٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
270
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الإنفاق يجب أن يكون من أجود المال، ثم حث أولاً: بقوله {أية : وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ } تفسير : [البقرة: 267] وثانياً: بقوله {أية : ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ } تفسير : [البقرة: 268] حيث عليه ثالثاً: بقوله {وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ } على اختصاره، يفيد الوعد العظيم للمطيعين، والوعيد الشديد للمتمردين، وبيانه من وجوه أحدها: أنه تعالى عالم بما في قلب المتصدق من نية الإخلاص والعبودية أو من نيّة الرياء والسمعة وثانيها: أن علمه بكيفية نية المتصدق يوجب قبول تلك الطاعات، كما قال: {أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [المائدة: 27] وقوله {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } تفسير : [الزلزلة: 7، 8] وثالثها: أنه تعالى يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي والنيات فلا يهمل شيئاً منها، ولا يشتبه عليه شيء منها. /المسألة الثانية: إنما قال: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ } ولم يقل: يعلمها، لوجهين الأول: أن الضمير عائد إلى الأخير، كقوله {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً } وهذا قول الأخفش، والثاني: أن الكتابة عادت إلى ما في قوله {وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ } لأنها اسم كقوله {أية : وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ } تفسير : [البقرة: 231]. المسألة الثالثة: النذر ما يلتزمه الإنسان بإيجابه على نفسه يقال: نذر ينذر، وأصله من الخوف لأن الإنسان إنما يعقد على نفسه خوف التقصير في الأمر المهم عنده، وأنذرت القوم إنذاراً بالتخويف، وفي الشريعة على ضربين: مفسر وغير مفسر، فالمفسر أن يقول: لله عليّ عتق رقبة، ولله علي حج، فههنا يلزم الوفاء به، ولا يجزيه غيره وغير المفسر أن يقول: نذرت لله أن لا أفعل كذا ثم يفعله، أو يقول: لله علي نذر من غير تسمية فيلزم فيه كفارة يمين، لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من نذر نذراً وسمى فعليه ما سمى، ومن نذر نذراً ولم يسم فعليه كفارة يمين»تفسير : . أما قوله تعالى: {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: أنه وعيد شديد للظالمين، وهو قسمان، أما ظلمه نفسه فذاك حاصل في كل المعاصي، وأما ظلمه غيره فبأن لا ينفق أو يصرف الانفاق عن المستحق إلى غيره، أو يكون نيته في الانفاق على المستحق الرياء والسمعة، أو يفسدها بالمعاصي، وهذان القسمان الأخيران ليسا من باب الظلم على الغير، بل من باب الظلم على النفس. المسألة الثانية: المعتزلة تمسكوا بهذه الآية في نفي الشفاعة عن أهل الكبائر، قالوا: لأن ناصر الإنسان من يدفع الضرر عنه فلو اندفعت العقوبة عنهم بشفاعة الشفعاء لكان أولئك أنصاراً لهم وذلك يبطل قوله تعالى: {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ }. واعلم أن العرف لا يسمي الشفيع ناصراً، بدليل قوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } تفسير : [البقرة: 48] ففرق تعالى بين الشفيع والناصر فلا يلزم من نفي الأنصار نفي الشفعاء. والجواب الثاني: ليس لمجموع الظالمين أنصار، فلم قلتم ليس لبعض الظالمين أنصار. فإن قيل: لفظ الظالمين ولفظ الأنصار جمع، والجمع إذا قوبل بالجمع توزع الفرد على الفرد، فكان المعنى: ليس لأحد من الظالمين أحد من الأنصار. قلنا: لا نسلم أن مقابلة الجمع بالجمع توجب توزع الفرد على الفرد لاحتمال أن يكون المراد مقابلة الجمع بالجمع فقط لا مقابلة الفرد بالفرد. والجواب الثالث: أن هذا الدليل النافي للشفاعة عام في حق الكل، وفي كل الأوقات، والدليل المثبت للشفاعة خاص في حق البعض وفي بعض الأوقات، والخاص مقدم على العام والله أعلم. والجواب الرابع: ما بينا أن اللفظ العام لا يكون قاطعاً في الاستغراق، بل ظاهراً على سبيل الظن القوي فصار الدليل ظنياً، والمسألة ليست ظنية، فكان التمسك بها ساقطاً. المسألة الثالثة: الأنصار جمع نصير، كإشراف وشريف، وأحباب وحبيب.
