Verse. 268 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

مَثَلُ الَّذِيْنَ يُنْفِقُوْنَ اَمْوَالَھُمْ فِيْ سَبِيْلِ اللہِ كَمَثَلِ حَبَّۃٍ اَنْۢبَتَتْ سَـبْعَ سَـنَابِلَ فِيْ كُلِّ سُنْۢبُلَۃٍ مِّائَۃُ حَبَّۃٍ۝۰ۭ وَاللہُ يُضٰعِفُ لِمَنْ يَّشَاۗءُ۝۰ۭ وَاللہُ وَاسِعٌ عَلِيْمٌ۝۲۶۱
Mathalu allatheena yunfiqoona amwalahum fee sabeeli Allahi kamathali habbatin anbatat sabAAa sanabila fee kulli sunbulatin miatu habbatin waAllahu yudaAAifu liman yashao waAllahu wasiAAun AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«مثل» صفة نفقات «الذين ينفقون أموالهم في سبيل لله» أي طاعته «كمَثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة» فكذلك نفقاتهم تضاعفت لسبعمائة ضعف «والله يضاعف» أكثر من ذلك «لمن يشاء والله واسع» فضله «عليم» بمن يستحق المضاعفة.

261

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أنه سبحانه لما ذكر من بيان أصول العلم بالمبدأ وبالمعاد ومن دلائل صحتهما ما أراد، أتبع ذلك ببيان الشرائع والأحكام والتكاليف. فالحكم الأول: في بيان التكاليف المعتبرة في إنفاق الأموال، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجوه الأول: قال القاضي رحمه الله: إنه تعالى لما أجمل في قوله {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } فصل بعد ذلك في هذه الآية تلك الأضعاف، وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته بالإحياء والإماتة من حيث لولا ذلك لم يحسن التكليف بالإنفاق، لأنه لولا وجود الإلٰه المثيب المعاقب، لكان الإنفاق في سائر الطاعات عبثاً، فكأنه تعالى قال لمن رغبه في الإنفاق قد عرفت أني خلقتك وأكملت نعمتي عليك بالإحياء والأقدار وقد علمت قدرتي على المجازاة والإثابة، فليكن علمك بهذه الأحوال داعياً إلى إنفاق المال، فإنه يجازي القليل بالكثير، ثم ضرب لذلك الكثير مثلاً، وهو أن من بذر حبة أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، فصارت الواحدة سبعمائة. الوجه الثاني: في بيان النظم ما ذكره الأصم، وهو أنه تعالى ضرب هذا المثل بعد أن احتج على الكل بما يوجب تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ليرغبوا في المجاهدة بالنفس والمال في نصرته وإعلاء شريعته. والوجه الثالث: لما بين تعالى أنه ولي المؤمنين، وأن الكفار أولياؤهم الطاغوت بين مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت. المسألة الثانية: في الآية إضمار، والتقدير: مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة وقيل: مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع حبة. المسألة الثالثة: معنى {يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } يعني في دينه، قيل: أراد النفقة في الجهاد خاصة، وقيل: جميع أبواب البر، ويدخل فيه الواجب والنفل من الإنفاق في الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن الإنفاق في الجهاد على نفسه وعلى الغير، ومن صرف المال إلى الصدقات، ومن إنفاقها في المصالح، لأن كل ذلك معدود في السبيل الذي هو دين الله وطريقته لأن كل ذلك إنفاق في سبيل الله. فإن قيل: فهل رأيت سنبلة فيها مائة حبة حتى يضرب المثل بها؟. قلنا: الجواب عنه من وجوه الأول: أن المقصود من الآية أنه لو علم إنسان يطلب الزيادة والربح أنه إذا بذر حبة واحدة أخرجت له سبعمائة حبة ما كان ينبغي له ترك ذلك ولا التقصير فيه فكذلك ينبغي لمن طلب الأجر في الآخرة عند الله أن لا يتركه إذا علم أنه يحصل له على الواحدة عشرة ومائة، وسبعمائة، وإذا كان هذا المعنى معقولاً سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه الصفة أو لم يوجد كان المعنى حاصلاً مستقيماً، وهذا قول القَفّال رحمه الله وهو حسن جداً. والجواب الثاني: أنه شوهد ذلك في سنبلة الجاورس، وهذا الجواب في غاية الركاكة. المسألة الرابعة: كان أبو عمرو وحمزة والكسائي يدغمون التاء في السين في قوله {أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ } لأنهما حرفان مهموسان، والباقون بالإظهار على الأصل. ثم قال: {وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَاء } وليس فيه بيان كمية تلك المضاعفة، ولا بيان من يشرفه الله بهذه المضاعفة، بل يجب أن يجوز أنه تعالى يضاعف لكل المتقين، ويجوز أن يضاعف لبعضهم من حيث يكون إنفاقه أدخل في الإخلاص، أو لأنه تعالى بفضله وإحسانه يجعل طاعته مقرونة بمزيد القبول والثواب. ثم قال: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } أي واسع القدرة على المجازاة على الجود والإفضال عليهم، بمقادير الانفاقات، وكيفية ما يستحق عليها، ومتى كان الأمر كذلك لم يصر عمل العامل ضائعاً عند الله تعالى.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأُولىٰ ـ لما قص الله سبحانه ما فيه من البراهين، حث على الجهاد، وأعلم أن من جاهد بعد هذا البرهان الذي لا يأتي به إلاَّ نبيّ فله في جهاده الثواب العظيم. روى البستِيّ في صحيح مسنده حديث : عن ابن عمر قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رب زِد أُمّتي» فنزلت {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة: 245] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رب زد أُمتي» فنزلت {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]تفسير : . وهذه الآية لفظها بيان مثال لشرف النفقة في سبيل الله ولحسنها، وضمنها التحريض على ذلك. وفي الكلام حذف مضاف تقديره مثل نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة. وطريق آخر: مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع زرع في الأرض حبة فأنبتت الحبة سبع سنابل، يعني أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة؛ فشبه المتصدّق بالزارع وشبه الصدقة بالبذر فيعطيه الله بكل صدقة له سبعمائة حسنة، ثم قال تعالىٰ: {وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ} يعني على سبعمائة؛ فيكون مثل المتصدق مثل الزارع، إن كان حاذقاً في عمله؛ ويكون البذر جيداً وتكون الأرض عامرة يكون الزرع أكثر؛ فكذلك المتصدّق إذا كان صالحاً والمال طيباً ويضعه موضعه فيصير الثواب أكثر؛ خلافاً لمن قال: ليس في الآية تضعيف على سبعمائة، على ما نبينه إن شاء الله. الثانية ـ حديث : روي أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبد الرّحمٰن بن عوف رضي الله عنهما؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حث الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تَبُوكَ جاءه عبد الرّحمن بأربعة آلاف فقال: يا رسول الله، كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف، وأربعة آلاف أقرضتها لربي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت». وقال عثمان: يا رسول الله عليّ جهاز من لا جهاز له؛ فنزلت هذه الآية فيهماتفسير : . وقيل: نزلت في نفقة التطوّع. وقيل: نزلت قبل آية الزكاة ثم نُسخت بآية الزكاة، ولا حاجة إلى دعوى النسخ؛ لأن الإنفاق في سبيل الله مندوب إليه في كل وقت. وسُبُل الله كثيرة أعظمها الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ} الحبة اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم ويقتاته، وأشهر ذلك البُرّ فكثيراً ما يُراد بالحَبِّ؛ ومنه قول المُتَلَمَسِّ:شعر : آليتُ حَبّ العراقِ الدّهرَ أطعمه والحَبُّ يأكلُه في القَرْيَة السُّوسُ تفسير : وحبة القلب: سوايداؤه، ويُقال ثمرته وهو ذاك. والحِبة(بكسر الحاء): بذور البقول مما ليس بقوت؛ وفي حديث الشفاعة: «حديث : فينبتون كما تنبت الحِبّة في حمِيل السيل»تفسير : والجمع حِبب. والحبة (بضم الحاء) الحُبّ؛ يُقال: نَعَم وحُبَّة وكرامة. والحُبُّ المحبّة، وكذلك الحِب (بالكسر). والحِب أيضاً الحبيب؛ مثل خِدْن وخَدِين. وسنبلة فُنعلة من أسْبَل الزرع إذا صار فيه السنبل، أي استرسل بالسنبل كما يسترسل الستر بالإسبال. وقيل: معناه صار فيه حَبّ مستور كما يستر الشيء بإسبال الستر عليه. والجمع سنابل. ثم قيل: المراد سنبل الدُّخْن فهو الذي يكون في السنبلة منه هذا العدد. قلت: هذا ليس بشيء فإن سنبل الدُّخْن يجيء في السنبلة منه أكثر من هذا العدد بضعفين وأكثر، على ما شاهدناه. قال ابن عطية: وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة، فأما في سائر الحبوب فأكثر ولكن المثال وقع بهذا القدر. وقال الطبريّ في هذه الآية: إن قوله {فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} معناه إن وجد ذلك، وإلاَّ فعلى أن يفرضه، ثم نقل عن الضّحاك أنه قال: {فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ} معناه كل سنبلة أنبتت مائة حبة. قال ابن عطية: فجعل الطبريّ قول الضحاك نحو ما قال، وذلك غير لازم من قول الضحاك. وقال أبو عمرو الدّانِيّ: وقرأ بعضهم «مائة» بالنصب على تقدير أنبتت مائة حبة. قلت: وقال يعقوب الحضرمِيّ: وقرأ بعضهم «في كل سنبلة مائةَ حبة» على؛ أنبتت مائة حبة؛ وكذلك قرأ بعضهم {أية : وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الملك: 6] على {أية : وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الملك: 5] وأعتدنا للذين كفروا عذاب جهنم. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي «أنبتت سبع سنابل» بإدْغام التاء في السين؛ لأنهما مهموستان، ألا ترى أنهما يتعاقبان. وأنشد أبو عمرو:شعر : يا لعنَ اللَّه بني السِّعلاةِ عمرَو بنَ ميمون لئام الناتِ تفسير : أراد الناسَ فحوّل السين تاء. الباقون بالإظهار على الأصل لأنهما كلمتان. الرابعة ـ ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البِر بعشر أمثالها، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حسنتُها بسبعمائة ضعف. واختلف العلماء في معنى قوله {وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ} فقالت طائفة: هي مبيِّنة مؤكدة لما تقدّم من ذكر السبعمائة، وليس ثمَّ تضعيف فوق السبعمائة. وقالت طائفة من العلماء: بل هو إعلام بأن الله تعالىٰ يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف. قلت: وهذا القول أصحُّ لحديث ابن عمر المذكور أوّل الآية. وروى ابن ماجة حدّثنا هارون بن عبد الله الحمال حدّثنا ابن أبي فُديك عن الخليل بن عبد الله عن الحسن (عن) عليّ بن أبي طالب وأبي الدرداء وعبد الله بن عمر وأبي أُمامة الباهليّ وعبد الله بن عمرو وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين كلهم يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم ـ ثم تلا (هذه الآية) ـ والله يضاعف لمن يشاء الله»تفسير : . وقد روي عن ٱبن عباس أن التضعيف (ينتهي) لمن شاء الله إلى ألفي ألف. قال ٱبن عطية: وليس هذا بثابت الإسناد عنه. الخامسة ـ في هذه الآية دليل على أن ٱتخاذ الزرع من أعلى الحِرف التي يتخذها الناس والمكاسب التي يشتغل بها العمال؛ ولذلك ضرب الله به المثل فقال: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ» الآية. وفي صحيح مسلم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلاَّ كان له صدقة»تفسير : . وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : التمسوا الرزق في خبايا الأرض»تفسير : يعني الزرع، أخرجه الترمذيّ. حديث : وقال صلى الله عليه وسلم في النخل: «هي الراسخات في الوَحَل المُطْعِمات في المَحْل»تفسير : . وهذا خرج مخرج المدح. والزراعة من فروض الكفاية فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها وما كان في معناها من غرس الأشجار. ولقِي عبد الله بن عبد الملك بن شهاب الزُّهْريّ فقال: دُلّني على مالٍ أعالجه؛ فأنشأ ٱبن شهاب يقول:شعر : أقول لعبد اللَّه يوم لقيته وقد شدّ أحْلاسَ المطِيّ مُشرِّقا تتَبَّع خَبايا الأرض وٱدع مليكَها لعلّك يوماً أن تُجاب فتُرزقا فيؤتيك مالاً واسعاً ذا مَثابَة إذا ما مياهُ الأرض غارتْ تدَفّقا تفسير : وحُكي عن المعتضد أنه قال: رأيت عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في المنام يُناولني مِسْحاة وقال: خذها فإنها مفاتيح خزائن الأرض.

البيضاوي

تفسير : {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ} أي مثل نفقتهم كمثل حبة، أو مثلهم كمثل باذر حبة على حذف المضاف. {أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } أسند الإِنبات إلى الحبة لما كانت من الأسباب، كما يسند إلى الأرض والماء، والمنبت على الحقيقة هو الله تعالى والمعنى: أنه يخرج منها ساق يتشعب لكل منه سبع شعب، لكل منها سنبلة فيها مائة حبة. وهو تمثيل لا يقتضي وقوعه وقد يكون في الذرة والدخن في البر في الأراضي المغلة. {وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ } تلك المضاعفة. {لِمَن يَشَاء } بفضله وعلى حسب حال المنفق من إخلاصه وتعبه، ومن أجل ذلك تفاوتت الأعمال في مقادير الثواب. {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ} لا يضيق عليه ما يتفضل به من الزيادة. {عَلِيمٌ} بنية المنفق وقدر إنفاقه.

ابن كثير

تفسير : هذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فقال: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}. قال سعيد بن جبير: يعني: في طاعة الله. وقال مكحول: يعني به الإنفاق في الجهاد من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير ذلك. وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: الجهاد والحج يضعف الدرهم فيهما إلى سبعمائة ضعف، ولهذا قال تعالى: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ} وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله عز وجل لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة، وقد وردت السنة بتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف. قال الإمام أحمد: حدثنا زياد بن الربيع أبو خداش، حدثنا واصل مولى ابن عيينة، عن بشار بن أبي سيف الجرمي، عن عياض بن غطيف، قال: دخلنا على أبي عبيدة نعوده من شكوى أصابته بجنبه، وامرأته تحيفة قاعدة عند رأسه، قلنا: كيف بات أبو عبيدة؟ قالت: والله لقد بات بأجر. قال أبو عبيدة: ما بتّ بأجر، وكان مقبلاً بوجهه على الحائط، فأقبل على القوم بوجهه، وقال: ألا تسألوني عما قلت؟ قالوا: ما أعجبنا ما قلت فنسألك عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله، أو عاد مريضاً، أو أماط أذى، فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جنة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله عز وجل ببلاء في جسده فهو له حطة»تفسير : وقد روى النسائي في الصوم بعضه من حديث واصل به، ومن وجه آخر موقوفاً. (حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سليمان، سمعت أبا عمرو الشيباني عن ابن مسعود: أن رجلاً تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لتأتين يوم القيامة بسبعمائة ناقة مخطومة»تفسير : ورواه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن مهران عن الأعمش به، ولفظ مسلم: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: يا رسول الله هذه في سبيل الله، فقال: «حديث : لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة».تفسير : (حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عمرو بن مجمع أبو المنذر الكندي، أخبرنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله جعل حسنة ابن آدم إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم، والصوم لي، وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة يوم القيامة، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».تفسير : (حديث آخر) ـ قال أحمد: أخبرنا وكيع، أخبرنا الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، يقول الله: إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي، وللصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، الصوم جنة، الصوم جنة»تفسير : وكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي سعيد الأشج كلاهما عن وكيع به. (حديث آخر) ـ قال أحمد: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن الركين، عن يُسَيْر بن عميلة، عن حريم بن فاتك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أنفق نفقة في سبيل الله، تضاعف بسبعمائة ضعف».تفسير : (حديث آخر) ـ قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن يحيى ابن أيوب وسعيد بن أبي أيوب، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الصلاة والصيام والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف».تفسير : (حديث آخر) ـ قال ابن أبي حاتم: أنبأنا أبي، حدثنا هارون بن عبد الله بن مروان، حدثنا ابن أبي فديك، عن الخليل بن عبد الله، عن الحسن عن عمران بن حصين، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أرسل بنفقة في سبيل الله، وأقام في بيته، فله بكل درهم سبعمائة درهم يوم القيامة، ومن غزا في سبيل الله، وأنفق في جهة ذلك، فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم، ثم تلا هذه الآية: {وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : وهذا حديث غريب، وقد تقدم حديث أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة في تضعيف الحسنة إلى ألفي ألف حسنة، عند قوله: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}تفسير : [البقرة: 245] الآية. (حديث آخر) ـ قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن عبيد الله بن العسكري البزاز، أخبرنا الحسن بن علي بن شبيب، أخبرنا محمود بن خالد الدمشقي، أخبرنا أبي عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر: لما نزلت هذه الآية: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : رب زد أمتي»تفسير : قال: فأنزل الله: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا}تفسير : [البقرة: 245] قال: «حديث : رب زد أمتي»تفسير : قال: فأنزل الله: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [الزمر: 10]، وقد رواه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه عن حاجب بن أركين، عن أبي عمر حفص ابن عمر بن عبد العزيز المقري، عن أبي إسماعيل المؤدب، عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. وقوله ههنا: {وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ} أي: بحسب إخلاصه في عمله {وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} أي: فضله واسع كثير أكثر من خلقه، عليم بمن يستحق ومن لا يستحق، سبحانه وبحمده.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَثَلُ } صفة نفقات {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي طاعته {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } فكذلك نفقاته تُضَاعَف لسبعمائة ضعف {وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ } أكثر من ذلك {لِمَن يَشَاء وَٱللَّهُ وٰسِعٌ } فضله {عَلِيمٌ } بمن يستحق المضاعفة.

الشوكاني

تفسير : قوله: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ } لا يصح جعل هذا خبراً عن قوله: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ } لاختلافهما، فلا بد من تقدير محذوف إما في الأوّل أي: مثل نفقة الذين ينفقون، أو في الثاني: أي: كمثل زارع حبة، والمراد بالسبع السنابل: هي التي تخرج في ساق واحد يتشعب منه سبع شعب في كل شعبة سنبلة، والحبة اسم لكل ما يزدرعه ابن آدم، ومنه قول المتلمس:شعر : آليتُ حَبّ العراق الدَّهْر أطْعمه والحَبُّ يأكُله في القَرْيةِ السُّوسُ تفسير : قيل: المراد بالسنابل هنا سنابل الدخن، فهو الذي يكون في السنبلة منه هذا العدد. وقال القرطبي: إن سنبل الدُّخن يجيء في السنبلة منه أكثر من هذا العدد بضعفين، وأكثر على ما شاهدنا. قال ابن عطية: وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة، وأما في سائر الحبوب، فأكثر، ولكن المثال، وقع بهذا القدر. وقال الطبري: إن قوله: {فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } معناه إن وجد ذلك، وإلا فعلى أن تفرضه. قوله: {وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَاء } يحتمل أن يكون المراد: يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء، أو يضاعف هذا العدد، فيزيد عليه أضعافه لمن يشاء، وهذا هو الراجح لما سيأتي. وقد ورد القرآن بأن الحسنة بعشر أمثالها، واقتضت هذه الآية بأن نفقة الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف، فيبني العام على الخاص، وهذا بناء على أن سبيل الله هو الجهاد فقط، وأما إذا كان المراد به: وجوه الخير، فيخص هذا التضعيف إلى سبعمائة بثواب النفقات، وتكون العشرة الأمثال فيما عدا ذلك. قوله: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } هذه الجملة متضمنة لبيان كيفية الإنفاق الذي تقدّم، أي: هو إنفاق الذين ينفقون، ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً، ولا أذى. والمنّ هو: ذكر النعمة على معنى التعديد لها، والتقريع بها، وقيل: المنّ: التحدث بما أعطى حتى يبلغ ذلك المعطي فيؤذيه، والمن من الكبائر، كما ثبت في صحيح مسلم، وغيره أنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب عظيم. والأذى: السب، والتطاول، والتشكي. قال في الكشاف: ومعنى: «ثم» إظهار التفاوت بين الإنفاق، وترك المنّ، والأذى، وإن تركهما خير من نفس الإنفاق، كما جعل الاستقامة على الإيمان خيراً من الدخول فيه بقوله {أية : ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ }تفسير : [فصلت: 30]. انتهى. وقدم المنّ على الأذى لكثرة وقوعه، ووسط كلمة "لا" للدلالة على شمول النفي. وقوله: {عِندَ رَبّهِمْ } فيه تأكيد، وتشريف. وقوله: {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } ظاهره نفي الخوف عنهم. في الدارين لما تفيده النكرة الواقعة في سياق النفي من الشمول، وكذلك {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } يفيد دوام انتفاء الحزن عنهم. قوله: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ } قيل: الخبر محذوف أي: أولى، وأمثل، ذكره النحاس. قال: ويجوز أن يكون خبراً، عن مبتدأ محذوف، أي: الذي أمرتم به قول معروف. وقوله: {وَمَغْفِرَةٌ } مبتدأ أيضاً، وخبره قوله: {خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ } وقيل: إن قوله: {خير} خبر عن قوله: {قول معروف} وعن قوله: {ومغفرة} وجاز الابتداء بالنكرتين؛ لأن الأولى تخصصت بالوصف، والثانية بالعطف، والمعنى: أن القول المعروف من المسؤول للسائل، وهو التأنيس، والترجية بما عند الله، والرد الجميل خير من الصدقة التي يتبعها أذى. وقد ثبت في صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكلمة الطيبة صدقة"، و"إن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق" تفسير : وما أحسن ما قاله ابن دريد:شعر : لا تدخلنَّك ضَجرةٌ من سائل فَلخيرُ دهِركَ أنْ ترى مَسْئولا لاَ تَجْبَهنْ برّد وجه مؤملٍ فَبَقَاءُ عِزَّك أن تُرى مَأمُولاَ تفسير : والمراد بالمغفرة: الستر للخلة، وسوء حالة المحتاج، والعفو عن السائل إذا صدر منه من الإلحاح ما يكدر صدر المسئول، وقيل: المراد: أن العفو من جهة السائل؛ لأنه إذا ردة رداً جميلاً عذره، وقيل: المراد: فعل يؤدى إلى المغفرة خير من صدقة أي: غفران الله خير من صدقتكم. وهذه الجملة مستأنفة مقدرة لترك اتباع المنِّ، والأذى للصدقة. قوله: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلاْذَىٰ } الإبطال للصدقات: إذهاب أثرها، وإفساد منفعتها، أي: لا تبطلوها بالمنِّ، والأذى، أو بأحدهما، قوله: {كَٱلَّذِى } أي: إبطالاً كإبطال الذي على أنه نعت لمصدر محذوف، ويجوز أن يكون حالاً أي: لا تبطلوا مشابهين للذي ينفق ماله رئاء الناس، وانتصاب رئاء على أنه علة لقوله: {يُنفِقُ } أي: لأجل الرئاء، أو حال أي ينفق مرائياً لا يقصد بذلك وجه الله، وثواب الآخرة، بل يفعل ذلك رياء للناس استجلاباً لثنائهم عليه، ومدحهم له. قيل: والمراد به: المنافق بدليل قوله: {وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ }. قوله: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ } الصفوان: الحجر، الكبير، الأملس. وقال الأخفش: صفوان جمع صفوانة. وقال الكسائي: صفوان: واحد، وجمعه صفي، وأصفى، وأنكره المبرد. وقال النحاس: يجوز أن يكون جمعاً، ويجوز أن يكون واحداً، وهو أولى لقوله: {عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ } والوابل المطر الشديد، مثل الله سبحانه هذا المنفق بصفوان عليه تراب يظنه الظانّ أرضاً منبتة طيبة، فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب، وبقي صلداً أي: أجرد نقياً من التراب الذي كان عليه، فكذلك هذا المرائي، فإن نفقته لا تنفعه، كما لا ينفع المطر الواقع على الصفوان الذي عليه تراب. قوله: {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ } أي: لا ينتفعون بما فعلوه رياء، ولا يجدون له ثواباً، والجملة مستأنفة، كأنه قيل: ماذا يكون حالهم حينئذ؟ فقيل: لا يقدرون الخ، والضميران للموصول أي: كالذي باعتبار المعنى، كما في قوله تعالى: {أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُواْ }تفسير : [التوبة: 69] أي: الجنس، أو الجمع، أو الفريق. قوله: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمُ ٱبْتِغَاء مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ} قيل: إن قوله: {ٱبْتَغَاء مَرْضَـٰتِ ٱللَّهِ } مفعول له، و{تثبيتاً} معطوف عليه، وهو أيضاً مفعول له. أي: الإنفاق لأجل الابتغاء. والتثبيت كذا قال مكي في المشكل. قال ابن عطية: وهو مردود لا يصح في {تثبيتاً} أنه مفعول من أجله؛ لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت. قال: {ابتغاء} نصب على المصدر في موضع الحال، وكان يتوجه فيه النصب على المفعول من أجله، لكن النصب على المصدر هو الصواب من جهة عطف المصدر الذي هو تثبيتاً عليه، وابتغاء معناه طلب، ومرضات مصدر رضي يرضى، وتثبيتاً معناه: أنهم يتثبتون من أنفسهم ببذل أموالهم على الإيمان، وسائر العبادات رياضة لها، وتدريباً، وتمريناً، أو يكون التثبيت بمعنى التصديق أي: تصديقاً للإسلام ناشئاً من جهة أنفسهم. وقد اختلف السلف في معنى هذا الحرف، فقال الحسن، ومجاهد: معناه أنهم يتثبتون أين يضعوا صدقاتهم، وقيل: معناه: تصديقاً، ويقيناً، روى ذلك عن ابن عباس، وقيل: معناه: احتساباً من أنفسهم، قاله قتادة، وقيل: معناه: أن أنفسهم لها بصائر، فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تثبيتاً. قاله الشعبي، والسديّ، وابن زيد، وأبو صالح، وهذا أرجح مما قبله. يقال ثَبَّتُّ فلاناً في هذا الأمر أثَبِّتُه تثبيتاً: أي: صححتُ عزمه قوله: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ } الجنة: البستان، وهي أرض تنبت فيها الأشجار حتى تغطيها، مأخوذة من لفظ الجن، والجنين لاستتارها. والربوة: المكان المرتفع ارتفاعاً يسيراً، وهي مثلثة الراء، وبها قرىء؛ وإنما خص الربوة، لأن نباتها يكون أحسن من غيره، مع كونه لا يصطلمه البرد في الغالب للطافة هوائه بهبوب الرياح الملطفة له، قال الطبري: وهي رياض الحزن التي تستكثر العرب من ذكرها، واعترض ابن عطية، فقال: إن رياض الحزن منسوبة إلى نجد؛ لأنها خير من رياض تهامة، ونبات نجد أعطر، ونسيمه أبرد وأرق، ونجد يقال لها: حزن، وليست هذه المذكورة هنا من ذاك، ولفظ الربوة مأخوذ من ربا يربو إذا زاد. وقال الخليل الربوة: أرض مرتفعة طيبة. والوابل: المطر الشديد، كما تقدم، يقال: وبلت السماء تبل، والأرض موبولة. قال الأخفش: ومنه قوله تعالى: {أية : أَخْذاً وَبِيلاً }تفسير : [المزمل: 16] أي: شديداً، وضرب وبيل، وعذاب وبيل {فَأَتَتْ أُكُلَهَا } بضم الهمزة: الثمر الذي يؤكل كقوله تعالى: {أية : تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ }تفسير : [إبراهيم: 25] وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص، كسرج الفرس، وباب الدار قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمر: و"أكلها" بضم الهمزة، وسكون الكاف تخفيفاً. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي بتحريك الكاف بالضم. وقوله: {ضِعْفَيْنِ } أي: مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل. فالمراد بالضعف: المثل. وقيل: أربعة أمثال، ونصبه على الحال من أكلها أي: مضاعفاً. قوله: {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } أي: فإن الطلّ يكفيها: وهو المطر الضعيف المستدقّ القطر. قال المبرد، وغيره: وتقديره: فطل يكفيها. وقال الزجاج: تقديره، فالذي يصيبها طلّ، والمراد أن الطلّ ينوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين. وقال قوم: الطل: الندى، وفي الصحاح: الطل: أضعف المطر، والجمع: أطلال. قال الماوردي: وزرع الطل أضعف من زرع المطر. والمعنى: أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله لا تضيع بحال، وإن كانت متفاوتة، ويجوز أن يعتبر التمثيل ما بين حالهم باعتبار ما صدر عنهم من النفقة الكثيرة والقليلة، وبين الجنة المعهودة باعتبار ما أصابها من المطر الكثير، والقليل، فكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكلها، فكذلك نفقتهم جلَّت، أو قلت بعد أن يطلب بها وجه الله زاكية زائدة في أجورهم. وقوله: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْلَمُونَ بَصِيرٌ }. قرأ الزهري بالتاء التحتية. وقرأ الجمهور بالفوقية، وفي هذا ترغيب لهم في الإخلاص مع ترهيب من الرياء، ونحوه، فهو وعد، ووعيد. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم في قوله: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ } عن الربيع قال: كان من «بايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة، ورابط معه بالمدينة، ولم يذهب وجهاً، إلا بإذنه، كانت له الحسنة بسبعمائة ضعف، ومن بايع على الإسلام كانت الحسنة له عشر أمثالها». وأخرج أحمد، والنسائي، والحاكم، والبيهقي، عن ابن مسعود: أن رجلاً تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة»تفسير : . وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن خُزيم بن فاتك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أنفق نفقة في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف»تفسير : . وأخرجه البخاري في تاريخه من حديث أنس. وأخرجه أحمد من حديث أبي عبيدة وزاد: «حديث : ومن أنفق على نفسه، وأهله، أو عاد مريضاً، فالحسنة بعشر أمثالها»تفسير : . وأخرج نحوه النسائي في الصوم. وأخرج ابن ماجه، وابن أبي حاتم، من حديث عمران بن حصين، وعلي، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وأبي أمامة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، كلهم، يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أرسل بنفقة في سبيل الله، وأقام في بيته، فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله، وأنفق في وجهه ذلك، فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم، ثم تلا هذه الآية: {وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَاء }»تفسير : . وأخرجه أيضاً ابن ماجه، من حديث الحسن بن علي. وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، يقول الله إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به» تفسير : وأخرجه أيضاً مسلم. وأخرج الطبراني من حديث معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : طوبى لمن أكثر، في الجهاد في سبيل الله من ذكر الله، فإن له بكل كلمة سبعين ألف حسنة، كل حسنة منها عشرة أضعاف» تفسير : وقد تقدّم ذكر طرف من أحاديث التضعيف للحسنات عند قوله تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً }تفسير : [البقرة: 245]. وقد وردت الأحاديث الصحيحة في أجر من جهز غازياً. وأخرج أبو داود، والحاكم وصححه، عن سهل بن معاذ، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الصلاة، والصوم، والذكر تضاعف على النفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف»تفسير : وأخرج أحمد، والطبراني في الأوسط، والبيهقي في سننه عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنّا وَلا أَذىً} إن أقواماً يبعثون الرجل منهم في سبيل الله، أو ينفق على الرجل، أو يعطيه النفقة، ثم يمنّ عليه ويؤذيه: يعني: أن هذا سبب النزول. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة نحوه. وقد وردت الأحاديث الصحيحة في النهي، عن المنّ، والأذى، وفي فضل الإنفاق في سبيل الله، وعلى الأقارب، وفي وجوه الخير، ولا حاجة إلى التطويل بذكرها، فهي معروفة في مواطنها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمرو بن دينار قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من صدقة أحبّ إلى الله من قول الحقّ، ألم تسمع قول الله تعالى: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى }»تفسير : وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك في قوله: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } قال: ردّ جميل، تقول: يرحمك الله، يرزقك الله، ولا تنهره، ولا تغلظ له القول. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: «لا يدخل الجنة منَّان، وذلك في كتاب الله: {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلأذَىٰ }». وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {صَفْوَانٍ } يقول: الحجر {فَتَرَكَهُ صَلْدًا } يقول: ليس عليه شيء. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: الوابل المطر. وأخرجا عن قتادة قال: الوابل: المطر الشديد. قال: وهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ } يومئذ، كما ترك هذا المطر هذا الحجر ليس عليه شيءٌ أنقى مما كان. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: {فَتَرَكَهُ صَلْدًا } قال: يابساً جاثياً لا ينبت شيئاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع في قوله: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمُ ٱبْتِغَاء مَرْضَاتِ ٱللَّهِ } قال: هذا مثلٌ ضربه الله لعمل المؤمن. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن الشعبي في قوله: {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } قال: تصديقاً، ويقيناً. وأخرج ابن جرير، عن أبي صالح نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير قال: يتثبتون أين يضعون أموالهم. وأخرجا عن الحسن قال: كان الرجل إذا هَمَّ بصدقة تثبت، فإن كان لله أمضاه، وإن خالطه شيء من الرياء أمسك. وأخرج ابن المنذر، عن قتادة في قوله: {تَثْبِيتاً } قال: النية، وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن عباس قال: الربوة: النشز من الأرض. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: الربوة: الأرض المستوية المرتفعة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس قال: هي المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار. وأخرج ابن جرير عنه في قوله تعالى: {فَطَلٌّ } قال: النَّدي. أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن الضحاك قال: الطل: الرذاذ من المطر: يعني: اللين منه. وأخرجا عن قتادة قال: هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن يقول: ليس لخيره خلف كما ليس لخير هذه الجنة خلف على أيّ حال كان، إن أصابها وابل، وإن أصابها طل.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ في سَبِيلِ اللهِ} فيه تأويلان: أحدهما: يعني في الجهاد، قاله ابن زيد. والثاني: في أبواب البر كلها. {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ في كُلِّ سُنبُلَةٍ مِاْئَةُ حَبَّةٍ} ضرب الله ذلك مثلاً في أن النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف، وفي مضاعفة ذلك في غير ذلك من الطاعات قولان: أحدهما: أن الحسنة في غير ذلك بعشرة أمثالها، قاله ابن زيد. والثاني: يجوز مضاعفتها بسبعمائة ضعف، قاله الضحاك. {وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ} يحتمل أمرين: أحدهما: يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء. والثاني: يضاعف الزيادة على ذلك لمن يشاء. {وَاللهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ} فيه قولان: أحدهما: واسع لا يَضِيق عن الزيادة، عليم بمن يستحقها، قاله ابن زيد. والثاني: واسع الرحمة لا يَضِيق عن المضاعفة، عليم بما كان من النفقة. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: واسع القدرة، عليم بالمصلحة.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية لفظها بيان مثل بشرف النفقة في سبيل الله وبحسنها، وضمنها التحريض على ذلك، وهذه الآية في نفقة التطوع، وسبل الله كثيرة، وهي جميع ما هو طاعة وعائد بمنفعة على المسلمين والملة، وأشهرها وأعظمها غناء الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، والحبة اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم ويقتاته، وأشهر ذلك البر، وكثيراً ما يراد بالحب. ومنه قول المتلمس: [البسيط]. شعر : آليت حب العراق الدهر أطعمه والحب يأكله في القرية السوس تفسير : وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة، وأما في سائر الحبوب فأكثر، ولكن المثال وقع بهذا القدر، وقد ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشر أمثالها، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حَسنتها بسبعمائة ضعف، وبين ذلك الحديث الصحيح، واختلف العلماء في معنى قوله: {والله يضاعف لمن يشاء}، فقالت طائفة هي مبينة ومؤكدة لما تقدم من ذكر السبعمائة. وليس ثمة تضعيف فوق سبعمائة، وقالت طائفة من العلماء: بل هو إعلام بأن الله تعالى يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف. وروي عن ابن عباس أن التضعيف ينتهي لمن شاء الله إلى ألفي ألف. وليس هذا بثابت الإسناد عنه، وقال ابن عمر حديث : لما نزلت هذه الآية قال النبي عليه السلام: "رب زد أمتي". فنزلت {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له} [الحديد: 11]، فقال: "رب زد أمتي"، فنزلت {إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10]تفسير : و{سنبلة} فنعلة من أسبل الزرع أي أرسل ما فيه كما ينسبل الثوب، والجمع سنابل، وفي قوله تعالى: {مثل الذين}، حذف مضاف، تقديره مثل إنفاق الذين، أو تقدره كمثل ذي حبة، وقال الطبري في هذه الآية، إن قوله {في كل سنبلة مائة حبة}، معناه إن وجد ذلك وإلا فعلى أن نفرضه ثم أدخل عن الضحاك أنه قال: {في كل سنبلة مائة حبة} معناه كل سنبلة أنبتت مائة حبة، فجعل الطبري قول الضحاك نحو ما قال هو، وذلك غير لازم من لفظ الضحاك، قال أبو عمرو الداني قرأ بعضهم "مائة حبة" بالنصب على تقدير أنبتت مائة حبة، وقوله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم} الآية، لما تقدم في الآية التي قبل هذه ذكر الإنفاق في سبيل الله على العموم بيّن في هذه الآية أن ذلك الحكم إنما هو لمن لم يتبع إنفاقه مناً ولا أذى، وذلك أن المنفق في سبيل الله إنما يكون على أحد ثلاثة أوجه، إما أن يريد وجه الله تعالى ويرجوا ثوابه، فهذا لا يرجو من المنفق عليه شيئاً ولا ينظر من أحواله في حال سوى أن يراعي استحقاقه، وإما أن يريد من المنفق عليه جزاء بوجه منَّ الوجوه، فهذا لم يرد وجه الله بل نظر إلى هذه الحال من المنفق عليه، وهذا هو الذي متى أخلف ظنه من بإنفاقه وآذى، وإما أن ينفق مضطراً دافع غرم إما لماتة للمنفق عليه أو قرينة أخرى من اعتناء معتن ونحوه، فهذا قد نظر في حال ليست لوجه الله، وهذا هو الذي متى توبع وحرج بوجه من وجوه الحرج آذى. فالمن والأذى يكشفان ممن ظهرا منه أنه إنما كان على ما ذكرناه من المقاصد، وأنه لم يخلص لوجه الله، فلهذا كان المن والأذى مبطلين للصدقة، من حيث بين كل واحد منهما أنها لم تكن صدقة، وذكر النقاش أنه قيل إن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقيل في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال مكي في عثمان وابن عوف رضي الله عنهما: والمن ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها، والأذى: السب والتشكي، وهو أعم من المنّ، لأنّ المن جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه، وذهب ابن زيد إلى أن هذه الآية هي في الذين لا يخرجون في الجهاد، بل ينفقون وهم قعود، وأن الأولى التي قبلها هي في الذين يخرجون بأنفسهم وأموالهم. قال: ولذلك شرط على هؤلاء ولم يشترط على الأولين. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وفي هذا القول نظر، لأن التحكم فيه باد، وقال زيد بن أسلم: لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه، وقالت له امرأة: يا أبا أسامة دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقاً، فإنهم إنما يخرجون ليأكلوا الفواكه، فإن عندي أسهماً وجعبة، فقال لها لا بارك الله في أسهمك وجعبتك، فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم. وضمن الله الأجر للمنفق في سبيل الله، والأجر الجنة، ونفى عنه الخوف بعد موته لما يستقبل والحزن على ما سلف من دنياه، لأنه يغتبط بآخرته.

