Verse. 274 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا اَنْفِقُوْا مِنْ طَيِّبٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّاۗ اَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الْاَرْضِ۝۰۠ وَلَا تَـيَمَّمُوا الْخَبِيْثَ مِنْہُ تُنْفِقُوْنَ وَلَسْتُمْ بِاٰخِذِيْہِ اِلَّاۗ اَنْ تُغْمِضُوْا فِيْہِ۝۰ۭ وَاعْلَمُوْۗا اَنَّ اللہَ غَنِىٌّ حَمِيْدٌ۝۲۶۷
Ya ayyuha allatheena amanoo anfiqoo min tayyibati ma kasabtum wamimma akhrajna lakum mina alardi wala tayammamoo alkhabeetha minhu tunfiqoona walastum biakhitheehi illa an tughmidoo feehi waiAAlamoo anna Allaha ghaniyyun hameedun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا أنفقوا» أي زكوا «من طيبات» جياد «ما كسبتم» من المال «ومـ» ـن طيبات «ما أخرجنا لكم من الأرض» من الحبوب والثمار «ولا تيمموا» تقصدوا «الخبيث» الرديء «منه» أي من المذكور «تنفقونـ» ـه في الزكاة حال من ضمير تيمموا «ولستم بآخذيه» أي الخبيث لو أعطيتموه في حقوقكم «إلا أن تغمضوا فيه» بالتساهل وغض البصر فكيف تؤدون منه حق الله «واعلموا أن الله غني» عن نفقاتكم «حميد» محمود على كل حال.

267

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أنه رغب في الإنفاق، ثم بيّن أن الإنفاق على قسمين: منه ما يتبعه المن والأذى، ومنه ما لا يتبعه ذلك. ثم إنه تعالى شرح ما يتعلق بكل واحد من هذين القسمين، وضرب لكل واحد منهما مثلا يكشف عن المعنى ويوضح المقصود منه على أبلغ الوجوه. ثم إنه تعالى ذكر في هذه الآية أن المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل الله كيف ينبغي أن يكون فقال: {أَنفِقُواْ مِن طَيّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ } واختلفوا في أن قوله {أَنفَقُواْ } المراد منه ماذا فقال الحسن: المراد منه الزكاة المفروضة وقال قوم: المراد منه التطوع وقال ثالث: إنه يتناول الفرض والنفل، حجة من قال المراد منه الزكاة المفروضة أن قوله {أَنفَقُواْ } أمر وظاهر الأمر للوجوب والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة وسائر النفقات الواجبة، حجة من قال المراد صدقة التطوع ما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه والحسن ومجاهد: أنهم كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورديء أموالهم فأنزل الله هذه الآية، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: جاء رجل ذات يوم بعِذْق حَشَف فوضعه في الصدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بئس ما صنع صاحب هذا»تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية، حجة من قال الفرض والنفل داخلان في هذه الآية أن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على جانب الترك من غير أن يكون فيه بيان أنه يجوز الترك أو لا يجوز، وهذا المفهوم قدر مشترك بين الفرض والنفل، فوجب أن يكونا داخلين تحت الأمر. إذا عرفت هذا فنقول: أما على القول الأول وهو أنه للوجوب فيتفرع عليه مسائل: المسألة الأولى: ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل مال يكتسبه الإنسان، فيدخل فيه زكاة التجارة، وزكاة الذهب والفضة، وزكاة النَّعم، لأن ذلك مما يوصف بأنه مكتسب، ويدل على وجوب الزكاة في كل ما تنبته الأرض، على ما هو قول أبي حنيفة رحمه الله، واستدلاله بهذه الآية ظاهر جداً، إلا أن مخالفيه خصصوا هذا العموم بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس في الخضراوات صدقة»تفسير : وأيضاً مذهب أبي حنيفة أن إخراج الزكاة من كل ما أنبتته الأرض واجب قليلاً كان أو كثيراً وظاهر الآية يدل على قوله إلا أن مخالفيه خصصوا هذا العموم بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»تفسير : . المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بالطيب في هذه الآية على قولين: القول الأول: أنه الجيد من المال دون الرديء، فأطلق لفظ الطيب على الجيد على سبيل الاستعارة، وعلى هذا التفسير فالمراد من الخبيث المذكور في هذه الآية الرديء. والقول الثاني: وهو قول ابن مسعود ومجاهد: أن الطيب هو الحلال، والخبيث هو الحرام حجة الأول وجوه: الحجة الأولى: إنا ذكرنا في سبب النزول أنهم يتصدقون برديء أموالهم فنزلت الآية وذلك يدل على أن المراد من الطيب الجيد. الحجة الثانية: أن المحرم لا يجوز أخذه لا بإغماض ولا بغير إغماض، والآية تدل على أن الخبيث يجوز أخذه بالإغماض قال القفال رحمه الله: ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد من الإغماض المسامحة وترك الاستقصاء، فيكون المعنى: ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام، ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال، أمن حلاله أو من حرامه. الحجة الثالثة: أن هذا القول متأيد بقوله تعالى:{أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تنفقوا مِمَّا تُحِبُّونَ } تفسير : [آل عمران: 92] وذلك يدل على أن المراد بالطيبات الأشياء النفيسة التي يستطاب ملكها، لا الأشياء الخسيسة التي يجب على كل أحد دفعها عن نفسه وإخراجها عن بيته، واحتج القاضي للقول الثاني فقال: أجمعنا على أن المراد من الطيب في هذه الآية إما الجيد وإما الحلال، فإذا بطل الأول تعين الثاني، وإنما قلنا إنه بطل الأول لأن المراد لو كان هو الجيد لكان ذلك أمراً بإنفاق مطلق الجيد سواء كان حراماً أو حلالاً وذلك غير جائز والتزام التخصيص خلاف الأصل، فثبت أن المراد ليس هو الجيد بل الحلال، ويمكن أن يذكر فيه قول ثالث وهو أن المراد من الطيب هٰهنا ما يكون طيباً من كل الوجوه فيكون طيباً بمعنى الحلال، ويكون طيباً بمعنى الجودة، وليس لقائل أن يقول حمل اللفظ المشترك على مفهوميه لا يجوز لأنا نقول الحلال إنما سمي طيباً لأنه يستطيبه العقل والدين، والجيد إنما يسمى طيباً لأنه يستطيبه الميل والشهوة، فمعنى الاستطابة مفهوم واحد مشترك بين القسمين، فكان اللفظ محمولاً عليه إذا أثبت أن المراد منه الجيد الحلال فنقول: الأموال الزكاتية إما أن تكون كلها شريفة أو كلها خسيسة أو تكون متوسطة أو تكون مختلطة، فإن كان الكل شريفاً كان المأخوذ بحساب الزكاة كذلك، وإن كان الكل خسيساً كان الزكاة أيضاً من ذلك الخسيس ولا يكون خلافاً للآية لأن المأخوذ في هذه الحالة لا يكون خسيساً من ذلك المال بل إن كان في المال جيد ورديء، فحينئذ يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك وأما إن كان المال مختلطاً فالواجب هو الوسط قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن «حديث : أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم»تفسير : هذا كله إذا قلنا المراد من قوله {أَنفِقُواْ مِن طَيّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ } الزكاة الواجبة، أما على القول الثاني وهو أن يكون المراد منه صدقة التطوع، أو قلنا المراد منه الإنفاق الواجب والتطوع، فنقول: إن الله تعالى ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه، كمن تقرب إلى السلطان الكبير بتحفة وهدية، فإنه لا بد وأن تكون تلك التحفة أفضل ما في ملكه وأشرفها، فكذا هٰهنا، بقي في الآية سؤال واحد، وهو أن يقال ما الفائدة في كلمة {مِنْ } في قوله {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ ٱلأَرْضِ }. وجوابه: تقدير الآية: أنفقوا من طيبات ما كسبتم، وأنفقوا من طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض، إلا أن ذكر الطيبات لما حصل مرة واحدة حذف في المرة الثانية لدلالة المرة الأولى عليه. أما قوله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: يقال: أممته، ويممته، وتأممته، كله بمعنى قصدته قال الأعشى:شعر : تيممت قيساً وكم دونه من الأرض من مهمه ذي شرف تفسير : المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وحده {وَلاَ تَيَمَّمُواْ } بتشديد التاء لأنه كان في الأصل تاءان تاء المخاطبة، وتاء الفعل فأدغم إحداهما في الأخرى، والباقون بفتح التاء مخففة وعلى هذا الخلاف في أخواتها، وهي ثلاثة وعشرون موضعاً: لا تفرقوا، توفاهم، تعاونوا، فتفرق بكم، تلقف، تولوا، تنازعوا، تربصون، فإن تولوا، لا تكلم، تلقونه، تبرجن، تبدل، تناصرون، تجسسوا، تنابزوا، لتعارفوا، تميز، تخيرون، تلهى، تلظى، تنزل الملائكة، وهٰهنا بحثان: البحث الأول: قال أبو علي: هذا الإدغام غير جائز، لأن المدغم يسكن وإذا سكن لزم أن تجلب همزة الوصل عند الابتداء به، كما جلبت في أمثلة الماضي نحو: أدارأتم، وارتبتم وأطيرنا، لكن أجمعوا على أن همزة الوصل لا تدخل على المضارع. البحث الثاني: اختلفوا في التاء المحذوفة على قراءة العامة، فقال بعضهم: هي التاء الأولى وسيبويه لا يسقط إلا الثانية، والفرّاء يقول: أيهما أسقطت جاز لنيابة الباقية عنها. أما قوله تعالى: {مِنْهُ تُنفِقُونَ }. فاعلم أن في كيفية نظم الآية وجهين الأول: أنه تم الكلام عند قوله {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ } ثم ابتدأ، فقال: {مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ } فقوله {مِنْهُ تُنفِقُونَ } استفهام على سبيل الإنكار، والمعنى: أمنه تنفقون مع أنكم لستم بآخذيه إلا مع الاغماض والثاني: أن الكلام إنما يتم عند قوله {إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ } ويكون الذي مضمراً، والتقدير: ولا تيمموا الخبيث منه الذي تنفقونه ولستم بآخذيه إلا بالإغماض فيه، ونظيره إضمار التي في قوله تعالى: {أية : فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا } تفسير : [البقرة: 256] والمعنى الوثقى التي لا انفصام لها. أما قوله تعالى: {وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: الاغماض في اللغة غض البصر، وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض، وهو الخفاء يقال: هذا الكلام غامض أي خفي الإدراك والغمض المتطامن الخفي من الأرض. المسألة الثانية: في معنى الإغماض في هذه الآية وجوه الأول: أن المراد بالإغماض هٰهنا المساهلة، وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضاً، فقوله {وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ } يقول لو أهدى إليكم مثل هذه الأشياء لما أخذتموها إلا على استحياء وإغماض، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم والثاني: أن يحمل الإغماض على المتعدى كما تقول: أغمضت بصر الميت وغمضته والمعنى ولستم بآخذيه إلا إذا أغمضتم بصر البائع يعني أمرتموه بالإغماض والحط من الثمن. ثم ختم الآية بقوله {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } والمعنى أنه غني عن صدقاتكم، ومعنى حميد، أي محمود على ما أنعم بالبيان وفيه وجه آخر، وهو أن قوله {غَنِىٌّ } كالتهديد على إعطاء الأشياء الرديئة في الصدقات و {حَمِيدٌ } بمعنى حامد أي أنا أحمدكم على ما تفعلونه من الخيرات وهو كقوله {فَأُولَـئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا }.

القرطبي

تفسير : . فيه إحدى عشرة مسألة: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ} هذا خطاب لجميع أُمة محمد صلى الله عليه وسلم. واختلف العلماء في المعنى المراد بالإنفاق هنا؛ فقال عليّ بن أبي طالب وعبيدة السلمانيّ وٱبن سيرين: هي الزكاة المفروضة، نهى الناس عن إنفاق الرّدىء فيها بدل الجيّد. قال ٱبن عطية: والظاهر من قول البراء بن عازب والحسن وقتادة أن الآية في التطوّع، ندبوا إلى ألاّ يتطوّعوا إلاَّ بمختار جيّد. والآية تعم الوجهين، لكن صاحب الزكاة تعلّق بأنها مأمور بها والأمر على الوجوب، وبأنه نهى عن الردىء وذلك مخصوص بالفرض، وأما التطوّع فكما للمرء أن يتطوّع بالقليل فكذلك له أن يتطوّع بنازل في القدر، ودرهمٌ خير من تمرة. تمسك أصحاب النّدب بأن لفظة افْعَلْ صالح للنّدب صلاحيته للفرض، والرّدىء منهيّ عنه في النفل كما هو منهيّ عنه في الفرض، والله أحق من ٱختير له. حديث : وروى البراء: أن رجلاً علّق قُنْوَ حَشَفٍ، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بئسما علّق» فنزلت الآيةتفسير : ، خرّجه الترمذيّ وسيأتى بكماله. والأمر على هذا القول على الندب، ندبوا إلى ألاّ يتطوّعوا إلاَّ بجيّد مختار. وجمهور المتأوّلين قالوا: معنى «مِنْ طَيِّبَاتِ» من جيد ومختار «مَا كَسَبْتُمْ». وقال ابن زيد: من حلال «مَا كَسَبْتُمْ». الثانية ـ الكسب يكون بتعب بدن وهي الإجارة وسيأتى حكمها، أو مقاولة في تجارة وهو البيع وسيأتى بيانه. والميراث داخل في هذا؛ لأن غير الوارث قد كسبه. قال سهل بن عبد الله: وسئل ابن المبارك عن الرجل يريد أن يكتسب وينوي باكتسابه أن يصل به الرّحم وأن يجاهد ويعمل الخيرات ويدخلَ في آفات الكسب لهذا الشأن. قال: إن كان معه قَوام من العيش بمقدار ما يكفّ نفسه عن الناس فتركُ هذا أفضل؛ لأنه إذا طلب حلالاً وأنفق في حلال سئل عنه وعن كسبه وعن إنفاقه؛ وترك ذلك زهد فإن الزهد في ترك الحلال. الثالثة ـ قال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: ولهذه الآية جاز للوالد أن يأكل من كسب ولده؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أولادكم من طيّب أكسابكم فكلوا من أموال أولادكم هنيئاً».تفسير : الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} يعني النبات والمعادن والرِّكاز، وهذه أبواب ثلاثة تضمّنتها هذه الآية. أما النبات فروى الدَّارَقُطْنِيَّ عن عائشة رضي الله عنها قالت: جرت السُّنّة من رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس فيما دون خمسة أَوْسُق زكاة». والوَسْق ستون صاعاً، فذلك ثلاثمائة صاع من الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وليس فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة. وقد ٱحتج قوم لأبي حنيفة بقول الله تعالىٰ: {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} وإن ذلك عمومٌ في قليل ما تُخرجه الأرض وكثيره وفي سائر الأصناف، ورأوا ظاهر الأمر الوجوب. وسيأتي بيان هذا في «الأنعام» مستوفىً. وأما المعدِن فروى الأئمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : العجماء جرَحها جُبَار والبئر جُبَار والمعْدِن جُبَار وفي الرّكاز الخمس»تفسير : . قال علماؤنا: لما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : وفي الرّكاز الخُمُس»تفسير : دلَّ على أن الحكم في المعادن غير الحكم في الركاز؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد فصل بين المعادن والرّكاز بالواو الفاصلة، ولو كان الحكم فيهما سواء لقال والمعدن جُبَار وفيه الخمس، فلما قال «وفي الركاز الخمس» عُلم أن حكم الرِّكاز غير حكم المعدن فيما يؤخذ منه، والله أعلم. والركاز أصله في اللغة ما ٱرتَكز بالأرض من الذهب والفضة والجواهر، وهو عند سائر الفقهاء كذلك؛ لأنهم يقولون في النَّدْرة التي توجد في المعدن مرتكزة بالأرض لا تُنال بعمل ولا بَسْعي ولا نَصب، فيها الخمسُ؛ لأنها رِكاز. وقد رُوي عن مالك أن الندرة في المعدن حكمها حكم ما يُتكلّف فيه العمل مما يُستخرج من المعدن في الرّكاز؛ والأوّل تحصيل مذهبه وعليه فتوى جمهور الفقهاء. وروى عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُرِيّ عن أبيه عن جدّه حديث : عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرّكاز قال: «الذهب الذي خلق الله في الأرض يوم خلق السماوات والأرض»تفسير : . عبد الله بن سعيد هذا متروك الحديث، ذكر ذلك ابن أبي حاتم. وقد رُوي من طريق أُخرى عن أبي هريرة ولا يصح، ذكره الدَّارَقُطْنِيّ. ودَفْنُ الجاهلية لأموالهم عند جماعة العلماء ركاز أيضاً لا يختلفون فيه إذا كان دفنه قبل الإسلام من الأموال العادية، وأما ما كان من ضرب الإسلام فحكمه عندهم حكم اللُّقَطَة. الخامسة ـ واختلفوا في حكم الركاز إذا وُجد؛ فقال مالك: ما وُجد من دَفْن الجاهليّة في أرض العرب أو في فَيَافِي الأرض التي ملكها المسلمون بغير حرب فهو لواجده وفيه الخمس، وأما ما كان في أرض الإسلام فهو كاللقطة. قال: وما وُجد من ذلك في أرض العَنْوة فهو للجماعة الذين افتتحوها دون واجده، وما وُجد من ذلك في أرض الصُّلْح فإنه لأهل تلك البلاد دون الناس، ولا شيء للواجد فيه إلاَّ أن يكون من أهل الدار فهو له دونهم. وقيل: بل هو لجملة أهل الصلح. قال إسماعيل: وإنما حكم للركاز بحكم الغنيمة لأنه مالُ كافرٍ وجده مسلم فأنزل منزلة من قاتله وأخذ ماله؛ فكان له أربعة أخماسه. وقال ابن القاسم: كان مالك يقول في العُروض والجواهر والحديد والرصاص ونحوه يُوجد ركازاً: إنّ فيه الخمس ثم رجع فقال: لا أرى فيه شيئاً، ثم آخر ما فارقناه أن قال: فيه الخمس. وهو الصحيح لعموم الحديث وعليه جمهور الفقهاء. وقال أبو حنيفة ومحمد في الركاز يوجد في الدار: إنه لصاحب الدار دون الواجد وفيه الخمس. وخالفه أبو يوسف فقال: إنه للواجِد دون صاحب الدار؛ وهو قول الثوريّ. وإن وجد في الفَلاة فهو للواجِد في قولهم جميعاً وفيه الخمس. ولا فرق عندهم بين أرض الصلح وأرض العَنْوة. وسواء عندهم أرض العرب وغيرها. وجائز عندهم لواجده أن يحتبس الخمس لنفسه إذا كان محتاجاً وله أن يعطيه للمساكين. ومِن أهل المدينة وأصحاب مالك من لا يفرّق بين شيء من ذلك وقالوا: سواء وجد الرّكاز في أرض العَنْوة أو في أرض الصلح أو أرض العرب أو أرض الحرب إذا لم يكن مِلْكاً لأحد ولم يَدّعه أحد فهو لواجده وفيه الخُمُس على عموم ظاهر الحديث، وهو قول اللّيث وعبد الله بن نافع والشافعيّ وأكثر أهل العلم. السَّادسة ـ وأما ما يوجد من المعادن ويخرج منها فاختلف فيه: فقال مالك وأصحابه: لا شيء فيما يخرج من المعادن من ذهب أو فضة حتى يكون عشرين مثقالاً ذهباً أو خمس أواق فضة. فإذا بلغتا هذا المقدار وجبت فيهما الزكاة، وما زاد فبحساب ذلك ما دام في المعدن نَيْلٌ؛ فإن انقطع ثم جاء بعد ذلك نيل آخر فإنه تبتدأ فيه الزكاة مكانه. والرِّكَازُ عندهم بمنزلة الزرع تؤخذ منه الزكاة في حينه ولا يُنْتَظَر به حَوْلاً. قال سُحنون في رجل له معادن: إنه لا يضم ما في واحد منها إلى غيرها ولا يزكي إلاَّ عن مائتي درهم أو عشرين ديناراً في كل واحد. وقال محمد بن مسلمة: يضم بعضها إلى بعض ويزكى الجميع كالزرع. وقال أبو حنيفة وأصحابه: المعدن كالركاز، فما وجد في المعدن من ذهب أو فضة بعد إخراج الخمس اعتبر كل واحد منهما، فمن حصل بيده ما تجب فيه الزّكاة زكَّاهُ لتمام الحول إن أتى عليه حول وهو نِصاب عنده؛ هذا إذا لم يكن عنده ذهب أو فضة وجبت فيه الزكاة. فإن كان عنده من ذلك ما تجب فيه الزكاة ضمه إلى ذلك وزكّاه. وكذلك عندهم كل فائدة تضم في الحول إلى النصاب من جنسها وتزكَّى لحول الأصل؛ وهو قول الثّوري. وذكر المُزَنِيّ عن الشافعيّ قال: وأما الذي أنا واقف فيه فما يخرج من المعادن. قال المُزَنِيّ: الأَولى به على أصله أن يكون ما يخرج من المعدن فائدة يُزكّى بحوله بعد إخراجه. وقال اللّيث بن سعد: ما يخرج من المعادن من الذهب والفضة فهو بمنزلة الفائدة يستأنف به حولاً؛ وهو قول الشافعيّ فيما حصّله المُزَنِيّ من مذهبه، وقال به داود وأصحابه إذا حال عليها الحول عند مالك صحيح المِلْك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من استفاد مالاً فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول»تفسير : أخرجه التّرمذيّ والدَّارَقُطْنِيّ. واحتجوا أيضاً بما رواه عبد الرحمٰن بن أَنْعُم عن أبي سعيد الخدرِي: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أعطىٰ قوماً من المُؤَلَّفة قلوبهم ذُهيبة في تربتها، بعثها عليّ رضي الله عنه من اليَمَن. قال الشافعيّ: والمؤلَّفة قلوبُهم حقّهُم في الزكاة؛ فتبيّن بذلك أن المعادن سُنَّتُها سُنّة الزكاة. وحجة مالك حديثٌ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمٰن أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أقطع بلالَ ابنَ الحارث المعادنَ القَبَلِيّة وهي من ناحية الفُرْع، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلاَّ الزكاة. وهذا حديث منقطع الإسناد لا يحتج بمثله أهل الحديث، ولكنه عمل يُعمل به عندهم في المدينة. ورواه الدّرَاوَرْدِيّ عن ربيعة عن الحارث بن بلال المُزَنِيّ عن أبيه. ذكره البزّار، ورواه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جَدّه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أنه أقطع بلالَ بنَ الحارث المعادنَ القَبَلِيّة جَلْسِيِّها وغَوْرِيّها، وحيث يصلُح للزرع من قُدْس ولم يُعْطه حقَّ مُسْلم؛ ذكره البزار أيضاً، وكثير مجمعٌ على ضعفه. هذا حكم ما أخرجته الأرض، وسيأتي في سورة «النحل» حكم ما أخرجه البحر إذ هو قَسِيم الأرض. ويأتى في «الأنبياء» معنى قوله عليه السَّلام: «حديث : العَجْماء جَرْحها جُبَار» تفسير : كل في موضعه إن شاء الله تعالىٰ. السابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} تيمموا معناه تقصدوا، وستأتي الشواهد من أشعار العرب في أن التيمم القَصْد في «النساء» إن شاء الله تعالىٰ. ودلّت الآية على أن المكاسب فيها طيب وخبيث. وروى النسائي عن أبى أُمامة ابن سهل بن حنيف في الآية التي قال الله تعالىٰ فيها: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} قال: هو الجُعْرُور وَلَوْن حُبَيْق؛ فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذا في الصدقة. وروى الدّارَقُطْنِيّ حديث : عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة فجاء رجل من هذا السُّحَّل بكبائس ـ قال سفيان: يعني الشِّيص ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن جَاء بهذا»؟! وكان لا يجىء أحد بشيء إلاَّ نُسب إلى الذي جاء به. فنزلت: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}. قال: ونَهَى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الجُعْرُور وَلَوْن الحُبَيق أن يؤخذا في الصدقة»تفسير : ـ قال الزهريّ: لونين من تمر المدينة ـ وأخرجه الترمذيّ من حديث البراء وصححه، وسيأتي. وحكى الطبريّ والنحاس أن في قراءة عبد الله «وَلاَ تَأَمَّمُوا» وهما لغتان. وقرأ مسلم بن جُندب «وَلاَ تُيَمِّمُوا» بضم التاء وكسر الميم. وقرأ ابن كثير «تيمّموا» بتشديد التاء. وفي اللفظة لغات، منها «أَمَمْتُ الشيء» مخففة الميم الأُولىٰ و «أممته» بشدّها، و «يَمْمْتُه وَتَيَمَّمْتُه». وحكى أبو عمرو أن ٱبن مسعود قرأ «وَلاَ تُؤَمِّمُوا» بهمزة بعد التاء المضمومة. الثامنة ـ قوله تعالىٰ: {مِنْهُ تُنْفِقُونَ} قال الجُرجانيّ في كتاب «نظم القرآن»: قال فريق من الناس: إن الكلام تمّ في قوله تعالىٰ: «الْخَبِيثَ» ثم ابتدأ خبراً آخر في وصف الخبيث فقال: «مِنْهُ تُنْفِقُونَ» وأنتم لا تأخذونه إلاَّ إذا أغْمضتم أي تساهلتم؛ كأن هذا المعنى عتاب للناس وتقريع. والضمير في «منه» عائد على الخبيث وهو الدون والردىء. قال الجرجانيّ: وقال فريق آخر: الكلام متصل إلى قوله «مِنْهُ»؛ فالضمير في «منه» عائد على «مَاكَسَبْتُمْ» ويجىء «تُنْفِقُونَ» كأنه في موضع نصب على الحال؛ وهو كقولك: أنا أخرج أُجاهد في سبيل الله. التاسعة ـ قوله تعالىٰ: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} أي لستم بآخذيه في ديونكم وحقوقكم من الناس إلاَّ أن تتساهلوا في ذلك وتتركوا من حقوقكم، وتكرهونه ولا ترضونه. أي فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم؛ قال معناه البَرَاء بن عازِب وابن عابس والضحّاك. وقال الحسن: معنى الآية: ولستم بآخذيه ولو وجدتموه في السوق يباع إلاَّ أن يهضم لكم من ثمنه. ورُوي نحوه عن عليّ رضي الله عنه. قال ابن عطية: وهذان القولان يشبهان كون الآية في الزكاة الواجبة. قال ابن العربيّ: لو كانت في الفرض لما قال: «وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ» لأن الردىء والمعِيب لا يجوز أخذه في الفرض بحال، لا مع تقدير الإغماض ولا مع عدمه، وإنما يؤخذ مع عدم إغماض في النفل. وقال البراء بن عازب أيضاً معناه: «وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ» لو أهدى لكم «إلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ» أي تستحي من المُهدِي فتقبل منه ما لا حاجة لك به ولا قَدْر له في نفسه. قال ابن عطية: وهذا يشبه كون الآية في التطوّع. وقال ابن زيد: ولستم بآخذي الحرام إلاَّ أن تُغمِضوا في مكروهه. العاشرة ـ قوله تعالىٰ: {إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} كذا قراءة الجمهور، من أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل فيه ورِضي ببعض حقه وتجاوز؛ ومن ذلك قول الطِّرِمّاح:شعر : لم يَفُتْنَا بِالوَتْر قومٌ وللذُّ لِّ أُناسٌ يَرضَوْن بالإغْماضِ تفسير : وقد يحتمل أن يكون منتزعاً إمّا من تغميض العين؛ لأن الذي يريد الصبر على مكروه يغمض عينيه ـ قال:شعر : إلى كَمْ وكَمْ أشياءَ مِنك تُرِيبُنِي أُغَمِّضُ عنها لستُ عنها بذي عَمَى تفسير : وهذا كالإغضاء عند المكروه. وقد ذكر النقَّاش هذا المعنى في هذه الآية وأشار إليه مَكِّيّ ـ وإمّا من قول العرب: أغْمض الرجل إذا أتى غامضاً من الأمر؛ كما تقول: أَعْمَن أي أتى عُمَان، وأَعْرَق أي أتى العِراق، وأنجد وأغور أي أتى نجداً والغور الذي هو تهامة، أي فهو يطلب التأويل على أخذه. وقرأ الزُّهْرِيّ بفتح التاء وكسر الميم مخففاً، وعنه أيضاً «تُغَمِّضوا» بضم التاء وفتح الغين وكسر الميم وشدّها. فالأُولى على معنى تهضموا سومها من البائع منكم فيحطّكم. والثانية، وهي قراءة قتَادة فيما ذكر النحاس، أي تأخذوا بنقصان. وقال أبو عمرو الدّانِيّ: معنى قراءتي الزُّهريّ حتى تأخذوا بنقصان. وحكى مَكِّيّ عن الحسن «إلاَّ أَنْ تُغَمَّضوا» مشدّدة الميم مفتوحة. وقرأ قَتادة أيضاً «تُغْمَضوا» بضم التاء وسكون الغين وفتح الميم مخففاً. قال أبو عمرو الدَّانِيّ: معناه إلا أن يغمض لكم؛ وحكاه النحاس عن قتادة نفسه. وقال ابن جِنِّي: معناها تُوجَدُوا قد غمضتم في الأمر بتأوّلكم أو بتساهلكم وجريتم على غير السابق إلى النفوس. وهذا كما تقول: أحمدت الرجل وجدته محموداً، إلى غير ذلك من الأمثلة. قال ابن عطيّة: وقراءة الجمهور تخرج على التجاوز وعلى تغميض العين؛ لأن أغمض بمنزلة غمّض. وعلى أنها بمعنى حتى تأتوا غامضاً من التأويل والنظر في أخذ ذلك؛ إما لكونه حراماً على قول ابن زيد، وإما لكونه مُهْدًى أو مأخوذاً في دَيْن على قول غيره. وقال المَهْدَوِيّ: ومن قرأ «تُغْمِضُوا» فالمعنى تُغْمِضُون أعينَ بصائركم عن أخذه. قال الجوهريّ: وغَمَّضْتُ عن فلان إذا تساهلت عليه في بيع أو شراء وأَغْمَضْت، وقال تعالى: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ}. يقال: أَغْمِض لي فيما بعتني؛ كأنك تريد الزيادة منه لرداءته والحطَّ من ثمنه. و «أن» في موضع نصب، والتقدير إلا بأن. الحادية عشرة ـ قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} نبّه سبحانه وتعالى على صفة الغنى، أي لا حاجة به إلى صدقاتكم؛ فمن تقرّب وطلب مثوبةً فليفعل ذلك بما له قَدْرٌ وبَالٌ، فإنما يقدّم لنفسه. و «حَميدٌ» معناه محمود في كل حال. وقد أتينا على معاني هذين الإسمين في «الكتاب الأسنى» والحمد لله. قال الزجاج في قوله «وٱعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ»: أي لم يأمركم أن تَصَدّقوا من عَوَز ولكنه بَلاَ أخبارَكم فهو حميد على ذلك على جميع نِعمه.