القرطبي
تفسير : . شرط وجوابه، وكانت النذور من سِيرة العرب تُكثر منها؛ فذكر الله تعالى النوعين، ما يفعله المرء متبرِّعاً، وما يفعله بعد إلزامه لنفسه. وفي الآية معنى الوعد والوعيد، أي من كان خالص النية فهو مُثاب، ومن أنفق رِياء أوْ لمعنًى آخر مما يكسبه المنّ والأذى ونحو ذلك فهو ظالم، يذهب فعله باطلاً ولا يجد له ناصراً فيه. ومعنى «يَعْلَمُهُ» يُحصيه؛ قاله مجاهد. ووحّد الضمير وقد ذكر شيئين، فقال النحاس: التقدير {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ} فإن الله يعلمها، {أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ} ثم حذف. ويجوز أن يكون التقدير: وما أنفقتم فإن الله يعلمه وتعود الهاء على «ما» كما أنشد سيبويه (لامرىء القيس):شعر : فتُوضِحَ فالمِقْراةِ لم يَعْفُ رَسْمُها لِما نَسَجَتْها من جَنُوبٍ وشَمأَلِ تفسير : ويكون {أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ} معطوفاً عليه. قال ابن عطيّة: ووحّد الضمير في «يعلمه» وقد ذكر شيئين من حيث أراد ما ذُكر أو نُصّ. قلت: وهذا حسن: فإن الضمير قد يراد به جميع المذكور وإن كَثُر. والنَّذْر حقيقةُ العبارةِ عنه أن تقول: هو ما أوجبه المكلَّف على نفسه من العبادات مما لو لم يوجبه لم يلزمه؛ تقول: نذر الرجل كذا إذا التزم فعله، ينذر (بضم الذال) وينذِر (بكسرها). وله أحكام يأتي بيانها في غير هذا الوضع إن شاء الله تعالى.
البيضاوي
تفسير : {وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ} قليلة أو كثيرة، سراً أو علانية، في حق أو باطل. {أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ} بشرط أو بغير شرط، في طاعة أو معصية. {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ} فيجازيكم عليه. {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ} الذين ينفقون في المعاصي وينذرون فيها، أو يمنعون الصدقات ولا يوفون بالنذر. {مِنْ أَنصَارٍ} من ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى بأنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك ابتغاء وجهه ورجاء موعوده، وتوعد من لا يعمل بطاعته، بل خالف أمره، وكذب خبره، وعبد معه غيره، فقال: {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} أي: يوم القيامة ينقذونهم من عذاب الله ونقمته. وقوله: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ} أي: إن أظهرتموها، فنعم شيئاً هي. وقوله: {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها؛ لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة»تفسير : والأصل أن الإسرار أفضل؛ لهذه الآية، ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قال: «حديث : لما خلق الله الأرض، جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها، فاستقرت، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال، فقالت: يا رب هل في خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم، الحديد. قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار، قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم الماء. قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح. قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم، يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله»تفسير : . وقد ذكرنا في فضل آية الكرسي عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: «حديث : سر إلى فقير، أو جهد من مقل»تفسير : رواه أحمد، ورواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن يزيد عن القاسم، عن أبي أمامة، عن أبي ذر، فذكره وزاد، ثم شرع في هذه الآية: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} الآية، وفي الحديث المروي: «حديث : صدقة السر تطفىء غضب الرب عز وجل»تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن زياد المحاربي مؤدب محارب، أنا موسى بن عمير عن عامر الشعبي في قوله: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} قال: أنزلت في أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، أما عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؟»تفسير : قال: خلفت لهم نصف مالي، وأما أبو بكر، فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه، حتى دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر؟»