٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
262
Tafseer
الرازي
تفسير : إعلم أنه تعالى لما اعظم أمر الانفاق في سبيل الله، أتبعه ببيان الأمور التي يجب تحصيلها حتى يبقى ذلك الثواب، منها ترك المن والأذى ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: نزلت الآية في عثمان وعبد الرحمٰن بن عوف، أما عثمان فجهز جيش العسرة في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وألف دينار، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يقول: يا رب عثمان رضيت عنه فارض عنه، وأما عبد الرحمٰن بن عوف فإنه تصدق بنصف ماله أربعة آلاف دينار فنزلت الآية. المسألة الثانية: قال بعض المفسرين: إن الآية المتقدمة مختصة بمن أنفق على نفسه، وهذه الآية بمن أنفق على غيره فبيّن تعالى أن الانفاق على الغير إنما يوجب الثواب العظيم المذكور في الآية إذا لم يتبعه بمن ولا أذى قال القفال رحمه الله: وقد يحتمل أن يكون هذا الشرط معتبراً أيضاً فيمن أنفق على نفسه، وذلك هو أن ينفق على نفسه ويحضر الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ابتغاء لمرضاة الله تعالى، ولا يمن به على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ولا يؤذي أحداً من المؤمنين، مثل أن يقول: لو لم أحضر لما تم هذا الأمر، ويقول لغيره: أنت ضعيف بطال لا منفعة منك في الجهاد. المسألة الثالثة: المن في اللغة على وجوه أحدها: بمعنى الانعام، يقال: قد من الله على فلان، إذا أنعم، أو لفلان على منّة، وأنشد ابن الأنباري:شعر : فمنّي علينا بالسلام فإنما كلامك ياقوت ودر منظم تفسير : ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من الناس أحد أمن علينا في صحبته ولا ذات يده من ابن أبي قحافة» تفسير : يريد أكثر إنعاماً بماله، وأيضاً الله تعالى يوصف بأنه منان أي منعم. والوجه الثاني: في التفسير المن النقص من الحق والبخس له، قال تعالى: {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ } أي غير مقطوع وغير ممنوع، ومنه سمي الموت: منوناً لأنه ينقص الأعمار، ويقطع الأعذار: ومن هذا الباب المنة المذمومة، لأن ينقص النعمة، ويكدرها، والعرب يمتدحون بترك المن بالنعمة، قال قائلهم:شعر : زاد معروفك عندي عظما أنه عندي مستور حقير تتناساه كأن لم تأته وهو في العالم مشهور كثير تفسير : إذا عرفت هذا فنقول: المن هو إظهار الاصطناع إليهم، والأذى شكايته منهم بسبب ما أعطاهم وإنما كان المن مذموماً لوجوه الأول: أن الفقير الآخذ للصدقة منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة غير معترف باليد العليا للمعطي، فإذا أضاف المعطي إلى ذلك إظهار ذلك الإنعام، زاد ذلك في انكسار قلبه، فيكون في حكم المضرة بعد المنفعة، وفي حكم المسيء إليه بعد أن أحسن إليه والثاني: إظهار المن يبعد أهل الحاجة عن الرغبة في صدقته إذا اشتهر من طريقه ذلك الثالث: أن المعطي يجب أن يعتقد أن هذه النعمة من الله تعالى عليه، وأن يعتقد أن لله عليه نعماً عظيمة حيث وفقه لهذا العمل، وأن يخاف أنه هل قرن بهذا الانعام ما يخرجه عن قبول الله إياه، ومتى كان الأمر كذلك امتنع أن يجعله منة على الغير الرابع: وهو السر الأصلي أنه إن علم أن ذلك الإعطاء إنما تيسر لأن الله تعالى هيأ له أسباب الاعطاء وأزال أسباب المنع، ومتى كان الأمر كذلك كان المعطي هو الله في الحقيقة لا العبد، فالعبد إذا كان في هذه الدرجة كان قلبه مستنيراً بنور الله تعالى وإذا لم يكن كذلك بل كان مشغولاً بالأسباب الجسمانية الظاهرة وكان محروماً عن مطالعة الأسباب الربانية الحقيقة فكان في درجة البهائم الذين لا يترقى نظرهم عن المحسوس إلى المعقول وعن الآثار إلى المؤثر، وأما الأذى فقد اختلفوا فيه، منهم من حمله على الإطلاق في أذى المؤمنين وليس ذلك بالمن بل يجب أن يكون مختصاً بما تقدم ذكره وهو مثل أن يقول للفقير: أنت أبداً تجيئني بالإيلام وفرج الله عني منك وباعد ما بيني وبينك، فبيّن سبحانه وتعالى أن من أنفق ماله ثم أنه لا يتبعه المن والأذى فله الأجر العظيم والثواب الجزيل. فإن قيل: ظاهر اللفظ أنهما بمجموعهما يبطلان الأجر فيلزم أنه لو وجد أحدهما دون الثاني لا يبطل الأجر. قلنا: بل الشرط أن لا يوجد واحد منهما لأن قوله {لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنّا وَلا أَذًى } يقتضي أن لا يقع منه لا هذا ولا ذاك. المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: الآية دالة على أن الكبائر تحبط ثواب فاعلها، وذلك لأنه تعالى بيّن أن هذا الثواب إنما يبقى إذا لم يوجد المن والأذى، لأنه لو ثبت مع فقدهما ومع وجودهما لم يكن لهذا الاشتراط فائدة. أجاب أصحابنا بأن المراد من الآية أن حصول المن والأذى يخرجان الانفاق من أن يكون فيه أجر وثواب أصلاً، من حيث يدلان على أنه إنما أنفق لكي يمن، ولم ينفق لطلب رضوان الله، ولا على وجه القربة والعبادة، فلا جرم بطل الأجر، طعن القاضي في هذا الجواب فقال: إنه تعالى بيّن أن هذا الانفاق قد صح، ولذلك قال: {ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ } وكلمة {ثُمَّ } للتراخي، وما يكون متأخراً عن الانفاق موجب للثواب، لأن شرط المتأثر يجب أن يكون حاصلاً حال حصول المؤثر لا بعده. أجاب أصحابنا عنه من وجوه الأول: أن ذكر المن والأذى وإن كان متأخراً عن الانفاق، إلا أن هذا الذكر المتأخر يدل ظاهراً على أنه حين أنفق ما كان إنفاقه لوجه الله، بل لأجل الترفع على الناس وطلب الرياء والسمعة، ومتى كان الأمر كذلك كان إنفاقه غير موجب للثواب والثاني: هب أن هذا الشرط متأخر، ولكن لم يجوز أن يقال: إن تأثير المؤثر يتوقف على أن لا يوجد بعده ما يضاده على ما هو مذهب أصحاب الموافاة، وتقريره معلوم في علم الكلام. المسألة الخامسة: الآية دلت أن المن والأذى من الكبائر، حيث تخرج هذه الطاعة العظيمة بسبب كل واحد منهما عن أن تفيد ذلك الثواب الجزيل. أما قوله {لَهُمْ أَجْرُهُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن العمل يوجب الأجر على الله تعالى، وأصحابنا يقولون: حصول الأجر بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل لأن العمل واجب على العبد وأداء الواجب لا يوجب الأجر. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على نفي الإحباط، وذلك لأنها تدل على أن الأجر حاصل لهم على الاطلاق، فوجب أن يكون الأجر حاصلاً لهم بعد فعل الكبائر، وذلك يبطل القول بالإحباط. المسألة الثالثة: أجمعت الأمة على أن قوله {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } مشروط بأن لا يوجد منه الكفر، وذلك يدل على أنه يجوز التكلم بالعام لإرادة الخاص، ومتى جاز ذلك في الجملة لم تكن دلالة اللفظ العام على الاستغراق دلالة قطعية، وذلك يوجب سقوط دلائل المعتزلة في التمسك بالعمومات على القطع بالوعيد. أما قوله {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } ففيه قولان الأول: أن إنفاقهم في سبيل الله لا يضيع، بل ثوابه موفر عليهم يوم القيامة، لا يخافون من أن لا يوجد، ولا يحزنون بسبب أن لا يوجد، وهو كقوله تعالى: {أية : وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً } تفسير : [طه: 112] والثاني: أن يكون المراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب ألبتة، كما قال:{أية : وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ }تفسير : [النمل: 89] وقال: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } تفسير : [الأنبياء: 103].