البيضاوي

تفسير : {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ} من حلاله أو جياده. {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ ٱلأرْضِ } أي ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمرات والمعادن، فحذف المضاف لتقدم ذكره. {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ } أي ولا تقصدوا الرديء منه أي من المال، أو مما أخرجنا لكم. وتخصيصه بذلك لأن التفاوت فيه أكثر، وقرىء ولا تؤمموا ولا تيمموا بضم التاء. {تُنفِقُونَ } حال مقدرة من فاعل تيمموا، ويجوز أن يتعلق به منه ويكون الضمير للخبيث والجملة حالاً منه. {وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ } أي وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم لردائته. {إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ } إلا أن تتسامحوا فيه، مجاز من أغمض بصره إذا غضه. وقرىء {تُغْمِضُواْ } أي تحملوا على الإِغماض، أو توجدوا مغمضين. وعن ابن عباس رضي الله عنه: كانوا يتصدقون بحشف التمر وشراره فنهوا عنه. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ } عن إنفاقكم، وإنما يأمركم به لانتفاعكم. {حَمِيدٌ } بقبوله وإثابته.

ابن كثير

تفسير : يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإنفاق، والمراد به الصدقة ههنا، قاله ابن عباس، من طيبات ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها، قال مجاهد: يعني التجارة بتيسيره إياها لهم، وقال علي والسدي: {مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ} يعني: الذهب والفضة، ومن الثمار والزروع التي أنبتها لهم من الأرض، قال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه، وهو خبيثه، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ولهذا قال: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ} أي: تقصدوا الخبيث {مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ} أي: لو أعطيتموه ما أخذتموه، إلا أن تتغاضوا فيه، فالله أغنى عنه منكم، فلا تجعلوا لله ما تكرهون، وقيل: معناه: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} أي: لا تعدلوا عن المال الحلال وتقصدوا إلى الحرام فتجعلوا نفقتكم منه، ويذكر ههنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا إسحاق، عن الصباح بن محمد عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكمم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد، حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه»تفسير : قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: «حديث : غشمه وظلمه، ولا يكسب عبد مالاً من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيىء بالسيىء، ولكن يمحو السيىء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث»تفسير : والصحيح القول الأول، قال ابن جرير رحمه الله: حدثنا الحسين بن عمر العنقزي، حدثني أبي عن أسباط عن السدي، عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب رضي الله عنه، في قول الله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} الآية، قال: نزلت في الأنصار، كانت الأنصار إذا كانت أيام جذاذ النخل، أخرجت من حيطانها أقناء البسر، فعلقوه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد الرجل منهم إلى الحشف، فيدخله مع أقناء البسر، يظن أن ذلك جائز، فأنزل الله فيمن فعل ذلك: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ}، ثم رواه ابن جرير وابن ماجه وابن مردويه، والحاكم في مستدركه من طريق السدي، عن عدي بن ثابت عن البراء بنحوه، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل عن السدي عن أبي مالك عن البراء رضي الله عنه، {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلاَ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} قال: نزلت فينا، كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي من نخله بقدر كثرته وقلته، فيأتي الرجل بالقنو، فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع جاء فضربه بعصاه فسقط منه البسر والتمر، فيأكل، وكان أناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو الحشف والشيص، فيأتي بالقنو قد انكسر، فيعلقه، فنزلت: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلاَ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} قال: لو أن أحدكم أهدي له مثل ما أعطى، ما أخذه إلا على إغماض وحياء، فكنا بعد ذلك يجيء الرجل منا بصالح ما عنده. وكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عبيد الله، هو ابن موسى العبسي، عن إسرائيل عن السدي، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن، عن أبي مالك الغفاري واسمه غزوان، عن البراء، فذكر نحوه، ثم قال: وهذا حديث حسن غريب، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا سليمان بن كثير، عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لونين من التمر: الجعرور والحبيق، وكان الناس يتيممون شرار ثمارهم، ثم يخرجونها في الصدقة، فنزلت: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} ورواه أبو داود من حديث سفيان بن حسين عن الزهري، ثم قال: أسنده أبو الوليد عن سليمان بن كثير عن الزهري، ولفظه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجعرور ولون الحبيق؛ أن يؤخذا في الصدقة. وقد روى النسائي هذا الحديث من طريق عبد الجليل بن حميد اليحصبي، عن الزهري، عن أبي أمامة، ولم يقل: عن أبيه، فذكر نحوه. وكذا رواه ابن وهب، عن عبد الجليل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن معقل، في هذه الآية: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} قال: كسب المسلم لا يكون خبيثاً، ولكن لا يصدق بالحشف والدرهم الزيف وما لا خير فيه. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن حماد، هو ابن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بضب، فلم يأكله، ولم ينه عنه، قلت: يا رسول الله نطعمه المساكين؟ قال: «حديث : لا تطعموهم مما لا تأكلون»تفسير : . ثم رواه عن عفان عن حماد بن سلمة به؛ فقلت: يا رسول الله ألا أطعمه المساكين؟ قال:«حديث : لا تطعموهم مما لا تأكلون»تفسير : . وقال الثوري، عن السدي، عن أبي مالك، عن البراء: { وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلاَ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} يقول: لو كان لرجل على رجل، فأعطاه ذلك، لم يأخذه، إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه، رواه ابن جرير. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلاَ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} يقول: لو كان لكم على أحد حق، فجاءكم بحق دون حقكم، لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه، قال: فذلك قوله: {إِلاَ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} فكيف ترضون لي ما لاترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه؟ رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير، وزاد: وهو قوله: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}تفسير : [آل عمران: 92]. ثم روي عن طريق العوفي وغيره، عن ابن عباس، نحو ذلك، وكذا ذكره غير واحد. وقوله: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} أي: وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها، فهو غني عنها، وما ذاك إلا أن يساوي الغني الفقير، كقوله: {أية : لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ}تفسير : [الحج: 37] وهو غني عن جميع خلقه، وجميع خلقه فقراء إليه، وهو واسع الفضل، لا ينفد ما لديه، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب، فليعلم أن الله غني واسع العطاء، كريم جواد، وسيجزيه بها، ويضاعفها له أضعافاً كثيرة، «حديث : من يقرض غير عديم ولا ظلوم»تفسير : ؟ وهو الحميد، أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. وقوله: { ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} قال ابن ابي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان، فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك، فإيعاد بالخير والتصديق بالحق، فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى، فليتعوذ من الشيطان»تفسير : ثم قرأ: {ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً} الآية، وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننهما جميعاً، عن هناد بن السري. وأخرجه ابن حبان في صحيحه، عن أبي يعلى الموصلي، عن هناد به، وقال الترمذي: حسن غريب، وهو حديث أبي الأحوص، يعني: سلام بن سليم، لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديثه، كذا قال. وقد رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره، عن محمد بن أحمد؛ عن محمد بن عبد الله بن مسعود مرفوعاً نحوه؛ ولكن رواه مسعر عن عطاء بن السائب، عن أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة، عن ابن مسعود، فجعله من قوله، والله أعلم. ومعنى قوله تعالى: {ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ} أي: يخوفكم الفقر؛ لتمسكوا ما بأيديكم، فلا تنفقوه في مرضاة الله. {وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ} أي: مع نهيه إياكم عن الإنفاق خشية الإملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخلاق، قال تعالى: {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ} أي: في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء. {وَفَضْلاً} أي: في مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر {وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ}. وقوله: {يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني: المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله. وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعاً: «حديث : الحكمة القرآن»تفسير : يعني: تفسيره، قال ابن عباس: فإنه قد قرأه البر والفاجر، رواه ابن مردويه. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يعني بالحكمة: الإصابة في القول. وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: {يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ}: ليست بالنبوة، ولكنه العلم والفقه والقرآن. وقال أبو العالية: الحكمة خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة. وقد روى ابن مردويه من طريق بقية عن عثمان بن زفر الجهني، عن أبي عمار الأسدي، عن ابن مسعود مرفوعاً: «حديث : رأس الحكمة مخافة الله»تفسير : وقال أبو العالية في رواية عنه: الحكمة: الكتاب والفهم. وقال إبراهيم النخعي: الحكمة: الفهم، وقال أبو مالك: الحكمة: السنة. وقال ابن وهب، عن مالك، قال زيد بن أسلم: الحكمة: العقل، قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلاً في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفاً في أمر دنياه، عالماً بأمر دينه، بصيراً به، يؤتيه الله إياه، ويحرمه هذا، فالحكمة: الفقه في دين الله. وقال السدي: الحكمة: النبوة، والصحيح أن الحكمة كما قال الجمهور: لا تختص بالنبوة، بل هي أعم منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخص، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع، كما جاء في بعض الأحاديث: «حديث : من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه، غير أنه لا يوحى إليه»تفسير : رواه وكيع بن الجراح في تفسيره، عن إسماعيل بن رافع، عن رجل لم يسمه، عن عبد الله بن عمر، وقوله. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع ويزيد، قالا: حدثنا إسماعيل، يعني: ابن أبي خالد، عن قيس، وهو ابن أبي حازم، عن ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: «حديث : لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها»تفسير : وهكذا رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من طرق متعددة عن إسماعيل بن أبي خالد به. وقوله: { وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ} أي: وما ينتفع بالموعظة والتذكار إلا من له لب وعقل، يعي به الخطاب ومعنى الكلام.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ } أي زكوا {مِن طَيّبَاتِ } جياد {مَّا كَسَبْتُم } من المال {وَمِنْ } طيبات {مَا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ ٱلاْرْضِ } من الحبوب والثمار {وَلاَ تَيَمَّمُواْ } تقصدوا {ٱلْخَبِيثَ } الرديء {مِنْهُ } أي من المذكور {تُنفِقُونَ }ه في الزكاة، حال من ضمير( تيمموا) {وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ } أي الخبيث لو أعطيتموه في حقوقكم {إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ } بالتساهل وغض البصر فكيف تؤدون منه حق الله؟{وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ } عن نفقاتكم {حَمِيدٌ } محمود على كل حال.

الشوكاني

تفسير : قوله: {مِن طَيّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ } أي: من جيد ما كسبتم، ومختاره، كذا قال الجمهور. وقال جماعة: إن معنى الطيبات هنا: الحلال. ولا مانع من اعتبار الأمرين جميعاً؛ لأن جيد الكسب، ومختاره إنما يطلق على الحلال عند أهل الشرع، وإن أطلقه أهل اللغة على ما هو جيد في نفسه حلالاً كان أو حراماً، فالحقيقة الشرعية مقدّمة على اللغوية. وقوله: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ ٱلاْرْضِ } أي: ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض، وحذف لدلالة ما قبله عليه، وهي: النباتات، والمعادن، والركاز. قوله: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ } أي: لا تقصدوا المال الرديء، وقرأه الجمهور بفتح حرف المضارعة وتخفيف الياء، وقرأ ابن كثير بتشديدها. وقرأ ابن مسعود: «ولا تأمموا» وهي لغة. وقرأ أبو مسلم بن خباب بضم الفوقية، وكسر الميم. وحكى أبو عمرو: أن ابن مسعود قرأ: «تئمموا» بهمزة بعد المضمومة، وفي الآية الأمر بإنفاق الطيب، والنهي عن إنفاق الخبيث. وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن الآية في الصدقة المفروضة، وذهَب آخرون إلى أنها تعم صدقة الفرض، والتطوّع، وهو: الظاهر، وسيأتي من الأدلة ما يؤيد هذا، وتقديم الظرف في قوله: {مِنْهُ تُنفِقُونَ } يفيد التخصيص أي: لا تخصوا الخبيث بالإنفاق، والجملة في محل نصب على الحال أي: لا تقصدوا المال الخبيث مخصصين الإنفاق به قاصرين له عليه. قوله: {وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ } أي: والحال أنكم لا تأخذونه في معاملاتكم في وقت من الأوقات هكذا بين معناه الجمهور، وقيل: معناه: ولستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع. وقوله: {إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ } هو من أغمض الرجل في أمر كذا: إذا تساهل ورضي ببعض حقه، وتجاوز، وغض بصره عنه، ومنه قول الشاعر:شعر : إلى كَمْ وَكَمْ أشْيَاءُ مِنْكَ تُرِيبُني أُغَمِّض عنها لستُ عَنْها بِذي عَمَي تفسير : وقرأ الزهري بفتح التاء، وكسر الميم مخففاً. وروى عنه أنه قرأ بضم التاء، وفتح الغين، وكسر الميم مشدّدة، وكذلك قرأ قتادة، والمعنى على القراءة الأولى من هاتين القراءتين: إلا أن تهضموا سومها من البائع منكم، وعلى الثانية: إلا أن تأخذوا بنقصان. قال ابن عطية: وقراءة الجمهور تخرّج على التجاوز، أو على تغميض العين، لأن أغمض بمنزلة غمض، وعلى أنها بمعنى حتى، أي: حتى تأتوا غامضاً من التأويل، والنظر في أخذ ذلك. قوله: {ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ } قد تقدّم معنى الشيطان، واشتقاقه. و{يعدكم} معناه يخوّفكم الفقر أي: بالفقر لئلا تنفقوا، فهذه الآية متصلة بما قبلها. وقريء: «الفقر» بضم الفاء، وهي لغة. قال الجوهري: والفقر لغة في الفقر، مثل الضعف، والضعف. والفحشاء الخصلة الفحشاء، وهي المعاصي، والإنفاق فيها، والبخل عن الإنفاق في الطاعات. قال في الكشاف: والفاحش عند العرب البخيل. انتهى. ومنه قول طرفة بن العبد:شعر : أَرَى الموتَ يَعْتامُ الكِرَامَ وَيْصَـ ـطِفى عَقِيلةَ مالِ الفَاحِش المُتَشَدِّدِ تفسير : ولكن العرب، وإن أطلقته على البخيل، فذلك لا ينافي إطلاقهم له على غيره من المعاصي، وقد وقع كثيراً في كلامهم. وقوله: {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مّنْهُ وَفَضْلاً } الوعد في كلام العرب: إذا أطلق، فهو في الخير، وإذا قيد، فقد يقيد تارة بالخير، وتارة بالشرّ. ومنه قوله تعالى: {أية : ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }تفسير : [الحج: 72] ومنه أيضاً ما في هذه الآية من تقييد، وعد الشيطان بالفقر، وتقييد وعد الله سبحانه بالمغفرة، والفضل. والمغفرة: الستر على عباده في الدنيا، والآخرة لذنوبهم، وكفارتها، والفضل أن يخلف عليهم أفضل مما أنفقوا، فيوسع لهم في أرزاقهم، وينعم عليهم في الآخرة بما هو أفضل، وأكثر، وأجل، وأجمل. قوله: {يُؤْتِى الْحِكْمَةَ } هي: العلم، وقيل: الفهم، وقيل: الإصابة في القول. ولا مانع من الحمل على الجميع شمولاً، أو بدلاً. وقيل: إنها النبوة. وقيل: العقل. وقيل: الخشية. وقيل: الورع. وأصل الحكمة: ما يمنع من السفه، وهو كل قبيح. والمعنى: أن من أعطاه الله الحكمة، فقد أعطاه خيراً كثيراً. أي: عظيماً قدره، جليلاً خطره. وقرأ الزهري، ويعقوب: «ومن يؤت الحكمة» على البناء للفاعل، وقرأه الجمهور على البناء للمفعول، والألباب: العقول، واحدها لبّ، وقد تقدّم الكلام فيه. قوله: {وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ } "ما" شرطية، ويجوز أن تكون موصولة، والعائد محذوف أي: الذي أنفقتموه، وهذا بيان لحكم عام يشمل كل صدقة مقبولة، وغير مقبولة، وكل ندر مقبول، أو غير مقبول. وقوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ } فيه معنى الوعد لمن أنفق ونذر على الوجه المقبول، والوعيد لمن جاء بعكس ذلك. ووحد الضمير مع كون مرجعه شيئين، هما النفقة، والنذر؛ لأن التقدير: وما أنفقتم من نفقة، فإن الله يعلمها، أو نذرتم من نذر، فإن الله يعلمه، ثم حذف أحدهما استغناء بالآخر، قاله النحاس. وقيل: إن ما كان العطف فيه بكلمة: «أو» كما في قولك: زيد، أو عمرو، فإنه يقال: أكرمته، ولا يقال: أكرمتهما، والأولى أن يقال: إن العطف بـ "أو" يجوز فيه الأمران توحيد الضمير، كما في هذه الآية، وفي قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أو لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } تفسير : [الجمعة: 11]. وقوله: {أية : وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً }تفسير : [النساء: 112]، وتثنيته كما في قوله تعالى: {أية : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا }تفسير : [النساء: 135] ومن الأوّل في العطف بالواو قول امرىء القيس:شعر : فتُوضِح فالمِقْراةِ لم يَعْفُ رسمها لِما نَسَجَتْه من جَنُوبِ وَشَمأَلِ تفسير : ومنه قول الشاعر:شعر : نَحْن بِما عِنْدنا وَأنتَ بِما عِنْدكَ رَاضٍ وَالرَّأي مُخْتَلِفٌ تفسير : ومنه {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا }تفسير : [التوبة: 34] وقيل: إنه إذا وحد الضمير بعد ذكر شيئين، أو أشياء، فهو بتأويل المذكور أي: فإن الله يعلم المذكور، وبه جزم ابن عطية، ورجحه القرطبي، وذكر معناه كثير من النحاة في مؤلفاتهم. قوله: {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } أي: ما للظالمين أنفسهم، بما وقعوا فيه من الإثم لمخالفة ما أمر الله به من الإنفاق في وجوه الخير من أنصار ينصرونهم يمنعونهم من عقاب الله بما ظلموا به أنفسهم، والأولى الحمل على العموم من غير تخصيص لما يفيده السياق، أي: ما للظالمين بأيّ مظلمة كانت من أنصار. قوله: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ } قرىء بفتح النون، وكسر العين، وبكسرهما، وبكسر النون، وسكون العين، وبكسر النون، وإخفاء حركة العين. وقد حكى النحويون في: «نعمّ» أربع لغات، وهي: هذه التي قرىء بها، وفي هذا نوع تفصيل لما أجمل في الشرطية المتقدمة، أي: إن تظهروا الصدقات، فنعم شيئاً إظهارها، وإن تخفوها، وتصيبوا بها مصارفها من الفقراء، فالإخفاء خير لكم. وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوّع لا في صدقة الفرض، فلا فضيلة للإخفاء فيها بل قد قيل: إن الإظهار فيها أفضل، وقالت طائفة: إن الإخفاء أفضل في الفرض، والتطوّع. قوله: {وَيُكَفّرُ عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ } قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وعاصم في رواية أبي بكر، وقتادة، وابن إسحاق "نكفر" بالنون، والرفع. وقرأ ابن عامر، وعاصم في رواية حفص بالياء، والرفع. وقرأ الأعمش، ونافع، وحمزة، والكسائي، بالنون، والجزم. وقرأ ابن عباس بالتاء الفوقية، وفتح الفاء، والجزم. وقرأ الحسين بن علي الجعفي بالنون، ونصب الراء. فمن قرأ بالرفع، فهو معطوف على محل الجملة الواقعة جواباً بعد الفاء، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف. ومن قرأ بالجزم، فهو معطوف على الفاء، وما بعدها. ومن قرأ بالنصب فعلى تقدير "أن" قال سيبويه: والرفع هاهنا الوجه الجيد، وأجاز الجزم بتأويل، وإن تخفوها يكن الإخفاء خيراً لكم، ويكفر، وبمثل قول سيبويه قال الخليل. ومن في قوله: {مّن سَيّئَاتِكُمْ } للتبعيض، أي: شيئاً من سيئاتكم. وحكى الطبري عن فرقة أنها زائدة، وذلك على رأي الأخفش. قال ابن عطية: وذلك منهم خطأ. وقد أخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ } قال: من الذهب، والفضة {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ ٱلاْرْضِ } يعني من الحبّ، والثمر، وكل شيء عليه زكاة. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن مجاهد في قوله: {أَنفِقُواْ مِن طَيّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ } قال: من التجارة: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ ٱلأرْضِ } قال: من الثمار. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن البراء بن عازب في قوله: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ } قال: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، وكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته، وقلته، وكان الرجل يأتي بالقِنْو والقِنْوين، فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القِنو فضربه بعصاه، فيسقط البسر، والتمر، فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص، والحشف، وبالقنو قد انكسر، فيعلقه، فأنزل الله: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ ٱلأرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إلا أن تعصموا فيه} قال: لو أن أحدكم أهدى إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا على إغماض، وحياء. قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن الرجل كان يكون له الحائطان، فينظر إلى أردئهما تمراً، فيتصدق به، ويخلط به الحشف، فنزلت الآية، فعاب الله ذلك عليهم، ونهاهم عنه. وأخرج عبد بن حميد، عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر، فجاء رجل بتمر رديء، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخرص النخل أن لا يجيز. فأنزل الله تعالى الآية هذه. وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي في سننه عن سهل بن حنيف قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة، فجاء رجل بكبائس من هذا السخل: يعني: الشيص فوضعه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "من جاء بهذا؟" وكان كل من جاء بشيء نسب إليه، فنزلت: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ } الآية. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لونين من التمر أن يوجدا في الصدقة، الجعرور ولون الحُبَيْق. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترون الطعام الرخيص، ويتصدّقون، فأنزل الله: {يأيها الذين آمنوا} الآية. وأخرج ابن جرير، عن عَبِيدة السَّلماني قال: سألت علي بن أبي طالب عن قول الله تعالى: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ } الآية، فقال: نزلت هذه الآية في الزكاة المفروضة، كان الرجل يعمد إلى التمر، فيصرمه، فيعزل الجيد ناحية، فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه من الرديء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء } قال: المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، محكمه ومتشابهه، ومقدّمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله. وأخرج ابن مردويه عنه: أنها القرآن يعني: تفسيره. وأخرج ابن المنذر عنه أنها النبوّة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال: إنها الفقه في القرآن. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي الدرداء: {يُؤْتِى الْحِكْمَةَ } قال: قراءة القرآن، والفكرة فيه. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية قال: هي الكتاب، والفهم به. وأخرج أيضاً عن النخعي نحوه، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد قال: هي الكتاب يؤتى إصابته من يشاء. وأخرج عبد بن حميد عنه قال: هي الإصابة في القول. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال: هي الخشية لله. وأخرج أيضاً عن مَطَر الوَرَّاق مثله. وأخرج ابن المنذر، عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ } قال: يحصيه. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في نذر الطاعة، والمعصية في الصحيح، وغيره ما هو معروف، كقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لانذر في معصية الله»تفسير : وقوله: «حديث : من نذر أن يطيع الله، فليطعه، ومن نذر أن يعصيه، فلا يعصه» تفسير : وقوله: «حديث : النذر ما ابتغى به وجه الله»تفسير : وثبت عنه في كفارة النذر ما هو معروف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ } الآية، قال: فجعل السرّ في التطوّع يفضل علانيتها سبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً. وكذلك جميع الفرائض، والنوافل في الأشياء كلها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ } الآية، قال: كان هذا يعمل قبل أن تنزل براءة، فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات، وتفصيلها انتهت الصدقات إليها. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ } الآية، قال: هذا منسوخ. وقوله: {أية : فِى أَمْوٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لَّلسَّائِلِ وَٱلْمَحْرُومِ } تفسير : [المعارج: 25] قال: منسوخ، نسخ كل صدقة في القرآن الآية التي في سورة التوبة: {أية : إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاء } تفسير : [التوبة: 60] وقد ورد في فضل صدقة السرّ أحاديث صحيحة مرفوعة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: يعني به الذهب والفضة، وهو قول عليّ عليه السلام. والثاني: يعني التجارة، قاله مجاهد. والثالث: الحلال. والرابع: الجيد. {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} من الزرع والثمار. وفي الكسب وجهان محتملان: أحدهما: ما حدث من المال المستفاد. والثاني: ما استقر عليه المِلك من قديم وحادث. واختلفوا في هذه النفقة على قولين: أحدهما: هي الزكاة المفروضة قاله عبيدة السلماني. والثاني: هي في التطوع، قاله بعض المتكلمين. {وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} التيمم: التعمد، قال الخليل: تقول أَمَمْتُه إذا قصدت أَمَامَه، ويَمَّمْتُه إذا تعمدته من أي جهة كان، وقال غيره: هما سواء، والخبيث: الرديء من كل شيء، وفيه هنا قولان: أحدهما: أنهم كانوا يأتون بالحشف فيدخلونه في تمر الصدقة، فنزلت هذه الآية، وهو قول عليٍّ، والبراء بن عازب. والثاني: أن الخبيث هو الحرام، قاله ابن زيد. {وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: إلا أن تتساهلوا، وهو قول البراء بن عازب. والثاني: إلا أن تحطوا في الثمن، قاله ابن عباس. والثالث: إلا بوكس فكيف تعطونه في الصدقة قاله الزجاج. والرابع: إلا أن ترخصوا لأنفسكم فيه، قاله السدي، وقال الطِّرِمّاح: شعر : لم يفتنا بالوِتر قوم وللضيْـ ـم رجال يرضون بالإغماضِ تفسير : قوله عز وجل: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} وهو ما خوّف من الفقر إن أنفق أو تصدق. {وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ} يحتمل وجهين: أحدهما: بالشح. والثاني: بالمعاصي. {وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ} يحتمل وجهين: أحدهما:.... لكم. والثاني: عفواً لكم. {وَفَضْلاً} يحتمل وجهين: أحدهما: سعة الرزق. والثاني: مضاعفة العذاب. {وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} رُوِيَ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إِنَّ لِلشَّيطَانِ لَمَّةً مِن ابن آدَم، وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيرِ وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللهِ وَلْيَحْمِدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأخَرَ فَلْيَتَعَوَّذ بِاللهِ ". تفسير : ثم تلا هذه الآية. قوله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ} في الحكمة سبعة تأويلات: أحدها: الفقه في القرآن، قاله ابن عباس. والثاني: العلم بالدين، قاله ابن زيد. والثالث: النبوّة. والرابع: الخشية، قاله الربيع. والخامس: الإصابة، قاله ابن أبي نجيح عن مجاهد. والسادس: الكتابة، قاله مجاهد. والسابع: العقل، قاله زيد بن أسلم. ويحتمل ثامناً: أن تكون الحكمة هنا صلاح الدين وإصلاح الدنيا.

