض {ثم ادعهن يأتينك سعياً} قال: هذا مثل كذلك يحيي الله الموتى مثل هذا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: أمر أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن، ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن، ثم يجزئهن على أربعة أجبل. وأخرج ابن جرير عن عطاء {فصرهن إليك} اضممهن إليك. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق طاوس عن ابن عباس قال: وضعهن على سبعة أجبل، وأخذ الرؤوس بيده فجعل ينظر إلى القطرة تلقى القطرة، والريشة تلقى الريشة، حتى صرن أحياء ليس لهن رؤوس، فجئن إلى رؤوسهن فدخلن فيها. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد {ثم ادعهن} قال: دعاهن باسم إله إبراهيم تعالين. وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله {يأتينك سعياً} قال: شداً على أرجلهن. وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: أخذ ديكاً، وطاوساً، وغراباً، وحماماً، فقطع رؤوسهن وقوائمهن وأجنحتهن، ثم أتى الجبل فوضع عليه لحماً ودماً وريشاً، ثم فرقه على أربعة جبال، ثم نودي: أيتها العظام المتمزقة، واللحوم المتفرقة، والعروق المتقطعة، اجتمعن يرد الله فيكن أرواحكن. فوثب العظم إلى العظم، وطارت الريشة إلى الريشة، وجرى الدم إلى الدم، حتى رجع إلى كل طائر دمه ولحمه وريشه، ثم أوحى الله إلى إبراهيم: إنك سألتني كيف أحيي الموتى، وإني خلقت الأرض وجعلت فيها أربعة أرواح: الشمال، والصبا، والجنوب، والدبور، حتى إذا كان يوم القيامة نفخ نافخ في الصور، فيجتمع من في الأرض من القتلى والموتى كما اجتمعت أربعة أطيار من أربعة جبال، ثم قرأ {أية : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة}تفسير : [لقمان: 28]. وأخرج البيهقي في الشعب عن الحسن في قوله {رب أرني كيف تحيي الموتى} قال: إن كان إبراهيم لموقنا أن الله يحيي الموتى ولكن لا يكون الخبر كالعيان، إن الله أمره أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن وينتفهن، ثم قطعهن أعضاء أعضاء، ثم خلط بينهن جميعاً، ثم جزأهن أربعة أجزاء، ثم جعل على كل جبل منهن جزءاً، ثم تنحى عنهن فجعل يعدو كل عضو إلى صاحبه حتى استوين كما كن قبل أن يذبحهن، ثم أتينه سعياً. وأخرج البيهقي عن مجاهد في قوله {فصرهن إليك} قال: يقول: انتف ريشهن ولحومهن ومزقهن تمزيقاً. وأخرج البيهقي عن عطاء قال: يقول: شققهن ثم اخلطهن.
ابو السعود
تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ} دليلٌ آخرُ على ولايته تعالى للمؤمنين وإخراجِه لهم من الظلمات إلى النور وإنما لم يسلُك به مسلكَ الاستشهاد كما قبله بأن يقال أو كالذي قال: ربِّ الخ لجَرَيان ذكره عليه السلام في أثناء المُحاجَّة ولأنه لا دخْلَ لنفسه عليه السلام في أصل الدليل كدأب عُزيرٍ عليه السلام فإن ما جَرى عليه من إحيائه بعد مائةِ عامٍ من جملة الشواهد على قدرته تعالى وهدايته، والظرفُ منتصبٌ بمُضمرٍ صُرِّح بمثله في نحو قوله تعالى: {أية : وَٱذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء } تفسير : [الأعراف، الآية 69 و74] أي واذكر وقت قوله عليه السلام وما وقع حينئذ من تعاجيب صنعِ الله تعالى لتقِفَ على ما مرَّ من ولايته تعالى وهدايته. وتوجيهُ الأمرِ بالذكر في أمثال هذه المواقعِ إلى الوقت دون ما وقع فيه من الواقعات مع أنها المقصودة بالتذكير لما ذُكر غير مرة من المبالغة في إيجاب ذكرِها لما أن إيجابَ ذكرِ الوقت إيجابٌ لذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني ولأن الوقتَ مشتمِلٌ عليها مفصّلةً فإذا استُحضِرَ كانت حاضرةً بتفاصيلها بحيث لا يشِذُّ عنها شيءٌ مما ذكر عند الحكاية أو لم يُذْكَرْ كأنها مشاهدةٌ عِياناً {رَبّ} كلمة استعطافٍ قُدّمت بـين يدي الدعاء مبالغةً في استدعاء الإجابة{أَرِنِى} من الرؤية البَصَرية المتعدِّية إلى واحدٍ وبدخول همزةِ النقل طلبَتْ مفعولاً آخرَ هو الجملةُ الاستفهامية المعلِّقةُ لها فإنها تعلِّق كما يُعلَّق النظرُ البصَريُّ أي اجعلني مبصراً {كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ} بأن تحيِـيهَا وأنا أنظرُ إليها، وكيف في محل نصبٍ على التشبـيه بالظرف عند سيبويه، وبالحال عند الأخفش، والعاملُ فيها تحيـي أي في أيِّ حال أو على أيِّ حالٍ تحيـي. قال القرطبـيُّ: الاستفهامُ بكيف إنما هو سؤالٌ عن حال شيءٍ متقررِ الوجود عند السائلِ والمسؤولِ، فالاستفهامُ هٰهنا عن هيئة الإحياءِ المتقرّر عند السائل أي بصِّرْني كيفيةَ إحيائِك للموتى، وإنما سأله عليه السلام ليتأيّد إيقانُه بالعِيان ويزدادَ قلبُه اطمئناناً على اطمئنان، وأما ما قيل من أن نمرودَ لما قال: أنا أحيـي وأميت قال إبراهيمُ عليه السلام: «إن إحياءَ الله تعالى بردِّ الأرواح إلى الأجساد» فقال نمرودُ: هل عاينتَه فلم يقدِرْ على أن يقول: نعم فانتقل إلى تقريرٍ آخرَ ثم سأل ربه أن يُرِيَه ذلك فيأباه تعليلُ السؤال بالاطمئنان. {قَالَ} استئناف كما مر غيرَ مرة {أَوَلَمْ تُؤْمِن} عطفٌ على مقدرٍ أي ألم تعلمْ ولم تؤمنْ بأني قادرٌ على الإحياء كيف أشاء حتى تسألَني إراءتَه قال عز وعلا وهو أعلم بأنه عليه السلام أثبتُ الناسِ إيماناً وأقواهم يقيناً: ليجيبَ بما أجاب به فيكون ذلك لطفاً للسامعين {قَالَ بَلَىٰ} علِمت وآمنتُ بأنك قادر على الإحياء على أي كيفية شئت {وَلَـٰكِنِ} سألت ما سألت {لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى} بمُضامَّة العِيانِ إلى الإيمان والإيقان وأزدادَ بصيرةً بمشاهدته على كيفية معينة. {قَالَ فَخُذْ} الفاءُ لجواب شرطٍ محذوف أي إن أردت ذلك فخُذ {أَرْبَعَةً مّنَ ٱلطَّيْرِ} قيل: هو اسمٌ لجمعِ طائر، كرَكْبٍ وسَفْرٍ وقيل: جمعٌ له كتاجرٍ وتَجْرٍ وقيل: هو مصدرٌ سمي به الجنسُ وقيل: هو تخفيفُ طيّرٍ بمعنى طائر كهيْنٍ في هيّن، ومِنْ متعلقة بخُذ أو بمحذوف وقع صفةً لأربعةً أي أربعةً كائنة من الطير، قيل: هي طاووسٌ وديكٌ وغرابٌ وحَمامةٌ وقيل: نَسْرٌ بدلَ الأخير، وتخصيصُ الطير بذلك لأنه أقربُ إلى الإنسان وأجمعُ لخواصِّ الحيوان ولسهولةِ تأتيِّ ما يُفعلُ به من التجزئة والتفريق وغيرِ ذلك {فَصُرْهُنَّ} من صارَه يصورُه أي أماله وقرىء بكسر الصاد من صاره يَصيره، أي أمِلْهن واضمُمْهن وقرىء فصُرَّهن بضم الصاد وكسرها وتشديد الراء من صرَّه يصِرُّه ويصُره إذا جمعه وقرىء فصَرِّهِنّ من التَّصْرية بمعنى الجمع أي اجمَعْهن {إِلَيْكَ} لتتأملَها وتعرِفَ شِياتِها مفصَّلةً حتى تعلم بعد الإحياءِ أن جزءاً من أجزائها لم ينتقِلْ من موضعه الأول أصلاً، روي أنه أُمر بأن يذبَحها وينتِفَ ريشها ويقطّعها ويفرِّق أجزاءها ويخلِطَ ريشها ودماءَها ولحومَها ويمسك رؤسها ثم أمر بأن يجعل أجزاءها على الجبال وذلك قوله تعالى: {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا} أي جزِّئهن وفرِّق أجزاءَهن على ما بحضرتك من الجبال قيل: كانت أربعة أجبُل وقيل: سبعة، فجعل على كل جبل رُبُعاً أو سُبعاً من كل طائر، وقرىء جُزُؤاً بضمتين وجُزّاً بالتشديد بطرح همزته تخفيفاً ثم تشديدِه عند الوقف ثم إجراءِ الوصل مْجرى الوقف. {ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ} في حيز الجزمِ على أنه جواب الأمر ولكنه بُني لاتصاله بنون جمع المؤنث {سَعْيًا} أي ساعيات مسرعات أو ذواتِ سعيٍ طيراناً أو مشياً وإنما اقتصر على حكاية أوامره عز وجل من غير تعرضٍ لامتثاله عليه السلام ولا لما ترتب عليه من عجائب آثارِ قدرتِه تعالى كما روي أنه عليه السلام نادى فقال: «حديث : تعالَيْنَ بإذن الله» تفسير : فجعل كلُّ جزءٍ منهن يطير إلى صاحبه حتى صارت جثثاً ثم أقبلْن إلى رؤوسهن فانضمَّتْ كلُّ جثةٍ إلى رأسها فعادت كلُّ واحدة منهن إلى ما كانت عليه من الهيئة للإيذان بأن ترتب تلك الأمورِ على الأوامر الجليلةِ واستحالةَ تخلّفها عنها من الجلاء والظهورِ بحيث لا حاجة له إلى الذكر أصلاً وناهيك بالقصة دليلاً على فضل الخليل ويُمْنِ الضراعة في الدعاء وحُسنِ الأدب في السؤال حيث أراه الله تعالى ما سأله في الحال على أيسرِ ما يكون من الوجوه وأرى عُزيراً ما أراد بعدما أماته مائة عام {وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالبٌ على أمره لا يُعجزُه شيء عما يريده {حَكِيمٌ} ذو حكمةٍ بالغة في أفاعيله فليس بناءُ أفعاله على الأسباب العادية لعجزه عن إيجادها بطريق آخرَ خارقٍ للعادات بل لكونه متضمناً للحِكَم والمصالح.
التستري
تفسير : وسئل عن قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ}[260] أفكان شاكاً في إيمانه حتى سأل ربه أن يريه آية ومعجزة ليصح معها إيمانه؟ فقال سهل: لم يكن سؤاله ذلك عن شك، وإنما كان طالباً زيادة يقين إلى إيمان كان معه، فسأل كشف غطاء العيان بعيني رأسه ليزداد بنور اليقين يقيناً في قدرة الله، وتمكيناً في خلقه، ألا تراه كيف قال: {أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ}[260] فلو كان شاكاً لم يجب بـ "بلى"، ولو علم الله منه الشك وهو أخبر بـ "بلى" وستر شكه لكشف الله تعالى ذلك، إذ كان مثله مما لا يخفى عليه، فصح أن طلب طمأنينته كان على معنى طلب الزيادة في يقينه. فقيل: إن أصحاب المائدة طلبوا الطمأنينة بإنزال المائدة، وكان ذلك شكاً، فكيف الوجه فيه؟ فقال: إن إبراهيم عليه السلام أخبر أنه مؤمن، وإنما سأل الطمأنينة بعد الإيمان زيادة، وأصحاب المائدة أخبروا أنهم يؤمنون بعد أن تطمئن قلوبهم، كما قال: {أية : وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا}تفسير : [المائدة:113] فأخبروه أن علمهم بصدقه بعد طمأنينتهم إلى معاينتهم المائدة يكون ابتداء إيمان لهم. وقال أبو بكر: وسمعته مرة أخرى يقول: {وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}[260] أي لست آمنُ أن يعارضني عدو لك قلنا فقوله: {لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}[260] أي خلتي، هذا لما أعلمه أنك تحيي وتميت. وسئل سهل: إذا بلغ العبد إلى كفاح العيان ما علامته في البيان؟ فقال: يغلب بطرد الشيطان، وهو أن النفس في معاينة الهوان، ولا سبيل إليه للنفس والشيطان بعزلهما عن الشيطان إلاَّ بحفظ الرحمن. وقال: [من الوافر] شعر : كفاياتُ الكِفاح بِحُسْنِ ظنِّي كنسجِ العنكبوتِ بباب غارِ وحسنُ الظَّنِّ جاوزَ كُلَّ حجبٍ وحُسْنُ الظَّنِّ جاوز نُورَ نار علاماتُ الْمُقَرَّبِ واضحاتٌ بعيدٌ أمْ قريبٌ ليلُ سارِ فمنْ كانَ الإِله لهُ عِياناً فلا نومَ القرارِ إلى النهارِ تقاضاه الإله لَهم ثلاثاً فهل من سائلٍ من لطف بارِ متى نَجس الولوغ ببحر ود فدع شقي النباح بباب داري ألا يا نفس والشيطان أخسوا كبطلان الوساوس والغمارِ تفسير : قوله: "كفايات الكفاح بحسن ظني" كأنه أشار إلى قوله: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ} تفسير : [فصلت:53] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بلى يا رب" تفسير : وكذلك لما أنزلت {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ}تفسير : [التين:8] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بلى يا رب" تفسير : ومن طريق فهمهم القرآن: أوَ لم يَكْفِ بِرَبِّكَ يا محمد بنصرتك في الدنيا على أعدائك بالقتل والهزيمة، وفي العقبى بالمقام المحمود والشفاعة، وفي الجنة باللقاء والزيارة، وقوله: "كنسج العنكبوت بباب غار" وذلك أنَّ غار العارفين هو السر، واطلاع رب العالمين إذا بلغوا إلى مقام الكفاح، وهو عيان العيان بعد البيان، فليس بينهم وبين الله تعالى إلاَّ حجاب العبودية بنظره إلى صفات الربوبية والهوية والإلهية والصمدية إلى السرمدية بلا منع ولا حجاب، مثل من طريق الأمثال كنسيج العنكبوت حول قلبه، وسره فؤاده بلطف الربوبية وكمال الشفقة بلا حجاب بينه وبين الله تعالى كنسج العنكبوت بباب غار رسول الله صلى الله عليه وسلم صرف الله به جميع أعدائه من صناديد قريش بدلالة إبليس إياهم عليه، كذلك أهل المعرفة إذا بلغوا إلى مقام العيان بعد البيان انقطع وصرف وساوس الشيطان وسلطان النفس، وصار كيدهم ضعيفاً، بيانه قوله: {أية : إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}تفسير : [النساء:76] يعني صار عليهم ضعيفاً كما قال: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}تفسير : [الحجر:42] لأن العبد إذا جاوز بحسن ظنه جميع الحجب، حتى لا يكون بينه وبين الله حجاب، فليس للنفس والشيطان والدنيا دخول على قلبه وفؤاده بالوساوس، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت البارحة عجباً عبد بينه وبين الله حجاب فجاء حسن ظنه بالله فأدخله الحجاب ". تفسير : وقوله: "وحسن الظن جاوز نور نار" كأنه أشار إلى متابعة الرسول شرفاً بتفضيله على الخليل والكليم، لأن الأنبياء والأولياء في مقام رؤية النار والنور على مقامات شتى، فالخليل رأى النار وصارت عليه برداً وسلاماً، والكليم رأى النار نوراً بيانه قوله: {أية : إِنِّيۤ ءَانَسْتُ نَاراً}تفسير : [طه:10] وكان في الأصل نوراً مع قوله: {أية : أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ}تفسير : [النمل:8] يعني موسى في وسط النور فاشتغل بالنور فعاتبه فقال: لا تشتغل بالنور فإني منور النور، بيانه: {أية : إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ}تفسير : [طه:12] وأما الحبيب صلى الله عليه وسلم فأراه النار والنور، وجاوز حجاب النار والنور، ثم أدناه بلا نار ولا نور، حتى رأى في دنوه الأدنى منوّر الأنوار، بيانه قوله: {أية : مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ}تفسير : [النجم:11] فرفع الحبيب عن مقام الخليل والكليم ومقامات جميع الأنبياء المقربين، حتى صار مكلماً بالله بلا وحي ولا ترجمان أحد، بيانه قوله: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ}تفسير : [النجم:10] يعني قال الحبيب للحبيب سراً وعلمه وأكرمه بفاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة. وقوله: "علامات المقرب واضحات" أراد أن جميع الأنبياء والملائكة لهم قربة، ومحمد صلى الله عليه وسلم أقربهم قربة، على وزن أفعل، يقول قريب وأقرب، فالقريب يدخل في الفهم والوهم والتفسير، وأما الأقرب خارج عن الفهم والوهم والتفسير، وما بعده لا يدخل في العبارة ولا في الإشارة، وذلك أن موسى عليه السلام لما سمع ليلة النار نداء الوحدانية من الحق فقال: إلهي أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك؟ فنادى الكليم من مكان القريب والبعيد أنه قريب. ولم يكن هذا في وصف الرسول حينئذ صيره مقرباً، حتى سلم الله عليه فقال: السلام عليكم، وإن الله تعالى مدح أمته فقال: {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ}تفسير : [الواقعة:10-11] ولم يقل القريبون، وعلامات المقرب واضحات من هذه الأمة، فالقريب وجد من الله المنة والكرامة، والبعيد وجد من الله العذاب والعقوبة، والمبعد وجد من الله الحجاب والقطيعة، والمقرب وجد من الله اللقاء والزيارة. قوله: "فمن كان الإله له عياناً" علامات المشتاقين، فليس لهم نوم ولا قرار لا بالليل ولا بالنهار، والمخصوص بهذه الصفة صهيب وبلال، لأن بلالاً كان من المشتاقين، وكذلك صهيب، لم يكن لهما نوم ولا قرار، وقد حكي أن امرأة كانت اشترت صهيباً فرأته كذلك فقالت: لا أرضى حتى تنام بالليل لأنك تضعف فلا يتهيأ لك الاشتغال بأعمالي، فبكى صهيب وقال: إن صهيباً إذا ذكر النار طار نومه، وإذا ذكر الجنة جاء شوقه، وإذا ذكر الله تعالى طال شوقه. وقوله: "تقاضاه الإله لهم ثلاثاً" لأن "هل" من حروف الاستفهام، وأن الله عزَّ وجلَّ يرفع الحجاب كل ليلة فيقول: "حديث : هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داعٍ فأجيب دعوته؟"تفسير : . فإذا كانت ليلة القدر رفع الله الشرط فقال: "حديث : غفرت لكم وإن لم تستغفروني، وأعطيتكم وإن لم تسألوني، وأجبت لكم قبل أن تدعوني"تفسير : ، وهذا غاية الكرم. قوله: "متى نجس الولوغ ببحر ود" أشار إلى ولوغ الكلب، إذا ولغ في الإناء يغسل سبع مرات أو ثلاثاً، باختلاف الألفاظ الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف ولو أن ألف ألف كلب ولغوا في بحر؟ فلا اختلاف بين الأمة أن البحر لا ينجس بوساوس الشيطان، وولوغه في قلوب العارفين والمحبين في بحر الوداد متى يوجب التنجس، لأنه كلما ولغ فيه جاءه موج فطهره. وقوله: "فدع شقي النباح بباب داري" يعني دع يشقى إبليس يصيح على باب الدنيا بألوان الوساوس، فإنه لا يضرني، كقوله: {أية : إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ} تفسير : [الأعراف:201] بالوحدانية مع قوله: {أية : وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً}تفسير : [الإسراء:46]. قوله: "اخسؤوا" تباعدوا عني، يقال للكلب اخسأ على كمال البعد والطرد، وبهذا عاقبهم في آخر عقوباته إياهم، كقوله: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}تفسير : [المؤمنون:108]
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [الآية: 260]. سمعت أبا القاسم النصرآباذىَّ سُئل عن هذه الآية فقال: حنَّ الخليلُ إلى صُنع خليله ولم يتهمه. وقال بعضهم: مُرادى فى هذا السؤال مخاطبتك واستجلاب معاتبتك لكى لا تقول لى: أو لم تؤمن وأنت أعلم بى منى فأحيا بعتابك كما يسعدنى خلتك، وكان جواب هذا السؤال إنى كنت اشتقت إلى عياننا، فإنا جعلنا مشيئتنا فى إحياء الموتى إليك فخذ أربعة من الطير فصُرهُنَّ إليكَ. وقيل: إنه كان الطاوسُ والبطُّ والغرابُ والديك والمعنى فيه أن الطاوس أشبه الطيور بزينة الدنيا، والغراب أحرص الطيور والبطُّ أطلبهم لرزقه، والديكُ أشدهم شهوةً وكأنه يقول: اقطع عنك زينة الدنيا والمفاخرة بها والحرص عليها وطلب الرزق فيها وإزالة الشهوة منها؛ حتى تنال كمال حقيقة الإيمان، فإذا أسقطت عن نفسك هذه الخصال، حليتك بصفتى فى إحياء الموتى فتدعوهن فيجيبنك سعياً إليك، لأنك فى ذلك الوقت خالٍ من صفاتك، وإنما دعوتهن بصفتنا التى حليناك. وقيل أرى الخليل من نفسه الشكَّ، وما شك ليقابل بالجواب الشك ليزيده به قربةً وكذلك الخليل يحتال فى محاورة خليله أبداً فلما قيل له: أو لم تؤمن قال: بلى ولكن اشتقت إلى خطابك فأنزلت نفسى منزلةَ الشك لأنال لذيذ خطابك، ولكن ليطمئن قلبى فإن أكن محلاً لعتابك فإنه قيل: "ويبقى الوُدُّ ما بقى العتابُ". وقيل فى قوله: {أَنَّىٰ} كيف تحيى الموتى قال: أنا أُحيى الموتى بالربوبية، ولا يكونُ فى الربوبية كيف، وكيف تدرك بصفات العبودية صفات الربوبية! وقال بعضهم: هذا سؤالٌ على شرط الأدب كأنه يقول: أقدرنى على إحياء الموتى، يدل عليه قوله {أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} والطمأنينة لا تكون ضدَّ الشك، فقوله ولكن ليطمئن قلبى عن هذه الشهوة والمنية. وقال بعضهم: أراد أن يُصير له علم اليقين وعين اليقين فقيل له: أولم تؤمن، والإيمان غيبىٌّ فى علم اليقين فقال: بلى ولكن أسألك مشاهدة الغيب. وقيل أرنى كيف تحيى الموتى، يعنى: القلوب الميتة عنك بإحيائها بك، فقيل: أو لم تؤمن أى ألست الذى كنت تستدلُ علينا بالشمس والقمر وأفعالنا فأسقطنا عنك علة الاستدلال، وكفا دليلك علينا: وقال سهل بن عبد الله: سأل كشف غطاء العيان. ليزداد بنور اليقين يقينًا وتمكنًا فى حالهِ ألا تراهُ كيف أجاب عن لفظ الشكر ببلى. وقيل: إنه أجاب المشركين عن التوحيد بقوله {رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} [الآية: 258] أحبَّ أن يشاهد ذلك من صُنع خليله؛ ليصح احتجاجه عيانًا. وقيل: ولكن ليطمئن قلبى أى أنك تجيبنى إلى سؤالى. قال بعضهم: إذا سكن العبدُ إلى ربه واطمأن إليه؛ أظهر الله عليه من الكرامات ما أقلها إحياء الموتى، قال الله تعالى لإبراهيم: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ}.
