Verse. 275 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

اَلشَّيْطٰنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَاْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاۗءِ۝۰ۚ وَاللہُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَۃً مِّنْہُ وَفَضْلًا۝۰ۭ وَاللہُ وَاسِعٌ عَلِيْمٌ۝۲۶۸ۖۙ
Alshshaytanu yaAAidukumu alfaqra wayamurukum bialfahshai waAllahu yaAAidukum maghfiratan minhu wafadlan waAllahu wasiAAun AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الشيطان يعدكم الفقر» يخوفكم به إن تصدقتم فتمسكوا «ويأمركم بالفحشاء» البخل ومنع الزكاة «والله يعدكم» على الإنفاق «مغفرة منه» لذنوبكم «وفضلا» رزقا خلفا منه «والله واسع» فضله «عليم» بالمنفق.

268

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أنه تعالى لما رغب الإنسان في إنفاق أجود ما يملكه حذره بعد ذلك من وسوسة الشيطان فقال: {ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ } أي يقال إن أنفقت الأجود صرت فقيراً فلا تبال بقوله فإن الرحمٰن {يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مّنْهُ وَفَضْلاً } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في الشيطان فقيل إبليس وقيل سائر الشياطين وقيل شياطين الجن والإنس وقيل النفس الأمارة بالسوء. المسألة الثانية: الوعد يستعمل في الخير والشر، قال الله تعالى: {أية : ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الحج: 72] ويمكن أن يكون هذا محمولاً على التهكم، كما في قوله {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }. المسألة الثالثة: الفقر والفقر لغتان، وهو الضعيف بسبب قلة المال وأصل الفقر في اللغة كسر الفقار، يقال: رجل فقر وفقير إذا كان مكسور الفقار، قال طرفة.شعر : إننـي لسـت بمرهـون فقـر تفسير : قال صاحب «الكشاف»: قرىء الفقر بالضم والفقر بفتحتين. المسألة الرابعة: أما الكلام في حقيقة الوسوسة، فقد ذكرناه في أول الكتاب في تفسير {أَعُوذُ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ } روي عن ابن مسعود رضي الله عنه: إن للشيطان لمة وهي الإيعاد بالشر، وللملك لمة وهي الوعد بالخير، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ومن وجد الأول فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقرأ هذه الآية وروى الحسن، قال بعض المهاجرين: من سره أن يعلم مكان الشيطان منه فليتأمل موضعه من المكان الذي منه يجد الرغبة في فعل المنكر. أما قوله تعالى: {وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَاء } ففيه وجوه الأول: أن الفحشاء هي البخل {وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَاء } أي ويغريكم على البخل إغراء الآمر للمأمور والفاحش عند العرب البخيل، قال طرفة:شعر : أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد تفسير : ويعتام منقول من عام فلان إلى اللبن إذا اشتهاه وأراد بالفاحش البخيل، قال تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لِحُبّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } تفسير : [العاديات: 8] وقد نبّه الله تعالى في هذه الآية على لطيفة وهي أن الشيطان يخوفه أولاً بالفقر ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء ويغريه بالبخل، وذلك لأن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فالشيطان لا يمكنه تحسين البخل في عينه إلا بتقديم تلك المقدمة، وهي التخويف من الفقر. الوجه الثاني: في تفسير الفحشاء، وهو أنه يقول: لا تنفق الجيد من مالك في طاعة الله لئلا تصير فقيراً، فإذا أطاع الرجل الشيطان في ذلك زاد الشيطان، فيمنعه من الإنفاق في الكلية حتى لا يعطي لا الجيد ولا الرديء وحتى يمنع الحقوق الواجبة، فلا يؤدي الزكاة ولا يصل الرحم ولا يرد الوديعة، فإذا صار هكذا سقط وقع الذنوب عن قلبه ويصير غير مبال بارتكابها، وهناك يتسع الخرق ويصير مقداماً على كل الذنوب، وذلك هو الفحشاء وتحقيقه أن لكل خلق طرفين ووسطاً فالطرف الكامل هو أن يكون بحيث يبذل كل ما يملكه في سبيل الله الجيد والرديء والطرف الفاحش الناقص لا ينفق شيئاً في سبيل الله لا الجيد ولا الرديء والأمر المتوسط أن يبخل بالجيد وينفق الرديء، فالشيطان إذا أراد نقله من الطرف الفاضل إلى الطرف الفاحش، لا يمكنه إلا بأن يجره إلى الوسط، فإن عصى الإنسان الشيطان في هذا المقام انقطع طمعه عنه، وإن أطاعه فيه طمع في أن يجره من الوسط إلى الطرف الفاحش، فالوسط هو قوله تعالى: {يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ } والطرف الفاحش قوله {وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَاء } ثم لما ذكر سبحانه وتعالى درجات وسوسة الشيطان أردفها بذكر إلهامات الرحمٰن فقال: {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مّنْهُ وَفَضْلاً } فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة، والفضل إشارة إلى ما يحصل في الدنيا من الخلق، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أن الملك ينادي كل ليلة «حديث : اللّهم أعط كل منفق خلفاً وكل ممسك تلفاً»تفسير : . وفي هذه الآية لطيفة وهي أن الشيطان يعدك الفقر في غد دنياك، والرحمٰن يعدك المغفرة في غد عقباك، ووعد الرحمٰن في غد العقبى أولى بالقبول من وجوه أحدها: أن وجدان غد الدنيا مشكوك فيه، ووجدان غد العقبى متيقن مقطوع به وثانيها: أن بتقدير وجدان غد الدنيا، فقد يبقى المال المبخول به، وقد لا يبقى وعند وجدان غد العقبى لا بد من وجدان المغفرة الموعود بها من عند الله تعالى، لأنه الصادق الذي يمتنع وجود الكذب في كلامه وثالثها: أن بتقدير بقاء المال المبخول به في غد الدنيا، فقد يتمكن الإنسان من الانتفاع به وقد لا يتمكن إما بسبب خوف أو مرض أو اشتغال بمهم آخر وعند وجدان غد العقبى الانتفاع حاصل بمغفرة الله وفضله وإحسانه ورابعها: أن بتقدير حصول الانتفاع بالمال المبخول به في غد الدنيا لا شك أن ذلك الانتفاع ينقطع ولا يبقى، وأما الانتفاع بمغفرة الله وفضله وإحسانه فهو الباقي الذي لا ينقطع ولا يزول، وخامسها: أن الانتفاع بلذات الدنيا مشوب بالمضار، فلا ترى شيئاً من اللذات إلا ويكون سبباً للمحنة من ألف وجه بخلاف منافع الآخرة فإنها خالصة عن الشوائب، ومن تأمل فيما ذكرناه علم أن الانقياد لوعد الرحمٰن بالفضل والمغفرة أولى من الانقياد لوعد الشيطان. إذا عرفت هذا فنقول: المراد بالمغفرة تكفير الذنوب كما قال: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } تفسير : [التوبة: 103] وفي الآية لفظان يدلان على كمال هذه المغفرة أحدها: التنكير في لفظة المغفرة، والمعنى مغفرة أي مغفرة والثاني: قوله {مَّغْفِرَةً مّنْهُ } فقوله {مِنْهُ } يدل على كمال حال هذه المغفرة لأن كمال كرمه ونهاية جوده معلوم لجميع العقلاء وكون المغفرة منه معلوم أيضاً لكل أحد فلما خص هذه المغفرة بأنها منه علم أن المقصود تعظيم حال هذه المغفرة، لأن عظم المعطي يدل على عظم العطية، وكمال هذه المغفرة يحتمل أن يكون المراد منه ما قاله في آية أخرى {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ } تفسير : [الفرقان: 70] ويحتمل أن يكون المراد منه أن يجعله شفيعاً في غفران ذنوب سائر المذنبين، ويحتمل أن يكون كمال تلك المغفرة أمراً لا يصل إليه عقلنا ما دمنا في دار الدنيا فإن تفاصيل أحوال الآخرة أكثرها محجوبة عنا ما دمنا في الدنيا، وأما معنى الفضل فهو الخلف المعجل في الدنيا، وهذا الفضل يحتمل عندي وجوهاً أحدها: أن المراد من هذا الفضل الفضيلة الحاصلة للنفس وهي فضيلة الجود والسخاء، وذلك لأن مراتب السعادة ثلاث: نفسانية، وبدنية، وخارجية، وملك المال من الفضائل الخارجية وحصول خلق الجود والسخاوة من الفضائل النفسانية وأجمعوا على أن أشرف هذه المراتب الثلاث: السعادات النفسانية، وأخسها السعادات الخارجية فمتى لم يحصل إنفاق المال كانت السعادة الخارجية حاصلة والنقيضة النفسانية معها حاصلها ومتى حصل الإنفاق حصل الكمال النفساني والنقصان الخارجي ولا شك أن هذه الحالة أكمل، فثبت أن مجرد الإنفاق يقتضي حصول ما وعد الله به من حصول الفضل والثاني: وهو أنه متى حصل ملكة الإنفاق زالت عن الروح هيئة الاشتغال بلذات الدنيا والتهالك في مطالبها، ولا مانع للروح من تجلي نور جلال الله لها إلا حب الدنيا، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لولا أن الشياطين يوحون إلى قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السمٰوات» تفسير : وإذا زال عن وجه القلب غبار حب الدنيا استنار بأنوار عالم القدس وصار كالكوكب الدري والتحق بأرواح الملائكة، وهذا هو الفضل لا غير والثالث: وهو أحسن الوجوه: أنه مهما عرف من الإنسان كونه منفقاً لأمواله في وجوه الخيرات مالت القلوب إليه فلا يضايقونه في مطالبه، فحينئذ تنفتح عليه أبواب الدنيا، ولأن أولئك الذين أنفق ماله عليهم يعينونه بالدعاء والهمة فيفتح الله عليه أبواب الخير. ثم ختم الآية بقوله {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ } أي أنه واسع المغفرة، قادر على إغنائكم، وإخلاف ما تنفقونه وهو عليم لا يخفى عليه ما تنفقون، فهو يخلفه عليكم.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {ٱلشَّيْطَانُ} تقدّم معنى الشيطان واشتقاقه فلا معنى لإعادته. و «يَعِدُكُمُ» معناه يخوّفكم «الفَقْر» أي بالفقر لئلا تُنفقوا. فهذه الآية متصلة بما قبلُ، وأن الشيطان له مدخل في التثبيط للإنسان عن الإنفاق في سبيل الله، وهو مع ذلك يأمر بالفحشاء وهي المعاصي والإنفاق فيها. وقيل: أي بأن لا تتصدّقوا فتعصوا وتتقاطعوا. وقرىء «الفُقْرَ» بضم الفاء وهي لغة. قال الجوهريّ: والفُقْر لغة في الفَقْر؛ مثل الضُّعف والضَّعف. الثانية ـ قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً} الوَعْد في كلام العرب إذا أطلق فهو في الخير، وإذا قُيّد بالموعود ما هو فقد يقدّر بالخير وبالشر كالبشارة. فهذه الآية مما يقيد فيها الوعد بالمعنيين جميعاً. قال ابن عباس: في هذه الآية اثنتان من الله تعالى واثنتان من الشيطان. وروى الترمذِيّ عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن للشيطان لَمّةً بابن آدم وللمَلك لَمَّةً فأما لمّة الشيطان فإيعادٌ بالشّر وتكذيبٌ بالحق وأما لَمّة المَلَك فإيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ومَن وجد الأُخرى فليتعوّذ بالله من الشيطان ـ ثم قرأ ـ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ»تفسير : . قال: هذا حديث حسن صحيح. ويجوز في غير القرآن «ويأمركم الفحشاء» بحذف الباء؛ وأنشد سيبويه:شعر : أمرتُك الخيرَ فافعل ما أمرتَ به فقد تركتك ذا مالٍ وذا نَشَبِ تفسير : والمغفرة هي السّتر على عباده في الدنيا والآخرة. والفضل هو الرزق في الدنيا والتّوسعة والنّعيم في الآخرة؛ وبكلٍّ قد وعد الله تعالى. الثالثة ـ ذكر النّقاش أن بعض الناس تأنّس بهذه الآية في أن الفقر أفضل من الغنى، لأن الشيطان إنما يُبعد العبد من الخير، وهو بتخويفه الفقر يُبعد منه. قال ابن عطية: وليس في الآية حجة قاطعة بل المعارضة بها قويّة. ورُوي أن في التوراة «عبدي أنفِق من رزقي أَبْسُطْ عليك فضلي فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة». وفي القرآن مِصداقه وهو قوله: {أية : وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} تفسير : [سبأ: 39]. ذكره ٱبن عباس. {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} تقدّم معناه. والمراد هنا أنه سبحانه وتعالى يُعطِي من سَعة ويعلم حيث يضع ذلك، ويعلم الغيب والشهادة. وهما اسمان من أسمائه ذكرناهما في جملة الأسماء في «الكتاب الأسنى» والحمد لله.