تفسير : فقال: عدة الله وعدة رسوله، فبكى عمر رضي الله عنه، وقال: بأبي أنت وأمي يا أبا بكر والله ما استبقنا إلى باب خير قط إلا كنت سابقاً، وهذا الحديث روي من وجه آخر عن عمر رضي الله عنه، وإنما أوردناه ههنا لقول الشعبي: إن الآية نزلت في ذلك، ثم إن الآية عامة في أن إخفاء الصدقة أفضل، سواء كانت مفروضة أو مندوبة، لكن روى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسيره هذه الآية، قال: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، فقال: بسبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها، فقال: بخمسة وعشرين ضعفاً. وقوله: {وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ} أي: بدل الصدقات، ولا سيما إذا كانت سراً، يحصل لكم الخير في رفع الدرجات، ويكفر عنكم السيئات. وقد قرىء ويكفر بالجزم عطفاً على محل جواب الشرط، وهو قوله: {فَنِعِمَّا هِىَ} كقوله: {أية : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن} تفسير : [المنافقين: 10]. وقوله: { وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي: لا يخفى عليه من ذلك شيء، وسيجزيكم عليه سبحانه وبحمده
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ } أدّيتم من زكاة أو صدقة {أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ } فوفيتم به {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ } فيجازيكم عليه {وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ } بمنع الزكاة والنذر أو بوضع الإنفاق في غير محله من معاصي الله {مِنْ أَنصَارٍ } مانعين لهم من عذابه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} يعني أنه ليس في إبدائها كراهية. {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} فيه قولان: أحدهما: أنه يعود إلى صدقة التطوع، يكون إخفاؤها أفضل، لأنه من الرياء أبعد، فأما الزكاة فإبداؤها أفضل، لأنه من التهمة أبعد، وهو قول ابن عباس، وسفيان. والثاني: أن إخفاء الصدقتين فرضاً ونفلاً أفضل، قاله يزيد بن أبي حبيب، والحسن، وقتادة. {وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ} فيه قولان: أحدهما: أن (مِنْ) زائدة تقديرها: ويكفر عنكم سيئاتكم. والثاني: أنها ليست زائدة وإنما دخلت للتبعيض، لأنه إنما يكفر بالطاعة من غير التوبة الصغائر، وفي تكفيرها وجهان: أحدهما: يسترها عليهم. والثاني: يغفرها لهم.
ابن عطية
تفسير : كانت النذر من سيرة العرب تكثر منها، فذكر تعالى النوعين ما يفعله المرء متبرعاً وما يفعله بعد إلزامه لنفسه، ويقال: نذر الرجل كذا إذا التزم فعله "ينذُر" بضم الذال "وينذِر" بكسرها، وقوله تعالى: {فإن الله يعلمه} قال مجاهد: معناه يحصيه، وفي الآية وعد ووعيد، أي من كان خالص النية فهو مثاب ومن أنفق رئاء أو لمعنى آخر مما يكشفه المن والأذى ونحو ذلك فهو ظالم يذهب فعله باطلاً ولا يجد ناصراً فيه، ووحد الضمير في {يعلمه} وقد ذكر شيئين من حيث أراد ما ذكر أو نص، وقوله تعالى: {إن تبدوا الصدقات} الآية، ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية هي في صدقة التطوع، قال ابن عباس: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، يقال بسبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفاً، قال: وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويقوي ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : صلاة الرجل في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلا المكتوبة"تفسير : ، وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عرضة لذلك، وقال سفيان الثوري هذه الآية في التطوع، وقال يزيد بن أبي حبيب: إنما أنزلت هذه الآية في الصدقة على اليهود والنصارى، وكان يأمر بقسم الزكاة في السر، وهذا مردود لا سيما عند السلف الصالح، فقد قال الطبري: أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل، قال المهدوي: وقيل المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوع به، فكان الإخفاء فيهما أفضل في مدة النبي عليه السلام، ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك فاستحسن العلماء إظهار الفرض لئلا يظن بأحد المنع، قال أبو محمد: وهذا القول مخالف