القشيري
تفسير : قيل كان في طلب في زيادة اليقين، فأراد أن يقرن حق اليقين بما كان له حاصلاً من عين اليقين. وقيل استجلب خطابه بهذه المقالة إلى قوله سبحانه: {أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ} كنت أومن ولكني اشتقتُ إلى قولك لي: أَوَلم تؤمن، فإن بقولك لي: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} تطميناً لقلبي. والمحبُّ أبداً يجتهد في أن يجد خطاب حبيبه على أي وجه أمكنه. وقيل: إنه طلب رؤية الحق سبحانه ولكن بالرمز والإشارة فَمُنِعَ منها بالإشارة بقوله {وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. وإن موسى - عليه السلام - لما سأل الرؤية جهراً وقال: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف: 143] فَرُدَّ بالجهر صريحاً وقيل له {أية : لَن تَرَانِي} تفسير : [الأعراف: 143]. وقيل إنما طلب حياة قلبه فأُشير إليه بأن ذلك بذبح هذه الطيور، وفي الطيور الأربعة طاووس، والإشارة إلى ذبحه تعني زينة الدنيا، وزهرتها، والغراب لحِرْصِه، والديك لمشيته، والبط لطلبه لرزقه. ولما قال إبراهيم عليه السلام {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ}؟ قيل له: وأرني كيف تذبح الحي؟ يعني إسماعيل، مطالبة بمطالبة. فلمَّا وَفَّى بما طولب به وفَّى الحق سبحانه بحكم ما طلب. وقيل كان تحت ميعاد من الحق - سبحانه - أن يتخذه خليلاً، وأمارة ذلك إحياء الموتى على يده، فجرى ما جرى. ووصل بين قصة الخليل صلى الله عليه وسلم فيما أراه وأظهره على يده من إحياء الموتى وبين عُزَير إذ أراه في نفسه؛ لأن الخليل يَرْجُح على عزير في السؤال وفي الحال، فإن إبراهيم - عليه السلام - لم يَرُدَّ عليه في شيء ولكنه تَلَطَّف في السؤال، وعُزَير كلمه كلام من يُشْبِه قولُه قولَ المسْتَبْعِد، فأراد الحق أن يظهر له أقوى معجزة وأتمَّ دلالة حيث أظهر إحياءَ الموتى على يده حين التبس على نمرود ما قال إبراهيم - عليه السلام - ربي الذي يحيي ويميت، فقال: {أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} أراد إبراهيم أن يُرِيَه الله سبحانه إحياء الموتى ليعلم أنه ليس هو الذي ادَّعى. وفي هاتين الآيتين رخصة لمن طلب زيادةَ اليقين من الله سبحانه وتعالى في حال النظر. ويقال إن إبراهيم أراد إحياء القلب بنور الوصلة بحكم التمام، فقيل له: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} يعني أما تذكر حال طلبك إيانا حين كنت تقول لكل شيء رأيته {أية : هَـٰذَا رَبِّي}تفسير : [الأنعام: 77] فلم تَدْرِ كيف بَلَّغْنَاكَ إلى هذه الغاية، فكذلك يوصلك إلى ما سَمَتْ إليه هِمَّتُك. والإشارة من هذا أن حياة القلب لا تكون إلا بذبح هذه الأشياء يعني النفس؛ فَمَنْ لم يذبح نفسه بالمجاهدات لم يَحْيَى قلبُه بالله. وفيه إشارة أيضاً وهو أنه قال قَطِّعْ بيدك هذه الطيور، وفَرِّقْ أجزاءها، ثم ادْعُهُنَّ يأتينك سعياً، فما كان مذبوحاً بيد صاحب الخلة، مقطعاً مُفَرَّقاً بيده - فإذا ناداه استجاب له كل جزء مُفَرَّق.. كذلك الذي فَرَّقه الحق وشتَّته فإذا ناداه استجاب: شعر : ولو أنَّ فوقي تُرْبةً وَدَعَوْتَنِي لأجَبْتُ صَوْتَكَ والعِظَامُ رُفَاتُ
اسماعيل حقي
تفسير : {وإذ قال إبراهيم} اى اذكر وقت قوله وذكر الوقت يوجب ذكر ما وقع فى ذلك الوقت من الحوادث بالطريق البرهانى {رب} كلمة استعطاف قدمت بين الدعاء مبالغة فى استدعاء الاجابة {أرنى كيف تحيى الموتى} اى بصرنى كيفية احيائك للموتى بان تحييها وانا انظر اليها انما سأل ذلك ليصير علمه عيانا وقد شرفه الله بعين اليقين بل بحق اليقين الذى هو اعلى المقامات. والفرق ان علم اليقين هو المستفاد من الاخبار. وعين اليقين هو المعاينة لامرية فيه قال تعالى فى حق الكفار {أية : ثم لترونها عين اليقين} تفسير : [التكاثر: 7]. فلما دخلوا النار وباشروا عذابها قال تعالى {أية : فنزل من حميم وتصلية حجيم إن هذا لهو حق اليقين} تفسير : [الواقعة: 93-95]. {قال} ربه {أولم تؤمن} اى ألم تعلم يقينا ولم تؤمن بانى قادر على الاحياء باعادة التركيب والحياة قاله عز وعلا مع علمه بانه اعرف الناس بالايمان يظهر ايمانه لكل سامع بقوله بلى فيعلم السامعون غرضه من هذا القول وهو الوصول الى العيان {قال} ابراهيم {بلى} علمت وآمنت بذلك {ولكن} سألت ما سألت {ليطمئن قلبى} اى ليسكن ويحصل طمأنينته بالمعاينة فان عين اليقين يوجب الطمأنينة لا علمه. فان قلت ما معنى قول على رضى الله عنه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. قلت ما ازددت يقينا بالايمان بها وكان اذ رأى الآخرة ابصر بها من الفضائل والهيآت ما لم يحط به قبل ذلك وكذلك ابراهيم لما رأى كيفية الاحياء وقف على ما لم يقف عليه قبل {قال} ربه ان اردت ذلك {فخذ اربعة من الطير} طاووسا وديكا وغرابا وحمامة ومنهم من ذكر النسر بدل الحمام وانما خص الطير لانه اقرب الى الانسان واجمع لخواص الحيوان {فصرهن} من صاره يصوره وبكسر الصاد من صاره يصيره والمعنى واحد اى املهن واضممهن واجمعهن {اليك} لتتأملها وتعرف اشكالها مفصلة حتى تعلم بعد الاحياء ان جزأ من اجزائها لم ينتقل من موضعه الاول اصلا ـ روى ـ انه امر بان يذبحها وينتف ريشها ويقطعها ويفرق اجزاءها ولحومها ويمسك رؤسها ثم امر بان يجعل اجزاءها على الجبال وذلك قوله تعالى {ثم اجعل على كل جبل} من الجبال التى بحضرتك وكانت سبعة او اربعة فجزأها اربعة اجزاء فقال تعالى ضع على كل جبل {منهن} اى من كل الطيور {جزأ ثم ادعهن} قل لهن تعالين باذن الله تعالى {يأتينك سعيا} اى ساعيات مسرعات طيرانا او مشيا ففعل كما امره فجعل كل جزء يطير الى آخر حتى صارت جثثا ثم اقبلن فانضمت كل جثة الى رأسها فعادت كل واحدة الى ما كانت عليه من الهيئة وجعل ابراهيم ينظر ويتعجب {واعلم أن الله عزيز} غالب على امره لا يعجزه شىء عما يريده {حكيم} ذو حكمة بالغة فى افاعيله فليس بناء افعاله على الاسباب العادية لعجزه عن ايجادها بطريق آخر خارق للعادات بل لكونه متضمنا للحكم والمصالح. قال القشيرى طلب ابراهيم عليه السلام بهذه حياة قلبه فاشير اليه بذبح الطيور. وفى الطيور الاربعة اربعة معان هى فى النفس فى الطاووس زينة. وفى الغراب امل. وفى الديك شهوة. والبط حرص فاشار الى انه ما لم يذبح نفسه بالمجاهدة لم يحى قلبه بالمشاهدة: وفى المثنوى شعر : حرص بط يكتاست اين بنجاه تاست حرص شهوت مار ومنصب ازدهاست حرص بط از شهوت حلقست وفرج در رياست بيست جند انست درج صد خرونده كنجد اندر كرد خوان دو رياست در نكنجد درجهان كاغ كاغ ونعره زاغ سياه دائما باشد بدنيا عمر خواه همجو ابليس از خداى باك فرد تا قيامت عمرتن در خواست كرد عمرو مرك اين هردو باحق خوش بود بى خدا آب حيات آتش بود عمر خوش در قرب جان بروردنست همر زاغ از بهر سركين خوردنست تفسير : قال فى التأويلات النجمية الطيور الاربعة هى الصفات الاربع التى تولدت من العناصر الاربعة التى خمرت طينة الانسان منها وهى التراب والماء والنار والهواء فتولدت من ازدواج كل عنصر مع قرينه صفتان فمن التراب وقرينه الماء تولد الحرص والبخل وهما قرينان حيث وجد احدهما وجد قرينه ومن النار وقرينها الهواء تولد الغضب والشهوة وهما قرينان يوجدان معا ولكل واحدة من هذه الصفات زوج خلق منها ليسكن اليها كحواء وآدم ويتولد منها صفات اخرى فالحرص زوجه الحسد والبخل زوجه الحقد والغضب زوجه الكبر وليس للشهوة اختصاص بزوج معين بل هى كالمعشوقة بين الصفات فيتعلق بها كل صفة ولها منها متولدات يطول شرحها فهى الابواب السبعة للدركات السبع من جهنم منها يدخل الخلق جهنم التى لها سبعة ابواب لكل باب منهم جزء مقسوم يعنى من الخلق فمن كان الغالب عليه صفة منها فيدخل النار من ذلك الباب فامر الله خليله بذبح هذه الصفات وهى الطيور الاربعة طاووس البخل فلو لم يزين المال فى نظر البخيل كما زين الطاووس بألوانه ما بخل به وغراب الحرص وهو من حرصه اكثر فى الطلب وديك الشهوة وهو بها معروف ونسر الغضب ونسبته اليه لتصريفه فى الطيران فوق الطيور وهذه صفة المغضب فلما ذبح الخليل بسكين الصدق هذه الطيور وانقطعت منه متولداتها ما بقى له باب يدخل منه النار فلما القى فيها بالمنجنيق قهرا صارت النار عليه بردا وسلاما. والاشارة بتقطيعها بالمبالغة ونتف ريشها وتفريق اجزائها وتخليط ريشها ودمائها ولحومها بعضها ببعض اشارة الى محو آثار الصفات الاربع المذكورة وهدم قواعدها على يدى ابراهيم الروح بامر الشرع ونائب الحق وهو الشيخ. والامر بتقسيم اجزائها وجعلها على كل جبل جزأ فالجبال الاربعة هى النفوس التى جبل الانسان عليها. اولها النفس النامية وتسمى النفس النباتية. وثانيها النفس الامارة وتسمى الروح الحيوانى. وثالثها قوة الشيطنة وتسمى الروح الطبيعى. ورابعها قوة الملكية وهو الروح الانسانى فطيور الصفات لما ذبحت وقطعت وخلطت اجزاء بعضها بعض ووضع على كل جبل روح ونفس وقوة منها جزء بامر الشرع تكون بمثابة اشجار وزروع تجعل عليها الترب المخلوطة بالزبل والقاذورات باستصواب دهقان ذى بصارة فى الدهقنة بمقدار معلوم ووقت معلوم ثم يسقيها بالماء ليتقوى الزرع بقوة الترب والزبل وتتصرف النفس النامية النباتية فى الترب المخلوطة الميتة فتحييها باذن الله تعالى كقوله تعالى {أية : فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها} تفسير : [الروم: 50]. فكذلك الصفات الاربع وهى الحرص والبخل والشهوة والغضب مهما كانت كل واحدة منها على حالها غالبة على الجوهر الروحانى تكدر صفاءه وتمنعه من الرجوع الى مقامه الاصلى ووطنه الحقيقى فاذا كسرت سطوتها ووهنت قوتها واميتت شعلتها ومحيت آثار طباعها بامر الشرع وخلطت اجزاؤها المتفرقة بعضها ببعض ثم قسمت باربعة اجزاء وجعل كل جزء منها على جبل قوة او نفس او روح فيتقوى كل واحد من هؤلاء بتقويتها ويتربى بتربيتها فيتصرف فيها الروح الانسانى فيحييها ويبدل تلك الظلمات التى هى من خصائص تلك الصفات المذمومة بنور هو من خصائص الروح الانسانى والملكى فتكون تلك الصفات ميتة عن اوصافها حية باخلاق الروحانيات انتهى كلام التأويلات.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: رأى: البصرية، إنما تتعدى إلى مفعول واحد، فإذا أُدخلت عليها الهمزة تعدت إلى مفعولين. وعلقها هنا عن الثاني الاستفهام، {وصرهن} أي: أَمْلهُنَّ واضمُمْهن إليك. وفيه لغتان: صار يصير ويصور، ولذلك قرئ بكسر الصاد وضمها، {سعياً}: أي حال، أي: ساعيات. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكر يا محمد، أو أيها السامع، حين {قال إبراهيم} عيله السلام: يا {رب أني كيف تحيي الموتى} أي: أبصرني كيفية إحياء الموتى، حتى أرى ذلك عياناً، أراد عليه السلام أن ينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين، وقيل: لما قال للنمرود: {ربي الذي يحيي ويميت} قال له: هل عاينت ذلك؟ فلم يقدر أن يقول: نعم. وانتقل إلى حجة أخرى، ثم سأل ربه أن يريه ذلك؛ ليطمئن قلبه على الجواب، إن سئل مرة أخرى، فقال له الحقّ جلّ جلاله: {أولم تؤمن} بأني قادر على الإحياء بإعادة التركيب والحياة؟ وإنما قال له ذلك، مع علمه بتحقيق إيمانه؛ لجيبه بما أجاب فيعلم السامعون غرضه، {قال} إبراهيم عليه السلام: {بلى} آمنت أنك على كل شيء قدير، {ولكن} سألتك {ليطمئن قلبي}؛ إذ ليس الخبر كالعيان، وليس علم اليقين كعين اليقين، أراد أن يضم الشهود والعيان إلى الوحي والبرهان. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فخذ أربعة من الطير}؛ طاووساً وديكاً وغراباً وحمامة، ومنهم من ذكر النسر بدل الحمام، {فصرهن إليك} أي: اضممهن إليك لتتأملها وتعرف أشكالها، لئلا يلتبس عليك بعد الإحياء أشكالها، {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً} أي: ثم جَزَّئهن، وفرق أجزاءهن على الجبال التي تحضرك. قيل: كانت أربعة وقيل: سبعة، {ثم ادعهن} وقل لهن: تعالين بإذن الله، {يأتينك سعياً} أي: ساعيات مسرعات، رُوِيَ أنه أمر أن يذبحها وينتف ريشها، ويقطعها ويخلط بعضها ببعض، ويوزعها على الجبال، ويمسك رؤوسها عنده، ثم يناديها، ففعل ذلك، فجَعَل كل جزء يطير إلى الآخر ويلتئم بصاحبه حتى صارت جثثاً، ثم أقبل إليه فأعطى كل طير رأسه فطار في الهواء. فسبحان من لا يعجزه شيء، ولا يغيب عن علمه شيء، ثم نبّه إلى التفكر في عجائب قدرته وحكمته فقال: {واعلم أن الله عزيز} لا يعجزه شيء، {حكيم} ذو حكمة بالغة فيما يفعل ويذر. الإشارة: من أراد ان تحيا رُوحُه الحياة الأبدية، وينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين، فلا بد أن تموت نفسه أربع موتات: الأولى: تموت عن حب الشهوات والزخارف الدينوية، التي هي صفة الطاووس. الثانية: عن الصولة والقوى النفسانية، التي هي صفة الديك. الثالثة: عن خسة النفس والدناءة وبعد الأمل، التي هي صفة الغراب. الرابعة: عن الترفع والمسارعة إلى الهوى المتصف بها الحمام. فإذا ذبح نفسه عن هذه الخصال حييتْ روحه، وتهذبت نفسه، فصارت طوع يده، كلما دعاها إلى طاعة أتت إليها مسرعة ساعية. وإلى هذا المعنى أشار الشيخ أبو الحسن الشاذلي بقوله في حزبه الكبير: (واجعل لنا ظهيراً من عقولنا ومهيمناً من أرواحنا، ومسخراً من أنفسنا، كي نسبحك كثيراً، ونذكرك كثيراً، إنك كنت بنا بصيراً). ولما كانت حياة الروح متوقفة على أمرين: بذل النفوس، ودفع الفلوس وقدم الإشارة إلى الأول بقوله: {وقاتلوا في سبيل الله}.