Verse. 273 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

اَيَوَدُّ اَحَدُكُمْ اَنْ تَكُوْنَ لَہٗ جَنَّۃٌ مِّنْ نَّخِيْلٍ وَّاَعْنَابٍ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِہَا الْاَنْہٰرُ۝۰ۙ لَہٗ فِيْہَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرٰتِ۝۰ۙ وَاَصَابَہُ الْكِبَرُ وَلَہٗ ذُرِّيَّۃٌ ضُعَفَاۗءُ ۝۰۠ۖ فَاَصَابَہَاۗ اِعْصَارٌ فِيْہِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ۝۰ۭ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللہُ لَكُمُ الْاٰيٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُوْنَ۝۲۶۶ۧ
Ayawaddu ahadukum an takoona lahu jannatun min nakheelin waaAAnabin tajree min tahtiha alanharu lahu feeha min kulli alththamarati waasabahu alkibaru walahu thurriyyatun duAAafao faasabaha iAAsarun feehi narun faihtaraqat kathalika yubayyinu Allahu lakumu alayati laAAallakum tatafakkaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أيَوَدُّ» أيحب «أحدكم أن تكون له جنة» بستان «من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها» ثمر «من كل الثمرات و» قد «أصابه الكبر» فضعف من الكبر عن الكسب «وله ذُرِّيةٌ ضعفاء» أولاد صغار لا يقدرون عليه «فأصابها إعصار» ريح شديدة «فيه نار فاحترقت» ففقدها أحوج ما كان إليها وبقي هو وأولاده عجزة متحيرين لا حيلة لهم وهذا تمثيل لنفقة المرائي والمانّ في ذهابها وعدم نفعها أحوج ما يكون إليها في الآخرة والاستفهام بمعنى النفي، وعن ابن عباس هو الرجل عمل بالطاعات ثم بعث له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله «كذلك» كما بين ما ذكر «يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون» فتعتبرون.

266

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا مثل آخر ذكره الله تعالى في حق من يتبع إنفاقه بالمن والأذى، والمعنى أن يكون للإنسان جنّة في غاية الحسن والنهاية، كثيرة النفع، وكان الإنسان في غاية العجز عن الكسب وفي غاية شدة الحاجة، وكما أن الإنسان كذلك فله ذرية أيضاً في غاية الحاجة، وفي غاية العجز، ولا شك أن كونه محتاجاً أو عاجزاً مظنة الشدة والمحنة، وتعلق جمع من المحتاجين العاجزين به زيادة محنة على محنة، فإذا أصبح الإنسان وشاهد تلك الجنة محرقة بالكلية، فانظر كم يكون في قلبه من الغم والحسرة، والمحنة والبلية تارة بسبب أنه ضاع مثل ذلك المملوك الشريف النفيس، وثانياً: بسبب أنه بقي في الحاجة والشدة مع العجز عن الاكتساب واليأس عن أن يدفع إليه أحد شيئاً، وثالثاً: بسبب تعلق غيره به، ومطالبتهم إياه بوجوه النفقة، فكذلك من أنفق لأجل الله، كان ذلك نظيراً للجنة المذكورة وهو يوم القيامة، كذلك الشخص العاجز الذي يكون كل اعتماده في وجوه الانتفاع على تلك الجنة، وأما إذا أعقب إنفاقه بالمن أو بالأذى كان ذلك كالإعصار الذي يحرق تلك الجنّة، ويعقب الحسرة والحيرة والندامة فكذا هذا المال المؤذي إذا قدم يوم القيامة، وكان في غاية الاحتياج إلى الانتفاع بثواب عمله، لم يجد هناك شيئاً فيبقى لا محالة في أعظم غم، وفي أكمل حسرة وحيرة، وهذا المثل في غاية الحسن، ونهاية الكمال، ولنذكر ما يتعلق بألفاظ الآية. أما قوله {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: الود، هو المحبة الكاملة. المسألة الثانية: الهمزة في {أَيَوَدُّ } استفهام لأجل الإنكار، وإنما قال: {أَيَوَدُّ } ولم يقل أيريد لأنا ذكرنا أن المودة هي المحبة التامة ومعلوم أن محبة كل أحد لعدم هذه الحالة محبة كاملة تامة فلما كان الحاصل هو مودة عدم هذه الحالة ذكر هذا اللفظ في جانب الثبوت فقال: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ } حصول مثل هذه الحالة تنبيهاً على الإنكار التام، والنفرة البالغة إلى الحد الذي لا مرتبة فوقه. أما قوله {جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } فاعلم أن الله تعالى وصف هذه الجنة بصفات ثلاث: الصفة الأول: كونها من نخيل وأعناب، واعلم أن الجنة تكون محتوية على النخيل والأعناب، ولا تكون الجنة من النخيل والأعناب إلا أن بسبب كثرة النخيل والأعناب، صار كأن الجنة إنما تكون من النخيل والأعناب، وإنما خص النخيل والأعناب بالذكر لأنهما أشرف الفواكه ولأنهما أحسن الفواكه مناظر حين تكون باقية على أشجارها. والصفة الثانية: قوله {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } ولا شك أن هذا سبب لزيادة الحسن في هذه الجنة. الصفة الثالثة: قوله {لَهُ فِيهَا مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } ولا شك أن هذا يكون سبباً لكمال حال هذا البستان فهذه هي الصفات الثلاثة التي وصف الله تعالى هذه الجنة بها، ولا شك أن هذه الجنة تكون في غاية الحسن، لأنها مع هذه الصفات حسنة الرؤية والمنظر كثيرة النفع والريع، ولا تمكن الزيادة في حسن الجنة على ذلك، ثم إنه تعالى بعد ذلك شرع في بيان شدة حاجة المالك إلى هذه الجنة، فقال: {وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ } وذلك لأنه إذا صار كبيراً، وعجز عن الاكتساب كثرت جهات حاجاته في مطعمه، وملبسه، ومسكنه، ومن يقوم بخدمته، وتحصيل مصالحه، فإذا تزايدت جهات الحاجات وتناقصت جهات الدخل والكسب، إلا من تلك الجنة، فحينئذ يكون في نهاية الاحتياج إلى تلك الجنة. فإن قيل: كيف عطف {وَأَصَابَهُ } على {أَيَوَدُّ } وكيف يجوز عطف الماضي على المستقبل. قلنا الجواب عنه من وجوه الأول: قال صاحب «الكشاف» {الواو} للحال لا للعطف، ومعناه {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ } حال ما أصابه الكبر ثم إنها تحرق. والجواب الثاني: قال الفرّاء: وددت أن يكون كذا ووددت لو كان كذا فحمل العطف على المعنى، كأنه قيل: أيود أحدكم إن كان له جنّة وأصابه الكبر. ثم إنه تعالى زاد في بيان احتياج ذلك الإنسان إلى تلك الجنّة فقال: {وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاء } والمراد من ضعف الذرية: الضعف بسبب الصغر والطفولية، فيصير المعنى أن ذلك الإنسان كان في غاية الضعف والحاجة إلى تلك الجنة بسبب الشيخوخة والكبر، وله ذرية في غاية الضعف والحاجة بسبب الطفولية والصغر. ثم قال تعالى: {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ } والاعصار ريح ترتفع وتستدير نحو السماء /كأنها عمود، وهي التي يسميها الناس الزوبعة، وهي ريح في غاية الشدة ومنه قول شاعر:شعر : إن كنـت ريحـاً فقد لاقيـت إعصـارا تفسير : والمقصود من هذا المثل بيان أنه يحصل في قلب هذا الإنسان من الغم والمحنة والحسرة والحيرة ما لا يعلمه إلا الله، فكذلك من أتى بالأعمال الحسنة، إلا أنه لا يقصد بها وجه الله، بل يقرن بها أموراً تخرجها عن كونها موجبة للثواب، فحين يقدم يوم القيامة وهو حينئذ في غاية الحاجة ونهاية العجز عن الاكتساب عظمت حسرته وتناهت حيرته، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَبَدَا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} تفسير : [الزمر: 47] وقوله {أية : وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً } تفسير : [الفرقان: 23]. ثم قال: {كَذٰلِكَ يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ } أي كما بيّن الله لكم آياته ودلائله في هذا الباب ترغيباً وترهيباً كذلك يبين الله لكم آياته ودلائله في سائر أمور الدين {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ }. وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أن: لعل، للترجي وهو لا يليق بالله تعالى. المسألة الثانية: أن المعتزلة تمسكوا به في أنه يدل على أنه تعالى أراد من الكل الإيمان وقد تقدم شرح هاتين الآيتين مراراً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} الآية. حكى الطبريّ عن السدي أن هذه الآية مَثَلٌ آخر لنفقة الرياء، ورجح هو هذا القول. قلت وروي عن ابن عباس أيضاً قال: هذا مثل ضَرَبَهُ الله للمرائين بالأعمال يبطلها يوم القيامة أحوج ما كان إليها، كمثل رجل كانت له جنة وله أطفال لا ينفعونه فكبِر وأصاب الجنة إعصار أي ريح عاصف فيه نار فاحترقت ففقدها أحوج ما كان إليها. وحُكي عن ٱبن زيد أنه قرأ قول الله تعالىٰ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} الآية، قال؛ ثم ضرب في ذلك مثلاً فقال: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} الآية. قال ابن عطية: وهذا أبين من الذي رجّح الطبريّ، وليست هذه الآية بِمَثَلٍ آخر لنفقة الرياء؛ هذا هو مقتضى سياق الكلام. وأما بالمعنى في غير هذا السياق فتشبه حال كل منافق أو كافر عمل عملاً وهو يحسب أنه يحسن صنعاً فلما جاء إلى وقت الحاجة لم يجد شيئاً. قلت: قد روي عن ٱبن عباس أنها مَثَلٌ لمن عمل لغير الله من منافق وكافر على ما يأتي، إلاَّ أن الذي ثبت في البخاريّ عنه خلاف هذا. خرج البخاري عن عُبيد بن عُمير قال: قال عمر بن الخطاب يوماً لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيم ترون هذه الآية نزلت: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ}؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؛ فغضب عمر وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم! فقال ٱبن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين؛ قال: يٱبن أخي قل ولا تحقر نفسك؛ قال ٱبن عباس: ضربت مثلاً لعملٍ. قال عمر: أي عمل؟ قال ٱبن عباس: لعملِ رجل غنيِّ يعمل بطاعة الله ثم بعث الله عزّ وجلّ له الشيطان فعمل في المعاصي حتى أحرق عمله. في رواية: فإذا فنِي عمره وٱقترب أجله ختم ذلك بعمل من أعمال الشقاء؛ فرضى ذلك عمر. وروى ابن أبي مُليكة أن عمر تلا هذه الآية. وقال: هذا مَثلٌ ضُرب للإنسان يعمل عملاً صالحاً حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل عمل السوء. قال ابن عطية: فهذا نَظَرٌ يحمل الآية على كل ما يدخل تحت ألفاظها؛ وبنحو ذلك قال مجاهد وقتادة والربيع وغيرهم. وخصّ النّخيل والأعْناب بالذكر لشرفهما وفضلهما على سائر الشجر. وقرأ الحسن «جَنَّاتٌ» بالجمع. {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تقدّم ذكره {لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} يريد ليس شيء من الثمار إلاَّ وهو فيها نابت. قوله تعالىٰ: {وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ} عطف ماضِياً على مستقبل وهو «تَكُونَ» وقيل: «يَوَدُّ» فقيل: التقدير وقد أصابه الكِبَر. وقيل إنه محمول على المعنى؛ لأن المعنى أيودّ أحدكم أن لو كانت له جنة. وقيل: الواو واو الحال، وكذا في قوله تعالىٰ «وَلَهُ». قوله تعالىٰ: {فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ} قال الحسن: «إعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ» ريح فيها برد شديد. الزجاج: الإعصار في اللغة الريح الشديدة التي تَهُبّ من الأرض إلى السماء كالعمود، وهي التي يُقال لها: الزوبعة. قال الجوهريّ: الزوبعة رئيس من رؤساء الجِن؛ ومنه سُمِّيَ الإعصار زوبعة. ويُقال: أُمّ زوبعة، وهي ريح تُثير الغبار وترتفع إلى السماء كأنها عمود. وقيل: الإعصار ريح تثير سحاباً ذا رعد وبرق. المَهْدَوِيّ: قيل لها إعصار لأنها تلتفّ كالثوب إذا عُصر. ابن عطية: وهذا ضعيف. قلت: بل هو صحيح: لأنه المشاهد المحسوس، فإنه يصعد عموداً مُلْتَفّاً. وقيل؛ إنما قيل للريح إعصار؛ لأنه يعصر السحاب، والسحاب مُعْصِرات إمّا لأنها حوامل فهي كالمعصر من النساء. وإمّا لأنها تنعصر بالرياح. وحكى ابن سِيَده: أن المعصرات فسرها قوم بالرياح لا بالسحاب. ابن زيد: الإعصار ريح عاصف وسَموم شديدة؛ وكذلك قال السديّ؛ الإعصار الريح والنار السَّموم. ابن عباس: ريح فيها سموم شديدة. قال ابن عطية: ويكون ذلك في شدّة الحرّ ويكون في شدّة البرد، وكل ذلك فَيْح جهنم ونفَسِها؛ كما تضمن قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا اشتدّ الحرّ فأبردوا عن الصَّلاة فإن شدّة الحرّ من فَيْح جهنم»تفسير : و: «حديث : إن النار اشتكت إلى ربها»تفسير : الحديث. وروي عن ابن عباس وغيره: أن هذا مَثَلٌ ضربه الله تعالىٰ للكافرين والمنافقين، كهيئة رجل غرس بستاناً فأكثر فيه من الثمر فأصابه الكِبر وله ذرّية ضعفاء ـ يريد صبياناً بنات وغلماناً ـ فكانت معيشته ومعيشة ذرّيته من ذلك البستان، فأرسل الله على بستانه ريحاً فيها نار فأحرقته، ولم يكن عنده قوّة فيغرسه ثانية، ولم يكن عند بنيه خير فيعودون على أبيهم. وكذلك الكافر والمنافق إذا ورد إلى الله تعالىٰ يوم القيامة ليست له كرّة يُبعث فيرد ثانية، كما ليست عند هذا قوّة فيغرِس بستانه ثانية، ولم يكن عند من افتقر إليه عند كِبَر سنه وضعف ذريته غنى عنه. {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} يريد كي ترجعوا إلى عظمتي ورُبُوبِيتِّي ولا تتخذوا من دوني أولياء، وقال ابن عباس أيضاً: تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها.

البيضاوي

تفسير : {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} الهمزة فيه للإِنكار. {أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ لَهُ فِيهَا مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ} جعل الجنة منهما مع ما فيها من سائر الأشجار تغلباً لهما لشرفهما وكثرة منافعهما، ثم ذكر أن فيها من كل الثمرات ليدل على احتوائها على سائر أنواع الأشجار، ويجوز أن يكون المراد بالثمرات المنافع. {وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ } أي كبر السن، فإن الفاقة والعالة في الشيخوخة أصعب، والواو للحال أو للعطف حملاً على المعنى، فكأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر. {وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاء } صغار لا قدرة لهم على الكسب. {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ } عطف على أصابه، أو تكون باعتبار المعنى. والإِعصار ريح عاصفة تنعكس من الأرض إلى السماء مستديرة كعمود، والمعنى تمثيل حال من يفعل الأفعال الحسنة ويضم إليها ما يحبطها كرياء وإيذاء في الحسرة والأسف، فإذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إليها وجدها محبطة بحال من هذا شأنه، وأشبههم به من جال بسره في عالم الملكوت، وترقى بفكره إلى جناب الجبروت، ثم نكص على عقبيه إلى عالم الزور والتفت إلى ما سوى الحق وجعل سعيه هباء منثوراً. {كَذٰلِكَ يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} أي تتفكرون فيها فتعتبرون بها.