ابن عطية

تفسير : هذا الخطاب هو لجميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه صيغة أمر من الإنفاق، واختلف المتأولون هل المراد بهذا الإنفاق، الزكاة المفروضة أو التطوع، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبيدة السلماني ومحمد بن سيرين: هي في الزكاة المفروضة. نهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدل الجيد، وأما التطوع فكما للمرء أن يتطوع بقليل فكذلك له أن يتطوع بنازل في القدر، ودرهم زائف خير من تمرة، فالأمر على هذا القول للوجوب، والظاهر من قول البراء بن عازب والحسن بن أبي الحسن وقتادة، أن الآية في التطوع، وروى البراء بن عازب، وعطاء بن أبي رباح ما معناه حديث : أن الأنصار كانوا أيام الجداد يعلقون أقناء التمر في حبل بين أسطوانتين في المسجد فيأكل من ذلك فقراء المهاجرين فعلق رجل حشفاً فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "بئسما علق هذا"تفسير : ، فنزلت الآية. قال القاضي أبو محمد: والأمر على هذا القول على الندب، وكذلك ندبوا إلى أن لا يتطوعوا إلا بجيد مختار، والآية تعم الوجهين، لكن صاحب الزكاة يتلقاها على الوجوب وصاحب التطوع يتلقاها على الندب، وهؤلاء كلهم وجمهور المتأولين قالوا معنى {من طيبات} من جيد ومختار {ما كسبتم}، وجعلوا {الخبيث} بمعنى الرديء والرذالة، وقال ابن زيد معناه: من حلال ما كسبتم، قال: وقوله: {ولا تيمموا الخبيث} أي الحرام. قال القاضي أبو محمد: وقول ابن زيد ليس بالقوي من جهة نسق الآية لا من معناه في نفسه، وقوله: {من طيبات ما كسبتم} يحتمل أن لا يقصد به لا الجيد ولا الحلال، لكن يكون المعنى كأنه قال: أنفقوا مما كسبتم، فهو حض على الإنفاق فقط. ثم دخل ذكر الطيب تبييناً لصفة حسنة في المكسوب عاماً وتعديداً للنعمة كما تقول: أطعمت فلاناً من مشبع الخبز وسقيته من مروي الماء، والطيب على هذا الوجه يعم الجود والحل، ويؤيد هذا الاحتمال أن عبد الله بن مغفل قال: ليس في مال المؤمن خبيث، و {كسبتم} معناه كانت لكم فيه سعاية، إما بتعب بدن أو مقاولة في تجارة، والموروث داخل في هذا لأن غير الوارث قد كسبه، إذ الضمير في {كسبتم} إنما هو لنوع الإنسان أو المؤمنين، {ومما أخرجنا لكم من الأرض} النباتات والمعادن والركاز وما ضارع ذلك، و {تيمموا} معناه تعمدوا وتقصدوا، يقال تيمم الرجل كذا وكذا إذا قصده، ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : تَيَمَّمَتِ الْعَيْنَ التي عِنْدَ ضَارِجٍ يفيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِ تفسير : ومنه قول الأعشى: [المتقارب] شعر : تَيَمَّمْتُ قَيْساً وَكَمْ دُونَهُ مِنَ الأَرْضِ مِنْ مَهْمَهٍ ذي شَزَنْ تفسير : ومنه التيمم الذي هو البدل من الوضوء عند عدم الماء، وهكذا قرأ جمهور الناس وروى البزي عن ابن كثير تشديد التاء في أحد وثلاثين موضعاً أولها هذا الحرف، وحكى الطبري أن في قراءة عبد الله بن مسعود "ولا تؤمـوا الخبيث" من أممت إذا قصدت، ومنه إمام البناء، والمعنى في القراءتين واحد، وقرأ الزهري ومسلم بن جندب "ولا تُيمِّموا" بضم التاء وكسر الميم، وهذا على لغة من قال: يممت الشيء بمعنى قصدته، وفي اللفظ لغات، منها أممت الشيء خفيفة الميم الأولى وأممته بشدها ويممته وتيممته، وحكى أبو عمرو أن ابن مسعود قرأ "ولا تؤمموا" بهمزة بعد التاء، وهذه على لغة من قال أممت مثقلة الميم، وقد مضى القول في معنى {الخبيث} وقال الجرجاني في كتاب نظم القرآن: قال فريق من الناس: إن الكلام تم في قوله: {الخبيث} ثم ابتدأ خبراً آخر في وصف الخبيث فقال: {تنفقون} منه وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم أي ساهلتم. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: كأن هذا المعنى عتاب للناس وتقريع، والضمير في {منه} عائد على {الخبيث}، قال الجرجاني وقال فريق آخر: بل الكلام متصل إلى قوله {فيه}. قال القاضي أبو محمد: فالضمير في {منه} عائد على {ما كسبتم}، ويجيء {تنفقون} كأنه في موضع نصب على الحال، وهو كقولك: إنما أخرج أجاهد في سبيل الله، واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} فقال البراء بن عازب وابن عباس والضحاك وغيرهم. معناه ولستم بآخذيه في ديونكم وحقوقكم عند الناس إلا بأن تساهلوا في ذلك، وتتركون من حقوقكم وتكرهونه ولا ترضونه، أي فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم، وقال الحسن بن أبي الحسن معنى الآية: لستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع، إلا أن يهضم لكم من ثمنه، وروي نحوه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال القاضي أبو محمد رحمه الله وهذان القولان يشبهان كون الآية في الزكاة الواجبة وقال البراء بن عازب أيضاً: معناه ولستم بآخذيه لو أهدي إليكم {إلا أن تغمضوا} أي تستحيي من المهدي أن تقبل منه ما لا حاجة لك فيه، ولا قدر له في نفسه. قال القاضي أبو محمد: وهذا يشبه كون الآية في التطوع، وقال ابن زيد معنى الآية: ولستم بآخذي الحرام إلا أن تغمضوا في مكروهه، وقرأ جمهور الناس "إلا أن تُغْمِضوا" بضم التاء وسكون الغين وكسر الميم. وقرأ الزهري بفتح التاء وكسر الميم مخففاً، وروي عنه أيضاً "تُغْمِّضُوا" بضم التاء وفتح الغين وكسر الميم مشددة، وحكى مكي عن الحسن البصري "تغمَّضوا" مشددة الميم مفتوحة وبفتح التاء. وقرأ قتادة بضم التاء وسكون الغين وفتح الميم مخففاً قال أبو عمرو معناه: إلا أن يغمض لكم. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هذه اللفظة تنتزع إما من قول العرب أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل فيه ورضي ببعض حقه وتجاوز، فمن ذلك قول الطرماح بن حكيم: [الخفيف] شعر : لَمْ يَفُتنا بِالْوِتْرِ قَوْمٌ وللذُ لِّ أُنَاسٌ يَرْضَونَ بالإغْمَاضِ تفسير : وإما أن تنتزع من تغميض العين لأن الذي يريد الصبر على مكروه يغمض عنه عينيه ومنه قول الشاعر: شعر : إلى كم وكم أشياء منكمْ تريبني أغمض عنها لست عنها بذي عمى تفسير : وهذا كالإغضاء عند المكروه، وقد ذكر النقاش هذا المعنى في هذه الآية وأشار إليه مكي، وإما من قول العرب أغمض الرجل إذا أتى غامضاً من الأمر كما تقول: أعمن إذا أتى عمان، وأعرق إذا أتى العراق، وأنجد، وأغور، إذا أتى نجداً والغور الذي هو تهامة، ومنه قول الجارية: وإن دسر أغمض فقراءة الجمهور تخرج على التجاوز وعلى التغميض العين لأن أغمض بمنزلة غمض وعلى أنها بمعنى حتى تأتوا غامضاً من التأويل والنظر في أخذ ذلك إما لكونه حراماً على قول ابن زيد، وإما لكونه مهدياً أو مأخوذاً في دين على قول غيره، وأما قراءة الزهري الأولى فمعناها تهضموا سومها من البائع منكم فيحطكم، قال أبو عمرو معنى قراءتي الزهري حتى تأخذوا بنقصان. قال القاضي أبو محمد: وأما قراءته الثانية فهذا مذهب أبي عمرو الداني فيها. ويحتمل أن تكون من تغميض العين. وأما قراءة قتادة فقد ذكرت تفسير أبي عمرو لها. وقال ابن جني: معناها توجدوا قد غمضتم في الأمر بتأولكم أو بتساهلكم وجريتم على غير السابق إلى النفوس، وهذا كما تقول: أحمدت الرجل وجدته محموداً إلى غير ذلك من الأمثلة، ثم نبه تعالى على صفة الغنى أي لا حاجة به إلى صدقاتكم، فمن تقرب وطلب مثوبة فليفعل ذلك بما له قدر، و {حميد} معناه محمود في كل حال، وهي صفة ذات.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَنفَقُواْ} الزكاة المفروضة، أو التطوع. {كَسَبْتُمْ} من الذهب والفضة، أو من التجارة. {أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} من الزروع والثمار {وَلا تَيَمَّمُواْ} الخليل: "أممته: قصدت أمامه، ويممته: تعمدته من أي جهة كان"، أو هما سواء. {الْخَبِيثَ} حشف كانوا يجعلونه في تمر الصدقة، أو الحرام، والخبيث: الرديء من كل شيء. {تُغْمِضُواْ} تتساهلوا، أو تحطوا في الثمن أو إلاَّ أن يُوكَسَ.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم} أي من خيار ما كسبتم وجيده وقيل: من حلالات ما كسبتم بالتجارة والصناعة وفيه دليل على إباحة الكسب وأنه ينقسم إلى طيب وخبيث.عن خولة الأنصارية قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن هذا المال خضر حلو من أصابه بحق بورك له فيه، ورب متخوض فيما شاءت نفسه من مال الله ورسوله ليس له يوم القيامة إلاّ النار" تفسير : أخرجه الترمذي. المتخوض الذي يأخذ المال من غير وجهه كما يخوض الإنسان في الماء يميناً وشمالاً (خ) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن حلال أم من حرام" تفسير : (خ) عن المقدام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده" تفسير : عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم" تفسير : أخرجه الترمذي والنسائي. واختلفوا في المراد بقوله تعالى: {انفقوا} فقيل: المراد به الزكاة المفروضة لأن الأمر للوجوب والزكاة واجبة فوجب صرف الآية إليها وقيل: المراد به صدقة التطوع وقيل: إنه يتناول الفرض والنفل جميعاً لأن المفهوم من هذا الأمر ترجيح جانب الفعل على الترك وهذا المفهوم قدر مشترك بين الفرض والنفل فوجب أن يدخل تحت هذا الأمر فعلى القول الأول أن المراد من هذا الإنفاق هو الزكاة يتفرع عليه مسائل: المسألة الأولى: ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل مال يكتسبه الإنسان فيدخل فيه زكاة الذهب والفضة والنعم وعروض التجارة، لأن ذلك يوصف بأنه مكتسب وذهب جمهور العلماء إلى وجوب الزكاة في مال التجارة وقال داود الظاهري: لا تجب الزكاة بحكم التجارة في العروض إلاّ أن ينوي به التجارة في حال تملكه، ودليل الجمهور ما روي عن سمرة بن جندب قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بإخراج الصدقة من الذي يعد للبيع" أخرجه أبو داود وعن أبي عمرو بن خماس أن أباه قال: مررت بعمر بن الخطاب وعلى عنقي أدمة أحملها فقال عمر ألا تؤدي زكاتك يا خماس فقلت مالي غير هذا واهب في القرظ قال: ذاك مال فضع فوضعها فحسبها فأخذ منها الزكاة فإذا حال الحول على عروض التجارة قوم فإن بلغ قيمته عشرين ديناراً أو مائتي درهم منه ربع العشر. المسألة الثانية: في قوله تعالى: {ومما أخرجنا لكم من الأرض} ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل ما خرج من الأرض من النبات مما يزرع الآدميون، لكن جمهور العلماء خصصوا هذا العموم فأوجبوا الزكاة في النخيل، والكروم وفيما يقتات ويدخر من الحبوب وأوجب أبو حنيفة الزكاة في كل ما يقصد من نبات الأرض، كالفواكه والبقول والخضراوات كالبطيخ والقثاء والخيار ونحو ذلك. دليل الجمهور ما روي عن معاذ: "أنه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الخضراوات وهي البقول فقال: ليس فيها شيء" أخرجه الترمذي. وقال هذا الحديث ليس بصحيح وليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء وإنما يروى هذا عن موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، مرسلاً والعمل على هذا عند أهل العلم أنه ليس في الخضراوات صدقة. قلت وحديث موسى بن طلحة أخرجه الشيخ مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبدالله بن تيمية الحراني في أحكامه عن عطاء بن السائب قال: "أراد عبدالله بن المغيرة أن يأخذ من أرض موسى بن طلحة من الخضراوات صدقة فقاله له: موسى بن طلحة: ليس ذلك لك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "حديث : ليس في ذلك صدقة" تفسير : رواه الأثرم في سننه وهو أقوى المراسيل لاحتجاج من أرسله به وقال الزهري والأوزاعي ومالك تجب الزكاة في الزيتون، وتجب في الثمار عند بدو الصلاح وهو أن يحمر البسر ويصفر ووقت الإخراج بعد الاجتناء والجفاف، وفي الحبوب عند الاشتداد ووقت الإخراج بعد الدراس والتصفية. المسألة الثالثة: يجب إخراج العشر فيما سقي بالمطر والأنهار والعيون ونصف العشر فيما سقي بنضح أو سانية، ويدل على ذلك ما روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان عثرياً العشر وما سقي بالنضح نصف العشر"تفسير : أخرجه البخاري. ولأبي داود والنسائي قال: "حديث : فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلاً العشر وما سقي بالسواني والنضح نصف العشر" تفسير : قال أبو داود البعل ما شرب بعروقه ولم يتعن في سقيه وقال وكيع: هو الذي ينبت من ماء السماء قوله: أو كان عثرياً أراد به القوي من الزرع وهو البعل وقد فسره في لفظ الحديث والنضح هو الاستسقاء وكذلك السانية وهي الدانية التي يسقي عليها سواء كانت من الإبل أو البقر، ولا يجب العشر في السماء والزروع حتى تبلغ خمسة أو سق والوسق ستون صاعاً، وقال أبو حنيفة: يجب العشر في كل قليل أو كثير من الثمار والزروع واحتج الجمهور في إيجاب النصاب بما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة وليس فيما دون خمسة أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة ذود صدقة" تفسير : وفي رواية "حديث : ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر أو حب صدقة" تفسير : أخرجاه في الصحيحين، ومن قال: إن المراد بقوله تعالى: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} صدقة التطوع احتج بما روي عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلاّ كان له به صدقة" تفسير : أخرجاه في الصحيحين. وقوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث} أي ولا تقصدوا الخبيث يعني الردئ من أموالكم {منه تنفقون} أي من الخبيث. عن البراء بن عازب في قوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} قال: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته، وقلته: وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصا، فسقط البسر أو التمر فيأكل وكان ناس من لا يرغب في الخير، يأتي بالقنوفية الشيص والحشف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلاّ أن تغمضوا فيه} قال: لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلاّ على إغماض وحياء قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده أخرجه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب وقيل كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم، ويعزلون الجيد لأنفسهم فانزل الله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث} يعني الردئ منه تنفقون يعني تتصدقون {ولستم بآخذيه} يعني ذلك الشيء الخبيث الرديء {إلاّ أن تغمضوا فيه} الإغماض في اللغة غض البصر، وإطباق الجفن والمراد به هنا التجويز والمساهلة، وذلك أن الإنسان إذا رأى ما يكره أنه قد أغمض عينيه لئلا يرى ذلك قال ابن عباس: معناه لو أن لأحدكم على رجل حقاًَ فجاءه بهذا لم يأخذه إلاّ وهو يرى أنه قد أغمض عن حقه وتركه وقال البراء: هو لو أهدى ذلك ما أخذتموه إلاّ على استحياء من صاحبه وغيظ فكيف ترضون إلى ما لا ترضون لأنفسكم إذا كان المال كله جيداً فليس له إعطاء الرديء لأن أهل السهمان شركاء له فيما عنده، وإن كان كله رديئاً فلا بأس بإعطاء الردئ {واعلموا أن الله غني} يعني عن صدقاتكم لم يأمركم بالتصدق لعوز واحتياج إليها {حميد} أي محمود في أفعاله، وقيل: حميد بمعنى حامد أي أجركم على ما تفعلونه من الخير.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ...}. يحتمل المستلذات فيعمّ الحلال و (غيره) إلا أن يريد المستلذّ بقيد كونه (حلالا) أو يقال بالعموم لأن الغاصب إذا زكّى مَاغَصَبَ (يجزى) عن ربّه ولكن ذلك بعد الوقوع، وأما ابتداء (فيؤمر) بردّه إلى ربّه، وقيل: الطيب الحلال هنا. (وقوله): {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ}. إشارة إلى الحقيقة وأن الكسب إنّما هو سبب (لا مؤثر)، لأن ما أُخرج من الأرض يدخل في الكسب فهو عطف خاص على عام أو مقيد على مطلق. قوله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ...}. إما الحرام أو ما تكرهون على التأويلين في الطيب. قال ابن عرفة: وعندي أن الإنسان إذا كانت عنده كسرة باردة وأخرى سخنة وهو يكره الباردة فتصدق بها يدخل في هذا. قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}. احتراس أن تتوهموا أن الصدقة بهذا يحصل بها نفع للآمر بل النفع لمخرجها فقط.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ولا تيمموا} بتشديد التاء ومد الألف: البزي وابن فليح الباقون على الأصل {ومن يؤت الحكمة} بكسر التاء: يعقوب أي من يؤتيه الله. الباقون بالفتح {فنعما هي} ساكنة العين: أبو عمرو والمفضل ويحيى وأبو جعفر ونافع غير ورش {فنعما هي} بفتح النون وكسر العين: ابن عامر وعلي وحمزة وخلف والخراز، الباقون {فنعما هي} بكسر النون والعين والميم مشددة في القراءات، {ونكفر} بالنون والراء ساكنة: أبو جعفر ونافع وحمزة وخلف وعلي {ويكفر} بالياء والراء مرفوعة: ابن عامر وحفص والمفضل. الباقون {ونكفر} بالنون ورفع الراء {يحسبهم} وبابه بفتح السين: ابن عامر ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة. {بسيماهم} بالإمالة: حمزة وعلي وابن شاذان عن خلاد مخيراً. وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وكذلك كل كلمة على ميزان "فعلى". الوقوف: {من الأرض} "ز" لعطف المتفقتين {تغمضوا فيه} (ط)، {حميد} ه، {الفحشاء} ج، وإن اتفقت الجملتان ولكن للفصل بين تخويف الشيطان الكذاب ووعد الله الحق الصادق، {فضلاً} ط، {عليم} ه، وقد يوصل على جعل ما بعده صفة، {من يشاء} ج لابتداء الشرط مع العطف. ومن قرأ {ومن يؤت الحكمة} بالكسر فالوصل أجوز. {كثيراً} ط، {الألباب} ه، {يعلمه} ط، {أنصار} ه، {فنعما هي} ج، {خير لكم} ط، لمن قرأ {ونكفر} مرفوعاً بالنون أو الياء على الاستئناف. ومن جزم بالعطف على موضع فهو خير لكم لم يقف {سيئاتكم} ط، {خبير} ه، {من يشاء} ط لابتداء الشرط {فلأنفسكم} ط لابتداء النفي، {وجه الله} ط، {لا يظلمون} ه، {في الأرض} ز لأن {يحسبهم} وإن صلحت حالاً بعد حال نظماً، ولكن لا يليق بحال من أحصر. {التعفف} ز لأن {تعرفهم} تصلح استئنافاً والحال أوجه أي يحسبهم الجاهل أغنياء وأنت تعرفهم بحقيقة ما في بطونهم من الضر وهم لا يسألون الناس على إلحاف. وقد يجعل {لا يسألون} استئنافاً فيجوز الوقف على {سيماهم} {إلحافاً} ط، {عليم} ه، {عند ربهم} ج {يحزنون} ه. التفسير: لما رغب في الإنفاق وذكر أن منه ما يتبعه المن والأذى، ومنه ما لا يتبعه ذلك، وشرح ما يتعلق بكل من القسمين وضرب لكل واحد مثلاً، ذكر بعد ذلك أن المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل الله كيف يجب أن يكون فقال {أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما/ أخرجنا} أي من طيبات ما أخرجنا، فحذف لدلالة الأول عليه. عن الحسن: أن المراد من هذا الإنفاق الفرض بناء على أن ظاهر الأمر للوجوب، والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة وسائر النفقات الواجبة، وقيل: التطوع لما روي عن علي والحسن ومجاهد أن بعض الناس كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم فأنزل الله هذه الآية. عن ابن عباس: "حديث : جاء رجل ذات يوم بعذق حشف فوضعه في الصدقة لأهل الصفة على حبل بين أسطوانيتن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: بئسما صنع صاحب هذا" تفسير : فنزلت. وقيل: يشمل الفرض والنفل، لأن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على الترك فقط، ويتفرع على قول الوجوب وجوب الزكاة في كل مال يكسبه الإنسان، فيشمل زكاة التجارة وزكاة الذهب والفضة وزكاة النعم وزكاة كل ما ينبت من الأرض، إلا أن العلماء خصصوها بالأقوات لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الصدقة في أربعة: في التمر والزبيب والحنطة والشعير وليس فيما سواها صدقة" تفسير : فهذا الخبر ينفي الزكاة في غير الأربعة، لكن ثبت أخذ الزكاة من الذرة وغيرها بأمر صلى الله عليه وسلم فعلم وجوب الزكاة في الأقوات دون غيرها. ولا يكفي في وجوب الزكاة كون الشيء مقتاتاً على الإطلاق، بل المعتبر حالة الاختيار لا وقت الضرورة ومثله الشافعي بالقت وحب الحنظل وسائر البذور البرية، وشبهها ببقرة الوحش لا زكاة فيها لأن الناس لا يتعهدونها. وأيضاً لا تجب الزكاة في القوت ما لم يبلغ خمسة أوسق وبه قال مالك وأحمد لرواية أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليس فيما دون خمسَة أوسق صدقة"تفسير : وقال أبو حنيفة: يجب العشر في القليل والكثير استدلالاً بعموم الآية. وتفصيل الكلام في الأموال الزكوية وكيفية إخراجها ونصاب كل منها مشهور مذكور في الفروع، فلذلك ولطولها لم نشرع فيها. وما المراد بالطيب في الآية؟ قيل: الجيد فيكون المراد بالخبيث الرديء لما مر في سبب النزول أنهم كانوا يتصدقون برذالة أموالهم فنهوا عن ذلك، ولأن المحرم لا يجوز أخذه بالإغماض وبغيره، والآية دلت على جواز أخذ الخبيث بالإغماض، وعن ابن مسعود ومجاهد: أن الطيب هو الحلال والخبيث هو الحرام، والمراد من الإغماض هو المسامحة وترك الاستقصاء. والمعنى ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال من حلاله أو من حرامه، ويحتمل أن يراد ما/ يكون طيباً من جميع الوجوه فيكون طيباً بمعنى الحلال وبمعنى الجودة أيضاً، لأن الاستطابة قد تكون شرعاً وقد تكون عقلاً. واعلم أن المال الزكوي إن كان كله شريفاً وجب أن يكون المأخوذ منه كذلك، وإن كان الكل خسيساً فلا يكلف صاحبه فوق طاقته ولا يكون خلافاً للآية لأن المأخوذ في هذه الحال لا يكون خبيثاً من ذلك المال وإنما الكلام فيما لو كان في المال جيد ورديء فحينئذٍ يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك، ولا تكلف أيضاً جيده لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "حديث : اعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم " تفسير : بل الواجب حينئذٍ هو الوسط. ثم إن قلنا: المراد من الإنفاق في الآية التطوع أو هو والفرض جميعاً، فالمعنى أن الله تعالى ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه قضاء لحقوق التعظيم والإخلاص، ومعنى {لا تيمموا الخبيث} لا تقصدوه. يقال: تيممته وتأممته كله بمعنى قصدته. ومحل {تنفقون} نصب على الحال، وقدم {منه} عليه ليعلم أن المنهي عنه هو تخصيص الخبيث بالإنفاق منه أي إذا كان في المال طيب وخبيث. ويحتمل أن يتم الكلام عند قوله: {ولا تيمموا الخبيث} ثم ابتدأ مستفهماً بطريق الإنكار فقال: {منه تنفقون} وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم إلا بالإغماض وهو غض البصر وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض وهو الخفاء. يقال للبائع: أَغْمِضْ أي لا تستقص كأنك لا تبصر. وأصله أن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه كيلا يرى ذلك، فكثر حتى جعل كل مساهلة إغماضاً أي لو أهدي لكم مثل هذه الأشياء أخذتموها إلا على استحياء وإغماض، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم؟ ويحتمل أن يراد إلا إذا أغمضتم بصر البائع أي كلفتموه الحط من الثمن. عن الحسن: لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه. {واعلموا أن الله غني} عن صدقاتكم {حميد} محمود على ما أنعم من البيان والتكليف بما تحوزون به النعيم الأبدي، أو حامد شاكر على إنفاقكم كقوله: {أية : فأولئك كان سعيهم مشكوراً} تفسير : [الإسراء: 19] ثم إن الله تعالى لما رغب في أجود ما يملكه الإنسان أن ينفق، حذر عن وسوسة الشيطان فقال: {الشيطان يعدكم الفقر} أما الشيطان فيشمل إبليس وجنوده وشياطين الإنس والنفس الأمارة بالسوء. والوعد يستعمل في الخير والشر. قال تعالى: {أية : النار وعدها الله الذين كفروا} تفسير : [الحج: 72] ويمكن أن يكون استعماله في الشر محمولاً على التهكم مثل {أية : فبشرهم بعذاب أليم} تفسير : [آل عمران: 21] وأصل الفقر في اللغة كسر الفقار وقرىء الفقر بضمتين، والفقر بفتحتين. {ويأمركم بالفحشاء} يغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور. والفاحش عند العرب البخيل. والتحقيق أن لكل خلق طرفين ووسطاً، فالطرف الكامل للإنفاق هو أن يبذل كل ماله في سبيل الله، والطرف الأفحش أن لا ينفق شيئاً لا الجيد ولا الرديء، والوسط أن يبخل بالجيد وينفق الرديء. فالشيطان إذا أراد نقله من الأفضل إلى الأفحش، فمن خفي حيلته أن يجره إلى الوسط وهو وعده بالفقر، ثم إلى الطرف وهو أمره بالفحشاء. وذلك أن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فلا يمكنه أن يجره ابتداء إليها إلا بتقديم مقدمة هي التخويف بالفقر إذا أنفق الجيد من ماله، فإذا أطاعه زاد فيمنعه من الإنفاق بالكلية. وربما تدرج إلى أن يمنع الحقوق الواجبة فلا يؤدي الزكاة ولا يصل الرحم ولا يرد الوديعة، فإذا صار هكذا ذهب وقع الذنوب عن قلبه ويتسع الخرق فيقدم على المعاصي كلها. ثم لما ذكر درجات وسوسة الشيطان أردفها بذكر إلهامات الرحمن فقال: {والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً} فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة والفضل إشارة إلى ما يحصل في الدنيا من الخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الملك ينادي كل ليلة: اللهم أعط منفقاً خلفاً وممسكاً تلفا "تفسير : فالشيطان يعدكم الفقر في غد الدنيا، والرحمن يعدكم المغفرة في غد العقبى، ووعد الرحمن بالقبول أولى لأن الوصول إلى غد الدنيا مشكوك فيه، وغد العقبى مقطوع به. وعلى تقدير وجدان غد الدنيا فقد لا يبقى المال بآفة أخرى، وعند وجدان العقبى لا بد من حصول المغفرة فإن الله تعالى لا يخلف الميعاد. ولو فرض بقاء المال فقد لا يتمكن صاحبه من الانتفاع به لخوف أو مرض أومهم بخلاف الانتفاع بما في الآخرة فإنه لا مانع منه. وبتقدير التمكن من الانتفاع بالمال فإن ذلك ينقطع ويزول بخلاف الموعود في الآخرة فإنه باق لا يزول. وأيضاً لذات الدنيا مشوبة بالآلام والمضار ألبتة، فلا لذة إلا وفيها ألم من وجوه كثيرة بخلاف لذات الآخرة فإنه لا نغص فيها ولا نقص. والمراد بالمغفرة تكفير الذنوب، والتنكير فيه للدلالة على الكمال والتعظيم لا سيما وقد قرن به لفظة "منه" فإن غاية كرمه ونهاية جوده مما يعجز عن إدراكها عقول الخلائق. ويحتمل أن يكون نوعاً من المغفرة وهو المشار إليه في آية أخرى {أية : فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات} تفسير : [الفرقان: 70] أو أن يجعل شفيعاً في غفران ذنوب إخوانه المؤمنين. وأما الفضل فيحتمل أن يراد به الفضيلة الحاصلة للنفس وهي ملكة الجود والسخاء، وذلك أن المال فضيلة خارجية وعدمه نقصان خارجي، وملكة الجود فضيلة نفسانية وملكة البخل رذيلة/ نفسانية، فمتى لم يحصل الإنفاق حصل الكمال الخارجي والنقصان الداخلي، وإذا حصل الإنفاق وجد الكمال الداخلي والنقصان الخارجي، فيكون الإنفاق أولى وأفضل. وأيضاً متى حصلت ملكة الإنفاق زالت عن النفس هيئة الاشتغال بنعيم الدنيا والتهالك في طلبها فاستنارت بالأنوار القدسية وهذا هو الفضل. وأيضاً مهما عرف من الإنسان أنه منفق كانت الهمم معقودة على أن يفتح الله عليه أبواب الرزق ولمثل ذلك من التأثير ما لا يخفى {والله واسع} كامل العطاء كافل للخلف قادر على إنجاز ما وعد {عليم} بحال من أنفق ثقة بوعده وبحال من لم ينفق طاعة للشيطان. ثم نبه على الأمرالذي لأجله يحصل ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان وهو الحكمة والعقل، فإن وعد الشيطان إنما ترجحه الشهوة والنفس. عن مقاتل: إن تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: مواعظ القرآن {أية : وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به} تفسير : [البقرة: 231] وثانيها الحكمة بمعنى الفهم {أية : وآتيناه الحكم صبياً} تفسير : [مريم: 12] {أية : ولقد آتينا لقمان الحكمة} تفسير : [لقمان: 12] وثالثها الحكمة بمعنى النبوة {أية : وآتاه الله الملك والحكمة} تفسير : [البقرة: 251] ورابعها القرآن بما فيه من الأسرار {يؤتي الحكمة من يشاء} وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم. فتأمل يا مسكين شرف العلم فإن الله تعالى سماه الخير الكثير {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} والتنكير للتعظيم. وسمى الدنيا بأسرها قليلاً {قل متاع الدنيا قليل} وذلك أن الدنيا متناهية العدد، متناهية المقدار، متناهية المدة والعلوم، لا نهاية لمراتبها وعددها ومدة بقائها والسعادات الحاصلة منها. واعلم أن كمال الإنسان في شيئين: أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به. فمرجع الأول إلى العلم والإدراك المطلق، ومرجع الثاني إلى فعل العدل والصواب، ولذلك سأل إبراهيم صلى الله عليه وسلم {أية : رب هب لي حكماً} تفسير : [الشعراء: 83] وهو الحكمة النظرية، {أية : وألحقني بالصالحين} تفسير : [الشعراء: 83] وهو الحكمة العملية. ونودي موسى عليه السلام {إنى أنا الله لا إله إلا أنا} وهو الحكمة النظرية ثم قال: {أية : فاعبدني} تفسير : [طه: 14] وهو العملية. وحكي عن عيسى عليه السلام أنه {أية : قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت} تفسير : [مريم: 30، 31] وكلها النظرية {أية : وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً} تفسير : [مريم: 31، 32] وجميعها العملية. وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : فاعلم أنه لا إله إلا الله} تفسير : [محمد: 19] وهو النظرية ثم قال {أية : واستغفر لذنبك} تفسير : [محمد: 19] وهو العملية. وقال في حق جميع الأنبياء {أية : ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا} تفسير : [النحل: 2] وأنه الحكمة العلمية ثم قال {أية : فاتقون} تفسير : [النحل: 2] وهو الحكمة العملية./ فعلم من هذه الآيات وأمثالها أن كمال حال الإنسان في هاتين القوتين. والحكمة فعلة من الحكم كالنحلة من النحل. ورجل حكيم إذا كان ذا حجا ولب وإصابة رأي، فعيل بمعنى فاعل ويجيء بمعنى مفعول {أية : فيه يفرق كل أمر حكيم} تفسير : [الدخان: 4] أي محكم. وفي الآية دليل على أن جميع العلوم النظرية والأخلاق المرضية إنما هي بإيتاء الله تعالى. والذين حملوا الإيتاء على التوفيق والإعانة كالمعتزلة ما زادوا إلا أن وسعوا الدائرة إذ لا بد من الانتهاء إليه أية سلكوا {وما يذكر إلا أولوا الألباب} الذين إذا حصل لهم الحكم والمعارف لم يقفوا عند المسببات، فلم ينسبوا هذه الأحوال إلى أنفسهم بل يرقون إلى أسبابها حتى يصلوا إلى السبب الأول. وأما المعتزلة فإنهم لما فسروا الحكمة بقوة الفهم ووضع الدلائل قالوا: هذه الحكمة لا تفيد بنفسها وإنما ينتفع بها المرء إذا تدبر وتذكر فعرف ماله وما عليه، وعند ذلك يقدم أو يحجم. ثم إنه تعالى نبه على أنه عالم بما في قلب العبد من نية الإخلاص أو الرياء، وأنه يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي والنيات فلا يهمل شيئاً منها فقال {وما أنفقتم من نفقة} لله أو للشيطان {أو نذرتم من نذر} في طاعة الله أو معصيته {فإن الله يعلمه} وتذكير الضمير إما لأنه عائد إلى "ما" وإما لأنه عائد إلى الأخير كقوله: {أية : ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً} تفسير : [النساء: 112] وهذا قول الأخفش، والنذر ما يلتزمه الإنسان بإيجابه على نفسه وأصله من الخوف كأنه يعقد على نفسه خوف التقصير في الأمر المهم عنده ومنه الإنذار إبلاغ مع تخويف. واعلم أن النذر قسمان: نذر اللجاج والغضب ونذر التبرر. أما الأول فهو أن يمنع نفسه من الفعل أو يحثها عليه بتعليق التزام قربة بالفعل أو الترك كقوله "إن كلمت فلاناً أو أكلت كذا أو دخلت الدار أو لم أخرج من البلد فللَّه علي صوم شهر أو صلاة أو حج أو إعتاق رقبة" ثم إنه إذا كلمه أو أكل أو دخل أو لم يخرج فللعماء ثلاثة أقوال: أحدها يلزمه الوفاء بما التزم، والثاني: وهو الأصح أن عليه كفارة يمين لما روي أنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : كفارة النذر كفارة اليمين" تفسير : ، والثالث: التخيير بين الوفاء وبين الكفارة. وأما نذر التبرر فنوعان: نذر المجازاة وهو أن يلتزم قربة في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع نقمة مثل "إن شفى الله مريضي أو رزقني ولدا فللَّه علي أن أعتق رقبة أو أصوم أو أصلي كذا" فإذا حصل المعلق عليه لزمه الوفاء بما التزم لقوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : من نذر أن يطيع الله فليطعه " تفسير : . ونذر التنجيز وهو أن يلتزم ابتداء غير معلق على شيء كقوله "لله علي/ أن أصوم أو أصلي أو أعتق" فالأصح أنه يصح ويلزم الوفاء به لمطلق الخبر. وما يفرض التزامه بالنذر إما المعاصي وإما الطاعات وإما المباحات. فالمعاصي كشرب الخمر والزنا ونذر المرأة صوم أيام الحيض ونذر قراءة القرآن في حال الجنابة لا يصح التزامها بالنذر لأنه لا نذر في معصية الله تعالى، ومن هذا القبيل نذر ذبح الولد أو ذبح نفسه. وإذا لم ينعقد نذر فعل المعصية فعليه أن يمتنع منه ولا يلزمه كفارة يمين، وما روي من أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين " تفسير : محمول على نذر اللجاج، وأما الطاعات فالواجبات ابتداء بالشرع كالصلوات الخمس وصوم رمضان لا معنى لالتزامها بالنذر معلقاً أو غير معلق، وكذا لو نذر أن لا يشرب الخمر ولا يزني، وإذا خالف ما ذكره فلا يلزمه الكفارة على الأصح، وأما غير الواجبات فالعبادات المقصودة وهي التي وضعت للتقرب بها وعرف من الشارع الاهتمام بتكليف الخلق بإيقاعها عبادة فتلزم بالنذر وذلك كالصوم والصلاة والزكاة والصدقة والحج والاعتكاف والإعتاق وكذا فروض الكفايات التي يحتاج فيها إلى معاناة تعب وبذل مال كالجهاد وتجهيز الموتى، ذكره إمام الحرمين - وفي الصلاة على الجنازة والأمر بالمعروف، وما ليس فيه بذل مال وكثير مشقة الأظهر اللزوم أيضا، وكما يلزم أصل العبادات بالنذر يلزم رعاية الصفة المشروطة فيها إذا كانت من المحبوبات كالصلاة بشرط طول القراءة أو الركوع أو السجود أو الحج بشرط المشي إذا جعلناه أفضل من الركوب وهو الأصح ولو أفرد الصفة بالالتزام. والأصل واجب كتطويل الركوع والسجود أو القراءة في الفرائض، فالأشبة اللزوم لأنها عبادات مندوب إليها. وأما الأعمال والأخلاق المستحسنة كعيادة المريض وزيارة القادم وإفشاء السلام على المسلمين فالأظهر لزومها أيضاً بالنذر، وكذا تجديد الوضوء لأن كلها مما يتقرب بها إلى الله سبحانه، وقد رغب الشارع فيها. وأما المباحات التي لم يرد فيها ترغيب كالأكل والنوم والقيام والقعود فلو نذر فعلها أو تركها لم ينعقد نذره، "حديث : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قائماً في الشمس فسأل عنه فقالوا: نذر أن لا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال صلى الله عليه وسلم: مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه"تفسير : . ولو قال: "لله عليّ نذر" من غير تسمية لزمه كفارة يمين لقوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : من نذر نذراً وسمى فعليه ما سمى، ومن نذر نذراً ولم يسم فعليه كفارة يمين " تفسير : {وما للظالمين} الذين يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو للرياء، أو لا يوفون بالنذور، أو ينذرون في/ المعاصي {من أنصار} ممن ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه. والأنصار جمع ناصر كأصحاب في صاحب، أو جمعٍ نصير كأشراف في شريف. وقد يتمسك المعتزلة بهذا في نفي الشفاعة لأهل الكبائر، فإن الشفيع ناصر. ورد بأن الشفيع في العرف لا يسمى ناصراً وإلا كان قوله {أية : ولا هم ينصرون} تفسير : [البقرة: 48] بعد قوله: {أية : ولا يقبل منها شفاعة} تفسير : [البقرة: 48] تكراراً. وأيضاً إن هذا الدليل النافي عام في حق كل الظالمين وفي كل الأوقات، والدليل المثبت للشفاعة خاص في حق البعض وفي بعض الأوقات والخاص مقدم على العام. وأيضا اللفظ لا يكون قاطعاً في الاستغراق بل ظاهراً على سبيل الظن القوي فصار الدليل ظنياً والمسألة ليست ظنية فكان التمسك بها ساقطاً. "حديث : سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية فنزلت: {إن تبدوا الصدقات}"تفسير : والتركيب موضوع للصحة والكمال ومنه "فلان صادق المودة" و"هذا خل صادق الحموضة" و"صدق فلان في خبر" إذا أخبر على وجه الصحة والكمال، ومنه "الصداق" لأن عقد الصداق به يتم ويكمل، والزكاة صدقة لأن المال بها يصح ويبقى وبها يستدل على صدق العبد وكماله في إيمانه، {فنعما هي} من قرأ بسكون العين فمحمول على أنه أوقع على العين حركة خفيفة على سبيل الاختلاس وإلا لزم التقاء الساكنين على غير حدة، ومثله ما يروى في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن العاص: " حديث : نعم المال الصالح للرجل الصالح " تفسير : بسكون العين. ومن قرأ بكسر النون والعين فلتحصيل المشاكلة، ومن قرأ بفتح النون وكسر العين فعلى الأصل. قال طرفة: شعر : نعم الساعون في الأمر المبر تفسير : قال سبيويه: "ما" في تأويل الشيء أي نعم الشيء هي. وقال أبو علي: الجيد في مثله أن يقال: "ما" في تأويل شيء لأن "ما" ههنا نكرة إذ لو كانت معرفة بقيت بلا صلة. فإن "هي" مخصوصة بالمدح. فالتقدير: نعم شيئاً إبداء الصدقات. فحذف المضاف للدلالة، أو نعم شيئاً تلك الصدقات، أو تلك الخصلة وهي الإبداء. قال الأكثرون: المراد بها صدقة التطوع لقوله تعالى: {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} والإخفاء في صدقة التطوع أفضل كما أن الإظهار في الزكاة أفضل أما الأول فلأن ذلك أشق على النفس فيكون أكثر ثواباً، ولأنه أبعد عن الرياء والسمعة قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان " تفسير : والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة، والمعطي في ملأ من الناس يطلب الرياء، وقد بالغ قوم في الإخفاء واجتهدوا أن لا يعرفهم الآخذ، فبعضهم كان يلقي الصدقة في يد/ الأعمى، وبعضهم يلقيها في طريق الفقير أو في موضع جلوسه بحيث يراها ولا يرى المعطي، وبعض يشدها في ثوب الفقير وهو نائم، وبعض يوصل إلى الفقير على يد غيره، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر " تفسير : وقال أيضاً: "حديث : إن العبد ليعمل عملاً في السر فيكتبه الله سراً، فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية، فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب في الرياء" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: " حديث : صدقة السر تطفىء غضب الرب " تفسير : وأيضاً في الإظهار هتك ستر الفقير وإخراجه من حيز التعفف، وربما أنكر الناس على الفقير أخذ تلك الصدقة لظن الاستغناء به فيقع الفقير في المذمة والناس في الغيبة، ولأن في الإظهار إذلالاً للآخذ وإهانة له، وإذلال مؤمن غير جائزة ولأن الصدقة كالهدية، وقال صلى الله عليه وسلم: " حديث : من أهدي إليه هدية وعنده قوم فهم شركاء فيها " تفسير : وربما لا يدفع الفقير إليهم شيئاً فيقع في حيز اللوم والتعنيف. نعم لو علم أنه إذا أظهرها اقتدى غيره به لم يبعد والحالة هذه أن يكون الإظهار أفضل. وروى ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : السر أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء "تفسير : واعلم أن الإنسان إذا أتى بعمل وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة أن يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة، فههنا الشيطان يردد عليه ذكر رؤية الخلق والقلب ينكره. فهذا الإنسان في محاربة الشيطان فيكون إخفاؤه يفضل علانيته سبعين ضعفاً كما روي عن ابن عباس: صدقات السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً. ثم إن الله تعالى عباداً راضوا أنفسهم حتى من الله عليهم بأنوار هدايته، وذهبت عنهم وساوس النفس لأن الشهوات قد ماتت منهم ووقعت قلوبهم في بحار عظمة الله فلم يحتاجوا إلى المجاهدة. فإذا أعلنوا بالعمل أرادوا أن يقتدي بهم غيرهم، فهم كاملون في أنفسهم ويسعون في تكميل غيرهم كما قال تعالى: {أية : وممن خلقنا أمة يهدون بالحق} تفسير : [الأعراف: 181] {أية : واجعلنا للمتقين إماماً} تفسير : [الفرقان: 74] فهؤلاء أئمة الهدى وأعلام الدين وسادة الخلق بهم يقتدى في الذهاب إلى الله. وأما أن الإظهار في إعطاء الزكاة أفضل فلأن الله أمر الأئمة بتوجيه السعادة لطلب الزكوات، وفي دفعها إلى السعاة إظهارها، ولأنه ينفي التهمة ولهذا روي أنه صلى الله عليه وسلم كان أكثر صلاته في البيت إلا المكتوبة. وعن ابن عباس: صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً. هذا إذا كان المزكي ممن لا يخفى يساره، فإن لم يعرف باليسار كان الإخفاء له أفضل ولا سيما إذا خاف الظلمة أن يطمعوا في ماله. وعن بعضهم أن معنى قوله {خير لكم} أنه في نفسه خير من الخيرات كما يقال الثريد خير من الأطعمة./ وإنما قيل {وتؤتوها الفقراء} لأن المقصود من بعث المتصدق أن يتحرى موضع الصدقة فيصير عالماً بالفقراء مميزاً لهم عن غيرهم، فإذا تقدم منه هذا الاستظهار ثم أخفاها حصلت الفضيلة فلهذا شرط في الإخفاء أن يحصل معه إيتاء الفقراء. وأما في الإبداء فقلما يخفى حال الفقير فلهذا لم يصرح بالشرط. {ونكفر عنكم} من قرأ بالنون مرفوعاً فهو عطف على محل ما بعد الفاء، لأن الأصل في الشرط والجزاء أن يكونا فعلين. فإذا وقع الجزاء فعلاً مضارعاً مع الفاء كان خبر مبتدأ محذوف. فقوله: {فهو} في تأويل. فيكون خيراً لكم {ونكفر} بالرفع عطف عليه، ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ونحن نكفر، وأن يكون جملة من فعل وفاعل مستأنفة. ومن قرأ مجزوماً فهو عطف على محل الفاء وما بعده لأنه جواب الشرط كأنه قيل: وإن تخفوها تكن أعظم أجراً. وأما من قرأ {ويكفر} بياء الغيبة مرفوعاً فالإعراب كما مر في النون والضمير لله أو للإخفاء. وقرىء {وتكفر} بالتاء مرفوعاً ومجزوماً والضمير للصدقات، وقرأ الحسن بالياء والنصب بإضمار "إن" ومعناه: وإن تخفوها تكن خيراً لكم وأن يكفر عنكم خير لكم. والتكفير في اللغة الستر والتغطية ومنه "كفر عن يمينه" أي ستر ذنب الحنث. وقوله: {من سيئاتكم} يحتمل أن يكون "من" للتبعيض لأن السيئات كلها لا تكفر وإنما يكفر بعضها، ثم أبهم الكلام في ذلك البعض لأن بيانه كالإغراء على ارتكابها، وأحسن أحوال العبد أن يكون بين الخوف والرجاء. ويحتمل أن يكون للتعليل أي من أجل سيئاتكم كما لو قلت: ضربتك من سوء خلقك أي من أجل ذلك. وقيل: إنها زائدة. {والله بما تعملون خبير} كأنه ندب بهذا الكلام إلى الإخفاء الذي هو أبعد من الرياء. عن الكلبي أنه قال: "حديث : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة القضاء وكانت معه أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمها قتيلة وجدتها فسألتاها وهما مشركتان فقالت: لا أعطيكما شيئاً حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنكما لستما على ديني. فاستأمرته في ذلك فأنزل الله تعالى: {ليس عليك هداهم} فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزولها أن تتصدق عليهما فأعطتهما ووصلتهما". تفسير : قال الكلبي: ولها وجه آخر، وذلك أن ناساً من المسلمين كانت لهم قرابة وأصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفعونهم قبل أن يسلموا. فلما أسلموا كرهوا أن ينفعوهم وراودوهم أن يسلموا واستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فأعطوهم بعد نزولها. وعن سعيد بن جبير قال: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصدقوا إلا على أهل دينكم" فأنزل الله {ليس عليك هداهم} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تصدقوا على أهل الأديان"" تفسير : وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك. والعلماء أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم فتكون/ الآية مخصوصة بالتطوع. وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة وأباه غيره، ومعنى الآية ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام فتصدق عليهم لوجه الله ولا توقف ذلك على إسلامهم، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان شديد الحرص على إيمانهم فأعلمهم الله تعالى أنه بعث بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله ومبيناً للدلائل فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك. فالهدى ههنا بمعنى الاهتداء، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم. وفيه وجه آخر ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة توقيف الصدقة على إيمانهم، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به، بل الإيمان المطلوب منهم هو الإيمان طوعاً واختياراً {ولكن الله يهدي من يشاء} إثبات للهداية التي نفاها أولاً. لكن المنفي أولاً هو الهداية أي الاهتداء على سبيل الاختيار فكذا الثاني. ومنه يعلم أن الاهتداء الاختياري واقع بتقدير الله تعالى وتخليقه وتكوينه وهذا التفسير هو المناسب لسبب النزول. وفي الكشاف: أن المعنى لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب {ولكن الله يهدي من يشاء} يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهى عنه. ثم ظاهر قوله: {ليس عليك هداهم} إنه خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم ولكن المراد به هو وأمته، لأن ما قبله عام {إن تبدوا الصدقات} وما بعده عام {وما تنفقوا من خير} من مال {فلأنفسكم} ثوابه فليس يضركم كفرهم أو فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} أي لستم في صدقتكم على أقاربكم المشركون تقصدون إلا وجه الله من صلة رحم أو سد خلة مضطر، قد علم الله هذا من قلوبكم. وقيل: خبر في معنى نهي أي لا تنفقوا إلا لله، وقيل: معناه لا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم المفيد للمدح حتى تبتغوا وجه الله، وقيل: ليست نفقتكم إلا لطلب ما عند الله فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله؟ وفائدة إقحام الوجه أنك إذا قلت فعلته لوجه زيد كان أشرف من قولك فعلته له، لأن وجه الشيء أشرف ما فيه، ثم كثر حتى عبر به عن الشرف مطلقاً. وأيضاً قول القائل: "فعلت هذا الفعل له" احتمل الشركة وأن يكون قد فعله لأجله ولغيره، أما إذا قال "فعلت لوجهه" فلا يحتمل الشركة عرفاً {وما تنفقوا من خير يوف إليكم} جزاؤه في الآخرة أضعافاً مضاعفة، وإنما حسن قوله {إليكم} مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية {وأنتم لا تظلمون} لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً. ثم لما بيّن أنه يجوز صرف الصدقة إلى أي فقير كان، أراد أن يبين أن اشد الناس/ استحقاقاً من هو فقال {للفقراء} أي ذلك الإنفاق لهؤلاء الفقراء كما لو تقدم ذكر رجل فتقول: عاقل لبيب أي ذلك الذي مر وصفه عاقل لبيب، وقيل: اعمدوا للفقراء أو أجلوا ما تنفقون للفقراء، أو المراد صدقاتكم للفقراء. قيل: نزلت في فقراء المهاجرين وكانوا نحو أربعمائة رجل وهم أصحاب الصفة، لم يكن لهم سكن ولا عشائر بالمدينة، كانوا ملازمين للمسجد يتعلمون القرآن ويصومون ويخرجون في كل غزوة، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى. وعن ابن عباس: "حديث : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال: أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنه من رفقائي""تفسير : . ثم إنه تعالى وصف هؤلاء الفقراء بخمس صفات: الأولى قوله {الذين أحصروا في سبيل الله} أي حصروا أنفسهم ووقفوا على الجهاد في سبيل الله لأن سبيل الله مختص بالجهاد في عرف القرآن، ولأن وجوب الجهاد في ذلك الزمان كان آكد فكانت الحاجة إلى من يحبس نفسه للمجاهدة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد، فموضع الصدق فيهم يكون أوقع سداً لخلتهم وتقوية لقلوبهم وإعلاء لمعالم الدين. وعن سعيد بن المسيب واختاره الكسائي، أن هؤلاء قوم أصابتهم جراحات في الغزوات فأحصرهم المرض والزمانة، وعن ابن عباس: هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد فعذرهم الله. الثانية {لا يستطعيون ضرباً في الأرض} أي سيراً فيها وذلك إما لاشتغالهم بالعبادة أو بالجهاد فلا يفرغون للكسب والتجارة، وإما لأن خوفهم من الأعداء يمنعهم من السفر، وإما لأن مرضهم وعجزهم يمنعهم منه. الثالثة {يحسبهم} يظنهم {الجاهل} بحالهم ومن لم يخبر أمرهم {أغنياء من التعفف} من أجل تركهم المسألة وإظهارهم التجمل تكلفاً منهم. والتعفف إظهاء العفة وهي ترك الشيء والكف عنه. الرابعة {تعرفهم} أي أنت يا محمد أو كل راء {بسيماهم} والسيما والسيمياء العلامة التي يعرف بها الشيء من السمة العلامة فوزنه "عفلى" قال مجاهد: سيماهم التخشع والتواضع. الربيع والسدي: أثر الجهد من الجوع والفقر. الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع. أبو زيد: رثاثة ثيابهم. وقيل: المهابة في العيون. وقيل: آثار الفكر. روي أنه صلى الله عليه وسلم كان كثير الفكر. الخامسة {لا يسألون الناس إلحافاً} أي إلحاحاً وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطى له. والتركيب يدل على الستر كأنه لزم المسؤول لزوم الساتر للمستور. عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يحب الحيي الحليم المتعفف ويبغض البذيء السائل الملحف "تفسير : قيل: معنى الآية أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا، وأورد عليه أنه ينافي التعفف الذي وصفوا به قبل. فالوجه أن يراد نفي السؤال والإلحاف جميعاً كقوله: شعر : ولا ترى الضب بها يتجحر تفسير : أي لا ضب ولا انجحار ليكون موافقاً لوصفهم بالتعفف. وفائدة الكلام التنبيه على سوء طريقة الملحف كما/ إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور والآخر طياش خفيف وأردت أن تمدح أحدهما وتذم الآخر قلت: فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام ليس بخواض ولا مهذار. لم يكن غرضك من قولك "ليس خواض ولا مهذار" وصفه بذلك لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عنه، بل غرضك التنبيه على سوء طريقة الثاني. وقيل: معناه لا يتركون السؤال إلا بإلحاح شديد منهم على أنفسهم لشدة حاجتهم كقوله: شعر : ولي نفس أقول لها إذا ما تنازعني لعلي أو عساني تفسير : وقيل: إن عدم السؤال بطريق الإلحاف يتضمن نفي السؤال عنهم رأساً لأن كل سائل فلا بد أن يلح في بعض الأوقات كأنه يقول: إذا أرقت ماء وجهي فلا أرجع بغير مقصود. وقيل: لعل الساكت عن السؤال يطهر من نفسه أمارات الحاجة فيكون في حال سكوته أنطق ما يكون فترق القلوب له، فالمراد أنهم وإن سكتوا عن السؤال لكنهم لا يضمون إلى ذلك السؤال من رثاثة الحال وآثار الانكسار ما يقوم مقام السؤال فإن ذلك نوع إلحاف، بل يتجملون للخلق بحيث لا يطلع على سرهم غير الخالق. عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يفتح أحد باب مسألةٍ إلا فتح الله عليه باب فقر ومن يستغن يغنه الله ومن استعف يعفه الله" " حديث : لأن يأخذ أحدكم حبلاً يحتطب به فيبيعه بمد من تمر خير له من أن يسأل الناس " تفسير : {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} فيه أن ثواب هذا الإنفاق الذي هو أعظم المصارف لا يكتنه كنهه فلذلك وكل إلى علم الله تعالى بخلاف الآية المتقدمة فإنه لما رغب في التصدق على أهل الأديان قال في آخره {وما تنفقوا من خير يوف إليكم} كما لو قال السلطان لعبده الذي حسن عنده موقع خدمته: إني بحسن خدمتك عالم ولحقك عارف. كان أبلغ مما لو قال: إن أجرك واصل إليك. ثم أرشد في خاتمة الآيات إلى أكمل وجوه الإنفاقات بقوله: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار} الآية. وذلك أن الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة يكون ذلك منهم دليلاً على الحرص البالغ والاهتمام التام كلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه متعللين بوقت وحال. والباء بمعنى "في" أي في الليل والنهار و {سراً وعلانية} منصوبان على الظرفية أيضاً أي في أوقات السر والعلن، أو على وصف المصدر أي إنفاقاً سراً وعلانية، أو على الحال لكونه بياناً عن كيفية الإنفاق، وقيل: لما نزل/ {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير إلى أصحاب الصفة وبعث عليّ بوسق من تمر ليلاً فنزلت الآية. وفي تقديم ذكر الليل وتقديم السر على العلانية دليل على أن صدقة علي رضي الله عنه كانت أكمل. وعن ابن عباس: "حديث : ما كان علي رضي الله عنه يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم نهاراً وبدرهم ليلاً وبدرهم سراً وبدرهم علانية فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما حملك على هذا؟ فقال: أن استوجب ما وعد لي ربي. فقال: ذلك لك" تفسير : ونزلت الآية. وقيل: نزلت في أبي بكر حين تصدق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية. وقيل: في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله. وكان أبو هريرة إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. التأويل: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم} فيه صلاح المتصدق من وجوه: أحدها لو فسر الطيب بالحلال فليقبل الله منه، ولو فسر بالجودة فليجز به بقدر جودته. وثانيها ليثاب على التعظيم لأمر الله. وثالثها ليثاب على الشفقة على خلق الله. ورابعها ليثاب على الإيثار {أية : ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} تفسير : [الحشر: 9] وخامسها ليستحق البر {أية : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} تفسير : [آل عمران: 92]. وسادسها ليثاب على زيادة الإيمان وأن المتصدق في صدقته كالزارع في زراعته. فكما أن الزارع كلما ازداد إيقانه بحصول الثمرة اجتهد في جودة البذر فكذا المتصدق كلما ازداد إيمانه بالبعث والجزاء زاد في جودة صدقته لتحققه {أية : إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها} تفسير : [النساء: 40] وقدم ذكر الكسب على ذكر المخرج من الأرض لقوله صلى الله عليه وسلم " حديث : إن أطيب ما يأكل الرجل من كسب يده " تفسير : وفي الآية معنى آخر لطيف {انفقوا من طيبات ما كسبتم} من تزكية النفوس وتصفية القلوب {ومما أخرجنا لكم} من أرض طينتكم من تحلية سرائركم بمكارم الأخلاق، ولتكن النفقة طيبة من خباثة الشبهات طيباً إنفاقها من خباثة الأغراض الدنيوية والأخروية، طيباً منفقها من خباثة الالتفات والنظر في الإنفاق إلى غير الله، فإذا كانت النفقة طيبة في نفسها فلله قبول طيب من الوسائط فيأخذها بيده ويربيها قبل أن تقع في يد الفقير، وإذا كانت اليد طيبة في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند الله من عملها، وإذا كان القلب المنفق طيباً عن الالتفات إلى غير الله فلله قبول طيب عن الأغيار بين أصبعين من أصابع الرحمن، وهذا/ تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم " حديث : إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب " تفسير : ولستم بآخذي هذا الخبيث لا في أصل الفطرة ولا في عهد الخلقة لأنكم خلقتم من أصل طيب وطينة طيبة. فالروح من أطيب الأطايب لأنه أقرب الأقربين إلى حضرة رب العالمين، والجسد من التراب الطيب {أية : فتيمموا صعيداً طيباً} تفسير : [النساء: 43] ثم أحياكم بالإيمان {أية : فلنحيينه حياة طيبة} تفسير : [النحل: 97] ثم يرزقكم من الطيبات {أية : كلوا من طيبات ما رزقناكم} تفسير : [البقرة: 57] فليس منكم شيء خبيث في الظاهر والباطن {إلا أن تغمضوا فيه} فتقبلوه تكلفاً وقسراً "حديث : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه " تفسير : فلما لم تكن الخباثة ذاتية للإنسان بل كانت طارئة عليه عارية لديه أنزل الله تعالى كلمة طيبة هي " لا إله إلا الله" ليطيب بالمواظبة عليها أخلاقهم ويستحقوا يوم القيامة أن يقال لهم {أية : سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} تفسير : [الزمر: 73] {واعلموا أن الله غني} فمن كمال غناه أراد أن يغنيكم بثواب الإنفاق {حميد} على ما أنعم بهذا التكليف ليتوسل به إلى الكمال الأبدي. {الشيطان يعدكم الفقر} ظاهراً فهو يأمركم بالفحشاء باطناً لأنها اسم جامع لكل سوء فيتضمن البخل والحرص واليأس من الحق والشك في مواعيد الحق بالخلف والتضعيف وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه ونسيان فضله وتعلق القلب بغيره ومتابعة الشهوات وترك العفة والقناعة والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبذر كل بلية. فمن فتح على نفسه باب وسوسة فسوف يبتلى بهذه الآفات وأضعافها، ومن فتح على نفسه باب عدة الحق أفاض عليه سجال غفرانه وبحار فضله وإحسانه. فالمغفرة تكفير الذنوب والآثام، والفضل ما لا تدركه الأوهام {أية : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} تفسير : [يونس: 26] فمن ذلك أن يفتح على قلبه باب حكمته عاجلاً كما قال {يؤتي الحكمة من يشاء} وليست الحكمة مما يحصل بمجرد التكرار كما ظنه أهل الإنكار والذين لم يفرقوا بين المعقولات وبين الأسرار والحكم الإلهيات. فالمعقولات ما تكتسب بالبرهان وهي مشتركة بين أهل الأديان، والأسرار الإلهية مواهب الحق لا ترد إلا على قلوب الأنبياء والأولياء {أية : نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء} تفسير : [النور: 35] {وما يذكر إلا أولوا الألباب} الذين لم يقفوا عند القشور وارتقوا إلى لب عالم النور. ثم أخبر عن توفية الأجور للمنفق في المفروض والمنذور {وما للظالمين} الذين وضعوا الشيء في غير موضعه فبدلوا بالإنفاق النفاق وبالإخلاص الرياء {من أنصار} ولا ناصر بالحقيقة إلا الله، ومن أذن له الله/ إبداء الصدقات ضد إخفائها، وإخفاؤها تخليتها عن شوب الحظوظ وإليه الإشارة في قوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : سبعة يظلهم الله في ظله " تفسير : ثم قال: "حديث : ورجل تصدق بيمينه فأخفاها عن شماله " تفسير : أي عن حظوظ نفسه لتكون خالصة لوجه الله. فصاحبها يكون في ظل الله قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن المرء يكون في ظل صدقته يوم القيامة " تفسير : أي إن كانت صدقته لله كان في ظل الله، وإن كانت للجنة كان في ظل الجنة، وإن كانت للهوى كان في ظل الهاوية. فمعنى قوله: {إن تبدو الصدقات} أي تظهروها لطمع ثواب الجنة فإن طمع الصواب شوب حظ {فنعما هي} فإنها مرتبة الأبرار {أية : إن الأبرار لفي نعيم} تفسير : [الانفطار: 13] {وإن تخفوها} عن كل حظ ونصيب {وتؤتوها الفقراء} الذين تعطونها إياهم لوجه الله لا لحظ النفس {فهو خير لكم} لأن جزاءها لقاء الله. ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها الولاية وأن الله فيها ولي الكفاية، يا محمد لك المقام المحمود واللواء المعقود ولك الوسيلة وعلى الأنبياء الفضيلة، وأنت سيد الأولين والآخرين وأنت أكرم الخلائق على رب العالمين ولكن {ليس عليك هداهم} ولكن الهداية من خصائص شأننا ولوائح برهاننا، أنت تدعوهم ونحن نهديهم. ثم نبه على أن أفضل وجوه الإنفاق هو الفقير الذي أحصرته المحبة في الله عن طلب المعاش لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الكفاف، أخذ عليه سلطان الحقيقة كل طريق فلا له في المشرق مذهب ولا له في المغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب. شعر : كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها عليه فما تزداد طولاً ولا عرضاً تفسير : {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} لأنهم مستورون تحت قباب الغيرة محجوبون عن معرفة أهل الغيرية "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري يا محمد" {تعرفهم بسيماهم} لأنك لست بك فلست غيري، ما رأيت إذ رأيت ولكن الله رأى {أية : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} تفسير : [الأنفال: 17] وإن سيماهم لا يرى بالبصر الإنساني بل يرى من نور رباني، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن أنهم {لا يسألون الناس إلحافاً} لا بقليل ولا بكثير. لأن آثار أنوار غنى قلوبهم انعكست على ظواهرهم فتنورت بالتعفف نفوسهم، واضمحلت ظلمة فقرهم وفاقتهم {وما تنفقوا من خير} من المال أو الجاه أو خدمة بالنفس أو إكرام أو إرادة حتى السلام على هؤلاء السادة استحقاقاً وإجلالاً لا استخفافاً وإذلالاً {فإن/ الله به عليم} ومن سيماهم في الظاهر أنهم إذا وجدوا مالاً لم يبيعوا عزة الفقر به بل ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية {فلهم أجرهم عند ربهم} عند مليك مقتدر {ولا هم يحزنون} في الدنيا على ما يفوتهم لأنهم تركوها لله وهو لهم خلف عن كل تلف، ولا في الآخرة {أية : لا يحزنهم الفزع الأكبر} تفسير : [الأنبياء: 103] {أية : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور}تفسير : [فاطر: 34].

