Verse. 271 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا لَا تُبْطِلُوْا صَدَقٰتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْاَذٰى۝۰ۙ كَالَّذِيْ يُنْفِقُ مَا لَہٗ رِئَاۗءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللہِ وَالْيَوْمِ الْاٰخِرِ۝۰ۭ فَمَثَلُہٗ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْہِ تُرَابٌ فَاَصَابَہٗ وَابِلٌ فَتَرَكَہٗ صَلْدًا۝۰ۭ لَا يَـقْدِرُوْنَ عَلٰي شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوْا۝۰ۭ وَاللہُ لَا يَہْدِي الْقَوْمَ الْكٰفِرِيْنَ۝۲۶۴
Ya ayyuha allatheena amanoo la tubtiloo sadaqatikum bialmanni waalatha kaallathee yunfiqu malahu riaa alnnasi wala yuminu biAllahi waalyawmi alakhiri famathaluhu kamathali safwanin AAalayhi turabun faasabahu wabilun fatarakahu saldan la yaqdiroona AAala shayin mimma kasaboo waAllahu la yahdee alqawma alkafireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم» أي أجورها «بالمن والأذى» إبطالا «كالذي» أي كإبطال نفقة الذي «ينفق ماله رئاء الناس» مرائيا لهم «ولا يؤمن بالله واليوم الآخر» هو المنافق «فمثله كمثل صفوان» حجر أملس «عليه تراب فأصابه وابل» مطر شديد «فتركه صلدا» صلبا أملس لا شيء عليه «لا يقدرون» استئناف لبيان مثل المنافق المنفق رئاء الناس وجمع الضمير باعتبار معنى الذي «على شيء مما كسبوا» عملوا أي لا يجدون له ثوابا في الآخرة كما لا يوجد على الصفوان شئ من التراب الذي كان عليه لإذهاب المطر له «والله لا يهدى القوم الكافرين».

264

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} قد تقدّم معناه. وعَبَّر تعالى عن عدم القبول وحرمان الثواب بالإبْطال، والمراد الصدقة التي يمُنُّ بها ويُؤْذِي، لا غيرها. والعقيدة أن السيئات لا تُبطل الحسنات ولا تُحبطها؛ فالمنّ والأذى في صدقة لا يُبطل صدقةً غيرها. قال جمهور العلماء في هذه الآية: إن الصدقة التي يعلم الله مِن صاحبها أنه يمنّ أو يؤذي بها فإنها لا تُقبل. وقيل: بل قد جعل الله للمَلك عليها أمارة فهو لا يكتبها؛ وهذا حسن. والعرب تقول لما يُمَنُّ به: يَدٌ سوداء. ولما يُعطي عن غير مسألة: يَدٌ بيضاء. ولما يُعطي عن مسألة: يَدٌ خضراء. وقال بعض البلغاء: مَنْ مَنّ بمعروفه سقط شكره، ومن أُعجب بعمله حَبَط أجره. وقال بعض الشعراء:شعر : وصاحب سلفتْ منه إليّ يَدٌ أبطا عليه مُكافاتي فَعَادانِي لمّا تيقّن أن الدهر حاربني أبدَى النّدامة فيما كان أوْلانِي تفسير : وقال آخر:شعر : أفسدتَ بالمنّ ما أسدَيْتَ من حَسَنٍ ليس الكريم إذا أسْدَى بمنّانِ تفسير : وقال أبو بكر الورّاق فأحسن:شعر : أحسَنُ من كلِّ حَسَنْ في كل وقت وزَمَنْ صنيعةٌ مَرْبُوبَةٌ خالية من المِنَنْ تفسير : وسمع ابن سيرين رجلاً يقول لرجل: فعلت إليك وفعلت! فقال له: اسكت فلا خير في المعروف إذا أُحْصِي. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر ـ ثم تلا ـ لاَ تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالمَنّ وَالاٌّذَى».تفسير : الثانية ـ قال علماؤنا رحمة الله عليهم: كره مالك لهذه الآية أن يُعطِي الرجل صدقته الواجبةَ أقاربَه لئلا يَعْتاضَ منهم الحمد والثناء، ويظهر منّته عليهم ويكافئوه عليها فلا تخلص لوجه الله تعالى. واستحب أن يعطيها الأجانب واستحب أيضاً أن يولَّى غيره تفريقها إذا لم يكن الإمام عدلاً؛ لئلا تحبط بالمنّ والأذى والشكر والثناء ولمكافأة بالخدمة من المُعْطَى. وهذا بخلاف صدقة التطوّع السّرّ؛ لأن ثوابها إذا حبط سلِم من الوعيد وصار في حكم من لم يفعل، والواجب إذا حبط ثوابه توّجه الوعيد عليه لكونه في حكم من لم يفعل. الثالثة ـ قوله تعالى: {كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ} الكاف في موضع نصب، أي إبطال «كالذي» فهي نعت للمصدر المحذوف. ويجوز أن تكون موضع الحال. مَثّل الله تعالى الذي يمنّ ويؤذِي بصدقته بالذي ينفق ماله رئاء الناس لا لوجه الله تعالى، وبالكافر الذي ينفق ليقال جواد وليُثْنَى عليه بأنواع الثناء. ثم مثّل هذا المنفِقَ أيضاً بصَفْوَان عليه تراب فيظنه الظانّ أرضاً مُنبتة طيِّبة، فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب وبقى صَلداً؛ فكذلك هذا المرائي. فالمنّ والأذى والرياء تكشف عن النية في الآخرة فتبطل الصدقة كما يكشف الوَابل عن الصَّفْوان، وهو الحجر الكبير الأملس. وقيل: المراد بالآية إبطال الفضل دون الثواب، فالقاصد بنفقته الرياء غير مُثَاب كالكافر؛ لأنه لم يقصِد به وجه الله تعالى فيستحق الثواب. وخالف صاحب المنّ والأذى القاصد وجه الله المستحق ثوابه ـ وإن كرر عطاءه ـ وأبطل فضله. وقد قيل: إنما يبطل من ثواب صدقته مِن وقتِ مَنِّهِ وإيذائه، وما قبل ذلك يكتب له ويضاعف؛ فإذا منّ وآذى انقطع التضعيف؛ لأن الصدقةَ تُرَبَّى لصاحبها حتى تكون أعظم من الجبل، فإذا خرجت من يد صاحبها خالصة على الوجه المشروع ضوعفت، فإذا جاء المنّ بها والأذى وقف بها هناك وانقطع زيادة التضعيف عنها؛ والقول الأوّل أظهر والله أعلم. والصّفْوَان جمعٌ واحده صَفْوانة؛ قاله الأخفش قال وقال بعضهم: صفوان واحد؛ مثل حجر. وقال الكسائي: صَفوان واحد وجمعه صِفْوان وصُفِيّ وصِفِيّ، وأنكره المبرّد وقال: إنما صُفِيّ جمع صَفَا كقفا وقُفِيّ، ومن هذا المعنى الصَّفْواء والصَّفَا، وقد تقدّم. وقرأ سعيد بن المسيب والزهريّ «صَفَوان» بتحريك الفاء، وهي لغة. وحكى قُطْرُب صِفْوان. قال النحاس: صَفْوان وصَفَوان يجوز أن يكون جمعاً ويجوز أن يكون واحداً، إلا أن الأوْلى به أن يكون واحداً لقوله عز وجل {عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} وإن كان يجوز تذكير الجمع إلا أن الشيء لا يخرج عن بابه إلا بدليل قاطع؛ فأما ما حكاه الكسائي في الجمع فليس بصحيح على حقيقة النظر، ولكن صِفْوان جمع صفاً، وصفاً بمعنى صَفْوان، ونظيره وَرَل ووِرْلان وأخ وإخْوَانِ وكراً وكرْوَان؛ كما قال الشاعر:شعر : لنا يوم وللْكِرْوَان يومٌ تَطيرُ البائسات ولا نَطيرُ تفسير : والضعيف في العربية كِرْوَان جمع كَرَوَان؛ وصُفِيّ وصِفِيّ جمع صَفاً مثل عَصاً. والوابل: المطر الشديد. وقد وَبَلَت السماء تَبِل، والأرض مَوْبُولة. قال الأخفش: ومنه قوله تعالى: {أية : فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً} تفسير : [المزمل: 16] أي شديداً. وضرب وَبِيل، وعذاب وَبِيل أي شديد. والصَّلْد: الأملس من الحجارة. قال الكسائي: صَلِد يَصْلَد صَلَداً بتحريك اللام فهو صَلْد بالإسكان، وهو كل ما لا ينبت شيئاً؛ ومنه جَبِينٌ أصْلَد؛ وأنشئد الأصمعيّ لرؤبة:شعر : بَـرّاقُ أَصْـلادِ الجَبِيـنِ الأَجْلَـه تفسير : قال النقاش: الأصلد الأجْرَد بلغة هُذَيْل. ومعنى {لاَّ يَقْدِرُونَ} يعني المرائي والكافر والمانّ {عَلَىٰ شَيْءٍ} أي على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم وهو كسبهم عند حاجتهم إليه؛ إذ كان لغير الله، فعبّر عن النفقة بالكسب؛ لأنهم قصدوا بها الكسب. وقيل: ضرب هذا مثلاً للمرائي في إبطال ثوابه، ولصاحب المنّ والأذى في إبطال فضله؛ ذكره الماوردي.

البيضاوي

تفسير : {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلأَذَىٰ} لا تحبطوا أجرها بكل واحد منهما. {كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِر} كإبطال المنافق الذي يرائي بإنفاقه ولا يريد به رضا الله تعالى ولا ثواب الآخرة، أو مماثلين الذي ينفق رئاء الناس، والكاف في محل النصب على المصدر أو الحال، و{رِئَاء} نصب على المفعول له أو الحال بمعنى مرائياً أو المصدر أي إنفاق {رِئَاء}. {فَمَثَلُهُ } أي فمثل المرائي في إنفاقه. {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} كمثل حجر أملس. {عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ } مطر عظيم القطر. {فَتَرَكَهُ صَلْدًا } أملس نقياً من التراب. {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْء مّمَّا كَسَبُواْ} لا ينتفعون بما فعلوا رئاء ولا يجدون له ثواباً، والضمير للذي ينفق باعتبار المعنى لأن المراد به الجنس، أو الجمع كما في قوله:شعر : إِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلجٍ دِمَاؤُهُم هُمُ القَومُ كُلَّ القَومِ يَا أُمَّ خَالدٍ تفسير : {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } إلى الخير والرشاد، وفيه تعريض بأن الرئاء والمن والأذى على الإنفاق من صفات الكفار ولا بد للمؤمن أن يتجنب عنها.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم } أي أجورها {بِٱلْمَنّ وَٱلأَذَىٰ } إبطالاً {كَٱلَّذِى } أي كإبطال نفقة الذي {يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء ٱلنَّاسِ } مرائياً لهم {وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } وهو المنافق {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ } حجر أملس {عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ } مطر شديد {فَتَرَكَهُ صَلْدًا } صلباً أملس لا شيء عليه {لاَّ يَقْدِرُونَ } استئناف لبيان مثل المنافق المنفق رئاء الناس، وجُمِعَ الضمير باعتبار معنى (الذي) {عَلَىٰ شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ } عملوا أي لا يجدون له ثواباً في الآخرة كما لا يوجد على الصفوان شيء من التراب الذي كان عليه لإذهاب المطر له {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا تُبْطِلُواْ} فضل صدقاتكم دون ثوابها، بخلاف المرائي فإنه لا ثواب له، لأنه لم يقصد وجه الله تعالى. {صَفْوَانٍ} جمع صفوانة وهي حجر أملس. والوابل: المطر الشديد الواقع. والصلد: من الحجارة ما صلب، ومن الأرض: ما لم ينبت تشبيهاً بالحجر. {شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ} أنفقوا، لما طلبوا بها الكسب سميت كسباً، وهو مثل المرائي في بطلان ثوابه، والمانَّ في بطلان فضله.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ...}.

