٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
265
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} «ٱبْتِغَاءَ» مفعول من أجله. «وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ» عطف عليه. وقال مكيّ في المُشْكِل: كلاهما مفعول من أجله. قال ابن عطية: وهو مردود، ولا يصح في «تَثْبِيتاً» أنه مفعول من أجله؛ لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت. و «ابْتِغَاءَ» نصب على المصدر في موضع الحال، وكان يتوجّه فيه النصب على المفعول من أجله، لكن النصب على المصدر هو الصواب من جهة عطف المصدر الذي هو «تَثْبِيتاً» عليه. ولما ذكر الله تعالى صفة صدقات القوم الذين لا خلاق لصدقاتهم، ونهى المؤمنين عن مواقعة ما يشبه ذلك بوجه ما، عقب في هذه الآية بذكر نفقات القوم الذين تزكو صدقاتهم إذ كانت على وفق الشرع ووجهه. و «ابْتِغاءَ» معناه طلب. و «مَرْضَاتِ» مصدر من رَضِي يَرْضَى. «وَتَثْبِيتاً» معناه أنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم؛ قاله مجاهد والحسن. قال الحسن: كان الرجل إذا همّ بصدقة تثبت، فإن كان ذلك لله أمضاه وإن خالطه شك أمسك. وقيل: معناه تصديقاً ويقيناً؛ قاله ابن عباس. وقال ابن عباس أيضاً وقتادة: معناه واحتساباً من أنفسهم. وقال الشعبي والسدّي وقتادة أيضاً وابن زيد وأبو صالح وغيرهم: «وتثبيتاً» معناه وتيقناً أي أن نفوسهم لها بصائر فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تعالى تثبيتاً. وهذه الأقوال الثلاث أصوب من قول الحسن ومجاهد؛ لأن المعنى الذي ذهبا إليه إنما عبارته «وتثبيتاً» مصدر على غير المصدر. قال ابن عطية: وهذا لا يسوغ إلا مع ذكر المصدر والإفصاح بالفعل المتقدّم؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً}تفسير : [نوح: 17]، {أية : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} تفسير : [المزمل: 8]. وأما إذا لم يقع إفصاح بفعل فليس لك أن تأتي بمصدر في غير معناه ثم تقول: أحمله على معنى كذا وكذا، لفعل لم يتقدّم له ذكر. قال ابن عطية: هذا مهْيَعُ كلام العرب فيما علمته. وقال النحاس: لو كان كما قال مجاهد لكان وتثبُّتا من تثبّت كتكرَّمت تكرُّماً، وقول قتادة: احتساباً، لا يعرف إلا أن يراد به أن أنفسهم تثبِّتهم محتسبةً، وهذا بعيد. وقول الشعبي حسن، أي تثبيتاً من أنفسهم لهم على إنفاق ذلك في طاعة الله عز وجل؛ يقال: ثبَّتُّ فلاناً في هذا الأمر؛ أي صححت عزمه، وقوّيت فيه رأيه، أثبته تثبيتاً، أي أنفسهم موقِنة بوَعْد الله على تثبيتهم في ذلك. وقيل: «وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ» أي يقرّون بأن الله تعالى يُثبت عليها، أي وتثبيتاً من أنفسهم لثوابها، بخلاف المنافق الذي لا يحتسب الثواب. قوله تعالى: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} الجنة: البستان، وهي قطعة أرض تنبت فيها الأشجار حتى تغطيها، فهي مأخوذة من لفظ الجِنّ والجنِين لاستتارهم. وقد تقدّم. والرِبُّوة: المكان المرتفع ارتفاعاً يسيراً، معه في الأغلب كثافة تراب، وما كان كذلك فنباته أحسن، ولذلك خص الرّبوة بالذكر. قال ابن عطية: ورياض الحزن ليست من هذا كما زعم الطبريّ، بل تلك هي الرياض المنسوبة إلى نَجْد؛ لأنها خير من رياض تِهامة، ونبات نجد أعطر، ونسيمه أبرد وأرَقّ، ونجد يقال لها حزن. وقلما يصلح هواء تهامة إلا بالليل؛ ولذلك قالت الأعرابية: «زوجي كليل تهامة». وقال السدى: «بِربوةٍ» أي برباوة، وهو ما انخفض من الأرض. قال ابن عطية: وهذه عبارة قلِقة، ولفظ الربوة هو مأخوذ من رَبَا يَرْبو إذا زاد. قلت: عبارة السدى ليست بشيء؛ لأن بناء «رَبَ وَ» معناه الزيادة في كلام العرب؛ ومنه الرَّبْو للنّفس العالي. رَبَا يَرْبُو إذا أخذه الرّبو. وربا الفرس إذا أخذه الربو من عَدْو أو فزع. وقال الفرّاء في قوله تعالى: {أية : فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً} تفسير : [الحاقة: 10] أي زائدة؛ كقولك: أَرْبيت إذا أخذت أكثر مما أعطيت. ورَبَوْتُ في بني فلان ورَبِيت أي نشأت فيهم. وقال الخليل: الرّبْوة أرض مرتفعة طيبة وخص الله تعالى بالذكر التي لا يجري فيها ماء من حيث العُرف في بلاد العرب، فمثل لهم ما يحسّونه ويدركونه. وقال ابن عباس: الرَّبْوَة المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار؛ لأن قوله تعالى {أَصَابَهَا وَابِلٌ} إلى آخر الآية يدل على أنها ليس فيها ماء جار، ولم يرد جنس التي تجري فيها الأنهار؛ لأن الله تعالى قد ذكر ربوة ذات قرارٍ ومَعِين. والمعروف من كلام العرب أن الربوة ما ارتفع عما جاوره سواء جرى فيها ماء أو لم يجر. وفيها خمس لغات «رُبْوَةٌ» بضم الراء، وبها قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ونافع وأبو عمرو. و «رَبْوَةٌ» بفتح الراء، وبها قرأ عاصم وابن عامر والحسن. «ورِبْوة» بكسر الراء، وبها قرأ ٱبن عباس وأبو إسحاق السبِيعي. و «رَبَاوَة» بالفتح، وبها قرأ أبو جعفر وأبو عبد الرحمن؛ وقال الشاعر:شعر : مَن مُنزلِي في رَوْضة بَرباوة بين النخيل إلى بَقيع الغَرْقَدِ؟ تفسير : و «رِبَاوَة» بالكسر، وبها قرأ الأشهب العقيلي. قال الفراء: ويقال بِرَباوة وبرِباوة، وكله من الرّابية، وفعله رَبَا يَرْبُو. قوله تعالى: {أَصَابَهَا} يعني الربوة. {وَابِلٌ} أي مطر شديد؛ قال الشاعر:شعر : ما رَوْضَةٌ من رِياض الحَزْن مُعْشِبَةٌ خضراء جَادَ عليها وَابِلٌ هَطِلُ تفسير : {فَآتَتْ} أي أعطت. {أُكُلَهَا} بضم الهمزة: الثمر الذي يؤكل؛ ومنه قوله تعالى: {أية : تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} تفسير : [إبراهيم: 25]. والشيء المأكول من كل شيء يقال له أُكُل. والأُكْلَة: اللقمة؛ ومنه الحديث: «حديث : فإن كان الطعام مَشْفُوها قليلاً فليضع في يده منه أُكْلَة أو أُكْلَتين»تفسير : يعني لقمة أو لقمتين، خرّجه مسلم. وإضافته إلى الجنة إضافة ٱختاص، كسرج الفرس وباب الدار. وإلا فليس الثمر مما تأكله الجنة. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «أُكْلَهَا» بضم الهمزة وسكون الكاف، وكذلك كل مضاف (إلى) مؤنث، وفارقهما أبو عمرو فيما أُضيف إلى مذكَّر مثل أُكُلَه أو كان غير مضاف إلى شيء مثل {أية : أُكُلٍ خَمْطٍ} تفسير : [سبأ: 16] فثَقّل أبو عمرو ذلك وخفّفاه. وقرأ عاصم وٱبن عامر وحمزة والكسائي في جميع ما ذكرناه بالتثقيل. ويقال: أَكْل وأُكُل بمعنى. {ضِعْفَيْنِ} أي أعطت ضعفي ثمر غيرها من الأرضِين. وقال بعض أهل العلم: حملت مرتين في السنة؛ والأوّل أكثر، أي أخرجت من الزرع ما يخرج غيرها في سنتين. قوله تعالىٰ: {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} تأكيد منه تعالىٰ لمدح هذه الرّبوة بأنها إن لم يصبها وابِل فإن الطل يكفيها وينوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين، وذلك لكرم الأرض وطيبها. قال المبرّد وغيره: تقديره فطَلٌّ يكفيها. وقال الزجاج: فالذي يصيبها طل. والطل: المطر الضعيف المستدِق من القطر الخفيف؛ قاله ابن عباس وغيره، وهو مشهور اللغة. وقال قوم منهم مجاهد: الطَّلُّ: النَّدَىٰ. قال ابن عطية: وهو تجوّز وتشبيه. قال النحاس: وحكى أهل اللغة وَبَلَت وأوْبَلَت، وطَلّت وأَطَلّت. وفي الصحاح: الطَّلّ أضعف المطر والجمع الطِّلال؛ تقول منه؛ طُلّت الأرض وأطلّها الندى فهي مَطْلولة. قال الماوردِيّ: وزرع الطل أضعف من زرع المطر وأقل ريعاً، وفيه ـ وإن قلّ ـ تماسك ونفع. قال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه كمثل جنة بربوة أصابها وابل فإن لم يصبها وابل فطل فآتت أكلها ضِعفين. يعني ٱخضرت أوراق البستان وخرجت ثمرتها ضعفين. قلت: التأويل الأوّل أصوب ولا حاجة إلى التقديم والتأخير. فشبّه تعالىٰ نموّ نفقات هؤلاء المخلصين الذين يُرَبِّي الله صدقاتهم كتربية الفُلُوّ والفَصِيل بنموّ نبات الجنة بالرّبوة الموصوفة؛ بخلاف الصَّفْوَان الذي انكشف عنه ترابه فبقى صلداً. وخرّج مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يتصدّق أحد بتمرة من كسب طيب إلاَّ أخذها الله بيمينه فيربِّيها كما يرَبِّي أحدكم فُلُوّه أو فَصِيله حتى تكون مثل الجبل أو أعظم» تفسير : خرّجه الموطأ أيضاً. قوله تعالىٰ: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وعد ووعيد. وقرأ الزهريّ «يعملون» بالياء كأنه يريد به الناس أجمع، أو يريد المنفقين فقط؛ فهو وعد محض.
البيضاوي
تفسير : {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمُ ٱبْتِغَاء مَرْضَاتَ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ} وتثبيتاً بعض أنفسهم على الإِيمان، فإِن المال شقيق الروح، فمن بذل ماله لوجه الله ثبت بعض نفسه ومن بذل ماله وروحه ثبتها كلها، أو تصديقاً للإِسلام وتحقيقاً للجزاء مبتدأ من أصل أنفسهم، وفيه تنبيه على أن حكمة الإِنفاق للمنفق تزكية النفس عن البخل وحب المال. {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ } أي ومثل نفقة هؤلاء في الزكاة، كمثل بستان بموضع مرتفع، فإن شجره يكون أحسن منظراً وأزكى ثمراً. وقرأ ابن عامر وعاصم {بِرَبْوَةٍ } بالفتح وقرىء بالكسر وثلاثتها لغات فيها. {أَصَابَهَا وَابِلٌ} مطر عظيم القطر. {فَأَتَتْ أُكُلَهَا} ثمرتها. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بالسكون للتخفيف. {ضِعْفَيْنِ} مثلي ما كنت تثمر بسبب الوابل. والمراد بالضعف المثل كما أريد بالزوج الواحد في قوله تعالى: {أية : مِن كُلّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ }تفسير : [هود: 40] وقيل: أربعة أمثاله ونصبه على الحال أي مضاعفاً. {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} أي فيصيبها، أو فالذي يصيبها طل، أو فطل يكفيها لكرم منبتها وبرودة هوائها لارتفاع مكانها. وهو المطر الصغير القطر، والمعنى أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله لا تضيع بحال وإن كانت تتفاوت باعتبار ما ينضم إليها من أحواله، ويجوز أن يكون التمثيل لحالهم عند الله تعالى بالجنة على الربوة ونفقاتهم الكثيرة والقليلة الزائدتين في زلفاهم بالوابل والطل. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تحذير عن الرئاء وترغيب في الإِخلاص.
ابن كثير
تفسير : وهذا مثل المؤمنين المنفقين أموالهم ابتغاء مرضاة الله عنهم في ذلك، {وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ} أي: وهم متحققون متثبتون أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء، ونظير هذا في معنى قوله عليه السلام في الحديث الصحيح المتفق على صحته: «حديث : من صام رمضان إيماناً واحتساباً»تفسير : أي: يؤمن أن الله شرعه، ويحتسب عند الله ثوابه، قال الشعبي: {وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ} أي: تصديقاً ويقيناً، وكذا قال قتادة وأبو صالح وابن زيد، واختاره ابن جرير. وقال مجاهد والحسن: أي: يتثبتون أين يضعون صدقاتهم. وقوله: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} أي: كمثل بستان بربوة، وهو عند الجمهور: المكان المرتفع المستوي من الأرض، وزاد ابن عباس والضحاك: وتجري فيه الأنهار. قال ابن جرير رحمه الله: وفي الربوة ثلاث لغات: هن ثلاث قراءات: بضم الراء، وبها قرأ عامة أهل المدينة والحجاز والعراق، وفتحها، وهي قراءة بعض أهل الشام، والكوفة، ويقال: إنها لغة تميم، وكسر الراء، ويذكر أنها قراءة ابن عباس. وقوله: {أَصَابَهَا وَابِلٌ} وهو المطر الشديد، كما تقدم، {فَأَتَتْ أُكُلَهَا} أي: ثمرتها {ضِعْفَيْنِ} أي: بالنسبة إلى غيرها من الجنان {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} قال الضحاك: هو الرذاذ، وهو اللين من المطر، أي: هذه الجنة بهذه الربوة لا تمحل أبداً؛ لأنها إن لم يصبها وابل فطل، وأياً ما كان فهو كفايتها، وكذلك عمل المؤمن لا يبور أبداً، بل يتقبله الله ويكثره وينميه، كل عامل بحسبه، ولهذا قال: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَثَلُ } نفقات {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمُ ٱبْتِغَاءَ } طلب {مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } أي تحقيقاً للثواب عليه بخلاف المنافقين الذين لا يرجونه لإنكارهم له، و(مَن) ابتدائية {كَمَثَلِ جَنَّةٍ } بستان {بِرَبْوَةٍ } بضم الراء وفتحها، مكان مرتفع مستو {أَصَابَهَا وَابِلٌ فَأَتَتْ } أعطت {أُكُلُهَا } بضم الكاف وسكونها ثمرها {ضِعْفَيْنِ } مثل ما يثمر غيرها {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } مطر خفيف يصيبها ويكفيها لارتفاعها، المعنى: تثمر وتزكو كَثُر المطر أم قل فكذلك نفقات من ذكر تزكو عند الله كَثُرَت أم قلت {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم به.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللهِ} يحتمل وجهين: أحدهما: في نُصرة أهل دينه من المجاهدين. والثاني: في معونة أهل طاعته من المسلمين. {وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: تثبيتاً من أنفسهم بقوة اليقين، والنصرة في الدين، وهو معنى قول الشعبي، وابن زيد، والسدي. والثاني: يتثبتون أين يضعون صدقاتهم، قاله الحسن، ومجاهد. والثالث: يعني احتساباً لأنفسهم عند الله، قاله ابن عباس، وقتادة. والرابع: توطيناً لأنفسهم على الثبوت على طاعة الله، قاله بعض المتكلمين. {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} في الربوة قولان: أحدهما: هي الموضع المرتفع من الأرض، وقيل المُسْتَوِي في ارتفاعه. والثاني: كل ما ارتفع عن مسيل الماء، قاله اليزيدي. {أَصَابَهَا وَابِلٌ} في الوابل وجهان: أحدهما: المطر الشديد. والثاني: الكثير، قال عدي بن زيد: شعر : قليل لها مني وإن سخطت بأن أقول سقيت سقيت الوابل الغدقا تفسير : {فآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} وإنما خص الربوة لأن نبتها أحسن، وريعها أكثر، قال الأعشى: شعر : ما روضة من رياض الحزن معيشة خضراء جاد عليها مسبل هطل تفسير : والأُكُل، بالضم: الطعام لأن من شأنه أن يؤكل. ومعنى ضعفين: مثلين، لأن ضعف الشيء مثله زائداً عليه، وضعفاه: مثلاه زائداً عليه، وقيل ضعف الشيء مثلاه، والأول قول الجمهور. {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} الطل: الندى، وهو دون المطر، والعرب تقول: الطل أحد المطرين، وزرع الطل أضعف من زرع المطر وأقل ريعاً، وفيه ـ وإن قل ـ تماسكٌ ونَفْعٌ، فأراد بهذا ضرب المثل أن كثير البِر مثل زرع المطر كثير النفع، وقليل البِر مثل زرع الطل قليل النفع، ولا تدع قليل البر إذا لم تفعل كثيره، كما لا تدع زرع الطل إذا لم تقدر على زرع المطر.