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ...} الآية: هذا خطابٌ لجميع أمَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم وهذه صيغةُ أمر بالإِنفاق، واختلف المتأوِّلون، هل المرادُ بهذا الإِنفاق الزَّكَاةُ المفروضةُ، أو التطوُّع، والآية تعمُّ الوجهَيْن، لكنَّ صاحب الزكاة يتلَقَّاها على الوُجُوب، وصاحب التطوُّع يتلَقَّاها على الندْبِ، وجمهورُ المتأوِّلين قالوا: معنى {مِن طَيِّبَاتِ }: من جَيِّد ومختارِ ما كسبتُمْ، وجعلوا الخبيثَ بمعنَى الرديء، وقال ابن زَيْد: معناه: من حلالِ ما كسبتمْ، قال: وقوله: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ}، أي: الحرام. * ع *: وقولُ ابن زيدٍ ليس بالقويِّ من جهة نَسَق الآيةِ، لا من معناه في نَفْسه. و {كَسَبْتُم }: معناه: كانت لكُمْ فيه سعاية، {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ }: النباتات، والمَعَادن، والرِّكَاز، وما ضَارع ذلك، و {تَيَمَّمُواْ }: معناه: تعمدوا، وتَقْصِدوا، والتيمُّم: القصْد، وقال الجُرْجَانِيُّ: قال فريقٌ من الناس: إِن الكلام تَمَّ في قوله: {ٱلْخَبِيثَ}، ثم ابتدأ خَبَراً آخر، فقال: تُنْفِقُونَ منه وأنتم لا تأخذونه إِلا إِذا أغمضتم أي: ساهَلْتُم، قال: * ع *: كأنَّ هذا المعنَىٰ عتابٌ للنَّفْسِ وتقريعٌ؛ وعلَىٰ هذا، فالضميرُ في {مِنْهُ } عائدٌ على {ٱلْخَبِيثَ}. قال الجُرْجَانِيُّ: وقال فريقٌ آخر: بل الكلامُ متَّصِلُ إِلى قوله: {فِيهِ }؛ وعلى هذا، فالضمير في «مِنْهُ» عائدٌ على: «مَا كَسَبْتُمْ»؛ كأنه في موضعَ نصبٍ على الحالِ، والمعنَىٰ في الآية: فَلاَ تَفْعَلُوا مع اللَّهِ ما لا ترضَوْنه لأنفُسِكم، وٱعلموا أنَّ اللَّه غنيٌّ عن صدقاتكم، فمَنْ تقرب وطلب مثوبةً، فلْيفعلْ ذلك بما لَهُ قَدْرٌ. * ت *: وهذا يقوِّي القولَ بأنها في الزكَاةِ المفروضَةِ، و {حَمِيدٌ }: معناه محمودٌ. وقوله تعالى: {ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ...} الآية: هذه الآيةُ وما بعدها - وإِن لم تكُنْ أمراً بالصدقة، فهي جالبةُ النفوس إلى الصدقة - بيَّن - عزَّ وجلَّ - فيها نزغاتِ الشيطانِ، ووسوستَهُ، وعداوتَهُ، وذكَّر بثوابه هو سبحانه، لا رَبَّ غيره، وذَكَّر بتفضُّله بالحكْمة، وأثنَىٰ عليها، ونبَّه أنَّ أهل العقول هم المتذكِّرون الذين يقيمُونَ بالحكْمة قدْرَ الإِنفاق في طاعةِ اللَّه، وغير ذلك، ثم ذكر سبحانه علْمَهُ بكلِّ نفقة ونَذْر، وفي ذلك وعْدٌ ووعيدٌ، ثم بيَّن الحِكَمَ في الإِعلان والإِخفاء؛ وكذلك إِلى آخر المعنَىٰ. والوعد؛ في كلامِ العربِ، إِذا أطلق، فهو في الخير، وإِذا قُيِّد بالموعود، فقد يقيد بالخَيْر، وقد يقيَّد بالشر؛ كالبِشَارة، وهذه الآية مما قُيِّدَ الوعْدُ فيها بمكْرُوه، والفَحْشَاءُ: كلُّ ما فَحُشَ، وفَحُشَ ذكْرُه، روى ابْنُ مسعودٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً مِن ٱبْنِ آدَمَ، وَلِلْمَلِكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ، فَإِيعَادٌ بالشَّرِّ، وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وأَمَّا لَمَّةُ المَلَكِ، فَإِيعَادٌ بِالخَيْرِ، وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ، فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَىٰ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ»تفسير : ثُمَّ قرأَ صلى الله عليه وسلم: {ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَاءِ...} الآية. قُلْتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ خرَّجه أبو عيسَى التِّرمذيُّ، وقال فيه: حَسَنٌ غريبٌ صحيحٌ. والمغفرةُ: هي السَّتْر علَىٰ عبادِهِ في الدنيا والآخرة، والفَضْل: هو الرزق في الدنيا، والتوسعةُ فيه، والنَّعِيمُ في الآخرة، وَبِكُلٍّ قدْ وعد اللَّه جلَّ وعلاَ، وروي، أنَّ في التوراة: «عَبْدِي، أَنْفِقْ مِنْ رِزْقِي، أَبْسُطْ عَلَيْكَ فَضْلِي، فَإِنَّ يَدِي مَبْسُوطَةٌ عَلَىٰ كُلِّ يَدٍ مَبْسُوطَةٍ»؛ وفي القُرآن مصداقه، وهو: {أية : وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } تفسير : [سبأ:39] * ت *: روى الطَّبرانيُّ سليمانُ بْنُ أحْمَدَ، بسنده عَنْ عبد اللَّه بنِ عمرٍو، قال: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ حَتَّىٰ يُشْبِعَهُ، وسَقَاهُ مِنَ المَاءِ، حَتَّىٰ يَرْوِيَهُ، بَعَّدَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ سَبْعَ خَنَادِقَ مَا بَيْنَ كُلِّ خَنْدَقَيْنِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ»تفسير : . انتهى. وعن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي اللَّه عنه - عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً عَلَىٰ عُرْيٍ، كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً عَلَىٰ جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَىٰ مُسْلِماً عَلَىٰ ظَمَإٍ، سَقَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ»تفسير : أخرجه أبو داود، مِنْ حديثِ أبي خالدٍ، هو الدَّالانِي، عن نُبَيْح، وقد وثَّق أبو حاتم أبا خالدٍ، وسُئِل أبو زُرْعَة عن نُبَيْح، فقال: هو كوفيٌّ ثقة. انتهى من «الإِلمام في أحاديثِ الأحْكَامِ»؛ لابن دقيقِ العِيدِ. و {وَٰسِعٌ }: لأنه وَسِعَ كلَّ شيء رحمةً وعلماً. {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ}: أَيْ: يعطيها لِمَنْ يَشَاء من عباده، والحكمةُ مصدرٌ من الإِحكام، وهو الإِتقان في عملٍ أو قولٍ، وكتابُ اللَّهِ حكْمَةٌ، وسُنَّةُ نبيِّه - عليه السلام - حِكْمَةٌ، وكلُّ ما ذكره المتأوِّلون فيها، فهُوَ جُزْء من الحكْمة التي هي الجنْس، قال الإِمامُ الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه الحسنَىٰ: قال المحقِّقون: العلماءُ ثلاثةٌ: علماءُ بأحكامِ اللَّهِ فقط؛ وهم العلماءُ أصحابُ الفتوَىٰ، وعلماءُ باللَّهِ فقَطْ؛ وهم الحكماءُ، وعلماءُ بالقِسْمَيْن؛ وهُمُ الكبراءُ، فالقسْم الأول كالسِّراجِ يحرقُ نَفْسَه، ويضيءُ لغَيْره، والقسم الثَّاني حالُهم أكْمَلُ من الأوَّل؛ لأنه أَشْرَقَ قَلْبُهُ بمَعْرفة اللَّه، وسره بنُور جلالِ اللَّه، إِلاَّ أنه كالكَنْز تَحْت التُّرَابِ، لا يصلُ أَثَرُه إِلَىٰ غيره، وأما القسمُ الثالثُ، فهم أشرفُ الأقسامِ، فهو كالشَّمْسِ تضيءُ العَالَمَ؛ لأنه تامٌّ، وفوْقَ التامِّ. انتهى. وباقي الآية تذكرةٌ بيِّنة، وإقامة لِهِمَمِ الغَفَلَةِ - و {ٱلأَلْبَـٰبِ }: العقولُ، واحدها لُبٌّ.

