٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
263
Tafseer
الرازي
تفسير : أما القول المعروف، فهو القول الذي تقبله القلوب ولا تنكره، والمراد منه هٰهنا أن يرد السائل بطريق جميل حسن، وقال عطاء: عدة حسنة، أما المغفرة ففيه وجوه أحدها: أن الفقير إذا رد بغير مقصوده شق عليه ذلك، فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان، فأمر بالعفو عن بذاءة الفقير والصفح عن إساءته وثانيها: أن يكون المراد ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل وثالثها: أن يكون المراد من المغفرة أن يستر حاجة الفقير ولا يهتك ستره، والمراد من القول المعروف رده بأحسن الطرق وبالمغفرة أن لا يهتك ستره بأن يذكر حاله عند من يكره الفقير وقوفه على حاله ورابعها: أن قوله {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } خطاب مع المسؤول بأن يرد السائل بأحسن الطرق، وقوله {وَمَغْفِرَةٌ } خطاب مع السائل بأن يعذر المسؤول في ذلك الرد، فربما لم يقدر على ذلك الشيء في تلك الحالة، ثم بيّن تعالى أن فعل الرجل لهذين الأمرين خير له من صدقة يتبعها أذى، وسبب هذا الترجيح أنه إذا أعطى، ثم أتبع الإعطاء بالإيذاء، فهناك جمع بين الانفاع والإضرار، وربما لم يف ثواب الانفاع بعقاب الإضرار، وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إنه يتضمن إيصال السرور إلى قلب المسلم ولم يقترن به الإضرار، فكان هذا خيراً من الأول. واعلم أن من الناس من قال: إن الآية واردة في التطوع، لأن الواجب لا يحل منعه، ولا رد السائل منه، وقد يحتمل أن يراد به الواجب، وقد يعدل به عن سائل إلى سائل وعن فقير إلى فقير. ثم قال: {وَٱللَّهُ غَنِىٌّ } عن صدقة العباد فإنما أمركم بها ليثيبكم عليها {حَلِيمٌ } إذا لم يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بصدقته، وهذا سخط منه ووعيد له ثم إنه تعالى وصف هذين النوعين على الإنفاق أحدهما: الذي يتبعه المن والأذى والثاني: الذي لا يتبعه المن والأذى، فشرح حال كل واحد منهما، وضرب مثلاً لكل واحد منهما. فقال في القسم الأول: الذي يتبعه المن والأذى {يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلأَذَىٰ كَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } وفي الآية مسائل؛ المسألة الأولى: قال القاضي: إنه تعالى آكد النهي عن إبطال الصدقة بالمن والأذى وأزال كل شبهة للمرجئة بأن بيّن أن المراد أن المن والأذى يبطلان الصدقة، ومعلوم أن الصدقة قد وقعت وتقدمت، فلا يصح أن تبطل فالمراد إبطال أجرها وثوابها، لأن الأجر لم يحصل بعد وهو مستقبل فيصح إبطاله بما يأتيه من المن والأذى. واعلم أنه تعالى ذكر لكيفية إبطال أجر الصدقة بالمن والأذى مثلين، فمثله أولاً: بمن ينفق ماله رئاء الناس، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر، لأن بطلان أجر نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها المن والأذى، ثم مثله ثانياً: بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار، ثم أصابه المطر القوي، فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما كان عليه غبار ولا تراب أصلاً، فالكافر كالصفوان، والتراب مثل ذلك الإنفاق والوابل كالكفر الذي يحبط عمل الكافر، وكالمن والأذى اللذين يحبطان عمل هذا المنفق، قال: فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان، فكذا المن والأذى يوجب أن يكونا مبطلين لأجر الانفاق بعد حصوله، وذلك صريح في القول بالاحباط والتفكير، قال الجبائي: وكما دل هذا النص على صحة قولنا فالعقل دل عليه أيضاً، وذلك لأن من أطاع وعصى، فلو استحق ثواب طاعته وعقاب معصيته لوجب أن يستحق النقيضين، لأن شرط الثواب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال، وشرط العقاب أن يكون مضرة خالصة دائمة مقرونة بالإذلال فلو لم تقع المحابطة لحصل استحقاق النقيضين وذلك محال، ولأنه حين يعاقبه فقد منعه الإثابة ومنع الإثابة ظلم، وهذا العقاب عدل، فيلزم أن يكون هذا العقاب عدلاً من حيث إنه حقه، وأن يكون ظلماً من حيث إنه منع الإثابة، فيكون ظالماً بنفس الفعل الذي هو عادل فيه وذلك محال، فصح بهذا قولنا في الإحباط والتفكير بهذا النص وبدلالة العقل، هذا كلام المعتزلة. وأما أصحابنا فإنهم قالوا: ليس المراد بقوله {لاَ تُبْطِلُواْ } النهي عن إزالة هذا الثواب بعد ثبوته بل المراد به أن يأتي بهذا العمل باطلاً، وذلك لأنه إذا قصد به غير وجه الله تعالى فقد أتى به من الابتداء على نعت البطلان، واحتج أصحابنا على بطلان قول المعتزلة بوجوه من الدلائل: أولها: أن النافي والطارىء إن لم يكن بينهما منافاة لم يلزم من طريان الطارىء زوال النافي، وإن حصلت بينهما منافاة لم يكن اندفاع الطارىء أولى من زوال النافي، بل ربما كان هذا أولى لأن الدفع أسهل من الرفع. ثانيها: أن الطارىء لو أبطل لكان إما أن يبطل ما دخل منه في الوجود في الماضي وهو محال لأن الماضي انقضى ولم يبق في الحال وإعدام المعدوم محال وإما أن يبطل ما هو موجود في الحال وهو أيضاً محال لأن الموجود في الحال لو أعدمه في الحال لزم الجمع بين العدم والوجود وهو محال، وإما أن يبطل ما سيوجد في المستقبل وهو محال، لأن الذي سيوجد في المستقبل معدوم في الحال وإعدام ما لم يوجد بعد محال. وثالثها: أن شرط طريان الطارىء زوال النافي فلو جعلنا زوال النافي معللاً بطريان الطارىء لزم الدور وهو محال. ورابعها: أن الطارىء إذا طرأ وأعدم الثواب السابق فالثواب السابق إما أن يعدم من هذا الطارىء شيئاً أو لا يعدم منه شيئاً، والأول هو الموازنة وهو قول أبي هاشم وهو باطل، وذلك لأن الموجب لعدم كل واحد منهما وجود الآخر فلو حصل العدمان معاً اللذان هما معلولان لزم حصول الوجودين اللذين هما علتان فيلزم أن يكون كل واحد منهما موجوداً حال كون كل واحد منهما معدوماً وهو محال. /وأما الثاني: وهو قول أبي علي الجُبّائي فهو أيضاً باطل لأن العقاب الطارىء لما أزال الثواب السابق، وذلك الثواب السابق ليس له أثر ألبتة في إزالة الشيء من هذا العقاب الطارىء، فحينئذ لا يحصل له من العمل الذي أوجب الثواب السابق فائدة أصلاً لا في جلب ثواب ولا في دفع عقاب وذلك على مضادة النص الصريح في قوله {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } تفسير : [الزلزلة: 7] ولأنه خلاف العدل حيث يحمل العبد مشقة الطاعة، ولم يظهر له منها أثر لا في جلب المنفعة ولا في دفع المضرة. وخامسها: وهو أنكم تقولون: الصغيرة تحبط بعض أجزاء الثواب دون البعض، وذلك محال من القول، لأن أجزاء الاستحقاقات متساوية في الماهية، فالصغيرة الطارئة إذا انصرف تأثيرها إلى بعض تلك الاستحقاقات دون البعض مع استواء الكل في الماهية كان ذلك ترجيحاً للممكن من غير مرجح وهو محال، فلم يبق إلا أن يقال بأن الصغيرة الطارئة تزيل كل تلك الاستحقاقات وهو باطل بالاتفاق، أو لا نزيل شيئاً منها وهو المطلوب. وسادسها: وهو أن عقاب الكبيرة إذا كان أكثر من ثواب العمل المتقدم، فإما أن يقال بأن المؤثر في إبطال الثواب بعض أجزاء العقاب الطارىء أو كلها والأول: باطل لأن اختصاص بعض تلك الأجزاء بالمؤثرية دون البعض مع استواء كلها في الماهية ترجيح للممكن من غير مرجح وهو محال، والقسم الثاني باطل، لأنه حينئذ يجتمع على إبطال الجزء الواحد من الثواب جزآن من العقاب مع أن كل واحد من ذينك الجزأين مستقل بإيطال ذلك الثواب، فقد اجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان وذلك محال، لأنه يستغني بكل واحد منهما فيكون غنياً عنهما معاً حال كونه محتاجاً إليهما معاً وهو محال. وسابعها: وهو أنه لا منافاة بين هذين الاستحقاقين لأن السيد إذا قال لعبده: احفظ المتاع لئلا يسرقه السارق، ثم في ذلك الوقت جاء العدو وقصد قتل السيد، فاشتغل العبد بمحاربة ذلك العدو وقتله فذلك الفعل من العبد يستوجب استحقاقه للمدح والتعظيم حيث دفع القتل عن سيده، ويوجب استحقاقه للذم حيث عرض ماله للسرقة، وكل واحد من الاستحقاقين ثابت، والعقلاء يرجعون في مثل هذه الواقعة إلى الترجيح أو إلى المهايأة، فأما أن يحكموا بانتفاء أحد الاستحقاقين وزواله فذلك مدفوع في بداهة العقول. وثامنها: أن الموجب لحصول هذا الاستحقاق هو الفعل المتقدم فهذا الطارىء إما أن يكون له أثر في جهة اقتضاء ذلك الفعل لذلك الاستحقاق أو لا يكون، والأول: محال لأن ذلك الفعل إنما يكون موجوداً في الزمان الماضي، فلو كان لهذا الطارىء أثر في ذلك الفعل الماضي لكان هذا إيقاعاً للتأثير في الزمان الماضي وهو محال، وإن لم يكن للطارىء أثر في اقتضاء ذلك الفعل السابق لذلك الاستحقاق وجب أن يبقى ذلك الاقتضاء كما كان وأن لا يزول ولا يقال لم لا يجوز أن يكون هذا الطارىء مانعاً من ظهور الأثر على ذلك السابق، لأنا نقول: إذا كان هذا الطارىء لا يمكنه أن يعمل بجهة اقتضاء ذلك الفعل السابق أصلاً وألبتة من حيث إيقاع الأثر في الماضي محال، واندفاع أثر هذا الطارىء ممكن في الجملة كان الماضي على هذا التقدير أقوى من هذا الحادث فكان الماضي بدفع هذا الحادث أولى من العكس. وتاسعها: أن هؤلاء المعتزلة يقولون: إن شرب جرعة من الخمر يحبط ثواب الإيمان وطاعة سبعين سنة على سبيل الإخلاص، وذلك محال. لأنا نعلم بالضرورة أن ثواب هذه الطاعات أكثر من عقاب هذه المعصية الواحدة، والأعظم لا يحيط بالأقل، قال الجبائي: إنه لا يمتنع أن تكون الكبيرة الواحدة أعظم من كل طاعة، لأن معصية الله تعظم على قدر كثرة نعمه وإحسانه، كما أن استحقاق قيام الربانية وقد رباه وملكه وبلغه إلى النهاية العظيمة أعظم من قيامه بحقه لكثرة نعمه، فإذا كانت نعم الله على عباده بحيث لا تضبط عظماً وكثرة لم يمتنع أن يستحق على المعصية الواحدة العقاب العظيم الذي يوافي على ثواب جملة الطاعات، واعلم أن هذا العذر ضعيف لأن الملك إذا عظمت نعمه على عبده ثم إن ذلك العبد قام بحق عبوديته خمسين سنة ثم إنه كسر رأس قلم ذلك الملك قصداً، فلو أحبط الملك جميع طاعاته بسبب ذلك القدر من الجرم فكل أحد يذمه وينسبه إلى ترك الانصاف والقسوة، ومعلوم أن جميع المعاصي بالنسبة إلى جلال الله تعالى أقل من كسر رأس القلم، فظهر أن ما قالوه على خلاف قياس