ابن عطية
تفسير : من أساليب فصاحة القرآن أنه يأتي فيه نقيض ما يتقدم ذكره لتبيين حال التضاد بعرضها على الذهن، فلما ذكر الله صدقات القوم الذين لا خلاق لصدقاتهم ونهى المؤمنين عن مواقعة ما يشبه ذلك بوجه ما عقب في هذه الآية بذكر نفقات القوم الذين تزكو صدقاتهم وهي على وجهها في الشرع فضرب لها مثلاً، وتقدير الكلام ومثل نفقة الذين ينفقون كمثل غراس جنة، لأن المراد بذكر الجنة غراسها أو تقدر الإضمار في آخر الكلام دون إضمار نفقة في أوله، كأنه قال: كمثل غارس جنة، و {ابتغاء} معناه طلب، وإعرابه النصب على المصدر في موضع الحال. وكان يتوجه فيه النصب على المفعول من أجله. لكن النصب على المصدر هو الصواب من جهة عطف المصدر الذي هو {وتثبيتاً} عليه. ولا يصح في {تثبيتاً} أنه مفعول من أجله، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت. وقال مكي في المشكل: كلاهما مفعول من أجله وهو مردود بما بيناه، و {مرضاة} مصدر من رضي يرضى، وقال الشعبي والسدي وقتادة وابن زيد وأبو صالح: {وتثبيتاً} معناه وتيقناً، أي إن نفوسهم لها بصائر متأكدة فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تثبيتاً، وقال مجاهد والحسن: معنى قوله: {وتثبيتاً} أي إنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم؟ وقال الحسن كأن الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإن كان ذلك لله أمضاه وإن خالطه شك أمسك، والقول الأول أصوب. لأن هذا المعنى الذي ذهب إليه مجاهد والحسن إنما عبارته وتثبتاً، فإن قال محتج إن هذا من المصادر التي خرجت على غير المصدر كقوله تعالى: {أية : وتبتل إليه تبتيلاً} تفسير : [المزمل: 8]، وكقوله: {أية : أنبتكم من الأرض نباتاً} تفسير : [نوح: 17] فالجواب لا يسوغ إلا مع ذكر المصدر والإفصاح بالفعل المتقدم للمصدر، وأما إذا لم يقع إفصاح بفعل فليس لك أن تأتي بمصدر في غير معناه ثم تقول أحمله على فعل كذا وكذا لفعل لم يتقدم له ذكر، هذا مهيع كلام العرب فيما علمت، وقال قتادة: {وتثبيتاً} معناه وإحساناً من أنفسهم. قال القاضي أبو محمد: وهذا نحو القول الأول، والجنة البستان وهي قطعة أرض نبتت فيها الأشجار حتى سترت الأرض، فهي من لفظ الجن والجنن والجنة وجن الليل، والربوة ما ارتفع من الأرض ارتفاعاً يسيراً معه في الأغلب كثافة التراب وطيبه وتعمقه، وما كان كذلك فنباته أحسن، ورياض الحزن ليس من هذا كما زعم الطبري، بل تلك هي الرياض المنسوبة إلى نجد لأنها خير من رياض تهامة ونبات نجد أعطر ونسميه أبرد وأرق، ونجد يقال له الحزن، قول ما يصلح هواء تهامه إلا بالليل، ولذلك قالت الأعرابية: زوجي كليل تهامة، وقال ابن عباس: الربوة المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا إنما أراد به هذه الربوة المذكورة في كتاب الله، لأن قوله تعالى: {أصابها وابل} إلى آخر الآية يدل على أنها ليس فيها ماء جار، ولم يرد ابن عباس أن جنس الربا لا يجري فيها ماء، لأن الله تعالى قد ذكر ربوة ذات قرار ومعين، والمعروف في كلام العرب أن الربوة ما ارتفع عما جاوره سواء جرى فيها ماء أو لم يجر، وقال الحسن: الربوة الأرض المستوية التي لا تعلو فوق الماء، وهذا أيضاً أراد أنها ليست كالجبل والظرب ونحوه، قال الخليل أرض مرتفعة طيبة وخص الله بالذكر التي لا يجري فيها ماء من حيث هي العرف في بلاد العرب فمثل لهم بما يحسونه كثيراً، وقال السدي {بربوة} أي برباوة وهو ما انخفض من الأرض، قال أبو محمد: وهذه عبارة قلقة ولفظ الربوة هو مأخوذ من ربا يربو إذا زاد، يقال "رُبوة" بضم الراء وبها قرأ ابن كثير وحمزة الكسائي ونافع وأبو عمرو. ويقال "رَبوة" بفتح الراء وبها قرأ عاصم وابن عامر، وكذلك خلافهم في سورة المؤمنين، ويقال رِبوة بكسر الراء وبها قرأ ابن عباس فيما حكي عنه. ويقال رَباوة بفتح الراء والباء وألف بعدها، وبها قرأ أبو جعفر وأبو عبد الرحمن، ويقال رباوة بكسر الراء وبها قرأ الأشهب العقيلي، {وآتت} معناه أعطت، و "الأُكْل" بضم الهمزة وسكون الكاف الثمر الذي يؤكل، والشيء المأكول من كل شيء يقال له أكل، وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص كسرج الدابة وباب الدار، وإلا فليس الثمر مما تأكله الجنة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو "أُكْلُها" بضم الهمزة وسكون الكاف، وكذلك كل مضاف إلى مؤنث وفارقهما أبو عمرو فيما أضيف إلى مذكر مثل أكله أو كان غير مضاف إلى مكنى مثل أكل خمط فثقل أبو عمرو ذلك، وخففاه، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي في جميع ما ذكرناه، بالتثقيل. ويقال أكل وأكل بمعنى، وهو من أكل بمنزلة الطعمة من طعم، أي الشيء الذي يطعم ويؤكل، و {ضعفين} معناه: اثنين مما يظن بها ويحرز من مثلها، ثم أكد تعالى مدح هذه الربوة بأنها {إن لم يصبها وابل} فإن الطل يكفيها وينوب مناب الوابل، وذلك لكرم الأرض، والطل المستدق من القطر الخفيف، قاله ابن عباس وغيره، وهو مشهور اللغة، وقال قوم الطل الندى، وهذا تجوز وتشبيه، وقد روي ذلك عن ابن عباس. قال المبرد: تقديره {فطلٌّ} يكفيها. وقال غيره التقدير فالذي أصابهم طل، فشبه نمو نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربي الله صدقاتهم كتربية الفلو والفصيل حسب الحديث بنمو نبات هذه الجنة بالربوة الموصوفة، وذلك كله بخلاف الصفوان الذي انكشف عنه ترابه فبقي صلداً، وفي قوله تعالى: {والله بما تعملون بصير} وعد ووعيد، وقرأ الزهري يعملون بالياء كأنه يريد به الناس أجمع. أو يريد المنفقين فقط فهو وعد محض.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ} أين يضعون الصدقة، أو توطيناً لها بالثبوت على الطاعة، أو بقوة اليقين، ونصرة الدين. {بِرَبْوَةٍ} مكان مرتفع، نبتها أحسن، وريعها أكثر. {أُكُلَهَا} الأكل للطعام. {ضِعْفَيْنِ} مثلين، ضعف الشيء: مثله زائداً عليه، وضعفاه: مثلاه زائداً عليه عند الجمهور، أو ضعف الشيء: مثلاه.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله} أي طلب رضا الله {وتثبيتاً من أنفسهم} يعني على الإنفاق في طاعة الله تعالى وتصديقاً بثوابه، وقيل: معناه إن أنفسهم موقنة مصدقة بوعد الله إياها فيما أنفقت وقيل: إحساناً وقيل تصديقاً والمعنى أنهم يخرجون زكاة أموالهم، وينفقون أموالهم في سائر وجوه البر والطاعات طيبة أنفسهم بما أنفقوا على يقين بثواب الله وتصديق بوعده يعملون أن ما أنفقوا خير لهم مما تركوا وقيل معناه على يقين بإخلاف الله عليهم وقيل: معناه أنهم يتثبتون في الموضع الذي يضعون فيه صدقاتهم قيل: كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت فإن كانت لله خالصة أمضاها، وإن خالطه شك أو رياء أمسك {كمثل جنة} أي بستان قال الفراء إذا كان في البستان نخل فهو جنة وإن كان فيه كرم فهو فردوس {بربوة} هي المكان المرتفع عن الأرض المستوي لأن ما ارتفع من الأرض عن مسيل الماء والأودية كان ثمرها أحسن وأزكى إذا كان لها من الماء ما يرويها وقيل: هي الأرض المستوية الجيدة الطيبة إذا أصابها المطر انتفخت وربت فإذا كانت الأرض بهذه الصفة كثر ريعها وحملت أشجارها {أصابها وابل} وهو المطر الكثير الشديد قال بعضهم: شعر : ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها وابل هطل تفسير : أراد بالحزن ما غلظ وارتفع من الأرض {فآتت أكلها ضعفين} أي فأعطت ثمرتها مثلين قيل إنها حملت في سنة من الريع ما يحمله غيرها في سنتين وقيل أضعفت فحملت في السنة مرتين {فإن لم يصبها وابل فطل} أي طش وهو المطر الخفيف الضعيف، والمعنى إن لم يكن أصابها وابل وأصابها طل فتلك حال هذه الجنة في تضاعف ثمرها فإنها لا تنقص بالطل عن مقدار ثمرها بالوابل وهذا مثل ضربه الله تعالى: لعمل المؤمن المخلص في إنفاقه وسائر أعماله، يقول الله تعالى كما أن هذه الجنة تريع وتزكو في كل حال ولا تخلف سواء كان المطر قليلاً أو كثيراً فكذلك يضعف الله صدقة المؤمن المخلص في صدقته وإنفاقه الذي لا يمن ولا يؤذي سواه قلت نفقته أو كثرت {والله بما تعملون بصير} يعني أن الله تعالى لا تخفى عليه نفقة المخلص في صدقته الذي لا يمن بها ولا يؤذي والذي يمن بصدقته ويؤذي قوله عز وجل: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب} هذه متصلة بما قبلها وهو قوله تعالى. لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى أيود يعني أيحب أحدكم أن تكون له جنة أي بستان من نخيل وأعناب إنما خصهما بالذكر لأنهما أشرف الفواكه وأحسنها ولما فيهما من الغذاء والتفكه {تجري من تحتها الأنهار} يعني أن جري الأنهار فيها من تمام حسنها، وسبب لزيادة ثمرها {له فيها من كل الثمرات} لأن ذلك من تمام كمال البستان وحسنه {وأصابه الكبر} يعني صاحب هذه الجنة كثرت جهات حاجاته ولم يكن له كسب غيرها فحينئذٍ يكون في غاية الاحتياج إلى تلك الجنة فإن قلت: كيف عطف وأصابه الكبر على أيود، وكيف يجوز عطف الماضي على المستقبل قلت فيه وجهان أحدهما أن يكون له جنة حال ما أصابه الكبر والوجه الثاني أنه عطف على المعنى، فكأنه قيل أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر {وله ذرية ضعفاء} يعني له أولاد صغار عجزت عن الحركة بسبب الضعف والصغر {فأصابها} يعني أصاب تلك الجنة {إعصار فيه نار فاحترقت} الإعصار ريح ترتفع إلى السماء وتستدير كأنها عمود وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المنافق والمرائي يقول مثل عمل المنافق والمرائي بعمله في حسنه كحسن جنة ينتفع بها صاحبها فلما كبر وضعف وصار له أولاد ضعاف أصاب جنته إعصار فيه نار فأحرقها وهو أحوج ما يكون إليها فحصل في قلبه من الغم والحسرة ما لا يعلمه إلاّ الله تعالى لكبره وضعفه وضعف أولاده فهو لا يجد ما يعود به على أولاده، وهم لا يجدون ما يعودون به عليه فبقوا جميعاً متحيرين عجزة لا حيلة بأيديهم، فكذلك حال من أتى يوم القيامة بأعمال حسنة ولم يقصد بها وجه الله تعالى، فيبطلها الله تعالى، وهو في غاية الحاجة إليها حين لا مستعتب له ولا توبة. وقال عبيد بن عمير: قال عمر يوماً لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن ترون نزلت هذه الاية {أيود أحدكم} قالوا: الله أعلم فغضب عمر وقل قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين فقال عمر قل يا ابن أخي ولا تحقرن نفسك فقال ضرب الله مثلاً لعمل قال لأي عمل قال لرجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله كلها {كذلك يبين الله لكم الآيات} يعني كما بين الله تعالى لكم أمر النفقة المقبولة، وغير المقبولة كذلك يبين الله لكم من الآيات سوى ذلك {لعلكم تتفكرون} أي فتتعظوا وقال ابن عباس: لعلكم تتفكرون يعني في زوال الدنيا وإقبال الآخرة.