ابن كثير

تفسير : قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، هو ابن يوسف، عن ابن جريج، سمعت عبد الله بن أبي مليكة يحدث عن ابن عباس، وسمعت أخاه أبا بكر بن أبي مليكة يحدث عن عبيد بن عمير، قال: قال عمر بن الخطاب يوماً لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيمن ترون هذه الآية نزلت؟ {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} قالوا: الله أعلم. فغضب عمر، فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين فقال عمر: يا بن أخي قل ولا تحقر نفسك، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ضربت مثلاً بعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي، حتى أغرق أعماله. ثم رواه البخاري عن الحسن بن محمد الزعفراني، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، فذكره، وهو من أفراد البخاري رحمه الله، وفي هذا الحديث كفاية في تفسير هذه الآية، وتبيين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولاً، ثم بعد ذلك انعكس سيره، فبدل الحسنات بالسيئات عياذاً بالله من ذلك، فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدم من الصالح، واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال، فلم يحصل له منه شيء وخانه أحوجَ ما كان إليه، ولهذا قال تعالى: {وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ} وهو الريح الشديدة {فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ} أي: أحرق ثمارها، وأباد أشجارها، فأي حال يكون حاله؟ وقد روى ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس، قال: ضرب الله مثلا حسناً، وكل أمثاله حسن، قال: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ} يقول: ضيعةٌ في شيبته {وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ} وولده وذريته ضعاف عند آخر عمره، فجاءه إعصار فيه نار، فاحترق بستانه، فلم يكن عنده قوة أن يغرس مثله، ولم يكن عند نسله خير يعودون به عليه، وكذلك الكافر يكون يوم القيامة إذا ردّ إلى الله عز وجل، ليس له خير فيستعتب، كما ليس لهذا قوة فيغرس مثل بستانه، ولا يجده قدم لنفسه خيراً يعود عليه، كما لم يغن عن هذا ولده، وحرم أجره عند أفقر ما كان إليه، كما حرم هذا جنته عندما كان أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته. وهكذا روى الحاكم في مستدركه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: «حديث : اللهم اجعل أوسع رزقك عليّ عند كبر سني وانقضاء عمري»تفسير : ولهذا قال تعالى: {كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} أي: تعتبرون وتفهمون الأمثال والمعاني، وتنزلونها على المراد منها. كما قال تعالى: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ }تفسير : [العنكبوت: 43].

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَيَوَدُّ } أيحب {أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ } بستان {مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ لَهُ فِيهَا } ثمر {مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } قد {أَصَابَهُ ٱلْكُبَرِ } فضعف من الكبر {وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاء } أولاد صغار لا يقدرون عليه {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ } ريح شديدة {فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ } ففقدها أحوج ما كان إليها وبقي هو وأولاده عجزة متحيرين لا حيلة لهم وهذا تمثيل لنفقة المرائي والمانّ في ذهابها وعدم نفعها أحوج ما يكون إليها في الآخرة والاستفهام بمعنى النفي. وعن ابن عباس: هو الرجل عمل بالطاعات ثم بُعِثَ له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله {كَذٰلِكَ } كما بيَّن ما ذكر {يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } فتعتبرون.

الشوكاني

تفسير : الودّ: الحب للشيء مع تمنيه، والهمزة الداخلة على الفعل، لإنكار الوقوع، والجنة تطلق على الشجر الملتفّ، وعلى الأرض التي فيها الشجر. والأول أولى هنا لقوله: {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰرُ } بإرجاع الضمير إلى الشجر من دون حاجة إلى مضاف محذوف، وأما على الوجه الثاني، فلا بدّ من تقديره، أي: من تحت أشجارها، وهكذا قوله: {فَٱحْتَرَقَتْ } لا يحتاج إلى تقدير مضاف على الوجه الأول، وأما على الثاني، فيحتاج إلى تقديره، أي: فاحترقت أشجارها، وخص النخيل، والأعناب بالذكر مع قوله: {لَهُ فِيهَا مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } لكونهما أكرم الشجر، وهذه الجمل صفات للجنة، والواو في قوله: {وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ } قيل: عاطفة على قوله: {تَكُونُ } ماض على مستقبل. وقيل: على قوله: {يَوَدُّ } وقيل: إنه محمول على المعنى إذ تكون في معنى كانت. وقيل: إنها واو الحال، أي: وقد أصابه الكبر، وهذا أرجح. وكبر السنّ هو: مظنة شدّة الحاجة لما يلحق صاحبه من العجز. عن تعاطي الأسباب. وقوله: {وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاء } حال من الضمير في أصابه أي: والحال أن له ذرية ضعفاء، فإن من جمع بين كبر السنّ، وضعف الذرية كان تحسره على تلك الجنة في غاية الشدة. والإعصار: الريح الشديدة التي تهب من الأرض إلى السماء كالعمود، وهي التي يقال لها: الزوبعة، قاله الزجاج. قال الجوهري: الزوبعة رئيس من رؤساء الجنّ، ومنه سمي الإعصار زوبعة، ويقال أمّ زوبعة: وهي ريح يثير الغبار، ويرتفع إلى السماء، كأنه عمود، وقيل: هي ريح تثير سحاباً ذات رعد، وبرق. وقوله: {فَٱحْتَرَقَتْ } عطف على قوله: {فَأَصَابَهَا } وهذه الآية تمثيل من يعمل خيراً، ويضم إليه ما يحبطه، فيجده يوم القيامة عند شدة حاجته إليه لا يسمن، ولا يغني من جوع بحال من له هذه الجنة الموصوفة، وهو متصف بتلك الصفة. وقد أخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس قال: قال عمر يوماً لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيم ترون هذه الآية نزلت: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ }؟ قالوا: الله أعلم، قال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يابن أخي قل، ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس: ضربت مثلاً لعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لرجل عني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل في المعاصي حتى أغرق عمله. وأخرج ابن جرير عن عمر قال: هذا مثل ضرب لإنسان يعمل عملاً صالحاً حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل عمل السوء. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، من طرق عن ابن عباس في قوله: {إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ } قال: ريح فيها سموم شديدة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} وهي البستان. {مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} لأنه من أنفس ما يكون فيها. { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأْنْهَارُ} لأن أنفسها ما كان ماؤها جارياً. {وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ} لأن الكِبَر قد يُنسِي من سعى الشباب في كسبه، فكان أضعف أملاً وأعظم حسرة. {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ} لأنه على الضعفاء أحَنّ، وإشفاقه عليهم أكثر. {فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} وفي الإعصار قولان: أحدهما: أنه السَّمُوم الذي يقتل، حكاه السدي. والثاني: الإعصار ريح تهب من الأرض إلى السماء كالعمود تسميها العامة الزوبعة، قال الشاعر: شعر : ..................... إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً تفسير : وإنما قيل لها إعصار لأنها تَلْتَفُّ كالتفاف الثوب المعصور. {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآْيَاتِ} يحتمل وجهين: أحدهما: يوضح لكم الدلائل. والثاني: يضرب لكم الأمثال. {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: تعتبرون، لأن المفكر معتبر. والثاني: تهتدون، لأن الهداية التَّفَكُّر. واختلفوا في هذا المثل الذي ضربه الله في الحسرة لسلب النعمة، من المقصود به؟ على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه مثل للمرائي في النفقة ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليها، قاله السدي. والثاني: هو مثل للمفرِّط في طاعة الله لملاذّ الدنيا يحصل في الآخرة على الحسرة العظمى، قاله مجاهد. والثالث: هو مثل للذي يختم عمله بفساد، وهو قول ابن عباس.

ابن عطية

تفسير : حكى الطبري عن السدي أن هذه الآية مثل آخر لنفقة الرياء، ورجح هو هذا القول، وحكى عن ابن زيد أنه قرأ قول الله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} تفسير : [البقرة: 264]، ثم قال ضرب في ذلك مثلاً فقال: {أيود أحدكم} الآية. قال القاضي أبو محمد: وهذا أبين من الذي رجح الطبري، وليست هذه الآية بمثل آخر لنفقة الرياء، هذا هو مقتضى سياق الكلام، وأما بالمعنى في غير هذا السياق فتشبه حال كل منافق أو كافر عمل وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، فلما جاء إلى وقت الحاجة لم يجد شيئاً، وقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقالوا الله ورسوله أعلم، فقال وهو غاضب قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال له ابن عباس هذا مثل ضربه الله كأنه قال: أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير، فإذا فني عمره واقترب أجله ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء، فرضي ذلك عمر، وروى ابن أبي مليكة أن عمر تلا هذه الآية: {أيود أحدكم}، وقال: هذا مثل ضرب للإنسان يعمل عملاً صالحاً حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه، عمل عمل السوء. قال القاضي أبو محمد: فهذا نظر يحمل الآية على كل ما يدخل تحت ألفاظها، وقال بنحو هذا مجاهد وقتادة والربيع وغيرهم، وخص النخيل والأعناب بالذكر لشرفهما وفضلهما على سائر الشجر. وقرأ الحسن "جنات" بالجمع، وقوله {من تحتها} هو تحت بالنسبة إلى الشجر، والواو في قوله {وأصابه} واو الحال، وكذلك في قوله: {وله} و {ضعفاء} جمع ضعيف وكذلك ضعاف، والــــ {إعصار} الريح الشديدة العاصف التي فيها إحراق لكل ما مرت عليه، يكون ذلك في شدة الحر ويكون في شدة البرد وكل ذلك من فيح جهنم ونفسها كما تضمن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم، وإن النار اشتكت إلى ربها" تفسير : ، الحديث بكماله، فإما أنه نار على حقيقته وإلا فهو نفسها يوجد عنه كاثرها، قال السدي: الإعصار الريح، والنار السموم، وقال ابن عباس ريح فيها سموم شديدة، وقال ابن مسعود إن السموم التي خلق الله منها الجان جزء من سبعين جزءاً من النار. قال القاضي أبو محمد: يريد من نار الآخرة، وقال الحسن بن أبي الحسن {إعصار فيه نار} ريح فيها صر، برد، وقاله الضحاك، وفي المثل: إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً، والريح إعصار لأنها تعصر السحاب، والسحاب معصرات إما أنها حوامل فهي كالمعصر من النساء وهي التي هي عرضة للحمل وإما لأنها تنعصر بالرياح، وبهذا فسر عبيد الله ابن الحسن العنبري القاضي، وحكى ابن سيده أن المعصرات فسرها قوم بالرياح لا بالسحاب، وقال الزجاج: الإعصار الريح الشديدة تصعد من الأرض إلى السماء وهي التي يقال لها الزوبعة، قال المهدوي: قيل لها {إعصار} لأنها تلتف كالثوب إذا عصر. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، والإشارة بذلك إلى هذه الأمثال المبينة، {ولعلكم} ترجّ في حق البشر، أي إذا تأمل من يبين له هذا البيان رجي له التفكر وكان أهلاً له. وقال ابن عباس {تتفكرون} في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِعْصَارٌ} ريح تهب من الأرض إلى السماء كالعمود، لأنها تلتف كالتفاف الثوب المعصور، وتسميها العامة "الزوبعة" قال: شعر : إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً تفسير : مثل لانقطاع أجر المرائي عند حاجته، أو مثل للمفرط في الطاعة بملاذ الدنيا، أو للذي يختم عمله بفساد. قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ...}. الهمزة للإنكار، أي لا يودّ أحدكم أن تكون له جنّة هكذا! وهذا التشبيه لمن أبطل صدقته بالمن والأذى. (قوله تعالى): {لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ...}. وقد قال: {مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ}، يعني أنّ معظمها النخيل والاعناب وفيها من كل الثمرات. قوله تعالى: {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ...}. بيان لتمام الحاجة (إلى) ثمر الجنة أو هو احتراس لأن من بلغ الكبر يكفيه ذرية ينفقون عليه ولا يحتاج إلى أحد.