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} قيل: إنها نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه.حديث : قال عبد الرّحمٰن بن سَمُرة: جاء عثمان بألف دينار في جيش العُسْرة فصبّها في حِجْر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يدخل يده فيها ويقبلها ويقول: «ما ضَرّ ٱبن عفان ما عمل بعد اليوم اللَّهُمَّ لا تنس هذا اليومَ لعثمان». وقال أبو سعيد الخدرِيّ: رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم رافعاً يديه يدعو لعثمان يقول: «يا ربّ عثمان إني رضيت عن عثمان فٱرض عنه»تفسير : فما زال يدعو حتى طلع الفجر فنزلت: {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى} الآية. الثانية ـ لما تقدّم في الآية التي قبلُ ذِكرُ الإنفاق في سبيل الله على العموم بَيَّن في هذه الآية أن ذلك الحكم والثواب إنما هو لمن لا يتبع إنفاقه مَنّا ولا أذًى؛ لأن المنّ والأذىٰ مبطلان لثواب الصدّقة كما أخبر تعالىٰ في الآية بعد هذا، وإنما على المرء أن يريد وجه الله تعالىٰ وثوابَه بإنفاقه على المنَفق عليه، ولا يرجو منه شيئاً ولا ينظر من أحواله في حالٍ سوى أن يراعي استحقاقه؛ قال الله تعالىٰ: {أية : لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً} تفسير : [الإنسان: 9]. ومتى أنفق ليريد من المنفَق عليه جزاء بوجهٍ من الوجوه فهذالم يُرد وجهَ الله؛ فهذا إذا أخلف ظنه فيه منّ بإنفاقه وآذى. وكذلك من أنفق مضطراً دَافع غَرْم إمّا لمانْةٍ للمنفَق عليه أو لقرينة أُخرىٰ من اعتناء معتن فهذا لم يرد وجه الله. وإنما يُقبل ما كان عطاؤه لله وأكثر قصده ابتغاء ما عند الله، كالذي حُكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أعرابياً أتاه فقال:شعر : يا عُمَر الخيرِ جُزَيت الجنّهْ أُكْسُ بُنَياتِّي وأمّهُنّه وكُنْ لنا من الزمان جُنَّه أُقسم بالله لتفعلَنّهْ تفسير : قال عمر: إن لم أفعل يكون ماذا؟! قال:شعر : إذاً أبـا حفـصٍ لأذهَبَنّـه تفسير : قال: إذا ذهبت يكون ماذا؟! قال:شعر : تكون عن حالي لتُسْأَلنّهْ يوم تكون الأُعْطِيات هَنّهْ ومَوْقِفُ المسئول بيْنَهُنّهْ إمّا إلى نارٍ وإمّا جَنّهْ تفسير : فبكى عمر حتى اخْضَلّت لحيته، ثم قال: يا غلام، أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لِشعْره! والله لا أملك غيره. قال الماورديّ: وإذا كان العطاء على هذا الوجه خالياً من طلب جزاء وشُكر عُرْياً عن ٱمتنان ونشرٍ كان ذلك أشرف للباذل وأهْنَأَ للقابل. فأما المعطِي إذا التمس بعطائه الجزاء، وطلب به الشكر والثناء، كان صاحبَ سُمْعة ورِياء، وفي هذين من الذمّ ما ينافِي السخاء. وإن طلب الجزاء كان تاجراً مُربِحاً لا يستحق حمداً ولا مدحاً. وقد قال ابن عباس في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} تفسير : [المدثر: 6] أي لا تُعطِي عطية تلتمس بها أفضل منها. وذهب ٱبن زيد إلى أن هذه الآية إنما هي في الذين لا يخرجون في الجهاد بل ينفقون وهم قعود، وأن الآية التي قبلها هي في الذين يخرجون بأنفسهم، قال: ولذلك شرط على هؤلاء ولم يشترط على الأوّلين. قال ابن عطية: وفي هذا القول نظر؛ لأن التحكُّم فيه بادٍ. الثالثة ـ قوله تعالى: {مَنّاً وَلاَ أَذًى} المَنُّ: ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها؛ مثل أن يقول: قد أحسنت إليك ونَعْشْتُك وشبهه. وقال بعضهم: المنّ: التحدّث بما أَعطى حتى يبلغ ذلك المعطَى فيؤذيه. والمنّ من الكبائر، ثبت ذلك في صحيح مسلم وغيره، وأنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؛ وروى النسائيّ عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاقّ لوالديه والمرأة المترجِّلة تتشبّه بالرجال والديُّوث، وثلاثة لا يدخلون الجنة العاقّ لوالديه والمدمِن الخمر والمنّان بما أعطى»تفسير : . وفي بعض طرق مسلم: «حديث : المنان هو الذي لا يعطي شيئاً إلا مِنّة»تفسير : . والأذى: السب والتشكّي، وهو أعمّ من المنّ؛ لأن المنّ جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وُقُوعِه. وقال ابن زيد: لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه. وقالت له امرأة: يا أبا أُسامة دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقاً فإنهم إنما يخرجون يأكلون الفواكه فإن عندي أسهماً وجعبة. فقال: لا بارك الله في أسهمك وجعبتك فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم. قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فمن أنفق في سبيل الله ولم يُتبعه مَنّا ولا أذًى كقوله: ما أشدّ إلحاحَك! وخلّصنا الله منك! وأمثال هذا فقد تضمّن الله له بالأجر، والأجر الجنة، ونفى عنه الخوف بعد موته لما يستقبل، والحزن على ما سلف من دنياه؛ لأنه يغتبط بآخرته فقال: {لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. وكفى بهذا فضلاً وشرفاً للنفقة في سبيل الله تعالى. وفيها دلالة لمن فضّل الغنيّ على الفقر حسب ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
البيضاوي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنّاً وَلا أَذًى} نزلت في عثمان رضي الله تعالى عنه فإنه جهز جيش العسرة بألف بعير بأقتابها وأحلاسها. وعبد الرحمن بن عوف فإنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهم صدقة. والمن أن يعتد بإحسانه على من أحسن إليه. والأذى أن يتطاول عليه بسبب ما أنعم إليه، وثم للتفاوت بين الإِنفاق وترك المن والأذى. {لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } لعله لم يدخل الفاء فيه وقد تضمن ما أسند إليه معنى الشرط إيهاماً بأنهم أهل لذلك وإن لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا. {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } رد جميل. {وَمَغْفِرَةٌ } وتجاوز عن السائل والحاجة، أو نيل المغفرة من الله بالرد الجميل، أو عفو من السائل بأن يعذر ويغتفر رده. {خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى } خبر عنهما، وإنما صح الابتداء بالنكرة لاختصاصها بالصفة. {وَٱللَّهُ غَنِيٌّ} عن إنفاق بمن وإيذاء. {حَلِيمٌ} عن معاجلة من يمن ويؤذي بالعقوبة.
ابن كثير
تفسير : يمدح تبارك وتعالى الذين ينفقون في سبيله، ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات مناً على من أعطوه، فلا يمنون به، على أحد، ولا يمنون به لا بقول ولا بفعل. وقوله: {وَلاَ أَذًى} أي: لا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروهاً يحبطون به ما سلف من الإحسان. ثم وعدهم الله تعالى الجزاء الجزيل على ذلك، فقال: {لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} أي: ثوابهم على الله لا على أحد سواه. {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} أي: فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة. {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي: على ما خلفوه من الأولاد، ولا ما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها، لا يأسفون عليها؛ لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك. ثم قال تعالى: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} أي: من كلمة طيبة ودعاء لمسلم {وَمَغْفِرَةٌ} أي: عفو وغفر عن ظلم قولي أو فعلي {خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى}. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا ابن نفيل قال: قرأت على معقل بن عبد الله، عن عمرو بن دينار، قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من صدقة أحب إلى الله من قول معروف، ألم تسمع قوله: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَٱللَّهُ غَنِىٌّ} عن خلقه، {حَلِيمٌ} أي: يحلم ويغفر ويصفح ويتجاوز عنهم، وقد وردت الأحاديث بالنهي عن المن في الصدقة، ففي صحيح مسلم من حديث شعبة عن الأعمش، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحر، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب»تفسير : وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى، أخبرنا عثمان بن محمد الدوري، أخبرنا هشيم بن خارجة، أخبرنا سليمان بن عقبة، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بقدر»تفسير : ، وروى أحمد وابن ماجه من حديث يونس بن ميسرة نحوه، ثم روى ابن مردويه وابن حبان والحاكم في مستدركه، والنسائي من حديث عبد الله بن يسار الأعرج، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن خمر، والمنان بما أعطى»تفسير : وقد روى النسائي، عن مالك بن سعد، عن عمه روح بن عبادة، عن عتاب بن بشير، عن خصيف الجزري، عن مجاهد عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا عاق لوالديه، ولا منان»تفسير : ، وقد رواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن المنهال، عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، عن عتاب، عن خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس، ورواه النسائي من حديث عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد قوله، وقد روي عن مجاهد، عن أبي سعيد، وعن مجاهد عن أبي هريرة نحوه، ولهذا قال الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى، ثم قال تعالى: {كَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ} أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدح الناس له، أو شهرته بالصفات الجميلة؛ ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه، ولهذا قال: {وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}، ثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي بإنفاقه، قال الضحاك: والذي يتبع نفقته مناً أو أذى، فقال: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} وهو جمع صفوانة، فمنهم من يقول: الصفوان يستعمل مفرداً أيضاً، وهو الصفا، وهو الصخر الأملس، {عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} وهو المطر الشديد {فَتَرَكَهُ صَلْدًا} أي: فترك الوابل ذلك الصفوان صلداً، أي: أملس يابساً، أي: لا شيء عليه من ذلك التراب، بل قد ذهب كله، أي: وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس كالتراب، ولهذا قال: {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ}