ابن عبد السلام

تفسير : {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الجهاد، أو أبواب البر كلها، فالنفقة في الجهاد بسبعمائة ضعف، وفي غيره بعشرة أمثاله، أو تجوز مضاعفتها بسبعمائة. {وَاسِعٌ} لا يضيق عن الزيادة {عَلِيمٌ} بمستحقها، أو {وَاسِعٌ} الرحمة لا يضيق عن المضاعفة {عَلِيمٌ} بالنفقة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} قيل أراد به الإنفاق في الجهاد وقيل هو الإنفاق في جميع أبواب الخير ووجوه البر فيدخل فيه الواجب والتطوع، وفيه إضمار تقديره مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله {كمثل حبة} أي كمثل زارع حبة {أنبتت} يعني أخرجت تلك الحبة {سبع سنابل} جمع سنبلة {في كل سنبلة مائة حبة}. فإن قلت فهل رأيت سنبلة فيها مائة حبة حتى يضرب المثل بها. قلت: ذلك غير مستحيل وما لا يكون مستحيلاً فضرب المثل به جائز وان لم يوجد والمعنى في كل سنبلة مائة حبة إن جعل الله ذلك فيها، وقيل هو موجود في الدخن، وقيل: إن المقصود من الآية أنه إذا علم الإنسان الطالب للزيادة أنه إذا بذر حبة واحدة أخرجت له سبعمائة حبة ما كان ينبغي له ترك ذلك، ولا التقصير فيه فكذلك ينبغي لمن طلب الأجر عند الله في الآخرة أن لا يترك الإنفاق في سبيل الله، إذا علم أنه يحصل له بالواحد عشرة ومائة وسبعمائة {والله يضاعف لمن يشاء} يعني أنه تعالى يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء وقيل معناه يضاعف على هذا ويزيد لمن يشاء من سبع إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ما يشاء من الأضعاف مما لا يعلمه إلاّ الله {والله واسع} أي غني يعطي عن سعة، وقيل واسع القدرة على المجازاة وعلى الجود والإفضال {عليم} يعني بنية من ينفق في سبيله، وقيل عليم بمقادير الإنفاق وبما يستحق المنفق من الجزاء والثواب عليه. قوله عز وجل: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} قيل: نزلت في عثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف، أما عثمان فجهز المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحلاسها فنزلت هذه الآية وقال عبدالرحمن بن سمر "وجاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فرأيته يدخل يده فيها ويقلبها ويقول ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم فأنزل الله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} وأما عبدالرحمن فجاء بأربعة آلاف درهم صدقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: كان عندي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف وأربعة آلاف أخرجتها لربي عز وجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت"تفسير : ، والمعنى الذين يعينون المجاهدين في سبيل الله بالإنفاق عليهم في حوائجهم ومؤنتهم {ثم لا يتبعون ما أنفقوا منّاً ولا أذى} أي لا يتبع نفقته التي أنفقها عليهم بالمن والأذى وهو أن يمن عليه بعطائه فيقول: قد أعطيتك كذا وكذا فيعدد نعمه عليه فيكدرها عليه والأذى هو أن يعيره فيقول: كم تسأل وأنت فقير أبداً وقد بليت بك وأراحني الله منك وأمثال ذلك. والمن في اللغة الإنعام، والمنة النعمة الثقيلة يقال: من فلان على فلان إذا أثقله بالنعمة ويكون ذلك بالقول: أيضاً ومنه قول الشاعر: شعر : فمني علينا بالسلام فإنما كلامك ياقوت ودر منظم تفسير : ومن المن بالقول ما هو مستقبح بين الناس، مثل أن يمن على الإنسان بما أعطاه، قال عبدالرحمن بن يزيد كان أبي يقول إذا أعطيت رجلاً شيئاً ورأيت أن سلامك يثقل عليه فلا تسلم عليه والعرب تمدح بترك المن وكتم النعمة وتذم على إظهارها والمن بها قال قائلهم في المدح بترك المن: شعر : زاد معروفك عندي عظماً أنه عندك مستور حقير تتناساه كأن لم تأته وهو في العالم مشهور كبير تفسير : وقال قائلهم يذم المنان بالعطاء: شعر : أتيت قليلاً ثم أسرعت منة فنيلك ممنون لذاك قليل تفسير : وأما الأذى فهو ما يصل إلى الإنسان من ضرر بقول أو فعل. إذا عرفت هذا فنقول المن هو إظهار المعروف إلى الناس، والمن عليهم به والأذى هو أن يشكو منهم بسبب ما أعطاهم فحرم الله تعالى على عباده المن بالمعروف والأذى فيه وذم فاعله. فإن قلت: قد وصف الله تعالى نفسه بالمنان فما الفرق. قلت المنان في صفة الله تعالى معناه المتفضل فمن الله إفضال على عباده وإحسانه إليهم فجميع ما هم فيه منة منه سبحانه وتعالى ومن العباد تعيير وتكدير فظهر الفرق بينهما. وقوله تعالى: {لهم أجرهم} يعني ثوابهم {عند ربهم} يعني في الآخرة {ولا خوف عليهم} يعني يوم القيامة {ولا هم يحزنون} يعني على ما خلفوا من الدنيا.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...}. قال ابن عرفة: ويتناول (نفقة) النفوس وقدروه على حذف مضاف إمّا من الأول أو من الثاني. وعندي أنّه لا يحتاج إليه لأنّ المنفقين للأموال نشأ عنهم نفقات، ونشأ عن نفقاتهم منافع دنيوية من إعلاء كلمة الله وإظهار الإسلام وتكثير المسلمين وهضم (حمية) الكافرين واستئصالهم ومنافع أخروية بتكثير الثواب في الدار الآخرة كما أنّ الحبّة ينشأ عنها أولاد كثيرة. وعن الإمام مالك رضي الله عنه الأولاد حبوب كثيرة. قال الزمخشري: فإن قلت هلاّ قيل سبع سنبلات بلفظ جمع القلة؟ وأجاب بجواز إيقاع جمع الكثرة على جمع القلة فوقع جمع القلة مثل "ثَلاثَةُ قُرُوءٍ". وأجاب ابن عرفة بأنّه لما سلك في الآية مسلك الحظ على النفقة في سبيل الله وتكثير الثواب المعد عليها روعي في ذلك وصف الكثرة فأتى به بجمع الكثرة. وجعله الزمخشري وأبي (عطية) من تشبيه المحسوس بالمحسوس قبل الوجود. زاد الزمخشري: أو تشبيه محسوس بمعقول مقدر الوجود. قال ابن عرفة: كان ابن عبد السلام يقول: هذا عندهم في أ رض الحجاز وأما نحن فهو عندنا كثير والحبة الواحدة تنبت قدر الخمسين سنبلة أو مائة وأما أنّ (في) كل سنبلة مائة حبة فهذا عندنا قليل الوجود.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {أنبتت سبع} وبابه بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وسهل. {يضعف} وبابه: ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب. الباقون {يضاعف} {رياء الناس} غير مهموز حيث كان يزيد والشموني والخزاعي عن ابن فليح وحمزة في الوقف. الباقون بالهمزة. {الكافرين} بالإمالة: أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدويه ورويس عن يعقوب، وكذلك ما كان محله النصب من الإعراب كل القرآن {بربوة} بفتح الراء حيث كان ابن عامر وعاصم. الباقون بضمها {أكلها} وبابه ساكنة الكاف: ابن كثير ونافع وافق أبو عمرو فيما اتصلت بالهاء والألف {بما يعملون بصير} بالياء التحتانية: أبو/ عون عن قنبل. الباقون بالتاء للخطاب. الوقوف: {مائة حبة} ط، {لمن يشاء} ط، {عليم} ه، {عند ربهم} ج لعطف المختلفتين، {يحزنون} ه، {أذى} ط {حليم} ه، {والأذى} (لا) لتعلق كاف التشبيه أي إبطالاً مثل إبطال الذي، {الآخر} ط، {صلدا} ط، {كسبوا} ط، {الكافرين} ه، {ضعفين} ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب واتحاد الكلام، {فطل} ط، {بصير} ه، {الأنهار} (لا) لأن ما بعده صفة لجنة أيضاً، {الثمرات}(لا) لأن الواو وللحال، {ضعفاء} ص والوصل أولى والوقف على {فاحترقت} ط لتناهي مقصود الاستفهام والمعنى: أيحب أحدكم احتراق جنة صفتها كذا في حال كذا؟ {تتفكرون} ه. التفسير: إنه سبحانه لما ذكر من أصول المبدأ والمعاد ما اقتضاه المقام أتبعه ببيان التكاليف والأحكام. قال القاضي في كيفية النظم: إنه تعالى لما أجمل في قوله {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} تفسير : [البقرة: 245]، فصّل بعد ذلك بهذه الآية تلك الأضعاف، وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته على الإحياء والإماتة لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب بعد الحشر لكان التكليف بالإنفاق وسائر الطاعات عبثاً كأنه قال: قد عرفت أني خلقتك وأكملت نعمي عليك بالإحياء والإقدار، وقد علمت قدرتي على المجازاة، فليكن علمك بهذه الأصول داعياً إلى إنفاق الأموال فإنه يجازي القليل بالكثير، ثم ضرب لذلك الكثير مثلاً وهو من الواحد إلى سبعمائة. وعن الأصم أنه تعالى ضرب هذا المثل بعد ما احتج على الكل بما يوجب تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ليرغبوا في المجاهدة بالنفس والمال في نصرته وإعلاء شريعته. وقيل: إنه تعالى لما بين أنه وليّ المؤمنين، وأن الكفار أولياؤهم الطاغوت، بيّن مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت. قلت: لما بين صحة المعاد ولا بد له من زاد ولا يمكن التزود من الأموال التي يمتلكها العباد بالإنفاق، أتبعه أحكامه فقال {مثل الذين} ولا بد من إضمار ليصح التشبيه أي مثل صدقاتهم كمثل حبة أو مثلهم باذر حبة. وسبيل الله دينه. فقيل الجهاد، وقيل جميع أبواب الخير. والمنبت هو الله، ولكن الحبة لما كانت سبباً أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء. ومعنى إنباتها سبع سنابل أن تخرج ساقاً يتشعب منها سبع شعب لكل واحد سنبلة. وهذا التمثيل تصوير للأضعاف سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه الصفة أو لم توجد، على أنه قد يوجد في الجاورس والذرة وغيرهما مثل ذلك. وسبع سنابل مثل ثلاثة قروء في إقامة جمع الكثرة مقام القلة. {والله يضاعف} أي تلك المضاعفة لمن يشاء لا لكل منفق لتفاوت أحوال المنفقين في الإخلاص، أو يضاعف سبع المائة ويزيد عليها أضعافها/ لمن يستحق ذلك في مشيئته. {والله واسع} كامل القدرة على المجازاة لأن فيضه غير متناه {عليم} بمقادير الإنفاقات وبمواقعها ومصارفها بإخلاص صاحبها، وإذا كان الأمر كذلك فلن يضيع عمل عامل له عنده. ثم لما عظم أمر الإنفاق أردف ببيان الأمور التي يجب رعايتها حتى يبقى ذلك الثواب منها: ترك المن والأذى، والمنّ قد يراد به الإنعام قال تعالى {أية : ولا تمنن تستكثر} تفسير : [المدثر: 6] وقد يراد به إظهار الاصطناع وهو مذموم ولهذا قيل: صنوان مٌَّن مُنِحَ سائله ومَنٌّ منع نائله وضنّ. وذلك لما فيه من انكسار قلب الفقير، ومن تنفير ذوي الحاجة عن صدقته، ومن عدم الاعتراف بأن النعمة نعمة الله والعباد عباده، وأن المعطي هو الله. وإذا كان العبد في هذه الدرجة كان محروماً عن مطالعة الأسباب الربانية الحقيقية، وكان في درجة البهائم التي لا يترقى نظرهن من المسحوس إلى المعقول، ومن الآثار إلى المؤثرات. وأما الأذى فمهم من حمله على أذى المؤمنين على الإطلاق، والمحققون خصصوه بما تقدم ذكره وهو أن يتطاول على الفقير بما أدل إليه ويقول له: ألست إلا مبرماً وما أنت إلا ثقيل، وباعد الله ما بيني وبينك. ومعنى "ثم" تراخي الرتبة وإظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى، وإن تركهما خير من نفس الإنفاق بل ترك كل منهما لأنهما نكرتان في سياق النفي {لهم أجرهم} وقال فيما يجيء {أية : فلهم أجرهم} تفسير : [البقرة: 274] لأن الموصول ههنا لم يضمن معنى الشرط وضمنه ثمة، وفرق معنوي وهو أن الفاء دلالة على أن الإنفاق سبب استحقاق الأجر وطرحها عارٍ عن تلك الدلالة. ثم إنه ذكر هنالك الإنفاق منهم على سبيل المواظبة والاستمرار فكان التأكيد بما يوجب الربط بينهما ما هنالك أنسب. {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} أي لا يخافون فوات ثواب الإنفاق. ولا يحزنون بالفوات كقوله {أية : ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً} تفسير : [طه: 112] والمراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب ولا يحزنهم الفزع الأكبر. ويعلم من قوله {في سبيل الله} أن قوله {لهم أجرهم} مشروط بأن لا يوجد منهم الكفر، ويعلم من قوله {ثم لا يتبعون} أن المن والأذى من قبيل الكبائر حيث يخرجان هذه الطاعة العظيمة عن الاعتداد بها. احتجت المعتزلة بالآية من وجهين: الأول أن العمل يوجب الأجر لقوله {لهم أجرهم} وأجيب بأن ذلك بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل. الثاني أن الكبائر تحبط ثواب فاعلها وإلا لم يكن المن والأذى مبطلين ثواب الإنفاق، وأجيب بأن الإنفاق على تقدير المن والأذى لا ثواب له أصلاً، فكيف يتصور رفع ما لم يوجد؟ {قول معروف} تقبله القلوب ولا تنكره وذلك أن يرد السائل بطريق أحسن وعدة حسنة {ومغفرة} عفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول لأنه إذا رد بغير مقصوده فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان أو نيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل أو عفو من جهة السائل بأن يعذر المسؤول إذا رده رداً جميلاً {خير من صدقة يتبعها أذى} لأنه إذا أتبع الإيذاء الإعطاء فقد جمع بين الإنفاع والإضرار، وربما لم يف ثواب النفع بعقاب الضر. وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إيصال السرور إلى قلب المؤمن ولا إضرار، فكان الأولى {ومن الناس} الناس من خصص الآية بالتطوع لأن الواجب لا يحل منعه ولا رد السائل فيه. ورد بأن الواجب قد يعدل به عن سائل إلى سائل وعن فقير إلى فقير {والله غني} عن صدقة كل منفق، فما وجه المن؟ {حليم} عن معاجلته بالعقوبة إذا مَنّ، ولا يخفى ما فيه من الوعيد. ثم إنه تعالى ضرب لكل واحد من المؤذي وغير المؤذي مثلاً فقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} وعن ابن عباس: بالمن على الله والأذى للفقير، {كالذي} أي كإبطال المنافق الذي {ينفق ماله رئاء الناس} وهو أن يرائي بعمله غيره ولا يريد رضا الله وثواب الآخرة، ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين للذي ينفق، فمثله الضمير إما أن يكون عائداً إلى المنافق على أنه تعالى شبه المانّ بالمرائي المنافق، ثم شبه المنافق بالحجر. وإما أن يعود إلى المانِّ المؤذى على أنه شبهه بالمنافق ثم شبهه بالحجر. والصفوان الحجر الأملس، الوابل المطر العظيم القطر، والصلد الأجرد النقي ومنه صلد جبين الأصلع إذا برق. وهذا المثل ضربه الله لعمل المانِّ المؤذي ولعمل المنافق، فإن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالاً كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل لأنه تبين أن تلك الأعمال ما كانت لله تعالى ولم يؤت بها على وجه يستحق الثواب كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب. وأما المعتزلة فقالوا: إن تلك الصدقة أوجبت الأجر والثواب، ثم إن المنَّ والأذى أزالا ذلك الأجر بناء على مذهبهم من الإحباط والتكفير. فعلى مذهبنا: العمل الظاهر كالتراب، والمان المؤذي أو المنافق كالصفوان ويوم القيامة كالوابل. وعلى قولهم: المن والأذى كالوابل، وعن القفال: ان عمل المانِّ مشبه بما إذا طرح بذراً في صفوان صلد عليه غبار قليل، فإذا أصابه مطر جود بقي مستودع بذره خالياً لا شيء فيه. ألا ترى أنه ضرب مثل المخلص بجنة فوق ربوة؟ وعلى هذا فقوله {لا يقدرون على شيء} الضمير فيه عائد إلى معلوم غير مذكور، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي فرض على الصفوان لأنه خرج عن الانتفاع به، فكذا المانُّ والمؤذي والمنافق لا ينتفع واحد منهم بعمله يوم القيامة، وناهيك بكون المانِّ والمنافق ملزوزين في قرن شناعة شأن المن والأذى، وقيل: الضمير عائد إلى الذي إما لأن "من" و "الذي" متعاقبان فكأنه قيل: كمّن ينفق، وإما لأن المراد المراد الفريق الذي، وإما لأنه أشير/ بالذي إلى الجنس والجنس في حكم العام. وقيل: المعنى لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فإنكم إن فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم، فالتفت من الخطاب إلى الغيبة كقوله {أية : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} تفسير : [يونس: 22]. {والله لا يهدي القوم الكافرين} معناه - على قولنا - سلب الإيمان عنهم، وعلى قول المعتزلة أنه يضلهم عن الثواب وطريق الجنة لسوء اختيارهم {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله} طلباً لمرضاته {وتثبيتاً من أنفسهم} قيل: أي يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها من المن والأذى. وقيل: تثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة مجاهد {وتبييناً} من البيان. وقيل: إن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية إلا إذا صارت مقهورة بالرياضة ومعشوقها أمران الحياة العاجلة والمال، فإذا بذل ماله وروحه معاً فقد ثبت نفسه كلها {أية : وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم} تفسير : [الصف: 11] وإذا بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، فعلى هذا "من" للتبعيض ذكره في الكشاف، قال الزجاج: تصديقاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم جازمين بأن الله تعالى لا يضيع ثوابهم فـ "من" على هذا للابتداء، وجزمهم بالثواب هو المراد بالتثبيت. وعن الحسن ومجاهد وعطاء: المراد أنهم يثبتون أنفسهم تثبيتاً في طلب المستحق وصرف المال في وجهه. قال الحسن: كان الرجل إذا هَمَّ بصدقة يتثبت فإن كان لله أمضى وإن خالطه شك أمسك. وقيل: إنه إذا أنفق لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وحظ من حظوظها فهناك اطمأن قلبه واستقرت نفسه ولم يحصل لنفسه منازعة مع قلبه فذلك الاستقرار هو التثبيت. ويحتمل أن يكو ن المراد به حصول ملكة الإنفاق بحيث يحصل عنه بطريق الاطراد والاعتياد لا بطريق البخت والاتفاق، فإن الأخلاق ما لم تصر ملكات لصاحبها لم تكد يظهر على جوهر النفس صفاؤها ونوريتها. والمعنى أن مثل نفقة هؤلاء في زكائها عند الله كمثل جنة وهي البستان. وقرىء {كمثل جنة بربوة} بمكان مرتفع من ربا الشيء يربو إذا زاد وارتفع، ومنه الربو لزيادة التنفس، والربا في المال. قيل: وإنما خص المكان المرتفع لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمراً. واعترض عليه بأن المكان المرتفع لا يحسن ريعه لبعده عن الماء وربما تضربه الرياح كما أن الوهاد لكونها مصب المياه قلما يحسن ريعها، فإذن البستان لا يصلح له إلا الأرض المستوية، فالمراد بالربوة أرض طيبة حرة تنتفخ وتربو إذا نزل عليها المطر، فإنها إذا كانت على هذه الصفة كثر دخلها وكمل شجرها كقوله تعالى {أية : وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} تفسير : [الحج: 5] ومما يؤكد ما ذكرنا أن هذا المثل، في مقابلة المثل الأول، فكما أن الصفوان لا/ يربو ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه فينبغي أن تكون هذه الأرض بحيث تربو وتنمو {فآتت أكلها} أي ثمرتها وما يؤكل منها {ضعفين} مثلي ما كان يعهد منها. وقيل: مثلي ما يكون في غيرها {فإن لم يصبها وابل فطل} مطر صغير القطر يصيبها ولا ينتقص شيء من ثمرها لكرم منبتها، أو المراد أنها على جميع الأحوال لا تخلو من أن تثمر قل أم كثر، وكذلك من أخرج صدقة لوجه الله لا يضيع كسبه وفّر أم نزر. ويحتمل أن يمثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم القليلة والكثيرة بالوابل والطل، وكما أن الكل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة فكذلك نفقتهم تزيد في زلفاهم وحسن حالهم {والله بما تعملون} من وجوه الإنفاق وكيفيتها والأمور الباعثة عليها {بصير} فيجازي بحسب النيات وخلوص الطويات. ثم إنه سبحانه رغب في الإنفاق المعتبر الجامع لشرائطه وحذر عن ضده بأن ضرب مثالاً آخر فقال {أيود أحدكم} والهمزة للإنكار البالغ أي لن يود. قرىء {له جنات} وقد وصف الله تعالى الجنة بثلاثة أوصاف الأول: كونها من نخيل وأعناب كأن الجنة إنما تكوّنت منهما لكثرتهما فيها. الثاني: تجري من تحتها الأنهار، ولا شك أن ذلك يزيد في رونقها وبهائها. والثالث: فيها من كل الثمرات، وإنما خص النخيل والأعناب أولاً بالذكر لأنهما أكرم الشجر أو أكثرها منافع. قال في الشكاف: ويجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيهما كقوله {أية : وكان له ثمر} تفسير : [الكهف: 34] بعد قوله {أية : جنتين من أعناب وحففناهما بنخل} تفسير : [الكهف: 32]. ثم شرع في بيان شدة حاجة المالك إلى هذه الجنة فقال {وأصابه الكبر} أي والحال أنه قد أصابه الكبر. وقال الفراء: إنه معطوف على {يود} واستقام نظر المعنى لأنه يقال: وددت أن يكون كذا، ووددت لو كان كذا، فكأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة واصابه الكبر وله ذرية ضعفاء. وقرىء {ضعاف} أي صبيان وأطفال {فأصابها إعصار} ريح تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود {فيه نار فاحترقت} أي الجنة ولا يخفى أن هذه المثل في المقصود أبلغ الأمثال، فإن الإنسان إذا كان له جنة في غاية الكمال، وكان هو في نهاية الاحتياج إلى المال - وذلك أوان الكبر مع وجود الأولاد الأطفال - فإذا أصبح وشاهد تلك الجنة محترقة بالصاعقة، فكم يكون في قلبه من الحسرة وفي عينه من الحيرة؟ فكذا الإنفاق نظير الجنة المذكورة وزمان الاحتياج يوم القيامة، فإذا أتبع الإنفاق النفاق أو المن والأذى كان ذلك كالإعصار الذي يحرق تلك الجنة ويورثه الخيبة والندامة. التأويل: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} فلهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم وقلوبهم في سبيل الله فلهم الله، "حديث : ومن أعطى تمرة إلى فقير يأخذها الله بيمينه ويربيها كما يربي/ أحدكم فلوة أو فصيلة حتى تكون أعظم من الجبل"تفسير : . فمن أعطى قلبه إلى الله فهو يربيه بين أصبعي جلاله حتى يصير أعظم من العرش بما فيه، وإن قوماً بذلوا المال لله، وقوماً بذلوا الحال بإيثار صفاء الأوقات وفتوحات الخلوات على طلاب الحق وأرباب الصدق للقيام بأمورهم في تشفي ما في صدورهم {أية : ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} تفسير : [الحشر: 9] فبذلوا ليحصلوا، وحصلوا لينفصلوا، وانفصلوا ليتصلوا، واتصلوا ليصلوا الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله في طلبه لا في طلب غيره من الثناء والجزاء {أية : إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً} تفسير : [الدهر: 9] {ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا} على الله بأن يقول: عملت هذا العمل لأجلك ووجب لي عليك الأجر {ولا أذى} بأن يطلب من الله غير الله. رأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام فقال له: كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني {لهم أجرهم عند ربهم} ينزلهم في مرتبة العندية {أية : عند مليك مقتدر} تفسير : [القمر: 55] لا عند الجنة ولا عند النار. {قول معروف} يصدر عن العارف بالله في طلب المعروف {ومغفرة} له وأن لم يكن عنده ما يتصدق {خير} له عند ربه {من صدقة يتبعها} من الجهل {أذى} طلب غير الحق من الحق {والله غني} عن غيره {حليم} لا يعجل بالعقوبة على من يختار في الطلب غيره، ولولا حلمه فما للتراب ورب الأرباب {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} فالمعاملات إذا كانت مشوبة بالأغراض ففيها نوع من الإعراض، ومن أعرض عن الحق فقد أقبل على الباطل ومن أقبل على الباطل فقد أبطل حقوقه في الأعمال {أية : فماذا بعد الحق إلا الضلال}تفسير : [يونس: 32]. ولو كان قصدك في الصدقة طلب الحق لما مننت على الفقير بل كنت رهين منته حيث صار سبب وصولك إلى الحق، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لولا الفقراء لهلك الأغنياء " تفسير : أي لم يجدوا سبيلاً إلى الحق. وفسر بعضهم اليد العليا بيد الفقير، واليد السفلى بيد الغني. لأن الفقير يأخذ منه الدنيا ويعطيه الآخرة {كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} لأنه لو كان مؤمناً بالله لكان ينفق لله، ولو كان يؤمن بالآخرة لأنفق للآخرة لا للناس فمثل المرائي {كمثل صفوان عليه تراب} هو عمله {فأصابه وابل} وهو وابل الرد. " حديث : أنا أغنى الأغنياء عن الشرك " تفسير : {فتركه صلداً} مفلساً خائباً. {لا يقدرون عل شيء مما كسبوا} ليتوسلوا به إلى الله. {والله لا يهدي القوم الكافرين} بنعمة طلب شهود جماله فحرموا عن دولة وصاله. {وتثبيتاً من أنفسهم} وتخليصاً لنياتهم في طلب الحق ومرضاته من خطوط أنفسهم {كمثل جنة}/ هي قلب المخلص {بربوة} في رتبة عالية عند الحق {أصابها وابل} الواردت الربانية {فإن لم يصبها وابل فطل} الإلهامات {فآتت أكلها ضعفين} ضعف من نعيم الجنة وضعف من دولة الوصال وشهود "حديث : ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"تفسير : ، فإن الله تعالى كما يعطي أهل الآخرة نصيباً من الدنيا بالتبعية ولا يعطي أهل الدنيا نصيباً من الآخرة، فكذلك يعطي أهل الله نصيباً من الآخرة بالتبعية ولا يعطي أهل الآخرة ما لأهل الله من القربة {والله بما تعملون بصير} كيف تعملون ولماذا تعملون لابتغاء المرضاة أو لاستيفاء اللذات واستبقاء الحياة. ثم ضرب مثلاً لروح الإنسان وقلبه بجنةٍ له فيها من كل الثمرات إذا خلق في أحسن تقويم، مستعداً لجميع الكرامات، مشرفاً بعلم السمات، منوراً بأنوار العقل والحواس السليمات، متوحداً بحمل الأمانة، متفرداً برتبة الخلافة. جنة هي منظور نظر العناية تجري من تحتها أنهار الهداية، وأصاب صاحبها ضعف الإنسانية، {وله ذرية ضعفاء} من متولدات القوى البشرية في غاية الافتقار إلى التربية بأغذية ثمراتها {فأصابها إعصار} من أعمال البر {فيه نار} من الرياء والنفاق {فاحترقت} جنة الروحانية بنار صفات البشرية وتبدلت الأخلاق الروحية بالنفسية، والملكية بالشيطانية {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلك تتفكرون} في إحسانه معكم بإيتاء الاستعداد الفطري، فلا تبطلوه بقبيح فعالكم، ولا تضيعوا أعماركم في طلب آمالكم، وتستعدوا للموت قبل حلول آجالكم والله المستعان وهو حسبي.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَنْ يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} في الآية بيانُ شرفِ النفقة في سبيلِ اللَّه، وتحسينها، وضمنها التحريض علَىٰ ذلك، وهذه الآيةُ في نفقة التطوُّع، وسبلُ اللَّهِ كثيرةٌ، وهي جميعُ ما هو طاعةٌ، وعائدٌ بمنفعةٍ على المسلمين، وعلى الملَّة وأشهرها وأعظمها غَنَاءُ الجهَاد؛ لتكون كَلمةُ اللَّه هي العليا، والحبَّة: ٱسْمُ جنْسٍ لكلِّ ما يزرعه ابن آدم، وأشهر ذلك البُرُّ، وقد يوجد في سنبل القمحِ ما فيه مائةُ حبَّة، وأما في سائر الحبوب، فأكثر، وقد ورد القُرآن؛ بأن الحسنة بعَشْر أمثالها؛ واقتضت الآية أنَّ نفقة الجهَادِ حسنتها بِسَبْعِمِائَةِ ضعفٍ، وبيَّن ذلك الحديث الصحيحُ، واختلف في معنى قوله سبحانه: {وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَاءُ }، فقيل: هي مبينة، ومؤكِّدة لما تقدَّم من ذكْر السَّبْعمائَةِ، وقالت طائفة من العلماء: بل هو إِعلام من اللَّه تعالَىٰ؛ بأنه يضاعف لِمَنْ يشاء أكْثَر من سبْعمائة ضعْفٍ. * ت *: وأرجحُ الأقوالِ عنْدِي قولُ هذه الطائفة، وفي الحديثِ الصحيحِ عن ابن عبَّاس، عن رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِيهِ عن ربِّه تبارَكَ وتعالى، قال: «حديث : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىٰ كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئَاتِ، ثمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَىٰ سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَىٰ أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ...»تفسير : الحديثَ، رواه مسلمٌ والبخاريُّ بهذه الحروفِ. انتهى. وقال ابن عمر: لمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي»، فَنَزَلَتْ: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً...}، [البقرة:245] الآية، فَقَالَ: «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي»، فَنَزَلَتْ: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [الزمر:10]".تفسير : وفي الآية حذفُ مضافٍ، تقديره مَثَلُ إِنفاقِ الذين، وَكَمَثَلِ ذِي حَبَّة، وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}، لَمَّا تقدَّم في الآية التي قَبْلَها ذِكْرُ فَضْلِ الإِنفاقِ في سبيلِ اللَّهِ علَى العُمُوم، بيَّن أنَّ ذلك إِنما هو لِمَنْ لم يُتْبِعْ إِنفاقَهُ منًّا ولا أذًى، وذلك أنَّ المنفِقَ في سبيلِ اللَّهِ، إنما يريد وجه اللَّه تعالى، ورجاء ثوابه، وأمَّا من أراد من المُنْفِقِ علَيْه جزاءً بوَجْهٍ من الوجوه، فهذا لم يُرِدْ وجْهَ اللَّهِ تعالَىٰ، وهذا هو الذي مَتَىٰ أخلفه ظنه، مَنَّ بالإِنفاق وآذَىٰ، إِذ لم يكُنْ إِنفاقه مخلصاً لوجه اللَّه، فالمَنُّ والأَذَىٰ مُبْطِلانِ للصَّدقة، وهما كاشفان لمقاصد المُنْفِقينَ، والمَنُّ: ذِكْرُ النِّعمة؛ علَىٰ معنى التعديدِ لها، والتقْريعِ بها، والأَذَى: السَّبُّ والتشكِّي، وهو أعمُّ من المَنِّ، لأن المَنَّ جزء من الأذَىٰ، ولكنَّه نصَّ عليه؛ لكثرة وقوعه، وقال زيدُ بْنُ أسْلَم: لَئِنْ ظَنَنْتَ أنَّ سلاَمَكَ يَثْقُلُ علَىٰ من أنفقْتَ علَيْه، تريدُ وجْهَ اللَّه، فلا تسلِّم علَيْه، وقالَتْ له امرأةٌ: «يا أبا أُسَامَة، دُلَّنِي علَىٰ رجُلٍ يخرج في سَبِيلِ اللَّهِ حقًّا؛ فإِنهم إِنما يخرجُون؛ ليأْكُلُوا الفواكه، فإِنَّ عندي أَسْهُماً وجَعْبَةً، فقالَ لَهَا: لاَ بَارَكَ اللَّه فِي أَسْهُمِكِ وَجَعْبَتِكِ، فَقَدْ آذيتِهِمْ قَبْلَ أَنْ تُعْطِيَهُمْ». وتضمَّن اللَّه الأَجْرَ للمُنْفِقِ في سبيلِ اللَّه، والأجْرُ: الجَنَّة، ونفى عنه الخوْفَ لما يستقبلُ، والحُزْنَ علَىٰ ما سَلَف من دنْياه؛ لأنه يغتبط بآخِرَتِهِ. * ت *: وممَّا جاء من صحيح الآثار في هذا البابِ ما رواه مالِك في «الموطَّإ»، عن ابن شِهَابٍ، عن حُمَيْد بن عَبْد الرحمنِ بْن عَوْف، عن أبي هريرة؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَىٰ مَنْ يُدْعَىٰ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَىٰ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ»تفسير : ، قال أبو عمر بن عبد البَرِّ في «التمهيد»: في هذا الحديثِ من الفقْه: [والفضائل] الحضُّ على الإِنفاقِ في سبل الخير، ومعنى زوجَيْنِ، أي: شيئين من نوعٍ واحدٍ؛ نحو درهمَيْن، أو دينارَيْن، أو فرسَيْن، أو قميصَيْن، هكذا قال أهل العلْمِ، وفيه: أَنَّ من أكثر مِنْ شيء، عُرِفَ به، ونُسِبَ إِلَيْه؛ ألا تَرَىٰ إِلى قوله: «فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ»، يريد: مَنْ أكثر منها، فنُسِبَ إِلَيْها؛ لأن الجميع من أهل الصلاة؛ وكذلك: مَنْ أكثر من الجهادِ، ومِنَ الصيامِ علَىٰ هذا المعنَىٰ، والرَّيَّانُ: فَعْلاَن من الرِّيِّ، ومعنى الدعاء من تلك الأبواب: إِعطاؤه ثوابَ العامِلِينَ تلْكَ الأعمال، ونَيْلُه ذلك، واللَّه أعلم، وفيه: أنَّ للجنَّة أبواباً، يعني: متعدِّدة بحَسَب الأعمال. انتهى. وروى ابن أبي شَيْبَة في «مُسْنَدِهِ»، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنَّ لِكُلِّ أَهْلِ عَمَلٍ بَابَاً مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يُدْعَوْنَ فِيهِ بِذَلِكَ العَمَلِ» تفسير : . هذا لفظه علَىٰ ما نقله صاحب «الكوكب الدري». انتهى. قوله تعالى: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى}: هذا إِخبارٌ، جزم من اللَّه تعالى أنَّ القول المعروفَ؛ وهو الدعاءُ والتأنيسُ والترجيةُ بما عند اللَّه - خير من صدقة، هي في ظاهرِهَا صدَقَةٌ، وفي باطنها لا شَيْء؛ لأن ذلك القوْلَ المعروفَ فيه أجْر، وهذه لا أجْر فيها، والمَغْفِرَة: السَّتْر للخَلَّة، وسوءِ حالة المُحْتَاجِ؛ ومِنْ هذا قولُ الأعرابيِّ، وقد سأل قوماً بكلامٍ فصيحٍ، فقال له قائلٌ: مِمَّنِ الرجُل؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ غَفْراً، سُوءُ الاِكْتِسَابِ يَمْنَعُ مِنَ الاِنْتِسَابِ». وقال النَّقَّاشُ يقال: معناه: ومغفرةٌ للسائلِ إِنْ أغلظ أو جفا، إِذا حُرِم. ثم أخبر تعالى بغنَاهُ عن صدَقَةِ مَنْ هذه حالُهُ، وحلْمِهِ عَمَّن يقع منه هذا وإِمهالِهِ. وحدَّث [ابن] الجَوْزِيِّ في «صَفْوة الصَّفْوَة» بسنده إِلى حارثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ الصحابيِّ - رضي اللَّه عنه - قال، لَمَّا كُفَّ بصره، جعل خيطاً في مُصَلاَّه إِلى بابِ حُجْرته، ووضع عنده مِكْتَلاً فيه تَمْرٌ وغير ذلك، فكان إِذا سأل المِسْكِين أخذ من ذلك التَّمْر، ثم أخذ من ذلك الخَيْط؛ حتَّىٰ يأخذ إِلى باب الحُجْرة، فيناوله المِسْكِين، فكان أهله يقولُونَ: نَحْنُ نَكْفِيكَ، فيقولُ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «حديث : إِنَّ مُنَاوَلَةَ المِسْكِينِ تَقِي مِيتَةَ السُّوءِ»تفسير : انتهى. وقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ...} الآية. العقيدةُ أنَّ السيئات لا تبطل الحسنَاتِ، فقال جُمْهُورُ العلماء في هذه الآية: إِن الصدقة التي يعلم اللَّه من صاحبها أنه يمنُّ بها أو يؤذِي؛ فإنها لا تُتقبَّلُ صدَقَةً، وقيل: بل يجعل اللَّه للمَلَكِ علَيْها أمارةً، فهو لا يكتبها، قال: * ع *: وهذا حسنٌ؛ لأن المانَّ المُؤْذِيَ لم تكُنْ نيَّته خالصةً للَّه سبحانه، فلم تترتَّب له صدقةٌ، فهذا هو البطلانُ بالمَنِّ والأذَىٰ، وهما لا يبطلان صدَقَةً غيرها سالمةَ النية. ثم مثَّل اللَّه سبحانه هذا الَّذي يَمُنُّ ويؤذي بحَسَب مقدِّمه نيته؛ بالذي ينفقُ رياءً، لا لوجْه اللَّه، والرِّيَاءُ: مصدرٌ من «فَاعَلَ» من الرؤية: كأنّ الرياءَ تظاهُر، وتفاخُر بيْن من لا خير فيه من الناس. قال المَهْدَوِيُّ: والتقدير: كإِبطال الذي ينفقُ ريَاءً. وقوله تعالى: {وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } يحتمل أنْ يريد الكافر أو المنافق؛ إِذْ كلٌّ منهما ينفق؛ ليقال: جَوَاد، ثم مثَّل سبحانه هذا المُنْفِقَ رياءً بِصَفْوَانٍ عليه ترابٌ، فيظنه الظانُّ أرضاً منْبِتَةً طيِّبةً؛ كما يظنُّ قومٌ أنَّ صدقة هذا المرائي لها قَدْر، أو معنًى، فإِذا أصاب الصَّفْوَانَ وابلٌ من المَطَر، ٱنْكَشَف ذلك التُّرَاب، وبقي صَلْداً، فكذلك هذا المرائي، إِذا كان يوم القيامة، وحضرت الأعمال، انكشَفَ سرُّه، وظهر أنه لا قَدْر لصدَقَاته، ولا مَعْنَى، والصَّفْوَانُ: الحَجَر الكبيرُ الأملَسُ، والوَابِلُ: الكثير القَوِيُّ من المَطَر وهو الذي يُسَيِّلُ وجْهَ الأرْضِ، والصَّلْدُ من الحجارة: الأملَسُ الصُّلْب الذي لا شيْء فيه، ويستعار للرأسِ الذي لا شَعْرَ فيه. وقوله تعالى: {لاَّ يَقْدِرُونَ } يريد: الذين يتفقُونَ رياءً، أي لا يقدرون على الاِنتفاع بشيء من إنفاقهم ذلك، وهو كَسْبهم. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} إِما عمومٌ يراد به الخصوصُ، ويحتمل لا يهْدِيهِمْ في كفرهم؛ إِذ هو ضلالٌ محضٌ، ويحتمل: لا يهديهم في صدَقَاتِهِم، وأعمالِهِم، وهم على الكُفْر.