ابن عرفة
تفسير : (قوله تعالى): {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ...}. تأوله المفسرون إمّا على الإضمار في الثاني أي كمثل غارس جنة بربوة أو على الإضمار في الأول أي ومثل إنفاق الذين ينفقون أموالهم. قال ابن عرفة: والظاهر أن يكون التقدير ومثل مال الذين ينفقون أموالهم فالمال هو الذي يُشبه "جَنَّة بِرَبْوَةٍ" وَ "تَثْبِيتا مِنْ أَنفُسِهِمْ". قال ابن عطية: "ابْتِغَاءَ" مفعول من أجله فكيف عطف عليه "تثبيتا" مع أنّ التثبيت سبب في "ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ" ومتقدم عليه فهو علة فيه. وأجيب بأنّه علة غائبة فذكره أبو حيان. قوله تعالى: {فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ...}. قال المفسرون: الضعف هو المثل، أي آتت أُكلها المعهود على مرتين أعني آتته وآتت مثله معه. قال ابن عرفة: ووقع في ابن الحاجب ما نصه: ولو أوصى بضعف نصيب ابنه فلا نص. فقيل مثله وقيل مثليه. ابن عرفة: فعلى هذا الخلاف يكون المعنى فأتت أكلها أربع مرات وعلى القول الآخر (يكون) كما قال المفسرون. قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ...}. قال المفسرون: إن أصابها الوابل تؤتي أكلها مرتين وإن أصابها الطلّ فقط تؤتي أكلها مرة واحدة. ابن عرفة: ولا يمتنع أن يراد أنها تؤتي أكلها مرتين سواء أصابها وابل أو طلّ ويكون ذلك مدحا فيها وتأكيدا في أوصاف حسنها.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمُ ٱبْتِغَاء مَرْضَاتِ ٱللَّهِ...} الآية: من أساليب فصاحة القرآن أنه يأتي فيه ذكْرُ نقيضِ ما يتقدَّم ذكره؛ ليتبيَّن حال التضادِّ بعرضها على الذهْن، ولما ذكر اللَّه صدقاتِ القوم الذين لا خَلاَق لصدَقَاتهم، ونَهَى المؤْمنين عن مواقَعَة ما يشبه ذلك بوَجْهٍ مَّا، عَقَّبَ في هذه الآية بذكْرِ نفقاتِ القَوْم الذين بذَلُوا صدقاتِهِمْ علَىٰ وجْهها في الشرع، فضرب لها مثلاً، وتقدير الكلام: ومَثَلُ نفقةِ الذين ينفقون كَمَثَلِ غارِسِ جَنَّة، أو تقدِّر الإِضمار في آخر الكلام، دون إِضمار في أوله؛ كأنه قال: كَمَثَلِ غارِسِ جَنَّةِ - وابتغاء: معناه طلب، وهو مصدر في موضع الحالِ - وتَثْبِيتاً: مصدر، ومَرْضَاة: مصدر من: رَضِيَ. قال: * ص *: {ٱبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًا} كلاهما مفعولٌ من أجله، وقاله مكِّيٌّ، وردَّه ابن عَطيَّة؛ بأن ٱبتغاءَ: لا يكون مفعولاً من أجله، لعطف: «وَتَثْبِتاً» عليه، ولا يصحُّ في «تثبيت» أنْ يكون مفعولاً من أجله؛ لأنَّ الإِنفاق ليس من أجل التثبيت؛ وأجيب: بأنه يمكن أنْ يقدَّر مفعولُ التثبيت الثوابَ، أي: وتحصيلاً لأنفسهم الثوابَ علَىٰ تلك النفقة؛ فيصحّ أنْ يكون مفعولاً من أجله، ثم قال أبو حَيَّان، بعد كلام: والمعنى أنَّهم يُثَبِّتُونَ من أنفسهم على الإِيمان، وما يرجُونه من اللَّه تعالَىٰ بهذا العمل. انتهى. قال قتادة وغيره: {وَتَثْبِيتًا}: معناه: وتيقُّناً، أي: أنَّ نفوسهم لها بصائرُ متأكِّدة، فهي تثبتهم على الإِنفاق في طاعة اللَّه تثبيتاً، وقال مجاهد والحَسَن: معنى قوله: {وَتَثْبِيتًا }، أي: أنهم يتثبَّتون، أين يَضَعُونَ صَدَقَاتِهِمْ. قال الحَسَن: كان الرجُلُ، إِذا هَمَّ تثبَّت؛ فإِنْ كان ذلك لِلَّه أمضاه، وإِنْ خالَطَهُ شيْء أَمْسَك. والقولُ الأول أصوبُ؛ لأن هذا المعنى الذي ذهب إِليه مجاهدٌ، والحسنُ إِنما عبارته: «وتَثْبِيتاً»، فإِنَّ قال محتجٌّ: إِن هذا من المصادر الَّتِي خُرِّجَتْ علَىٰ غير الصَّدْر؛ كقوله تعالى: {أية : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً } تفسير : [المزمل:8] {أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً }تفسير : [نوح:17] فالجوابُ: أنَّ هذا لاَ يسُوغُ إلاَّ مع ذِكْر الصدرِ، والإِفصاحِ بالفعْلِ المتقدِّم للمصدر، وأمَّا إِذا لم يقع إِفصاحٌ بفعْلٍ، فليس لك أنْ تأتي بمصدر في غير معناه، ثم تقول: أحمله علَىٰ فعْلِ كذا وكذا؛ لفعلٍ لم يتقدَّم له ذكْرٌ، هذا مَهْيَعُ كلامِ العربِ فيما علمتُ. والرَّبْوَةُ: ما ارتفع من الأرض ٱرتفاعاً يسيراً معه في الأغلب كثافةُ الترابِ وطِيبُهُ وتعمُّقه، وما كان كذلك، فنباتُه أحْسَنُ. ولفظ الرَّبْوَة: مأخوذ من: رَبَا يَرْبُو، إِذا زاد، وآتَتْ: معناه أعطت، والأُكُل؛ بضم الهمزة: الثمر الَّذي يُؤْكَل، والشيء المأْكُول مِنْ كُلِّ شيء، يقال له: أُكُل، وإِضافته إِلى الجنَّة إِضافة ٱختصاصٍ؛ كَسَرْج الدَّابَّة، وبابِ الدَّارِ، وضِعْفَيْن: معناه ٱثْنَيْنِ مِمَّا يظن بها، ويُحْزَر من مثلها. ثم أكَّد سبحانه مدْحَ هذه الربوة؛ بأنها إِنْ لم يصبْها وابلٌ، فإِن الطَّلَّ يكفيها، وينوبُ مناب الوابِلِ؛ وذلك لكَرَمِ الأرض، والطَّلُّ: المستدَقُّ من القَطْرِ، قاله ابن عبَّاس وغيره، وهو مشهورُ اللغة، فشبه سبحانه نُمُوَّ نفقاتِ هؤلاء المُخْلِصِينَ الذين يُرْبِي اللَّه صدقاتِهِمْ؛ كتربية الفَلُوِّ والفصيلِ؛ حسب الحديثِ بنموِّ نباتِ هذه الجنة بالرَّبْوَة الموصُوفةِ، وذلك كلُّه بخلافِ الصَّفْوان، وفي قوله تعالى: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }: وعد ووعيد. وقوله تعالَىٰ: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ...} الاية: حكى الطبريُّ عن ابْن زَيْد، أنَّه قرأ قوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنِّ...} تفسير : [البقرة:264] الآية: ثم قال: ضرَبَ اللَّه في ذلك مثلاً؛ فقال: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ...} الآية، وهذا بيِّن، وهو مقتضى سياقِ الكلامِ، وقال ابنُ عَبَّاس: هذا مثَلٌ ضربه اللَّه؛ كأنه قال: أيودُّ أحدُكُم أنْ يعمل عمره بعَمَلِ أهْل الخير، فإذا فَنِيَ عمره، وٱقترَبَ أجله، خَتَم ذلك بعَمَلٍ مِنْ عمل أهْل الشقاء، فَرَضِيَ ذلك عُمَرُ منه، رضي اللَّه عنه، وروى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عن عُمَر نحو. * ع *: فهذا نظرٌ يحمل الآية علَىٰ كلِّ ما يدخل تحْتَ ألفاظها، وقال بنَحْو هذا مجاهدٌ وغيره، ونقل الثَّعْلَبِيُّ عن الحَسَن، قال: قَلَّ واللَّهِ، من يعقلُ هذا المَثَلَ شيْخٌ كبر سنه، وضَعُف جسمه، وَكَثُرَ عياله، أَفْقَرُ ما كان إِلى جنته، وأحدُكُم أفْقَرُ ما يكُونُ إِلَىٰ عمله، إِذا ٱنقطعَتِ الدنْيَا عنه. انتهى، وهو حَسَنٌ جدًّا. وقال أبو عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ في «مختصره» لتفسير الطبريِّ: وعن قتادة: هذا مثلٌ، فٱعقلوا عن اللَّه أمثالَهُ؛ هذا رجلٌ كَبرت سنُّه، ورَقَّ عظمه، وكَثُر عياله، ثم ٱحترقَتْ جنَّته، أحْوجَ ما يَكُون إِليها، يقول: أيحبُّ أحدكم أنْ يضلَّ عنه عمله يَوْمَ القيامةِ أحْوَجَ ما يكُونُ إِلَيْه. وعن الحَسَنِ نحوه. انتهى. وخصَّ الأعناب والنَّخيل بالذكْر، لشرفهما، وفَضْلهما علَىٰ سائر الشَّجَر، والواو في قوله: {وَأَصَابَهُ } واو الحالِ؛ وكذلك في قوله: {وَلَهُ }، وضعفاءُ: جمعُ ضعيفٍ، والأعصار: الريحُ الشديدةُ العاصفةُ التي فيها إِحراق لكلِّ ما مرَّت عليه يكونُ ذلك في شدَّة الحرِّ، ويكون في شدَّة البَرْد، وكلُّ ذلك من فيح جهنَّم. و {لَعَلَّكُمْ }: تَرَجٍّ في حقِّ البَشَر، أي: إِذا تأمَّل من بُيِّنَ له هذا البيان رُجِيَ له التفكُّر، وكان أهْلاً له، وقال ابنُ عَبَّاس: تتفكَّرونَ في زوالِ الدنْيَا، وفنَائِها، وإِقبال الآخرةِ وبقائها.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال: هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن. وأخرج عن مقاتل بن حيان في قوله {ابتغاء مرضاة الله} قال: احتساباً. وأخرج عن الحسن قال: لا يريدون سمعة ولا رياء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الشعبي {وتثبيتا من أنفسهم} قال: تصديقاً ويقيناً. وأخرج ابن جرير عن أبي صالح {وتثبيتاً من أنفسهم} قال: يقيناً من عند أنفسهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {وتثبيتاً} قال: يتثبتون أين يضعون أموالهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن قال: كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإن كان لله أمضى، وإن خالطه شيء من الرياء أمسك. وأخرج ابن المنذر عن قتادة {و تثبيتاً من أنفسهم} قال: النية. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أنه كان يقرأها {بربوة} بكسر الراء، والربوة النشز من الأرض. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: الربوة، الأرض المستوية المرتفعة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {جنة بربوة} قال: المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل {أصابها وابل} قال: أصاب الجنة المطر. وأخرج عن عطاء الخراساني قال: الوابل الجود من المطر. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد {فآتت أكلها ضعفين} قال: أضعفت في ثمرها. وأخرج ابن جرير عن السدي {فآتت أكلها ضعفين} يقول: كما ضعفت ثمر تلك الجنة فكذلك تضاعف لهذا المنفق ضعفين. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {فطل} قال: ندى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {فطل} قال: طش. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك قال: الطل. الرذاذ من المطر، يعني اللين منه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن، يقول: ليس لخيره خلف كما ليس لخير هذه الجنة خلف على أي حال كان، إن أصابها وابل وإن أصابها طل. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله {فإن لم يصبها وابل فطل} قال: تلك أرض مصر إن أصابها طل زكت، وإن أصابها وابل أضعفت.
ابو السعود
تفسير : {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمُ ٱبْتِغَاء مَرْضَاتَ ٱللَّهِ} أي لطلب رضاه {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ} أي ولتثبـيت بعضِ أنفسِهم على الإيمان فمن تبعيضية كما في قولهم: هزّ مِنْ عِطفه وحرك مِنْ نشاطه فإن المالَ شقيقُ الروح فمن بذل مالَه لوجه الله تعالى فقد ثبّت بعضَ نفسه ومن بذل مالَه وروحَه فقد ثبتها كلها، أو تصديقاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسِهم فمن ابتدائية كما في قوله تعالى: {أية : حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } تفسير : [البقرة، الآية 109] يحتمل أن يكون المعنى وتـثبـيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقةُ الإيمان مخلصةٌ فيه، ويعضُده قراءةُ من قرأ وتبـيـيناً من أنفسهم وفيه تنبـيهٌ على أن حكمةَ الإنفاق للمنفق تزكيةُ النفس عن البخل وحبِّ المال الذي هو رأسُ كل خطيئة. {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} الرَّبوة - بالحركات الثلاث وقد قرىء بها - المكانُ المرتفع أي مثَلُ نفقتِهم في الزكاء كمثل بُستان كائنٍ بمكان مرتفعٍ مأمونٍ من أن يصطلِمَه البردُ لِلطافة هوائهِ بهبوب الرياحِ المُلطّفة له فإن أشجارَ الرُبا تكون أحسنَ منظراً وأزكى ثمراً وأما الأراضي المنخفضةُ فقلما تسلم ثمارُها من البرد لكثافة هوائِها بركود الرياحِ وقرىء كمثل حبةٍ {أَصَابَهَا وَابِلٌ} مطر عظيمُ القطر {فَأَتَتْ أُكُلَهَا} ثمرتها وقرىء بسكون الكاف تخفيفاً {ضِعْفَيْنِ} أي مِثليْ ما كانت تُثمر في سائر الأوقات بسبب ما أصابها من الوابل، والمرادُ بالضِعف المِثْلُ وقيل: أربعةُ أمثال، ونصبُه على الحال من {أُكُلُهَا} [البقرة، الآية: 265] أي مضاعفاً {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} أي فطلٌ يكفيها لجودتها وكَرَمِ منبتِها ولَطافةِ هوائِها وقيل: فيصيبها طلٌّ وهو المطرُ الصغيرُ القطرِ وقيل: فالذي يصيبها طلٌّ والمعنى أن نفقاتِ هؤلاءِ زاكيةٌ عند الله تعالى لا تَضيعُ بحال وإن كانت تتفاوتُ باعتبار ما يقارنها من الأحوال، ويجوزُ أن يعتبر التمثيلُ بـين حالهم باعتبار ما صدر عنهم من النفقة الكثيرةِ والقليلةِ وبـين الجنةِ المعهودةِ باعتبار ما أصابها من المطر الكثير واليسير، فكما أن كلَّ واحد من المطرين يُضعِفُ أُكُلَها فكذلك نفقتُهم جلّت أو قلَّت بعد أن يُطلَبَ بها وجهُ الله تعالى زاكيةٌ زائدةٌ في زُلفاهم وحسنِ حالهم عند الله {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لا يخفى عليه شيء منه وهو ترغيبٌ في الإخلاص مع تحذير من الرياء ونحوه.