البيضاوي

تفسير : {ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ} في الإِنفاق، والوعد في الأصل شائع في الخير والشر. وقرىء {ٱلْفَقْرَ} بالضم والسكون وبضمتين وفتحتين. {وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَاء} ويغريكم على البخل، والعرب تسمي البخيل فاحشاً. وقيل المعاصي {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مّنْهُ} أي يعدكم في الإِنفاق مغفرة لذنوبكم. {وَفَضْلاً} خلفاً أفضل مما أنفقتم في الدنيا، أو في الآخرة. {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ} أي واسع الفضل لمن أنفق. {عَلِيمٌ} بإنفاقه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلشَّيْطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ } يخوّفكم به إن تصدّقتم فتمسكون {وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَاء } البخل ومنع الزكاة {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم } على الإنفاق {مَّغْفِرَةً مّنْهُ } لذنوبكم {وَفَضْلاً } رزقاً خلفاً منه {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ } فضله {عَلِيمٌ } بالمنفق.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية وما بعدها وإن لم تكن أمراً بالصدقة فهي جالبة للنفوس إلى الصدقة، بين عز وجل فيها نزغات الشيطان ووسوسته وعداوته، وذكر بثوابه هو لا رب غيره. وذكر بتفضله بالحكمة وأثنى عليها، ونبه أن أهل العقول هم المتذكرون الذين يقيمون بالحكمة قدر الإنفاق في طاعة الله عز وجل وغير ذلك، ثم ذكر علمه بكل نفقة ونذر. وفي ذلك وعد ووعيد. ثم بين الحكم في الإعلان والإخفاء وكذلك إلى آخر المعنى. والوعد في كلام العرب إذا أطلق فهو في الخير وإذا قيد بالموعود ما هو فقد يقيد بالخير وبالشر كالبشارة. فهذه الآية مما قيد الوعد فيها بمكروه وهو {الفقر} و {الفحشاء} كل ما فحش وفحش ذكره، ومعاصي الله كلها فحشاء، وروى حيوة عن رجل من أهل الرباط أنه قرأ "الفُقر" بضم الفاء، وهي لغة، وقال ابن عباس: في الآية اثنتان من الشيطان، واثنتان من الله تعالى، وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : إن للشيطان لمة من ابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، فمن وجد ذلك فليتعوذ، وأما لمة الملك فوعد بالحق وتصديق بالخير فمن وجد ذلك فليحمد الله تفسير : ، ثم قرأ عليه السلام {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم} الآية، والمغفرة هي الستر على عباده في الدنيا والآخرة، والفضل هو الرزق في الدنيا والتوسعة فيه والتنعيم في الآخرة، وبكل قد وعد الله تعالى، وذكر النقاش أن بعض الناس تأنس بهذه الآية في أن الفقر أفضل من الغنى. لأن الشيطان إنما يبعد العبد من الخير وهو بتخويفه الفقر يبعد منه. قال القاضي أبو محمد: وليس في الآية حجة قاطعة أما إن المعارضة بها قوية وروي أن في التوراة "عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك فضلي، فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة" وفي القرآن مصداقة: وهو {أية : وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين} تفسير : [سبأ: 39] و {واسع} لأنه وسع كل شيء رحمة وعلماً، ثم أخبر تعالى عن نفسه أنه {يؤتي الحكمة} أي يعطيها لمن يشاء من عباده، واختلف المتأولون في {الحكمة} في هذا الموضع فقال السدي: {الحكمة} النبوءة، وقال ابن عباس: هي المعرفة بالقرآن فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وعربيته. وقال قتادة: {الحكمة} الفقه في القرآن، وقاله مجاهد: وقال مجاهد أيضاً: {الحكمة} الإصابة في القول والفعل، وقال ابن زيد وأبوه زيد بن أسلم: {الحكمة} العقل في الدين، وقال مالك: {الحكمة} المعرفة في الدين والفقه فيه والاتباع له، وروى عنه ابن القاسم أنه قال: {الحكمة} التفكر في أمر الله والاتباع له، وقال أيضاً {الحكمة} طاعة الله والفقه في الدين والعمل به، وقال الربيع: {الحكمة} الخشية، ومنه قول النبي عليه السلام: "حديث : رأس كل شيء خشية الله تعالى"تفسير : ، وقال إبراهيم: {الحكمة} الفهم وقاله زيد بن أسلم، وقال الحسن: {الحكمة} الورع، وهذه الأقوال كلها ما عدا قول السدي قريب بعضها من بعض لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان في عمل أو قول. وكتاب الله حكمة، وسنة نبيه حكمة. وكل ما ذكر فهو جزء من الحكمة التي هي الجنس. وقرأ الجمهور "من يؤت الحكمة" على بناء الفعل للمفعول. وقرأ الزهري ويعقوب "ومن يؤت" بكسر التاء على معنى ومن يؤت الله الحكمة {فمن} مفعول أول مقدم و {الحكمة} مفعول ثان، وقرأ الأخفش: "ومن يؤته الحكمة"، وقرأ الربيع بن خثيم "تؤتي الحكمة من تشاء" بالتاء في "تؤتي" و "تشاء" منقوطة من فوق، "ومن يؤت الحكمة" بالياء، وباقي الآية تذكرة بينة وإقامة لهمم الغفلة، والألباب العقول واحدها لب.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {الشيطان يعدكم الفقر} أي يخوفكم الفقر يقال: وعدته خيراً ووعدته شراً وإذا لم يذكر الخير والشر يقال: في الخير وعدته وفي الشر أوعدته والفقر سوء الحال، وقلة ذات اليد وأصله من كسر فقار الظهر ومعنى الآية أن الشيطان يخوفكم بالفقر، ويقول للرجل أمسك عليك مالك فإنك إذا تصدقت افتقرت {ويأمركم بالفحشاء} يعني يوسوس لكم ويحسن لكم، البخل ومنع الزكاة والصدقة قال الكلبي كل فحشاء في القرآن فهي الزنا إلاّ هذا الموضع وفي هذه الآية لطيفة وهي أن الشيطان يخوف الرجل أولاً بالفقر ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء، وهي البخل وذلك لأن البخيل على صفة مذمومة عند كل أحد فلا يستطيع الشيطان أن يحسن له البخل إلاّ بتلك المقدمة وهي التخويف من الفقر، فلهذا قال تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه} يعني مغفرة لذنوبكم وستراً لكم {وفضلاً} يعني رزقاً وخلفاً. فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة والفضل إشارة إلى منافع الدنيا، وما يحصل من الرزق والخلف. عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله تعالى فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ثم قرأ {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء}" تفسير : أخرجه الترمذي. وقال هذا حديث حسن غريب قوله: إن للشيطان لمة بابن آدم اللمة الخطرة الواحدة من الإلمام وهو القرب من الشيء والمراد بهذه اللمة اللمة التي تقع في القلب من فعل خير أو شر والعزم فأما لمة الشيطان فوسوسة وأما لمة الملك فإلهام من الله تعالى {والله واسع} أي غني قادر على إغنائكم وإخلاف ما تنفقونه {عليم} يعني بما تنفقونه لا تخفى عليه خافية (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من يوم يصبح فيه العباد إلاّ وملكان ينزلان يقول: أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً" تفسير : (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قال الله تعالى أنفق ينفق عليك" تفسير : وفي رواية "حديث : يد الله ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يده" تفسير : وفي رواية "حديث : فإنه لم يغض ما في يمينه، وكان عرشه على الماء وبيده الميزان يخفض ويرفع"تفسير : وفي رواية: حديث : وبيده الأخرى الفيض القبض يرفع ويخفض تفسير : (ق) عن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنفقي ولا تحصي فيحصى عليك ولا توعي فيوعى عليك" تفسير : قوله: ولا توعي أي لا تشحي فيشح الله عليك فيجازيك بالتقتير في رزقك ولا يخلف عليك ولا يبارك لك، والمعنى لا تجمعي وتمنعي بل أنفقي ولا تعدي ولا تشحي. قوله عز وجل: {يؤتي الحكمة من يشاء} قال ابن عباس: هي علم القرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه، وقال الضحاك: القرآن والفهم فيه وإنما قال: ذلك لتضمن القرآن الحكمة وقال في القرآن: مائة وتسع آيات ناسخة ومنسوخة وألف آية حلال وحرام لا يسع المؤمنين تركهن حتى يعلمونهن ولا يكونوا كأهل النهروان يعني الخوارج تأولوا آيات من القرآن في أهل القبلة وإنما نزلت في أهل الكتاب فجهلوا علمها فسفكوا بها الدماء، وانتهبوا الأموال وشهدوا على أهل السنة بالضلالة فعليكم بعلم القرآن فإنه من علم فيما نزل لم يختلف في شيء منه، وقيل: هي القرآن والعلم والفقه وقيل هي الإصابة في القول والفعل، وحاصل هذه الأقوال إلى شيئين: العلم والإصابة فيه، ومعرفة الأشياء بذواتها وأصل الحكمة المنع ومنه حكمه الدابة لأنها تمنعها قال الشاعر: شعر : أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم تفسير : أي امنعوا سفهاءكم، وقال السدي: الحكمة النبوة لأن النبي يحكم بين الناس فهو حاكم وقيل الحكمة الورع في دين الله لأن الورع يمنع صاحبه من أن يقع في الحرام، أو ما لا يجوز له فعله {ومن يؤت الحكمة} يعني ومن يؤته الله الحكمة {فقد أوتي خيراً كثيراً} تنكير تعظيم معناه فقد أوتي أي خير كثير. {وما يذكر إلاّ أولو الألباب} أي وما يتعظ بما وعظه الله إلاّ ذوو العقول الذين عقلوا عن الله أمره ونهيه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ٱلشَّيْطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ...} الآية: مبتدأٌ وخبرٌ، وتقدَّم اشتقاق الشيطان، وما فيه عند الاستعاذة. ووزن يعدكم: يعلكم بحذف الفاء، وهي الواو؛ لوقوعها بين ياءٍ، وكسرةٍ، وقرأ الجمهور: "الفَقْر" بفتح الفاء، وسكون القاف، وروى أبو حيوة، عن بعضهم: "الفُقْر" بضم الفاء وهي لغةٌ، وقرئ "الفَقَر" بفتحتين. والوعد: يستعمل في الخير، والشَّرِّ؛ قال تعالى في الخبر: {أية : وَعَدَكُمُ ٱللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً}تفسير : [الفتح:20] وقال في الشَّرِّ: {أية : ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [الحج:72] ويمكن أن يحمل هذا على التهكم به كقوله تعالى: {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [آل عمران:21] فإذا لم يذكر الخير والشر، قلت في الخير: وعدته، وفي الشر أوعدته؛ قال: [الطويل] شعر : 1229- وَإِنِّيَ إِنْ أَوْعَدتُهُ أَوْ وَعَدتُهُ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي تفسير : والفَقْر والفُقْر لغتان؛ وهو الضعيف بسبب قلَّة المال، وأصله في اللغة: كسر الفقار، يقال: رجلٌ فقيرٌ وفَقِرٌ، إذا كان مكسور الفقار؛ قال طرفة: [الرمل] شعر : 1230-............................. إِنَّنِي لَسْتُ بِمَوْهُونٍ فَقِرْ تفسير : وسيأتي له مزيد بيان في قوله: "لِلْفُقَراءِ". فصل في المراد من الآية معنى الآية الكريمة أن الشيطان يخوّفكم الفقر، ويقول للرجل: أمسك عليك مالك؛ فإنك إذا تصدقت به افتقرت. وهذه أوجه اتصال هذه الآية بما قبلها. قيل المراد بـ "الشيطان": إبليس، وقيل: شياطين الجن، والإنس. وقيل: النَّفس الأمَّارة بالسُّوء. {وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ} أي: بالبخل، ومنع الزكاة. قال الكلبي: كلُّ فحشاء في القرآن فهو الزنا إلاَّ هذا، والفاحش عند العرب: البخيل، قال طرفة: [الطويل] شعر : 1231- أَرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ وَيَصْطَفِي عَقِيلَةَ مَالِ الفَاحِشِ المُتَشَددِ تفسير : "يعتامُ": منقولٌ من عام فلانٌ إلى اللبن، إذا اشتهاه، وقد نبَّه الله تعالى في هذه الآية الكريمة على لطيفةٍ، وهي أنَّ الشيطان يخوفه أولاً بالفقر، ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء، ويغريه على البخل؛ وذلك لأن البخل صفةٌ مذمومةٌ عند كل أحد فالشيطان لا يمكنه تحسين البخل في عينه إلاَّ بتقديم تلك المقدمة، وهي التخويف من الفقر، وقيل "الفَحْشَاءُ": هو أن يقول: لا تنفق الجيد من مالك في طاعة الله تعالى؛ لئلا تصير فقيراً؛ فإذا أطاع الرجل الشيطان في ذلك، زاد الشيطان فيمنعه من الإنفاق بالكلية؛ حتى لا يعطي الجيد، ولا الرديء، وحتى يمنع الحقوق الواجبة، فلا يؤدِّي الزكاة، ولا يصل الرحم، ولا يردُّ الوديعة، فإذا صار هكذا، سقط وقع الذنوب عن قلبه، ويصير غير مبالٍ بارتكابها، وهناك يتَّسع الخرق، ويصير مقداماً على كلِّ الذنوب، وذلك هو الفحشاء، وتحقيقه: أنَّ لكل خلقٍ طرفين، ووسطاً، فالطرف الكامل: هو أن يكون بحيث يبذل كلَّ ما يملكه في سبيل الله: الجيِّد، والرديء، والطرف الفاحش النَّاقص لا ينفق شيئاً في سبيل الله: لا الجيد، ولا الرديء، والمتوسط بأن يبخل بالجيد، وينفق الرديء، فالشيطان إذا أراد نقله من الطرف الفاضل إلى الطرف الفاحش، لا يمكنه إلاَّ بأن يجره إلى الوسط، فإن عصى الإنسان الشيطان في هذا المقام، انقطع طمع الشيطان عنه، وإن أطاعه فيه، طمع في أن يجرَّه من الوسط إلى الطرف الفاحش، فالوسط: هو قوله تعالى: {يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ} والطرف الفاحش قوله تعالى: {وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ}. وقال القرطبيُّ: "الفَحْشَاءُ": المعاصي، قال: ويجوز في غير القرآن: ويأمركم الفحشاء بحذف الباء، وأنشد سيبويه: [البسيط] شعر : 1232أ- أَمَرْتُكَ الخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مَالٍ وَذَا نَشَبٍ تفسير : فصل في بيان هل الفقر أفضل من الغنى؟! تمسك بعضهم بهذه الآية في أنَّ الفقر أفضل من الغنى، لأن الشيطان إنما يبعد العبد من الخير، وهو بتخويفه الفقر يبعد منه. قال ابن عطية: وليس في الآية حجَّةٌ؛ لقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ}تفسير : [سبأ:39] ثم قال: {وَٱللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ} لذنوبكم، كقوله: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}تفسير : [التوبة:103]. وفي الآية لفظان يدلان على كمال هذه المغفرة: أحدهما: التنكير في لفظ "المغْفِرَةِ"، والمعنى: مغفرةٌ وأيُّ مغفرة. والثاني: قوله: "مَغْفِرَةً مِنْه" يدل على كمال حال هذه المغفرة؛ لأن كمال كرمه ونهاية جوده، معلومٌ لجميع العقلاء، فلما خص هذه المغفرة بكونها منه، علم أنَّ المقصود تعظيم حال هذه المغفرة؛ لأنَّ عظم المعطي يدلُّ على عظم العطيَّة. قوله: "منه" فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلَّق بمحذوفٍ؛ لأنه نعتٌ لمغفرة. والثاني: أن يكون مفعولاً متعلقاً بيعد، أي: يعدكم من تلقاء نفسه. و "فَضْلاً" صفته محذوفةٌ، أي: وفضلاً منه، وهذا على الوجه الأول، وأمَّا الثاني، فلا حذف فيه. فصل يحتمل أن يكون المراد من كمال هذه المغفرة ما قاله في آيةٍ أخرى: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}تفسير : [الفرقان:70]، ويحتمل أن يجعل شفيعاً في غفران ذنوب سائر المذنبين، ويحتمل أن يكون المقصود أمراً لا يصل إليه عقلنا ما دمنا في دار الدنيا، فإن تفاصيل أحوال الآخرة أكثرها محجوبة عنا، ما دمنا في الدنيا. وأمَّا معنى الفضل، فهو الرزق، والخلف المعجَّل في الدنيا. ثم قال تعالى: {وَٱللهُ وَاسِعٌ}، أي: واسع المغفرة والقدرة على إغنائكم، وإخلاف ما تنفقونه {عَلِيمٌ} لا يخفى عليه ما تنفقون؛ فهو يخلفه عليكم.