ابن عادل

تفسير : اعلم أنَّه تعالى، لم ذكر هذين النَّوعين من الإنفاق ضرب واحداً منهما مثلاً. قوله: "كَٱلَّذِي" الكاف في محلِّ نصبٍ، فقيل: نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: لا تبطلوها إبطالاً كإبطال الذي ينفق رئاء النَّاس. وقي: في محلِّ نصبٍ على الحال من ضمير المصدر المقدَّر كما هو رأي سيبويه، وقيل: حالٌ من فاعل "تُبْطِلُوا"، أي: لا تبطلوها مشبهين الذي ينفق ماله رياء النَّاس. و "رِئَآءَ" فيه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ تقديره: إنفاقاً رئاء النَّاس، كذا ذكره مكي. والثاني: أنه مفعول من أجله، أي: لأجل رئاء النَّاس، واستكمل شروط النَّصب. الثالث: أنه في محلِّ حالٍ، أي: ينفق مرائياً. والمصدر هنا مضافٌ للمفعول، وهو "النَّاس"، ورئاء مصدر راءى كقاتل قتالاً، والأصل: "رِئايا" فالهمزة الأولى عين الكلمة، والثانية بدلٌ من ياءٍ هي لام الكلمة، لأنها وقعت طرفاً بعد ألفٍ زائدةٍ. والمفاعلة في "راءَى" على بابها، لأنَّ المرائي يري النَّاس أعماله؛ حتى يروه الثَّناء عليه، والتَّعظيم له. وقرأ طلحة - ويروى عن عاصم -: "رِيَاء" بإبدال الهمزة الأولى ياء، وهو قياس الهمزة تخفيفاً؛ لأنَّها مفتوحةٌ بعد كسرةٍ. قوله: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ} مبتدأٌ وخبرٌ، ودخلت الفاء، قال أبو البقاء: "لتربط الجُمْلَة بِمَا قَبْلَهَا" كما تقدَّم، والهاء في "فَمَثَلُهُ" فيها قولان: أظهرهما: أنها تعود على "الَّذي يُنْفِقُ رِئَاءَ النَّاسِ"؛ لأنَّه أقرب مذكورٍ فيكون المعنى أنَّ الله شبّه المانَّ المؤذي بالمنافق، ثم شبَّه المنافق بالحجر. والثاني: أنها تعود على المانِّ المؤذي، كأنه تعالى شبَّهه بشيئين: بالذي ينفق رئاء وبصفوان عليه ترابٌ، فيكون قد عدل من خطاب إلى غيبة، ومن جمع إلى إفراد. والصَّفوان: حجرٌ كبيرٌ أملس، وفيه لغتان: أشهرهما سكون الفاء، والثانية فتحها، وبها قرأ ابن المسيّب والزُّهريُّ، وهي شاذَّةٌ؛ لأنَّ "فَعَلان" إنَّما يكون في المصادر نحو: النَّزوان، والغليان، والصفات نحو: رجلٌ طغيان وتيس عدوان، وأمَّا في الأسماء فقليلٌ جداً. واختلف في "صَفْوَان" فقيل: هو جمعٌ مفرده: صفا، قال أبو البقاء: "وجَمْعُ "فَعَلَ" على "فَعْلاَن" قليلٌ". وقيل: هو اسم جنس. قال أبو البقاء: "وهو الأجود، ولذلك عاد الضَّمير عليه مفرداً في قوله: عَلَيْه". وقيل: هو مفردٌ، واحده "صُفيٌّ" قاله الكسائي، وأنكره المبرَّد. قال: "لأنَّ صُفيّاً جمع صفا نحو: عصيّ في عصا، وقُفِيّ في قَفَا". ونقل عن الكسائي أيضاً أنه قال: "صَفْوان مفردٌ، ويجمع على صِفوان بالكسر". قال النَّحاس: "ويجوز أن يكون المكسور الصَّاد واحداً أيضاً، وما قاله الكسائيُّ غير صحيح، بل صفوان - يعني بالكسر - جمعٌ لصفا كـ "وَرَل" وَوِرْلان، وأخ وإخوان وكرى وكروان". وحكى أبو عبيدٍ عن الأصمعي أن الصَّفوان، والصَّفا، والصَّفو واحد والكلُّ مقصورٌ. وقال بعضهم: الصَّفوان: جمع صفوانة، كمرجانٍ ومرجانةٍ وسعدان، وسعدانة. وقال بعضهم: الصَّفوان: هو الحجر الأملس، وهو واحدٌ وجمعٌ. و {عَلَيْهِ تُرَابٌ}: يجوز أن يكون جملةً من مبتدأ، وخبرٍ، وقعت صفةً لصفوان، ويجوز أن يكون "عَلَيْه" وحده صفةً له، و "تُرَابٌ" فاعلٌ به، وهو أولى لما تقدَّم عند قوله {أية : فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ}تفسير : [البقرة:261]. والتُّراب معروفٌ وهو اسم جنسٍ، لا يثنَّى، ولا يجمع. وقال المبرِّد: وهو جمع واحدته "ترابة". وذكر النَّحَّاس له خمسة عشر اسماً: ترابٌ وتَوْرَبٌ، وتَوْرَابٌ، وتَيْرَابٌ وإِثْلَب وأَثْلَب وَكَثْكَثٌ وَكِثْكِثٌ ودَقْعَمٌ وَدَقْعَاءُ ورَغام بفتح الراء، ومنه: أرغم الله أنفه أي: ألصقه بالرَّغام وبَرى، وقرى بالفتح مقصوراً [كالعصا وكملح وعثير] وزاد غيره تربة وصعيد. ويقال: ترب الرَّجل: افتقر. ومنه: {أية : أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ}تفسير : [البلد:16] كأنَّ جلده لصق به لفقره، وأترب، أي: استغنى، كأنَّ الهمزة للسَّلب، أو صار ماله كالتُّراب. قوله: "فَأَصَابَهُ" عطفٌ على الفعل الذي تعلَّق به قوله: "عَلَيْهِ"، أي: استقرَّ عليه ترابٌ، فأصابه. والضَّمير يعود على الصَّفوان، وقيل: على التُّراب. وأمَّا الضَّمير في "فَتَرَكَهُ" فعلى الصفوان فقط. وألف "أصَابَه" من واوٍ؛ لأنه من صاب يصوب. والوابل: المطر الشَّديد، وبلت السَّماء تبل، والأرض موبولة، ويقال أيضاً: أوبل، فهو موبل، فيكون ممَّا اتفق فيه فعل، وأفعل، وهو من الصِّفات الغالبة كالأبطح، فلا يحتاج معه إلى ذكر موصوفٍ. قال النَّضر بن شميلٍ: أولُ ما يَكُونُ المَطَرُ رَشاً، ثم طشاً، ثم طَلاًّ، ورَذاذاً، ثم نضحاً، وهو قطرٌ بين قطرين، ثم هطلاً وتهتاناً، ثم وابلاً وجوداً. والوبيل: الوخيم، والوبيلة: حزمة الحطب، ومنه قيل للغليظة: وبيلةٌ على التَّشبيه بالحزمة. قوله: {فَتَرَكَهُ صَلْداً} كقوله تعالى: {أية : وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ}تفسير : [البقرة:17]. والصَّلد: الأجرد الأملس، ومنه: "صَلَدَ جبينُ الأصْلَعِ": أي برق، والصَّلد أيضاً صفة، يقال: صلد بكسر اللام يصلد بفتحها، فهو صلد. قال النَّقَّاش: "الصَّلْدُ بلغة هُذَيل". وقال أبان بن تغلب: "الصَّلْد: اللَّيِّن من الحجارة" وقال علي بن عيسى: "هو من الحجارة ما لا خير فيه، وكذلك من الأرضين وغيرها، ومنه: "قِدْرٌ صَلُود" أي: بطيئة الغَلَيان"، وصلد الزّند: إذا لم يورد ناراً. قوله: {لاَّ يَقْدِرُونَ} في هذه الجملة قولان: أحدهما: أنها استئنافية فلا موضع لها من الإعراب. والثاني: أنها في محلِّ نصب على الحال من "الَّذِي" في قوله: {كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ}، وإنما جمع الضَّمير حملاً على المعنى، لأنَّ المراد بالذي الجنس، فلذلك جاز الحمل على لفظه مرَّةً في قوله: "مَالَهُ" و "لاَ يُؤْمِنُ"، "فمثلُه" وعلى معناه أخرى. وصار هذا نظير قوله: {أية : كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً}تفسير : [البقرة:17] ثم قال: {أية : بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ}تفسير : [البقرة:17]، وقد تقدَّم. وزعم ابن عطيَّة أنَّ مهيع كلام العرب الحمل على اللَّفظ أولاً، ثم المعنى ثانياً، وأنَّ العكس قبيحٌ، وتقدَّم الكلام معه في ذلك. وقيل: الضَّمير في "يَقْدِرُونَ" عائدٌ على المخاطبين بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم} ويكون من باب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وفيه بعدٌ. وقيل: يعود على ما يفهم من السِّياق، أي: لا يقدر المانُّون، ولا المؤذون على شيءٍ من نفع صدقاتهم. وسمَّى الصّدقة كسباً. قال أبو البقاء: "وَلا يَجُوزُ أن يَكُونَ "لاَ يَقْدِرُونَ" حالاً من "الَّذِي"؛ لأنه قد فصل بينهما بقوله: "فَمَثَلُه" وما بعده". ولا يلزم ذلك؛ لأنَّ هذا الفصل فيه تأكيدٌ، وهو كالاعتراض". فصل قال القاضي: إنه تبارك وتعالى أكَّد النَّهي عن إبطال الصَّدقة بالمنّ، والأذى، وأزال كلّ شبهة للمرجئة، وبيَّن أنَّ المنَّ والأذى يبطلان الصَّدقة، ومعلومٌ أنَّ الصَّدقة قد وقعت، فلا يصحُّ أن تبطل، فالمراد إبطال أجرها، لأنَّ الأجر لم يحصل بعد، وهو مستقبل، فيصحُّ إبطاله بما يأتيه من المنّ والأذى. واعلم أنَّه تعالى ضرب لكيفية إبطال الصَّدقة بالمنّ والأذى مثلين، فمثله أوَّلاً: بمن ينفق ماله رئاء النَّاس، وهو مع ذلك لا يؤمن بالله، واليوم الآخر، لأنَّ بطلان أجر نفقة هذا المرائي الكافر، أظهر من بطلان أجر صدقة من يُتْبعها بالمنّ، والأذى. ثم مثَّله ثانياً: بـ "الصَّفْوَانِ" الذي وقع عليه تُرابٌ، وغبارٌ، ثم أصابه المطر القويُّ، فيزيل ذلك الغبار عنه حتّى يصير كأنه لم يكن عليه غبار أصلاً، فالكافر كالصَّفوان، والتُّراب مثل ذلك الإنفاق، والوابل كالكفر الذي يحبط عمل الكافر، وكالمنّ والأذى اللَّذين يحبطان عمل هذا المنفق. قال: فكما أنَّ الوابل أزال التُّراب الذي وقع على الصَّفوان، فكذلك المنّ والأذى، وجب أن يكونا مبطلين لأجر الإنفاق بعد حصوله، وذلك صريحٌ في القول بالإحباط. قال الجبَّائيُّ: وكما دلّ هذا النَّص على صحَّة قولنا فالعقل دلَّ عليه أيضاً؛ لأن من أطاع، فلو استحقّ ثواب طاعته، وعقاب معصيته لوجب أن يستحقّ النّقيضين؛ لأنَّ شرط الثَّواب أن يكون منفعة خالصةً دائمةً مقرونةً بالإجلال، وشرط العقاب أن يكون مضرةً خالصةً دائمةً مقرونةً بالإهانة فلو لم تقع المحابطة، لحصل استحقاق النّقيضين وذلك محال، ولأنَّه حين يعاقبه، فقد منعه الإثابة، ومنع الإثابة ظلمٌ، وهذا العقاب عدل، فيلزم أن يكون هذا العقاب عدلاً من حيث إنَّه حقّه، وأن يكون ظلماً من حيث إنَّه منع الإثابة، فيكون ظلماً بنفس الفعل الذي هو عادلٌ فيه؛ وذلك محال، فصحّ بهذا النَّصّ ودلالة العقل صحّة قولنا في الإحباط والتَّكفير. وأجيبوا بأنه ليس المراد بقوله "لاَ تُبْطِلُوا" النَّهي عن إزالة هذا الثَّواب بعد ثبوته، بل المراد به ألاَّ يأتي بهذا العمل باطلاً؛ لأنَّه إذا قصد به غير وجه الله تعالى، فقد أتى به من الابتداء موصوفاً بالبطلان. قال ابن الخطيب: ويدلّ على بطلان قول المعتزلة وجوه: أولها: أنَّ الباقي والطّارئ إن لم يكن بينهما منافاة، لم يلزم من طَرَيَانِ الطَّارئ زوال الباقي، وإن حصلت بينهما منافاة لم يكن زوال الباقي أولى من اندفاع الطَّارئ، بل ربَّما كان اندفاع الطَّارئ، أولى؛ لأن الدفع أسهل من الرفع. وثانيها: أن الطارئ لو أبطل لكان إما أن يبطل ما دخل منه في الوجود في الماضي، وهو محال؛ لأنَّ الماضي قد انقضى، ولم يبق في الحال، وإعدام المعدوم محالٌ، وإما أن يبطل ما هو موجود في الحال وهو أيضاً محال؛ لأنَّ الموجود في الحال، لو أعدمه في الحال لزم الجمع بين العدم والوجود وهو محالٌ، وإما أن يبطل ما سيوجد في المستقبل وهو محالٌ، لأنَّ الذي سيوجد في المستقبل معدوم في الحال، وإعدام