٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
269
Tafseer
الرازي
تفسير : إعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة أن الشيطان يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء، وأن الرحمٰن يعد بالمغفرة والفضل نبّه على أن الأمر الذي لأجله وجب ترجيح وعد الرحمٰن على وعد الشيطان هو أن وعد الرحمٰن ترجحه الحكمة والعقل، ووعد الشيطان ترجحه الشهوة والنفس من حيث إنهما يأمران بتحصيل اللذة الحاضرة واتباع أحكام الخيال والوهم، ولا شك أن حكم الحكمة والعقل هو الحكم الصادق المبرأ عن الزيغ والخلل، وحكم الحس والشهوة والنفس توقع الإنسان في البلاء والمحنة، فكان حكم الحكمة والعقل أولى بالقبول، فهذا هو الإشارة إلى وجه النظم. بقي في الآية مسائل: المسألة الأولى: المراد من الحكمة إما العلم وإما فعل الصواب يروى عن مقاتل أنه قال: تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه أحدها: مواعظ القرآن، قال في البقرة {أية : وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ } تفسير : [البقرة: 231] يعني مواعظ القرآن وفي النساء {وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ } يعني المواعظ، ومثلها في آل عمران وثانيها: الحكمة بمعنى الفهم والعلم، ومنه قوله تعالى: {أية : وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } تفسير : [مريم: 12] وفي لقمان {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ } تفسير : [لقمان: 12] يعني الفهم والعلم وفي الأنعام {أية : أُوْلَـٰئكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ } تفسير : [الأنعام: 89] وثالثها: الحكمة بمعنى النبوّة في النساء {أية : فَقَدْ ءاتَيْنَا ءَالَ إِبْرٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ } تفسير : [النساء: 54] يعني النبوّة، وفي ص {أية : وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وفصل الخطاب } تفسير : [صۤ: 20] يعني النبوّة، وفي البقرة {أية : وَآتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ } تفسير : [البقرة: 251] ورابعها: القرآن بما فيه من عجائب الأسرار في النحل {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِٱلْحِكْمَةِ } تفسير : [النحل: 125] وفي هذه الآية {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا} وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم، ثم تأمل أيها المسكين فإنه تعالى ما أعطى إلا القليل من العلم، قال تعالى: {أية : وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [الإسراء: 85] وسمى الدنيا بأسرها قليلا، فقال: {أية : قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ } تفسير : [النساء: 77] وانظر كم مقدار هذا القليل حتى تعرف عظمة ذلك الكثير، والبرهان العقلي أيضاً يطابقه لأن الدنيا متناهية المقدار، متناهية المدة، والعلوم لا نهاية لمراتبها وعددها ومدة بقائها، والسعادة الحاصلة منها، وذلك ينبئك على فضيلة العلم والاستقصاء في هذا الباب قد مرّ في تفسير قوله تعالى: {أية : وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلأَسْمَاء كُلَّهَا } تفسير : [البقرة: 31] وأما الحكمة بمعنى فعل الصواب فقيل في حدها: إنها التخلق بأخلاق الله بقدر الطاقة البشرية، ومداد هذا المعنى على قوله صلى الله عليه وسلم:«حديث : تخلقوا بأخلاق الله تعالى» تفسير : واعلم أن الحكمة لا يمكن خروجها عن هذين المعنيين، وذلك لأن كمال الإنسان في شيئين: أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، فالمرجع بالأول: إلى العلم والإدراك المطابق، وبالثاني: إلى فعل العدل والصواب، فحكي عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم قوله {أية : رَبّ هَبْ لِى حُكْماً} تفسير : [الشعراء: 83] وهو الحكمة النظرية {أية : وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [الشعراء: 83] الحكمة العملية، ونادى موسى عليه السلام فقال: {إِنَّنِى أَنَا ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ } وهو الحكمة النظرية، ثم قال: {فَٱعْبُدْنِى } وهو الحكمة العملية، وقال عن عيسى عليه السلام إنه قال: {أية : إِنّى عَبْدُ ٱللَّهِ } تفسير : [مريم: 30] الآية، وكل ذلك للحكمة النظرية، ثم قال: {أية : وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيّا } تفسير : [مريم: 31] وهو الحكمة العملية، وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلا ٱللَّهِ } تفسير : [محمد: 19] وهو الحكمة النظرية، ثم قال: {أية : وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ } تفسير : [غافر: 55] [محمد: 19] وهو الحكمة العملية، وقال في جميع الأنبياء {أية : يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ } تفسير : [النحل: 2] وهو الحكمة النظرية: ثم قال: {فَٱتَّقُونِ } وهو الحكمة العملية، والقرآن هو من الآية الدالة على أن كمال حال الإنسان ليس إلا في هاتين القوتين، قال أبو مسلم: الحكمة فعلة من الحكم، وهي كالنحلة من النحل، ورجل حكيم إذا كان ذا حجى ولب وإصابة رأي، وهو في هذا الموضع في معنى الفاعل ويقال: أمر حكيم، أي محكم، وهو فعيل بمعنى مفعول، قال الله تعالى: {أية : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } تفسير : [الدخان: 4] وهذا الذي قاله أبو مسلم من اشتقاق اللغة يطابق ما ذكرناه من المعنى. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: قرىء {وَمنْ يُؤْتِى الْحِكْمَةَ } بمعنى: ومن يؤته الله الحكمة، وهكذا قرأ الأعمش. المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى وذلك لأن الحكمة إن فسرناها بالعلم لم تكن مفسرة بالعلوم الضرورية، لأنها حاصلة للبهائم والمجانين والأطفال، وهذه الأشياء لا توصف بأنها حكم، فهي مفسرة بالعلوم النظرية، وإن فسرناها بالأفعال الحسيّة فالأمر ظاهر، وعلى التقديرين فيلزم أن يكون حصول العلوم النظرية والأفعال الحسيّة ثابتاً من غيرهم، وبتقدير مقدر غيرهم، وذلك الغير ليس إلا الله تعالى بالاتفاق، فدل على أن فعل العبد خلق لله تعالى. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من الحكمة النبوّة والقرآن، أو قوة الفهم والحسيّة على ما هو قول الربيع بن أنس. قلنا: الدليل الذي ذكرناه يدفع هذه الاحتمالات، وذلك لأنه بالنقل المتواتر ثبت أنه يستعمل لفظ الحكيم في غير الأنبياء، فتكون الحكمة مغايرة للنبوّة والقرآن، بل هي مفسرة إما بمعرفة حقائق الأشياء، أو بالإقدام على الأفعال الحسنة الصائبة، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل، فإن حاولت المعتزلة حمل الإيتاء على التوفيق والإعانة والألطاف، قلنا: كل ما فعله من هذا الجنس في حق المؤمنين فقد فعل مثله في حق الكفار، مع أن هذا المدح العظيم المذكور في هذه الآية لا يتناولهم، فعلمنا أن الحكمة المذكورة في هذه الآية شيء آخر سوى فعل الالطاف، والله أعلم. ثم قال: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } والمراد به عندي والله أعلم أن الإنسان إذا رأى الحكم والمعارف حاصلة في قلبه، ثم تأمل وتدبر وعرف أنها لم تحصل إلا بإيتاء الله تعالى وتيسيره، كان من أولي الألباب، لأنه لم يقف عند المسببات، بل ترقى منها إلى أسبابها، فهذا الانتقال من المسبب إلى السبب هو التذكر الذي لا يحصل إلا لأولي الألباب، وأما من أضاف هذه الأحوال إلى نفسه، واعتقد أنه هو السبب في حصولها وتحصيلها، كان من الظاهريين الذين عجزوا عن الانتقال من المسببات إلى الأسباب، وأما المعتزلة فإنهم لما فسروا الحكمة بقوة الفهم ووضع الدلائل، قالوا: هذه الحكمة لا تقوم بنفسها، وإنما ينتفع بها المرء بأن يتدبر ويتفكر، فيعرف ماله وما عليه، وعند ذلك يقدم أو يحجم.
القرطبي
تفسير : . قوله تعالى: {يُؤّتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ} أي يعطيها لمن يشاء من عباده. وآختلف العلماء في الحكمة هنا؛ فقال السديّ: هي النبوّة. ابن عباس: هي المعرفة بالقرآن فقهِه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدّمه ومؤخره. وقال قَتادة ومجاهد: الحكمة هي الفقه في القرآن. وقال مجاهد: الإصابة في القول والفعل. وقال ابن زيد: الحكمة العقل في الدِّين. وقال مالك بن أنس: الحكمة المعرفة بدين الله والفقه فيه والاتّباع له. وروى عنه ابن القاسم أنه قال: الحكمة التفكر في أمر الله والاتّباع له. وقال أيضاً: الحكمة طاعة الله والفقهُ في الدِّين والعملُ به. وقال الربيع بن أنس: الحكمة الخشية. وقال إبراهيم النَّخَعيّ: الحكمة الفهم في القرآن؛ وقاله زيد بن أسلم. وقال الحسن: الحكمة الورع. قلت: وهذه الأقوال كلها ما عدا قول السُّدِّي والربيع والحسن قريب بعضها من بعض؛ لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان في قول أو فعل؛ فكل ما ذُكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس؛ فكتاب الله حِكمة، وسُنّة نبيّه حكمة، وكل ما ذكر من التفضيل فهو حكمة. وأصل الحكمة ما يمتنع به من السّفَه؛ فقيل للعلم حكمة؛ لأنه يُمتنع به، وبه يعلم الإمتناع من السّفه وهو كل فعل قبيح، وكذا القرآن والعقل والفهم. وفي البخاريّ: «حديث : من يُرِد الله به خيراً يفقّهه في الدين»تفسير : وقال هنا: «ومَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً» وكرر ذِكر الحِكمة ولم يضمرها اعتناءً بها، وتنبيهاً على شرفها وفضلها حسب ما تقدّم بيانه عند قوله تعالى: {أية : فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً} تفسير : [البقرة: 59]. وذكر الدّارميّ أبو محمد في مسنده: حدّثنا مروان بن محمد حدّثنا رِفْدة الغسّانيّ قال أخبرنا ثابت بن عجلان الأنصاريّ قال: كان يقال: إن الله ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم المعلّم الصبيان الحكمة صرف ذلك عنهم. قال مروان: يعني بالحكمة القرآن. قوله تعالى: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} يقال: إن من أُعطيَ الحكمة والقرآن فقد أُعطي أفضل ما أُعطي من جمع علم كتب الأوّلين من الصحف وغيرها؛ لأنه قال لأُولئك: {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 85]. وسمّى هذا خيراً كثيراً؛ لأن هذا هو جوامع الكلم. وقال بعض الحكماء: من أعطي العلم والقرآن ينبغي أن يعرف نفسه، ولا يتواضع لأهل الدنيا لأجل دنياهم؛ فإنما أُعطي أفضلَ ما أُعطي أصحاب الدنيا؛ لأن الله تعالى سَمَّى الدنيا متاعاً قليلاً فقال: {أية : قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} تفسير : [النساء: 77] وسَمّى العلم والقرآن «خيراً كثيراً». وقرأ الجمهور «وَمَنْ يُؤْتَ» على بناء الفعل للمفعول. وقرأ الزُّهرِي ويعقوب «ومن يؤتِ» بكسر التاء على معنى ومن يؤت الله الحكمة، فالفاعل اسم الله عز وجل. و «مَنْ» مفعول أوّل مقدّم، والحكمة مفعول ثان. والألباب: العقول، واحدها لُبّ وقد تقدّم.
البيضاوي
تفسير : {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ} تحقيق العلم وإتقان العلم. {مَن يَشَآء} مفعول أول أخر للإِهتمام بالمفعول الثاني {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} بناؤه للمفعول لأنه المقصود. وقرأ يعقوب بالكسر أي ومن يؤته الله الحِكمة. {فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} أي: أيُّ خير كثير؟ إذ حيز له خير الدارين. {وَمَا يَذَّكَّرُ } وما يتعظ بما قص من الآيات، أو ما يتفكر، فإن المتفكر كالمتذكر لما أودع الله في قلبه من العلوم بالقوة. {إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ} ذوو العقول الخالصة عن شوائب الوهم والركون إلى متابعة الهوى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يُؤْتِى الْحِكْمَةَ } أي العلم النافع المؤديّ إلى العمل {مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } لمصيره إلى السعادة الأبدية {وَمَا يَذَّكَّرُ } فيه إدغام التاء في الأصل في الذال يتعظ {إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلالْبَٰبِ } أصحاب العقول.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْحِكْمَةَ} الفقه في القرآن، أو العلم بالدين، أو الفهم أو النبوة، أو الخشية، أو الإصابة، أو الكتابة.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {يُؤْتِي ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ}. قال ابن عرفة: الظاهر أنّ المراد به الفقه والعمل به.