القشيري
تفسير : هذه آيات كثيرة ذكرها الله تعالى على جهة ضرب المثل للمخلص والمنافق: لمن أنفق في سبيل الله، ولمن أنفق ماله في الباطل؛ فهؤلاء يحصل لهم الشرف والخلف، وهؤلاء لا يحصل لهم في الحال إلا الردّ، وفي المآل إلا التلف. وهؤلاء ظلَّ سعيهم مشكوراً، وهؤلاء يدعون ثبوراً ويَصْلَوْنَ سعيراً. هؤلاء تزكو أعمالهم وتنمو أموالهم وتعلو عند الله أحوالهم وتكون الوصلة مآلهم، وهؤلاء حَبِطَتْ أعمالهم وخسرت أحوالهم وختم بالسوء آمالهم ويضاعف عليهم وَبالهم. ويقال مَثَلُ هؤلاء كالذي أنبت زرعاً فزكا أصله ونما فصله، وعلا فَرْعُه وكثر نَفْعُه. ومَثَلُ هؤلاء كالذي خسرت صفقته وسرقت بضاعته وضاعت - على كبره - حيلته وتواترت من كل وجهٍ وفي كل وقت محنته... هل يستويان مثلاً؟ هل يتقاربان شَبَها؟
اسماعيل حقي
تفسير : {ومثل} نفقات {الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله} اى لطلب رضاه {وتثبيتا من أنفسهم} اى جعل بعض انفسهم ثابتا على الايمان والطاعة ليزول عنها رذيلة البخل وحب المال وامساكه والامتناع عن انفاقه فان النفس وان كانت مجبولة على حب المال واستثقال الطاعات البدنية الا انها ما عودتها تتعود: قال صاحب البردة شعر : والنفس كالطفل ان تهمله شب على حب الرضاع وان تفطمه ينفطم تفسير : فمتى اهملتها فقد تمرنت واعتادت الكسل والبطالة والبخل وامساك المال عن صرفه الى وجوه الطاعات ومقتضيات الايمان وحيث كلفتها وحملتها على مشاق العبادات البدنية والمالية تنقاد لك وتتزكى عن عاداتها الجبلية. فمن تبعيضية كما فى قولهم "هز من عطفه وحرك من نشاطه" فان قلت كيف يكون المال بعضا من النفس حتى تكون الطاعة ببذله طاعة لبعض النفس وتثبيتا لها على الثمرة الايمانية قلت ان النفس لشدة تعلقها بالمال كأنه بعض منها فالمال شقيق الروح فمن بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه ومن بذل ماله وروحه فقد ثبتها كلها: وفى المثنوى شعر : آن درم دادن سخى را لايق است جان سبردن خود سخاى عاشق است نان دهى از بهر حق نانت دهند جان دهى ازبهر حق جانت دهند آن فتوت بخش هر بى علت است باكبازى خارج ازهر ملت است در شريعت مال هركس مال اوست در طريقت ملك ما مملوك دوست تفسير : ويجوز ان يكون التثبيت بمعنى جعل الشىء صادقا محققا ثابتا والمعنى تصديقا للاسلام ناشئا من اصل انفسهم وتحقيقا للجزاء فان الانفاق امارة ان الاسلام ناشىء من اصل النفس وصميم القلب. فمن لابتداء الغاية كما فى قوله تعالى {أية : حسدا من عند أنفسهم} تفسير : [البقرة: 109]. ولعل تحقيق الجزاء عبارة عن الايقان بان العمل الصالح مما يثيب الله ويجازى عليه احسن الجزاء. {كمثل جنة} بستان كائن {بربوة} مكان مرتفع مأمون من ان يصطلمه البرد اى يفسده للطافة هوائه بهبوب الرياح الملطفة له فان اشجار الربا تكون احسن منظرا وازكى ثمرا واما الاراضى المنخفضة فقلما تسلم ثمارها من البرد لكثافة هوائها بركود الرياح. وقال بعضهم ان البستان اذا وقع فى موضع مرتفع من الارض لا تنفعه الانهار وتضر به الرياح كثيرا فلا يحسن ريعه الا اذا كان على الارض المستوية التى لا تكون ربوة ولا وهدة فالمراد من الربوة حينئذ كون الارض لينة جيدة بحيث اذا نزل المطر عليها انتفخت وربت ونمت فان الارض اذا كانت بهذه الصفة يكثر ريعها وتكمل اشجارها ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى {أية : وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} تفسير : [الحج: 5]. فان المراد من ربوها ما ذكر {اصابها وابل} اى وصل اليها مطر كبير القطر شديد الوقع {فآتت} اى اعطت صاحبها او اهلها {اكلها} ثمرتها وغلتها وهو بضمتين الشىء المأكول. ويجوز ان يكون آتت بمعنى اخرجت فيتعدى الى مفعول واحد هو اكلها {ضعفين} اى مثلى ما كانت تثمر فى سائر الاوقات وذلك بسبب ما اصابها من الوابل. قال ابن عباس حملت فى سنة من الريع ما يحمل غيرها فى سنتين والمراد بالضعف المثل كما اريد بالزوج الواحد فى قوله تعالى {أية : من كل زوجين اثنين} تفسير : [هود: 40]. ومن فسره باربعة امثال ما كانت تثمر حمل الضعف على اصل معناه وهو مثلا الشىء فيكون ضعفين اربعة امثال {فإن لم يصبها وابل فطل} اى فطل وهو المطر الصغير القطر يكفيها لجودتها وكرم منبتها ولطافة هوائها. والطل اذا دام عمل عمل الوابل وجاز الابتداء بالنكرة لوقوعها فى جواب الشرط وهو من جملة المسوغات للابتداء بالنكرة ومن كلامهم ان ذهب العير فعير فى الرباط والمعنى تشبيه نفقات هؤلاء الذين ينفقون بسبب ما يحملهم عليه من الابتغاء والتثبيت زاكية عند الله لا تضيع بحال وان كانت تلك النفقات تتفاوت فى زكائها بحسب تفاوت ما ينضم اليها من احوالهم التى هى الابتغاء والتثبيت الناشىء من ينبوع الصدق والاخلاص اليها بحال جنة نامية زاكية بسببى الربوة والوابل او الطل والجامع النمو المرتب على السبب المؤدى اليه. ويجوز ان يكون التشبيه من قبيل المفرق بان يشبه زلفاهم من الله تعالى وحسن حالهم عنده بثمرة الجنة ووجه التشبيه الزيادة ويشبه نفقتهم الكثيرة والقليلة بالقوى المطر والضعيف منه من حيث ان كل واحد منهما سبب لزيادة فى الجملة لان النفقتين تزيد ان حسن حالهم كما ان المطرين يزيدان ثمرة الجنة {والله بما تعملون بصير} من عمل الاخلاص والرياء لا يخفى عليه شىء وهو ترغيب فى الاخلاص مع تحذير عن الرياء ونحوه. فعلى العاقل ان يعبد الله تعالى على الاخلاص ويكون دائما فى رجاء الخلاص عن الطاغوت الخفى وهو الشرك الخفى فان الخلاص يبتنى على الاخلاص: قال السعدى قدس سره شعر : همينست بندت اكر بشنوى كه كر خاركارى سمن ندروى تفسير : يعنى من زرع الشوك لم يحصد الازهار والنبات ولا يثمر شجره وبالكأس التى تسقى تشرب عصمنا الله واياكم من ضياع العلم وكساده واختلال الاعتقاد وفساده. وخالص الاعمال هو الذى تعمله لله لا تحب ان يحمدك عليه احد واذا قارن العمل بالاخلاص يكون كنحاس طرح فيه الاكسير وجسد نفخ فيه الروح ولذا يضاعف ثوابه. وعن على ابن ابى طالب رضى الله عنه عن النبى عليه السلام "حديث : ان الصدقة اذا خرجت من يد صاحبها قبل ان تدخل فى يد السائل تتكلم بخمس كلمات اولاها تقول كنت قليلة فكثرتنى وكنت صغيرة فكبرتنى وكنت عدوا فاحببتنى وكنت فانيا فابقيتنى وكنت محروسا الآن صرت حارسك ". تفسير : وعن مكحول الشامى اذا تصدق المؤمن بصدقة رضى الله عنه ونادت جهنم يا رب ائذن لى بالسجود شكرا لك قد اعتقت واحدا من امة محمد من عذابى لانى استحيى من محمد ان اعذب احدا من امته ولا بد لى من طاعتك. ولفظ الصدقة اربعة احرف كل منها اشارة الى معنى. اما الصاد فالصدّ اى الصدقة تصد وتمنع عن صاحبها مكروه الدنيا والآخرة. واما الدال فدليل لانها تدل صاحبها الى الجنة. واما القاف فقربه الى الله تعالى. واما الهاء فهداية الله تعالى: قال بعضهم شعر : زان ييش كه دست ساقىء دهر در جام مرارت افكند زهر ازسر بنه اين كلاه ودستار جهدى بكن و دلى بدست آر كين سرهمه سال باكله نيست وين روى هميشه همجومه نيست تفسير : فمن ساعده المال فلينفق فى سبيل الله الملك المتعال وليشكر على غنى ومدد فلا يقطع رجاء احد وفى الحديث "حديث : من قطع رجاء من التجأ اليه قطع الله رجاءهbr>". تفسير : ـ روى ـ ان بعض العلماء لما رأى هذا الحديث بكى بكاء شديدا وتحير فى رعاية فحواه فقام وذهب الى واحد من الصلحاء ليستفسر معنى هذا الحديث ويدفع شبهته فلما دخل عليه رأى ذلك الرجل الصالح يأخذ بيده خبزا ويؤكله الكلب من يده فسلم فرد عليه السلام ولم يقم له كما كان يفعله قبل فلما اكل الكلب الخبز بالتمام قام له ولاطفه وقال معتذرا خذ العذر منى حيث لم اقم امتثالا لقول النبى عليه السلام "حديث : من قطع رجاء ". تفسير : الحديث وهذا الكلب رجا منى اكل الخبز ولم اقم خشية ان اقطع رجاءه فلما سمع هذا الكلام زاد تحيرا ولم يستفسر فتعجب من كرامته وقوته فى باب الولاية. واعلم ان ثمرات الاخلاص فى طلب الحق ومرضاته تكون ضعفين بالنسبة الى من ينفق فان حظه يكون من نعيم الجنة فحسب والمخلص فى طلب الحق يكون له ضعف من قربة الحق ودولة الوصال وشهود ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وضعف من نعيم الجنة اوفى واوفر من ضعف طالب الجنة ونعيمها باضعاف مضاعفة اللهم اهدنا اليك.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الربوة - مثلثة الراء -: المكان المرتفع، والوابل: المطر الغزير، والطل: المطر الخفيف، وفي ذلك يقول الراجز: شعر : والطلُّ ما خفَّ من الأمْطَارِ والوابلُ الغزيرُ ذو أنْهِمَارِ تفسير : و {ابتغاء مَرْضات الله} و {تثبيتاً}: حالان من الوافي في: {ينفقون}، أو مفعولان له. والتثبيت بمعنى التثبت، أي: التحقق، كقوله تعالى:{أية : وَتَبَتَّلْ إِلَيْه تَبْتِيلاً}تفسير : [المُزمّل: 8] أي: تبتلاً. يقول الحقّ جلّ جلاله: {مثل الذين ينفقون أموالهم} في سبيل الله {ابتغاء مرضات الله} وتحققاً {من أنفسهم} بثواب الله، أو تحقيقاً من أنفسهم بالوصول إلى رضوان الله إن بذلوا أموالهم في طلب رضى الله، مَثَلُ نفقتهم في النمو والأرتفاع {كمثل جنة} أي: بستان {بربوة} بمكان مرتفع، فإن شجره يكون أحسن منظراً وأزكى ثمراً، {أصابها وابل} أي: مطر غزير {فآتت أكلها} أي: ثمارها {ضعفين} أي: مِثْلَيْ ما كانت تثمر في عادتها، أي: حملت في سَنَةٍ ما يحمل غيرها في سنتين، بسبب هذا المطر الذي نزل بها، {فإن لم يصبها وابل فطل} أي: فيصيبها طل، أي: مطر قليل يكفيها؛ لطيب تربتها وارتفاع مكانها، فأقلُّ شيء يكفيها. والمراد: أن نفقات هؤلاء، لإخلاصهم وكمال يقينهم، كثيرة زاكية عند الله، وإن كانت قليلة في الحس فهي كثيرة في المعنى. وفي الحديث:"حديث : مَنْ تصدَّقَ ولو بلُقْمة وقعتْ في كَفٍّ الرحمن فيُرَبِّيها كما يُربى أحدُكُم فلُوَّهُ أو فَصِيله، حتى تكونَ مثل الجبل"تفسير : . وفي قوله: {والله بما تعلمون بصير}: تحذير من الرياء، وترغيب في الإخلاص. الله تعالى أعلم. الإشارة: تنمية الأعمال على قدر تصفية الأحوال، وتصفية الأحوال على قدر التحقق بمقامات الإنزال، أي: على قدر التحقق بالإنزال في مقامات اليقين، فكل من تحقق بالنزول في مقامات اليقين، ورسخت قدمه فيها، كانت أعماله كلها عظيمة، مضاعفة أضعافاً كثيرة، فتسبيحة واحدة من العارف، أن تهليلة واحدة، تعدل الوجود بأسره، ولا يزنها ميزان، وكذلك سائر أعمال العارف: كلها عظيمة مضاعفة؛ لأنها بالله ومن الله وإلى الله، وما كان بالله ومن الله يطرقه نقص ولا يشوبه خلل، ولأجل هذا صارت أوقاتهم كلها ليلة القدر، وأماكنهم كلها عرفات، وأنفاسهم كلها زكيات، وصحبتهم كلها نفحات، ومخالطتهم كلها بركات. نفعنا الله بذكرهم وخرطنا في سلكهم. آمين.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ عاصم وابن عامر بربوة - بفتح الراء - الباقون بضمها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع {أكلها} باسكان الكاف الباقون بالتثقيل. المعنى: وهذا مثل ضربه الله لمن أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله أي طلباً لرضاه. وقوله: {وتثبيتاً من أنفسهم} بقوة اليقين والبصيرة في الدين في قول ابن زيد، والسدي، وأبي صالح والشعبي. الثاني - قال الحسن ومجاهد: معناه أنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم. الثالث - قال أبو علي: معناه توطيناً لنفوسهم على الثبوت على طاعة الله واعترض على قول مجاهد بأنه لم يقل تثبيتاً. وهذا ليس بشيء لأنه لا يجوز أن يقول القائل يثبتوا أنفسهم تثبيتاً إذا كانوا كذلك فهم لا يتثبتون أين يضعون الصدقات. وقوله: {كمثل جنة بربوة} إنما خصت بالربوة لأنها إذا كانت بربوة فتثبتها أحسن وربيعها أكثر كما قال الاعشى: شعر : ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل تفسير : فخص بها الحزن لما بيناه. اللغة: والربو: الزيادة يقال ربا الشيء يربو إذا زاد. وأصابه ربو: إذا أصابه نفس في جوفه، لزيادة النفس على عادته. والربوة: العلو من الأرض لزيادته على غيره بارتفاعه. والربا في المال: المعاملة على أن يأخذ أكثر مما يعطي للزيادة على ما يفرض يقال ربا المال يربو رباً وأربى صاحبه فهو مرب. وأصل الباب الزيادة: وفي الربوة ثلاث لغات - فتح الراء وضمها وكسرها -. وفيها أربع لغات أخر رباوة ورباوة ورباوة وربا. فتلك سبع لغات. المعنى واللغة: وقال ابن عباس، والضحاك، والحسن، ومجاهد، والسدي، والربيع: الربوة ولرابية المرتفع من الارض {فأتت أكلها} فالفرق بين الاكل والاكل ان الاكل بالفتح المصدر والاكل بالضم الطعام الذي يؤكل {ضعفين} يعني مثلين في قول الزجاج لأن ضعف الشيء مثله زائداً عليه وضعفاه مثلاه زائدين عليه. وقال قوم: ضعف الشيء مثلاه. وقوله {فطل} قال الحسن والضحاك والربيع وقتادة هو اللين من المطر. وإنما ذكر الطل ها هنا لتشبيه أضعاف النفقة به كثرت أو قلت: إذ كان خيرها لا يختلف على حال في قول الحسن وقتادة. وإنما قيل لما مضى {فإن لم يصبها وابل فطل} لأن فيه إضمار (كان) كأنه قيل: فان يكن لم يصبها وابل، فطل. ومثله قد أعتقت عبدين فان لم أعتق اثنين فواحداً بقيمتهما. والمعنى ان أكن لم أعتق قال الشاعر: شعر : إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ولم تجدي من أن تقري بها بدا تفسير : كأنه قال: أكن لم تلدني لئيمة. والطل المطر الصغار القطر يقال: أطلت السماء فهي مطلة. وروضة طلة ندية. والطل: إبطال الذم بأن لا يثار بصاحبه. طل دمه فهو مطلول لأنه بمنزلة ما جاء عليه الطل، وأذهبه كأنه قيل غسله. والطل والطلل ما شخص من الدار، لأنه كموضع الندى بالطل لغمارة الناس له خلاف المستوى، والقفر، لأن الخصب حيث تكون الأبنية. وصار الطلل اسماً لكل شخص. والاطلال: الاشراف على الشيء والطل: الشحم، ما بالناقة طل أي ما بها طرق. وطلة الرجل امرأته. وأصل الباب الطل: المطر. وقوله: {والله بما تعملون بصير} معناه عالم بأفعالكم، فيجازيكم بحسنها وفي ذلك ترغيب وترهيب.
الجنابذي
تفسير : بيان ابتغاء مرضات الله بحيث لا يخلّ باخلاص العمل {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} لفظة من لابتداء الغاية داخلة على الفاعل مثل زعماً منهم وعدم توافق المفعول له والعامل فى المسند اليه مغتفر هاهنا لانّه تابع ويغتفر فى الثوانى ما لا يغتفر فى الاوائل، او داخلة على المفعول بتضمين التّثبيت معنى الطّلب اى طلباً للثّبات من أنفسهم، او من للتّبعيض قائمة مقام المفعول به اى تثبيتاً لبعض أنفسهم كأنّ أنفسهم موزّعة على المال والرّوح ومن يجاهد بالمال يثبّت بعض نفسه على الطّاعة او على الانفاق، ومن يجاهد بنفسه يثبّت البعض الآخر. اعلم انّ الانفاق مثل سائر الطّاعات اذا كان الدّاعى عليه امراً زائداً على شاكلة الانسان مقصوداً انتفاعه به سواء كان قرباً من الله او رضاه او نعيمه او الخلاص من جحيمه او غير ذلك من الدّواعى الرّاجحة والمباحة المأذون فيها والغير المأذون فيها لم يكن طاعة بل معاوضة وايتجاراً، واذا كان شاكلة الانسان غير الهيّةٍ كان اعماله غير الهيّةٍ سواء قصد منها أمراً اخرويّاً او غير اخروىٍّ؛ او لم يقصد أمراً سوى شاكلته وكان الدّاعى نفس شاكلته، واذا كان شاكلته أمراً الهيّاً قرباً من الله او ابتغاء مرضاته او التذاذاً بأمره وامتثاله او التشأّن بحبّه وابتغاء خدمته او غير ذلك من الشّؤن الالهيّة وكان تلك الشّاكلة داعية على العمل من غير قصدٍ لامر زائدٍ وكانت الغاية اشتداد الدّاعى فانّ كلّ هذه بذاتها تقتضى الاشتداد وتقتضى القيام بأمره تعالى كان العمل طاعة وعبادة وخالصاً لوده الله، فعلى هذا يكون معنى الآية مثل الّذين ينفقون أموالهم لحصول ابتغاء مرضاة الله الّذى هو شاكلتهم ولحصول تثبيت أنفسهم الّذى هو شاكلتهم وتمكينها فى شاكلتها يعنى لاقتضاء ابتغاء المرضاة الحاصل لهم او لتحصيل الابتغاء الّذى هو اشتداد شاكلتهم لكن من غير قصد زائد على اقتضاء الابتغاء الاشتداد، بل بقصد بسيط حاصل فى نفس الاقتضاء الاشتداد فانّه اذا كان الانفاق لتحصيل اشتداد الابتغاء بقصد مركّب عن شعور تركيبىّ وقصد زائد لحصول امر للنّفس نافعٍ لها لم يكن حاصلاً كان المقصود به انتفاع النّفس الّذى يفسد العبادة {كَمَثَلِ جَنَّةٍ} اى كمثل غارس جنّة وقد مضى انّ التّشبيهات المركّبة لا يلزمها ان يكون ترتيب اجزاء المشبّه به مثل اجزاء المشبّه ولا ان يكون التّالى للمثل او لاداة التّشبيه نفس المشبّه به، ولا ان يصحّ التّشبيه بين اجزاء الطّرفين {بِرَبْوَةٍ} الرّبوة بتثليث الرّاء، المكان المرتفع؛ وقرئ بالتثليث، شبّه المنفق فى زرع القلب بزراعة الآخرة بغارس جنّةٍ واقعة فى مكانٍ مرتفع فى انّها محفوظة عن الاغبرة الكثيرة الواردة على الامكنة المنخفضة وعن صدمة السيل وعن ضياع ثمرها باحتباس الهواء، وفى نضارتها وطراوتها بمجاورة الهواء الصّافى ورطوبة الهواء المرتفع، وفى تضعيف ثمرها بذلك {أَصَابَهَا وَابِلٌ} لا السّيل {فَآتَتْ أُكُلَهَا} اى ثمرها {ضِعْفَيْنِ} بما ذكر من اسباب حسنها {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} بواسطة مجاورة الهواء المرتفع الرّطب، والطّل ما يقع فى اللّيل على النّبات شبه الثّلج {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تحذير عن ابطال الانفاق بالمنّ والرّياء وترغيب فى اخلاص الانفاق لله.