ابن عادل

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر الانفاق على قسمين، وبين كل قسم وضرب له مثلاً، ذكر في هذه الآية كيفية الإِنفاق. قوله تعالى: {أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ}: في مفعول "أَنْفِقُوا" قولان: أحدهما: أنه المجرور بـ "مِنْ"، و "مِنْ" للتبعيض، أي: أنفقوا بعض ما رزقناكم. والثاني: أنه محذوفٌ قامت صفته مقامه، أي: شيئاً ممَّا رزقناكم، وتقدَّم له نظائر. و "ما" يجوز أن تكون موصولةً اسمية، والعائد محذوفٌ؛ لاستكمال الشروط، أي: كسبتموه، وأن تكون مصدريةً أي: من طيِّبات كسبكم، وحينئذٍ لا بدَّ من تأويل هذا المصدر باسم المفعول، أي: مكسوبكم، ولهذا كان الوجه الأول أولى. و {مِمَّآ أَخْرَجْنَا} عطفٌ على المجرور بـ "مِنْ" بإعادة الجار، لأحد معنيين: إمَّا التأكيد، وإمَّا للدلالة على عاملٍ آخر مقدرٍ، أي: وأنفقوا ممَّا أخرجنا. ولا بدَّ من حذف مضافٍ، أي: ومن طيبات ما أخرجنا. و "لكم" متعلِّقٌ بـ "أخرجنا"، واللام للتعليل. و "مِنَ الأرض" متعلِّقٌ بـ "أخرجنا"، و "مِنْ" لابتداء الغاية. قوله: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ} الجمهور على "تَيَمَّموا"، والأصل: تتيمموا بتاءين، فحذفت إحداهما تخفيفاً: إمَّا الأولى، وإمَّا الثانية، وقد تقدّم تحريره عند قوله: {أية : تَظَاهَرُونَ}تفسير : [البقرة:85]. وقرأ البزِّيُّ هنا وفي مواضع أُخر بتشديد التاء، على أنه أدغم التاء الأولى في الثانية، وجاز ذلك هنا وفي نظائره؛ لأنَّ الساكن الأول حرف لين، وهذا بخلاف قراءته {أية : نَاراً تَلَظَّىٰ}تفسير : [الليل:14] {أية : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ}تفسير : [النور:15] فإنه فيه جمع بين ساكنين، والأول حرفٌ صحيحٌ، وفيه كلامٌ لأهل العربية، يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. قال أبو علي: هذا الإدغام غير جائزٍ؛ لأنَّ المدغم يسكَّن، وإذا سكِّن، وجب أن تجلب همزة الوصل عند الابتداء به كما جلبت في أمثلة الماضي، نحو {أية : فَٱدَّارَأْتُمْ}تفسير : [البقرة:72] و {أية : ٱرْتَبْتُمْ}تفسير : [المائدة:106] و {أية : ٱطَّيَّرْنَا}تفسير : [النمل:47]. لكن أجمعوا على أنَّ همزة الوصل لا تدخل على المضارع. وقرأ ابن عباس، والزُّهريُّ "تُيَمِّمُوا" بضم التاء، وكسر الميم الأولى، وماضيه: يمَّم، فوزن "تُيَمِّمُوا" على هذه القراءة: تفعِّلوا من غير حذفٍ، وروي عن عبد الله "تُؤَمِّموا" من أمَّمت، أي: قصدت. والتيمم: القصد، يقال: أمَّ كـ "رَدَّ"، وأمَّم كـ "أخَّر"، ويمَّم، وتيمَّم بالتاء، والياء معاً، وتأمَّم بالتاء والهمزة. وكلُّها بمعنى قصد. وفرَّق الخليل - رحمه الله - بينها بفروقٍ لطيفةٍ، فقال: "امَّمْتُه أي قصدت أمامه، ويمَّمْتُه: قصدته من أيِّ جهةٍ كان". والخبيث والطيب: صفتان غالبتان، لا يذكر موصوفهما؛ قال تعالى: {أية : وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ}تفسير : [النور:26]، {أية : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ}تفسير : [الأعراف:157]، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مِنَ الخُبْثِ، والخَبائث ". تفسير : قوله: {مِنْهُ تُنْفِقُونَ} "منه" متعلِّقٌ بتنفقون، وتنفقون فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من الفاعل في "تَيَمَّموا" أي: لا تقصدوا الخبيث منفقين منه، قالوا: وهي حالٌ مقدَّرة، لأن الإنفاق منه يقع بعد القصد إليه، قاله أبو البقاء وغيره. والثاني: أنها حالٌ من الخبيث؛ لأن في الجملة ضميراً يعود إليه، أي: لا تقصدوا منفقاً منه. والثالث: أنه مستأنف منه ابتداء إخبار بذلك، وتمَّ الكلام عند قوله: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ} ثم ابتدأ خبراً آخر، فقال: تنفقون منه، وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم، كأن هذا عتابٌ للناس، وتقريعٌ. والتقدير: تنفقون مع أنكم لستم بآخذيه إلا مع الإغماض، فهو استفهامٌ على سبيل الإنكار. قال شهاب الدِّين: وهذا يردُّه المعنى. فصل في بيان المراد من النفقة اختلفوا في المراد بهذه النفقة: فقال الحسن: المراد بها الزكاة المفروضة؛ لأن هذا أمرٌ، والأمر للواجب. وقال قومٌ: صدقة التطوع؛ لما روي عن علي، والحسن، ومجاهد: أنهم قالوا: كانوا يتصدَّقون بشرار ثمارهم، ورديء أموالهم؛ فنزلت هذه الآية. حديث : وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال جاء رجلٌ ذات يوم بعذق خشف فوضعه في الصَّدقة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بِئْسَ مَا صَنَعَ صاحبُ هذا" تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال آخرون: المراد الفرض، والنفل؛ لأن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على جانب الترك من غير أن يكون فيه بيان أنه يجوز الترك أو لا يجوز وهذا المفهوم قدرٌ مشتركٌ بين الفرض والنَّفل؛ فوجب أن يدخلا فيه، فعلى القول بأنَّه الزكاة فنقول: ظاهر الآية يدلُّ على وجوب الزكاة في كل مال يكتسبه الإنسان، من الذَّهب، والفضَّة، والتجارة، وزكاة الإبل، والغنم، والبقر؛ لأن ذلك مما يوصف بأنه مكتسبٌ. قال القرطبيُّ: والكسب يكون بتعب بدنٍ، وهي الإجارة، أو مقاولة في تجارةٍ، وهو البيع، والميراث داخلٌ في هذا؛ لأن غير الوارث قد كسبه. وقال ابن خويزمنداد: ولهذه الآية جاز للوالد أن يأكل من كسب ولده؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَوْلاَدُكُمْ مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِ أَوْلاَدِكُمْ هَنِيئاً ". تفسير : قوله: {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} يدلُّ على وجوب الزَّكاة في كل ما تنبته الأرض، على ما هو قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وخصَّ مخالفوه هذا العموم بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لَيْسَ في الخُضْرَوَاتِ صَدَقَةٌ"تفسير : . وأستدل أبو حنيفة - رحمه الله - أيضاً بهذه الآية الكريمة على وجوب إخراج الزكاة من كلِّ ما أنبتته الأرض، قليلاً كان، أو كثيراً؛ لظاهر الآية وخصَّ مخالفوه هذا العموم بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَة أَوْسُق صَدَقَةٌ ". تفسير : أما المعدن والرِّكازُ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : العَجْمَاءُ جَرْحُها جُبَارٌ، والبِئْرُ جُبَارٌ، والمعْدنُ جُبَارٌ، وفي الرِّكاز الخمسُ"تفسير : . الجبار: الهدر الذي لا شيء فيه، والعجماء: الدَّابَّة، والرِّكاز: هو ما دفنه أهل الجاهلية وعليه علامتهم. فصل اختلفوا في الطَّيب: فقيل: هو الجيد، فعلى هذا يكون الخبيث هو الرديء. وقال ابن مسعودٍ، ومجاهدٌ، والسدّي: الطيب هو الحلال، وعلى هذا، فالخبيث هو الحرام. حجة الأول ما ذكرنا في سبب النزول، ولأن المحرم لا يجوز أخذه؛ لا بإغماضٍ ولا غيره، والآية تدلُّ على جواز أخذه بالإغماض. قال القفَّال - رحمه الله -: ويمكن أن يجاب عن هذا بأن الإغماض: المسامحة، وترك الاستقصاء، فيكون المعنى: ولستم بآخذيه، وأنتم تعلمون أنه محرَّم؛ إلاَّ أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام، ولا تبالون من أيِّ وجهٍ أخذتم المال أمن حلالٍ، أم حرام. واحتجُّوا - أيضاً - بقوله تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}تفسير : [آل عمران:92] وذلك يؤكد أنَّ المراد بالطيب هو النَّفيس الذي يستطاب تملكه، لا الخسيس الذي يرفضه كل أحد واحتجَّ القاضي للقول الثاني: بأنَّا أجمعنا على أن الطيِّب في هذه الآية؛ إمَّا الجيد؛ وإما الحلال، فإذا بطل الأول، تعيَّن الثاني. وإنما قلنا: بطل الأول؛ لأن المراد لو كان هو الجيد، لكان ذلك أمراً بإنفاق مطلق الجيِّد سواءٌ كان حلالاً أو حراماً، وذلك غير جائزٍ، والتزام التخصيص خلاف الأصل؛ فتعين الحلال. قال ابن الخطيب: ويمكن أن يذكر فيه قولٌ ثالثٌ، وهو: أن المراد من "الطَّيِّب" - هاهنا - ما يكون طيِّباً من كلِّ الوجوه، فيكون طيّباً بمعنى: الحلال، ويكون طيِّباً بمعنى: الجودة، وليس لقائلٍ أن يقول إنَّ حمل اللفظ المشترك على مفهوميه، لا يجوز؛ لأنا نقول: الحلال إنما يسمى طيِّباً؛ لأنه يستطيبه العقل، والدِّين، والجيد: إنما يسمَّى طيباً؛ لأنه يستطيبه الميل، والشهوة. فمعنى الاستطابة مفهومٌ واحدٌ مشترك بين القسمين، فكان اللفظ محمولاً عليه. إذا ثبت أنَّ المراد منه الجيد الحلال؛ فنقول: الأموال الزكاتيَّة إما أن تكون كلُّها شريفةً، أو كلها خسيسةً، أو تكون متوسطة أو مختلطة، فإن كان الكل شريفاً، كان المأخوذ بحساب الزكاة كذلك، وإن كان الكل خسيساً، كانت الزكاة كذلك، أيضاً، ولا يكون ذلك خلافاً للآية؛ لأن المأخوذ في هذه الحالة لا يكون خسيساً من ذلك المال بل إذا كان في المال جيد ورديء، فحينئذٍ يقال للإنسان: لا تجعل الزكاة من رديء مالك، وأمَّا إن كان المال مختلطاً، فالواجب هو الوسط، حديث : قال - صلى الله عليه وسلم - لمعاذٍ حين بعثه إلى اليمن: "إِيَّاكَ وكَرَائِمَ أَمْوَالهمْ" تفسير : وأما إن قلنا: المراد صدقة التطوع أو كلاهما، فنقول: إنَّ الله تعالى ندبهم إلى التقرُّب إليه بأفضل ما يملكونه، كمن يتقرب إلى السُّلطان بتحفة، وهدية، فلا بدّ وأن تكون تلك التحفة أفضل ما في ملكه، فكذا - هاهنا -. قوله: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} هذه الجملة فيها قولان: أحدهما: أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، وإليه ذهب أبو البقاء. والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال، ويظهر هذا ظهوراً قوياً عند من يرى أن الكلام قد تمَّ عند قوله: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ} وما بعده استئنافٌ، كما تقدَّم. والهاء في "بِآخِذِيهِ" تعود على "الخَبِيث" وفيها، وفي نحوها من الضمائر المتصل باسم الفاعل؛ قولان مشهوران: أحدهما: أنها في محلِّ جر، وإن كان محلُّها منصوباً؛ لأنها مفعولٌ في المعنى. والثاني: - وهو رأي الأخفش - أنها في محلِّ نصبٍ، وإنما حذف التنوين، والنون في نحو: "ضَارِبَيْكَ" للطافة الضمير، ومذهب هشام أنه يجوز ثبوت التنوين مع الضمير، فيجيز: "هذا ضَارِبُنْكَ" بثبوت التنوين، وقد يستدلُّ لمذهبه بقوله: [الطويل] شعر : 1227- هُمُ الفَاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ ....................... تفسير : وقوله الآخر: [الطويل] شعر : 1228- وَلَمْ يَرْتَفِقْ وَالنَّاسُ مُحْتَضِرُونَهُ ........................ تفسير : فقد جمع بين النون النائبة عن التنوين، وبين الضمير. قوله: {إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ} الأصل: إلاَّ بأن، فحذف حرف الجرِّ مع "أنْ" فيجيء فيها القولان: أهي في محلِّ جرٍّ، أم نصب؟ وهذه الباء تتعلَّق بقوله: "بِآخذيه". وأجاز أبو البقاء - رحمه الله - أن تكون "أنْ" وما في حيِّزها في محلِّ نصب على الحال، والعامل فيها "آخِذيه". والمعنى: لَسْتُم بآخذِيه في حالٍ من الأحوال إلا في حال الإغماض، وقد تقدَّم أنَّ سيبويه - رحمه الله - لا يجيز أن تقع "أَنْ"، وما في حيِّزها موقع الحال. وقال الفراء: المعنى على الشرط والجزاء؛ لأنَّ معناه: إن أغمضتم أخذتم، ولكن لمَّا وقعت "إلاَّ" على "أَنْ"، فتحها، ومثله، {أية : إِلاَّ أَن يَخَافَآ}تفسير : [البقرة:229] {أية : إَلاَّ أَن يَعْفُونَ}تفسير : [البقرة:237]. وهذا قول مردودٌ. والجمهور على: "تُغْمِضُوا" بضمِّ التاء، وكسر الميم مخففةً؛ من "أَغْمَض"، وفيه وجهان: أحدهما: أنه على حذف مفعوله، تقديره: تغمضوا أبصاركم، أو بصائركم. والثاني: في معنى ما لا يتعدَّى، والمعنى إلاَّ أن تغضوا، من قولهم: "أَغْضَى عنه". وقرأ الزهريُّ: "تُغَمِّضُوا" بضم التاء، وفتح الغين، وكسر الميم مشددةً؛ ومعناها كالأولى. وروي عنه أيضاً: "تَغْمَضُوا" بفتح التاء، وسكون الغين، وفتح الميم؛ مضارع "غَمِضَ" بكسر الميم، وهي لغةٌ في "أَغْمض" الرباعي، فيكون ممَّا اتفق فيه فعل وأفعل. وروي عن اليزيديّ: "تَغْمُضُوا" بفتح التاء، وسكون الغين، وضمِّ الميم. قال أبو البقاء - رحمه الله -: "وهو مِنْ: يَغْمُضُ، كظرفُ يظرُفُ، أي: خَفِيَ عليكم رأيُكم فيه". وروي عن الحسن: "تُغَمَّضُوا" بضمِّ التاء، وفتح الغين، وفتح الميم مشددةً على ما لم يسمَّ فاعله. وقتادة كذلك، إلا أنه خفَّف الميم، والمعنى: إلاَّ أن تحملوا على التغافل عنه، والمسامحة فيه. وقال أبو البقاء - رحمه الله - في قراءة قتادة: "ويجوزُ أن يكون مِنْ أغْمَضَ، أي: صودف على تلك الحال؛ كقولك: أَحْمَدْتُ الرجُلَ، أي: وجدته مَحْمُوداً" وبه قال أبو الفتح. وقيل فيها أيضاً: إنَّ معناها إلاَّ أن تدخلوا فيه وتجذبوا إليه. والإغماض: في اللغة غضُّ البصر، وإطباق الجفن، وأصله من الغموض، وهو الخفاء، يقال: هذا كلامٌ غامضٌ أي خفي الإدراك. قال القرطبيُّ: من قول العرب: أغمض الرجل؛ إذا أتى غامضاً من الأمر؛ كما تقول: أعمن الرجل: إذا أتى عمان، وأعرق: إذا أتى العراق، وأنجد: إذا أتى نجداً، وأغار: إذا أتى الغور الذي هو تهامة. أو من أغمض الرجل في أمر كذا: إذا تساهل فيه، والغمض: المتطامن الخفيُّ من الأرض، فقيل المراد به في الآية المساهلة؛ لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه؛ لئلا يرى ذلك، ثم كثر ذلك؛ حتى جُعِل كل تجاوزٍ، ومساهلةٍ في البيع، وغيره إغماضاً، فتقديره في الآية: لو أُهْدِي إليكم مثل هذه الأشياء، لما أخذتموها إلاَّ على استحياءٍ، وإغماضٍ، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم؟! قاله البراء. وقيل معناه: لو كان لأحدكم على رجل حقٌّ، فجاءه بهذا لم يأخذه إلاَّ وهو يرى أنه قد أغمض له عن حقِّه، وتركه. وقال الحسن، وقتادة: لو وجدتموه يباع في السوق، ما أخذتموه بسعر الجيد؛ إلاَّ إذا أغمضتم بصر البائع، يعني أمرتموه بالإغماض، والحطِّ من الثمن. ثم قال: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} والمعنى أنَّه غنيٌّ عن صدقاتكم، و "الحميد" أي: محمودٌ على ما أنعم بالبيان. وقيل: قوله: "غَنِيٌّ" كالتَّهديد على إعطاء الرديء في الصدقات، و "حَمِيدٌ": بمعنى حامدٍ، أي: أنا أحمدكم على ما تفعلونه من الخيرات، وهو كقوله تعالى: {أية : فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً}تفسير : [الإسراء:19].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب في قوله ‏{‏يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم‏} ‏ قال‏:‏ من الذهب والفضة ‏{‏ومما أخرجنا لكم من الأرض‏}‏ قال‏:‏ يعني من الحب والتمر وكل شيء عليه زكاة‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله ‏{‏أنفقوا من طيبات ما كسبتم‏} ‏ قال‏:‏ من التجارة ‏ {‏ومما أخرجنا لكم من الأرض‏}‏ قال‏:‏ من الثمار‏.‏ وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني عن أبي سعيد الخدري ‏"حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإِبل صدقة‏.‏ وفي لفظ لمسلم‏:‏ ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مسلم وابن ماجة والدارقطني عن جابر بن عبدالله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الابل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوْسُق من التمر صدقة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر‏ "‏‏. تفسير : وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي والدارقطني عن جابر بن عبدالله "حديث : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏: فيما سقت الأنهار والعيون العشر، وفيما سقي بالسانية نصف العشر‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏فيما سقت السماء والعيون العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة، من كل أربعين درهماً درهم وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغ مائتين ففيها خمسة دراهم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن أبي ذر ‏"حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: في الإِبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته، قالها بالزاي ‏"‏... تفسير : وأخرج أبو داود من طريق خبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه عن جده ‏‏"حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعد للبيع‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن ماجة والدارقطني عن ابن عمر وعائشة "حديث : ‏‏أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كل عشرين ديناراً نصف دينار، ومن الأربعين ديناراً ديناراً‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏ليس في أقل من خمس ذود شيء، ولا في أقل من أربعين من الغنم شيء، ولا في أقل من ثلاثين من البقر شيء، ولا في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب شيء، ولا في أقل من مائتي درهم شيء، ولا في أقل من خمسة أوسق شيء، والعشر في التمر، والزبيب، والحنطة، والشعير، وما سُقِيَ سيحاً ففيه العشر، وما سقي بالغرب ففيه نصف العشر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن ماجة والدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال‏:‏ سئل عبدالله بن عمر عن الجوهر، والدر، والفصوص، والخرز، وعن نبات الأرض البقل، والقثاء، والخيار‏.‏ فقال‏:‏ ليس في الحجر زكاة، وليس في البقول زكاة، إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في هذه الخمسة‏:‏ في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والذرة‏.‏ وأخرج الدارقطني عن عمر بن الخطاب قال ‏"‏إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في هذه الأربعة‏:‏ الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر‏"‏‏. وأخرج الترمذي والدارقطني عن معاذ ‏‏"حديث : أنه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الخضراوات وهي البقول‏؟‏ فقال‏:‏ ليس فيها شيء‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن معاذ بن جبل ‏"حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ فيما سقت السماء والبعل والسيل العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر، وإنما يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب، فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب والخضر فعفو، عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الدارقطني عن علي بن أبي طالب "حديث : ‏‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ليس في الخضراوات صدقة، ولا في العرايا صدقة، ولا في أقل من خمسة أوسق صدقة، ولا في العوامل صدقة، ولا في الجبهة صدقة‏.‏ قال الصقر بن حبيب‏:‏ الجبهة‏:‏ الخيل والبغال والعبيد‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الدارقطني عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ليس فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الدارقطني عن أنس بن مالك قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ليس في الخضراوات صدقة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار والدارقطني عن طلحة "حديث : ‏‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏: ليس في الخضراوات صدقة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الدارقطني عن محمد بن عبد الله بن جحش "حديث : ‏‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: ليس في الخضراوات صدقة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن علي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : قد عفوت لكن عن صدقة أرقائكم وخيلكم، ولكن هاتوا صدقة أوراقكم وحرثكم وماشيتكم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو داود وابن ماجة والدارقطني والحاكم وصححه عن معاذ بن جبل ‏‏"حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فقال‏: خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإِبل، والبقرة من البقر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مالك والشافعي والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة "حديث : ‏‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي وابن ماجة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الدارقطني عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ليس في البقر العوامل صدقة ولكن في كل ثلاثة تبيع، وفي كل أربعين مسن أو مسنة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الترمذي عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏في العسل في كل عشرة أزق زق‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو داود وابن ماجة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من العسل العشر، ولفظ أبي داود قال ‏"‏جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشور نخل له، وكان سأله أن يحمي له وادياً يقال له سلبة، فحمى له رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الوادي، فلما ولى عمر بن الخطاب كتب سفيان بن وهب إلى عمر يسأله عن ذلك‏؟‏ فكتب إليه عمر‏:‏ إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عشور نخله، فاحم له سلبة وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من شاء‏. وأخرج الشافعي والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارقطني والحاكم والبيهقي عن أنس‏.‏ أن أبا بكر رضي الله عنه لما استخلف وجه أنس بن مالك إلى البحرين، فكتب له هذا الكتاب‏:‏ هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين التي أمر الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن سئلها من المؤمنين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطيه، فيما دون خمس وعشرين من الإِبل الغنم في كل ذود شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها ابنة مخاض إلى أن تبلغ خمساً وثلاثين، فإن لم يكن فيها ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل إلى ستين، فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا بلغت ستاً وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمس حقة، فإذا تباين أسنان الإِبل في فرائض الصدقات، فمن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه وأن يجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده حقة وعنده جذعة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون وليست عنده إلا حقة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون وليست عنده إلا ابنة مخاض فإنها تقبل منه وشاتين أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة بنت مخاض وليس عنده إلا ابن لبون ذكر فإنه يقبل منه وليس معه شيء، ومن لم يكن عنده إلا أربع فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها، وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين، فإذا زادت على المائتين ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ ثلثمائة، فإذا زادت على ثلثمائة ففي كل مائة شاة ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار من الغنم، ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المصدق، ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، فإن لم تبلغ سائمة الرجل أربعين فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها، وفي الرقة ربع العشر، فإن لم يكن المال إلا تسعين ومائة فليس فيه شيء إلا أن يشاء ربها‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وحسنه والحاكم من طريق الزهري عن سالم عن أبيه قال ‏"‏كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض فقرنه بسيفه، فعمل به أبو بكر ثم عمر، وكان فيه‏:‏ في خمس من الابل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت فجذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت بنتاً لبون إلى تسعين، فإذا زادت فحقتان إلى عشرين ومائة، فإن كانت الإِبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، وفي الغنم في الأربعين شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة فشاتان إلى مائتين، فإذا زادت فثلاث شياه إلى ثلثمائة، فإن كان الغنم أكثر من ذلك ففي كل مائة شاة، وليس فيها شيء حتى تبلغ المائة، ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق مخافة الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية، ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عيب‏.‏ قال الزهري‏:‏ فإذا جاء المصدق قسمت الشاء أثلاثاً‏.‏ ثلث شرار، وثلث خيار، وثلث وسط، فيأخذ المصدق من الوسط‏"‏‏. وأخرج الحاكم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث مع عمرو بن حزم فقرىء على أهل اليمن، وهذه نسختها‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال، والحرث بن عبد كلال، ويغنم بن عبد كلال، قيل ذي رعين، ومعافر، وهمدان، أما بعد فقد رجع رسولكم وأعطيتم من المغانم خمس الله، وما كتب الله على المؤمنين من العشر في العقار ما سقت السماء أو كان سيحاً أو بعلاً ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وما سقي بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وفي كل خمس من الابل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعاً وعشرين، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها ابنة مخاض، فإن لم توجد ابنة مخاض فابن لبون ذكر إلى أن تبلغ خمساً وثلاثين، فإذا زادت على خمسة وثلاثين واحدة ففيها ابن لبون إلى أن تبلغ خمساً وأربعين، فإن زادت واحدة على خمسة وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل إلى أن تبلغ ستين، فإن زادت واحدة فجذعة إلى أن تبلغ خمسة وسبعين، فإن زادت واحدة ففيها ابنا لبون إلى أن تبلغ تسعين، فإن زادت واحدة ففيها حقتان طروقتا الحمل إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فما زاد على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة، وفي كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة بقرة، وفي كل أربعين شاة سائمة شاة إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإن زادت على العشرين ومائة واحدة ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ ثلثمائة، فإن زادت فما زاد ففي كل مائة شاة شاة، ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا عجفاء، ولا ذات عوار، ولا تيس غنم، إلا أن يشاء المصدق، ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خيفة الصدقة، وما أخذ من الخليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهماً درهم، وليس فيما دون خمس أواق شيء، وفي كل أربعين ديناراً دينار، إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل بيت محمد، إنما هي الزكاة تزكى بها أنفسهم، ولفقراء المؤمنين، وفي سبيل الله، وابن السبيل، وليس في رقيق، ولا مزرعة، ولا عما لها شيء إذا كانت تؤدي صدقتها من العشر، وإنه ليس في عبد مسلم، ولا في فرسه شيء‏. قال‏:‏ وكان في الكتاب‏.‏ إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة إشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وإن العمرة الحج الأصغر، ولا يمس القرآن إلا طاهر، ولا طلاق قبل املاك، ولا عتاق حتى يبتاع، ولا يصلين أحد منكم في ثوب واحد وشقه باد، ولا يصلين أحد منكم عاقصاً شعره، ولا في ثوب واحد ليس على منكبيه منه شيء‏.‏ و كان في الكتاب‏:‏ أن من اعتبط مؤمناً قتلاً عن بينة فإنه قود إلا أن يرضي أولياء المقتول، وأن في النفس الدية مائة من الإِبل، وفي الأنف الذي أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإِبل، وفي كل أصبع من الأصابع من اليد والرجل عشر، وفي السن خمس من الإِبل، وفي الموضحة خمس، وأن الرجل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار‏"‏‏.‏ ‏‏وأخرج أبو داود عن حبيب المالكي قال‏:‏ قال رجل لعمران بن حصين‏:‏ يا أبا نجيد إنكم لتحدثونا بأحاديث ما نجد لها أصلاً في القرآن‏!‏ فغضب عمران وقال‏:‏ أوجدتم في كل أربعين درهماً درهم، ومن كل كذا وكذا شاة شاة، ومن كذا وكذا بعيراً كذا وكذا‏.‏ وجدتم هذا في القرآن‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فعمن أخذتم هذا‏؟‏‏!‏ أخذتموه عنا، وأخذناه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني عن ابن عمر قال ‏"‏فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو انثى من المسلمين‏"‏‏. وأخرج أبو داود وابن ماجة والدارقطني والحاكم وصححه عن ابن عباس قال ‏"‏فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصيام من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات‏"‏‏. وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ ‏"‏كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو مملوك صاعاً من طعام، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب‏"‏‏. وأخرج أحمد وأبو داود والدارقطني عن ثعلبة بن صغير قال ‏"‏قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً قبل الفطر بيومين فأمر بصدقة الفطر صاع تمر أو صاع شعير على كل رأس، أو صاع بر أو قمح بين اثنين صغير أو كبير حر أو عبد ذكر أو أنثى غني أو فقير، أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطاه‏"‏‏. وأخرج أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه عن قيس بن سعد قال ‏"‏أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله، وأمرنا بصوم عاشوراء قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان لم يأمرنا به ولم ينهنا عنه ونحن نفعله‏"‏‏. وأخرج الدارقطني عن ابن عمر وعن علي ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر على الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد، ممن تمونون‏"‏‏. وأخرج الشافعي عن جعفر بن محمد عن أبيه ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر على الحر والعبد، والذكر والأنثى، ممن تمونون‏"‏‏. وأخرج البزار والدارقطني والحاكم وصححه عن ابن عباس ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر صارخاً ببطن مكة ينادي إن صدقة الفطر حق واجب على كل مسلم صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، حر أو مملوك، حاضر أو باد، صاع من شعير أو تمر‏"‏‏. وأخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن أبي هريرة ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم حض على صدقة رمضان على كل إنسان صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من قمح‏"‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أمه أسماء أنها حدثته‏:‏ أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمد الذي يقتات به أهل البيت، والصاع الذي يقتاتون به، يفعل ذلك أهل المدينة كلهم‏. وأخرج أبو حفص بن شاهين في فضائل رمضان عن جرير قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" ‏"حديث : ‏صوم رمضان معلق بين السماء والأرض ولا يرفع إلا بزكاة الفطر"تفسير : ، قال ابن شاهين‏:‏ حديث غريب جيد الاسناد‏"‏‏. وأخرج مالك والشافعي عن زريق بن حكيم‏.‏ أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه‏:‏ أن انظر من مر بك من المسلمين فخذ مما ظهر من أموالهم من التجارات من كل أربعين ديناراً دينار، فما نقص فبحسابه حتى تبلغ عشرين ديناراً، فان نقصت ثلث دينار فدعها ولا تأخذ منها شيئاً‏. وأخرج الدارقطني عن أبي عمرو بن جماس عن أبيه قال‏:‏ كنت أبيع الادم والجعاب، فمر بي عمر بن الخطاب فقال لي‏:‏ أدِ صدقة مالك‏.‏ فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين إنما هو في الادم‏!‏ قال‏:‏ قوّمه ثم أخرج صدقته‏. وأخرج البزار والدارقطني عن سمرة بن جندب قال ‏"ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا برقيق الرجل أو المرأة الذي هو تلاد له، وهم عملة لا يريد بيعهم، فكان يأمرنا أن لا نخرج عنهم من الصدقة شيئاً، وكان يأمرنا أن نخرج عن الرقيق الذي هو يعد للبيع‏"‏‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن بلال بن الحرث ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ من المعادن القبلية الصدقة‏"‏‏. وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة عن ابن عباس ‏"‏أنه سئل عن العنبر فقال‏:‏ إنما هو شيء دسره البحر، فإن كان فيه شيء ففيه الخمس‏"‏‏. وأخرج مالك وابن أبي شيبة عن ابن شهاب قال‏:‏ في الزيتون العشر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال‏:‏ في الزيتون العشر‏.‏ وأخرج الدارقطني عن جابر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏في الخيل السائمة في كل فرس دينار‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة ‏حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا زكاة الفطر في الرقيق‏ "‏‏. تفسير : أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏و لا تيمموا الخبيث منه تنفقون‏}‏ الآية‏.‏ أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصحّحه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن البراء بن عازب في قوله ‏ {‏ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون‏} قال‏:‏ نزلت فينا معشر الأنصار كنا أصحاب نخل، كان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط البسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحفش وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله ‏{‏يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه‏}‏ قال‏:‏ لو أن أحدكم اهدي إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا عن اغماض وحياء‏.‏ قال‏:‏ فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال‏:‏ ذكر لنا أن الرجل كان يكون له الحائطان فينظر إلى أردئهما تمراً فيتصدق به ويخلط به الحشف، فنزلت الآية، فعاب الله ذلك عليهم ونهاهم عنه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك قال‏:‏ كان أناس من المنافقين حين أمر الله أن تؤدى الزكاة يجيئون بصدقاتهم باردأ ما عندهم من الثمرة، فأنزل الله ‏{‏ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن جعفر بن محمد عن أبيه قال حديث : ‏"‏لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر جاء رجل بتمر رديء، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخرص النخل أن لا يجيزه، فأنزل الله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏"‏‏ . تفسير : وأخرج الحاكم من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال‏:‏ "حديث : أمر النبي صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر بصاع من تمر، فجاء رجل بتمر رديء فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن رواحة "لا تخرص هذا التمر"، فنزل هذا القرآن ‏{‏يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض‏....}‏ الآية "‏‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والدارقطني والحاكم والبيهقي في سننه عن سهل بن حنيف قال "حديث : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة، فجاء رجل بكبائس من هذا السحل - يعني الشيص - فوضعه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ من جاء بهذا - وكان كل من جاء بشيء نسب إليه - فنزلت ‏{‏ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون....‏}‏ الآية‏.‏ ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لونين من التمر، أو يؤخذا في الصدقة الجعرور ولون الحبيق ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال‏:‏ كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترون الطعام الرخيص ويتصدقون، فأنزل الله ‏{‏يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم...‏} ‏ الآية‏. وأخرج ابن جرير عن عبيدة السلماني قال‏:‏ سألت علي بن أبي طالب عن قول الله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم...‏}‏ الآية‏.‏ فقال‏:‏ نزلت هذه الآية في الزكاة المفروضة، كان الرجل يعمد إلى التمر فيصرمه فيعزل الجيد ناحية، فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه من الرديء‏.‏ فقال الله ‏ {‏ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه‏}‏ يقول‏:‏ ولا يأخذ أحدكم هذا الرديء حتى يهضم له‏. وأخرج ابن جرير عن عطاء قال‏:‏ "حديث : علق إنسان حشفاً في الاقناء التي تعلق بالمدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما هذا‏؟‏‏!‏ بئسما علق هذا"‏.‏ فنزلت ‏ {‏ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون‏} ‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن المنذر عن محمد بن يحيى بن حبان المازني من الأنصار ‏"‏أن رجلاً من قومه أتى بصدقته يحملها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصناف من التمر معروفة من الجعرور واللينة والأيارخ والقضرة وآمعاء فارة وكل هذا لا خير فيه من تمر النخل، فردها الله ورسوله، وأنزل الله فيه ‏{‏يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم‏} ‏ إلى قوله ‏{‏حميد‏}‏ ‏"‏‏. وأخرج سفيان بن عيينة والفريابي عن مجاهد قال‏:‏ كانوا يتصدقون بالحشف وشرار التمر، فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتصدقوا بطيب قال‏:‏ وفي ذلك نزلت ‏ {‏ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون‏}‏‏ .‏ وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن قال‏:‏ كان الرجل يتصدق برذالة ما له، فنزلت ‏ {‏ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون‏}‏ ‏.‏ وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن عوف بن مالك قال ‏حديث : "‏خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عصا، فإذا اقناء معلقة في المسجد قنو منها حشف، فطعن في ذلك القنو وقال‏:‏ ما يضر صاحبه لو تصدق بأطيب من هذه، إن صاحب هذه ليأكل الحشف يوم القيامة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏أنفقوا من طيبات ما كسبتم‏}‏ يقول‏:‏ تصدقوا من أطيب أموالكم وأنفسه ‏ {‏ولستم بآخذيه‏} ‏ قال‏:‏ لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه فذلك قوله ‏{‏إلا أن تغمضوا فيه‏} ‏ فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم‏؟‏ وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه، وهو قوله ‏{أية : ‏لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون‏}‏تفسير : ‏[‏آل عمران: 92‏]‏. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن مغفل في قوله {‏ولا تيمموا الخبيث‏}‏ قال‏:‏ كسب المسلم لا يكون خبيثاً ولكن لا تصدق بالحشف، والدرهم الزيف، وما لا خير فيه‏.‏ وفي قوله ‏ {‏إلا أن تغمضوا فيه‏} قال‏:‏ لا تجوزوا فيه‏.‏ وأخرج ابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب {‏ولا تيمموا الخبيث‏} ‏ يقول‏:‏ ولا تعمدوا للخبيث منه تنفقون، واعلموا أن الله غني عن صدقاتكم‏. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ اخبرني عن قوله ‏ {‏ولا تيمموا الخبيث‏} ‏ قال‏:‏ لا تعمدوا إلى شر ثماركم وحروثكم فتعطوه في الصدقة، ولو أعطيتم ذلك لم تقبلوا‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول‏: شعر : يممت راحلتي أمام محمد أرجو فواضله وحسن نداه تفسير : و قال أيضاً‏:‏ شعر : تيممت قيسا وكم دونه من الأرض من مهمه ذي شرر تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن محمد بن سيرين قال‏:‏ سألت عبيدة عن هذه الآية ‏{‏ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون‏} ‏ قال‏:‏ إنما ذلك في الزكاة في الشيء الواجب، فأما في التطوّع فلا بأس بأن يتصدق الرجل بالدرهم الزيف هو خير من التمرة‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {‏ولستم بآخذيه إلاَّ أن تغمضوا فيه‏} ‏ قال كان رجال يعطون زكاة أموالهم من التمر، فكانوا يعطون الحشف في الزكاة فقال‏:‏ لو كان بعضهم يطلب بعضاً ثم قضاه لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد أغمض عنه حقه‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله ‏ {‏ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه‏}‏ قال‏:‏ لا تأخذونه من غرمائكم ولا في بيوعكم إلا بزيادة على الطيب في الكيل، وذلك فيما كانوا يعلقون من التمر بالمدينة، ومن كل ما أنفقتم فلا تنفقوا إلا طيبا‏ً. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله ‏{‏ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون‏} ‏ قال‏:‏ الحشفة والحنطة المأكولة ‏{‏ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه‏}‏ قال‏:‏ أرأيت لو كان لك على رجل حق فاعطاك دراهم فيها زيوف فاخذتها، أليس قد كنت غمضت من حقك‏؟‏ وأخرج وكيع عن الحسن ‏ {‏ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه‏}‏ قال‏:‏ لو وجدتموه يباع في السوق ما أخذتموه حتى يهضم لكم من الثمن‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ‏ {‏ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه‏}‏ يقول‏:‏ لو كان لك على رجل حق لم ترض أن تأخذ منه دون حقك، فكيف ترضى لله بأردإ مالك تقرب به إليه‏؟ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه‏} يقول‏:‏ لستم بآخذي هذا الرديء بسعر الطيب إلا أن يهضم لكم منه‏. وأخرج أبو داود والطبراني عن عبد الله بن معاوية الفاخري قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإِيمان:‏ من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه وافرة عليه كل عام، ولم يعط الهرمة، ولا الذربة، ولا المريضة، ولا الشرط اللثيمة، ولكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خيره ولا يأمركم بشره‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الشافعي عن عمر بن الخطاب‏.‏ أنه استعمل أبا سفيان بن عبد الله على الطائف فقال‏:‏ قل لهم‏:‏ لا آخذ منكم الربى، ولا الماخض، ولا ذات الدر، ولا الشاة الأكولة، ولا فحل الغنم، وخذ العناق والجذعة والثنية، فذلك عدل بين رديء المال وخياره‏.‏ وأخرج الشافعي عن سعر أخي بني عدي قال ‏"‏جاءني رجلان فقالا‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا نصدق أموال الناس‏.‏ قال‏:‏ فأخرجت لهما شاة ماخضاً أفضل ما وجدت، فرداها علي وقالا‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نأخذ الشاة الحبلى‏.‏ قال‏:‏ فاعطيتهما شاة من وسط الغنم فاخذاها‏"‏‏. وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم وصححه عن أبي بن كعب قال‏:‏"حديث : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم مصدقاً، فمررت برجل فجمع لي ماله فلم أجد عليه فيها إلا ابنة مخاض، فقلت له‏:‏ أدابة مخاض فإنها صدقتك‏؟‏ فقال‏:‏ ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر ولكن هذه ناقة عظيمة سمينة فخذها‏.‏ فقلت له‏:‏ ما أنا بآخذ ما لم أومر به، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم منك قريب، فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ذلك‏؟‏ قال‏:‏ إني فاعل‏.‏ فخرج معي بالناقة حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره‏.‏ فقال "‏إن تطوّعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك، وأمر بقبض الناقة منه ودعا له بالبركة"‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي هريرة قال‏:‏ لدرهم طيب أحب إلي من مائة ألف، اقرأ ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم...‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏أنفقوا من طيبات ما كسبتم‏} ‏ من الحلال‏. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مغفل ‏ {‏أنفقوا من طيبات ما كسبتم‏} ‏ قال‏:‏ من الحلال‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله ‏{‏ولا تيمموا الخبيث‏} ‏ قال‏:‏ الحرام‏.‏ وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لا يكسب عبد مالاً حراماً فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار‏.‏ إن الله لا يمحو السيىء بالسيىء ولا يمحو السيىء إلا بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث ‏". تفسير : وأخرج البزار عن ابن مسعود رفعه قال‏:‏ إن الخبيث لا يكفر الخبيث ولكن الطيب يكفر الخبيث‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد عن ابن عمر قال‏:‏ إذا طاب المكسب زكت النفقة، إن الخبيث لا يكفر الخبيث‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال‏:‏ إن كسب المال من سبيل الحلال قليل، فمن كسب مالاً من غير حله فوضعه في غير حقه فآثر من ذلك أن لا يسلب اليتيم ويكسو الأرملة، ومن كسب مالاً من غير حله فوضعه في غير حقه فذلك الداء العضال، ومن كسب مالاً من حله فوضعه في حقه فذلك يغسل الذنوب كما يغسل الماء التراب عن الصفا‏.‏ وأخرج ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إذا أديت الزكاة فقد قضيت ما عليك، ومن جمع مالاً من حرام ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر، وكان إصره عليه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال‏:‏ من كسب طيباً خبثه منع الزكاة، ومن كسب خبيثاً لم تطيبه الزكاة‏. وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إذا خرج الحاج حاجاً بنفقة طيبة، ووضع رجله في الغرز فنادى‏:‏ لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء لبيك وسعديك زادك حلال وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور، وإذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز، فنادى‏:‏ لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء لا لبيك ولا سعديك زادك حرام ونفقتك حرام وحجك مأزور غير مبرور‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏من حج بمال حرام فقال‏:‏ لبيك اللهم لبيك‏.‏ قال الله له‏:‏ لا لبيك ولا سعديك حجك مردود عليك‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد عن أبي بردة بن دنيار قال ‏"حديث : ‏سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الكسب‏؟‏ فقال‏: بيع مبرور، وعمل الرجل بيده‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال "حديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي كسب الرجل أطيب‏؟‏ قال‏:‏ عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور‏ ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عائشة قالت‏:‏ قال الله‏:‏ كلوا من طيبات ما كسبتم وأولادكم من أطيب كسبكم، فهم وأموالهم لكم‏. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والنسائي وابن ماجة عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عائشة قالت‏:‏ إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وولده من كسبه، وليس للولد أن يأخذ من مال والده إلا بإذنه، والوالد يأخذ من مال ولده ما شاء بغير إذنه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عامر الأحول قال‏:‏ "حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله ما لنا من أولادنا‏؟‏ قال‏: هم من أطيب كسبكم، وأموالهم لكم‏ . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن المنكدر قال‏‏ "حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله إن لي مالاً وإن ليس عيالاً، ولأبي مال وله عيال، وإن أبي يأخذ مالي‏.‏ قال‏: أنت ومالك لأبيك‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال‏:‏ يأخذ الرجل من مال ولده إلا الفرج‏. وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال‏:‏ الرجل في حل من مال ولده‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال‏:‏ يأخذ الوالد من مال ولده ما شاء والوالدة كذلك ولا للولد أن يأخذ من مال والده إلا ما طابت به نفسه‏. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال‏:‏ ليس للرجل من مال ابنه إلا ما احتاج إليه من طعام أو شراب أو لباس‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الزهري قال‏:‏ لا يأخذ الرجل من مال ولده شيئاً إلا أن يحتاج فيستنفق بالمعروف، يعوله ابنه كما كان الأب يعوله، فاما إذا كان موسراً فليس له أن يأخذ من مال ابنه فيقي به ماله أو يضعه فيما لا يحل‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد من طريق قتادة عن الحسن قال‏:‏ يأخذ الرجل من مال ابنه ما شاء، وإن كانت له جارية تسراها إن شاء‏.‏ قال قتادة‏:‏ فلم يعجبني ما قال في الجارية‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الزهري قال‏:‏ إذا كانت أم اليتيم محتاجة أنفق عليها من ماله يدها مع يده‏.‏ قيل له‏:‏ فالموسرة قال‏:‏ لا شيء لها‏.‏ والله أعلم‏.