ابن عادل

تفسير : هذا مثالٌ آخر ذكره اللهُ تعالى في حقِّ من يُتبعُ إنفاقه بالمَنِّ والأَذَى، "الودُّ": هو المحبةُ الكامِلةُ، والهمزةُ في "أَيَودُّ" للاستفهام، وهو بمعنى الإِنكارِ، وإنما قال: "أَيَوَدُّ"، ولم يقل أَيُرِيد؛ لأنا ذكرنا أن المودة هي المحبةُ التامةُ، ومعلومٌ أن محبةَ كُلِّ أحدٍ لعدم هذه الحالة محبةً كاملة، فلهذا ذكر هذا اللفظ في جانب الثبوت؛ تنبيهاً على الإِنكار التَّام، والنفرةِ البالغةِ إلى الحد الذي لا مزيد فوقه. قوله تعالى: {مِّن نَّخِيلٍ} في محلِّ رفعٍ؛ صفةً لجنة، أي: كائنة من نخيل. و "نَخِيلٍ" فيه قولان: أحدهما: أنه اسم جمع. والثاني: أنه جمع "نَخْل" الذي هو اسم الجنسِ، ونحوه: كلب وكَلِيب، قال الراغب: "سُمِّي بذلك؛ لأنه منخولُ الأشجارِ، وصَفِيُّها؛ لأنه أكرمُ ما يَنْبُتُ" وذكر له منافع وشبهاً من الآدميين. والأعنابُ: جمع عِنَبَة، ويقال: "عِنَباء" مثل "سِيرَاء" بالمدِّ، فلا ينصرفُ. وحيثُ جاء في القرآن ذكرُ هذين، فإنما يَنصُّ على النخلِ دون ثمرتها، وعلى ثمرةِ الكَرْم دون الكَرْم؛ لأنَّ النخلَ كلَّه منافعُ، وأعظمُ منافِع الكَرْم ثَمرَتهُ دونَ باقيه. قوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا} هذه الجملة في محلِّها وجهان: أحدهما: أنَّها في محلِّ رفعٍ؛ صفةً لجنة. والثاني: أنها في محلِّ نصب، وفيه أيضاً وجهان، فقيل: على الحال من "جنَّة"؛ لأنها قد وُصِفَتْ. وقيل: على أنها خبرُ [تكون] نقله مكيّ. قوله: {لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} جملة من مبتدإٍ، وخبرٍ، فالخبر قوله: "لَهُ" و "مِنْ" كُلِّ الثَّمَراتِ" هو المبتدأُ، وذلك لا يستقيمُ على الظاهر، إذ المبتدأُ لا يكونُ جارّاً ومجروراً؛ فلا بُدَّ من تأويله. واختلف في ذلك: فقيل: المبتدأ في الحقيقة محذوفٌ، وهذا الجارُّ والمجرورُ صفةٌ قائمةٌ مقامه، تقديره: "له فيها رِزقٌ من كلِّ الثمراتِ، أو فاكهةٌ مِنْ كلِّ الثمرات" فحُذف الموصوفُ، وبقيت صفتُه؛ ومثله قول النَّابغة: [الوافر] شعر : 1225- كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ تفسير : أي: جملٌ من جمالِ بني أُقَيْشٍ، وقوله تعالى: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}تفسير : [الصافات:164] أي: وما مِنَّا أحدٌ إِلاَّ له مقامٌ. وقيل: "مِنْ" زائدةٌ تقديره: له فيها كلُّ الثمرات، وذلك عند الأخفش؛ لأنه لا يَشْتَرِطُ في زيادتها شيئاً. وأمَّا الكُوفيُّون: فيشترطون التنكير، والبصريون يَشْتَرطونه وعدم الإِيجاب، وإذا قُلنا بالزيادة، فالمرادُ بقوله: "كُلِّ الثَّمَرَاتِ" التكثيرُ لا العموم، لأنَّ العُمومَ مُتعذِّرٌ. قال أبو البقاء: ولا يجوزُ أَنْ تكونَ "مِنْ" زائدةً، لا على قولِ سيبويه ولا قولِ الأخفشِ؛ لأنَّ المعنى يصيرُ: له فيها كُل الثمراتِ، وليسَ الأمرُ على هذا، إلاَّ أَنْ يُرادَ به هنا الكثرة لا الاستيعاب، فيجوزُ عند الأخفش؛ لأنه يُجَوِّزُ زيادةَ "مِنْ" في الواجب. فإن قيل: كيف عطف "وأَصَابَهُ" على "أيودُّ"؟ وكيف يجوزُ عطفُ الماضي على المستقبل؟ فالجواب: من وجوه: أحدها: أَنَّ الواو للحالِ، والجملةُ بعدها في محلِّ نصبٍ عليها، و "قد" مقدَّرةٌ أي: وقد أصابه، وصاحبُ الحال هو "أَحَدُكُمْ"، والعاملُ فيها "يَودُّ"، ونظيرُها: {أية : وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ}تفسير : [البقرة:28]، وقوله تعالى: {أية : وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا}تفسير : [آل عمران:168] أي: وقد كُنتم، وقد قَعَدوا. والثاني: أَن يكون قد وضع الماضي موضع المضارع، والتقديرُ "ويُصيبَه الكِبَر" كقوله تعالى: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ}تفسير : [هود:98] أي: يوردهُم. قال الفراء: يجوزُ ذلك في "يَوَدُّ"؛ لأنه يُتَلَقَّى مرةً بـ "أَنْ" ومرةً بـ "لو" فجاز أن يُقَدَّر أحدُهما مكان الآخر. الثالث: أنه حُمِل في العطفِ على المعنى؛ لأنَّ المعنى: أَيَودُّ أحدُكم أَنْ لو كانَتْ، فأصابه الكِبَرُ، وهذا الوجهُ فيه تأويلُ المضارع بالماضي؛ ليصِحَّ عطفُ الماضي عليه، عكسُ الوجه الذي قبله، فإنَّ فيه تأويلَ الماضي بالمضارع. واستضعف أبو البقاء هذا الوجه؛ بأنه يُؤدّي إلى تغيير اللفظ مع صحّة المعنى. والزمخشريُّ نَحَا إلى هذا الوجه - أيضاً - فإنه قال "وقيل: يُقالُ: وَدِدْتُ لو كان كذا؛ فحُمِل العطفُ على المعنى، كأنه قيل: أَيَودُّ أحدُكم لو كانت له جَنَّةٌ، وأصابَه الكِبَرُ". قال أبو حيان: "وظاهرُ كلامه أَنْ يكونَ "أَصَابَهُ" معطوفاً على متعلِّق "أَيَودُّ" وهو "أَنْ تَكُونَ"؛ لأنه في معنى "لَوْ كانَتْ"، إذ يقال: أيودُّ أحدكم لو كانت، وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنه يمتنع من حيثُ المعنى أَنْ يكونَ معطوفاً على "كانت" التي قبلها "لو"؛ لأنه متعلَّق الوُدِّ، وأمَّا "أَصابَه الكِبَرُ" فلا يمكنُ أن يكون متعلَّق الودِّ؛ لأنَّ "أصَابه الكِبَرُ" لا يودُّه أَحَدٌ ولا يتمنَّاه، لكن يُحْمل قول الزمخشريُّ على أنه لمّا كان "أَيَوَدُّ" استفهاماً معناه الإِنكارُ جُعِلَ متعلَّقُ الودادةِ الجمع بين الشيئين، وهما: كونُ جنةٍ له، وإصابةُ الكِبَر إياه، لا أنَّ كلَّ واحد منهما يكونُ مَوْدُوداً على انفراده، وإنما أَنكروا ودادة الجمع بينهما". قوله تعالى: {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ} هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الهاءِ في "وأَصابَه"، وقد تقدَّم اشتقاقُ الذريَّة. وقُرئ "ضِعافٌ"، وضُعفاءُ، وضعاف، منقاسان في ضعيف، نحو: ظريف، وظُرَفَاء، وظِراف، وشَريف، وشُرَفاء وشِراف. قوله: {فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ} هذه الجملة عطفٌ على صفةِ الجنة قبلها، قاله أبو البقاء. يعني على قوله تعالى: {مِّن نَّخِيلٍ} وما بعده. وأتى في هذه الآياتِ كلِّها بلفظ الإِصابة نحو فأصابه وَابِلٌ، وأَصابَه الكِبَر، فأصابها إعصارٌ؛ لأنه أبلغُ، وأَدَلُّ على التأثير بوقوعِ الفعلِ على ذلك الشيء، من أنه لم يُذكر بلفظ الإِصابة، حتى لو قيل: "وَبَل"، و "كَبِر"، و "أَعْصَرَتْ" لم يكن فيه ما في لفظِ الإِصابة من المبالغةِ. والإِعصارُ: الريحُ الشديدةُ المُرتفعةُ، وتُسَمِّيها العامَّةُ: الزَّوبعة. وقيل: هي الريحُ السَّموم، سُمِّيت بذلك؛ لأنها تَلُفُّ كما يُلَفُّ الثوبُ المعصورُ، حكاه المهدوي. وقيل: لأَنها تَعْصِر السَّحابَ، وتُجمع على أَعَاصير، قال: [البسيط] شعر : 1226أ- وَبَيْنَما المَرْءُ فِي الأَحْيَاءِ مُغْتَبِطٌ إِذْ هُوَ فِي الرَّمْسِ تَعْفُوهُ الأَعَاصِيرُ تفسير : والإعصارُ من بين سائر أسماءِ الريحِ، مذكرٌ، ولهذا رجع إليه الضمير مذكَّراً في قوله: "فيه نارٌ". و "نَارٌ" يجوز فيه الوجهان: أعني الفاعلية، والجارُّ قبلها صفةٌ لـ "إِعْصار" والابتدائية، والجارُّ قبلها خبرها، والجملة صفةُ "إِعْصارٌ"، والأول أَولى؛ لما تقدَّم من أنَّ الوصف بالمفرد أَولى، والجارُّ أقربُ إليه من الجملة. قوله: "فَٱحْتَرَقَتْ" أي: أحرقها، فاحترَقَتْ، فهو مطاوعٌ لأَحْرق الرباعي، وأمَّا "حَرَقَ" من قولهم: "حَرَقَ نابُ الرجُلِ" إذا اشتدَّ غيظهُ، فيُستعمل لازِماً، ومتعدِّياً، قال: [الطويل] شعر : 1226ب- أَبَى الضَّيْمَ وَالنُّعْمَانُ يَحْرِقُ نَابُهُ عَلَيْه فَأَفْضَى وَالسُّيُوفُ مَعَاقِلُهْ تفسير : رُوي برفع "نَابهُ" ونصبه، وقوله {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ} إلى آخره قد تقدَّم نظيرُه. فصل قال عبيد بن عمير: قال عمر - رضي الله عنه - لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فيمن ترون هذه الآية نزلت {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ}؟ قالوا: الله أعلم، فغضب عمر - رضي الله عنه - فقال: قولوا: نعلم، أو لا نعلم، فقال ابن عباس - رضي الله عنه -: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر - رضي الله عنه - يا ابن أخي، قل ولا تحقر نفسك، فقال ابن عباس - رضي الله عنه -: ضُرِبَت مثلاً لعمل فقال عمر: أيُّ عملٍ؟ فقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: لعمل منافقٍ، ومراءٍ، قال عمر - رضي الله عنه -: لأي رجل؟ قال لرجل غني يعمل بطاعة الله، بعث الله له الشيطان؛ فعمل بالمعاصي؛ حتى أحرق أعماله. وقال المفسّرون: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى لعمل المنافق، والمرائي، يقول: عمله في حسنه كحسن الجنَّة، كما ينتفع صاحب الجنَّة بالجنة. {مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} وإنما خصهما بالذكر؛ لأنهما أشرف الفواكه وأحسنها منظراً حيث تكون باقيةً على الأشجار، ووصف تلك الجنَّة بأن الأنهار تجري من تحتها، وذلك زيادةٌ في الحسن، وأنَّ فيها من كلِّ الثمرات، وهذا سبب لكمال حال هذه الجنَّة من الرؤية، والمنظر، وكثرة النَّفع، والرَّيع، ولا يمكن الزيادة على ذلك، فإذا كبر أو ضعف وصار له أولادٌ ضعافٌ، أي: بسبب الصِّغر، والطفوليَّة، فإنه إذا صار كبيراً؛ عجز عن الاكتساب، وكثرت جهات حاجاته في مطعمه، وملبسه، ومسكنه، ومن يقوم بخدمته، وتحصيل مصالحه، فإذا تزايدت حاجاته، وتناقصت جهات مكسبه، أصاب جنَّته إعصار فيه نارٌ فاحترقت، وهو أحوج ما يكون إليها، وضعف عن إصلاحها؛ لكبره، وضعف أولاده عن إصلاحها؛ لصغرهم، فلم يجد هو ما يعود به على أولاده، ولا أولاده ما يعودون به عليه، فبقوا جميعاً متحيرين عجزةً لا حيلة بأيديهم، كذلك يبطل الله عمل هذا المنافق، والمرائي حيث لا مغيث لهما، ولا توبة، ولا إقالة، ونظير هذه الآية الكريمة {أية : وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ}تفسير : [الزمر:47] وقوله تعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً}تفسير : [الفرقان:23].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس قال‏:‏ قال عمر يوماً لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ فيم ترون هذه الآية نزلت ‏{‏أيود أحدكم أن تكون له جنة‏}‏‏؟‏ قالوا‏:‏ الله أعلم‏!‏ فغضب عمر فقال‏:‏ قولوا‏:‏ نعلم أو لا نعلم‏.‏ فقال ابن عباس.‏ في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين‏!‏ فقال‏:‏ عمر‏:‏ يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ضربت مثلاً لعمل‏.‏ قال عمر‏:‏ أي عمل‏؟‏ قال ابن عباس‏:‏ لعمل‏.‏ قال عمر‏:‏ لرجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ قال عمر بن الخطاب‏:‏ قرأت الليلة آية أسهرتني ‏{‏أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب‏} ‏ فقرأها كلها فقال‏:‏ ما عنى بها‏؟‏ فقال بعض القوم‏:‏ الله أعلم‏!‏ فقال‏:‏ إني أعلم أن الله أعلم، ولكن إنما سألت إن كان عند أحد منكم علم وسمع فيها شيئاً أن يخبر بما سمع‏؟‏ فسكتوا‏.‏ فرآني وأنا أهمس قال‏:‏ قل يا ابن أخي ولا تحقر نفسك‏.‏ قلت‏:‏ عنى بها العمل‏.‏ قال‏:‏ وما عنى بها العمل‏؟‏ قلت‏:‏ شيء ألقي في روعي فقلته‏.‏ فتركني وأقبل وهو يفسرها صدقت يا ابن أخي عَنَى بها العمل، ابن آدم أفقر ما يكون إلى جنته إذا كبرت سنه وكثر عياله، وابن آدم أفقر ما يكون إلى عمله يوم القيامة، صدقت يا ابن أخي‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ ضرب الله مثلاً حسناً - وكل أمثاله حسن - قال ‏{‏أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب‏.‏‏.‏‏.‏ له فيها من كل الثمرات‏} ‏ يقول‏:‏ صنعه في شبيبته فأصابه الكبر، وولده وذريته ضعفاء عند آخر عمره، فجاءه إعصار فيه نار فاحترق بستانه، فلم يكن عنده قوة أن يغرس مثله، ولم يكن عند نسله خير يعودون به عليه، فكذلك الكافر يوم القيامة إذا رد إلى الله ليس له خير فيستعتب، كما ليس لهذا قوّة فيغرس مثل بستانه، ولا يجزه قدم لنفسه خيراً يعود عليه، كما لم يغن عن هذا ولده وحرم أجره عند أفقر ما كان إليه، كما حرم هذا جنته عند أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال‏:‏ هذا مثل آخر لنفقة الرياء، إنه ينفق ماله يرائي به الناس، فيذهب ماله منه وهو يرائي فلا يأجره الله فيه، فإذا كان يوم القيامة واحتاج إلى نفقته وجدها قد أحرقها الرياء، فذهبت كما أنفق هذا الرجل على جنته، حتى إذا بلغت وكثر عياله واحتاج إلى جنته جاءت ريح فيها سموم، فأحرقت جنته فلم يجد منها شيئا‏ً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال‏:‏ هذا مثل المفرط في طاعة الله حتى يموت، مثله بعد موته كمثل هذا حين احترقت جنته وهو كبير لا يغني عنها وولده صغار لا يغنون عنه شيئاً، كذلك المفرط بعد الموت كل شيء عليه حسرة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن أبي مليكة‏.‏ أن عمر تلا هذه الآية فقال‏:‏ هذا مثل ضرب للإِنسان يعمل عملاً صالحاً، حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل عمل السوء‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ ضربت مثلاً للعمل يبدأ فيعمل عملاً صالحاً فيكون مثلاً للجنة، ثم يسيء في آخر عمره فيتمادى في الإِساءة حتى يموت على ذلك، فيكون الاعصار الذي فيه نار التي أحرقت الجنة مثلاً لإِساءته التي مات وهو عليها‏. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال‏:‏ قال عمر‏:‏ آية من كتاب الله ما وجدت أحداً يشفيني عنها‏!‏ قوله ‏{‏أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب‏}‏ حتى فرغ من الآية‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ يا أمير المؤمنين إني أجد في نفسي منها فقال له عمر‏:‏ فلم تحقر نفسك‏؟‏ فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين هذا مثل ضربه الله فقال‏:‏ أيحب أحدكم أن يكون عمره يعمل بعمل أهل الخير وأهل السعادة، حتى إذا كبرت سنه، واقترب أجله، ورقَّ عظمه، وكان أحوج ما يكون إلى أن يختم عمله بخير عمل بعمل أهل الشقاء فأفسد عمله فأحرقه‏.‏ قال‏:‏ فوقعت على قلب عمر وأعجبته‏. وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم وحسنه عن عائشة قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ‏"‏حديث : اللهم اجعل أوسع رزقك علي عند كبر سني وانقطاع عمري‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إعصار فيه نار‏} ‏ قال‏:‏ ريح فيها سموم شديدة‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس‏.‏ أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {‏إعصار‏}‏ قال‏:‏ الريح الشديدة‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟ قال‏:‏ نعم، أما سمعت قول الشاعر‏:‏ شعر : فله في آثارهن خوار وحفيف كأنه إعصار تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون‏}‏ قال‏:‏ هذا مثل ضربه الله فاعقلوا عن الله أمثاله، فإن الله يقول ‏{‏أية : و تلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون‏}‏ تفسير : ‏[‏العنكبوت: 43‏]‏.