ما لم يوجد بعد محال. وثالثها: أنَّ شرط طريان الطَّارئ، زوال الباقي، فلو جعلنا زوال النافي معلّلاً بطريان الطَّارئ، لزم الدَّور، وهو محالٌ. ورابعها: أنَّ الطَّارئ إذا طرأ وأعدم الثَّواب السَّابق، فالثَّواب السَّابق إمَّا أن يعدم من هذا الطَّارئ شيئاً، أو لا يعدم منه شيئاً، والأول هو الموازنة، وهو قول أبي هاشم، وهو باطلٌ، وذلك لأنَّ الموجب لعدم كل واحد منهما وجود الآخر، فلو حصل العدمان معاً اللَّذان هما معلومان، لزم حصول الموجودين اللَّذين هما علَّتان، فيلزم أن يكون كلّ واحد منهما موجوداً حال كون كلّ واحد منهما معدوماً وهو محالٌ. والثاني، وهو قول أبي علي الجبَّائي: هو أيضاً باطل؛ لأنَّ العقاب الطَّارئ لما أزال الثَّواب السَّابق، وذلك الثَّواب السَّابق ليس له أثر ألبتة في إزالة الشَّيء من هذا العقاب الطَّارئ؛ فحينئذ لا يحصل له من العلم الذي أوجب الثَّواب السَّابق فائدة أصلاً، لا في جلب ثواب ولا في دفع عقاب، وذلك على مضادة النَّصّ الصّريح في قوله تبارك وتعالى {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة:7]، لأنه خلاف العدل حيث يحمل العبد مشقّة الطَّاعة، ولم يظهر له منها أثر، لا في جلب منفعةٍ، ولا في دفع مضرةٍ. خامسها: أنكم تقولون الصَّغيرة تحبط بعض أجزاء الثَّواب دون البعض وذلك محالٌ؛ لأن أجزاء الاستحقاقات متساوية في الماهيَّة، فالصَّغيرة الطَّارئة إذا انصرف تأثيرها إلى بعض تلك الاستحقاقات دون البعض مع استواء الكلّ في الماهيَّة كان ذلك ترجيحاً للممكن من غير مرجّح، وهو محالٌ فلم يبق إلاَّ أن يقال بأنَّ الصَّغيرة الطَّارئة تزيل كلَّ تلك الاستحقاقات، وهو باطلٌ بالاتّفاق، أو لا تزيل شيئاً منها، وهو المطلوب. سادسها: أنَّ عقاب الكبيرة، إذا كان أكثر من ثواب العَمَل المتقدّم، فإمَّا أن يقال: بأنَّ المؤثر في إبطال الثَّواب بعض أجزاء العقاب الطَّارئ، أو كلها، والأوَّل باطل؛ لأنَّ اختصاص بعض تلك الأجزاء بالمؤثريّة دون البعض مع استواء كلِّها في الماهيَّة ترجيح للممكن من غير مرجّح، وهو محالٌ. الثاني باطل، لأنَّه حينئذ يجتمع على إبطال الجزء الواحد من الثَّواب جزآن من العقاب مع أنَّ كلَّ واحد من ذينك الجزأين مستقلٌّ بإبطال ذلك الثَّواب، فقد اجتمع على الأثر الواحد مؤثران كلّ واحدٍ منهما مستقلٌّ وذلك محالٌ؛ لأنَّه يستغني بكلِّ واحدٍ منهما عن كلّ واحد منهما فيكون غنيّاً عنهما معاً، حال كونه محتاجاً إليهما معاً، وهو محالٌ. سابعها: أنَّه لا منافاة بين هذين الاستحقاقين؛ لأنَّ السَّيِّد إذا قال لعبده: احفظ هذا المتاع لئلاّ يسرقه السَّارق، ثم في ذلك الوقت جاء العدوّ، وقصد قتل السّيِّد، فاشتغل العبد بمحاربة ذلك العدوِّ، وقتله، فذلك الفعل من العبد يستوجب استحقاقه للمدح، والتعظيم حيث دفع القتل عن سيِّده، ويوجب استحقاقه للذَّمِّ، حيث عرض ماله للسّرقة، وكلّ واحدٍ من الاستحقاقين ثابت، والعقلاء يرجعون في مثل هذه الواقعة إلى التَّرجيح أو إلى المهايأة، فأمَّا أن يحكموا بانتفاء الاستحقاقين وزواله فذلك مدفوعٌ في بداية العقول. ثامنها: أَنَّ الموجب لحصول هذا الاستحقاق هو الفعل المُتقدِّم، فهذا الطَّارئ إِمَّا أن يكون له أثر في جهة اقتضاء ذلك الفعل لذلك الاستحقاق، أو لا يكون. والأوَّل محالٌ؛ لأَنَّ ذلك العل إنَّما يكون موجوداً في الزَّمان الماضي، فلو كان لهذا الطَّارئ أَثَرٌ في ذلك الفعل لكان هذا إيقاعاً للتَّأثير في الزَّمان الماضي، وهو محالٌ، وإن لم يكن لهذا الطَّارئ [أثر] في اقتضاءِ ذلك الفعل السَّابق لذلك الاستحقاق، وجب أَن يبقى ذلك الاقتضاء كما كان وألاَّ يزول. وتاسعها: أَنَّ المعتزلة يقولون: إِنَّ شُرب جرعةٍ من الخمرِ، يحبطُ ثواب الإِيمان وطاعة سبعين سنةٍ على سبيل الإِخلاص، وذلك محالٌ؛ لأنَّا نعلم بالضَّرورة أَنَّ ثواب هذه الطَّاعات أكثر مِنْ عقاب هذه المعصية الواحدة، والأعظم لا يُحيط بالأَقلّ. قال الجبَّائي: لا يمتنع أَنْ تكون الكبيرة الواحدة أعظم من كُلِّ طاعةٍ، لأن معصية الله تعالى تعظم على قدر كثرة نعمه، وإحسانه، كما أَنَّ استحقاق قيام الرَّبَّانيَّة، وقد ربَّاهُ وملكه، وبلغه إلى النِّهاية [العظيمة أعظم] من قيامه بحقِّه لكثرة نعمه، فإِذا كانت نعم الله على عباده، بحيث لا تُضبط عظماً، وكثرةً لم يمتنع أَنْ يستحقَّ على المعصية الواحدة العقاب العظيم الَّذي يعلو على ثواب جملة الطَّاعات. قال ابن الخطيب: وهذا العُذْرُ ضعيفٌ؛ لأَنَّ المَلِك الَّذِي عظمت نعمُهُ على عبده، ثمّ إِنَّ ذلك العبدَ قام بحقِّ عبوديَّته خمسين سنةً، ثم إنّه كسر رأس قلم ذلك الملك قصداً، فلو أحبط المَلك جميع طاعاته بسبب ذلك القدر من الجرم فكُلُّ أحدٍ يذمُّهُ، وينسبه إلى ترك الإِنصاف والقسوة، ومعلومٌ أَنَّ جميع المعاصي بالنِّسبة إلى جلال الله تعالى أقلُّ من كسر رأس القلم، فظهر أَنَّ قولهم على [خلاف] قياس العقول. عاشرها: أَنَّ إِيمان ساعةٍ يهدم كُفْر سبعين سنة فالإيمان سبعين سنةً كيف يهدمُ بفسق ساعةٍ، وهذا مِمَّا لا يقبلُهُ العقلُ، والله أعلمُ. قوله {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} يحتمل أمرين: أحدهما: لا تأْتُوا به باطِلاً، وذلك أَنْ يَنْوي بالصَّدقة الرِّياء والسُّمعة. [قال القرطبيُّ: إِنَّ اللهَ تعالى عبَّر عن عدم القبول، وحرمان الثوب] بالإبطال، والمراد الصَّدقةُ الَّتي يمُنُّ بها، ويُؤذي لا غيرها، فالمَنُّ والأَذى في صدقة؛ لا يُبطلُ صدقةً غيرها. قال جمهور العلماء في هذه الآية: إنَّ الصَّدقة التي يعلم الله من صاحبها أنه يمنّ، أو يُؤذي بها، فإِنَّها لا تقبل. وقيل: إِنَّ اللهَ جعل للملك عليها أمارة، فهو لا يكتبها. قال القرطبيُّ: وهذا حسنٌ. والثاني: أن يأتوا بها على وجهٍ يوجب الثَّواب، ثُمَّ يتبعوها بالمَنِّ والأذى، فيزيلوا ثوابها، وضرب لذلك مثلين: أحدهما: يطابقُ الأَوَّل وهو قوله: {كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللهِ}، إِذْ من المعلوم [أَنَّ المراد من كونه عمل] هذا باطلاً أَنَّه دخل في الوجود باطلاً، لا أَنَّهُ دخل صحيحاً، ثم يزول؛ لأَنَّ الكُفر مقارنٌ له فيمتنع دخوله صحيحاً في الوجود. والمثال الثاني: وهو الصَّفوان الَّذي وقع عليه تراب، ثمَّ أصابهُ وابلٌ فهذا يشهدُ لتأَويل المعتزلة؛ لأنَّه جعل الوابلَ مُزِيلاً لذلك التُّراب بعد وقُوع التُّراب على الصَّفوان، فكذا هاهنا: يجب أن يكون المنُّ والأَذى مزيلين للأجر والثَّواب بعد حصول استحقاق الأَجر. ويمكن أَنْ يجاب عنه: بأَنَّا نُسلِّم أَنَّ المشبه بوقوع التُّراب على الصَّفوان حُصُولُ الأَجر للكافر؛ بل المشبَّه بذلك صُدُورُ هذا العمل الَّذي لولا كونه مقروناً بالنِّيَّة الفاسدة، لكان موجباً لحصول الأَجر والثواب؛ لأَنَّ التُّراب إذا وقع على الصَّفوان، لم يكن ملتصقاً به، ولا غائصاً فيه أَلْبَتَّة، بل يكون ذلك الاتِّصال كالانفِصال، فهو في مرأَى العين متَّصلٌ، وفي الحقيقة منفصلٌ، فكذا الإِنفاقُ المقرون بالمَنّ والأَذى، يُرَى في الظَّاهر أَنَّه عَمَلٌ مِنْ أَعمال البِرّ، وفي الحقيقة ليس كذلك، فظهر أَنَّ استدلالهم بهذه ضعيف. فصلٌ قال ابن عبَّاس قوله: {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ} على الله بسبب صدقتِكُم، وبالأذى لذلك السَّائل. وقال الباقون: بالمَنّ على الفقير وبالأذى للفقير {كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ}؛ لأنَّ المُنافق، والمُرائي يأتيان بالصَّدقة لا لوجه اللهِ - تعالى - ومن يَقْرُنُ الصَّدقة بالمنّ والأَذى، فقد أتى بتلك الصَّدقة لا لوجه اللهِ - تعالى - أيضاً، إذ لو كان غرضه من تلك الصَّدقة طلب مرضاة الله تعالى لما مَنَّ على الفقير، ولا آذاه، فثبت اشتراكُ الصُّورتين في كون الصَّدقة لم يأت بها لوجه اللهِ - تعالى - وتقدَّم الكلامُ على الإِلقاء. فصلٌ في "هل تُعطى الصَّدقةُ للأَقارب" قال القرطبي: كرِه مالكٌ لهذه الآية أن يُعطي الرَّجل صدقتُه الواجبة أقاربه؛ لئلا يعتاض منهم الحمد، والثَّناء، ويظهر منَّتهُ عليهم، ويكافئوه عليها، فلا تخلص لوجه اللهِ - تعالى - واستحبَّ أن يعطيها الأَجانب، واستحبَّ أيضاً أن يولِّي غيره تفريقها، إذا لم يكن الإِمامُ عدلاً؛ لئلا تُحبط بالمَنِّ والأَذى، والشُّكر، والثَّناء، والمُكافأة بالخدمة من المعطى بخلاف صدقة التَّطوُّع السّرّ؛ لأن ثوابها إذا حبط سلم من الوعيد. فصلٌ في كيفيَّة التَّشبيه في الآية في كيفيَّة هذا التَّشبيه وجهان: الأول: ما تقدَّم أَنَّ العمل الظَّاهر كالتُّراب والمانُّ والمُؤذي والمنافق كالصَّفوان يوم القيامة كالوابل، هذا على قولنا، وأما على قول المعتزلة فالمنُّ والأَذى كالوابل. الوجه الثاني: قال القفَّال رحمه اللهُ: إِنَّ أَعمال العباد يجازون بها يوم القيامة، فمن عمل بالإِخلاص، فكأَنَّه طرح بذراً في الأَرض، فهو ينمُو، ويتضاعفُ لهُ، حتى يحصده في وقته، ويجده وقت حاجته، والصَّفوان محلّ بذر المنافق، ومعلومٌ أَنَّه لا ينمو فيه شيء، ولا يكون فيه قبولٌ للبذر، والمعنى أَنَّ عمل المانّ، والمُؤذي، والمنافق كالبذر المطروح في ترابٍ قليل على صفوانٍ، فإذا أَصَابَهُ مطرٌ بقي مستودعٌ بذره خالياً، لا شيء فيه؛ أَلاَ تَرَى أَنَّهُ تعالى: ضرب مثل المُخلص بجنَّةٍ فوقَ رَبْوَةٍ؟ والجَنَّةُ ما يكُونُ فيها أشجار ونخيل، فمن أخلص للهِ، كان كمن غرس بُسْتاناً في ربوةٍ من الأَرض، فهو يجني ثمر غِراسه في أوقات حاجته "وهي تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حين بإذن ربِّها" متضاعفة زائدة. ثم قال تعالى {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ}. وفيه قولان: مبنيَّان على ما تقدَّم في الإِعراب، فعلى الأَوَّل لا يقدرُ أحد من الخلق على ذلك البذر المُلْقى في ذلك التُّراب الَّذي كان على ذلك الصَّفوان، لزوال التُّراب، وما فيه من البذر بالمطر، فلم يقدر أَحدٌ على الانتفاع به، وهذا يُقوِّي تشبيه القفَّال، وإِنْ عاد الضَّمير إلى الَّذي يُنفِقُ، فإنما أُشير به إلى الجنس والجنسُ في حُكم العامّ، ثم قال {وَٱللهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}. فصلٌ في التَّحذير من الرِّياء. حديث : قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُم الشِّرْكُ الأَصغرُ" قالوا يا رسُولَ اللهِ: وَمَا الشِّركُ الأَصغرُ؟ قال: "الرِّياءُ، يَقُولُ اللهُ لهم يومَ يُجَازِي العِباد بأَعمالِهِم اذْهَبُوا إِلَى الَّذِي كُنْتُمْ تُرَاءون فِي الدُّنْيَا، [فانظُرُوا] هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُم جَزَاءً ". حديث : وروى أبو هريرة - رضي اللهُ عنه -: أَنَّ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حدَّثَهُ "أَنَّ الله تبارك وتعالى إذا كان يومُ القيامة ينزلُ إلى العباد ليقضى بينهم، وكُلُّ أُمَّةِ جاثيةٌ، فأَوَّلُ مَنْ يدعونَ رجلاً جمع القرآن، ورجلاً قُتل في سبِيلِ اللهِ ورجُلاً كثير المالِ، فيقول اللهُ للقارئ: أَلَمْ أَعْلِّمك ما أنزلتُ على رسُولي؟ قال: بلَى يا ربّ، قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كُنت أقومُ به آناءَ اللَّيل وآنَاءَ النَّهار، فيقُولُ اللهُ له: كذبتَ، وتقُولُ الملائِكَةُ: كذبت، ويقُولُ اللهُ - تبارك وتعالى - بل أردت أن يقال: فلانٌ قارئٌ، وقد قيل ذلك ويُؤتى بصاحب المال فيقول اللهُ تعالى له: ألم أُوسِّعْ عليكَ حتَّى [لَمْ] أَدَعك تحتاجُ إِلى أحد؟ قال: بَلَى يَا رَبِّ قال: فماذا عَمِلت فيما آتيتُك؟ قال: كُنتُ أَصل الرَّحم، وأَتصدَّقُ، فيقول اللهُ لهُ: كَذَبتَ، وتقُولُ الملائِكةُ: كَذَبتَ، ويقُولُ اللهُ - تعالى - بَل أَرَدتَ أَنْ يُقال: فُلانٌ جوادٌ، وقد قيل ذلك، ويؤتَى بالَّذي قُتل في سبيل اللهِ فيقول له: في ماذا قُتِلْتَ؟ فيقُولُ: يا رَبّ أُمِرْتُ بالجهادِ في سبيلك، فَقَاتَلْتُ حتّى قُتِلْتُ، فيقُولُ اللهُ: كَذَبْتَ وتقُولُ الملائِكةُ: كَذَبْتَ. ويقُولُ اللهُ تعالى بل أَرَدْتَ أَنْ يُقال فُلانٌ جرِيء، وقد قيل ذلك ثُمَّ ضرب رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - على رُكْبتي، ثُمَّ قال يا أَبَا هُريْرَة أُولئك الثَّلاثة أَوّل خلق الله تعالى تُسعَّر بهم النَّارُ يوم القيامة. تفسير : قوله: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللهِ}. قوله: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ} كقوله "مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ كمثلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْع" في جميع التَّقادير فليُراجع. وقرأَ الجحدريُّ "كَمَثَلِ حَبَّةٍ" بالحاءِ المُهملة والباءِ. في قوله: "ابْتِغَاءَ" وجهان: أحدهما: أَنَّهُ مفعولٌ من أجله، وشروطُ النَّصب متوفّرة. والثاني: أَنَّهُ حالٌ، و "تَثْبِيتاً" عطفٌ عليه بالاعتبارين، أي: لأجل الابتغاء والتَّثبيت، أو مُبتغين مُتَثَبِّتين. ومنع ابن عطيَّة أن يكون "ابتغاء" مفعولاً من أجله، قال: "لأَنَّهُ عَطَفَ عليه تَثْبِيتاً، وتثبيتاً لا يصحَّ أن يكونَ مفعولاً من أجله، [لأنَّ الإِنفاقَ لا يكُونُ لأجل التَّثبيتِ]. وحَكَى عن مكي كونه مفعولاً من أجله] قال: "وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا بَيَّنَّاهُ". وهذا الَّذي رَدَّه لا بُدُّ فيه من تفصيلٍ، وذلك أَنَّ قوله تبارك وتعالى: "وَتَثْبِيتاً" إِمَّا أن يُجْعَل مصدراً متعدّياً، أو قاصراً، فإِنْ كان قاصراً، أو متعدّياً، وقدَّرنا المفعول هكذا: "وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنفُسهِم الثَّوابَ على تلك النَّفَقَة"، فيكُونُ تثبيتُ الثَّواب وتحصيله من اللهِ حاملاً لهم على النَّفقة، وحينئذٍ يصحُّ أَنْ يكونَ "تَثْبِيتاً" مفعولاً من أجلِهِ. وإن قدَّرنا المفعول غير ذلك، أي: وتَثْبِيتاً من أنفسهم أعمالهم بإخلاص النية، أو جعلنا "مِنْ أَنْفُسِهِمْ" هو المفعول في المعنى، وأنَّ "مِنْ" بمعنى اللام، أي: لأنفسهم، كما تقول: "فَعَلْتُه كَسْراً مِنْ شَهوتي" فلا يتضحُ فيه أن يكون مفعولاً لأجله. وأبو البقاء قد قدَّر المفعول المحذوف "أَعْمالَهم بإِخلاص النيةِ"، وجوَّز أيضاً أن يكونَ "مِنْ أنفسهم" مفعولاً، وأن تكونَ "مِنْ" بمعنى اللام، وقد كان قدَّم أولاً أنه يجوزُ فيهما المفعولُ من أجله، والحالية؛ وهو غيرُ واضحٍ كما تقدَّم. وتلخَّص أنَّ في "من أنفسهم" قولين: أحدهما: أنه مفعولٌ بالتجوُّز في الحرف. والثاني: أنه صفة لـ "تثبيتاً"، فهو متعلِّقٌ بمحذوفٍ، وتلخَّص أيضاً أن التثبيت يجوزُ أن يكونَ متعدّياً، وكيف يقدَّر مفعوله، وأَنْ يكونَ قاصراً. فإن قيل: "تَثْبِيتٌ" مصدر ثَبَّت؛ وثَبَّت مُتَعدٍّ، فكيف يكون مصدرُه لازماً؟ فالجواب: أَنَّ التثبيت مصدرُ تَثَبَّتَ، فهو واقعٌ موقعَ التثبُّتِ، والمصادرُ تنوبُ عن بعضها؛ قال تعالى: {أية : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً}تفسير : [المزمل:8] والأصل: "تَبتُّلاً" ويؤيِّد ذلك قراءة مجاهد "وَتَثَبُّتاً"، وإلى هذا نحا أبو البقاء. قال أبو حيان: "ورُدَّ هذا القول؛ بأنَّ ذلك لا يكون إلا مع الإِفصاح بالفعلِ المتقدِّم على المصدرِ، نحو الآيةِ، وأمَّا أَنْ يُؤْتَى بالمصدرِ من غيرِ نيابةٍ على فعلٍ مذكورٍ، فلا يُحْمَلُ على غير فعله الذي هو له في الأصل"، ثم قال: "والذي نقولُ: إنَّ ثَبَتَ - يعني مُخفَّفاً - فعلٌ لازمٌ، معناه تمكَّن ورَسَخ، وثَبَّت مُعدًّى بالتضعيف، ومعناه مكَّنَ وحقَّق؛ قال ابن رواحة: [البسيط] شعر : 1220- فَثَبَّتَ اللهُ مَا أَتَاكَ مِنْ حَسَنٍ تَثْبِيتَ عِيسَى وَنَصْراً كَالَّذِي نُصِرُوا تفسير : فإذا كان التثبيتُ مُسنداً إليهم، كانت "مِنْ" في موضع نصب متعلقةً بنفس المصدرِ، وتكونُ للتبعيض؛ مثلُها في "هَزَّ من عِطْفِهِ"، و "حَرَّك مِنْ نشاطِه" وإن كان مُسْنداً في المعنى إلى أنفسهم، كانت "مِنْ" أيضاً في موضعِ نصبٍ؛ صفة لتثبيتاً". قال الزمخشريُّ: "فإنْ قُلْتَ: فما معنى التبعيضُ؟ قلتُ: معناه أنَّ مَنْ بَذَلَ مالَه لوجه الله تعالى، فقد ثَبَّتَ بعض نفسه، ومَنْ بَذَلَ روحَه، وماله معاً، فقد ثَبَّت نفسَه كُلَّها". قال أبو حيان: "والظاهرُ أنَّ نفسَه هي التي تُثَبِّته، وتَحْمِله على الإِنفاق في سبيل الله، ليس له مُحرِّكٌ إلا هي؛ لما اعتقدته من الإِيمانِ والثواب" يعني: فيترجَّحُ أنَّ التثبيتَ مسندٌ في المعنى إلى أنفسهمِ. والابتغاءُ: افتعالٌ من بغيتُ، أي: طلبتُ، وسواءٌ قولك: بغيتُ، وابتغَيْتُ. فصلٌ معنى قوله: {ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللهِ}، أي: طلب رضى الله "وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ" قال قتادة: احتساباً. وقال الشعبيُّ، والكلبيُّ: تصديقاً من أنفسهم، أي: يخرجون الزكاة طيبةً بها أنفسهم، على يقين الثواب، وتصديقٍ بوعد الله، ويعلمون أَنَّ ما أخرجوا خيرٌ لهم مما تركوا، وقيل: على يقينٍ بإِخلافِ الله عليهم. وقال عطاءٌ، ومُجاهدٌ: يتثبتون، أي: يضعونَ أَموالهُم. قال الحسن: كان الرجل إذا همّ بصدقةٍ يتثبت، فإن كان لله، أَمضى، وإن كان يخالطه شكٌّ، أمسك، ثم إنه تعالى لمَّا بين أن غرضهم من الإنفاق هذان الأَمران، ضرب الإِنفاق مثلاً، فقال: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ}. قال القرطبي: الجنة هي البستانُ، وهي قطعة أرض تَنْبُت فيها الأشجار، حتى تُغطيها، مأخوذةٌ من لفظِ الجنّ والجنين، لاستتارهم. قوله: "بِرَبْوَةٍ" في محلِّ جرٍّ؛ لأنه صفةٌ لجنة. والباءُ ظرفيةٌ بمعنى "في"، أي: جنةٍ كائنةٍ في ربوةٍ. والربوةُ: أرضٌ مرتفعةٌ طيبةٌ، قاله الخليلُ. وهي مشتقةٌ من: رَبَا يَرْبُو، أي: ارتفَع، وتفسيرُ السدّيِّ لها بما انخفض من الأرض ليس بشيءٍ. ويقال: رَبْوةٌ ورَباوَةٌ، بتثليثِ الراءِ فيهما، ويُقال - أيضاً -: رابيةٌ، قال القائل: [الطويل] شعر : 1221- وَغَيْثٍ مِنَ الوَسْمِيِّ حُوِّ تلاَعُهُ أَجَابَتْ رَوَابِيهِ النِّجَاءَ هَوَاطِلُهْ تفسير : وقرأ ابن عامرٍ، وعاصم: "رَبْوَة" بالفتح، والباقون: بالضمِّ، قال الأخفشُ: "وَنَخْتَارُ الضمَّ؛ لأنه لا يكاد يُسْمع في الجمع إلا الرُّبا" يعني فدلَّ ذلك على أن المفرد مضمومُ الفاءِ، نحو بُرمة، وبُرَم، وصورة، وصُوَر. وقرأ ابن عباسٍ: "رِبْوَة" بالكسر، [والأشهب] العقيلي: "رِبَاوة"، مثل رسالة، وأبو جعفر: "رَبَاوة" مثل كراهة، وقد تقدَّم أنَّ هذه لغاتٌ. فصلٌ تقدم أَنَّ الربوة: هي المرتفع من الأَرض، ومنه الرابيةُ، لأن أجزاءها ارتفعت ومنه الرَّبو إذا أصابه نفسٌ في جوفه زائِدٌ، ومنه الرِّبا؛ لأنه الزيادةُ قال المفسِّرون: إِن البُستان إذا كان في ربوةٍ من الأَرضِ، كان أحسنَ، وأكثر ريعاً. قال ابن الخطيب: وفيه إشكالٌ: وهو أن البُستان إذا كان في موضع مرتفع من الأَرض، فلا ترتفع إليه الأَنهارُ، وتضر به الرياحُ كثيراً؛ فلا يحسنُ ريعه وإذا كان في وهدةٍ من الأرض، انصبت إليه مياه الأَنهار، ولا يصل إليه إثارة الرياح، فلا يحسن أيضاً ريعه فإذن البستان إنما يحسن ريعه إذا كان على الأرض المستوية التي لا تكون ربوةً، ولا وهدةً فإذن ليس المرادُ من هذه الربوة، ما ذكروه، بل المراد منه كونُ الأَرضِ طيناً حُرّاً بحيث إذا نزل المطرُ عليها، انتفخ وربا ونما، فإن الأرض متى كانت بهذه الصفة يكثر ريعها، وتكمل أشجارها، ويؤيد هذا التأويل قوله تبارك وتعالى: {أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}تفسير : [الحج:5] والمرادُ من ربوها ما ذكرنا، فكذا هاهنا. وأيضاً فإنه تبارك وتعالى ذكر هذا المثل في مقابلة المثل الأَول، وهو الصَّفوان الذي لا يؤثر فيه المطر، ولا يربو، ولا ينمُو؛ بسبب نزول المطر عليه، فكان المرادُ بالربوةِ في هذا المثل كون الأَرض بحيثُ تربُو، وتنمُو والله أعلم. قال ابن عطيَّة: ورياضُ الحزن ليست من هذا، كما زعم الطبريُّ؛ بل تلك هي الرياضُ المنسوبةُ إلى نجد؛ لأنها خيرٌ من رياض تهامة ونباتُ نجدٍ أَعطرُ، ونسيمهُ أبردُ وأرقُّ، ونجد يقال لها حزن وقلَّما يصلح هواء تهامة إلاَّ بالليل، ولذلك قالت الأَعرابية: "زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَة". قوله: {أَصَابَهَا وَابِلٌ} هذه الجملةُ فيها أربعةُ أوجهٍ: أحدها: أنها صفةٌ ثانيةٌ لجنة، هنا بالوصفِ بالجارِّ والمجرور، ثم بالجملةِ؛ لأنه الأكثرُ في لسانهم؛ لقُرْبهِ من المفرد، وبُدئ بالوصفِ الثابتِ المستقرِّ وهو كونها بربوة، ثم بالعارض، وهو إصابةُ الوابل. وجاء قوله في وصفِ الصَّفوانِ بقوله: "عَلَيْهِ تُرَابٌ" ثم عطف على الصفةِ "فأَصابه وابلٌ" وهنا لم بعطفِ بل أَخرج صفةً. والثاني: أن تكونَ صفةً لـ "رَبْوَة". قال أبو البقاء: "لأنَّ الجنةَ بعضُ الرَّبْوَة" كأنه يعني أنه يلزمُ من وصفِ الربوة بالإِصابة، وصفُ الجنَّةِ به. الثالث: أن تكون حالاً من الضميرِ المستكنِّ في الجارِّ؛ لوقوعهِ صفةً. الرابع: أن تكونَ حالاً من "جنة"، وجاز ذلك؛ لأنَّ النكرة قد تخَصَّصت بالوصفِ. قوله: {فَآتَتْ أُكُلَهَا} أي أعطت و "أكلها" فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: وهو الأصحُّ أنَّ "آتَتْ" تتعدَّى لاثنين، حذف أولهما وهو "صاحبها"، أو "أهلها". والذي حسَّن حذفه، أنَّ القصدَ الإِخبارُ عمَّا تُثْمِرُ، لا عمَّن تُثْمَرُ له؛ ولأنه مقدرٌ في قوله: "كَمَثَلِ جَنَّةٍ" أي: غارس جَنَّةٍ، أو صاحب جنةٍ؛ كما تقدَّم. و "أُكُلَها" هو المفعول الثاني. و "ضِعْفَيْن" نصبٌ على الحالِ من "أُكُلَها". والثاني: أَنَّ "ضِعْفَيْن" هو المفعول الثاني، وهذا غَلَطٌ. والثالث: أنَّ "آتَتْ" هنا بمعنى أَخرجت، فهو متعدِّ لمفعولٍ واحدٍ. قال أبو البقاء: "لأنَّ معنى "آتَتْ": أَخْرَجَتْ، وهو من الإِتاءِ، وهو الرَّيع". قال أبو حيان: "لاَ نَعْلَم ذلك في لسان العرب". ونسبةُ الإِتَاءِ إليها مجازٌ. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو "أُكْلَها" بضمِّ الهمزة، وسكونِ الكافِ، وهكذا كلُّ ما أُضيف من هذا إلى مؤنثٍ، إلاَّ أبا عمرو، فإنه يُثَقِّل ما أُضيف إلى غير ضمير، أو إلى ضمير المذكر، والباقون: بالتثقيل مطلقاً، وسيأتي إيضاحُ هذا كلّه. والأُكُلُ بالضم: الشيءُ المأكولُ والأَكلةُ في المعنى مثل الطّعمة؛ وأنشد الأخفش: [الطويل] شعر : 1222- فَمَا أَكْلَةٌ إِنْ نِلْتُهَا بغَنِيمَةٍ وَلاَ جَوْعَةٌ إِنْ جُعْتُهَا بغرَامِ تفسير : وقال أبو زيدٍ: يقال: إنه لذو أكلٍ، إذا كان له حظٌّ من الدنيا. وبالفتح مصدرٌ، وأُضيف إلى الجنَّةِ؛ لأنها محلُّهُ أو سببهُ ومعنى "ضِعْفَيْنِ" أي: ضَعُفَتْ في الحملِ؛ لأن ضعفَ الشيءِ مثله زائداً عليه، وقيل: ضِعفُ الشيء مِثْلاهُ. قال عطاءٌ: حملت في سنةٍ من الرَّيع ما يحملُ غيرها في سنتين. وقال عكرمة: حملتْ في السنة مرَّتين. وقال الأَصمُّ: ضِعْفَ ما يكونُ في غيرها. قوله: {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ}. الفاءُ: جواب الشرطِ، ولا بُدَّ من حذفٍ بعدها؛ لتكمل جملة الجواب. واختلف في ذلك على ثلاثة أوجه: فذهب المبردُ إلى أنَّ المحذوف خبرٌ، وقوله: "فَطَلٌّ" مُبتدأٌ، والتقديرُ: "فَطَلٌّ يصيبها". وجاز الابتداءُ هنا بالنكرةِ؛ لأنها في جوابِ الشرطِ، وهو من جملةِ المُسَوِّغات للابتداءِ بالنكرةِ، ومن كلامهم: "إِنْ ذَهَبَ عَيْرٌ، فَعَيْرٌ في الرِّباطِ". والثاني: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: فالذي يُصيبها طلٌّ. والثالث: أنه فاعلٌ بفعلٍ مضمرٍ؛ تقديره: فيُصيبها طلٌّ، وهذا أَبْيَنُها. إلاَّ أنَّ أبا حيَّان قال - بعد ذكر الثلاثة الأَوجه - "والأَخير يحتاجُ فيه إلى حذف الجملة الواقعةِ جواباً، وإبقاءِ معمولٍ لبعضها؛ لأنه متى دخلت الفاءُ على المضارع، فإنما هو على إضمارِ مُبتدأ؛ كقوله: {أية : وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللهُ مِنْهُ}تفسير : [المائدة:95] [أي: فهو يَنْتقمُ]، فكذلك يحتاج إلى هذا التقدير هنا، أي: فهي، أي: الجنةُ يُصيبها طلٌّ، وأمَّا في التقديرين السابقين، فلا يحتاجُ إِلاَّ إلى حذف أحد جُزْئي الجملة". قال شهاب الدِّين: وفيما قاله نظرٌ؛ لأنَّا لا نُسلِّم أن المضارع بعد الفاءِ الواقعةِ جواباً يحتاجُ إلى إضمار مبتدأ. ونظيرُ الآية قول امرئ القيس: [الوافر] شعر : 1223- أَلاَ إِنْ لاَ تَكُنْ إِبِلٌ فَمِعْزَى كَأَنَّ قُرُونَ جِلَّتِهَا العِصِيُّ تفسير : فقوله: فَمِعْزَى" فيه التقاديرُ الثلاثةُ. وادَّعى بعضهم أنَّ في هذه الآية الكريمة تقديماً وتأخيراً، والأصلُ: "أصابها وَابِلٌ، فإنْ لَمْ يُصِبْها وَابِلٌ فَطَلٌّ فآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ" حتى يُجْعَلَ ايتاؤها الأُكُلَ ضعفينِ على الحالين: من الوَابِلِ، والطَّلِّ، وهذا لا حاجة إليه؛ لاستقامةِ المعنى بدونِه، والأصلُ عدمُ التقديم والتأخير، حتى يخُصُّه بعضهم بالضرورةِ. والطَّلُّ: المُسْتَدَقُّ من القَطْرِ الخَفِيف وقال مجاهدٌ: "هو النَّدَى" وهذا تَجَوُّزٌ منه؛ ويقال: طلَّه النَّدى وأَطَلَّه أيضاً؛ قال: [الطويل] شعر : 1224- وَلَمَّا نَزَلْنَا مَنْزِلاً طَلَّهُ النَّدَى ....................... تفسير : ويُجمع "طَلٌّ" على طِلال؛ نقول: طُلَّت الأَرضُ، وأَطلها النَّدى فهي مطلولةٌ قال الماوردي: وزرعُ الطَّلِّ أضعفُ مِنْ زرع المطرِ، وأقلُّ ريعاً. فصلٌ هذا مثلٌ ضربه اللهُ تعالى؛ لعمل المؤمن المخلص، فيقول: كما أنَّ هذه الجنة تريع في كل حالٍ، ولا تُخلفُ سواء قلَّ المطرُ أو كثُر؛ كذلك يُضعِّف اللهُ صدقةَ المؤمن المخلص الذي لا يَمنّ، ولا يُؤذي سواءٌ قلَّت نفقته أو كثرت، وذلك أن الطَّلَّ إذا كان يدومُ، يعملُ عمل الوابل الشديد. وقيل: معناه إن لم يُصبها وابلٌ حتى تضاعف ثمرتها، فلا بُدَّ وأَنْ يصيبها طلٌّ يُعْطي ثمراً دون ثمر الوابل، فهي على كُلِّ حالٍ لا تخلو من ثمرة، فكذلك من أخرج صدقةً لوجه الله تعالى، لا يضيع كسبه؛ قليلاً كان، أو كثيراً. قوله: {وَٱللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} هذا وعدٌ، ووعيدٌ. قرأ الجمهور: تعملون خطاباً وهو واضحٌ، فإنه من الالتفاتِ من الغَيْبة إلى الخطابِ الباعث على فعلِ الإِنفاقِ الخالصِ لوجه اللهِ تعالى، والزاجر عن الرياءِ والسُمعة. وقرأ الزهري: بالياء على الغيبة، ويحتمل وجهين: أحدهما: أن يعودَ على المُنفقين. والثاني: أن يكون عاماً فلا يخُصُّ المنفقين، بل يعودُ على الناسِ أجمعين؛ ليندرجَ فيهم المنفقونَ اندِراجاً أولياً. والمراد من البصير: العليمُ، أي: هو تبارك وتعالى عالمٌ بكمية النفقاتِ وكيفيتها والأمور الباعثة عليها، وأنه تعالى يجازي بها.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في الآية قال‏:‏ من أنفق نفقة ثم منَّ بها أو آذى الذي أعطاه النفقة حبط أجره، فضرب الله مثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فلم يدع من التراب شيئاً، فكذلك يمحق الله أجر الذي يعطي صدقته ثم يمنّ بها كما يمحق المطر ذلك التراب‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال الله للمؤمنين: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فتبطل كما بطلت صدقة الرياء، وكذلك هذا الذي ينفق ماله رئاء الناس ذهب الرياء بنفقته كما ذهب هذا المطر بتراب هذا الصفا‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد عن عبدالله بن أبي زكريا قال‏:‏ بلغني أن الرجل إذا راءى بشيء من عمله أحبط ما كان قبل ذلك‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لا يدخل الجنة منان، ولا عاق، ولا مدمن خمر، ولا مؤمن بسحر، ولا كاهن‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البزار والحاكم وصححه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة:‏ العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى‏.‏ وثلاثة لا يدخلون الجنة‏:‏ العاق لوالديه، والديوث، والرجلة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ لا يدخل الجنة منان‏.‏ فشق ذلك علي حتى وجدت في كتاب الله في المنان ‏{‏لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عمرو بن حريث قال‏:‏ إن الرجل يغزو، ولا يسرق ولا يزني ولا يغل لا يرجع بالكفاف‏.‏ قيل له‏:‏ لماذا‏؟‏ فقال‏:‏ إن الرجل ليخرج فإذا أصابه من بلاء الله الذي قد حكم عليه لعن وسب إمامه ولعن ساعة غزا، وقال‏:‏ لا أعود لغزوة معه أبداً‏.‏ فهذا عليه وليس له، مثل النفقة في سبيل الله يتبعها مناً وأذى، فقد ضرب الله مثلها في القرآن ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى‏} ‏ حتى ختم الآية‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏صفوان‏} ‏ يقول‏:‏ الحجر‏.‏ ‏ {‏فتركه صلداً‏}‏ ليس عليه شيء‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏ {‏كمثل صفوان‏}‏ الصفاة‏ {‏فتركه صلداً‏} ‏ قال‏:‏ تركها نقية ليس عليها شيء، فكذلك المنافق يوم القيامة لا يقدر على شيء مما كسب‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ الوابل. المطر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال‏:‏ الوابل. المطر الشديد، وهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة، يقول ‏ {‏لا يقدرون على شيء مما كسبوا‏} يومئذ كما ترك هذا المطر هذا الحجر ليس عليه شيء أنقى ما كان‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏فتركه صلداً‏} ‏ قال‏:‏ يابساً خاسئاً لا ينبت شيئا‏ً.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس‏.‏ أن نافع ابن الأزرق سأله عن قوله ‏{‏صفوان‏}‏ قال‏:‏ الحجر الأملس‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت قول أوس بن حجر‏: شعر : على ظهر صفوان كأن متونه عللن بدهن يزلق المتنزلا تفسير : قال‏:‏ فأخبرني عن قوله ‏ {‏صلداً‏}‏ قال‏:‏ أملس‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت قول أبي طالب‏:‏ شعر : وإني لقرم وابن قرم لهاشم لآباء صدق مجدهم معقل صلد