العقول. وعاشرها: أن إيمان ساعة يهدم كفر سبعين سنة، فالإيمان سبعين سنة كيف يهدم بفسق ساعة، وهذا مما لا يقبله العقل والله أعلم، فهذه جملة الدلائل العقلية على فساد القول بالمحابطة، في تمسك المعتزلة بهذه الآية فنقول: قوله تعالى: {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلأَذَىٰ } يحتمل أمرين أحدهما: لا تأتوا به باطلاً، وذلك أن ينوي بالصدقة الرياء والسمعة، فتكون هذه الصدقة حين وجدت حصلت باطلة، وهذا التأويل لا يضرنا ألبتة. الوجه الثاني: أن يكون المراد بالإبطال أن يؤتي بها على وجه يوجب الثواب، ثم بعد ذلك إذا اتبعت بالمن والأذى صار عقاب المن والأذى مزيلاً لثواب تلك الصدقة، وعلى هذا الوجه ينفعهم التمسك بالآية، فلم كان حمل اللفظ على هذا الوجه الثاني أولى من حمله على الوجه الأول واعلم أن الله تعالى ذكر لذلك مثلين أحدهما: يطابق الاحتمال الأول، وهو قوله {كَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ } إذ من المعلوم أن المراد من كونه عمل هذا باطلاً أنه دخل في الوجود باطلاً، لا أنه دخل صحيحاً، ثم يزول، لأن المانع من صحة هذا العمل هو الكفر، والكفر مقارن له، فيمتنع دخوله صحيحاً في الوجود، فهذا المثل يشهد لما ذهبنا إليه من التأويل، وأما المثل الثاني وهو الصفوان الذي وقع عليه غبار وتراب ثم أصابه وابل، فهذا يشهد لتأويلهم، لأنه تعالى جعل الوابل مزيلاً لذلك الغبار بعد وقوع الغبار على الصفوان فكذا هٰهنا يجب أن يكون المن والأذى مزيلين للأجر والثواب بعد حصول استحقاق الأجر، إلا أن لنا أن نقول: لا نسلم أن المشبه بوقوع الغبار على الصفوان حصول الأجر للكافر، بل المشبه بذلك صدور هذا العمل الذي لولا كونه مقروناً بالنية الفاسدة لكان موجباً لحصول الأجر والثواب، فالمشبه بالتراب الواقع على الصفوان هو ذلك العمل الصادر منه، وحمل الكلام على ما ذكرناه أولى، لأن الغبار إذا وقع على الصفوان لم يكن ملتصقاً به ولا غائصاً فيه ألبتة، بل كان ذلك الاتصال كالانفصال، فهو في مرأى العين متصل، وفي الحقيقة غير متصل، فكذا الانفاق المقرون بالمن والأذى، يرى في الظاهر أنه عمل من أعمال البر، وفي الحقيقة ليس كذلك، فظهر أن استدلالهم بهذه الآية ضعيف، وأما الحجة العقلية التي تمسكوا بها فقد بينا أنه لا منافاة في الجمع بين الاستحقاقين، وأن مقتضى ذلك الجمع إما الترجيح وإما المهايأة. المسألة الثانية: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن على الله بسبب صدقتكم، وبالأذى لذلك السائل، وقال الباقون: بالمن على الفقير، وبالأذى للفقير. وقول ابن عباس رضي الله عنهما محتمل، لأن الإنسان إذا أنفق متبجحاً بفعله، ولم يسلك طريقة التواضع والانقطاع إلى الله، والاعتراف بأن ذلك من فضله وتوفيقه وإحسانه فكان كالمان على الله تعالى وإن كان القول الثاني أظهر له. أما قوله {كَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ ٱلنَّاسِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: الكاف في قوله {كَٱلَّذِى } فيه قولان الأول: أنه متعلق بمحذوف والتقدير لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كإبطال الذي ينفق ماله رئاء الناس، فبيّن تعالى أن المن والأذى يبطلان الصدقة، كما أن النفاق والرياء يبطلانها، وتحقيق القول فيه أن المنافق والمرائي يأتيان بالصدقة لا لوجه الله تعالى، ومن يقرن الصدقة بالمن والأذى، فقد أتى بتلك الصدقة لا لوجه الله أيضاً إذ لو كان غرضه من تلك الصدقة مرضاة الله تعالى لما من على الفقير ولا آذاه، فثبت اشتراك الصورتين في كون تلك الصدقة ما أتى بها لوجه الله تعالى، وهذا يحقق ما قلنا أن المقصود من الابطال الإتيان به باطلاً، لا أن المقصود الإتيان به صحيحاً، ثم إزالته وإحباطه بسبب المن والأذى. والقول الثاني: أن يكون الكاف في محل النصب على الحال، أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين الذي ينفق ماله رئاء الناس. المسألة الثانية: الرياء مصدر، كالمراءاة يقال: راأيته رياء ومراءاة، مثل: راعيته مراعاة ورعاء، وهو أن ترائي بعملك غيرك، وتحقيق الكلام في الرياء قد تقدم، ثم إنه تعالى لما ذكر هذا المثل أتبعه بالمثل الثاني، فقال {فَمَثَلُهُ } وفي هذا الضمير وجهان أحدهما: أنه عائد إلى المنافق، فيكون المعنى أن الله تعالى شبه المان والمؤذي بالمنافق، ثم شبه المنافق بالحجر، ثم قال: {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ } وهو الحجر الأملس، وحكى أبو عبيد عن الأصمعي أن الصفوان والصفا والصفوا واحد، وكل ذلك مقصور، وقال بعضهم: الصفوان جمع صفوانه، كمرجان ومرجانة، وسعدان وسعدانة، ثم قال: {أَصَابَهُ وَابِلٌ } الوابل المطر الشديد، يقال: وبلت السماء تبل وبلا، وأرض موبولة، أي أصابها وابل، ثم قال: {فَتَرَكَهُ صَلْدًا } الصلد الأمس اليابس، يقال: حجر صلد، وجبل صلد إذا كان براقاً أملس وأرض صلدة، أي لا تنبت شيئاً كالحجر الصلد وصلد الزند إذا لم يور ناراً. واعلم أن هذا مثل ضربة الله تعالى لعمل المان المؤذي، ولعمل المنافق، فإن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالاً، كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل لأنه تبين أن تلك الأعمال ما كانت لله تعالى، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب، وأما المعتزلة فقالوا: إن المعنى أن تلك الصدقة أوجبت الأجر والثواب، ثم إن المن والأذى أزالا ذلك الأجر، كما يزيل الوابل التراب عن وجه الصفوان، واعلم أن في كيفية هذا التشبيه وجهين الأول: ما ذكرنا أن العمل الظاهر كالتراب، والمان والأذى والمنافق كالصفوان ويوم القيامة كالوابل هذا على قولنا، وأما على قول المعتزلة فالمن والأذى كالوابل. الوجه الثاني: في التشبيه، قال القفال رحمه الله تعالى، وفيه احتمال آخر، وهو أن أعمال العباد ذخائر لهم يوم القيامة، فمن عمل بإخلاص فكأنه طرح بذراً في أرض فهو يضاعف له وينمو حتى يحصده في وقته، ويجده وقت حاجته، والصفوان محل بذر المنافق، ومعلوم أنه لا ينمو فيه شيء ولا يكون فيه قبول للبذر، والمعنى أن عمل المان والمؤذي والمنافق يشبه إذا طرح بذراً في صفوان صلد عليه غبار قليل، فإذا أصابه مطر جود بقي مستودعاً بذره خالياً لا شيء فيه، ألا ترى أنه تعالى ضرب مثل المخلص بجنة فوق ربوة، والجنة ما يكون فيه أشجار ونخيل، فمن أخلص لله تعالى كان كمن غرس بستاناً في ربوة من الأرض، فهو يجني ثمر غراسه في أوجات الحاجة وهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها متضاعفة زائدة، وأما عمل المان والمؤذي والمنافق، فهو كمن بذر في الصفوان الذي عليه تراب، فعند الحاجة إلى الزرع لا يجد فيه شيئاً، ومن الملحدة من طعن في التشبيه، فقال: إن الوابل إذا أصاب الصفوان جعله طاهراً نقياً نظيفاً عن الغبار والتراب فكيف يجوز أن يشبه الله به عمل المنافق، والجواب أن وجه التشبيه ما ذكرناه، فلا يعتبر باختلافها فيما وراءه، قال القاضي: وأيضاً فوقع التراب على الصفوان يفيد منافع من وجوه أحدها: أنه أصلح في الاستقرار عليه وثانيها: الانتفاع بها في التيمم وثالثها: الانتفاع به فيما يتصل بالنبات، وهذا الوجه الذي ذكره القاضي حسن إلا أن الاعتماد على الأول. أما قوله تعالى: {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ } فاعلم أن الضمير في قوله {لاَّ يَقْدِرُونَ } إلى ماذا يرجع؟ فيه قولان أحدهما: أنه عائد إلى معلوم غير مذكور، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي كان على ذلك الصفوان، لأنه زال ذلك التراب وذلك ما كان فيه، فلم يبق لأحد قدرة على الانتفاع بذلك البذر، وهذا يقوي الوجه الثاني في التشبيه الذي ذكره القفال رحمه الله تعالى، وكذا المان والمؤذي والمنافق لا ينتفع أحد منهم بعمله يوم القيامة والثاني: أنه عائد إلى قوله {كَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ } وخرج على هذا المعنى، لأن قوله {كَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ } إنما أشير به إلى الجنس، والجنس في حكم العام، قال القفال رحمه الله: وفيه وجه ثالث، وهو أن يكون ذلك مردوداً على قوله {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلأَذَىٰ } فإنكم إذا فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم، فرجع عن الخطاب إلى الغائب، كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وجرين بِهِمُ } تفسير : [يونس: 22]. ثم قال: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } ومعناه على قولهم: سلب الإيمان، وعلى قول المعتزلة: إنه تعالى يضلهم عن الثواب وطريق الجنة بسوء اختيارهم. ثم قال تعالى: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمُ ٱبْتِغَاء مَرْضَاتَ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَٱللَّهُ بِمَا تعملون بصير}. إعلم أن الله تعالى لما ذكر مثل المنفق الذي يكون ماناً ومؤذياً ذكر مثل المنفق الذي لا يكون كذلك، وهو هذه الآية، وبيّن تعالى أن غرض هؤلاء المنفقين من هذا الانفاق أمران أحدهما: طلب مرضاة الله تعالى، والابتغاء افتعال من بغيت أي طلبت، وسواء قولك: بغيت وابتغيت. والغرض الثاني: هو تثبيت النفس، وفيه وجوه أحدها: أنهم يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها، ومن جملة ذلك ترك إتباعها بالمن والأذى، وهذا قول القاضي وثانيها: وتثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة مجاهد {وَتَثْبِيتًا مّنْ بَعْضُ أَنفُسِهِمْ } وثالثها: أن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية، إلا إذا صارت مقهورة بالمجاهدة، ومعشوقها أمران: الحياة العاجلة والمال، فإذا كلفت بإنفاق المال فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه، وإذا كلفت ببذل الروح فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه فلا جرم حصل بعض التثبيت، فلهذا دخل فيه {مِنْ } التي هي التبعيض، والمعنى أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كلها، وهو المراد من قوله {أية : وَتُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } تفسير : [الصف: 11] وهذا الوجه ذكره صاحب «الكشاف»، وهو كلام حسن