للآثار، ويشبه في زمننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض، فقد كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء، وقال النقاش: إن هذه الآية نسخها قوله تعالى: {أية : الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية} تفسير : [البقرة: 274]، وقوله: {فنعما هي} ثناء على إبداء الصدقة، ثم حكم أن الإخفاء خير من ذلك الإبداء، واختلف القراء في قوله {فنعما هي}، فقرأ نافع في غير رواية ورش، وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل "فنِعمّا" بكسر النون وسكون "فنِعِمّا" بكسر النون والعين، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي "فَنعِمّا" بفتح النون وكسر العين وكلهم شدد الميم، قال أبو علي من قرأ بسكون العين لم يستقم قوله، لأنه جمع بين ساكنين الأول منهما ليس بحرف مد ولين، وإنما يجوز ذلك عند النحويين إذا كان الأول حرف مد، إذ المد يصير عوضاً من الحركة، وهذا نحو دابة وضوال وشبهه، ولعل أبا عمرو أخفى الحركة واختلسها كأخذه بالإخفاء في باريكم ويأمركم فظن السامع الإخفاء إسكاناً للطف، ذلك في السمع وخفائه، وأما من قرأ "نِعِمّا" بكسر النون والعين فحجته أن أصل الكلمة "نِعم" بكسر الفاء من أجل حرف الحلق، ولا يجوز أن يكون ممن يقول "نعم" ألا ترى أن من يقول هذا قدم ملك فيدغم، لا يدغم، هؤلاء قوم ملك وجسم ماجد، قال سيبويه "نِعِما" بكسر النون والعين ليس على لغة من قال "نعم" فاسكن العين، ولكن على لغة من قال "نعم" فحرك العين، وحدثنا أبو الخطاب أنها لغة هذيل وكسرها كما قال لعب ولو كان الذي قال "نعْما" ممن يقول نعم بسكون العين لم يجز الإدغام. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: يشبه أن هذا يمتنع لأنه يسوق إلى اجتماع ساكنين، قال أبو علي وأما من قرأ "نَعِمّا" بفتح النون وكسر العين فإنما جاء بالكلمة على أصلها وهو نعم ومنه قول الشاعر: شعر : ما أقلّت قدماي أنهم نَعِمَ الساعون في الأمر المبر تفسير : ولا يجوز أن يكون ممن يقول قبل الإدغام "نعْم" بسكون العين، وقال المهدوي وذلك جائز محتمل وتكسر العين بعد الإدغام لالتقاء الساكنين، قال أبو علي، وما من قوله {نعمّا} في موضع نصب، وقوله {هي} تفسير للفاعل المضمر قبل الذكر والتقدير، نعم شيئاً إبداؤها. والإبداء هو المخصوص بالمدح. إلا أن المضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويدلك على هذا قوله {فهو خير لكم} أي الإخفاء خير، فكما أن الضمير هنا للإخفاء لا للصدقات، فكذلك أولاً الفاعل هو الإبداء، وهو الذي اتصل به الضمير، فحذف الإبداء وأقيم ضمير الصدقات مقامه، واختلف القراء في قوله تعالى: {ونكفر عنكم} فقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر: "ونكفرُ" بالنون ورفع الراء، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: "ونكفرْ" بالنون والجزم في الراء، وروي مثل ذلك أيضاً عن عاصم، وقرأ ابن عامر: "ويكفرُ" بالياء ورفع الراء، وقرأ ابن عباس {وتكفر} بالتاء وكسر الفاء وجزم الراء، وقرأ عكرمة: {وتكفر} بالتاء وفتح الفاء وجزم الراء، وقرأ الحسن: " ويكفرْ" بالياء وجزم الراء، وروي عن الأعمش أنه قرأ: {ويكفر} بالياء ونصب الراء، وقال أبو حاتم: قرأ الأعمش: "يكفر" بالياء دون واو قبلها وبجزم الراء، وحكى المهدوي عن ابن هرمز أنه قرأ: "وتكفرُ" بالتاء ورفع الراء، وحكي عن عكرمة وشهر بن حوشب أنهما قرآها بتاء ونصب الراء. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فما كان من هذ القراءات بالنون فهي نون العظمة، وما كان منها بالتاء فهي الصدقة فاعلة، إلا ما روي عن عكرمة من فتح الفاء فإن التاء في تلك القراءة إنما هي للسيئات، وما كان منها بالياء فالله تعالى هو المكفر، والإعطاء في خفاء هو المكفر، ذكره مكي وأما رفع الراء فهو على وجهين: أحدهما أن يكون الفعل خبر ابتداء، وتقدير ونحن نكفر، أو وهي تكفر، أعني الصدقة، أو والله يكفر، والثاني: القطع والاستئناف وأن لا تكون الواو العاطفة للاشتراك لكن لعطف جملة على جملة، وأما الجزم في الراء فإنه حمل للكلام على موضع قوله تعالى: {فهو خير} إذ هو في موضع جزم جواباً للشرط، كأنه قال: وإن تخفوها يكن أعظم لأجركم، ثم عطفه على هذا الموضع كما جاء قراءة من قرأ: {أية : من يضلل الله فلا هادي له ونذرهم} تفسير : [الأعراف: 186] بجزم الراء وأمثلة هذا كثيرة، وأما نصب الراء فعلى تقدير "إن" وتأمل، وقال المهدوي هو مشبه بالنصب في جواب الاستفهام، إذ الجزاء يجب به الشيء لوجوب غيره كالاستفهام. والجزم في الراء أفصح هذه القراءات. لأنها تؤذن بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطاً إن وقع الإخفاء. وأما رفع الراء فليس فيه هذا المعنى، و {من} في قوله: {من سيئاتكم} للتبعيض المحض، والمعنى في ذلك متمكن، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: {من} زائدة في هذا الموضع وذلك منهم خطأ، وقوله: {والله بما تعملون خبير} وعد ووعيد.