ابن عادل

تفسير : لمَّا بين تعالى أصل العلم بالمبدأ، والمعاد، وبيَّن دلائل صحَّتها، أتبع ذلك ببيان الشرائع، والأحكام، فبدأ ببيان التكليف، بالإنفاق. قال القاضي في كيفية النَّظم: إنه تعالى لمَّا أجمل قوله تعالى {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً}تفسير : [البقرة:245] فصل بهذه الآية الكريمة تلك الأضعاف، وإنما ذكر بين الآيتين الأدلَّة على قدرته بالإحياء والإماتة، من حيث: لولا ذلك لم يحسن التكليف بالإنفاق، لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب، لكان الإنفاق، وسائر الطاعات عبثاً فكأنه تعالى قال لمن رغبه في الإنفاق: قد عرفت أنِّي خلقتك، وأكملت نعمتي عليك، بالإحياء، والإقدار، وقد علمت قدرتي على المجازاة، فليكن علمك بهذه الأحوال داعياً إلى إنفاق المال؛ فإنه يجازي القليل بالكثير، ثمَّ ضرب لذلك الكثير مثلاً. وقال الأصم: إنه تعالى ضرب هذا المثل بعد أن احتجّ على الكلِّ بما يوجب تصديق النبي ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ؛ ليرغبوا بالمجاهدة بالنفس، والمال، في نصرته، وإعلاء شريعته. وقيل: لما بيَّن تعالى أنَّه وليُّ المؤمنين، وأن الكفَّار أولياؤهم الطاغوت، بيَّن مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله، وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت. فصل في سبب نزول الآية [روي أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن عفَّان، وعبد الرحمن بن عوف] ـ رضي الله عنهما ـ؛ حديث : وذلك أنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما حثَّ الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة "تَبُوك"، جاءه عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم، فقال: يا رسول الله، كان عندي ثمانية آلافٍ، فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلافٍ، وأربعة آلافٍ أقرضتها لربِّي، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أَمْسَكْتَ وَفِيمَا أَعْطَيْتَ" وقال عثمان: يا رسول الله، عليَّ جهاز من لا جهاز له؛ فنزلت هذه فيهما . تفسير : وروى البستي عن ابن عمر، قال: حديث : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي؛ فنزلت: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة:245] قال صلى الله عليه وسلم: رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي، فنزلت {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}"تفسير : [الزمر:10]. قوله "مَثَلُ" مبتدأُ، و "كَمَثَلِ حَبَّةٍ" خبره. ولا بدَّ من حذفٍ، حتى يصحَّ التشبيه؛ لأنَّ الذين ينفقون لا يشبَّهون بنفس الحبة. واختلف في المحذوف، فقيل: من الأول، تقديره: ومثل منفق الذين، أو نفقة الذين. وقيل: من الثاني، تقديره: ومثل الذين ينفقون كزارع حبةٍ؛ أو من الأول، والثاني باختلاف التقدير، أي: مثل الذين ينفقون، ونفقتهم كمثل حبَّةٍ وزارعها. وهذه الأوجه قد تقدَّم تقريرها محررةً عند قوله تعالى: {أية : وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ}تفسير : [البقرة:171]. والقول بزيادة الكاف، أو "مِثْلَ" بعيدٌ جدّاً، فلا يلتفت إليه. والحبَّة: واحدة الحبِّ، وهو ما يزرع للاقتيات، وأكثر إطلاقه على البر، قال المتلمِّس: [البسيط] شعر : 1215 - آلَيْتُ حَبَّ العِرَاقِ الدَّهْرَ أَطْعَمُهُ وَالحَبُّ يَأْكُلُهُ فِي الْقَرْيَةِ السُّوسُ تفسير : و "الحِبَّة" بالكسر: بذور البقل ممَّا لا يقتات به، و "الحُبَّة" بالضَّمِّ: الحُبُّ. والحُبُّ: المحبة، وكذلك "الحِبّ" بالكسر، والحِبُّ أيضاً: الحبيب، وحبة القلب سويداؤه، ويقال ثمرته، وهو ذاك. قوله: {أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} أي: أخرجت وهذه الجملة في محلِّ جرٍّ؛ لأنها صفةٌ لحبة، كأن قيل: كمثل حبَّةٍ منبتةٍ. وأدغم تاء التأنيث في سين "سَبْع" أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وهشامٌ. وأظهر الباقون، والتاء تقارب السين، ولذلك أُبدلت منها؛ قالوا: ناسٌ، وناتٌ، وأكياسٌ، وأكياتٌ؛ قال: [الرجز] شعر : 1216- عَمْرو بْنَ يَرْبُوعٍ شِرَارَ النَّاتِ لَيْسُوا بَأَجْيَادٍ وَلاَ أَكْيَاتِ تفسير : أي: شرار الناس، ولا أكياسِ. وجاء التَّمييز هنا على مثال مفاعل، وفي سورة يوسف مجموعاً بالألف والتَّاء، فقال الزمخشريُّ: "فإنْ قلتَ: هلاَّ قيل: "سَبْعَ سُنْبُلاَتٍ" على حقِّه من التمييز بجمع القلّة، كما قال: {أية : وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ}تفسير : [يوسف:43 و 46]. قلت: هذا لما قدَّمت عند قوله: {أية : ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ}تفسير : [البقرة:228] من وقوع أمثلة الجمع [متعاورةً] مواقعها". يعني: أنه من باب الاتساع، ووقوع أحد الجمعين موقع الآخر، وهذا الذي قاله ليس بمخلِّص، [ولا محَصِّلٍ]، فلا بدَّ من ذكر قاعدةٍ مفيدة في ذلك: قال شهاب الدين - رحمه الله -: اعلم أن جمعي السَّلامة لا يميَّز بهما عددٌ إلا في موضعين: أحدهما: ألا يكون لذلك المفرد جمعٌ سواه، نحو: سبع سموات، وسبع بقرات، وسبع سنبلات، وتسع آيات، وخمس صلوات، لأنَّ هذه الأشياء لم تجمع إلا جمع السلامة، فأمَّا قوله: [الطويل] شعر : 1217-...................... .............. فَوْقَ سَبْعِ سَمَائِيَا تفسير : فشاذٌ، منصوصٌ على قلَّته، فلا يلتفت إليه. والثاني: أن يعدل إليه لمجاورة غيره، كقوله: {أية : وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ}تفسير : [يوسف:43 و 46] عدل من "سَنَابِلَ" إِلى "سُنْبُلاَتٍ"؛ لأجل مجاورته "سَبْعَ بَقَرات"، ولذلك إذا لم توجد المجاورة، ميِّز بجمع التكسير دون جمع السلامة، وإن كان موجوداً نحو: "سَبْعِ طَرَائِق، وسَبْعِ لَيَالٍ" مع جواز: طريقات، وليلات. والحاصل أنَّ الاسم إذا كان له جمعان: جمع تصحيح، وجمع تكسيرٍ، فالتكسير إمَّا للقلة، أو للكثرة، فإن كان للكثرة: فإمَّا من باب مفاعل، أو من غيره، فإن كان من باب مفاعل، أُوثر على التصحيح، تقول: ثلاثة أحَامِدَ، وثَلاَثُ زَيَانِبَ، ويجوز قليلاً: أَحْمَدِينَ وَزَيْنَبَات. وإن كان من غير باب مفاعل: فإمَّا أن يكثر فيه من غير التصحيح، وغير جمع الكثرة، أو يقلَّ. فإن كان الأول: فلا يجوز التصحيح، ولا جمع الكثرة إلا قليلاً؛ نحو: ثَلاثَةُ زُيُودٍ، وَثَلاثُ هُنُودٍ، وثَلاَثَةُ أَفْلُسٍ، ولا يجوز: ثلاثةُ زيْدِينَ، ولا ثَلاَثُ هِنْدَات، ولا ثَلاَثةُ فُلُوسٍ، إلاَّ قليلاً. وإن كان الثاني: أُوثر التصحيح وجمع الكثرة، نحو: ثلاثُ سُعَادَات، وثلاثة شُسُوع، وعلى قلّة يجوز: ثَلاثُ سَعَائد، وثلاثةُ أشْسُع. فإذا تقرَّر هذا، فقوله: "سَبْعَ سَنَابِلَ" جاء على المختار، وأمَّا قوله "سَبْعِ سُنْبُلاَتٍ"؛ فلأجل المجاورة كما تقدَّم. وقيل: لمَّا كان الكلام - هاهنا - في تضعيف الأجر، ناسبها جمع الكثرة، وفي سورة يوسف ذكرت في سياق الكلام في سني الجدب؛ فناسبها التقليل؛ فجمعت جمع القلة. والسُّنْبُلَةُ فيها قولان: أحدهما: أنَّ نونها أصليةٌ؛ لقولهم: "سَنْبَلَ الزرعُ" أي: أخرج سنبله. والثاني: أنها زائدةٌ، وهذا هو المشهور؛ لقولهم: "أَسْبَلَ الزرعُ"، فوزنها على الأول: فُعلُلَةٌ، وعلى الثاني: فُنْعُلَة، فعلى ما ثبت من حكاية اللُّغتين: سَنْبَلَ الزرعُ، وأسْبَلَ تكون من باب سَبِط وسِبَطْر. قال القرطبي: من أسْبَلَ الزرعُ: إذا صار فيه السُّنبل، كما يسترسل الستر بالإسبال وقيل: معناه: صار فيه حبٌّ مستورٌ، كما يستر الشيء بإسبال السَّتر عليه. قوله: {فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ} هذا الجارُّ في محلِّ جر؛ صفةً لسنابل، أو نصبٍ؛ صفةً لسبع، نحو: رأيت سبع إماءٍ أحرارٍ، وأحراراً، وعلى كلا التقديرين فيتعلَّق بمحذوفٍ. وفي رفع "مئة" وجهان: أحدهما: بالفاعلية بالجارِّ؛ لأنه قد اعتمد إذ قد وقع صفةً. والثاني: أنها مبتدأٌ والجارُّ قبله خبره، والجملة صفةٌ، إمَّا في محلِّ جرٍّ، أو نصبٍ على حسب ما تقدَّم، إلاَّ أنَّ الوجه [الأول] أولى؛ لأنَّ الأصل الوصف بالمفردات، دون الجمل. ولا بدَّ من تقدير حذف ضميرٍ، أي: في كلِّ سنبلة منها، أي: من السنابل. والجمهور على رفع: "مِئَة" على ما تقدَّم، وقرئ: بنصبها. وجوَّز أبو البقاء في نصبها وجهين: أحدهما: بإضمار فعلٍ، أي: أَنْبَتَتْ، أو أَخْرَجَتْ. والثاني: أنها بدلٌ من "سَبْعِ"، وردَّ بأنَّه لا يخلو: إمَّا أن يكون بدل [كلٍّ] من كلٍّ، أو بدل بعضٍ من كلٍّ، أو بدل اشتمالٍ. فالأول: لا يصحُّ؛ لأنَّ المائة ليست كلَّ السبع سنابل. والثاني: لا يصحُّ - أيضاً؛ لعدم الضمير الراجع على المبدل منه، ولو سلِّم عدم اشتراط الضمير، فالمئة ليست بعض السبع؛ لأنَّ المظروف ليس بعضاً للظرف، والسنبلة ظرفٌ للحبة، ألا ترى قوله: {فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} فجعل السُّنْبُلَة وعاءٌ للحَبِّ. والثالث - أيضاً - لا يصحُّ؛ لعدم الضَّمير، وإن سُلِّم، فالمشتمل على "مِئَةِ حَبَّةٍ" هو سنبلة من سبع سنابل، إلا أن يقال إنَّ المشتمل على المشتمل على الشيء، هو مشتملٌ على ذلك الشيء، فالسنبلة مشتملةٌ على مائة والسنبلة مشتمل عليها سبع سنابل، فلزم أنَّ السبع مشتملةٌ على "مائة حبة". وأسهل من هذا كلِّه أن يكون ثمَّ مضافٌ محذوفٌ، أي: حبَّ سَبْع سَنَابِلَ، فعلى هذا يكون "مِئَةُ حَبَّةٍ" بدل بعضٍ من كل. فصل في المقصود بسبيل الله معنى {يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللهِ} يعني: دينه، قيل: أراد النفقة في الجهاد خاصَّةً، وقيل: جمع أبواب الخير من الواجب والنَّفل. قال القرطبيُّ: شبَّه المتصدِّق بالزَّارع، وشبَّه البذر بالصدقة، فيعطيه بكل صدقةٍ له سبعمائة حسنة، ثمَّ قال {وَٱللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ} يعني على سبعمائة، فيكون مثل المتصدق مثل الزَّارع، إن كان حاذقاً في عمله فيكون البذر جيّداً، وتكون الأرض عامرةً يكون الزرع أكثر، فكذلك المتصدق إذا كان صالحاً، والمال طيِّباً، ويضعه موضعه، فيصير الثواب أكثر. فإن قيل: لم نر سُنبُلَةً فيها مائة حبَّةٍ، فكيف ضرب المثل بها؟ فالجواب: قال القفَّال: المقصود أنه لو علم طالب الزيادة والرِّبح أنَّه إذا بذر حبَّةً واحدةً، أخرجت له سبعمائة حبةٍ ما كان ينبغي له ترك ذلك، فكذلك ينبغي لطالب الآخرة والأجر عند الله ألاَّ يتركه إذا علم أنه يحصل له على الواحدة عشرة ومائة وسبعمائة، وإذا كان المراد منه هذا المعنى فسواء وجدت هذه السنبلة، أو لم توجد، فإنَّ المعنى حاصل مستقيم. وقيل: وجد ذلك في الدُّخن. {وَٱللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ}. قيل: معناه يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء. وقيل يضاعف على هذا، ويزيد لمن يشاء، ما بين سبع إلى سبعين، إلى سبعمائة، إلى ما شاء الله من الأضعاف، مما لا يعلمه إلا الله تعالى. {وَٱللهُ وَاسِعٌ} أي: القدرة على سبيل المجازاة على الجود، والإفضال عليهم بنية من ينفق ماله. فصل في الاستدلال بالآية على فضل الزراعة قال القرطبيُّ: دلَّت هذه الآية على أنَّ حرفة الزَّرع من أعلى الحرف، التي يتخذها الناس، والمكاسب التي يشتغل بها العمَّال، ولذلك ضرب الله به المثل وقال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً، أو يَزْرَعُ زَرْعاً فَتأَكْلُ مِنْهُ الطَّيْرُ، أو إِنْسَانٌ، أوْ بَهِيمَةٌ، إِلاَّ كَانَ لَهُ صَدَقَة"تفسير : رواه مسلم. وروى الترمذي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت -: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : الْتَمِسُوا الرِّزْقَ في خَبَايَا الأَرْضِ"تفسير : ، يعني: الزَّرع، والزِّراعة من فروض الكفايات، يجب على الإمام أن يجبر النَّاس عليها، وما كان في معناها من غرس الأشجار.