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنّاً } على المنفق عليه بقولهم مثلاً: قد أحسنت إليه وجبرت حاله {وَلا أَذًى } له بذكر ذلك إلى من لا يحب وقوفه عليه ونحوه {لَهُمْ أَجْرُهُمْ } ثواب إنفاقهم {عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } في الآخرة.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنِفقُونَ أَمْوَلَهُمْ في سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّاً وَلآَ أَذىً} المَنّ في ذلك أن يقول: أحسنت إليك ونعّشتك، والأذى أن يقول: أنت أباداً فقير، ومن أبلاني بك، مما يؤذي قلب المُعْطَى. {لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} يعني ما استحقوه فيما وعدهم به على نفقتهم. {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} فيه تأويلان: أحدهما: لا خوف عليهم في فوات الأجر. والثاني: لا خوف عليهم في أهوال الآخرة. {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: لا يحزنون على ما أنفقوه. والثاني: لا يحزنون على ما خلفوه. وقيل إن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه فيما أنفقه على جيش العسرة في غزاة تبوك. قوله تعالى: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} يعني قولاً حسناً بدلاً من المن والأذى ويحتمل وجهين: أحدهما: أن يدني إن أعطى. والثاني: يدعو إن منع. {وَمَغْفِرَةٌ} فيها أربعة تأويلات: أحدها: يعني العفو عن أذى السائل. والثاني: يعني بالمغفرة السلامة من المعصية. والثالث: أنه ترك الصدقة والمنع منها، قاله ابن بحر. والرابع: هو يستر عليه فقره ولا يفضحه به. {خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذىً} يحتمل الأذى هنا وجهين: أحدهما: أنه المنّ. والثاني: أنه التعيير بالفقر. ويحتمل قوله: {خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذىً} وجهين: أحدهما: خير منها على العطاء. والثاني: خير منها عند الله. رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : المنّانُ بِمَا يُعْطِي لاَ يُكَلِّمُهُ اللهُ يَوْمَ القَيَامَةِ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيهِ وَلاَ يُزَكِّيهِ وَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ". تفسير : قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى} يريد إبطال الفضل دون الثواب. ويحتمل وجهاً ثانياً: إبطال موقعها في نفس المُعْطَى. {كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الأَخِرِ} القاصد بنفقته الرياء غير مُثَابٍ، لأنه لم يقصد وجه الله، فيستحق ثوابه، وخالف صاحب المَنِّ والأذى القاصِدَ وجه الله المستحق ثوابه، وإن كرر عطاءَه وأبطل فضله. ثم قال تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ} الصفوان: جمع صفوانة، وفيه وجهان: أحدهما: أنه الحجر الأملس سُمِّيَ بذلك لصفائه. والثاني: أنه أَلْيَنُ مِنَ الحجارة، حكاه أبان بن تغلب. {فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} وهو المطر العظيم القَطْرِ، العظيم الوَقْع. {فَتَرَكَهُ صَلْداً} الصلد من الحجارة ما صَلُبَ، ومن الأرض مَا لَمْ ينبت، تشبيهاً بالحجر الذي لا ينبت. {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ} يعني مما أنفقوا، فعبَّر عن النفقة بالكسب، لأنهم قصدوا بها الكسب، فضرب هذا مثلاً للمُرَائِي في إبطال ثوابه، ولصاحب المَنِّ والأَذَى في إبطال فضله.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَنّاً} كقوله: أحسنت إليك ونعشتك. {أَذىً} كقوله: من أبلاني بك وأنت أبداً فقير. {وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} في ثواب الآخرة، أو من أهوالها.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...}. قال ابن عرفة: أتى به غير معطوف لأنه في معنى التفسير للأول فعلى هذا يكون خبر مبتدإ مقدر، أي هم الذين ينفقون أموالهم. قوله تعالى: {ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ...}. عطفه بـ (ثم) / إما لبعد ما بين المنزلتين أو للمهلة حقيقة ويكون فيه إشارة إلى أنهم يمنون بنفقة طال (أمدها) وداموا عليها (فأحرى) أن لا يَمُنُّوا بنفس الإنفاق. قوله تعالى: {مَنّاً وَلاَ أَذىً...}. قال ابن عرفة: قالوا الأذى هو الشكوى بذلك والسب عليه. ابن عرفة: وتقدم لنا سؤال وهو أنه لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم بل العكس، فالمنّ أعم من الأذى فإذا لم يمنّوا فأحرى أن لا يسبّوا عليها. وأجيب بأن الإنسان قد يشكو بإعطائه النفقة لغيره ويذم معه ولا يمن عليه لأنه إذا رآه يستحيي منه (فلا يمن عليه). فقال: المن على المعطي يكون بمحضره وفي غيبته. قال: وإنما عادتهم يجيبون بأن سبب المن أخف من سبب الأذى، فإنهم اعتبروا الفاعل ونحن نعتبر المفعول. فنقول: سبب المن مجرد بذل المال للفقير فقط، وأما الأذية (والتشكي) والسب فما يصدر إلا عن موجب وهو إذاية المعطي للفاعل ونحو ذلك. فلا يلزم من نفي المنّ نفي الأذى. قال: وقال هنا {لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} وقال (بعده) {أية : ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ}تفسير : فعطفه بالفاء. وأجاب الزمخشري بأنّ الموصول لم يضمّن هنا معنى الشرط وضمنه هناك لأن الفاء تدل على أنّ الإنفاق به استحق الأجر. قال ابن عرفة: هذا الكلام لا يستقل بنفسه، ولا يزال السؤال واردا، فيقال: لأي شيء أريد الشرط هناك ولم يرد هنا؟ قال: لكن عادتهم يجيبون بأنه لما قصد هناك الإخبار بأن مطلق الإنفاق في سبيل الله (يلزمه) الأجر قلّ أو كثر دخلت الفاء تحقيقا للارتباط، ولما كان المراد هنا إنفاقا خاصا على وجه شبيه بحسنة موصوفة بهذه الصفة وأكدت خصوصية سلامته من المن والأذى كان ترتيب الأجر عليه كالمعلوم بالبديهة وكالمستفاد من اللفظ فلم يحتج إلى ما يحقق الارتباط. قوله تعالى: {لَّهُمْ أَجْرُهُمْ...}. أفادت الإضافة الاستحقاق أي أجرهم (اللائق) بهم فواحد يقل أجره وواحد يكثر وآخر في مادة التوسط بحسب (عمله) ونفقته. انتهى. قوله تعالى: {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ...}. قال: الخوف يتعلق بالمستقبل فالمناسب فيه أن يكون الفعل المقتضي للتجدد، والحزن يتعلق بالماضي فالمناسب (أن يكون بالاسم) المقتضي للثبوت والتحقيق.
ابن عادل
تفسير : {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ} فيه وجهان: أحدهما: أن يكون مرفوعاً بالابتداء، وخبره الجملة من قوله تعالى: {لهم أَجْرُهُم}، ولم يضمَّن المبتدأ هنا معنى الشَّرط، فلذلك لم تدخل الفاء في خبره، لأنَّ القصد بهذه الجملة تفسير الجملة التي قبلها؛ لأنَّ الجملة قبلها أخرجت مخرج الشَّيء الثَّابت المفروغ منه، وهو تشبيه نفقتهم بالحبَّة المذكورة، فجاءت هذه الجملة كذلك، والخبر فيها أُخرج مخرج الثَّابت المستقرِّ غير المحتاج إلى تعليق استحقاق بوقوع [غيره] ما قبله. والثاني: أنَّ "ٱلَّذِينَ" خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي: هم الذين ينفقون، وفي قوله: {لَّهُمْ أَجْرُهُمْ} على هذا وجهان: أحدهما: أنَّها في محل نصبٍ على الحال. والثاني: - وهو الأولى - أن تكون مستأنفةٌ، لا محلَّ لها من الإعراب، كأنها جواب سائل قال: هل لهم أجرٌ؟ وعطف بـ "ثمّ" جَرْياً على الأغلب؛ لأنَّ المتصدِّق لغير وجه الله لا يحصل منه المنُّ عقيب صدقته، ولا يؤذي على الفور، فجرى هذا على الغالب، وإن كان حكم المنِّ والأذى الواقعين عقيب الصّدقة كذلك. قال الزَّمخشريُّ: ومعنى "ثُمَّ": إظهار التَّفاوت بين الإنفاق، وترك المنِّ والأذى، وأنَّ تركهما خبرٌ من نفس الإنفاق كما جعل الاستقامة على الإيمان خيراً من الدُّخول فيه بقوله: {أية : ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ}تفسير : [فصلت:30]، فجعلها للتَّراخي في الرُّتبة، لا في الزَّمان، وقد تكرَّر له ذلك غير مرَّةٍ. و "مَا" في قوله تعالى: {مَآ أَنْفَقُواُ} يجوز أن تكون موصولةً اسميّةً، فالعائد محذوفٌ، أي: ما أنفقوه، وأن تكون مصدريةً، فلا تحتاج إلى عائدٍ، أي: لا يتبعون إنفاقهم. ولا بدَّ من حذفٍ بعد "مَناً"، أي: مناً على المنفق عليه، ولا أذى له، فحذف للدّلالة عليه. والمنُّ: الاعتداد بالإحسان، وهو في الأصل: القطع، ولذلك يطلق على النِّعمة؛ لأنَّ المنعم يقطع من ماله قطعةً للمنعم عليه. يقال: قد منَّ الله على فلان، إذا أنعم عليه، ولفلان عليَّ منَّةٌ، أي: نعمة؛ وأنشد ابن الأنباريّ: [الطويل] شعر : 1218- فَمُنِّي عَلَيْنَا بالسَّلاَمِ فَإِنَّمَا كَلاَمُكِ يَاقُوتٌ وَدُرٌّ مُنَظَّمٌ تفسير : ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : ما مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَمَنّ عَلَيْنَا في صُحْبَتِهِ، وَلاَ ذَات يَدِهِ مِنْ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ" تفسير : يريد أكثر إنعاماً بماله، وأيضاً فالله تعالى يوصف بأنَّه منَّانٌ، أي: منعمٌ، و "المنّ" أيضاً النَّقص من الحقّ. قال تبارك وتعالى: {أية : وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ}تفسير : [القلم:3] أي: غير مقطوع وغير ممنوع؛ ومنه سمي الموت منوناً؛ لأنه ينقص الحياة، ويقطعها، ومن هذا الباب: المنَّةُ المذمومة؛ لأنَّها تنقص النّعمة، وتكدّرها، والعرب يمتدحون بترك المنّ بالنِّعمة قال قائلهم: [الرمل] شعر : 1219- زَادَ مَعْرُوفُكَ عِنْدِي عِظَماً أَنَّهُ عِنْدَكَ مَسْتُورٌ حَقِيرْ تَتَنَاسَاهُ كَأَنْ لَمْ تَأْتِهِ وَهْوَ في العَالَمِ مَشْهُودٌ كَثِيرْ تفسير : والمنُّ: الذي يوزن به، ويقال في هذا: "مَنَا" مثل: عَصَا. وتقدَّم اشتقاق الأذى. و "مَنّاً" مفعولٌ ثانٍ، و "لاَ أَذًى عطفٌ عليه، وأبعد من جعل "وَلاَ أَذًى" مستأنفاً، فجعله من صفات المتصدِّق، كأنَّ قال: الذين ينفقون، ولا يتأذَّون بالإِنفاق، فيكون "أَذى" اسم لا، وخبرها محذوفٌ، أي: ولا أذًى حاصل لهم، فهي جملةٌ منفيةٌ في معنى النَّهي. قال شهاب الدِّين: وهذا تكلُّفٌ، وحقُّ هذا القائل أن يقرأ "وَلاَ أَذَى" بالألف غير منوَّنٍ؛ لأنَّه مبنيٌّ على الفتح على مشهور مذهب النُّحاة. فصل في سبب النزول قال الكلبيُّ: نزلت في عثمان بن عفَّان، وعبد الرَّحمن بن عوف. أمَّا عثمان فجهّز جيش العسرة في غزوة "تبوك"، بألف بعيرٍ بأقتابها، وأحلاسها، وألف دينارٍ. حديث : قال عبد الرَّحمن بن سمرة: جاء عثمان بألف دينارٍ في جيش العسرة، فصبّها في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل فيها يده الكريمة ويقلبها، ويقول: "مَا ضَرَّ ابْنَ عَفَّانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْم". وقال"يَا رَبِّ؛ عُثْمَانُ رَضِيتُ عَنْهُ فَارْضَ عَنْهُ" تفسير : فنزلت هذه الآية الكريمة. حديث : وأمَّا عبد الرحمن بن عوفٍ، فإنَّه جاء بأربعة آلاف درهم صدقة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: كانت عندي ثمانية آلاف، فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف، وأربعة آلافٍ أقرضتها ربّي، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أَمْسَكْتَ، وفِيمَا أَعْطَيْتَ" تفسير : فنزلت الآية. وقال بعض المفسِّرين: إن الآية المتقدِّمة مختصّة فيمن أنفق على نفسه وهذه الآية الكريمة فيمن أنفق على غيره، فبين تعالى أنَّ الإنفاق على الغير، يوجب الثَّواب المذكور في الآية المتقدِّمة، إذا لم يتبعه "مَنّ"، "ولا أَذًى" قال القفَّال: وقد يحتمل أن يكون هذا الشَّرط معتبراً أيضاً فيمن أنفق على نفسه كمن ينفق على نفسه في الجهاد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، ولا يؤذي أحداً من المؤمنين، مثل أن يقول: لو لم أحضر لما تمَّ هذا الأمر، ويقول لغيره: أنت ضعيفٌ لا منفعة بك في الجهاد. وقال بعضهم: "فِي سبيلِ"، أي: طاعة الله - تعالى -؛ ولا يمنّ بعطائه، ولا يعدّ عليه نعمه، فيكدرها عليه ولا يؤذيه بأن يعيره، فيقول: إلى كم تسأل، وكم تؤذيني؟ وقيل: الأذى أن يذكر إنفاقه عليه عند من لا يحب وقوفه عليه. وقال سفيان: "مَنّاً وَلاَ أَذًى": هو أن يقول: قد أعطيتك، فما شكرت. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلاً شيئاً، ورأيت أنَّ سلامك يثقل عليه، فكف سلامك عنه، فحظر الله على عباده المنَّ بالصَّنيعة، واختصّ به صفةً لنفسه؛ لأنَّه من العباد تعييرٌ وتكديرٌ، ومن الله إفضال، وتذكير، وإنَّما كان المنُّ، والأذى مذموماً، لأنَّ الفقير الآخذ للصَّدقة منكسر القلب، لأجل حاجته إلى صدقة غيره معترف باليد العليا للمعطي، فإذا أضاف المعطي إلى ذلك: إظهار ذلك الإنعام، زاد ذلك في انكسار قلبه، فيكون في حكم المضرَّة بعد المنفعة، وينفِّر أهل الحاجة عن الرَّغبة في صدقته إذا اشتهر بتلك الطَّريقة، وأمَّا "الأذَى"، فمنهم من حمله على الإطلاق في أذى المؤمنين، وليس بظاهرٍ، بل اختصاصه بما تقدَّم من أذى الفقير أولى. فإن قيل: ظاهر اللَّفظ: أنَّ مجموع المنّ، والأذى يبطلان الأجر، فيلزم منه أنَّه لو وجد أحدهما دون الآخر، لا يبطل الأجر. قلنا: بل الشَّرط ألاَّ يوجد واحدٌ منهما؛ لأن قوله: {لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى} يقتضي ألاَّ يقع منه، لا هذا، ولا ذاك. فصل في دفع شبهة للمعتزلة قالت المعتزلة: الآية الكريمة دلَّت على أنَّ الكبائر تحبط ثواب فاعلها؛ وذلك لأنَّ الله - تعالى - بين أنَّ هذا الثَّواب إنَّما يبقى إذا لم يوجد المنّ والأذى؛ لأنَّه لو ثبت مع فقدهما، ومع وجودهما؛ لم يكن لهذا الاشتراط فائدة. وأُجيبوا بأنَّ المراد منها أنَّ حصول المنّ والأذى يخرجان الإنفاق عن أن يكون فيه أجر وثواب أصلاً من حيث يدلاَّن على أنَّه إنَّما أنفق لكي يمنّ، ولم ينفق، لطلب رضوان الله، ولا على وجه القربة والعبادة، فلا جرم، بطل الأجر. فصل في دفع شبهة للمعتزلة احتجَّت المعتزلة بقوله تعالى: {لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} على أنَّ العمل موجبٌ للأجر على الله - تعالى -. وأجيبوا بأنَّ حصول الأجر بسبب الوعد، لا بسبب نفس العمل؛ لأن العمل واجبٌ على العبد، وأداء الواجب لا يوجب الأجر. فصل وأجمعت الأمَّة على أنَّ قوله: {لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} مشروطٌ بعدم الكفر، وذلك يدلُّ على جواز التَّكلُّم بالعام لإرادة الخاصّ، ومتى جاز ذلك في الجملة لم تكن دلالة اللَّفظ العام على الاستغراق دلالة قطعية، وذلك يوجب سقوط دلائل المعتزلة في التَّمسُّك بالعمومات على القطع بالوعيد. قوله: {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} فيه قولان: أحدهما: أنَّ إنفاقهم في سبيل الله، لا يضيع، بل يجدونه يوم القيامة، فلا يخافون فقده "وَلاَ يَحْزَنُونَ" بسبب ألاَّ يوجد، ونظيره {أية : وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً}تفسير : [طه:112]. الثاني: أنهم يوم القيامة، لا يخافون العذاب ألبتة، ونظير {أية : وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ}تفسير : [النمل:89] وقال {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ}تفسير : [الأنبياء:103].
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: علم الله أن ناساً يمنون بعطيتهم، فكره ذلك وقدم فيه. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: إن أقواماً يبعثون الرجل منهم في سبيل الله، أو ينفق على الرجل ويعطيه النفقة ثم يمنه ويؤذيه، ومنه يقول: أنفقت في سبيل الله كذا وكذا غير محتسبه عند الله، وأذى يؤذي به الرجل الذي أعطاه ويقول: ألم أعطك كذا وكذا؟ وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن أنس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل البراء بن عازب فقال: يا براء كيف نفقتك على أمك؟ - وكان موسعاً على أهله - فقال: يا رسول الله ما أحسنها. قال: فإن نفقتك على أهلك وولدك وخادمك صدقة، فلا تتبع ذلك مناً ولا أذى ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما أنفقتم على أهليكم في غير إسراف ولا إقتار فهو في سبيل الله ". تفسير : وأخرج الطبراني عن كعب بن عجرة قال: "حديث : مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان" ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن أيوب قال: "حديث : أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم رجل من رأس تل فقالوا: ما أجلد هذا الرجل! لو كان جلده في سبيل الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أوليس في سبيل الله إلا من قتل؟ ثم قال: من خرج في الأرض يطلب حلالاً يكف به والديه فهو في سبيل الله، ومن خرج يطلب حلالاً يكف به أهله فهو في سبيل الله، ومن خرج يطلب حلالاً يكف به نفسه فهو في سبيل الله، ومن خرج يطلب التكاثر فهو في سبيل الشيطان" ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من سعى على والديه ففي سبيل الله، ومن سعى على عياله ففي سبيل الله، ومن سعى على نفسه ليعفها ففي سبيل الله، ومن سعى على التكاثر فهو في سبيل الشيطان ". تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن أبي عبيدة بن الجراح "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله أو عاد مريضاً أو أماط أذى عن طريق فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جنة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله ببلاء في جسده فله حظه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي مسعود البدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"حديث : إذا أنفق الرجل على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك ". تفسير : وأخرج أحمد عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أنفق على نفسه نفقة ليستعف بها فهي صدقة، ومن أنفق على امرأته وولده وأهل بيته فهي صدقة ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر قال: قال رسول الله "حديث : ما أنفق المرء على نفسه وأهله وولده وذي رحمه وقرابته فهو له صدقة ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو يعلى عن عمرو بن أمية "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أعطى الرجل أهله فهو له صدقة ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن العرباض بن سارية "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الرجل إذا سقى امرأته من الماء أجر ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن أم سلمة "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أنفق على ابنتين، أو أختين، أو ذواتي قرابة، يحتسب النفقة عليهما حتى يغنيهما من فضل الله أو يكفهما كانتا له ستراً من النار ". تفسير : وأخرج الطبراني والبيهقي في الشعب عن عوف بن مالك. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما من مسلم يكون له ثلاث بنات فينفق عليهن حتى يبن أو يمتن إلا كن له حجاباً من النار. فقالت امرأة: أو بنتان؟ فقال: أو بنتان . تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والترمذي عن عائشة قالت: "حديث : دخلت علي امرأة ومعها بنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئاً سوى تمرة واحدة فأعطيتها إياها، فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها ثم قامت وخرجت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال "من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له ستراً من النار" ". تفسير : وأخرج مسلم عن عائشة قالت: "حديث : جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي تريد أن تأكلها بينهما فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار" ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب ومسلم والترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من عال جاريتين حتى تبلغا دخلت أنا وهو في الجنة كهاتين ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن حبان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من عال ابنتين أو ثلاثاً، أو أختين أو ثلاثاً، حتى يمتن أو يموت عنهن كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من مسلم له ابنتان فيحسن إليهما ما صحبتاه أو صحبهما إلا أدخلتاه الجنة ". تفسير : وأخرج البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من مسلم له ابنتان فيحسن إليهما ما صحبتاه أو صحبهما إلا أدخلتاه الجنة ". تفسير : وأخرج البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من كفل يتيماً له ذو قرابة أو لا قرابة له فأنا وهو في الجنة كهاتين، وضم أصبعيه. ومن سعى على ثلاث بنات فهو في الجنة وكان له كأجر مجاهد في سبيل الله صائماً قائماً ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وابن حبان عن ابن الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من كان له ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو بنتان، أو أختان، فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهن. وفي لفظ: فأدبهن، وأحسن إليهن، وزوّجهن، فله الجنة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب والبزار والطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من كن له ثلاث بنات يؤويهن، ويرحمهن، ويكفلهن، وينفق عليهن، وجبت له الجنة البتة. قيل: يا رسول الله فإن كانتا اثنتين؟ قال: وإن كانتا اثنتين. قال: فرأى بعض القوم أن لو قال واحدة لقال واحدة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : من كن له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن، وضرائهن، وسرائهن، أدخله الله الجنة برحمته إياهن. فقال رجل: واثنتان يا رسول الله؟ قال: واثنتان. قال رجل: يا رسول الله وواحدة؟ قال: وواحدة ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب والبيهقي في الشعب عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن، فاطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جدته، كن له حجاباً من النار .