ابن عادل
تفسير : قال السَّدِّي: هي النبوة. وقال ابن عباس، وقتادة: علم القرآن: ناسخه، ومنسوخه، ومحكمه، ومتشابهه، ومقدّمه، ومؤخره، وحلاله، وحرامه، وأمثاله. قال الضحاك: في القرآن مائةٌ وتسع آياتٍ، ناسخةٌ ومنسوخةٌ، وألف آية حلالٌ وحرامٌ، لا يسع المؤمنين تركهن، حتى يتعلموهنَّ، ولا يكونوا كأهل النهروان فإنهم تأوَّلوا آيات من القرآن في أهل القبلة، وإنما أنزلت في أهل الكتاب، جهلوا علمها، فسفكوا بها الدماء، وانتهبوا الأموال، وشهدوا علينا بالضلال، فعليكم تعلم القرآن؛ فإنه من علم فيما أُنزل؛ لم يختلف في شيء منه. وقال مجاهد: هي القرآن، والعلم، والفقه، وروى ابن أبي نجيح عنه هي الإصابة في القول، والفعل. وقال إبراهيم النخعيُّ: هي معرفة معاني الأشياء، وفهمها. وروي عن مقاتل، قال: تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: مواعظ القرآن. قال: {أية : وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ}تفسير : [البقرة:231] وفي النساء {أية : وَأَنزَلَ ٱللهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ}تفسير : [النساء:113] يعني المواعظ ومثلها في آل عمران. وثانيها: الحكمة بمعنى: الفهم، والعلم قال {أية : وَءَاتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً}تفسير : [مريم:12] وفي لقمان: {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ}تفسير : [لقمان:12] يعني الفهم، والعلم، وفي الأنعام {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ}تفسير : [الأنعام:89] وفي "ص" {أية : وَءَاتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ}تفسير : [ص:20]. وثالثها: النبوة. ورابعها: القرآن بما فيه من عجائب الأسرار، قال في النحل: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ}تفسير : [النحل:125] وفي هذه الآية {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} وعند التحقيق ترجع هذه الوجوه إلى العلم. قال أبو مسلم: الحكمة: فعلةٌ من الحكم، وهي كالنَّحلة: من النَّحل، ورجلٌ حكيمٌ إذا كان ذا حِجًى، ولُبٍّ، وإصابة رأي وهو في هذا الموضع في معنى الفاعل، ويقال: أمر حكيمٌ، أي: محكمٌ. قوله تعالى: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ}: الجمهور على "يُؤْتِي" "وَمَنْ يُؤْتَ" بالياء فيهما، وقرأ الريع بن خيثم: بالتاء على الخطاب فيهما. وهو خطابٌ للباري؛ على الالتفات. وقرأ الجمهور: "وَمَنْ يُؤْتَ" مبنياً للمفعول، والقائم مقام الفاعل ضمير "مَنْ" الشرطية، وهو المفعول الأول فتكون في محل رفع، و "الحكمة" مفعول ثانٍ. وقرأ يعقوب: "يُؤْتِ" مبنياً للفاعل، والفاعلُ ضميرُ الله تعالى، و "مَنْ" مفعولٌ مقدمٌ، و "الحكمة" مفعولٌ ثانٍ؛ كقولك: "أَيّاً يُعْطِ زيداً دِرْهماً أُعْطِه درهماً" ويدل لهذه القراءة قراءة الأعمش. وقال الزمخشريُّ: بمعنى "وَمْن يُؤْتِهِ اللهُ". قال أبو حيان: "إِن أرادَ تفسير المعنى، فهو صحيحٌ، وإن أراد الإعراب، فليس كذلك؛ إذ ليس ثمَّ ضمير نصب محذوفٌ، بل مفعول "يُؤْتِ" من الشرطية المتقدمة". قال شهاب الدين: ويؤيِّد تقدير الزمخشري قراءة الأعمش. قوله: {فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} جواب الشرط، والماضي المقترن بقد، الواقع جواباً للشرط، تارةً يكون ماضي اللفظ مستقبل المعنى، كهذه الآية الكريمة، فهو الجواب حقيقةً، وتارةً يكون ماضي اللفظ، والمعنى نحو: {أية : وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ}تفسير : [فاطر:4] فهذا ليس جواباً، بل الجواب محذوفٌ، أي: فتسلَّ، فقد كذِّبت رسلٌ، وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى. والتنكير في "خَيْراً" قال الزمخشريُّ: يفيد التعظيم، كأنه قال: فقد أُوتي [أيَّ] خير كَثيرٍ". قال أبو حيَّان: وتقديره هكذا، يؤدي إلى حذف الموصوف بـ "أَيَّ" وإقامة الصفة مقامه، فإنَّ التقدير: فقد أُوتِيَ خيراً أي خيرٍ كثيرٍ، وحذف "أيَّ" الواقعة صفةً، وإقامة المضاف إليها مقامها، وكذلك وصف ما يضاف إليه "أيَّ" الواقعة صفةً، نحو: مررت برجلٍ أيِّ رجلٍ كريم، وكلُّ هذا يحتاج في إثباته إلى دليلٍ، والمحفوظ عن العرب: أنَّ "أيّاً" الواقعة صفةً تضاف إلى ما يماثل الموصوف نحو: شعر : 1232ب- دَعَوْتُ امْرَأً أَيَّ امْرِئٍ فَأَجَابَنِي وَكُنْتُ وَإِيَّاهُ مَلاَذاً وَمَوْئِلاً تفسير : وقد يحذف المصوف بـ "أي"؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1233أ- إِذَا حَارَبَ الحَجَّاجُ أَيَّ مُنَافِقٍ عَلاَهُ بِسَيْفٍ كُلَّما هُزَّ يَقْطَعُ تفسير : تقديره: منافقاً أيَّ منافقٍ، وهذا نادرٌ، وقد تقدم أنَّ تقدير الزمخشريِّ كذلك، أعني كونه حذف موصوف "أيّ" كقراءة الأعمش بإثبات "ها" الضمير و "مَنْ" في قراءته مبتدأٌ، لاشتغال الفعل بمعموله، وعند من يجوِّز الاشتغال في أسماء الشَّرط، والاستفهام، يجوز في "مَنْ" النصب بإضمار فعلٍ، وتقديره متأخراً والرفع على الابتداء، وقد تقدم نظائر هذا. فصل في دفع شبهة للمعتزلة احتجُّوا بهذه الآية الكريمة على أنَّ فعل العبد مخلوقٌ لله تعالى؛ لأن الحكمة إن فسرناها بالعلم، لم تكن مفسرة بالعلوم الضرورية؛ لأنها حاصلة للبهائم، والمجانين، والأطفال، وهذه الأشياء لا توصف بأنها حكمة، فهي مفسرة بالعلوم النظرية، وإن فسرناها بالأفعال الحسية فالأمر ظاهرٌ، وعلى التقديرين: فيلزم أن يكون حصول العلوم النظرية، والحسية ثابتاً من غيرهم، وبتقدير مقدِّرٍ من غيرهم، وذلك الغير ليس إلا الله تعالى بالاتفاق. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من الحكمة النبوة أو القرآن، أو قوة الفهم أو الخشية، على ما قال الرَّبيع بن أنسٍ؟ فالجواب: إنَّ الدليل الذي ثبت بالتواتر أنه يستعمل لفظ الحكيم في غير الأنبياء فتكون الحكمة مغايرة للنبوة والقرآن، بل هي مفسرة: إمَّا بمعرفة حقائق الأشياء، أو بالإقدام على الأفعال الحسنة الصائبة، وعلى التقديرين، فالمقصود حاصلٌ فإن حاولت حمل الإيتاء على التوفيق، والإعانة، والألطاف، قلنا: كل ما فعله من هذا الجنس في حق المؤمنين، فقد فعل مثله في حق الكفَّار، مع أن هذا المدح العظيم لا يتناولهم، فعلمنا أن الحكمة المذكورة في هذه الآية شيءٌ آخر سوى فعل الألطاف. قوله: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} وأصل "يَذَّكَّرُ": يتذكر، فأدغم. "وأُولُوا الأَلْبَابِ" ذوو العقول، ومعناه: أن الإنسان إذا تأمَّل، وتدبر هذه الأشياء، وعرف أنها لم تصل إلاَّ بإيتاء الله تعالى، وتيسيره، كان من أولي الألباب.
البقاعي
تفسير : ولما انقضى الكلام في الإنفاق والمال المنفق على هذا الأسلوب الحكيم تصريحاً وتلويحاً وختم ذلك بهاتين الصفتين وتضمن ذلك مع التصريح بأنه عليم أنه حكيم أتبع ذلك الوصف بأن من سعته وعلمه وحكمته أنه يهب من صفاته ما يشاء لمن يشاء بأن يؤتيه الحكمة فيوقفه على علم ما خفي من هذه الأمثال المتقنة والأقوال الحسنة تصريحاً وتلويحاً ويوفقه للعمل بذلك إنشاء وتصحيحاً فقال تعالى منبهاً على ترجيح العمل بأمر الرحمن وقبول وعده بأنه على مقتضى العقل والحكمة وأن أمر الشيطان ووعده على وفق الهوى والشهوة: - وقال الحرالي: ولما أبدى سبحانه وتعالى أمر الآخرة وأظهر ما فيها وبين أمر الدنيا من الترتيب والتسبيب ورجع بعضها على بعض عوداً على بدء أنبأ تعالى أن ذلك من حكمته وأنهى الحكمة لما فيها من استيفاء حكمة الدارين فليس الحكيم من علم أمر الدنيا بل من علم أمر ما بين الدنيا والآخرة فداوى أدواء الدنيا بدواء الآخرة وداوى النفس بدواء الدارين وضم جوامعها في تيسير الكلم كما ضمّها لمن اصطفاه {أية : ذلك مما أوحى إليك ربّك من الحكمة} تفسير : [النحل: 39] فقال سبحانه وتعالى: {يؤتي الحكمة} انتهى. وفي ترتيبها على واسع عليم بعد غني حميد بعد عزيز حكيم التحذير من التعريض لإنفاق ما يرده لعزته وغناه وسعته ويذم عليه لعلمه لرداءته أو فساد في نيته وإن خفي فإن ذلك خارج عن منهاج الحكمة منا ومقتضى الحكمة منه سبحانه وتعالى كما وقع لقابيل إذ قرب رديئاً كما هو مشهور في قصته، ولعله لوح إليه بالتذكر في ختام هذه الآية ثم بقوله: {وما للظالمين من أنصار} فصار كأنه قال سبحانه وتعالى: واعلم أن الله عزيز حكيم يؤتي الحكمة وهي العلم بالأشياء على ما هي عليه المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم {من يشاء} من عباده، ثم مدح من حلاه بها فقال مشيراً ببناء الفعل للمفعول إلى أنها مقصودة في نفسها: {ومن يؤت الحكمة} أي التي هي صفة من صفاته، وأشار بالتعريف إلى كمالها بحسب ما تحتمله قوى العبيد، والحكمة قوة تجمع أمرين: العلم المطابق وفعل العدل وهو العمل على وفق العلم. قال الأصبهاني: والقرآن مملوء من الآيات الدالة على أن كمال الإنسان ليس إلا هاتين القوتين {فقد أوتي خيراً كثيراً} قال الحرالي ما معناه: إنه نكرة لما في الحكمة من التسبب الذي فيه كلفة ولو يسرت فكان الخير الكثير المعرف في الكلمة لما فيها من اليسر والحياطة والإنالة الذي لا ينال منه منال بسبب وإنما هو فضله يؤتيه من يشاء فيصير سبحانه وتعالى سمعه وبصره - إلى آخره. ولما كان التقدير: فإن ذلك الذي أوتي الحكمة يصير ذا لبّ فيتأهل لأن يتذكر بما يلقيه الله سبحانه وتعالى من كلمته ما بثّ في الأنفس والآفاق من حكمته وصل به قوله: {وما يذكر} أي بكلام الله سبحانه وتعالى حكمه {إلا أولوا الألباب} أي أصحاب العقول الصافية عن دواعي الهوى المنبعثة من التوهمات الحاصلة عن الوسوسة فهم يترقون بالتذكر بأنهم لا حول لهم عن المسببات إلى أسبابها إلى أن يصلوا إلى مسببها فيعرفوه حق معرفته. وقال الحرالي: الذين لهم لب العقل الذي ينال لب الحس كأن الدنيا قشر تنال بظاهر العقل، والآخرة لب تنال بلب العقل ظاهراً لظاهر وباطناً لباطن، من تذكر ابتداء من الابتداءات السابقة ورد عليه فضل الله منه، من رجع من حسه إلى نفسه تنشأت له أوصاف الفضائل النفسانية وترقى عما في محسوسه من المهاوي الشهوانية، ومن تخلص من نفسه إلى روحه تحسس بالوصلة الرحمانية والمحبة الربانية، كذلك من ترقى من روحه إلى أمره تحقق بالإحاطة الوحدانية، ومن استبطن من أمره إلى سره اجتمع إلى الأولية الفردانية؛ فهذا الترتيب من كمالات هذه الحكمة المؤتاة المنزلة بالوحي في هذا الكتاب الجامع لنبأ ما سبق وخبر ما لحق وباطن ما ظهر أنهى تعالى إلى ذكرها أعمال الخلق وخصوصاً في الجود بالموجود كما أنهى إقامة مبنى الدين بظهور وجوده، فأنهى تنزيل أمره بظهور وجوده وأنهى استخلاف عباده بالانتهاء إلى مدد جوده، فكان أعلى الحكمة الجود بالموجود فبذلك - والله سبحانه وتعالى أعلم - اتصل ذكر آية الحكمة بالإنفاق نظماً وبآية الكرسي مناظرة - انتهى. ولما كان السياق سابقاً ولاحقاً للإنفاق علم أن التقدير: فما جمعتم من شيء فإن الله مطالبكم في وضعه وجمعه بوجه الحكمة ومحاسبكم على ذلك، فعطف عليه حثّاً على الإسرار بالنفقة في الخير والوفاء بالنذر وتحذيراً من الإنفاق في المعصية ولو على أدق الوجوه بأنه يعلم ذلك كله ويجازي عليه قوله: {وما أنفقتم من نفقة} أي في وجه من الوجوه، فدخل فيه جميع التوسعات المشروعات عند النكاح والختان والولادة واتخاذ المسكن وفي الدعوات للإخوان وغير ذلك. ولما كان الإنسان كثيراً ما يخشى فوات أمر فينذر إن حصل بنفقة في وجه خير ونحو ذلك ولكن ربما ظن أن الترغيب في الإنفاق خاص بما ندب الله إليه ابتداء لا بما ألزمه الإنسان نفسه قال {أو نذرتم من نذر} وإدخال من لتأكيد الاستغراق. قال الحرالي: والنذر إبرام العدة بخير يستقبل فعله أو يرتقب له ما يلتزم به وهو أدنى الإنفاق لا سيما إذا كان على وجه الاشتراط، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما يستخرج به من البخيل" تفسير : انتهى. {فإن الله} عظم الأمر بهذا الاسم الأعظم {يعلمه} ذكر الضمير لأنه مع وضوح عوده إلى المتقدم أشد تعظيماً للنذر لما قد يتوهم فيه من النقص عن مندوب الشرع فتحروا في طيب ذلك والوفاء به وجميع ما يدخل فيه من الأوامر والنواهي تحري من يطلب إرضاء ملك عظيم بما يهدي إليه ويعرضه عليه، فما تصرفتم فيه بالحكمة من إنفاق أو غيره فالله سبحانه وتعالى يجازيكم عليه على حسب ما ذكر لكم من التضعيف، ومن فعل منكم شيئاً منه على غير وجه الحكمة فهو ظالم واضع للشيء في غير موضعه فهو مردود عليه ومعاقب به وما له من ناصر، هكذا كان الأصل ولكنه سبحانه وتعالى عم وعلق الحكم بالوصف فقال: {وما للظالمين} أي الواضعين للشيء في غير موضعه {من أنصار} قال الحرالي: ففي إفهامه أن الله آخذ بيد السخي وبيد الكريم كلما عثر فيجد له نصيراً ولا يجد الظالم بوضع القهر موضع البر ناصراً، وفيه استغراق نفي بما تعرب عنه كلمة من - انتهى. ولما كان حال الإنفاق المحثوث عليه يختلف بالسر والجهر فكان مما يسأل عنه قال سبحانه وتعالى حاثاً على الصدقة في كلتا الحالتين مع ترجيح الإسرار لما فيه من البعد عن الرياء: {إن تبدوا الصدقات} أي المتطوع بها، قال الحرالي: وهي من أدنى النفقة ولذلك لا تحل لمحمد ولا لآل محمد لأنها طهرة وغسول يعافها أهل