وتفسير لطيف ورابعها: وهو الذي خطر ببالي وقت كتابة هذا الموضع: أن ثبات القلب لا يحصل إلا بذكر الله على ما قال: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } تفسير : [الرعد: 28] فمن أنفق ماله في سبيل الله لم يحصل له اطمئنان القلب في مقام التجلي، إلا إذا كان إنفاقه لمحض غرض العبودية، ولهذا السبب حكي عن علي رضي الله عنه أنه قال في إنفاقه {أية : إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً } تفسير : [الإنسان: 9] ووصف إنفاق أبي بكر فقال: {أية : وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تُجْزَىٰ إِلاَّ ٱبْتِغَاء وَجْهِ رَبّهِ ٱلأَعْلَىٰ، وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ } تفسير : [الليل: 19، 20، 21] فإذا كان إنفاق العبد لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وطلب الحض. فهناك اطمأن قلبه، واستقرت نفسه، ولم يحصل لنفسه منازعه مع قلبه، ولهذا قال أولاً في هذا الانفاق إنه لطلب مراضاة الله، ثم أتبع ذلك بقوله {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } وخامسها: أنه ثبت في العلوم العقلية، أن تكرير الأفعال سبب لحصول الملكات. إذا عرفت هذا فنقول: إن من يواظب على الانفاق مرة بعد أخرى لابتغاء مرضاة الله حصل له من تلك المواظبة أمران أحدهما: حصول هذا المعنى والثاني: صيرورة هذا الابتغاء والطلب ملكة مستقرة في النفس، حتى يصير القلب بحيث لو صدر عنه فعل على سبيل الغفلة والاتفاق رجع القلب في الحال إلى جناب القدس، وذلك بسبب أن تلك العبادة صارت كالعادة والخلق للروح، فإتيان العبد بالطاعة لله، ولابتغاء مرضاة الله، يفيد هذه الملكة المستقرة، التي وقع التعبير عنها في القرآن بتثبيت النفس، وهو المراد أيضاً بقوله {يُثَبّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } وعند حصول هذا التثبيت تصير الروح في هذا العالم من جوهر الملائكة الروحانية والجواهر القدسية، فصار العبد كما قاله بعض المحققين: غائباً حاضراً، ظاعناً مقيماً وسادسها: قال الزجاج: المراد من التثبيت أنهم ينفقونها جازمين بأن الله تعالى لا يضيع عملهم، ولا يخيب رجاءهم، لأنها مقرونة بالثواب والعقاب والنشور بخلاف المنافق، فإنه إذا أنفق عد ذلك الإنفاق ضائعاً، لأنه لا يؤمن بالثواب، فهذا الجزم هو المراد بالتثبيت وسابعها: قال الحسن ومجاهد وعطاء: المراد أن المنفق يتثبت في إعطاء الصدقة فيضعها في أهل الصلاح والعفاف، قال الحسن: كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإذا كان لله أعطى، وإن خالطه أمسك، قال الواحدي: وإنما جاز أن يكون التثبيت، بمعنى التثبيت، لأنهم ثبتوا أنفسهم في طلب المستحق، وصرف المال في وجهه، ثم إنه تعالى بعد أن شرح أن غرضهم من الانفاق هذان الأمران ضرب لإنفاقهم مثلاً، فقال: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وابن عامر {بِرَبْوَةٍ } بفتح الراء وفي المؤمنين {إِلَىٰ رَبْوَةٍ } وهو لغة تميم، والباقون بضم الراء فيهما، وهو أن أشهر اللغات ولغة قريش، وفيه سبع لغات {رَبْوَةٍ } بتعاقب الحركات الثلاث على الراء، و (رباوة) بالألف بتعاقب الحركات الثلاث على الراء، و (ربو) والربوة المكان المرتفع، قال الأخفش: والذي اختاره {رَبْوَةٍ } بالضم، لأن جمعها الربى، وأصلها من قولهم: ربا الشيء يربو إذا ازداد وارتفع، ومنه الرابية، لأن أجزاءها ارتفعت، ومنه الربو إذا أصابه نفس في جوفه زائد، ومنه الربا، لأنه يأخذ الزيادة. واعلم أن المفسرين قالوا: البستان إذا كان في ربوة من الأرض كان أحسن وأكثر ريعاً. /ولي فيه إشكال: وهو أن البستان إذا كان في مرتفع من الأرض كان فوق الماء ولا ترتفع إليه أنهار وتضربه الرياح كثيراً فلا يحسن ريعه، وإذا كان في وهدة من الأرض انصبت مياه الأنهار، ولا يصل إليه إثارة الرياح فلا يحسن أيضاً ريعه، فإذن البستان إنما يحسن ريعه إذا كان على الأرض المستوية التي لا تكون ربوة ولا وهدة، فإذن ليس المراد من هذه الربوة ما ذكروه، بل المراد منه كون الأرض طيناً حراً، بحيث إذا نزل المطر عليه انتفخ وربا ونما، فإن الأرض متى كانت على هذه الصفة يكثر ريعها، وتكمل الأشجار فيها، وهذا التأويل الذي ذكرته متأكد بدليلين أحدهما: قوله تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاء ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } تفسير : [الحج: 5] والمراد من ربوها ما ذكرنا فكذا هٰهنا والثاني: أنه تعالى ذكر هذا المثل في مقابلة المثل الأول، ثم كان المثل الأول هو الصفوان الذي لا يؤثر فيه المطر، ولا يربو، ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه، فكان المراد بالربوة في هذا المثل كون الأرض بحيث تربو وتنمو، فهذا ما خطر ببالي والله أعلم بمراده. ثم قال تعالى: {أَصَابَهَا وَابِلٌ فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو {أُكُلُهَا } بالتخفيف، والباقون بالتثقيل، وهو الأصل، والأكل بالضم الطعام لأن من شأنه أن يؤكل قال الله تعالى: {أية : تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا } تفسير : [إبراهيم: 25] أي ثمرتها وما يؤكل منها، فالأكل في المعنى مثل الطعمة، وأنشد الأخفش:شعر : فما أكلة إن نلتها بغنيمة ولا جوعة إن جعتها بقرام تفسير : وقال أبو زيد: يقال إنه لذو أُكُل إذا كان له حظ من الدنيا. المسألة الثانية: قال الزجاج: {آتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ } يعني مثلين لأن ضعف الشيء مثله زائداً عليه، وقيل ضعف الشيء مثلاه قال عطاء: حملت في سنة من الريع ما يحمل غيرها في سنتين، وقال الأصم: ضعف ما يكون في غيرها، وقال أبو مسلم: مثلي ما كان يعهد منها. ثم قال تعالى: {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } الطل: مطر صغير الفطر، ثم في المعنى وجوه: الأول: المعنى أن هذه الجنّة إن لم يصبها وابل فيصيبها مطر دون الوابل، إلا أن ثمرتها باقية بحالها على التقديرين لا ينقص بسبب انتقاص المطر وذلك بسبب كرم المنبت الثاني: معنى الآية إن لم يصبها وابل حتى تضاعف ثمرتها فلا بد وأن يصيبها طل يعطي ثمراً دون ثمر الوابل، فهي على جميع الأحوال لا تخلوا من أن تثمر، فكذلك من أخرج صدقة لوجه الله تعالى لا يضيع كسبه قليلاً كان أو كثيراً. ثم قال: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } والمراد من البصير العليم، أي هو تعالى عالم بكمية النفقات وكيفيتها، والأمور الباعثة عليها، وأنه تعالى مجاز بها إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} إبتداءِ والخبر محذوف، أي قول معروف أولى وأمثل؛ ذكره النحاس والمهدويّ. قال النحاس: ويجوز أن يكون «قَوْلٌ مَعْرُوفٌ» خبر ابتداء محذوف، أي الذي أُمرتم به قولٌ معروف. والقول المعروف هو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله، خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة وفي باطنها لا شيء؛ لأن ذكر القول المعروف فيه أجر وهذه لا أجر فيها. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : الكلمة الطيبة صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طَلِق»تفسير : أخرجه مسلم. فيتلقّى السائل بالبشر والترحيب، ويقابله بالطلاقة والتقريب؛ ليكون مشكوراً إن أعطى ومعذوراً إن منع. وقد قال بعض الحكماء: ٱلق صاحب الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره. وحكى ابن لنكك أن أبا بكر بن دُرَيْد قصد بعض الوزراء في حاجة لم يقضها وظهر له منه ضجر فقال:شعر : لا تدخلنّك ضَجْرةٌ من سائلٍ فَلخيرُ دهرِك أن تُرى مَسؤولا لا تَجْبَهنْ بالردِّ وجهَ مُؤمِّلٍ فبقاءُ عِزِّك أن تُرى مأمُولا تلقَى الكريمَ فتستدلّ ببِشْره وتَرى العُبُوس على اللّئيم دَليلا وٱعلمْ بأنك عن قليل صائرٌ خبراً فكُنْ خَبراً يَروق جَميلاً تفسير : وروي من حديث عمر رضي الله عنه قال قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منها ثم رُدّوا عليه بوَقَار ولِين أو ببَذْلٍ يسير أو رَدّ جميل فقد يأتيكم من ليس بإنس ولا جانّ ينظرون صنيعكم فيما خوّلكم الله تعالى».تفسير : قلت: دليله حديث أبرص وأقرع وأعمى، خرّجه مسلم وغيره. وذلك أن ملكاً تصوّر في صورة أبْرَصَ مرةً وأقْرَع أُخرى وأعْمى أُخرى امتحاناً للمسؤول. وقال بِشْر بن الحارث: رأيت علياً في المنام فقلت: يا أمير المؤمنين! قل لي شيئاً ينفعني الله به؛ قال: ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء رغبة في ثواب الله تعالى، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بموعود الله. فقلت: يا أمير المؤمن زِدني؛ فولَّى وهو يقول:شعر : قد كنتَ مَيْتاً فصرتَ حيّا وعن قليل تصير مَيْتَا فاخرب بدار الفناء بَيْتاً وٱبن بدار البقاء بيتا تفسير : الثانية ـ قوله تعالى: {وَمَغْفِرَةٌ} المغفرة هنا: الستر للخَلّة وسوء حالة المحتاج؛ ومن هذا قول الأعرابيّ ـ وقد سأل قوماً بكلام فصيح فقال له قائل: مِمّن الرجل؟ فقال له: اللهم غَفْرا سُوءُ الاكتساب يمنع من الانتساب. وقيل: المعنى تجاوزٌ عن السائل إذا ألحّ وأغلظ وجفَى خيرٌ من التصدّق عليه مع المنِّ والأذى؛ قال معناه النقّاش. وقال النحاس: هذا مشكل يبيّنه الإعراب. «مَغْفِرَةٌ» رفع بالابتداء والخبر {خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ}. والمعنى والله أعلم وفِعل يؤدي إلى المغفرة خير من صدقة يتبعها أذى، وتقديره في العربية وفعل مغفِرةٍ. ويجوز أن يكون مثل قولك: تفضُّلُ الله عليك أكْبَرُ من الصدقة التي تَمُنّ بها، أي غفران الله خير من صدقتكم هذه التي تمُنّون بها. الثالثة ـ قوله تعالى: {وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} أخبر تعالى عن غناه المطلق أنه غني عن صدقة العِباد؛ وإنما أمر بها ليُثِيبهم، وعن حلمه بأنه لا يعاجل بالعقوبة مَنْ مَنّ وأذى بصدقته.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } كلام حسن وردٌّ على السائل جميل {وَمَغْفِرَةٌ } له في إلحاحه {خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى } بالْمن وتعيير له بالسؤال {وَٱللَّهُ غَنِىٌّ } عن صدقة العباد {حَلِيمٌ } بتأخير العقوبة عن المانّ والمؤذى.