السيوطي

تفسير : أخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوّذ بالله من الشيطان، ثم قرأ {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء} . الآية .تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: اثنتان من الله واثنتان من الشيطان {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء} يقول: لا تنفق مالك وأمسكه عليك فإنك تحتاج إليه {والله يعدكم مغفرة منه} على هذه المعاصي وفضلاً في الرزق. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {والله يعدكم مغفرة منه} لفحشائكم وفضلاً لفقركم. وأخرج ابن المنذر عن خالد الربعي قال: عجبت لثلاث آيات ذكرهن الله في القرآن {أية : ادعوني أستجب لكم} تفسير : [غافر: 60] ليس بينهما حرف وكانت إنما تكون لنبي فاباحها الله لهذه الأمة، والثانية قف عندها ولا تعجل {اذكروني أذكركم} فلو استقر يقينها في قلبك ما جفت شفتاك، والثالثة {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً} . وأخرج أحمد في الزهد عن ابن مسعود قال: إنما مثل ابن آدم مثل الشيء الملقى بين يدي الله وبين الشيطان، فإن كان لله تبارك وتعالى فيه حاجة أجاره من الشيطان، وإن لم يكن لله فيه حاجة خلى بينه وبين الشيطان.

التستري

تفسير : وسئل عن قوله: {ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ}[268] قال: هو أن يأخذوا الشيء من غير حله، ويضعوه في غير محله.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ} [الآية: 268]. أى الحرص والله يأمركم بالقناعة وقيل: الشيطان يعدكم الفقر أى: البخل والحرص. والله يأمرك بالإنفاق والسخاء وهو الغنى لأن الله يعدل عليه مغفرة وفضلاً. وقال محمد بن الفضل: الشيطانُ يعدكُم فى السخاء ويأمركم بالفحشاء وهو البخل، والله يعدكم فى السخاء مغفرةً منه وفضلاً. وقال أبو عثمان: الشيطانُ يعدكم الفقر على ترك الدنيا والإعراض عنها، والله يعدكم على ذلك مغفرةً منهُ وفضلاً. وقال محمد بن على عليهما السلام: الشيطانُ يعدُكمُ الفقر ويأمركم بالفحشاء وهى عمارة داره، والله يعدكم مغفرةً منه وهو جزاء عمارة المآب وفضلاً وهو الاستغناء به عن كل ما سواه. قال أبو بكرٍ الورَّاقُ فى قوله: {ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ} فقال: ينبغى للعبد أن يعلنه بذكر منن الله عنده وأفضاله عليه.

القشيري

تفسير : يَعِدُ الشيطانُ الفقرَ لفقره، والله يَعِدُ المغفرةَ لكرمه. الشيطانُ يعدكم الفقر فيشير عليكم بإحراز المعلوم، ويقال يشير عليكم - بطاعته - بالحرص؛ ولا فقرَ فوقه. يعدكم الفقر بالإحالة على تدبيركم واختياركم. يعدكم الفقر بنسيان ما تَعَوَّدْتُموه من فضله - سبحانه. ويقال يعدكم الفقر بأنه لا يزيد شكايتك. ويقال يعدكم الفقر بتعليق قلبك بما لا تحتاج إليه. ويقال بالتلبيس عليك رؤية كفايته. {وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ} أي الرغبة في الدنيا، ويقال بالأسباب التي تقوي الحرص، ويقال بكثرة الأمل ونسيان القناعة، ويقال بمتابعة الشهوات، ويقال بإيثار الحظوظ، ويقال بالنظر إلى غيره، ويقال بإخطار شيء سواه ببالك. ويقال بالانحطاط إلى أوطان الرُّخص والتأويلات بعد وضوح الحق. ويقال بالرجوع إلى ما تركته لله. {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً}: الفضل الموعود - في العاجل - القناعة، وفي الآجل الثواب والجنان والرؤية والرضوان و(....) والغفران. ويقال في العاجل الظفر بالنفس، ويقال فتح باب العرفان، ونشر بساط القرب، والتلقي لمكاشفات الأنْس.

البقلي

تفسير : { ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ } اى يعدكم الى قطع الرجاء عن الله تعالى فى ايتيان نواله منه وايضا نعدكم الى قلة الطمانية وكثرة الشك فيما وعد الله تعالى العبادة من نفائس الالطاف وجميع الاقسام التى لهى تسبب حيوة العباد فى الدنيا والاخرة وايضا يعدكم الى ظنون شتى فى الله تعالى وهذا من قلة عرفان الحق والجهل بسلطانه لان القاء العدو ويهيج سر العبد الى الشك فى الله وفيما وعد لعباده ويلجيه الى التحير حتى يظن ان الحق سبحانه وتعالى عاجز فقير كما قال اليهود ان الله فقير ونحن اغنياء وهذا من وسوسة العدو ويسولهم باحراز العلوم والخوف من المعدوم والجمع والمنع وكثرة التهمة ودفع الصدقة والفرار من القناعة ومن الغنى بالكفاية واغترلهم بالشروع فى طلب الزيادة {وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ } اى البخل وسؤ الظن فى الله وحب الدنيا وبغض الموت وعمارة الضياع والعقار وطلبا لزيادة وبغض الفقر والفقراء ومنه الزكوة وما اوجب الله تعالى عليهم من الحج والجهاد وزينتهم حب الرياسة وطلب نسوان المسلمين لاجل الزنا وشرب الخمور وسماع المعارف والتكبر والتجبر على الضعفاء والمسالكين والجور والظلم والعناد وقلة الانصاف واتخاذ الارباب لحفظ الاموال واشابه ذلك من الامور الردية الفاحشة {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً } مغفرته تطهر قلوب الاشحياء من اوساخ الشح والفاحشة وحفظها عن الميل الى حب الدنيا وما فيها وفضله مشاهدته وقربته ومعرفته وتوحيده وكشف اسراره لهؤلاء العباد الذين اصطفاهم لمحتبه وخصائص مناجاته وخطابه وخدمته وايضا المغفرة طمانية النفس بكشف اليقين والفضل الرضا بحكم الازل وايضا المغفرة عن الكون والفضل الوصول بلا وحشة اليون وقيل يعدكم الفقر بنسيان ما تعود به من فضله وقيل انه يعدكم الفقر في طلب فوق الكفاية فيكون عبده ومشتغلا به فيدرك عن غناء الكفاية الى طلب الزيادة وهو الفقر الحاضر وقيل الشيطان يعدكم الفقر الا الحرص والله يأمركم بالقناعة قال ابو عثمن الشيطان بعدكم الفقر على ترك الدنيا والاعراض عنها والله يعدكم على ذلك مغفرة منه وفضى قال محمد بن على الشيطان يعدكم الفقر على ترك الدنيا والاعراض عنها والله يعكم على ذلك مغفرة منه وهو جزاء عمارة الماب وفضله وهو استغناؤه عن كل ما سواه قال بعضهم الشيطان يعدكم الفقر تحذيرا للموحدين لا تفريغا للكافرين لان الشيطان لا يدعوا احدا الى معصيته ولا يزينها له حتى يعده الفقر فاذا خاف العبد الفقر دعاه الى المعصية فاذا استحل المعصية دعاه الى النفاق فاذا استحل النفاق دعاه الى الكفرو والا يستخاف الفقر الا من نسى القسمة ولا نسى القسمة من عرف الله الذى قسم لعباده ما اراده بمشيئته واصل المعاصى ايقاد الشهوات واصل النفاق التزين للخلق واصل الكفر منازعة القدرة وقال سهل الفقر ان تأخذ شيئا من غير وجهه ويضعه فى غير حقه.