ابو السعود

تفسير : {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} الوُدُّ حبُّ الشيء مع تمنِّيه ولذلك يُستعمل استعمالَهما والهمزةُ لإنكار الوقوع كما في قوله: أأضرب أبـي؟ لا لإنكار الواقع كما في قولك: أتضرب أباك؟ على أن مناطَ الإنكارِ ليس جميعَ ما تعلّق به الوُدّ بل إنما هو إصابةُ الإعصارِ وما يتبعُها من الاحتراق {أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} وقرىء جناتٌ {مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} أي كائنةٍ منهما على أن يكون الأصلُ والركنُ فيها هذين الجنسينِ الشريفينِ الجامعين لفنون المنافع والباقي من المستتبِعات لا على ألا يكونَ فيها غيرُهما كما ستعرِفه، والجنَّةُ تطلق على الأشجار الملتفة المتكاتفة قال زهير: [البسيط] شعر : كأن عينيَّ في غربـيِّ مفتلة من النواضِحِ تسقي جنةً سحقاً تفسير : وعلى الأرض المشتملةِ، عليها والأولُ هو الأنسبُ بقوله عز وجل: {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلانْهَـٰرُ} إذ على الثاني لا بد من تقدير مضافٍ أي من تحت أشجارها وكذا لا بد من جعل إسناد الاحتراق إليها فيما سيأتي مجازياً، والجملةُ في محل الرفع على أنها صفةُ جنةٍ كما أن قوله تعالى: {مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} [البقرة، الآية: 266] كذلك أوفى محل النصب على أنها حالٌ منها لأنها موصوفة {لَهُ فِيهَا مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ} الظرفُ الأولُ خبرٌ والثاني حالٌ والثالثُ مبتدأ أي صفة للمبتدأ قائمة مَقامه أي له رزقٌ من كل الثمرات كما في قوله تعالى:{أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الصافات، الآية 164] أي وما منا أحد إلا له الخ وليس المرادُ بالثمرات العمومَ بل إنما هو التكثيرُ كما في قوله تعالى: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ} تفسير : [النمل، الآية 23] {وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ} أي كِبَرُ السنِّ الذي هو مَظِنَّةُ شدَّةِ الحاجة إلى منافعها ومئنة كمالِ العجز عن تدارُك أسبابِ المعاش، والواو حالية أي وقد أصابه الكبر {وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاءُ} حالٌ من الضمير في أصابه أي أصابه الكِبَرُ والحال أن له ذريةٌ صِغاراً لا يقدرون على الكسب وترتيب مبادىء المعاش وقرىء ضعاف {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ} أي ريحٌ عاصفةٌ تستدير في الأرض ثم تنعكس منها ساطعةً إلى السماء على هيئة العَمود {فِيهِ نَارٌ} شديدةٌ {فَٱحْتَرَقَتْ} عطفٌ على (فأصابها) وهذا كما ترى تمثيلٌ لحال من يعمل أعمالَ البرِّ والحسناتِ ويضُمُّ إليها ما يُحبِطُها من القوادح ثم يجدُها يوم القيامة عند كمال حاجته إلى ثوابها هباءً منثوراً بها في التحسّر والتأسّف عليها {كَذٰلِكَ} توحيدُ الكاف مع كون المخاطَب جمعاً قد مر وجهُه مراراً أي مثلَ ذلك البـيان الواضحِ الجاري في الظهور مجرىٰ الأمورِ المحسوسة {يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} كي تتفكروا فيها وتعتبروا بما فيها من العِبَر وتعملوا بموجبها.

اسماعيل حقي

تفسير : {أيود أحدكم} الهمزة لانكار الوقوع كما فى قوله أاضرب ابى لا لانكار الواقع كما فى قوله أتضرب اباك اى ما كان ينبغى ان يود رجل منكم {أن تكون له جنة} كائنة {من نخيل وأعناب} والجنة تطلق على الاشجار الملتفة المتكاثفة وهو الانسب بقوله تعالى {تجرى من تحتها الأنهار} اذ على كونها بمعنى الارض المشتملة على الاشجار الملتفة لا بد من تقدير مضاف اى من تحت اشجارها {له فيها من كل الثمرات} الظرف الاول خبر والثانى حال والثالث مبتدأ اى صفة للمبتدأ قائمة مقامه اى له رزق من كل الثمرات كما فى قوله تعالى {أية : وما منا إلا له مقام معلوم} تفسير : [الصافات: 164]. اى وما منا احد الا له الخ وليس المراد بالثمرات العموم بل انما هو التكثير كما فى قوله تعالى {أية : وأوتيت من كل شىء} تفسير : [النمل: 23]. فان قلت كيف قال {جنة من نخيل واعناب} ثم قال {له فيها من كل الثمرات}. قلت النخيل والاعناب لما كانا اكرم الشجر واكثرها نفعا خصهما بالذكر وجعل الجنة منهما وان كانت محتوية على سائر الاشجار تغليبا لهما على غيرهما ثم اردفهما ذكر كل الثمرات {و} الحال انه قد {أصابه الكبر} اى كبر السن الذى هو مظنة شدة الحاجة الى منافعها ومئنة كمال العجز عن تدارك اسباب المعاش {وله ذرية ضعفاء} اى اصابه الكبر والحال ان له ذرية صغارا لا يقدرون على الكسب وترتيب مبادى المعاش {فأصابها} اى تلك الجنة {إعصار} اى ريح عاصفة تستدير فى الارض ثم تنعكس منها ساطعة الى السماء على هيئة العمود {فيه نار} شديدة {فاحترقت} فصارت نعمها الى الذهاب واصلها الى الخراب فبقى الرجل متحيرا لا يجد ما يعود به عليها ولا قوة له ان يغرس مثلها ولا خير فى ذريته من الاعانة لكونهم ضعفاء عاجزين عن ان يعينوه وهذا كما ترى تمثيل لحال من يفعل الافعال الحسنة ويضم اليها ما يحبطها كرياء وايذاء فى الحسرة والاسف اذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته اليها ووجدها محبطة بحال من هذا شأنه واشبههم به من جال بسره فى عالم الملكوت وترقى بفكره الى جنات الجبروت ثم نكص على عقبيه الى عالم الزور والتفت الى ما سوى الحق وجعل سعيه هباء منثورا: قال الحافظ شعر : زاهد ايمن مشو از بازئ غيرت زنهار كه ره از صومعه تا ديرمغان اين همه نيست تفسير : {كذلك} اى مثل ذلك البيان الواضح الذى بين فيما مر من الجهاد والانفاق فى سبيل الله وقصة ابراهيم وعزير وغير ذلك لكم ايها الفريق {يبين الله لكم الآيات} اى الدلالات الواضحة فى تحقيق التوحيد وتصديق الدين {لعلكم تتفكرون} كى تتفكروا فيها وتعتبروا بما فيها من العبر وتعملوا بموجبها. قال القشيرى هذه آيات ذكرها الله على جهة ضرب المثل للمخلص والمنافق والمنفق فى سبيل الله والمنفق فى الباطل هؤلاء يحصل لهم الخلف والشرف وهؤلاء يحصل لهم السرف والتلف وهؤلاء ضل سعيهم وهؤلاء شكر سعيهم وهؤلاء تزكو اعمالهم وهؤلاء حبطت اعمالهم وخسرت اموالهم وختمت بالسوء احوالهم وتضاعف عليهم وبالهم وثقل ومثل هؤلاء كالذى انبت زرعا زكا اصله ونما فضله وعلا فرعه وكثر نفعه ومثل هؤلاء كالذى خسرت صفقته وسرقت بضاعته وضاقت على كبر سنه غلته وتواترت من كل وجه محنته هل يستويان مثلا وهل يتقاربان شبها انتهى. فلا بد من اخلاص الاعمال فان الثمرات تبتنى على الاصل. وعن معاذ بن جبل رضى الله عنه انه قال حين بعث الى اليمن يا رسول الله اوصنى قال "حديث : اخلص دينك يكفك العمل القليل ". تفسير : وعلاج الرياء على ضربين. احدهما قطع عروقه واستئصال اصوله وذلك بازالة اسبابه وتحصيل ضده واصل اسبابه حب الدنيا واللذة العاجلة وترجيحها على الآخرة. والثانى دفع ما يخطر من الرياء فى الحال ودفع ما يعرض منه فى اثناء العبادة فعليك فى اول كل عبادة ان تفتش قلبك وتخرج منه خواطر الرياء وتقره على الاخلاص وتعزم عليه الى ان تتم لكن الشيطان لا يتركك بل يعارضك بخطرات الرياء وهى ثلاث مرتبة العلم باطلاع الخلق او رجاؤه ثم الرغبة فى حمدهم وحصول المنزلة عندهم ثم قبول النفس له والركون اليه وعقد الضمير على تحقيقه فعليك رد كل منها: قال السعدى قدس سره شعر : قيامت كسى بينى اندر بهشت كه معنى طلب كرد ودعوى بهشت كنهكار انديشناك از خداى بسى بهتر ازعابد خود نماى تفسير : وفى التاتارخانية لو افتتح الصلاة خالصا لله تعالى ثم دخل فى قلبه الرياء فهو على ما افتح والرياء انه لو خلا عن الناس لا يصلى ولو كان مع الناس يصلى فاما لو صلى مع الناس يحسنها ولو صلى وحده لا يحسن فله ثواب اصل الصلاة دون الاحسان ولا يدخل الرياء فى الصوم روى عن ابى ذر الغفارى رضى الله عنه البارى انه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يا ابا ذر جدد السفينة فان البحر عميق واكثر الزاد فان السفر بعيد واقل من الحمولة فان الطريق مخوف واخلص العمل فان الناقد بصيرbr>". تفسير : والمراد من تجديد السفينة تحقيق الايمان وتكرير التوحيد ومن البحر هو جهنم قال تعالى {أية : ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} تفسير : [مريم: 72]. والمراد بالسفر سفر الآخرة والقيامة قال تعالى {أية : فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} تفسير : [السجدة: 5]. وزاد النعيم الطاعات وزاد الجحيم السيآت والمراد بالحمولة الذنوب والخطايا واريد باقلالها نفيها رأس وانما كان طريق الآخرة مخوفا لان الزبانية يأخذون اصحاب الحمل الثقيل من الطريق وليس هناك احد يعين على حمل احد وينصره وان كان من اقربائه قال تعالى {أية : وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شىء ولو كان ذا قربى} تفسير : [فاطر: 18]. والمراد بالناقد هو الله تعالى وهو طيب لا يقبل الا الطيب الخالص عن الشرك والرياء قال تعالى {أية : فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا} تفسير : [الكهف: 110]. اى خالصا لوجهه تعالى {أية : ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} تفسير : [الكهف: 110]. وفى الحديث قال الله تعالى "حديث : انا غنى عن الشركاء فمن عمل لى وأشرك فيه غيرى فأنى برىء منهbr>". تفسير : وذكر عن وهب بن منبه انه قال حديث : امر الله تعالى ابليس ان يأتى محمدا عليه السلام ويجيبه عن كل ما يسأله فجاءه على صورة شيخ وبيده عكازة فقال له "من أنت" قال انا ابليس قال "لماذا جئت" قال امرنى ربى ان آتيك واجيبك واخبرك عن كل ما تسألنى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فكم اعداؤك من امتى" قال خمسة عشر. انت اولهم. وامام عادل. وغنى متواضع. وتاجر صدوق. وعالم متخشع. ومؤمن ناصح. ومؤمن رحيم القلب. وثابت على التوبة. ومتورع عن الحرام. ومؤمن مديم على الطهارة. ومؤمن كثير الصدقة. ومؤمن حسن الخلق مع الناس. ومؤمن ينفع الناس. وحامل القرآن المديم عليه. وقائم الليل والناس نيام قال عليه السلام "فكم رفقاؤك من امتى" قال عشرة. سلطان جائر. وغنى متكبر. وتاجر خائن. وشارب الخمر. والقتات. وصاحب الرياء. وآكل الربا. وآكل ما اليتيم. ومانع الزكاة. والذى يطيل الامل تفسير : وفى الحديث "حديث : ما منكم من احد الا سيكلمه ربه ليس بينه وبين الله ترجمان ولا حجاب يحجبه فينظر ايمن منه فلا يرى الا ما قدم وينظر اشأم منه فلا يرى الا ما قدم من عمله وينظر بين يديه فلا يرى الا النار تلقاء وجهه فاتقوا الله ولو بشق تمرة ". تفسير : قال شيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة قيل لى فى قلبى احسن اخلاق المرء فى معاملته مع الحق التسليم والرضى واحسن اخلاقه فى معاملته مع الخلق العفو والسخاء: قال السعدى شعر : غم وشادمان نماند و ليك جزاى عمل ماند و نام نيك كرم باى دارد نه ديهيم وتخت بده كز تواين مانداى نيكبخت مكن تكيه برملك وجاه وحشم كه بيش ازتو بودست وبعدازتوهم

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الإعصار: عمود من ريح فيه عجاجة، يدور ويرتفع. يقول الحقّ جلّ جلاله: أيتمنى حدكم {أن تكون له جنة} أي: بستان {من نخيل وأعناب}، هما الغالبان فيه؛ لكثرة منافعهما، {تجري من} تحت تلك الأشجار {الأنهار}؛ إذ من كمال البستان أن يشتمل على الماء البارد والظل الممدود، و {له فيها} أي: في تلك الجنة {من كل الثمرات} زائدة على على النخيل والأعناب، ثم {أصابه الكبر} فضعف عن القيام بتلك الجنة، {وله ذرية ضعفاء} لا يستطيعون القيام بأنفسهم لصغرهم، فأصاب تلك الجنة {إعصار} أي: ريح شديد {فيه نار فاحترقت} تلك الجنة، فلا تسأل عن حسرة صاحب هذا البستان، لخوفه من ضياع نفسه وعياله. وهذا مثال لمن يُكثر من أعمال البر، كالصلاة والصيام والصدقة والحج والجهاد وغير ذلك، وهذا يُعجب به، ويفتخر وَيَمُنَّ بصدقته أو يؤذي، فتحبط تلك الأعمال وتذهب، فيتحسر عليها يوم القيامة، وهو أحوج ما يكون إليها. أو يعمل بالطاعة في أيام عمره، فإذا قرب الموت عمل بالمعاصي حتى ختم له بها فحبطت تلك الأعمال، والعياذ بالله {كذلك يبن الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون} فيها فتعتبرون، وتخلصون في أعمالكم، وتخافون من سوء عاقبتكم. أعاذنا الله من ذلك. الإشارة: في الآية تخويف للمريد أن يرجع إلى عوائده، ويلتفت إلى عوالم حسه، فيشتغل بالدنيا بعد أن استشرف على جنة المعارف، تجري على قلبه أنهار العلوم، فينقُضُ العهد مع شيخه، أو يسيء الأدب معه، ولم يتب حتى تيبس أشجار معارفه، وتلعب به ريح الهوى، فيحترق قلبه بنار الشهوات. قال البيضاوي: وأشبههم به من جال سره في عالم الملكوت، وترقى بفكره إلى جناب الجبروت، ثم نكص على عقبيه إلى عالم الزور، والتفت إلى ما سوى الحق وجعل سعيه هباء منثوراً. هـ.