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ حمزة وحده {فصرهن} بكسر الصاد. الباقون بضمها. الاعراب: العامل في قوله {وإذ} يحتمل أن يكون أحد شيئين: أحدهما - ما قال الزجاج: واذكر إذ قال. والثاني - ألم تر إذ قال عطفا على {ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه}. المعنى: وقيل في سبب سؤال إبراهيم أن يريه كيف يحيي الموتى ثلاثة أقوال: أحدها - قال الحسن، وقتادة، والضحاك، وأبو عبد الله الصادق (ع): أنه رأى جيفة قد مزقها السباع تأكل منها سباع البرّ وسباع الهواء ودواب البحر فسأل الله (تعالى) أن يريه كيف يحييها وقال ابن اسحاق كان سبب ذلك منازعة نمرود له في الاحياء، وتوّعده إياه بالقتل إن لم يحيي الله الميت بحيث يشاهده، ولذلك قال ليطمئن قلبي إلى أنه لا يقتلني الجبار، وقال قوم إنما سأل ذلك لقومه، كما سأل موسى الرّؤية، لقومه. وقال قوم: إنما سأله، لأنه أحب أن يعلم ذلك علم عيان بعد أن كان عالماً به من جهة الاستدلال. وهو أقوى الوجوه. وقال قوم: إنما سأل ذلك، لأنه كان شاكاً فيه. وروي فيه رواية، فهذا باطل، لأن الشك في أن الله قادر على احياء الموتى كفر لا يجوز على الانبياء، لأنه تعالى لا يجوز أن يبعث إلى خلقه من هو جاهل بما يجوز عليه وما لا يجوز. والذي يبين ذلك أن الله تعالى لما قال له {أولم تؤمن} فقرر أنه قال إبراهيم {بلى ولكن ليطمئن قلبي} فبين أنه عارف بذلك مصدق به، وإنما سأل تخفيف المحنة بمقاساة الشبهات، ودفعها عن النفس. والالف في قوله {أولم تؤمن} ألف إيجاب قال الشاعر: شعر : ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح تفسير : أي قد آمنت لا محالة، فلم تسأل ذا، فقال: {ليطمئن قلبي} وقوله {ليطمئن قلبي} معناه ليزداد يقيناً إلى يقينه، وهو قول الحسن، وقتادة، وسعيد بن جبير، والربيع، ومجاهد، ولا يجوز "ليطمئن قلبي" بالعلم بعد الشك الذي قد اضطرب به لما بيناه، ولكن يجوز أن يطلب علم البيان بعد علم الاستدلال. وقيل معناه "ليطمئن قلبي" بأن لا يقتلنى الجبار. اللغة والمعنى: ويقال: اطمأن يطمئن اطمئناناً: إذا تواطأ والمطمئن من الارض ما انخفض وتطامن، واطمأن إليه إذا وثق به، لسكون نفسه إليه، ولتوطي حاله بالأمانة عنده، وأصل الباب التوطئة. وقوله: {قال فخذ أربعة من الطير} قيل أنها الديك، والطاووس، والغراب، والحمام. أمر أن يقطعها ويخلط ريشها بدمها، ويجعل على كل جبل منهن جزءاً، هذا قول مجاهد، وابن جريج، وابن زيد، وابن اسحاق، والطير معروف يقال: طار يطير طيراناً وأطاره اطارة وطيره تطييراً، وتطاير تطايراً وطايره مطايرة، واستطار استطارة، فأما تطير تطيراً فمن الطيرة لأنه زجر الطير بما يكره، وتطاير الشيء إذا تفرق في الهواء، وطائر الانسان: عمله الذي قلّده من خير أو شر، لأنه كطائر الزجر في البركة أو الشؤم قال الله (تعالى) {أية : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه}تفسير : والمطير ضرب من الوشي لأن عليه تماثيل الطيور. وفجر مستطير أي منتشر في الأفق كانتشار الطيران. وغبار مستطار، كذا كلام العرب للفرق وفرس مطار وهو الحديد الفؤاد لأنه طيار في جريه وأصل الباب الطيران. وقوله {فصرهن} فمن قرأ بضم الصاد احتمل معنيين: أحدهما - يقطعهن على قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد. وقال توبة بن الحمير: شعر : فأدنت لي الاسباب حتى بلغتها بنهضي وقد كان ارتقائي يصورها تفسير : أي يقطعها. والثاني - أن معناه أضممهن إليك على قول عطا وابن زيد من صاره يصوره صوراً: إذا أماله. قال المعلى العبدي: شعر : وجاءت خلعة دهس صفايا يصور عنوقها أحوى زنيم تفسير : معناه أن هذه الغنم يعطف عنوقها هذا التيس الأحوى، ومن قال بالكسر احتمل ذلك أيضاً الوجهين اللذين ذكرناهما في الضم وقال بعض بني سليم: شعر : وفرعٍ يصير الجيدوحفٍ كأنه على الليت قنوان الكروم الدّوالح تفسير : معناه يميل الجيد. وإذا كان بمعنى قطعهن فاليك من صلة خذ. وإذا كان بمعنى أملهن يجوز أن يكون إلى متعلقاً به. ويجوز أن يكون متعلقاً بصرهن، وهو الاقوى على قول سيبويه لأنه أقوى كذا قال أبو علي الفارسي وإذا كان بمعنى أملهن إليك وقطعهن {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً}. والصور العطف يقال صاره يصوره صورا إذا عطفه. وقال الشاعر: شعر : وما يقبل الاحياء من حب خندف ولكن أطراف الرياح يصورها تفسير : والصور التقطيع. صاره يصوره. والصور: ميل لأنه انقطاع إلى الشيء بالميل إليه ومنه الصورة لتقطيعها بالتأليف على بعض الأمثلة صور يصور تصويراً وتصَّور تصورا والصوار: القطيع من بقر الوحش، لانقطاعه بالانفراد عن غيره. والصّور: النخل الصغار، والصور: قرن ينفخ فيه لاجتماع الصورة به. ويجوز للانقطاع إليه بالدعاء إليه والصور: جمع صورة. والصوار. النفحة من المسك وأصل الباب القطع. وقال الفراء: صاره يصيره بمعنى قطعه من المقلوب من صراه يصرية وأنشد: شعر : يقولون ان الشام يقتل أهله فمن لي إذا لم آته بخلود تعرب آبائي فهلا صراهم من الموت أن لم يذهبوا وجدودي تفسير : قال المبرّد لا يجوز ذلك، لأن سيبويه قال: إن كل واحد من اللفظين إذا تصرف في بابه لم يكن أحدهما أصلا للآخر: نحو جذب يجذب جذباً، فهو جاذب، وجبذ يجبذ جبذا فهو جابذ فلذلك لما تصرف صاره يصيره صيراً كما ينصرف صراه يصريه صرياً، لم يكن أحدهما أصلا للآخر، ولكن المقلوب نحو قسى لأن بابه على تأخير السين نحو قوس، واقواس وقويس. المعنى: وقوله {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً} قال ابن عباس، والحسن وقتادة: إنها كانت أربعة. وقال ابن جريج، والسدي: كانت سبعة. وقال مجاهد، والضحاك كل جبل على العموم بحسب الامكان، كأنه قيل كل فرقة على جبل يمكنك التفرقة عليه. وروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (عليهما السلام) أنها كانت عشرة. وفي رواية أخرى أنها كانت سبعة، والفرق بين الجزء والسهم أن السهم من الجملة ما انقسمت عليه، وليس كذلك الجزء نحو الاثنين وهو سهم من العشرة لأنها تنقسم عليه، وليس كذلك الثلاثة وهو جزء منها لأنه بعض لها فان قيل: كيف أجيب ابراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله {أية : رب أرني أنظر إليك}. تفسير : قيل عنه جوابان: أحدهما - أنه سأل أية لا يصح معها بقاء التكليف من وقوع الضرورة التي لا يعترضها الشكوك بوجه من الوجوه، وابراهيم إنما سأل في شيء خاص يصح معه التكليف. والقول الآخر - أن الأحوال قد تختلف فيكون الأصلح الاصوب في بعض الأوقات الاجابة، وفي وقت آخر المنع فيما لم يتقدم فيه إذن. فان قيل: كيف قال: {ثم ادعهن} ودعاء الجماد قبيح؟ قلنا إنما أراد بذلك الاشارة إليها والايماء لتقبل عليه إذا أحياها الله. فأما من قال أنه جعل على كل جبل طيراً ثم دعاها فبعيد، لأن ذلك لا يفيد ما طلب، لأنه إنما طلب ما يعلم به كونه قادراً على إحياء الموتى، وليس في مجيء طير حي بالايماء إليه ما يدل عليه. وفي الكلام حذف، فكأنه قال: فقطعهن واجعل على كل جبل منهن جزأ فان الله يحييهن، فاذا أحياهن فادعهن يأتينك سعياً، فيكون الايماء إليها بعد أن صارت أحياء، لأن الايماء إلى الجماد لا يحسن، فان قيل: إذا أحياها الله كفى ذلك في باب الدلالة، فلا معنى لدعائها، لأن دعاء البهائم قبيح؟ قلنا: وجه الحسن في ذلك أنه يشير إليها، فسمي ذلك دعاء لتأتي إليه فيتحقق كونها أحياء ويكون ذلك أبهر في باب الاعجاز. وقال الطبري معنى الدعاء ها هنا الاخبار عن تكوينها أحياء كما قال {أية : كونوا قردة خاسئين}تفسير : وقوله: {أتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين}. اللغة: والجبل وتد من أوتاد الأرض معروف. وجبل فلان على كذا أي طبع عليه وأجبل القوم أجبالاً: إذا صاروا في الجبال وتجبلوا إذا دخلوها، ورجل ذو جبلة إذا كان غليظ الجسم، لأنه كالجبل في الغلظ. والجبلة الأمة من الناس وأجبل الحافر: إذا أفضى إلى صلابة لا يمكنه الحفر فيه، ومنه أجبل الشاعر إذا صعب عليه القول، والجزء: بعض. الجزأ جزأته تجزئة إذا بعضته، والجزء الاجتزاء بالرطب عن الماء جزأت الوحشية جزوء لاكتفائها بالجزء الذي في الرطب منه والجزاء نصاب السكين وأصل الباب الجزء البعض.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ} عطف على مجموع الى الّذى حاجّ ابراهيم او على الموصول المجرور بالى واشارة الى وجهٍ آخر لاخراج المؤمن من ظلمات حجاب العلم الى نور العيان، او عطف على قوله اذ قال ابراهيم على ما نقل انّه قال بعد قول نمرود انا أحيى وأميت انّ احياء الله بردّ الرّوح الى بدن الميّت فقال نمرود: وهل عاينته؟ - فلم يقدر ان يقول: نعم، فسأل الله بعد ذلك فى الخلوة وقال {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} حتّى أجيب به نمرود {قَالَ} الله {أَوَلَمْ تُؤْمِن} اولم تذعن بانّى اقدر على ذلك وافعل ذلك فى الآخرة؟ - {قَالَ بَلَىٰ} اذعنت بذلك وايقنته {وَلَـكِن} اسأل ذلك {لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} بالعيان بعد البيان، اعلم انّ الظّنّ كما سبق يطلب العلم بالمظنون والعلم يطلب الشهود والعيان، والعيان يجذب التّحقّق ويحرّك كلّ صاحبه ولا يدعه يسكن عن الطّلب حتّى يوصله الى ما فوقه، فقال: ابراهيم (ع) بعد العلم بذلك: انّ علمى يهيّجنى ويجعل قلبى مضطرباً فى طلب العيان فأطلب العيان ليطمئنّ قلبى {قَالَ فَخُذْ} الفاء جزائيّة لشرطٍ مقدّرٍ يعنى ان اردت ذلك فخذ {أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ} جمع الطّائر او اسم جمع له كصحب وصاحب {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} حتّى لا يلتبس عليك قرئ بضمّ الصّاد وكسرها من صار يصور وصار يصير بمعنى أمال وبضمّ الصّاد وكسرها وشدّ الرّاء من صرّ مشدّد الرّاء من باب نصر وضرب، وبفتح الصّاد وشدّ الرّاء وكسرها من التصرية والجميع بمعنى الجمع فاقتلهنّ وقطّعهنّ ومزّجهنّ وجزّئهنّ {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ} من الجبال العشرة، وقيل: كانت الجبال اربعة وقيل كانت سبعةً {مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً} اتيان سعى او هو مفعول مطلق من غير لفظ الفعل او هو حالٌ بمعنى ساعياتٍ. اعلم انّه قد اختلف الاخبار فى سبب سؤال ابراهيم (ع) ذلك؛ ففى بعضها انّه لمّا رأى ملكوت السّماوات والارض رأى جيفةً على ساحل البحر نصفها فى البحر ونصفها فى البرّ تأكلها سباع البحر وسباع البرّ ثمّ يحمل بعض السّباع على بعض فيأكل بعضها بعضاً فتعجّب ابراهيم (ع) وسأل ذلك، وفى بعضٍ انّ الله أوحى الى ابراهيم (ع) انّى متّخذ من عبادى خليلاً ان سألنى احياء الموتى أجبته فوقع فى نفسه أنّه ذلك الخليل فسأل ذلك ليطمئنّ انّه ذلك الخليل، وقد مضى وجه آخر انّ نمرود قال: هل رأيت احياء الميّت بردّ الرّوح الى بدنه؟ - فسأل ذلك من الله، واختلفت الاخبار فى تعيين الطّيور؛ ففى بعضها أخذ ابراهيم نسراً وبطّاً وطاووساً وديكاً، وفى بعضٍ انّه اخذ الهدهد والصّرد والطّاووس والغراب، وفى بعضها الدّيك والحمامة والطّاووس والغراب، وفى بعضها: الدّيك والطّاووس والوزّة والنّعامة، وقد اختلف الاخبار ايضاً فى كيفيّة مزجها وتجزيئها؛ وفى بعض الاخبار: هذا تفسيره فى الظّاهر وتفسيره فى الباطن: خذ اربعةً ممّن يحتمل الكلام فاستودعهنّ علمك ثمّ ابعثهنّ فى اطراف الارضين حججاً على النّاس، واذا اردت ان يأتوك دعوتهم بالاسم الاكبر يأتونك سعياً باذن الله، واختلاف الاخبار فى تعيين الطّيور وكيفيّة قتلها ومزجها وتجزيتها ودعوتها واحيائها، واختلافها فى عدد الجبال واشارتها الى بعض وجوه التّأويل يدلّ على انّ ليس المراد من هذه الحكاية ظاهر القصّة فقط بل كان ظاهرها مراداً للتّنبيه على باطنها وانّ المقصود من الطّيور الاربعة الشّيطنة والشّهوة؛ والغضب والحرص المتولّد منهما، او طول الامل المتولّد منها فانّهما متلازمان فانّها امّهات جنود النّفس والجهل، والمراد بقتلها اماتتها عن الحياة النّفسانيّة وباحيائها احيائها بالحياة العقلانيّة حتّى تصير من جنود العقل فانّ الطّاووس مظهر للشيطنة المقتضية للانانيّة الباعثة للتجلّى كلّ آن بلونٍ على نفسه وعلى غيره والدّاعية لتعجيب نفسه وغيره، والدّيك للغضب، والحمام للشّهوة، والبطّ للحرص، ولمّا كانت هذه الصّفات تظهر من طيور اُخر ايضاً اختلف الاخبار فى تعيين الطّيور وقد ذكر فى تعيين الصّفات وتأويل الطّيور نظماً ونثراً وجوه غير هذا، والتّعبير بالطّيور مع انّ فى الدّوابّ ما هو مظاهر الصّفات بل هى اشدّ ظهوراً فى بعض الدّوابّ من الطّيور لانّ النّفس وجنودها لكونها كشجرةٍ خبيثة اجتثّت من فوق الارض مالها من قرارٍ لا ثبات لها على شيءٍ بل هى كالطّير كلّ آنٍ على غصنٍ فبالشّيطنة تعرض نفسها على نفسها وعلى غيرها كلّ ساعة بلونٍ وصفةٍ، وبالشّهوة تتمنّى كلّ آنٍ مشتهى، وبالغضب يعضّ كلَّ حين على سليم، وبالحرص والامل يتبع كلّ آنٍ مأمولاً، وبعد القتل يتبدّل الاوصاف وتصير من جنود العقل منقادة مطيعة كلّما دعاها العقل يسرعن فى الاجابة. {وَٱعْلَمْ} من قبيل عطف المسبّب على السّبب كأنّه قال حتّى تعلم بعد احياء الموتى {أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} لا يمنعه شيءٌ من مراده {حَكِيمٌ} لا يفعل شيئاً من الاماتة والاحياء الاّ لحكم ومصالح ولا يعطى شيئاً من القوى والاعضاء جنداً للجهل او للعقل الاّ لمصالح عديدة، او المعنى واعلم انّ الله عزيزٌ حكيم حتّى لا تقول: لم امر بقتل الحيوان وايذائه؟!
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى}. قال بعض المفسّرين: بلغنا أن إبراهيم، خليل الرحمن، خرج يسير على حمار له، فإذا هو بجيفة دابة يقع عليها طير السماء، فيأخذ منها بضعة بضعة، وتأتيها سباع البر، فتأخذ منها عضواً عضواً، فيقع من أفواه الطير من ذلك اللحم فتأخذه الحيتان. فقام إبراهيم متعجباً فقال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى}. {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّـ} أعلم حتى {يَطْمَئِنَّ قَلْبِي} كيف يجتمع لحم هذه الدابة بعدما أرى بعضه في بطون سباع البر، وبعضه في بطون الطير، وبعضه في بطون الحيتان. فـ {قَالَ} له: يا إبراهيم، {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} [يَعني فضمّهن إليك] {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً}. فأخذ أربعة أطيار مختلفة ألوانها وأسماؤها وريشها؛ فأخذ ديكاً وطاووساً وحماماً وغراباً، فقطع أعناقها، ثم خلط ريش بعضها ببعض، ودماء بعضها ببعض، ثم فرّق بينها على أربعة أجبل، فجعل على كل جبل ريشاً وعظماً ودماً. ثم نوديت من السماء بالوحي: أيتها العظام المفترقة، وأيتها اللحوم المتمزقة، وأيتها العروق المتقطعة، اجتمعي يرجع فيك أرواحك؟ فجعل يجري الدم إلى الدم، وتطير الريشة إلى الريشة، ويثب العظم إلى العظم، فعُلِّق عليها رؤوسها وأُدخِلَ فيها أرواحها. فقيل: يا إبراهيم، إن الله لما خلق الأرض وضع بيته في وسطها، وجعل للأرض أربع زوايا، وللبيت أربعة أركان، كل ركن في زاوية من زوايا الأرض، وأرسل عليهم من السماء أربعة أرياح: الشمال والجنوب والصبا والدبور. فإذا نفخ في الصور يوم القيامة اجتمعت أجساد القتلى والهلكى من أربعة أركان الأرض وأربعة زواياها كما اجتمعت أربعة أطيار من أربعة أجبل، ثم قال: (أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) تفسير : [لقمان:28]. وقال بعض المفسّرين: ذكر لنا أن إبراهيم أتى على دابة توزعتها الذئاب والسباع فقال: {رَبِّ أََرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} أي ليسكن قلبي، أي أنظر إليه. قال الحسن: أراد أن يعلم كيف ذلك. {قَالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِن، قَالَ: بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}. فدعا ربه لينظر إلى ذلك معاينة، ليزداد به علماً. قَالَ: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ}.... إلى آخر الآية. وقال ابن عباس: {قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}، أي: أعلم أني أدعوك فتجيبني وأسألك فتعطيني. وقال بعضهم: أمر أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن، ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن، ثم يجزئهن على أربعة أجبل. وذكر لنا أنه فعل ذلك وأمسك رؤوسهن بيده، فجعل العظم يذهب إلى العظم، والريشة إلى الريشة والبضعة إلى البضعة. ثم دعاهن فأتينه سعياً على أرجلهن، وتلقى كل طير رأسه. وهذا مثل ضربه الله لإِبراهيم؛ يقول كما بعثت هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة، كذلك يبعث الله الناس يوم القيامة من أقطار الأرض. قال بعض المفسّرين: بلغنا أن هذه الأطيار الأربعة: الطاووس والديك والغرنوق والحمام، والعامة يقولون: إنها الطاووس والديك والحمام والغراب. وقال مجاهد في قوله: {ادْعُهُنَّ}، أي: قل لهن تعالين بإذن الله. قال: وبلغنا في قوله: {يَأْتِينَكَ سَعْياً} أي: مشياً على أرجلهن. قوله: {وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ} أي: في ملكه {حَكِيمٌ} أي: في أمره.