اسماعيل حقي

تفسير : {الشيطان يعدكم الفقر} الوعد هو الاخبار بما سيكون من جهة المخبر مترتبا على شىء من زمان او غيره يستعمل فى الشر استعماله فى الخير قال الله تعالى {أية : النار وعدها الله الذين كفروا} تفسير : [الحج: 72]. والمعنى ان الشيطان يخوفكم بالفقر ويقول للرجل امسك مالك فانك اذا تصدقت به افتقرت {ويأمركم بالفحشاء} اى بالخصلة الفحشاء اى ويغريكم على البخل ومنع الصدقات اغراء الآمر المأمور على فعل المأمور به والعرب تسمى البخيل فاحشا {والله يعدكم} اى فى الانفاق {مغفرة} لذنوبكم اى مغفرة كائنة {منه} عز وجل { وفضلا} كائنا منه تعالى اى خلفا مما انفقتم زائدا عليه فى الدنيا وثوابا فى العقبى وفيه تكذيب للشيطان {والله واسع} قدرة وفضلا فيحقق ما وعدكم به من المغفرة واخلاف ما تنفقونه {عليم} مبالغ فى العلم فيعلم انفاقكم فلا يكاد يضيع اجركم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: يقال: وعدته خيراً ووعدته شرّاً، هذا إن ذكر الخير أو الشر، وأما إذا لم يذكر فيقال في الخير: وعدته، وفي الشر: أوعدته، قال الشاعر: شعر : وإنّيَ وإنْ أوْعَدْتُهُ أوْ وَعَدْتُهُ لمخلِفُ إيعادي ومنْجِزُ مَوْعدي تفسير : و {الفحشاء} هنا: البخل والشح. يقول الحقّ جلّ جلاله: {الشيطان يعدكم} أي: يخوفكم {الفقر} بسبب الإنفاق، ويقول في وسوسته: إن أعطيت مالك بقيت فقيراً تتكفف الناس، {ويأمركم بالفحشاء} أي: ويأمركم بالبخل والشح، والعرب تسمي البخيل فاحشاً، وفي الحديث: "حديث : البخيلُ بعيدٌ من الله، بعيدُ من الناسِ، بعيد من الجنة قريب من النار. والسخي قريب من الله. قريبٌ من الناس، قريب من الجنة، بعيد من النار. ولجاهل سخيٍّ أحبُّ إلى الله من عابدٍ بخيل"تفسير : . وفي حديث آخر:"حديث : إنَّ الله يأخذُ بيد السخيِّ كلما عثر"تفسير : . {والله يعدكم} في الإنفاق {مغفرة منه} لذنوبكم، وستراً لعيوبكم، {وفضلاً} أي: خَلَفاً أفضل مما أنفقتم في الدنيا والآخرة، {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه}، {والله واسع} الفضل والعطاء، {عليم} بما أنفقتم، ولماذا أنفقتم، وفيما أخلصتم، لا يخفى عليه شيء من أموركم. الإشارة: إذا توجه المريد إلى الله تعالى، وأراد سلوك طريق التجريد والزهد والانقطاع إلى الله تعالى، تعرض له الشيطان، اختباراً منه تعالى وابتلاء، إذ الحضرة محروسة بالقواطع؛ ليظهر الصادق في الطلب من الكاذب، فيخوفه من الفقر، ويأمره بالوقوف مع الأسباب والعوائد، وهي أفحش المعاصي عند الخواص، إذ إذ الهمة العالية تأنف عن الاشتغال بغير الحضرة الإلهية. والله يعدكم - أيها المتوجهون إليه - مغفرة لذنوبكم، وستراً لعيوبكم، فيغطي وصفكم بوصفه، ونعتكم بنعته، فيوصلكم بما منه إليكم من الفضل والجود، لا بما منكم إليه من المجاهدة والمكابدة،{أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً}تفسير : [النُّور: 21]، {والله واسع} الجود والإحسان، {عليم} بمن يستحق الفضل والامتنان. ومن نتائج الزهد والانقطاع: ورود الحكمة على لسان العبد وقلبه.

الطوسي

تفسير : المعنى: معنى الآية الوعد من الشيطان أنكم من أخرجتم من أموالكم الصدقة وأديتم الزكاة الواجبة عليكم في أموالكم افتقرتم. ويأمركم أيضاً بالفحشاء من المعاصي وترك طاعته. والله (تعالى) يعد بالمغفرة منه والستر عليكم، والصفح عن العقوبة {وفضلاً} يعني ويعدكم أن يخلف عليكم خيراً من صدقتكم ويتفضل عليكم ويسبغ عليكم في أرزاقكم قال ابن عباس: اثنان من الله، واثنان من الشيطان. فاللذان من الشيطان الوعد بالفقر والامر بالفحشاء. واللذان من الله المغفرة على المعاصي والفضل في الرزق. اللغة والمعنى: والفقر: الحاجة وهو ضد الغنى يقال: أفقره الله إفقاراً وافتقر افتقاراً وتفاقر تفاقراً، لأن الفقر بمنزلة كسر الفقار في تعذر المراد. والفقار: عظام منتظمة في النخاع تسمى خرز الظهر واحدها فقرة. والافقار: إعارة الدابة لتركب ثم ترد. والافقار: دنو الصيد. والفاقرة الداهية، لانها تكسر الفقار. ومنه قوله: {أية : تظن أن يفعل بها فاقرة}تفسير : وأصل الباب الفقار: خرز الظهر. وتقول وعدته الخير، ووعدته بالخير والأصل فيه تعديته بغير حرف الاضافة إلا أنه كثر استعماله في التعدي بحرف الاضافة حتى صار أصلا فيه لكثرته. وأمرته بالخير أكثر في الكلام وإنما يجوز أمرته الخير في الشعر وقوله: {والله واسع عليم} حكى البلخي أنه بغير واو في مصاحف أهل الشام ولم يقرأ به أحد فان صح فهو دلالة على نقصان الحروف من كثير من القرآن على ما اختلفوا فيه. والفرق بين الوعد والوعيد أن الوعيد في الشر خاصة، والوعد بالتقييد للخير والشر معاً غير أنه إذا أطلق لم يكن إلا في الخير، وكذلك إذا أبهم التقييد كقولك وعدته باشياء لأنه بمنزلة المطلق. وحدّ الوعد: هو الخبر بفعل الخير في المطلق. والوعيد: هو الخبر بفعل الشر. والأمر هو قول القائل لمن هو دونه: افعل، مع إرادة المأمور به، فان انضم إليه الزجر عن الاخلال به كان مقتضياً للايجاب. وقال ابن مسعود للشيطان لمة وللملك لمة. ومثله روي عن أبي عبد الله (ع) فلمة الشيطان وعده بالفقر وأمره بالفاحشة ولمة الملك أمره بالانفاق ونهيه عن المعاصي. وقال أبو مسلم والازهري الفحشاء البخل والفاحش البخيل قال طرفة: شعر : عقيلة مال الفاحش المتشدد تفسير : وقال الحسين بن علي المغربي والذي يقوي قوله ما أنشده أبو حيرة الراحل من طي: شعر : قد أخذ المجد كما أرادا ليس بفحاش يضن الزادا تفسير : وقال الرماني: والله ما قالاه بعيد. والفحشاء المعاصي في أغلب الاستعمال ومعنى البيت الذي أنشداه أن الفاحش هو سيء الرد بسؤاله وضيفانه وذلك من البخل لا محالة قال كعب: شعر : أخي ما أخي لا فاحش عند بيته ولا برم عند اللقاء هبوب تفسير : فتلخيص معنى الآية أن الشيطان يحملكم على أن تؤدوا في الصدقة رديء المال يخوفكم الفقر باعطاء الجيد - والفَقر والفُقر لغتان - ويعدكم الفقر: معناه بالفقر فحذف الباء وعدّى الفعل فنصب قال: شعر : أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب تفسير : وقوله: {والله واسع عليم} معناه واسع يعطي من سعة مقدوراته {عليم} حيث يضع ذلك ويعلم الغيب والشهادة.

الجنابذي

تفسير : {ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما بالنا لا نقدر على انفاق الطيّب وترك تيمّم الخبيث فى الانفاق؟ - فقال: لانّ الشّيطان يعدكم {ٱلْفَقْرَ} اى يوعدكم ويخوّفكم {وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ} اى البخل بالطيّب فانّ البخيل يسمّى بالفاحش فى لغة العرب وحينئذٍ لم يكن ما بعده جزءاً من الجواب او التّقدير لم أمرنا الله بالانفاق من الطيّب ونهانا عن تيمّم الخبيث؟ - فقال: لانّ الانفاق من الطيّب ليس الاّ بالخروج من انانيّة النفس وحكومته والدّخول فى حكومة الله وامره، والانفاق من الخبيث بدل الطيّب ليس الاّ من حكومة الشّيطان والدّخول تحت امره والشّيطان يخوّفكم بالفقر ثمّ يأمركم بالفحشاء {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً} كان مقتضى المطابقة بين الفقرتين ان يقول والله يعدكم الغنى ويأمركم بالمعروف لكنّه عدل الى ما ذكر لاستنباط الامر بالمعروف من الامر بانفاق الطيّب، وللإشارة الى انّ وعد الله يعمّ الدّنيا والآخرة بخلاف ايعاد الشّيطان فانّه لا يتجاوز عن الدّنيا، وقدّم المغفرة لانّها وعد اخروىّ بخلاف الفضل، ونكرّهما للتفخيم، واتى بالفضل مقام الغنى للاشعار بانّ الغنى الموعود ليس كالغنى الموهوم الّذى ليس الاّ الفقر والحاجة والعناء بل هو من فضل الله الّذى لا فقر فيه ولا نصب ولا نفاد، وقدّم ايعاد الشّيطان لكون المقام لذمّ الّذين تيمّموا الخبيث فاقتضى المقام الاهتمام بايعاد الشّيطان ولان يختم الآية بالخير كما بدئت به ولارادة انجرار وعد الله الى ايتاء الحكمة والخروج عن مقام ذكر الوعد والايعاد {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ} لا يخاف الضّيق والفقر فلا خلف فى وعده {عَلِيمٌ} بمصالحكم فلا يأمركم الاّ بما فيه صلاحكم، ولا ينهاكم الاّ عمّا فيه فسادكم.

الهواري

تفسير : ثم قال: {الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ} يخبرهم أنهم حين ينفقون الرديء إنما هو ما يلقي الشيطان في قلوبهم من الفقر. {وَيَأْمُرُكُم بِالفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُم} على ما تنفقون {مَّغْفِرَةً} منه لذنوبكم {وَفَضْلاً} أي الجنة. ذكروا أن عبد الله بن مسعود كان يقول: لابن آدم لَمّتان كلَّ صباح: لَمَّة من المَلَك، ولَمَّة من الشيطان: فأما لمّة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، وتطييب للنفس، وأما لمّة الشيطان فإيعاد بالفقر، وتكذيب بالحق، وتخبيث للنفس، وهو قوله: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً} قوله: {وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي واسع لخلقه عليم بأمرهم. قوله: {يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُّؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} ذكر بعض المفسّرين قال: الحكمة الفقه في القرآن. قوله: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} أي أولو العقول، وهم المؤمنون. قوله: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أََوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ} أي فلم تريدوا به الله، فإن الله لا يتقبله منكم إلا أن تريدوه به. وقال مجاهد: فإن الله يعلمه أي: يحصيه. ذكر بعض أصحاب النبي، عن النبي عليه السلام أنه قال: حديث : إن النذر لا يأتي بشيء لم يقدره الله، وقد يوافق النذر القدر ليستخرج به من البخيل، فيؤتى على يديه في الشيء لم يأت عليه قبل ذلك . تفسير : قال: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ} أي للمشركين {مِنْ أَنْصَارٍ}.