الرتبة العلية والاصطفاء، وقال: والهدية أجل حق المال لأنها لمن فوق رتبة المهدي والهبة لأنها للمثل {فنعماً هي} فجمع لها الأمداح المبهمة لأن نعم كلمة مبالغة تجمع المدح كله وما كلمة مبهمة تجمع الممدوح فتطابقتا في الإبهام؛ وقال أبو طالب العبدي في شرح الإيضاح: إن نِعْم،، وبِئْس للمبالغة فالمراد بهما التناهي في المدح والذم ولاختصاصهما بهذا المعنى منعتا التصرف، واقتصر بهما على المعنى لأن المدح والذم إنما يكونان متعلقين بما ثبت واستقر، لا يمدح الإنسان بما لم يقع منه - انتهى. {وإن تخفوها} حتى لا يعلم بها إلا من فعلتموها له. ولما كان المقصود بها سد الخلة قال: {وتؤتوها الفقراء فهو} أي فذلك الإخفاء والقصد للمحتاج {خير لكم} لأنه أبعد عن الرياء وأقرب إلى الإخلاص الذي هو روح العبادات، وفي تعريفها وجمعها ما ربما أشعر بعموم الفرض والنفل لما في إظهار المال الخفي من التعرض للظلم والحسد وفي إفهام السياق أن الصدقة تجوز على الغني. ولما كان التقدير: فإنا نرفع بها درجاتكم، عطف عليه قوله: {ويكفر عنكم من سيئاتكم} أي التي بيننا وبينكم. ولما كان التقدير: فلا تخافوا من إخفائها أن يضيع عليكم شيء منها فإن الله بكل ما فعلتموه منها عليم، عطف عليه تعميماً وترغيباً وترهيباً: {والله} أي الذي له كل كمال {بما تعملون} أي من ذلك وغيره {خبير *} فلم يدع حاجة أصلاً إلى الإعلان فعليكم بالإخفاء فإنه أقرب إلى صلاح الدين والدنيا فأخلصوا فيه وقروا عيناً بالجزاء عليه. ولما حث سبحانه وتعالى على وجوه الخير ورغب في لزوم الهدى وكان أكثرهم معرضين، لأن ما دعا إليه هادم لما جبلوا عليه من الحب لتوفير المال والحفيظة على النفس، وكان صلى الله عليه وسلم شديد الأسف عليهم دائم القلق من أجلهم لعظيم رحمته لهم وشفقته عليهم، فكان يجد من تقاعدهم عما يدعوهم إليه من هذه الحالة العلية التي هي حكمة الله التي رأسها الإيمان بالله واشتراء الآخرة بكلية الدنيا وجداً شديداً، خفض سبحانه وتعالى عليه الأمر وخفف عليه الحال فقال: {ليس عليك} أي عندك {هداهم} حتى تكون قادراً عليه، فما عليك إلا البلاغ، وأما خلق الهداية لهم فليس عليك ولا تقدر عليه {ولكن الله} الذي لا كفوء له هو القادر على ذلك وحده فهو {يهدي من يشاء} فظهر من هذا أنه يتعين أن يكون عليك بمعنى عندك ومعك ونحو ذلك، لأن لكن للاستدراك وهو أن يكون حكم ما بعدها مخالفاً لما قبلها وكلام أهل اللغة يساعد على ذلك، قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي: في حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما: كنت أضحي بالجذع وعلينا ألف شاة، معناه: وعندنا ألف شاة، تقول العرب: علينا كذا وكذا، أي مننا - فسره قاسم؛ انتهى. وهو يرجع إلى القدرة كما تقول: عليّ رضى فلان، أي أنا مطيق لذلك قادر على حمله، فالمعنى: لست تقدر على إيجاد الاهتداء فيهم أصلاً وإنما ذلك إلى الله سبحانه وتعالى فهو يهدي من يشاء فيفعل ما يقدره سبحانه له من وجوه الهدى من نفقة وغيرها. قال الحرالي ما معناه: إن الأنصار رضي الله تعالى عنهم من أول مراد بهذه الجملة لأنه سبحانه وتعالى جعل فيهم نصرة دينه. ولما كان المقصود الأعظم في هذه الحكمة وهذا الهدى إنما هو الهدى للتوسل إلى الجواد بالجود بالنفس والمال النائل عموماً القريب والبعيد والمؤمن والكافر بمنزلة المطر الجود الذي يأخذ السهل والجبل حتى كان هذا الخطاب صارفاً لقوم تحرجوا من الصدقة على فقراء الكفار وصلة قراباتهم منهم فحملوا على عموم الإنفاق - انتهى. فقال سبحانه وتعالى: {وما تنفقوا من خير} أي مال ومعروف على مؤمن أو كافر يحل فعل ذلك معه ولو قل "لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة" {فلأنفسكم} كما قيل له صلى الله عليه وسلم عن شاة ذبحت: ذهبت أي بالهدية والصدقة إلا رقبتها! فقال: بقيت إلا رقبتها! فهو يفهم أنكم إن بخلتم أو مننتم فإنما تفعلون ذلك بأنفسكم. ولما كان الكلام في النفقة مع المؤمنين المنفقين وفي سبيل الله وعبر عنها بالخير وكل ذلك إشارة إلى الإخلاص الحري بحال المؤمن فقال: {وما} أي والحال أنكم ما {تنفقون إلا ابتغاء} أي إرادة. ولما كان تذكر الوجه لما له من الشرف أدعى إلى الاجتهاد في تشريف العمل بإحسانه وإخلاصه قال: {وجه الله} أي الملك الأعظم من سد خلة فقير أو صلة رحم مسلم أو كافر تجوز الصدقة عليه لا لأنفسكم ولا غيرها بل تخلصاً من إمساك المال بأداء الأمانة فيه إلى عباد الله لأنهم عباده، هذا هو الذي يدعو إليه الإيمان فلا يظن لمؤمن أن يفعل غيره وذلك يقتضي البعد جداً عن الأذى والرياء وكل نقيصة والملابسة لكل ما يوجب القبول من الكمال الحسي والمعنوي. ولما كان الإيقان بالوفا مرغباً في الإحسان ومبعداً من الإساءة والامتنان خوفاً من جزاء الملك الديان قال {وما تنفقوا من خير} أي على أي وجه كان وبأي وصف كان التصدق والمتصدق عليه {يوف} أي يبالغ في وفائه بالتضعيف واصلاً {إليكم وأنتم لا تظلمون} أي لا يقع عليكم ظلم في ترك شيء مما أنفقتموه ولا في نقص مما وعدتموه من التضعيف إن أحسنتم والمماثلة إن أسأتم. ولما كان غالب هذه الأحكام التي ذكرت في الإنفاق من أجل المحاويج وكان ما مضى شاملاً للمؤمن وغيره بيّن أن محط القصد في الحثّ عليها المؤمن قال سبحانه وتعالى: {للفقراء} أي هذه الأحكام لهم {الذين أحصروا} أي منعوا عن التكسب، وأشار بقوله: {في سبيل الله} أي الذي له الجلال والإكرام إلى أن المقعد لهم عن ذلك الاشتغال بإقامة الدين بالجهاد وغيره {لا يستطيعون ضرباً في الأرض} بالتجارة لأجل ذلك وأشار إلى شدة رضاهم عن الله سبحانه وتعالى بعدم شكايتهم فقال: {يحسبهم الجاهل} أي الذي ليس عنده فطنة الخلص {أغنياء من} أجل {التعفف} عن المسألة والتلويح بها قناعة بما أعطاهم الله سبحانه وتعالى مولاهم ورضي عنه وشرف نفس، والتعفف تكلف العفة وهي كف ما ينبسط للشهوة من الآدمي إلا بحقه ووجهه - قاله الحرالي. ولما ذكر خفاءهم على الغبي ذكر جلاءهم عند المتوسم فقال: {تعرفهم} أي يا أبصر الموقنين وأفطنهم أنت ومن رسخت قدمه في متابعتك {بسيماهم} قال الحرالي: وهي صيغة مبالغة من السمة والوسم وهي العلامة الخفية التي تتراءى للمستبصر - انتهى. وتلك العلامة والله سبحانه وتعالى أعلم هي السكينة والوقار وضعف الصوت ورثاثة الحال مع علو الهمة والبراءة من الشماخة والكبر والبطر والخيلاء ونحو ذلك {لا يسئلون} لطموح أبصار بصائرهم عن الخلق إلى الخالق {الناس} من ملك ولا غيره {إلحافاً} سؤال إلزام، أخذاً من اللحاف الذي يتغطى به للزومه لما يغطيه، ومنه لاحفه أي لازمه. وقال الحرالي: هو لزوم ومداومة في الشيء من حروف الحلف الذي هو إنهاء الخبر إلى الغاية كذلك اللحف إنهاء السؤال إلى الغاية - انتهى. وإنما يسألون إن سألوا على وجه العرض والتلويح الخفي، كما كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يستقرىء غيره الآية ليضيفه وهو أعرف بها ممن يستقرئه فلا يفهم مراده إلا النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالتعبير بالتعفف يفيد الاجتهاد في العفة والمبالغة فيها، والتقيد بالإلحاف يدل على وقوع السؤال قليلاً جداً أو على وجه التلويح لا التصريح كما يؤيده ويؤكده المعرفة بالسيما. ولما ذكر سبحانه وتعالى أخفى مواضع النفقة أشار إلى إخفائها لا سيما في ذلك الموضع فقال: {وما تنفقوا من خير} أي في أي وقت أنفقتموه {فإن الله} أي المستجمع لصفات الكمال {به عليم *} وإن اجتهدتم في إخفائه بإعطائه لمن لا يسأل بأن لا يعرف أو بغير ذلك، وذكر العلم في موضع الجزاء أعظ مرغب وأخوف مرهب كما يتحقق ذلك بإمعان التأمل لذلك. ولما حض على النفقة فأكثر وضرب فيها الأمثال وأطنب في المقال ولم يعين لها وقتاً كان كأن سائلاً قال: في أي وقت تفعل؟ فبين في آية جامعة لأصناف الأموال والأزمان والأحوال أنها حسنة في كل وقت وعلى كل حال فقال: {الذين ينفقون أموالهم} أي في الوجوه الصالحة التي تقدم التنبيه عليها وقدم من المتقابلين ما كان أقرب إلى الإخلاص اهتماماً به دلالة على فضله فقال: {بالليل} إن اقتضى ذلك الحال {والنهار} إن دعتهم إلى ذلك خطة رشد {سراً وعلانية} كذلك. ولما كان الانتهاء عن المن والأذى في بعض الأحوال أشد ما يكون على النفس لما يرى من المنفق عليه من الغض ونحو ذلك فلا يكاد يسلم منه أحد. ابتدأ الجزاء في آيته من غير ربط بالفاء إشارة إلى العفو عما يغلب النفس منه تنزيلاً له منزلة العدم، وإيماء إلى تعظيمه بكونه ابتداء عطية من الملك، ترغيباً في الكف عنه، لأنه منظور إليه في الجملة، وربط الجزاء في هذه إعلاماً بأنه مسبب عن هذه الأحوال، لأن الأفعال أيسر من التروك فحصوله متوقف على حصولها، حثاً على الإتيان بها كلها للسهولة في ذلك، لأن من سمح بالإنفاق لله سبحانه وتعالى استوت عنده فيه الأوقات فقال: {فلهم أجرهم} وسببيته كونه علامة لحصول الأجر، لا أنه سبب حقيقي، إنما السبب الحقيقي رحمة الله بالتوفيق للعمل والاعتداد به، وأعلم بأنه محفوظ مضاعف مربي لا يضيع أصلاً بقوله: {عند ربهم} أي فهو يربي نفقاتهم ويزكيها كما رباهم، ثم ختم آي النفقات بما بدأها به من الأمن والسرور فقال: {ولا خوف عليهم} كما فرحوا بها عن غيرهم {ولا هم يحزنون *} لأنه لا ثواب أعظم من ذلك، إذ لا عيشة لحزين ولا خائف؛ ولشدة مشاق الإنفاق على الأنفس لا سيما في أول الإسلام لما كانوا فيه من الضيق أكد تعالى فيه هذا التأكيد بجملته وبينه هذا البيان الواضح حتى لم يبق فيه خفية وجه إلا أظهرها وحذر منها وقررها - أشار إلى ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي فقال: فأفضلهم المنفق ليلاً سراً. وأنزلهم المنفق نهاراً علانية؛ فهم بذلك أربعة أصناف - انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله {يؤتي الحكمة من يشاء} قال: المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله. وأخرج ابن مردويه من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس "مرفوعاً حديث : {يؤت الحكمة} قال: القرآن، يعني تفسيره. قال ابن عباس: فإنه قد قرأه البر والفاجر" . تفسير : وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس {يؤت الحكمة} قال: القرآن. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {يؤتي الحكمة من يشاء} قال: النبوّة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {يؤتي الحكمة من يشاء} قال: ليست بالنبوة ولكنه القرآن والعلم والفقه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس {يؤت الحكمة} قال: الفقه في القرآن. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء {يؤت الحكمة} قال: قراءة القرآن والفكرة فيه. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية {يؤت الحكمة} قال: الكتاب والفهم به. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {يؤتي الحكمة} قال: الكتاب، يؤتي اصابته من يشاء. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم {يؤتي الحكمة} قال: الفهم. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {يؤتي الحكمة} قال: الإِصابة في القول. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {يؤت الحكمة} قال: الفقه في القرآن. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك {يؤتي الحكمة} قال: القرآن. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية {يؤت الحكمة} قال: الخشية، لأن خشية الله رأس كل حكمة، وقرأ {أية : إنما يخشى الله من عباده العلماء} تفسير : [فاطر: 28]. وأخرج أحمد في الزهد عن خالد بن ثابت الربعي قال: وجدت فاتحة زبور داود. أن رأس الحكمة خشية الرب. وأخرج ابن أبي حاتم عن مطر الوراق قال: بلغنا أن الحكمة خشية الله والعلم بالله. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: الخشية حكمة من خشي الله فقد أصاب أفضل الحكمة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس قال: قال زيد بن أسلم: إن الحكمة العقل، وانه ليقع في قلبي ان الحكمة الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلاً في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفاً في أمر دنياه عالماً بأمر دينه بصيراً به يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة الفقه في دين الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول قال: إن القرآن جزء من اثنين وسبعين جزءاً من النبوّة، وهو الحكمة التي قال الله {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} . وأخرج ابن المنذر عن عروة بن الزبير قال: كان يقال: الرفق رأس الحكمة. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ ثلث القرآن أعطي ثلث النبوة، ومن قرأ نصف القرآن أعطي نصف النبوّة، ومن قرأ ثلثيه أعطي ثلثي النبوة، ومن قرأ القرآن كله أعطي النبوّة، ويقال له يوم القيامة: اقرأ وارق بكل آية درجة حتى ينجز ما معه من القرآن. فيقال له: اقبض. فيقبض فيقال له: هل تدري ما في يديك؟ فإذا في يده اليمنى الخلد، وفي الأخرى النعيم ". تفسير : وأخرج الطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن عبد الله بن عمرو حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه، ومن قرأ القرآن فرأى أن أحداً أعطي أفضل مما أعطى فقد عظم ما صغر الله وصغر ما عظم الله، وليس ينبغي لصاحب القرآن أن يجد مع من وجد ولا يجهل مع من جهل وفي جوفه كلام الله ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن عبيد الله بن أبي نهيك قال: قال سعد: تجار كسبة حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس منا من لم يتغن بالقرآن"تفسير : قال سفيان بن عيينة: يعني يستغني به. وأخرج البزار والطبراني والحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليس منا من لم يتغن بالقرآن ". تفسير : وأخرج البزار عن عائشة حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس منا من لم يتغن بالقرآن ". تفسير : وأخرج الطبراني عن عبد الله بن عمرو حديث : أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي مسكين لا يقدر على شيء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لزوجها: أتقرأ من القرآن شيئاً؟ قال: اقرأ سورة كذا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم بخ بخ، زوجك غني. فلزمت المرأة زوجها، ثم أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله قد بسط الله علينا رزقنا ". تفسير : وأخرج الطبراني والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة حديث : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله اشتريت مقسم بني فلان فربحت عليه كذا وكذا. فقال: ألا أنبئك بما هو أكثر ربحاً؟ قال: وهل يوجد؟ قال: رجل تعلم عشر آيات. فذهب الرجل فتعلم عشر آيات، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن ابن مسعود: أنه كان يقرىء الرجل الآية ثم يقول: تعلمها فإنها خير لك مما بين السماء والأرض، حتى يقول ذلك في القرآن كله. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود أنه قال: لو قيل لأحدكم: لو غدوت إلى القرية كان لك أربع قلائص كان يقول: قد أنى لي أن أغدو، فلو ان أحدكم غدا فتعلم آية من كتاب الله كانت له خيراً من أربع وأربع حتى عد شيئاً كثيراً. وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يا معشر التجار أيعجز أحدكم إذا رجع من سوقه أن يقرأ عشر آيات، يكتب الله له بكل آية حسنة ". تفسير : وأخرج البزار عن أنس حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن البيت الذي يقرأ فيه القرآن يكثر خيره، والبيت الذي لا يقرأ فيه القرآن يقل خيره ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في فضل العلم ورياضة المتعلمين والبيهقي عن أنس حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: القرآن غني لا فقر بعده ولا غنى دونه ". تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه والبيهقي عن رجاء الغنوي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أعطاه الله حفظ كتابه وظن أن أحداً أوتي أفضل مما أوتي فقد غمط أعظم النعم ". تفسير : وأخرج البيهقي عن سمرة بن جندب حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل مؤدب يجب أن تؤتي أدبه، وأدب الله القرآن فلا تهجروه ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: ما أنزل الله من آية إلا والله يحب أن يعلم العباد فيما أنزلت، وماذا عنى بها. وأخرج عبد بن حميد عن أبي قلابة حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أوّل ما يرفع من الأرض العلم فقالوا: يا رسول الله يرفع القرآن؟ قال: لا، ولكن يموت من يعلمهتفسير : . أو قال:حديث : من يعلم تأويله. ويبقى قوم يتأولونه على أهوائهم ". تفسير : وأخرج ابن جرير والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال "كنا إذا تعلمنا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات من القرآن لم نتعلم العشر التي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيه. قيل لشريك: من العمل؟ قال: نعم". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير وابن المنذر والمرهبي في فضل العلم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يأخذون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قال: فتعلمنا العلم والعمل. وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: لقد عشت برهة من دهري، وإن أحدنا يؤتى الإِيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن نقف عنده منها كما تعلمون أنتم القرآن، ثم لقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإِيمان فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته ما يدري ما آمره، ولا زاجره، وما ينبغي أن يقف عنده منه، وينثره نثر الدقل. وأخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكلمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أخلص لله أربعين يوماً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ". تفسير : وأخرجه أبو نعيم في الحلية موصولاً من طريق مكحول عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعاً. وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن لقمان قال لابنه: يا بني عليك بمجالسة العلماء، واسمع كلام الحكماء، فإن الله يحيي القلب الميت بنور الحكمة كما تحيا الأرض الميتة بوابل المطر ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن يزيد بن الأخنس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تنافس إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار ويتبع ما فيه، فيقول رجل: لو أن الله أعطاني ما أعطى فلاناً فأقوم به كما يقوم به، ورجل أعطاه الله مالاً فهو ينفق منه ويتصدق به، فيقول رجل: لو ان الله أعطاني كما أعطى فلاناً فأتصدق به. قال رجل: أرأيتك النجدة تكون في الرجل؟ قال: ليست لهما بعدل، إن الكلب يهم من وراء أهله ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وابن ماجة عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ". تفسير : وأخرج أبو يعلى عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ومن لم يفقهه لم يبل له ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمحديث : إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وألهمه رشده ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني في الأوسط والمرهبي في فضل العلم عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : قليل العلم خير من كثير من العبادة، وكفى بالمرء فقهاً إذا عبد الله، وكفى بالمرء جهلاً إذا أعجب برأيه ". تفسير : وأخرج الطبراني عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما اكتسب مكتسب مثل فضل علم يهدي صاحبه إلى هدى أو يرده عن ردى، وما استقام دينه حتى يستقيم عقله ". تفسير : وأخرج ابن ماجة عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا أبا ذر لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فتعلم باباً من العلم عمل به أو لم يعمل به خير من أن تصلي ألف ركعة ". تفسير : وأخرج المرهبي في فضل العلم والطبراني في الأوسط والدارقطني والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء عماد، وعماد هذا الدين الفقه. وقال أبو هريرة لأن أجلس ساعة فاتفقه أحب إلي من أن أحيي ليلة إلى الصباح ". تفسير : وأخرج الترمذي والمرهبي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : خصلتان لا تجتمعان في منافق، حسن سمت وفقه في الدين ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : فضل العلم أفضل من العبادة، و ملاك الدين الورع ". تفسير : وأخرج الطبراني عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يسير الفقه خير من كثير العبادة، وخير اعمالكم أيسرها ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ثعلبة بن الحكم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يقول الله للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لفصل عباده: إني لم أجعل علمي وحلمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان فيكم ولا أبالي ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء، فيقول: يا معشر العلماء إني لم أضع فيكم علمي لأعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم ".
ابو السعود
تفسير : {يُؤْتِى الْحِكْمَةَ} قال مجاهد الحِكمةُ هي القرآنُ والعلمُ والفِقهُ. روي عن ابن أبـي نجيح أنها الإصابة في القول والعمل، وعن إبراهيم النخعي أنها معرفة معاني الأشياء وفهمُها وقيل: هي معرفةُ حقائِقِ الأشياءِ وقيل: هي الإقدامُ على الأفعال الحسنةِ الصائبة. وعن مقاتل أنها تفسر في القرآن بأربعة أوجهٍ: فتارةً بمواعظِ القرآنِ وأخرى بما فيه من عجائب الأسرار، ومرةً بالعلم والفهم وأخرى بالنبوة ولعل الأنسبَ بالمقام ما ينتظم الأحكامَ المبـينة في تضاعيف الآياتِ الكريمةِ من أحد الوجهين الأولين ومعنى إيتائِها تبـيـينُها والتوفيقُ للعلم والعمل بها أي يبـينها ويوفِّقُ للعلم والعمل بها {مَن يَشَآء} من عباده أن يؤتيها إياه بموجب سعةِ فضلِه وإحاطةِ علمه كما آتاكم ما بـيّنه في ضمن الآي من الحِكَم البالغة التي يدور عليها فلَكُ منافعِكم فاغتنموها وسارعوا إلى العمل بها، والموصولُ مفعول، أول ليؤتي قدم عليه الثاني للعناية به والجملةُ مستأنفة مقرّرةٌ لمضمون ما قبلها {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} على بناء المفعول وقرىء على البناء للفاعل أي ومن يؤتهِ اللَّهُ الحكمةَ والإظهارُ في مقام الإضمار لإظهار الاعتناءِ بشأنها وللإشعار بعِلة الحِكم {فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا} أي أيَّ خيرٍ كثير فإنه قد خِيرَ له خيرُ الدارين {وَمَا يَذَّكَّرُ} أي وما يتعظ بما أوتي من الحكمة أو وما يتفكر فيها {إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلألْبَـٰبِ} أي العقولِ الخالصةِ عن شوائب الوهم والرّكونِ إلى مشايعة الهوى وفيه من الترغيب في المحافظة على الأحكام الواردةِ في شأن الإنفاق ما لا يخفى، والجملةُ إما حالٌ أو اعتراضٌ تذيـيلي.
التستري
تفسير : وسئل عن قوله: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}[269] قال: روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : القرآن حكمة الله عزَّ وجلَّ بين عباده فمن تعلم القرآن وعمل به فكأنما أدرجت النبوة بين جنبيه إلاَّ أنه لا يوحى إليه يحاسب حساب الأنبياء عليهم السلام إلاَّ في تبليغ الرسالة"تفسير : . وأخبرني محمد بن سوار عن عُقَيْل عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : القرآن حكمة فمن تعلم القرآن في شبيبته خلط بلحمه ودمه. ألا وإن النار لا تمس قلباً وعى القرآن، ولا جسداً اجتنب محارمه وأحل حلاله وآمن بمحكمه ووقف عند متشابهه ولم يبتدع فيه ". تفسير : وقال مجاهد وطاووس: الحكمة القرآن، كما قال في النحل: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ} تفسير : [النحل:125] يعني القرآن. وقال الحسن: الحكمة: الفهم في القرآن، والحكمة النبوة، كما قال في ص: {أية : وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ}تفسير : [ص:20] يعني النبوة وقال عمر بن واصل: {يُؤّتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ}[269] أي يؤتي الإصابة في كتابه من يشاء، كما قال الله تعالى لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم عند تعداد النعم عليهن: {أية : وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ}تفسير : [الأحزاب:34] فالآيات القرآن، والحكمة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من المستنبط منها، كما قال علي رضي الله عنه: الآيات رجل آتاه الله فهماً في كتابه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ} [الآية: 269]. قال بعضهم: الحكمةُ: العلم اللدنىُّ. وقيل: الحكمة إشارةٌ لا علة فيها. وقيل: الحكمة إشهادُ الحق على جميع الأحوال. وقيل: الحكمة تجريد السر لورود الإلهام. وقال أبو عثمان: الحكمة هى النورُ المفرق بين الإلهام والوسواس سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت الكتانى يقول: إن الله بعث الرسل بالنصح لأنفس خلقه وأنزل الكتاب لتنبيه قلوبهم، وأنزل الحكمة لسكون أرواحهم، فالرسولُ داع إلى أمره، والكتاب داع إلى أحكامه والحكمة مشيرةٌ إلى فضله. وقال القاسم: الحكمة أن يحكم عليك خاطر الحق ولا يحكم عليك شهودك. وقيل يؤتى الحكمة من يشاء، الفهم فى كتاب الله، ومن أوتى فهم كتاب الله أعطى عطاءً عظيمًا من قربه. وقال أبو العباس بن عطاء: يؤتى الحكمة من يشاءُ إنها النبوة وذلك قوله: "وآتيناه الحكم والنبوة" قال الجنيد رحمة الله عليه: أحيا الله أقوامًا بالحكمة ومدحهم عليها فقال: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} سمعت عبد الله المعلم يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: الحكمة هى الحسنة.