البقاعي

تفسير : ولما انقضى جواب السؤال عن الملك الذي لا تنفع عنده شفاعة بغير إذنه ولا خلة ولا غيرهما وما تبع ذلك إلى أن ختم بقصة الأطيار التي صغت إلى الخليل بالإنفاق عليها والإحسان إليها ثنى الكلام إلى الأمر بالنفقة قبل ذلك اليوم الذي لا تنفع فيه الوسائل إلا بالوجه الذي شرعه بعد قوله: {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له} تفسير : [الحديد: 11] نظراً إلى أول السورة تذكيراً بوصف المتقين حثاً عليه، فضرب لذلك مثلاً صريحة لمضاعفتها فاندرج فيه مطلق الأمر بها اندراج المطلق في المقيد وتلويحه الذي هو من جملة المشار إليه بحكيم للاحياء، فصرح بأن النفقة المأمور بها من ذخائر ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه إلا ما شرعه وهو من جليل العزة، وساقه على وجه يتضمن إحياء الموات الذي هو أنسب الأشياء لما قبله من نشر الأموات، فهو إيماء إلى الاستدلال على البعث بأمر محسوس، وذلك من دقيق الحكمة، فكأنه سبحانه وتعالى يقول: إن خليلي عليه الصلاة والسلام لما كان من الراسخين في رتبة الإيمان أهّلته لامتطاء درجة أعلى من درجة الإيقان بخرق العادة في رفع الأستار على يده عن إحياء الأطيار وأقمت نمطاً من ذلك لعامة الخلق مطوياً في إحياء النبات على وجه معتاد فمن اعتبر به أبصر ومن عمي عنه انعكس حاله وأدبر فقال سبحانه وتعالى: {مثل} فكان كأنه قيل: {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً}تفسير : [الحديد: 11] {أية : يا أيها الذين آمنوا أنفقوا} تفسير : [البقرة: 254] فإنه مثل {الذين ينفقون} أي يبذلون {أموالهم} بطيب نفس {في سبيل الله} أي الذي له الكمال كله كمثل زارع مثل ما ينفقون {كمثل حبة} مما زرعه. قال الحرالي: من الحب وهو تمام النبات المنتهي إلى صلاحية كونه طعاماً للآدمي الذي هو أتم الخلق، فالحب أكمل من الثمرة طعامية والثمرة إدامية {أنبتت} أي بما جعل الله سبحانه وتعالى لها من قوة الإنبات بطيب أرضها واعتدال ريها {سبع سنابل} بأن تشعب منها سبع شعب في كل شعبة سنبلة وهو من السنبل. قال الحرالي: وهو مجتمع الحب في أكمامه، كأنه آية استحقاق اجتماع أهل ذلك الرزق في تعاونهم في أمرهم، وتعريف بأن الحب يجمعه لا بوحدته {في كل سنبلة مائة حبة} فصارت الحبة سبعمائة حبة بمضاعفة الله لها. قال الحرالي: فضرب المثل للإنفاق في سبيل الله وذكر السبع لما فيه من التمام بالحرث الذي هو كيميا عباده يشهدون من تثميره حيث تصير الحبة أصلاً ويثمر الأصل سنابل ويكون في كل سنبلة أعداد من الحب، فكان ما ذكر تعالى هو أول الإنفاق في سبيل الله وذكر السبع لما فيه من التمام وما يقبله من التكثير، فإن ما أنبت أكثر من سبع إذا قصد بالتكثير أنبأ عنه بالسبع، لأن العرب تكثر به ما هو أقل منه أو أكثر، فجعل أدنى النفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف، ثم فتح تعالى باب التضعيف إلى ما لا يصل إليه عد - انتهى. فالآية من الاحتباك وتقديرها: مثل الذين ينفقون ونفقتهم كمثل حبة وزارعها، فذكر المنفق أولاً دليل على حذف الزارع ثانياً، وذكر الحبة ثانياً دليل على حذف النفقة أولاً. ولما كان التقدير: فكما ضاعف سبحانه وتعالى للزارع حبته فهو يضاعف للمنفق نفقته، عطف عليه قوله: {والله يضاعف لمن يشاء} بما له من السعة في القدرة وكل صفة حسنى {والله} أي بما له من الكمال في كل صفة {واسع} لا يحد في صفة من صفاته التي تنشأ عنها أفعاله {عليم} فهو يضاعف لأهل النفقة على قدر ما علمه من نياتهم؛ ولما ختم أول آيات هذه الأمثال بهاتين الصفتين ختم آخرها بذلك إشارة إلى أن سعته قد أحاطت بجميع الكائنات فهو جدير بالإثابة في الدارين، وأن علمه قد شمل كل معلوم فلا يخشى أن يترك عملاً. ولما كان الإنسان قد يزرع ما يكون لغيره بين أن هذا لهم بشرط فقال: - وقال الحرالي: ولما كان للخلافة وخصوصاً بالإنفاق موقع من النفس بوجوه مما ينقص التضعيف أو يبطله كالذي يطرأ على الحرث الذي ضرب به المثل مما ينقص نباته أو يستأصله نبه تعالى على ما يبطل؛ انتهى. فقال سبحانه وتعالى: {الذين ينفقون} ورغبهم في إصلاحها ورهبهم من إفسادها بإضافتها إليهم فقال: {أموالهم} وحث على الإخلاص في قوله: {في سبيل الله} أي الذي له الأسماء الحسنى. ولما كانت النفس مطبوعة على ذكر فضلها وكان من المستبعد جداً تركها له نبه عليه بأداة البعد إعلاماً بعظيم فضله فقال: {ثم لا يتبعون ما أنفقوا} بما يجاهدون به أنفسهم {مناً} قال الحرالي: وهو ذكره لمن أنفق عليه فيكون قطعاً لوصله بالإغضاء عنه لأن أصل معنى المنّ القطع {ولا أذى} وهو ذكره لغيره فيؤذيه بذلك لما يتعالى عليه بإنفاقه - انتهى. وكذا أن يقول لمن شاركه في فعل خير: لو لم أحضر ما تم، وتكرير {لا} تنبيه على أن انتفاء كل منهما شرط لحصول الأجر {لهم} ولم يقرنه بالفاء إعلاماً بأنه ابتداء عطاء من الله تفخيماً لمقداره وتعظيماً لشأنه حيث لم يجعله مسبباً عن إنفاقهم {أجرهم} أي الذي ذكره في التضعيف فأشعر ذلك أنه إن اقترن بما نهي عنه لم يكن لهم، ثم زادهم رغبة بقوله: {عند ربهم} أي المحسن إليهم بتربيتهم القائم على ما يقبل من النفقات بالحفظ والتنمية حتى يصير في العظم إلى حد يفوت الوصف {ولا خوف عليهم} من هضيمة تلحقهم {ولا هم يحزنون *} على فائت، لأن ربهم سبحانه وتعالى لم يترك شيئاً من الفضل اللائق بهم إلا أوصله إليهم. ولما أفهم هذا وهي ما لا يقترن بالشرط من الإنفاق فتشوقت النفس إلى الوقوف على الحقيقة من أمره صرح به في قوله: {قول معروف} قال الحرالي: وهو ما لا يوجع قلب المتعرض بحسب حاله وحال القائل. ولما كان السائل قد يلح ويغضب من الرد وإن كان بالمعروف من القول فيغضب المسؤول قال: {ومغفرة} للسائل إذا أغضب من رده {خير من صدقة} وهي الفعلة التي يبدو بها صدق الإيمان بالغيب من حيث إن الرزق غيب فالواثق منفق تصديقاً بالخلف إعلاماً بعظم فضله {يتبعها أذى} بمن أو غيره، لأنه حينئذ يكون جامعاً بين نفع وضر وربما لم يف ثواب النفع بعقاب الضر {والله} أي والحال أن الملك الذي لا أعظم منه {غني} فهو لا يقبل ما لم يأذن فيه. ولما رهب المتصدق بصفة الغني رغبة في الحلم عمن أغضبه بكفران الإحسان أو الإساءة في القول عند الرد بالجميل فقال: {حليم} أي لا يعاجل من عصاه بل يرزقه وينصره وهو يعصيه ويكفره. ولما شرط لقبولها شرطاً ووهّى ما عري منها عنه أتبعه التصريح بالنهي عن إهماله والنص على محقه لها وإبطاله وضرب لذلك مثلاً وضرب للمثل مثلاً مبالغة في الزجر عن ذلك فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بذلك صدقوا إقراركم بأن {لا تبطلوا} قال الحرالي: فبين أن ما اشترطه في الأجر المطلق مبطل للإنفاق - انتهى {صدقاتكم بالمن والأذى} فربما وازى عقابهما ثواب الصدقة أو زاد فكان كالإبطال لأوله إلى أن لا ثواب. قال الحرالي: فألحق عمل الإخلاص بآفة ما تعقبه بما بني على أصل الرياء - انتهى. فقال: {كالذي ينفق ماله} لغير الله، إنما ينفقه {رئاء الناس} أي لقصد أن يروه. قال الحرالي: هو الفعل المقصود به رؤية الخلق غفلة عن رؤية الحق وعماية عنه. ولما شبه المانّ والمؤذي بالمرائي لأنه أسقط الناس وأدناهم همة وأسوؤهم نظراً وأعماهم قلباً فأولو الهمم العلية لا سيما العرب أشد شيء نفرة منه وأبعده عنه وكان لمن يرائي حالان ألحقه بأشدهما فقال: {ولا يؤمن بالله} أي الذي له صفة الكمال {واليوم الآخر} الذي يقع فيه الجزاء بعد نقد الأعمال جيدها من رديئها. قال الحرالي: ولما ضرب مثلاً لنماء النفقة بالحرث ضرب مثلاً لإبطالها بخطأ الحارث في الحرث فقال: {فمثله} في إنفاقه مقارناً لما يفسده، ومثل نفقته {كمثل صفوان} وما زرع عليه، وهو صيغة مبالغة من الصفا وهي الحجارة الملس الصلبة التي لا تقبل انصداعها بالنبات - انتهى. {عليه تراب} فاغتر به بعض الجهلة فزرع عليه. ولما كانت إزالة التراب عما وقع عليه عقب وقوعه أجدر ما زالت بحذافيره ولا سيما إن كان حجراً أملس قال إبلاغاً في إبطال الرياء للعمل: {فأصابه} أي عقب كون التراب عليه من غير مهمة بخلاف ما يأتي من الربوة فإنها صفة لازمة فلو تعقبها المطر لدام بدوامها فأفسدها {وابل} أي مطر كثير فأزال التراب عنه {فتركه صلداً} أي صخراً لا يقبل النبات بوجه بل يخيب من يأمله كما يقال أصله الزند إذا لم يور، فجعل قلب المؤذي المانّ بمنزلة الصفوان الذي أصابه وابل المطر، فأذهب عائد نفقته كما أذهب بذر الحارث على الصفوان وابل المطر الذي شأنه أن يصلح البذر - قاله الحرالي وفيه تصرف. ولما بان بهذا بطلان العمل في المثل والممثول ترجمة بقوله: {لا يقدرون} أي الممثل لهم والممثل بهم {على شيء مما كسبوا} فالآية من الاحتباك ولما كان الزارع على مثل هذا عجباً في الضلال والغباوة وكان التقدير: فإن الله لا يقبل عمل المؤذين كما لا يقبل عمل المرائين، عطف عليه معلماً أنه يعمي البصراء عن أبين الأمور إذا أراد ومهما شاء فعل قوله: {والله} الذي له الحكمة كلها {لا يهدي} أي لوجه مصلحة. ولما كان كل من المؤذي والمرائي قد غطى محاسن عمله بما جره من السوء قال: {القوم الكافرين} وفي ذكره ولهذه الجملة وحدها أشد ترهيب للمتصدق على هذا الوجه. ولما فرغ من مثل العاري عن الشرط ضرب للمقترن بالشرط من الإنفاق مثلاً منبهاً فيه على أن غيره ليس مبتغى به وجه الله فقال: {ومثل} قال الحرالي: عطفاً على {الذي ينفق ماله رئاء الناس} {ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} عطف مقابلة وعلى {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} [البقرة: 261] عطف مناسبة - انتهى. {الذين ينفقون أموالهم} أي مثل نفقاتهم لغير علة دنياوية ولا شائبة نفسانية بل {ابتغاء مرضات الله} أي الذي له الجلال والإكرام فلذلك صلح كل الصلاح فعري عن المن والأذى وعيرهما من الشوائب الموجبة للخلل قال الحرالي: والمرضاة مفعلة لتكرر الرضى ودوامه - انتهى. {وتثبيتاً من أنفسهم} بالنظر في إصلاح العمل وإخلاصه بالحمل على الحلم والصفح والصبر على جميع مشاق التكاليف فإن من راض نفسه بحملها على بذل المال الذي هو شقيق الروح وذلت له خاضعة وقل طمعها في اتباعه لشهواتها فسهل عليه حملها على سائر العبادات، ومتى تركها وهي مطبوعة على النقائص زاد طمعاً في اتباع الشهوات ولزوم الدناءات، فمن للتبعيض مفعول به مثلها في قولهم: لين من عطفه وحرك من نشاطه {كمثل جنة} أي بستان ومثل صاحبها. قال الحرالي: ولما كان حرث الدنيا حباً وثمراً جعل نفقات الأخرى كذلك حباً وتمراً. فمن أنفق في السبيل جعل مثله كالحب، ومن أنفق ابتغاء لمرضاة الله جعل مثله كالجنة التي لها أصل ثابت تدور عليها الثمرات وهي ثابتة وتستغني من الماء بما لا يستغني به الحرث لأن الحرث مستجد في كل وقت، كما أن الجهاد واقع عند الحاجة إليه والمنفق ابتغاء مرضاة الله ينفق في كل وجه دائم الإنفاق، فكان مثله مثل الجنة الدائمة ليتطابق المثلان بالممثولين، فعمت هذه النفقة جهات الإنفاق كلها في جميع سبل الخير - انتهى. {بربوة} أي مكان عال ليس بجبل. قال الحرالي: في إعلامه أن خير الجنات ما كان في الربوة لتنالها الشمس وتخترقها الرياح اللواقح، فأما ما كان من الجنان في الوهاد تجاوزتها الرياح اللواقح من فوقها فضعفت حياتها، لأن الرياح هي حياة النبات "الريح من نفس الرحمن" انتهى. ثم وصفها بقوله: {أصابها وابل} أي مطر كثير {فأتت أكلها} أي أخرجته بإذن الله سبحانه وتعالى حتى صار في قوة المعطي {ضعفين} أي مثل ما كانت تخرجه لو أصابها دون الوابل - كذا قالوا: مثلين، والظاهر أن المراد أربعة أمثاله، لأن المراد بالضعف قدر الشيء ومثله معه فيكون الضعفان أربعة - والله سبحانه وتعالى أعلم؛ والآية من الاحتباك، ذكر المنفق أولاً دال على حذف صاحب الجنة ثانياً، وذكر الجنة ثانياً دال على حذف النفقة أولاً. ولما كان الوابل قد لا يوجد قال: {فإن لم يصبها وابل فطل} أي فيصيبها لعلوها طل، وهو الندى الذي ينزل في الضباب. وقال الحرالي: الطل سن من أسنان المطر خفي لا يدركه الحس حتى يجتمع، فإن المطر ينزل خفياً عن الحس وهو الطل، ثم يبدو بلطافة وهو الطش، ثم يقوى وهو الرش، ثم يتزايد ويتصل وهو الهطل، ثم يكثر ويتقارب وهو الوابل، ثم يعظم سكبه وهو الجود؛ فله أسنان مما لا يناله الحس للطافته إلى ما لا يحمله الحس كثرة - انتهى. والمعنى أن أهل هذا الصنف لا يتطرق إلى أعمالهم فساد، غايتها أن يطرقها النقص باعتبار ضعف النيات، ولذلك كان التقدير تسبيباً عن ذلك: فالله بما تستحقون على نياتكم عليم، فعطف عليه قوله: {والله} أي المحيط علماً وقدرة {بما تعملون} أي بما ظهر منه {بصير} كما هو كذلك بما بطن، فاجتهدوا في إحسان الظاهر والباطن. وقدم مثل العاري عن الشرط عليه لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. ولما قدم سبحانه وتعالى أن المن مبطل للصدقة ومثله بالرياء وضرب لهما مثلاً ورغب في الخالص وختم ذلك بما يصلح للترهيب من المن والرياء رجع إليهما دلالة على الاهتمام بهما فضرب لهما مثلاً أوضح من السالف وأشد في التنفير عنهما والبعد منهما فقال - وقال الحرالي: ولما تراجع خبر الإنفاقين ومقابلهما تراجعت أمثالها فضرب لمن ينفق مقابلاً لمن يبتغي مرضاة الله تعالى مثلاً بالجنة المخلفة، انتهى. فقال - منكراً على من يبطل عمله كأهل مثل الصفوان بعد كشف الحال بضرب هذه الأمثال: {أيود أحدكم} أي يحب حباً شديداً {أن تكون له جنة} أي حديقة تستر داخلها وعين هنا ما أبهمه في المثل الأول فقال: {من نخيل} جمع نخلة وهي الشجرة القائمة على ساق الحية من أعلاها أشبه الشجر بالآدمي، ثابت ورقها، مغذ مؤدم ثمرها، في كليتها نفعها حتى في خشبها طعام للآدمي بخلاف سائر الشجر، مثلها كمثل المؤمن الذي ينتفع به كله {وأعناب} جمع عنب وهو شجر متكرم لا يختص ذهابة بجهة العلو اختصاص النخلة بل يتفرع علواً وسفلاً ويمنة ويسرة، مثله مثل المؤمن المتقي الذي يكرم بتقواه في كل جهة - قاله الحرالي. ولما كانت الجنان لا تقوم وتدومها إلا بالماء قال: {تجري من تحتها الأنهار} أي لكرم أرضها. وقال الحرالي: وفي إشعاره تكلف ذلك فيها بخلاف الأولى التي هي بعل فإن الجائحة في السقي أشد على المالك منها في البعل لقلة الكلفة في البعل ولشدة الكلف في السقي - انتهى. ولما وصفها بكثرة الماء ذكر نتيجة ذلك فقال: {له فيها من كل الثمرات} أي مع النخل والعنب. ولما ذكر كرمها ذكر شدة الحاجة إليها فقال: {وأصابه} أي والحال أنه أصابه {الكبر} فصار لا يقدر على اكتساب {وله ذرية ضعفاء} بالصغر كما ضعف هو بالكبر {فأصابها} أي الجنة مرة من المرات {إعصار} أي ريح شديدة جداً. قال الحرالي: صيغة اشتداد بزيادة الهمزة والألف فيه من العصر وهو الشدة المخرجة لخبء الأشياء، والإعصار ريح شديدة في غيم يكون فيها حدة من برد الزمهرير، وهو أحد قسمي النار، نظيره من السعير السموم. وقال الأصفهاني: ريح تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود {فيه نار، فاحترقت} تلك الجنة وبقي صاحبها بمضيعة مع ضعفه وثقل ظهره بالعيال وقلة المال. قال الحرالي: من الاحتراق وهو ذهاب روح الشيء وصورته ذهاباً وحياً بإصابة قاصف لطيف يشيع في كليته فيذهبه ويفنيه؛ فجعل المثل الأول في الحب أي الذي على الصفوان لآفة من تحته. وجعل المثل في الجنة بجائحة من فوقه كأنهما جهتا طرو العلل والآفات من جهة أصل أو فرع - انتهى. فحال من رأى في أعماله أو آذى في صدقة ماله في يوم القيامة وأهواله كحال هذا في نفسه وعياله عند خيبة آماله، وروى البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير عن عبيد بن عمير قال قال عمر رضي الله تعالى عنه لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "فيم ترون هذه الآية نزلت {أيود أحدكم} إلى أن قال: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: ضربت مثلاً لعمل، قال عمر رضي الله تعالى عنه: أيّ عمل؟ قال ابن عباس: لعمل، قال عمر رضي الله تعالى عنه: لرجل غني يعمل بطاعة الله سبحانه وتعالى ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله". ولما بين لهم هذا البيان الذي أبهت بلغاء الإنس والجان نبههم على تعظيمه لتبجيله وتكريمه بقوله مستأنفاً: {كذلك} أي مثل هذا البيان {يبين الله} أي الذي له الكمال كله {لكم الآيات} أي كلها {لعلكم تتفكرون *} أي ليكون حالكم حال من يرجى أن يحمل نفسه على الفكر، ومن يكون كذلك ينتفع بفكره. وقال الحرالي: فتبنون الأمور على تثبيت، لا خير في عبادة إلا بتفكر، كما أن الباني لا بد أن يفكر في بنائه، كما قال الحكيم: أول الفكرة آخر العمل وأول العمل آخر الفكرة، كذلك من حق أعمال الدين أن لا تقع إلا بفكرة في إصلاح أوائلها السابقة وأواخرها اللاحقة، فكانوا في ذلك صنفين بما يشعر به {لعلكم} مطابقين للمثل متفكر مضاعف حرثه وجنته وعامل بغير فكرة تستهويه أهواء نفسه فتلحقه الآفة في عمله في حرثه وجنته من سابقه أو لاحقه - انتهى. ولما رغب في الفعل وتخليصه عن الشوائب أتبعه المال المنفق منه فأمر بطيبه فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان {أنفقوا} أي تصديقاً لإيمانكم {من طيبات ما كسبتم} وإنما قدم الفعل لأنه ألصق بالإنسان وتطييبه أعم نفعاً، ولما ذكر ما أباحه سبحانه وتعالى من أرباح التجارات ونحوها أتبعه ما أباحه من منافع النباتات ونحوها منبهاً بذلك على أن كل ما يتقلب العباد فيه من أنفسهم وغيرها نعمة منه أنشأها من الأرض التي أبدعها من العدم ترغيباً في الجود به وفي جعله خياراً حلالاً وترهيباً من الشح به وجعله ديناً أو حراماً فقال: {ومما أخرجنا} أي بعظمتنا {لكم} نعمة منا عليكم {من الأرض} قال الحرالي: قدم خطاب المكتسبين بأعمالهم كأنهم المهاجرون وعطف عليهم المنفقين من الحرث والزرع كأنهم الأنصار - انتهى. ولما أمر بذلك أكد الأمر به بالنهي عن ضده فقال: {ولا تيمموا} أي لا تتكلفوا أن تقصدوا {الخبيث منه} أي خاصة {تنفقون} قال الحرالي: الخبيث صيغة مبالغة بزيادة الياء من الخبث وهو ما ينافر حس النفس: ظاهره وباطنه، في مقابله ما يرتاح إليه من الطيب الذي ينبسط إليه ظاهراً وباطناً، وقال: ففي إلاحته معنى حصر كأنهم لا ينفقون إلا منه ليتجاوز النهي من ينفق من طيبه وخبيثه على غير قصد اختصاص النفقة من الخبيث - انتهى. ثم أوضح قباحة ذلك بقوله: {ولستم بآخذيه} أي إذا كان لكم على أحد حق فأعطاكموه {إلا أن تغمضوا} أي تسامحوا {فيه} بالحياء مع الكراهة. قال الحرالي: من الإغماض وهو الإغضاء عن العيب فيما يستعمل، أصله من الغمض وهي نومة تغشي الحس ثم تنقشع، وقال: ولما كان الآخذ هو الله سبحانه وتعالى ختم بقوله: {واعلموا} انتهى. وعبر بالاسم الأعظم فقال: {أن الله} المستكمل لجميع صفات الكمال من الجلال والجمال {غني} يفضل على من أسلف خيراً رغبة فيما عنده وليست به حاجة تدعوه إلى أخذ الرديء ولا رغبكم في أصل الإنفاق لحاجة منه إلى شيء مما عندكم وإنما ذلك لطف منه بكم ليجري عليه الثواب والعقاب {حميد} يجازي المحسن أفضل الجزاء على أنه لم يزل محموداً ولا يزال عذب أو أثاب. قال الحرالي: وهي صيغة مبالغة بزيادة ياء من الحمد الذي هو سواء أمر الله الذي لا تفاوت فيه من جهة إبدائه وافق الأنفس أو خالفها. ولما رغب سبحانه وتعالى في الإنفاق وختم آياته بما يقتضي الوعد من أصدق القائلين بالغنى والإثابة في الدارين أتبعه بما للعدو الكاذب من ضد ذلك فقال محذراً من البخل - في جواب من كأنه قال: هذا ما لا يشك فيه فما للنفوس لا توجد غالباً إلا شحيحة بالإنفاق-: {الشيطان} أي الذي اسمه أسوأ الأسماء، فإنه يقتضي الهلاك والبعد، وأحد الوصفين كاف في مجانبته فكيف إذا اجتمعا! {يعدكم الفقر} المانع من الإنفاق. قال الحرالي: الذي لخوفه تقاطع أهل الدنيا وتدابروا وحرصوا وادخروا. وكل ذلك لا يزيل الفقر، كل حريص فقير ولو ملك الدنيا، وكل مقتنع غني، ومن حق من كان عبداً لغني أن يتحقق أنه غني يغني سيده، ففي خوف الفقر إباق العبد عن ربه؛ والفقر فقد ما إليه الحاجة في وقت من قيام المرء في ظاهره وباطنه - انتهى. {ويأمركم بالفحشاء} المبطلة له من المن والأذى وغيرهما من مستلذات الأنفس وربما كان فيها إتلاف الأموال وإذهاب الأرواح. وقال الحرالي: وكل ما اجتمعت عليه استقباحات العقل والشرع والطبع فهو فحشاء، وأعظم مراد بها هنا البخل الذي هو أدوأ داء، لمناسبة ذكر الفقر، وعليه ينبني شر الدنيا والآخرة ويلازمه الحرص ويتابعه الحسد ويتلاحق به الشر كله انتهى وفيه تصرف. ولما ذكر ما للعدو من الشر أتبعه سبحانه وتعالى بما له من الخير فقال مصرحاً بما تقدم التلويح به: {والله} أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى الرحيم الودود {يعدكم مغفرة منه} لما وقع منكم من تقصير، وفيه إشعار بأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره لما له من الإحاطة بصفات الكمال ولما جبل عليه الإنسان من النقص {وفضلاً} بالزيادة في الدارين، وكل نعمة من فضل؛ ثم أكد ذلك بقوله: {والله} أي المحيط بكل كمال {واسع} لتضمنه معنى حليم غني، وأتبعه بقوله: {عليم} إشارة إلى أنه لا يضيع شيئاً وإن دق. قال الحرالي: وفي إشعاره توهين لكيد الشيطان ووعد كريم للمفتون بخوف الفقر وعمل الفحشاء لما علمه من ضعف الأنفس وسرعة قبولها من الوسواس - انتهى. فختم آخر آيات الأمثال بما ختم به أولها ترغيباً وترهيباً.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة...‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ فذلك سبعمائة حسنة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال‏:‏ هذا لمن أنفق في سبيل الله فله أجره سبعمائة مرة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله ‏{‏والله واسع عليم‏} ‏ قال‏:‏ واسع أن يزيد في سعته،عالم بمن يزيده‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال‏:‏ ‏"‏كان من بايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة ورابط معه بالمدينة ولم يذهب وجهاً إلا باذنه كانت له الحسنة بسبعمائة ضعف، ومن يبيع على الإِسلام كانت الحسنة له عشر أمثالها‏"‏‏.‏ وأخرج ابن ماجة عن الحسن بن علي بن أبي طالب وأبي الدرداء وأبي هريرة وأبي أمامه الباهلي وعبدالله بن عمر وجابر بن عبدالله وعمران بن حصين كلهم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ح. وأخرج ابن ماجة وابن أبي حاتم عن عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم، ثم تلا هذه الآية ‏{‏والله يضاعف لمن يشاء‏}‏ ‏‏".‏ تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏النفقة في سبيل الله تضاعف سبعمائة ضعف‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد ومسلم والنسائي والحاكم والبيهقي عن ابن مسعود "حديث : ‏‏أن رجلاً تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة، كلها مخطومة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن خريم بن فاتك قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبعمائة ضعف‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏الأعمال عند الله سبعة‏:‏ عملان موجبان، وعملان أمثالهما، وعمل بعشرة أمثاله، وعمل بسبعمائة، وعمل لا يعلم ثواب عامله إلا لله‏.‏ فأما الموجبان: فمن لقي الله يعبده مخلصاً لا يشرك به شيئاً وجبت له الجنة، ومن لقي الله قد أشرك به وجبت له النار، ومن عمل سيئة جزي بمثلها، ومن هم بحسنة جزي بمثلها، ومن عمل حسنة جزي عشراً، ومن أنفق ماله في سبيل الله ضعفت له نفقته الدرهم بسبعمائة والدينار بسبعمائة، والصيام لله لا يعلم ثواب عامله إلا الله عز وجل‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني عن معاذ بن جبل ‏"حديث : ‏‏‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: طوبى لمن أكثر في الجهاد في سبيل الله من ذكر الله، فإن له بكل كلمة سبعين ألف حسنة، كل حسنة منها عشرة أضعاف مع الذي له عند الله من المزيد‏. قيل‏:‏ يا رسول الله النفقة‏؟‏ قال‏:‏ النفقة على قدر ذلك‏.‏ قال عبد الرحمن‏:‏ فقلت لمعاذ‏:‏ إنما النفقة بسبعمائة ضعف‏؟‏ فقال معاذ‏:‏ قل فهمك، إنما ذاك إذا أنفقوها وهم مقيمون في أهلهم غير غزاة، فإذا غزا وأنفقوا خبأ الله لهم من خزائن رحمته ما ينقطع عنه علم العباد وصفتهم، فأولئك حزب الله وحزب الله هم الغالبون‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن عدي بن حاتم "حديث : ‏‏‏أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصدقة أفضل‏؟‏ قال‏: خدمة عبد في سبيل الله، أو ظل فسطاط أو طروقة فحل في سبيل الله‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الترمذي وصححه عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏أفضل الصدقات ظل فسطاط في سبيل الله، أو منحة خادم في سبيل الله، أو طروقة فحل في سبيل الله‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن زيد بن خالد الجهني "حديث : ‏‏‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن ماجة والبيهقي عن عمر بن الخطاب "حديث : ‏‏‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ من جهز غازياً حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏من جهز غازياً في سبيل الله فله مثل أجره، ومن خلف غازياً في أهله بخير وأنفق على أهله كان له مثل أجره‏ "‏‏. تفسير : وأخرج مسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري "حديث : ‏‏‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بني لحيان ليخرج من كل رجلين رجل، ثم قال للقاعد‏: أيكم خلف الخارج في أهله فله مثل أجره‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والحاكم والبيهقي عن سهل بن حنيف "حديث : ‏‏‏‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ من أعان مجاهداً في سبيل الله، أو غارماً في عسرته، أو مكاتباً في رقبته، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من أظل رأس غاز أظله الله يوم القيامة، ومن جهز غازياً في سبيل الله فله مثل أجره، ومن بنى مسجداً لله يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتاً في الجنة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن صعصعه بن معاوية قال‏:‏ قلت لأبي ذر حدثني‏.‏ قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ما من عبد مسلم ينفق من ماله زوجين في سبيل الله إلا استقبلته حَجَبَةُ الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده‏.‏ قلت‏:‏ وكيف ذاك‏؟‏ قال‏:‏ إن كانت رحالاً فرحلين، وإن كانت إبلاً فبعيرين، وإن كانت بقراً فبقرتين‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نفقة الحج والجهاد سواء، الدرهم سبعمائة لأنه في سبيل الله‏. وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط والبيهقي في سننه عن بريدة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله، الدرهم بسبعمائة ضعف‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله، الدرهم بسبعمائة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن معاذ بن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن الصلاة والصيام والذكر تضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف‏ "‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي في وجوه الخيرِ من الواجب والنفل {كَمَثَلِ حَبَّةٍ} لا بد من تقديرِ مضافٍ في أحد الجانبـين أي مَثلُ نفقتِهم كمثلِ حبةً أو مَثلُهم كمَثلِ باذرِ حبة {أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} أي خرَّجت ساقاً تشعّب منها سبعُ شُعبٍ لكل واحدة منها سنبلة {فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ} كما يشاهَد ذلك في الذُرة والدخن في الأراضي المغلة بل أكثر من ذلك، وإسنادُ الإنباتِ إلى الحبة مجازيٌ كإسناده إلى الأرض والربـيع، وهذا التمثيلُ تصويرٌ للأضعاف كأنها حاضرةٌ بـين يدَي الناظر {وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ} تلك المضاعفةَ أو فوقها إلى ما شاء الله تعالى {لِمَن يَشَاء} أن يضاعِفَ له بفضله على حسب حالِ المنفِق من إخلاصه وتعبِه ولذلك تفاوتت مراتبُ الأعمال في مقادير الثواب {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ} لا يَضيقُ عليه ما يتفضّل به من الزيادة {عَلِيمٌ} بنية المنفقِ ومقدارِ إنفاقِه وكيفيةِ تحصيلِ ما أنفقه {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} جملةٌ مبتدأةٌ جيء بها لبـيان كيفيةِ الإنفاق الذي بُـيِّن فضلُه بالتمثيل المذكور {ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ} أي ما أنفقوه أو إنفاقَهم {مَنّا وَلا أَذًى} المن أن يَعتدَّ على مَنْ أحسن إليه بإحسانه ويُريَه أنه أوجبُ بذلك حقاً والأذى أن يتطاولَ عليه بسبب إنعامه عليه وإنما قُدم المن لكثرة وقوعِه، وتوسيطُ كلمة {لا} للدَلالة على شمول النفي لإتباع كل واحدٍ منهما و{ثُمَّ} لإظهار علوِّ رتبة المعطوف، قيل: نزلت في عثمان رضي الله عنه حين جهز جيش العُسرة بألفِ بعير بأقتابها وأحلاسها وعبدِ الرحمٰن بنِ عوف رضي الله عنه حين أتى النبـيَّ صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهم صدقةً ولم يكَدْ يخطُر ببالها شيءٌ من المن أو الأذى {لَهُمْ أَجْرُهُمْ} أي حسبما وُعدَ لهم في ضمن التمثيل، وهو جملةٌ من مبتدأ وخبر وقعت خبراً عن الموصول، وفي تكرير الإسناد وتقيـيدِ الأجر بقوله: {عِندَ رَبّهِمْ} من التأكيد والتشريفِ ما لا يخفى، وتخليةُ الخبر عن الفاء المفيدة لسببـية ما قبلها لما بعدها للإيذان بأن ترتبَ الأجر على ما ذكر من الإنفاق وتركَ إِتباعِ المن والأذى أمرٌ بـيِّن لا يحتاج إلى التصريح بالسببـية وأما إيهامُ أنهم أهلٌ لذلك وإن لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا فيأباه مقامُ الترغيب في الفعل والحث عليه {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} في الدارين من لحوق مكروهٍ من المكاره {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} لفوات مطلوبٍ من المطالب قلَّ أو جلَّ، أي لا يعتريهم ما يوجبه لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا أنه لا يعتريهم خوفٌ وحزن أصلاً بل يستمرون على النشاط والسرور، كيف لا واستشعارُ الخوف والخشية استعظاماً لجلال الله وهيبته واستقصاراً للجِد والسعي في إقامة حقوقِ العبودية من خواصِّ الخاصةِ والمقرَّبـين، والمرادُ بـيانُ دوامِ انتفائِهما لا بـيانُ انتفاءِ دوامِهما كما يوهمه كونُ الخبر في الجملة الثانية مضارعاً عالماً أن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيدُ الدوام والاستمرار بحسب المقام.

القشيري

تفسير : فالخَلَفُ لهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم في سبيل الله فالخَلَفُ عنهم الحقُّ سبحانه، وشتان بين خلف من أنفق ماله فوجد مثوبته، ومَنْ أنفق حاله فوجد قربته؛ فإنفاق المال في سبيله بالصدقة، وإنفاق الأحوال في سبيله بملازمة الصدق، وبنفي كل حظ ونصيب، فترضى لجريان حكمه عليك من غير تعبيس القلب، قال قائلهم: شعر : أُريد وصاله ويريد هجري فأتركُ ما أريد لما يريد تفسير : والإنفاق على ضربين: إنفاق العابدين وإنفاق الواجدين. أمَّا العابدون فإذا أنفقوا حَبَّةً ضاعَفَ لهم سبعين إلى ما ليس فيه حساب، وأما الواجدون فكما قيل: شعر : فلا حَسَنٌ نأتي به يقبلونه ولا إن أسأنا كان عندهم محو