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} [الآية: 264]. قال السرى: من تزيَّن بعمله كانت حسناته سيئاتٍ، فكيف من رأى له قيمةً وطلب عليه العوض؟

القشيري

تفسير : إنما يُحْمَلُ جميلُ المنة من الحق سبحانه، فأمَّا من الخلْق فليس لأحد على غيره مِنَّةَ؛ فإنَّ تحمل المنن من المخلوقين أعظم محنة، وشهود المنة من الله أعظم نعمة، قال قائلهم: شعر : ليس إجلالُكَ الكبار بِذُلِّ إنما الذُّلُّ أنْ تُجِلَّ الصِّغَارا تفسير : ويقال أفقرُ الخلْق مَنْ ظنَّ نفسَه موسِراً فيَبِين له إفلاسه، كذلك أقل الخلْق قدراً من ظن أنه على شيءٍ فيبدو له من الله ما لم يكن يحتسبه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} المن تعزز البشرية على الخيرية واستكبار الحدث على الكبرياء القديم والاذى ازدراء السر عند العطاء المسئول وايا لمن تذكر الحدث ونسيان العدم لان المنان اذا من على الحد فقد نسى اله عند تذكر نفسه وهذا نوع من الشرك والاذى بالبذ بنعت النجل والرمى بالعين الى الفقراء على جهة تعظيم نفسه ورؤية شرفه عليهم وايضا المن شهود الافعال الاذى التماس الاعواض قال السرى من تزين بعمله كانت حسانته سيات فكيف من راى لها قيمة او طلب لها عوضا ويقال ينفقون ما ينفقون ثم لا يشهدون افعالهم ولا اعمالهم وقيل كيف تمنون بشئ تستقدرونه وتستحقرونه وقال الجنيد اعلمنا ان الذى يخلص له ثواب صدقته وينجر له ما وعده فيستحق الثواب على عمله من لايمن بصدقة ولا يؤذى من تصدق عليه.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} فان من فعل ذلك لا اجر له فى صدقته وعليه وزر منه على الفقير ووزر ايذائه وقد سبق معنى المن والاذى والمراد بابطال الصدقة احباط اجرها لان الصدقة لما وقعت وتقدمت لم يمكن ان يراد بابطالها نفسها بل المراد احباط اجرها وثوابها لان الاجر لم يحصل بعد فيصح ابطاله بما يأتيه من المن والاذى {كالذى} المراد المنافق لان الكافر معلن كفره غير مراء والكاف فى محل النصب على انه صفة لمصدر محذوف اى لا تبطلوها ابطالا كابطال المنافق الذى {ينفق ماله رئاء الناس} اى لاجل رئائهم يعنى ليقال انه كريم {ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} لا يريد بانفاقه رضى الله ولا ثواب الآخرة. ورئاء من راآى نحو قاتل قتالا ومعنى المفاعلة ههنا مبنى على ان المرائى فى الانفاق يراعى ان تراه الناس فيحمدوه {فمثله} اى حالته العجيبة {كمثل صفوان} اى حجر صاف املس وهو واحد وجمع فمن جعله جمعا فواحده صفوانة ومن جعله واحدا فجمعه صفى {عليه تراب} اى يسير منه {فأصابه وابل} اى مطر شديد الوقع كبير القطر {فتركه صلدا} املس ليس عليه شىء من الغبار {لا يقدرون} كأنه قيل فماذا يكون حالهم حينئذ فقيل لا يقدرون {على شىء مما كسبوا} اى لا ينتفعون بما فعلوا رئاء ولا يجدون له ثوابا قطعا كقوله تعالى {أية : فجعلناه هباء منثورا} تفسير : [الفرقان: 23]. يقال فلان لا يقدر على درهم اى لا يجده ولا يملكه. فان قلت كيف قال لا يقدرون بعد قوله كالذى ينفق قلت اراد بالذى ينفق الجنس او الفريق الذى ينفق ولان من والذى يتعاقبان فكأنه قيل كمن ينفق فجمع الضمير باعتبار المعنى ولما ذكر تعالى بطلان امر الصدقة بالمن والاذى ذكر لكيفية ابطال اجرها بهما مثلين فمثله اولا بمن ينفق ماله رئاء الناس وهو مع ذلك كافر بالله واليوم الآخر فان بطلان اجر ما انفقه هذا الكافر اظهر من بطلان اجر من يتبعها بالمن والاذى ثم مثله ثانيا بالصفوان الذى وقع عليه تراب وغبار ثم اصابه المطر فازال ذلك الغبار عنه حتى صار كانه ما كان عليه تراب وغبار اصلا فالكافر كالصفوان والتراب مثل ذلك الانفاق والوابل كالكفر الذى يحبط عمل الكافر وكالمن والاذى اللذين يحبطان عمل هذا المنفق فكما ان الوابل ازال التراب الذى وقع على الصفوان فكذا المن والاذى يجب ان يكونا مبطلين لاجر الانفاق بعد حصوله وذلك صريح فى القول بالاحباط والتكفير كما ذهب اليه المعتزلة القائلون بان الاعمال الصالحة توجب الثواب وان الكبائر تحبط ذلك الثواب واما اصحابنا القائلون بان الثواب تفضل محض فانهم قالوا ليس المراد بقوله لا تبطلوا النهى عن ازالة هذا الثواب بعد ثبوته بل المراد النهى عن ان يأتى بهذا العمل باطلا. وبيانه ان المن والاذى يخرجانه من ان يترتب عليه الاجر الموعود لان العمل انما يؤدى الى الاجر الموعود اذا اتى به العامل تعبدا وطاعة وابتغاء لما عند الله تعالى من الاجر والرضوان وعملا بقوله تعالى {أية : وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجرا} تفسير : [المزمل: 20]. وبقوله تعالى {أية : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} تفسير : [التوبة: 111] فمن كان حامله على العمل ابتغاء ما عند الله مما وعده للمخلصين فقد جرى على سنن المبادلة التى وقعت بين العمل والثواب الذى وعده الله تعالى لمن اخلص عمله لله تعالى فلما كانت معاملته فى الحقيقة مع الله تعالى لم يبق وجه لان يمن على الفقير الذى تصدق عليه ولا لان يؤذيه بان يقول له مثلا خذه بارك الله لك فيه ومن من عليه او آذاه فقد اعرض عن جهة المبادلة مع الله ومال الى جهة التبرع على الفقير من غير ابتغاء وجه الله واتى بعمله من الابتداء على نعت البطلان فيكون محروما من البدل الذى وعده الله لمن اقرض الله قرضا حسنا اذ لم يقع عمله على وجه الاقراض {والله لا يهدى القوم الكافرين} الى الخير والرشاد. وفيه تعريض بان كلا من الرئاء والمن والاذى من خصائص الكفار ولا بد للمؤمنين ان يجتنبوها ـ روى ـ عن بعض العلماء انه قال مثل من يعمل الطاعة للرئاء والسمعة كمثل رجل خرج الى السوق وملأ كيسه حصى فيقول الناس ما املأ كيس هذا الرجل ولا منفعة له سوى مقالة الناس فلو اراد ان يشترى به شيأ لا يعطى به شيأ. وقد بالغ السلف فى اخفاء صدقتهم عن اعين الناس حتى طلب بعضهم فقيرا اعمى لئلا يعلم احد من المتصدق. وبعضهم ربط فى ثوب الفقير نائما. وبعضهم القى فى طريق الفقير ليأخذها وبذلك يتخلص من الرئاء: وفى المثنوى شعر : كفت بيغمبر بيك صاحب ريا صل انك لم تصل يا فتى از بارى جاره اين خوفها آمد اندر هر نمازى اهدنا كين نمازم را مياميز اى خدا با نماز ضالين و اهل ريا تفسير : قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : ان اخوف ما اخاف عليكم الشرك الاصغر" قالوا يا رسول الله وما الشرك الاصغر قال "الرياء يقول الله لهم يوم يجازى العباد باعمالهم اذهبوا الى الذى كنتم تراؤون لهم فانظروا هل تجدون عندهم جزاء" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الله تعالى اذا كان يوم القيامة ينزل الى العباد ليقضى بينهم وكل امة جاثية فاول من يدعى به رجل جمع القرآن ورجل قتل فى سبيل الله ورجل كثير المال فيقول الله للقارئ ألم اعلمك ما انزلت على رسولى قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما علمت قال كنت اقرأ آناء الليل واطراف النهار فيقول الله تعالى كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله بل اردت ان يقال فلان قارئ فقد قيل ويؤتى بصاحب المال فيقول الله ألم اوسع عليك حتى لم ادعك تحتاج الى احد قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما آتيتك قال كنت اصل الرحم واتصدق فيقول الله كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله بل اردت ان يقال فلان جواد فقد قيل ذلك ويؤتى بالذى قتل فى سبيل الله فيقول له فيماذا قتلت فيقول يا رب امرت بالجهاد فى سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله بل اردت ان يقال فلان جرىء فقد قيل ذلك" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اولئك الثلاثة اول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة"تفسير : : قال السعدى شعر : طريقت همينست كاهل يقين نكو كار بودند وتقصير بين بروى ريا خرقه سهلست دوخت كرش باخدا در توانى فروخت همان به كر آبستن كوهرى كه همجون صدف سر بخوددربرى وكر آوازه خواهى در اقليم فاش برون حله كن كودرون حشو باش اكرمسك خالص ندارى مكوى وكرهست خود قاش كردد ببوى جه زنار مع درميانت جه دلق كه در بوشى از بهر بندار خلق تفسير : والاشارة فى الآية ان المعاملات اذا كانت مشوبة بالاغراض ففيها نوع من الاعراض ومن اعرض عن الحق فقد اقبل على الباطل ومن اقبل على الباطل فقد ابطل حقوقه فى الاعمال فماذا بعد الحق الا الضلال وقد نهينا عن ابطال اعمال البر بالاعراض عن طلب الحق والاقبال على الباطل بقوله {لا تبطلوا صدقاتكم} وهى من اعمال البر بالمن اى اذا مننت بها على الفقير فقد اعرضت عن طلب الحق لان قصدك فى الصدقة لو كان طلب الحق لما مننت على الفقير بل كنت رهين منة الفقير حيث كان سبب وصولك الى الحق ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لولا الفقراء لهلك الاغنياءbr>". تفسير : معناه لم يجدوا وسيلة الى الحق وقد فسر بعضهم قوله عليه السلام "حديث : اليد العليا خير من اليد السفلىbr>". تفسير : بان اليد العليا هى يد الفقير والسفلى يد الغنى تعطى السفلى وتأخذ العليا. والاذى هو الاقبال على الباطل لان كل شىء غير الحق فهو باطل فمن عمل عملا لله ثم يشوبه بغرض فى الدارين فقد ابطل عمله بان يكون لله فافهم جدا كذا فى التأويلات النجمية: وفى المثنوى شعر : عاشقا نرا شادمانى و غم اوست دست مزد واجرت خدمت هم اوست غير معشوق ار تما شائى بود عشق نبود هرزه سودايى بود عشق آن شعله است كوجون بر فروخت هرجه جز معشوق باقى جمله سوخت تفسير : فالعشق الآلهى والحب الرحمانى اذا استولى على قلب العبد يقطع عنه عرق الشركة فى الاموال والاولاد والانفس. والخدمة بالاجرة لا تناسب الرجولية فان من علم ان مولاه كريم يقطع قلبه عن ملاحظة الاجرة وتجىء اجرته اليه من ذلك الكريم على الكمال: قال الحافظ شعر : تو بندكى جو كدايان بشرط مزد مكن كه خواجه خود روش بنده برورى داند تفسير : اللهم اقطع رجاءنا عن غيرك واجعلنا من الذين لا يطلبون منك الا ذاتك.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {كالذي}: الكاف في محل نصب على المصدر، أي: إبطالاً كإبطال الذي ينفق ماله رئاء الناس. أو حال، أي: مشبَّهين بالذي ينفق رئاء. و {رئاء} مفعول له، والصفوان: الحجر الأملس، والصلد: البارز الذي لا تراب عليه، وجمع الضمير في قوله: {لا يقدرون} باعتبار معنى {الذي}؛ لأن المراد به الجنس. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا} أجر صدقتكم بسبب {المن} بها على المتصدَّقِ عليه، {والأذى} الذي يصدر منكم له، بأن تذكروا ذلك للناس، فتكون صدقتكم باطلة، {كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر}، فإن أجره يوم القيامة يكون هباء منثوراً، {فمثله} في انتفاعه بصدقته، وتستره بها في دار الدنيا، وافتضاحه يوم القيامة، كحجر أملس {عليه تراب} يستره، فيظن الرائي أنه أرض طيبة تصلح للزراعة، {فأصابه وابل} أي: مظر غزير {فتركه صلداً} حجراً يابساً خالياً من التراب، كذلك المراؤون بأعمالهم، ينتفعون بها في الدنيا بثناء الناس عليهم وستر حالهم، فإذا قدموا يوم القيامة وجدوها باطلة، {لا يقدرون على} الانتفاع بـ {شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين} إلى مراشدهم ومصالح دينهم. وفيه تعريض بأن الرياء والمن والأذى من صفة الكافر، ولا بد للمؤمن أن يتجنب عنها. وبالله التوفيق. الإشارة: تصفية الأعمال على قدر تصفية القلوب، وتصفية القلوب على قدر مراقبة علام الغيوب، والمراقبة على قدر المعرفة. والمعرفة على قدر المشاهدة. والمشاهدة تحصل على قدر المجاهدة.{أية : وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فيِنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}تفسير : [العَنكبوت: 69]. وفي الحكم: "حسن الأعمال من نتائج حسن الأحوال، وحسن الأحوال من التحقق بمقامات الإنزال" والحاصل أن من لم يتحقق بمقام الفناء لا تخلوا أعماله من شوب الخلل، ومن تحقق بالزوال لم ير لنفسه نسبة في عطاء ولا منع، ولا حركة ولا سكون، ولم ير لغيره وجوداً حتى يرجو منه نفعاً ولا خيراً. وفي بعض الإشارات: يا من يرائي أَمْر مَنْ من ترائِي بيد من تعصيه. هـ. وفي تمثيله بالحجر إشارة إلى قساوة قلبه ويبوسه طبعه، فلا يجرى منه خير قط. والعياذ بالله. ثم ذكر الحقّ تعالى ضد هؤلاء، وهم المخلصون.

الطوسي

تفسير : المعنى: ضرب الله (تعالى) هذه الآية مثلا لعمل المنافق والمنّان جميعاً، فانهما إذا فعلا فعلاً لغير وجه الله أو قرنا الانفاق بالمن والأذى، فانهما لا يستحقان عليه ثواباً. وشبه ذلك بالصفا الذي أزال المطر ما عليه من التراب، فانه لا يقدر أحد على ردّ ذلك التراب عليه فكذلك إذا رفع المنان صدقته وقرن بها المن فقد أوقعها على وجه لا طريق له إلى استدراكه، وتلا فيه لوقوعة على الوجه الذي لا يستحق عليه الثواب فان وجوه الافعال تابعة للحدوث، فاذا فاتت فلا طريق إلى تلافيها وليس فيها ما يدل على أن الثواب الثابت المستقر يزول بالمن فيما بعد ولا بالرياء الذي يحصل فيما يتجدد فليس في الآية ما يدل على ما قالوه. وقوله: {رئاء الناس} إنما جمع بين همزتين ولم يجمع في ذوائب جمع ذؤابة، لوقوع الألف في الجمع بين الهمزتين، فلم يجز ذؤائب، فأما الواحد فاجتمع لخفته وهما أيضاً مفتوحان فهو أخف لها. وقوله: {كالذي ينفق ماله رئاء الناس} يدخل فيه المؤمن والكافر إذا أخرجا الانفاق للرياء. وقوله: {ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} صفة للكافر خاصة {مثله كمثل صفوان} يعني الحجارة الصلبة {عليه تراب}. اللغة: فالتراب والترب واحد يقال ترب الرجل إذا افتقر، لأنه لصق بالتراب للفقر ومنه قوله: {أية : مسكيناً ذا متربة}تفسير : لأنه قعد على التراب للفقر وأترب الرجل إذا استغنى لأنه كثر ماله حتى صار كالتراب. والترب الذي ينشأ معك. وقيل فيه. أقوال: منها للعبهم بالتراب إذ هم صبيان أقران. ومنها - لأنهم خرجوا إلى عفر الترب في وقت من الزمان. ومنها - لانهم على الاشتباه كالتراب. وقوله: {أية : عرُباً أتراباً}تفسير : أي أشباه أمثال. والترائب عظام الصدر واحدها تريبة. قيل لأنها متشابهة كالأتراب أو كتشابه التراب. ومنه قوله: {أية : من بين الصلب والترائب}.تفسير : وقوله: {فأصابه وابل} فالوابل: المطر الشديد الوقع، يقال وبلت السماء تبل وبلا: إذا اشتد وقع المطر. وقوله: {أية : فأخذناه أخذاً وبيلاً}تفسير : أي شديداً. والوبيل: المرعى الوخيم. والوابال: سوء العاقة. والموبل: المغلظ القلب. والوبيلة: الحزمة من الحطب لأنها مشدودة. والوبيل: العصا الغليظة. والوابلة: طرد العضد في الكتف. وأصل الباب الشدة. والصفوان واحده صفوانة مثل مرجان ومرجانة وسعدان وسعدانه وقال الكسائي: جمع صفوان صُفى. وأنكر ذلك المبرّد وقال: إنما هو صفاء وصفى مثل عصا وعصّي وقفاً وقفي وكذلك ذكران وصفوان - بكسر الصاد - وإنما هو جمع صفا نحو خرب وخربان، وورل * وورلان. وقال معنى صفا وصفوان واحد. وقوله: {فتركه صلداً} فالصلد: الحجر الأملس الصلب قال الشاعر: شعر : ولست بجلب جلب ريح وقرّة ولا بصفا صلد عن الخير معزل تفسير : وقال رؤبة. شعر : لما رأتني خلق المموه براق أصلاد الجبين الأجله تفسير : والصلد الذي لا ينبت شيئاً من الأرض لأنه كالحجر الصلد، والصلد: البخيل وصلد الزند صلوداً إذا لم يور ناراً وفرس صلود: إذا أبطأ عرقه. وقدر صلود إذا أبطأ غليها. وأصل الباب ملاسة في صلابة ويقال صلد يصلد صلداً فهو صلد. وقوله: {والله لا يهدي القوم الكافرين} معناه أنه لا يهديهم إلى طريق الجنة على وجه الانابة لهم ويحتمل لا يهديهم بمعنى لا يقبل أعمالهم كما يقبل أعمال المهتدين من المؤمنين، لأن أعمالهم لا يقع على وجه بها المدح.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} اى اسلموا بالبيعة العامّة وقبول الدّعوة الظّاهرة بعد ما مدح الانفاق وذمّ المنّ والاذى عليه نادى المؤمنين خاصّة تلطّفاً بهم واعتناءً بشأنهم ثمّ نهاهم عن الانفاق المذموم كأنّ غيرهم ليسوا مكلّفين حتّى يتوجّه النّهى اليهم فقال: {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} اعلم انّ الانفاق اذا كان الدّاعى اليه صدق المنفق فى امتثال الامر الالهىّ من دون شراكة أغراض النّفس كان صدقة، وابطالها من حيث انّها صدقة بان لم يكن هذا الصّدق فى الانفاق او كان لكن يذهب به بعده فقوله: {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم} معناه: لا تذهبوا بصدقكم فى انفاقكم، والاتيان بعنوان الصّدقات مقام الانفاق للتّنبيه على انّ المؤمن ينبغى ان يكون انفاقه قريناً للصّدق لكن قد يطرؤ عليه ما يذهب بصدقه {كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ} مفعول له او حال. اعلم انّ العبادات اذا كان الدّاعى اليها قرب العابد من الله بمعنى انّ القرب المستلزم لشدّة الحبّ المستلزم لخدمة المحبوب صار سبباً للعبادة والقيام بخدمة المعبود وامتثال أمر المحبوب كانت عبادة، واذا كان الدّاعى انتفاع النّفس من الله ولو بقرب الله لم تكن عبادة حقيقة، واذا كان الدّاعى انتفاع النّفس من الغير لم تكن عبادة لا حقيقة ولا صورة بل كانت محرّمة ووبالاً ولذلك قالوا: انّ المراءاة فى الصّلاة مبطلةٌ لها بل المرائى اشرّ من تارك الصّلاة بمراتب فانّه مستهزء بالله ومنافق ومشرك او كافر ويحسب انّه محسن ويعجب بنفسه بخلاف التّارك فانّه متوانٍ فى أمره تعالى ويعلم انّه تارك؛ وكثيراً ما يتنبّه ويلوم نفسه {وَلاَ يُؤْمِنُ} لا يذعن {بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} حين المراءاة او مطلقاً {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} اعلم انّ التشبيهات التمثيليّة المركّبة لا يلزم ان يكون جميع اجزاء المشبّه والمشبّه به مذكورةً ولا يلزم التّرتيب بين اجازئهما فى الذّكر ولا ذكر تمام اجزائهما فقوله فمثله يحتمل ان يكون المراد به مثل المنفق المرائى فى صلابة قلبه وقساوته وعدم انبات النّبات فيه واستتار قلبه تحت صورة الانفاق الّذى هو من وجوه الخير الّذى يدلّ على صلاح قلبه وصلاحيته لبذر الآخرة وانباته ونموّه كمثل صفوان {عَلَيْهِ تُرَابٌ} صالح للزّرع ونموّه وابطال المرائاة الصلاحية المتراياة من ظاهر الانفاق كابطال المطر العظيم القطر الصلاحية المتراياة من ظاهر تراب الصّفوان وان يكون المراد به مثل المال المنفق فى ذهابه عن المنفق وعدم الانتفاع به بشيءٍ من وجوه الانتفاع لابطال الرّياء له مع انّه بحسب صورة الانفاق يترائى انّ المنفق ينتفع به كمثل بذرٍ وقع على صفوانٍ عليه تراب {فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً} عن التّراب والبذر جميعاً {لاَّ يَقْدِرُونَ} حال عن فاعل ينفق او عن الضّمير المضاف اليه للمثل فانّ المثل يصحّ حذفه وجمع الضّمير مع افراد الضّمير الّذى هو ذو الحال باعتبار لفظ، الّذى، ومعناه فانّ معناه الجنس العامّ الشامل لكلّ فرد، او جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما حال المنفق المرائى فى انفاقه؟ - او لم قلت كمثل صفوان؟ - او كأنّه قيل: ما حال المبطل انفاقه بالمنّ والمرائى فى انفاقه؟ - فقال: لا يقدرون {عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ} فلا اشكال حينئذٍ فى جمع الضّمير وهذا يدلّ على انّ المراد بالانفاق مطلق الاعمال فانّ الكسب اعمّ ممّا يكسب بالانفاق {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} عطف على لا يقدرون والاهتمام بالله منع من مراعاة التّناسب بين المتعاطفين او حال والمعنى انّهم بأنفسهم لا يقدرون ولا معين لهم سوى الله والله لا يهديهم ووضع الظّاهر موضع المضمر للتصريح بانّهم كافرون ولتعليل الحكم.