ابو السعود

تفسير : {يــٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ} بـيانٌ لحال ما يُنفَقُ منه إثرَ بـيانِ أصلِ الإنفاق وكيفيته، أي أنفقوا من حلال ما كسبتم وجيادِه لقوله تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } تفسير : [آل عمران، الآية 92] {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ ٱلأَرْضِ} أي من طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمار والمعادِن فحذف المضافُ لدِلالة ما قبله عليه {وَلاَ تَيَمَّمُواْ} بفتح التاء أصله ولا تتيمّموا، وقرىء بضمها، وقرىء ولا تأَمّموا والكلّ بمعنى القصد أي لا تقصِدوا {ٱلْخَبِيثَ} أي الرديءَ الخسيسَ وهو كالطيب من الصفات الغالبة التي لا تُذكرُ موصوفاتها {مِنْهُ تُنفِقُونَ} الجارُّ متعلق بتنفقون والضميرُ للخبـيث والتقديمُ للتخصيص والجملةُ حال من فاعل تيمّموا أي لا تقصِدوا الخبـيثَ قاصرين الإنفاقَ عليه أو من الخبـيث أي مختصًّا به الإنفاقُ، وأيًّا ما كان فالتخصيصُ لتوبـيخهم بما كانوا يتعاطَوْنه من إنفاق الخبـيثِ خاصة لا لتسويغ إنفاقِه مع الطيب عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم كانوا يتصدقون بحشَفِ التمر وشِرارِه فنُهوا عنه وقيل: متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من الخبـيث، والضميرُ للمال المدلول عليه بحسب المقام أو للموصولَين على طريقة قوله: [الرجز] شعر : [فيها خطوطٌ من سوادٍ وَبلق] كأنه في الجلد توليعُ البَهَقْ تفسير : أو للثاني، وتخصيصُه بذلك لما أن التفاوتَ فيه أكثرُ، وتنفقون حال من الفاعل المذكور أي ولا تقصِدوا الخبـيث كائناً من المال أو مما كسبتم، ومما أخرجنا لكم منفِقين إياه وقوله تعالى: {وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ} حال على كل حال من واو تنفقون أي والحال أنكم لا تأخذونه في معاملاتكم في وقت من الأوقات أو بوجه من الوجوه {إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} أي إلا وقتَ إغماضِكم فيه وهو عبارةٌ عن المسامحة بطريق الكِناية أو الاستعارة يقال: أغمضَ بصرَه إذا غضّه، وقرىء على البناء للمفعول على معنى إلا أن تُحمَلوا على الإغماض وتدخُلوا فيه أو توجَدوا مغمِضين، وقرىء وتَغمِضوا وتَغمُضوا بضم الميم وكسرها وقيل: تم الكلام عند قوله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ} [البقرة، الآية: 267] ثم استُؤنف فقيل: على طريقة التوبـيخ والتقريع: منه تنفِقون والحالُ أنكم لا تأخُذونه إلا إذا أغمَضْتم فيه، ومآلُه الاستفهامُ الإنكاريُّ فكأنه قيل: أمِنْه تنفقون الخ {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ} عن إنفاقكم وإنما يأمرُكم به لمنفعتكم. وفي الأمر بأن يعلموا ذلك مع ظهور علمِهم به توبـيخٌ لهم على ما يصنعون من إعطاء الخبـيث وإيذانٌ بأن ذلك من آثار الجهلِ بشأنه تعالى فإن إعطاءَ مثلِه إنما يكون عادةً عند اعتقادِ المعطي أن الآخذَ محتاجٌ إلى ما يعطيه بل مضطرٌ إليه {حَمِيدٌ} مستحِقٌّ للحمد على نعمه العِظام وقيل: حامد بقبول الجيّد والإثابة عليه. {الشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ} الوعدُ هو الإخبارُ بما سيكون من جهة المخبِر مترتباً على شيء من زمان أو غيره يُستعمل في الشر استعمالَه في الخير قال تعالى: {أية : ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الحج، الآية 72] أي يعدُكم في الإنفاق الفقرَ ويقول: إن عاقبة إنفاقِكم أن تفتقِروا وإنما عبر عن ذلك بالوعد مع أن الشيطان لم يُضِف مجيءَ الفقرِ إلى جهته للإيذان بمبالغته في الإخبار بتحقق مجيئه كأنه نزّله في تقرّر الوقوعِ منزلةَ أفعالِه الواقعةِ بحسب إرادته، أو لوقوعه في مقابلة وعدِه تعالى على طريقة المشاكلة وقرىء بضم الفاء والسكون وبضمتين وبفتحتين {وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَاء} أي بالخَصلة الفحشاء أي ويغريكم على البخل ومنه الصدقاتُ إغراءُ الآمرِ للمأمور على فعل المأمور به والعربُ تسمي البخيلَ فاحشاً قال طرفةُ بن العبد: [الطويل] شعر : أرى الموتَ يعتامُ الكرامَ ويصطفي عقيلةَ مالِ الفاحشِ المتشدِّدِ تفسير : وقيل بالمعاصي والسيِّئات {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم} أي في الإنفاق {مَغْفِرَةً} لذنوبكم والجارُّ في قوله تعالى: {مِنْهُ} متعلقٌ بمحذوف هو صفةٌ لمغفرةً مؤكدةٌ لفخامتها التي أفادها تنكيرُها أي مغفرةً أيَّ مغفرةٍ كائنةً منه عز وجل {وَفَضْلاً} صفتُه محذوفةٌ لدلالة المذكور عليها كما في قوله تعالى: {أية : فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ } تفسير : [آل عمران، الآية 174] ونظائرِه أي وفضلاً كائناً منه تعالى أي خلَفاً مما أنفقتم زائداً عليه في الدنيا، وفيه تكذيبٌ للشيطان، وقيل: ثواباً في الآخرة {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ} قدرةً وفضلاً فيحقق ما وعدكم به من المغفرة وإخلافِ ما تنفقونه {عَلِيمٌ} مبالِغٌ في العلم فيعلم إنفاقَكم فلا يكاد يُضيع أجرَكم أو يعلمُ ما سيكون من المغفرة والفضل فلا احتمال للخُلْف في الوعد، والجملةُ تذيـيلٌ مقررٌ لمضمون ما قبله.

القشيري

تفسير : لينظرْ كلُّ واحدٍ ما الذي ينفقه لأجل نفسه، وما الذي يخرجه بأمر ربه. والذي يخرج عليك من ديوانك: فما كان لحظِّك فنفائس ملكك، وما كان لربك فخصائص مالك الذي لله (فاللُّقْمَةُ لُقْمَتُه)، والذي لأجلك فأكثرها قيمة وأكملها نعمة. ثم أبصر كيف يستر عليك بل كيف يقبله منك بل أبصر كيف يعوضك عليه، بل أبصر كيف يقبله منك، بل أبصر كيف يمدحك بل أبصر كيف ينسبه إليك؛ الكلُّ منه فضلاً لكنه ينسبه إليك فعلاً، ثم يُولِي عليك عطاءه ويسمي العطاء جزاءً، يوسعك بتوفيقه بِرًّاً، ثم يملأ العَالَم منك شكراً.

البقلي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} اى انفقوا لارواحكم ما كسبتم باشباحكم من المعاملات المقدسة عن شوائب الرياء والسمعة {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} اى مما اخرجنا بمزن المعرفة عن سحاب المكاشفة ومزارع قلوبكم من الحكمة والعلم اللدنى والصدق والاخلاص والرضا واليقين على الميريدين لتخلصوا بذلك من مكائد الشيطان اى انفقوها النجاة صوركم بهذه المعانى التي تخرج من بساتين صفاء اسراركم.