اطفيش

تفسير : {الشَّيْطانُ}: جنس الشياطين أو إبليس بنفسه وبوسائطه من الجن والإنس، وقيل جئس شياطين الإنس والجن، وقيل النفس الأمارة بالسوء لقوله تعالى:{أية : وأحضرت الأنفس الشح}. تفسير : {يَعِدُكُم الفَقْر}: على الإنفاق والوعد فى الأصل، يقال فى الخير والشر، ثم شهر استعمال وعد، والوعد فى الخير، وأوعد والوعيد والإيعاد فى الشر فى الإطلاق، وإن قيد جاز وعد والوعد فيهما نحو:{أية : وعدكم الله مغانم}،تفسير : وفى الشر هذه الآية، وقوله:{أية : النار وعدها الله الذين كفروا}،تفسير : وقرئ الفقر بضم الفاء وإسكان القاف، والفقر بضمهما، والفقر بفتحها وذلك لغات، وأصلهن من كسر الفقار ويستعمل الإيعاد فى الخير أيضا لدليل كما قال عبد الله بن مسعود: لابن آدم لمتان كل صباح، لمة من الملك ولمة من الشيطان، فأمالمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، وتطييب النفس، وأمالمة الشيطان فإيعاد بالفقر وتكذيب بالحق، وقرأ {الشيطان يعدكم الفقر} الآية رواه الشيخ هود موقوفا، ورواه الترمذى مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا عن ابن مسعود رضى الله عنه. قال رسول الله صلى الله عليهِ وسلم: "حديث : إن للشيطان بابن آدم لمة وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الآخر فليستعذ بالله من الشيطان، ثم قرأ {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء} الآية"تفسير : . والممة النزول والقرب من الشئ، {ويأمُرُكمُ بالفَحْشاءِ}: والمعاصى، ومنها البخل، وقيل الفشحاء البخل والعرب تسمى البخيل فاحشا. قال الكلبى كل فحشاء فى القرآن الزنى إلا هذا الموضع فالبخل. {وَاللّهُ يَعِدُكمْ مَغْفِرةً}: لذنوبكم عظيمة على الإنفاق وتطييب النفقه، والتعظيم مأخوذ من التنكير ومن قوله: {منه}: لأن عظم المعطى يدل على عظم العطية وهو متعلق بيعد، أو بمحذوف نعت لمغفرة، ويحتمل أن المراد بالمغفرة ما فى قوله تعالى:{أية : فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات}تفسير : ويحتمل أن يجعل شفيعا للمؤمنين أوامرَ لا تدركه العقول فى الدنيا والأول أولى لتبادره. {وَفَضْلاً}: خلفا فى الآخرة أفضل مما أنفقتم فى الدنيا، أو خلفا فى الدنيا. {واللّهُ واسعٌ}: فَضله غنى قادر على الإثابة بلا حساب. {عَليمٌ}: بالمنفق ونيته فيجازيه، وفى التوراة عبدى أنفق من رزقى أبسط عليك فضلى. فإن يدى مبسوطة على كل يد مبسوطة، ومصداقة من القرآن:{أية : وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين}،تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أطعم أخاه حتى أشبعه وسقاه من الماء حتى رواه أبعده الله من النار سبع خنادق ما بين كل خندقين مسيرة مائة عام"تفسير : رواه ابن عمر، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أى ما مسلم كسا مسلما يوما على عراء كساه الله من خضر الجنة، وأى ما مسلم أطعم مسلما على جوع أطعمه من ثمار الجنة، وأى ما مسلم سقى مسلما على ظمأ سقاه الله عز وجل من الرحيق المختوم"تفسير : رواه أبو سعيد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال الله تعالى: أنفق لينفق عليك"تفسير : ، رواه أبو هريرة، وعن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنفقى ولا تحصى فيحصى عليك، ولا توعى فيوعى عليك الله"تفسير : ، أى ولا تجعلى مالك فى وعائك مانعة له عن الإنفاق، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : يد الله ملاء لا يغيضها نفقة الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، وكان عرشه على الماء وبيده الميزان يخفض ويرفع"تفسير : ، أى قضى بالأرزاق فى الأزل قبل أن يخلق الماء، والخفض كناية عن تقليل الرزق، والرفع عن تكثيره، ليناسب الرفعة التكثير المرغوب فيه أو بالعكس، لأن الكثير يخفض الميزان، والمضارع للحال تصوير للمستقبل منزلة الحاضر لتحققه، وروى الحسن عن كعب بن عجزة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال له: "حديث : يا كعب الصلاة برهان، والصوم جنة، والصدقة تطفى الخطئة كما يطفئ الماء النار، يا كعب الناس غاديان: فغاد فمشتر رقبته فمعتقها، وغاد فبائع رقبته فموبقها ".

اطفيش

تفسير : {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} يخبركم بوقوعه عن الإنفاق تخويفاً لكم به لئلا تنفقوا ألبتة أو الأردياء {ويَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَآءِ} بما أنكره العقل واستقبحه الشرع، ومنه البخل، وهو المراد بالذات من هذا العموم، لأَن سوق الكلام لبيان حال الإنفاق وتركه، وقيل، الكلمة السيئة، وقيل، المراد هنا إنفاق الردىء، وقيل، الزنا، والعموم أولى، وأسند الوعد إلى الشيطان مبالغة بأنه نزله منزلة أفعاله التى تصدر منه، كأنه هو الموقع للفقر، من حيث إن الوعد الإخبار بما يكون من المخبر، بكسر الباء كذا يقال، وأولى منه، أنه الإخبار ولو من غيره، وأصله فى الخير والشر، وغلب فى الخير استعمالا، والوعيد يختص بالشر، والوعد فى الآية شر، ويختص أوعد بالشر، ومن استعمال وعد فيه قوله تعالى: {أية : متى هذا الوعد} تفسير : [سبأ: 29] وهذه الآية، فإن الفقر شر ويجوز حمل الوعد هنا على الخير تهكما ومجازا للإطلاق والتقييد، أو للمشاكلة لقوله تعالى {وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ} لذنوبكم بالإنفاق، أو مغفرة لفحشائكم، ولفظ منه تأكيد فى الشأن {وَفَضْلاً} خلف رزق، وزيادة فى الثواب، والشيطان كاذب فى وعيده، قيل، يجوز أن يكون الفقر فى الآية خبرا، وهو قول بعيد، أو سماه وعدا، والوعد غالب فى الخير مشاكلة لقوله تعالى: {والله يعدكم مغفرة منه وفضلا}، وتسمية إغراء الشيطان أمرا استعارة تصريحية، لأَنه ليس يكلم إنسانا ويسمعه، وقدم الوعد على الأَمر لأَنه يتقدم فيصغى إليه، ثم يأمر به فينفذ، والأَولى أن كلا على حدة، بعد الفقر بالإنفاق، ويأمر بالفحشاء على الإطلاق {وَاللهُ وَٰسِعٌ} فضلا {عَلِيمٌ} بالمنفق المخلص وبما ينفق من جيد وردىء. روى الترمذى، وقال: حسن غريب، عن ابن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن للشيطان بابن آدم لمة، وللملك لمة به، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فوعد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان"تفسير : . ثم قرأ: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء}، ولمة الملك خطرته بالقلب بخير إلهاما من الله، ولمة الشيطان بالوسوسة وفى البخارى ومسلم ع ن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان، يقول أحدهما، اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفاً ".

الالوسي

تفسير : {ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ} استئناف لبيان سبب تيمم الخبيث في الإنفاق وتوهين شأنه والوعد في أصل وضعه لغة شائع في الخير والشر، وأما في الاستعمال الشائع فالوعد في الخير والإيعاد في الشر حتى يحملوا خلافه على المجاز والتهكم، وقد استعمل هنا في الشر نظراً إلى أصل الوضع لأن الفقر مما يراه الإنسان شراً، ولهذا يخوف الشيطان به المتصدقين فيقول لهم: لا تنفقوا الجيد من أموالكم وأن عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا، وتسمية ذلك وعداً مع أنه اعتبر فيه الإخبار بما سيكون من جهة المخبر والشيطان لم يضف مجىء الفقر إلى جهته للإيذان بمبالغة اللعين في الإخبار بتحقق مجيئه كأنه نزله في تقرر الوقوع منزلة أفعاله الواقعة حسب إرادته، أو لوقوعه في مقابلة وعده تعالى على طريق المشاكلة، ومن الناس من زعم أن استعمال الوعد هنا في الخير حسب الاستعمال الشائع، والمراد أن ما يخوّفكم به هو وعد الخير لأن الفقر للإنفاق أجل خير، ولا يخفى أنه بمراحل عن مذاق التنزيل، وقرىء ـ الفقر ـ بالضم والسكون وبفتحتين وضمتين وكلها لغات في الفقر وأصله كسر فقار الظهر. {وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَاء} أي الخصلة الفحشاء وهي البخل وترك الصدقات والعرب تسمي البخيل فاحشاً قال كعب:شعر : أخي يا أخي (لا فاحشاً) عند بيته ولا برم عند اللقاء هيوب تفسير : والمراد بالأمر بذلك الإغراء والحث عليه ففي الكلام استعارة مصرحة تبعية، وقيل: المراد بالفحشاء سائر المعاصي وحملها على الزنا نعوذ بالله منه؛ وجوز أن تكون بمعنى الكلمة السيئة فتكون هذه الجملة كالتأكيد للأولى وقدم وعد الشيطان على أمره لأنه بالوعد يحصل الاطمئنان إليه فإذا اطمأن إليه وخاف الفقر تسلط عليه بالأمر إذ فيه استعلاء على المأمور. {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم} في الإنفاق على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم {مَغْفِرَةٍ} لذنوبكم، وعن قتادة لفحشائكم، والتنوين فيها للتفخيم وكذا وصفها بقوله تعالى: {مِنْهُ } فهو مؤكد لفخامتها، وفيه تصريح بما علم ضمناً من الوعد كما علمت مبالغة في توهين أمر الشيطان {وَفَضْلاً} أي رزقاً وخلفاً ـ وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ فتكون المغفرة إشارة إلى منافع الآخرة، وهذا إشارة إلى منافع الدنيا. وفي الحديث: «حديث : ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً»تفسير : وقدم منافع الآخرة لأنها أهم عند المصدق بها، وقيل: المغفرة والفضل كلاهما في الآخرة وتقديم الأوّل حينئذٍ لتقدم التخلية على التحلية ولكون رفع المفاسد أولى من جلب المصالح، وفي الآية {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ }تفسير : [آل عمران: 185] وحذف صفة الثاني لدلالة المذكور عليها {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ} بالرحمة والفضل {عَلِيمٌ} بما تنفقونه فيجازيكم عليه، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله ومثلها في قوله تعالى: {يُؤْتِى الْحِكْمَةَ}.

ابن عاشور

تفسير : استئناف عن قوله: { أية : أنفقوا من طيبات ما كسبتم } تفسير : [البقرة: 267] لأنّ الشيطان يصدّ الناس عن إعطاء خيار أموالهم، ويغريهم بالشحّ أو بإعطاء الرديء والخبيث، ويخوّفهم من الفقر إن أعطوا بعض مَالهم. وقدّم اسم الشيطان مسنداً إليه لأنّ تقديمه مؤذن بذمّ الحكم الذي سيق له الكلام وشؤمِه لتحذير المسلمين من هذا الحكم، كما يقال في مثال علم المعاني «السَّفَّاح في دَار صديقك»، ولأنّ في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي تَقَوِّيَ الحُكم وتحقيقه. ومعنى {يعدكم} يسوّل لكم وقوعه في المستقبل إذا أنفقتم خيار أموالكم، وذلك بما يلقيه في قلوب الذين تخلّقوا بالأخلاق الشيطانية. وسمّي الإخبار بحصول أمر في المستقبل وعداً مجازاً لأنّ الوعد إخبار بحصول شيء في المستقبل من جهة المخبِر، ولذلك يقال: أنجز فلان وعده أو أخلف وعده، ولا يقولون أنجز خَبَره، ويقولون صدق خَبَرِه وصدَق وعده، فالوعد أخصّ من الخبر، وبذلك يؤذن كلام أئِمة اللغة. فشُبِّه إلقاء الشيطان في نفوسهم توقّع الفقر بوعد منه بحصوله لا محالة، ووجه الشبه ما في الوعد من معنى التحقق، وحسَّن هذا المجاز هنا مشاكلته لقوله: {والله يعدكم مغفرة} فإنّه وعد حقيقي. ثم إن كان الوعد يطلق على التعهد بالخير والشر كما هو كلام «القاموس» ــــــ تبعاً لفصيح ثعلب ــــــ ففي قوله يعدكم الفقر مجاز واحد، وإن كان خاصاً بالخير كما هو قول الزمخشري في الأساس، ففي قوله: {يعدكم الفقر} مجازان. والفقر شدّة الحاجة إلى لوازم الحياة لقلة أو فقد ما يعاوض به، وهو مشتق من فقار الظهر، فأصله مصدر فَقَره إذا كسر ظهره، جعلوا العاجز بمنزلة من لا يستطيع أدنى حركة لأنّ الظَّهر هو مجمع الحركات، ومن هذا تسميتهم المصيبة فاقرة، وقاصمة الظهر، ويقال فَقْر وفُقْر وفَقَر وفُقُر ــــــ بفتح فسكون، وبفتحتين، وبضم فسكون، وبضمتين ــــــ، ويقال رجل فقير، ويقال رجل فَقْر وصفاً بالمصدر. والفحشاء اسم لفعل أو قول شديد السوء واستحقاقِ الذم عرفاً أو شرعاً. مشتق من الفحش ــــــ بضم الفاء وسكون الحاء ــــــ تجاوز الحد. وخصّه الاستعمال بالتجاوز في القبيح، أي يأمركم بفعل قبيح. وهذا ارتقاء في التحذير من الخواطر الشيطانية التي تدعو إلى الأفعال الذميمة، وليس المراد بالفحشاء البخل لأنّ لفظ الفحشاء لا يطلق على البخل وإن كان البخيل يسمّى فاحشاً. وإطلاق الأمر على وسوسة الشيطان وتأثير قوته في النفوس مجاز لأنّ الأمر في الحقيقة من أقسام الكلام. والتعريف في الفحشاء تعريف الجنس. {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ}. عطف على جملة {الشيطان يعدكم الفقر} لإظهار الفرق بين ما تدعو إليه وساوس الشيطان وما تدعو إليه أوامر الله تعالى، والوعد فيه حقيقة لا محالة. والقول في تقديم اسم الجلالة على الخبر الفعلي في قوله: {والله يعدكم} على طريقة القول في تقديم اسم الشيطان في قوله: {الشيطان يعدكم الفقر}. ومعنى «واسع» أنّه واسع الفضل، والوصف بالواسع مشتق من وَسِع المتعدي ــــــ إذا عمّ بالعطاء ونحوه ــــــ قال الله تعالى: { أية : ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما } تفسير : [غافر: 7]، وتقول العرب: «لا يسعني أن أفعل كذا»، أي لا أجدُ فيه سعة، وفي حديث علي في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : قد وسع الناسَ بِشْرُه وخُلقُه ». تفسير : فالمعنى هنا أنّه وَسِعَ الناس والعالمين بعطائِه.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 268- الشيطان يخوفكم من الفقر ويثبطكم عن كل عمل صالح لتنصرفوا عن الإنفاق فى وجوه الخير ويغريكم بالمعاصى، والله واسع المغفرة قادر على إغنائكم، لا يخفى عليه شئ من أموركم. 269- يعطى صفة الحكمة من إصابة الحق فى القول والعمل من يشاء من عباده، ومن أُعْطِىَ ذلك فقد نال خيراً كثيراً لان به انتظام أمر الدنيا والآخرة، وما ينتفع بالعظة والاعتبار بأعمال القرآن إلا ذوو العقول السليمة التى تدرك الحقائق من غير طغيان الأهواء الفاسدة. 270- وما أنفقتم من نفقة فى الخير أو الشر، أو التزمتم بنفقة فى طاعة فإن الله يعلمه وسيجزيكم عليه، وليس للظالمين الذين ينفقون رياء أو يؤذون فى نفقتهم أو ينفقون فى المعاصى أعوان يدفعون عنهم عذاب الله فى الآخرة. 271- إن تظهروا صدقاتكم خالية من الرياء فذلك محمود لكم مرضى منكم، ممدوح من ربكم، وإن تعطوها الفقراء سراً منعاً لحرجهم وخشية الرياء فذلك خير لكم، والله يغفر لكم من ذنوبكم بسبب إخلاصكم فى صدقاتكم، والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ويعلم نياتكم فى إعلانكم وإخفائكم. 272- ليس عليك - يا محمد - هداية هؤلاء الضالين أو حملهم على الخير، وإنما عليك البلاغ، والله يهدى من يشاء، وما تبذلونه من معونة لغيركم ففائدته عائدة عليكم، والله مثيبكم عليه، وهذا إذا كنتم لا تقصدون بالإنفاق إلا رضاء الله، وأى خير تنفقونه على هذا الوجه يعود إليكم، ويصلكم ثوابه كاملا دون أن ينالكم ظلم.