فرات الكوفي
تفسير : { مَثَلُ الّذينَ يُنْفِقونَ أمْوالَهُمْ ابتِغاء مَرْضاتِ الله 265} وباسناده [المتقدم في ح25 عن الصادق عليه السلام] قوله تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله} [قال: ح] نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله} أي طلباً لرضائه {وتثبيتاً من أنفسهم} لقوة اليقين والبصيرة في الدين ومعناه وتثبتوا منها ببذل المال الذي هو شقيق الروح وبذله أشق شيء على النفس {كمثل جنةٍ} وهو البستان {بربوةٍ} بمكان مرتفع مستوي تجري فيه الانهار وخص ذلك لأن نبتها أحسن {أصابها وابلٌ} أي مطر عظيم القطر {فأتت أُكلها ضعفين} أي مثلين، وقيل: أربعة أمثاله {فإن لم يصبها وابل فطل} أي مطر صغير القطر يكفيها، وقيل: هو النداوهة أمثل لعمل المؤمن يعني كما ان الجنة تروح في كل حال قل المطر أو كثر كذلك يضعف الله ثواب صدقة المؤمن قلّت نفقته أو كثرت {أيود أحدكم} أي أيحب أحدكم ويريد ويتمنى جنة بستان {تجري من تحتها الأنهار} يعني المياه الجارية من تحت الاشجار، وقيل: من تحت الأبنية {له فيها من كل الثمرات} من جميع أنواعها {وأصابه الكبر} أي الشيب {وله ذرية ضعفاء} أولاد صغار عجزة {فأصابها} أي الجنة وما فيها {إعصارٌ فيه نار} أي ريح شديدة فيها نار، وقيل: هي السموم المحرقة للثمار {فاحترقت} هي وما فيها وبقي هو وهم فقراء عجزة محتاجون متحيرون لا يقدرون على شيء هذا مثل للمرائي في النفقة انه ينقطع عنه احوجُ ما يكون إليه، وقيل: هو مثل للمفرط في الطاعة بملاذ الدنيا، وقيل: مثل للمؤمن يختم عمله بفساد، وقيل: هو مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغي بها وجه الله تعالى فاذا كان يوم القيامة وجدها محبطة فيتحسر عند ذلك من كانت له جنة من أبهى الجنان وأجمعها للثمار، وعن عمر انه سأل عنها أصحابه فقالوا: الله أعلم، فغضب وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: منها شيء في نفسي، فقال: قل يابن أخي ولا تحقرن نفسك، قال: ضرب مثلاً لعملٍ قال: لأي عمل؟ قال: لرجل غني يعمل الحسنات ثم انه عمل المعاصِي حتى اغرق عمله كله، قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا أنفقوا} الآية نزلت في الأنصار وكانوا يأتون بتمر الصدقة يضعونه في المسجد ليأكل منها فقراء المسلمين المهاجرين وكان بعضهم يأتي بالحضون فيدخله فيه، وقيل: كان بعضهم يتصدق بشرار تمرة {ولستم بآخذيه} أي أنكم لا تأخذونه في حقوقكم {إلا أن تغمضوا فيه} يعني الا ان تسامحوا فيه وترخصوا في أخذه من قولهم: أغمض فلان عن فلان اذا غض بصره {الشيطان} قيل: ابليس، وقيل: سائر الشياطين من الجن والانس، قوله تعالى: {يعدكم الفقر} في النفقة في وجه الله ويقولان: تصدقت افتقرت {ويأمركم بالفحشاء} أي بالبخل ومنع الزكاة، وقيل: بالمعاصي.
اطفيش
تفسير : {وَمثَلُ الَّذينَ ينْفِقُون أمْوالَهُمُ}: نفقة تطوع وفرض كزكاة. {ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ}: لأجل طلب رضى الله، وهو أن ينعم عليهم فى الآخرة ولا يعذبهم، ويقبل أعمالهم ويذكرهم بخير، فذلك لازم رضى الإنسان فى الجملة، فاستعمل الرضى فى حق الله بمعنى لازم الرضى فى الجملة لاستحالة حقيقة رضا المخلوق، عن الله تعالى فهو صفة فعل ولك أن تقول صفة ذات بمعنى علمه الأولى بكون المرء سعيداً وعمله منزله فى الآخرة وابتغاء مفعول لأجله مصدر ابتغى وهو ظاهر على صفة الفعل، وأما على صفة الفعل فصحيح أيضا وجهه: إنا تعبدنا بالكسب مع أن قضاء الله لا يتخلف، ومرضاة مصدر مفرد، وجر تائه فى السطر مخصوص بالمصحف عندى، وفيه شذوذ آخر وهو لحاق التاء، لأن المصدر الميمى لا تلحقه لتاء إلا سماعا. {وَتثْبِيتاً مِنْ أَنفُسِهِم}: من بمعنى لام التقوية، أى وتثبيتا لأنفسهم على الإسلام بأن ينفقوا أموالهم بقصد البقاء على الدين، لأنهم لو لم ينفقوا الواجب لفسقوا أو لم ينفقوا للتطوع للحقهم نقصان، لأن النفل يقوى الفرض، ومن لا يزداد نقص، ويجوز أن يكون نصبهما على الحال، أى مبتغين مرضاة الله ومثبتين لأنفسهم على الدين ويقدر الأول مضاف بأن إضافته لفظية فيعتبر التأويل بعد الإضافة أو بالإضافة اللفظية، فلا يشكل كون اللفظ ابتغاء معرفة، ويجوز أن يكون المعنى وتثبيتا لأنفسهم بعض تثبيت، والتثبيت الآخر، إنفاق أنفسهم باستخدامها بالغزو أو الحج أو طلب العلم أو نحو ذلك من وجوه الأجر، أو بكون المعنى تثبيتا لبعض أنفسهم بالإنفاق كان المال بعض النفس، فإنفاقه تثبيت لبعضها، واستعمالها فى أنواع الخير تثبيت لبعضها الآخر، وذلك أن المال شقيق النفس، ويجوز بقاء من على أصلها وهو الابتداء أى، تثبيتا صادر أو ثابتا من أنفسهم للإسلام، وتثبيت الإسلام تقريره التصديق به، فإن العمل بمقتضى التوحيد تقدير له، والعمل بما هو إسلام تقدير لسائر الأعمال التى هى إسلام، ولا سيما ذلك النوع المعمول بنفسه أو بقدر معمول التثبيت الثواب أو الجزاء أو نحو ذلك، ومن للابتداء، أى وتثبيتا من أنفسهم بالإنفاق للثواب، أى ينفقون ابتغاء مرضات الله وتحصيلا للثواب، ويجوز أن يكون المعنى مبتغين مرضات الله، ومثبتين صدقاتهم على الوجه النافع كما قال مجاهد والحسن معنى قوله: {وتثبيتا} أنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم، قال الحسن البصرى: كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإن كانت لله خالصة أمضاها، وإن خالطها شك أو رياء أمسك، وإما أن يريد تفسيرا بالمعنى ولا إشكال، وإما أن يجعل تثبيتا بمعنى التثبت، فبطريق اسم المصدر فيضعف ولا يمتنع كما زعم بعض، لأن الغالب فى طريق اسم المصدر أن يذكر فعل المصدر ليدل، وبطريق المجاز الإرسالى لعلاقة التسبب أو اللزوم فواضح، وذلك أن التثبيت سبب للتثبيت أو بالعكس، أو ملزوم له أو بالعكس، ومثل قولهما قول بعض: إن المعنى أن أنفسهم موقنة مصدقة بوعد الله إياها فيما أنفقت، وقرأ مجاهد وتبيينا من أنفسهم وهكذا، كما يقال المعنى تثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإيمان، مخلصة فيه، أى على طريق التحبب إلى المؤمنين لو جربه فى الجملة، ولا يحتاج فى التشبيه إلى تقدير محذوف، لما مر أن التشبيه المركب لا يلزم فيه مطابقة كل فرد لمقابله ولصحة تشبيه الذى أخلص نفقته وأرباها بجنة أتت أكلها ضعفين، فى أن كلا خرج منه ما يرغب فيه، فهذه مطابقة فرد لمقابله فلا تحتاج إلى تقدير مثل الذين ينفقون إلخ كمثل غارس جنة نعم تزيد المطابقة بهذا التقدير. {كَمَثَل جَنَّةٍ}: أى بستان، قال الفراء إذا كان فى البستان نخل فهو جنة، وإن كان فيه شجر العنب فهو فردوس. {بِرَبْوةٍ}: أى فى ربوة، أى فى أرض مرتفعة ومصب ماء المطر الذى تسقى منه أعلى منها، وخص الربوة لأن شجرها إذا كان غير ناقص السقى يزيد على غيره فى حسن المنظر ونموّ التمر، لاجتماع الشمس والهواء المتوسط الطيب مع السقى التام، وإنما لا يحسن ولا يمنمو لو كان الهواء كثيرا أو غير طيب، أو لا يرتفع إليه الماء قليلا ماء العين أو المطر، والآية فى ماء المطر، ويجوز أن يكون المراد بالربوة الأرض التى تربو وتنتفخ إذا نزل عليها المطر، وكانت طيبة أسفل من مسقاها كما قال الله تعالى: {أية : فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت}،تفسير : وبربوة نعت لجنة. وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الراء، وقرأ ابن عباس بكسرها، قال الأخفش: ويختار الضم إذا لا يكاد يسمع فى الجمع إلا الربا بالضم فهو كغرفة وغرف، وصورة وصور، وقرأ بعضهم رباوة بكسر الراء بوزن رسالة، وقرأ بعضهم بفتحها بوزن كراهة وذلك كله لغات. {أصَابها وَابِلٌ}: هذه الجملة نعت ثان لجنة، أو حال لها أو لغيرها فى ربوة أو نعت لربوة، وذلك أن يصيب الوابل الربوة، والجنة بعض من الربوه بل لو لم يكن ربوة إلا الجنة لصح أن يقال إن تلك الجنة فى ربوة، لأن الشجر والنخل ثابت فى أرض مرتفعة الأعلى، وما يليه تحتها أيضا مرتفع، فهى ومنابتها فى أرض عالية، ولا سيما أنه لا بد أن يكون وراء الشجرة أو النخلة شئ من الأرض، ولو قليلا، جدا والوابل المطر الشديد القطر. {فآتتْ أكُلَها}: المفعول الأول محذوف، أى أعطت أهلها أو فالمفعول صاحبها على تضمين معنى أعطت وهكذا أولت كلامهم، وأما على بقاء أتت على أصله من معنى صيرت أكلها اتيا أهلها أو صاحبها، المحذوف ثان، ويجوز أن يكون آتت مضمنا معنى أخرجت، فيكون له مفعول واحد، وأكلها بضم الهمزة مأكولها أى المأكول المتولد منها وهو ثمرتها، وقرأ فى جميع القرآن غير نافع وابن كثير وأبى عمر وأكلها بضم الهمزة ولكاف بمعنى المأكول، والمعنى فى ذلك كله ما من شأنه أن يؤكل. {ضِعْفَيْن}: من أكلها أى مضاعفا، أى مثلى ما كنت تثمر، على أن ضعف المثل المقرن بالآخر، كما أن الزوج هو الواحد المقرون بالآخر، وقيل أربعة أمثاله على أن الضعف اثنان، الضعف الآخر اثنان، فذلك أربعة أمثال وهو الأصل فى الضعف الواحد أنه اثنان، فالضعفان أربعة، وعلى الأول ابن عباس، قال: حملت فى سنة من الريع ما يحمل غيرها فى سنتين من الريع. {فَإنْ لَمْ يُصِبها وَابِلٌ فَطَلٌّ}: أى من شأن تلك الجنة أو الربوة أن تصاب بالماء أو بالوابل أو بالطل، خلقها الله كذلك، فهذه الجملة فى حيز الوصفية أو الحالية للعطف على آتت أكلها الذى هو فى حيزهما للعطف عليهما، فالذى يصيبها طل فهو خبر لمحذوف، أو فطل يصيبها، فهو مبتدأ خبره محذوف، وسوغ الابتداء به وقوعه بعد فاء الجواب، أو فيصيبها طل فهو فاعل لمحذوف، وقرن بالفاء فى الأخير مع أن الفعل يصلح شرطا وهو يصيب، لأنه محذوف فاحتاج الباقى إلى الربط بالشرط والطل المطر الخفيف الضعيف، ويقال له طش يكفى تلك الجنة أو الربوة لجودة أرضها، وتلك الربوة وبرد هوائها لارتفاعها، ومعنى التمثيل بذلك أن نفقات الذين ينفقون ابتغاء مرضاة الله، وتثبيتا من أنفسهم زاكية عند الله لا تضيع بحال، بل لا بد أن يكترثوا بها لكثرتها، أو المبالغة فى إخلاصها وتجويدها، أو يكون ذلك لوقوعها بغلة أو بإخلاص، وتجويد دون الإخلاص والتجويد، كما أن الجنة أو الربوة كذلك، إذا قدر الله أنها يصيبها الماء، ولا بد فالتمثيل مركب بأن شبه حال النفقة النامية بسبب انضمام الابتغاء والتثبت الناشئ من المصدق، والإخلاص إليها بحال جنة النامية زاكية بسبب الربوة، والوابل والطل، ووجه الشبه النمو المترتب على السبب المؤدى إليه، ويجوز أن يكون مفردا بأن شبه تقربهم إلى الله وحسن حالهم عنده بثمرة الجنة، ووجه التشبيه الزيادة ويشبه نفقاتهم الكثيرة والقليلة بالمطر القوى والضعيف، لأن النفقتين تزيدان حسن حالهم والمطران يزيدان ثمر الجنة. {واللّهُ بما تَعْمَلُون بَصِيرٌ}: لا يخفى عنه إخلاص المخلص ومَنِ المانّ وإيذاءُ المؤذى.