اسماعيل حقي

تفسير : {مثل} نفقات {الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله} اى فى وجوه الخيرات من الواجب كالزكاة والنفل وقدر فى الكلام حذف لان الذين ينفقون لا يشبهون الحبة لانه لا يشبه الحيوان بالجماد بل نفقاتهم تشبه الحبة {كمثل حبة} لزراع زرعها فى ارض عامرة والحبة واحدة الحب وهو ما يزرع للاقتيات واكثر اطلاقه على البر {أنبتت} اىاخرجت واسناد الانبات الى الحبة مجاز {سبع سنابل} اى ساقات تشعب منها سبع شعب لكل واحدة منها سنبلة {فى كل سنبلة مائة حبة} كما يشاهد ذلك فى الذرة والدخن فى الاراضى المغلة بل اكثر من ذلك {والله يضاعف} تلك المضاعفة الى ما شاء الله تعالى {لمن يشاء} ان يضاعف له بفضله وعلى حسب حال المنفق من اخلاصه وتعبه ولذلك تفاوتت مراتب الاعمال فى مقادير الثواب {والله واسع} لا يضيق عليه ما يتفضل به من الزيادة {عليم} بنية المنفق ومقدار انفاقه وكيفية تحصيل ما انفقه. فمثل المتصدق كمثل الزارع اذا كان حاذقا فى عمله وكان البذر جيدا وكانت الارض عامرة يكون الزرع اكثر. فكذلك المتصدق اذا كان صالحا والمال طيبا ووضع فى موضعه يكون الثواب اكثر كما روى فى الحديث عن ابى هريرة رضى الله عنه عن النبى عليه السلام انه قال "حديث : من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله الا الطيب فان الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربى احدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل" تفسير : وانما ذكر النبى عليه السلام التربية فى الصدقة وان كان غيرها من العبادات يزيد ايضا بقبوله اشارة الى ان الصدقة فريضة كانت او نافلة احوج الى تربية الله لثبوت النقيصة فيها بسبب حب الطبع الاموال وفى الحديث "حديث : صدقة المؤمن تدفع عن صاحبها آفات الدنيا وفتنة القبر وعذاب يوم القيامةbr>". تفسير : وفى الحديث"حديث : السخاوة شجرة اصلها فى الجنة واغصانها متدليات فى دار الدنيا فمن تعلق بغصن منها يسوقه الى الجنة والبخل شجرة اصلها فى النار واغصانها متدليات فى دار الدنيا فمن تعلق بغصن منها يسوقه الى النارbr>". تفسير : وفى الحديث "حديث : الساعى على الارملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل اللهbr>". تفسير : اى الكاسب لتحصيل مؤنتهما كالمجاهد لان القيام بمصالحهما انما يكون بصبر عظيم وجهاد نفس لئيم فيكون ثوابه عظيما: وفى بستان الشيخ السعدى قدس سره شعر : يكى از بزركان اهل تميز حكايت كند زابن عبد العزيز كه بودش نكينى در انكشترى فرومانده ازقيمتش مشترى بشب كفتى آن جرم كيتى فروز درى بود در روشنايى جوروز قضارا در آمد يكى خشك سال كه شد بدر سيماى مردم هلال جو درمردم آرام وقوت نديد خود آسوده بودن مروت نديد جو بيند كسى زهر دركام خلق كيش بكذرد آب شيرين بحلق بفرمود بفروختندش بسيم كه رحم آمدش بر فقير ويتيم بيك هفته نقدش بتاراج داد بدرويش ومسكين ومحتاج داد فتادند دروى ملامت كنان كه ديكر بدستت نيايد جنان شنيدم كه ميكفت باران دمع فروميدويدش بعارض جوشمع كه زشتست بيرايه بر شهريار دل شهرى از نا توانى فكار مراشايد انكشترى بى تكين نشايد دل خلق اندوهكين خنك آنكه آسايش مرد وزن كزيند بر آسايش خويشتن نكردند رغبت هنر بروران بشادئ خويش از غم ديكران تفسير : واعلم ان الاعمال بالنيات. فان قلت ما معنى قوله عليه السلام "حديث : نية المؤمن خير من عملهbr>". تفسير : قلت مورد الحديث ان عثمان رضى الله تعالى عنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم انه وعد بثواب عظيم على حفر بئر فنوى ان يحفرها فسبق اليه كافر فحفرها فقال عليه السلام "حديث : نية المؤمن خير من عمله" تفسير : اى عمل الكافر. والجواب الثانى ان النية المجردة من المؤمن خير من عمله المجرد عن النية لانه اذا فعل فعل الخير بغير نية يكون عمله مع النية خيرا من ذلك لكن قال بعضهم ليس فى بعض الاعمال اجر بغير نية كالصلاة لا تجوز بغير نية ولا يحتاج بعض الاعمال الى النية كقراءة القرآن والاذكار. ثم اعلم ان الانفاق على مراتب. انفاق العامة بالمال فاجرهم الجنة. وانفاق الخواص اصلاح الحال بتزكية النفس وتصفية القلب فاجرهم يوم القيامة النظر الى وجه الله تعالى فينبغى للمؤمن ان يزكى نفسه ويصفى قلبه من حب المال بالانفاق فى سبيل الله الملك المتعال حتى ينال الشرف فى الجنان ويحترز عن البخل حتى لا يكون عند الله تعالى من الخاسرين.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {مثل الذين}: مبتدأ، و {كمثل}: خبر، ولا بد من حذف مضاف، إما من المبتدأ أو الخبر، أي: مثل نفقة الذين ينفقون كمثل حبة، أو مثل الذين ينفقون كمثل باذر حبة... الخ. يقول الحقّ جلّ جلاله: في التحريض على النفقة في سبيل الله: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} أي: يتصدقون بها في سبيل الله، كالجهاد ونحوه، {كمثل} زارع {حبة أنبتت} له {سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة}، فالمجموع سبعمائة. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : الحَسَنَة بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، إلى سَبعمائَة إلى أضْعَافٍ كَثيرَةٍ"تفسير : . وإسناد الإنبات إلى الحبة مجاز، والمنبت هو الله، وهذا مثال لا يقتضي الوقوع، وقد يقع في الذرة والدخن في الأرض الطيبة، بحيث تخرج الحبة ساقاً يتشعب إلى سبع شعب، في كل شعبة سنبلة، {والله يضاعف} تلك المضاعفة {لمن يشاء} بفضله، على حسب حال المنفق من إخلاصه وتعبه، وبحسبه تتفاوت الأعمال في مقادير الثواب، {والله واسع} لا يضيق عليه ما يتفضل به من الثواب، {عليم} بنية المنفق وقدر إنفاقه. ثم ذكر شرطَيْن آخرَيْن في قبول النفقة، فقال: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى}. المن: أن يعتد بإحسانه على من أحسن إليه؛ بحيث يقول: أنا فعلت معه كذا، وكذا إظهاراً لميزته عليه. والأذى: أن يتطاول عليه بذلك. ويقول: لولا أنا لم يكن منك شيء، مثلاً. فمن فعل هذا فقد ذهبت صدقته هباءاً منثوراً، ومن سلم من ذلك، وأنفق ماله ابتغاء وجه الله فـ {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. وقال زيد بن أسلم رضي الله عنه: إذا أعطيت أحداً شيئاً وظننت أن سلامَكَ يَثْقُلُ عليه فَكُفَ سلامَكَ عنه. هـ. قيل: إن الآية نزلت في عثمان وعبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهما؛ أما عثمان فإنه جهز جيش العسرة بألف بعير بأقتابها وأحلاسها. وقال عبد الرحمن بن سمرة: جاء عُثْمَانُ بألْفِ دِينَارِ في جيش العُسْرَةِ، فصَبَها في حُجْرِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فَرَأيْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يُدخل يَده فيها، ويُقلِّبهَا ويقول:"حديث : ما ضَرَّ ابن عفَّان ما عَمِلَ بَعْدَ اليوم"تفسير : . زاد في رواية سعيد: فرأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم رافعاً يدعو لعثمان، ويقول:"حديث : يا رب عثمان بن عفان، رضيتُ عنه فارض عنه"تفسير : . وأما عبد الرحمن: فإنه أتى النَّبِيَ صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهم، صدقة، وأمسك أربعة آلاف لعياله، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"حديث : بارك الله لك فيما أعطيتَ وفيما أمسكتَ ". تفسير : وإنما لم يدخل الفاء في قوله: {لا خوف عليهم}، مع أن الموصول قد تضمن معنى الشرط، إيهاماً بأنهم أهلٌ لذلك، وإن لم يفعلوا، فكيف بهم إذا فعلوا. قاله البيضاوي. الإشارة: التقرب إلى الله تعالى يكون بالعمل البدني وبالعملي المالي، وبالعمل القلبي، أما العمل البدني، ويدخل فيه العمل اللساني، فقد ورد فيه التضعيف بعشر وبعشرين وبثلاثين وبخمسين وبمائة، وبأكثر من ذلك أو أقل، وكذلك العمل المالي: قد ورد تضعيفه إلى سبعمائة، ويتفاوت ذلك بحسب النيات والمقاصد، وأما العمل القلبي: فليس له أجر محصور، قال تعالى:{أية : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [الزُّمَر: 10]، فالصبر، والخوف، والرجاء، والورع، والزهد، والتوكل، والمحبة، والرضا، والتسليم، والمعرفة، وحسن الخلق، والفكرة، وسائر الأخلاق الحميدة، إنما جزاؤها: الرضا، والإقبال والتقريب، وحسن الوصال. قال تعالى:{أية : وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ}تفسير : [التّوبَة: 72] أي: أكبر من الجزاء الحسيّ الذي هو القصور والحور. وأما قوله عليه الصلاة والسلام:"حديث : تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة". تفسير : فإنما هو كناية عن الكثرة والمبالغة، كقوله تعالى:{أية : إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهَمْ}تفسير : [التّوبَة: 80]. ومثله قول الشاعر: شعر : كُلُّ وَقْتٍ من حبَيبِي قَدْرُه كألفِ حجَّهْ تفسير : أي: سَنَة. والله تعالى أعلم. ثم بيَّن الحقّ تعالى أن حسن الخلق ولين الجانب أفضل من الصدقة المشوبة.

الطوسي

تفسير : هذه الآية متصلة بقوله: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} وما بينهما الاعتراض بالاستدعاء إلى الحق مما أمر الله بالحجج والعبر التي ذكرها من احياء الموتى لابراهيم ومن حجاجه للذي ادعى أنه رب العباد إلى غير ذلك مما تقدم ذكره مع البيان عنه وقال الربيع والسدي الآية تدل على أن النفقة في سبيل الله بسبعمائة مائة ضعف لقوله {سبع سنابل} فأما غيرها فبالحسنة عشرة. وقد بينا في ما تقدم أبواب البر كلها من سبيل الله فيمكن أن يقال ذلك عام في جميع ذلك. والذي ذكرناه مروي عن أبي عبد الله (ع) واختاره الجبائي: فان قيل هل رئي في سنبلة مائة حبة حتى يضرب المثل بها؟ قيل عنه ثلاثة أجوبة: أولها - أن ذلك متصور فشبه لذاك وإن لم ير كما قال امرؤ القيس: شعر : ومسنونة زرق كانياب أغوال تفسير : وقال تعالى {أية : طلعها كأنه رءوس الشياطين}تفسير : الثاني - أنه قد رئي ذلك في سنبل الدخن. والثالث - أن السنبلة تنبت مائة حبة فقيل فيها على ذلك المعنى - كما يقال - في هذه الحبة حب كثير والاول هو الوجه. والوعد بالمضاعفة لمن أنفق في سبيل الله - في قول ابن عباس - وقال الضحاك ولغيرهم من المطيعين. وقوله: {انبتت} فالنبت الحشيش وكلما ينبت من الارض يقال فيه نبت نبتاً. ونباتاً. وأنبته الله إنباتاً: ونبته تنبيتاً قال (تعالى): {أية : والله أنبتكم من الأرض نباتاً}تفسير : على تقدير فنبتم نباتاً وانه لحسن النبت. والمنبت الاصل. فلان في منبت صدق أي في أصل كريم، لأنه يخرج منه كما يخرج النبات. والنبوت: شجر الخشخاش. وأنبت الغلام: إذا راهق واستبان شعر عانته. والسنبلة على وزن فنعله لقولهم أسبل الزرع بمعنى سنبل إذا صار فيه السنبل. والاصل فيه الاسبال، وهو ارسال الستر ونحوه. فمنه أسبل الزرع، لأنه استرسل بالسنبل كما يسترسل الستر في الاسبال فيطول، لأنه صار فيه حب مستور كما يستر بالاسبال. فأما السبيل الطريق، فلأنه يرسل فيه المار به. والمائة: عدد معروف يجمع على مئات ومئين. ويقال أمأت الغنم إذا بلغت مائة. وأمأيتها أنا أي وفيتها مائة. والمأي النميمة بين القوم مأيت بينهم أمأي إذا دببت بينهم بالشر. وقوله {واسع عليم} معناه واسع المقدرة لا يضيق عنه ما شاء من الزيادة {عليم} بمن يستحق الزيادة - على قول ابن زيد - ويحتمل أن يكون المراد {واسع} الرحمة لا يضيق عن مضاعفة "عليم" بما كان من النفقة.

الجنابذي

تفسير : {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ} جوابٌ لسؤالٍ ناشئٍ من السّابق كأنّه قيل: ما لمن قتل الطّير الّتى هى من جنود الجهل سوى احيائها بحياة العقل؟ - فقال: مثل الّذين يقتلون جنود الجهل فى ابتغاء العقل وينفقون {أَمْوَالَهُمْ} الحقيقيّة الّتى هى قواهم {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مائة حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ} اى ما لا حدّ له والتّفاضل فى عوض الانفاق واجره انّما هو بالتّفاوت فى حال المنفق ونيّته وشأنه والمال المنفق وحال المنفق عليه، وفى الخبر اذا احسن العبد المؤمن عمله ضاعف الله له عمله بكلّ حسنة سبعمائة ضعف، وذلك قول الله تعالى {والله يضاعف لمن يشاء}، وفى هذا الخبر دلالة على انّ المراد بالاموال فى الآية اعمّ من الاعراض الدّنيويّة والقوى والاعضاء البدنيّة حيث اشهد بها على تضعيف اجر الاعمال من الله وليست الاعمال الاّ انفاق القوى البدنيّة والحركات العضويّة والاعضاء البدنيّة وانّ المراد بقوله: {وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ}، حصر تضعيف الاجر الى سبعمائة فى الله لا تكثير الضعف فوق السّبعمائة ولا تقييد التّضعيف بمن يشاء وهو وجه من وجوه الآية {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ} عطف فى معنى التّعليل ان كان المراد بقوله والله يضاعف لمن يشاء تكثير التّضعيف فوق السّبعمائة، او المراد به تكثير التّضعيف فوق السّبعمائة ان كان المراد بذلك حصر التّضعيف فى الله او تقييده بمن يشاء {عَلِيمٌ} بانفاقكم وقدر المنفق ونيّة المنفق وحال المنفق عليه فيضاعف بقدر استعدادكم واستحقاقكم ليس فعله وارادته جزافاً من دون نظرٍ الى استحقاقكم فربّ منفقٍ يبطل انفاقه او يعذّبه الله عليه، وربّ منفق يجازيه بالاحسن الى العشرة، الى السّبعين، الى السّبعمائة، الى السّبعة الآلاف، الى السّبعين الفاً، الى ما شاء الله، الى ما لا نهاية له.

الهواري

تفسير : قوله: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ} لخلقه {عَلِيمٌ} بأمرهم. ذكروا عن عطاء قال: بلغنا أنه من جهّز غيره في سبيل الله كان له بكل درهم سبعمائة ضعف، ومن خرج بنفسه وماله كتب له بكل درهم سبعمائة ضعف، وبكل ضعف سبعون ألف ضعف، و (أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ) تفسير : [المائدة:27]. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام، يقول الله: الصيام لي وأنا أجزي به، لا يدع طعامه وشرابه وشهوته إلا من أجلي، وإنما الصيام لي وأنا أجزي به . تفسير : ذكر بعض السلف قال: الذكر في سبيل الله يضاعف كما تضاعف النفقة: الدرهم بسبعمائة. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : والذي نفسي بيده، ما أنفق عبد من نفقة أفضل من نفقة من قول .

اطفيش

تفسير : {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أمْوالَهم فِى سَبِيلِ اللّهِ كَمثَلِ حَبَّةٍ أَنْبتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِى كُلِّ سُنْبلةٍ مائَةُ حَبَّةٍ}: لما أجمل الأضعاف فى قوله: {من ذا الذى يقرض الله قرضاً حسنا فيضاعفه له أضعاف كثيرة}، فصله هنا وذكر بينها ما يدل على قدرته على البعث والإحياء والإماتة، لأنه لولا البعث للثواب والعقاب لم يحسن التكليف بالطاعات كالإنفاق، وسبيل الله الجهاد وغيره من أنواع البر، والمثل الصفة القريبة والمراد تمثيل المركب بالمركب يلزم مقابلة كل فرد بمثله، فلا يلزم تقدير مضاف لتتم المقابلة، نعم يستحسن هكذا مثله نفقة {الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة} أو {مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل} باذر حبة إلى آخره ولا يشترط فى التشبيه وجود المشبه به، بل يكفى تقدير وجوده وتخييل الإنسان، فلا يقال لا حبة تنبت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة، فلو قيل زيد مسرع كأنه إنسان طائر لكان مفهوماً صحيحا، فالآية تشبيه محسن محقق وهو المنفقون بمحسن مقدر الوجوب، وهو باذر الحبة المذكورة، أو معقود بمعقول، وهما الإنفاق وإنبات الحبة ما تنبته من سبع السنابل، وأيضا يمكن أن يكون الله قد جعل نوعا من الحب فى زمانٍ مّا أو مكانٍ مّا لا نعرفه تنبت الحبة منه سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة، قال القاضى: وقد يكون ذلك فى الذرة والدخن وفى البر فى الأراضى المغلة، وظاهره أن الدخن غير الذرة، وذكر عمنا يحيى بن صالح فى شرح بعض الدعائم: الدخن مكان الذرة عند ذكره الحبوب الست، وكما أن جامع المال إذا علم بأن الحبة تنبت له ذلك لا يقصر بالحرث لا يقصر المؤمن بالبعث والثواب فى تقديم الإنفاق والأعمال الصالحة إذا علم أن الحسنة بعشر فصاعداً إلى سبعمائة، وأكثر أيضا إلى ما لا نهاية له، وأسند الإنبات إلى الحبة لأنها سبب، والمنبت على الحقيقة الله الرحمن الرحيم، ولم يقل سبع سنبلات بجمع القلة مع أن السبع... كثيرا مبالغة، والآية تشمل القرض، وفى الحديث:"حديث : انطلق برجل إلى باب الجنة فرفع رأسه فإذا على باب الجنة مكتوب الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر، لأن صاحب القرض لا يأتيك إلا وهو محتاج، والصدقة ربما وضعت فى يد غنى"تفسير : رواه أبو أمامة، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت ليلة أسرى بى على باب الجنة مكتوب الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت لجبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة قال: إن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة"تفسير : وقيل نسخ ذلك، وكانت الصدقة أعظم، ووجه ذلك أنه رجع القرض إلى عشر حسنات كالصدقة، ولا يزيد، والصدقة تزيد إلى سبع مائة ضعف وأكثر كذا ظهر لى، إذ وردت الزيادة فيها لا فيه. {واللّهُ يُضَاعِفُ لمَنْ يَشاءُ}: فوق سبع مائة بلا نهاية تعرف، فعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: "حديث : إن الله تبارك وتعالى كتب الحسنات والسيئات بين ذلك، فمن هم بحسنة ولم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها وعملها كتبها الله عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة"تفسير : وعن ابن عمر:حديث : لما نزلت هذه الآية قال النبى صلى الله عليه وسلم: "ربى زد أمتى، فنزلت {من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا}، قال ربى زد أمتى فنزلت: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}"تفسير : . وظاهر هذا أن آية القرض نزلت بعد هذه الآية، وقيل معنى {والله يضاعف لمن يشاء} أنه يضاعف هذه المضاعفة فقط، وهى المضاعفة إلى سبعمائة والصحيح الأول، لأن التأسيس أولى من التأكيد، وأوجه التكرير، ولقوله تعالى:{أية : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}تفسير : ، ولقوله صلى الله عليه وسلم بعد ذكر سبعمائة إلى أضعافاً كثيرة يعنى إلى أضعاف كثيرة بعد سبعمائة، وتأويله بأن المراد سبعمائة ضعف كالتأويل فى الآية، وعن عطاء: "حديث : من جهز غيره فى سبيل الله، كان له بكل درهم سبعمائة ضعف، ومن خرج بنفسه وماله كتب له بكل درهم سبعمائة ضعف إلا الصيام فيقول الله الصيام لى وأنا أجزى به ولا يذر طعامه ولا شرابه ولا شهوته إلا من أجلى"تفسير : ، وعن بعض السلف: الذكر فى سبيل الله يضاعف كما تضاعف النفقة الدرهم بسبعمائة قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذى نفسى بيده ما ينفق عبد من نفقة أفضل من نفقة من قول ". تفسير : {وَاللّهُ وَاسِعٌ عليمٌ}: يعطى المنفق عطاء واسعا، لأنه لا يضيق عليه ما يعطى، لأن إعطاءه عن قول كن ويعلم نية المنفق أو واسع القدرة على إثابة المنفق، عليم بمقدار نفقته وثوابها، والتضعيف يتفاوت بتفاوت الإخلاص.

اطفيش

تفسير : {مَّثَلُ الَّذِينَ} صفة نفقة الذين يُنْفِقُونَ أُمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ} فى طاعته {كَمَثَلِ حَبَّةٍ} أو مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل باذر حبة {أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنْبُلَةٍ} النون زائدة، يقال: أسبل الزرع إذا أخرج سنابله، فوزنه فنعلة، وقيل: أصل وزنه فعللة {مِّائَةُ حَبَّةٍ} فرضاً، ولم لم يقع خارجا، لكن لا مانع من كون سنبلة ذرة أو دخن أو بر فى الأرض المغلة مائة حبة، فكذلك كل جزء من نفقتهم يضاعف لسبع مائة ضعف {وَاللهُ يَضَٰعِفُ} أكثر من ذلك، كما فى حديث أبى هريرة، وقيل المراد المضاعفة إلى سبعمائة {لِمَن يَشَآءُ وَاللهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} واسع الفضل، عليم بمستحق التضعيف إلى سبعمائة أو أكثر.

الالوسي

تفسير : {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي في وجوه الخيرات الشاملة للجهاد وغيره، وقيل: المراد الإنفاق في الجهاد لأنه الذي يضاعف هذه الأضعاف، وأما الإنفاق في غيره فلا يضاعف كذلك وإنما تجزي الحسنة بعشر أمثالها {كَمَثَلِ حَبَّةٍ} خبر عن المبتدأ قبله ولا بد من تقدير مضاف في أحد الطرفين أي مثل نفقة الذين كمثل حبة أو مثلهم كمثل باذر حبة ولولا ذلك لم يصح التمثيل، والحبة واحدة الحب وهو ما يزرع للاقتيات وأكثر إطلاقه على البر وبذر ما لا يقتات به من البقل حبة بالكسر {أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} أي أخرجت تلك الحبة ساقاً تشعب منه سبع شعب لكل واحد منها سنبلة. {فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ} كما نرى ذلك في كثير من الحب في الأراضي المغلة بل أكثر من ذلك، والسنبلة على وزن فنعلة فالنون زائدة لقولهم أسبل الزرع بمعنى سنبل إذا صار فيه السنبل، وقيل: وزنه فعلله فالنون أصلية والأول هو المشهور وإسناد الإنبات إلى الحبة مجاز لأنها سبب للإنبات ـ والمنبت في الحقيقة هو الله تعالى ـ وهذا التمثيل تصوير للإضعاف كأنها حاضرة بين يدي الناظر فهو من تشبيه المعقول بالمحسوس. {وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ} هذه المضاعفة أو فوقها إلى ما شاء الله تعالى، واقتصر بعض على الأول، وبعض على الثاني، والتعميم أتم نفعاً {لِمَن يَشَاء} من عباده المنفقين على حسب حالهم من الإخلاص والتعب وإيقاع الإنفاق في أحسن مواقعه، أخرج ابن ماجه وابن أبـي حاتم عن علي كرم الله تعالى وجهه، وأبـي الدرداء، وأبـي هريرة، وعمران بن حصين، وأبـي أمامة، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم كلهم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا بنفسه في سبيل الله تعالى وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم»تفسير : ثم تلا هذه الآية وعن معاذ بن جبل: «إن غزاة المنفقين قد خبأ الله تعالى لهم من خزائن رحمته ما ينقطع عنه علم العباد». {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ} لا يضيق عليه ما يتفضل به من الزيادة {عَلِيمٌ} بنية المنفق وسائر أحواله. ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر قصة المار على القرية، وقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ـ وكانا من أدل دليل على البعث ـ ذكر ما ينتفع به يوم البعث وما يجد جزاءه هناك وهو الإنفاق في سبيل الله تعالى كما أعقب قصة {أية : ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ }تفسير : [البقرة: 243] بقوله تعالى عز شأنه: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} تفسير : [البقرة: 245] وكما عقب قتل داود جالوت وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ } تفسير : [البقرة: 253] بقوله سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم }تفسير : [البقرة: 254] الخ. / وفي ذكره الحبة في التمثيل هنا إشارة أيضاً إلى البعث وعظيم القدرة إذ من كان قادراً على أن يخرج من حبة واحدة في الأرض سبعمائة حبة فهو قادر على أن يخرج الموتى من قبورهم بجامع اشتركا فيه من التغذية والنمو.