القشيري
تفسير : الحكمة: يحكم عليكم خاطرُ الحقِّ لا داعي النفس، وتحكم عليكم قواهر الحق لا زواجر الشيطان. ويقال الحكمة صواب الأمور. ويقال هي ألا تحكم عليك رعوناتُ البشرية. (ومن لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره). ويقال الحكمة موافقة أمر الله تعالى، والسَّفَهُ مخالفة أمره. ويقال الحكمة شهود الحق والسَّفَهُ شهود الغير.
البقلي
تفسير : {يُؤّتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ} الحكمة ادراك انوار بواطن القلوب اسرار عجائب بواطن العيوب والحمكة ما حفظته الارواح من الواح الملكوت تلقف العقول الهام الاحكام من عالم الجبروت والحكمة ادب الربانى لتهذيب خلق الانسان وايضا الحكمة معرفة الاخلاق واطلاع الغيوب النفس دقائق الشيطان والعلم بفرق حديث النفس والعدو ولمسة الملك وارشاد العقل وبصيرة القلب دفعه الهام الحق ونطق الروح ورمز السر وانواع خطاب الحق ومعرفة اقتدار الخلق ومداواة حرض الباطن ودفع الوسوسة والمعرفة باحال الخلق والمقامات ووقائع المكاشفات وانوار المشاهدات وادراك منازل المعرفة ودرجات التوحيد وما يليق بهذه الحقائق مثل معرفة دقائق الريا وشك النفس والخطرات المذمومة والبلوغ الى علم اللدنى والكرامات والفراسات الخاصة وروية الغيب بالغيب والمحادثة والمخاطبة والمكالمة مع الحق جل اسمه فى اسارار الخلوات وانوار المناجاة ومن يؤتى هذه الدرجات فقد اوتى خلافة الانبياء والرسل ودرجة الملائكة الكرام وهذه منزلة الا على من منازل الاولياء ومرتبة العليا من مقامامت الاصفياء وهو خير الدنيا والاخرة وايضا صرف الحكمة ادراك مراد الحق من رموز خطابه وامتثال ما اردكه له والحكمة زم الجوارح ويقع الخواطر والسكون فى الطوارق وفى الجملة ما تلتفت الروح النطاقة من الحق سبحانه من خصائص الكلام والاشارات الاليهة والحكمة المعرفة بافعاله فى المصنوعات والايات وايضا شهود السرع لى اسرار شواهد الملكوت ورؤية غرائبها وايضا الحكمة عند العارفين ولوح السر قباب الغيب واطلاعه على خزائن الملكوت برؤية العيان الا بالدلائل والبرهان وتحصيله علوم الربوبية بلا واسطة الشواهد وانشراحه باقتباس انوار القربة انفساخه بادراك خطاب الخاص واندراجه مرقات الصفات وبسطه فى مشاهدة الذات واذا بلغ السر مدارج الربوبية عرف مراد الحق عز وجل فى مجارى احكامه وراى فى الشواهد صرف الالولهية بنعت جريان القدرة لان الحكمة فى هذه المواطن من بلوغ الروح سر عين الجمع وهو صفة الاتحاد وافهم ان الحكمة من صفة الحق سبحانه الخاصة الذاتية القديمة ولا تدركها الا بشرط الاتحاد واذا اراد الله تعالى ان يهدى عبدا من عباده الى مقام الحكمة اليس روحه تلك الصفة حتى تصبر ربانية صمدانية مطلعة على جميع الاشياء ظاهر او باطنا وتفرست المغيبات وتدرك حقائق الاشياء بتلك الصفة الخاصة وهذه كلها مستفادة من قوله تعالى {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} وقال تعالى فى بعض اخباره التى اخبر نبيه عليه السلام لا يزال العبد تقرب الى بالنوافل حتى كنت بسمعه الذى يسمع بى وبصره الذى يبصرنى ولسانه الذى ينطق بى وقلبه الذى يعقل بى فاذا كان جميع وجوده مستغرقا فى روية خالقه فكيف لا يطلع على مكنونات الغيب ومطلعه بنعت صفة الخاص هو الله تعالى وقيل الحكمة اشارة لا علة فيها وقيل الحكمة اشهاد الحق على جميع الاحوال وقيل الحكمة بتجريد السر بورود الالهام وقال ابو عثمن الحمة هى النور المفرق بين الالهام والوسواس وقال الشيخ ابو عبد الرحمن سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت الكتابى يقول ان الله بعث الرسل بالنصح لانفس خلق وانزل الكتاب لتنبيه قلوبهم وانزل الحكمة ليسكن ارواحهم بها والرسل داع الى امره والكتاب داع الى احكامه والحكمة مشيرة الى فضله وقال القاسم الحكمة ان يحكم عليك خاطر الحق ولا يحكم عليك شهوتك وقال الجنيد احيا الله قوما بالحكمة ومدحهم عليها فقال ومن يوت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا وقال عبد الله بن المبارك الحكمة الخشية وقيل الحكمة اصابة القول مع صحة الفعل بالاخلاص وقيل بعضهم متى اثر فيك الحكمة قال منن بذات احقر نفسى قال بعضهم الحكمة اثكر الله والحكماء فيها ذمة الله امرهم ربهم ان ينفقوا كتر الله على عباد الله وقال بعضهم الحكمة نور الفطنة وقال معروف الكرخى من حسن علمه نزلت الحكمة فى قلبه وقال سهل الحكمة هى مجمع العلوم كلها واصلها السنة قال الله تعاىل واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من ايات الله والحكمة والايات افرض والحمة السنة وروى سهل عن شيوخه عن ابى سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن حكمة الله بين عباده فمن تعلم القرآن وعمل به فكانا استدرجت النبوة بين كتفيه الا الوحى يحاسب حساب الانبياء الا بتبليغ الرسالة وروى ايضا عن شيوخه عن ابى هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن حكمة من تعلم القرأن فى شيبته خلط القرآن بلحمه ودمه الا وان النار لا تمس قلبا داعى القرآن ولا جسدا اجتنب محارمة واحل حلاله وحرم حرامه وامن بحكمة ووقف عند متشابهه ولم يتبدع فيه وقال بعضهم الحكمة اربعة اشياء العلم والحكمة والحلم والعقل والمغفرة قال ابو بكر الوارق لا فاقة مع الحكمة قال الله تعالى ومن يوتى الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا.
اسماعيل حقي
تفسير : {يؤتى الحكمة} اى مواعظ القرآن ومعنى ايتائها تبيينها والتوفيق للعلم والعمل بها اى يبينها ويوفق للعمل بها {من يشاء} من عباده اى يؤتيها ايه بموجب سعة فضلة واحاطة علمه كما آتاكم ما بينه فى ضمن الآى من الحكم البالغة التى عليها يدور فلك منافعكم فاغتنموها وسارعوا الى العمل بها. والموصول مفعول اول ليؤتى قدم عليه الثانى للعناية به {ومن يؤت الحكمة} اى يعط العلم والعمل {فقد اوتى خيرا كثيرا} أى خير كثير فانه قد حيز له خير الدارين {وما يذكر} اى وما يتعظ بما اوتى من الحكمة {إلا أولوا الالباب} اى العقول الخالصة من شوائب الوهم والركون الى متابعة الهوى. فالمراد منهم الحكماء العلام العمال ولا يتناول كل مكلف وان كان ذا عقل لان من لا يغلب عقله على هواه فلا ينتفع به فكأنه لا عقل له قيل من اعطى علم القرآن ينبغى ان لا يتواضع لاهل الدنيا لاجل دنياهم لان ما اعطيه خير كثير والدنيا متاع قليل ولقوله عليه السلام "حديث : القرآن غنى لا غنى بعده ". تفسير : والاشارة أن الشيطان فقير يعد بالفقر ظاهرا فهو يأمر بالفحشاء حقيقة. والفحشاء اسم جامع لكل سوء لان عدته بالفقر تتضمن معانى الفحشاء وهى البخل والحرص واليأس من الحق والشك فى مواعيد الحق للخلق بالرزق والخلف للمنفق ومضاعفة الحسنات وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه وتكذيب قول الحق ونسيان فضله وكرمه وكفران النعمة والاعراض عن الحق والاقبال على الخلق وانقطاع الرجاء من الله تعالى وتعلق القلب بغيره ومتابعة الشهوات وايثار الحظوظ الدنيوية وترك العفة والقناعة والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبزر كل بلية فمن فتح على نفسه باب وسوسته فسوف يبتلى بهذه الآفات ومن سد هذا الباب فان الله يكرمه بانواع الكرامات ورفعة الدرجات والله واسع عليم يؤتى من اجتنب عن وساوسه الحكمة وهى من مواهبه ترد على قلوب الانبياء والاولياء عند تجلى صفات الجلال والجمال وفناء اوصاف الخلقية بشواهد صفات الخالقية فيكاشف الاسرار بحقائق معان اورثتها تلك الانوار سرا بسر واضمارا باضمار. فحقيقة الحكمة نور من انوار صفات الحق يؤيد الله به عقل من يشاء من عباده فهذه ليست مما تدرك بالعقول والبراهين العقلية والنقلية واما المعقولات فهى مشتركة بين اهل الدين واهل الكفر فالمعقول ما يحكم العقل عليه ببرهان عقلى وهذا ميسر لكل عاقل بالدراية وعالم بالقراءة فمن صفى عقله عن شوب الوهم والخيال فيدرك عقله المعقول بالبرهان دراية عقلية ومن لم يصف العقل عن هذه الآفات فهو يدرك المعقول قراءة بتفهيم استاذ مرشد فاما الحكمة فليست من هذا القبيل وما يذكر الا اولوا الالباب وهم الذين لم يقنعوا بقشور العقول الانسانية بل سعوا فى طلب لبها بمتابعة الانبياء عليهم السلام فاخرجوهم من ظلمات قشور العقول الانسانية الى نور لب المواهب الربانية فتحقق لهم ان من لم يجعل الله له نورا فما له من نور فانتبه ايها المغرور المفتون بدار الغرور فلا يغرنك بالله الغرور قال من قال شعر : نكر تاقضا از كجاسير كرد كه كورى بودتكيه بر غيركرد فغان ازبديها كه درنفس ماست كه ترسم شود ظن ابليس راست تفسير : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاب الليل والنهار أرأيتم ما انفق منذ خلق السماء والارض فانه لم يغض ما فى يمينهbr>". تفسير : قال "حديث : وعرشه على الماء وبيده الاخرى القبض يرفع ويخفضbr>". تفسير : فالمؤمن يتخلق باخلاق الله ويجود على الفقراء ويدفع ما وسوس اليه الشيطان من خوف الفقر فان الله بيده مفاتيح الارزاق وهو المعطى على الاطلاق.
ابن عجيبة
تفسير : قال البيضاوي: الحكمة: تحقيق العلم وإتقان العلم. هـ. وقيل: هي سرعة الجواب وإصابة الصواب، وقيل: كل فصل جَزْلٍ من قول أو فعل. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يؤتي} الحق تعالى {الحكمة من يشاء} من عباده، وهي التفقّه في الدين والتبصر في الأمور. قال صلى الله عليه وسلم:"أية : مَنْ يُرد اللّهُ به خيراً يُفقِّهْه في الدين، ويُلهمْه رُشْدَه"تفسير : . وقيل: الحكمة: الإصابة في الرأي. وقيل: الفهم في كتاب الله. وقيل الفهم عن الله. {ومن يؤت الحكمة} أي: أعطيها، {فقد أوتي خيراً كثيراً}؛ لأنه حاز خيرَ الدارَيْن، ولا شك أن من حقَّق العلم بالله وبأحكامه، وأتقنَ العملَ بما أمره الله به، فقد صفا قلبه، وتطهر سره، فصار من أولي الألباب ولذلك قال عقبه: {وما يذكر إلا أولوا الألباب}. الإشارة: الحكمة هي: شهود الذات مرتديةً بأنوار الصفات، وهي حقيقة المعرفة، ومن عرف الله هابه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : رأس الحكمة مخافة الله"تفسير : . وقيل: هي تجريد السر لورود الإلهام، وقيل: هي النور المفرق بين الوسواس والإلهام، وقيل: شهود الحق تعالى في جميع الأحوال. والتحقيق: أن الحكمة هي إبداع الشيء وإتقانه حتى يأتي على غاية الكمال، ويجري ذلك في العلم والعمل والحال والمعرفة. وقال القُشَيْري: الحكمة: أن يَحكم عليك خاطر الحق لا داعي الباطل، وأن تحكم قواهر الحق لا زواجر الشيطان. ويقال: الحكمة: صواب الأمر، ويقال: هي ألا تغلب عليك رعونات البشرية، ومن لا حكم له على نفسه لا حُكْمَ له على غيره. ويقال: الحكمة: موافقة أمر الله، والسفه: مخالفة أمره، ويقال: الحكمة شهود الحق، والسفه: شهود الغير. قاله المحشي. واعلم أن الصوفية، في اصطلاحهم، يُعبِّرون عن أسرار الذات بالقدرة، وعن أنوار الصفات - وهي ظهور آثارها - بالحكمة. فالوجودُ كله قائم بين الحكمة والقدرة، فالقدرة تُبرز الأشياء، والحكمة تَسترها. فربط الأشياء واقترانها بأسبابها تُسمى عندهم الحكمة، وإنفاذ الأمر وإظهار يُسمى القدرة، فمن وقف مع الحكمة حجب عن شهود القدرة، وكان محجوباً عن الله. ومن نفذ إلى شهود القدرة ولم يرتبط مع الأسباب والعوائد كان عارفاً محبوباً. فالعارف الكامل هو الذي جمع بين شهود القدرة وإقرار الحكمة، فأعطى كل ذي حق حقه، وَوَفَّى كلَّ ذي قسط قسطه، لكن يكون ذلك ذوقاً وكشفاً، لا علماً وتقليداً. وبالله تعالى التوفيق.