اطفيش
تفسير : {وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِى}: وقرئ أرنى بإسكان الراء تخفيفا. {كَيْفَ تُحْيى المؤتَى}: لعله سأل ربه ذلك حين قال نمرود:{أية : أنا أحيى وأميت}تفسير : بأن قال عليه السلام: إن ربى يجعل الحياة حيث لم تكن وحيث كانت فزالت، وأنت لا تقدر إلا على أن تترك الحى حيا أو تقتله. فقال له نمرود: أنت عاينت ذلك إن عاينت ذلك فأخبرنى. فأبى أن يقول نعم، فسأل ربه ذلك ليعاين فيقول: عاينت ذلك، أو قال له نمرود: إن كان ربك يحيى ويميت على حد ما قلت لنا، فأرنا ذلك عياناً فسأل، ربه أن يعاين هو ونمرود وقومه ذلك، فأجاب له ربه بأربعة من الطير يعاينون حياتهن بعد موتهن، ولا ينافى الوجهين قوله: {قالَ أوَلَمْ تؤمِنْ}: وقوله: {قَالَ بَلَى}: لست لم أو من. {ولِكنْ ليطْمئِنَّ قَلْبى}: لأن المراد على الوجهين أو لم تكتف يا إبراهيم بما قد صح عند نمرود وقومه فى قلوبهم من أن الله وحده يحيى ويميت، حتى صرت فى سؤالك كمن لم يؤمن فأجابه إبراهيم، بأنى أريد طمأنينة القلب بزيادة اليقين، وقوة الحجة بمعاينة كيفية الإحياء يكون كذا ويكون كذا، فتصير حية بعد الإيمان بمطلق البعث، أو الخطاب له لفظا، والمراد خطاب نمرود أخبره الله أنه قد علم نمرود أنى أحيى وأميت، وجحد بلسانه، وأنك قد أفحمته فقال إبراهيم: قد علمت ذلك بإعلامك، ولكن سألتك ليزداد قلبه سكونا لعله يقر بلسانه، وهذا وجه ضعيف، والمشهور وفيه السلامة، أن إبراهيم سأل من نفسه ابتداء لا ليرى نمرود ذلك، وأن الخطاب له لفظا ومعنى، ليصير له علم اليقين عين اليقين بإضافة العيان إلى الوحى والإستدلال، وليس الخبر كالعيان، سواء كان سبب سؤاله مقال نمرود أولى، وقد روى أن سبب سؤاله أنهُ مر على جيفة حمار، وقيل سمكة حيث يمد البحر ويجزر إذا مد أكلت منها الحيتان، وإذا جزر أكلت منها السباع، وإذا ذهبت أكلت منها الطير، وقد تجتمع الطير والسباع كغربان مع ذئب فتنجب، فقال: يا رب قد علمت أنك لتجمعها من بطون السباع وحواصل الطير وأجواف دواب البحر، فأرنى كيف تحييها لأعاين ذلك، فازداد يقينا، والمعنى أولم تؤمن يا إبراهيم بأنى قادر على إحياء الموتى برد ما فنى بنفسه وإعادة التركيب؟ وقد علم الله أنه أعظم الناس إيمانا بذلك، ولكن قال ذلك ليعرف السامعون غرض إبراهيم، وقيل عن سعيد بن جبير: أولم تؤمن بالخلة، ولا دليل عليه فى هذا المقام، وإنما المراد عموم الإيمان أو الإيمان بإحياء الموتى، والواو للعطف، والهمزة للتقرير لما بعد لم أو لإنكار النفى وهى مما بعد الواو أو داخلة على محذوف، أى أقلت ذلك ولم تؤمن؟ أو شككت ولم تؤمن؟ وعلى الوجه الأول المعطوف من الله والمعطوف عليه هو قول إبراهيم: {رب أرنى كيف تحيى الموتى}، عطف استفهام على دعاء كما يقول الإنسان: قام زيد فتقول. وعمرو، وقيل الواو للحال، أى أقلت ذلك وأنت غير مؤمن؟ وليطمئن متعلق بمحذوف، أى ولكن قلت ذلك ليطمئن، أو ولكن سألتك ذلك ليطمئن، وقال سعيد بن جبير فى سبب ذلك: إنه لما اتخذ الله إبراهيم خليلا سأل ملك الموت ربه أن يأذن له فيبشر إبراهيم بذلك فأذن له فأتى إبراهيم ولم يكن فى الدار، فدخل داره وكان إبراهيم من أغير الناس، إذا خرج أغلق بابه، فوجد فى الدار رجلا فأشار إليه ليأخذه، وقال: من أذن لك أن تدخل دارى؟ فقال: أذن لى رب الدار. فقال إبراهيم: صدقت، وقد عرف أنه ملك فقال له: من أنت؟ فقال أنا ملك الموت جئت أبشرك أن الله اتخذك خليلا فحمد الله عز وجل، فقال له: ما علامة ذلك؟ قال: أن يجيب الله دعاءك، ويحيى الموتى بسؤالك. فحينئذ قال إبراهيم: {رب كيف تحيى الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى}، بأنك اتخذتنى خليلا، وتجيبنى إذا دعوتك، وتعطينى إذا سألتك. وكيف حال من ضمير تحيى أو من الموتى، وجملة كيف تحيى الموتى مفعول به ثان لأرى، فسوغ له العمل فى الجملة الاستفهام، والإراءة بصرية، ووجه ذلك أن رؤية البصر يلزم منها العلم، فساغ التعليق، وقيل لما نزلت الآية قال قوم: شك إبراهيم ولم يشك نبينا صلى الله عليه وسلم: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" أى لو كان ذلك منه شك لكنا منه أحق بالشك، لكن ذلك لازدياد يقين أو نحن أولى بذلك الذى تظنونه شكا، أى أولى نطلب زيادة اليقين، وذلك قبل أن يعلم أنه خير ولد آدم، أو بعده لكن غلبه رؤية النفس بالتقصير، وكذا فى قوله ولو لبثت فى السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعى، أى ولم ألبث فيه بعده أو قل{أية : ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة}تفسير : الآية. {قال}: الله. {فَخُذْ أرْبعةً مِنَ الطَّير}: الفاء فى جواب شرط محذوف، أى إذا أردت أن ترى ذلك فخذ أربعة من الطير، ومن للابتداء متعلق بخذ، أو للتبعيض متعلق بمحذوف نعت لأربعة، أى أربعة أنواع أو أفراد أو نحو ذلك ثابتة من الطير، وخص الطير من الحيوان، لأنه أقرب للإنسان فى طلب الهمة والعلو، وخص أربعة هن: طاووس وديك وغراب وحمامة، عند مجاهد وعطاء وابن جريح، لأن الطاووس يحب الزينة، والديك شديد الشغف بحب النكاح، وفيه الصولة، والغراب خسيس النفس بعيد الأمل حريص على الجيفة يطير إليها ببكور، والحمامة قليلة الرغبة فى الترفع والمسارعة إلى الهوى، تألف وكرها وتلد فيه حتى تموت، وروى النسر بدل الحمامة، وهو محب للدنيا طويل الأمل فيها، شديد الشغف بالأكل، وروى بط مكان الحمامة، والغالب عليه الشبره وعن ابن عباس الكركى مكان الغراب، وقيل: الغرنوق بدل الغراب، وعن ابن عباس: النسر بدل الغراب، فأشار بهن إلى أن الحياة الأبدية إنما تحصل بإماتة هذه الخاصل عن النفس، وكذلك أمره بتفريقها على الجبال الأربعة التى بحضرتها إشارة إلى العناصر الأربعة التى هى أركان البدن إشارة إلى أن يقمع تلك الخواص حتى لا يبقى إلا أصولها التى هى هذه العناصر، وكذلك قال: {ثم ادعهن يأتينك سعيا}، إشارة إلى أنه من قتل القوى النفسية ومزجها، طاوعته إذا دعاها بفعل أو شرع، وقيل أمر أن يفرقها على سبعة أجيال إشارة إلى الأعضاء السبعة والله أعلم بحقيقة الحال، والطير اسم جمع لطائر كراكب وركب، وصاحب وصحب، وقيل فيه وفى مثله أنه جمع، وقيل مخفف من طير بتشديد الياء كمميت وميت، وسيد وسيد، وقيل هو فى الأصل مصدر سمى به هذا الجنس، وعلى هذا يطلق على الواحد فصاعداً. {فَصُرْهُنَّ إِليْكَ}: قال ابن عباس وغيره، أى فاقطعهن، يقال صاره يصوره، أى قطعهُ. وعن قتادة فصلهن، وإلى بمعنى عند أو ضمن صر: معنى اضمم مع ما فيه من القطع فعداه بإلى باقية على الغابة. وعن قتادة صرهن، أى اضممهن، وعن ابن زيد اجمعهن، وعن ابن عباس أيضا أوثقهن، أو صر بمعنى أملى بفتح الهمزة وكسر الميم من الإمالة، وعلى هذا الوجه يعرف القطع من قوله: {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً}، وحكمة الأمر بالإمالة والضم إليه أن يتحققهن ويعرف كل واحد بعلامته، وقرأ حمزة ويعقوب: {فصرهن} بكسر الصاد وهما لغتان صاره يصوره وصاره يصيره بمعنى أماله أو قطعه ومن الضم قوله: شعر : وما صيد الأعناق فيهم جبلة ولكن أطراف الرماح تصورها تفسير : والصيد بفتحتين ارتفاع الرأس، وأصله فى رأس البعير لداء، ويطلق على ارتفاعه لكبر، وعلى مطلق الارتفاع فى الرأس أو العنق، أى ولكن أطراف الرماح تميلها، ومن الكسر قوله: شعر : وفرع يصير الجيد وحف كأنه على الليث قنوان الكروم الدوالح تفسير : الفرع الشعر الكثير، والوحف الكثير الحسن، نعت للفرع، أى يميل الجيد، أى العنق لكثرته، والليث بكسر اللام صفحة العنق، والقنو الشماريخ مع ثمارها، والكرم العنب والدوالح الثقيل بالثمر، وقرأ ابن عباس: تصرهن بكسر الصاد وتشديد الراء مفتوحة أمر فتح لئلا يلتقى ساكنان من صره يصره بمعنى جمعه، وقرأ {فصرهن} بضم الصاد وتشديد الراء مفتوحة كذلك بمعنى أجمعين، أو من صره بمعنى شد عليه، كصررت الدنانير وهما لغتان أيضاً، وعن ابن عباس فصرهن بفتح الصاد وكسر الراء مشددة من صرَّا بتشديد الراء بعدها ألف، فهو أمر مبنى على حذف الياء ومعناه: اجمعهن ويعرف أنه قطعهن على هذه القراءات من قوله: {ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً}: أمره الله أن يذبحهن ويخلط ريشهن ولحومهن ودماءهن وأجزاءهن بعد النتف والتمزيق، وأن يجعل جزءاً منهن على الجبل الشرقى، وجزءاً على الغربى، وجزءاً على الجنوبى، وجزءاً على الشمالى بعد التقسيم على أربعة أقسام، ولم يبق عنده إلا رءوسهن. وقال السدى وابن جريح: أمر أن يقسمهن على سبعة أجزاء، ويجعل على جبل جزءاً، وهن سبعة أجبال تليه وأمسك بيده رءوسهن، وقيل خلط ربع واحد مع ربع الآخر، فجعل على كل جبل ربعاً مركبا من أربعة أرباع، ربع من كل طائر، وقيل لم يخلط، ولكن جعل على كل جبل من الأربعة ربعا من كلا طائر، وعلى كل حال نادى: تعالين بإذن الله، وفى يده رءوسهن، فجعلت كل قطرة من دم أو ريشة أو شعرة ولحمة تطير إلى أختها من طائر واحد، وإبراهيم ينظر حتى كملن طيرا بلا رءوس فى الهوى، ثم أقبلن سعيا إلى رءوسهن، كل ما جاء طائر عارضه إبراهيم بغير رأسه، فيتأخر حتى يلتقى برأسه فيلزق، وذلك كما قال الله تعالى: {ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِيِنكَ سَعْياً}: وقرأ أبو بكر جزءاً بضم الزاء، حيث وقع، وغيره بالإسكان وقرئ جزا بتشديد الزاى بعد حذف الهمزة تخفيفا، كما يوقف بالتشديد، وذلك إجراء للوصل مجرى الوقف وذكر بعض أن إبراهيم أتى على حمار له، فإذا بدابة على ساحل البحر أكلت منها الطير والسباع، وجاءت الحوت فأكلت منها، وهو يرى إذ لم تغرق بالماء، فتعجب كيف يجمعها الله من بطون الطير والحوت والسباع، فقال ما ذكر الله عنه فى الآية، وأمره بذبح أربعة الأطيار وتخليطها، وجعل أجزاءها على أربعة أجبال بعد ما قطع رءوسهن وأمسكهن بيده، ثم نوديت من السماء بالوحى: أيتها العظام المتفرقة، وأيتها اللحوم التمزقة، وأيتها العروق المتقطعة اجتمعى يرجع فيك أرواحكن، فجعل كل دم وريش ولحم وعظم يجرى إلى صاحبه، وعلق إبراهيم. عليها رءوسها، ودخلتها الأرواح، فقيل: يا إبراهيم إن الله حين خلق الأرض وضع بيته فى وسطها وجعل الأرض أربع زوايا، وللبيت أربعة أركان كل ركن فى زاوية من زاويا الأرض، وأرسل أربعة أرياح: الشمال والجنوب والصبا والدبور، فإذا نفخ فى الصور يوم القيامة، اجتمعت أجساد القتلاء والموتى من أربعة أركان الأرض، وأربع زوايا، كما اجتمعت أربعة أطيار من أربعة أجبال، ثم قال:{أية : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة}،تفسير : وذلك مثل للبعث، والمراد فى هذه الراية أنها نوديت: أجتمعى إذا دعاكم إبراهيم، أو نوديت بعد دعاء إبراهيم: أن امتثلن أمره، قال الشيخ هود رحمهُ الله عن مجاهد: بلغنى فى قوله: {يأتينك سعيا}، يأتينك مشيا على أرجلهن، فقيل: لأنها لو وطارت لتوهم متوهم أنها غير تلك الطير، وأن أرجلها غير سالمة، وهو توهم بعيد، لأن من عنده يرى أرجلها ويراها أقبلت بلا رءوس، ثم التصقت برءوسها، وقيل المراد بالسعى الطيران، ورد بأنه لا يقال للطائر إذا اطار سعى، ويجاب بأنه أطلق السعى على الطيران السريع تشبيها بالشى السريع وياء يأتينك الأخيرة لام الكلمة، والنون فاعل، وهى نون الإناث، والفعل مجزوم المحل فى جواب الأمر، وسعيا حال من النون مبالغة، أو حال بتقدير مضاف، أى ذوات سعى، أو بالتأويل بساعيات، أو مفعول مطلقا لحال محذوفة، أى يسعين سعياً، أو ساعيات سعياً أو مفعول مطلق ليأتى على حذف مضاف، أى يأتينك إتيان سعى. {واعْلَمْ}: يا إبراهيم. {أنَّ اللّهَ عَزِيزٌ}: غالب لا يعجز عما يريد. {حَكِيمٌ}: حكمة بليغة فى صنعه، وفى الآية فضل إبراهيم عليهِ السلام، إذ أجابه الله إلى مراده فى الحال لحسن سؤاله بالأدب فيه، إذ تضرع فيه بقوله فى أوله {ربى} وأجاب المار على قرية بعد أن أماته مائة عام، وفيها أيضا يمن الدعاء، ويجوز أن يكون الخطاب فى اعلم للنبى محمد صلى الله عليهِ وسلم أن جرى له الخطاب فى قوله: {وإذ قال إبراهيم} أى واذكر يا محمد إذ قال إبراهيم، واعلم لكل من يصلح للخطاب.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ} ظرف زمان متعلق بقال من قوله قال أو لم تؤمن، أو مفعول به لا ذكر كما قال الله جل وعلا، واذكروا إذ جعلكم خلفاء، والأمر بذكر الوقت أمر بذكر ما فيه {قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْيىِ الْمَوْتَى} قيل، سأل ذلك لأن الله عز وجل قال، إنى اتخذتك خليلا، وأجيب دعوتك، وتحيى الموتى بإذنى، والأولى أنه مر على حمار أو حوت أو رجل ميت بساحل بحر طبرية، إذا مد أكل منه الحوت، أو جزر أكل منه السباع والطير، وقد قال نمروذ له، إذ قال ربى الذى يحيى ميتا ويميت حيا، هل عاينته بفعل ذلك، فسأل الله، أن يريه كيف يحيى الموتى من بطون الحوت والسباع والطير، ومن أرواثها ليزداد يقينا، فيصير له عين اليقين بعد علم اليقين، لأن البيان أقوى من الإخبار، وليقول، نعم، عاينت إذا قيل لهم، هل عاينت، وكيف مفعول مطلق لتحيى، والجملة مفعول ثان لأرى من الإرادة البصرية، علقها الاستفهام عن الثانى، فإن الرؤية البصرية تعلق كالعلمية عندى، تقول، رأى عمرو بعينه كيف أفعل، ونظر بعينه كيف فعلت {قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ} بقدرتى على إحياء الموتى، أى ألم تعلم، ولم تؤمن {قَالَ بَلَى} آمنت، سأله ليجيب بقوله بلى {وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ} سألتك ليطمئن {قَلْبِى} بالمعاينة فيعلم السامع للقصة أن إبراهيم غير شاك، وقد اطمأن قلبه بالدلائل والوحى، لكن أراد اطمئنانا آخر مضموما إلى اطمئنان الدلائل والوحى، أو اطمئنانا عن الاضطراب الحاصل من التشوف إلى رؤية الكيفية والإيمان، يزداد بزيادة الأدلة، وينقص بالكسل والإعراض وكأنه قال ليذهب قلبى إلى المشاهدة بها {قَالَ فَخُذْ} إذا أردت ذلك فخذ، ويجوز تقدير أن على التجوز، أو عطف أمر على إخبار، أى قبلت سؤالك فخذ {أَرْبَعَةً مِّنَ الْطَّيْرِ} أو يقدر، إن تصممت على ذلك فخذ أربعة أفراد من الطيرن وهو اسم جمع عند سيبويه، ويدل له أنه ينسب إليه. لا لمفرد وجمع عند الأخفش، كتاجر وتجر، ومخفف طير بالشد مسمى به جماعة، أو مصدر سميت به، وخص الطير لأنه كالإنسان يمشى على رجلين كالإنسان، ورأسه مدور كالإنسان، ولقوة إدراك بعضها، حتى إنها تعلم فتتعلم، والببغاء والدرة تتكلمان بلا تعليم وتتعلمان ما علمتا، ولأنه يطلب المعاش والمسكن، ولجمعه ما فى الحيوان وزيادة الطيران، ولأنه همة إبراهيم عليه السلام القصد إلى جهة العلو، والطير تعلو للسماء، وللمنسابة خصها فى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطيور، تغدو خماصا وتروح بطانا"تفسير : ، فقيل أمر أن يأخذ طاووسا وديكا وغرابا وحمامة أو نسرا بدل الحمامة، كما أخرجه ابن أبى حاتم عن ابن عباس. لكن ذكر بدل الغراب الغرنوق، أو اختار الأجناس هو لصفاتها، ففى الطاووس زوج، وفى الديك شدة حب الجماع، وفى الغراب الحرص، وفى الحمامة الأنس، وهن صفات الإنسان، وقيل الديك والغراب والطاووس لخيانتهن، فالطاووس خان آدم، والبط قطع شجرة اليقطين عن يونس، والديك خان إلياس، لأنه سرق ثوبه، والغراب خان نوحا، لأنه اشتغل بالميتة حين أرسل لينظر موضعا لا ماء فيه {فَصُرْهُنَّ} أملهن {إِلَيْكَ} أمره بإمالتهن إليه ليحقق أوصافهن قبل أن تفرق أجزاؤهن لما بعد اجتماعها فيراها كحالها الأول ليست آخر مثلها، ولا خالف جزء موضعا له، وفى الآية عمل العامل فى ضميرين لمسمى واحد، مع أنه من غير باب علم وظن وعدم وفقد ورأى الحلمية، وهو مقيس إذا كان أحدهما بحرف، لا كما توهم بعض، فضمير صر وإليك لواحد، ومنه قوله تعالى، يجره إليه، وقوله تعالى: وهزى إليك، وقوله تعالى: وتوبى إليك، وقوله تعالى: واضمم إليك، وقوله تعالى: فسيحشرهم إليه، وقوله: يخصفان عليهما، وقوله، يهديهم الله. إذا قلنا هاء إليه، كما هو المتبادر عائدة إلى الله، وقوله تعالى: ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا، إذا قلنا وجد هنا بمعنى لقى وصادف، فيكون له مفعول واحد، وهو المتبادر هنا، ومن ذلك قوله تعالى: وآتانى منه رحمة ورزقنى منه {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً} ولا يتصور إلا بالقطع، فالقطع مفعوم التزاما، أو صر بمعنى اقطع، وعليه فإليك يتعلق بخذ، أو يقدر صرهن واضممهن إليك، وصر اقطع، وإنما قطعهن بعد الذبح وذلك لئلا يعذبن، ولئلا يتناول الميتة، ويقال قطعهن، وخلط لحومهن وريشهن ودماءهن وسائر أجزائهن. والأجزاء أربعة فالجبال أربعة، وقيل الأجزاء سبعة فالجبال سبعة، أو الأجزاء عشرة والجبال عشرة، ولم يشترط تساوى الأجزاء، واختار بعض التساوى، أو على كل جبل من جبال أرضك ولو كثرت {ثُمَّ ادْعُهُنَّ} قل: تعالين بإذن الله إليك {يَأْتِينَكَ سَعْياً} على أرجلهن لا طائرات، ليتحقق أن أرجلهن سوالم، ثم يطرن فيتحقق أنه لم يبطل طيرانهن، أو سعياً فى الهواء بالطيران، وقيل أمسك رءوسهن عنده بأمر الله فأتت أجزاء كل طائر إلى رأسه بعد اجتماعها، وذكر القرطبى، أنه لما اجتمع أجزاء كل طائر فى جملة أعاد النداء فجاءت إلى الرؤوس، فيقرب رأس طائر إلى غيره فيتباعد حتى يقرب إليه رأسه، وعن الحسن أنه عليه السلام نادى: أيتها العظام المتفرقة واللحوم المتمزقة والعروق المنقطعة اجتمعن برد الله فيكن أرواحكن وعن مجاهد، دعاهن باسم إله إبراهيم، وذلك الدعاء تكرير من الله لحياتهن، وقيل: التقدير: فقطعهن ثم اجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءا أحيهن فإذا أحييتهن فادعهن. وهذا تكلف. وسعيا مفعول مطلق ليأتينك لأن المراد إتيان سعى، أو لحال محذوف، أى ساعيات سعيا، أو يقدر ذوات سعى أو مبالغة {وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} لا يعجزه شىء ولا يعبث.
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ} بيان لتسديد المؤمنين إثر بيان ولمغايرته لما تقدم كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى غير الأسلوب والظرف منتصب إما بمضمر صرح بمثله في قوله تعالى: {أية : وَٱذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء }تفسير : [الأعراف: 69] وإيجاب ذكر الوقت إيجاب لذكر ما فيه بطريق برهاني وإما ـ بقال ـ الآتي وقد تقدم تحقيق ذلك {رَبِّ} كلمة استعطاف شرع ذكرها قبل الدعاء مبالغة في استدعاء الإجابة {أَرِنِي} من الرؤية البصرية المتعدية بهمزة النقل إلى مفعولين فالباء مفعوله الأوّل وقوله تعالى: {كَيْفَ تُحْيِىْ ٱلْمَوْتَىٰ} في محل مفعوله الثاني المعلق عنه، وإلى ذلك ذهب أكثر المعربين، واعترض بأن البصرية لا تعلق، وأجيب بأن ذلك إنما ذكره بعض النحاة، ورده ابن هشام بأنه سمع تعليقها، وفي «شرح التوضيح» يجوز كونها علمية، ومن الناس من لم يجعل ما هنا من التعليق في شيء وجعل كلمة {كَيْفَ} الخ في تأويل مصدر هو المفعول كما قاله ابن مالك في قوله تعالى: {أية : وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ } تفسير : [إبراهيم: 45]. ثم الاستفهام ـ بكيف ـ إنما هو سؤال عن شيء متقرر الوجود عند السائل والمسؤول، فالاستفهام هنا عن هيئة الإحياء المتقرر عند السائل أي ـ بصرني كيفية إحيائك للموتى ـ وإنما سأله عليه السلام لينتقل من مرتبة علم اليقين إلى عين اليقين، وفي الخبر «ليس الخبر كالمعاينة» وكان ذلك حين رأى جيفة تمزقها سباع البر والبحر والهواء قاله الحسن والضحاك وقتادة، وهو المروي عن أهل البيت، وروي عن ابن عباس والسدي وسعيد بن جبير أن الملك بشره عليه السلام بأن الله تعالى قد اتخذه خليلاً وأنه يجيب دعوته ويحيـى الموتى بدعائه فسأل لذلك، وروى عن محمد بن إسحاق بن يسار أن سبب السؤال منازعة النمروذ إياه في الإحياء حيث رد عليه لما زعم أن العفو إحياء وتوعده بالقتل إن لم يحي الله تعالى الميت بحيث يشاهده فدعا حينئذ. {قَالَ} استئناف مبني على السؤال والضمير للرب {أَوَ لَمْ تُؤْمِنَ} عطف على مقدر ـ أي ألم تعلم ولم تؤمن بأني قادر على الإحياء كيف أشاء حتى تسألني عنه ـ أو بأني قد اتخذتك خليلاً، أو بأن الجبار لا يقتلك {قَالَ } أي إبراهيم {بَلَىٰ} آمنت بذلك {وَلَـٰكِنْ} سألت {لّيَطْمَئِنَّ} أي يسكن {قَلْبِي} بمضامة الأعيان إلى الإيمان والإيقان بأنك قادر على ذلك، أو: ليطمئن قلبـي بالخلة أو بأن الجبار لا يقتلني، وعلى كل تقدير لا يعود نقص على إبراهيم من هذا السؤال ولا ينافي منصب النبوة أصلاً. وللناس ولوع بالسؤال عن هذه الآية ـ وما ذكر هو المشهور فيها ـ ويعجبني ما حرره بعض المحققين في هذا المقام وبسطه في الذب عن الخليل عليه السلام من الكلام، وهو أن السؤال لم يكن عن شك في أمر ديني والعياذ بالله ولكنه سؤال عن كيفية الإحياء ليحيط علماً بها وكيفية الإحياء لا يشترط في الإيمان الإحاطة بصورتها، فالخليل عليه السلام طلب علم ما لا يتوقف الإيمان على علمه، ويدل على ذلك ورود السؤال بصيغة {كَيْفَ} وموضوعها السؤال عن الحال، ونظير هذا أن يقول القائل: كيف يحكم زيد في الناس فهو لا يشك أنه يحكم فيهم ولكنه سأل عن كيفية حكمه المعلوم ثبوته ولو كان سائلاً عن/ ثبوت ذلك لقال ـ أيحكم زيد في الناس ـ ولما كان الوهم قد يتلاعب ببعض الخواطر فتنسب إلى إبراهيم وحاشاه شكاً من هذه الآية قطع النبـي صلى الله عليه وسلم دابر هذا الوهم بقوله على سبيل التواضع: «حديث : نحن أحق بالشك من إبراهيم»تفسير : أي ونحن لم نشك فلأن لا يشك إبراهيم أحرى، وقيل: إن الكلام مع أفعل جاء هنا لنفي المعنى عن الحبيب والخليل عليهما الصلاة والسلام أي لا شك عندنا جميعاً، ومن هذا الباب {أية : أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ } تفسير : [الدخان: 37] أي لا خير في الفريقين، وإنما جاء التقرير بعد لأن تلك الصيغة وإن كانت تستعمل ظاهراً في السؤال عن الكيفية كما علمت إلا أنها قد تستعمل أيضاً في الاستعجاز كما إذا ادعى مدع أنه يحمل ثقلاً من الأثقال وأنت جازم بعجزه عن حمله فتقول له: أرني كيف تحمل هذا وتريد أنك عاجز عن حمله فأراد سبحانه لما علم براءة الخليل عن الحوم حول حمى هذا المعنى أن ينطقه في الجواب بما يدفع عنه ذلك الاحتمال اللفظي في العبارة الأولى ليكون إيمانه مخلصاً بعبارة تنص عليه بفهمها كل من يسمعها فهماً لا يتخالجه فيه شك، ومعنى الطمأنينة حينئذ سكون القلب عن الجولان في كيفيات الإحياء المحتملة بظهور التصوير المشاهد، وعدم حصول هذه الطمأنينة قبل لا ينافي حصول الإيمان بالقدرة على الإحياء على أكمل الوجوه، ولا أرى رؤية الكيفية زادت في إيمانه المطلوب منه عليه السلام شيئاً وإنما أفادت أمراً لا يجب الإيمان به، ومن هنا تعلم أن علياً كرم الله تعالى وجهه لم يثبت لنفسه مرتبة في الإيمان أعلى من مرتبة الخليل فيه بقوله: لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً كما ظنه جهلة الشيعة. وكثير من أصحابنا لما لم يقف على ما حررنا تجشم لدفع ما عسى أن يتوهم من كلامي الخليل والأمير من أفضلية الثاني على الأول فبعض دفعه بأن اليقين يتصور أن يطرأ عليه الجحود لقوله تعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ } تفسير : [النمل: 14] والطمأنينة لا يتصور طرو ذلك عليها ـ ونسب هذا لحجة الإسلام الغزالي ـ وفي القلب منه شيء، وبعض قرر في دفعه أن مقام النبوة مغاير لمقام الصديقية، فلمقام النبوة طمأنينة وعدم طمأنينته بحسبه، ولمقام الصديقية طمأنينة وعدم طمأنينته بحسبه أيضاً، وطمأنينة مقام النبوة كانت لخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم كما كشف عنها بقوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظّلَّ }تفسير : [الفرقان: 45] على ما يعرفه أهل الذوق من الآية وكان الاستعداد من إبراهيم وكذا من موسى عليهما السلام متوجهاً إلى ابتغاء تلك الطمأنينة كما أبانا عن أنفسهما بـ {رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْيِىْ ٱلْمَوْتَىٰ } و {أية : رَبّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ }تفسير : [الأعراف: 143] وطمأنينة مقام الصديقية كانت للصديقين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم كما أبدى عن نفسه إمام الصديقين كرم الله تعالى وجهه بقوله: «لو كشف» الخ، وكان الاستعداد في صدِّيقي سائر الأنبياء متوجهاً إلى ابتغاء تلك الطمأنينة فثبتت الفضيلة لمحمد صلى الله عليه وسلم على سائر إخوانه من الأنبياء والصديقية على سائر الصديقين من أممهم ولم يثبت لصديقيه لوجدانهم طمأنينتهم الفضيلة على الأنبياء عند فقدانهم طمأنينتهم لأن ما فقدوه من الطمأنينة غير ما وجده الصديقون منها لأنهم إنما يفقدون الطمأنينة اللائقة بمقام النبوة والصديقون لم يجدوا مثل تلك الطمأنينة وإنما وجدوا طمأنينة لائقة بمقام الصديقين ولو رضي النبيون بمثله لكان حاصلاً لهم، وأجل من ذلك بعدة مراتب ولقد اعترف الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه بهذا التخلف حين بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إني لأسهو فقال: يا ليتني كنت سهو محمد صلى الله عليه وسلم إذ علم أن ما يعده رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه الكريمة سهواً فوق أعلى يقظان الصديق إذ حسنات الأبرار سيآت المقربين وحسنات المقربين سيآت النبيين، وهذا أولى مما سبق. وبعض من المتصوفة كجهلة الشيعة التزموا ظاهر كل من الكلامين وزعموا أن أولياء هذه الأمة وصديقيهم أعلى كعباً من الأنبياء ولو نالوا مقام الصديقية/ محتجين بما روي عن الإمام الرباني سيدي وسندي عبد القادر الكيلاني قدس سره أنه قال: يا معاشر الأنبياء الفرق بيننا وبينكم بالألقاب وأوتينا ما لم تؤتوه، وببعض عبارات للشيخ الأكبر قدس سره ينطق بذلك، وأنت تعلم أن التزام ذلك والقول به خرق لإجماع المسلمين ومصادم للأدلة القطعية على أفضلية الأنبياء على سائر الخلق أجمعين، ويوشك أن يكون القول به كفراً بل قد قيل به، وما روي عن الشيخ عبد القادر قدس سره فمما لم يثبت نقله عنه في كتاب يعول عليه، وما يعزى إلى الشيخ الأكبر قدس سره فتعارضه عبارات له أخر مثل قوله قدس سره ـ وهو الذي تعلم ترجمته لنفسه وعده إياها من أكبر الصديقين بل خاتم الولاية الخاصة ـ والمقام المحمدي فتح لي قدر خرم إبرة من مقام النبوة تجليّاً لا دخولاً فكدت أحترق، وبتقدير تسليم ما نقل عمن نقل والقول بعدم قوة المعارض لنا أن نقول: إن ذلك القول صدر عن القائل عند فنائه في الحقيقة المحمدية والذات الأحمدية فاللسان حينئذ لسانها والقول قولها ولم يصدر ذلك منه حين رؤية نفسه، والوقوف عند رتبته ـ وهذا غير ما ذهب إليه الشيعة ـ وبعيد عنه بمراحل، ولعل النوبة تفضي إلى تحقيقه بأتم من هذا إن شاء الله تعالى، فخزائن الفكر ولله الحمد مملوءة، ولكل مقام مقال. هذا وذكر الزمخشري أن المراد بالطمأنينة هنا العلم الذي لا مجال للتشكيك فيه وهو علم الضرورة المخالف لعلم الاستدلال حيث يجوز معه ذلك، واعترض بأن العلم الموقوف على سبب لا يتصور فيه تشكيك ما دام سببه مذكوراً في نفس العالم وإنما الذي قبل التشكيك قبولاً مطلقاً هو الاعتقاد وإن كان صحيحاً وسببه باق في الذكر وبهذا ينحط الاعتقاد الصحيح عن العلم، وأجيب بأن هذا مبني على تفسير العلم بأنه صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض بوجه ـ على ما ذكره ابن الحاجب في «مختصره» ـ وقد قيل عليه ما قيل فتدبر. واللام في {لّيَطْمَئِنَّ} لام كي والفعل منصوب بعدها بإضمار أن، وليس بمبنى كما ـ زلق السمين ـ ومتعلق اللام محذوف كما أشرنا حذف ـ ما ـ منه الاستدراك، وقيل: المتعلق {أَرِنِي} ولا أراه شيئاً، والماضي للفعل ـ اطمأن على وزن اقشعر، واختلف هل هو مقلوب أم لا؟ فمذهب سيبويه أنه مقلوب من ـ اطأمن ـ فالطاء فاء الكلمة والهمزة عينها، والميم لامها فقدمت اللام التي هي الميم على العين وهي الهمزة فوزنه افلعل، ومذهب الجرمي أنه غير مقلوب وكأنه يقول ـ اطأمن واطمأن ـ مادتان مستقلتان ومصدره الطمأنينة بسكون الميم وفتح الهمزة، وقيل: طمانينه بتخفيف الهمزة وهو قياس مطرد عند الكوفيين وهو على غير قياس المصادر عند الجميع إذ قياس اطمأن أن يكون مصدره على الاطمئنان، وقرىء ـ أرني ـ بسكون الراء. {قَالَ} أي الرب {فَخُذْ} الفاء لجواب شرط محذوف أي إن أردت ذلك فخذ. {أَرْبَعَةً مّنَ ٱلطَّيْرِ} المشهور أنه اسم جمع كركب وسفر، وقيل: بل هو جمع طائر كتاجر وتجر ـ وإليه ذهب أبو الحسن ـ وقيل: بل هو مخفف من طير بالتشديد، وقال أبو البقاء: هو في الأصل مصدر طار يطير ثم سمي به هذا الجنس وألحقت التاء في عدده لاعتباره مذكراً واسم الجنس لما لا يعقل يذكر ويؤنث والجار متعلق بمحذوف وقع صفة لما قبله أو متعلق ـ بخذ ـ والمروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها الغرنوق، والطاوس، والديك، والحمامة، وعن مجاهد بدل الغرنوق الغراب، وفي رواية بدل الحمامة بطة، وفي رواية نسر، وتخصيص الطير بذلك لأنه أقرب إلى الإنسان باعتبار طلبه المعاش والمسكن ولذلك وقع في الحديث «حديث : لو توكلتم على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً» تفسير : ولأنه أجمع لخواص الحيوان ولسهولة تأتي ما يفعل به من التجزئة والتفرقة ولما فيه من مزيد أجزاء من الريش ففي إحيائها مزيد ظهور القدرة/ ولأن من صفته الطيران في السماء وكان من همة إبراهيم عليه الصلاة والسلام الميل إلى جهة العلو والوصول إلى الملكوت فكانت معجزته مشاكلة لهمته. {فَصُرْهُنَّ} قرأ حمزة ويعقوب بكسر الصاد، والباقون بضمها مع التخفيف من ـ صاره يصوره ويصيره ـ لغتان بمعنى قطعه أو أماله لأنه مشترك بينهما كما ذكره أبو علي، وقال الفراء: الضم مشترك بين المعنيين، والكسر بمعنى القطع فقط، وقيل: الكسر بمعنى القطع، والضم بمعنى الإمالة، وعن الفراء إن صاره مقلوب صراه عن كذا قطعه، والصحيح أنه عربـي وعن عكرمة أنه نبطي، وعن قتادة أنه حبشي، وعن وهب أنه رومي، فإن كان المراد ـ أملهن ـ فقوله تعالى: {إِلَيْكَ} متعلق به وإن كان المراد ـ فقطعهن ـ فهو متعلق ـ بخذ ـ باعتبار تضمينه معنى الضم، واختار أبو البقاء أن يكون حالاً من المفعول المضمر أي ـ فقطعهن مقربة ممالة ـ إليك ـ وزعم ابن هشام ـ تبعاً لغيره ـ أنه لا يصح تعليق الجار ـ بصرهن ـ مطلقاً إن لم يقدر مضاف أي إلى نفسك محتجاً بأنه لا يتعدى فعل غير علمي عامل في ضمير متصل إلى المنفصل، ورد بأنه إنما يمنع إذا كان متعدياً بنفسه أما المتعدي بحرف فهو جائز كما صرح به علماء العربية. وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ فصرهن ـ بتشديد الراء مع ضم الصاد وكسرها من صره إذا جمعه، والراء إما مضمومة للاتباع أو مفتوحة للتخفيف، أو مكسورة لالتقاء الساكنين، وعنه أيضاً ـ فصرهن ـ من التصرية بفتح الصاد وكسر الراء المشددة وأصلها تصررة فأبدل أحد أحرف التضعيف ياءاً وهي في الأصل من صريت الشاة إذا لم تحلبها أياماً حتى يجتمع اللبن في ضرعها ثم استعمل في مجرد معنى الجمع ـ أي اجمعهن وضمهن إليك لتتأملها وتعرف شأنها مفصلة حتى تعلم بعد الإحياء أن جزءاً من أجزائها لم ينتقل من موضعه الأول أصلاً ـ. {ثُمَّ ٱجْعَلْ} أي ألق أو صير بعد ذبحهن وخلط لحومهن وريشهن ودمائهن كما قاله قتادة. {عَلَىٰ كُلّ جَبَلٍ} يمكنك الوضع عليه ولم يعين له ذلك ـ كما روي عن مجاهد، والضحاك ـ وروي عن ابن عباس والحسن، وقتادة أن الجبال كانت أربعة، وعن ابن جريج، والسدي أنها كانت سبعة، وعن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه أنها كانت عشرة {مِنْهُنَّ} أي من تلك الطير {جُزْءاً} أي قطعة، وبعضاً ربعاً، أو سبعاً أو عشراً أو غير ذلك؛ وقرىء (جزءاً) بضمتين و (جزاً) بطرح همزته تخفيفاً ثم تشديده عند الوقف ثم إجراء الوصل مجرى الوقف وهو مفعول ـ لاجعل ـ والجاران قبله متعلقان بالفعل، ويجوز أن يكون على كل مفعولاً ثانياً له إن كان بمعنى صير، و {مِنْهُنَّ} حال من {جُزْءا} لأنه في الأصل صفة للنكرة قدمت عليها. {ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ} أي نادهنّ، أخرج ابن المنذر عن الحسن قال: إنه عليه الصلاة والسلام نادى أيتها العظام المتمزقة واللحوم المتفرقة والعروق المتقطعة اجتمعي يرد الله تعالى فيكن أرواحكن فوثب العظم إلى العظم وطارت الريشة إلى الريشة وجرى الدم إلى الدم حتى رجع إلى كل طائر دمه ولحمه وريشه ثم أوحى الله تعالى إلى إبراهيم إنك سألتني كيف أحي الموتى وأني خلقت الأرض وجعلت فيها أربعة أرواح: الشمال والصبا والجنوب والدبور حتى إذا كان يوم القيامة نفخ نافخ في الصور فيجتمع من في الأرض من القتلى والموتى كما اجتمعت أربعة أطيار من أربعة جبال ثم قرأ: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وٰحِدَةٍ } تفسير : [لقمان: 28] وعن مجاهد أنه دعاهن باسم إله إبراهيم تعالين، واستشكل بأن دعاء الجماد غير معقول، وأجيب بأنه من قبيل دعاء التكوين، وقيل: في الآية حذف كأنه قيل: فقطعهن ثم اجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءاً فإن الله تعالى يحييهن فإذا أحياهن فادعهن. / {يَأْتِينَكَ سَعْيًا} فالدعاء إنما وقع بعد الإحياء. ولا يخفى أن الآثار مع ما فيه من التكلف لا تساعده، وأعظم منه فساداً ما قيل: إنه عليه الصلاة والسلام جعل على كل جبل منهن طيراً حياً ثم دعاها فجاءت فإن ذلك مما يبطل فائدة الطلب ويعارض الأخبار الصحيحة فإن أكثرها ناطق بأنه دعاها ميتة متفرقة الأجزاء، وفي بعضها أن رؤوسهن كانت بيده فلما دعاهن جعل كل جزء منهن يأتي إلى صاحبه حتى صارت جثثاً ثم أقبلن إلى رؤوسهن فانضمت كل جثة إلى رأسها فعادت كل واحدة منهن إلى ما كانت عليه من الهيئة، و (سعياً) حال من فاعل ـ يأتينك ـ أي ساعيات مسرعات، أو ذوات سعي طيراناً أو مشياً، وقيل: إطلاق السعي على الطيران مجاز، وجوز أن يكون منصوباً على المصدرية كقعدت جلوساً. ومن الغريب ما نقل عن النضر بن شميل قال: سألت الخليل بن أحمد عن قوله تعالى: {يَأْتِينَكَ سَعْيًا} هل يقال الطائر إذا طار سعى؟ فقال: لا قلت: فما معناه؟ قال: معناه: يأتينك وأنت تسعى سعياً ـ وهو من التكلف الغير المحتاج إليه بمكان ـ وإنما اقتصر سبحانه على حكاية أوامره جل شأنه من غير تعرض لامتثال خليله عليه الصلاة والسلام، ولا لما ترتب عليه من آثار قدرته التي علمت النزر منها للإيذان بأن ترتب تلك الأمور على الأوامر الجليلة واستحالة تخلفها عنها من الجلاء والظهور بحيث لا حاجة له إلى الذكر أصلاً، وزعم بعضهم أن الخليل عليه الصلاة والسلام لم يفعل شيئاً مما اقتضاه ظاهر الكلام وأن الأوامر فيه مثلها في قولك لمن لا يعرف تركيب الحبر مثلاً: خذ كذا وكذا وأمكنهما سحقاً وألق عليهما كذا وكذا وضع ذلك في الشمس مدة أيام ثم استعمله تجده حبراً جيداً فإنه لا يقتضي الامتثال إذ كان الغرض مجرد تعليم. و ـ الرؤية ـ هنا علمية كما نقل عن «شرح التوضيح»، وإبراهيم حصل له العلم التام بمجرد وصف الكيفية واطمأن قلبه وسكن لبه، ولهذا لم يذكر الله تعالى ما ترتب على هذه الأوامر من هاتيك الأمور ولم يتعرض للامتثال ولم يعبأ بالإيماء إليه ـ بقال ـ أو حال، ومال إلى هذا القول أبو مسلم فأنكر القصة أيضاً، وقال: إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما طلب إحياء الموتى من ربه سبحانه وأراه مثالاً محسوساً قرب الأمر عليه، والمراد ـ بصرهن ـ أملهن ومرنهنّ على الإجابة ـ أي عود الطيور الأربعة بحيث إذا دعوتها أجابتك حال الحياة ـ والغرض منه ذكر مثال محسوس لعود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة ولا يخفى أن هذا خلاف إجماع المسلمين، وضرب من الهذيان لا يركن إليه أرباب الدين وعدول عما يقتضيه ظاهر الآية المؤيد بالأخبار الصحيحة والآثار الرجيحة إلى ما تمجه الأسماع ولا يدعو إليه داع فالحق اتباع الجماعة ويد الله تعالى معهم. وفي الآية دليل لمن ذهب إلى أن إحياء الموتى يوم القيامة بجمع الأجزاء المتفرقة وإرسال الروح إليها بعد تركيبها وليس هو من باب إعادة المعدوم الصرف لأنه سبحانه بين الكيفية بالتفريق ثم الجمع وإعادة الروح ولم يعدم هناك سوى الجزء الصوري والهيئة التركيبية دون الأجزاء المادية، واحتج بها بعضهم أيضاً على أن البنية ليست شرطاً في الحياة لأنه تعالى جعل كل واحد من تلك الأجزاء والأبعاض حياً قادراً على السعي والعدو، وقال القاضي: دلت الآية على أنه لا بد من البنية حيث أوجب التقطيع بطلان الحياة، وأجيب بأن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة، والانفكاك في بعض الأحوال يدل على أن المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة ولما دلت الآية على حصول فهم النداء لتلك الأجزاء كانت دليلاً قاطعاً على أن البنية ليست شرطاً للحياة ـ وفيه تأمل ـ. والمشهور أنها حجة على من ذهب إلى أن الإيمان لا يزيد/ ولا ينقص وهي ظاهرة في أنه يزيد في الكيف وإن كان لا يزيد في الكم لكن المكلف به هو الجزم الحاصل بالنظر والاستدلال، ويسميه البعض علم اليقين لا الجزم الكائن بالمشاهدة المسمى بعين اليقين فإن في التكليف به حرجاً في الدين، وأنت تعلم أن في دلالة الآية على زيادة الإيمان ونقصه بناءاً على الوجه الذي أشرنا إلى اختياره تردداً كما لا يخفى؛ وفيها أيضاً دليل على فضل الخليل عليه الصلاة والسلام ويمن الضراعة في الدعاء وحسن الأدب في السؤال حيث أراه سبحانه ما سأله في الحال على أيسر ما يكون من الوجوه، وأرى عزيراً عليه السلام ما أراه بعد ما أماته مائة عام. {وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالب على أمره {حَكِيمٌ} ذو حكمة بالغة في أفعاله فليس بناء أفعاله على الأسباب العادية لعجزه عن خرق العادات بل لكونه متضمناً للحكم والمصالح، حكي أن الله سبحانه لما وفى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام بما سأل قال له: يا إبراهيم نحن أريناك كيف نحي الموتى فأرنا أنت كيف تميت الأحياء مشيراً إلى ما سيأمره به من ذبح ولده عليه الصلاة والسلام وهو من باب الانبساط مع الخليل ودائرة الخلة واسعة إلا أن حفاظ المحدثين لم يذكروا هذا الخبر وليس له رواية في «كتب الأحاديث» أصلاً. ومن باب الإشارة في هذه القصة: {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِىْ ٱلْمَوْتَىٰ} أي موتى القلوب بداء الجهل {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن} أي ألم تعلم ذلك علماً يقينياً {قَالَ بَلَىٰ} أعلم ذلك.شعر : ولكن للعيان لطيف معنى له سأل المشاهدة الخليل تفسير : وهو المشار إليه بقوله سبحانه: {لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} الذي هو عرشك {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ ٱلطَّيْرِ} إشارة إلى طيور الباطن التي في قفص الجسم، وهي أربعة من أطيار الغيب والعقل، والقلب، والنفس، والروح {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} أي ضمهن واذبحهن، فاذبح طير العقل بسكين المحبة على باب الملكوت، واذبح طير القلب بسكين الشوق على باب الجبروت، واذبح طير النفس بسكين العشق في ميادين الفردانية، واذبح طير الروح بسكين العجز في تيه عزة أسرار الربانية {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا} فاجعل العقل على جبل العظمة حتى يتراكم عليه أنوار سلطنة الربوبية فيصير موصوفاً بها ليدركني بـي بعد فنائه في، واجعل القلب على جبل الكبرياء حتى ألبسه سناء قدسي فيتيه في بيداء التفكر منعوتاً بصرف نور المحبة، واجعل النفس على جبل العزة حتى ألبسها نور العظمة لتصير مطمئنة عند جريان ربوبيتي عليها فلا تنازعني في العبودية ولا تطلب أوصاف الربوبية، واجعل الروح على جبل جمال الأزل حتى ألبسها نور النور وعز العز وقدس القدس لتكون منبسطة في السكر مطمئنة في الصحو عاشقة في الانبساط راسخة في التجليات {ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ} ونادهنّ بصوت سر العشق {يَأْتِينَكَ سَعْيًا} إلى محض العبودية بجمال الأحدية {وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} يعزك بعرفانك هذه المعاني واطلاعك على صفاته القديمة {حَكِيمٌ} في ظهوره بغرائب التجلي لأسرار باطنك، وقد يقال: أشار سبحانه بالأربعة من الطير إلى القوى الأربعة التي تمنع العبد عن مقام العيان وشهود الحياة الحقيقية، ووقع في أثر أنها كانت طاوساً، وديكاً، وغراباً، وحمامة، ولعل الطاوس إشارة إلى العجب والديك إلى الشهوة والغراب إلى الحرص، والحمامة إلى حب الدنيا لإلفها الوكر والبرج، وفي أثر بدل الحمامة بطة، وفي آخر نسر، وكان الأول: إشارة إلى الشره الغالب، والثاني: إلى طول الأمل، ومعنى {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} حينئذ ضمهنّ وأملهنّ إليك بضبطها ومنعها عن الخروج إلى طلب لذاتها والنزوع إلى مألوفاتها، وفي الأثر أنه عليه الصلاة والسلام أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويخلط لحومها ودماءها بالدق ويحفظ رؤوسها عنده ـ أي يمنعها عن أفعالها ويزيل هيآتها عن النفس ويقمع دواعيها وطبائعها وعادتها بالرياضة/ ويبقي أصولها فيه ـ ثم أمر أن يجعل على كل جبل من الجبال التي بحضرته وهي العناصر الأربعة التي هي أركان بدنه جزءاً منهنّ وكأنه عليه الصلاة والسلام أمر بقمعها وإماتتها حتى لا يبقى إلا أصولها المركوزة في الوجود والمواد المعدة في طبائع العناصر التي هي فيه، وفي رواية أن الجبال كانت سبعة فعلى هذا يشير بها إلى الأعضاء السبعة التي هي أجزاء البدن، وفي أخرى أنها كانت عشرة وعليها ربما تكون إشارة إلى الحواس الظاهرة والباطنة، وأشار سبحانه بالأمر بالدعاء إلى أنه إذا كانت هاتيك الصفات حية بحياتها كانت غير منقادة وحشية ممتنعة عن قبول الأمر فإذا قتلت كانت حية بالحياة الحقيقية الموهومة بعد الفناء والمحو وهي حياة العبد وعند ذلك تكون مطيعة منقادة متى دعيت أتت سعياً وامتثلت طوعاً وذلك هو الفوز العظيم.
ابن عاشور
تفسير : معطوف على قوله: { أية : أو كالذي مر على قرية } تفسير : [البقرة: 259]، فهو مثال ثالث لقضية قوله: { أية : الله ولي الذين آمنوا } تفسير : [البقرة: 257] الآية ومثال ثان لقضية {أو كالذي مر على قرية} فالتقدير: أو هو كإبراهيم إذ قال رب أرني إلخ. فإنّ إبراهيم لفرط محبته الوصول إلى مرتبة المعاينة في دليل البعث رام الانتقال من العلم النظري البرهاني، إلى العلم الضروري، فسأل الله أن يريه إحياء الموتى بالمحسوس. وانتصب {كيف} هنا على الحال مجردةً عن الاستفهام، كانتصابها في قوله تعالى: { أية : هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } تفسير : [آل عمران: 6]. وقوله: {أولم تؤمن} الواو فيه واو الحال، والهمزة استفهام تقريري على هذه الحالة، وعامل الحال فعل مقدر دل عليه قوله: {أرني} والتقدير: أأرِيك في حال أنّك لم تؤمن، وهو تقرير مجازي مراد به لفت عقله إلى دفع هواجس الشك، فقوله: {بلى ولكن ليطمئن قلبي} كلام صدر عن اختباره يقينَه وإلفائه سالماً من الشك. وقوله: {ليطمئن قلبي} معناه لينبت ويتحقّق علمي وينتقل من معالجة الفكر والنظر إلى بساطة الضرورة بيقين المشاهدة وانكشاف المعلوم انكشافاً لا يحتاج إلى معاودة الاستدلال ودفع الشُبه عن العقل، وذلك أنّ حقيقة يَطمئن يسكن، ومصدره الاطمئنان، واسم المصدر الطُّمَأنِينَة، فهو حقيقة في سكون الأجسام،. وإطلاقه على استقرار العلم في النفس وانتفاء معالجة الاستدلال أصله مجاز بتشبيه التردّد وعلاج الاستدلال بالاضطراب والحركة، وشاع ذلك المجاز حتى صار مساوياً للحقيقة، يقال اطمأنّ بَالَهُ واطمأنّ قلبه. والأظهر أنّ اطمأن وزنه افعلَلَ وأنّه لا قلب فيه، فالهمزة فيه هي لام الكلمة والميم عين الكلمة، وهذا قول أبي عمرو وهو البيِّن إذ لا داعي إلى القلب، فإنّ وقوع الهمزة لا ما أكثر وأخف من وقوعها عيناً، وذهب سيبويه إلى أنّ اطْأمَنّ مقلوب وأصله اطْمَأنّ وقد سمع طَمْأنْتُه وطَأْمَنْتُه وأكثر الاستعمال على تقديم الميم على الهمزة، والذي أوجب الخلاف عدم سماع المجرد منه إذ لم يسمع طَمَن. والقلبُ مراد به العلم إذ القلب لا يضطرب عند الشك ولا يتحرك عند إقامة الدليل وإنّما ذلك للفكر، وأراد بالاطمئنان العلم المحسوس وانشراح النفس به وقد دلّه الله على طريقة يرى بها إحياء الموتى رأي العين. وقوله: {فخذ أربعة من الطير} اعلم أنّ الطير يطلق على الواحد مرادفاً لطائر؛ فإنّه من التسمية بالمصدر وأصلها وصف فأصلها الوحدة، ولا شك في هذا الإطلاق، وهو قول أبي عبيدة والأزهري وقُطرب ولا وجه للترّدد فيه، ويطلق على وجمعه أيضاً وهو اسم جمع طائر كصحْب وصاحب، وذلك أنّ أصله المصدر والمصدر يجري على الواحد وعلى الجمع. وجيء بمن للتبعيض لدلالة على أنّ الأربعة مختلفة الأنواع، والظاهر أنّ حكمة التعدّد والاختلاف زيادة في تحقّق أنّ الإحياء لم يكن أهون في بعض الأنواع دون بعض، فلذلك عدّدت الأنواع، ولعلّ جعلها أربعة ليكون وضعُها على الجهات الأربع: المشرق والمغرب والجنوب والشمال لئلاّ يظنّ لبعض الجهات مزيد اختصاص بتأتي الإحياء، ويجوز أنّ المراد بالأربعة أربعة أجزاء من طير واحد فتكون اللام للعهد إشارة إلى طير حاضر، أي خذ أربعة من أجزائه ثم ادعهنّ، والسعي من أنواع المشي لا من أنواع الطيران، فجعل ذلك آية على أنَّهنّ أعيدت إليهن حياة مخالفة للحياة السابقة، لئلا يظن أنّهن لم يمتن تماماً. وذكر كل جبل يدل على أنّه أمر بجعل كل جزء من أجزاء الطير على جبل لأنّ وضعها على الجبال تقوية لتفرق تلك الأجزاء؛ فإنها فرقت بالفصل من أجسادها وبوضعها في أمكنة متباعدة وعسِرة التناول. والجبل قطعة عظيمة من الأرض ذات حجارة وتراب ناتئة تلك القطعة من الأرض المستوية، وفي الأرض جبال كثيرة متفاوتة الارتفاع، وفي بعضها مساكن للبشر مثل جبال طيِّء، وبعضها تعتصم به الناس من العدوّ كما قال السَّمَوْأل: شعر : لنا جبل يحتلّه من نجيره منيع يردّ الطَّرفَ وهو كليل تفسير : ومعنى {صرهنّ} أدنِهن أو أيلهن يقال صاره يصُوره ويصيره بمعنًى وهو لفظ عربي على الأصح وقيل معرب، فعن عكرمة أنّه نبطي، وعن قتادة هو حبشي، وعن وهب هو رومي، وفائدة الأمر بإدنائها أن يتأمل أحوالها حتى يعلم بعد إحيائها أنّها لم ينتقل جزء منها عن موضعه. وقوله: {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً} عطف على محذوف دلّ عليه قوله {جزءاً} لأن تجزئتهن إنّما تقع بعد الذبح. فالتقدير فاذبحهن ثم اجعل إلخ. وقرأ الجمهور {فصُرهن} ــــــ بضم الصاد وسكون الراء ــــــ من صاره يُصوره، وقرأ حمزة وأبو جعفر وخلف ورويس عن يعقوب {فصِرهن} ــــــ بكسر الصاد ــــــ من صار يصير لغة في هذا الفعل. وقرأ الجمهور {جُزْءاً} ــــــ بسكون الزاي ــــــ وقرأه أبو بكر عن عاصم بضم الزاي، وهما لغتان.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إبراهيم: هو خليل الرحمن أبو الأنبياء عليه السلام. يطمئن قلبي: يسكن ويهدأ من التطلع والتشوق إلى الكيفيّة. فصرهنّ إليك: أملهن واضممهن إليك وقطعهن أجزاء. سعيا: مشياً سريعاً وطيرانا. عزيز: غالب لا يمتنع عنه ولا منه شيء أراده بحال من الأحوال. حكيم: لا يخلُق عبثا ولا يوجد لغير حكمه، ولا يضع شيئا في غير موضعه اللائق به. معنى الآية الكريمة: هذا مثل ثالث يوجه إلى الرسول والمؤمنين حيث تتجلّى لهم ولايته تعالى لعباده المؤمنين بإخراجهم من الظلمات إلى النور حتى مجرّد ظلمة باستبعاد شيء عن قدرة الله تعالى، أو تطلع إلى كيفيّة إيجاد شيء ومعرفة صورته. فقال تعالى: اذكروا {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ}. سأل إبراهيم ربّه أن يريه طريقة الإِحياء كيف تتم هل هي جارية على نواميس معيّنة أم هي مجرد قدرة يقول صاحبها للشيء كن فيكون، فسأله ربه وهو عليم به أتقول الذي تقول ولم تؤمن؟ قال إبراهيم: بلى أنا مؤمن بأنك على كل شيء قدير، ولكن أريد أن أرى صورة لذلك يطمئن لها قلبي ويسكن من التطلع والتشوق إلى معرفة المجهول لدي. فأمره تعالى إجابة له لأنه وليّه فلم يشأ أن يتركه يتطلع إلى كيفيّة إحياء ربه الموتى، أمره بأخذ أربعة طيور وذبحها وتقطيعها أجزاء وخلطها مع بعضها بعضا ثم وضعها على أربعة جبال على كل جبل ربع الأجزاء المخلوطة، ففعل، ثم أخذ برأس كل طير على حِدَةٍ ودعاه فاجتمعت أجزاؤه المفرقة المختلطة بأجزاء غيره وجاءه يسعى فقدم له رأسه فالتصق به وطار في السماء وإبراهيم ينظر ويشاهد مظاهر قدرة ربّه العزيز الحكيم. سبحانه لا إله غيره ولا رب سواه. هداية الآية الكريمة: من هداية الآية الكريمة: 1- غريزة الإِنسان في حب معرفة المجهول والتطلع إليه. 2- ولاية الله تعالى لإِبراهيم حيث أراه من آياته ما اطمأن به قلبه وسكنت له نفسه. 3- ثبوت عقيدة الحياة الثانية ببعث الخلائق أحياء للحساب والجزاء. 4- زيادة الإِيمان واليقين كلما نظر العبد إلى آيات الله الكونية، أو قرأ وتدبر آيات الله القرآنية.
القطان
تفسير : بَلى: نعم. صرْهن: اضممهن. سعيا: مسرعات. وهذه الآية تتعلق بالحياة والموت أيضاً. واذكر يا محمد قصة ابراهيم يوم قال لربه: أرني بعيني كيف يكون إحياء الموتى، فقال له تعالى: أَوَلمْ تؤمن بأني قادر على إحياء الموتى.؟ قال: بلى، علمت وصدّقت، ولكن ليزداد إيماني ويطمئن قلبي. قال: خذ أربعة من الطير الحي فضمها اليك ثم جزِّئهنّ بعد ذبحهن واجعل على كل جبل من الجبال المجاورة جزءا، ثم نادهن فسيأتِينَك مسرعات وفيهن الحياة كما كانت، واعلم ان الله لا يعجز عن شيء وهو ذو حكمة بالغة في كل شيء. وهذه الأمور من المعجزات التي لا تحدث الا على أيدي الأنبياء. ولو أننا أنعمنا النظر يومياً فيما حولنا لرأينا كثيرا من المعجزات في أنفسنا وفي نظام هذا الكون والحياة، لكنّا ألفنا هذه الأشياء، وأصبحت عندنا أمورا عادية. ان كثيرا من المخترعات الحديثة لو أخبرنا عنها أحدٌ قبل مدة من الزمن لما صدقناه، مع أنها من صنع الانسان، فكيف بقدرة الله جل وعلا! القراءات: قرأ حمزة ويعقوب "فصرهن" بكسر الصاد، وهي لغة أيضاً. وقرأ أبو بكر "جُزوا" بالواو.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِبْرَاهِيمُ} {تُحْيِـي} {لِّيَطْمَئِنَّ} (260) - وَاذكُرْ إِذْ سَأَل إبراهِيمُ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ كَيفَ يُحْيي المَوْتَى لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ، فَسَأَلَهُ رَبُّهُ أوَ لَمْ تُؤْمِنْ بِي وَأنِّي قَادِرٌ عَلَى الإِحْيَاءِ كَيفَ أشَاءُ حَتَّى تَسْألَنِي إِرَاءَتَكَ إِيَّاهُ؟ قَالَ: بَلَى إِنّي مُؤْمِنٌ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّنِي أرِيدُ زِيَادةً في اليقِينِ ... فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: خُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَاذْبَحْهُنَّ وَقَطِّعْهُنَّ وَاخْلُطْ بَعْضَهُنَّ بِبَعْضٍ، ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزءاً. ثُمَّ أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِأنْ يَدْعُوَهُنَّ، فَدَعَاهُنَّ، فَأخَذَ يَنْظُرُ إلى الرِّيشِ يَطِيرُ إلى الرِّيشِ، وَالدَّمِ إلى الدَّمِ، وَاللَّحْمِ إلى اللَّحْمِ، وَالأجْزَاءِ مِنْ كُلِّ طَائِرٍ يَتَّصِلُ بَعْضُهَا بِبَعْضً، حَتَّى تَكَامَلَ كُلُّ طَائِرٍ عَلَى حِدَتِهِ، وَأتَيْنَهُ يَمْشِينَ سَعْياً لِيَكُونَ ذَلِكَ أبلغَ فِي الرُّؤْيةِ التِي سَألَها. ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى لإِبْرَاهِيمَ: اعْلَمْ يَا إبراهيمُ أنَّ اللهَ عَزِيزٌ لاَ يَغْلِبُهُ أحَدٌ، وَلا يَمْتَنِعُ عَلَيهِ شَيءٌ، لأَِنَّهُ القَاهِرُ لِكُلِّ شَيءٍ، الحَكِيمُ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ. فَصُرْهُنَّ - اجْمَعْهُنَّ إليَكَ وَقَطِّعْهُنَّ.