سيد قطب

تفسير : كانت الدروس الثلاثة الماضية في هذا الجزء تدور - في جملتها - حول إنشاء بعض قواعد التصور الإيماني؛ وإيضاح هذا التصور؛ وتعميق جذوره في نواح شتى. وكان هذا محطاً في خط السورة الطويلة؛ التي تعالج - كما أسلفنا - إعداد الجماعة المسلمة للنهوض بتكاليف دورها في قيادة البشرية. ومنذ الآن إلى قرب نهاية السورة يتعرض السياق لإقامة قواعد النظام الاقتصادي الاجتماعي الذي يريد الإسلام أن يقوم عليها المجتمع المسلم؛ وأن تنظم بها حياة الجماعة المسلمة. إنه نظام التكافل والتعاون الممثل في الزكاة المفروضة والصدقات المتروكة للتطوع. وليس النظام الربوي الذي كان سائداً في الجاهلية. ومن ثم يتحدث عن آداب الصدقة. ويلعن الربا، ويقرر أحكام الدين والتجارة في الدروس الآتية في السورة. وهي تكون في مجموعها جانباً أساسياً من نظام الاقتصاد الإسلامي والحياة الاجتماعية التي تقوم عليها. وبين الدروس الثلاثة الآتية صلة وثيقة فهي ذات موضوع واحد متشعب الأطراف.. موضوع النظام الاقتصادي الإسلامي. وفي هذا الدرس نجد الحديث عن تكليف البذل والإنفاق، ودستور الصدقة والتكافل. والإنفاق في سبيل الله هو صنو الجهاد الذي فرضه الله على الأمة المسلمة، وهو يكلفها النهوض بأمانة الدعوة إليه، وحماية المؤمنين به، ودفع الشر والفساد والطغيان، وتجريده من القوة التي يسطو بها على المؤمنين، ويفسد بها في الأرض، ويصد بها عن سبيل الله، ويحرم البشرية ذلك الخير العظيم الذي يحمله إليها نظام الإسلام، والذي يعد حرمانها منه جريمة فوق كل جريمة، واعتداء أشد من الاعتداء على الأرواح والأموال. ولقد تكررت الدعوة إلى الإنفاق في السورة. فالآن يرسم السياق دستور الصدقة في تفصيل وإسهاب. يرسم هذا الدستور مظللاً بظلال حبيبة أليفة؛ ويبين آدابها النفسية والاجتماعية. الآداب التي تحول الصدقة عملاً تهذيبياً لنفس معطيها؛ وعملاً نافعاً مربحاً لآخذيها؛ وتحوّل المجتمع عن طريقها إلى أسرة يسودها التعاون والتكافل، والتواد والتراحم؛ وترفع البشرية إلى مستوى كريم: المعطي فيه والآخذ على السواء. ومع أن التوجيهات التي وردت في هذا الدرس تعد دستوراً دائماً غير مقيد بزمن ولا بملابسات معينة، إلا أنه لا يفوتنا أن نلمح من ورائه أنه جاء تلبية لحالات واقعة كانت النصوص تواجهها في الجماعة المسلمة يومذاك - كما أنها يمكن أن تواجهها في أي مجتمع مسلم فيما بعد - وأنه كانت هناك نفوس شحيحة ضنينة بالمال تحتاج إلى هذه الإيقاعات القوية، والإيحاءات المؤثرة؛ كما تحتاج إلى ضرب الأمثال، وتصوير الحقائق في مشاهد ناطقة كيما تبلغ إلى الأعماق! كان هناك من يضن بالمال. فلا يعطيه إلا بالربا. وكان هناك من ينفقه كارهاً أو مرائياً. وكان هناك من يتبع النفقة بالمن والأذى وكان هناك من يقدم الرديء من ماله ويحتجز الجيد.. وكل هؤلاء إلى جانب المنفقين في سبيل الله مخلصين له، الذين يجودون بخير أموالهم، وينفقون سراً في موضع السر وعلانية في موضع العلانية في تجرد وإخلاص ونقاء.. كان هؤلاء وكان أولئك في الجماعة المسلمة حينذاك. وإدراك هذه الحقيقة يفيدنا فوائد كثيرة.. يفيدنا أولاً في إدراك طبيعة هذا القرآن ووظيفته. فهو كائن حي متحرك. ونحن نراه في ظل هذه الوقائع يعمل ويتحرك في وسط الجماعة المسلمة؛ ويواجه حالات واقعة فيدفع هذه ويقر هذه؛ ويدفع الجماعة المسلمة ويوجهها. فهو في عمل دائب، وفي حركة دائبة.. إنه في ميدان المعركة وفي ميدان الحياة.. وهو العنصر الدافع المحرك الموجه في الميدان! ونحن أحوج ما نكون إلى الإحساس بالقرآن على هذا النحو؛ وإلى رؤيته كائناً حياً متحركاً دافعاً. فقد بعد العهد بيننا وبين الحركة الإسلامية والحياة الإسلامية والواقع الإسلامي؛ وانفصل القرآن في حسنا عن واقعه التاريخي الحي؛ ولم يعد يمثل في حسنا تلك الحياة التي وقعت يوماً ما على الأرض، في تاريخ الجماعة المسلمة؛ ولم نعد نذكر أنه كان في أثناء تلك المعركة المستمرة هو "الأمر اليومي" للمسلم المجند؛ وهو التوجيه الذي يتلقاه للعمل والتنفيذ.. مات القرآن في حسنا.. أو نام.. ولم تعد له تلك الصورة الحقيقية التي كانت له عند نزوله في حس المسلمين. ودرجنا على أن نتلقاه إما ترتيلاً منغماً نطرب له، أو نتأثر التأثر الوجداني الغامض السارب! وإما أن نقرأه أوراداً أقصى ما تصنع في حس المؤمنين الصادقين منا أن تنشىء في القلب حالة من الوجد أو الراحة أو الطمأنينة المبهمة المجملة.. والقرآن ينشىء هذا كله. ولكن المطلوب - إلى جانب هذا كله - أن ينشىء في المسلم وعياً وحياة. نعم المطلوب أن ينشىء حالة وعي يتحرك معها القرآن حركة الحياة التي جاء لينشئها. المطلوب أن يراه المسلم في ميدان المعركة التي خاضها، والتي لا يزال مستعداً لأن يخوضها في حياة الأمة المسلمة. المطلوب أن يتوجه إليه المسلم ليسمع منه ماذا ينبغي أن يعمل - كما كان المسلم الأول يفعل - وليدرك حقيقة التوجيهات القرآنية فيما يحيط به اليوم من أحداث ومشكلات وملابسات شتى في الحياة؛ وليرى تاريخ الجماعة المسلمة ممثلاً في هذا القرآن، متحركاً في كلماته وتوجيهاته؛ فيحس حينئذ أن هذا التاريخ ليس غريباً عنه. فهو تاريخه. وواقعه اليوم هو امتداد لهذا التاريخ. وما يصادفه اليوم من أحداث هو ثمرة لما صادف أسلافه، مما كان القرآن يوجههم إلى التصرف فيه تصرفاً معيناً. ومن ثم يحس أن هذا القرآن قرآنه هو كذلك. قرآنه الذي يستثيره فيما يعرض له من أحداث وملابسات؛ وأنه هو دستور تصوره وتفكيره وحياته وتحركاته الآن وبعد الآن بلا انقطاع. ويفيدنا ثانياً في رؤية حقيقة الطبيعة البشرية الثابتة المطردة تجاه دعوة الإيمان وتكاليفها. رؤيتها رؤية واقعية من خلال الواقع الذي تشير إليه الآيات القرآنية في حياة الجماعة المسلمة الأولى.. فهذه الجماعة التي كان يتنزل عليها القرآن، ويتعهدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان فيها بعض مواضع الضعف والنقص التي تقتضي الرعاية والتوجيه والإيحاء المستمر ولم يمنعها هذا أن تكون خير الأجيال جميعاً.. وإدراك هذه الحقيقية ينفعنا. ينفعنا لأنه يرينا حقيقة الجماعات البشرية بلا غلو ولا مبالغة ولا هالات ولا تصورات مجنحة! وينفعنا لأنه يدفع عن نفوسنا اليأس من أنفسنا حين نرى أننا لم نبلغ تلك الآفاق التي يرسمها الإسلام ويدعو الناس إلى بلوغها. فيكفي أن نكون في الطريق، وأن تكون محاولتنا مستمرة ومخلصة للوصول.. وينفعنا في إدراك حقيقة أخرى: وهي أن الدعوة إلى الكمال يجب أن تلاحق الناس، ولا تفتر ولا تني ولا تيئس إذا ظهرت بعض النقائص والعيوب. فالنفوس هكذا. وهي ترتفع رويداً رويداً بمتابعة الهتاف لها بالواجب، ودعوتها إلى الكمال المنشود، وتذكيرها الدائم بالخير، وتجميل الخير لها وتقبيح الشر، وتنفيرها من النقص والضعف، والأخذ بيدها كلما كبتْ في الطريق وكلما طال بها الطريق! ويفيدنا ثالثاً في الاستقرار إلى هذه الحقيقة البسيطة التي كثيراً ما نغفل عنها وننساها: وهي أن الناس هم الناس؛ والدعوة هي الدعوة؛ والمعركة هي المعركة.. إنها أولاً وقبل كل شيء معركة مع الضعف والنقص والشح والحرص في داخل النفس ثم هي معركة مع الشر والباطل والضلال والطغيان في واقع الحياة. والمعركة بطرفيها لا بد من خوضها. ولا بد للقائمين على الجماعة المسلمة في الأرض من مواجهتها بطرفيها كما واجهها القرآن أول مرة وواجهها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا بد من الأخطاء والعثرات. ولا بد من ظهور الضعف والنقص في مراحل الطريق؛ ولا بد من المضي أيضاً في علاج الضعف والنقص كلما أظهرتهما الأحداث والتجارب. ولا بد من توجيه القلوب إلى الله بالأساليب التي اتبعها القرآن في التوجيه.. وهنا نرجع إلى أول الحديث. نرجع إلى استشارة القرآن في حركات حياتنا وملابساتها. وإلى رؤيته يعمل ويتحرك في مشاعرنا وفي حياتنا كما كان يعمل ويتحرك في حياة الجماعة الأولى.. والآن نواجه النصوص القرآنية في هذا الدرس تفصيلاً: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة. والله يضاعف لمن يشاء. والله واسع عليم}.. إن الدستور لا يبدأ بالفرض والتكليف؛ إنما يبدأ بالحض والتأليف.. إنه يستجيش المشاعر والانفعالات الحية في الكيان الإنساني كله.. إنه يعرض صورة من صور الحياة النابضة النامية المعطية الواهبة: صورة الزرع. هبة الأرض أو هبة الله. الزرع الذي يعطي أضعاف ما يأخذه، ويهب غلاته مضاعفة بالقياس إلى بذوره. يعرض هذه الصورة الموحية مثلا للذين ينفقون أموالهم في سبيل الله: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة}.. إن المعنى الذهني للتعبير ينتهي إلى عملية حسابية تضاعف الحبة الواحدة إلى سبعمائة حبة! أما المشهد الحي الذي يعرضه التعبير فهو أوسع من هذا وأجمل؛ وأكثر استجاشة للمشاعر، وتأثيراً في الضمائر.. إنه مشهد الحياة النامية. مشهد الطبيعة الحية. مشهد الزرعة الواهبة. ثم مشهد العجيبة في عالم النبات: العود الذي يحمل سبع سنابل. والسنبلة التي تحوي مائة حبة! وفي موكب الحياة النامية الواهبة يتجه بالضمير البشري إلى البذل والعطاء. إنه لا يعطي بل يأخذ؛ وإنه لا ينقص بل يزاد.. وتمضي موجة العطاء والنماء في طريقها. تضاعف المشاعر التي استجاشها مشهد الزرع والحصيلة.. إن الله يضاعف لمن يشاء. يضاعف بلا عدة ولا حساب. يضاعف من رزقه الذي لا يعلم أحد حدوده ; ومن رحمته التي لا يعرف أحد مداها: {والله واسع عليم}: واسع.. لا يضيق عطاؤه ولا يكف ولا ينضب. عليم.. يعلم بالنوايا ويثبت عليها، ولا تخفى عليه خافية. ولكن أي إنفاق هذا الذي ينمو ويربو؟ وأي عطاء هذا الذي يضاعفه الله في الدنيا والآخرة لمن يشاء؟ إنه الإنفاق الذي يرفع المشاعر الإنسانية ولا يشوبها. الإنفاق الذي لا يؤذي كرامة ولا يخدش شعوراً. الإنفاق الذي ينبعث عن أريحية ونقاء، ويتجه إلى الله وحده ابتغاء رضاه: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى، لهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.. والمن عنصر كريه لئيم، وشعور خسيس واطٍ. فالنفس البشرية لا تمن بما أعطت إلا رغبة في الاستعلاء الكاذب، أو رغبة في إذلال الآخذ، أو رغبة في لفت أنظار الناس. فالتوجه إذن للناس لا لله بالعطاء.. وكلها مشاعر لا تجيش في قلب طيب، ولا تخطر كذلك في قلب مؤمن.. فالمن - من ثم - يحيل الصدقة أذى للواهب وللآخذ سواء. أذى للواهب بما يثير في نفسه من كبر وخيلاء؛ ورغبة في رؤية أخيه ذليلاً له كسيراً لديه؛ وبما يملأ قلبه بالنفاق والرياء والبعد من الله.. وأذى للآخذ بما يثير في نفسه من انكسار وانهزام، ومن رد فعل بالحقد والانتقام.. وما أراد الإسلام بالإنفاق مجرد سد الخلة، وملء البطن، وتلافي الحاجة.. كلا! إنما أراده تهذيباً وتزكية وتطهيراً لنفس المعطي؛ واستجاشة لمشاعره الإنسانية وارتباطه بأخيه الفقير في الله وفي الإنسانية؛ وتذكيراً له بنعمة الله عليه وعهده معه في هذه النعمة أن يأكل منها في غير سرف ولا مخيلة، وأن ينفق منها {في سبيل الله} في غير منع ولا من. كما أراده ترضية وتندية لنفس الآخذ، وتوثيقاً لصلته بأخيه في الله وفي الإنسانية؛ وسداً لخلة الجماعة كلها لتقوم على أساس من التكافل والتعاون يذكرها بوحدة قوامها ووحدة حياتها ووحدة اتجاهها ووحدة تكاليفها. والمن يذهب بهذا كله، ويحيل الإنفاق سماً وناراً. فهو أذى وإن لم يصاحبه أذى آخر باليد أو باللسان. هو أذى في ذاته يمحق الإنفاق، ويمزق المجتمع، ويثير السخائم والأحقاد. وبعض الباحثين النفسيين في هذه الأيام يقررون أن رد الفعل الطبيعي في النفس البشرية للإحسان هو العداء في يوم من الأيام! وهم يعللون هذا بأن الآخذ يحس بالنقص والضعف أمام المعطي؛ ويظل هذا الشعور يحز في نفسه؛ فيحاول الاستعلاء عليه بالتجهم لصاحب الفضل عليه وإضمار العداوة له؛ لأنه يشعر دائماً بضعفه ونقصه تجاهه؛ ولأن المعطي يريد منه دائماً أن يشعر بأنه صاحب الفضل عليه! وهو الشعور الذي يزيد من ألم صاحبه حتى يتحول إلى عداء! وقد يكون هذ كله صحيحاً في المجتمعات الجاهلية - وهي المجتمعات التي لا تسودها روح الإسلام ولا يحكمها الإسلام - أما هذا الدين فقد عالج المشكلة على نحو آخر. عالجها بأن يقرر في النفوس أن المال مال الله؛ وأن الرزق الذي في أيدي الواجدين هو رزق الله.. وهي الحقيقة التي لا يجادل فيها إلا جاهل بأسباب الرزق البعيدة والقريبة، وكلها منحة من الله لا يقدر الإنسان منها على شيء. وحبة القمح الواحدة قد اشتركت في إيجادها قوى وطاقات كونية من الشمس إلى الأرض إلى الماء إلى الهواء. وكلها ليست في مقدور الإنسان.. وقس على حبة القمح نقطة الماء وخيط الكساء وسائر الأشياء.. فإذا أعطى الواجد من ماله شيئا فإنما من مال الله أعطى؛ وإذا أسلف حسنة فإنما هي قرض لله يضاعفه له أضعافاً كثيرة. وليس المحروم الآخذ إلا أداة وسبباً لينال المعطي الواهب أضعاف ما أعطى من مال الله! ثم شرع هذه الآداب التي نحن الآن بصددها، توكيداً لهذا المعنى في النفوس، حتى لا يستعلي معط ولا يتخاذل آخذ. فكلاهما آكل من رزق الله. وللمعطين أجرهم من الله إذا هم أعطوا من مال الله في سبيل الله؛ متأدبين بالأدب الذي رسمه لهم، متقيدين بالعهد الذي عاهدهم عليه: {ولا خوف عليهم}.. من فقر ولا من حقد ولا من غبن.. {ولا هم يحزنون}.. على ما أنفقوا في الدنيا، ولا على مصيرهم في الآخرة. وتوكيداً للمعنى الذي سلف من حكمة الإنفاق والبذل. توكيداً لأن الغرض هو تهذيب النفوس، وترضية القلوب، وربط الواهب والآخذ برباط الحب في الله.. يقول في الآية التالية: {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى. والله غني حليم}.. فيقرر أن الصدقة التي يتبعها الأذى لا ضرورة لها! وأولى منها كلمة طيبة وشعور سمح. كلمة طيبة تضمد جراح القلوب، وتفعمها بالرضى والبشاشة. ومغفرة تغسل أحقاد النفوس وتحل محلها الإخاء والصداقة. فالقول المعروف والمغفرة في هذه الحالة يؤديان الوظيفة الأولى للصدقة: من تهذيب النفوس وتأليف القلوب. ولأن الصدقة ليست تفضلاً من المانح على الآخذ، إنما هي قرض لله.. عقب على هذا بقوله: {والله غني حليم}.. غني عن الصدقة المؤذية. حليم يعطي عباده الرزق فلا يشكرون، فلا يعجلهم بالعقاب ولا يبادرهم بالإيذاء؛ وهو معطيهم كل شيء، ومعطيهم وجودهم ذاته قبل أن يعطيهم أي شيء - فليتعلم عباده من حلمه - سبحانه - فلا يعجلوا بالأذى والغضب على من يعطونهم جزءاً مما أعطاه الله لهم. حين لا يروقهم منهم أمر، أولا ينالهم منهم شكر! وما يزال هذا القرآن يذكر الناس بصفة الله سبحانه ليتأدبوا منها بما يطيقون؛ وما يزال أدب المسلم تطلعاً لصفة ربه، وارتقاء في مصاعدها، حتى ينال منها ما هو مقسوم له، مما تطيقه طبيعته. وعندما يصل التأثر الوجداني غايته.. بعد استعراض مشهد الحياة النامية الواهبة مثلاً للذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، دون أن يتبعوا ما أنفقوا منا ولا أذى، وبعد التلويح بأن الله غني عن ذلك النوع المؤذي من الصدقة، وأنه وهو الواهب الرازق لا يعجل بالغضب والأذى.. عندما يصل التأثر الوجداني غايته بهذا وذاك، يتوجه بالخطاب إلى الذين آمنوا ألا يبطلوا صدقاتهم بالمن والأذى، ويرسم لهم مشهداً عجيباً - أو مشهدين عجيبين يتسقان مع المشهد الأول. مشهد الزرع والنماء. ويصوران طبيعة الإنفاق الخالص لله، والإنفاق المشوب بالمن والأذى. على طريقة التصوير الفني في القرآن، التي تعرض المعنى صورة، والأثر حركة، والحالة مشهداً شاخصاً للخيال: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، كالذي ينفق ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فمثله كمثل صفوان عليه تراب، فأصابه وابل، فتركه صلداً؛ لا يقدرون على شيء مما كسبوا، والله لا يهدي القوم الكافرين. ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنة بربوة. أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين؛ فإن لم يصبها وابل فطل، والله بما تعملون بصير}.. هذا هو المشهد الأول.. مشهد كامل مؤلف من منظرين متقابلين شكلاً ووضعاً وثمرة. وفي كل منظر جزئيات، يتسق بعضها مع بعض من ناحية فن الرسم وفن العرض؛ ويتسق كذلك مع ما يمثله من المشاعر والمعاني التي رسم المنظر كله لتمثيلها وتشخيصها وإحيائها. نحن في المنظر الأول أمام قلب صلد: {كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر}.. فهو لا يستشعر نداوة الإيمان وبشاشته. ولكنه يغطي هذه الصلادة بغشاء من الرياء. هذا القلب الصلد المغشى بالرياء يمثله {صفوان عليه تراب} حجر لا خصب فيه ولا ليونة، يغطيه تراب خفيف يحجب صلادته عن العين، كما أن الرياء يحجب صلادة القلب الخالي من الإيمان.. {فأصابه وابل فتركه صلداً}.. وذهب المطر الغزير بالتراب القليل! فانكشف الحجر بجدبه وقساوته، ولم ينبت زرعه، ولم يثمر ثمرة.. كذلك القلب الذي أنفق ماله رئاء الناس، فلم يثمر خيراً ولم يعقب مثوبة! أما المنظر الثاني المقابل له في المشهد.. فقلب عامر بالإيمان، ندي ببشاشته. ينفق ماله {ابتغاء مرضاة الله}.. وينفقه عن ثقة ثابتة في الخير، نابعة من الإيمان، عميقة الجذور في الضمير.. وإذا كان القلب الصلد وعليه ستار من الرياء يمثله صفوان صلد عليه غشاء من التراب، فالقلب المؤمن تمثله جنة. جنة خصبة عميقة التربة في مقابل حفنة التراب على الصفوان. جنة تقوم على ربوة في مقابل الحجر الذي تقوم عليه حفنة التراب! ليكون المنظر متناسق الأشكال! فإذا جاء الوابل لم يذهب بالتربة الخصبة هنا كما ذهب بغشاء التراب هناك. بل أحياها وأخصبها ونماها.. {فأصابها وابل فآتت أكلها ضعفين}.. أحياها كما تحيي الصدقة قلب المؤمن فيزكو ويزداد صلة بالله، ويزكو ماله كذلك ويضاعف له الله ما يشاء. وكما تزكو حياة الجماعة المسلمة بالإنفاق وتصلح وتنمو: {فإن لم يصبها وابل}.. غزير.. {فطل} من الرذاذ يكفي في التربة الخصبة ويكفي منه القليل! إنه المشهد الكامل، المتقابل المناظر، المنسق الجزئيات، المعروض بطريقة معجزة التناسق والأداء، الممثل بمناظره الشاخصة لكل خالجة في القلب وكل خاطرة، المصور للمشاعر والوجدانات بما يقابلها من الحالات والمحسوسات، الموحي للقلب باختيار الطريق في يسر عجيب.. ولما كان المشهد مجالاً للبصر والبصيرة من جانب، ومرد الأمر فيه كذلك إلى رؤية الله ومعرفته بما وراء الظواهر، جاء التعقيب لمسة للقلوب: {والله بما تعملون بصير}.. فأما المشهد الثاني فتمثيل لنهاية المن والأذى، كيف يمحق آثار الصدقة محقاً في وقت لا يملك صاحبها قوة ولا عوناً ولا يستطيع لذلك المحق رداً تمثيل لهذه النهاية البائسة في صورة موحية عنيفة الإيحاء. كل ما فيها عاصف بعد أمن ورخاء: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار، له فيها من كل الثمرات، وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت؟ كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون}.. هذه الصدقة في أصلها وفي آثارها تمثل في عالم المحسوسات: {جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار، له فيها من كل الثمرات}.. إنها ظليلة وارفة مخصبة مثمرة.. وكذلك الصدقة في طبيعتها وفي آثارها.. كذلك هي في حياة المعطي وفي حياة الآخذ وفي حياة الجماعة الإنسانية. كذلك هي ذات روح وظل، وذات خير وبركة، وذات غذاء وري، وذات زكاة ونماء! فمن ذا الذي يود أن تكون له هذه الجنة - أو هذه الحسنة - ثم يرسل عليها المن والأذى يمحقها محقاً، كما يمحق الجنة الإعصار فيه نار؟ ومتى؟ في أشد ساعاته عجزاً عن إنقاذها، وحاجة إلى ظلها ونعمائها! {وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء. فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت}.. من ذا الذي يود هذا؟ ومن ذا الذي يفكر في ذلك المصير ثم لا يتقيه؟ {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون}.. وهكذا يقوم المشهد الحي الشاخص، بما فيه أول الأمر من رضى ورفه ومتعة؛ وما فيه من نضارة وروح وجمال. ثم بما يعصف به عصفاً من إعصار فيه نار.. يقوم هذا المشهد العجيب بالإيحاء الشعوري الرعيب الذي لا يدع مجالاً للتردد في الاختيار، قبل أن تذهب فرصة الاختيار، وقبل أن يصيب الجنة الوارفة الظليلة المثمرة إعصار فيه نار! وبعد فإن التناسق الدقيق الجميل الملحوظ في تركيب كل مشهد على حدة، وفي طريقة عرضه وتنسيقه... هذا التناسق لا يقف عند المشاهد فرادى. بل إنه ليمد رواقه فيشمل المشاهد متجمعة من بدئها في هذا الدرس إلى منتهاها.. إنها جميعاً تعرض في محيط متجانس. محيط زراعي! حبة أنبتت سبع سنابل. صفوان عليه تراب فأصابه وابل. جنة بربوة فآتت أكلها ضعفين جنة من نخيل وأعناب.. حتى الوابل والطل والإعصار التي تكمل محيط الزراعة لم يخل منها محيط العرض الفني المثير. وهي الحقيقة الكبيرة وراء العرض الفني المثير.. حقيقة الصلة بين النفس البشرية والتربة الأرضية. حقيقة الأصل الواحد، وحقيقة الطبيعة الواحدة، وحقيقة الحياة النابتة في النفس وفي التربة على السواء. وحقيقة المحق الذي يصيب هذه الحياة في النفس وفي التربة على السواء. إنه القرآن.. كلمة الحق الجميلة.. من لدن حكيم خبير.. ويمضي السياق خطوة أخرى في دستور الصدقة. ليبين نوعها وطريقتها، بعد ما بين آدابها وثمارها: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون. ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه، واعلموا أن الله غني حميد}.. إن الأسس التي تكشفت النصوص السابقة عن أن الصدقة تقوم عليها وتنبعث منها لتقتضي أن يكون الجود بأفضل الموجود؛ فلا تكون بالدون والرديء الذي يعافه صاحبه؛ ولو قدم إليه مثله في صفقة ما قبله إلا أن ينقص من قيمته. فالله أغنى عن تقبل الرديء الخبيث! وهو نداء عام للذين آمنوا - في كل وقت وفي كل جيل - يشمل جميع الأموال التي تصل إلى أيديهم. تشمل ما كسبته أيديهم من حلال طيب، وما أخرجه الله لهم من الأرض من زرع وغير زرع مما يخرج من الأرض ويشمل المعادن والبترول. ومن ثم يستوعب النص جميع أنواع المال، ما كان معهوداً على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وما يستجد. فالنص شامل جامع لا يفلت منه مال مستحدث في أي زمان. وكله مما يوجب النص فيه الزكاة. أما المقادير فقد بينتها السنة في أنواع الأموال التي كانت معروفة حينذاك. وعليها يقاس وبها يلحق ما يجد من أنواع الأموال. وقد وردت الروايات بسبب لنزول هذه الآية ابتداء، لا بأس من ذكره، لاستحضار حقيقة الحياة التي كان القرآن يواجهها؛ وحقيقة الجهد الذي بذله لتهذيب النفوس ورفعها إلى مستواه.. روى ابن جرير - بإسناده - عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: "نزلت في الأنصار. كانت الأنصار إذا كانت أيام جذاذ النخل أخرجت من حيطانها البسر فعلقوه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيأكل فقراء المهاجرين منه. فيعمد الرجل منهم إلى الحشف فيدخله مع قناء البسر، يظن أن ذلك جائز. فأنزل الله فيمن فعل ذلك: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون}.. وكذلك رواه الحاكم عن البراء وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه. ورواه ابن أبي حاتم - بإسناده عن طريق آخر - عن البراء رضي الله عنه - قال: نزلت فينا. كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي من نخله بقدر كثرته وقلته، فيأتي رجل بالقنو، فيعلقه في المسجد. وكان أهل الصفة ليس لهم طعام. فكان أحدهم إذا جاع جاء فضرب بعصاه، فسقط منه البسر والتمر فيأكل، وكان أناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو الحشف والشيص، فيأتي بالقنو قد انكسر فيعلقه، فنزلت: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه}. قال: لو أن أحدكم أهدي له مثل ما أعطى ما أخذه إلا على إغماض وحياء. فكنا بعد ذلك يجيء الرجلى منا بصالح ما عنده. والروايتان قريبتان. وكلتاهما تشير إلى حالة واقعة في المدينة؛ وترينا صفحة تقابل الصفحة الأخرى التي خطها الأنصار في تاريخ البذل السمح والعطاء الفياض. وترينا أن الجماعة الواحدة تكون فيها النماذج العجيبة السامقة، والنماذج الأخرى التي تحتاج إلى تربية وتهذيب وتوجيه لتتجه إلى الكمال! كما احتاج بعض الأنصار إلى النهي عن القصد إلى الرديء من أموالهم، الذي لا يقبلونه عادة في هدية إلا حياء من رده ولا في صفقة إلا بإغماض فيه أي: نقص في القيمة بينما كانوا يقدمونه هم لله! ومن ثم جاء هذا التعقيب: {واعلموا أن الله غني حميد}.. غني عن عطاء الناس إطلاقاً. فإذا بذلوه فإنما يبذلونه لأنفسهم فليبذلوه طيباً، وليبذلوه طيبة به نفوسهم كذلك. حميد.. يتقبل الطيبات ويحمدها ويجزي عليها بالحسنى.. ولكل صفة من الصفتين في هذا الموضع إيحاء يهز القلوب. كما هز قلوب ذلك الفريق من الأنصار فعلاً. {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم...}.. وإلا فالله غني عن الخبيث الذي تقصدون إليه فتخرجون منه صدقاتكم! بينما هو - سبحانه - يحمد لكم الطيب حين تجرحونه ويجزيكم عليه جزاء الراضي الشاكر. وهو الله الرازق الوهاب.. يجزيكم عليه جزاء الحمد وهو الذي أعطاكم إياه من قبل! أي إيحاء! وأي إغراء! وأي تربية للقلوب بهذا الأسلوب العجيب! ولما كان الكف عن الإنفاق، أو التقدم بالرديء الخبيث، إنما ينشأ عن دوافع السوء، وعن تزعزع اليقين فيما عند الله، وعن الخوف من الإملاق الذي لا يساور نفساً تتصل بالله، وتعتمد عليه، وتدرك أن مرد ما عندها إليه.. كشف الله للذين آمنوا عن هذه الدوافع لتبدو لهم عارية، وليعرفوا من أين تنبت النفوس؛ وما الذي يثيرها في القلوب.. إنه الشيطان.. {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً، والله واسع عليم. يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، وما يذكر إلا أولو الألباب}.. الشيطان يخوفكم الفقر، فيثير في نفوسكم الحرص والشح والتكالب. والشيطان يأمركم بالفحشاء - والفحشاء كل معصية تفحش أي تتجاوز الحد، وإن كانت قد غلبت على نوع معين من المعاصي ولكنها شاملة. وخوف الفقر كان يدعو القوم في جاهليتهم لوأد البنات وهو فاحشة؛ والحرص على جمع الثروة كان يؤدي ببعضهم إلى أكل الربا وهو فاحشة.. على أن خوف الفقر بسبب الإنفاق في سبيل الله في ذاته فاحشة.. وحين يعدكم الشيطان الفقر ويأمركم بالفحشاء يعدكم الله المغفرة والعطاء: {والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً}.. ويقدم المغفرة، ويؤخر الفضل.. فالفضل زيادة فوق المغفرة. وهو يشمل كذلك عطاء الرزق في هذه الأرض، جزاء البذل في سبيل الله والإنفاق. {والله واسع عليم}.. يعطي عن سعة، ويعلم ما يوسوس في الصدور، وما يهجس في الضمير، والله لا يعطي المال وحده، ولا يعطي المغفرة وحدها. إنما يعطي "الحكمة" وهي توخي القصد والاعتدال، وإدراك العلل والغايات، ووضع الأمور في نصابها في تبصر وروية وإدراك: {يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً}.. أوتي القصد والاعتدال فلا يفحش ولا يتعدى الحدود؛ وأوتي إدراك العلل والغايات فلا يضل في تقدير الأمور؛ وأوتي البصيرة المستنيرة التي تهديه للصالح الصائب من الحركات والأعمال.. وذلك خير كثير متنوع الألون.. {وما يذكر إلا أولو الألباب}.. فصاحب اللب - وهو العقل - هو الذي يتذكر فلا ينسى، ويتنبه فلا يغفل، ويعتبر فلا يلج في الضلال.. وهذه وظيفة العقل.. وظيفته أن يذكر موحيات الهدى ودلائله؛ وأن ينتفع بها فلا يعيش لاهياً غافلاً. هذه الحكمة يؤتيها الله من يشاء من عباده، فهي معقودة بمشيئة الله سبحانه. هذه هي القاعدة الأساسية في التصور الإسلامي: رد كل شيء إلى المشيئة المطلقة المختارة.. وفي الوقت ذاته يقرر القرآن حقيقة أخرى: أن من أراد الهداية وسعى لها سعيها وجاهد فيها فإن الله لا يحرمه منها، بل يعينه عليها: {أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}.. تفسير : ليطمئن كل من يتجه إلى هدى الله أن مشيئة الله ستقسم له الهدى وتؤتيه الحكمة، وتمنحه ذلك الخير الكثير. وهناك حقيقة أخرى نلم بها قبل مغادرة هذه الوقفة عند قوله تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم. يؤتي الحكمة من يشاء...}.. إن أمام الإنسان طريقين اثنين لا ثالث لهما: طريق الله. وطريق الشيطان. أن يستمع إلى وعد الله أو أن يستمع إلى وعد الشيطان. ومن لا يسير في طريق الله ويسمع وعده فهو سائر في طريق الشيطان ومتبع وعده.. ليس هنالك إلا منهج واحد هو الحق.. المنهج الذي شرعه الله.. وما عداه فهو للشيطان ومن الشيطان. هذه الحقيقة يقررها القرآن الكريم ويكررها ويؤكدها بكل مؤكد. كي لا تبقى حجة لمن يريد أن ينحرف عن منهج الله ثم يدعي الهدى والصواب في أي باب. ليست هنالك شبهة ولا غشاوة.. الله. أو الشيطان. منهج الله أو منهج الشيطان. طريق الله أو طريق الشيطان.. ولمن شاء أن يختار.. {أية : ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة}.. تفسير : لا شبهة ولا غبش ولا غشاوة.. وإنما هو الهدى أو الضلال. وهو الحق واحد لا يتعدد.. فماذا بعد الحق إلا الضلال؟! بعد ذلك نعود مع السياق إلى الصدقة.. إن الله يعلم كل ما ينفقه المنفق.. صدقة كان أم نذراً. وسراً كان أم جهراً. ومن مقتضى علمه أنه يجزي على الفعل وما وراءه من النية: {وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه. وما للظالمين من أنصار. إن تبدوا الصدقات فنعما هي، وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم؛ ويكفر عنكم من سيئاتكم، والله بما تعملون خبير}.. والنفقة تشمل سائر ما يخرجه صاحب المال من ماله: زكاة أو صدقة أو تطوعاً بالمال في جهاد.. والنذر نوع من أنواع النفقة يوجبه المنفق على نفسه مقدّراً بقدر معلوم. والنذر لا يكون لغير الله ولوجهه وفي سبيله. فالنذر لفلان من عباده نوع من الشرك، كالذبائح التي كان يقدمها المشركون لآلهتهم وأوثانهم في شتى عصور الجاهلية. {وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه}.. وشعور المؤمن بأن عين الله - سبحانه - على نيته وضميره، وعلى حركته وعمله.. يثير في حسه مشاعر حية متنوعة؛ شعور التقوى والتحرج أن يهجس في خاطره هاجس رياء أو تظاهر، وهاجس شح أو بخل، وهاجس خوف من الفقر أو الغبن. وشعور الاطمئنان على الجزاء والثقة بالوفاء. وشعور الرضى والراحة بما وفى لله وقام بشكر نعمته عليه بهذا الإنفاق مما أعطاه.. فأما الذي لا يقوم بحق النعمة؛ والذي لا يؤدي الحق لله ولعباده؛ والذي يمنع الخير بعد ما أعطاه الله إياه.. فهو ظالم. ظالم للعهد، وظالم للناس، وظالم لنفسه: {وما للظالمين من أنصار}.. فالوفاء عدل وقسط. والمنع ظلم وجور. والناس في هذا الباب صنفان: مقسط قائم بعهد الله معه إن أعطاه النعمة وفى وشكر. وظالم ناكث لعهد الله، لم يعط الحق ولم يشكر.. {وما للظالمين من أنصار}.. وإخفاء الصدقة حين تكون تطوعاً أولى وأحب إلى الله؛ وأجدر أن تبرأ من شوائب التظاهر والرياء. فأما حين تكون أداء للفريضة فإن إظهارها فيه معنى الطاعة، وفشو هذا المعنى وظهوره خير.. ومن ثم تقول الآية: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي. وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم}.. فتشمل هاتين الحالتين، وتعطي كل حالة ما يناسبها من التصرف؛ وتحمد هذه في موضعها وتلك في موضعها؛ وتعد المؤمنين على هذه وتلك تكفير السيئات: {ويكفر عنكم من سيئاتكم}.. وتستجيش في قلوبهم التقوى والتحرج من جانب، والطمأنينة والراحة من جانب آخر، وتصلها بالله في النية والعمل في جميع الأحوال: {والله بما تعملون خبير}.. ولا بد أن نلحظ طول التوجيه إلى الإنفاق؛ وتنوع أساليب الترغيب والترهيب بصدده؛ لندرك أمرين: الأول: بصر الإسلام بطبيعة النفس البشرية وما يخالجها من الشح بالمال، وحاجتها إلى التحريك المستمر والاستجاشة الدائبة لتستعلي على هذا الحرص وتنطلق من هذا الشح، وترتفع إلى المستوى الكريم الذي يريده الله للناس. والثاني: ما كان يواجهه القرآن من هذه الطبيعة في البيئة العربية التي اشتهرت شهرة عامة بالسخاء والكرم.. ولكنه كان سخاء وكرماً يقصد به الذكر والصيت وثناء الناس وتناقل أخباره في المضارب والخيام! ولم يكن أمراً ميسوراً أن يعلمهم الإسلام أن يتصدقوا دون انتظار لهذا كله، متجردين من هذا كله، متجهين لله وحده دون الناس. وكان الأمر في حاجة إلى التربية الطويلة، والجهد الكثير، والهتاف المستمر بالتسامي والتجرد والخلاص!.. وقد كان.. ومن ثم لفتة من خطاب الذين آمنوا إلى خطاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لفتة لتقرير جملة حقائق كبيرة، ذات أثر عميق في إقامة التصور الإسلامي على قواعده، وفي استقامة السلوك الإسلامي على طريقه: {ليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء. وما تنفقوا من خير فلأنفسكم. وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله. وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون}.. روى ابن أبي حاتم - بإسناده - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يأمر بألا يتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية: {ليس عليك هداهم.. إلى آخرها}.. فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين.. إن أمر القلوب وهداها وضلالها ليس من شأن أحد من خلق الله - ولو كان هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنه من أمر الله وحده. فهذه القلوب من صنعه؛ ولا يحكمها غيره، ولا يصرفها سواه، ولا سلطان لأحد عليها إلا الله. وما على الرسول إلا البلاغ. فأما الهدى فهو بيد الله يعطيه من يشاء، ممن يعلم - سبحانه - أنه يستحق الهدى، ويسعى إليه. وإخراج هذا الأمر من اختصاص البشر يقرر الحقيقة التي لا بد أن تستقر في حس المسلم ليتوجه في طلب الهدى إلى الله وحده، وليتلقى دلائل الهدى من الله وحده.. ثم هي تفسح في احتمال صاحب الدعوة لعناد الضالين، فلا يضيق صدره بهم وهو يدعوهم؛ ويعطف عليهم، ويرتقب إذن الله لقلوبهم في الهدي، وتوفيقهم إليه بمعرفته حين يريد. {ليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء}.. فلتفسح لهم صدرك، ولتفض عليهم سماحتك، ولتبذل لهم الخير والعون ما احتاجوا إليه منك. وأمرهم إلى الله. وجزاء المنفق عند الله. ومن هنا نطلع على بعض الآفاق السامية السمحة الوضيئة التي يرفع الإسلام قلوب المسلمين إليها، ويروضهم عليها.. إن الإسلام لا يقرر مبدأ الحرية الدينية وحده؛ ولا ينهى عن الإكراه على الدين فحسب. إنما يقرر ما هو أبعد من ذلك كله. يقرر السماحة الإنسانية المستمدة من توجيه الله - سبحانه - يقرر حق المحتاجين جميعاً في أن ينالوا العون والمساعدة - ما داموا في غير حالة حرب مع الجماعة المسلمة - دون نظر إلى عقيدتهم. ويقرر أن ثواب المعطين محفوظ عند الله على كل حال، ما دام الإنفاق ابتغاء وجه الله. وهي وثبة بالبشرية لا ينهض بها إلا الإسلام؛ ولا يعرفها على حقيقتها إلا أهل الإسلام: {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله. وما تنفقوا من خير يوف إليكم، وأنتم لا تظلمون}.. ولا يفوتنا أن ندرك مغزى هذه اللفتة الواردة في الآية عن شأن المؤمنين حين ينفقون: {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله}.. إن هذا هو شأن المؤمن لا سواه. إنه لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله. لا ينفق عن هوى ولا عن غرض. لا ينفق وهو يتلفت للناس يرى ماذا يقولون! لا ينفق ليركب الناس بإنفاقه ويتعالى عليهم ويشمخ! لا ينفق ليرضى عنه ذو سلطان أو ليكافئه بنيشان! لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله. خالصاً متجرداً لله.. ومن ثم يطمئن لقبول الله لصدقته؛ ويطمئن لبركة الله في ماله؛ ويطمئن لثواب الله وعطائه؛ ويطمئن إلى الخير والإحسان من الله جزاء الخير والإحسان لعباد الله. ويرتفع ويتطهر ويزكو بما أعطى وهو بعد في هذه الأرض. وعطاء الآخرة بعد ذلك كله فضل! ثم يخص بالذكر مصرفاً من مصارف الصدقة؛ ويعرض صورة شفة عفة كريمة نبيلة، لطائفة من المؤمنين. صورة تستجيش المشاعر، وتحرك القلوب لإدراك نفوس أبية بالمدد فلا تهون، وبالإسعاف فلا تضام، وهي تأنف السؤال وتأبى الكلام: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله، لا يستطيعون ضرباً في الأرض، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً. وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم}.. لقد كان هذا الوصف الموحي ينطبق على جماعة من المهاجرين، تركوا وراءهم أموالهم وأهليهم؛ وأقاموا في المدينة ووقفوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله، وحراسة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأهل الصفة الذين كانوا بالمسجد حرساً لبيوت الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يخلص إليها من دونهم عدو. وأحصروا في الجهاد لا يستطيعون ضرباً في الأرض للتجارة والكسب. وهم مع هذا لا يسألون الناس شيئاً. متجملون يحسبهم من يجهل حالهم أغنياء لتعففهم عن إظهار الحاجة؛ ولا يفطن إلى حقيقة حالهم إلا ذوو الفراسة.. ولكن النص عام، ينطبق على سواهم في جميع الأزمان. ينطبق على الكرام المعوزين، الذين تكتنفهم ظروف تمنعهم من الكسب قهراً، وتمسك بهم كرامتهم أن يسألوا العون. إنهم يتجملون كي لا تظهر حاجتهم؛ يحسبهم الجاهل بما وراء الظواهر أغنياء في تعففهم، ولكن ذا الحس المرهف والبصيرة المفتوحة يدرك ما وراء التجمل. فالمشاعر النفسية تبدو على سيماهم وهم يدارونها في حياء.. إنها صورة عميقة الإيحاء تلك التي يرسمها النص القصير لذلك النموذج الكريم. وهي صورة كاملة ترتسم على استحياء! وكل جملة تكاد تكون لمسة ريشة، ترسم الملامح والسمات، وتشخص المشاعر والانفعالات. وما يكاد الإنسان يتم قراءتها حتى تبدو له تلك الوجوه وتلك الشخصيات كأنما يراها. وتلك طريقة القرآن في رسم النماذج الإنسانية، حتى لتكاد تخطر نابضة حية! هؤلاء الفقراء الكرام الذين يكتمون الحاجة كأنما يغطون العورة.. لن يكون إعطاؤهم إلا سراً وفي تلطف لا يخدش آباءهم ولا يجرح كرامتهم.. ومن ثم كان التعقيب موحياً بإخفاء الصدقة وإسرارها، مطمئناً لأصحابها على علم الله بها وجزائه عليها: {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم}.. الله وحده الذي يعلم السر، ولا يضيع عنده الخير.. وأخيراً يختم دستور الصدقة في هذا الدرس بنص عام يشمل كل طرائق الإنفاق. وكل أوقات الإنفاق؛ وبحكم عام يشمل كل منفق لوجه الله: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار، سراً وعلانية، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.. ويبدو التناسق في هذا الختام في عموم النصوص وشمولها، سواء في صدر الآية أم في ختامها. وكأنما هي الإيقاع الأخير الشامل القصير.. {الذين ينفقون أموالهم}.. هكذا بوجه عام يشمل جميع أنواع الأموال.. {بالليل والنهار. سراً وعلانية}.. لتشمل جميع الأوقات وجميع الحالات.. {فلهم أجرهم عند ربهم}.. هكذا إطلاقاً. من مضاعفة المال. وبركة العمر. وجزاء الآخرة. ورضوان الله. {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.. لا خوف من أي مخوف، ولا حزن من أي محزن.. في الدنيا وفي الآخرة سواء.. إنه التناسق في ختام الدستور القويم يوحي بذلك الشمول والتعميم.. وبعد فإن الإسلام لا يقيم حياة أهله على العطاء. فإن نظامه كله يقوم أولاً على تيسير العمل والرزق لكل قادر؛ وعلى حسن توزيع الثروة بين أهله بإقامة هذا التوزيع على الحق والعدل بين الجهد والجزاء.. ولكن هنالك حالات تتخلف لأسباب استثنائية وهذه هي التي يعالجها بالصدقة.. مرة في صورة فريضة تجبيها الدولة المسلمة المنفذة لشريعة الله كلها وهي وحدها صاحبة الحق في جبايتها: وهي مورد هام من موارد المالية العامة للدولة المسلمة. ومرة في صورة تطوع غير محدود يؤديه القادرون للمحتاجين رأساً. مع مراعاة الآداب التي سبق بيانها. وبضمانة تعفف الآخذين.. هذا التعفف الذي تصف هذه الآية صورة منه واضحة. وقد رباه الإسلام في نفوس أهله فإذا أحدهم يتحرج أن يسأل وله أقل ما يكفيه في حياته.. روى البخاري - بإسناده - عن عطاء بن يسار وعبد الرحمن بن أبي عمرة. قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف" تفسير : .. اقرأوا إن شئتم يعني قوله: {لا يسألون الناس إلحافاً}.. وروى الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن رجل من مزينة: أنه قالت له أمه: ألا تنطلق فتسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما يسأله الناس؟ فانطلقت أسأله، فوجدته قائماً يخطب وهو يقول: "حديث : ومن استعف أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن يسأل الناس وله عدل خمس أواق فقد سأل الناس إلحافاً" تفسير : فقلت بيني وبين نفسي: لناقة لي لهي خير من خمس أواق، ولغلامي ناقة أخرى فهي خير من خمس أواق، فرجعت ولم أسأله. وقال الحافظ الطبراني - بإسناده - عن محمد بن سيرين. قال بلغ الحارث - رجلاً كان بالشام من قريش - أن أبا ذر كان به عوز، فبعث إليه ثلاث مائة دينار. فقال: ما وجد عبد الله رجلاً أهون عليه مني! سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "حديث : من سأل وله أربعون فقد ألحف" تفسير : ولآل أبي ذر أربعون درهماً.. شاة وماهنان.. قال أبو بكر بن عياش: يعني خادمين.. إن الإسلام نظام متكامل، تعمل نصوصه وتوجيهاته وشرائعه كلها متحدة، ولا يؤخذ أجزاء وتفاريق. وهو يضع نظمه لتعمل كلها في وقت واحد، فتتكامل وتتناسق. وهكذا أنشأ مجتمعه الفريد الذي لم تعرف له البشرية نظيراً في مجتمعات الأرض جميعاً..