اسماعيل حقي

تفسير : الحمد لله الذى امر المؤمنين بالانفاق. ليزكى به نفوسهم عن سفساف الاخلاق. وهدى العارفين الى بذلك المال والروح. ليفتح لهم ابواب الفتوح. والصلاة على المتخلق باخلاق مولاه. سيدنا محمد الذى جاء بالشفاعة لمن يهواه. وعلى آله واصحابه ممن اثر الله على ما سواه. ووثق فى اجر الانفاق بربه الذى اعطاه. وبعد فان العبد العليل سمى الذبيح اسماعيل. الناصح البروسى ثم الاسكوبى. اوصله الله الى غاية المقام الحى. يقول لما ابتليت بالنصح والعظه. أهتممت فى باب الموعظه. فكنت التقط من التفاسير. وانظم فى سلك التحرير. ما به ينحل عقد الآيات القرآنيه. والبينات الفرقانيه. من غير تعرض لوجوه المعانى مما يحتمله المبانى قصدا الى التكلم بقدر عقول الناس وتصديا للاختصا الحامل على الاستئناس واضم الى كل آية ما يناسبها من الترغيب والترهيب وبعض من التأويل الذى لا يخفى على كل لبيب حتى انتهيت من سورة البقرة الى ما ها هنا من آيات الانفاق بعون الله الملك الخلاق فجعلت اول هذه الآية معنونا ليكون هذا النظم مع ما يضم اليه مدونا مقطوعا عما قبله من الآيات مجموعا بلطائف العظات ومن الله استمد ان يمهلنى الى ان آخذ بهذا المنوال القرآن العظيم واقضى هذا الوطر الجسيم واتضرع ان يجعله منتفعا به وذخر اليوم والمعاد ونعم المسؤل والمراد. {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم} اى من حلال ما كسبتم او جياده لقوله تعالى {أية : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} تفسير : [آل عمران: 92]وفسر صاحب الكشاف الطيبات بالجياد حيث قال من طيبات ما كسبتم من جياد مكسوباتكم. ذكر بعض الافاضل انه انما فسر الطيب بالجيد دون الحلال لان الحل استفيد من الامر فان الانفاق من الحرام لا يؤمر به ولان قوله تعالى بعده {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} والخبيث هو الرديئ المستخبث يدل على ان المعنى انفقوا مما يستطاب من اكسابكم {ومما} اى ومن طيبات ما {أخرجنا لكم من الأرض} من الحبوب والثمار والمعادن {ولا تيمموا} اى لا تقصدوا {الخبيث} اى الرديئ الخسيس. والخبيث نقيض الطيب ولهما جميعا ثلاث معان الطيب الحلال والخبيث الحرام والطيب الطاهر والخبيث النجس والطيب ما يستطيبه الطبع والخبيث ما يستخبثه {منه تنفقون} الجار متعلق بتنفقون والضمير للخبيث والتقديم للتخصيص والجملة حال من فاعل تيمموا اى لا تقصدوا الخبيث قاصرين الانفاق عليه والتخصيص لتوبيخهم بما كانوا يتعاطونه من انفاق الخبيث خاصة لا تسويغ انفاقه مع الطيب عن ابن عباس رضى الله عنهما انهم كانوا يتصدقون بحشف التمر وشراره فنهوا عنه {ولستم بآخذيه} حال من واو تنفقون اى تنفقون والحال انكم لا تأخذون الخبيث فى معاملاتكم فى وقت من الاوقات او بوجه من الوجوه {إلا أن تغمضوا فيه} اى الا وقت اغماضكم فيه او الا باغماضكم يعنى لو كان لكم على رجل حق فجاء برديئ ماله بدل حقكم الطيب لا تأخذونه الا فى حال الاغماض والتساهل مخافة فوت حقكم او لاحتياجكم اليه من قولك اغمض فلان عن بعض حقه اذا غض بصره ويقال للبائع اغمض اى لا تستقص كأنك لا تبصر {واعلموا أن الله غنى} عن انفاقكم وانما يأمركم به لمنفعتكم. وفى الامر بان يعلموا ذلك مع ظهور علمهم به توبيخ لهم على ما يصنعون من اعطاء الخبيث وايذان بان ذلك من آثار الجهل بشأنه تعالى فان اعطاء مثله انما يكون عادة عند اعتقاد المعطى ان الآخذ محتاج الى ما يعطيه بل مضطر اليه {حميد} مستحق للحمد على نعمه العظام. واعلم ان المتصدق كالزارع والزارع اذا كان له اعتقاد بحصول الثمرة يبالغ فى الزراعة وجودة البذر لتحققه ان جودة البذر مؤثرة فى جودة الثمرة وكثرتها فكذلك المتصدق اذا ازداد ايمانه بالله والبعث والثواب والعقاب يزيد فى الصدقة وجودتها لتحققه ان الله لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه اجرا عظيما والعبد كما اعطى الله احب ما عنده فان الله يجازيه باحب ما عنده كما قال تعالى {أية : هل جزاء إلاحسان إلا إلاحسان} تفسير : [الرحمن: 60]. ودلت الآية على جواز الكسب وان احسن وجوه التعيش هو التجارة والزراعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان اطيب ما اكله الرجل من كسبه وان ولده من كسبهbr>". تفسير : وكذلك اطيب الصدقات ما كانت من عمل اليد شعر : بقنطار زر بخش كردن زكنج نباشد جو قيراط از دست رنج تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يكسب عبد مالا حراما فيتصدق منه فيقبل منه فيبارك له فيه ولا يتركه خلف ظهره الا كان زاده الى النار ان الله تعالى لا يمحوا السيىء بالسيىء ولكن يمحو السيىء بالحسن ان الخبيث لا يمحو الخبيثbr>". تفسير : ووجوه الانفقا والصدقة كثيرة قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من مسلم يغرس غرسا او يزرع زرعا فيأكل منه انسان أو طير أو بهيمة الا كانت له صدقةbr>". تفسير : ـ روى ـ حديث : ان النبى صلى الله عليه وسلم حث اصحابه على الصدقة فجعل الناس يتصدقون وكان ابو امامة الباهلى جالسا بين يدى النبى عليه السلام وهو يحرك شفتيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "انك تحرك شفتيك فماذا تقول" قال انى ارى الناس يتصدقون وليس معى شىء اتصدق به فأقول فى نفسى سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر فقال صلى الله عليه وسلم" هؤلاء الكلمات خير لك من مد ذهبا تتصدق به على المساكين ". تفسير : فعلى العاقل ان يواظب على الاذكار فى الليل والنهار ويتصدق على الفقراء والمساكين بخلوص النية واليقين فى كل حين شعر : كرامت جوانمردى ونان دهيست مقالات بيهوده طبل تهيست تفسير : وجلس الاسكندر يوما مجلسا عاما فلم يسأل فيه حاجة فقال والله ما اعد هذا اليوم من ملكى قيل ولم ايها الملك قال لانه لا توجد لذة الملك الا باسعاف الراغبين واغاثة الملهوفين ومكافأة المحسنين. قال السرى السقطى قدس سره فى وصف الصوفية اكلهم اكل المرضى ونومهم نوم العرضى ومن تخليهم عن الاملاك ومفارقتهم اياها سموا فقراء فالصوفى ما لم يبذل ماله وروحه فى طلب الله فهو صاحب دنيا والدنيا مانعة عن الوصول فعليك بالايثار وكمال الافتقار.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {تيمموا}: أصله: تتيمموا، أي تقصدوا، وجملة {تنفقون}: حال مقدرة - من فاعل {تيمموا}، و {منه} : يصح أن يتعلق بـ {تنفقون} أو بـ {الخبيث}، أي؛ ولا تقصدوا الخبيث حال كونكم تنفقونه، أو لا تقصدوا الخبيث تنفقون منه، و {لستم بآخذيه}: حال أيضاً من فاعل {تنفقون}. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم} من الأموال في التجارة وغيرها، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : يا معشرَ التُجار، أنتم فُجار إلا من اتقى وبَرَّ وصَدَق وَقَالَ بالمال هكذا وهكذا ". تفسير : وقوله: {من طيبات ما كسبتم} أي: من حلاله، أو من خياره، أما في الزكاة فعلى الوجوب، إذ لا يصح دفع الرديء فيها، وأما من التطوع فعلى سبيل الكمال، وأنفقوا أيضاً من طيبات {ما أخرجنا لكم من الأرض} من أنواع الحبوب والثمار والفواكه، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : مَا مِنْ مُسْلِم يَغْرِسَ غَرْساً، أَوْ يَزرَعُ زَرْعاً، فَيَأكُلُ مِنهُ إنْسَانٌ ولا دَابَّةٌ ولاَ طَائِرٌ، إلاَّ كَانَت لَهُ صدقةً إلى يَوَمِ الِقِيَامِةِ"تفسير : . ولا تقصدوا {الخبيث} أي: الرديء من أموالكم، فتنفقون منه وأنتم {لستم بآخذيه} في ديونكم {إلا أن تُغْمضوا} بصركم فيه، وتقبضونه حياء أو كرهاً أو مسامحة. نزلت في قوم كانوا يتصدقون بخبيث التمر وشراره، فنُهوا عنه، وأدبهم بقوله: {واعلموا أن الله غني} عن إنفاقكم، وإنما أمركم به منفعة لكم، {حميد} بقبوله وإثابته، فهو فعيل بمعنى الفاعل، مبالغة، أي: يحمد فعلكم ويشكره لكم، إن أحسنتم فيه، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : إن الله قَسَم بينَكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم، وإن الله طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيباً، لا يكسبُ عبدٌ مالاً من حرام فيتصدقُ منه فيُقْبل منه، ولا ينفقُ منه فيبَارك له فيه، ولا يتركهُ خلفَ ظهره إلا كان زاده إلى النار، وإن الله لا يمحو السيىء بالسيىء ولكن يمحو السيىء بالحسن، وإن الخبيث لا يمحوه الخبيُ ". تفسير : الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص، أنفقوا العلوم اللدنية والأسرار الربانية، من طيبات ما كسبتم؛ من تصفية أسراركم وتزكية أرواحكم، وأنفقوا أيضاً علوم الشريعة وأنوار الطريقة، مما أخرجنا لكم من أرض نفوسكم التي تزكت بالأعمال الصافية والأحوال المُرْضِية. ولا تيمموا العمل الخبيث أو الحال الخبيث، تريدون أن تنفقوا منه شيئاً من تلك العلوم، فإن ذلك لا يزيد النفس إلا جهلاً وبعداً، فكما أن الحبة لا تنبت إلا في الأرض الطيبة، كذلك النفس لا تُدفن إلا في الحالة المرضية، فلا تؤخذ العلوم اللدنية من النفس حتى تدفن في أرض الخُمول، وأرض الخمول هي الأحوال المرضية، الموافقة للقواعد الشرعية، وإليه الإشارة بقوله: {ولستم بآخذيه} أي: لستم بآخذي العلم اللدني من الحال الخبيث، غلا أن تغيبوا فيه عن حِسَّكم، ومن غلبه الحال لم يبق عليه مقال. وعليها تتخرج قصة لص الحَمَّام، فلا يقتدى به لغلبة الحال عليه، واعلموا أن الله غني حميد، لا يتقرب إليه إلا بما هو حميد. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : المعنى: هذا خطاب للمؤمنين دون سائر الناس وقال الحسن، وعلقمة: كل شيء في القرآن {يا أيها الذين آمنوا} فانما أنزل بالمدينة وكلما فيه {يا أيها الناس} أنزل بمكة وقوله: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم} يدخل فيه الزكاة المفروضة وغيرها من أنواع النفقة. وقال عبيدة السلماني، والحسن: هي مختصة بالزكاة. وقال الجبائي: هي في المتطوع، لأن الفرض من الصدقة له مقدار من القيمة إن قصر كان ديناً عليه إلى أن يؤديه على التمام. فأما إذا كان مال المزكي كله ردياً فجاز له أن يعطي منه ولا يدخل في ما نهي عنه، لأن تقدير ما جعله الله للفقير في مال الغني تقدير حصة الشريك، فليس لأحد الشريكين أن يأخذ الجيد ويعطي صاحبه الردي لما فيه من الوكس فاذا استوى في الرداوة جاز له إعطاء الردي، لأنه حينئذ لم يبخسه حقاً هو له كما يبخسه في الأول وقوله: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} روي عن علي (ع)، والبراء بن عازب، والحسن، وقتادة: أنها نزلت لأن بعضهم كان يأتي بالحشف فيدخله في تمر الصدقة فنزلت فيه الآية. قال ابن زيد: الخبيث الحرام. والأول أقوى، لأنه قال: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم وما أخرجنا لكم من الأرض} ثم قال: {ولا تيمموا الخبيث} يعني من الذي كسبتم إذ أخرجه الله من الأرض. والحرام وإن كان خبيثاً فليس من ذلك غير أنه يمكن أن يراد به ذلك لأنه لا ينافي السبب. وروي عن أبي عبد الله (ع) أنها نزلت في أقوام لهم أموال من ربا الجاهلية كانوا يتصدقون منها، فنهى الله عن ذلك وأمر بالصدقة من الحلال. ويقوي الوجه الاول قوله: {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} والاغماض لا يكون في شيء ردي متسامح في أخذه دون ما هو حرام. وفي الفقهاء من استدل بهذه الآية على أن الرقبة الكافرة لا تجزي في الكفارة وضعفه قوم وقالوا: العتق ليس بانفاق. والاولى أن يكون ذلك صحيحاً لأن الانفاق يقع على كل ما يخرج لوجه الله عتقاً كان أو غيره. اللغة والتيمم: التعمد تيممت الشيء تيمماً. ومنه قوله: {أية : فتيمموا صعيداً طيباً}تفسير : أي تعمدوا، وقال خفاف: شعر : فعمداً على عين تيممت مالكا تفسير : وقال آخر: شعر : يممته الرمح شزراً ًًًثم قلت له هذي المروءة لا لعب الزحاليق تفسير : واليم: لجة البحر، لأنه يتعمد به البعيد من الأرض، ويم الرجل: إذا غرق في البحر، ويم الساحل إذا طما عليه يم البحر فغلب عليه. واليمامة، واليمام: الحمام الطورانية تتعمد إلى أوكارها بحسن هدايتها. وقال الخليل: أممته قصدت أمامه ويممته: تعمدته من أي جهة كان. وقال غيره: هما سواء. والخبيث: الرديء من كل شيء، خبث خبثاً وتخبّث تخبثاً وتخابث تخابثاً وخبثه تخبيثاً. والخبثة: الريبة، وخبث الفضة ما نقاه الكير لأنه ينفي الرديء وأصله الرداءة. الاعراب واللغة: وقوله: {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} إنما فتحت (أن) في قول الفراء من أجل (إلا) إذ وقعت عليها. وهي في موضع خفض في الاصل عنده (إن) لأن الكلام في معنى الجزاء وهو إن أغمضتم بعض الاغماض أخذتموه، ومثله {أية : إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله}تفسير : وأنكر ذلك أبو العباس وقال: (أن) هذه التي بمعنى المصدر مفتوحة على كل حال وذلك نحو أن تأتيني خير لك. وإنما المعنى ولستم بآخذيه إلا لاغماضكم فيه. والاغماض في البيع الحط من الثمن لعيب فيه، أغمض إغماضاً وذلك لاخفاض بعض الثمن بالحط له. والغموض: الخفاء. غمض يغمض غموضاً فهو غامض. والتغميض إطباق الجفن وغمض العين. والغمض المطمئن من الأرض حتى يغيب من فيه وأصل الباب: الخفاء. المعنى: وقيل في معنى {إلا أن تغمضوا فيه} قولان قال البراء بن عازب إلا أن تتساهلوا فيه. وقال ابن عباس، والحسن وقتادة إلا أن تحطّوا من الثمن فيه. وقال الزجاج: ولستم بآخذيه إلا بوكس فكيف تعطونه في الصدقة قال الطرماح ابن حكيم: شعر : لم يفتنا بالوتر قوم وللضيم رجال يرضون بالاغماض تفسير : أي بالوكس قوله: {واعلموا أن الله غني حميد} هاهنا معناه أنه غني عن صدقاتكم وإنما دعاكم إليها لنفعكم، فأما {حميد} ففيه ثلاثة أقوال: أحدها - أنه مستحق للحمد على نعمه. الثاني - موجب للحمد على طاعته. والثالث - قال الحسن: معناه مستحمداً إلى خلقه بما يعطون من النعم لعباده أي مبتدع لهم إلى ما يوجب لهم الحمد. وحميد في هذا الموضع أليق من حليم كما أن حليماً أليق بالآية المتقدمة من حميد، لما بيناه وإنما قلنا ذلك لأنه لما أمرهم بالانفاق من طيب ما كسبوه بين أنه غني عن ذلك وأنه يحمدهم على ما يفعلونه إذا فعلوه على ما أمرهم به ومعناه أنه يجازيهم عليه.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} اراد ان يذكر حال المنفق بعد ما ذكر الاخلاص فى الانفاق وانّ المنفق ينبغى ان يكون جيّداً محبوباً للنّفس لا خبيثاً مكروهاً لها، فنادى المؤمنين تهييجاً لهم بلذّة المخاطبة والنّداء وقال: {أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} حلاله وجيده {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} اى من طيّبات حبوبكم واثماركم والمستخرجات من معادنكم، عن الصّادق (ع) كان القوم قد كسبوا مكاسب سوء فى الجاهليّة فلمّا اسلموا ارادوا ان يخرجوها من اموالهم ليتصدّقوا بها فأبى الله تبارك وتعالى الاّ ان يخرجوا من طيّبات ما كسبوا {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ} تيمّمه قصده وكأنّه مبدل الياء من الهمزة وقرء (تؤمّموا) (وتيمّموا) من باب التفعيل والخبيث الردىّ {مِنْهُ} ممّا كسبتم او {ممّا اخرجنا لكم} او من كلّ واحدٍ على ان يكون متعلّقاً بتيمّموا او من الخبيث على ان يكون متعلّقاً بقوله تعالى {تُنْفِقُونَ} والجملة حال او مستأنفة {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} نزلت فى اقوام لهم اموال من ربوا الجاهليّة وكانوا يتصدّقون منها، وفى خبرٍ آخر انّها نزلت فى اقوام كانوا يجيئون بالحشف فيدخلونه فى تمر الصّدقة، وفى خبرٍ آخر اذا امر رسول الله (ص) بالنّخل ان يزكّى يجيئ قوم بألوان من التّمر هو من اردى التّمر يؤدّونه من زكاتهم تمرة، يقال له الجعرور والمعافارة قليلة اللّحا عظيمة النّوى وكان بعضهم يجيء بها عن التّمر الجيّد فقال رسول الله (ص) لا تخرصوا هاتين التّمرتين ولا تجيئوا منهما بشيءٍ وفى خبر آخر انّها نزلت فى صدقة الفطر كانوا يأتون بها الى مسجد رسول الله (ص) وفيها أردى التّمر ويستفاد من مجموع الاخبار انّه لا اختصاص للطيّب بالحلال ولا للخبيث بالحرام ولا للصّدقة بالواجبة ولا للواجبة بزكوة المال {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ} يعنى انّ المحتاج قد يقبل الرديء لحاجته والله غنىّ لا يقبل الرديء اصلاً {حَمِيدٌ} يعنى الغنىّ الذميم قد يقبل الردىّ بخلاف الحميد فهما كناية عن عدم قبول الردىّ اصلاً.

اطفيش

تفسير : {يَا أيُّها الَّذينَ آمنُوا أنفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُم}: أى مما هو طيب عقلا وهو الحلال مطلقا أجود أو جيد أو دون ذلك، إلا أنه غير ردئ لقوله: {ولا تيمموا الخبيت منه تنفقون}، أو المراد بالطيبات ما هو طيب حسا وهو الجيد والأجود، وعلى هذا الجمهور، فإن العرف فيما دون ذلك أنه لا يقال له طيب، ويدل على أن المراد بالطيبات ما طاب عقلا قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث إذا كن فى التاجر طاب كسبه: لا يعيب إذا اشترى، ولا يمدح إذا باع، ولا يكذب"تفسير : ويروى: "حديث : ولا يحلف"تفسير : ، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عمل الرجل بيده جوابا لمن قاله أى الكسب أطيبه"تفسير : ، وقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وأن ولده من كسبه"تفسير : ، وبذلك يقول ابن زيد فيفسر الخبيث بعد بالحرام، والشهبة، ومن فسر الطيبات بالجيد والأجود فسر الخبيث بما دون ذلك، ويمكن أن يفسره أيضاً بالحرام والشبهة، والمراد بقوله: {ما كسبتم}، ما ملكتم، ولو بهبة وميراث، فيكون من استعماله المقيد فى المطلق، ويجوز أن يراد ما كسب بنحو تجر أو عناء، وخص بالذكر بأن الأجر فى إنفاقة أعظم، لأن النفس عليه أشح ولغيره أيضاً ثواب، ومفعول أنفقوا محذوف منعوت بقوله: {من طيبات} أى شيئا من طيبات، أو من مفعول على القول بأن من التبعيضية اسم مضاف، أى أنفقوا بعض طيبات، واختلف فى الإنفاق فى الآية فقيل: الزكاة فالأمر للوجوب، وقيل: التطوع فالأمر للندب، وقيل: الزكاة والتطوع، فمن أجاز الجمع بين الحقيقة والمجاز وقال: إن الأمر حقيقة فى الوجوب، قال هو الوجوب والندب، ومن منع قال مستعمل فى عموم المجاز، وهو هنا مطلق الطلب، بقطع النظر عن وجوب وندب، ومن قال: مشترك بينهما وأجاز استعمال المشترك فى معنييه أو معانيه قال: هو فى الآية لهما كل مال لتجر تلزم فيه الزكاة ولو داراً أو نخلا، كالتى يعامل بها صاحبها أو ببعضها لمن أراد أخذ الدين، كما قال ابن جعفر، وزعم داود: أن مال التجر الذى هو عروض لا زكاة فيه، إلا إن نوى لتجربه حين تملكه ولما يكمل على أن الزكاة فى الأصل الذى يتجربه وفى العروض المتجر به قول سمرة بن جندب أن رسول الله صلى لله عليه وسلم: يأمرنا بإخراج الصدقة من الذى يعد للبيع والشراء فترى كثيراً من الناس يعدون دارا لكل من أراد معاملة ولا يزكيها بالقيمة حين زكاته، وهو منكر. {وممَّا أَخْرَجْنا لَكُم مِّنَ الأرْضِ}: هو على حد ما مر أن المراد الزكاة أو التطوع أو كلاهما، زعمت الظاهرية بهذه الآية أن الزكاة تجب فى كل ما يزرعه الإنسان، وفيما كثر منه أو قل، وهو قول أبى حنيفة، ويرده من حيث التقدير، حديث: "حديث : لا زكاه فيما دون خمسة أوساق"تفسير : ولا زكاة عندنا فيما أنبتت الأرض إلا الحبوب الستة. وقال جمهور الأمة بوجوبها فى كل ما يقتات ويدخر من الحبوب، كالعنب والتين إذا بلغت النصاب، ويرد على من أوجبها فى كل ما يزرع، حديث : أن معاذ بن جبل كتب إلى النبى صلى الله عليه وسلم يسأله عن ثمر الخضراوات وهى البقول؟ فقال: "ليس فها شئ" حديث : وأن عبد الله ابن المغيرة أراد أن يأخذ من أرض موسى بن طلحة من الخضراوات صدقة فقال له موسى بن طلحة: ليس لك ذلك، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "ليس فى ذلك صدقة"تفسير : ، والظاهر أن المراد الندب إلى صدقة التطوع، فعن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طائر أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة"تفسير : ، ولا تقبل صدقة برئاء ولا من حرام، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: يا رسول الله ما الشرك الأصغر؟ قال: الرئاء يقال لهم يوم يجازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون فى الدنيا، انظروا هل تجدون عندهم جزاء"تفسير : ، وعن أبى هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشركة، من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه"تفسير : وعن خولة الأنصارية: سمعت رسول الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن هذا المال خضر حلو من أصابه بحقه بورك فيه ورب متخوض فيما شاءت نفسه من مال الله ورسوله ليس له يوم القيامة إلا النار"تفسير : ، وعن أبى هريرة: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يأتى على الناس زمان لا يبالى المرء ما أخذ من حلال أم من حرام"تفسير : ويبعد أن يراد بما أخرجنا لكم من الأرض كنز الجاهلية، والمعدن، بأن يأمر بإخراج الواجب فيهما، ثم رأيت القاضى قال: ما أخرجنا من الحبوب والثمرات والمعادن، وإنما أعاد ذكر من، ولم يقل وما أخرجنا ليكون أعظم دلالة على تعدد الإنفاق، وفى ذلك حذف مضاف، أى ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض دل عليه قوله من طيبات ما كسبتم وقوله: {ولا تَيمَّمُوا الخَبيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ}: لا تقصد والحرام والردئ، ومنه متعلق بتنفقون، والهاء للخبيث، وجملة تنفقون حال من الخبيث، والرابط الهاء، أو حال من واو تيمموا، والرابط واو تنفقون، والحال مقدرة، وقدم منه للفاصلة والقصد تقريره ذكره من حيث النهى، ويجوز أن يقال قدم للحصر إذا فسرنا الخبيث بالردئ أى لا تقصروا الإنفاق على الردئ، بل أنفقوا من الجيد والردئ بحسب ما تيسر، وبحسب الحال، ففى الإنفاق من الجيد إيثار الآخرة، وفى الإنفاق من الردئ تعظيم النعمة أيامّا كانت، وجاء الفوز بإنفاق رديئها وجيدها غير مستحقر لها، يجوز عود الهاء إلى المال المكسوب، وإلى ما أخرجنا فيتعلق بمحذوف حال من الخبيث، وحينئذ يكون تنفقون حال من الواو، أو من الخبيث أى تنفقونه بحذف رابط الحال، إذا كان صاحب الحال لفظ الخبيث، وإذا عادت الهاء إلى ما أخرجنا، فإنما خص المخرج من الأرض بالنهى على إنفاق الخبيث منه، لأن التفاوت بين أنواعه وأشخاصه أكثر من التفاوت فى غيره، والصحيح عندى أن الخبيث بمعنى الردئ، ووجه النهى عن إنفاقه أن يلزمه فى الزكاة الجيد فيعطى مكانه الخبث، أو ينفق فى التطوع الردئ لشدة شح نفسه وإيثاره الدنيا على الآخرة، ولكون نفسه استغنت عن ذلك الردئ، فصار ينفقه ويمسك الجيد، وردها الحسن إلى المال المكسوب مطلقا، إذا قال كانوا يتصدقون بأردَئ دراهمهم وأردأ فضتهم وأردئ طعامهم، فنهاهم الله عن ذلك، وأما من ينفق الردأ وقد أحبه ورجى به الثواب، فله الثواب لنحو حديث، ردوا السائل ولو بظلف محرق، ولو كان الأولى لهم أن ينفقوا الجيد، ويدل لذلك ما روى عن على والحسن ومجاهد فى سبب نزول الآية أنهم كانوا يتصدقون على سبيل التطوع بشرار ثمارهم، ورذال أموالهم، قال بعضهم: يكون للرجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعمد إلى أردئها فيتصدق به ويخلطه بالحشف، قال الحسن: كما لا يستوى عندكم هذا الردئ والجيد، كذلك لا يستويان عند الله. وما روى عن ابن عباس رضى الله عنهماحديث : أن رجلا جاء ذات يوم يفرق حشفاً فوضع فى الصدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بئس ما صنع هذا"تفسير : ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ويدل لذلك أيضا قوله تعالى: {ولستم بآخذية إلا أن تغمضوا فيه}، وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثهُ إلى اليمن: "حديث : أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وتوضع فى فقرائهم، وإياك وكرائم أموالهم"تفسير : فأمره بالأوسط، لا بالجيد والأجود، وأما ما قيل: لو أريد بالطيب الجيد، وبالخبيث الردئ، لكان ذلك أمراً بإنفاق الجيد ولو حراماً، فلا يتم لأن إنفاق الحرام معلوم تحريمه من الدين والعقل ضرورة، والتخصيص بالحلال أمر جلى لا يخفى فيرتكب، ولو كان خلاف الأصل، وأصل تيمموا: تتيمموا حذفت إحدى التائين تخفيفاً، وقرأ عبد الله بن مسعود: ولا تأمموا، وأصله أيضاً تتأمموا بتائين، وقرأ ابن عباس: تيموا، بتاء واحدة مضمومة. يقال يممه وتأممه، ويممه بمعنى قصده، وقرأ ابن البر: ولا يتمموا بتشديد التاء، وكذا ألا {أية : تفرقوا}،تفسير : فى آل عمران،{أية : والذين توفاهم}،تفسير : فى النساء، {أية : ولا تعاونوا}، تفسير : فى المائدة، و{أية : فتفرق بكم عن سبيله}، تفسير : فى الأنعام {أية : فإذا هى تلقف}تفسير : فى الأعراف وطه والشعراء،{أية : ولا تنازعوا}تفسير : فى الأنفال، {أية : وهل تربصون} تفسير : فى التوبة {أية : وإن تتولوا} {أية : فإن تولوا}تفسير : و {أية : لا تكلم نفس} تفسير : فى هود،{أية : وما تنزل}تفسير : فى الحجر، و{أية : إذ تلقونهُ}، {أية : فإن تولوا فإنما}تفسير : فى النور {أية : وما تنزلت به الشياطين}تفسير : تنزل فى الشعراء {أية : ولا تبرجن} {أية : ولا أن تبدل}تفسير : فى الأحزاب و{أية : لا تناصرون}تفسير : فى الصافات {أية : ولا تنابزوا} {أية : ولا تجسسوا}تفسير : و {أية : لتعارفوا}تفسير : فى الحجرات{أية : وإن تولوهم} تفسير : فى الممتحنة، {أية : تكاد تميز}تفسير : فى الملك و{أية : لما تخيرون}تفسير : فى نون والقلم و{أية : عنه تلهى}تفسير : فى عبس، و{أية : نارا تلظى}تفسير : فى الليل و{أية : من ألف شهر تنزل}،تفسير : فى القدر قال أبو الفرج النجاد المقر عن قراءته على أبى الفتح ابن بدهن عن أبى بكر الزبلينى، عن أبى ربيعة، عن البزى{أية : ولقد كنتم تمنون}تفسير : فى آل عمران، و{أية : فظلتم تفكهون}تفسير : فى الواقعة، فهذه ثلاثة وثلاثون موضعا يشدد فيه البزى تاء المضارع فى الوصل وإن ابتدأ بها خفف، وإن كان حرف المد قبلها وصل زاد فى التمكين وغيره يخفف التآء وصلا ووقفا. {ولّسْتُم بآخذِيه إلاَّ أن تُغْمِضُوا فيه}: والواو للحال، وصاحبها لفظ الخبيث أو الهاء فى منه إذا رجعت إلى لفظ الخبيث أو صاحب الحال، واو {يتمموا} أو واو {تنفقون} أى حال كونكم لا تأخذونه فى حقوقكم لكونه رديئاً إلا أن تتسامحوا فيه وترو أنكم عفوتم عن بعض حقكم، قالهُ الكلبى. وقال الحسن: وجدتموه فى السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه، وقال البراء بن عازب: نزلت الآية فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، ويأتى الرجل من نخله على قدر قلته وكثرته، ويأتى الرجل بالقنو والقنوين يعلقه فى المسجد، ولا طعام لأهل الصفة، فإذا جاء أحدهم ضربه بعصاه فسقط البسر والتمر، فيأكل، وكان ناس من الأنصار ممن لا يرغب فى الخير، يأتى بالقنو فيه الشيص والحشف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات}، إلى قوله {إلا أن تغمضوا فيه} قال: لو أن أحدكم أهدى إليه مثل ما أعطوا لم يأخذه إلا على الإغماض وحياء: فكنا بعد ذلك يأتى أحدنا بصالح ما عنده، وعن مجاهد إلا أن تأخذوه عن غرمائكم بزيادة على الطيب فى الكيل والأصل، بأن تغمضوا، فحذف الباء، والإغماض غض البصر تجوز به استعارة إلى معنى تسامحوا أى قبلهُ برداءته، كأنهُ، لم يره، ثم رأيت الزمخشرى قال: إنك تقول أغمض فلان عن بعض حقه إذا غض بصره، ويقال للبائع أغمض، أى لا تستقص كأنك لا تبصر، وقرأ الحسن والزهرى، تغمضوا بضم التاء وفتح التاء مشددة من غمض الثلاثى للتعدية، فكان رباعيا بالزيادة، أى إلا أن تحملوا على الغمض، لأنه يقال غمض بالتخفيف وأغمض بمعنى، وقرأ قتادة تغمضوا بالبناء للمعفول والتخفيف من أغمض بمعنى صيره غامضا، فالهمزة للتعدية غمض الثلاثى أو بمعنى وجده غامضاً، كأحمدتك أى وجدتك محمودا، أى إلا أن تقهروا على الغمض، أو تصاوفوا غامضين {واعْلَمُوا أنَّ اللّهَ غَنىٌّ}: عن صدقاتكم، وإنما يعود نفعها إليكم فكيف لا تنفقون أو تنفقون الردئ وتمسكوا الجيد.. {حَمِيدٌ}: محمود بقبول الصدقة والإثابة عليها، أو حامد أى شاكر عليها، ولما أمر بالإنفاق وتطيب النفقة حذرنا عن وسوسة الشيطان بقبوله{أية : لعنه الله}تفسير : إن نفقت صرت فقيرا فقال تعالى: {الشَّيْطانُ يَعِدُكم الفَقْر ..}