اطفيش
تفسير : {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} فى الفرض، والنفل يقدر هنا، ومثل نفقات الذين، والنفقة تشبه البستان فى النماء، وهذا أنسب من أن يقدر فيما بعد كمثل صاحب جنة، أو أصحاب جنة {ابْتغَآءَ} طلب {مَرْضَاتِ اللهِ} ألا يكونوا من أعدائه لا للثواب، فضلا عن الرثاء والمن والأذى، وأراد بالمرضاة الثواب أو الإحسان للزوم والسببية {وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} أى لأنفسهم على الجزاء، أو على الإيمان، أو يثبت كل واحد بعض نفسه على الإيمان بإنفاق المال لله جل وعلا، وإذا بذل ماله وروحه فقد ثبتها كلها، والمال شقيق الروح، فمن بذله يثبت على سائر الأَعمال الشاقة وعلى الإيمان، أو تصديراً وابتداء من أنفسهم للإيمان، أو تثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإيمان {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} فى مكان مرتفع مستو، فإن شجره أزكى ثمراً وقوة للشمس مع الرى، ولطاقة الهواء، وأحسن منظراً، كما أن صفة الإنفاق لله وسماعه أمر حسن بمال إليه {أَصَابَهَا وَابِلٌ فَئَاتَتْ} احبها أو الناس بسبب الوابل {أُكُلَهَا} ثمارها التى من شأنها أن تؤكل {ضِعْفَيْنِ} مثلى ما يؤتى غيرها مما لم يصبه وابل أو لم يكن فى ربوة، أو لم يبارك فيه، أو مثلى ما يؤتى إذا لم يصبها، والضعف أحد المثلين كالزوج لأَحد المفترنين، أو الضعف المثلان، فالضعفان أربعة: والمضاعفة بالأربعة فصاعداً مشاهدة فى الثمار، أو آتت فى السنة ما تؤتى فى السنين، وذلك هو أشد ملابسة للمقام، ألا ترى إلى تضعيف الحسنة، بل لو لم تكن بالأربعة فى الوجود صح، لأَن التمثيل يكون بالتحقيق، ويكون بالغرض، وإسناد الإيتاء إلى الجنة مجاز للتسبب أو كونها محلا للثمار، لأَن المؤتى أشجار الجنة، لا نفس الجنة، فذلك استخدام ولك اعتبار أن الأرض لها تسبب فى ذلك كأشجارها {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} أى فمصيبها طل، أو فطل يصيبها، أو فطل يكفيها، لطيبها وطيب هوائها، وهو مطر خفيف، يسمى الرذاذ، ومن العجيب تقدير بعض، فيصيبها بالفاء، والمضارع المرفوع، مع أنه لو وردت به الآية لاحتجنا إلى تأويل شبه عمل المؤمن كله تمثيلا بإنفاقه بجنة مرتفعة، يدور أمرها بين وابل وطل، فإنه ينمو بازدياده وطيب أحواله، قل أو كثر، كثمر تلك الجنة ينمو، أصابها الماء الكثير أو القليل، للشمس وطيب الهواء، وذلك استعارة تمثيلية، شبه الأعمال الصالحة من حيث القوة والضعف وما يترتب عليها من الثواب بتلك الجنة فى أحوالها وما يترتب عليها من الثمرات {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازيكم به خيراً أو شرّاً، لا تراءوا ولا تمنعوا ولا تؤذوا وأخلصوا.
الالوسي
تفسير : {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمُ ٱبْتِغَاء مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} أي لطلب رضاه أو طالبين له. {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ} أي ولتثبيت أو مثبتين بعض أنفسهم على الإيمان ـ فمن تبعيضية ـ كما في قولهم: هزّ من/ عطفيه وحرك من نشاطه فإن للنفس قوى بعضها مبدأ بذل المال، وبعضها مبدأ بذل الروح فمن سخر قوة بذل المال لوجه الله تعالى فقد ثبت بعض نفسه، ومن سخر قوة بذل المال وقوة بذل الروح فقد ثبت كل نفس، وقد يجعل مفعول (تثبيتاً) محذوفاً أي تثبيتاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم وقلوبهم ـ فمن ـ ابتدائية كما في قوله تعالى: {أية : حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [البقرة: 109] ويحتمل أن يكون المعنى: وتثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة مجاهد (وتبييناً من أنفسهم)، وجوز أن تكون {مِنْ} بمعنى اللام والمعنى توطيناً لأنفسهم على طاعة الله تعالى وإلى ذلك ذهب أبو علي الجبائي ـ وليس بالبعيد ـ وفيه تنبيه على أن حكمة الإنفاق للمنفق تزكية النفس عن البخل وحب المال الذي هو الداء العضال والرأس لكل خطيئة. {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} أي بستان بنشز من الأرض، والمراد تشبيه نفقة هؤلاء في الزكاء بهذه الجنة، واعتبر كونها في ربوة لأن أشجار الربـى تكون أحسن منظراً وأزكى ثمراً للطافة هوائها وعدم كثافته بركوده. وقرأ ابن عامر وعاصم بربوة بالفتح، والباقون بالضم، وابن عباس بالكسر، وقرىء ـ رباوة ـ وكلها لغات، وقرىء ـ كمثل حبة ـ بالحاء والباء {أَصَابَهَا وَابِلٌ} مطر شديد {فَأتَتْ} أي أعطت صاحبها أو الناس ونسبة الإيتاء إليها مجاز {أُكُلَهَا} بالضم الشيء المأكول والمراد ثمرها وأضيف إليها لأنها محله أو سببه، وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع بسكون الكاف تخفيفاً {ضِعْفَيْنِ} أي ضعفاً بعد ضعف فالتثنية للتكثير، أو مثلي ما كانت تثمر في سائر الأوقات بسبب ما أصابها من الوابل، أو أربعة أمثاله بناءاً على الخلاف في أن الضعف هل هو المثل أو المثلان، وقيل: المراد تأتي أكلها مرتين في سنة واحدة كما قيل في قوله تعالى: {أية : تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ}تفسير : [إبراهيم: 25] ونصبه على الحال من أكلها أي مضاعفاً {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} أي فيصيبها، أو فالذي يصيبها طل أو فطل يكفيها، والمراد أن خيرها لا يخلف على كل حال لجودتها وكرم منبتها ولطافة هوائها و ـ الطل ـ الرذاذ من المطر وهو اللين منه. وحاصل هذا التشبيه أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله تعالى لا تضيع بحال وإن كانت تتفاوت بحسب تفاوت ما يقارنها من الإخلاص والتعب وحب المال والإيصال إلى الأحوج التقي وغير ذلك، فهناك تشبيه حال النفقة النامية لابتغاء مرضاة الله تعالى الزاكية عن الأدناس لأنها للتثبيت الناشىء عن ينبوع الصدق والإخلاص بحال جنة نامية زاكية بسبب الربوة وأحد الأمرين الوابل، والطل، والجامع النمو المقرون بالزكاء على الوجه الأتم، وهذا من التشبيه المركب العقلي ولك أن تعتبر تشبيه حال أولئك عند الله تعالى بالجنة على الربوة ونفقتهم القليلة والكثيرة بالوابل والطل؛ فكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل تلك الجنة فكذلك نفقتهم جلت أو قلت بعد أن يطلب بها وجه الله تعالى زاكية زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عند ربهم جل شأنه كذا قيل: ـ وهو محتمل ـ لأن يكون التشبيه حينئذٍ من المفرق ـ ويحتمل أن يكون من المركب ـ والكلام مساق للإرشاد إلى انتزاع وجه الشبه وطريق التركيب، والفرق إذ ذاك بأن الحال للنفقة في الأول وللمنفق في الثاني. والحاصل أن حالهم في إنتاج القل والكثر منهم الأضعاف لأجورهم كحال الجنة في إنتاج الوابل والطل الواصلين إليها الإضعاف لأثمارها، واختار بعضهم الأول، وأبـى آخرون الثاني فافهم. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازي كلاً من المخلص والمرائي بما هو أعلم به، ففي الجملة ترغيب للأوّل، وترهيب للثاني مع ما فيها من الإشارة/ إلى الحط على الأخير حيث قصد بعمله رؤية من لا تغني رؤيته شيئاً وترك وجه البصير الحقيقي الذي تغني وتفقر رؤيته عز شأنه.
ابن عاشور
تفسير : عطف مثل الذين ينفقون أموالهم في مرضاة الله على مَثَل الذي ينفق ماله رئاء الناس، لزيادة بيان ما بين المرتبتين مِن البَوْن وتأكيداً للثناء على المنفقين بإخلاص، وتفنّناً في التمثيل. فإنّه قد مثَّله فيما سلف بحبَّة أنبتت سبع سنابل، ومثّله فيما سلف تمثيلاً غير كثيرِ التركيب لتحصل السرعة بتخيّل مضاعفة الثواب، فلما مَثَّل حال المنفق رِئاءً بالتمثيل الذي مضى أعيد تمثيل حال المنفق ابتغاء مرضاة الله بما هو أعجب في حسن التخيُّل؛ فإنّ الأمثال تبهج السامع كلّما كانت أكثر تركيباً وضمّنت الهيأة المشبّه بها أحوالاً حسنة تكسبها حُسناً ليسري ذلك التحسين إلى المشبَّه، وهذا من جملة مقاصد التشبيه. وانتصب {ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً} على الحال بتأويل المصدر بالوصف، أي مبتغين مرضاة الله ومثَبِّتين من أنفسهم. ولا يحسن نصبهما على المفعول له، أما قوله «ابتغاء» فلأن مفاد الابتغاء هو مفاد اللام التي ينتصب المفعول لأجله بإضمارها، لأنّ يؤول إلى معنى لأجل طلبهم مرضاة الله، وأما قوله «وتثبيتاً» فلأنّ حكمَهُ حكم ما عطف هو عليه. والتثبيت تحقيق الشيء وترسيخه، وهو تمثيل يجوز أن يكون لكبح النفس عن التشكّك والتردّد، أي أنّهم يمنعون أنفسهم من التردّد في الإنفاق في وجوه البر ولا يتْركون مجالاً لخواطر الشحّ، وهذا من قولهم ثبت قدمه أي لم يتردّد ولم ينكص، فإنّ إراضة النفس على فعل ما يشُق عليها لها أثر في رسوخ الأعمال حتى تعتاد الفضائل وتصير لها ديدناً. وإنفاق المال من أعظم ما ترسخ به الطاعة في النفس لأنّ المال ليس أمراً هيناً على النفس، وتكون «من» على هذا الوجه للتبعيض، لكنه تبعيض مجازي باعتبار الأحوال، أي تثبيتاً لبعض أحوال النفس. وموقع (من) هذه في الكلام يدل على الاستنزال والاقتصاد في تعلّق الفعل، بحَيْث لا يطلب تسلّط الفعل على جميع ذات المفعول بل يُكتفى ببعض المفعول، والمقصود الترغيب في تحصيل الفعل والاستدراج إلى تحصيله، وظاهر كلام «الكشاف» يقتضي أنّه جعل التبعيض فيها حقيقياً. ويجوز أن يكون تثبيتاً تمثيلاً للتصديق أي تصديقاً لوعد الله وإخلاصاً في الدين ليخالف حال المنافقين؛ فإنّ امتثال الأحكام الشاقة لا يكون إلاّ عن تصديق للآمر بها، أي يدُلُّون على تثبيت من أنفسهم. و (مِنْ) على هذا الوجه ابتدائية، أي تصديقاً صادراً من أنفسهم. ويجيء على الوجه الأول في تفسير التثبيت معنى أخلاقي جليل أشار إليه الفخر، وهو ما تقرر في الحكمة الخُلُقية أن تكرّر الأفعال هو الذي يوجب حصول الملكة الفاضلة في النفس، بحيث تنساق عقب حصولها إلى الكمالات باختيارها، وبلا كلفة ولا ضجر. فالإيمان يأمر بالصدقة وأفعال البر، والذي يأتي تلك المأمورات يثبِّت نفسه بأخلاق الإيمان، وعلى هذا الوجه تصير الآية تحْريضاً على تكرير الإنفاق. ومُثِّل هذا الإنفاق بجنّة بربوة إلخ، ووجه الشبه هو الهيأة الحاصلة من مجموع أشياء تكامل بها تضعيف المنفعة، فالهيأة المشبّهة هي النفقة التي حفّ بها طلب رضى الله والتصديقُ بوعده فضوعفت أضعافاً كثيرة أو دونها في الكثرة، والهيأة المشبّهة بها هي هيأة الجنّة الطيّبة المكان التي جاءها التهتَان فزكا ثمرُها وتزايد فأكملت الثمرة، أو أصابها طلّ فكانت دون ذلك. والجنّة مكان من الأرض ذو شجر كثير بحيث يجِنّ أي يستر الكائن فيه فاسمها مشتقّ من جنَّ إذا ستر، وأكثر ما تطلق الجنّة في كلامهم على ذات الشجر المثمر المختَلف الأصناف، فأما ما كان مغروساً نخيلاً بحتاً فإنّما يسمى حائطاً. والمشتهر في بلاد العرب من الشجر المثمر غير النخيل هو الكرم وثمره العنب أشهر الثمار في بلادهم بعد التمر، فقد كان الغالبَ على بلاد اليمن والطائف. ومن ثمارهم الرمّان، فإن كان النخل معها قيل لها جنّة أيضاً كما في الآية التي بعد هذه. ومما يدل على أنّ الجنّة لا يراد بها حائطُ النخل قوله تعالى في [سورة الأنعام: 141] { أية : وهوَ الذي أنشأ جناتٍ معْروشات وغير معْروشات والنّخل والزرع }. تفسير : فعطف النخل على الجنّات، وذكر العريش وهو مما يجعل للكرم، هذا ما يستخلص من كلام علماء اللغة. وقد حصل من تمثيل حال الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله بحبّة ثم بجنّة جناس مصحَّف. والربوة بضم الراء وفتحها مكان من الأرض مرتفع دون الجُبيل. وقرأ جمهور العشرة بربوة بضم الراء وقرأه ابن عامر وعاصم بفتح الراء. وتخصيص الجنة بأنّها في ربوة لأنّ أشجار الربى تكون أحسن منظراً وأزكى ثمراً فكان لهذا القيد فائدتان إحداهما قوة وجه الشبه كما أفاده قول {ضعفين}، والثانية تحسين المشبّه به الراجع إلى تحسين المشبّه في تخيّل السامع. والأكل بضم الهمزة وسكون الكاف وبضم الكاف أيضاً، وقد قيل إن كل فُعْل في كلام العرب فهو مخفف فُعُل كعُنْق وفُلْك وحُمْق، وهو في الأصل ما يؤكل وشاع في ثمار الشجر قال تعالى: { أية : بِجَنَّـٰتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ } تفسير : [ سبإ: 16] وقال: { أية : تُؤْتِىۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } تفسير : [إبراهيم: 25]، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب «أُكْلها» بسكون الكاف، وقرأه ابن عامر وحمزة وعاصم والكسائي وخلف بضم الكاف. وقوله: «ضِعفين» التثنية فيه لمجرد التكرير ــــــ مثل لَبَّيْك ــــــ أي آتت أكلها مضاعفاً على تفاوتها. وقوله: {فإن لم يُصبها وابل فطل}، أي فإن لم يصبها مطر غزير كفاها مطر قليل فآتت أكلها دون الضعفين. والمعنى أن الإنفاق لابتغاء مرضاة الله له ثواب عظيم، وهو ــــــ مع ذلك ــــــ متفاوت على تفاوت مقدار الإخلاص في الابتغاء والتثبيت كما تتفاوت أحوال الجنات الزكية في مقدار زكائها ولكنها لا تخيب صاحبها.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 265- حال الذين ينفقون أموالهم طلباً لمرضاة الله وتثبيتاً لأنفسهم على الإيمان، كحال صاحب بستان بأرض خصبة مرتفعة يفيده كثير الماء وقليله، فإن أصابه مطر غزير أثمر مثلين، وإن لم يصبه المطر الكثير بل القليل فإنه يكفى لإثماره لجودة الأرض وطيبها، فهو مثمر فى الحالتين، فالمؤمنون المخلصون لا تبور أعمالهم، والله لا يخفى عليه شئ من أعمالكم. 266- إنه لا يحب أحد منكم أن يكون له بستان من نخيل وأعناب تجرى خلالها الأنهار وقد أثمر له البستان من كل الثمرات التى يريدها، وأصابه ضعف الكبر وله ذرية ضعاف لا يقدرون على الكسب ولا يستطيع هو لكبره شيئاً، وجفَّ بستانه فى هذه الحال العاجزة بسبب ريح شديدة فيها نار فأحرقته، وصاحبه وذريته أحوج ما يكونون إليه، وكذلك شأن من ينفق ويتصدق ثم يعقب النفقة والصدقة بالمن والأذى والرياء فيبطل بذلك ثواب نفقته ولا يستطيع أن يتصدق من بعد ذلك طيبة نفسه، ومثل هذا البيان يبين الله لكم الآيات لتتفكروا فيها وتعملوا بها. 267- يا أيها المؤمنون أنفقوا من جيِّد ما تحصلونه بعملكم، ومما يتيسر لكم إخراجه من الأرض من زروع ومعادن وغيرها، ولا تتعمدوا الإنفاق من ردئ المال وخبيثه أنكم لن تقبلوا هذا الخبيث لو قُدِّمَ إليكم إلا على إغماض وتساهل صارفين النظر عما فيه من خبث ورداءة، واعلموا أن الله غنى عن صدقاتكم، مستحق للحمد بما أرشدكم إليه من خير وصلاح.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: المثل: الصفة المستملحة المستغربة. ابتغاء مرضاة الله: طلبا لرضا الله تعالى. تثبيتاً: تحقيقاً وتَيَقناً بمثوبة الله تعالى لهم على إنفاقهم في سبيله. جنّة بربوة: بستان كثير الأشجار بمكان مرتفع. ضعفين: مضاعفاً مرتين، أو ضعفي ما يثمر غيرها. الوابل: المطر الغزير الشديد. الظلُّ: المطر الخفيف. إعصار: ريح عاصف فيها سموم. معنى الآيتين: لما ذكر الله تعالى خيبة المنفقين أموالهم رياء الناس محذراً المؤمنين من ذلك ذكر تعالى مرغباً في النفقة التي يريد بها العبد رضا الله وما عنده من الثواب الأخروي فقال ضاربا لذلك مثلاً: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} أي طلباً لمرضاته {وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} أي تحققا وتيقناً منهم بأن الله سيثيبهم عليها مثلهم في الحصول على ما أمّلوا من رضا الله وعظيم الأجر كمثل جنّة بمكان مرتفع عالٍ أصابها مطر غزير فأعطت ثمرها ضعفي ما يعطيه غيرها من البساتين ولما كانت هذه الجنة بمكان عال مرتفع فإنها إن لم يصبها المطر الغزير فإن الندى والمطر اللين الخفيف كافٍ في سقيها وريها حتى تؤتي ثمارها مضاعفاً مرتين، وختم تعالى هذا الكلام الشريف بقوله: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فواعد به المنفقين ابتغاء مرضاته وتثبيتاً من أنفسهم بعظم الأجر وحسن المثوبة، وأوعد به المنفقين الذين يتبعو ما أنفقوا بالمن والأذى والمنفقين رياء الناس بالخيبة والخسران. كان هذا معنى الآية الأولى [265] وأما الآية الثانية [266] فإنه تعالى يسائل عباده تربية لهم وتهذيباً لأخلاقهم وسمّواً بهم إلى مدارج الكمال الروحي فيقول: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} أي أيحب أحدكم أيها المنفقون في غير مرضاة الله تعالى أن يكون له جنّة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار وله فيها من كل الثمرات والحال أنه قد تقدمت به السن وأصبح شيخاً كبيراً، ومع هذا العجز فإن له ذريّة صغاراً لا يقدرون على الكسب وجلب عيشهم بأنفسهم، وأصاب ذلك البستان الذي هو مصدر عيش الوالد وأولاده أصابه ريح عاتية تحمل حرارة السموم فأتت على ذلك البستان فأحرقته، كيف يكون حال الرجل الكبير وأولاده؟ هكذا الذي ينفق أمواله رئاء الناس يخسرها كلها في وقت هو أحوج إليها من الرجل العجوز وأطفاله الصغار، وذلك يوم القيامة وأخيراً يمتن تعالى على عباده بما يبين لهم من الآيات في العقائد والعبادات والمعاملات والآداب ليتفكروا فيها فيهتدوا على ضوئها إلى كمالهم وسعادتهم فقال تعالى: {كَذَلِكَ} أي كذلك التبيين {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- استحسان ضرب الأمثال تقريباً للمعاني إلى الأذهان لينتفع بها. 2- مضاعفة أجر الصدقة الخالية من المن والأذى ومراءاة الناس. 3- بطلان صدقات المان والمؤذي والمرائي وعدم الانتفاع بشيء منها. 4- وجوب التكفر في آيات الله لا سيما تلك التي تحمل بيان العقائد والأحكام والآداب والأخلاق.