الثعلبي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} الآية إن قيل: ما السبب في مسألة إبراهيم ربّه عزّ وجلّ أن يُريه كيف يُحيى الموتى، وما وجه ذلك، وهل كان إبراهيم شاكّاً في إحيائه الموتى حتّى قال: ولكن ليطئمن قلبي؟ فالجواب عنه من وجوه: قال الحسن وقتادة وعطاء الخراساني والضحاك وابن جريج: كان سبب ذلك السؤال أنّ إبراهيم أتى على دابة ميّتة، قال ابن جريج: كانت جيفة حمار بساحل البحر، قال عطاء: بحيرة الطبريّة، قالوا: فرآها وقد توزّعتها [دواب] البر والبحر، وكان إذا مدّ البحر جاءت الحيتان ودواب البحر فأكلت منها فما وقع منها يصير في الماء، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت منها فما وقع منها يصير تراباً، فإذا ذهبت السباع جاءت الطيور فأكلن منها فما سقط قطعته الريح في الهواء، فلما رأى ذلك إبراهيم عليه السلام تعجّب منها وقال: يارب قد علمت لتجمعنها من بطون هذه السباع وحواصل الطيور وأجواف دواب البر فأرني كيف تُحييها لأعاين ذلك فأزداد يقيناً، فعاتبه الله عزّ وجلّ فقال: {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن} بإحياء الموتى {قَالَ بَلَىٰ} يارب علمت وآمنت ولكن ليس الخبر كالمعاينة فذلك قوله: {وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} أي يسكن قلبي إلى المعاينة والمشاهدة. فعلى هذا القول أراد إبراهيم عليه السلام أن يصير له علم اليقين عين اليقين، كما أن الإنسان يعلم الشيء ويتيقنه ولكن يحب أن يراه من غير شك له فيه، كما أن المؤمنين يحبّون رؤية النبيّ صلى الله عليه وسلم ورؤية الجنّة ورؤية الله تعالى مع الإيمان بذلك وزوال الشك فيه. قال ابن زيد: مرّ إبراهيم عليه السلام بحوت ميّت نصفه في البر ونصفه في البحر فما كان في البحر فدواب البحر تأكله وما كان في البر فدواب البر تأكله، فقال له الخبيث إبليس: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فقال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ}، قال: {أَوَلَمْ تُؤْمِن}؟ {قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} بذهاب وسوسة إبليس منه ويصير الشيطان خاسراً صاغراً. وقال بعضهم: إن إبراهيم عليه السلام لما أحتجّ على نمرود وقال: {رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ}. وقال: {أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} وقتل ذلك الرجل وأطلق الآخر. قال إبراهيم: فإنّ الله عزّ وجلّ يحيي بأن يقصد إلى جسد ميّت فيحييه ويجعل الروح فيه. فقال له نمرود: أنت عاينت هذا، فلم يقدر أن يقول نعم رأيته، فانتقل إلى حجّة أُخرى، فقال إنّ الله عزّ وجلّ يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، ثم سأل ربّه فقال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن}؟ {قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} حتّى إذا قال لي قائل: أنت عاينت؟ أقول: نعم قد عاينت ولا أحتاج إلى الإنصراف لأي حجّة أُخرى، وليعلم نمرود إنّ الإحياء كما فعلت لا كما فعل هو. وهذا معنى قول محمد بن إسحاق عن ابن يسارة. روى في الخبر: إنّ نمرود قال لإبراهيم عليه السلام: أنت تزعم إن ربّك يُحيي الموتى وتدعوني إلى عبادته فسل لربّك يُحيي الموتى إنّ كان قادراً وإلاّ قتلتك. فقال إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن}؟ {قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} بقوّة حجّتي ونجاتي من القتل، فإن عدو الله توعدني بالقتل إنّ لم تُحيي له ميّتاً. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي: لما أتخذ الله إبراهيم خليلاً، سأل مَلَك الموت أن يأذن له فيبشّر إبراهيم بذلك، فأذن له فأتى إبراهيم ولم يكن في الدار، فدخل داره وكان إبراهيم عليه السلام أغير الناس، إذا خرج أغلق بابه، فلمّا دخل وجد في داره رجلاً فثار إليه ليأخذه فقال له: مَنْ أذن لك أن تدخل داري؟ فقال مَلَك الموت: أذن لي ربّ هذه الدار، قال إبراهيم: صدقت، وعرف أنّه مَلَك الموت. فقال: مَنْ أنت؟ قال: مَلَك الموت جئت أُبشّرك بأن الله عزّ وجلّ أتخذك خليلاً، فحمد الله تعالى وقال له: ما علامة ذلك؟ قال: أن يجيب الله دعائك ويُحيي الموتى بسؤالك، ثم أنطلق مَلَك الموت. فقال إبراهيم: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن}؟ {قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} بعلمي أنّك تجيبني إذا دعوتك وتعطيني إذا سألتك. واتخذتني خليلاً. محمد بن مسلم عن سعيد بن المسيّب وأبي عبيدة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يرحم الله إبراهيم نحن أحق بالشك منه قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن}؟ {قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}" تفسير : ثم قرأ إلى آخر الآية. محمد بن إسحاق بن خزيمة قال سمعت أبا إبراهيم المزني يقول: معنى قوله عليه السلام "نحن أحق بالشك من إبراهيم" إنّما شك إبراهيم أيجيبه الله عزّ وجلّ إلى ما يسأل أم لا. عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا القاسم النصر أباذي سُئل عن هذه الآية فقال: حنّ الخليل إلى صنع خليله ولم يتهمه، فذلك قوله عزّ وجلّ {أَوَلَمْ تُؤْمِن}. يعني أنت مؤمن شهد له بالإيمان، كقول جرير: شعر : ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح تفسير : يعني أنتم كذلك. {قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ} ليسكن {قَلْبِي} بزيادة اليقين والحجّة، وحقيقة الخلّة وإجابة الدعوة. قال الله تعالى لإبراهيم عليه السلام: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ} مختلفة أجناسها وطباعها ليكون أبلغ في القدرة، وخصّ الطائر من سائر الحيوان لخاصيّة الطيران، واختلفوا في ذلك الطير ماهي. فقال ابن عباس: أخذ طاووساً ونسراً وغراباً وديكاً. مجاهد وعطاء بن يسار وابن جريج وابن زيد: كانت غراباً وديكاً وطاووساً وحمامة. سعيد بن أيوب عن سعيد بن الحرث الغراب عن أبي هريرة السناني: أنّها الطاووس والديك والغراب والحمامة. قال عطاء الخراساني: أوحى الله عزّ وجلّ لنبيّه أن أحضر أربعة من الطير: بطّة خضراء وغراباً أسود وحمامة بيضاء وديكاً أحمر. {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} قرأ عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه وأبو الأسود الدؤلي وأبو رجاء العطاردي وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن البصري وعكرمة والأعرج وشيبة ونافع وابن كثير وابن عامر وعاصم والكسائي وأبو عمرو ويعقوب وأيوب: بضم الصاد، وأختاره أبو عبيد وأبو حاتم: إضممهنّ ووجّههنّ إليك. يقال: صرت الشيء أصوره إذا أملته. قال أمرؤ القيس: شعر : وأفرع ميّال يكاد يصورها وعجز كدعص أثقلته البوايص. تفسير : وقال الطرمّاح: شعر : عفايف الأذيال أو أن يصورها هوى والهوى للعاشقين صروع تفسير : أي يميلها هوى. ويقال: رجل أصور إذا كان مائل العنق. ويقال: إنّي إليكم لأصور، أي مشتاق مائل، وامرأة صوراء، والجمع صور، مثل عوداء وعُود. قال الشاعر: شعر : الله يعلم أنا في تلفتنا يوم الفراق إلى جيراننا صور تفسير : وقال عطاء وعطيّة وابن زيد والمؤرخ: معناه: أجمعهن وأضممهن، يقال: صار يصور صوراً إذا جمع، ومنه قيل: (إني إليكم لأصور). قال الشاعر: شعر : وجاءت خلعة دُهس صفايا يصوّر عنوقها أحوى زنيم تفسير : أي بضم خلعة والخلعة خيار المال، ودهس على لون الدهاس وهو الرمل. صفايا غزار معجبة. قال أبو عبيدة وابن الأنباري: معناه: قطّعهن وأصغر القطع. قال به ابن الحمير: شعر : فلما جذبت الحبل أطّت نسوعه بأطراف عيدان شديد أسورها فأدنت لي الأسباب حتّى بلغتها بنهض وقد كاد أرتقائي يصورها تفسير : قال رؤبة: شعر : صرنا به الحكم واعياً الحكمــا أي قطعنـــا الحكـــم بـــــه تفسير : وقرأ علقمة وعبيد بن عمير وسعيد بن جبير وطلحة وقتادة وأبو جعفر ويحيى بن رئاب والأعمش وحمزة وخلف: {فَصُرْهُنَّ} بكسر الصاد، ومعناه: قطّعهن وفرّقهن. يقال: صار يصير صيراً، إذا قطع، وأنصار الشيء بنصار أنصاراً إذا انقطع. قالت الخنساء: شعر : فلو تلاقي الذي لاقته مضر لظلت الشم منها وهي تنصار تفسير : أي مقطّع مصدّع وتمهيد. وأنشد أبو سهيل محمد بن محمد الأشعث الطالقاني في العزائم: شعر : وغلام رأيته صار كلبا [...........] ساعتين صار غزالاً تفسير : وقال الفرّاء: هو مقلوب من صرت أصري صريا إذا قطعت فقدمت هاوياً كما يقال: عوث وعاث يعني قطعهم ثم قلب فقيل صار. قال الشاعر: شعر : يقولون إن الشام يقتل أهله فمن لي إذ لم آته بخلود تغرب آبائي فهلا صراهم من الموت إن لم يذهبوا وجدودي تفسير : وقال بعضهم: معناه أملهنّ، وهي لغة هذيل وسليم. وأنشد الكسائي: شعر : وفرع يصير الجيد وحف كأنّه على الليت قنوان الكروم الدوالح تفسير : أي الجيد يميله من كثرته. وعن ابن عباس فيه روايتان: {فَصُرْهُنَّ} مفتوحة الصاد مشددة الراء مكسورة من التصرية وهي الجمع ومنه المصرّاة. والثاني: {فَصُرْهُنَّ} بضم الصاد وفتح الراء وتشديدها من الصرّة وهي في معنى الجمع والشدّ أيضاً. فمن تأوّله على القطع والتفريق، ففي الكلام تقديم وتأخير تقديره: فخذ أربعة من الطير إليك فصرهن. ومَنْ فسّره على الضم ففيه إضمار معناه: فصرهن إليك، ثم قطعهنَّ فحذفه فأكتفى بقوله تعالى: {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا} لأنّه يدلّ عليه، وهذا كما يقال: خذ هذا الثوب واجعل على كلّ رمح عندك منه علماً، يريد قطعّهُ واجعل على كلّ رمح علماً. {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ}، لفظه عام ومعناه خاص؛ لأنّ أربعة من الطير لا يبلغ الجبال كلّها، ولا كان إبراهيم عليه السلام يصل إلى ذلك فهذا كقوله عزّ وجلّ: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [النمل: 23] كقوله {أية : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} تفسير : [الأحقاف: 25]. {جُزْءًا} قرأ عاصم رواية أبي بكر والمفضّل {جُزْءًا} مثقلاً مهموزاً حيث وقع. وقرأ أبو جعفر {جُزْءًا} مشدّدة الزاء، وقرأ الباقون مهموزاً مخففّاً، وهي لغات معناها: النصيب والبعض. قال المفسّرون: أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام أن يذبح تلك الطيور بريشها ويقطّعها ويفرّق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها بعضها ببعض. ففعل ذلك إبراهيم ثم أمره أن يجعل أجزاءها على الجبال. واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال، قال ابن عباس وقتادة والربيع وابن أبي إسحاق: أُمر بأن يجعل كلّ طائر أربعة أجزاء ثم يعمد إلى أربعة أجبل فيجعل على كلّ جبل ربعاً من كلّ طائر ثم يدعوهن: تعالين بإذن الله. هذا مثل ضربه الله عزّ وجلّ لإبراهيم وأراه إياه، يقول: كما بعثت هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة فكذلك أبعث الناس يوم القيامة من أرباع الأرض ونواحيها. وقال ابن جريج والسدي: جزّأها سبعة أجزاء فوضعها على سبعة أجبل ففعل ذلك وأمسك رؤسهن عنده، ثم دعاهن: تعالين بأمر الله سبحانه، فجعل كل قطرة من دم طير تطير إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة الأُخرى، وكلّ عظم يصير إلى الآخر، وكلّ بضعة تذهب إلى الأُخرى، وإبراهيم ينظر حتى لقيت كلّ جثة بعضها بعضاً في السماء بغير رأس، ثم أقبلن إليّ فكلّما جاء طائر مال برأسه فإنّ كان رأسه دنا منه وإن لم يكن رأسه تأخّر حتّى يلقي كلّ طائر برأسه. فذلك قوله: {ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً} هو مصدر، أي يسعين سعياً، وقيل: نصب بنزع حرف الصفة، أي بالسعي، واختلفوا في معنى السعي، فقال بعضهم: هو الإسراع والعدو، وقال بعضهم: مشياً على أرجلهن كقوله سبحانه في سورة القصص: {أية : وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ} تفسير : [20] نظيره في سورة الجمعة: {أية : فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [9] أي فامضوا. والحكمة في المشي دون الطيران كونه أبلغ في الحجّة وأبعد من الشبهة؛ لأنّها لو طارت لتوهم متوهم أنّها غير تلك الطير أو أن أرجلها غير سليمة والله أعلم. وقال بعضهم: هو بمعنى الطيران، وقال النضر بن شميل: سألت الخليل بن أحمد عن قوله {يَأْتِينَكَ سَعْياً} هل يقال لطائر إذا طار سعي؟ قال: لا. قلت: فما معنى قوله: {يَأْتِينَكَ سَعْياً}؟ قال: معناه: يأتينّك وأنت تسعى سعياً. قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا الحسن الأقطع وكان حكيماً يقول: صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "حديث : لكلّ آية ظهر وبطن ولكل حرف حدّ ومطلع ". تفسير : وظاهر الآية ما ذكره أهل التفسير، وبطنها: إن إبراهيم عليه السلام أُمر بذبح أربعة أشياء في نفسه بسكين [الأياس] كما ذبح في الظاهر الأربعة الأطيار بسكين الحديد، فالنسر مثل لطول العمر [والأجل]، والطاووس زينة الدنيا وبهجتها، والغراب الحرص، والديك الشهوة. قال الله تعالى: {وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن إبراهيم عليه السلام يسأل: كيف تُحيي الموتى؟ أي أنه يطلب الحال التي تقع عليها عملية الإحياء. فإبراهيم عليه السلام لا يتكلم في الإحياء، وإنما كان شكه - عليه السلام - في أن الله سبحانه قد لا يستجيب لطلبه في أن يريه ويطلعه على كيفية إحياء الموتى؟ ولنضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى من قبل ومن بعد - والمثل لتقريب المسألة من العقول؛ لأن الله مُنزه عن أي تشبيه. إن الواحد منا يقول للمهندس: كيف بنيت هذا البيت؟ إن صاحب السؤال يشير إلى حدث وإلى مُحْدَث وهو البيت الذي تم بناؤه. فهل معرفة الكيفية تدخل في عقيدة الإيمان؟ لا. ولنعلم أولاً ما معنى: عقيدة؟. إن العقيدة هي: أمر معقود، وإذا كان هذا فكيف يقول: {لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260]؟ فهل هذا دليل على أن إبراهيم قبل السؤال، وقبل أن يجاب إليه، لم يكن قلبه مطمئناً؟ لا، لقد كان إبراهيم مؤمناً، ولكنه يريد أن يزداد اطمئناناً، لأنه أدار بفكره الكيفية التي تكون عليها عملية الإحياء، لكنه لا يعرف على أية صورة تكون. إذن فالاطمئنان جاء لمراد في كيفية مخصوصة تخرجه من متاهات كيفيات متصورة ومتخيلة، وما دمت تريد الكيفية، وهذه الكيفية لا يمكن أن نشرحها لك بكلام. بل لابد أن تكون تجربة عملية واقعية، {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} [البقرة: 260]. و"صرهن" أي أملهن واضممهن إليك لتتأكد من ذوات الطير، ومن شكل كل طير، حتى لا تتوهم أنه قد جاء لك طير آخر. وقال المفسرون: إن الأربعة من الطير هي: الغراب، الطاووس، الديك، الحمامة، وهكذا كان كل طائر له شكلية مختلفة. {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً} [البقرة: 260]، فهل أجرى سيدنا إبراهيم هذه العملية أو اكتفى بأن شرح الله له الكيفية؟ إن القرآن لم يتعرض لهذه الحكاية، فإما أن يكون الله قد قال له الكيفية، فإن أراد أن يتأكد منها فليفعل، وإمّا أنه قد تيقن دون أن يجري تلك العملية. إن القرآن لم يقل لنا هل أجرى سيدنا إبراهيم هذه العملية أم لا؟ والحق يقول مخاطباً إبراهيم بخطوات التجربة: {ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً} [البقرة: 260] وكان المفروض أن يقول: يأتينك طيراناً. فكيف تسعى الطيور؟ إن الطير يطير في السماء وفي الجو. لكن الحق أراد بذلك ألا يدع أي مجال لاختلاط الأمر فقال: "سعياً" أي أن الطير سيأتي أمامه سائراً، لقد نقل الحق الأمر من الطيران إلى السعي كي يتأكد منها سيدنا إبراهيم، إذن فلكي تتأكد يا إبراهيم ويزداد اطمئنانك جئنا بها من طيور مختلفة وأنت الذي قطعتها، وأنت الذي جعلت على كل جبل جزءا، ثم أنت الذي دعوت الطير فجاءتك سعياً. وهنا ملحظية في طلاقة القدرة، وفي الفرق بين القدرة الواجبة لواجب الوجود، وهو الحق سبحانه وتعالى، والقدرة الممنوحة من واجب الوجود وهو الله - سبحانه - لمنكر واجب الوجود وهو الإنسان، هذا له قدرة، وذاك له قدرة؛ إن قدرة الله هي قدرة واجبة، وقدرة الإنسان هي قدرة ممكنة، وقدرة الله لا ينزعها منه أحد، وقدرة الإنسان ينزعها الله منه؛ فالإنسان من البشر، والبشر تتفاوت قدراتهم؛ فحين تكون لأحدهم قدرة فهناك آخر لا قدرة له، أي عاجز. ويستطيع القادر من البشر أن يعدي أثر قدرته إلى العاجز؛ فقد يحمل القادر كرسياً ليجلس عليه من لا يقدر على حمله. لكن قدرة الحق تختلف. كأن الحق سبحانه وتعالى يقول: أنا أعدي من قدرتي إلى من لا يقدر فيقدر، أنا أقول للضعيف: كن قادراً، فيكون. وهذا ما نفهمه من قوله سبحانه لإبراهيم: {ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً} [البقرة: 260]. إن إبراهيم كواحد من البشر عاجز عن كيفية الإحياء، ولكن الحق يعطيه القدرة على أن ينادي الطير، فيأتي الطير سعياً. إن الحق يعطي القدرة لإبراهيم أن يدعو الطير فيأتي الطير سعياً. وهذا هو الفرق بين القدرة الواجبة، وبين القدرة الممكنة. إن قدرة الممكن لا يعديها أحدٌ لخالٍ منها، ولكن قدرة واجب الوجود تُعديها إلى من لا يقدر فيقدر، ولذلك يأتي القول الحكيم بخصائص عيسى ابن مريم عليه السلام: {أية : وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [آل عمران: 49]. إن خصائص عيسى ابن مريم لا تكون إلا بإذن من الله، فقدرة عيسى عليه السلام أن يصنع من الطين ما هو على هيئة الطير، وإذا نفخ فيه بإذن الله لأصبح طيراً، وكذلك إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، إن ذلك كله بإذن ممن؟ بإذن من الله. وكذلك كان الأمر في تجربة سيدنا إبراهيم، لذلك قال له الحق: {وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260]. إن الله عزيز أي لا يغلبه أحد. وهو حكيم أي يضع كل شيء في موقعه. وكذلك يبسط الحق قصة الحياة وقصة الموت في تجربة مادية؛ ليطمئن قلب سيدنا إبراهيم، وقد جاءت قصة الحياة والموت؛ لأن الشك عند الذين عاصروا الدعوة المحمدية كان في مسألة البعث من الموت، وكل كلامهم يؤدي إلى ذلك، فهم تعجبوا من حدوث هذا الأمر: {أية : قَالُوۤاْ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}تفسير : [المؤمنون: 82]. وفي قول آخر: {أية : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}تفسير : [يس: 78-79]. لقد أمر الحق سبحانه محمداً صلى الله عليه وسلم ليجيب على ذلك: قل يا محمد: يحييها الذي أنشأها أول مرة؛ فقد خلقها من عدم ولذلك يقول الحق سبحانه:{أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [الروم: 27]. إن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يبدأ الخلق على غير مثال، ثم يعيده بعد الموت، وإعادته أهون عليه من ابتدائه بالنظر إلى مقاييس اعتقاد من يظن أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه؛ فالله له مطلق القدرة في خلقه، وهو الغالب في ملكه، وهو الحكيم في فعله وتقديره. إن الذي يعيد إنما يعيد من موجود، أما الذي بدأ فمن معدوم. فالأهون هو الإعادة، أما الابتداء فهو ابتداء من معدوم، وكلاهما من قدرة الحق سبحانه وتعالى. إن هذه القضية إنما تثبت اليوم الآخر، لأن الإيمان باليوم الآخر هو الميزان العقدي فإن استقر في القلب فالإنسان بكل جوارحه يتجه إلى الأفعال التي تسير على ضوء منهج الله لينال الإنسان الجزاء الأوفى. إن الإنسان حينما يفهم أن هناك حساباً وهناك جزاءً، وهناك بعثاً، فهو يعرف أنه لم ينطلق في هذا العالم، ولم يفلت من الإله الواحد القهار، إنّ للإنسان عودة، فالذي يغتر بما آتاه الله نقول له: لا إنك لن تفلت من يد الله، بل لك عودة بالموت وعودة بالبعث. وإذا ما استقرت في أذهان المسلمين تلك العودة، فكل إنسان يقيم حسابه على هذه العودة. وبعد أن استقر الأمر في شأن الحياة والموت أراد الحق سبحانه وتعالى أن يجيء بشيء هو ثمرة الحياة في الكائن الحي وأول مظهر من مظاهر الحياة هو الحس والحركة. والحركة في الوجود أرادها الله للإنسان؛ لأنه وهو الحق قد أراد الإنسان للخلافة في الأرض. والخلافة في الأرض تقتضي أن يعمر الإنسان الأرض، كما قال الله سبحانه وتعالى: {أية : ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ..}تفسير : [هود: 61]. إن خلافة الإنسان في الأرض تقتضي أن يتحرك ويعمر الأرض. وحين يريد الله منا أن نتحرك ونعمر الأرض فلا بد من أعمال تنظم هذه الحركة، ولا بد من فنون متعددة تقوم على العمارة. ويوزع الله الطاقات الفاعلة لهذه الفنون المتعددة ويجعلها مواهب مفكرة ومخططة في البشر. إن الحق سبحانه لم يجعل من إنسان واحد مجمع مواهب، بل نثر الله المواهب على الخلق، وكل واحد أخذ موهبة ما. لماذا؟ لأن الله قد أراد أن يتكامل العالم ولا يتكرر؛ فالتكامل يوحي بالاندماج فإذا كنت أنت تعرف شيئاً خاضعاً لموهبتك، وأنا لا أعرفه فأنا مضطر أن ألتحم بك، وأنا أيضاً قد أعرف شيئاً وأنت لا تعرفه، لذلك تضطر أنت أن تلتحم بي. وهذا اللون من الالتحام ليس التحام تفضل، إنما هو التحام تعايش ضروري. لكن لو أن كل واحد صار مجمع مواهب، لاستغنى عن غيره من البشر وأقام وحده بمفرده، وينتهي احتياجه للمجتمع الإنساني. فكأن الله حين وزع أسباب الفضل على الخلق يريد منهم أن يتكاملوا ويلتحم بعضهم ببعض لا التحام فضل، ولكن التحام تعايش ضروري؛ لأن واحداً يريد ما ينتجه الآخر بموهبته، والآخر يريد من إنسان غيره ما هو موهوب فيه. ولذلك فالناس بخير ما تباينوا؛ لأن كلاً منهم يحتاج إلى الآخر. ولذلك لا نجد أي تقدم في مجتمع إلا إذا كانت المواهب في هذا المجتمع مختلفة ومتآزرة. أما حين يوجد قوم لهم مواهب متحدة فلابد أن يقاتل بعضهم بعضاً، لكن عندما يكون كل واحد في حاجة لموهبة الآخر، فهم يتعايشون؛ لأن الحياة لا تسير إلا بالكل، ولذلك إذا استوت جماعة في المواهب فلا بد أن يتفانوا لأنهم يتنافسون فيها ويريد كل واحد منهم أن يستأثر بها لنفسه، لكن لا أحد في المواهب المتكاملة يقول: لماذا يكون فلان أفضل مني، لأنه يعرف أنه من الضروري أن يوجد المهندس والطبيب والصانع، ولذلك تجد الوجود منظماً بذاته التنظيم الطبيعي الذي يُوجد قاعدة ويُوجد قمة، فالقمة الصغيرة تحملها القاعدة الكبيرة. ولو عكست الهرم لصارت مشكلة؛ لأن الأمر في هذه الحالة سَيَجِدُّ به جوانب كثيرة ليس لها أساس ولا ترتكز على شيء، ولذلك فمن الحكمة إذا رأيت في المجتمع واحداً قد ذهب إلى القمة فأعنه على أن يستمر متفوقاً، ولا تصطرع معه فتسقطوا جميعا، فلابد من التفاضل كي ينشأ التكامل. والحق سبحانه وتعالى يعرض لنا هذه القضية عرضاً اجتماعياً وعرضاً اقتصادياً؛ ليبين لنا أن أصل الوجود يجب أن ينشأ على أمر اجتماعي وأمر اقتصادي، لماذا؟ لأن الإنسان مشغول أولاً باستبقاء حياته، ثم باستبقاء نوعه. واستبقاء حياة الإنسان بالقوت، واستبقاء نوعه بالزواج. واستبقاء الحياة بالقوت يحتاج إلى حركة في الحياة، والحق يحترم ثمرتها، وعندما يريد الحق أن يرقق قلب المتحرك على أخيه العاجز فهو يقول: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ..}تفسير : [البقرة: 245]. كما ضربنا المثل من قبل - ولله المثل الأعلى - وقلنا: إن الإنسان يعطي أولاده مصروفاً، وكل واحد منهم يضعه في حصالته، فهب أن واحداً من الأولاد اضطر إلى شيء عاجل كإجراء جراحة، هنا يذهب الرجل إلى أولاده ويقول لهم: أقرضوني ما في حصالاتكم لأن أخاكم يحتاج إلى عملية، وسأرده لكم بعد ذلك مضاعفاً. إن الأب لم يرجع في هبته ليقول إن ما في الحصالات هو مالي وسآخذه. لا، هو مالكم، لكنه سيكون ديناً عندي. كذلك يصنع الله مع الخلق فيوضح: بعضكم عاجز وبعضكم قادر، وسأتكفل أنا بالعاجز، وأقترض من القادر. وكان ضرورياً أن يكون بعضنا عاجزاً، حتى لا يظن أحد أن القوة ذاتية في النفس البشرية. لا، إن القوة موهوبة؛ ويستطيع من وهبها أن يسلبها. وحتى يعرف صاحب القوة أن القوة ليست ذاتية فيه، يجد بجانبه إنساناً آخر عاجزاً. لكن هذا العاجز الذي سيلفت القوي إلى أن القوة ليست ذاتية، ما ذنبه؟ إنّ الله قد جعله وسيلة إيضاح في الكون وكأن الحق يقول: سنضمن لك أيها العاجز المستوى اللائق من الحياة من أثر قدرة القادر، وما دام من أثر قدرة القادر، فهل سيتحرك القادر في الكون على قدر "حاجته" أو على قدر "طاقته"؟ لابد أن يتحرك على قدر طاقته؛ لأنه لو تحرك على قدر حاجته فلن يجد ما يعطيه للعاجز. ويتكلم الحق سبحانه وتعالى عن تلك القضية المهمة في البناء الاجتماعي والبناء الاقتصادي بعد إثبات قضية البعث والإحياء والإماتة لكي تكون ماثلة أمامنا وينتقل بنا الحق سبحانه وتعالى كي يعطينا الكيان الإسلامي الاقتصادي والاجتماعي فيقول جل شأنه: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} [الآية: 360]. قال: يقول: انتفهن بريشهن ولحومهن ومزقهن تمزيقاً. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {بِرَبْوَةٍ} [الآية: 265]. الربوة: المكان الظاهر المستوي. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ} [الآية: 269]. قال: القرآن يؤْتي إِصابته من يشاءُ. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد / 8ظ /: {أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [الآية: 267]. قال: من التجارة.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} قال زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: ليطمئن قَلبي بالعَيانِ، مع طمأنينتي بِغَيبةٍ. ويقالُ فليَخلد. والطَّيرُ أَربعةٌ: الدِّيكُ، والطَّاووسُ، والغُرابُ، والحمَامُ وقالَ فِي قَولِهِ لِّيَطمَئِنَ قَلْبي معناهُ إِنَّكَ تُجيبُني إِذَا دَعَوتُكَ وتُعطينِي إِذَا سَأَلتُكَ. فصُرْهُنَّ إِليكَ أَي ضُمُّهُنَّ إِليكَ. وصُرهُنَّ: أَي قَطّعهُنَّ وشَقِّقْهُنَّ. وهي بالنَبطيةِ صريه.
الأندلسي
تفسير : {رَبِّ أَرِنِي} استعطاف بين يدي السؤال. وأرني سؤال رغبة. {كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} جملة في موضع المفعول الثاني لأرني إذ هي تتعدى الى اثنين بهمزة النقل. ورأى البصرية تعلق. ومن كلامهم أما ترى أي برق ضاء كما تعلق نظر البصرية. ولما قال لنمرود ربي الذي يحيي ويميت سأل ربه أن يريه عياناً كيف إحياء الموتى. والسؤال عن الكيفية يقتضي تحقق وتيقن ما سأل عنه وهو الاحياء. {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن} استفهام معناه التقرير أي قد آمنت. (قال) ابن عطية: إيماناً مطلقاً دخل فيه فصل إحياء الموتى. فالواو واو الحال دخلت عليها ألف التقرير. "انتهى". وكون الواو هنا للحال غير واضح لأنها إذا كانت للحال فلا بد أن يكون في موضع نصب وإذ ذاك لا بد لها من عامل فلا تكون الهمزة التي للتقرير دخلت على هذه الجملة الحالية إنما دخلت على الجملة التي اشتملت على العامل فيها، وعلى ذي الحال ويصير التقدير أسألت ولم تؤمن أي أسألت في هذه الحال. والذي يظهر أن التقدير إنما هو منسحب على الجملة المنفية وان الواو للعطف كما قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً} تفسير : [العنكبوت: 67] ونحوه. واعتنى بهمزة الاستفهام فقدمت وقد تقدم لنا الكلام في هذا ولذلك كان الجواب ببلى في قوله: قال بلى. وقد تقرر في علم النحو ان جواب التقرير المثبت وان كان بصورة النفي تجريه العرب مجرى جواب النفي المحض فتجيبه على صورة النفي ولا يلتفت الى معنى الاثبات. وهذا مما قررناه ان في كلام العرب ما يلحظ فيه اللفظ دون المعنى ولذلك علة ذكرت في علم النحو. وعلى ما قاله ابن عطية: من أن الواو للحال لا يتأتى أن يجاب العامل في الحال، بقوله: بلى، لأن ذلك الفعل مثبت مستفهم عنه والجواب إنما يكون في التصديق بنعم وفي غير التصديق بلا، اما أن يجاب ببلى فلا يجوز وهذا على ما تقرر في علم النحو. قال الزمخشري: فإِن قلت: كيف قال له أولم تؤمن وقد علم أنه أثبت الناس إيماناً. قلت: ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين وبلى إيجاب لما بعد النفي معناه بلى آمنت {ولكن ليطمئن قلبي} أي ليزيد سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضرورة إلى علم الاستدلال وتظاهر الأدلة اسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين، ولأن علم الاستدلال يجوز معه التشكيك بخلاف العلم الضروري، فأراد بطمأنينة القلب: العلم الذي لا مجال فيه للتشكيك. انتهى كلامه. وليس علم الاستدلال يجوز معه التشكيك كما قال بل منه ما يجوز معه التشكيك أما إذا كان من مقدمات صحيحة فلا يجوز معه التشكيك كعلمنا بحدوث العالم وبوحدانية الموجد فمثل هذا لا يجوز معه التشكيك. {قَالَ بَلَىٰ} تقرر في النحو أن التقرير يجاب بما يجاب به النفي المحض وهذا مما يلحظ فيه اللفظ دون المعنى. {وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} أي ليزيد سكوناً بانضمام علم الضرورة إلى علم الاستدلال. {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ} لم يعين من أي جنس هي واضطربوا في التعين. قال ابن عباس: أخذ طاووساً ونسْراً وديكاً وغراباً وأمره بأخذها بيده وفعله ما فعل بها أثبت في المعرفة بكيفية الاحياء إذ فيه اجتماع حاسة الرؤية وحاسّة اللمس. والطير: اسم جمع وفصّله بمن أفصح وان كان قد جاءت الاضافة فيه كقوله: {أية : تِسْعَةُ رَهْطٍ} تفسير : [النمل: 48]. ويقال: صار يصور وصار يصير بمعنى قطع وأمال. {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} قال ابن عباس: قطعّهنّ. وقال غيره: اضممهن. وقال ابن عباس أيضاً: أوثقهن. وقرىء بضم الصاد وكسرها. وقرىء مَضُرُّهُنَّ من صرّ الشيءَ يصره جمعه، فإِن كان بمعنى التقطيع فلا حذف أو بمعنى الامالة فالحذف أي قطعهنّ أجزاء. {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ} أي مماليك يشاهد بصرك فيه الأجزاء إذ دعوت الطير واجعل: صير، أو ألق. وقرىء جزأ وجزا أو جزّوا. {ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ} وهن موات أجزاء متفرقة. {يَأْتِينَكَ سَعْياً} أي وهن يسعين تشاهد ذلك وترتب مجيئهن عن دعائه وكان مجيئهن سعياً لأنه أبلغ من المعهود لهن وهو الطيران إذ الطيران عادتهن والسعي المجيء باجتهاد روي في قصص هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام ذكى هذه الطيور وقطعها قطعاً صغاراً وجمع ذلك مع الدم والريش وجعل من ذلك على كل جبل جزءاً ووقف من حيث يرى الأجزاء وأمسك رؤوس الطير في يده، ثم قال: تعالين بإِذن الله فتطايرت تلك الأجزاء والتأم الدم إلى الدم والريش إلى الريش وبقيت بلا رؤوس، ثم كرر النداء فجاءته سعياً حتى وضعت أجسادها في رؤوسها وطارت بإِذن الله. واجمع أهل التفسير ولا عبرة بخلاف أبي مسلم على إن إبراهيم عليه السلام قطع أعضاءها ولحومها وريشها وخلط بعضها ببعض مع دمائها.
الجيلاني
تفسير : {وَ} اذكر يا أكمل الرسل وقت {إِذْ قَالَ} أبوك {إِبْرَاهِيمُ} صلوات الرحمن عليه حين أراد أن يندرج ويرتقي من العلم إلى العين {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} قال له ربه تنشيطاً له على الترقي: {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن} تذعن وتوقن بأني قادر على الإعادة كما أني قادر على الإيجاد الإبداعي {قَالَ بَلَىٰ} آمنت يا ربي بأنك على كل شيء قدير {وَلَـكِن} سألتك المعاينة { لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} بها ويزيد بصيرتي بسببها، ويزداد حيرتي منها {قَالَ} سبحانه: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ} طاووس مزخرفات الدنيا الدنية، وديك شهواتها وغراب الآمال الطويلة فيها، وحمام الأهواء الباطلة المتعلقة بها، وبعدما أخذتهها {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} أي: أمسكهن، اضممهن إلى نفسك بحيث تجد جميع أجزائك في نفسك على التفصيل بلا فوت جزء، ثم جزئهن أجزاء هوائية هبائية. {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ} من الجبال المشهورة لك في نفسك {مِّنْهُنَّ جُزْءًا} إلى حيث تخليت فناءها بالمرة، واطمأننت عن شرورها بالكلية {ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ} فارضاً وجودهن، مستحيلاً إيجادهن {يَأْتِينَكَ} بأجمعهن {سَعْياً} ساعيات مسرعات بلا فوات جزء ونفقصان شيء {وَ} بعدما تحققت بها واستكشفت عنها {ٱعْلَمْ} يقيناً بل عياناً {أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالب قادر لكل ما أراد {حَكِيمٌ} [البقرة: 260] ذو حكمة بالغة في كل ما يفعل ويريد. وإنكار الحشر والنشر إنما نشأ من العقل الجزئي، المشوب بالوهم والخيال القاصر عن إدراك رقائق الارتباطات الواقعة بين الحق وأجزاء العالم المستمدة منه، وإنما متجددة مبتدئة معادة، وإلا فمن خلص عقله المودع فيه عن مزاحمة الأوهام والخيالات، واتصل بالعقل الكل المدرك بالحضور جميع ما كان ويكون من المكونات، وتأمل في عجائب المصنوعات وغرائب المبدعات، والمخترعات الواقعة في الآيات التي هو فيها، انكشف له للا سترة وحجاب أمر الحشر والنشر وجحميع الأمور المتعلقة بالنشأة الأولى والأخرى، لا ينكر شيئاً منها، بل يؤمن ويوقن بجميعها. ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً. {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} المنسوبة إليهم بنسبة شرعية {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} طلباً لمرضاته {كَمَثَلِ} باذر {حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ} حسب قدرته الكاملة تلك المضاعفة بأضعافٍ غير متناهية {لِمَن يَشَآءُ} من خلص عباده بحسب إخلاصهم في نياتهم وإخراجهم نفوسهم عن البين، وتفويضهم الأمور كلها إلى الله أصالة {وَٱللَّهُ} المتجلي في الآفاق والأنفس {وَاسِعٌ} لا ضيق في فضله وإحسانه {عَلِيمٌ} [البقرة: 261] بحال من توجه نحوه وأنفق لرضاه مخلصاً، لا يعزب عن علمه شيء.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا فيه أيضا أعظم دلالة حسية على قدرة الله وإحيائه الموتى للبعث والجزاء، فأخبر تعالى عن خليله إبراهيم أنه سأله أن يريه ببصره كيف يحيي الموتى، لأنه قد تيقن ذلك بخبر الله تعالى، ولكنه أحب أن يشاهده عيانا ليحصل له مرتبة عين اليقين، فلهذا قال الله له: { أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } وذلك أنه بتوارد الأدلة اليقينية مما يزداد به الإيمان ويكمل به الإيقان ويسعى في نيله أولو العرفان، فقال له ربه { فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك } أي: ضمهن ليكون ذلك بمرأى منك ومشاهدة وعلى يديك. { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } أي: مزقهن، اخلط أجزاءهن بعضها ببعض، واجعل على كل جبل، أي: من الجبال التي في القرب منه، جزء من تلك الأجزاء { ثم ادعهن يأتينك سعيا } أي: تحصل لهن حياة كاملة، ويأتينك في هذه القوة وسرعة الطيران، ففعل إبراهيم عليه السلام ذلك وحصل له ما أراد وهذا من ملكوت السماوات والأرض الذي أراه الله إياه في قوله {أية : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } تفسير : ثم قال: { واعلم أن الله عزيز حكيم } أي: ذو قوة عظيمة سخر بها المخلوقات، فلم يستعص عليه شيء منها، بل هي منقادة لعزته خاضعة لجلاله، ومع ذلك فأفعاله تعالى تابعة لحكمته، لا يفعل شيئا عبثا، ثم قال تعالى: { مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 130 : 109 - قال سفين في قوله جل وعز {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} قال، قطعهن بالنبطة. {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا} قطعهن جزؤا. [الآية 260].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} [260] 70- أنا عمرو بن منصور، نا عبد الله بن محمد، نا جُوَيرية، عن مالك بن أنس، عن الزُّهري أن سعيد بن المسيب، وأبا عبيد، أخبراه عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رحم الله إبراهيم، نحن أحقُّ بالشَّك منه قال {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} فذكر الآية، ويرحم الله لوطا، كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثتُ في السجن ما لبث يوسُف، ثم جاءني الدَّاعي لأجبته ".
همام الصنعاني
تفسير : 332- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}: [الآية: 260]، قال: قال: ابن عباس: ما في القرآنِ أية أرْجى في نفسي مِنْها. 333- قال عبد الرزاق، وقال معمر، وقال قتادة: لأَِزْدَادَ يقيناً. 334- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال الكلبي ليطئن قلبي، أنْ قدِ أستَجبْتَ لي. 335- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ}: [الآية: 260] قال: فمزِّقْهُنَّ، قال: أُمِرَ أن يَخْلِطَ الدِّماء بالدماءِ، والرِيش بالريش ثم يجعل على كل جَبلٍ منهنَّ جزءاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):