ابن عطية
تفسير : هذا إخبار جزم من الله تعالى أن القول المعروف وهو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله، خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة، وفي باطنها لا شيء. لأن ذلك القول المعروف فيه أجر، وهذه لا أجر فيها. وقال المهدوي وغيره التقدير في إعرابه {قول معروف} أولى {ومغفرة خير}. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا ذهاب برونق المعنى، وإنما يكون المقدر كالظاهر، والمغفرة الستر للخلة وسوء حالة المحتاج. ومن هذا قول الأعرابي، وقد سأل قوماً بكلام فصيح، فقال له قائل: ممن الرجل؟ فقال اللهم غفراً، سوء الاكتساب يمنع من الانتساب، وقال النقاش: يقال معناه ومغفرة للسائل إن أغلظ أو جفا إذا حرم، ثم أخبر تعالى بغناه عن صدقة من هذه حاله وعاقبة أمره، وحمله عمن يمكن أن يواقع هذا من عبيده وإمهالهم. وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} الآية، والعقيدة أن السيئات لا تبطل الحسنات، فقال جمهور العلماء في هذه الآية: إن الصدقة التي يعلم الله في صاحبها أنه يمن أو يؤذي فإنها لا تتقبل صدقة، وقيل بل جعل الله للملك عليها أمارة فلا يكتبها. قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن، لأن ما نتلقى نحن عن المعقول من بني آدم فهو أن المن المؤذي ينص على نفسه أن نيته لم تكن لله عز وجل على ما ذكرناه قبل، فلم تترتب له صدقة، فهذا هو بطلان الصدقة بالمنّ والأذى، والمن والأذى في صدقة لا يبطل صدقة غيرها، إذ لم يكشف ذلك على النية في السليمة ولا قدم فيها، ثم مثل الله هذا الذي يمن ويؤذي بحسب مقدمة نيته بالذي {ينفق رئاء} لا لوجه الله، والرياء مصدر من فاعل من الرؤية. كأن الرياء تظاهر وتفاخر بين من لا خير فيه من الناس. قال المهدوي والتقدير كإبطال الذي ينفق رئاء، وقوله تعالى: {ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} يحتمل أن يريد الكافر الظاهر الكفر، إذ قد ينفق ليقال جواد وليثنى عليه بأنواع الثناء ولغير ذلك. ويحتمل أن يريد المنافق الذي يظهر الإيمان. ثم مثل هذا المنفق رئاء بـــ {صفوان عليه تراب} فيظنه الظانُّ أرضاً منبتة طيبة كما يظن قوم أن صدقة هذا المرائي لها قدر أو معنى، فإذا أصاب الصفوان وابل من المطر انكشف ذلك التراب وبقي صلداً، فكذلك هذا المرائي إذا كان يوم القيامة وحصلت الأعمال انكشف سره وظهر أنه لا قدر لصدقته ولا معنى. فالمن والأذى والرياء يكشف عن النية. فيبطل الصدقة كما يكشف الوابل الصفا فيذهب ما ظن أرضاً. وقرأ طلحة بن مصرف "رياء الناس" بغير همز. ورويت عن عاصم. والصفوان الحجر الكبير الأملس. قيل هو جمع واحدته صفوانة. وقال قوم واحدته صفواة، وقيل هو إفراد وجمعه صفى، وأنكره المبرد وقال: إنما هو جمع صفا، ومن هذا المعنى الصفواء والصفا. قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : كميت يزل اللبد عن حال متنه كما زلت الصفواء بالمتنزل تفسير : وقال أبو ذؤيب: [الكامل] شعر : حتى كأني للحوادث مروة بصفا المشقَّرِ كلَّ يومٍ تقرع تفسير : وقرأ الزهري وابن المسيب "صفَوان" بفتح الفاء، وهي لغة، والوابل الكثير القوي من المطر وهو الذي يسيل على وجه الأرض، والصلد من الحجارة الأملس الصلب الذي لا شيء فيه، ويستعار للرأس الذي لا شعر فيه، ومنه قول رؤبة: [الرجز] شعر : بَرَّاق أصْلادِ الْجَبينِ الأجْلَهِ تفسير : قال النقاش: الصلد الأجرد بلغة هذيل، وقوله تعالى: {لا يقدرون} يريد به الذين ينفقون رئاء، أي لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم ذلك وهو كسبهم، وجاءت العبارة بــــ {يقدرون} على معنى الذي. وقد انحمل الكلام قبل على لفظ الذي، وهذا هو مهيع كلام العرب ولو انحمل أولاً على المعنى لقبح بعد أن يحمل على اللفظ، وقوله تعالى: {والله لا يهدي القوم الكافرين} إما عموم يراد به الخصوص في الموافي على الكفر، وإما أن يراد به أنه لم يهدهم في كفرهم بل هو ضلال محض، وإما أن يريد أنه لا يهديهم في صدقاتهم وأعمالهم وهم على الكفر، وما ذكرته في هذه الآية من تفسير لغة وتقويم معنى فإنه مسند عن المفسرين وإن لم تجىء ألفاظهم ملخصة في تفسيره إبطال المن والأذى للصدقة.
ابن عبد السلام
تفسير : {قَوْلٌ مَّعْروفٌ} حسن {وَمَغْفِرَةٌ} وعفو عن أذى السائل، أو سلامة عن المعصية.
الخازن
تفسير : {قول معروف} أي كلام حسن ورد جميل على الفقير السائل وقيل: عدة حسنة توعده بها، وقيل: دعاء صالح تدعو له بظهر الغيب {ومغفرة} أي تستر عليه خلته وفقره ولا تهتك ستره وقيل هو أن يتجاوز عن الفقير إذا استطال عليه حالة رده {خير من صدقة} يعني هذا القول المعروف والمغفرة خير من الصدقة التي تدفعها إلى الفقير {يتبعها أذى} وهو أن يعطي الفقير الصدقة ويمن عليه بها ويعيره بقول أو يؤذيه بفعل {والله غني} أي مستغن عن صدقة العباد والغنى الكامل الغني الذي لا يحتاج إلى أحد وليس كذلك إلاّ الله تعالى {حليم} يعني أنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة على من يمن على عباده ويؤذي بصدقته. قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم} يعني أجور صدقاتكم {بالمن والأذى} يعني على السائل الفقير، وقال ابن عباس بالمن على الله تعالى والأذى لصاحبها ثم ضرب الله تعالى لذلك مثلاً فقال تعالى {كالذي} أي كإبطال الذي {ينفق ماله رئاء الناس} أي مراءاة لهم وسمعة ليروا نفقته ويقولوا: إنه سخي كريم {ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} يعني أن الرياء يبطل الصدقة ولا تكون النفقة مع الرياء من فعل المؤمنين لكن من فعل المنافقين لأن الكافر معلن بكفره غير مراء به {فمثله} أي مثل هذا المرائي بصدقته وسائر أعماله {كمثل صفوان} هو الحجر الأملس الصلب وهو واحد وجمع فمن جعله جمعاً قال واحده صفوانه ومن جعله واحداً قال جمعه صفي {عليه تراب} أي على ذلك الصفوان تراب {فأصابه وابل} يعني المطر الشديد العظيم القطر {فتركه صلداً} يعني ترك المطر ذلك الصفوان صلداً أملس لا شيء عليه من ذلك التراب، فهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق والمرائي والمؤمن المنان بصدقته يؤذي الناس يرى الناس أن لهؤلاء أعمالاً في الظاهر، كما يرى التراب على الصفوان فإذا جاء المطر أذهبه وأزاله وكذلك حال هؤلاء يوم القيامة، تبطل أعمالهم وتضمحل لأنها لم تكن لله تعالى كما أذهب الوابل ما على الصفوان من التراب {لا يقدرون على شيء مما كسبوا} أي لا يقدرون على ثواب شيء مما عملوا في الدنيا {والله لا يهدي القوم الكافرين} يعني الذين سبق في علمه أنهم يموتون على الكفر. روى البغوي بسنده عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنما أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر قال: الرياء يقال لهم يوم تجازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء" تفسير : (م) عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ".
ابن عادل
تفسير : في قوله: {مَّعْرُوفٌ} ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنه مبتدأٌ، وساغ الابتداء بالنَّكرة لوصفها، وللعطف عليها. و "مَغْفِرةٌ" عطفٌ عليه، وسوَّغ الابتداء بها العطف، أو الصِّفة المقدَّرة، إذ التَّقدير: ومغفرةٌ من السَّائل، أو من الله. و "خَيْرٌ" خبرٌ عنهما. وقال أبو البقاء في هذا الوجه: "والتَّقدير: وسبب مغفرة، لأنَّ المغفرة من الله تعالى، فلا تفاضل بينهما، وبين فعل العبد، ويجوز أن تكون المغفرة: مجاوزة المتصدّق، واحتماله للفقير، فلا يكون فيه حذف مضافٍ". الثاني: أنَّ {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} مبتدأٌ وخبره محذوفٌ، أي: أمثل، أو أولى بكم، و "مَغْفِرَةٌ" مبتدأٌ، و "خَيْرٌ" خبرها، فهما جملتان، ذكره المهدوي وغيره. قال ابن عطيَّة: "وهذا ذهابٌ برونق المعنى". والثالث: أنَّه خبر مبتدأ محذوفٍ تقديره: المأمور به قولٌ معروفٌ. وقوله: {يَتْبَعُهَآ أَذًى} في محلِّ جرِّ صفةً لصدقةٍ، فإن قيل لم يعد ذكر المنِّ فيقول: يتبعها منٌّ، وأذى. فالجواب؛ لأنَّ الأذى يشمل المنَّ، وغيره، وإنَّما نصَّ عليه في قوله: {أية : لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى}تفسير : [البقرة:262] لكثرة وقوعه من المتصدِّقين، وعسر تحفُّظهم منه، ولذلك قدِّم على الأذى. فصل القول المعروف: هو القول الذي تقبله القلوب، والمراد منه هنا: ردُّ السَّائل بطريقٍ حسنٍ. وقال عطاءٌ: عِدَةٌ حسنة. وقال القرطبيُّ: وروي من حديث عمر - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إِذَا سأَلَ السَّائِلُ فَلاَ تَقْطَعُوا عَلَيْهِ مَسْأَلَتَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ رُدّوا عليه بِوَقَارٍ، وَلِينٍ، أو ببذل يَسِيرٍ، أوْ رَدٍّ جميلٍ، فقد يأْتِيكُم مَنْ لَيْسَ بإِنْسٍ ولا جَانّ يَنْظُرُونَ صَنِيعَكُم فيما خَوَّلَكُمُ اللهُ تعالى ". تفسير : وأمَّا المغفرة فقيل: هي العفو عن بذاءة الفقير، والصَّفح عن إساءته فإنه إذا ردَّ بغير مقصوده؛ شقَّ عليه ذلك، فربَّما حمله ذلك على بذاءة اللِّسان. وقيل المراد ونيل مغفرةٍ من الله بسبب ذلك الردّ الجميل. وقال الضَّحَّاك: نزلت في إصلاح ذات البين. وقيل المراد: أن يستر حاجة الفقير، فلا يهتك ستره، ولا يذكر حاله عند من يكره الفقير وقوفه على حاله. وقيل: إن قوله {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} خطابٌ مع المسؤول بأن يردّ السَّائل بأحسن الطُّرق. وقوله "مَغْفِرَةٌ": خطابٌ مع السَّائل بأن يعذر المسؤول في ذلك الرَّدِّ، فإنَّه ربَّما لم يقدر على ذلك المطلوب في تلك الحالة، ثمَّ بيَّن تعالى أنَّ فعل الرَّجل لهذين الأمرين خير له من صدقةٍ يتبعها أذى؛ لأنَّه إذا أعطى، وأَتْبع الإعطاء بالأذى، فقد جمع بين النفقة والإضرار. وأمَّا القول المعروف، فقيه نفعٌ بلا ضررٍ؛ لأنَّه يتضمَّن إيصال السُّرور إلى قلب المسلم، فكان خيراً من الأوَّل. قال بعضهم: الآية الكريمة واردة في التَّطوُّع؛ لأنَّ الواجب لا يحلُّ منعه ولا ردّ السّائل منه، ويحتمل أن يراد به الواجب، فإنَّه قد يعدِل به عن سائلٍ إلى سائلٍ، وعن فقيرٍ إلى فقيرٍ. ثم قال: {وَٱللهُ غَنِيٌّ} عن صدقة العباد، وإنما أمركم بها ليثيبكم عليها {حَلِيمٌ} لم يتعجَّل بالعُقُوبة على من يمنّ، ويؤذي بصدقته.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما من صدقة أحب إلى الله من قول، ألم تسمع قوله {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى}؟ ". تفسير : وأخرج ابن ماجة عن أبي هريرة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علماً، ثم يعلمه أخاه المسلم ". تفسير : وأخرج المرهبي في فضل العلم والبيهقي في الشعب عن عبدالله بن عمرو "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما أهدى المرء المسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة حكمة، يزيده الله بها هدى أو يرده عن ردى ". تفسير : وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما تصدق الناس بصدقة مثل علم ينشر ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : نعم العطية كلمة حق تسمعها، ثم تحملها إلى أخ لك مسلم فتعلمها إياه ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله {قول معروف...} الآية. قال: رد جميل. يقول: يرحمك الله يرزقك الله، ولا ينتهره ولا يغلظ له القول. وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس قال: الغني الذي كمل في غناه، والحليم الذي كمل في حلمه.