الطوسي

تفسير : المعنى: معنى قوله: {أيود أحدكم أن تكون له جنة} التقدير (على) مثل ضربه الله في الحسرة بسلب النعمة فقيل هو مثل للمرائي في النفقة، لأنه ينتفع بها عاجلا وتنقطع عنه آجلا في أحوج ما يكون إليه. هذا قول السدي وقال مجاهد: هو مثل للمفرط في طاعة الله بملاذّ الدنيا يحصل في الآخرة على الحسرة العظمى. وقال ابن عباس: هو مثل للذي يختم عمله بفساد. اللغة: وقوله. {أيود أحدكم أن تكون له جنة} فأتى بمستقبل ثم عطف عليه بماض في قوله {وأصابه الكبر} قال الفراء يجوز ذلك في يود لأنها تلتقي مرة بـ (أن) ومرة بـ (لو) فجاز أن يقدر أحداهما مكان الاخرى، لاتفاق المعنى، فكأنه قال أيود أحدكم لو كانت له جنة من نخيل وأعناب وأصابه الكبر. وقال الرماني: وعندي أنه قد دل بأن على الاستقبال، وبتضمين الكلام معنى لو على التمني، كأنه قيل أيحب ذلك متمنياً له. والتمني يقع على الماضي والمستقبل ألا ترى أنه يصح أن يتمنى أن كان له ولد. ويصح أن يتمنى أن يكون له ولد. والمحبة لا تقع إلا على المستقبل، لأنه لا يجوز أن يقال أحب أن كان لي ولد ويجوز أحب أن يكون لي ولد. والفرق بين المودة والمحبة أن المودة قد تكون بمعنى التمني نحو قولك: أود لو قدم زيد بمعنى أتمنى لو قدم، ولا يجوز أحب لو قدم. وقوله أن تكون له جنة، فالجنة: البستان الكثيرة الشجر لأن الشجر يجنه بكثرته فيه. والنخل معروف. وقيل: إنه مأخوذ من نخل المنخل، لاستخلاصه كاستخلاص اللباب بالنخل. والنخل والنخيل جمع نخلة. وهي شجرة التمر. وقوله: {أية : كأنهم أعجاز نخل خاوية} تفسير : وقوله {أية : كأنهم أعجاز نخل منقعر}تفسير : فذكر على اللفظ وأنث على المعنى. والنخل نخل الدّقيق نخلته نخلا. ومنه المنخل، لأنه آلة النخل والنخالة معروفة والنخل نخل السماء بالثلج أو ما صغر من القطر والانتخال الاختيار والتنخل: التخير وأصل الباب النخل: الدقيق. والعنب: ثمر الكرم معروف ورجل عانب وعنب. والعناب معروف. والعناب ما تقطعه الخائنه مشبه بالعنب في التعلق. ورجل عناب: عظيم الانف مشبه بعنقود العنب في التعلق والعظم. وأصل الباب العنب. وقوله: {من تحتها الأنهار} وتحت نقيض فوق وفي الحديث "حديث : لا تقوم الساعة حتى يظهر التحوت"تفسير : أي الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يشعر بهم ذلاً. والانهار جمع نهر وهو المجرى الواسع من مجاري الماء قال الشاعر: شعر : ملكت بها كفي فأنهرت فتقها يرى قائم من دونها ماوراءها تفسير : معناه وسّعت فتقها كالنهر. وقوله: {فيها من كل الثمرات} فالثمرة: طعام الناس من الشجر. وقوله: {وأصابه الكبر} فالاصابة الوقوع على المقصود. والمراد ها هنا: لحقه الكبر، والكبر حال زائدة على مقدار آخر. والمراد ها هنا: الشيخوخة. والفرق بين الكبير والكثير أن الكثير مضمن بعدد وليس كذلك الكبير نحو دار واحدة كبيرة. ولا يجوز كثيرة. والذرية: الولد من الناس. والضعفاء: جمع ضعيف، والضعف نقصان القوة. وقوله: {فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت} فالعصر عصر الثوب ونحوه من كل شيء رطب عصرته أعصره عصراً فهو معصور، وعصير. واعتصرته اعتصاراً، وتعصر تعصراً، وعصّره تعصيراً. وانعصر انعصاراً. والعصر الدهر. وفي التنزيل {أية : والعصر إن الإنسان لفي خسر}تفسير : والعصر العشي. ومنه صلاة العصر لأنها تعصر أي تؤخر كما يؤخر الشيء بالتعصر فيه. والعصر النجاة من الحدب ومنه قوله تعالى: {أية : فيه يغاث الناس وفيه يعصرون}تفسير : لأنه كعصر الثوب في الخروج من حال إلى حال. والعصر: العطية. والاعتصار: الالتجاء. والمعتصر: الملجأ. والاعصار: غبار يلتف بين السماء والارض كالتفاف الثوب في العصير. والمعصر فوق الكاعب. والمعصرات السحاب. ومنه قوله {أية : وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً}تفسير : والعصرة: الدينة يقال هو لأموالنا عصرة: أي دينة. وأصل الباب: عصر الثوب. والاحراق إحراق النار أحرقته بالنار فاحترق احتراقاً وحرّقته تحريقاً وتحرق تحرقاً والحرق حكّ البعير أحد نابيه بالآخر يكون وعيداً وتهديداً من فحول الابل، لالتهابه غضبا كالتهاب الاحراق. والحرق: حك الحديدة بالمبرد حرقت الحديدة أحرقها حرقاً: إذا بردتها للتفريق بالاحراق. والحرق: قطع عصبة في الورك لا تلتئم كما لا يرجع ما أحرق، يقال حرق الورك فهو محروق والحرق: الثوب يقع فيه الحرق من دق القصار لأنه كالاحراق بالنار في أنه لا يرجع إلى الحال. ومنه ريش حرق لأنه كالمنقطع بالاحراق. والحرّاق: ما اقتبست به النار للاحراق. والحرقة ما يجده من حدة لأنه كالاحراق بالنار. والحراقات: سفن يتخذ منها مرامي نيران يرمى بها العدو في البحر وأصل الباب الاحراق. والفكر: جولان القلب بالخواطر يقال: أفكر إفكاراً وفكّر تفكيراً وتفكر تفكراً ورجل فكير كثير الفكر. وقوله: {فاحترقت} فالاحتراق: افتراق الاجزاء بالنار والبيان: هو الدلالة على ما بيناه - في ما مضى - وقال الرماني: البيان اظهار المعنى بما يتميز به من غيره على جهة الصواب. ولا يقال للحن من الكلام بيان وإن فهم به المراد، لأن البيان على الاطلاق ممدوح. وللحن عيب لكن يقال قد أبان عن مراده مجازاً.

الجنابذي

تفسير : {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} تمثيل آخر لمن انفق ثمّ ابطل انفاقه بالمنّ والاذى بعده كما انّ المثال السّابق كان لمن كان ابطاله مع الانفاق فانّه شبّه الانفاق الّذى هو غرس فى جنّة القلب للآخرة بجنّة كذا وصاحبه بصاحب الجنّة فى حال شدّة الاحتياج من اصابة الكبر وكونه معيلاً وعياله ذرّيّة ضعفاء ومنّه واذاه بنار أتت فاحترقت جنّته حال كونها لا يرجو غيرها لكنّه ادّاه بالاستفهام الانكارىّ تجديداً للاسلوب لتنشيط السّامع وتهييجه للاستماع وتأكيداً فى التحذير عن المنّ والاذى {أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} يعنى تكون الجنّة منهما لكن كان فى خلالهما سائر انواع الاشجار، ويجوز ان يراد بالثّمرات مطلق المنافع من الثّمرات والحبوب وغيرها {وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ} حتّى يضعف عن القيام بأمر ذرّيّته ويكون كفاية ذرّيّته من تلك الجنّة {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ} عجزة عن الاكتساب {فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ} الاعصار الرّيح المثيرة للسّحاب، او الّتى فيها نار، او الّتى تهبّ من الارض كالعمود نحو السّماء مستديرة، او الّتى فيها العصا اى الغبار الشّديد {فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ} اى مثل بيان هذه الامثال للانفاق الخالص ولابطاله {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ} الانفسيّة وغيرها {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} وتنتقلون من ظاهر الامثال الّتى هى الآيات الآفاقيّة الى الممثّل لها الّتى هى الآيات الانفسيّة.

الهواري

تفسير : قوله: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ} والإِعصار الريح الشديدة التي فيها النار {فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الأَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}. يقول: هل منكم من يود ذلك؟ على وجه الاستفهام، أي: ليس منكم من يود ذلك، يقول: فاحذروا ألا تكون منزلتكم عند الله كذلك، أحوج ما تكونون إلى أعمالكم يحبطها ويبطلها، فلا تقدرون منها على شيء؛ فكما لا يسرّكم ذلك في حياتكم، فكذلك لا يسرّكم ذلك في الآخرة. وهذا مثل ضربه الله لكم لعلكم تتفكرون. ذكروا أن الحسن قرأ هذه الآية فقرأ: مثلٌ واللهِ قلَّ من يعقله من الناس، حين كبرت سنه، وكثر عياله، وأحوج ما يكون إلى جنته. وإن أحدكم والله أحوج ما يكون إلى عمله إذا انقضت الدنيا ومضت لحال بالها. وقال مجاهد: هذا مثل المفرّط في طاعة الله حتى يموت. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ}. قال الحسن: هذا في النفقة الواجبة؛ كانوا يتصدّقون بأردإ درهمهم، وأردإ فضتهم، وأردإ طعامهم، فنهاهم الله عن ذلك فقال: ولا تيمّموا [يعني ولا تقصدوا] الخبيث، وهو الرديء، منه تنفقون. أي: منه تزكون. وقال مجاهد: {مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ}. أي من التجارة. قال: {وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ} يقول: ولستم بآخذي هذا الرديء بثمن هذا الجيّد إلاَ أن يُهضَم لكم منه. قال بعضهم: كان الرجل يكون له حائطان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعمد إلى أردئهما، فيتصدق به، ويخلطه بالحشف، فنهاهم الله عن ذلك. قال: {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه}؛ أي: ولستم بآخذي هذا الرديء بسعر هذا الطيب إلا أن يهضم لكم منه. قال الحسن: فكما لا يستوي عندكم هذا الجيّد والرديء فكذلك لا يستوي عند الله في الآخرة. وقال الكلبي: ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه، قال: لو كان لبعضكم على بعض حق فأعطِيَ دون حقه لم يأخذه منه إلا أن يرى أنه قد تغامض له عن بعض حقه، وكذلك الله، إلا أن يتراحم عليكم، لا تستكملون به الأجر له، إلا أن يتغمّدكم الله برحمته. وقال مجاهد: إلا أن تغمضوا فيه: إلا أن تأخذوه من غرمائكم بزيادة على الطيّب في الكيل. قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} أي غني عما عندكم لمن بخل بصدقته، حميد لمن احتسب بصدقته.

اطفيش

تفسير : {أيَودُّ}: أيحب ويتمنى، والهمزة للاستفهام الإنكارى. {أحَدُكُم أنْ تَكُونّ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَّخِيلٍ وأَعنْابٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِها الأَنْهارُ}: الأعناب جمع عنب على حذف مضاف، أى وشجر أعناب، أو سمى الشجر باسم ثمرته لأنها بعض الشجر أو مسببه، وفى الكلام حذف تقديره من نخيل وأعناب وغيرهما بدليل قوله تعالى: {لهُ فيها مِن كُلّ الثمرات} المرغوب فيها المعتادة، وإلا فالنخل وشجر العنب ليس فيهما إلا الثمر والعنب، وخص النخل والعنب أولا بالذكر تغليبا لهما على سائر الشجر لشرفهما وكثرة منافعهما، وإن قلنا المراد بالثمرات المنافع المتخذة من النخل والعنب، كالحطب للإيقاد، والبيع والليف للحبال وغيرها والورق للحيوان والعسل والنبيذ والحل وغير ذلك، من جميع منافع النخل، والأعناب كما قال من كل الثمرات، أى من كل منافعهما فلا حذف فى الكلام وله خبر، وفيها متعلق به لنيابته عن لفظ استقر أو مستقر أو نحوهما، أو باللفظ المنوب عنه أو بمحذوف حال من ضمير الاستقرار والمبتدأ محذوف موصوف بقوله: من كل الثمرات، أى رزق من كل الثمرات، ومن أجاز زيادة من فى الإيجاب والمعرفة كالأخفش، فله أن يجعل من للتأكيد، وكل مبتدأ، وبعض يجعل من للتبعيضية إسما مضافا فمن مبتدأ مضاف لكل، أى بعض كل أنواع الثمرات وقرأ أن تكون له جنات بالجمع. {وأصَابهُ الكِبَرُ}: أى كبر السن، والواو للحال، وصاحب الحال أحدكم، والبصريون أجازوا كون الحال جملة، فعليه فعلها ماض متصرف مثبت، ولو لم تكن فيه قد، والكوفيون يقدرون قد، ويجوز أن يكون الواو للعطف على المعنى وهو المسمى فى غير القرآن عطف توهم، كأنه قيل أيود أحدكم أن كانت له جنة من نخيل وأعناب له فيها من كل الثمرات، وأصابه الكبر بعطف أصابه الكبر على جملة كانت له جنة أنكر عليها أن يحب ويتمنى ذلك مع أنها تحترق ويبقى، هو وأولاده الضعفاء ضائعين كلما قال: {ولَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفاءُ}: أى صغار لا يكتسبون، فإن الحاجه وكثرة العيار فى وقت الشيخوخة أصعب، وهذه الجملة حال من هاء أصابه وقرئ: ذرية ضعاف. {فأصَابَها إعْصارٌ}: العطف على أصابه الكبر على تقدير كونه معطوفا على تكون المأوّل بالماضى، ويجوز أن يكون العطف على تكون له جنة) على التأويل المذكور، والإعصار بوزن المصدر اسم مفرد ومعناه الريح التى تستدير فى الأرض ثم ترفع كالعمود إلى جهة السماء. {فِيهِ نَارٌ}: الجملة نعت إعصار، ومعنى كون النار فى الريح أن فيها حرارة كالنار تذبل بها الثمرات، والشجر والنبات وتبتبس، وذلك من فج جهنم، أو فيها نار الطبيعة يذبل بها ذلك وييبس، كما رأى قوم عاد نارا فى السحاب حين يرون الريح. {فاحْتَرَقتْ} بحرارة الإعصار، وليس له مكسب غيرها عن أبى ملكية عبيد بن عمير: أن عمر بن الخطاب سأل الصحابة عن هذه الآية فقالوا: الله أعلم. فغضب وقال قالوا: تعمل أولا نعلم: فقال ابن عباس رضى الله عنهما: فى نفسى منها شئ يا أمير المؤمنين: قال: قل يا ابن أخى ولا تحقر نفسك. قال: ضرب مثلا لعمل. قال: لأى عمل؟ قال: الرجل: عنى بعمل الحسنات ثم بعث الله له الشيطان فعمل المعاصى حتى أغرق أعماله كلها. فرضى عمر ذلك منه، وبمثل ذلك قال مجاهد وغيره، وعن قتادة والحسن: هذا مثل قل والله من يعقله من الناس فاعقلوا عن الله أمثاله شيخ كبر سنه وضعف جسمه ورق عظمه وكثر عياله، وكان أحوج ما يكون إلى جنته فاحترقت، فإذا انقطعت الدنيا عن أحدكم وجاء يوم القيامة حين يكون أحوج إلى عمله، فإنه لا يمكن أن يحب أن يقل عمله حينئذ وهو أفقر ما كان إليه، وذلك فى من أنفق ماله وأبطله بالمنّ والأذى، أو بالرئاء، فلا يجد له ثوابا حين يبعث، فالمثال عائد إلى قوله:{أية : يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا}تفسير : الآية، وفى رواية عن مجاهد: هذا مثال المفرط فى العمل الصالح حتى يموت عليه، وكل تفسير فإن صاحب تلك الجنة المحترقة يصيبه من الغم شئ عظيم، ومن لا يعمل أو أبطل عمله غمه يوم القيامة أعظم لا يقدر قدره إلى الله، ومن ذلك من علم العلم وترقى للملكوت، ثم نكس إلى الهوى والنفس والشيطان، فإن ذلك إبطال لثمرة علمه ومكاشفة الملكوت. {كَذلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُم الآياتِ لَعلَّكُم تتفكَّرونَ}: إذا تليت على من يتأملها رجى له التدبر بها والتفكر، أو لتتفكروا وعن ابن عباس: {لعلكم تتفكرون} فى زوال الدنيا واستقبال الآخرة ودوامها، والمراد بالآيات الدلائل المذكورة فى قوله:{أية : يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم}،تفسير : إلى قوله {فاحترقت} أو نفس الآيات المذكورات، أى يبينها لكم على ذلك الوجه الذى بينها لكم، وليس المراد عادة تبيينها، بل حكاية حال التبيين بعد انقضائه وتصويره، كأنه حاضر، ويجوز أن يراد بالآيات غير ذلك من الآيات، أى يبين الله لكم سائر الآيات، كما يبين لكم هؤلاء الآيات، فلا يهلك هالك إلا على العناد.