القشيري
تفسير : المنُّ شهود ما تفعله، والأذى تذكيرُك - لمن أحسنت إليه - إحسانَك. ويقال ينفقون ما ينفقون ثم لا يشهدون ألبتة أفعالهم ولا أعمالهم. ويقال كيف يمنون بشيء تستعذرونه وتستحقونه. ويقال لا يمنون بفعلهم بل يشهدون المنة لله بتوفيق ذلك عليهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله} اى يضعونها فى مواضعها {ثم} لاظهار علو رتبة المعطوف {لا يتبعون ما أنفقوا} العائد محذوف اى ما انفقوه {منا} وهو ان يعتد على من احسن اليه باحسانه ويريه انه اوجب بذلك عليه حقا اى لا يمنون عليهم بما تصدقوا بان يقول المتصدق المانّ اصطنعتك كذا خيرا واحسنت اليك كثيرا {ولا أذى} وهو ان يتطاول عليه بسبب انعامه عليه اى لا يؤذيه بان يقول المتصدق المؤذى انى قد اعطيتك فما شكرت او الى كم تأتينى وتؤذينى او كم تسأل ألا تستحيى او انت ابدا تجيئنى بالابرام فرج الله عنى منك وباعد ما بينى وبينك {لهم أجرهم عند ربهم} ثوابهم فى الآخرة وتخلية الخبر عن الفاء المفيدة لسببية ما قبلها لما بعدها للايذان بان ترتب الاجر على ما ذكر من الانفاق وترك المن والاذى امر بين لا يحتاج الى التصريح بالسببية {ولا خوف عليهم} مما يستقبلهم من العذاب {ولا هم يحزنون} على ما خلفوا من امور الدنيا ـ روى ـ ان الحسن بن على رضى الله عنهما اشتهى طعاما فباع قميص فاطمة بستة دراهم فسأله سائل فاعطاها ثم لقى رجلا يبيع ناقة فاشتراها باجل وباعها من آخر فاراد ان يدفع الثمن الى بائعها فلم يجده فحكى القضية الى النبى عليه السلام فقال اما السائل فرضوان واما البائع فيمكائيل واما المشترى فجبرائيل فنزل قوله تعالى {الذين ينفقون اموالهم} الآية. قال بعض اهل التفسير نزلت هذه الآية والتى قبلها فى عثمان وعبد الرحمن رضى الله عنهما. اما عثمان فجهز جيش العسرة فى غزوة تبوك بالف بعير باقتابها والف دينار فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده يقول "حديث : يا رب رضيت عنه فارض عنهbr>". تفسير : واما عبد الرحمن بن عوف فتصدق بنصف ماله اربعة آلاف دينار فقال عندى ثمانية آلاف فامسكت منها لنفسى وعيالى اربعة آلاف واربعة آلاف اقرضتها ربى فقال عليه السلام "حديث : بارك الله لك فيما امسكت وفيما اعطيتbr>". تفسير : فهذه حال عثمان وعبد الرحمن رضى الله عنهما حيث تصدقا ولم يخطر ببالهما شىء من المن والاذى. قال بعضهم المن يشبه بالنفاق والاذى يشبه بالرياء. ثم قال بعضهم اذا فعل ذلك فلا اجر له وعليه وزر فيما منّ وآذى على الفقير. قال وهب فلا اجر له ولا وزر له. وقال بعضهم له اجر الصدقة ولكن ذهبت مضاعفته وعليه الوزر بالمن. واعلم ان الله تعالى نهى عباده ان يمنوا على احد بالمعروف مع انه تعالى قد من على عباده كما قال {أية : بل الله يمن عليكم} تفسير : [الحجرات: 17]. وذلك لان الله تعالى تام الملك والقدرة وملكه وقدرته ليس بغيره والعبد وان كان فيه خصال الخير فتلك خصاله من الله ولم يكن ذلك بقوة العبد فالعبد ناقص والناقص لا يجوز له ان يمن على احد او يمدح نفسه والمن ينقص قدر النعمة ويكدرها لان الفقير الآخذ منكسر القلب لاجل حاجته الى صدقة غيره معترف باليد العليا للمعطى فاذا اضاف المعطى الى ذلك اظهار ذلك الانعام زاد ذلك فى انكسار قلبه فيكون فى حكم المضرب به بعد ان نفعه وفى حكم المسيئ اليه بعد ان احسن اليه: قال الحسين الكاشفى قدس سره شعر : آنجه كه بدهى جودهنده خداست منت بيهوده نهادن خطاست هرجه دهى مى ده ومنت منه وآنجه بشيمان شوى آن هم مده تفسير : وقال السعدى قدس سره شعر : جو انعام كردى مشوخود برست كه من سرورم ديكران زيردست جوبينى دعا كوى دولت هزار خداوندرا شكر نعمت كذار كه جشم ازتودارند مردم بسى نه توجشم دارى بدست كسى تفسير : قيل ان ابراهيم عليه السلام كان له خمسة آلاف قطيع من الغنم وعليها كلاب المواشى باطواق الذهب فتمثل له ملك فى صورة البشر وهو ينظر اغنامه فى البيداء فقال الملك [سبوح قدوس رب الملائكة والروح] فقال ابراهيم عليه السلام كرر ذكر ربى ولك نصف ما ترى من اموالى فكرر الملك فنادى ثانيا كرر تسبيح ربى ولك جميع ما ترى من مالى فتعجب الملائكة فقالوا جدير ان يتخذك الله خليلا ويجعل لك فى الملل والنحل ذكرا جميلا: وفى المثنوى شعر : قرض ده زين دولت اندر اقرضوا تاكه صد دولت به بينى بيش رو اندكى زين شرب كم كن بهر خويش تاكه حوض كوثرى يابى به بيش تفسير : وفى نوابغ الكلم "صنوان من منح سائله ومن. ومن منع نائله وضن". واعلم ان الناس على ثلاث طبقات. الاولى الاقوياء وهم الذين انفقوا جميع ما ملكوا وهؤلاء صدقوا فيما عاهدوا الله عليه من الحب كما فعل ابو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه. والثانية المتوسطون وهم الذين لم يقدروا على اخلاء اليد عن المال دفعة ولكن امسكوه لا للتنعم بل للانفاق عند ظهور محتاج اليه وقنعوا فى حق انفسهم بما يقويهم على العبادة والثالثة الضعفاء وهم المقتصرون على اداء الزكاة الواجبة اللهم اجعلنا من المتجردين عن غيرك والقانعين بك عما سواك.
الطوسي
تفسير : الاعراب: {الذين} رفع بالابتداء. و {ينفقون} خبره و {أموالهم} نصب لأنه مفعول به. اللغة والمعنى: والانفاق إخراج الشيء عن الملك. وقوله {في سبيل الله} قال ابن زيد: هو الجهاد. وقال الجبائي: أبواب البرّ كلها، وهو الصحيح عندنا. والمروي عن أبي عبد الله (ع). وقوله: {ثم لايتبعون ما أنفقوا منا} فالمن هو ذكر ما ينغص المعروف كقول القائل: أحسنت إلى فلان ونعشته وأغنيته وما أشبه ذلك مما ينغص النعمة وأصل المن: القطع ومنه قولهم: حبل منين أي ضعيف، لأنه مقطع ومنيته أي قطعته ومنه قوله: {أية : فلهم أجر غير ممنون}تفسير : أي غير مقطوع وسمي ما يكدر النعمة والمعروف بانه منّة لأنه قطع الحق الذي يجب به. والمنة: النعمة العظيمة سميت بذلك لأنها تجل عن قطع الحق بها لعظمها. ومنه قوله: {أية : يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان}تفسير : أنعم عليكم. والمنة: القوة في القلب والمنّ: الذي يقع من السماء، والمن الذي يوزن به، لأنه يقطع على مقدار مخصوص. وقوله: {ولا أذى} فهو نحو قولهم أنت أبداً فقير، ومن أبلاني بك وأراحني الله منك، وما أشبه ذلك مما يؤذي قلب المعطى وقوله {لهم أجرهم عند ربهم} والأجر هو النفع المستحق بالعمل {ولا خوف عليهم} فالخوف يوقع الضرر الذي لا يؤمن وقوعه. {ولا هم يحزنون} فالحزن الغم الذي يغلظ على النفس. ومنه الحزن: الأرض الغليظة. وقيل في معناه قولان: أحدهما - لا خوف عليهم لفوت الاجر. والثاني - لا خوف عليهم لاهوال الآخرة. وقيل أنه دليل على أن الوعد بشرط لأنه مغموم الكلام. لأن تقديره في المعنى ان لم يتبعوا ما أنفقوا منا ولا أذى، فلهم من الاجر كذا، وليس في الآية ما يدل على صحة القول بالاحباط أصلا، لأن الوعد متى كان مشروطاً بأن لا يتبع بالمن والاذى فمتى اتبع بهما لم يحصل الشرط الذي يوجب استحقاق الثواب فلم يحصل شيء أصلا ثم انحبط، وإنما كان فيه لبس لو ثبت استحقاقهم بنفس الانفاق فاذا اتبع بالمن انحبط ذلك. وهذا ليس في الآية. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:حديث : المنان: بما يعطي لا يكلمه الله ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.تفسير : وقال الضحاك لأن يمسك ماله خير له من أن ينفقه ثم يتبعه مناً وأذى.
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ} جواب سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: هذا لكلّ من أنفق او لبعض دون بعض؟ - فقال تعالى تفصيلاً للمنفقين: الّذين ينفقون {أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً} العطف بثمّ للتّفاوت بين الاخبارين، والمنّ ان تنظر الى المنفق عليه معتدّاً بانفاقك {وَلاَ أَذًى} وهو ان تتطاول عليه وتستحقره وتستقدمه وتستقبله بكلامٍ خشنٍ وتعدّ احسانك عليه، ومن اقبح الخصال الاعتداد باحسانك الى الغير وباساءة الغير اليك ونسيان احسان الغير اليك ونسيان اساءتك الى الغير، ومن اجمل الخصال كمال الاعتداد باحسان الغير اليك والتندّم على اساءتك اليه ونسيان احسانك الى الغير ونسيان اساءته اليك، والاعتداد بالاحسان يورث الانانيّة المخالفة للانفاق والوبال للنّفس مع ابطال الاحسان، وفى الاخبار: انّ المراد المنّ والاذى لمحمّدٍ (ص) وآله (ع) {لَّهُمْ أَجْرُهُمْ} لم يأت بالفاء هاهنا وأتى به فى قوله: {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ}؛ الآية لانّ المقصود هاهنا بيان بطلان الصّدقة بالمنّ والاذى ولذلك بسط بعداً فى الانفاقات الباطلة ولم يكن المقصود ترتّب الاجر على الانفاق حتّى يأتى بالفاء المؤكّد للترتّب بخلاف ما يأتى فانّ المقصود هناك بيان ترتّب الاجر وناسبه الاتيان بمؤكّدات التلازم واضافة الاجر اليهم لتفخيم الاجر وللاشارة الى اختلاف الاجر بحسب اختلاف المنفقين بحيث لا يمكن تحديد حدّ له الاّ بالاضافة الى المنفقين {عِندَ رَبِّهِمْ} تشريف آخر لهم بانّ امر اجرهم غير موكول الى غيرهم {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} قد مضى وجه اختلاف القرينتين فى اوّل السّورة.