ابو السعود
تفسير : {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} أي كلام جميل تقبله القلوبُ ولا تُنكِره يُرد به السائلُ من غير إعطاء شيءٍ {وَمَغْفِرَةٌ} أي سَترٌ لما وقع من السائل من الإلحاف في المسألة وغيره مما يَثقُل على المسؤول وصفحٌ عنه. وإنما صح الابتداءُ بالنكرة في الأول لاختصاصها بالوصف وفي الثاني بالعطف أو بالصفة المقدرة أي ومغفرة كائنة من المسؤول {خَيْرٌ} أي للسائل {مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} لكونها مشوبةً بضررِ ما يتبعها وخلوصِ الأولَيْن من الضرر، والجملة مستأنفةٌ مقرِّرة لاعتبار ترك إتباعِ المن والأذى، وتفسيرُ المغفرة بنيل مغفرةٍ من الله تعالى بسبب الرد الجميل أو بعفو السائل بناءً على اعتبار الخيرية بالنسبة إلى المسؤول يؤدّي إلى أن يكون في الصدقة الموصوفةِ بالنسبة إليه خيرٌ في الجملة مع بطلانها بالمرة {وَٱللَّهُ غَنِىٌّ} لا يُحوِجُ الفقراءَ إلى تحمل مؤنةِ المنِّ والأذى ويرزقُهم من جهةٍ أخرى {حَلِيمٌ} لا يعاجل أصحابَ المن والأذى بالعقوبة لا أنهم لا يستحقونها بسببهما، والجملةُ تذيـيلٌ لما قبلها مشتمِلٌ على الوعد والوعيد مقرِّرٌ لاعتبار الخيرية بالنسبة إلى السائل قطعاً. {يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} أقبل عليهم بالخطاب إثرَ بـيانٍ ما بطريق الغَيبة مبالغةً في إيجاب العمل بموجب النهي {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلأذَىٰ} أي لا تُحبِطُوا أجرَها بواحدٍ منهما {كَٱلَّذِى} في محل النصب إما على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي لا تُبطِلوها إبطالَ الذي {يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء ٱلنَّاسِ} وإما على أنه حالٌ من فاعل لا تُبطلوها مشابهين الذي ينفق، أي الذي يُبطل إنفاقَه بالرياء، وقيل من ضمير المصدر المقدر على ما هو رأيُ سيبويه، وانتصابُ رئاءَ إما على أنه عِلةٌ لينفق أي لأجل رئائهم أو على أنه حال من فاعله أي ينفق ماله مرائياً والمراد به المنافقُ لقوله تعالى: {وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأخِرِ} حتى يرجوَ ثواباً أو يخشى عقاباً. {فَمَثَلُهُ} الفاء لربط ما بعدها بما قبلها أي فمثل المرائي في الإنفاق وحالته العجيبة {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} أي حَجَرٍ أملسَ {عَلَيْهِ تُرَابٌ} أي شيء يسير منه {فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} أي مطرٌ عظيمُ القطر {فَتَرَكَهُ صَلْدًا} أملسَ ليس عليه شيءٌ من الغبار أصلاً {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ} لا ينتفعون بما فعلوا رياءً، ولا يجدون له ثواباً قطعاً كقوله تعالى: {أية : فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } تفسير : [الفرقان، الآية 23] والجملة استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال كأنه قيل: فماذا يكونُ حالُهم حينئذٍ فقيل: لا يقدِرون الخ ومن ضرورة كونِ مَثَلِهم كما ذُكر كونُ مَثَلِ من يُشبِهُهم وهم أصحابُ المن والأذى كذلك والضميران الأخيران للموصول باعتبار المعنى كما في قوله عز وجل: {أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُواْ}تفسير : [التوبة، الآية 69] لما أن المراد به الجنسُ أو الجمعُ أو الفريق كما أن الضمائرَ الأربعةَ السابقة له باعتبار اللفظ {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} إلى الخير والرشاد، والجملةُ تذيـيلٌ مقرِّر لمضمون ما قبله، وفيه تعريضٌ بأن كلاًّ من الرياء والمنِّ والأذى من خصائص الكفارِ ولا بد للمؤمنين أن يجتنبوها.
القشيري
تفسير : يعني قولٌ - للفقير المجرد - يرد به من تعرض له بإظهار العذر خير وأتم من صدقة المعجَبِ بفعله، وما يتبع من إلزام المنة فيه. ويقال إقرار منك مع الله بعجزك وجُرْمك، وغفران الله لك على تلك القالة - خبرٌ مِنْ صَدَقَةٍ بالمنِّ مشوبة، وبالأذى مصحوبة.
البقلي
تفسير : {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ} القول المعروف الانصاف لاخيك عند روية مكروه منه الذى يهيجك الغضب والمغفرة عفوك له عند قدرتك عليه خير من ان يعطيه شيئا وتوذيه وايضا ردك السائل بقول جميل وسترك عليه مما ترى منه من قبيح خير من اعطائك بالمن اووعدك مع المطلى ويقال اقرار منك مع الله لعجزك وجمرك وغفران الله تعالى على تلك المقالة خير من صدقه بالمن مشوبة وبالاذى مصحوبة.
اسماعيل حقي
تفسير : {قول معروف} رد جميل وهو ان يرد السائل بطريق جميل حسن تقبله القلوب والطباع ولا تنكره {ومغفرة} اى ستر لما وقع من السائل الالحاف فى المسألة وغيره مما يثقل على المسئول وصفح عنه {خير من صدقة يتبعها اذى} لان من جمع بين نفع الفقير واضراره حرم الثواب فان قالوا أى خير فى الصدقة التى فيها اذى حتى يقال هذا خير منه قلنا يعنى عندكم كذلك وهو كقوله تعالى {أية : قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة} تفسير : [الجمعة: 11]. اى عندكم ذلك خير لكن اعلموا ان هذا خير لكم فى الدنيا والآخرة مما تعدونه انتم خيرا {والله غنى} عما عندكم من الصدقة لا يحوج الفقراء الى تحمل مؤونة المن والاذى ويرزقهم من جهة اخرى {حليم} لا يعاجل اصحاب المن والاذى بالعقوبة لا انهم لا يستحقونها بسببهما. وفيه من السخط والوعيد لهم ما لا يخفى. قال فى مجالس حضرة الهدائى قدس سره وانما كان الرد الجميل خيرا من صدقة المان والمؤذى لان القول الحسن وان كان بالرد يفرح قلب السائل ويروح روحه ونفع الصدقة لجسده وسراية السرور لقلبه بالتبعية من تصور النفع فاذا قارن ما ينفع الجسد بما يؤذى الروح يكدر النفع حينئذ ولا ريب ان ما يروح الروح خير مما ينفع الجسد لان الروحانية اوقع فى النفوس واشرف. قال الشعبى من لم ير نفسه الى ثواب الصدقة احوج من الفقير الى صدقته فقد ابطل صدقته. وبالغ السلف فى الصدقة والتحرز فيها عن الريا فانه غالب على النفس وهو مهلك ينقلب فى القلب اذا وضع الانسان فى قبره فى صورة حية اى يؤلم ايلام الحية والبخل ينقلب فى صورة عقرب والمقصود فى كل انفاق الخلاص من رذيلة البخل فاذا امتزج به الرياء كان كانه جعل العقرب غذاء الحية فتخلص من العقرب ولكن زاد فى قوة الحية اذ كل صفة من الصفات المهلكة فى القلب انما غذاؤها وقوتها فى اجابتها الى مقتضاها. ثم ان الصدقة لا تنحصر فى المال بل تجرى فى كل معروف فالكلمة الطيبة والشفاعة الحسنة والاعانة فى حاجة واحد وعيادة مريض وتشييع جنازة وتطييب قلب مسلم كل ذلك صدقة شعر : كر خير كنى مراد يابى در هر دوجهان كشاد يابى احسان كن وبهر توئه خويش زادى بفرست توازين ييش تفسير : واعلم ان الدنيا وملكها لا اعتداد لها ـ حكى ـ عن بعض الملوك انه حبست الريح فى بطنه حتى قرب الى الهلاك فقال كل من يزيل عنى هذا البلاء اعطيته ملكى فسمعه شخص من اهل الله فجاء ومسح يده على بطنه فخرجت منه ريح منتنة وتعافى الملك من ساعته فقال يا سيدى اجلس على سرير المملكة انا عزلت نفسى فقال الرجل لا حاجة الى متاع قيمته ضرطة منتنة ولكن انت اتعظ من هذا فالشىء الذى اغتررت به قيمته هذا. وعن الحسن قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على اصحابه فقال "حديث : هل منكم من يريد ان يذهب الله عنه العمى ويجعله بصيرا. ألا انه من رغب فى الدنيا وطال امله فيها اعمى الله قلبه على قدر ذلك ومن زهد فى الدنيا وقصر امله اعطاه الله تعالى علما بغير تعلم وهدى بغير هداية. ألا انه سيكون بعدكم قوم لا يستقيم لهم الملك الا بالقتل والتجبر ولا الغنى الا بالفخر والبخل ولا المحبة الا باتباع الهوى. ألا فمن ادرك ذلك الزمان منكم فصبر للفقر وهو يقدر على الغنى وصبر على البغضاء وهو يقدر على المحبة وصبر على الذل وهو يقدر على العز لا يريد بذلك الا وجه الله تعالى اعطاه الله تعالى ثواب خمسين صديقاbr>". تفسير : وفى المثنوى شعر : كوزه جشم حريصان برنشد تاصدف قانع نشد بردر نشد
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {قول}: مبتدأ، و {خير}: خبر، والمسوِّغ الصفةُ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قول} جميل يقوله الإنسان للسائل في حال رده، حيث لم يجد ما يعطيه، {خير} وأفضل عند الله من الصدقة التي يتبعها المن والأذى، ومثال القول المعروف: الله يرزقنا وإياك رزقاً حسناً. والله يغنينا وإياك من فضله العظيم، وشبه ذلك من غير تعبيس ولا كراهية. {ومغفرة} للسائل والعفو عن جفوته وإلحاحه، {خير} أيضاً {من صدقة يتبعها} مَنٍّ، أو {أذى} للسائل، علم الحق جلّ جلاله أن الفقير إذا رُدَّ بغير نوال شقَّ عليه، فربما أطلق لسانه وأظهر الشكوى فأمر المسؤول بالعفو والتواضع. ولو شاء الحقّ تعالى لأغنى الجميع، لكنه أعطى الأغنياء ليظهر شكرهم، وابتلى الفقراء لينظر كيف صبرهم، {والله} تعالى {غني} عن أنفاق يصحبه مَنٌ أو أذى، {حليم} عن معالجة من يَمُنُّ أو يؤذي بالعقوبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: يُفهم من الآية أن حسنَ الخلق، ولينَ الجانب، وخفض الجناح، وكف الأذى، وحمل الجفاء، وشهود الصفاء، من أفضل الأعمال وأزكى الأحوال وأحسن الخلال، وفي الحديث:"حديث : إنَّ حُسْن الخُلق يعدل الصيام والقيام ". تفسير : وفي قوله: {والله غني حليم}: تربية للسائل والمسؤول، فتربية السائل: أن يستغني بالغنيِّ الكبير عن سؤال العبد الفقير، ويكتفي بعلم الحال عن المقال، وتربية المسؤول: أن يحلم عن جفوة السائل فيتلطف في الخطاب، ويحسن الرد والجواب. قال في شرح الأسماء: والتخلق بهذا الاسم - يعني الحليم - بالصفح عن الجنايات، والسمح فيما يقابلونه به من الإساءات، بل يجازيهم بالإحسان، تحقيقاً للحلم والغفران. هـ.