اطفيش

تفسير : {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} محط الاستفهام الإنكارى هو قوله، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، والخطاب للناس مطلقا، فدخل فيهم المان والمؤذى والمرائى {أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} تطلق الجنة على أرض الشجر، وهو المختار، فى قوله: جنه بربوة، فهى أرض فى جملة أرض مرتفعة، ولا يلزم ذلك لجواز أن يراد الأشجار، وهو أنسب بقوله، فآتت أكلها، ولو جاز أن يقال فى أرضها أنها آتت أكلها، وتطلق على نفس الشجر كما هنا، ويدل له بيانها بقوله عز وجل: {مِّنْ نَخِيلٍ} جمع نخل أو مثله {وَأَعْنَابٍ} ويدل له أيضاً قوله {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَٰرُ} كأنه قال: أن تكون له نخيل وشجر عنب عظام، بدليل التنكير فى جنة وفيهما، وتكون لهما جميع أشجار الثمار بدليل قوله {لَهُ فِيهَا} فى الأشجار المعبرة عنها بالجنة {مِن كُلِّ الثَّمَرَٰتِ} رزق ثابت من كل الثمرات، أى من كل أنواع الثمرات، واقتصر على ذكر النخل والأعناب لشرفهما ولكثرة منافعهما، لأن فيهما إداما، ويكون منهما الخل والزبيب والعسل، ويدخران، وهما ألذ، ولا وخامة فيهما. ويكونان غذاء، والعنب والرطب والبسر فواكه أيضاً، والمراد بكل الثمرات استغراق أنواعها، لما مر من أن التمثيل يصح ولو فرضا، أو الاستغراق عرفى، أى من كل الثمرات بحسب المعتاد، والمراد بالثمرات المنافع التى توجد فى البساتين، يذكر النخل بنفسها والكرم بثمره، لأن النخلة كلها منفعة والكرم لا نفع إلا فى ثمارها، والنخلة عمتنا أيضاً فكانت أولى بالذكر بنفسها ومن فضائل العنب ما قيل عن الله سبحانه: أتكفرون بى وانا خالق العنب {وَأَصَابَهُ} أى ويصيبه الكبر، أو المراد، يود أحدكم أن كانت له جنة... الخ وأصابه، أو أن تكون له جنة الخ.. والحال أنه أصابه، وفى جعل الواو عاطفة أنه تمنى الإصابة، وهو لا يتمناها، فليست عاطفة وكون الاستفهام للإنكار لا يدفع هذا الإشكال {الْكِبَرُ} كبر السن والفقر فى كبر السن أشد منه فى الشباب وما يليه {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ} لصغر السن، أو للجنون، أو العلل ونحو ذلك، أو كله، أو بتعدد، فهو فى عجز لكبر، وفى كثرة عيال ضعفاء، لا يكسبون له ولا يدفعون عنه {فَأَصَابَهَآ} تعقيب لا سببية {إِعْصَارٌ} ريح تتلف، حاملة للتراب. مستديرة على نفسها، كعمود إلى جهة السماء، سمى لأنه يعصر السحاب أو الأجسام، أو لأنه كثوب أعصر، أى عصر، أو لف بالعصر، فأصله مصدر، وهو الزوبعة، هابطة أو صاعدة، وخصها بعض بالصاعدة، إلا إن أراد بالصعود كونها طويلة إلى جهة السماء، وسبب الهابطة أنه تنزل ريح من سحابة وتعارضها فى نزولها قطعة من السحاب تحتها، فتكون بين ريح فوقها ودافع من تحتها، فلا تستدير وتزداد تلويا بعوج المنافذ، وسبب الصاعدة أن تصل المادة الريحية الأرض وتقرعها وتغلبها ريح أخرى فتستدير وتلتوى، وقد تكون من تلاقى ريحين شديدين، وقد تقطع الأشجار وتخطف المراكب فى البحر، والنازلة القائف كالراقص، والصاعدة لا يرى للفائفها إلا الصعود وتكونان أيضا بمحض قدرة الله سبحانه {فِيهِ نَارٌ} معنوية، وهى شدة الحرارة، أو حقيقية كنار الصاعقة، وكما يراها هود عليه السلام وغيره فى ريح عاد فى الجو {فَاْحَتَرَقَتْ} ففقدها أحوج ما كان إليها لضعفه وعياله كذلك من قدم أعمالا صالحة، كالإنفاق، ويظنها نافعة، وقد أفسدها بالمن والأذى أو الرثاء أو نحو ذلك، فيفقد ثوابها يوم القيامة أحوج ما كان، وذلك استعارة تمثيلية، وقد روى عن ابن عباس ما ذكرته من العموم إذ قال ذلك الرجل عمل بالطاعة وسلط الشيطان عليه، فعمل بالمعاصى حتى أحرق أعماله {كَذَٰلِكَ يُبَيِّينُ اللهُ لَكُمُ الأَيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} كى تتفكروا فى معانيها، وتعلموا بها فتدركوا أن الدنيا فانية فتعلموا لما يدون، أو ارجعوا التفكر فى ذلك واستعملوه.

الالوسي

تفسير : {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} أي أيحب أحدكم، وكذلك قرأ عمر رضي الله تعالى عنه في رواية عنه والهمزة فيه للإنكار {أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} وقرىء جنات {مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} أي كائنة من هذين الجنسين النفيسين على معنى أنهما الركن والأصل فيها لا على أن لا يكون فيها غيرهما، والنخيل ـ قيل: اسم جمع، وقيل: جمع نخل وهو اسم جنس جمعي، و (أعناب) جمع عنبة ويقال عنباء فلا ينصرف لألف التأنيث الممدودة وحيث جاء في القرآن ذكر هذين الأمرين فإنما ينص على النخل دون ثمرتها وعلى ثمرة الكرم دون شجرتها ولعل ذلك ـ لأن النخلة كلها منافع ـ ونعمت العمات هي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كلَّ حين بإِذنِ ربها، وأعظم منافع الكرم ثمرته دون سائره، وفي بعض الآثار ـ ولم أجده في كتاب يعول عليه ـ إن الله تعالى يقول: أتكفرون بـي وأنا خالق العنب، و ـ الجنة ـ تطلق على الأشجار الملتفة المتكاثفة، وعلى الأرض المشتملة عليها، والأول أنسب بقوله تعالى: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} إذ على الثاني يحتاج إلى تقدير مضاف أي من تحت أشجارها وكذا يحتاج إلى جعل إسناد الاحتراق إليها فيما سيأتي مجازياً؛ والجملة في موضع رفع صفة (جنة) أو في موضع نصب حال منها لوصفها بالجار والمجرور قبل. {لَهُ فِيهَا مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ} الظرف الأول: في محل رفع خبر مقدم، والثاني: حال من الضمير المستتر في الخبر، والثالث: نعت لمبتدأ محذوف أي رزق أو ثمر كائن من كل الثمرات، وجوز زيادة (من) على مذهب الأخفش، وحينئذٍ لا يحتاج إلى القول بحذف المبتدأ، وعلى التقديرين ليس المراد بالثمرات العموم بل إنما هو الكثير، ومن الناس من جوز كون المراد من الثمرات المنافع، وهذا يجعل ذكر ذينك الجنسين لعدم احتواء الجنة على ما سواهما، ومنهم من قال: إن هذا من ذكر العام بعد الخاص للتتميم وليس بشيء. {وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ} أي أثر فيه علو السن والشيخوخة وهو أبلغ من كبر، والواو للحال، والجملة بتقدير قد في موضع نصب على الحال من فاعل ـ يود ـ أي أيود أحدكم ذلك في هذه الحال التي هي مظنة شدة الحاجة إلى منافع تلك الجنة ومئنة العجز عن تدارك أسباب المعاش، وقيل: الواو للعطف ووضع الماضي موضع المضارع كما قاله الفراء، أو أوّل المضارع بالماضي أي لو كانت له جنة وأصابه الكبر، واعترضه أبو حيان بأن ذلك يقتضي دخول الإصابة في حيز التمني {وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ} لا يتمناها أحد، والجواب أن ذلك غير وارد لما أن الاستفهام للإنكار فهو ينكر الجمع بينهما لا يخفى ما فيه. {وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاءُ} في موضع الحال من الضمير في ـ أصابه ـ أي أصابه الكبر، والحال أن له صبية ضعفاء لا يقدرون على الكسب وترتيب معاشه ومعاشهم، و ـ الضعفاء ـ جمع ضعيف كشركاء جمع شريك، وترك التعبير بصغار مع مقابلة الكبر لأنه أنسب كما لا يخفى، وقرىء ـ ضعاف ـ {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ} أي ريح تستدير على نفسها وتكون مثل المنارة وتسمى الزوبعة وهي قد تكون هابطة، وقد تكون صاعدة خلافاً لما يفهمه ظاهر كلام البعض من تخصيصها بالثانية، وسبب الأولى: أنه إذا انفصل ريح من سحابة وقصدت النزول فعارضها في طريق نزولها قطعة من السحاب وصدمتها من تحتها ودفعها من فوقها سائر الرياح بقيت ما بين دافعين دافع من العلو ودافع من السفل فيعرض من الدفعين المتمانعين أن تستدير وربما/ زادها تعوج المنافذ تلوياً كما يعرض للشعر أن لا يتجعد بسبب التواء مسامه، وسبب الثانية: أن المادة الريحية إذا وصلت إلى الأرض وقرعتها قرعاً عنيفاً ثم أثبتت فقلبتها ريح أخرى من جهتها التوت واستدارت وقد تحدث أيضاً من تلاقي ريحين شديدتين وربما بلغت قوتها إلى حيث تقلع الأشجار وتخطف المراكب من البحر، وعلامة النازلة أن تكون لفائفاً تصعد وتنزل معاً كالراقص، وعلامة الصاعدة أن لا يرى للفائفها إلا الصعود وقد يكون كل منهما بمحض قدرة الله تعالى من غير توسط سبب ظاهر وربما اشتمل دور الزوبعة على بخار مشتعل قوي فيكون ناراً تدور أيضاً، ولتعيين هذا النوع وصف الإعصار بقوله سبحانه: {فِيهِ نَارٌ} وتذكير الضمير لاعتبار التذكير فيه وإنما سمي ذلك الهواء إعصاراً لأنه يلتف كما يلتف الثوب المعصور، وقيل: لأنه يعصر السحاب أو يعصر الأجسام المار بها، والتنوين في النار للتعظيم وروي عن ابن عباس أن الإعصار الريح الشديدة مطلقاً وأن المراد من النار السموم وذكر سبحانه الإعصار ووصفه بما ذكر، ولم يقتصر على ذكر النار كأن يقال ـ فأصابها نار ـ {فَٱحْتَرَقَتْ} لما في تلك الجملة من البلاغة ما فيها لمن دقق النظر، والفعل المقرون بالفاء عطف على {أَصَابَهَا} وقيل: على محذوف معطوف عليه أي فأحرقها ـ فاحترقت ـ وهذا كما روي عن السدي تمثيل حال من ينفق ويضم إلى إنفاقه ما يحبطه في الحسرة والأسف إذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إلى ذلك ووجده هباءاً منثوراً بحال من هذا شأنه. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: آية من كتاب الله تعالى ما وجدت أحداً يشفيني عنها قوله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ} الخ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إني أجد في نفسي منها فقال له عمر: فلم تحقر نفسك؟!ٰ فقال: يا أمير المؤمنين هذا مثل ضربه الله تعالى فقال: أيحب أحدكم أن يكون عمره يعمل بعمل أهل الخير وأهل السعادة حتى إذا كبر سنه وقرب أجله ورق عظمه وكان أحوج إلى ما يكون أن يختم عمله بخير عمل بعمل أهل الشقاء فأفسد عمله فأحرقه قال: فوقعت على قلب عمر وأعجبته. وفي رواية البخاري والحاكم وابن جرير وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال عمر يوماً لأصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: فيم ترون [بضم أوله] هذه الآية نزلت {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} الخ؟ قالوا: الله تعالى أعلم فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين فقال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ضربت لرجل غني عمل بطاعة الله تعالى ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله، قيل: وهذا أحسن من أن يكون تمثيلاً لمن يبطل صدقته بالمنّ والأذى والرياء، وفصل عنه لاتصاله بما ذكر بعده أيضاً لأن ذلك لا عمل له، وأجيب بأن له عملاً يجازى عليه بحسب ظاهر حاله وظنه وهو يكفي للتمثيل المذكور، وأنت تعلم أن هذا لا يدفع أحسنية ذلك لا سيما وقد قاله ترجمان القرآن وارتضاه الأمير المحدث رضي الله تعالى عنه. {كَذٰلِكَ} أي مثل ذلك البيان الواضح الجاري في الظهور مجرى الأمور المحسوسة {يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} أي كي تتفكروا فيها وتعتبروا بما تضمنته من العبر وتعملوا بموجبها، أو لعلكم تعملون أفكاركم فيما يفنى ويضمحل من الدنيا وفيما هو باق لكم في الأخرى فتزهدون في الدنيا وتنفقون مما آتاكم الله تعالى منها وترغبون في الآخرة ولا تفعلون ما يحزنكم فيها.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني أثارُه ضرب المثل العجيب للمنفق في سبيل الله بمثَل حبَّة أنبتت سبع سنابل، ومثَل جنة برُبوة إلى آخر ما وصف من المَثَلين. ولمَّا أتبع بما يفيد أنّ ذلك إنّما هو للمنفقين في سبيل الله الذين لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذًى، ثم أتبع بالنهي عن أن يُتبعوا صدقاتهم بالمنّ والأذى، اسْتشرفت نفس السامع لتلقي مَثَل لهم يوضح حالهم الذميمة كما ضُرب المثل لمن كانوا بضدّ حالهم في حالة محمودة. ضرب الله هذا مثلاً لمقابل مثل النفقة لمرضاة الله والتصديق وهو نفقة الرئاء، ووجه الشبه هو حصول خيبة ويأس في وقت تمام الرجاء وإشراف الإنتاج، فهذا مقابل قوله: { أية : ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله } تفسير : [البقرة: 265] الآية. وقد وصف الجنّة بأعظم ما يحسن به أحوال الجنّات وما يُرجى منه توفر رَيعها، ثم وصف صاحبها بأقصى صفات الحاجة إلى فائدة جنّته، بأنّه ذو عيال فهو في حاجة إلى نفعهم وأنهم ضعفاء ــــــ أي صغار ــــــ إذ الضعيف في «لسان العرب» هو القاصر، ويطلق الضعيف على الفقير أيضاً، قال تعالى: { أية : فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً } تفسير : [البقرة: 282]، وقال أبو خالد العتَّابي: شعر : لقد زادَ الحياةَ إليّ حُبا بَناتي إنَّهُنّ من الضِّعاف تفسير : وقد أصابه الكِبَر فلا قدرة له على الكسب غير تلك الجنة، فهذه أشدّ الأحوال الحرص كقول الأعْشى: شعر : كجَابيِة الشَّيخِ العِراقي تَفْهَقُ تفسير : فحصل من تفصيل هذه الحالة أعظم الترقّب لثمرة هذه الجنة كما كان المعطي صدقتُه في ترقّب لثوابها. فأصابها إعصار، أي ريح شديدة تَقلع الشجر والنباتَ، فيها نار أي شدة حرارة ــــــ وهي المسمّاة بريح السموم، فإطلاق لفظ نار على شدة الحر تشبيه بليغ، فأحرَقت الجنةّ ــــــ أي أشجارها ــــــ أي صارت أعوادها يابسة، فهذا مفاجأة الخيبة في حين رجاء المنفعة. والاستفهام في قوله: {أيَوَدُّ} استفهام إنكار وتحذير كما في قوله: { أية : أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً } تفسير : [الحجرات: 12]. والهيأة المشبّهة محذوفة وهي هيأة المنفق نفقة متبعة بالمنّ والأذى. روى البخاري أنّ عمر بن الخطاب سأل يوماً أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمَ ترون هذه الآية نَزلت: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب} الآية، فقال بعضهم: «الله أعلم»، فغضب عمر وقال: «قولوا نَعْلَم أو لا نعلم»، فقال ابن عباس: «في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين»، فقال عمر: يا ابن أخي قُل ولا تحقِرْ نفسك»، قال ابن عباس: «ضُربت مثلاً لعَملٍ»، قال عمر: «أيُّ عمل»، قال ابن عباس: «لعملٍ»، قال: صدقتَ، لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله عز وجل إليه الشيطان لما فَني عمره فعمل في المعاصي حتى أحرق عمله. وقوله: {كذلك يبين الله لكم الآيات} تذييل، أي كَهذا البيان الذي فيه تقريب المعْقول بالمحسوس بين الله نصحاً لكم، رجاء تفكّركم في العواقب حتى لا تكونوا على غفلة. والتشبيه في قوله: {كذلك يبين الله لكم الآيات} نحو ما في قوله تعالى: { أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً } تفسير : [البقرة: 143].