الهواري
تفسير : قوله: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ} [يعني في طاعة الله] {ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. ذكروا أنه حديث : قيل: يا رسول الله، من المنّان؟ قال:الذي لا يعطي شيئاً إِلاَّ منَّه تفسير : وقال بعضهم: علم الله أن أناساً يمنّون عطيتهم فنهى عن ذلك وقدم فيه. قوله: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ} [أي حسن]، يعني بذلك دعاء المرء لأخيه {وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} أي يمنّ بها المتصدّق على من تصدّق بها عليه. {وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ}. ذكروا عن عبد الله أنه قال: كل معروف صدقة. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : كل معروف يصنعه المسلم لأخيه المسلم فهو صدقة .
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ يُنْفقُونَ أَمْوالَهم فى سَبِيِل اللّهِ ثُمَّ لا يُتْبعُونَ مَا أنْفقُوا منّاً}: على المنفق عليه. {وَلاَ أذىً}: المن أن يقول قد أنفقت عليه، أو قدّ أحسنت إليه، أو جبرت حالة، أو لولاى لمات جوعا، أو برداً، أو هو فقير وأعطيته، أو يرى أن لى حقا عليه، أو يخاطبه بذلك ونحو ذلك قال الشاعر: شعر : وإن امرأ أسدى إلىَّ صنيعهُ وذكرنيه مرة للئيم تفسير : وعن بعض: إذا صنعتم صنيعة فانسوها، وفى نوابغ الكلم: صنوان من منح سائله وَمَنَّ، ومنع نائله وظن، أى بخل، أى هما من أصل واحد، وهو اللوم مستويان كنخلتين من أصل واحد، والنائل العطاء، وهو مفسد للعطية، وفى نوابغ الكلم: طعم الآلاء أحلى من المن، وهى أمر من الآلاء مع المن، أى العطية أمرُّ،حديث : قيل يا رسول الله: من المنان؟ قال: "الذى لا يعطى شيئا إلا منّه"تفسير : وقال بعضهم: علم الله أن أناسا يمنون أعطيتهم فنهى عن ذلك وتقدم فيه يعنى حجره عليهم، والأذى أن يتطاول عليه بسبب ما أنعم عليه، أو يسبه أو يعيره، مثل أن يقول: إلام تسأل؟ أو بليت بك، وأراحنى الله منك أو نحو ذلك، وهو أعم من المن، ونص عليه لكثرته، وعد زيد: بن أسلم إن ظننت أن سلامك يثقل علىّ من أنفقت عليه، تريد وجه الله، فلا تسلم عليه، قيل: قال عبد الرحمن ابن زيد: كان أبى يقول إذا أعطيت رجلا شيئا ورأيت أن سلامك يثقل عليه لا تسلم عيله. وأبوه هو زيد بن أسلم المذكور، فذلك كلام واحد قالت له امرأة: يا أبا أسامة دلنى على رجل يخرج فى سبيل الله حقا فإنهم إنما يخرجون ليأكلون الفواكه، فإن عندى أسهما وجعبة؟ فقال لها: لا بارك الله فى أسهمك وجعبتك، فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم، تعنى النبل وجعبة الرمح. وروى الربيع ابن حبيب، ومالك وغيرهما عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "من أنفق زوجين فى سبيل الله نودى فى الجنة يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعى من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعى من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعى من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعى من باب الريان" فقال أبو بكر: يا رسول الله ما علىّ من بد من هذه الأبواب من ضرورة؟ فهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها؟ قال: "نعم وأرجو أن تكون منهم"تفسير : ومعنى زوجين شيئان من نوع واحد كدرهمين وفرسين. وفى الحديث: "حديث : من أكثر من شئ عرف به"تفسير : ألا ترى أنه يقول من أهل كذا من أهل كذا، وقد شاركه غيره فيه، وعند صلى الله عليه وسلم: "حديث : لمن كل أهل عمل باباً من أبواب الجنة يدعون فيه بذلك العمل"تفسير : . قيل جهز عثمان المسلمين فى غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحلامها فنزلت الآية. وقال عبد الرحمن بن ضمرة:حديث : جاء عثمان بألف دينار فى جيش العسرة فصبها فى حجر النبى صلى الله عليه وسلم فرأيته يدخل يده فيها ويقلبها ويقول: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم"تفسير : ، فنزلت الآية. وروى أنهُ نزلت فيه وفى عبد الرحمن بن عوف،حديث : جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم صدقة إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم، وقال: كان عندى ثمانية آلاف فأمسكت لنفسى ولعيالى أربعة آلاف درهم وتصدقت بأربعة آلاف لربى عز وجل. فقال صلى الله عليه وسلم: "بارك الله لك فيما أمسكت وفى ما أعطيت"تفسير : ومعنى قوله: "ما ضره ما يفعل بعد هذا" أنهُ لا يؤاخذه الله بما فعل من الذنوب التى بينه وبين الله لجواز المؤاخذة بذنب والعفو عن الآخر، ولو فى الآخرة، ولو شهر المنع، وذلك لأنه قد ذكرت فيه عائشة أمنا رضى الله عنها كلاماً، وعنها نأخذ شطر الدين، والحديث فى الفتن أيضاً مشهور، أو لعله قال: "ما ضره" قبل أن يعلم ما يفعل، وثم فى الآية للتراخى فى الرتبة لا فى الزمان، أعنى لبيان أن رتبة عدم المن والأذى بعد الإنفاق أعلى من نفس الإنفاق، لأنه يبطل بهما ويصح بعدمهما لا لبيان أن زمان انتفاء المن والأذى متراخ عن زمان الإنفاق، وما مفعول ثان، ومنا مفعول أول، لأنه فاعل فى المعنى، أى لا يجعلون المن والأذى تابعين ما أنفقوا والمراد بالاتباع عدم الإتيان بهما بعد الإنفاق باتصال ولا بانفصال. {لَهُم أَجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِم}: اسم إن شبيه بالشرط فى العموم والإبهام، وتسبب الجواب بالشرط، فإن ثبوت الأجر لهم مسبب عن الإنفاق المجرد عن المن والأذى، ومع ذلك لم يقرن خبرها بفاء كفاء الجواب تدل على التسبب، ليشير على طريق التعظيم بأنهم أهل الأجر العظيم على سائر أعمالهم ولو لم ينفقوا، وليست أن مانعة من دخول الفاء فى خبرها لوروده بالفاء فى آية أخرى خلافاً لبعض. {ولاَ خَوْفٌ عَلَيْهِم}: يوم القيامة ولا فى القبر. {ولاَ هُمْ يَحْزنُونَ}: على عدم الانتفاع بما أعطاهم الله من النعم فى الدنيا، لأنهم قد انتفعوا بها بتقديمهم منها للآخرة.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ} كما جاء عبدالرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: كان عندى ثمانية آلاف درهم فأمسكت لنفسى ولعيالى أربعة آلاف، وأخرجت لربى عز وجل أربعة آلاف. فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أنفقت، قال قومنا: فنزلت الآية فى ذلكتفسير : ، رواه الترمذى، وفى عثمان، إذ جهز جيش العسرة بألف بعير، وصب ألف دينار فى حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، ولا أصل أصل لذلك فى كتب الحديث كما نص عليه بعض الحنفية، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أرسل بنفقة فى سبيل الله وأقام فى بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم، ومن غزا وأنفق فله سبعمائة ألف درهم"تفسير : ، ثم تلا هذه الآية، وذكروا أن الإنفاق فى غير الجهاد بعشرة، وقيل الآية فى النفقة لوجه الله ولو فى غير الجهاد {ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواْ مَنًّا} على المنفق عليه {وَلآ أذًى} له، وثم هنا بمعنى الواو، أو لترتيب الرتبة، بمعنى أن رتبة عدم المن والأذى عالية، وأعظم من رتبة الإنفاق، أو لترتيب الزمان، بناء على أن المن والأذى متراخيان عن الإنفاق غالبا، والمن استعظام النعمة والترفع بها على من أنعم عليه، أو استعظامها والتخجيل بها، ولا بأس بذكرها ترغيبا للشكر بلا تخجيل ولا ترفع. وفى الأثر جواز للدوالدين والمعلم والإمام العدل، والأذى التكبر عليه أو تعبيره بالحاجة، وأنى عبرت حالك بإحسانى، أو التعبس عليه والدعاء عليه، والمن نوع من الأذى {لَّهُمْ أَجْرُهُمْ} مضاعفا إلى سبعمائة فصاعداً، {عِنْدَ رَبِّهِمْ} على الإنفاق {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} فى الآخرة {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} فيها.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} استئناف جىء به لبيان كيفية الإنفاق الذي بين فضله. {ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ} أي إنفاقهم أو ما أنفقوه {مَنًّا} على المنفق عليه {وَلا أَذًى} أي له ـ والمنّ ـ عبد الإحسان وهو في الأصل القطع، ومنه قوله: حبل منين ـ أي ضعيف ـ وقد يطلق على النعمة لأن المنعم يقطع من ماله قطعة للمنعم عليه، و ـ الأذى ـ التطاول والتفاخر على المنفق عليه بسبب إنفاقه، وإنما قدم المنّ لكثرة وقوعه وتوسيط كلمة {لا} لشمول النفي لاتباع كل واحد منهما، و {ثُمَّ} للتفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى في الرتبة والبعد بينهما في الدرجة، وقد استعيرت من معناها الأصلي وهو تباعد الأزمنة لذلك ـ وهذا هو المشهور في أمثال هذه المقامات ـ. وذكر في «الانتصاف» وجهاً آخر في ذلك ((وهو الدلالة على دوام الفعل المعطوف بها وإرخاء الطول في استصحابه وعلى هذا لا تخرج عن الإشعار ببعد الزمن ولكن معناها الأصلي تراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه ومعناها المستعارة له دوام وجود الفعل وتراخي زمن بقائه وعليه يحمل قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ }تفسير : [فصلت: 30] أي داوموا على الاستقامة دواماً متراخياً ممتد الأمد وتلك الاستقامة هي المعتبرة لا ما هو منقطع إلى ضده من الحيد إلى الهوى والشهوات، وكذلك {ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ} الخ أي يدومون على تناسي الإحسان وعلى ترك الاعتداد به والامتنان ليسوا بتاركيه في أزمنة ثم يثوبون إلى الإيذاء وتقليد المنّ، وبسببه مثله يقع في السين نحو {أية : إِنّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الصافات: 99] إذ ليس لتأخر الهداية معنى فيحمل على دوام الهداية الحاصلة له وتراخي بقائها وتمادي أمدها)) وهو كلام حسن ـ ولعله أولى مما ذكروه لأنه أبقى للحقيقة وأقرب للوضع على أحسن طريقة. والآية كما أخرج الواحدي عن الكلبـي ـ والعهدة عليه ـ نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف أما عبد الرحمن فإنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهم صدقة فقال: كان عندي ثمانية آلاف درهم فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف درهم وأربعة آلاف أقرضها ربـي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت»تفسير : وأما عثمان رضي الله تعالى عنه فقال: عليّ جهاز من لا جهاز له في غزوة تبوك فجهز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها وتصدق برومة ركية كانت له على المسلمين، وقال أبو سعيد الخدري: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعاً يديه يدعو لعثمان ويقول: «حديث : يا رب عثمان بن عفان رضيت عنه فارض عنه فما زال رافعاً يديه حتى طلع الفجر» تفسير : فأنزل الله تعالى فيه {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ} الخ. {لَهُمْ أَجْرُهُمْ} حسبما وعد لهم في ضمير التمثيل وهو جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبراً عن الموصول، وفي تكرير الإسناد وتقييد الأجر بقوله تعالى: لهم {عِندَ رَبّهِمْ} من التأكيد والتشريف ما لا يخفى وكان مقتضى الظاهر أن يدخل الفاء في حيز الموصول لتضمنه معنى الشرط كما في قولك: الذي يأتيني فله درهم لكنه عدل عن ذلك إيهاماً بأن هؤلاء المنفقين مستحقون للأجر لذواتهم وما ركز في نفوسهم من نية الخير لا لوصف الإنفاق فإن الاستحقاق به استحقاق وصفي، وفيه ترغيب دقيق لا يهتدى إليه إلا بتوفيق، وجوز أن يكون تخلية الخبر عن الفاء المفيدة لسببية ما قبلها لما بعدها للإيذان بأن/ ترتيب الأجر على ما ذكر من الإنفاق وترك اتباع المنّ والأذى أمر بين لا يحتاج إلى التصريح بالسببية {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} المراد بيان دوام انتفائهما لا بيان انتفاء دوامهما وقد تقدم الكلام على نظيرها.