الطوسي
تفسير : القول المعروف معناه ما كان حسناً جميلاً لا وجه فيه من وجوه القبح، وهو أن تقول للسائل قولا معروفاً عليه حسناً من غير صدقة تعطيها إياه. وقال الحسن: وهو قول حسن لاعتراف العقل به, وتقبله إياه دون إنكاره له. والمغفرة ها هنا قيل في معناها ثلاثة أقوال. أولها - ستر الحلة على السائل. الثاني - قال الحسن: المغفرة له بالعفو عن ظلمه. الثالث - قال الجبائي: معناه أي سلامته في المعصية لأن حالها كحال المغفرة في الامان من العقوبة. اللغة: وقوله. {والله غني حليم} فالغني هو الحي الذي ليس بمحتاج، ومعناه ها هنا غني عن كل شيء من صدقة وغيرها. وإنما دعاكم إليها لينفعكم بها. وقال الرماني: الغني الواسع الملك فالله غني لأنه مالك لجميع الأشياء لأنه قادر عليها لا يتعذر عليه شيء منها. والغنى ضد الحاجة. تقول: غني يغنى غنى وأغناه اغتناء واستغنى استغناء وغنى غناء وتغنى تغنياً. والغناء ممدود: الصوت الحسن. ويقال فيه أغنية وأغاني والغنى: الكفاية للغنى به عن غيره. والمغنى المنزل غني بالدار: إذا أقام بها ومنه قوله {أية : كأن لم تغن بالأمس}تفسير : والغانية: الشابة المتزوجة لغناها بزوجها عن غيره. وهي أيضاً العفيفة لغناها بعفتها. والغنية الاستغناء. والحلم: الامهال بتأخير العقوبة للانابة، ولو وقع موقع حليم حميد أو عليم، لما حسن لأنه تعالى لما نهاهم أن يتبعوا الصدقة بالمن، بين أنهم إن خالفوا ذلك فهو غني عن طاعتهم حليم. في أن لا يعاجلهم بالعقوبة.
الجنابذي
تفسير : {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} جواب سؤالٍ مقدّر كأنّه قيل: ما يفعل من لا يقدر على ترك المنّ والاذى فى انفاقه؟ - فقال: قول معروف يعنى ما لا ينكره العرف والعقل مع عدم اجابة السّائل وعدم الاحسان اليه {وَمَغْفِرَةٌ} يعنى اغماض المسؤل عن قبائح السّائل وقبائح الحاجة او ستر على السّائل وسؤاله، او ادراك مغفرة الله بازاء القول المعروف {خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى} اكتفى عن المنّ بذكر الاذى فانّه نحو اذى، وأتى باداة التّفضيل بناء على مخاطبات العرف والاّ فلا فضيلة للصّدقة الّتى يتبعها اذى بل لها وبال كما مضى {وَٱللَّهُ غَنِيٌّ} عن صدقاتكم ليس امره بها لاجل حاجة له الى انفاقكم على عياله وانّما افقر بعض عباده لابتلاء بعض آخر لا لعدم قدرته على اغنائه {حَلِيمٌ} لا يعجل بعقوبة من يمنّ ويؤذى فى انفاقه وهو يدلّ على وبال المانّ بالانفاق.
اطفيش
تفسير : {قَوْلٌ مَعْروفٌ} مبتدأ ونعت والخبر {خير} والمعنى كلام حسن يرد المسئول السائل به، أو يقابل دعاءه به إن "دعا له مثل" أن يقول: فتح الله لك، أو رزقك الله، أو أغناك الله. أو جازاك الله على احتياجك، ومثل أن يقول: لا يبقيك على هذه الحال أو أرجو الله فإنه لا يخيب راجيه، وقيل دعا بخير له بدون أن يسمعه السائل فى حاله، أو بعد أن يغيب، لأن الدعاء بظهر الغيب لأخيك تقول الملائكة فيه آمين فيجاب، وقيل: القول المعروف الوعد الحسن مثل أن يقول سأعطيك إن شاء الله، أو ائت وقت كذا أعطيك، ومعنى معروف تقلبه الطباع والقلوب، ولا تنكره ولا يخالف الشرع. {ومَغْفِرةٌ}: معطوف على المبتدأ، وسوغ عطفه على المبتدأ كونه معطوفا على ما ساغ الابتداءُ به، أو المراد نوع من المغفرة، وهو أن يستر حاجة السائل واحتياجه وفقره، فإن المغفرة الستر، وقيل ألا يعاقب السائل بضرب أو كلام أو نحوه إذا أساء إليه السائل لرده. ويدخل فيه ألا ينهره إن ألح فى السؤال، أو يعطيه ثم يجئ يسأل ويعطيه مثلا، ودخل فى المغفرة ألا يسأله من أنت إن كان يستحى، سأل أعرابى قوما بكلام فصيح فقال له قائل: مم الرجل؟ فقال: اللهم اغفر سوء الاكتساب بمنع من الانتساب. والمعنى أنه سأل الله المغفرة لذنوبه مطلقا أو استشعر أن ذنوبه أوصلته إلى السؤال للحاجة، ثم ذم السؤال بقوله: سواء أى ساءنى سوء حالى، أو أتاح الله سوء، وذلك الاكتساب، وهو السؤال بمنع من الانتساب، لأنه مما يستحى منه، ولو كان الاكتساب بتجرأ وبتعن لم يستح من إظهار نسبه، وأجيز أن يكون المراد المغفرة من الله لذنوب المسئول بالرد الجميل، أو مغفرة من السائل إذا رده، ويقول لعله لم يجد ما يعطينى أو لم يقدر على حاجتى أو إذا جفاه المسئول. {خَيرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبعُها أذىً}: هو شامل للمن كما مر أن الأذى أعم من أو التقدير يتبعها أذى، أو من ولفظ أذى هنا فاعل، وكان ذلك خيراً لأن المن والأذى ضر، وقد يكون كبيرا، وعلى كل حال يحتاج إلى تدراركه بالتوبة والاستحلال، أو بزيادة خير له بدل الضر، وأثبت مع ذلك شأنا للصدقة بحسب ظن المسئول، أنهُ يثبت له الثواب مع ذلك: {وَاللّهُ غَنِىٌّ}: عن إنفاق يتبعه المن أو الأذى. {حَلِيمٌ}: لا يعاجل بالعقوبة على المن والأذى، فالواجب على المكلف إخلاص صدقته عنهما، وهى ممكنة بالقليل والكثير، قال عبد الله بن عمر: كل معروف صدقة، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : كل معروف يصنعه المسلم إلى أخيه المسلم فهو صدقة"تفسير : وإيصال الصدقة خير من إرسالها. لما كف بصر حارثة بن النعمان جعل خيطا فى مصلاه إلى باب حجرته، ووضع عنده مكتالا فيه تمر وغير ذلك، فكان إذا سأل المسكين أخذ من ذلك التمر، ثم أخذ بالخيط إلى باب الحجرة، فيناله المسكين، فكان أهله يقولون نحن نكفيك، فيقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن مناولة المسكين تقى ميتة السوء .
اطفيش
تفسير : {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} لدى الحاجة أو السائل بلا إنفاق عليه، كرزقك الله، أو أغناك عن السؤال، أو أزال حاجتك، أو سأعطيك إن شاء الله تعالى {وَمَغْفِرَةٌ} له فيما يكره المسئول كإلحاح وكثرة الرجوع إلى السؤال بعد الإعطاء، وأجاز بعض ان تكون المغفرة من الله للمسئول بتحمل ما يكره من السائل. وأن تكون مغفرة للسائل فيما يشق عليه من رد المسئول خيراً للمسئول من تلك الصدقة، ورد بأن هذا ليس فى سخص واحد، والكلام على شخص واحد {خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} يشمل المن، والمراد أنها خير للسائل، لأن له نفعا فى الصدقة التى يتبعها أذى، ولكن تركها وإبدالها بالقول المعروف أنفع له لا خير للمسئول، لأنه لا ثواب له مع الأذى، ومثله كمثل صفوان.. الخ {وَاللهُ غَنِىٌّ} عن صدقة العباد. ونفعها عائد إليهم، ويرزق الفقراء من حيث شاء، لوسع طوله، فليس يلزمهم الاستكانة للمن والأذى، أو عنى عن صدقة بمعنى أو أذى {حَلِيمٌ} لا يعاجل المان والمؤدى بالعقاب.