القطان

تفسير : الفحشاء: كل المعاصي. وهنا المراد بها البخل. المغفرة: الصفح عن الذنب. الفضل: الرزق. الشيطان يخوفكم من الفقر ويغريكم بالبخل ويحاول ان يصرفكم عن صالح الاعمال، حتى لا تنفقوا أموالكم في وجوه الخير، بل في المعاصي. والله سبحانه وتعالى يضمن لكم على الانفاق في سبيله مغفرة وعفواً عن ذنوبكم في الآخرة، وخلفاً من الجاه، وسمعةً حسنة بين الناس، ومالاً أزيَدَ مما انفقتم، في الدنيا. فأياً تتبعون! إن الله واسع الرحمة والفضل، يحقق ما وعدكم به، وعليم بما تنفقون فلا يضيع أجركم عنده. وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من يوم يصبح العباد فيه، الا وملَكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أَعطِ منفِقاً خلفاً، ويقول الآخر اللهم اعط ممسِكاً تلفا ". تفسير : وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي انه قال: "حديث : ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ الا عِزّاً، وما تواضع أحد لله الا رفعه ".

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلشَّيْطَانُ} {وَاسِعٌ} (268) - الشَّيطَانُ يُخَوّفُ المُتَصَدِّقِينَ مِنْكُمْ مِنَ الفَقْرِ، لِتمْسِكُوا مَا بِأيدِيكُمْ، وَلا تُنْفِقُوهُ فِي سَبِيلِ مَرْضَاةِ اللهِ، وَيَأمُرُكُمْ بِارْتِكَابِ المَعَاصِي وَالمَآثِمِ، وَمُخَالَفَةِ الأَخْلاَقِ، وَاللهُ يَعِدُكُمْ بِالخَيْرِ وَالمَغْفِرَةِ وَالرِّزْقِ، عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ، وَبِمَا أوْدَعَهُ اللهُ فِي الفِطَرِ السَّلِيمَةِ مِنْ حُبِّ الخَيْرِ. وَاللهُ وَاسعُ الرِّزْقِ وَالعَطَاءِ وَالمَغْفِرَةِ. عَليمٌ بِأحْوَالِكُمْ وَمَا فِيهِ خَيْرُكُمْ. الفَضْلُ - الرِّزْقُ.

الثعلبي

تفسير : {ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ} أي بالفقر فحذف الباء كقول الشاعر: شعر : أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نسب تفسير : ويقال: وعدته خيراً ووعدته شرّاً، قال الله تعالى في الخير: {أية : وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} تفسير : [الفتح: 20] وفي الشر: {أية : ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الحج: 72] فإذا لم يذكر الخير والشرّ قلت في الخير: وعدته، وفي الشر: أوعدته وأنشد أبو عمرو: شعر : وإنّي وإن أوعدته أو وعدته لمخلف أيعادي ومنجز موعدي تفسير : والفقر: سوء الحال وقلّة اليد، وفيه لغتان: الفَقر والفُقر كالضَعف والضُعْف. وأصله من كسر الفقار، يقال: رجل فقّار وفقير، أي مكسور فقار الظهر. قال الشاعر: شعر : وإذا تلسنني ألسنتها إنني لست بموهون فقر تفسير : ومعنى الآية: إنّ الشيطان يخوّفكم بالفقر ويقول للرجل أمسك مالك فإن تصدّقت افتقرت. {وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ} أي البخل ومنع الزكاة. وزعم مقاتل [بن حيان] أنّ كلّ فحشاء في القرآن فهو الزنا إلاّ في هذه الآية. {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم} أي يجازيكم، وعد الله إلهام وتنزيل، ووعد الشيطان وساوس وتخيّل. {مَّغْفِرَةً مِّنْهُ} لذنوبكم {وَفَضْلاً} أي رزقاً وخلفاً {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ} غني {عَلِيمٌ} يقال: مكتوب في التوراة: عبدي أنفق من رزقي، أبسط عليك من فضلي. {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ} قال السدي: هي النبوّة. ابن عباس وقتادة وأبو العالية: علم القرآن: ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدّمه ومؤخّره، وحلاله وحرامه. الضحاك: القرآن والحكم فيه. وقال: في القرآن مائة وتسع آيات ناسخة ومنسوخة، وألف (آية) حلال وحرام، ولا يسع المؤمنين تركهن حتّى يتعلّموهن فيعلموهن، ولا تكونوا كأهل النهروان تأوّلوا آيات من القرآن في أهل القبلة وإنّما نزلت في أهل الكتاب، جهلوا علمها فسفكوا بها الدماء وشهدوا عليناً بالضلال وانتهبوا الأموال. فعليكم بعلم القرآن فإنّه مَنْ علم فيما أنزل لم يختلف في شيء منه نفع وأنتفع به. مجاهد: أما أنّها ليست بالنبوّة ولكنّها القرآن والعلم والفقه. وروى ابن أبي نجيح: الإصابة في القول والفعل. ابن زيد: العقل. ابن المقفّع: كلّ قول أو فعل شهد العقل بصحّته. إبراهيم: الفهم. عطاء: المعرفة بالله عزّ وجلّ. ربيع: خشية الله. سهل بن عبد الله التستري: الحكمة: السنة. وقال بعض أهل الاشارة: العلم الرباني. وقيل: إشارة بلا علّة، وقيل: إشهاد الحق تعالى على جميع الأحوال. أبو عثمان: هو النور المفرّق بين الإلهام والوسواس. وقيل: تجريد السرّ لورود الإلهام. القاسم: أن يحكم عليك خاطر الحق ولا تحكم عليك شهوتك. بندار بن الحسين وقد سئل عن قوله تعالى {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ}. فقال: سرعة الجواب مع إصابة الصواب. وقال أهل اللغة: كلّ فضل جرّك من قول أو فعل وهي أحكام الشيء المفضّل. [........] الحكمة الرد إلى الصواب، وحكمة الدابة من ذلك لأنّها تردّها إلى القصد. منصور بن عبد الله قال: سمعت الكتابي يقول: إنّ الله بعث الرسل بالنصح لأنفس خلقه، فأنزل الكتب لتنبيه قلوبهم وأنزل الحكمة لسكون أرواحهم، والرسول داع إلى الله، والكتاب داع إلى أحكامه، والحكمة مشيرة إلى فضله. {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} قرأ الربيع بن خيثم: تولي الحكمة ومَنْ تؤت الحكمة بالتاء فيها. وقرأ يعقوب {وَمَن يُؤْتَ} بكسر التاء أراد مَنْ يؤته الله. وقرأ الباقون {وَمَن يُؤْتَ} بفتح التاء على الفعل المجهول. و{وَمَن} في محل الرفع على اسم مالم يسمَ فاعله، والحكمة خبرها. الحسن بن دينار عن الحسن في قوله: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} هو الورع في دين الله عزّ وجلّ. {فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ} يتعظ {إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} ذوي العقول، واللب من العقل ما صفا من دواعي الهوى. {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ} فيما فرض الله عليكم {أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ} أوما أوجبتموه أنتم على أنفسكم فوفّيتم به. والنذر نذران: نذرٌ في الطاعة، ونذر في المعصية. فإذا كان لله فالوفاء به واجب وفي تركه الكفّارة، وما كان للشيطان فلا وفاء ولا كفارة. {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ} ويحفظه حتّى يجازيكم به. وإنّما قال {يَعْلَمُهُ} ولم يقل يعلمها؛ لأنّه ردّه إلى الآخر منها كقوله {أية : وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً} تفسير : [النساء: 112]. قاله الأخفش، وإن شئت حملته على ما، كقوله تعالى: {وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} [البقرة: 231] ولم يقل بها. {وَمَا لِلظَّالِمِينَ} الواضعين النفقة والنذر في غير موضعها بالرياء والمعصية {مِنْ أَنْصَارٍ} أعوان يدفعون عذاب الله عزّ وجلّ عنهم، والأنصار: جمع نصير، مثل شريف وأشراف وحبيب وأحباب. {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} وذلك أنهم قالوا: يارسول الله صدقة السر أفضل أم صدقة العلانيّة؟ فأنزل الله تعالى: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ} أي تظهروها وتعلنوها {فَنِعِمَّا هِيَ} أي نعمت الخصلة هي. و{مَّا} في محل الرفع و{هِيَ} لفظ في محل النصب كما تقول: نِعم الرجل رجلاً، فإذا عرفت رفعت فقلت: نعم الرجل زيد. فأصله نعم ما فوصلت وادغمت، وكان الحسن يقرأها فنعم ما مفصولة على الأصل، وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع غير ورش وعاصم برواية أبي بكر. وأبو عمرو وأبو بحرية: فنِعمّا بكسر النون وجزم العين ومثله في سورة النساء، واختاره أبو عبيدة ذكر أنّها لغة النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن العاص: "حديث : نعمّا بالمال الصالح للرجل الصالح" تفسير : هكذا روي في الحديث. وقرأ ابن عامر ويحيى بن ثابت والأعمش وحمزة والكسائي وخلف بفتح النون والعين فيهما. وقرأ طلحة وابن كثير ويعقوب وأيوب بكسر النون والعين واختاره أبو حاتم، وهي لغات صحيحة، ونعَم ونِعم لغتان جيدتان، ومن كسر النون والعين اتبع الكسرة الكسرة لئلا يلتقي ساكنان: سكون العين وسكون الادغام. {وَإِن تُخْفُوهَا} تسرّوها {وَتُؤْتُوهَا} تعطوها {ٱلْفُقَرَآءَ} في السر {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} وأفضل، وكلٌّ مقبول إذا كانت النيّة صادقة ولكن صدقة السر أفضل. وفي الحديث: "حديث : صدقة السر تطفي غضب الرب وتطفي الخطيئة كما يطفيء الماء النار، وتدفع سبعين باباً من البلاء"تفسير : . حفص بن عاصم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه: الإمام العدل، وشاب نشأ في عبادة الله عزّ وجلّ، ورجل قلبه معلّق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله فاجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها فقال: إنّي أخاف الله تعالى، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لم تعلم يمينه ما ينفق شماله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ". تفسير : {وَيُكَفِّرُ عَنكُم} شهر بن حوشب عن ابن عباس أنّه قرأ ويكفّر بالياء والرفع على معنى يكفّر الله. وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو ويعقوب: بالنون ورفع الراء على الاستئناف، أي نحن نكفّر على التعظيم. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع والأعمش وحمزة والكسائي وأيوب وأبو حاتم: بالنون والجزم معاً على الفاء التي في قوله {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} لأن موضعها جزم الجزاء. {مِّن سَيِّئَاتِكُمْ} أدخل {مِّن} للتبعيض، وعلّته: المشيئة ليكون العباد فيها على وجل ولا يتّكوا. وقال نحاة البصرة: معناه: الاسقاط، تقديره: ونكفّر عنكم سيئاتكم. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} وقال أهل هذه المعاني: هذه الآية في صدقة التطوّع لإجماع العلماء ان الزكاة المفروضة أعلانها أفضل كالصلاة المكتوبة. فالجماعة أفضل من أفرادها وكذلك سائر الفرائض لمعنيين: أحدهما ليقتدي به الناس. والثاني إزالة التهمة لئلاّ يسيء الناس به الظن ولا رياء في الغرض، فأمّا النوافل والفضائل فإخفاؤها أفضل لبعدها من الرياء والآفات، يدل عليه ما روى عمّار الذهبي عن أبي جعفر أنّه قال في قوله {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} قال: يعني الزكاة المفروضة، {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} يعني التطوّع. وعن معد بن سويد الكلبي يرفعه: "حديث : إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سُئل عن الجهر بالقراءة والإخفاء بها فقال: هي بمنزلة الصدقة {فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}"تفسير : . كثير بن مرّة عن عقبة بن عامر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : المسرّ بالقرآن كالمسر بالصدقة والجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة ". تفسير : وروى علي بن طلحة عن ابن عباس في هذه قال: جعل الله عزّ وجلّ صدقة التطوّع في السر تفضل علانيتها بسبعين ضعفاً، وصدقة الفريضة تفضل علانيتها بخمسة وعشرين ضعفاً، وكذلك جميع الفرائض والنوافل.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن الشيطان قد يوسوس لكم بأن الإنفاق إفقار لكم، ويحاول أن يصرفكم عن الإنفاق في وجوه الخير، ويغريكم بالمعاصي والفحشاء، فالْغَنِيُّ حين يقبض يده عن المحتاج فإنه يُدْخِل في قلب المحتاج الحقد. وأي مجتمع يدخل في قلبه الحقد نجد كل المنكرات تنتشر فيه. ويعالج الحق هذه المسائل بقوله: {أية : إِنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ}تفسير : [محمد: 36-37]. إن الحق سبحانه وتعالى لا يسألك أن ترد عطاءه لك من المال، إنما يطلب الحق تطهير المال بالإنفاق منه في سبيل الله ليزيد ولينمو، وليخرج الضغن من المجتمع؛ لأن الضغن حين يدخل مجتمعاً فعلى هذا المجتمع السلام. ولا يُفيق المجتمع من هذا الضغن إلا بأن تأتيه ضربة قوية تزلزله، فينتبه إلى ضرورة إخراج الضغن منه لذلك يحذرنا الله أن نسمع للشيطان: {ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 268]. فالذي يسمع لقول الشيطان ووعده، ولا يستمع إلى وعد الله يصبح كمن رجّح عدو الله على الله - أعاذنا الله وإياكم من مثل هذا الموقف - إن الشيطان قد وسوس لكم بالفقر إذا أنفقتم، وخبرة الإنسان مع الشيطان تؤكد للإنسان أن الشيطان كاذب مضلل، وخبرة الإنسان مع الإيمان بالله تؤكد للإنسان أن الله واسع المغفرة، كثير العطاء لعباده. والحكمة تقتضي أن نعرف إلى أي الطرق نهتدي ونسير. وبعد ذلك يقول الحق: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ...}.