الهواري

تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالمَنِّ وَالأَذَى} فيصير مثلكم فيما يحبط الله من أعمالكم {كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ}. قال الحسن: كان بعض المسلمين يقولون: فعلت كذا وكذا، وأنفقت كذا وكذا، فقال الله: {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر}، وهو المنافق. قال: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ} كذلك الكفار الذين يطلبون بنفقتهم في سبيل الله الرياء لا يقدرون على شيء منه يوم القيامة. والصفوان الصفا. {فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} والوابل المطر الشديد. {فَتَرَكَهُ صَلْداً} أي نقياً. قال: {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا} يومئذ {وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ}. قال بعضهم: هذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة. يقول: لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ كما ترك المطر الوابل هذا الصفا، أي الحجر، ليس عليه شيء. قوله: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ} قال الحسن: ينوون إذا تصدقوا أنهم يريدون به ما عند الله، يعلمون أن لهم به الجزاء من الله. وقال بعضهم: تثبيتاً أي: احتساباً قال الحسن: فمثلهم في نفقتهم {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} أي بنشز من الأرض {أَصَابَهَا وَابِلٌ} وهو المطر الشديد. {فَأَتَتْ أُكُلَهَا} أي ثمرتها {ضِعْفَيْنِ} أي مرّتين {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} أي الطش. {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. وقال الحسن: لا تخلف خيرها على كل حال، كذلك لا تخلفهم نفقاتهم أن يصيبوا منها خيراً. وقال بعضهم: يقول: ليس لعمل المؤمن خلف كما ليس لهذه الجنة خلف على أي حال كان، إن أصابها وابل وإن أصابها طل.

اطفيش

تفسير : {يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالمنِّ والأذَى}: لا تبطلوا ثواب صدقاتكم بالمن ولا بالأذى، فإن من تصدق ومنّ بها أو أذى عليها فلا أجر له عليها، فإن السيئات يبطلن الحسنات إلا أن تيب منها، وقيل يجازى بما زاد على الآخر من ذلك، وذكر جمهور الأمة أن الصدقة التى يعلم الله من صاحبها أنه يمن بها أو يؤذى، لا تقبل لكن الملائكة تكتبها، وقيل يجعل للملك عليها إمارة فلا يكتبها. {كالَّذِى يُنفِقُ مَالهُ رِئاءَ النَّاسِ ولا يؤمنُ بالله واليَومِ الآخِرِ}: الكاف اسم مفعول مطلق، أى لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى إبطالا مثل إبطال الذى ينفق ماله ثواب صدقته لريائه بها، وعدم إيمانه بالله، والبعث، إلا أنه يختلف الإبطال، فالموجود يتصدق بحيث تقبل لو لم يمن أو يؤذى لكفها لم تقبل، لأنه يمن أو يؤذى، وقد كتبت، وقيل لا تكتب، والمشرك يتصدق بحيث لا يمكن له قبول عمل، ولا يكتب الملك له خيراً، وقد قيل إنهما لا يكتب لهما ثواب كما علمت أصلا. فالموحد لعلم الله أنه يمن أو يؤذى، والمشترك لشركه وعليه، فمعنى الإبطال فعل ما يتسبب، ولعدم الاعتداد بها من أول، وكذلك على الوجهين يكون المعنى إذا علقنا الكاف بتبطلوا على القول بتعليقها، وجعلناها حرفا أو جعلناها اسما حالا من واو تبطلوا، أى لا تبطلوها مماثلين الذى، أو علقناها حال بمحذوف، كذلك، أى ثابتين كالذى، ورئاء مفعول لأجله ناصبه ينفق، أو مفعول مطلق على حذف مضاف، أى إنفاق رئاء الناس، وضعف جعل نعتا بمعفول مطلق محذوف، أى إنفاقاً رئاء الناس بتنوين إنفاق لأن الرئاء مصدر فلا حاجة إلى النعت به، ولأنه معرفة بإضافته للناس، إلا أن يقال هو كالنكرة، لأن إضافته للجنس، وقيل إضافة المصدر التعليلى لفظية، ويجوز قيل كون رياء حالا بمعنى مرائيا أو ذا رياءٍ، وفيه البحث المذكور، لأنه مضاف لفظا للناس، إلا أنه يزداد فى الجواب إذا أولناه بمراء أن إضافة الوصل الحالى أو الاستقبالى لا تفيد تعريفا فرئاء مصدر رائَى يرائى، فألف فهمزة فألف تكتب ياء فهمزة، رئاء الأولى عين الكلمة، والثانية بدل من الياء التى هى لامها لتطرفها بعد ألف زائدة وهو من باب المفاعلة لفظا ومعناه التعدية للمفعول الذى هو فاعل فى المعنى مع إلغائه عن الثانى، فهو بمعنى الإراءة، فكأنه قيل إراءته الناس إنفاقه، ويجوز أن يكون على أصله من معنى المفاعلة على معنى أنه يرى الناس عمله، ويروه ثناءهم، وعن عاصم رياء بياء قبل الألف بدلا من الهمزة تخفيفا لها وهو مفعول لانفتاحها بعد كسرة. {فَمَثَلُه}: أى فمثل الذى ينفق ماله رئاء الناس: {كَمَثَلِ صَفْوانٍ}: حجر أملس كبير وهو مفرد جمعه صفى، وقيل جمع أو اسم جمع ومفرده صفوانه، وقرأ سعيد بن المسيب بفتح الفاء كالصاد. {عَلَيْه تُرابٌ فأَصابَهُ}: أى أصاب الصفوان أو التراب، والأول أول لأن هاء فتركه عائدة إلى صفوان. {وَابِلٌ}: مطر شديد، القطر بحيث لا يبقى على الصفوان شئ من التراب. {فَتَركهُ صلْداً}: أملسَ لا تراب فيه يقال: صلد مقدم رأس الأصلح إذا برق. {لا يَقدِرُونَ عَلى شَىءٍ ممَّا كَسَبُوا}: الواوان عائدتان إلى {كالذى ينفق ماله رئاءَ الناس} بأن المراد بالذى الجنس، فاعتبر لفظه فأفرد فيما مر، ومعناه هنا فجمع وكذا إن قدرنا فمثله كمثل الفريق الذى ينفق ولو كان أصله الذين، فحذفت النون لم يصح الإفراد، اللهم إلا أن يتكلف أنها لما حذفت أشبه المفرد لفظا فجاز الوجهان اعتبار اللفظ واعتبار الأصل، وهذه إشارة إلى وجه الشبه، أى كما لا يبقى شىء من التراب على الحجر الصلد فى المطر العظيم الشديد القطر كذلك لا يقدر منفق ماله رئاء الناس على حصول شىء مما كسبه من الإنفاق أى من الإنفاق الذى عمله، أو من عمله كله، لأنهُ مات مصرا على ريائه، أو مات مشركا، والذى ويتبع صدقته مناً أو أذى مثل هذا لا يتحصل له ثواب صدقته، فإن ظلم وأصر لم يحصل له شئ من عمله، قال بعض الحكماء: مثل من يعمل الطاعة للرياء والسمعة كمثل رجل خرج إلى السوق وملأ كيسه حصى، فيقول الناس ما أملأ كيس هذا الرجل ولا منفعة له سوى مقالة الناس، إذا لا يجد أن يشترى بما فيه شيئا، كذلك الذى يعمل رياء لا ينتفع بعمله يوم البعث. {واللّهُ لا يَهْدِى القَوْمَ الكافِرِينَ}: لا يوفقهم إلى ما يسعدهم، والمراد كفر الشرك وكفر النفاق، والمبطل لعمله بالمن والأذى أو بالرياء منافق، ومن زعم أن الفسق لا يسمى كفرا يقول إن الآية تغليظ على المانّ بصدقته المؤذى والمرائى بعمله، بأن شبهَّ منه وايذاءه ورياء المرائى بالشرك تلويحا، بأن ذلك من صفات المشرك ليجتنبا ذلك، أو يقول: إن الكافرين هم المذكورون بقوله: لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر أو يعم المشركين.

اطفيش

تفسير : {يَٰآيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى} أى ولا بالأذى. فكل واحد منهما مبطل لثواب الصدقة ولو انفرد، وكيف اجتماعهما، وموجب للعقاب، لأنه ظلم للفقير، ويقال: مبطل للثواب ولا عقاب، ويقال، مبطل للمضاعفة ولا عقاب، والحق ما مر، وقيل المن على الله، والأذى للفقير {كَالَّذِى} إبطالا كإبطال الذى، أو كائنين كالذى، تشبيه للجماعة بالواحد أو بالجماعة على معنى، كالفريق الذى {يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ} إنفاق رئاء الناس، أو لأجل رئاء الناس، أو مرائياً لهم، كذا يقولون، وهو عجيب، كيف لا يقتصر على أنه مفعول من أجله مع سلامته من تأويل وتقدير، والفعال على بابه، لأنه يرى الناس الإنفاق، ويرونه الثناء، والمراد مبطل لثواب عمله، وفاسق يرثائه، هذا هو الصحيح، وزعم بعض العزالى أنه إن قصد الرئاء، ورضى الله أو ثوابه لم يبطل عمله، وبعض، إن كان الرئاء غالباً بطل علمه، وإن كان مغلوبا لم يبطل، وإن كان مساويا لم يبطل عند بعض، وبطل عند بعض، وهذا فى الموحد المنافق بالكبيرة، وأما المنافق بإضمار الشرك فلا قائل بعدم إبطال علمه، والآية فيه لقوله تعالى: {وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ} أفادت الآية أن من أنكر البعث خلقك: الآية، وذلك متبادر مع احتمال أن الآية فيمن كفر بالله من قلبه {فَمَثَلُهُ} مثل الذى ينفق للرئاء، لأنه أقرب مذكور، أو مثل المبطل لصدقته بالمن والأذى الذى هو فرد من الحج، فى قوله: لا تبطلوا... الخ، وهذا ضعيف، لأن فيه إفراداً من الجمع ولبعده، ولكن الغرض من التشبيه فى الأغلب أن يعود إلى المشبه، والغرض هنا بيان حال المشبه، بأنه لا ينتفع بصدقته {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} حجر خالص، ما فيه هشاشة، وهو مفرد، اسم جمع، وقيل: اسم جنس، وله مفرد بالتاء، وهو صفوانة، وإفراد ضميره بعد ذلك قابل لذلك، والأولى الإفراد إذا قلنا اسم جمع أو اسم جنس، وقيل جمع صفاء، ويرده إفراد ذلك الضمير فى قوله تعالى {عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ} أصاب الصفوان {وَابِلٌ} مطر شديد، وهو رش، فطش، فطل، فنض، فيطل، فوابل {فَتَرَكَهُ} أى الصفوان {صَلْداً} نقيا من التراب، ما عليه غبره، ولو رددنا ضمير أصابه للتراب وهاء تركه للصفوان لكان فيه تفكيك الضمائر، والأولى خلافه {لاَّ يَقْدِرُونَ} أى لا يقدر الذين يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى والذى ينفق ماله رئاء الناس، أو لا يقدر الذى ينفق الرئاء، لأن المراد به الجنس، فيسرى انتفاء القدرة إلى مبطلى صدقاتهم بالمن والأذى، إذ شبهوا بالمنفق رئاء {عَلَى شَىْءٍ} أى على ثواب شىء {مِّمَّا كَسَبُواْ} من التصدق والإنفاق، كما لا يقبت التراب على الصلد، ولا يحرث ولا يعرس فلا ثمرة منه، أو المنافق، كالحجر فى عدم الانتفاع، وإنفاقه كالتراب لرجاء النفع فى الإنفاق بالأجر، وفى التراب بالإنبات وغير ذلك، ورده كالوابل المذهب له سريعا، الضار من حيث يظن النفع، ويجوز أن يراد بشىء نفس الثواب، أى لا يقدرون على ثواب يحصلونه مما كسبوا، وضمير الجمع فى الموضعين مراعاة لمعنى الذى، المراد به الجنس بعد مراعاة لفظه، وقيل: الذى يطلق على المفرد والجمع {وَاللهُ لاَ يَهْدِى} لا يوفق القوم {الْكَٰفِرِينَ} المشركين، المختوم عليهم بالشقاوة، إلى الحق، وذلك عموم شامل للمؤذى والمان والمرائى، أو هم المراد، ولم يضمر لهم إشعاراً بأن كفرهم جر لهم ذلك الإيذاء والمن والرثاء، وإشعاراً بأن ذلك من صفات الكفار فيجتنب.