الطوسي
تفسير : القراءة والمعنى: قرأ يعقوب {ومن يؤت} - بكسر التاء - الباقون بالفتح قيل في معنى الحكمة في الآية وجوه قال ابن عباس وابن مسعود: هو علم القرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله. وقال ابن زيد: هو علم الدين. وقال السدي: هو النبوة. وقال مجاهد الاصابة. وقال ابراهيم النخعي: الفهم. وقال الربيع: الخشية. وقال قوم: هو العلم الذي تعظم منفعته وتحل فائدته وهو جميع ما قالوه. وقال قتادة: والضحاك، وفي رواية عن مجاهد: هو القرآن، والفقه. وهو المروي عن أبي عبد الله (ع) وإنما قيل للعلم: حكمة لانه يمتنع به من القبيح لما فيه من الدعاء إلى الحسن، والزجر عن القبيح. وقال الجبائي: هو ما آتاه الله أنبياءه وأممهم من كتبه وآياته ودلالاتة التي يدلهم بها على معرفتهم به وبدينه وذلك تفضل منه يؤتيه من يشاء. وقوله: {وما يذّكر إلا أولوا الألباب} وكل مكلف ذو لب لأنه إنما يطلق عليهم هذه الصفة لما فيها من المدحة فلذلك عقد التذكر بهم وهم الذين يستعملون ما توجبه عقولهم من طاعة الله في كل ما أمر به ودعا إليه و {يؤت} جزم بـ (من) والجواب {فقد أوتي خيراً كثيراً} ومن قرأ يؤت بكسر التاء على ما روي عن يعقوب ذهب إلى أن معناه ومن يؤته الحكمة، وإنما حذف الهاء في الصلة ويكون (من) على هذا المعنى {الذي} لا معنى الجزاء.
الجنابذي
تفسير : بيان الحكمة ومراتبها {يُؤّتِي الْحِكْمَةَ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّ الرّسول (ص) بعد ما أيقن وشاهد المفاسد المترتّبة على طاعة الشّيطان والمصالح الّلازمة لطاعة الله قال: ما للنّاس لا يتأمّلون ولا ينظرون الى تلك المفاسد والمصالح؟! ولا يرتدعون عن تلك ولا يرغبون فى هذه؟ - فقال: لانّ النّظر فى دقائق هذه والعمل بمقتضاها من شعبتى الحكمة النّظريّة والعمليّة ولا يؤتى الله الحكمة لكلّ احد بل يؤتيها {مَن يَشَآءُ} ويجوز ان تكون الجملة حاليّة او خبراً بعد خبر مفيدة لهذا المعنى، والحكمة كما مرّ عبارة عن ادراك دقائق المصنوع الالهىّ وغاياته المترتّبة عليه؛ وهى الحكمة النّظريّة، وعن القدرة على صنع مصنوع مشتمل على دقائق الصّنع والغايات المترتّبة الى غاية هى اشرف الغايات بالنّسبة الى مقام الصّانع؛ وهى الحكمة العمليّة، وتطلق الحكمة على كلّ واحدٍ منهما وعلى المجموع، ولمّا كان ادراك الدّقائق المودعة فى المصنوعات واعمال الدّقائق المتصوّرة لها خاصّين بالله فالحكيم على الاطلاق هو الله تعالى وسائر النّاس حكماء بقدر ادراكهم وقدرتهم على الصّنع، وتلك الحكمة اى ادراك دقائق المصنوع الالهىّ والغايات المترتّبة عليه والقدرة على صنع مصنوع مشتمل على غايات منتهيةٍ الى غاية هى اشرف الغايات لا يمكن حصولها الاّ بعد فتح باب القلب بالولاية لانّه ما لم يفتح باب القلب لم يفتح عين القلب، وما لم يفتح عين القلب لم يمكن الادراك الاّ بعين الخيال، والخيال مخطئ فى ادراكه وغير متجاوزٍ عن الغايات الدّنيويّة، واذا فتح باب القلب بالولاية يدرك الانسان اوّلا دقائق الصّنع المودعة فى نفسه وعالمه الصّغير، ويدرك حيل الشّيطان فى اغوائه، ولطائف الملك فى تصرّفه، ويقدر على دفع حيل الشّيطان وتقوية تصرّف الملك، فاذا استقام فى ذلك وخلص من تصرّف الشّيطان تمكّن من ادراك دقائق الصّنع فى العالم الكبير والغايات المترتّبة على مصنوعاته تعالى، ويقدر على التصرّف فيها بقدر قوّته قليلاً او كثيراً، وادراك الدّقائق فى عالمه الصّغير والقدرة فيه عبارة عن النّبوّة وخلافتها، وذلك الادراك والقدرة فى العالم الكبير عبارة عن الرّسالة وخلافتها واساس ذلك هى الولاية كما عرفت فيجوز تفسير الحكمة بكلٍّ من الولاية والنّبوّة والرّسالة وبمعرفة الامام وطاعته وبمعرفة الامام واجتناب الكبائر وبالكتاب وبالثّبات عند اوائل الامور والوقوف عند عواقبها وبهداية الخلق الى الله وبمعرفة الامام والفقه فى الدّين، والحكمة سبب عمارة البيوت فما من بيتٍ ليس فيه شيءٌ من الحكمة الاّ كان خراباً، وقد فسّرت بالتشبّه بالاله علماً وعملاً وهى غاية خلق الانسان بل غاية عالم الامكان ولذلك قال تعالى: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ} بالحكمة او باستلزامها للخير الكثير {إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} اعلم انّ الانسان بتمام عباداته وعظيم طاعاته ما لم ينعقد قلبه بالولاية كان كشجرة اللّوز والفستق الّتى كانت كثيرة اللّوز والفستق اللّذين لم يكن لهما لبٌّ وينبغى ان يوقد فى النّار ولا يبصر شيئاً من دقائق المصنوع ولا من دقائق حيل الشّيطان فلا يقدر على دفع شيءٍ من حيله، واذا انعقد قلبه بالولاية صار اثمار أعماله ذوات ألباب وأبصر من الدّقائق والحيل بقدره فما لم ينعقد قلبه بالولاية لا يتذكّر ذلك واذا انعقد تذكّر.
الأعقم
تفسير : {يؤتي الحكمة من يشاء} قيل: هو العلم والعمل، وقيل: هو علم القرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وحلاله وحرامه، وقيل: النبوة، وقيل: علم الدين {إلا أولو الألباب} قيل: العلماء الحكماء العمال، وقيل: أولو العقل {وما أنفقتم من نفقة} في سبيلي أو سبيل الشيطان {أو نذرتم من نذر} في طاعة الله أو معصيتِه {فإن الله يعلمه} أي لا يخفى عليه ذلك وهو مجازيكم عليه، وروي أنهم سألوا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: أصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية فنزل قوله تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعمَّا هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} أي فالاخفاء خير لكم والمراد هنا الصدقات المتطوع بها فان الافضل في الفرائض ان يجاهر بها، وعن ابن عباس (رضي الله عنه): صدقة السر في التطوع تفضُل علانيتها سبعين ضعفا وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً، قوله تعالى: {ليس عليك هداهم} أي لا يجب عليك ان تجعلهم مهتدين الى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والاذى والانفاق من الخبيث وغير ذلك وما عليك الا ان تبلغهم النواهي فحسب {ولكن الله يهدي من يشاء} يلطف به {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} وطلب ما عنده فما بالكم تمنون به {وما تنفقوا من خير يوف إليكم} ثوابه أضعافاً مضاعفة {وأنتم لا تظلمون} أي لا ينقص من ثواب أعمالكم شيء {للفقراء الذين أُحصروا في سبيل الله} احصرهم الجهاد، وقيل: منعهم الكفار، وقيل: منعوا أنفسهم عن طلب المعاش، قوله تعالى: {لا يستطيعون ضرباً في الأرض} لا يمكنهم التصرف في الأرض للتجارة خوفاً للكفار والآية نزلت في فقراء المهاجرين وكانوا نحو اربع مائة فقير، وقيل: هم اصحاب الصفَّة لم يكن لهم مساكن في المدينَة ولا عشائر وكانوا في صفَّة المسجد وهي سقيفة يتعلمون القرآن بالليل ويرضخون النوى بالنهار وكانوا يخرجون في كل سريَّة يبعثها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فمن كان عنده فضل اتاهم به، وعن ابن عباس انه وقف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً على اصحاب الصفَّة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال: "حديث : الا ابشروا يا أصحاب الصفَّة فمن بقي من أُمتِّي على التعب الذي انتم فيه راضياً بما هو فيه فانه من رفقائي" تفسير : قوله تعالى: {يحسبهم الجاهل} لأحوالهم {أغنياء من التعفف} أي مستغنيين من أجل تعففهم عن المسألة {تعرفهم بسيماههم} من صفر الوجوه {لا يسألون الناس إلحافاً} الإلحاف الإلحاح ومعناه انهم سألوا بتلطف ولم يلحوا، وقيل: هو نفي السؤال عنهم.
اطفيش
تفسير : {يُؤتِى الحِكْمةَ مَنْ يشاءُ}: وهى تحقيق العلم وإتقان العمل، وقيل هى أن يحكم عليك داعى الحق لا خاطر النفس، وأن تحكم عليكم قوانين الديان لا زواجر الشيطان، وقيل هى الإصابة فى القول والفعل، وقال ابن عباس: الحكمة علم القرآن ناسخهُ ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه. وقيل: القرآن والعلم والفقه، وقيل العلم النافع المؤدى إلى العمل. وقال السدى: النبوة لأن النبى يحكم بين الناس، وقيل: الورع، والعلماء ثلاثة: علماء بأحكام الله فقط وهم علماء الفتوى، وعلماء بالله فهم الحكماء، وعلماء بالقسمين وهم والكبراء، فالأول كالسراج يحرق نفسه ويضيئ للناس، الثانى أفضل لإشراق قلبه بمعرفة الله ونور جلاله إلا أنه كالكنز تحت التراب لا يصل إليه غيره، والثالث كالشمس تضئ العالم أو هى فى نفسها تامة. والحكمة المنع، ومنه حكمة الدابة لأنها تمنعها، وقدم المفعول الأول وهو الحكمة على طريق التقديم للاهتمام، ودل المفعول الأول هو من أوله قوله: {وَمَنْ يُؤْتَ الحِكمّةَ}: إذا أناب ضمير من ونصب الحكمة، والأصل فى باب أعطى وكسى ألا ينوب الثانى، ودل عليهِ أيضاً أن من هو الفاعل معنى لأنه الأخذ، قرأ يعقوب والأعمش {يؤت} بكسر التاء وعلى هذا فالضمير عائد إلى الله والمفعول الأول محذوف، أى ومن يؤته الله، والفاعل الذى ناب عنه المفعول فى القراءة الأولى ضمير الله. {فَقَدْ أُوتِىَ خَيراً كَثِيراً}: نكر خير للتعظيم، وأفاد التكثير بقوله: {كثيرا} وهو تلك الحكمة، إذ توصله إلى خير عظيم كثير لا يفنى. {وَما يَذَّكَّرُ إلا أولُوا الألْبابِ}: أى إلا ذوا العقول المعتبرة، وهى الكسبية العاقلة عن الله أمره ونهيه، فتجانب الهوى والنفس والشيطان، والتذكر الاتعاظ بأمر الله ونهيه وآياته، أو التفكر، شبَّه التفكر بالتذكر لأنه يستخرج بفكره علما كأنه كان عالما له فنسيه إذ أودع الله فى قلبه العلم بالقوة.
اطفيش
تفسير : {يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ} الحكمة العلم المحقق والعمل المتقن، وعن ابن عباس، المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله، وقيل: قراءة القرآن والفكر فيه، وقيل المعرفة بالله تعالى، وقال مجاهد: القرآن والعلم والفقه، وقيل عنه، الإصابة فى القول والعمل. وقيل: معرفة الأشياء، وفهم معانيها، وقيل: معرفة حقائق الأشياء على ما هى عليه فى نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية، وعن السدى، الحكمة النبوة، وعن ابن عباس، المعرفة بالقرآن، فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدمه ومؤخره، وعن مجاهد وقتادة، الحكمة الفقه فى القرآن، وعن ابن زيد، الحكمة الفقه فى الدين، وقال مالك: الحكمة المعرفة بدين الله، والفقه فيه، والاتباع له، وقال ابن القاسم التفكر فى أمر الله والاتباع له، وعنه الحكمة طاعة الله، والفقه فى الدين والعمل به، {فَقَدْ أُوتِىَ خَيْراً كَثِيراً} لأنها سبب السعادة الأبدية، كما فسرها بعض بالعلم النافع المؤدى إلى العمل، وهو شامل لعلوم الإسلام، ولو منطقا لمن مارس القرآن، ولقى شيخا حسن العقيدة، وهو من أنفع العلوم فى كل بحث، حتى سماه الغزالى، معيار العلوم. وقال: لا يوثق بعلوم من لا يعرفه، وقال الربيع بن أنس: الحكم الخشية، والنخعى، الفهم فى القرآن، والحسن، الورع، ومعنى الحكمة المنع، وهو فى تلك الأقوال كلها، روى أن أهل الأرض يستوجبون العذاب فيصرفه الله لتعليم صبيانهم الحكمة فى القرآن، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ ثلث القرآن، أى مع عمل، أعطى ثلث النبوة أو نصفه فنصفها، أو ثلثيه فثلثيها، أو كله فكلها، ويوم القيامة يقرأ ويرقى بكل آية درجة، فيقال له، اقبض فيقبض، فإذا فى يمناه الخلد، وفى يسراه النعيم"تفسير : . وفى الطبرانى عنه صلى الله عليه وسلم، "حديث : يميز العلماء يوم القيامة فيقول: لم أضع علمى فيكم لأعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم"تفسير : ، وفى رواية: حديث : غفرت لكم على ما كان منكم، ولا أبالىتفسير : ، قلت: هذا فى علماء إذا أذنبوا تابوا، وأصلحوا ما فسد أو أكثروا الفساد وماتوا وقد أصلحوا، وذلك أنهم أحق بالتشديد إذ علموا وخالفوا، فالعفو عنهم وتميزهم وخطابهم بذلك فضيلة، ألا ترى أن الأنبياء لا يسامحون فيما يسامح غيرهم، وذلك علم القرآن والسنة وعلم الأمة، واستأذن عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع مسائل من التوراة يزداد بها علماً، فغضب ولم يأذن له، وقال: لو كان أخى موسى حيا لم يسعه إلا اتباعى، وفى عصرنا كثرت نسخ التوراة والإنجيل بلفظ العربية وخطها، والصواب، ألا تشترى ولا تباع ولا تقبل، ويسمونها العهد القديم، الإنجيل العهد الجديد، ولو كان فيهم خير لاتبعوا العهد الأجد، وهو القرآن {وَمَا يَذَّكَّرُ} يتعظ أو يتفكر {إِلآّ أُوْلُواْ الأَلْبَٰبِ} العقول الخالصة عن متابعة الهوى، والذين يتفكرون ما أودع الله فيها من العلوم بالقوة، وهم من أوتى الحكمة، ولمدحهم بذلك لم يضمر لهم، بأن يقول إلا وهو مراعاة للفظ من، أو الأهم مراعاة لمعناها، وهو الراجح، من حيث إنه أتى بالظاهر مجموعا.