الأندلسي

تفسير : {ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ} أي يخوفكم به إذا تصدقتم يقول: أمسك لئلا تفتقر. وقرىء الفقر والفقر بفتحتين والفقر بضم القاف. {وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ} أي بالمعاصي التي منها البخل في الحقوق الواجبة. والمعنى يغويكم بالفحشاء إغواء الآمر. {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً} أي ستراً لما اجترحتموه من السيئات. {وَفَضْلاً} أي زيادة في الرزق وتوسعة وإخلافاً لما تصدّقتم به. {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ} أي بالجود والفضل. {عَلِيمٌ} بنيات من أنفق. {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ} قرىء بالياء وبتاء الخطاب والحكمة القرآن والفهم فيه. {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} قرىء مبنياً للفاعل ومبنياً للمفعول. قال الزمخشري في قراءة من قرأ ومن يؤت: معناه ومن يؤته الله الحكمة فإِن أراد تفسير المعنى فصحيح، وإن أراد تفسير الاعراب فليس كذلك بل من مفعول بفعل تقدم الشرط كما تقول: أياً تعط درهماً أعطه درهماً. وقرىء ومن يؤته وحسن تكرار الحكمة لكونها في جملتين وللاعتناء بها والتنبيه على شرفها وفضلها. قال الزمخشري: وخيراً كثيراً تنكير تعظيم كأنه قال: فقد أؤتي أي خير كثير. "انتهى". وهذا الذي ذكره يستدعي ان في لسان العرب تنكير تعظيم ويحتاج إلى الدليل على ثبوته وتقديره أي خير كثير إنما هو على أن يجعل أي خير صفة لخير محذوف أي. {فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً} أي خير كثير ويحتاج إلى إثبات مثل هذا التركيب من لسان العرب وذلك أن المحفوظ أنه إذا وصف بأي فإِنما تضاف للفظ مثل لفظ الموصوف في الفصيح تقول: مررت برجل أيّ رجل. كما قال الشاعر: د ف شعر : دعوت امرأ امرىء فأجابني وكنت وإياه ملاذا وموئلا تفسير : وإذا تقرر هذا فهل يجوز وصف ما تضاف إليه أي إذا كانت صفة فتقول: مررت برجل أيّ رجل كريم، أم لا يجوز يحتاج جواز ذلك إلى دليل سمعي. وأيضاً ففي تقديره أي خير كثير حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه ولا يجوز ذلك إلا في ندور لا تقول: رأيْت أي رجل تريد رجلاً أي رجل إلا في ندور. نحو قوله: شعر : إذا حارب الحجاج أي منافق علاه بسيف كلما هزَّ يقطع تفسير : يريد منافقاً أي منافق. وأيضاً ففي تقديره خيراً كثيراً أي خير كثير حذف أي الصفة واقام المضاف إليه مقامها وقد حذف الموصوف به أي فاجتمع حذف الموصوف وحذف الصفة وهذا كله يحتاج إثباته إلى دليل. {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} فيه حض على العمل بطاعة الله ولما كان قد يعرض للعاقل في بعض الأحيان الغفلة قيل: وما يذكر. {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ} ما عامة في نفقة البر وغيره وفي نذر الطاعة وغيرها. ومن نفقة ومن نذر تأكيد لفهم ذلك من قوله: وما أنفقتم أو نذرتم فأكد اندراج القليل والكثير في ذلك، لقوله: ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة وحذف ما من قوله: أو نذرتم، إذ التقدير أو ما نذرتم لدلالة ما عليه فيما قبله. {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ} أي يجازي عليه ولما كان العطف بأوجاز أفراد الضمير وأعاده على أقرب مذكور وهو النذر وإن كان يجوز أن يعود على النفقة والمعطوف بأو حكمه في الضمير هذا فتارة يعود على الأول وتارة يعود على ما بعد. {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} عام في كل ظالم والأنصار الأعوان في الشدة. {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ} أي أن تظهروها فتكون علانية قصد بها وجه الله والصدقات عام في المفروضة والمتطوع بها. {فَنِعِمَّا هِيَ} الفاء في جواب الشرط. وتقدم الكلام على ما هذه في قوله: {أية : بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ} تفسير : [البقرة: 90]، وهي ضمير يعود على الصدقات بقيد الوصف أي فنعما الصدقات المبداة أو على حذف مضاف أي فنعما ابداؤها. وقرىء بكسر النون والعين بفتح النون وسكون العين وبكسرها وبإِخفاء حركة العين. {وَإِن تُخْفُوهَا} أي الصدقات. فالضمير عائد على الصدقات لفظاً لا معنى. كقوله: عندي درهم ونصفه. {فَهُوَ} أي فإخفاؤها. {خَيْرٌ لَّكُمْ} وفي قوله: وتؤتوها الفقراء ذكر فطنة الصدقات وخير افعل تفضيل أي من إبدائها أو معناه خير من جملة الخيور وإنما كان خيراً لبعد المتصدق بها من الرياء والمن والأذى ولو لم يعلم الفقير بنفسه واخفى عند الصدقة أن يعرف كان أحسن وجاء أن مخفيها من السبعة الذين ظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وقرىء ونكفر بالواو وبإِسقاطها وبالياء وبالتاء وبالنون وبكسر الفاء وفتحها وبرفع الراء وجزمها ونصبها وتقرير هذه القراءات وتوجيهها مفهوم من علم النمو. وقال ابن عطية: الجزم في الراء أفصح هذه القراءات لأنها تؤذن بدخول التكفير في الجزاء. وكونه مشروطاً ان وقع الاخفاء. واما رفع الراء فليس فيه هذا المعنى. "انتهى". ونقول ان الرفع أبلغ وأعم لأن الجزم يكون معطوفاً على جواب الشرط الثاني والرفع يدل على أن التكفير مترتب من جهة المعنى على بذل الصدقات أبديت أو أخفيت لأنا نعلم أن هذا التكفير متعلق بما قبله ولا يختص التكفير بالاخفاء فقط والجزم يخصصه به ولا يمكن أن يقال أن الذي يبدي الصدقات لا يكفر من سيآته فقد صار التكفير شاملاً للنوعين من إبداء الصدقات وإخفائها وإن كان الاخفاء حيزاً من الابداء. {مِّن سَيِّئَاتِكُمْ} من للتبعيض لأن الصدقة لا تكفر جميع السيئات. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أتى بهذه الصفة لأنها تدل على العلم بألطف الأشياء وأخفاها فناسب إخفاء الصدقة ختمها بالصفة المتعلقة بما خفي كان من أسلم يكره أن يتصدق على قريبه المشرك وعلى المشركين فنزلت: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} أي ليس عليك أن تهديهم أي تخلق الهدى في قلوبهم. وظاهر الخطاب أنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه تسلية له ولما كان قوله: يؤتي الحكمة من يشاء، دل على انقسام الناس الى من آتاه الله الحكمة فقبلها ومن لم يؤته إياها فهو يخبط عشواء في الضلال نبّه بأن هذا القسم ليس عليك هداهم بل الهداية وإيتاء الحكمة إنما ذلك إليه تعالى. {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ} أي لا يعود نفعه إلى أحد غيركم بل تختصون بجدواه فلا تبالوا بمن تصدقتم عليه من مسلم أو كافر فإِن ثواب ذلك إنما هو لكم. {وَمَا تُنْفِقُونَ} أي النفقة المعتد بها. {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ} وهو الذي يتقبلها وقيل: هو نفي معناه النهي أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله والأولى إبقاؤه على النفي لأنهم لما نهوا عن وقوع الانفاق إلاّ لوجه الله حصل الامتثال فأخبر انهم لا ينفقون إلا ابتغاء وجه الله وانتصب ابتغاء على أنه مفعول من أجله. ومعنى وجه الله: رضاه، كما قال: ابتغاء مرضاة الله. {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} أي يوفي جزاؤه لكم. {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} جملة حالية أي لا تنقصون شيئاً من ثواب أعمالكم. {لِلْفُقَرَآءِ} خبر مبتدأ محذوف وكأنه جواب سؤال مقدر كأنه قيل لمن الصدقات المحثوث على فعلها؟ فقيل: هي للفقراء. فبين مصرف الصدقات. {ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي حبسوا أنفسهم على طاعة الله أو أحصروا لكونهم زمني أو حبسهم العدو. {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ} أي سفراً لكسب وتجارة وذلك لزمانة أو خوف عدو والجملة حالية أي أحصروا عاجزين عن التصرف أو مستأنفة. {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ} قرىء بفتح السين وهي لغة تميم وبكسرها وهي لغة الحجاز والمعنى أنهم لفرط انقباضهم وترك المسألة واعتماد التوكل عليه يحسبهم من جهل أحوالهم أغنياء ومن سببية أي الحامل على حسبانهم أغنياء هو تعففهم لأن عادة من كان غني مال أن يتعفف ولا يسأل ويتعلق من التعفف بيحسبهم وهو مفعول من أجله فإِن شرط نصبه وهو اتحاد الفاعل ليس بموجود لأن فاعل يحسبهم هو الجاهل وفاعل التعفف هو الفقراء فاختلف الفاعل وعرّف المفعول هنا لأن سبق منهم التعفف مراراً فصار معهوداً منهم وأجاز ابن عطية أن تكون من لبيان الجنس، قال: يكون التعفف داخلاً في المحسبة أي أنهم لا يظهر لهم سؤال بل هو قليل وبإِجمال والجاهل بهم مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عفة، فمن لبيان الجنس على هذا التأويل. "انتهى". وليس ما قاله من أن هذه في المعنى لبيان الجنس المصطلح عليه في بيان الجنس لأن لها اعتباراً عند من قال بهذا المعنى لمن إذ تتقدر بموصول وما دخلت عليه يجعل خبر مبتدأ محذوف نحو فاجتنبوا الرجس من الأوثان، التقدير فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان ولو قلت هنا: يحسبهم الجاهل أغنياء، الذي هو التعفف لم يصح هذا التقدير وكأنه سمى الجهة التي هم أغنياء، بها بيان الجنس أي بيّنت بأي جنس وقع غناهم لأن غناهم بالتعفف لا غنى بالمال، فسمي من الداخلة على ما يبين من جهة المعنى لبيان الجنس وليس المصطلح عليه كما قدمناه. وهذا يدل الى أنّ من سببية لكنها تتعلق بأغنياء لا بيحسبهم والجملة من يحسبهم حالية أو مستأنفة. {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أي تعرف أعيانهم أو تعرفهم بعلامة رثّة أطمارهم وشحوب ألوانهم لأجل الفقر، والباء في بسيماهم للسبب، والجملة أيضاً حالية أو مستأنفة، والتعفف تفعّل من العفة، عفّ عن الشيء أمسك عنه، وتنزه عن طلبه والسيما العلامة تقصر وتمد وإذا مدت فالهمزة للإِلحاق نحوها في حِرْبَاء ويقال سيمياء ككيمياء والهمزة للتأنيث وهو مشتق