اطفيش

تفسير : {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْفِقُواْ} أدوا الزكاة {مِن طَيِّبَٰتِ} جودة وحلا {مَا كَسَبْتُمْ} من الذهب والفضة وعروض التجارة وأصول التجارة والأنعام الثمانية، والإيمان شامل للأعمال الصالحة عندنا، وهكذا إذا لم يذكر العمل الصالح {وَمِمَّآ} أى ومن طيبات ما {أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ} من الحبوب الستة، وقيل، والفول والعدس والتين والزيتون، ونحو ذلك مما بلغ نصابا، وأبحاث ذلك فى الفروع، وأخطا أبو حنيفة إذ أوجبها فى كل ما أنبتت ولو بقولا وبطيخاً ولو قليلا، وما أخرج الله من الأرض هو من جملة ما يكسب، وخصه بالذكر لأن التفاوت فيه كثير {وَلاَ تَيَمَّمُواْ} أصله، تتيمموا، حذفت إحدى التاءين، أى تقصدوا {الْخَبِيثَ} رداءة {مِنْهُ} من الخبيث حال كونكم {تُنْفِقُونَ} حال، أى مقدرين الإنفاق منه، ومن تتعلق بتنفقون، أو يتعلق بمحذوف حال من الخبيث، فتكون الهاء لما ذكر من طيبات ما كسبوا وما أخرج الله من الأرض، أو للمال الذى فى ضمن القسمين، أو لما أخرجنا، وخصه بالذكر، لأن الرداءة فيه أكثر، وكذا الحرمة، لتفاوت أصنافه ومجالبه {وَلَسْتُمْ بِئَاخِذِيهِ} تنفقون منه، والحال أنكم لستم بآخذيه فى حقوقكم، كدين وصداق وأرش لرداءته فأولى ألا ينفق لحرمته، لمنع الشرع من التصرف فى المال الحرام إلا بأدائه لصاحبه، أو للفقراء، أو إصلاحه من فساد مع توبة وضمان {إِلآَّ أَن تُغْمِضُواْ} بأن تغمضوا، أو إغماضاً، أى وقت إغماض على حذف مضاف، لا بالنصب على الظرفية، لأن شرطه التصريح بالمصدر، أو وجود ما المصدرية {فِيهِ} فى شأنه بالقبول من أغمض بمعنى غمض، أى غض بصره، استعير للمسامحة بقبوله مع رداءته، كمن لم ير بعينه عيباً، وهو متعد حذف مفعوله كما رأيت، وقيل، لازم، ومعناه، تساهلتم فى شأنه وتغافلتم {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَنِىٌّ} عن نفقاتكم، فتحروا فيها الطيب، لعود نفعها إليكم {حَمِيدٌ} كثير الحمد، أو عظيمه، أى الشكر، أى الجزاء على الطاعة، ومنه قبول الجيد والإثابة عليه، أو محمود على آلائه، ومن الحمد عليها إنفاق الجيد، كانوا يتصدقون بحشف التمر ورديئه ويمسكون جيده، فنهوا عن ذلك.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيّبَـٰتِ} أي جياد أو حلال/ {مَا كَسَبْتُم} أي الذي كسبتموه أو كسبكم أي مكسوبكم من النقد وعروض التجارة والمواشي. وأخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في {طَيّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ}: من الذهب والفضة وفي قوله تعالى: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ ٱلأَرْضِ} يعني من الحب والتمر وكل شيء عليه زكاة، والجملة لبيان حال ما ينفق منه إثر بيان أصل الإنفاق وكيفيته وأعاد (من) في المعطوف لأن كلاً من المتعاطفين نوع مستقل، أو للتأكيد ـ ولعله أولى ـ وترك ذكر ـ الطيبات ـ لعلمه مما قبله، وقيل: لعلمه مما بعد، وبعض جعل (ما) عبارة عن ذلك. {وَلاَ تَيَمَّمُواْ} أي تقصدوا وأصله تتيمموا بتاءين فحذفت إحداهما تخفيفاً إما الأولى وإما الثانية على الخلاف، وقرأ عبد الله (ولا تأمموا)، وابن عباس (تيمموا) بضم التاء والكل بمعنى {ٱلْخَبِيثَ} أي الردىء وهو كالطيب من الصفات الغالبة التي لا تذكر موصوفاتها {مِنْهُ تُنفِقُونَ} الضمير المجرور للخبيث وهو متعلق ـ بتنفقون ـ والتقديم للتخصيص، والجملة حال مقدرة من فاعل {تَيَمَّمُواْ} أي لا تقصدوا الخبيث قاصرين الإنفاق عليه، أو من الخبيث أي مختصاً به الإنفاق، وأياً ما كان لا يرد أنه يقتضي أن يكون النهي عن الخبيث الصرف فقط مع أن المخلوط أيضاً كذلك لأن التخصيص لتوبيخهم بما كانوا يتعاطون من إنفاق الخبيث خاصة. فعن عبيدة السلماني قال: سألت علياً كرم الله تعالى وجهه عن هذه الآية فقال: نزلت في الزكاة المفروضة كان الرجل يعمد إلى التمر فيصرمه فيعزل الجيد ناحية فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه من الردىء فقال الله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} وقيل: متعلق بمحذوف وقع حالاً من (الخبيث)، والضمير راجع إلى المال الذي في ضمن القسمين، أو لما أخرجنا وتخصيصه بذلك لأن الرداءة فيه أكثر وكذا الحرمة لتفاوت أصنافه ومجالبه، و {تُنفِقُونَ} حال من الفاعل المذكور ـ أي ولا تقصدوا الخبيث كائناً من المال ـ أو مما أخرجنا لكم منفقين إياه. وقوله تعالى: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} حال على كل حال من ضمير {تُنفِقُونَ} أي ـ والحال أنكم لستم بآخذيه في وقت من الأوقات ـ أو بوجه من الوجوه {إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} إلا وقت إغماضكم أو إلا بإغماضكم فيه والإغماض كالغمض إطباق الجفن لما يعرض من النوم، وقد استعير هنا ـ كما قال الراغب ـ للتغافل والتساهل، وقيل: إنه كناية عن ذلك ولا يخلو عن تساهل وتغافل، وذكر أبو البقاء أنه يستعمل متعدياً ـ وهو الأكثر ـ ولازماً مثل أغضى عن كذا، والآية محتملة للأمرين، وعلى الأول: يكون المفعول محذوفاً أي أبصاركم، والجمهور على ضم التاء وإسكان العين وكسر الميم. وقرأ الزهري ـ تغمضوا ـ بتشديد الميم، وعنه أيضاً ـ تغمضوا ـ بضم الميم وكسرها مع فتح التاء، وقرأ قتادة ـ تغمضوا ـ على البناء للمفعول أي تحملوا على الإغماض أي توجدوا مغمضين وكلا المعنيين مما أثبته الحفاظ ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والمنسبك من {أَنْ} والفعل على كل تقدير في موضع الجر كما أشرنا إليه، وجوز أبو البقاء أن يكون في موضع النصب على الحالية، وسيبويه لا يجوز أن تقع {أن} وما في حيزها حالاً، وزعم الفراء {أَنْ} هنا شرطية لأن معناه إن أغمضتم أخذتم، وينبغي أن يغمض طرف القبول عنه، ومن البعيد في الآية ما قيل: إن الكلام تم عند قوله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ} ثم استؤنف فقيل على طريقة التوبيخ والتقريع: {مِنْهُ تُنفِقُونَ} والحال ـ أنكم لا تأخذونه إلا إن أغمضتم ـ فيه ومآله الاستفهام الإنكاري فكأنه قيل: أمنه تنفقون الخ، وهو على بعده خلاف التفاسير المأثورة عن السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم. /{وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ} عن نفقاتكم وإنما أمركم بها لانتفاعكم، وفي الأمر بأن يعلموا ذلك مع ظهور علمهم به توبيخ لهم على ما يصنعون من إعطاء الخبيث وإيذان بأن ذلك من آثار الجهل بشأنه عن شأنه {حَمِيدٌ} أي مستحق للحمد على نعمه، ومن جملة الحمد اللائق بجلاله تحري إنفاق الطيب مما أنعم به، وقيل: حامد بقبول الجيد والإثابة عليه. واحتج بالآية على وجوب زكاة قليل ما تخرجه الأرض وكثيره حتى البقل، واستدل بها على أن من زرع في أرض اكتراها فالزكاة عليه لا على رب الأرض لأن {أَخْرَجْنَا لَكُم} يقتضي كونه على الزارع وعلى أن صاحب الحق لا يجبر على أخذ المعيب بل له الرد وأخذ سليم بدله.

ابن عاشور

تفسير : إفضاء إلى المقصود وهو الأمرُ بالصدقات بعد أن قُدم بين يديه مواعظ وترغيبٌ وتحذير. وهي طريقة بلاغية في الخطابة والخِطاب. فربما قدموا المطلوب ثم جاؤوا بما يكسبه قبولاً عند السامعين، وربما قدموا ما يكسب القبولَ قبل المقصود كما هنا. وهذا من ارتكاب خلاف مقتضى الظاهر في ترتيب الجُمل، ونكتة ذلك أنّه قد شاع بين الناس الترغيب في الصدقة وتكرّر ذلك في نزول القرآن فصار غرضاً دينياً مشهوراً، وكان الاهتمام بإيضاحه والترغيب في أحواله والتنفير من نقائصه أجدر بالبيان. ونظير هذا قول علي في خطبته التي خطبها حين دخل سُفيان الغَامِدي ــــــ أحد قواد أهل الشام ــــــ بلدَ الأنبار ــــــ وهي من البلاد المطيعة للخليفة علي ــــــ وقتلوا عاملها حسان بنَ حسان البَكري: «أما بعد فإنّ من تَرك الجهاد رغبةَ عنه ألبسه الله ثوبَ الذل، وشملُه البلاء، ودُيِّثَ بالصّغار، وضرب على قلبه، وسيم الخَسْفَ، ومُنِع النِّصْف. ألاَ وإنِّي قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً وقلتُ لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غُزِي قوم في عُقْر دارهم إلاّ ذلوا، فتواكلتم. هذا أخو غامد قد وردتْ خيلُه الأنباء» إلخ. وانظر كلمة «الجهاد» في هذه الخطبة فلعل أصلها القِتال كما يدل عليه قوله بعده إلى قتال هؤلاء فحَرفَها قاصِدٌ أو غَافِلٌ ولا إخالها تصدر عن علي رضي الله عنه. والأمر يجوز أن يكون للوجوب فتكون الآية في الأمر بالزكاة، أو للندب وهي في صدقة التطوّع، أو هو للقدر المشترك في الطَلب فتشمل الزكاة وصدقة التطوّع، والأدلة الأخرى تبيّن حكم كل. والقيد بالطَّيِّبَات يناسب تعميم النفقات. والمراد بالطيّبات خيار الأموال، فيطلق الطيِّب على الأحسن في صنفه. والكَسب ما يناله المرء بسعيه كالتجارة والإجارة والغنيمة والصيد. ويطلق الطيّب على المال المكتسب بوجه حلال لا يخالطه ظلم ولا غشّ، وهو الطيّب عند الله كقول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : من تصدق بصدقة من كسب طيّب ــــــ ولا يقبل الله إلاّ طيّباً ــــــ تلقّاها الرحمن بيمينه » تفسير : الحديث، وفي الحديث الآخر: « حديث : إنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّباً ». تفسير : ولم يذكر الطيّبات مع قوله: {ومما أخرجنا لكم من الأرض} اكتفاء عنه بتقدم ذكره في قسيمه، ويظهر أنّ ذلك لم يقيّد بالطيّبات لأنّ قوله: {أخرجنا لكم} أشعر بأنّه مما اكتسبه المرء بعمله بالحرث والغرس ونحو ذلك، لأنّ الأموال الخبيثة تحصل غالباً من ظُلم الناس أو التحيّل عليهم وغشّهم وذلك لا يتأتّى في الثمرات المستخرجة من الأرض غالباً. والمراد بما أخرج من الأرض الزروع والثمار، فمنه ما يخرج بنفسه، ومنه ما يعالج بأسبابه كالسقي للشجر والزرع، ثم يخرجه الله بما أوجد من الأسباب العادية. وبعض المفسرين عد المعادن داخلة في {ما أخرجنا لكم من الأرض}. وتجب على المعدن الزكاة عند مالك إذا بلغ مقدار النّصاب، وفيه ربع العشر. وهو من الأموال المفروضة وليس بزكاة عند أبي حنيفة، ولذلك قال فيه الخمس. وبعضهم عدّ الركاز داخلاً فيما أخرج من الأرض ولكنّه يخمس، والحق في الحكم بالغنيمة عند المالكية. ولعلّ المراد بما كسبتم الأموال المزكّاة من العين والماشية، وبالمخرج من الأرض الحبوب والثمار المزكّاة. وقوله: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} أصل تيمّموا تتيمموا، حذفت تاء المضارعة في المضارع وتَيمّم بمعنى قصد وعمد. والخبيث الشديد سُوءاً في صنفه فلذلك يطلق على الحرام وعلى المستقذر قال تعالى: { أية : ويحرم عليهم الخبايث } تفسير : [الأعراف: 157] وهو الضدّ الأقصى للطيّب فلا يطلق على الرديء إلاّ على وجه المبالغة، ووقوع لفظه في سياق النهي يفيد عموم ما يصدق عليه اللفظ. وجملة {منه تنفقون} حال، والجار والمجرور معمولان للحال قدماً عليه للدلالة على الاختصاص، أي لا تقصدوا الخبيث في حال إلاّ تنفقوا إلاّ منه، لأنّ محل النهي أن يخرج الرجل صدقته من خصوص رديء ماله. أما إخراجه من الجيدَ ومن الرديء فليس بمنهي لا سيما في الزكاة الواجبة لأنّه يخرج عن كل ما هو عنده من نوعه. وفي حديث «الموطأ» في البيوع « حديث : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أرسل عاملاً على صدقات خيبر فأتاه بتَمْر جَنيب فقال له: أكُلُّ تَمْرِ خيبر هكذا قال: لا، ولكنّي أبيع الصاعين من الجَمْع بصاع من جنيب. فقال له: بع الجمع بالدّراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً »، تفسير : فدل على أنّ الصدقة تؤخذ من كل نصاب من نوعه، ولكنّ المنهي عنه أن يخصّ الصدقة بالأصناف الرديئة. وأما في الحيوان فيؤخذ الوسط لتعذّر التنويع غالباً إلاّ إذا أكثر عدده فلا إشكال في تقدير الظرف هنا. وقرأ الجمهور {تَيمّموا} بتاء واحدة خفيفة وصْلاً وابتداء، أصله تَتيمّموا، وقرأه البزي عن ابن كثير بتشديد التاء في الوصل على اعتبار الإدغام. وقوله: {ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه} جملة حالية من ضمير تنفقون ويجوز أن يكون الكلام على ظاهره من الإخبار فتكون جملة الحال تعليلاً لنهيهم عن الإنفاق من المال الخبيث شرعاً بقياس الإنفاق منه على اكتسابه قياس مساواة أي كما تكرهون كسبه كذلك ينبغي أن تكرهوا إعطاءه. وكأنّ كراهية كسبه كانت معلومة لديهم متقرّرة في نفوسهم، ولذلك وقع القياس عليها. ويجوز أن يكون الكلام مستعملاً في النهي عن أخذ المال الخبيث، فيكون الكلام منصرفاً إلى غرض ثانٍ وهو النهي عن أخذ المال الخبيث والمعنى لا تأخذوه، وعلى كلا الوجهين هو مقتضٍ تحريم أخذ المال المعلومة حِرمته على من هو بيده ولا يُحلّه انتقاله إلى غيره. والإغماض إطباق الجفن ويطلق مجازاً على لازم ذلك، فيطلق تارة على الهناء والاستراحة لأنّ من لوازم الإغماض راحة النائم قال الأعشى: شعر : عليكِ مثلُ الذي صَلِّيتِ فاغْتمضي جَفْناً فإنّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعَا تفسير : أراد فاهنئي. ويطلق تارة على لازمه من عدم الرؤية فيدل على التسامح في الأمر المكروه كقول الطرماح: شعر : لم يَفُتْنا بِالْوِتْرِ قَوْمٌ وَللضّيْمِ ِ رجالٌ يَرْضَوْن بالإغماض تفسير : فإذا أرادوا المبالغة في التغافل عن المكروه الشديد قالوا أغمض عينه على قذى؛ وذلك لأنّ إغماض الجفن مع وجود القذى في العين. لقصد الراحة من تحرّك القذى، قال عبد العزيز بن زُرَارة الكَلاَئي: شعر : وأغْمَضْتُ الجُفُونَ على قَذَاها ولَمْ أسْمَعْ إلى قالٍ وقِيلِ تفسير : والاستثناء في قوله: {إلا أن تغمضوا فيه} على الوجه الأول من جعل الكلام إخباراً، هو تقييد للنفي. وأما على الوجه الثاني من جعل النفي بمعنى النهي فهو من تأكيد الشيء بما يُشبه ضدّه أما لا تأخذوه إلاّ إذا تغاضيتم عن النهي وتجاهلتموه. وقوله: {واعلموا أن الله غني حميد} تذييل، أي غني عن صدقاتكم التي لا تنفع الفقراء، أو التي فيها استساغة الحرام. حميد، أي شاكر لمن تصدّق صدقة طيّبة. وافتتحه باعلموا للاهتمام بالخبر كما تقدم عند قوله تعالى: { أية : واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه } تفسير : [البقرة: 223]، أو نُزِّل المخاطبون الذين نُهوا عن الإنفاق من الخبيث منزلة من لا يعلم أن الله غني فأعطوا لوجههِ ما يقبله المحتاج بكل حال ولم يعلموا أنّه يحمد من يعطي لوجهه من طيّب الكسب. والغني الذي لا يحتاج إلى ما تكثر حاجة غالب الناس إليه، ولِلَّهِ الغنى المطلق فلا يعطى لأجله ولامتثال أمره إلاّ خير ما يعطيه أحد للغَنِي عن المال. والحميد من أمثلة المبالغة، أي شديد الحَمد؛ لأنه يثني على فاعلي الخيرات. ويجوز أن يكون المراد أنّه محمود، فيكون حَميد بمعنى مفعول، أي فتخلَّقُوا بذلك لأنّ صفات الله تعالى كمالات، فكونوا أغنياء القلوب عن الشحّ محمودين على صدقاتكم، ولا تعطوا صدقات تؤذن بالشحّ ولا تشكرون عليها.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: من طيبات ما كسبتم: من جيّد أموالكم وأصلحها. ومما أخرجنا لكم من الأرض: من الحبوب وأنواع الثمار. ولا تيمموا الخبيث: لا تقصدوا الرديء تنفقون منه. إلا أن تُغْمِضُوا فيه: إلا أن تغضوا أبصاركم عن النظر في رداءته فتأخذونه بتساهل منكم وتسامح. حميد: محمود في الأرض والسماء في الأولى والأخرى لما أفاض ويفيض من النعم على خلقه. يعدكم الفقر: يخوفكم من الفقر ليمنعكم من الإِنفاق في سبيل الله. ويأمركم بالفحشاء: يدعوكم إلى ارتكاب الفواحش ومنها البخل والشح. الحكمة: فهم أسرار الشرع، وحفظ الكتاب والسنّة. أولوا الألباب: أصحاب العقول الراجحة المفكرة فيما ينفع أصحابها. معنى الآيات: بعدما رغب تعالى عباده المؤمنين في الإنفاق في سبيله في الآية السَّابقة ناداهم هنا بعنوان الإِيمان وأمرهم بإخراج زكاة أموالهم من جيد ما يكسبون فقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} يريد الحبوب والثمار كما أن ما يكسبونه يشمل النقدين والماشية من إبل وبقر وغنم، ونهاهم عن التصدق بالردّيء من أموالهم فقال: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} يريد لا ينبغي لكم أن تنفقوا الرديء وأنتم لو أعطيتموه في حق لكم ما كنتم لتقبلوه لولا أنكم تغمضون وتتساهلون في قبوله، وهذا منه تعالى تأديب لهم وتربية. وأعلمهم أخيراً أنه تعالى غنيٌّ عن خلقه ونفقاتهم فلم يأمرهم بالزكاة والصدقات لحاجة به، وإنما أمرهم بذلك لإكمالهم وإسعادهم، وأنه تعالى حميد محمود بماله من إنعام على سائر خلقه كان هذا معنى الآية [267] أما الآية [268] فإنه تعالى يحذر عباده من الشيطان ووساوسه فأخبرهم أن الشيطان يعدهم الفقر أي يخوفهم منه حتى لا يزكوا ولا يتصدقوا ويأمرهم بالفحشاء فينفقون أموالهم في الشر والفساد ويبخلون بها في الخير، والصالح العام أما هو تعالى فإنه بأمره إياهم بالإنفاق يعدهم مغفرة ذنوبهم لأن الصدقة تكفر الخطيئة، وفضلا منه وهو الرزق الواسع الحسن. وهو الواسع الفضل العليم بالخلق. فاستجيبوا أيها المؤمنين لنداء الله تعالى، وأعرضوا عن نداء الشيطان فإنه عدوكم لا يعدكم إلا بالشر، ولا يأمركم إلا بالسوء والباطل، كان هذا ما تضمنته الآية الثانية أما الآية الثالثة (269) فإن الله تعالى يرغِّب في تعلُّم العلم النافع، العلم الذي يحمل على العمل الصالح، ولا يكون ذلك إلا علم الكتاب والسنة حفظاً وفهماً وفقهاً فيهما فقال تعالى: {يُؤْتِي} أي هو تعالى {الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ} ممن طلبها وتعرض لها راغباً فيها سائلا الله تعالى أن يعلمه، وأخبر أخيراً أن من يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً فليطلب العاقل الحكمة قبل طلب الدنيا هذه تذكرة {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب الزكاة في المال الصامت من ذهب وفضة وما يَقومُ مقامهما من العمل وفي الناطق من الإِبل والبقر والغنم إذ الكل داخل في قوله: {مَا كَسَبْتُمْ} وهذا بشرط الحول وبلوغ النصاب. 2- وجوب الزكاة في الحرث: الحبوب والثمار وذلك فيما بلغ نصابا، وكذا في المعادن إذ يشملها لفظ الخارج من الأرض. 3- قبح الإِنفاق من الرديء وترك الجيد. 4- التحذير من الشيطان ووجوب مجاهدته بالإِعراض عن وساوسه ومخالفة أوامره. 5- إجابة نداء الله والعمل بإرشاده. 6- فضل العلم على المال.

القطان

تفسير : لا تيمّموا: لا تقصدوا. تغمضوا: تتساهلوا. تبين لنا هذه الآية الكريمة نوع المال الذي نتصدق به وطريقة الصدقة. يا أيها المؤمنون، اذا تصدقتم فأنفقوا من جيد أموالكم: من كسبكم، ومن أحسن الثمرات لتي تخرجها لكم أرضكم. إياكم ان تقصدوا الخبيث الرديء من أموالكم فتنفقوا منه. فلو قُدم إليكم لرفضتموه، الا أن تُغمضوا فيه.. اي تتسامحوا وتتساهلوا بقبوله. واعلموا ان الله غني عن انفاقكم فلا يصله منه شيء، وانما يأمركم به لمنفعتكم، وهو مستحق لكل حمد، يتقبل الطيبات ويجزي عليها بالحسنى. وقد رُوي في نزول هذه الآيات عدة روايات. منها ما رواه ابن ابي حاتم عن البراء قال: نزلت فينا. كنا اصحابَ نخلٍ فكان الرجل منا يأتي من نخله بالقِنو، فيعلقه في المسجد. وكان أهلُ الصُفّة ليس لهم طعام، فكان أحدهم اذا جاع فضرب بعصاه، سقط البُسر والتمر فيأكل. وكان اناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو الحشَف والشيص، (نوع من رديء التمر) فيعلّقه. فنزلت الآية.. فكنا بعد ذلك يجيء الرجل منا بصالح ما عنده.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُوۤاْ} {طَيِّبَاتِ} {بِآخِذِيهِ} (267) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ بِالإِنْفَاقِ مِنْ أَطْيَبِ المَالِ وَأَجْوَدِهِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ التَّصَدُّقِ بِأرْذَلِ المَالِ وَأخَسِّهِ. لأِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إلاّ طَيِّباً. وَيَقُولُ لَهُمْ لاَ تَقْصُدُوا المَالَ الخَبِيثَ لِتُنْفِقُوا مِنْهُ، وَهذا المَالُ الخَبِيثُ لَو أنَّهُ أُعْطِيَ إلَيْكُمْ لَمَا أخَذْتُمُوهُ، إلاَّ عَنْ إِغْمَاضٍ وَحَيَاءٍ. وَلْيَعْلَمِ المُؤْمِنُونَ أنَّ اللهَ وَإنْ أمَرَهُمْ بِالصَّدَقَاتِ فَإِنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُمْ وَعَنْ صَدَقَاتِهِمْ، وَهُوَ إنمَّا يَحُثُّهُمْ عَلَى التَّصَدُّقِ وَالإِنْفَاقِ لِيسَاوِيَ بَيْنَ الغَنِيِّ وَالفَقِيرِ، وَاللهُ حَمِيدٌ في جَميعِ أفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدرِهِ (وَيُرْوى أنَّ السَّبَبَ فِي نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ هُوَ أنَّ بَعْضَ المُسْلِمينَ كَانُوا يَأْتُونَ بِصَدَقَتِهِمْ مِنْ رَدِيء التَّمْرِ). لا تَيَمَّمُوا - لاَ ًتَقْصُدُوا. لَسْتُمْ بآخِذِيهِ - لاَ تَأخُذُونَهُ لَوْ أنَّهُ أعْطِيَ إِلَيكُمْ. إلاّ أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ - إِلاَّ عَنْ إغْمَاضٍ وَاسْتِحْيَاءٍ وَتَسَاهُلٍ. الخَبيثَ - المَالَ الرَّدِيءَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن هذه الآية تعطي صوراً تحدث في المجتمع البشري. وكانت هذه الصور تحدث في مجتمع المدينة بعد أن أسس فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام. فبعض من الناس كانوا يحضرون العِذق من النخل ويعلقه في المسجد من أجل أن يأكل منه من يريد، والعِذق هو فرع قوي من النخل يضم الكثير من الفروع الصغيرة المعلقة عليها ثمار البلح. وكان بعضهم يأتي بعذق غير ناضج أو بالحَشَف وهو أردأ التمر، فأراد الله أن يجنبهم هذا الموقف، حتى لا يجعلوا لله ما يكرهون، فأنزل هذا القول الحكيم: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267]. إن الإنفاق يجب أن يكون من الكسب الطيب الحلال، فلا تأتي بمال من مصدر غير حلال لتنفق منه على أوجه الخير. فالله طيب لا يقبل إلا طيباً. ولا يكون الإنفاق من رُذَال وردِيء المال. ويحدد الحق سبحانه وتعالى وسيلة الإنفاق من عطائه فيقول: {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} [البقرة: 267] وهو سبحانه يذكرنا دائماً حين يقول: {أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267] ألا تظن الكسب هو الأصل في الرزق. لا، إن الكسب هو حركة موهوبة لك من الله. إنك أيها العبد إنما تتحرك بطاقة موهوبة لك من الله، وبفكر ممنوح لك من الله، وفي أرض سخرها لك الله، إنها الأدوات المتعددة التي خصك بها الله وليس فيها ما تملكه أنت من ذاتيتك. ولكن الحق يحترم حركة الإنسان وسعيه إلى الرزق فيقول: {أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267]. ويحذرنا الحق من أن نختار الخبيث وغير الصالح من نتاج عملنا لننفق منه بقوله سبحانه: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] أي لا يصح ولا يليق أن نأخذ لأنفسنا طيبات الكسب ونعطي الله رديء الكسب وخبيثه؛ لأن الواحد منا لا يرضى لنفسه أن يأخذ لطعامه أو لعياله هذا الخبيث غير الصالح لننفق منه أو لنأكله. {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267] أي أنك أيها العبد المؤمن لن ترضى لنفسك أن تأكل من الخبيث إلاَّ إذا أغمضت عينيك، أو تم تنزيل سعره لك؛ كأن يعرض عليك البائع شيئاً متوسط الجودة أو شيئاً رديئاً بسعر يقل عن سعر الجيد. لقد أراد الحق سبحانه وتعالى أن يوضح لنا بهذه الصور أوجه الإنفاق: * إن النفقة لا تنقص المال وإنما تزيده سبعمائة مرة. * إن النفقة لا يصح أن يبطلها الإنسان بالمن والأذى. * إن القول المعروف خير من الصدقة المتبوعة بالمن أو الأذى. * إن الإنفاق لا يكون رئاء الناس إنما يكون ابتغاءً لمرضاة الله. هذه الآيات الكريمة تعالج آفات الإنفاق سواءً آفة الشُح أو آفة المَنّ أو الأذى، أو الإنفاق من أجل التظاهر أمام الناس، أو الإنفاق من رديء المال. وبعد ذلك يقول سبحانه: {ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} معناهُ لا تَعمَدُوا. والخَبِيثُ: الرَديءُ منهُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} معناه تُرخِصوا فيهِ لأَنْفُسِكُمْ.

الجيلاني

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ} لرضاء الله {مِن طَيِّبَاتِ} جيدات {مَا كَسَبْتُمْ} أي: ما كسبتم في النشأة الأولى بأيديكم بالتجارة والصناعة {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} بلا عمل منكم من الحبوب والثمار والمعدنيات وغير ذلك {وَلاَ تَيَمَّمُواْ} أي: لا تقصدوا {ٱلْخَبِيثَ} الرديء {مِنْهُ} أي: مما كسبتم، ومما أخرجنا لكم حال كونك {تُنْفِقُونَ} للفقراء {وَ} الحال أنكم {لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} من الغير {إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} تسامحوا في أخذه {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ} المدبر لمصالح عباده {غَنِيٌّ} عن إنفاقكم وتصدقكم، وإنما يأمركم به لانتفاعكم إذ هو {حَمِيدٌ} [البقرة: 267] شكور، فما أنتم وإنفاقكم. {ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ} في الإنفاق ويخوفكم منه {وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ} أي: البخف المتجاوز عن الحدود {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم} فيه {مَّغْفِرَةً} لذنوبكم ناشئة {مِّنْهُ وَفَضْلاً} زائداً على وجه التبرع والإكرام خلفاً لما أنفقتم لطلب رضاه {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ} لاضيق في فضله وأحسانه {عَلِيمٌ} [البقرة: 268] بنية من أنفق. {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ} أي: سرائر جميع الأعمال المأمورة لعباده {مَن يَشَآءُ} بفضله وجوده {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} من العباد {فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} لا يحيط بكثرته إلا هو {وَمَا يَذَّكَّرُ} أي: ما يتعظ ويتذكر بهذه الآية {إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [البقرة: 269] الواصلون إلى لب الأمور، المائلون عن قشورها المتجهون إلى الله بالعزائم الصحيحة، المعرضون عن الرخص المؤدية إلى الجرائم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى عباده المؤمنين بالنفقة من طيبات ما يسر لهم من المكاسب، ومما أخرج لهم من الأرض فكما منَّ عليكم بتسهيل تحصيله فأنفقوا منه شكرا لله وأداء لبعض حقوق إخوانكم عليكم، وتطهيرا لأموالكم، واقصدوا في تلك النفقة الطيب الذي تحبونه لأنفسكم، ولا تيمموا الرديء الذي لا ترغبونه ولا تأخذونه إلا على وجه الإغماض والمسامحة { واعلموا أن الله غني حميد } فهو غني عنكم ونفع صدقاتكم وأعمالكم عائد إليكم، ومع هذا فهو حميد على ما يأمركم به من الأوامر الحميدة والخصال السديدة، فعليكم أن تمتثلوا أوامره لأنها قوت القلوب وحياة النفوس ونعيم الأرواح، وإياكم أن تتبعوا عدوكم الشيطان الذي يأمركم بالإمساك، ويخوفكم بالفقر والحاجة إذا أنفقتم، وليس هذا نصحا لكم، بل هذا غاية الغش {أية : إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } تفسير : بل أطيعوا ربكم الذي يأمركم بالنفقة على وجه يسهل عليكم ولا يضركم، ومع هذا فهو { يعدكم مغفرة } لذنوبكم وتطهيرا لعيوبكم { وفضلا } وإحسانا إليكم في الدنيا والآخرة، من الخلف العاجل، وانشراح الصدر ونعيم القلب والروح والقبر، وحصول ثوابها وتوفيتها يوم القيامة، وليس هذا عظيما عليه لأنه { واسع } الفضل عظيم الإحسان { عليم } بما يصدر منكم من النفقات قليلها وكثيرها، سرها وعلنها، فيجازيكم عليها من سعته وفضله وإحسانه، فلينظر العبد نفسه إلى أي الداعيين يميل، فقد تضمنت هاتان الآيتان أمورا عظيمة منها: الحث على الإنفاق، ومنها: بيان الأسباب الموجبة لذلك، ومنها: وجوب الزكاة من النقدين وعروض التجارة كلها، لأنها داخلة في قوله: { من طيبات ما كسبتم } ومنها: وجوب الزكاة في الخارج من الأرض من الحبوب والثمار والمعادن، ومنها: أن الزكاة على من له الزرع والثمر لا على صاحب الأرض، لقوله { أخرجنا لكم } فمن أخرجت له وجبت عليه ومنها: أن الأموال المعدة للاقتناء من العقارات والأواني ونحوها ليس فيها زكاة، وكذلك الديون والغصوب ونحوهما إذا كانت مجهولة، أو عند من لا يقدر ربها على استخراجها منه، ليس فيها زكاة، لأن الله أوجب النفقة من الأموال التي يحصل فيها النماء الخارج من الأرض، وأموال التجارة مواساة من نمائها، وأما الأموال التي غير معدة لذلك ولا مقدورا عليها فليس فيها هذا المعنى، ومنها: أن الرديء ينهى عن إخراجه ولا يجزئ في الزكاة ثم قال تعالى: { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 345- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}: [الآية: 267]، قال: لا تَعْمد إلى رُذالة مالِكَ فتتصدق منه قال: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ}: [الآية: 267]، يقول: إلاّ أن يهضم لكم منه.