الالوسي
تفسير : {يُؤْتِى الْحِكْمَةَ} أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أنها المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله، وفي رواية عنه الفقه في القرآن، ومثله عن قتادة والضحاك وخلق كثير، وما روى ابن المنذر عن ابن عباس أنها النبوة يمكن أن يحمل على هذا لما أخرج البيهقي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ ثلث القرآن أعطي ثلث النبوة ومن قرأ نصف القرآن أعطي نصف النبوة ومن قرأ ثلثيه أعطي ثلثي النبوة ومن قرأ القرآن كله أعطي كل النبوة ويقال له يوم القيامة اقرأ وارق بكل آية درجة حتى ينجز ما معه من القرآن فيقال له اقبض فيقبض فيقال له هل تدري ما في يديك؟ فإذا في يده اليمنى الخلد وفي الأخرى النعيم»تفسير : وليس المراد من القراءة في هذا الخبر مجردها إذ ذلك مما يشترك فيه البر والفاجر ولكن المراد قراءة بفقه ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن أبـي الدرداء ـ الحكمة قراءة القرآن والفكرة فيه ـ وعن مجاهد أنها الإصابة في القول والعمل، وفي رواية عنه أنها القرآن والعلم والفقه، وفي أخرى العلم الذي تعظم منفعته وتجل فائدته، وعن عطاء أنها المعرفة بالله تعالى، وقال أبو عثمان: هي نور يفرق به بين الوسواس والإلهام، وقيل غير ذلك، وفي «البحر» أن فيها تسعة وعشرين قولاً لأهل العلم قريب بعضها من بعض، وعد بعضهم الأكثر منها اصطلاحاً واقتصاراً على ما رآه القائل فرداً مهماً من الحكمة وإلا فهي في الأصل مصدر من الإحكام وهو الاتقان في علم أو عمل أو قول أو فيها كلها، وعن مقاتل أنها فسرت في القرآن بأربعة أوجه فتارة بمواعظ القرآن وأخرى بما فيه من عجائب الأسرار ومرة بالعلم والفهم وأخرى بالنبوة. قيل: ولعل الأنسب بالمقام ما ينتظم الأحكام المبينة في تضاعيف الآية الكريمة من أحد الوجهين الأولين ومعنى إيتائها تبيينها والتوفيق للعمل بها أي تبيينها ويوفق للعلم والعمل بها. {مَن يَشَآء} من عباده أن يؤتيها إياه بموجب سعة فضله وإحاطة علمه كما آتاكم ما بينه في ضمن الآي من الحكم البالغة التي يدور عليها فلك منافعكم فاغتنموها وسارعوا إلى العمل بها {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} بناه للمفعول إما لأن المقصود بيان فضيلة من نال الحكمة بقطع النظر عن الفاعل وإما لتعين الفاعل والإظهار في مقام الإضمار للاعتناء بشأن هذا المظهر ولهذا قدم من قبل على المفعول الأول وللإشعار بعلة الحكم، وقرأ يعقوب ـ يؤتي ـ على البناء للفاعل وجعل {مِنْ} الشرطية مفعولاً مقدماً أو مبتدأ والعائد محذوف، ويؤيد الثاني قراءة الأعمش (ومن يؤته الحكمة). {فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا} عظيماً {كَثِيراً} إذ قد جمع له خير الدارين. أخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن لقمان قال لابنه: يا بني عليك بمجالسة العلماء واسمع كلام الحكماء فإن الله تعالى يحي القلب الميت بنور الحكمة كما يحي الأرض الميتة بوابل المطر»تفسير : وأخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله تعالى مالاً فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله تعالى الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها»تفسير : وأخرج الطبراني عن أبـي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يبعث الله تعالى العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول: يا معشر العلماء إني لم أضع فيكم علمي لأعذبكم اذهبوا فقد غفرت لكم» تفسير : وفي رواية عن ثعلبة بن الحكم أنه سبحانه يقول: «إني لم أجعل علمي وحكمي فيكم إلا وأنا أريد أن/ أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي». وهذا بالنسبة إلى حملة العلم الشرعي الذي جاء به حكيم الأنبياء ونبي الحكماء حضرة خاتم الرسالة ومحدد جهات العدالة والبسالة صلى الله عليه وسلم لا ما ذهب إليه جالينوس وديمقراطيس. وأفلاطون وأرسطاليس ومن مشى على آثارهم واعتكف في رواق أفكارهم فإن الجهل أولى بكثير مما ذهبوا إليه وأسلم بمراتب مما عولوا عليه حتى إن كثيراً من العلماء نهوا عن النظر في كتبهم واستدلوا على ذلك بما أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى من حديث جابر أن عمر رضي الله تعالى عنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوامع كتبها من التوراة ليقرأها ويزداد بها علماً إلى علمه فغضب ولم يأذن له وقال: «حديث : لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي»تفسير : وفي رواية «حديث : يكفيكم كتاب الله تعالى» تفسير : ووجه الاستدلال أنه صلى الله عليه وسلم لم يبح استعمال الكتاب الذي جاء به موسى هدى ونوراً في وقت كانت فيه أنوار النبوة ساطعة وسحائب الشبه والشكوك بالرجوع إليه منقشعة فكيف يباح الاشتغال بما وضعه المتخبطون من فلاسفة اليونان إفكاً وزوراً في وقت كثرت فيه الظنون وعظمت فيه الأوهام وعاد الإسلام فيه غريباً، وفي كتاب الله تعالى غنى عما سواه كما لا يخفى على من ميز القشر من اللباب والخطأ من الصواب. {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ} أي ما يتعظ أو ما يتفكر في الآيات إلا ذوو العقول الخالصة عن شوائب الوهم وظلم اتباع الهوى وهؤلاء هم الذين أوتوا الحكمة ولإظهار الاعتناء بمدحهم بهذه الصفة أقيم الظاهر مقام المضمر، والجملة إما حال أو اعتراض تذييلي. ومن باب الإشارة في الآيات: أنها اشتملت على ثلاثة إنفاقات متفاضلة الأول: الانفاق في سبيل الله تعالى وهو إنفاق في عالم الملك عن مقام تجلي الأفعال، وإلى هذا أشار بقوله سبحانه: {أية : ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ } تفسير : [البقرة: 261] الخ، والثاني: الإنفاق عن مقام مشاهدة الصفات وهو الانفاق لطلب رضا الله تعالى، وإليه أشار بقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمُ ٱبْتِغَاء مَرْضَاتِ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 265] ومن تمثيله بجنة يعلم مقدار فضله على الأول الممثل بحبة، ولعل فضل أحدهما على الآخر كفضل الجنة على الحبة، ومما يزيد في الفرق أن الجنة مع إيتاء أكلها تبقى بحالها بخلاف الحبة، ولتأكيد الإشارة إلى ارتفاع رتبة هذا الإنفاق على الأول أتى بالربوة وهي المرتفع من الأرض، والثالث: الإنفاق بالله تعالى وهو عن مقام شهود الذات وهو إنفاق النفس بعد تزكيها وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ } تفسير : [البقرة: 267] والنفس مكتسبة بهذا الاعتبار وجزاء الإنفاق الأول الإضعاف إلى سبعمائة وتزيد لأن يد الطول طويلة، وجزاء الثاني الجنة الصفاتية المثمرة للإضعاف؛ وجزاء الثالث الحكمة اللازمة للوجود الموهوب بعد البذل وهي الخير العظيم الكثير لأنها أخص صفاته تعالى، وصاحب هذا الإنفاق لا يزال ينفق من الحكم الالۤهية والعلوم اللدنية لارتفاع البين وشهود العين وقد نبه سبحانه في أثناء ذلك على أن الإنفاق يبطله المنّ والأذى لأنه إنما يكون محموداً لثلاثة أوجه كونه موافقاً للأمر ـ وهو حال له بالنسبة إليه تعالى ـ وكونه مزيلاً لرذائل البخل ـ وهو حال له بالنسبة إلى المنفق نفسه ـ وكونه نافعاً مريحاً ـ وهو حال له بالنسبة إلى المستحق ـ فإذا منّ صاحبه وآذى فقد خالف أمر الله تعالى وأتى بما ينافي راحة المستحق ونفعه وظهرت نفسه بالاستطالة والاعتداد والعجب والاحتجاب بفعلها ورؤية النعمة منها لا من الله تعالى وكلها رذائل أردأ من البخل ولهذا كان القول الجميل خيراً من الصدقة المتبوعة بالأذى بل لا نسبة.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة اعتراض وتذييل لما تضمنته آيات الإنفاق من المواعظ والآدَاب وتلقين الأخلاق الكريمة، مِما يكسب العاملين به رجاحة العقل واستقامة العمل. فالمقصود التنبيه إلى نفاسة ما وعظهم الله به، وتنبيههم إلى أنّهم قد أصبحوا به حكماء بعد أن كانوا في جاهلية جهلاء. فالمعنى: هذا من الحكمة التي آتاكم الله، فهو يؤتى الحكمة من يشاء، وهذا كقوله: { أية : وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به } تفسير : [البقرة: 231]. قال الفخر: «نبه على أنّ الأمر الذي لأجله وجب ترجيح وعد الرحمان على وعد الشيطان هو أنّ وعد الرحمان ترجّحه الحكمة والعقل، ووعدَ الشيطان ترجّحه الشهوة والحسّ من حيث إنّهما يأمران بتحصيل اللذّة الحاضرة، ولا شك أنّ حكم الحكمة هو الحكم الصادق المبرّأ عن الزيغ، وحكم الحسّ والشهوة يوقع في البلاء والمحنة. فتعقيب قوله: { أية : والله يعدكم مغفرة } تفسير : [البقرة: 268]، بقوله: {يؤتي الحكمة} إشارة إلى أنّ ما وعد به تعالى من المغفرة والفضل من الحكمة، وأنّ الحكمة كلّها من عطاء الله تعالى، وأنّ الله تعالى يعطيها من يشاء. والحكمة إتقان العلم وإجراء الفعل على وفق ذلك العلم، فلذلك قيل: نزلت الحكمة على ألسنة العرب، وعقول اليونان، وأيدي الصينيين. وهي مشتقة من الحُكْم ــــــ وهو المنع ــــــ لأنّها تمنع صاحبها من الوقوع في الغلط والضلال، قال تعالى: { أية : كتاب أحكمت آياته } تفسير : [هود: 1]، ومنه سميت الحديدة التي في اللجام وتجعل في فم الفرس، حَكَمَة. ومن يشاء الله تعالى إيتاءه الحكمة هو الذي يخلقه مستعداً إلى ذلك، من سلامة عقله واعتدال قواه، حتى يكون قابلاً لفهم الحقائق منقاداً إلى الحق إذا لاح له، لا يصدّه عن ذلك هوى ولا عصبية ولا مكابرة ولا أنفة، ثم ييسّر له أسباب ذلك من حضور الدعاة وسلامة البقعة من العُتاة، فإذا انضمّ إلى ذلك توجّهه إلى الله بأن يزيد أسبابه تيسيراً ويمنع عنه ما يحجب الفهم فقد كمل له التيسير. وفسرت الحكمة بأنّها معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بما تبلغه الطاقة، أي بحيث لا تلتبس الحقائق المتشابهة بعضها مع بعض ولا يغلط في العلل والأسباب. والحكمة قسمت أقساماً مختلفةَ الموضوع اختلافاً باختلاف العصور والأقاليم. ومبدأ ظهور علم الحكمة في الشرق عند الهنود البراهمة والبوذيين، وعند أهل الصين البوذيين، وفي بلاد فارس في حكمة زرادشت، وعند القبط في حكمة الكهنة. ثم انتقلت حكمة هؤلاء الأمم الشرقية إلى اليونان وهُذّبت وصحّحت وفرّعت وقسّمت عندهم إلى قسمين: حكمة عملية، وحكمة نظرية. فأما الحكمة العملية فهي المتعلّقة بما يصدر من أعمال الناس، وهي تنحصر في تهذيب النفس، وتهذيب العائلة، وتهذيب الأمة. والأول علم الأخلاق، وهو التخلّق بصفات العلوّ الإلهيّ بحسب الطاقة البشرية، فيما يصدر عنه كمال في الإنسان. والثاني علم تدبير المنزل. والثالث علم السياسة المدنية والشرعية. وأما الحكمَة النظرية فهي الباحثة عن الأمور التي تعلّم وليست من الأعمال، وإنّما تعلم لتمام استقامة الأفهام والأعمال، وهي ثلاثة علوم: علم يلقّب بالأسفل وهو الطبيعيّ، وعلم يلقّب بالأوسط وهو الرياضيّ، وعلم يلقّب بالأعلى وهو الإلهيّ. فالطبيعيّ يبحث عن الأمور العامة للتكوين والخواصّ والكون والفساد، ويندرج تحته حوادث الجوّ وطبقات الأرض والنَبات والحيوان