القطان
تفسير : المن: ان يعُدَّ فاعل الخير ما فعله لمن أحسن إليه كأن يقول أعطيتك كذا وكذا، وهو تكدير وتعيير. الأذى: ان يتطاول عليه بسبب إنعامه عليه. قول معروف: كلام جميل. رئاء الناس: مراءاة لأجلهم. صفوان: حجر أملس. الوابل: المطر الشديد. صلد: أملس. في هذه الآيات يعلّمنا الله آداب الصدقات، بأن نؤديها عن طيب نفس ودون ان نمنّ على الذين نتصدق عليهم ولا نؤذيهم، وان الكلام اللطيف الرقيق خير من الصدق التي يتبعها أذى للمتصدَّق عليهم، فالله غني عن صدقة يأتي بعدها الأذى والمن والتنكيد. وقد حث القرآن الكريم على الصدقات والتصرف بالمال وانفاقه عن طيب نفس في آيات كثيرة، وذلك حتى يقوم المجتمع على أساس التكافل مع الأُخوة والمحبة، فيظل مجتمعاً سليماً متكافلا. ان الذين يبذلون أموالهم في وجوه الخير المشروعة ولا يمنّون أو يتفاخرون على المحسَن اليهم، ولا يؤذونهم بالكلام الجارح والتطاول ـ لهم عند ربهم ثواب لا يقدَّر قدره، ولا خوف عليهم حين يخاف الناس، ولا هم يحزنون يوم يحزن البخلاء الممسكون. هذا، وكلام طيب وردٌّ جميل على السائل تَطيب به نفسه ـ لهو أنفع لكم وأعظم فائدة من صدقة فيها الأذى. والبشاشة في وجهه خير له من الصدقة مع الإيذاء بسوء القول أو المقابلة. ان الله غني عن صدقة عباده، فهو لا يأمرهم ببذل المال لحاجة منه اليه، ولكن ليطهّرهم ويؤلف بين قلوبهم، ويصلح شئونهم الاجتماعيّة. ثم أقبل تعالى يخاطب المؤمنين وينهاهم نهياً صارماً عن إبطال صدقاتهم بالمن والأذى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} اي لا تضيعوا ثواب صدقاتكم باظهار فضلكم على المحتاجين اليها، فتكونوا كمن ينفقون أموالهم رياءً أمام الناس، بدافع الشهرة وحب الثناء. ان حال هؤلاء المرائين مثلُ حجر أملس عليه تراب، نزل عليه مطر شديد، فأزال التراب وتركه صلداً لا خير فيه. وكما أن المطر الغزير يزيل التراب الّذي ينبت فيه الزرع عن الحجر، فإن المن والأذى والرياء تبطل ثواب الصدقات. والله لا يهدي القوم الكافرين الى ما فيه خيرهم ورشادهم. وفي هذا تعريض بأن الرئاءَ والمن والأذى على الانفاق لهي من صفات الكفار، فعلى المؤمن ان يتجنب هذه الصفات.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَمْوَالَهُمْ} (262) - يَمْدَحُ اللهُ تَعَالَى الذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبيلِ اللهِ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ إِنْفَاقَهُم مَنّاً عَلَى النَّاسِ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ، وَلا يَفْعَلُونَ مَعَ مَنْ أَحْسَنُوا إِلَيْهِمْ مَكْرُوهاً أوْ أَذًى يُحْبِطُونَ بِهِ مَا أَسْلَفُوهُ مِنَ الإِحْسَانِ، فَهَؤلاءِ ثَوَابُهُمْ عَلَى اللهِ لا عَلَى أحَدٍ سِوَاهُ، وَلا خَوْفٌ عَلَيهِمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أهْوالِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَلا يَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفُوهُ فِي الدُّنْيا مِنَ الأوْلادِ وَالأمْوالِ، وَلا عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنَ الحَيَاةِ وَزِينَتِها، لأِنَّهُمْ صَارُوا إلى خَيْرٍ مِمَّا كَانُوا فِيهِ. مَنًّا - عَدّاً للإِحْسَانِ وَإظْهَاراً لَهُ. أذىً - تَطَاوُلاً وَتَفَاخُراً بِالإِنْفَاقِ أوْ تَبَرُّماً بِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إنها لقطة أخرى يوضح فيها الحق: إياك حين تنفق مالك في سبيل الله وأنت طامع في عطاء الله أن تمن على من تعطيه أو تؤذيه. والمنّ هو أن يعتد على من أحسن إليه بإحسانه ويريه أنه أوجب عليه حقاً له وأنه أصبح صاحب فضل عليه، وكما يقولون في الريف (تعاير بها)، والشاعر يقول: شعر : وإنّ امرَأً أسدى إليّ صنيعة وذكَّـرنيها مَـرَّةً للـئـيم تفسير : ولذلك فمن الأدب الإيماني في الإنسان أن ينسى أنه أهدى وينسى أنه أنفق، ولا يطلع أحداً من ذويه على إحسانه على الفقير أو تصدقه عليه وخاصة الصغار الذين لا يفهمون منطق الله في الأشياء، فعندما يعرف ابني أنني أعطي لجاري كذا، ربما دلّ ابني وَمَنّ على ابن جاري، ربما أخذه غروره فعيّره هو، ولا يمكن أن يقدر هذا الأمر إلا مُكَلَّفٌ يعرف الحكم بحيثيته من الله. إن الحق يوضح لنا: إياك أن تتبع النفقة منّا أو أذى؛ لأنك إن أتبعتها بالمنّ ماذا يكون الموقف؟ يكرهها المُعْطَى الذي تصدقت بها عليه ويتولد عنده حقد، ويتولد عنده بغض، ولذلك حينما قالوا: "اتق شر من أحسنت إليه" شرحوا ذلك بأن اتقاء شر ذلك الإنسان بألا تذكره بالإحسان، وإياك أن تذكره بالإحسان؛ لأن ذلك يولد عنده حقداً. ولذلك تجد كثيراً من الناس يقولون: كم صنعت بفلان وفلان الجميل، هذا كذا وهذا كذا، ثم خرجوا عليّ فأنكروه. وأقول لكل من يقول ذلك: ما دمت تتذكر ما أسديته إليهم فمن العدالة من الله أن يُنكِروه، ولو أنك عاملت الله لما أنكروه، فما دمت لم تعامل الله، فإنك تقابل بنكران ما أنفقت. فكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يسخى بالآية الأولى قلب المنفق ليبسط يده بالنفقة، لذلك قال: {ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. فالحق سبحانه وتعالى طمأننا في الآية الأولى على أن الصدقة والنفقة لا تنقص المال بل تزيده، وضرب لنا الحق سبحانه المثل بالأرض التي تؤتينا بدل الحبة الواحدة سبعمائة حبة، ثم يوضح الحق لنا أن آفة الإنفاق أن يكون مصحوباً بـ"المنّ" أو "الأذى"؛ لأن ذلك يفسد قضية الاستطراق الصفائي في الضعفاء والعاجزين، ولذلك يقول الحق سبحانه: {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ..} [البقرة: 262]. انظر إلى الدقة الأدائية في قوله الكريم: {ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى} [البقرة: 262]. قد يستقيم الكلام لو جاء كالآتي: "الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ولا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى"، لكن الحق سبحانه قد جاء بـ"ثم" هنا؛ لأن لها موقعاً. إن المنفق بالمال قد لا يمن ساعة العطاء، ولكن قد يتأخر المنفق بالمن، فكأن الحق سبحانه وتعالى ينبه كل مؤمن: يجب أن يظل الإنفاق غير مصحوب بالمن وأن يبتعد المنفق عن المن دائماً، فلا يمتنع عن المن فقط وقت العطاء، ولكن لابد أن يستمر عدم المن حتى بعد العطاء وإن طال الزمن. إن "ثم" تأتي في هذا المعنى لوجود مسافة زمنية تراخى فيها الإنسان عن فعل المن. فالحق يمنع المن منعاً متصلاً متراخياً، لا ساعة العطاء فحسب، ولكن بعد العطاء أيضاً. وشوقي أمير الشعراء - رحمه الله - عندما كتب الشعر في حمل الأثقال وضع أبياتاً من الشعر في مجال حمل الأثقال النفسية، فقال: شعر : أحمـلت دَيـْنـاً في حياتك مرة؟ أحمـلت يـوماً في الضـلوع غليلاً؟ أحمـلت مَنـّاً في النهار مُكَرَّراً؟ والليـلِ مِـن مُسْـدٍ إليك جمـيلاً؟ تفسير : وبعد أن عدد شوقي أوجه الأحمال الثقيلة في الحياة قال: شعر : تـلك الحـيـاة وهـذه أثقالها وُزِنَ الحـديدُ بـهـا فعـاد ضئيلاً تفسير : كأن المن إذن عبء نفسي كبير. ويطمئن الحق سبحانه من ينفقون أموالهم دون مَنٌّ ولا أذى في سبيل الله بأن لهم أجراً عند ربهم. وكلمة "الأجر" - والإيضاح من عند الرب - هي طمأنة إلى أن الأمر قد أحيل إلى موثوق بأدائه، وإلى قادر على هذا الأداء. أما الذي يمن أو يؤذي فقد أخذ أجره بالمن أو الأذى، وليس له أجر عند الله؛ لأن الذي يمن أو يؤذي لم يتصور رَبَّ الضعيف، وإنما تصور الضعيف. والمنفق في سبيل الله حين يتصور رب الضعيف، وأن رب الضعيف هو الذي استدعاه إلى الوجود، وهو الذي أجرى عليه الضعف، فهو يؤمن أن الله هو الكفيل برزق الضعيف، وحين ينفق القوي على الضعيف فإنما يؤدي عن الله، ولذلك نجد في أقوال المقربين: "إننا نضع الصدقة في يد الله قبل أن نضعها في يد الضعيف" ولننظر إلى ما فعلته سيدتنا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد راحت تجلو الدرهم وتطيبه، فلما قيل لها: ماذا تصنعين؟ قالت: أجلو درهماً وأطيبه لأني نويت أن أتصدق به. فقيل لها: أتتصدقين به مجلواً ومعطراً؟ قالت الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأني أعلم أنه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد الفقير. إن الأجر يكون عند من يغليه ويعليه ويرتفع بقيمته وهو الخالق الوهاب. ولنتأمل قول الحق: {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 262] لماذا لم يقل الله: ولا خوف منهم؟. لأن الحق يريد أن يوضح لنا بقوله: {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 262] أن هناك عنصراً ثالثاً سيتدخل. إنه تدخل من شخص قد يظهر للإنسان المنفق أنه محبٌ له، فيقول: ادخر للأيام القادمة، ادخر لأولادك. لمثل هذا العنصر يقول الحق: {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 262] أي إياك يا صاحب مثل هذا الرأي أن تتدخل باسم الحب، ولتوفر كلامك؛ لأن المنفق في سبيل الله إنما يجد العطاء والحماية من الله. فلا خوف على المنفق في سبيل الله، وليس ذلك فقط، إنما يقول الحق عن المنفقين في سبيل الله دون منٍّ ولا أذى: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 262] ومعناها أنه سوف يأتي في تصرفات الحق معهم ما يفرحهم بأنهم تصدقوا إما بسرعة الخلف عليهم، أو برضى النفس، أو برزق السلب، فآفة الناس أنهم ينظرون إلى رزق الإيجاب دائماً، أي أن يقيس البشر الرزق بما يدخل له من مال، ولا يقيسون الأمر برزق السلب، ورزق السلب هو محط البركة. هب أن إنساناً راتبه خمسون جنيهاً، وبعد ذلك يسلب الله منه مصارف تطلب منه مائة جنيه، كأن يدخل فيجد ولده متعباً وحرارته مرتفعة، فيرزق الله قلب الرجل الاطمئنان، ويطلب من الأم أن تعد كوباً من الشاي للابن ويعطيه قرصاً من الأسبرين، وتذهب الوعكة وتنتهي المسألة. ورجل آخر يدخل ويجد ولده متعباً وحرارته مرتفعة، وتستمر الحرارة لأكثر من يوم، فيقذف الله في قلبه الرعب، وتأتي الخيالات والأوهام عن المرض في ذهن الرجل، فيذهب بابنه إلى الطبيب فينفق خمسين أو مائة من الجنيهات. الرجل الأول، أبرأ الله ابنه بقرش. والثاني، أبرأ الله ابنه بجنيهات كثيرة. إن رزق الرجل الأول هو رزق السلب، فكما يرزق الله بالإيجاب، فالله يرزق بالسلب أي يسلب المصرف ويدفع البلاء. وهناك رجل دخله مائة جنيه، ويأتي له الله بمصارف تأخذ مائتين، وهناك رجل دخله خمسون جنيهاً فيسلب الله عنه مصارف تزيد على مائة جنيه، فأيهما الأفضل؟ إنه الرجل الذي سلب الله عنه مصارف تزيد على طاقته. إذن فعلى الناس أن تنظر إلى رزق السلب كما تنظر إلى رزق الإيجاب، وقوله الحق عن المنفقين في سبيله دون مَنٍّ أو أذى: {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 262] هذا القول دليل على أن الله سيأتي بنتيجة النفقة بدون مَنّ أو أذى بما يفرح له قلب المؤمن، إما بالبركة في الرزق وإمّا بسلب المصارف عنه، فيقول القلب المؤمن: إنها بركة الصدقة التي أعطيتها. إنه قد تصدق بشيء فرفع وصرف عنه الله شيئاً ضاراً، فيفرح بذلك القلب المؤمن. وبعد ذلك ينبهنا الحق سبحانه وتعالى إلى قضية مهمة هي: إن لم تَجُد أيها المؤمن بمالك فأحسن بمقالك، فإن لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بحسن الرد، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة ". تفسير : والحق سبحانه وتعالى يحدد القضية في هذه الآية: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ...}.
الجيلاني
تفسير : وبشّر يا أكمل الرسل {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} معتقدين أنهم مستخلفون عن الله فيها لا مالكون لها {ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى} لاعتقادهم الاستخلاف والنيابة {لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} المستخلف لهم لا يدرك مقداره وكيفيته أحد من خلقه {وَ} بعدما أنفقوا على الوجه المذكور {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من الحساب والعقاب الأخروي {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 292] من فوات الأجرة بل لهم عند ربهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} رد جميل للسائل ناشئ من حسن الخلق {وَمَغْفِرَةٌ} من الله بعد رده متحسراً على نعمة الإنفاق {خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى} إذ بذلك القول يجرى الثواب وبتلك الصدقة يستحق العقاب {وَٱللَّهُ غَنِيٌّ} عن إنفاقكم بالمن والأذى للفقراء الذين هم من عيال الله {حَلِيمٌ} [البقرة: 263] لا يعجل بمؤاخذة من يمن ويؤذي. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله الغني الحليم مقتضى إيمانكم أن {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم} عند الله {بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} حتى لا تعاقبوا عليها بأشد العقاب {كَ} الكافر {ٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَ} الحال أنه {لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} المعد لجزاء الأعمال {فَمَثَلُهُ} أي: مثل المرائي في أنفاقه في يوم الجزاء {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} حجرٍ أملسٍ {عَلَيْهِ تُرَابٌ} اجتمع من هبوب الرياح فطرح فيه البذور لتنبت وتثمر {فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} مطر عظيم القطر {فَتَرَكَهُ صَلْداً} أملس كما كان، وذهب بالبذور والتراب إلى حيث {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ} تحصيل {شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ} وبذروا عليه {وَٱللَّهُ} الهادي للكل {لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} [البقرة: 264] المبطلين بالمن والأذى حكمة الله المتعلقة لتربية الفقراء وتقوية العجز والضعف، فلا بد للمؤمن أن يجتنب عن أمثاله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: الذين ينفقون أموالهم في طاعة الله وسبيله، ولا يتبعونها بما ينقصها ويفسدها من المن بها على المنفق عليه بالقلب أو باللسان، بأن يعدد عليه إحسانه ويطلب منه مقابلته، ولا أذية له قولية أو فعلية، فهؤلاء لهم أجرهم اللائق بهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فحصل لهم الخير واندفع عنهم الشر لأنهم عملوا عملا خالصا لله سالما من المفسدات. { قول معروف } أي: تعرفه القلوب ولا تنكره، ويدخل في ذلك كل قول كريم فيه إدخال السرور على قلب المسلم، ويدخل فيه رد السائل بالقول الجميل والدعاء له { ومغفرة } لمن أساء إليك بترك مؤاخذته والعفو عنه، ويدخل فيه العفو عما يصدر من السائل مما لا ينبغي، فالقول المعروف والمغفرة خير من الصدقة التي يتبعها أذى، لأن القول المعروف إحسان قولي، والمغفرة إحسان أيضا بترك المؤاخذة، وكلاهما إحسان ما فيه مفسد، فهما أفضل من الإحسان بالصدقة التي يتبعها أذى بمنّ أو غيره، ومفهوم الآية أن الصدقة التي لا يتبعها أذى أفضل من القول المعروف والمغفرة، وإنما كان المنّ بالصدقة مفسدا لها محرما، لأن المنّة لله تعالى وحده، والإحسان كله لله، فالعبد لا يمنّ بنعمة الله وإحسانه وفضله وهو ليس منه، وأيضا فإن المانّ مستعبِدٌ لمن يمنّ عليه، والذّل والاستعباد لا ينبغي إلا لله، والله غني بذاته عن جميع مخلوقاته، وكلها مفتقرة إليه بالذات في جميع الحالات والأوقات، فصدقتكم وإنفاقكم وطاعاتكم يعود مصلحتها إليكم ونفعها إليكم، { والله غني } عنها، ومع هذا فهو { حليم } على من عصاه لا يعاجله بعقوبة مع قدرته عليه، ولكن رحمته وإحسانه وحلمه يمنعه من معاجلته للعاصين، بل يمهلهم ويصرّف لهم الآيات لعلهم يرجعون إليه وينيبون إليه، فإذا علم تعالى أنه لا خير فيهم ولا تغني عنهم الآيات ولا تفيد بهم المثلات أنزل بهم عقابه وحرمهم جزيل ثوابه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):