الواحدي

تفسير : {أيودُّ أحدكم...} الآية، يقول: مثلُهم كمثل رجلٍ كانت له جنَّةٌ فيها من كلِّ الثمرات {وأصابه الكبر} فضعف عن الكسب، وله أطفال لا يجدون عليه ولا ينفعونه {فأصابها إعصار} وهي ريحٌ شديدةٌ {فيه نارٌ فاحترقت} ففقدها أحوج ما كان إليها عند كبر السِّنِّ وكثرة العيال وطفولة الولد، فبقي هو وأولاده عجزةً مُتحيِّرين {لا يقدرون على} حيلةٍ، كذلك يُبطل الله عمل المنافق والمرائي حتى لا توبة لهما ولا إقالة من ذنوبهما {كذلك يبين الله} كمثل بيان هذه الأقاصيص {يبين الله لكم الآيات} في أمر توحيده. {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم} نزلت في قومٍ كانوا يتصدَّقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم، والمراد بالطَّيِّبات ها هنا الجياد الخيار ممَّا كسبتم، أَيْ: التِّجارة {وممَّا أخرجنا لكم من الأرض} يعني: الحبوب التي يجب فيها الزَّكاة {ولا تيمموا} أَيْ: لا تقصدوا {الخبيث منه تنفقون} أَيْ: تنفقونه {ولستم بآخذيه إلاَّ أن تغمضوا} أَيْ: بآخذي ذلك الخبيث لو أُعطيتم في حقٍّ لكم إلاَّ بالإِغماض والتَّساهل، وفي هذا بيانُ أنَّ الفقراء شركاء ربِّ المال، والشَّريك لا يأخذ الرَّديء من الجيِّد إلاَّ بالتَّساهل. {الشيطانُ يعدكم الفقر} أَيْ: يُخوِّفكم به. يقول: أَمسك مالك؛ فإنَّك إنْ تصدَّقت افتقرت {ويأمركم بالفحشاء} بالبخل ومنه الزَّكاة {والله يعدكم} أَنْ يجازيكم على صدقتكم {مغفرة} لذنوبكم وأَنْ يُخلف عليكم. {يؤتي الحكمة} علم القرآن والفهم فيه. وقيل: هي النُّبوَّة {من يشاء}. {وما يذكر إلاَّ أولوا الألباب} أَيْ: وما يتَّعظ إلاَّ ذوو العقول.

القطان

تفسير : الجنة: البستان: الربوة: المرتفع من الارض. الاعصار: ريح شديدة عاصفة دوّامة. أيحب احد منكم ان يكون له بستان فيه نخل واعناب، تجري بين أشجاره الأنهار فتسقيها، وقد أثمر من كل الثمرات الطيبة، والرجل عجوز أوهنته الشيخوخة وعنده أبناء صغار لا يقدرون على الكسب! وفي حين يرجو الرجل ان ينتفع من ارضه هذه اذا بإعصار فيه نار يحرقها عن آخرها! اذ ذاك يبقى هو وأولاده حيارى لا يدرون ما يفعلون. كذلك شأن من ينفق ويتصدق ثم يُتبع الصدقة بالمنّ والأذى. انه يبطل ثوابه. وهو يأتي يوم القيامة وهو اشد حاجة الى ثواب ما بذل، لكنه يجد امامه اعصار الرياء والمن والأذى قد احرق صدقاته وجعلها هباء منثورا. بمثل هذه الأمثال الواضحة يبين الله لكم اسرار شرائعه وفوائدها لتتفكروا فيها وتعتبروا بها.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلأَنْهَارُ} {ٱلثَّمَرَاتِ} { ٱلآيَاتِ} (266) - ضَرَبَ اللهُ فِي هَذهِ الآيةِ مَثلاً لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللهِ، ثُمَّ بَعَثَ اللهُ إليهِ الشَّيْطَانَ فَعَمِلَ بِالمَعَاصِي حَتَّى أغْرَقَ أَعْمَالَهُ الصَّالِحَةَ وَأبْطَلَها، وَاحْتَاجَ يَوْمَ القِيَامَةِ إلى شَيءٍ مِنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ فَلَمْ يَحْصَلْ مِنْهُ عَلَى شَيءٍ، لأَنَّهُ هَلَكَ وَبَطَلَ، وَعَزَّ عَليهِ وَهُوَ أشَدُّ مَا يَكُونُ احْتِياجاً إليهِ. فَمَثَلُ هَذا الرَّجُلِ مَثَلُ إنسَانٍ غَرَسَ بُسْتاناً فِي شَبِيبَتِهِ، وَأجْرَى فِيهِ الأَنْهَارَ، فَكَبُرَتِ الأشْجَارُ وأثْمَرَتْ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الكِبَرُ كَانَ البُسْتَانُ فِي أفْضَلِ حَالاَتِهِ، وَكَانَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ صِغَارٌ لاَ يَقْوونَ عَلَى القِيَامِ بِعَمَلِ البُسْتَانَ، فَأرْسَلَ اللهُ إليهِ رِيحاً شدِيدةً (إعْصَارٌ) فِيهَا نَارٌ أَحْرَقَتِ البُسْتَانِ، فَلَمْ يَكُنْ في الرَّجِلِ قُوَّةٌ لِيُعيدَ غَرْسَ البُسْتَانِ بِالأشْجَارِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ذُرِّيَّةٌ قَادِرَةٌ عَلَى أنْ تَعُودَ عَليهِ بِالخَيْرِ. وَكَذَلِكَ حَالُ مِنْ يَفْعَلُ الخَيْرَ وَيَبْذُلُ المَالَ، ثُمَّ يُحْبِطُ عَمَلَهُ بِالرِّياءِ أوِ المَنِّ وَالأذَى. وَاللهُ يَسُوقُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ، وَيُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ، لَعَلَّهُمْ يَتَّعِظُونَ، وَيَفْهَمُونَ الأمْثَالَ وَالمَعَانِيَ وَيُنْزِلُونَها مَنْزِلَها. إعْصَارٌ - رِيحٌ عَاصِفَةٌ. فِيهِ نَارٌ - سَمُومٌ شَدِيدٌ أَوْ صَاعِقَةٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن الحق سبحانه يشركنا في الصورة كأنه يريد أن يأخذ منا الشهادة الواضحة. فهل يود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات. ونعلم أن النخيل والأعناب هما من أهم ثمار ونتاج المجتمع الذي نزل به القرآن الكريم. ونعرف أن هناك حدائق فيها نخيل وأعناب، ويضيف إليها صاحبها أشجاراً من الخوخ وأشجاراً من الفواكة الأخرى. ولذلك يقول الحق في أصحاب الجنة:{أية : وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً * كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً * وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً}تفسير : [الكهف: 32-36]. كأن الجنتين هنا فيهما أشياء كثيرة، فيهما أعناب، وزادهما الله عطاء النخيل، ثم الزرع، وهذا يسمى في اللغة عطف العام على الخاص، أو عطف الخاص على العام، ليذكر الشيء مرتين، مرة بخصوصه، ومرة في عموم غيره. وعندما يتحدث الحق سبحانه عن جنة الآخرة فإنه يقول مرة: {أية : أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}تفسير : [التوبة: 89]. لقد هيأ الله للمؤمنين به، المقاتلين في سبيل نصرة دينه وإعلاء كلمته جنات تتخللها الأنهار، وذلك هو الفوز والنجاح الكبير. ومرة أخرى يتحدث الحق عن جنة الآخرة بقوله: {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}تفسير : [التوبة: 100]. إن الحديث عن الأنهار التي تجري تحت الجنة يأتي مرة مسبوقاً بـ"مِن". ومرة أخرى غير مسبوق بـ"مِن". فعندما يأتي الحديث عن تلك الأنهار التي تحت الجنة مسبوقاً بـ"مِن" فإن ذلك يوحي أن نبعها ذاتي فيها والمائية مملوكة لها. وعندما يأتي الحديث عن تلك الأنهار التي تجري تحت الجنة غير مسبوق بـ"مِن"، فمعنى ذلك أن نبع هذه الأنهار غير ذاتي فيها، ولكنه يجري تحتها بإرادة الله فلا يجرؤ أحد أن يمنع الماء عن هذه الجنة التي أعدها الله للمؤمنين. وعندما يشركنا الحق في التساؤل: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 266]. إن الجنة التي بهذه الصفة وفيها الخير الكثير، لكن صاحبها يصيبه الكبر، ولم تعد في صحته فتوة الشباب، إنه محاط بالخير وهو أحوج ما يكون إلى ذلك الخير؛ لأنه أصبح في الكبر وليس له طاقة يعمل بها، وهكذا تكون نفسه معلقة بعطاء هذه الجنة، لا لنفسه فقط ولكن لذريته من الضعفاء. وهذه قمة التصوير للاحتياج للخير، لا للنفس فقط ولكن للأبناء الضعفاء أيضاً. إننا أمام رجل محاط بثلاثة ظروف. الظرف الأول: هو الجنة التي فيها من كل خير. والظرف الثاني: هو الكبر والضعف والعجز عن العمل. والظرف الثالث: هو الذرية من الضعفاء. فيطيح بهذه الجنة إعصار فيه نار فاحترقت، فأي حسرة يكون فيها الرجل؟ إنها حسرة شديدة. كذلك تكون حسرة من يفعل الخير رئاء الناس. والإعصار كما نعرف هو الريح الشديد المصحوبة برعد وبرق ومطر وقد يكون فيه نار، هذا إذا كانت الشحنات الكهربائية ناتجة من تصادم السحب أو حاملة لقذائف نارية من بركان ثائر. هكذا يكون حال من ينفق ماله رئاء الناس. ابتداء مطمع وانتهاء موئس أي ميئوس منه. إذن فكل إنسان مؤمن عليه أن يتذكر ساعة أن ينفق هذا الابتداء المثير للطمع، وذلك الانتهاء المليء باليأس. إنها الفجيعة الشديدة. ويصورها الشاعر بقوله: شعر : فأصبحت من ليلى الغداة كقابض على الماء خانته فروج الأصابع تفسير : ويقول آخر: شعر : كما أبرقت قوماً عطاشا غمامهٌ فلما رأوهـا أقشـعت وتجـلّت تفسير : إن الذي يرائي يخسر كل حاجاته، ولا يقدر على شيء مما كسب. ويقول الحق من بعد ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ} فالإِعْصَارُ: رِيحٌ عَاصِفٌ تَهُبُ مِن الأَرضِ إِلى السَّماءِ كأَنَّها عَمودٌ فِيهِ نَارٌ. والجمعُ الأَعاصيرُ. ويقالُ: الإِعْصَارُ: السُّمومُ التي تَقتُلُ.