ابن عاشور

تفسير : عود إلى التحريض على الإنفاق في سبيل الله، فهذا المثَل راجع إلى قوله: { أية : يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم } تفسير : [البقرة: 254]. وهو استئناف بياني لأنّ قوله: { أية : من قبلِ أن يأتي يوم لا بيع فيه } تفسير : [البقرة: 254] الآية يثير في نفوس السامعين الاستشراف لما يلقاه المنفق في سبيل الله يومئذ بعد أن أعقب بدلائل ومواعظ وعبر وقد تهيّأت نفوس السامعين إلى التمحّض لهذا المقصود فأطيل الكلام فيه إطالة تناسب أهميته. وقوله: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} تشبيه حال جزائهم وبركتهم، والصلة مؤذنة بأنّ المراد خصوص حال إنفاقهم بتقدير مَثَلُ نفقةِ الدين. وقد شبه حالُ إعطاء النفقة ومصادفتها موقعها وما أعطي من الثواب لهم بحال حبَّة أنبتت سبع سنابل إلخ، أي زُرعت في أرض نقية وتراب طيّب وأصابها الغيث فأنبتت سبع سنابل. وحذف ذلك كله إيجازاً لظهور أنّ الحبّة لا تنبت ذلك إلاّ كذلك، فهو من تشبيه المعْقول بالمحسوس والمشبه به هيأة معلومة، وجعل أصل التمثيل في التضعيف حبّة لأنّ تضعيفها من ذاتها لا بشيء يزاد عليها، وقد شاع تشبيه المعروف بالزرع وتشبيه الساعي بالزارع، وفي المثل «رُب ساع لقاعد وزَارع غيرِ حاصد». ولما كانت المضاعفة تنسب إلى أصل وحدة، فأصل الوحدة هنا هي ما يثيبُ الله به على الحسنات الصغيرة، أي ما يقع ثواباً على أقلّ الحسنات كمن همّ بحسنة فلم يعملها، فإنّه في حسنة الإنفاق في سبيل الله يكون سبعمائة ضعف.` قال الواحدي في أسباب النزول وغيرُه: إنّ هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف؛ ذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك حث الناس على الإنفاق في سبيل الله. وكان الجيشُ يومئذ بحاجة إلى الجهاز ــــــ وهو جيش العُسْرة ــــــ فجاءه عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف،وقال عثمان بن عفان: «عَلَيّ جهاز من لا جهاز له» فجَهّز الجيش بألف بعير بأقْتَابها وأحْلاسِهَا وقيل جاء بألف دينار ذهباً فصبّها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى قوله: {والله يضاعف لمن يشاء} أنّ المضاعفة درجات كثيرة لا يعلمها إلاّ الله تعالى؛ لأنّها تترتّب على أحوال المتصدّق وأحوال المتصدّق عليه وأوقات ذلك وأماكنه. وللإخلاص وقصد الامتثال ومحبة الخير للناس والإيثار على النفس وغير ذلك مما يحفّ بالصدقة والإنفاق، تأثير في تضعيف الأجر، والله واسع عليم. وأعاد قوله: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} إظهاراً للاهتمام بهذه الصلة. وقوله: {ثم لا يتبعون} جاء في عطفه بشم مع أنّ الظاهر أن يعطف بالواو، قال في «الكشاف»: «لإظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى، وإنّ تركهما خير من نفس الإنفاق»؛ يعني أنّ ثم للترتيب الرتبي لا للمهلة الزمنية ترفيعاً لرتبة ترك المنّ والأذى على رتبة الصدقة؛ لأنّ العطاء قد يصدر عن كرم النفس وحبّ المحمدة فللنفوس حظّ فيه مع حظّ المعطَى، بخلاف ترك المنّ والأذى فلا حظ فيه لِنفس المعطي؛ فإنّ الأكثر يميلون إلى التبجّح والتطاول على المعطَى، فالمهلة في (ثم) هنا مجازية؛ إذ شُبِّه حصول الشيء المهم ــــــ في عزّة حصوله ــــــ بحصول الشيء المتأخّر زمنه، وكأنّ الذي دعا الزمخشري إلى هذا أنّه رأى معنى المهلة هنا غير مراد لأنّ المراد حصول الإنفاق وترك المنّ معاً. والمنّ أصله الإنعام والفضل، يقال مَنّ عليه مَنَّا، ثم أطلق على عدّ الإنعام على المنعَم عليه، ومنه قوله تعالى: { أية : ولا تمنن تستكثر } تفسير : [المدثر: 6]، وَهو إذا ذُكر بعد الصدقة والعطاء تعيّن للمعنى الثاني. وإنّما يكون المنّ في الإنفاق في سبيل الله بالتطاول على المسلمين والرياء بالإنفاق، وبالتطاول على المجاهدين الذين يُجَهِّزهم أو يَحْملهم، وليس من المنّ التمدّح بمواقف المجاهد في الجهاد أو بمواقف قومِه، فقد قال الحُريش بن هلال القريعي يذكر خَيْله في غزوة فتح مكة ويوم حنين: شعر : شَهِدنَ مع النبي مُسَوّمَاتٍ حُنينا وهْيَ دَاميَةُ الحَوامِي ووقْعَةَ خالدٍ شَهِدَت وحَكَّتْ سَنَابِكَها علَى البَلَد الحَرَامِ تفسير : وقال عباس بن مرداس يتمدّح بمواقع قومه في غزوة حنين: شعر : حَتَّى إذا قال النبيءُ محمدٌ أبَنِي سُلَيْمٍ قَدْ وَفَيْتُم فأرجِعوا عُدْنَا ولَوْلاَ نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعَهُمْ بالمُسْلمين وأحرَزُوا مَا جَمَّعوا تفسير : والأذى هو أن يؤذي المنفِق من أنفق عليه بإساءة في القول أو في الفعل قال النابغة: شعر : عليّ لِعمروٍ نعمة بعد نعمة لوالده ليست بذات عقارب تفسير : فالمقصد الشرعي أن يكون إنفاق المنفق في سبيل الله مراداً به نصر الدين ولا حظّ للنفس فيه، فذلك هو أعلى درجات الإنفاق وهو الموعود عليه بهذا الأجر الجزيل، ودون ذلك مراتب كثيرة تتفاوت أحوالها.

الواحدي

تفسير : {مثلُ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله...} الآية، أَيْ: مَثلُ صدقاتهم وإنفاقهم {كمثل حبَّةٍ أنبتت سبع سنابل...} الآية، يريد أنَّه يضاعف الواحد بسبع مائةٍ، وجعله كالحبَّة تنبت سبع مائة حبَّةٍ، ولا يشترط وجود هذا؛ لأنَّ هذا على ضرب المثل. {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منَّاً...} الآية، وهو أن يقول: أحسنتُ إلى فلانٍ ونعشته، وجبرت خلله، يمنُّ بما فعل {ولا أذىً} وهو أن يذكر إحسانه لمن لا يحبُّ الذي أُحسن إليه وقوفه عليه. {قول معروفٌ} كلامٌ حسنٌ وردٌّ على السَّائل جميل {ومغفرة} أَيْ: تجاوزٌ عن السَّائل إذا استطال عليه عند ردِّه {خيرٌ من صدقةٍ يتبعها أذى} أَيْ: مَنٌّ وتعييرٌ للسَّائل بالسُّؤال، {والله غنيٌّ} عن صدقة العباد {حليم} إذ لم يعجِّل بالعقوبة على مَنْ يمنُّ. {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم} أَيْ: ثوابها {بالمنِّ} وهو أنْ يمنَّ بما أعطى {والأذى} وهو أن يوبِّخ المُعطي المُعطى له {كالذي ينفق} أَيْ: كإبطاله رياء النَّاس، وهو المُنافق يعطي ليوهم أنَّه مؤمنٌ {فمثله} أَيْ: مَثلُ هذا المنافق {كمثل صفوانٍ} وهو الحجر الأملس {عليه ترابٌ فأصابه وابل} مطرٌ شديدٌ {فتركه صلداً} برَّاقاً أملس. وهذا مَثلٌ ضربه الله تعالى للمانِّ والمنافق، يعني: إنَّ النَّاس يرون في الظَّاهر أنَّ لهؤلاء أعمالاً كما يُرى التُّراب على هذا الحجر، فإذا كان يوم القيامة اضمحلَّ كلُّه وبطل، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان، فلا يقدر أحدٌ من الخلق على ذلك التُّراب، كذلك هؤلاء إذا قدموا على ربِّهم لم يجدوا شيئاً، وهو قوله جلَّ وعزَّ: {لا يقدرون على شيء} أَيْ: على ثواب شيءٍ {مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين} لا يجعل جزاءهم على كفرهم أن يهديهم، [ثمَّ ضرب مثلاً لمن ينفق يريد ما عند الله ولا يمنُّ ولا يؤذي فقال]: {ومَثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً} أَيْ: يقيناً وتصديقاً {من أنفسهم} بالثَّواب لا كالمنافق الذي لا يؤمن بالثَّواب {كمثل جنة بربوةٍ} وهي ما ارتفع من الأرض، وهي أكثر ريعاً من المستفل {أصابها وابلٌ} وهو أشدُّ المطر {فآتت} أعطت {أكلها} ما يؤكل منها {ضِعْفَيْن} أَيْ: حملت في سنة من الرَّيع ما يحمل غيرها في سنتين {فإن لم يصبها وابلٌ} وهو أشدُّ المطر، وأصابها طلٌّ وهو المطر الضعيف، فتلك حالها في البركة، يقول: كما أنَّ هذه الجنَّة تُثمر في كلِّ حالٍ ولا يخيب صاحبها قلَّ المطر أو كَثُر، كذلك يضعف الله ثواب صدقة المؤمن قلَّت نفقته أم كثرت، ثمَّ قرَّر مَثَل المُرائي في النَّفقة والمُفرِّط في الطَّاعة إلى أَنْ يموت.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 261- إن حال الذين يبذلون أموالهم فى طاعة الله ووجوه الخير، وينالون على ذلك ثواب الله المضاعف أضعافاً كثيرة، كحال من يبذر حبة فى الأرض طيبة فتنبت منها شجيرة فيها سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة، وهذا تصوير لكثرة ما يعطيه الله من جزاء على الإنفاق فى الدنيا، والله يضاعف عطاءه لمن يشاء فهو واسع الفضل، عليم بمن يستحق وبمن لا يستحق. 262- إن الذين ينفقون أموالهم فى وجوه البر المشروعة دون مَنٍّ أو تفاخر أو تطاول على المحسن إليه. لهم أجرهم العظيم الموعود به عند ربهم، ولا يصيبهم خوف من شئ ولا حزن على شئ. 263- قول تطيب به النفوس وتستر معه حال الفقير فلا تذكره لغيره، خير من عطاء يتبعه إيذاء بالقول أو الفعل، والله - سبحانه وتعالى - غنى عن كل عطاء مصحوب بالأذى، ويمكِّن الفقراء من الرزق الطيب، ولا يعجل بعقوبته من لا يعطى رجاء أن يهتدى إلى العطاء. 264- لا تضيعوا ثواب صدقاتكم - أيها المؤمنون - بإظهار فضلكم على المحتاجين وإيذائهم فتكونوا كالذين ينفقون أموالهم بدافع الرغبة فى الشهرة وحب الثناء من الناس، وهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، فإن حال المرائى فى نفقته كحال حجر أملس عليه تراب، هطل عليه مطر شديد فأزال ما عليه من تراب.. فكما أن المطر الغزير يزيل التراب الخصب المنتج من الحجر الأملس، فكذلك المن والأذى والرياء تبطل ثواب الصدقات.. فلا ينتفع المنتفعون بشئ منها، وتلك صفات الكفار فتجنبوها، لأن الله لا يوفق الكافرين إلى الخير والإرشاد.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: مثل الذين ينفقون: صفتهم المستحسنة العجيبة. سبيل الله: كل ما يوصل إلى مرضاة الله تعالى من الإِيمان وصالح الأعمال. يضاعف: يزيد ويكثر حتى يكون الشيء أضعاف ما كان. منّاً ولا أذى: المنّ: ذكر الصدقة وتعدادها على من تُصُدّق بها عليه على وجه التفضل عليه. والأذى: التطاول على المتصدق عليه وإذلاله بالكلمة النابيه أو التي تمس كرامته وتحط من شرفه. قول معروف: كلام طيب يقال للسائل المحتاج نحو: الله يرزقنا وإياكم، الله كريم. الله يفتح علينا وعليك. ومغفرة: ستر على الفقير بعدم إظهار فقره، والعفو عن سوء خلقه إن كان كذلك. غني: غنىً ذاتي لا يفتقر معه إلى شيء أبداً. حليم: لا يعاجل بالعقوبة بل يعفو ويصفح. معنى الآيات: يخبر تعالى مرغبا في الجهاد بالمال لتقدمه على الجهاد بالنفس لأن العدة أولا والرجال ثانياً، أن مثل ما ينفقه المؤمن في سبيل الله وهو هنا الجهاد، في نمائه وبركته وتضاعفه، كمثل حبة برّ بذرت في أرض طيبة فأنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة فأثمرت الحبة الواحدة سبعمائة حبة، وهكذا الدرهم الواحد ينفقه المؤمن في سبيل الله يضاعف إلى سبعمائة ضعف، وقد يضاعف إلى أكثر لقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. هذا ما تضمنته الآية الأولى [261] وأما الآية الثانية [262] فهي تحمل بشرى الله تعالى للمنفقين في سبيله الذين لا يتبعون ما أنفقوه منّاً به ولا أذى لمن أنفقوه عليه بأن لا خوف عليهم فيما يستقبلونه من حياتهم ولا هم يحزنون على ما يتركون وراءهم ويخلفون. وهذه هي السعادة حيث خلت حياتهم من الخوف والحزن وحل محلها الأمن والسرور. وأخيرا الآية الثالثة [263] وهي {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ...} فإن الله تعالى يخبر بأن الكلمة الطيبة تقال للفقير ينشرح لها صدره وتطيب لها نفسه خير من مال يعطاه صدقة عليه يهان به ويذل فيشعر بمرارة الفقر أكثر، وألم الحاجة أشد، ومغفرة وستر لحالته وعدم فضيحته أو عفو عن سوء خلقه كإلحاحه في المسألة، خير أيضاً من صدقة يفضح به ويعاتب ويشنع عليه بها. وقوله في آخر الآية: {وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} أي مستغن عن الخلق حليم لا يعاجل بالعقوبة من يخالف أمره. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- فضل النفقة في الجهاد وأنها أفضل النفقات. 2- فضل الصدقات وعواقبها الحميدة. 3- حرمة المن بالصدقة وفي الحديث: "حديث : ثلاثة لا يدخلون الجنة..." تفسير : وذكر من بينهم المنان. 4- الرد الجميل على الفقير إذا لم يوجد ما يعطاه، وكذا العفو عن سوء القول منه ومن غيره خير من الصدقة يتبعها أذى وفي الحديث: "حديث : الكلمة الطيبة صدقة ".

القطان

تفسير : مر في الآيات المتقدمة الكلام على الحياة والموت والبعث، وان الانسان لا ينفعه بعد الموت الا ما قدّم من عمل صالح، وفي هذه الآية وما يتلوها الى آخر السورة تقريباً يبين الله تعالى لنا قواعد النظام المالي والاقتصادي الاسلا مي. مثَل الذين ينفقون المال يبتغون به الله وحسن ثوابه كمثل من يزرع زرعاً طيباً فتُنبت الحبة الواحدة منه سبع سنابل في كل سنبلة منها مائة حبة. وهذا تصوير جميل لكثرة ما يعطيه الله من الأجر على الانفاق في الدنيا، والله يضاعف عطاءَه لمن يشاء ويزيد. وقد وردت أحاديث كثيرة في الحث على الانفاق. ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. في الحديث القدسي "حديث : كل عمل ابن آدم يضاعَف، الحسنة بعشرة أمثالها الى سبعمائة ضعف، الا الصوم فإنه لي وأنا أَجزي به ". تفسير : وأخرج أحمد ومسلم والنسائي والحاكم عن ابن مسعود قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله. فقال رسول الله: "حديث : لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة ".

د. أسعد حومد

تفسير : {أَمْوَالَهُمْ} {يُضَاعِفُ} {وَاسِعٌ} (261) - يَحُثُّ اللهُ المُؤْمِنِينَ عَلَى إنْفَاقِ أمْوالِهِمْ فِي سَبيلِ اللهِ، وَابْتِغاءِ مَرْضَاتِهِ (فِي الحَجِّ وفِي الجِهَادِ وَفِي الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ) وَيَضْرِبُ لَهُمُ الزَّرْعَ مَثَلاً عَلَى تَنْمِيَتِهِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، الأعْمَالَ الصَّالِحَةَ لأِصْحَابِها، فَكَمَا يَنْمُو الزَّرْعُ لِمَنْ بَذَرَهُ، كَذَلِكَ يَتَضَاعَفُ العَمَلُ الصَّالِحُ عَنْدَ اللهِ، وَاللهُ يُضَاعِفُ الأجْرَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَيَزِيدُهُ زِيَادَةً لا حَصْرَ لَهَا بِحَسَبِ إخْلاصِ العَبْدِ فِي عَمَلِهِ، وَاللهُ وَاسِعُ الفَضْلِ لاَ يَنْحَصِرُ فَضْلُهُ، وَلا يُحَدُّ عَطَاؤُهُ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ هَذِهِ المُضَاعَفَةَ وَبِمَنْ لاَ يَسْتَحِقُّهَا.

الثعلبي

تفسير : {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} الآية فيها إضمار واختصار تقديرها: مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم، فإن شئت قلت: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ}. {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ} زارع حبّة {أَنبَتَتْ} أخرجت {سَبْعَ سَنَابِلَ} جمع سنبلة، أدغمها أبو عمر وأبو [غزية] وحمزة والكسائي، وأظهرها الباقون. فمن أدغم فلأن التاء والسين مهموزتان، ألا ترى أنهما متعاقبان. أنشد أبو عمرو: شعر : يالعن الله بني السعلاة عمرو بن ميمون لئام النات تفسير : أراد لئام الناس فحوّل السين تاء. ومن أبرز فلأنهما كلمتان وهو الأصل واللغة الفاشية. {فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} أبو جعفر والأعمش: يتركان خمس مائة ومائة، حيث كانت استخفافاً. وقرأ الباقون بالمد. فإن قلت: هل رأيت سنبلة فيها مائة حبة، أو هل بلغك ذلك؟ قيل: لا ننكر ذلك ولا يستحيل، فإن يكن موجوداً فهو ذلك وإلاّ فجائز أن يكون [معناه كمثل سنبلة أنبتت سبع سنابل] في كلّ سنبلة مائة حبّة أن جعل الله سبحانه ذلك فيها، ويحتمل أن يكون معناه: أنّها إذا بُذرت أنبتت مائة حبّة، فيكون ما حدث عن البذر الذي كان منها من المائة الحبّة مضاهياً لها، لأنّه كان عنها، وكذلك ما قاله الضحاك قال: أنبتت كلّ سنبلة مائة حبّة. {وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ} ما بين سبع وسبعين وسبعمائة إلى ما شاء الله عزّ وجل ممّا لا يعلمه إلاّ الله. {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ} غني لتلك الأضعاف {عَلِيمٌ} بمن ينفق. قال الضحاك في هذه الآية: من أخرج درهماً [ابتغاء] مرضاة الله فله في الدنيا لكلّ درهم سبعمائة درهم خلفاً عاجلاً، ولقي ألف درهم يوم القيامة. قال الكلبيّ في قوله {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية: نزلت في عثمان بن عفّان (رضي الله عنه) وعبد الرحمن بن عوف،" حديث : أمّا عبد الرحمن فإنّه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهم صدقة فقال: كانت عندي ثمانية آلاف فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف، وأربعة آلاف أقرضتها ربّي عزّ وجل. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بارك الله لك في ما أمسكت وفيما أعطيت"تفسير : . فأمّا عثمان فقال: عليّ جهاز مَنْ لا جهاز له في غزوة تبوك، فجهّز المسلمين ألف بعير بأحلاسها وأقتابها وتصدق برومة ركية كانت له على المسلمين فنزلت فيهما هذه الآية. قال عبد الرحمن بن سمرة: "حديث : جاءَ عثمان (رضي الله عنه) بألف دينار في جيش العسرة فصبّها في حجر النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم يُدخل يده فيها ويقبلها ويقول: ماضرّ ابن عفّان ما عمل بعد اليوم ". تفسير : قال أبو سعيد الخدري: "حديث : رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم رافعاً يده يدعو لعثمان (رضي الله عنه) "يارب عثمان بن عفّان رضيت عنه فأرض عنه" وما زال يدعو رافعاً يديه حتّى طلع الفجر فأنزل الله تعالى فيه {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}" تفسير : أي في طاعة الله. {ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً} وهو أن يمنّ عليه بعطائه ويعد نعمه عليه يكدّرها يواصل المنّة النعمة. يقال: مَنْ يمنّ منّة ومنّاً ومنيّتاً إذا أنعم وأعطى. قال الله تعالى: {أية : هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ} تفسير : [ص: 39] أي إعط ثم كثر ذلك حتّى صار ذكر النعمة والاعتداد بها منّة. {وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} بإظهار العطيّة وذكرها لمن لا يجب وقوفه عليها وما أشبه ذلك من القول الذي يُؤديه. قال سفيان والمفضّل في قوله: {مَنّاً وَلاَ أَذًى}: هو أن يقول أعطيتك فما شكرت. قال الضحاك: أن لا ينفق الرجل ماله خير من أن ينفقه ثم يتّبعه مناً وأذىً. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلاً شيئاً وظننت أنّ سلامك يثقل عليه، فكفّ سلامك عنه. قال ابن زيد: فشيء خير من السلام؟ قال: وقالت امرأة لأبي: يا أبا أُسامة تدلّني على رجل يخرج في سبيل الله حقّاً فإنّهم لا يخرجون إلاّ ليأكلوا الفواكه، فعندي جعبة وأسهم فيها فقال: الله لا بارك الله لكِ في جعبتك ولا في أسهمك فقد أذيتهم قبل أن تعطيهم. فحظر الله عن عباده المن بالصنيعة وأختص به صفتاً لنفسه؛ لأن منّ العباد تعيير وتكدير ومَنّ الله عزّ وجلّ إنعام وأفضال وتذكير. وأنشد معاد بن المثنّى العنبري عن أبيه محمود بن الورّاق: شعر : أحَسَنُ مَنْ كلّ حَسَنْ في كلّ حين وزمن صنيعةٌ مربوبةٌ خاليةٌ مِنَ المننْ تفسير : قال الثعلبي: أبو علي زاهر بن أحمد السرَخسي قال: أنشدنا أبو ذر القرطبي: شعر : ماتم معروفك عند أمري كلّفته المعرف إعظامكا إنّ من البر فلا تكذبن إكرام من أظهر إكرامكا والمن للمنعم نقصٌ فلا تستفسدن بالمنّ إنعامكا والعزّ في الجود وبخل الفتى مذلّة أحببت إعلامكا تفسير : قال: وأنشدني محمد بن القاسم قال: أنشدني محمد بن طاهر قال: أنشدني أبو علي البصري: شعر : وصاحب سلفت منه إليّ يد أبطا عليه مكافاتي فعاداني لما تيقّن أنّ الدهر حاربني أبدى الندامة فيما كان أولاني تفسير : وقال آخر: شعر : أفسدت بالمن ماقدّمت من حُسن ليس الكريم إذا أعطى بمنّان تفسير : {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ خَيْرٌ} أي كلام حسن وردّ على السائل جميل، وقيل: (...) حسن. وقال الكلبي: دعاء صالح يدعو لأخيه بظهر الغيب. قال الضحاك: قول في إصلاح ذات البين. {وَمَغْفِرَةٌ} أي مغفرة منه عليه لما علم خلّته وفاقته. قاله محمد بن جرير، وقال الكلبي والضحاك: تجاوز عن ظلمه، وقال: يتجاوز عنه إذا استطال عليه عند ردّه علم الله تعالى إنّ الفقير إذا رُدّ بغير نوال شقّ عليه ذلك مما يدعو إلى بذاء اللسان أو إظهار الشكوى، وعلم ما يلحق المانع منه، فحثّه على الصفح والعفو وبيّن أن ذلك خير له {مِّن صَدَقَةٍ} يدفعها إليه {يَتْبَعُهَآ أَذًى} أي مَنّ وتعيير السائل بالسؤال أو شكاية منه أو عيب أو قول يُؤذيه. {وَٱللَّهُ غَنِيٌّ} عن صدقة العباد، ولو شاء لأغنى جميع الخلق ولكنّه أعطى الأغنياء لينظر كيف شكرهم (وأخلى الفقراء) لينظر كيف صبرهم، وذلك قوله عزّ وجلّ: {أية : وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ} تفسير : [النحل: 71] بالفرض والصدقة والمعروف [ ]. {حَلِيمٌ} إذ لم يعجّل على مَنْ يمنّ ويؤذي بصدقته. وعن عبد الرحمان السليماني مولى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتّى يفرغ منها ثم ردّوا عليه بوقار ولين أو بذل يسير أو بردَ جميل فإنّه قد يأتيكم مَنْ ليس بأنس ولا جان ينظرون كيف صنيعتكم فيما خوّلكم الله عزّ وجلّ ". تفسير : وعن بشر بن الحرث قال: رأيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في المنام فقلت: يا أمير المؤمنين تقول شيئاً لعلّ الله عزّ وجلّ ينفعني به. فقال: ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء رغبةً في ثواب الله، وأحسن منه تَيْهِ الفقراء على الاغنياء ثقةً بالله عزّ وجلّ. فقلت: يا أمير المؤمنين زدني، فولّى وهو يقول: شعر : قد كنت ميّتاً فصرت حيّاً وعن قليل تصير ميتاً فاضرب بدار الفناء بيتاً وابن بدار البقاء بيتاً تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} أي لا تحبطوا أجور صدقاتكم وثواب نفقاتكم بالمنّ على السائل. وقال ابن عباس: بالمنّ على الله تعالى والأذى لصاحبها. ثم ضرب لذلك مثلاً فقال: {كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ} أي كإبطال الذي ينفق ماله {رِئَآءَ ٱلنَّاسِ} مراءاة وسمعة ليروا نفقته ويقولوا أنّه كريم سخي صالح {وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} وهذا للمنافقين لأن الكافر معلن كفره غير مرائي {فَمَثَلُهُ} أي مثل هذا المنافق المرائي {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} الحجر الأملس. قال الشاعر: شعر : مالي أراك كإنّي قد زرعت حصاً في عام جدب ووجه الأرض صفوان أما لزرعي آبان فأحصده كمايكون لوقت الزرع آبان تفسير : وهو واحد وجمع، فمن جعله جمعاً قال: واحده صفوانة، بمنزلة تمرة وتمر ونخلة ونخل. ومن جعله واحداً قال: جمعه صفي وصفى. قال الشاعر: شعر : مواقع الطير على الصفى تفسير : وقال الزعري: {صَفْوَانٍ} بفتح الفاء، وجمعه صِفوان مثل كَروان وكِروان ووَرشانْ ووِرشان. {عَلَيْهِ} أي على ذلك الصفوان {تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} وهو المطر الشديد العظيم القطر {فَتَرَكَهُ صَلْداً} وهو الحجر الصلب الأملس الذي لا شيء عليه. قال تابّط شراً: شعر : ولست بحلب جلب ريح وقرّة ولا بصفا صلد عن الخير معزل تفسير : وهو من الأرض مالا ينبت، ومن الرؤوس مالا شعر عليه. قال رؤبة: شعر : لمّا رأتني حلق المموّه براق أصلاد الجبين الأجلة تفسير : يعني الأجلح. وهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق والمرائي والمؤمن الذي يمن بصدقته ويؤذي، يعني: إن الناس يرون في الظاهر إنّ لهؤلاء أعمالاً كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة أضمحل كلّه وبطل لأنّه لم يكن لله عزّ وجلّ كأنّه لم يكن كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب. {فَتَرَكَهُ صَلْداً} أجرد لا شيء عليه {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ} على ثواب شيء {مِّمَّا كَسَبُواْ} عملوا في الدنيا لأنّهم لم يعملوه لله تعالى وطلب ما عنده وإنّما عملوه رياء الناس وطلب حمدهم فصار ذلك معظم من أعمالهم. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} نظيره قوله تعالى في وصف أعمال الكفّار: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} تفسير : [إبراهيم: 18]. وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} تفسير : [النور: 39] الآية. عكرمة عن ابن عباس أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا كان يوم القيامة نادى مناد يسمع أهل الجمع: أين الذين يعبدون الناس قوموا وخذوا أُجوركم ممن عملتم له فإنّي لا أقبل عملاً خالطه شيء من الدنيا ". تفسير : عبد الله المدني قال: بلغني أنّ رجلاً دخل على معاوية قال:" حديث : مررت بالمدينة فإذا أبو هريرة جالس في المسجد، حوله حلقة يحدّثهم فقال: حدّثني أبو القاسم ثم استعبر فبكى فقال: حدّثني خليلي أبو القاسم ثم استعبر فبكى فقال: حدّثني خليلي أبو القاسم ثم بادره الرجل فقال: إنّي رجل غريب لست من أهل البلد وقد أردت أن تحدّث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم كل ذلك تخنقك العبرة فأخبرني هذا الذي أردت أن تحدّث به، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا كان يوم القيامة يؤتى برجل قد كان خوّله مالاً فيقال كيف صنعت فيما خوّلناك؟ فقال: أنفقت وأعطيت، فقال: أردت أن يقال فلان سخي فقد قيل لك فماذا يُغني عنك. ثم يؤتى برجل شجاع فيقال له: ألم أشجّع قلبك؟ قال: بلى، فيقال: كيف صنعت؟ قال: قاتلت حتّى أحرقت مهجتي، فيقال له: أردت أن يقال فلان شجاع وقد قيل فماذا يغني عنك، ثم يؤتى برجل قد أُوتي علماً فيقال له: ألم أستحفظك العلم؟ قال: بلى، فيقال: كيف صنعت، فيقول: تعلّمت وعلّمت، فيقال: أردت أن يقال فلان عالم وقد قيل فماذا يغني عنك، ثم قال: أذهبوا بهم إلى النار ".