الالوسي

تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} أقبل عليهم بالخطاب إثر بيان ما بين بطريق الغيبة البالغة في إيجاب العمل بموجب النهي ولذلك ناداهم بوصف الإيمان {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلأَذَىٰ} أي بكل واحد منهما لأن النفي أحق بالعموم وأدل عليه، والمراد بالمنّ المنّ على الفقير كما تقدم وهو المشهور، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المراد به المنّ على الله تعالى، وبالأذى الأذى للفقير، واستشكل ابن عطية هذه الآية بأن ظاهرها يستدعي أن أجر الصدقة يبطل بأحد هذين الأمرين ولا يمكن توجه الإبطال بذلك إلى نفس الصدقة لأنها قد ثبتت في الواقع فلا يعقل إبطالها؛ ومن العقيدة أن السيئات لا تبطل الحسنات خلافاً للمعتزلة، والآية أحد متمسكاتهم، وأجيب بأن الصدقة التي يعلم الله تعالى من صاحبها أنه يمنّ ويؤذي لا تقبل حتى قيل: إنه سبحانه يجعل للملك علامة فلا يكتبها، والإبطال المتنازع فيه إنما هو في عمل صحيح وقع عند الله تعالى في حيز القبول وما هنا ليس كذلك، فمعنى {لاَ تُبْطِلُواْ} حينئذٍ لا تأتوا بهذا العمل باطلاً كذا قالوا، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر إلا أن قوله تعالى: {كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ ٱلنَّاسِ} فيه نوع تأييد له بناءاً على أن {كَٱلَّذِي} في محل نصب إما على أنه نعت لمصدر محذوف أي لا تبطلوها إبطالاً كإبطال الذي الخ وإما على أنه حال من فاعل {لاَ تُبْطِلُواْ} أي لا تبطلوها مشابهين الذي ينفق أي الذي يبطل إنفاقه بالرياء، ووجه التأييد أن المرائي بالإجماع/ لم يأت بالعمل مقبولاً صحيحاً، وإنما أتى به باطلاً مردوداً، وقد وقع التشبيه في البين فتدبر. وانتصاب (رياء) إما على أنه علة لينفق أي لأجل ريائهم؛ أو على أنه حال من فاعله أي ينفق ماله مرائياً، وجعله نعتاً لمصدر محذوف أي إنفاقاً رياء الناس ليس بشيء، وقريب منه جعل الجار حالاً من ضمير المصدر المقدر لأنه لا يتمشى إلا على رأي سيبويه، وأصل رياء رئاء فالهمزة الأولى عين الكلمة والثانية بدل من ياء هي لام لأنها وقعت طرفاً بعد ألف زائدة، ويجوز تخفيف الهمزة الأولى بأن تقلب ياءاً فراراً من ثقل الهمزة بعد الكسرة، وقد قرأ به الخزاعي والشموني. وغيرهما، والمفاعلة في فعله عند السمين على بابها لأن المرائي يرى الناس أعماله والناس يرونه الثناء عليه والتعظيم له؛ والمراد من الموصول ما يشمل المؤمن والكافر ـ كما قيل ـ وغالب المفسرين على أن المراد به المنافق لقوله تعالى: {وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} حتى يرجو ثواباً أو يخشى عقاباً. {فَمَثَلُهُ} أي المرائي في الإنفاق، والفاء لربط ما بعدها بما قبلها {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ } أي حجر كبير أملس وهو جمع صفوانة أو صفاء أو اسم جنس ورجح بعود الضمير إليه مفرداً في قوله تعالى: {عَلَيْهِ تُرَابٌ} أي شيء يسير منه {فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} أي مطر شديد الوقع ـ والضمير للصفوان ـ وقيل: للتراب. {فَتَرَكَهُ صَلْدًا} أي أملس ليس عليه شيء من الغبار أصلاً، وهذا التشبيه يجوز أن يكون مفرقاً فالنافق المنافق كالحجر في عدم الانتفاع ونفقته كالتراب لرجاء النفع منهما بالأجر والإنبات، ورياؤه كالوابل المذهب له سريعا الضار من حيث يظن النفع ولو جعل مركباً لصح، وقيل: إنه هو الوجه والأول ليس بشيء.{لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ} أي لا يجدون ثواب شيء مما أنفقوا رياءاً ولا ينتفعون به قطعاً، والجملة مبينة لوجه الشبه أو استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا يكون حالهم حينئذٍ فقيل: لا يقدرون، وجعلها حالاً من (الذي) كما قال السمين مهزول من القول كما لا يخفى، والضمير راجع إلى الموصول باعتبار المعنى بعد ما روعي لفظه إذ هو صفة لمفرد لفظاً مجموع معنى كالجمع والفريق، أو هو مستعمل للجمع كما في قوله تعالى: {أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُواْ } تفسير : [التوبة: 69] على رأي، وقوله:شعر : إن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد تفسير : وقيل: إن من والذي يتعاقبان فعومل هنا معاملته، ولا يخفى بعده، ورجوع الضمير إلى (الذين آمنوا) من قبل بالالتفات مما لا يلتفت إليه. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} إلى ما ينفعهم، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله، وفيه تعريض بأن كلاً من الرياء والمنّ والأذى على الإنفاق من صفات الكفار ولا بد للمؤمنين أن يجتنبوها.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ}. بين أن المراد بالذي الذي بقوله: {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ} [البقرة: 264] قوله تعالى: {أية : لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 273] الآية لم يبين هنا سبب فقرهم. ولكنه بين في سورة الحشر أن سبب فقرهم هو إخراج الكفار لهم من ديارهم وأموالهم بقوله: {أية : لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} تفسير : [الحشر: 8] الآية.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إبطال الصدقة: الحرمان من ثوابها. المن والأذى: تقدم معناهما. رئاء الناس: مراءاة لهم ليكسب محمدتهم، أو يدفع مذمتهم. صفوان: حجر أملس. وابل: مطر شديد. صلداً: أملس ليس عليه شيء من التراب. لا يقدرون: يعجزون عن الانتفاع بشيء من صدقاتهم الباطلة. معنى الآية: بعد أن رغّب تعالى في الصدقات ونبّه إلى ما يبطل أجرها وهو المنّ والأذى نادى عباده المؤمنين فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...} ناهياً عن إفساد صدقاتهم وإبطال ثوابها فقال: {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} مشبهاً حال إبطال الصدقات بحال صدقات المرائي الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر في بطلانها فقال: {كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} وضرب مثلاً لبطلان صدقات من يتبع صدقاته منّا أو أذى أو يرائي بها الناس أو هو كافر لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر فقال: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ} أي حجر أملس عليه تراب، {فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً} أي نزل عليه مطر شديد فأزال التراب عنه فتركه أملس عارياً ليس عليه شيء، فكذلك تذهب الصدقات الباطلة ولم يبق منها لصاحبها شيء ينتفع به يوم القيامة، فقال تعالى: {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ} أي مما تصدقوا به، {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} إلى ما يسعدهم ويكملهم لأجل كفرانهم به تعالى. هداية الآية من هداية الآية: 1- حرمة المن والأذى في الصدقات وفسادها بها. 2- بطلان صدقة المان والمؤذي والمرائي بهما. 3- حرمة الرياء وهي من الشرك لحديث: "حديث : إياكم والرياء فإنه الشرك الأصغر ".

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {صَدَقَاتِكُم} {ٱلْكَافِرِينَ} {ٱلآخِرِ} (264) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِأنَّ المَنَّ وَالأذى يُبْطِلانِ الفَائِدَةَ المَقْصُودَةَ مِنْ إعْطَاءِ الصَّدَقَاتِ، كَمَا يُبْطِلُها إِعْطَاءُ الصَّدَقَةِ للتَّباهِي وَالمُرَاءَاةِ أمَامَ النَّاسِ بِها، كَمَنْ يَتَصَدَّقُ مُتَظَاهِراً بِأَنَّهُ يُرِيدُ وَجْهَ اللهِ، وَتَخْفِيفَ بُؤْسِ المُحْتَاجِينَ. وَهُوَ إنما يُرِيدُ مَدْحَ النَّاسِ، والاشْتِهَارَ بَيْنَهُمْ بِأَنَّهُ مِنَ المُحْسِنينَ. وَهؤلاءِ المُرَاؤونَ مَثَلُ أَعْمَالِهم مَثَلُ تُرابٍ عَلَى حَجَرٍ أَمْلَسَ، فَهَطَلَ مَطَرٌ فَغَسَلَ الحَجَرَ، وَلَمْ يَتْرُكْ عَلَيهِ شَيئاً مِنْ ذلِكَ التُّرابِ، وَأصْبَحَ الحَجَرُ صَلْداً لا تُرَابَ عَلَيهِ. وَكَذَلِكَ يَذْهَبُ عَمَلُ المُرائِينَ وَلا يَبْقَى مِنْهُ شَيءٌ، فَلا يَنْتَفِعُونَ بِشَيءٍ مِنْ عَمَلِهِمْ عِنْدَ اللهِ، وَإنْ ظَهَرَ أنَّ لَهُم أعْمَالاً حَسَنَةً، وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ المُنَافِقينَ المُرَائِينَ، إلى الخَيْرِ والرَّشَادِ. رِئَاءَ النَّاسِ - مُرَاءَاةً لَهُمْ وَطَلَباً لِلسُّمْعَةِ عِنْدَ النَّاسِ. صَفْوانٍ - حَجَرٍ أَمْلَسَ. وَابِلٌ - مَطَرٌ شَدِيدٌ عَظيمُ القَطْرِ. صَلْداً - أجْرَدَ نَقِيّاً مِنَ التُّرابِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فالذي يتصدق ويتبع صدقته بالمن والأذى، إنما يُبطل صدقته، وخسارته تكون خسارتين: الخسارة الأولى أنه أنقص ماله بالفعل؛ لأن الله لن يعوض عليه؛ لأنه أتبع الصدقة بما يبطلها من المَنّ والأذى، والخسارة الأخرى هي الحرمان من الثواب؛ فالذي ينفق ليقول الناس عنه إنه ينفق، عليه أن يعرف أن الحق يوضح لنا: إنه يعطي الأجر على قاعدة أن الذي يدفع الأجر هو من عملت له العمل. إن الإنسان على محدودية قدرته يعطي الأجر لمن عمل له عملاً، والذي يعمل من أجل أن يقول الناس إنه عمل، فليأخذ أجره من القدرة المحدودة للبشر، ولذلك قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذي يفعل الحسنة أو الصدقة ليقال عنه أنه فعل، فإنه يأتي يوم القيامة ولا يجد أجراً له. وقد جاء في الحديث الشريف: "حديث : ورجل آتاه الله من أنواع المال فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيها؟ قال: ما تركت من شيء تجب أن أنفق فيه إلاّ أنفقت فيه لك، قال: كذبت إنما أردت أن يقال: فلان جواد فقد قيل، فأمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ". تفسير : إياك إذن أن تقول: أنا أنفقت ولم يوسع الله رزقي؛ لأن الله قد يبتليك ويمتحنك، فلا تفعل الصدقة من أجل توسيع الرزق، فعطاء الله للمؤمن ليس في الدنيا فقط، ولكن الله قد يريد ألا يعطيك في الفانية وأبقى لك العطاء في الباقية وهي الآخرة. وهو خير وأبقى. والحق يقول: {وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ} [البقرة: 264] والصفوان هو الحجر الأملس، ويُسمى المروة والذي نسميه بالعامية "الزلطة". ويقال للأصلع "صفوان"، أي رأسه أملس كالمروة. والشيء الأملس هو الذي لا مسام له يمكن أن تدركها العين المدركة، إنما يدرك الإنسان هذه المسام بوضع الحجر تحت المجهر. وعندما يكون الشيء ناعماً قد يأتي عليه تراب، ثم يأتي المطر فينزل على التراب وينزلق التراب من على الشيء الأملس، ولو كان بالحجر بعض من الخشونة، لبقى شيء من التراب بين النتوءات، فالذي ينفق ماله رئاء الناس، كالصفوان يتراكم عليه التراب، وينزل المطر على التراب فيزيله كلّه فيصير الأمر: {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ} [البقرة: 264] أي فقدوا القدرة على امتلاك أي شيء؛ لأن الله جعل ما لهم من عمل هباء منثوراً. وهؤلاء كالحجر الصفوان الذي عليه تراب فنزل عليه وابل .. أي مطر شديد فتركه صلداً .. تلك هي صفات من قصدوا بالإنفاق رئاء الناس، فيبطل الله جزاءهم؛ لأن الله لا يوفقهم إلى الخير والثواب. ويأتي الله بالمقابل، وهم الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله فيقول: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ} فالصَّفَوانُ: الحِجَارةُ الملسُ التي لاَ يَثبُتُ فِيهَا شَيءٌ. والواحدةُ صَفْوانةٌ. وكذلك الصَّفا للجَمعِ. واحدُهَا صَفَاةٌ. تفسير : وقولهُ تعالى: {فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} معناه مَطرٌ، والجمعُ الأَوابلُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {فَتَرَكَهُ صَلْداً} أَي يابِساً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ينهى عباده تعالى لطفا بهم ورحمة عن إبطال صدقاتهم بالمنّ والأذى ففيه أن المنّ والأذى يبطل الصدقة، ويستدل بهذا على أن الأعمال السيئة تبطل الأعمال الحسنة، كما قال تعالى: {أية : ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } تفسير : فكما أن الحسنات يذهبن السيئات فالسيئات تبطل ما قابلها من الحسنات، وفي هذه الآية مع قوله تعالى {أية : ولا تبطلوا أعمالكم } تفسير : حث على تكميل الأعمال وحفظها من كل ما يفسدها لئلا يضيع العمل سدى، وقوله: { كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر } أي: أنتم وإن قصدتم بذلك وجه الله في ابتداء الأمر، فإن المنة والأذى مبطلان لأعمالكم، فتصير أعمالكم بمنزلة الذي يعمل لمراءاة الناس ولا يريد به الله والدار الآخرة، فهذا لا شك أن عمله من أصله مردود، لأن شرط العمل أن يكون لله وحده وهذا في الحقيقة عمل للناس لا لله، فأعماله باطلة وسعيه غير مشكور، فمثله المطابق لحاله { كمثل صفوان } وهو الحجر الأملس الشديد { عليه تراب فأصابه وابل } أي: مطر غزير { فتركه صلدا } أي: ليس عليه شيء من التراب، فكذلك حال هذا المرائي، قلبه غليظ قاس بمنزلة الصفوان، وصدقته ونحوها من أعماله بمنزلة التراب الذي على الصفوان، إذا رآه الجاهل بحاله ظن أنه أرض زكية قابلة للنبات، فإذا انكشفت حقيقة حاله زال ذلك التراب وتبين أن عمله بمنزلة السراب، وأن قلبه غير صالح لنبات الزرع وزكائه عليه، بل الرياء الذي فيه والإرادات الخبيثة تمنع من انتفاعه بشيء من عمله، فلهذا { لا يقدرون على شيء } من أعمالهم التي اكتسبوها، لأنهم وضعوها في غير موضعها وجعلوها لمخلوق مثلهم، لا يملك لهم ضررا ولا نفعا وانصرفوا عن عبادة من تنفعهم عبادته، فصرف الله قلوبهم عن الهداية، فلهذا قال: { والله لا يهدي القوم الكافرين } .

همام الصنعاني

تفسير : 337- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {فَتَرَكَهُ صَلْداً}: [الآية: 264]، قال: نَقِيّاً ليس عليه شيء.