الالوسي
تفسير : {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} أي كلام جميل يرد به السائل مثل يرحمك الله يرزقك الله إن شاء الله تعالى أعطيك بعد هذا {وَمَغْفِرَةٌ} أي ستر لما وقع من السائل من الإلحاف في المسألة وغيره مما يثقل على المسؤول وصفح عنه {خَيْرٌ} للسائل {مّن صَدَقَةٍ} عليه {يَتْبَعُهَا} من المتصدق {أَذًى} له لكونها مشوبة بضرر ما يتبعها وخلوص الأوليين من الضرر، وقيل: يحتمل أن يراد بالمغفرة مغفرة الله تعالى للمسؤول بسبب تحمله ما يكره من السائل أو مغفرة السائل ما يشق عليه من رد المسؤول خير للمسؤول من تلك الصدقة، وفيه أن الأنسب أن يكون المفضل والمفضل عليه في هذا المقام كلاهما صفتي شخص واحد ـ وعلى هذين الوجهين ـ ليس كذلك على أن اعتبار الخيرية فيهما يؤدي إلى أن يكون في القصة الموصوفة بالنسبة إليه خير في الجملة مع بطلانها بالمرة، وجعل الكلام من باب هو خير من لا شيء ليس بشيء، والجملة مستأنفة مقررة لاعتبار ترك اتباع المنّ والأذى، وإنما لم يذكر المنّ لأن الأذى يشمله وغيره، وذكره فيما تقدم اهتماماً به لكثرة وقوعه من المتصدقين وعسر تحفظهم عنه، وصح الابتداء بالنكرة في الأول: لاختصاصها بالوصف وفي الثاني: بالعطف أو بالصفة المقدرة، وقد يقال: إن المعطوف تابع لا يفتقر إلى مسوغ. {وَٱللَّهُ غَنِىٌّ} عن صدقات العباد وإنما أمرهم بها لمصلحة تعود إليهم أو عن الصدقة بالمنّ والأذى فلا يقبلها، أو غني لا يحوج الفقراء إلى تحمل مؤونة المنّ والأذى ويرزقهم من جهة أخرى {حَلِيمٌ} فلا يعجل بالعقوبة على المنّ والإيذاء لا أنهم لا يستحقونها بسببهما، والجملة تذييل لما قبلها مشتملة على الوعد والوعيد مقررة لاعتبار الخيرية بالنسبة إلى السائل قطعاً.
ابن عاشور
تفسير : تخلُّص من غرض التنويه بالإنفاق في سبيل الله إلى التنويه بضرب آخر من الإنفاق وهو الإنفاق على المحاويج من الناس، وهو الصدقات. ولم يتقدم ذكر للصدقة إلاّ أنّها تخطر بالبال عند ذكر الإنفاق في سبيل الله، فلما وصف الإنفاق في سبيل الله بصفة الإخلاص لله فيه بقوله: { أية : الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما انفقوا } تفسير : [البقرة: 262] الآية انتقل بمناسبة ذلك إلى طرد ذلك الوصف في الإنفاق على المحتاجين؛ فإنّ المنّ والأذى في الصدقة أكثر حُصولاً لكون الصدقة متعلّقة بأشخاص معيّنين، بخلاف الإنفاق في سبيل الله فإن أكثر من تنالهم النفقة لا يعلمهم المنفِق. فالمنّ على المتصدّق عليه هو تذكيره بالنعمة كما تقدم آنفاً. ومن فقرات الزمخشري في «الكَلِم النَّوابغ»: «طَعْمُ الآلاء أحْلى من المنّ. وهوَ أمَرُّ من الآلاء عند المنّ» الآلاء الأول النعم والآلاء الثاني شَجر مُر الورق، والمنّ الأول شيء شِبْه العسل يقع كالنَّدَى على بعض شجر بادية سِينا وهو الذي في قوله تعالى: { أية : وأنزلنا عليكم المن والسلوى } تفسير : [البقرة: 57]، والمنّ الثاني تذكير المنَعم عليه بالنعمة. والأذى الإساءة والضرّ القليل للمنعم عليه قال تعالى: { أية : لن يضروكم إلا أذى } تفسير : [آل عمران: 111]، والمراد به الأذى الصريح من المنعِم للمنعم عليه كالتطاول عليه بأنّه أعطاه، أو أن يتكبّر عليه لأجل العطاء، بله تعيِيره بالفقر، وهو غير الأذى الذي يحصل عند المن. وأشار أبو حامد الغزالي في كتاب الزكاة من «الإحياء» إلى أنّ المنّ له أصل ومغرس وهو من أحوال القلب وصفاته، ثم تتفرّع عليه أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح. ومنبع الأذى أمران: كراهية المعطي إعطاءَ ماله وشدّةُ ذلك على نفسه ورؤيتُه أنّه خير من الفقير، وكلاهما منشؤهُ الجهل؛ فإنّ كراهية تسليم المال حمق لأنّ من بذل المال لطلب رضا الله والثواب فقد علم أنّ ما حصل له من بذل المال أشرف ممّا بذله، وظنَه أنّه خير من الفقير جهل بِخطر الغنَى، أي أنّ مراتب الناس بما تتفاوت به نفوسهم من التزكية لا بعوارض الغنى والفقر التي لا تنشأ عن درجات الكمال النفساني. ولما حذّر الله المتصدّق من أن يؤذي المتصدّق عليه عُلِم أنّ التحذير من الإضرار به كشتمه وضربه حاصلٌ بفحوى الخطاب لأنّه أوْلى بالنهي. أوْسع اللَّهُ تعالى هذا المقام بيَاناً وترغيباً وزجراً بأساليب مختلفة وتفنّنات بديعة فنّبهنا بذلك إلى شدّة عناية الإسلام بالإنفاق في وجوه البرّ والمعُونة. وكيف لا تكون كذلك وقوام الأمة دوران أموالها بينها، وإنّ من أكبر مقاصد الشريعة الانتفاع بالثروة العامة بين أفراد الأمة على وجوه جامعة بين رعْي المنفعة العامة ورعي الوجدان الخاص، وذلك بمراعاة العدل مع الذي كدّ لجمع المال وكسبه، ومراعاةِ الإحسان للذي بطَّأ به جُهده، وهذا المقصد من أشرف المقاصد التشريعية. ولقد كان مقدار الإصابة والخطإ فيه هو ميزان ارتقاء الأمم وتدهورها، ولا تجد شريعة ظهرت ولا دعاة خير دعَوا إلاّ وهم يجعلون لتنويل أفراد الأمة حَظاً من الأموال التي بين أيدي أهل الثروة وموضعاً عظيماً من تشريعهم أو دعوتهم، إلاّ أنّهم في ذلك متفاوتون بين مقارب ومقصِّر أو آمِل ومُدَبِّر، غير أنّك لا تجد شريعة سدّدت السهم لهذا الغرض. وعرفت كيف تفرق بين المستحبّ فيه والمفتَرض. ومثل هذه الشريعة المباركة، فإنّها قد تصرّفت في نظام الثروة العامة تصرّفاً عجيباً أقامته على قاعدة توزيع الثروة بين أفراد الأمة، وذلك بكفاية المحتاج من الأمة مؤونة حاجته، على وجوه لا تحرم المكتسب للمال فائدة اكتسابه وانتفاعه به قبل كل أحد. فأول ما ابتدأت به تأمين ثقة المكتسب ــــــ بالأمن على ماله ــــــ من أن ينتزعه منه مُنتزع إذ قال تعالى: { أية : يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } تفسير : [النساء: 29] وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: « حديث : إن دماءَكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا »، تفسير : سمع ذلك منه مائة ألف نفس أو يزيدون وتناقلوه في آفاق الإسلام حتى بلغ مبلغ التواتر، فكان من قواعد التشريع العامة قاعدة حفظ الأموال لا يستطيع مسلم إبطالها. وقد أتْبعت إعلان هذه الثقةِ بحفظ الأموال بتفاريع الأحكام المتعلّقة بالمعاملات والتوثيقات، كمشروعية الرهن في السلف والتوثّق بالإشهاد كما تُصرّح به الآيات الآتية وما سوى ذلك من نصوص الشريعة تنصيصاً واستنباطاً. ثم أشارت إلى أنّ من مقاصدها ألاّ تبقى الأموال متنقّلة في جهة واحدة أو عائلة أو قبيلة من الأمة بل المقصد دورانها بقوله تعالى في آية الفيء: { أية : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللَّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كَيْلا يكون دُولةً بين الأغنياء منكم } تفسير : [الحشر: 7]، فضمير يكون عائد إلى ما أفاء الله باعتبار كونه مالاً أي كيلا يكون المال دُولة. والدُّولة ما يتداوله الناس من المال، أي شرْعنا صرفه لمن سمّيناهم دون أن يكون لأهل الجيش حق فيه، لينال الفقراءُ منه حظوظهم فيصبحوا أغنياء فلا يكون مُدالاً بين طائفة الأغنياء كما كانوا في الجاهلية يأخذ قادتهم المِرْبَاع ويأخذ الغزاة ثلاثة الأرباع فيبقى المال كله لطائفة خاصة. ثم عمدت إلى الانتزاع من هذا المال انتزاعاً منظّماً فجعلت منه انتزاعاً جبرياً بعضه في حياة صاحب المال وبعضه بعد موته. فأما الذي في حياته فهو الصدقات الواجبة، ومنها الزكاة، وهي في غالب الأحوال عشر المملوكات أو نصف عشرها أو ربع عشرها. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم وجه تشريعها بقوله لمعاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن « حديث : إن الله فرض عليهم زكاة تُؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم »، تفسير : وجعل توزيع ما يتحصّل من هذا المال لإقامة مصالح الناس وكفاية مؤن الضعفاء منهم، فصاروا بذلك ذوي حق في أموال الأغنياء، غير مهينين ولا مهددّين بالمنع والقساوة. والتفت إلى الأغنياء فوعدهم على هذا العطاء بأفضل ما وُعد به المحسنون، من تسميته قرضاً لله تعالى، ومن توفير ثوابه، كما جاءت به الآيات التي نحن بصدد تفسيرها. ويلحق بهذا النوع أخذ الخمس من الغنيمة مع أنّها حق المحاربين، فانتزع منهم ذلك وقال لهم: { أية : واعلموا أنّ ما غنمتم من شيء فإنّ للَّه خمسه وللرسول } تفسير : إلى قوله { أية : إن كنتم آمنتم بالله } تفسير : [الأنفال: 41] فحَرضهم على الرضا بذلك، ولا شك أنّه انتزعه من أيدي الذين اكتسبوه بسيوفهم ورماحهم. وكذلك يلحق به النفقات الواجبة غير نفقة الزوجة لأنّها غير منظور فيها إلى الانتزاع إذ هي في مقابلة تألُّف العائلة، ولا نفقةِ الأولاد كذلك لأنّ الداعي إليها جبلِيّ. أما نفقة غير البنين عند من يوجب نفقة القرابة فهي من قسم الانتزاع الواجب، ومن الانتزاع الواجب الكفارات في حنث اليمين، وفطر رمضان، والظهار، والإيلاء، وجزاء الصيد. فهذا توزيع بعض مال الحي في حياته. وأما توزيع المال بعد وفاة صاحبه فذلك ببيان فرائض الإرث على وجه لا يقبل الزيادة والنقصان. وقد كان العرب يعطون أموالهم لمن يحبّون من أجنبي أو قريب كما قدمنا بيانه في قوله: { أية : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت } تفسير : (180)، وكان بعض الأمم يجعل الإرث للأكبر. وجعل توزيع هذه الفرائض على وجه الرحمة بالناس أصحاب الأموال، فلم تعط أموالهم إلاّ لأقرب الناس إليهم، وكان توزيعه بحسب القرب كما هو معروف في مسائل الحجب من الفرائض، وبحسب الأحوجية إلى المال، كتفضيل الذكر على الأنثى لأنّه يعول غيره والأنثى يعولها