والإنسان، ويندرج فيه الطبّ والكيمياء والنجوم. والرياضيّ الحساب والهندسة والهيأة والموسيقى، ويندرج تحته الجبر والمساحة والحيل المتحركة (الماكينية) وجرّ الأثقال. وأما الإلهيّ فهو خمسة أقسام: معاني الموجودات، وأصول ومبادىء وهي المنطق ومناقضة الآراء الفاسدة، وإثبات واجب الوجود وصفاتِه، وإثبات الأرواح والمجرّدات، وإثبات الوحي والرسالة، وقد بَيّن ذلك أبو نصر الفارابي وأبو علي ابن سينا. فأمّا المتأخّرون ــــــ من حكماء الغرب ــــــ فقد قصروا الحكمة في الفلسفة على ما وراء الطبيعة وهو ما يسمّى عند اليونان بالإلهيّات. والمهمّ من الحكمة في نظر الدين أربعة فصول: أحدها معرفة الله حق معرفته وهو علم الاعتقاد الحق، ويسمّى عند اليونان العلم الإلهيّ أو ما وراء الطبيعة. الثاني ما يصدر عن العلم به كمال نفسية الإنسان، وهو علم الأخلاق. الثالث تهذيب العائلة، وهو المسمّى عند اليونان علم تدبير المنزل. الرابع تقويم الأمة وإصلاح شؤونها وهو المسمّى علم السياسة المدنية، وهو مندرج في أحكام الإمامة والأحكام السلطانية. ودعوةُ الإسلام في أصوله وفروعه لا تخلو عن شعبة من شعب هذه الحكمة. وقد ذكر الله الحكمة في مواضع كثيرة من كتابه مراداً بها ما فيه صلاح النفوس، من النبوءة والهدى والإرشاد. وقد كانت الحكمة تطلق عند العرب على الأقوال التي فيها إيقاظ للنفس ووصاية بالخير، وإخبار بتجارب السعادة والشقاوة، وكليات جامعة لجماع الآداب.. وذكر الله تعالى ــــــ في كتابه ــــــ حكمة لقمان ووصاياه في قوله تعالى: { أية : ولقد آتينا لقمان الحكمة } تفسير : [لقمان: 12] الآيات. وقد كانت لشعراء العرب عناية بإبداع الحكمة في شعرهم وهي إرسال الأمثال، كما فعل زُهير في الأبيات التي أولها «رأيت المنايا خبط عشواء» والتي افتتحها بمَنْ ومَنْ في معلقته. وقد كانت بيد بعض الأحبار صحائف فيها آداب ومواعظ مثل شيء من جامعة سليمان عليه السلام وأمْثاله، فكان العرب ينقلون منها أقوالاً. وفي «صحيح البخاري» في باب الحياء من كتاب الأدب أنّ عمران بن حُصين قال: « حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحياء لا يأتي إلاّ بخير، فقال بُشير بن كعب العدوي: مَكتوب في الحكمة إنّ من الحياء وقاراً وإنّ من الحياء سكينة، فقال له عمران: أحدّثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدّثني عن صحيفتك ». تفسير : والحكيم هو النابغ في هاته العلوم أو بعضها فبحكمته يعتصم من الوقوع في الغلط والضلال بمقدار مبلغ حكمته، وفي الغرض الذي تتعلّق به حكمته. وعلوم الحكمة هي مجموع ما أرشد إليه هدي الهداة من أهل الوحي الإلهي الذي هو أصل إصلاح عقول البشر، فكان مبدأ ظهور الحكمة في الأديان، ثم ألحق بها ما أنتجه ذكاء العقول من أنظارهم المتفرّعة على أصول الهدى الأول. وقد مهّد قدماء الحكماء طرائق من الحكمة فنبعت ينابيع الحكمة في عصور متقاربة كانت فيها مخلوطة بالأوهام والتخيّلات والضلالات. بين الكلدانيين والمصريين والهنود والصين، ثم درسها حكماء اليونان فهذّبوا وأبدعوا، وميّزوا علم الحكمة عن غيره، وتوخّوا الحق ما استطاعوا فأزالوا أوهاماً عظيمة وأبقوا كثيراً. وانحصرت هذه العلوم في طريقتي سقراط وهي نفسية، وفيثاغورس وهي رياضية عقلية. والأولى يونانية والثانية لإيطاليا اليونانية. وعنهما أخذ أفلاطون، واشتهر أصحابه بالإشراقيين، ثم أخذ عنه أفضل تلامذته وهو أرسططاليس وهذّب طريقته ووسّع العلوم، وسُمّيت أتباعه بالمشَّائين، ولم تزل الحكمة من وقت ظهوره معوّلة على أصوله إلى يومنا هذا. {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} وهو الذي شاء الله إيتاءه الحكمة. والخيرُ الكثير منجّر إليه من سداد الرأي والهدي الإلهي، ومن تفاريع قواعد الحكمة التي تعصم من الوقوع في الغلط والضلال بمقدار التوغّل في فهمها واستحضار مهمها؛ لأنّنا إذا تتبّعنا ما يحلّ بالناس من المصائب نجد معظمها من جرّاء الجهالة والضلالة وأفن الرأي. وبعكس ذلك نجد ما يجتنيه الناس من المنافع والملائمات منجّرا من المعارف والعلم بالحقائق، ولو أنّنا علمنا الحقائق كلّها لاجتنبنا كل ما نراه موقعاً في البؤس والشقاء. وقرأ الجمهور {ومن يؤت} بفتح المثناة الفوقية بصيغة المبني للنائب، على أنّ ضمير يؤت نائبُ فاعل عائد على من الموصولة وهو رَابطُ الصلة بالموصول. وقرأ يعقوب ومن يؤتِ الحكمة ــــــ بكسر المثناة الفوقية ــــــ بصيغة البناء للفاعل. فيكون الضمير الذي في فعل يؤت عائِداً إلى الله تعالى، وحينئذ فالعائِد ضمير نصب محذوف والتقدير: ومن يؤته اللَّهُ. وقوله: {وما يذكر إلا أولوا الألباب} تذييل للتنبيه على أنّ من شاء الله إيتاء الحكمة هو ذو اللّب. وأنّ تذّكر الحكمة واستصحاب إرشادها بمقدار استحضار اللّب وقوته واللّب في الأصل خلاصة الشيء وقلبُه، وأطلق هنا على عقل الإنسان لأنّه أنفع شيء فيه.
القطان
تفسير : الحكمة: معرفة الأشياء، واصابة الحق بالعلم والعمل. وتطلق الحكمة على العدل والنبوة، والعلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه والعمل بمقتضاها. ان الله يعطي من أراد من عباده قدرة على معرفة الأشياء واصابة الحق في القوة والعمل، ومن أُعطي هذه الحكمة فقد فاز بغنى الدارَين ونال خيرا كثيرا، لأن الإنسان اذ ذاك يفعل الخير فينتظم له أمر الدنيا والآخرة. {وما يذكّر الا أولو الألباب} ولا يتعظ بالعلم ويتأثر به الا ذوو العقول السليمة والنفوس الطاهرة التي تدرك الحقائق وتستخرج منها ما هو نافع في هذه الحياة. القراءات: قرأ يعقوب "ومن تؤت الحكمة" بكسر التاء اي ومن يؤته الله الحكمة.
د. أسعد حومد
تفسير : {أُوْلُواْ} {ٱلأَلْبَابِ} (269) - اللهُ يُؤتي مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ المَعْرِفَةَ بِالعِلْمِ النَّافِعِ وَالفِقْهِ وَالقُرْآنِ (الحِكْمَةَ)، وَمَنْ يُؤْتِهِ اللهُ الحِكْمَةَ فَقَدْ آتَاهُ خَيْراً كَثِيراً فِي دِينِهِ وَدُنْياهُ، وَمَا يَنْتَفِعُ بِالذِّكْرِ وَالمَوْعِظَةِ إلاَّ مَنْ لَهُمْ عُقُولٌ سَلِيمَةٌ يَعُونَ بِهَا مَعْنَى الكَلامِ. الحِكْمَةَ - مَعْرِفَةَ العِلْمِ النَّافِعِ وَالفِقْهِ وَالقُرْآنِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والحكمة هي وضع الشيء في موضعه النافع. فكأن الحق يقول: كل ما أمرتكم به هو عين الحكمة؛ لأني أريد أن أُؤَمِّنَ حياتكم الدنيا فيمن تتركون من الذرية الضعفاء، وأُؤَمِّنَ لكم سعادة الآخرة. فإن صنع العبد المؤمن ما يأمر به الله فهذا وضع الأشياء في موضعها وهو أخذ بالحكمة. وقد أراد الحق أن يعلم الإنسان من خلال عاطفته على أولاده، لأن الإنسان قد تمر عليه فترة يهون فيها عنده أمر نفسه، ولا ينشغل إلا بأمر أولاده، فقد يجوع من أجل أن يشبع الأولاد، وقد يعرى من أجل أن يكسوهم. ولنا المثل الواضح في سيدنا إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام، لقد ابتلاه ربه في بداية حياته بالإحراق في النار، ولأن إبراهيم قوى الإيمان فقد جعل الله النار برداً وسلاماً. وابتلاه الله في آخر حياته برؤيا ذبح ابنه، ولأن إبراهيم عظيم الإيمان فقد امتثل لأمر الرحمن الذي افتدى إسماعيل بكبش عظيم. والإنسان في العمر المتأخر يكون تعلقه بأبنائه أكبر من تعلقه بنفسه. وهكذا كان الترقي في ابتلاء الله لسيدنا إبراهيم عليه السلام، ولذلك أراد الله أن يضرب للبشر على هذا الوتر وقال:{أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً}تفسير : [النساء: 9]. إن الحق سبحانه يريد من عباده أن يؤمّنوا على أولادهم بالعمل الصالح والقول السديد. ومثال آخر حين أراد الحق أن يحمي مال اليتامى، وأعلمنا بدخول موسى عليه السلام مع العبد الصالح الذي أوتي العلم من الله، يقول - سبحانه -: {أية : فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً}تفسير : [الكهف: 77]. كان موسى عليه السلام لا يعلم علم العبد الصالح من أن الجدار كان تحته كنز ليتيمين، كان أبوهما رجلاً صالحاً، وأهل هذه القرية لئام، فقد رفضوا أن يطعموا العبد الصالح وموسى عليه السلام، لذلك كان من الضروري إقامة الجدار حتى لا ينكشف الكنز في قرية من اللئام ويستولوا عليه ولا يأخذ الغلامان كنز أبيهما الذي كان رجلاً صالحاً. إذن فالحق سبحانه يعلمنا أن نُؤَمِّنَ على أبنائنا بالعمل الصالح، وهذه هي الحكمة عينها التي لا يصل إليها إلا أصحاب العقول القادرة على الوصول إلى عمق التفكير السديد. وسيدنا الحسن البصري يعطينا المثل في العمل الصالح عندما يقول لمن يدخل عليه طالباً حاجة: مرحباً بمن جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة. إن سيدنا الحسن البصري قد أوتي من الحكمة ما يجعله لا ينظر إلى الخير بمقدار زمنه، ولكن بمقدار ما يعود عليه بعد الزمن. وقد ضربت من قبل المثل بالتلميذ الذي يَجِدُّ ويتعب في دروسه ليحصل على النجاح، بينما أخوه يحب لنفسه الراحة والكسل. ثم نجد التلميذ الذي يتعب هو الذي يرتقي في المجتمع، بينما الذي ارتضى لنفسه الكسل يصير صعلوكاً في المجتمع. وبعد ذلك يقول سبحانه: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: فالحِكْمةُ: الأَمانَةُ، والحِكمةُ: البَيانُ، والحِكمةُ: الفِقهُ، والحكِمةُ: العَقلُ والحِكمةُ: الفَهمُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} معناهُ أُولوا العُقولِ. واحدُهَا لِبٌ. ويقالُ: رجلٌ لَبيبٌ، ورِجالٌ أَلبَّاءُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما أمر تعالى بهذه الأوامر العظيمة المشتملة على الأسرار والحكم وكان ذلك لا يحصل لكل أحد، بل لمن منَّ عليه وآتاه الله الحكمة، وهي العلم النافع والعمل الصالح ومعرفة أسرار الشرائع وحكمها، وإن من آتاه الله الحكمة فقد آتاه خيرا كثيرا وأي خير أعظم من خير فيه سعادة الدارين والنجاة من شقاوتهما! وفيه التخصيص بهذا الفضل وكونه من ورثة الأنبياء، فكمال العبد متوقف على الحكمة، إذ كماله بتكميل قوتيه العلمية والعملية فتكميل قوته العلمية بمعرفة الحق ومعرفة المقصود به، وتكميل قوته العملية بالعمل بالخير وترك الشر، وبذلك يتمكن من الإصابة بالقول والعمل وتنزيل الأمور منازلها في نفسه وفي غيره، وبدون ذلك لا يمكنه ذلك، ولما كان الله تعالى قد فطر عباده على عبادته ومحبة الخير والقصد للحق، فبعث الله الرسل مذكرين لهم بما ركز في فطرهم وعقولهم، ومفصلين لهم ما لم يعرفوه، انقسم الناس قسمين قسم أجابوا دعوتهم فتذكروا ما ينفعهم ففعلوه، وما يضرهم فتركوه، وهؤلاء هم أولو الألباب الكاملة، والعقول التامة، وقسم لم يستجيبوا لدعوتهم، بل أجابوا ما عرض لفطرهم من الفساد، وتركوا طاعة رب العباد، فهؤلاء ليسوا من أولي الألباب، فلهذا قال تعالى: { وما يذكر إلا أولو الألباب } .
همام الصنعاني
تفسير : 349- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ}: [الآية: 269]، قال: {الْحِكْمَةَ}، القرآن والفِقه في القرآن.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):