من الوسم ففيه قلب لجعل فائه فكان عينه وعينه مكان فائه. {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} الالحاف: الالحاح. ألح والحف بمعنى واحد. وإذا نفي حكم عن محكوم عليه بقيد فالأكثر في لسان العرب انصراف النفي لذلك القيد فيكون المعنى على هذا ثبوت سؤالهم ونفي الالحاح أي أن وقع منهم سؤال فإِنما يكون بتلطف وتستر لا بإِلحاح ويجوز أن ينفي ذلك الحكم فينتفي ذلك القيد فيكون على هذا نفي السؤال ونفي الالحاح فلا يكون النفي على هذا منصباً على القيد فقط. وهذا فهم ابن عباس قال: لا يسألون الحافاً ولا غير الحاف. وهذه الجملة حالية أو مستأنفة وفي تعدد الحال خلاف وتفصيل وانتصب الحافا قالوا: على المفعول له أو مصدراً الفعل محذوف أي لا يُلحفون إلحافاً أو مصدراً في موضع الحال. و{بِهِ عَلِيمٌ} أي مجاز ومثيب. كان لعلي رضي الله عنه أربعة دراهم فقط فتصدق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً وبدرهم سراً وبدرهم علانية. فنزل: {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} وقدم الليل والسر لأن الصدقة تخفى فيهما وتقدم ان الاخفاء أفضل. ودخلت الفاء في فلهم لتضمن الموصول معنى اسم الشرط لعمومه. قال ابن عطية: وإنما يوجد الشبه بين الموصول واسم الشرط إذا كان الذي موصولاً بفعل وإذا لم يدخل على الذي عامل يغير معناه. "انتهى". فخص الشبه إذا كان الذي موصولاً بفعل وهذا كلام غير محرر إذ ما ذكر له قيود أولها إن ذلك لا يختص بالذي بل كل موصول غير الألف واللام حكمه في ذلك حكم الذي بلا خلاف وفي الألف واللام خلاف. ومذهب سيبويه المنع من دخول الغاء الثاني قوله موصولاً بفعل فأطلق في الفعل واقتصر عليه وليس كذلك بل شرط الفعل أن يكون قابلاً لاداة الشرط فلو قلت: الذي سيأتيني، أو لما يأتيني، أو ما يأتيني، أو ليس يأتيني فله درهم، لم يجز لأن أداة الشرط لا يصلح أن تدخل على شيء من ذلك وأما الاقتصار على الفعل فليس كذلك بل الظرف والجار والمجرور كالفعل في ذلك فمتى كانت الصلة واحداً منهما جاز دخول الفاء. وقوله: وإذا لم يدخل على الذي عامل يغير معناه عبارة غير مخلصة لأن العامل الداخل عليه كائناً ما كان لا يغير معنى الموصول إنما ينبغي أن يقول معنى جملة الابتداء في الموصول وخبره فيخرجه إلى تغيير المعنى الابتدائي من تمنّ أو تشبيه أو ظن أو غير ذلك. لو قلت: ليت الذي يزورنا فيحسن إلينا لم يجز. وكان ينبغي أيضاً لابن عطية أن يذكر أن من شرط دخول الفاء في الخبر أن يكون مستحقاً بالصلة نحو ما جاء في الآية لأن ترتب الأجر إنما هو على الانفاق، ومسألة دخول الفاء في خبر المبتدأ تستدعي كلاماً طويلاً وفي بعض مسائلها خلاف وتفصيل، وقد ذكرت ذلك في كتاب التذكرة من تأليفنا.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن عدة الشيطان وعدة الرحمن بقوله تعالى: {ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ} [البقرة: 268]، والإِشارة فيها: أن الشيطان حين يعدكم بالفقر ظاهر، فهو يأمركم بالفحشاء حقيقة، والفحشاء: اسم جامع لكل سوء؛ لأن عدته بالفقر تضمن معاني الفحشاء، وهي البخل والحرص، واليأس من الخلق، والشك في وعد الحق للخلق بالرزق، والخلف للمتفق، ومضاعفة الحسنات، وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه، وتكذيب قول الحق، ونسيان فضله وكرمه، وكفران النعمة، والإعراض عن الحق، والإقبال على الخلق، وانقطاع الرجاء من الله وتعلق القلب بغيره، ومتابعة الشهوات، وإيثار الحظوظ وترك العفة والقناعة، والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبذر كل بلية؛ ولهذا القوم بالتخصيص الانحطاط من كل مقام عليّ إلى كل منزل دنئ، مثل الخروج عن حول الله وقوته إلى حول نفسه وقوتها، والنزول عن التسليم والتفويض إلى التدبير والاختيار، ومن العزائم إلى الرخص والتأويلات، والركون إلى غير الله تعالى بعد السكون معه، والرجوع إلى ما تركه الله بعد بذله في الله، فهذه كلها وأضعافها مما تضمنت عدة الشيطان بالفقر، فمن فتح على نفسه باب وسوسة فسوف يبتلى بهذه الآفات. {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً} [البقرة: 268]، ومن سد على نفسه باب وسوسة بالعدة، يفتح على نفسه باب عدة الحق بالمغفرة، ويفيض الله تعالى من بحار فضله سبحال ثوابه، ويحفظه من هذه الآفات ويخطه على عسكها من أنواع الكرامات ورفعة الدرجات، {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ} [البقرة: 268]، فضله وكرمه وعطاؤه وملكه وغناؤه ورحمته ومغفرته، {عَلِيمٌ} [البقرة: 268]، بمن سد باب وسوسة الشيطان على نفسه وفتح باب الفضل والمغفرة والرضوان من ربه، فينعم عليه بأنواع مما لديه عاجلاً وآجلاً، فمن ذلك يفتح الله تبارك وتعالى على قلبه باباً من خزائن حكمته عاجلاً، وهي مختصة بمشيئة إلا مشيئة الخلق كما ظن الفلاسفة والأطباء، فإنه تبارك وتعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ} [البقرة: 269]. فظن قوم أن الحكمة مما يحصل بمجرد التكرار وهي نتائج الأفكار، وما فرقوا بين المعقولات والحكميات والإلهيات، فالمعقولات مشتركة بين أهل الدين وأهل الكفر، وبين المقبول والمردود، فالمعقول ما يحكم عليه ببرهان عقلي، وهذا ميسر لكل عاقل بالدراية وبالقوة، فمن صفي عقله عن شوائب الوهم والخيار بدرك عقله المعقول بالبرهان ورأيه عقلية، ومن لم يصف العقل عن هذه الآفات، فهو يدرك المعقول قراءة بتفهيم أستاذ مرشد، فإن الحكمة ليست من هذا القبيل، فإن العقول عن دركها بذواتها محتسبة، والبراهين العقلية والنقلية عنها مخنسة، فإنها مواهب ترد على قلوب الأنبياء والأولياء عند تجلي صفات الجمال والجلال، وفناء أوصاف الخلقية لشواهد صفات الخالقية، فيكاشف الأسرار بحقائق معانٍ أورثتها تلك الأنوار، ستر البشر وإضمار بإضمار، فإمارة صحتها معادلتها لحقائق القرآن، بل هي عين حقائق القرآن، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أوتيت القرآن وما يعدله"،تفسير : أشار بهذه إلى الحكمة، ولهذا قال سهل رضي الله عنه في تأويل الحكمة: هي السنة، فحقيقة الحكمة نور من أنوار صفات الحق، يؤيد الله به عقل من يشاء من عباده، فيكون له كما قال: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [النور: 35]، فمن أكرم بهذا النور فقد أوتي كل حبور وسرور، وأوتي مع الحكمة خيراً كثيراً، كما قال تعالى: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} [البقرة: 269]؛ يعني: لذلك النور فوائد وخيرات كثيرة، فمن جملتها الحكمة، فمن يؤت الحكمة فقد أعطي ذلك النور {فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} [البقرة: 269]، فافهم جدّاً. واغتنم واجتهد أن تتعظ به وتكون من ذويه؛ لأنه تعالى: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [البقرة: 269]؛ وهم الذين لم يقنعوا بقشور العقول الإنسانية، بل سعوا في طلب لبُّها بمتابعة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فأخرجوهم من ظلمات قشور العقول الإنسانية إلى نور لُب المواهب الربانية، فتحقق لهم أن {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور: 40]، فانتبه أيها المغرور المفتون بدار الغرور، {أية : وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ}تفسير : [لقمان: 33]. ثم أخبر عن توفية الأجور للمتفق في الفروض والنذور بقوله تعالى: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [البقرة: 270]، الإشارة فيها: أن تقرب العبد إلى الله إنما يكون بفرض أوجبه عليه أو ينقل أوجبه العبد على نفسه، فعلى كلا التقديرين إن الله عليم بهما، فيجازي العبد بهما، كما قال تعالى في حديث رباني: "حديث : لن يتقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم، ولا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً، فبي يسمع وبي يبصر، وبي ينطق وبي يبطش"،تفسير : ولكن الشأن في إخلاص العمل لله تعالى من غير شوبة بعلة دنيوية أو أخروية، فإنها شرك، {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13]. فقوله تعالى: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ} [البقرة: 270]؛ أي: مفروضة، {أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ} [البقرة: 270]؛ أي: من نقل أوجبتموه على أنفسكم، فإن الله يعلم إنكم تقربتم به إلى الله خالصاً مخلصاً بلا شَوبة بشرك أم لا، فإن كان غير مشوب بشرك فيجازيكم بجزاء المخلصين، وإن كان مشوباً بشرك فأنتم ظلمتم بوضع طاعة الله في غير موضعها، {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ} [البقرة: 270]؛ يعني: الظلم منكم، {وَمَا لِلظَّالِمِينَ} [البقرة: 270]، من أشار بأن يتقرب إليهم بأنواع ألطافه؛ لأنهم ما تقربوا إليه بطاعتهم، ومن سنة ما قال: "حديث : من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ".

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ} [268] 71- أنا هنَّاد بن السَّريِّ، عن أبي الأحوص، عن عطاء، عن مُرَّة، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن للشيطان لمَّة، وللملك لمَّة، فأما لمَّة الشيطان فإيعادٌ بالشر، وتكذيب بالحق وأما لمَّة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد من ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد (مِنَ) الآخَرِ، فليتعوذ من الشيطان، ثم قرأ {ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً} "

همام الصنعاني

تفسير : 348- قال عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: {ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ}: [الآية: 268]، قال: إن للملك لَمّةٌ، وللشيطان لَمَّةٌ، فلمَّة الملكِ إيعادٌ بالخير وتصديق بالحق، فمن وجدها فليحمد الله، ولمّة الشيطان إيعادٌ بالشر، وتكذيب بالحق، فمن وجدها فليستعذ بالله.