غيرها. والتفت في هذا الباب إلى أصحاب الأموال فترك لهم حقّ التصرّف في ثلث أموالهم يعينون من يأخذه بعد موتهم على شرط ألاّ يكون وارثاً، حتى لا يتوسلوا بذلك إلى تنفيل وارث على غيره. وجعلت الشريعة من الانتزاع انتزاعاً مندوباً إليه غير واجب، وذلك أنواع المواساة بالصدقات والعطايا والهدايا والوصايا وإسلاف المعسر بدون مراباة وليس في الشريعة انتزاع أعيان المملوكات من الأصول فالانتزاع لا يعدو انتزاع الفوائد بالعدالة والمساواة. وجملة {قول معروف} إلى آخرها مستأنفة استئنافاً بيانياً. وتنكير {قول معروف} للتقليل، أي أقَلُّ قول معروف خير من صدقة يتبعها أذى. والمعروف هو الذي يعرفه الناس، أي لا ينكرونه. فالمرَاد به القول الحسن وهو ضدّ الأذى. والمغفرة هنا يراد بها التجاوز عن الإساءة أي تجاوز المتصدق عن الملحّ أو الجافي في سؤاله إلحاحَهُ أو جفاءهُ مثل الذي يسأل فيقول: أعطني حقّ الله الذي عندك أو نحو ذلك، ويراد بها أيضاً تجاوز الله تعالى عن الذنوب بسبب تلك الصدقة إذا كان معها قول معروف، وفي هذا تعْريض بأنّ الأذى يوشك أنْ يبطل ثواب الصدقة. وقوله: {والله غني حليم} تذييل للتذكير بصفتين من صفات الله تعالى ليتخلّق بهما المؤمنون وهما: الغِنَى الراجع إليه الترفّع عن مقابلة العطية بما يبرد غليل شحّ نفس المعطي، والحلمُ الراجع إليه العفو والصفح عن رعونة بعض العُفاة. والإبطال جعل الشيء باطلاً أي زائلاً غير نافع لما أُريدَ منه. فمعنى بطلان العمل عدم ترتّب أثره الشرعي عليه سواء كان العمل واجباً أم كان متطوّعاً به، فإن كان العمل واجباً فبطلانه عدم إِجزائه بحيث لا تبرأ ذمة المكلّف من تكليفه بذلك العمل وذلك إذا اختلّ ركن أو شرط من العمل. وإن كان العمل متطوّعاً به رجع البطلان إلى عدم الثواب على العمل لمانع شرعي من اعتبار ثوابه وهو المراد هنا جمعاً بين أدلة الشريعة. وقوله: {كالذي ينفق ماله رئاء الناس} الكاف ظرف مستقر هو حال من ضمير تبطلوا، أي لا تكونوا في إتْبَاع صدقاتكم بالمنّ والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس وهو كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وإنّما يعطي ليراه الناس وذلك عطاء أهل الجاهلية. فالموصول من قوله: {كالذي ينفق ماله} مراد به جنس وليس مراد به معَيّناً ولا واحداً، والغرض من هذا التشبيه تفظيع المشبّه به وليس المراد المماثلة في الحكم الشرعي، جمعاً بين الأدلة الشرعية. والرئاء ــــــ بهمزتين ــــــ فِعال مِن رأى، وهو أن يُكثر من إظهار أعماله الحسنة للناس، فصيغة الفعال فيه للمبالغة والكثرة، وأَولى الهمزتين أصلية والأخيرة مبدلة عن الياء بعد الألف الزائدة، ويقال رياء ــــــ بياء بعد الراء ــــــ على إبدال الهمزة ياء بعد الكسرة. والمعنى تشبيه بعض المتصدّقين المسلمين الذين يتصدّقون طلباً للثواب ويعقبون صدقاتهم بالمَنّ والأذى، بالمنفقين الكافرين الذين ينفقون أموالهم لا يطلبون من إنفاقها إلاّ الرئاء والمدحة ــــــ إذ هم لا يتطلّبون أجر الآخرة. ووجه الشبه عدم الانتفاع مِمَّا أعطوا بأزيدَ من شفاء ما في صدورهم من حبّ التطاول على الضعفاء وشفاء خُلق الأذى المتطبعين عليه دون نفع في الآخرة. ومُثّل حال الذي ينفق ماله رئاء الناس المشبِه به ــــــ تمثيلاً يسري إلى الذين يُتبعون صدقاتهم بالمنّ والأذى بقوله: {فمثله كمثل صفوان} إلخ ــــــ وضمير مثله عائد إلى الذي ينفق ماله رئاء للناس، لأنّه لما كان تمثيلاً لحال المشبّه به كان لا محالة تمثيلاً لحال المشبّه، ففي الكلام ثلاثة تشبيهات. مثَّل حال الكافر الذي ينفق ماله رئاء الناس بحال صفوان عليه تراب يغشيه، يعني يَخاله الناظر تربة كريمة صالحة للبذر، فتقدير الكلام عليه تراب صالحٌ للزرع فحذفت صفة التراب إيجازاً اعتماداً على أنّ التراب الذي يرقب الناس أن يصيبه الوابل هو التراب الذي يبذرون فيه، فإذا زرعه الزارع وأصابه وابل وطمع الزارع في زكاء زرعه، جرفه الماء من وجه الصفوان فلم يترك منه شيئاً وبقي مكانُه صلداً أملس فخاب أمل زارعه. وهذا أحسن وأدّق من أن نجعل المعنى تمثيل إنفاق الكافر بحال تراب على صفوان أصابه وابل فجرفه، وأنّ وجه الشبه هو سرعة الزوال وعدم القرار كقوله تعالى: { أية : مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف } تفسير : [إبراهيم: 18] فإنّ مورد تلك الآية مقام آخر. ولك أن تجعل كاف التشبيه في قوله تعالى: {كالذي ينفق ماله} صفة لمصدر محذوف دل عليه ما في لفظ صدقاتهم من معنى الإنفاق وحذف مضاف بين الكاف وبين اسم الموصول، والتقدير إنفاقاً كإنفاق الذي ينفق ماله رئاء الناس. وقد روعي في هذا التمثيل عكس التمثيل لمن ينفق مالَه في سبيل الله بحبّة أغَلَّتْ سبعمائة حَبَّة. فالتشبيه تشبيه مركب معقول بمركب محسوس. ووجه الشبه الأمل في حالة تغر بالنفع ثم لا تلبث ألاّ تأتي لآملها بما أمَّله فخاب أمله. ذلك أنّ المؤمنين لا يخلون من رجاء حصول الثواب لهم من صدقاتهم، ويكثر أن تعرض الغفلة للمتصدّق فيُتبع صدقته بالمنّ والأذى اندفاعاً مع خواطر خبيثة. وقوله: {لا يقدرون على شيء مما كسبوا} أوقع موقعاً بديعاً من نظم الكلام تنهال به معانٍ كثيرة فهو بموقعه كان صالحاً لأن يكون حالاً من الذي ينفق ماله رئاء الناس فيكون مندرجاً في الحالة المشبّهة، وإجراء ضمير كسبوا ضمير جمع لتأويل الذي ينفق بالجماعة، وصالحاً لأن يكون حالاً من مثل صفوان باعتبار أنّه مثل على نحو ما جوّز في قوله تعالى: { أية : أوكصيب من السماء } تفسير : [البقرة: 19] إذ تقديره فيه كمثل ذوي صيّب فلذلك جاء ضميره بصيغة الجمع رعياً للمعنى وإن كان لفظ المعاد مفرداً، وصالحاً لأن يجعل استينافاً بيانياً لأنّ الكلام الذي قبله يثير سؤال سائل عن مغبة أمر المشبّه، وصالحاً لأن يجعل تذييلاً وفذلكة لضرب المثل فهو عود عن بدء قوله: { أية : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } تفسير : [البقرة: 264] إلى آخر الكلام. وصالحاً لأن يجعل حالاً من صفوان أي لا يقدرون على شيء ممّا كسبوا منه وحذف عائد الصلة لأنّه ضمير مجرور بما جرّ به اسم الموصول. ومعنى {لا يقدرون} لا يستطيعون أن يسترجعوه ولا انتفعوا بثوابه فلم يبق لهم منه شيء. ويجوز أن يكون المعنى لا يحسنون وضع شيء ممّا كسبوا موضعه، فهم يبذلون ما لهم لغير فائدة تعود عليهم في آجلهم، بدليل قوله: {الله لا يهدي القوم الكافرين}. والمعنى فتركه صلداً لا يحصدون منه زرعاً كما في قوله: {أية : فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها } تفسير : [الكهف: 42]. وجملة {والله لا يهدي القوم الكافرين} تذييل والواو اعتراضية وهذا التذييل مسوق لتحذير المؤمنين من تسرّب أحوال الكافرين إلى أعمالهم فإنّ من أحوالهم المنّ على من ينفقون وأذاه.
د. أسعد حومد
تفسير : (263) - كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ، وَرَدٌّ جَميلٌ عَلَى سَائِلٍ، وَدُعَاءٌ لِمُسْلِمٍ، وَعَفْوٌ وَمَغْفِرَةٌ عَنْ ظُلْمٍ لَحِقَ بِالمُؤْمِنِ، خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يُتبعُها الإِنْسَانُ بِإيذاءِ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَيهِ، وَاللهُ غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، حَلِيمٌ يَغْفِرُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، وَيَصْفَحُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ما معنى {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} [البقرة: 263]؟ إننا في العادة نجد أن المعروف مقابل للمنكر، كأن الأمر الخَيِّر أمر متعارف عليه بالسجية، وكأن المتعارف عليه دائماً من جنس الجمال ومن جنس الخير، أما الأمر الذي تنكره النفس فمن جنس الشر وجنس القبح. ولذلك يقول الحق: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} [البقرة: 263] فكأن من شأن الجمال ومن شأن الحسن أن يكون معروفاً، ومن شأن النقيض أن يكون منكراً، إذن فالقول المعروف هو أن ترد السائل الرد الجميل بحيث لا تمتلئ نفسه بالحفيظة عليك، وبحيث لا توبخه لأنّه سألك، وإذا كان السائل قد تجهم عليك تجهم المحتاج فاغفر له ذلك، لماذا؟ لأن هناك إنساناً تلهب ظهره سياط الحاجة، ويراك أهلاً لغنى أو ليسار أو جِدة وسعة من المال، وقد يزيد بالقول واللسان قليلاً عليك، وربما تجاوز أدب الحديث معك، فعليك أن تتحمله. وإذا كنت أنت أيها العبد تصنع المعاصي التي تغضب الله، ويحلم الحق عليك ويغفرها لك ولا يعذبك بها، فإذا ما صنع إنسان معك شيئاً فكن أيضاً صاحب قول معروف ومغفرة وحلم؛ إن الحق سبحانه يقول لنا: {أية : أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [النور: 22]؟ إننا جميعاً نحب أن يغفر الله لنا، ولذلك يجب أن نغفر لغيرنا وخصوصاً للمحتاج. والحق حين يقول: {وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} [البقرة: 263] ففي ذلك تنبيه للقادر الذي حرم الفقير، وكأنه يقول له: إنما حرمت نفسك أيها القادر من أجر الله. إنك أيها القادر حين تحرم فقيراً، فأنت المحروم؛ لأن الله غني عنك، وهو سبحانه يقول: {أية : هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم}تفسير : [محمد: 38]. إن الله غني بقدرته المطلقة، غني وقادر أن يستبدل بالقوم البخلاء قوماً يسخون بما أفاء الله عليهم من رزق في سبيل الله. فالذي يمسك عن العطاء إنما منع عن نفسه باب رحمة. ولذلك يقول الحق: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):