القطان
تفسير : مرضاة الله: طلب رضوانه. تثبيتا من أنفسهم: لتمكين أنفسهم من مراتب الايمان والاحسان. الربوة: المكان المرتفع من الارض. آتت أُكلها: اثمرت واعطت انتاجها الجيد. بعد ان ذكر سبحانه حال الذين ينفقون أموالهم رياء ثم يمنِّنون ويؤذون من أحسنوا اليهم ـ ذكر في هذه الآية الكريمة حال المؤمنين الصاديقن الذين ينفقون أموالهم ابتغاء رضوان الله تعالى، وتمكيناً لأنفسهم في مراتب الايمان. وقد جعلهم مثلَ بستان في أرض مرتفعة خصبة أصابه مطر جيد كثير فأعطى من الثمرات ضعفين، وحتى لو جاءه مطر خفيف فانه يكتفي بذلك المطر. وهكذا حال المؤمن الجواد المنفق، ان أصابه خير كثير تصدّق وأنفق بسخاء عن طيب خاطر، وان أصابه خير قليل انفق بقدر ما يستطيع.. فخيره دائم وبره لا ينقطع. القراءات: قرأ ابن عامر وعاصم "بربوة" بفتح الراء كما هو هنا والباقون "بربوة" بضم الراء. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو "اكلها" بتسكين الكاف.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَمْوَالَهُمُ} {مَرْضَاةِ} {فَآتَتْ} (265) - أمّا المُؤْمِنُونَ الذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم طَلَباً لِمَرْضَاةِ اللهِ عَنْهُمْ، وَهُمْ مُتَحَقِّقُونَ مِنْ أَنَّ اللهَ سَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ، فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ بُسْتَانٍ (جَنَّةٍ) بِرَبْوَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الأرْضِ، فَأَصَابَهَا مَطَرٌ شَدِيدٌ (وَابِلٌ)، فَأثْمَرَتْ ضِعْفَيْنِ مِمَّا أَثْمَرَتْهُ غَيْرُها مِنَ الجِنَانِ (أوْ ضِعْفَينِ مِمَّا كَانَتَ تُثْمِرُهُ قَبْلاً) فَإنْ لَمْ يُصِبْهَا المَطَرُ الشَّدِيدُ، أصَابَهَا مَطَرٌ خَفِيفٌ يَكْفِيها لِجَوْدَةِ تُرْبَتِها، وَحُسْنِ مَوْقِعِها، فَهِي لاَ تُمْحِلُ أَبَداً. وَكَذَلِكَ عَمَلُ المُؤْمِنِ لا يَبُورُ أبداً، بَلْ يَتَقَبَّلُهُ اللهُ وَيُكَثِّرُهُ وَيُنَمِّيهِ. (وَقَدْ يَكُونُ المَعْنَى هُوَ: وَكَذَلِكَ الإِنْسَانُ الجَوَادُ البَرُّ إنْ أصَابَهُ خَيْرٌ كَثيرٌ أغْدَقَ وَوَسَّعَ في الإِنْفَاقِ، وَإنْ أصَابَهُ خَيْرٌ قَليلٌ أنْفَقَ بِقَدَرِهِ، فَخَيْرُهُ دَائِمٌ، وَبِرُّهُ لاَ يَنْقَطِعُ). وَاللهُ لا يَخْفَى عَلَيهِ شَيْءٌ مِنْ أعْمَالِ العِبَادِ. الجَنَّةُ - البُسْتَانُ. الوَابِلُ - المَطَرُ الشَّدِيدُ. الطَّلُّ - المَطَرُ الخَفِيفُ. الأُكُلُ - مَا تُعْطِيهِ الشَّجَرَةُ مِنْ ثِمَارٍ. تَثْبِيتاً - تَصْدِيقاً وَيَقِيناً بِثَوابِ الإِنْفَاقِ.
الثعلبي
تفسير : {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} طلب رضا الله {وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} قال الشعبي والكلبي والضحاك: يعني تصديقاً من أنفسهم يخرجون الزكاة طيبة بها أنفسهم يعلمون أن ما أخرجوا خيراً لهم ممّا تركوا. السدي وأبو صالح وأبو روق وابن زيد والمفضّل: على يقين إخلاف الله عليهم. قتادة: احتساباً بإيمان من أنفسهم، عطاء ومجاهد: مثبّتون أي لا يضيّعون أموالهم، وكذلك قرأ مجاهد: وتثبيتاً لأنفسهم. قال الحسن: كان الرجل إذا همّ بصدقة تثبّت إن كان لله أعطى وإن خالطه شيء أمسك، وعلى هذا القول يكون التثبيت بمعنى التثبت كقوله عزّ وجلّ: {أية : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} تفسير : [المزمل: 8] أي تبتّلاً. سعيد بن جبير وأبو مالك: تخفيفاً في ذنبهم. ابن كيسان: إخلاصاً وتوطيناً لأنفسهم على طاعة الله عزّ وجلّ في نفقاتهم، الزجاج: ينفقونها مقرّين بأن الله عزّ وجلّ رقيب عليهم. وأصل هذه الكلمة من قول السائل: ثبت فلان في هذا الأمر إذا حققه وثبت عليه وعزمه وقوي عليه بذاته. شعر : فثبت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا تفسير : {كَمَثَلِ جَنَّةٍ} أي بستان. قال الفراء: إذا كان في البستان نخل فهو جنّة، وإذا كان كرم فهو فردوس. وقول مجاهد: كمثل حبّة بالحاء والباء {بِرَبْوَةٍ} قرأ السليمي والعطاردي والحسن وعاصم وابن عامر: {بِرَبْوَةٍ} بفتح الراء هاهنا وفي سورة المؤمنين وهي لغة بني تميم. وقال أبو جعفر وشيبة ونافع وابن كثير والأعمش وحمزة والكسائي وخلف وأبو عمرو ويعقوب وأيوب بضم الراء فيهما. واختاره أبو حاتم وأبو عبيد لأنّها أكمل اللغات وأشهرها، وقول ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي وابن أبي إسحاق: بربوة، وقرأ أشهب العقيلي: برباوة بالألف وكسر الراء فيها. وهي جميعاً المكان المرتفع المستوي الذي تجري فيه الأنهار ولا يخلو من الماء. وإنّما سمّيت ربوة لأنّها ربت [وطابت] وعلت، من قولهم ربا الشيء يربو إذا انتفخ وعظم، وإنّما جعلها بربوة لأن النبات عليها أحسن وأزكى. {أَصَابَهَا وَابِلٌ} مطر شديد كثير {فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: {أُكُلَهَا} بالتخفيف والباقون بالتشديد وهو الثمر. قال المفضّل: الأكل: كثرة مافي الشيء ممّا يجود ويقوى به، يقال: ثوب كثير الأكل، أي كثير الغزل. ومعناه: وأعطت ثمرها ضعفين والضعف في الحمل. قال عطاء: حملت في سنة من الريع ما تحمل غيرها في سنتين. قال عكرمة: حملت في السنة مرّتين. {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} أي فطشّ وهو أضعف المطر وألينه. قال السدي: هو الندى. أبو سلام عبد الملك بن سلام عن زيد بن أسلم في قوله {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} قال: هي أرض مصر إن لم يصبها مطر زكت وإن أصابها مطر ضعفت، وهذا مثل ضربه الله عزّ وجلّ لعمل المؤمن المخلص، يقول: كما أن هذه الجنّة تريع في كلّ حال ولا تخلف ولا تُخيّب صاحبها سواء قلّ المطر أو كثر، كذلك يُضاعف الله عزّ وجلّ ثواب صدقة المؤمن المخلص الذي لا يمنّ ولا يُوذي سواء قلّت نفقته وصدقته أو كثرت فلا تخيب بحال. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} هذه الآية متصلة بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ}. الآية {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ}. {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ} وإنّما قال: {وَأَصَابَهُ} فردّ الماضي على المستقبل؛ لأن العرب تلفظ توددت مرّة مع (لو) وهي الماضي فتقول: وددت لو ذهبتَ عنّا، ومرّة مع (أن) وهي للمستقبل فتقول: وددت أن تذهب عنّا، و(لو) و(أن) مضارعان في معنى الجزاء، ألا ترى أنّ العرب فيما جمعت بين (لو) و(أن) قال الله تعالى: {أية : وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ} تفسير : [آل عمران: 30]. الآية كما تجمع بين (ما) و(أن) وهما جحد. قال الشاعر: شعر : ما أنْ رأيت ولا سمعت بمثله كاليوم طالي أينق جرب تفسير : فلما جاز ذلك صلح أن يقال: فعل بتاويل يفعل ويفعل بتأويل فعل، وان ينطق بـ (لو) عنها ما كان (أن) وبـ (أن) مكان (لو). فمعنى الآية: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} لو كان له جنّة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كلّ الثمرات {وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ} أولاد صغار {ضُعَفَآءُ} عجزة {فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ} وهي الريح العاصف التي تهب من الأرض إلى السماء كأنّها عمود. قال الكميت: شعر : [تسدي الرياح بها ذيلا وتلحمهُ ذا معتو من دقيق الترب موّار في منخل جاء من هيف يمانيه بالسافيات وفي غربال إعصار] تفسير : وجمعه أعاصير. قال يزيد بن المقرّع الحميري. شعر : أناس أجارونا وكان جوارهم أعاصير من فسو العراق المبذر تفسير : وهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق المرائي، يقول: عمل هذا المرائي لي حسنة لحين الجنّة فينتفع بها كما ينتفع صاحب الجنّة بها وإذا كبر وضعف وصار له أولاد صغار أصاب جنته إعصار {فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ} أخرج ما كان إليها وضعف عن إصلاحها لِكِبَره وضعف أولاده عن إصلاحها لصغرهم ولم يجد هو ما يعود على أولاده به، ولا أولاده ما يعودون به على أبيهم فينتفي هو وأولاده فقراً عجزه متحيّرين لا يقدرون على حيلة، فكذلك يبطل الله على هذا المنافق والمرائي حين لا مستعتب له ولا توبة ولا إقالة من عبرتهما وديونهما. قال عبيد بن عمير: [ضربت مثلاً للعمل يبدأ فيعمل عملاً صالحاً فيكون مثلاً للجنة التي من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات، ثم يسىء في آخر عمره]، فيتمادى في الإساءة حتّى يموت على ذلك، فيكون الأعصار الذي فيه نار التي أحرقت الجنة مثلاً لإساءته التي مات (وهو) عليها. {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ} تصدّقوا {مِن طَيِّبَاتِ} خيار وجياد نظير قوله: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} تفسير : [آل عمران: 92]. ابن مسعود ومجاهد: حلالات، دليله قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} تفسير : [المؤمنون: 51]. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم "حديث : قسّم بينكم أخلاقكم كما قسّم بينكم أرزاقكم وإن الله طيّب لا يقبل إلاّ طيباً، لا يكسب عبد مالاً من حرام فيتصدّق منه، فيقبل منه ولا ينفق منه، فيبارك له فيه ولا يتركه خلف ظهره إلاّ كان زاده إلى النار، وأن لا يمحو السيء بالسيء ولكنّه يمحو السيء بالحسن والخبيث لا يمحو به الخبيث ". تفسير : {مَا كَسَبْتُمْ} بالتجارة والصناعة من الذهب والفضّة. قال عبيد بن رفاعة:" حديث : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشر التجّار أنتم فجّار إلا من أتقى وبرّ وصَدّق وقال هكذا وهكذا وهكذا ". تفسير : وقال قيس بن عروة الغفاري:" حديث : كنّا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة نُسمّي أنفسنا السماسرة فسمّانا رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم هو أحسن من إسمنا فقال: يا معشر التجّار، إنّ هذا البيع يحضره اللهو والكذب واليمين فشوبوه بالصدقة ". تفسير : مكحول عن أبي إمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الخير عشرة أجزاء أفضلها التجارة؛ إذا أخذ الحق وأعطاه" تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تسعة أعشار الرزق في التجارة والجزء الباقي في السابياء ". تفسير : ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا معشر قريش لا يغلبنّكم هذه الموالي على التجارة وإنّ البركة في التجارة وصاحبها لا يفتقر إلاّ تاجر خلاّف مهين ". تفسير : عاصم ابن أبي النجود عن أبي وائل قال: درهم من تجارة أحب إليّ من عشرة من عطائي. الأعمش عن أبي إبراهيم عن عائشة قالت: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه ". تفسير : وقال سعيد بن عمير:" حديث : سُئِل النبيّ صلى الله عليه وسلم أي كسب الرجل أطيب؟ قال: عمل الرجل بيده وكلّ بيع مبرور ". تفسير : محمد بن الراضبي قال: مرّ إبراهيم النخعي على امرأة من مزاد وهي تغزل على بابها فقال: يا أم بكر أما كبرتِ أما آن لك أن تلقي هذا، قالت: كيف ألقيه وقد سمعت عليّاً (رضي الله عنه) يقول: إنّه من طيّبات الرزق. {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} يعني الحبوب والثمار التي تقتات وتدخر مما يجب فيه الزكاة. عمر بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول:" حديث : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم معبد حائطاً، فقال: "يا أم معبد من غرس هذا، أمسلم أم كافر؟" قالت: بل مسلم، قال: "فلا يغرس المسلم غرساً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طائر إلاّ كانت له صدقة إلى يوم القيامة ". تفسير : هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم "حديث : قال التمسوا الرزق في خبايا الأرض ". تفسير : قال مالك بن دينار: قرأت في التوراة: طوبى لمن أكل من ثمرة يديه. {وَلاَ تَيَمَّمُواْ} قرأ ابن مسعود: ولا تامموا بالهمز. وقرأ ابن عباس: ولا تيمموا مضمومة التاء مكسورة الميم الأولى يعني لا توجّهوا. وقرأ ابن كثير: (ولا تيمموا) بتشديد الياء وفتحها فيها وفي أخواتها وهي أحدى وثلاثون موضعاً في القرآن رد الساقط وأدغم لأن في الأصل تاءان تاء المخاطبة وتاء الأمر فحذفت تاء الفعل. وقرأ الباقون: ولا تيمموا مفتوحة مخففة. وهي كلّها لغات بمعنى واحد، يقال: أممت فلاناً وتيممته وتأممته، إذا قصدته وعمدته. قال الأعشى ميمون بن قيس: شعر : تيممت قيساً وكم دونه من الأرض من مهمه ذي شزن تفسير : السدي عن علي بن ثابت عن الفراء قال: نزلت هذه الآية في الأنصار كانت تخرج إذا كان جذاذ النخل من حيطانها أقناء من التمر والبسر فيعلقونه على حبل بين اسطوانتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل منه فقراء المهاجرين، وكان الرجل يعمد فيخرج قنو الحشف وهو يظن أنّه جائز عنه في كثرة ما يوضع من الأقناء فنزل فيمن فعل