الأندلسي

تفسير : {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} هذا مثل لمن عمل أنواع الطاعات فشبهت بجنة فيها من كل الثمرات فختمها بإِساءة كاعصار فشبه تحسره حين لا عود بتحسر كبير السن هلكت جنته أحوج ما كان إليها وأعجزه عنها، والهمزة في أيود للاستفهام والمعنى على التبعيد والنفي أي ما يود أحد ذلك وأحد هنا ليس المختص بالنفي بل هو بمعنى واحد على طريق البدلية. وقرىء جنات بالجمع وبالافراد. {مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} خصا بالذكر لكثرة منافعهما، وذكرت الثمرة وهي الأعناب وذلك لأن العنب أعظم منافع الكرم، وخص النخيل بذكره دون ذكر ثمرته لأن منافعه كثيرة لا تختص بثمرته وهو التمر فقط، وجعلت الجنة منهما وإن كان فيها غيرهما لأنهما أغلب ما فيها. {لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} دليل على أن فيها غير النخيل والأعناب. وهذه الجملة مركبة من مبتدأ وخبر حذف فيها المبتدأ أي له وفيها التقدير له فيها رزق أو ثمرات كقوله: كإِنك من جمال بني أقيش [يقعقع بين رجليه بشن]. أي كأنك حمل من جمال بني أقيش. وكقوله: وما منا إلا له مقام معلوم، أي وما أحد منا. فمن في موضع الصفة. {وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ} جملة حالية أي وقد أصابه الكبر. {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ} أي صغار أو محاويج والجملة: حال أيضاً. (قال الزمخشري): وقيل يقال: وددت لو كان كذا، فحمل العطف على المعنى كأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر. "انتهى". وظاهر كلامه أن يكون وأصابه الكبر معطوف على متعلق أيود وهو أن يكون لأنه في معنى لو كانت، إذ يقال: أيود أحدكم لو كانت، وهذا ليس بشيء لأنه يمتنع من حيث المعنى أن يكون معطوفاً على كانت التي قبلها لو لأنه متعلق أيود وأما وأصابه الكبر فلا يمكن أن يكون متعلقاً لود لأن إصابة الكبر لا يوده أحد ولا يتمناه لكن يحمل قول الزمخشري على أنه لما كان أيود استفهاماً معناه الانكار جعل متعلق الودادة الجمع بين الشيئين وهما كون جنة له وإصابة الكبر إياه، لا أن كل واحد منهما يكون مودوداً على انفراده وإنما أنكر ودادة الجمع بينهما. {فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ} الاعصار: ريح شديدة يرتفع معها غبار إلى الجوّ. {فِيهِ نَارٌ} أي كائن فيه. وذكر الضمير لأن الأعصار مذكر دون أسماء الرياح. {فَٱحْتَرَقَتْ} يدل على اعتقاب احراقها أصابته واحترقت مطاوع أحرقها فاحترقت كقولهم: انصفته فانتصف لما أمروا بالصدقة جاء بعض الصحابة بحشف يرى أن ذلك جائز فنزل: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} أي من حلال ما كسبتم وما يقع به، ومن للتبعيض، وما عموم في المكسوب لا في مقدار ما ينفق، ومما أخرجنا معطوف على من طيبات أي ومن طيبات ما أخرجنا، وما عامة في المخرج للعلماء خلاف في مسائل كثيرة مما أخرج تعالى. {مِّنَ ٱلأَرْضِ} ذكرت في كتب الفقه. {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} هذا تأكيد للجملة قبله. وقرىء ولا تيمموا بتخفيف التاء من حذف التاء إذا الأصل لا تتيمموا وبإِدغام تاء المضارعة في التاء بعدها وهي قراءة البزي في مواضع ذكرت في كتب القراءات والطيب والخبيث صفتان استعملتا استعمال الأسماء فوليتا العوامل. والضمير في منه عائد على ما دل عليه الكلام أي الخبيث من المال المنفق وتنفقون حال ما فاعل تيمموا أي منفقيه. {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} جملة حالية. أي بآخذيه في ديونكم وحقوقكم وإهدائه إليكم. {إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} أي تتساهلوا في أخذه. وقرىء تغمضوا من أغمض متعدياً أي أبصاركم ولازماً بمعنى أغضى عن كذا وبالتشديد من غمّض وتغمضوا مضارع تغمّض وتغمضوا بفتح التاء وبضم الميم وبكسرها من غمض ثلاثياً بمعنى أغمض وتغمضوا مبنياً للمفعول أي إلا أن توجدوا قد أغمضتم فيه. كما تقول: أحمد الرجل إذا أصيب محموداً. {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ} أي عن صدقاتكم. {حَمِيدٌ} أي على كل حال إذ يستحق الحمد.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن حال النفاق في الإنفاق بقوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} [البقرة: 266]، إشارة في تحقيق الآية، إن الله تعالى ضرب مثلاً لروح الإنسان وقلبه بجنة {لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} [البقرة: 266]، إذ خلق في أحسن تقويم مستعداً لجميع الكرامات والكمالات، مزيناً بجميع الفضائل وحسن الشمائل، مكرماً بعلم جميع الأسماء، منوراً بأنوار العقل والحواس، متواحداً بحمل الأمانة، متفرداً برتبة الخلافة، جنة هي منظور نظر العناية، {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ} [البقرة: 266]، أنهار الهداية وأصاب صاحبها ضعف الإنسانية، {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ} [البقرة: 266]، من متولدات البشرية، وهم في غاية الاحتياج للتربية بأغذية ثمراتها، {فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ} [البقرة: 266]، من أعمال البر، {فِيهِ نَارٌ} [البقرة: 266]، من الرياء والنفاق {فَٱحْتَرَقَتْ} [البقرة: 266]، الروحانية بنار صفات البشرية، وأبطلت جميع استعدادها، وقابلته الكمالات فيها بتبديل أخلاق الروحاني النفساني وأوصاف الملكي الشيطاني والحيواني، فأهبط من أعلى علييين إلى أسفل سافلين الطبع، {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ} [البقرة: 266]، ألطافه وإحسانه معكم في أصل الخلقة من حسن استعداد الفطرة، {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 266]، في الآية ونعمائه معكم لا تبطلوا حسن حالكم بقبيح أفعالكم، ولا تفسدوا صالح خصالكم بفساد أعمالكم، وتوبوا إلى الله بصدق نياتكم، وأخلصوا لله معاملاتكم في طاعتكم، ولا تضيعوا أعمالكم في طلب آمالكم، واستعدوا للموت قبل حلول آجالكم. ثم أخبر عن إنفاق المال من كسب الحلال بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267]، الإشارة فيها، أن الله تعالى لمَّا أمر للتصديق بإنفاق الطيب من ماله، راعى صلاحه أكثر مما راعى صلاح الفقير؛ لأن صلاح الفقير مقصور على ما يقول: راجع إلى نفسه، وإن صلاح المتصدق راجع إلى سبعة أمور: أحدها: لو فسرنا الطيب بالحلال فيقبل الله منه، وإن لم يكن طيباً فلا يقبل الله منه، كقوله تعالى صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب"،تفسير : ولو فسرناه بالجودة. وثانيها: أن يكون في إنفاق الطيب جانب الحق تعالى مراعياً بالتعظيم، وقد أمر بالتعظيم لأمر الله، فيثاب على ذلك أيضاً. وثالثها: فيه رعاية جانب الفقير بالشفقة عليه، وقد أمر بالشفقة عليه، وقد أمر بالشفقة على خلق الله، فيثاب على ذلك آيضاً. ورابعها: أن يكون به مؤثراً على الفقير، فيثاب أيضاً. وخامسها: يستحق بذلك البر من الله تعالى، كقوله تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}تفسير : [آل عمران: 92]، والبر مزيد على الثواب؛ لأن الثواب يحصل بإنفاق أدنى شيء وأدون شيء، والبر لا يحصل إلا بإنفاق الأحب، والطيب هو أحب من الرديء، فيحصل له ثواب الإنفاق مع مزيد البر بالإنفاق الأحب. وسادسها: أنه موجب لزيادة إيمان مع إيمانه؛ لأن المتصدق في صدقته كالزراع في زراعته، فإن للزراع إيماناً بأن له من زراعته البذور ثمرة أوفى من البذر، ولكنه مما يجد موجباً لزيادة هذا الإيمان بحصول الثمرة، فيبالغ في الزراعة بجودة البذر لتحققه أن جودة البذر مؤثرة موجبة بجودة الثمرة وكثرتها، وكذلك المتصدق فكلما ازداد إيمانه بالله والبعث والثواب والعقاب يزيد في الصدقة وجودتها لتحققه {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}تفسير : [النساء: 40]، و{أية : وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}تفسير : [النساء: 40]. وسابعها: إنه لمَّا يعطي الله أحب ما عنده فإن الله يجازيه بأحب ما عنده، كما قال: {أية : هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ}تفسير : [الرحمن: 60]، وأما تقديم كسب العبد على ذكر ما أحبه من الأرض واحتضنه بالطيب ففيه إشارة إلى: "حديث : إن الطيب ما يأكل الرجال من كسب يده"تفسير : كما قال صلى الله عليه وسلم. وفي قوله: {أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267]، إشارة إلى معنى آخر في غاية اللطائف؛ يعني: أنفقوا من طيبات نياتكم، من تزكية النفوس وتصفية القلوب عن خيانة صفات النفس الخبيثة وتصرفات الشيطان الخبيث، {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} [البقرة: 267]، طينتكم في تجلية سرائركم بمكارم الأخلاق وأنوار الوفاق؛ لتكون الشفقة طيبة من خباثة الشبهات في نفسها، طيباً إنطاقها من خباثة الأغراض والعلل الدنيوية والأخروية، طيباً منفقها من خيانة الالتفات، والنظر في الإنفاق إلى غير الله تعالى، {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ} [البقرة: 267]؛ يعني: النفقة الخبيثة في نفسها، بخباثة الشبهات بالنية الخبيثة، بخباثة الغلات من النفس الخبيثة، بخباثة الصفات الذميمة عن المنفق الخبيث؛ وهو: القلب الملوث بخباثة الالتفات، والنظر في الإنفاق إلى غير الله {مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267]؛ يعني: لا تنفقوا إلا من الوجوه الطيبات كما قررنا، حتى يكون مقبولاً "حديث : فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً"،تفسير : وإن الله تعالى بحسب كل طيب قبولاً طيباً، فإذا كانت الصدقة طيبة في نفسها لله قبول طيب عن الوسائط، فيأخذها بيده فيزيدها قبل أن تقع في يد الفقير، وإذا كانت النية في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند الله من عملها، وإذا كان القلب المنفق طيباً عن الالتفات إلى غير الله قبول طيب عن الأخيار بين أصبعين من أصابع الرحمن، فها هنا يتحقق لذوي البصائر الطيبة: "إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب"، ومن هنا تبين حقيقة {أية : ٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ}تفسير : [النور: 26]. ثم قال: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} [البقرة: 267]؛ يعني: وأنتم لستم بآخذي هذه الخبائث في أصل الفطرة، ولا في عهد الخلقة من النية الخبيثة؛ لأنكم خلقتم من أصل طيب وطينة طيبة، والروح من أطيب الأطايب؛ لأنها أقرب الأقربين إلى حضرة رب العالمين لكرامة شريف إضافة {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}تفسير : [الحجر: 29]، فمن أطيب ممن منشأة نفخة الحق والجسد من التراب الطيب قد خلق، كقوله تعالى: {أية : فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}تفسير : [النساء: 43]، ثم أحيا لكم بالإيمان حياة طيبة؛ لقوله تعالى: {أية : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}تفسير : [النحل: 97]، ثم رزقكم من الطيبات. وقال تعالى: {أية : كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}تفسير : [طه: 81]، فليس منكم شيء خبيث في الظاهر والباطن، {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} [البقرة: 267] بالطبع {إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} [البقرة: 267] بالتكلف والقهر في قراءات من قرأ بضم التاء وفتح الميم، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مولود يولد على فطرة فأبواه يهودانه ويلوناه بخباثة الكفر قهراً وجبراً"،تفسير : فلم تكن الخيانة ذاتية للإنسان إلا طارئة عليه عارية لديه، أنزل الله تعالى كلمة طيبة وعفى لا إله إلا الله، وأمركم بالمواظبة عليها بقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}تفسير : [الأحزاب: 70-71]؛ يعني: قولوا هذه الكلمة، يبالي أن يتقي بتنقيتها خباثة قد أخذتموها من التكليف عن قومكم، ويثبت بإثباتها طيب التوحيد والمعرفة، فتطيب أعمالكم وتغفر لكم ذنوبكم بتطيب أخلاقكم، فلما سلمتم من خباثة أعمالكم بتطيب أخلاقكم نوديتم من سرادقات الجلال عن حرثة جنات عالم الجمال، {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ}تفسير : الزمر: 73]. ثم قال تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267]؛ يعني: من كما غناه يسد فقركم جميعاً بشظية من كمال غناه ويفنيكم كلكم، وما ينقص من كمال غناه مثقال ذرة، وظاهر قوله تعالى: {أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267]، يقتضي أنه يطلب من غناكم، وباطنه يبقى عن مطالبة إياكم، يفنيكم بلا علة وغرض يرجع إليه، بأن تشكروا له على نعمه، أو تحمدوه على فضله وكرمه، فإنه في ذاته حميد بصفات مجيد.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا المثل مضروب لمن عمل عملا لوجه الله تعالى من صدقة أو غيرها ثم عمل أعمالا تفسده، فمثله كمثل صاحب هذا البستان الذي فيه من كل الثمرات، وخص منها النخل والعنب لفضلهما وكثرة منافعهما، لكونهما غذاء وقوتا وفاكهة وحلوى، وتلك الجنة فيها الأنهار الجارية التي تسقيها من غير مؤنة، وكان صاحبها قد اغتبط بها وسرته، ثم إنه أصابه الكبر فضعف عن العمل وزاد حرصه، وكان له ذرية ضعفاء ما فيهم معاونة له، بل هم كل عليه، ونفقته ونفقتهم من تلك الجنة، فبينما هو كذلك إذ أصاب تلك الجنة إعصار وهو الريح القوية التي تستدير ثم ترتفع في الجو، وفي ذلك الإعصار نار فاحترقت تلك الجنة، فلا تسأل عما لقي ذلك الذي أصابه الكبر من الهم والغم والحزن، فلو قدر أن الحزن يقتل صاحبه لقتله الحزن، كذلك من عمل عملا لوجه الله فإن أعماله بمنزلة البذر للزروع والثمار، ولا يزال كذلك حتى يحصل له من عمله جنة موصوفة بغاية الحسن والبهاء، وتلك المفسدات التي تفسد الأعمال بمنزلة الإعصار الذي فيه نار، والعبد أحوج ما يكون لعمله إذا مات وكان بحالة لا يقدر معها على العمل، فيجد عمله الذي يؤمل نفعه هباء منثورا، ووجد الله عنده فوفاه حسابه. والله سريع الحساب فلو علم الإنسان وتصور هذه الحال وكان له أدنى مسكة من عقل لم يقدم على ما فيه مضرته ونهاية حسرته ولكن ضعف الإيمان والعقل وقلة البصيرة يصير صاحبه إلى هذه الحالة التي لو صدرت من مجنون لا يعقل لكان ذلك عظيما وخطره جسيما، فلهذا أمر تعالى بالتفكر وحثَّ عليه، فقال: { كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون } .

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 131 : 72 - سفين عن بن جريج عن ابي مليكة عن بن عباس قال، سألني عمر بن الخطاب عن قوله جل وعز {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} قال، هو مثل. [الآية 266].

همام الصنعاني

تفسير : 342- عبد الرّزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ}: [الآية: 266]: فقال: هذا مثل ضربه الله فقال: {يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ}: [الآية: 266]، يقول: قد ذهبت جنته عند أحوج ماكان حين كَبُرَت سِنُّهُ، وَضعُفَ عن الكَسْب وله ذرية ضعفاءَ لا يَنْفعونه، وأصاب جنَّتهُ ريح فيها سموم. 343- وكانَ الحسنُ يقول: صرٌّ، يرد {فَٱحْتَرَقَتْ}، فذهبت أحْوج ما كَانَ إليْها. فلذلك يقول: أيود أحدُكم أن يذهب عمله أحْوَجَ ما كَانَ إلَيْهِ. 346- عبد الرزاق، حدثنا الثوري قال: قال مجاهد: {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}: [الآية: 266]: قال: تطيعون.