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن الله ينسب المال للبشر المتحركين؛ لأنهم أخذوا هذه الأموال بحركتهم. وفي موضع آخر من القرآن يقول الحق: {أية : وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ ..}تفسير : [النور: 33]. إن المال كله مال الله، وقد أخذه الإنسان بالحركة، فاحترم الله هذه الحركة، واحترم الله في الإنسان قانون النفعية، فجعل المال المتبقي من حركتك ملكاً لك أيها الإنسان، لكن إن أراد الله هذا المال فسيأخذه، ومن فضل الله على الإنسان أنه سبحانه حين يطلب من الإنسان بعضاً من المال المتبقي من حركته فهو يطلبه كقرض، ويرده مضاعفاً بعد ذلك. إذن فالإنفاق في سبيل الله يرده الله مضاعفاً، وما دام الله يضاعفه فهو يزيد، لذلك لا تحزن ولا تخف على مالك؛ لأنك أعطيته لمقتدر قادر واسع عليم. إنه الحق الذي يقدر على إعطاء كل واحد حسب ما يريد هو سبحانه؛ إنه يعطي على قدر نية العبد وقدر إنفاقه. وهذه الآية تعالج قضية الشُح في النفس الإنسانية؛ فقد يكون عند الإنسان شيء زائد، وتشح به نفسه ويبخل، فيخاف أن ينفق منه فينقص هذا الشيء. وهنا تقول لك قضية الإيمان: أنفق لأنه سبحانه سيزيدك، والحق سيعطيك مثلما يعطيك من الأرض التي تزرعها. أنت تضع الحبة الواحدة. فهل تعطيك حبة واحدة؟ لا. إن حبة القمح تعطي كمية من العيدان وكل عود فيه سنبلة وهي مشتملة على حبوب كثيرة، فإذا كانت الأرض وهي مخلوقة لله تضاعف لك ما تعطيه أفلا يضاعف العطاء لك الذي خلقها؟ وإذا كان بعض من خلق الله يضاعف لك، فما بالك بالله جل وعلا؟ إن الأرض الصماء بعناصرها تعطيك، أئذا ما أخذت كيلة القمح من مخزنك لتبذرها في الأرض أيقال: إنك أنقصت مخزنك بمقدار كيلة القمح؟ لا؛ لأنك ستزرع بها، وأنت تنتظر كم ستأتي من حبوب، وهذه أرض صماء مخلوقة لله، فإذا كان المخلوق لله قد استطاع أن يعطيك بالحبة سبعمائة، ألا يعطيك الذي خلق هذه الأرض أضعاف ذلك؟ إنه كثير العطاء. والحق قد نسب للمنفقين الأموال التي رزقهم الله بها فقال: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [البقرة: 261] وكلمة "في سبيل الله" كلمة عامة، يصح أن يكون معناها الجهاد، أو مصارف الصدقات؛ لأن كل هذا في سبيل الله؛ لأن الضعيف حين يجد نفسه في مجتمع متكافل، ويجد صاحب القوة قد عدّى من أثر قوته وحركته إليه، أيحقد على ذي القوة؟ لا؛ لأن خيره يأتيه، نضرب المثل في الريف نقول: البهيمة التي تدر لبناً ساعة تسير في الحارة. فالكل كان يدعو الله لها ويقول: "يحميكي" لماذا؟ لأن صاحبها يعطي كل من حوله من لبنها ومن جبنتها ومن سمنها، لذلك يدعو لها الجميع، ولا يربطها صاحبها، ولا يعلفها، ولا ينشغل عليها، والخير القادم منها يذهب إلى كل الأهل، وحين نجد مجتمعاً بهذا الشكل ويجد العاجز من القوي معيناً، هنا يقول العاجز: إنني في عالم متكامل. وإذا ما وُجد في إنسان قوة وفي آخر ضعف؛ فالضعيف لا يحقد وإنما يقول: إن خير غيري يصلني. وكذلك يطمئن الواهب أنه إن عجز في يوم ما سيجد من يكفله - والقدرة أغيار - ما دام الإنسان من الأغيار. فقد يكون قوياً اليوم ضعيفاً غداً. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} [البقرة: 261] هو قانون يريد به الله أن يحارب الشُح في نفس المخلوقين، إنه يقول لكل منا: انظر النظرة الواعية؛ فالأرض لا تنقص من مخزنك حين تعطيها كيلة من القمح! صحيح أنك أنقصت كيلة من مخزنك لتزرعها، ولكنّك تتوقع أن تأخذ من الأرض أضعافها. وإياك أن تظن أن ما تعطيه الأرض يكون لك فيه ثقة، وما يعطيه الله لا ثقة لك فيه. {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261] إن الآية تعالج الشُح، وتؤكد أن الصدقة لا تنقص ما عند الإنسان بل ستزيده. وبعد ذلك يقول تعالى: {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى في الآيات السابقة أن الناس فريقان: أولياء الله وهم المؤمنون، وأولياء الطاغوت وهم الكافرون ثم أعقبه بذكر نموذج للإِيمان ونموذج للطغيان، ذكر هنا ما يرغّب في الإِنفاق في سبيل الله وخاصة في أمر الجهاد لأعداء الله، لأن الجهاد في سبيل الحق له ميادين ثلاثة: أولها الإِقناع بالحجة والبرهان وثانيها الجهاد بالنفس وثالثها الجهاد بالمال، فلما ذكر فيما سبق جهاد الدعوة وجهاد النفس شرع الآن في ذكر الجهاد بالمال. اللغَة: {ٱلْمَنِّ} أن يعتد بإِحسانه على من أحسن إِليه، وأن يذكّره النعمة على سبيل التطاول والتفضل قال الشاعر: شعر : أفسدتَ بالمنِّ ما أسديتَ من حَسَن ليس الكريمُ إِذا أسدى بمنّان تفسير : {رِئَآءَ ٱلنَّاس} لا يريد بإِنفاقه رضى الله وإنما يريد ثناء الناس وأصله من الرؤية وهو أن يري الناسَ ما يفعله حتى يثنوا عليه ويعظموه {صَفْوَانٍ} الصفوان: الحجر الأملس الكبير قال الأخفش: وهو جمع واحده صفوانه وقيل: هو اسم جنس كالحجر {وَابِلٌ} الوابل: المطر الشديد {صَلْداً} الصَّلْدُ: الأملس من الحجارة وهو كل ما لا ينبت شيئاً ومنه جبينٌ أصلد {بِرَبْوَةٍ} الربوة: المكان المرتفع من الأرض يقال: ربوة ورابية وأصله من ربا الشيء إِذا زاد وارتفع {طَلٌّ} الطلُّ: المطر الخفيف الذي تكون قطراته صغيرة وقال قوم منهم مجاهد: الطلُّ الندى {إِعْصَارٌ} الإِعصار: الريح الشديدة التي تهبُّ من الأرض وترتفع إِلى السماء كالعمود ويقال لها: الزوبعة {تَيَمَّمُواْ} تقصدوا {تُغْمِضُواْ} من أغمض الرجل في أمر كذا إِذا تساهل فيه وهذا كالإِغضاء عند المكروه. سَبَبُ النّزول: نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف في غزوة تبوك، حيث جهّز عثمان ألف بعير بأحلاسها وأقتابها ووضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف دينار، فصار رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلّبها ويقول: ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم، وأتى عبد الرحمن بن عوف النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهم فقال يا رسول الله: كان عندي ثمانية آلاف درهم فأمسكت منها لنفسي ولعيالي أربعة آلاف وأربعة آلاف أقرضتُها ربي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيتتفسير : ، فنزلت فيهما الآية {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...} الآية. التفسِير: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} قال ابن كثير: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إِلى سبعمائة ضعف أي مثل نفقتهم كمثل حبة زُرعت فأنبتت سبع سنابل {فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} أي كل سنبلةٍ منها تحتوي على مائة حبة فتكون الحبة قد أغلَّتْ سبعمائة حبة، وهذا تمثيل لمضاعفة الأجر لمن أخلص في صدقته ولهذا قال تعالى {وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ} أي يضاعف الأجر لمن أراد على حسب حال المنفق من إِخلاصه وابتغائه بنفقته وجه الله {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي واسع الفضل عليم بنيَّة المنفق {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى} أي لا يقصدون بإنفاقهم إلا وجه الله، ولا يعقبون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات بالمنِّ على من أحسنوا إِليه كقوله قد أحسنتُ إليك وجبرتُ حالك، ولا بالأذى كذكره لغيره فيؤذيه بذلك {لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} أي لهم ثواب ما قدموا من الطاعة عند الله {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي لا يعتريهم فزعٌ يوم القيامة ولا هم يحزنون على فائتٍ من زهرة الدنيا {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى} أي ردُّ السائل بالتي هي أحسن والصفحُ عن إِلحاحه، خيرٌ عند الله وأفضل من إِعطائه ثم إيذائه أو تعييره بذلّ السؤال {وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} أي مستغنٍ عن الخلق حليم لا يعاجل العقوبة لمن خالف أمره.. ثم أخبر تعالى عما يبطل الصدقة ويضيع ثوابها فقال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} أي لا تحبطوا أجرها بالمنِّ والأذى {كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ} أي كالمرائي الذي يبطل إِنفاقه بالرياء {وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي لا يصدّق بلقاء الله ليرجو ثواباً أو يخشى عقاباً {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ} أي مثل ذلك المرائي بإِنفاقه كمثل الحجر الأملس الذي عليه شيء من التراب يظنه الظانُّ أرضاً طيبةً منبتةً {فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً} أي فإِذا أصابه مطر شديد أذهب عنه التراب فيبقى صلداً أملس ليس عليه شيء من الغبار أصلاً كذلك هذا المنافق يظن أن له أعمالاً صالحة فإِذا كان يوم القيامة اضمحلت وذهبت ولهذا قال تعالى {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ} أي لا يجدون له ثواباً في الآخرة فلا ينتفع بشيءٍ منها أصلاً {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} أي لا يهديهم إِلى طريق الخير والرشاد.. ثم ضرب تعالى مثلاً آخر للمؤمن المنفق ماله ابتغاء مرضاة الله فقال {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} أي ينفقونها طلباً لمرضاته وتصديقاً بلقائه تحقيقاً للثواب عليه {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} أي كمثل بستان كثير الشجر بمكانٍ مرتفع من الأرض، وخُصَّت بالربوة لحسن شجرها وزكاء ثمرها {أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} أي أصابها مطر غزير فأخرجت ثمارها جنيَّة مضاعفة، ضعفي ثمر غيرها من الأرض {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} أي فإِن لم ينزل عليها المطر الغزير فيكفيها المطر الخفيف أو يكفيها الندى لجودتها وكرم منبتها ولطافة هوائها فهي تنتج على كل حال {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} أي أيحب أحدكم أن تكون له حديقة غناء فيها من أنواع النخيل والأعناب والثمار الشيء الكثير {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي تمر الأنهار من تحت أشجارها {لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} أي ينبت له فيها جميع الثمار ومن كل زوج بهيج {وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ} أي أصابته الشيخوخة فضعف عن الكسب وله أولاد صغار لا يقدرون على الكسب {فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ} أي أصاب تلك الحديقة ريح عاصفة شديدة معها نار فأحرقت الثمار والأشجار أحوج ما يكون الإِنسان إِليها {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} أي مثل هذا البيان الواضح في هذا المثل الرائع المحكم يبيّن الله لكم آياته في كتابه الحكيم لكي تتفكروا وتتدبروا بما فيها من العبر والعظات {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} أي أنفقوا من الحلال الطيب من المال الذي كسبتموه {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} أي ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمار {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} أي ولا تقصدوا الرديء الخسيس فتتصدقوا منه {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} أي لستم تقبلونه لو أعطيتموه إِلا إِذا تساهلتم وأغمضتم البصر فكيف تؤدون منه حق الله!! {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} أي أنه سبحانه غني عن نفقاتكم حميد يجازي المحسن أفضل الجزاء.. ثم حذّر تعالى من وسوسة الشيطان فقال {ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ} أي الشيطان يخوفكم من الفقر إِن تصدقتم ويغريكم بالبخل ومنع الزكاة {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً} أي وهو سبحانه يعدكم على إِنفاقكم في سبيله مغفرةً للذنوب وخلفاً لما أنفقتموه زائداً عن الأصل {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي واسع الفضل والعطاء عليم بمن يستحق الثناء {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ} أي يعطي العلم النافع المؤدي إِلى العمل الصالح من شاء من عباده {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} أي من أعطي الحكمة فقد أعطي الخير الكثير لمصير صاحبها إلى السعادة الأبدية {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} أي ما يتعظ بأمثال القرآن وحكمه إِلا أصحاب العقول النيرة الخالصة من الهوى. البَلاَغَة: 1- {كَمَثَلِ حَبَّةٍ} شبّه سبحانه الصدقة التي تُنفق في سبيله بحبة زرعت وباركها المولى فأصبحت سبعمائة حبة، ففيه تشبيه "مرسل مجمل" لذكر أداة التشبيه وحذف وجه الشبه قال أبو حيان: وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين عيني الناظر. 2- {أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} إِسناد الإِنبات إِلى الحبة إِسنادٌ مجازي ويسمى "المجاز العقلي" لأن المنبت في الحقيقة هو الله تعالى. 3- {مَنّاً وَلاَ أَذًى} من باب ذكر العام بعد الخاص لإِفادة الشمول لأن الأذى يشمل المنَّ. 4- {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ} فيه تشبيه يسمى "تشبيهاً تمثيلياً" لأن وجه الشبه منتزع من متعدد وكذلك يوجد تشبيه تمثيلي في قوله {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ}. 5- {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ...} الآية، لم يذكر المشبه ولا أداة التشبيه وهذا النوع يسميه علماء البلاغة "استعارة تمثيلية" وهي تشبيه حال بحال لم يذكر فيه سوى المشبّه به فقط وقامت قرائن تدل على إِرادة التشبيه، والهمزة للاستفهام والمعنى على التبعيد والنفي أي ما يود أحدٌ ذلك. 6- {تُغْمِضُواْ فِيهِ} المراد به هنا التجاوز والمساهلة لأن الإِنسان إِذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك ففي الكلام مجاز مرسل أو استعارة. الفوَائِد: الأولى: قال الزمخشري: المنُّ أن يعتد على من أحسن إِليه بإِحسانه، وفي نوابغ الكلم "صنوان من منح سائله ومنَّ، ومن منع نائله وضنّ" و "طعم الآلاء أحلى من المنّ وهي أمرُّ من الألاء مع المنِّ" وقال الشاعر: شعر : وإِن امرءً أسدى إِليَّ صنيعةً وذكّر فيها مرةً للئيم تفسير : الثانية: المطر أوله رشٌ ثم طشٌ ثم طلٌ نم نضحٌ ثم هطلٌ ثم وبلٌ والمطر الوابل الشديد الغزير. الثالثة: قال عمر بن الخطاب يوماً لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم "فيمن ترون هذه الآية نزلت {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} قالوا: الله أعلم فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك، فقال ابن عباس ضربت مثلاً بعمل لرجلٍ غني يعمل بطاعة الله ثم بعث له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله" أخرجه البخاري. الرابعة: قال الحسن البصري: هذا مثل قلَّ والله من يعقله: شيخ كبير، ضعف جسمه، وكثر صبيانه أفقر ما كان إِلى جنته فجاءها الإِعصار فأحرقها، وإِن أحدكم والله أفقر ما يكون إِلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا.

الأندلسي

تفسير : {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} الآية لما كانت قصة المار على قرية وقصة إبراهيم عليه السلام من أدل دليل على البعث ذكر ما ينتفع به يوم البعث وما يدل على البعث من إنشاء من حبة واحدة سبع مائة حبة. ودل ذلك على قدرة عظيمة بالغة فكما يخرج هذه الحبات الكثيرة من الحبة الواحدة كذلك يخرج الله الموتى. وهذا العدد يوجد في الدفن والذرة أو ذكر ذلك على سبيل التصوير وإن لم يعاين وأضيف عدد القلة وهو سبع إلى جمع وهو للكثرة مكسراً ولم يضف إلى التصحيح وهو سنبلات لما تقرر في علْم النحو انه الأكثر. قال تعالى: {أية : ثَمَانِيَ حِجَجٍ}تفسير : [القصص: 27] {أية : سَبْعَ طَرَآئِقَ}تفسير : [المؤمنون: 17] {أية : سَبْعَ لَيَالٍ}تفسير : [الحاقة: 7] {أية : عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}تفسير : [المائدة: 89] مما وازن مفاعل نحو هذا أكثر وأفصح من جمع القلة المصحح فاما وسبع سنبلات فلمقابلة سبع نحو هذا أكثر وأفصح من جمع القلة المصحح فاما وسبع سنبلات فلمقابلة سبع بقرات. (قال) الزمخشري: (فإِن قلت): هلا قيل سبع سنبلات على حقه من التمييز بجمع القلة كما قال: {أية : وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ} تفسير : [يوسف: 43، 46]؟ (قلت): هذا لما قدمت عند قوله: ثلاثة قروء؛ من وقوع أمثلة الجمع. متعاورة مواقعها. "انتهى". فجعل هذا من باب الاتساع ووقوع أحد الجمعين موقع الآخر على سبيل المجاز إذ كان حقه أن يميز بأقل الجمع، لأن السبع من أقل العدد. وتقدم لنا أن هذا ليس من باب الاكتفاء واشبعنا الكلام في ذلك البحر. {فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ} في موضع الصفة لسبع أو لسنابل. وقرىء مائة حبة بالنصب أي أخرجت الحبة مائة حبة. والظاهر في المائة العدد المعروف، أو ذكرت كناية عن الكثير إذ المائة مما يعبر بها عن الكثير، والمنة: النعمة، منّ عليه: أنعم، والمن المذموم ذكر النعمة للمنعم عليه على سبيل الفخر عليه والاعتداد بإِحسانه والمن من الكبائر. ثبت في صحيح مسلم وغيره انه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. {ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ} دليل على أن النفقة تمضي في سبيل الله ثم يتبعها ما يبطلها وهو المن والأذى فقبولها موقوف على هذه الشرائطة، والأذى يشمل المن وغيره. وذكر الأذى عموم بعد خصوص وقدم المن لكثرة وقوعه ومن المن أن يقول: قد أحسنت إليك ونعشتك وشبهه. أو يتحدث بما أعطى فيبلغ ذلك المعطى فيؤذيه. ومن الأذى أن يسب المعطي أو يشتكي منه أو يقول: ما أشد إلحاحك، وخلصنا الله منك، أو: أنت أبداً تجيئني، أو يكلفه الاعتراف بما أَسْدى إليه. والذين مبتدأ خبره. {لَّهُمْ أَجْرُهُمْ} ولم يضمن الذين معنى الشرط فتدخل الفاء في الخبر لأن هذه الجملة مفسرة للجملة قبلها المخرجة مخرج الشيء الثابت المفروغ منه وهو تشبيه إنفاقهم بالحبة الموصوفة وهي كناية عن حصول الأجر الكثير، فجاءت هذه الجملة كذلك أخرجت فخرج الشيء الثابت المستقر الذي لا يكاد خبره يحتاج إلى تعليق استحقاق لوقوع ما قبله،. {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} هو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله. {وَمَغْفِرَةٌ} دعاء بالغفران إما له وإما للسائل. وقول مبتدأ ومسوغ الابتداء وصفه. ولما تقدم ذكر قوله: منا، ولا أذى، وهما نكرتان جاء في هذه الجملة بالمن والأذى معرفتين كقوله: {أية : فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [المزمل: 16]، بعد قوله: {أية : إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً} تفسير : [المزمل: 15]. والكاف من قوله: كالذي، في موضع نعت لمصدر محذوف أي إبطالاً كابطال صدقة الذي أو في موضع الحال أي مشبهين الذي ينفق فالظاهر ان هذا المنفق الموصوف في الآية هو المنافق والرياء مصدر راءَاْ من الرؤية وهو أن يرى الناس ما يفعله من البر حتى يثنوا عليه ويعظموه ويظنوا أنه من أهل الخير وممن ينفق لوجه الله تعالى وانتصب رياء على أنه مفعول من أجله أو مصدر في موضع الحال. {فَمَثَلُهُ} الضمير عائد على الذي ينفق والصفوان الحجر الكبير الأملس. وتحريك فإِنه بالفتح لغة. وقرىء به وهو شاذ في الأسماء بل فعلان بابه في المصادر والصفات والصلد الأملس: النقي من التراب. والوابل: المطر الشديد. ضرب الله تعالى لهذا المنافق المثل بصفوان عليه تراب يظنه الظان أرضاً منبتة طيبة فإِذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب فيبقى صلداً منكشفاً واخلف ما ظنه الظان كذلك هذا المنافق يُريَ الناس أن له أعمالاً كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإِذا كان يوم القيامة اضمحلت وبطلت كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب. والضمير في قوله: لا يقدرون، عائد على المخاطبين بقوله: لا تبطلوا. وفيه التفات أو على الذي من قوله: كالذي، مراعاة لمعنى الجمع إذ لا يراد به واحد فهو نظير: ذهب الله بنورهم، بعد قوله: كمثل الذي استوقد. {عَلَىٰ شَيْءٍ} أي على انتفاع بشيء مما أنفقوا وهو كسبهم عند حاجتهم إليه ولما ضرب المثل للمبطل صدقاته وشبّهه بالمنافق ذكر مثل من يقصد بنفقته وجه الله فقال: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ} الآية وانتصب ابتغاء على أنه مفعول من أجله، وقابل وصف المنافق بالرياء بقوله: {ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} وقابل ابتغاء إيمانه بقوله: وتثبيتاً من أنفسهم. والمراد توطين النفس على المحافظة على طاعة من يؤمن به وكان التمثيل في قوله: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ} بمحسوس متصوّر حتى يظهر للسامع تفاوت ما بين الضدين وقراءة الجمهور جنة وقرىء جنة. والربوة: أرض مرتفعة طيبة وتثلث واوها. ومن نظم الخليل بن أحمد رحمه الله: شعر : ترفعت عن ندى الأعماق وانخفضت عن المعاطش واستغنت لريّاها فمال بالخوخ والرمان أسفلها واعتم بالنخل والزيتون أعلاها تفسير : {أَصَابَهَا وَابِلٌ} وصفها بما تعلمه العرب وتشاهده كثيراً من انتفاع الربا بالوابل، إذ يقل: الماء الجاري في بلادهم. وقرىء بفتح الراء في ربوة وبضمها وقرىء برباوة على وزن كراهة. وبكسر الراء على وزن رسالة. {فَآتَتْ} أي صاحبها أو أهلها. {أُكُلَهَا} وحذف كما حذف في قوله: كمثل جنة، أي صاحب جنة لدلالة المعنى، لأن المقصود ذكر ما تثمر لا لمن تثمر. وانتصب: ضعفين على الحال ونسبة الايتاء إليها مجاز والأكل هنا الثمرة. وقرىء بضم الكاف وإسكانها وضعف الشيء مثله. وقيل: مثلاه فيكون أربعة أمثاله. قيل: في حمل واحد، أو في السنة مرتين. ويحتمل أن يكون يراد بالتثنية التكثير لا شفع الواحد أي ضعفاً بعد ضعف أي إضعافاً كثيرة وهو أبلغ في التشبيه لأن الحسنة لا يكون لها ثواب حسنتين. {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} أي إن لم يكن يصبها وابل فيصيبها طل أو فطل يصيبها وهو مع ذلك كاف لها في إيتاء ضعفين لكرم الأرض وطيبها فلا تنقص ثمرتها بنقصان المطر. وقرىء بما يعملون بالتاء وبالياء.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن الإنفاق بالوفاق وماله في هذا التسوق من النفاق بقوله تعالى: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261]، الإشارة فيها: إن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله فالخلف لهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم وقلوبهم في سبيل الله فيكون الخلف عنهم ولهم الحق سبحانه، ومن يعطي تمرة إلى فقير يأخذها الله بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم فلوة أو فصيلة، حتى تكون أعظم من الجبل، فيكف بمن يعطي قلبه إلى الله تعالى وهو يربيه بين أصبعي جماله؟ فلا جرم يصير بتربيته أعظم من العرش بما فيه؛ بل يكون العرش بما فيه في عرصته كحلقة في فلات، فافهم جدّاً. فإن قوماً بذلوا المال في سبيل الله، وقوماً بذلوا الحال في سبيل الله بإيثار صفاء الأوقات، وفتوحات الخلوات، وطلب الحق وأرباب الصدق؛ للقيام بأمورهم في تشفي ما في صدورهم {أية : وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}تفسير : [الحشر: 9]، فبذلوا ليحصلوا، وحصلوا لينفصلوا له، وانفصلوا إليه ليتصلوا، واتصلوا ليصلوا، {وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ} [البقرة: 261] فضله وكرمه {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ} [البقرة: 261] بالفضل والكرم {عَلِيمٌ}، يا أهل فضله. ثم أخبر عن أخلاق أهل الإنفاق بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى} [البقرة: 262]، والإشارة فيها: أن الإنفاق في سبيل الله هو: الذي يكون في طلب الله لا في طلب غير الله، مثل الثناء والشكر في الدنيا، والجزاء في الآخرة من الجنة ونعيمها، كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً}تفسير : [الإنسان: 9]، ثناء وشكر في الدنيا. وقال الله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً}تفسير : [المزمل: 19]؛ أي: اتخذه في طلب الله، ويدل عليه قوله تعالى: {ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى} [البقرة: 262]؛ فالمن: أن يمن به على الحق، ويظن أن المال كان له وإنفاقه كان منه، ولا يعلم أن المال كان مال الله وهو بنفسه عبد الله، وإنما كان إنفاقه بتوفيق الله، ففي هذا كله تعالى عليه المنَّة لا له منَّة على الله كقوله تعالى: {أية : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ}تفسير : [الحجرات: 17]، فإذا منَّ العبد في الإنفاق وكل الأعمال أن لا يعمل إلا بنية الطمع في المكافآت، أو خوف العذاب، كأنه يقول: إني عملت لك هذا العمل ووجب عليك حق فأد حقي، وهو غافل عن حقيقة الحال أنه لا يعمل لله شيئاً لا حسنة ولا سيئة، وإنما يعمل لنفسه، لقوله تعالى: {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}تفسير : [الإسراء: 7]، ولا يعمل العمل من قدرة له أو بمشيئة منه، فإنه قال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}تفسير : [الصافات: 96]، وقال تعالى: {أية : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [التكوير: 29]، فإنه ما للعبد حق على الرب حقيقة حتى يطالب في طمع الثواب وخوف العذاب. وقوله تعالى: {وَلاَ أَذًى} [البقرة: 262]؛ فالأذى أن يطلب من الله عز وجل غير الله، رأى أحمد خضرويه ربه في المنام فقال: "يا أحمد، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد، فإنه يطلبني"، ثم قال تعالى: {لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 262]؛ يعني: إذا أنفقوا في طلب، {ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى} [البقرة: 262] طمعاً في غير الله، فلهم أجر الذين عملوا عند ربهم؛ أي: ينزلهم في مقام العندية {أية : عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 55]؛ أي: لا ينزلهم عند الجنة ولا عند النار إلا عند الله، فافهم جدّاً. {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى} [البقرة: 263]؛ يعني: قول من عارف يعرف قدر ربه بالمعرفة في طلب المعروف {وَمَغْفِرَةٌ} [البقرة: 263] له وإن له يكن له مال يتصدق به {خَيْرٌ} [البقرة: 263] له عند ربه في نيل المرام {مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ} [البقرة: 263]، من الجهل {أَذًى} [البقرة: 263] طلب غير الحق {وَٱللَّهُ غَنِيٌّ} [البقرة: 263]، مع أن الله غني مستغنٍ عنكم لكماله، وأنتم مفتقرون إليه لنقصانكم بالكمال، {حَلِيمٌ} [البقرة: 263]، يجلم على العبد بحمله أن يطلبه منه، ولولا حلمه فما للتراب ورب الأرباب، ويحلم عن العبد ولا يعجل في عقوبة من يختار عند الطلب غيره عليه، ويطلب منه غيره. ثم أخبر عن إبطال الصدقة بالمنة والأذى وفساد النية بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} [البقرة: 264]، إشارة في تحقيق الآية أن المعاملات إذا كانت مشوبة بالأغراض ففيها نوع من الإعراض، ومن أعرض عن الحق فقد أقبل على الباطل، ومن أقبل على الباطل فقد أبطل حقوقه في الأعمال {أية : فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ}تفسير : [يونس: 32]، وقد نهيت عن إبطال الأعمال بالرياء للإعراض عن طلب الحق والإقبال على الباطل بقوله تعالى: {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} [البقرة: 264]؛ أي: إذا مننت بها على الفقير فقد أعرضت عن طلب الحق؛ لأن قصدك في الصدقة، ولو كان طلب الحق لما مننت على الفقير؛ بل كنت رهين منة الفقير حيث كان سبب وصولك في الصدقة إلى الحق، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لولا الفقراء لهلك الأغنياء"؛تفسير : يعني: لم يجدوا وسيلة إلى الحق. وقدر فسَّر بعضهم قوله: "حديث : اليد العليا خير من اليد السفلى"،تفسير : بأن اليد العليا هي: يد الفقير: والسفلى يد الغني؛ لأن الفقير يأخذ منه الدنيا وهي السفلى، ويعطيه الآخرة وهي العليا، فاليد العليا تكون يد الفقير، واليد السفلى يد الغني التي تعطي السفلى وتاخذ العليا، والأذى هو الإقبال على الباطل؛ لأننا فسرنا في آية أخرى أن الأذى هو طلب غير الحق عن الحق، فعلى هذا المعنى طلب غير الله هو الإقبال على الباطل، لأن كل شيء غير الحق فهو باطل، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن أصدق كلمة قالها العرب: كل شيء ما خلا الله باطل"،تفسير : فمن عمل عملاً لله ثم يشويه بغرض في الدارين، فقط أبطل عمله بأن يكون لله تعالى، فافهم جدّاً. كما ضرب الله به مثلاً قال: {كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ} [البقرة: 264]؛ يعني: الذي يبطل صدقته بالمن والأذى؛ هو كالذي ينفق ماله رثاء الناس، ومن ينفق المال رثاء الناس فليس له إيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن اليسير من الرياء شرك، والمشرك لا يكون مؤمناً؛ لأنه لو كان مؤمناً بالله كان ينفق لله، ولو كان مؤمناً للآخرة ينفق للآخرة فلما أنفق لأجل الدنيا وطلب الرفعة فيها وهي فانية عنها، إنه لو كان مؤمناً لم يخير الفاني على الباقي، فمثل عمر المرء {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} [البقرة: 264]، الطرد على تراب عمله فأبطله كما يبطل الوابل على الصفوان {فَتَرَكَهُ صَلْداً} [البقرة: 264]؛ أي: بلا عمل، فكما أن المرء لا يؤمن بالله واليوم الآخر حقيقة حين يعمل عمل الآخرة ويشوبه بغرض دنيوي، فكذلك من عمل عملاً لله تعالى ثم يشوبه بغرض أخروي، فإنه يؤمن بالآخرة، ولكن في الحقيقة لا يؤمن بالله، فبوابل درأنا أعني الشركاء عن الشرك يبطل ثواب عمله على صفوان حسبانه، {فَتَرَكَهُ صَلْداً} [البقرة: 264]، مفلساً خائباً خاسراً، {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ} [البقرة: 264]، بالشرك في طلب غير الحق {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي} [البقرة: 264]، إلى حضرة جلاله {ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} [البقرة: 264]، قوماً كفروا بنعمة شهود جماله فحرموا من دولة وصاله، وأقربوا بعذاب الفِراق ووباله. ثم أخبر عن طلب المتحصلين في الإنفاق والعمل الخالص من النفاق بقوله تعالى: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} [البقرة: 265]، فحسب لا ينبغي معها من الله ما هو سواه من أمر الدنيا والآخرة، {وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 265]، وتخليصاً لنياتهم في طلب الحق ومرضاته من حظوظ أنفسهم، {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ} [البقرة: 265]، الوارد فظل إلهامات {فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} [البقرة: 265]؛ يعني: ثمرات الخلاصة في طلب الحق ومرضاته تكون ضعفين بالنسبة إلى من ينفق ويعمل الخيرات والطاعات؛ لأجل الثواب الأخروي، ورفعه الدرجات في الجنان، فإن حظه ويكون من نعيم الجنة، فحسب المخلص في طلب الحق يكون له ضعف من قربة الحق ودولة الوصال، وشهود ما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ضعف من نعيم الجنة أوفى وأوفر من ضعف طلب الجنة ونعيمها بأضعاف مضاعفة بالتبعية، فإن الله تعالى كما يعطي أهل الآخرة نصيباً من الدنيا بالتبعية، ولا يعطي لأهل الآخرة ما لأهل الله من القربة والوصلة بالتبعية؛ فلهذا ثمرات أهل الله تكون ضعفين، ولأهل الآخرة ضعفاً واحداً، وأما معنى آخر {فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} [البقرة: 265]، في الدنيا ضعف، من ثمرات الكشوف والمشاهدات وأنواع الكرامات، أثمرتها جنة قلب المخصلين من {وَابِلٌ} [البقرة: 265]، الواردات والنظريات الإلهية، أو {فَطَلٌّ} [البقرة: 265]، الجذبات والإلهامات الربانية، {ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 265]، كيف تعلمون؟ ولماذا تعملون لابتغاء المرضاة أو لاستيفاء الحياة؟

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا بيان للمضاعفة التي ذكرها الله في قوله {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة } تفسير : وهنا قال: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } أي: في طاعته ومرضاته، وأولاها إنفاقها في الجهاد في سبيله { كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة } وهذا إحضار لصورة المضاعفة بهذا المثل، الذي كان العبد يشاهده ببصره فيشاهد هذه المضاعفة ببصيرته، فيقوى شاهد الإيمان مع شاهد العيان، فتنقاد النفس مذعنة للإنفاق سامحة بها مؤملة لهذه المضاعفة الجزيلة والمنة الجليلة، { والله يضاعف } هذه المضاعفة { لمن يشاء } أي: بحسب حال المنفق وإخلاصه وصدقه وبحسب حال النفقة وحلها ونفعها ووقوعها موقعها، ويحتمل أن يكون { والله يضاعف } أكثر من هذه المضاعفة { لمن يشاء } فيعطيهم أجرهم بغير حساب { والله واسع } الفضل، واسع العطاء، لا ينقصه نائل ولا يحفيه سائل، فلا يتوهم المنفق أن تلك المضاعفة فيها نوع مبالغة، لأن الله تعالى لا يتعاظمه شيء ولا ينقصه العطاء على كثرته، ومع هذا فهو { عليم } بمن يستحق هذه المضاعفة ومن لا يستحقها، فيضع المضاعفة في موضعها لكمال علمه وحكمته.