ذلك. {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} يعني القنو الذي فيه الحشف ولو كان أهدى لكم ما قبلتموه. عن باذان عن ابن عباس في هذه الآية قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: "حديث : إنّ لله في أموالكم حقّاً فإذا بلغ حق الله في أموالكم فاعطوا منه" تفسير : وكان الناس يأتون أهل الصدقة بصدقاتهم ويضعونها في المسجد فإذا اجتمعت قسّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم. قال:" حديث : فجاء رجل ذات يوم بعد مارَقّ أهل المسجد وتفرّق هامهم بعذق حشف فوضعه في الصدقة، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصره فقال: "مَنْ جاء بهذا العذق الحشف" قالوا: لا ندري يارسول الله. قال: بئسما صنع صاحب هذا الحشف" تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال عليّ بن أبي طالب والحسن ومجاهد والضحاك: كانوا يتصدّقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم فيعزلون الجيّد ناحية لأنفسهم، فأنزل الله تعالى {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ} يعني الردي من أموالكم، والخشف من التمر، والعفن والزوان من الحبوب، والزيوف من الدراهم والدنانير. {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} محل أن نصب بنزع حرف الصفة، يعني: بأن تغمضوا فيه. وقرأ الزهري: {تُغْمِضُواْ} بفتح التاء وضم الميم. وقرأ الحسن بتفح التاء وكسر الميم، وهما لغتان غمض يغمِض ويَغمَض. وقرأ قتادة تغمضّوا فيه من التفعيل وقرأ أبو مجلن: تغمّضوا بفتح الميم وضم التاء يعني إلاّ أن تغمض لكم. وقرأ الباقون: تغمّضوا. والاغماض: غض البصر وإطباق جفن على جفن. قال روبة: شعر : أرَق عينيّ عن الإغماض برق سرى في عارض نهّاضِ تفسير : وأراد هاهنا التجويز والترخص والمساهلة، وذلك إن الرجل إذا رأى ما يكره أغمض عينه لئلاّ يرى جميع ما يفعل، ثم كثر ذلك حتّى جعل كلّ تجاوز ومساهلة في البيع إغماضاً. قال الطرمّاح: شعر : لم يفتنا بالوتر قوم وللضي م رجال يرضون بالإغماض تفسير : قال علي والبراء بن عازب: معناه: لو كان لأحدكم على رجل حقّ فجاءه بهذا، لم يأخذه إلاّ وهو يرى أنّة قد أغمض عن بعض حقّه. وهي رواية العوفي عن ابن عباس. وروى الوالبي عنه: ولستم بآخذي هذا الردي لو كان لأحدكم على الآخر حقّ بحساب الجيّد حتّى تنقصوه. الحسن وقتادة: لو وجدتموه بياعاً في السوق ما أخذتموه بسعر الجيّد حتّى يغمّض لكم من ثمنه. وروي عن الفراء أيضاً قال: لو أهدي ذلك لكم ما أخذتموه إلاّ على استحياء من صاحبه وغيظ أنّه بعث إليك بما لم يكن فيه حاجة، فكيف ترضون لي مالا ترضون لأنفسكم؟ أخبر الله تعالى أن أهل السهمان شركاء ربّ المال في ماله فإذا كان ماله كلّه جيّداً فهم شركائه في الجيّد فأمّا إذا كان المال كلّه ردئاً فلا بأس باعطاء الردي لأن الواجب فيه ذلك إلاّ أن تتطوع. {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ} عن نفقاتكم وصدقاتكم {حَمِيدٌ} محمود في أفعاله. وعن معبد بن منقذ ان أبا شريح الكعبي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتموني أتصدّق شرّ ما عندي فاكووني واعلموا إنّي مجنون.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن ابتغاء مرضاة الله في الإنفاق تعني خروج الرياء من دائرة الإنفاق، فيكون خالصاً لوجهه - سبحانه - وأما التثبيت من أنفسهم، فهو لأنفسهم أيضاً. فكأن النفس الإيمانية تتصادم مع النفس الشهوانية، فعندما تطلب النفس الإيمانية أي شيء فإن النفس الشهوانية تحاول أن تمنعها. وتتغلب النفس الإيمانية على النفس الشهوانية وتنتصر لله. والمراد بـ "تثبيتاً من أنفسهم" هو أن يتثبت المؤمن على أن يحب نفسه حباً أعمق لا حباً أحمق. إذن فعملية الإنفاق يجب أن تكون أولاً إنفاقاً في سبيل الله، وتكون بتثبيت النفس بأن وهب المؤمن أولاً دمه، وثبت نفسه ثانياً بأن وهب ماله، وهكذا يتأكد التثبيت فيكون كما تصوره الآية الكريمة: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 265]. والجنة كما عرفنا تُطلق في اللغة على المكان الذي يوجد به زرع كثيف أخضر لدرجة أنه يستر من يدخله. ومنها "جن" أي "ستر"، ومن يدخل هذه الجنة يكون مستوراً. إن الحق يريد أن يضرب لنا المثل الذي يوضح الصنف الثاني من المنفقين في سبيل الله ابتغاء مرضاته وتثبيتا من أنفسهم الإيمانية ضد النفس الشهوانية، فيكون الواحد منهم كمن دخل جنة كثيفة الزرع، وهذه الجنة توجد بربوة عالية، وعندما تكون الجنة بربوة عالية فمعنى ذلك أنها محاطة بأمكنة وطيئة ومنخفضة عنها، فماذا يفعل المطر بهذه الجنة التي توجد على ربوة؟ وقد أخبرنا الحق بما يحدث لمثل هذه الجنة قبل أن يتقدم العلم الحديث ويكتشف آثار المياه الجوفية على الزراعة. فهذه الجنة التي بربوة لا تعاني مما تعاني منه الأرض المستوية، ففي الأرض المستوية قد توجد المياه الجوفية التي تذهب إلى جذور النبات الشعرية وتفسدها بالعطن، فلا تستطيع هذه الجذور أن تمتص الغذاء اللازم للنبات، فيشحب النبات بالإصفرار أولاً ثم يموت بعد ذلك، إنّ الجنة التي بربوة تستقبل المياه التي تنزل عليها من المطر، وتكون لها مصارف من جميع الجهات الوطيئة التي حولها، وترتوي هذه الجنة بأحدث ما توصل إليه العلم من وسائل الري، إنها تأخذ المياه من أعلى أي من المطر، فتنزل المياه على الأوراق لتؤدي وظيفة أولى وهي غسل الأوراق. إن أوراق النبات - كما نعلم - مثل الرئة بالنسبة للإنسان مهمتها التنفس، فإذا ما نزل عليها ماء المطر فهو يغسل هذه الأوراق مما يجعلها تؤدي دورها فيما نُسميه نحن في العصر الحديث بالتمثيل الكلوروفيلي. وبعد ذلك تنزل المياه إلى الجذور لتذيب العناصر اللازمة في التربة لغذاء النبات، فتأخذ الجذور حاجتها من الغذاء المذاب في الماء، وينزل الماء الزائد عن ذلك في المصارف المنخفضة. وهذه أحدث وسائل الزراعة الحديثة، واكتشفوا أن المحصول يتضاعف بها. إن الحق يخبرنا أن من ينفق ماله ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل هذه الجنة التي تروى بأسلوب رباني، فإن نزل عليها وابل من المطر، أخذت منه حاجتها وانصرف باقي المطر عنها، {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} [البقرة: 265]؛ والطلُّ وهو المطر والرذاذ الخفيف يكفيها لتؤتي ضعفين من نتاجها .. وإذا كان الضعف هو ما يساوي الشيء مرتين، فالضعفان يساويان الشيء أربع مرات. والله يضرب لنا مثلاً ليزيد به الإيضاح لحالة من ينفق ماله رئاء الناس فيسأل عباده المؤمنين وهو أعلم بهم فيقول جل شأنه: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} فالجَنةُ: البُسْتَانُ، والجمعُ الجِنَانُ. والرَّبوةُ: الموضِعُ المُرتَفعُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} فالطَّلُ: النَّدى.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما مثَّل سبحانه إنفاق المرائي المبطل مثَّل أيضاً إنفاق المؤمن المحق بقوله: {مَثَلُ} المؤمنين {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰلَهُمُ} في سبيل الله {ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} لا لعوض ولا لغرض فضلاً عن الرياء وعن المن والأذى {وَتَثْبِيتاً} لهم ناشئاً {مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} ليثبتوا على ما أمرهم الله به واستخلفهم فيه بقوله: أنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه {كَمَثَلِ جَنَّةٍ} بستان واقع {بِرَبْوَةٍ} موضع مرتفع من الأرض {أَصَابَهَا وَابِلٌ} مطر عظيم القطر {فَآتَتْ أُكُلَهَا} ثمرتها {ضِعْفَيْنِ} مما في الأرض المنخفضة بإصابة الوابل {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} أي: إن لم يصبها وابل يكفي في إضعاف ثمرتها، طل: رطوبة رقيقة تنزل على الأرض في المواضع المترفعة؛ لصفاء هوائها عن جميع الكدورات، كأراضي بيت المقدس شرفها الله. والمعنى: إن إنفاق المؤمن المخلص في الإنفاق، الطالب لرضاء الحق، المائل عن المن والرياء، الراغب لامتثال الأمر وتثبيت النفس وتقريره على أمر تلك الجنة، بل هي الجنة الحقيقية المثمرة للفواضل والإحسانات التي لا يدرك نموها {وَٱللَّهُ} المحيط بجميع أعمالكم {بِمَا تَعْمَلُونَ} من الإخلاص والرياء والمن والأذى {بَصِيرٌ} [البقرة: 265] لا يغيب شيء عن بصارته وحضوره. ثم حثَّ سبحانه عموم عباده على الإخلاص ورغبهم عن الرياء والمن والأذى على أبلغ وجه وآكده كأنه استدل عليه فقال: {أَيَوَدُّ} ويحب {أَحَدُكُمْ} أيها المؤمنون المنتشرون في فضاء الدنيا {أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} مملوءة {مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} بل {لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} المتنوعة المتلونة {وَ} الحال أنه {أَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ} لا يقدرون على الكسب {فَأَصَابَهَآ} أي: الحنة {إِعْصَارٌ} أي: ريح عاصف تستدير عند هبوبها فيرى لغبرتها مثل العمود الممدود نحو السماء {فِيهِ نَارٌ} متكونة من الأبخرة والأدخنة المحتبسة فيها، والتقطها من شعل النار فسقطت النار فيها {فَٱحْتَرَقَتْ} بالمرة ولم ينتفع منها أصلاً، كيف يحرم هو؟! وحرمانكم في النشأة الأخرى أيها المراءون أشد من حرمانه؛ لإحراقكم جنة الأعمال الصالحة المشتملة على نخيل التوحيد، وأعناب التسليم تجري من تحتها أنهار المعارف والحقائق المنتشئة من النفحات الإلهية المثمرة ثمرات الإنفاق والصدقات، والمتشعبة من الرضا المشعر بمقام العبودية، المسقط للإضافات كلها بإعصار الرياء والمن والأذى، المشتمل على نيران الأنانية والغيرية، المشعرة بعدم التحقق بمقام الرضا التسليم، فاحترقت بالمرة. والحال أنكم مبطلون على الكسب، وقواكم الكاسبة قد رجعت إلى بدء رجموع القهرى ضعفاء مطلعين مثلكم {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 266] فيها وتدخرون الزاد ليوم لا كسب فيه ولا مكسب، ولا زرع ولا حصاد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا مثل المنفقين أموالهم على وجه تزكو عليه نفقاتهم وتقبل به صدقاتهم فقال تعالى: { ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله } أي: قصدهم بذلك رضى ربهم والفوز بقربه { وتثبيتا من أنفسهم } أي: صدر الإنفاق على وجه منشرحة له النفس سخية به، لا على وجه التردد وضعف النفس في إخراجها وذلك أن النفقة يعرض لها آفتان إما أن يقصد الإنسان بها محمدة الناس ومدحهم وهو الرياء، أو يخرجها على خور وضعف عزيمة وتردد، فهؤلاء سلموا من هاتين الآفتين فأنفقوا ابتغاء مرضات الله لا لغير ذلك من المقاصد، وتثبيتا من أنفسهم، فمثل نفقة هؤلاء { كمثل جنة } أي: كثيرة الأشجار غزيرة الظلال، من الاجتنان وهو الستر، لستر أشجارها ما فيها، وهذه الجنة { بربوة } أي: محل مرتفع ضاح للشمس في أول النهار ووسطه وآخره، فثماره أكثر الثمار وأحسنها، ليست بمحل نازل عن الرياح والشمس، فـ { أصابها } أي: تلك الجنة التي بربوة { وابل } وهو المطر الغزير { فآتت أكلها ضعفين } أي: تضاعفت ثمراتها لطيب أرضها ووجود الأسباب الموجبة لذلك، وحصول الماء الكثير الذي ينميها ويكملها { فإن لم يصبها وابل فطل } أي: مطر قليل يكفيها لطيب منبتها، فهذه حالة المنفقين أهل النفقات الكثيرة والقليلة كل على حسب حاله، وكل ينمى له ما أنفق أتم تنمية وأكملها والمنمي لها هو الذي أرحم بك من نفسك، الذي يريد مصلحتك حيث لا تريدها، فيالله لو قدر وجود بستان في هذه الدار بهذه الصفة لأسرعت إليه الهمم وتزاحم عليه كل أحد، ولحصل الاقتتال عنده، مع انقضاء هذه الدار وفنائها وكثرة آفاتها وشدة نصبها وعنائها، وهذا الثواب الذي ذكره الله كأن المؤمن ينظر إليه بعين بصيرة الإيمان، دائم مستمر فيه أنواع المسرات والفرحات، ومع هذا تجد النفوس عنه راقدة، والعزائم عن طلبه خامدة، أترى ذلك زهدا في الآخرة ونعيمها، أم ضعف إيمان بوعد الله ورجاء ثوابه؟! وإلا فلو تيقن العبد ذلك حق اليقين وباشر الإيمان به بشاشة قلبه لانبعثت من قلبه مزعجات الشوق إليه، وتوجهت همم عزائمه إليه، وطوعت نفسه له بكثرة النفقات رجاء المثوبات، ولهذا قال تعالى: { والله بما تعملون بصير } فيعلم عمل كل عامل ومصدر ذلك العمل، فيجازيه عليه أتم الجزاء ثم قال تعالى: { أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 338- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ}: [الآية: 265]، قال: ثِقَةً مِنْ أنْفُسِهِمْ. 340- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن الحسن في قوله تعالى: {جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ}: [الآية: 265]، قال: هي الأرْضُ المستوية التي لا تعلو فوق الماء، وقال مجاهد: هي الأرض المرتفعة المستوية. 341- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فَطَلٌّ}: [الآية: 265]، قال: الطِّلُّ: النَّدى.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):