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وما أنفقتم من نفقة} يعني فيما فرضه الله عليكم من إعطاء زكاة وغيرها {أو نذرتم من نذر} يعني به ما أوجبتموه على أنفسكم في طاعة الله فوفيتم به والنذر أن يوجب الإنسان على نفسه شيئاً ليس بواجب يقال نذرت لله نذراً وأصله من الخوف لأن الإنسان إنما يعقد على نفسه النذر من خوف التقصير في الأمر المهم، والنذر في الشرع على ضربين مفسر، وغير مفسر. فالمفسر أن يقول لله علي صوم أو حج أو عتق أو صدقة فيلزمه الوفاء به، ولا يجزيه غيره وغير المفسر وهو أن يقول: نذرت لله أفعل كذا ثم يفعله أو يقول لله علي نذر من غير تسمية شيء فيلزمه فيه كفارة يمين (خ) عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" تفسير : عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذراً فأطاقه فليف به" تفسير : أخرجه أبو داود عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم" تفسير : أخرجه النسائي (ق) عن ابن عمر: "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر وقال إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل" تفسير : (م) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئاً لم يكن الله قدره، ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج" تفسير : قال بعض العلماء: يحتمل أن يكون سبب النهي عن النذر كون الناذر يصير ملتزماً مالاً فيأتي به تكلفاً من غير نشاط أو يكون سببه كونه يأتي به على سبيل المعارضة عن الأمر الذي طلبه فينقص أجره، وشأن العبادة أن تكون متمحضة لله تعالى وقال بعضهم يحتمل أن يكون النهي لكونه قد يظن بعض الجهلة أن النظر يرد القدر أو يمنع من حصول المقدور فنهى عنه خوفاً من اعتقاد ذلك، وسياق الحديث يؤكد هذا، وقوله: في بعض روايات الحديث أنه لا يأتي بخير معناه أنه لا يرد شيئاً من القدر. وقوله: فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج معناه أنه لا يأتي بهذه القربة تطوعاً محضاً مبتدأ وإنما يأتي بها في مقابلة شيء يريده كقوله إن شفى الله مريضي فللّه علي كذا ونحو ذلك مما يحصل بالنذر والله أعلم، وقوله تعالى: {فإن الله يعلمه} أي يعلم ما أنفقتم ونذرتم فيجازيكم به وإنما قال: يعلمه ولم يقل يعلمهما لأنه رد الضمير على الآخر منهما فهو كقوله: ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً وقيل: إن الكناية عادت على: "ما" في قوله وما أنفقتم لأنها اسم فهو كقوله: {أية : وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به} تفسير : [البقرة: 231] ولم يقل بهما {وما للظالمين} يعني الواضعين الصدقة في غير موضعها وقيل: الذين يريدون بصدقاتهم الرياء والسمعة وقيل: هم الذين يتصدقون بالمال الحرام {من أنصار} أي من أعوان يدفعون عنهم عذاب الله تعالى، ففيه وعيد عظيم لكل ظالم قوله عز وجل: {إن تبدوا الصدقات} أي تظهروا الصدقات والصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة فيدخل فيه الزكاة الواجبة، وصدقة التطوع {فنعمّا هي} أي فنعمت الخصلة هي وقيل فنعم الشيء هي وقيل: معناه فنعم شيئاً إبداء الصدقات {وإن تخفوها} أي تسروا الصدقة {وتؤتوها الفقراء} أي وتعطوها الفقراء في السر {فهو خير لكم} يعني إخفاء الصدقة أفضل من العلانية وكل مقبول إذا كانت النية صادقة، واختلفوا في المراد بالصدقة المذكورة في الآية فقال الأكثرون المراد بها صدقة التطوع، واتفق العلماء على أن كتمان صدقة التطوع أفضل وإخفاؤها خير من إظهارها، لأن ذلك أبعد من الرياء وأقرب إلى الإخلاص، ولأن فيه بعداً عما تؤثره النفس من إظهار الصدقة، وفي صدقة السر أيضاً فائدة ترجع إلى الفقير الآخذ وهي أنه إذا أعطى في السر زال عنده الذل والانكسار وإذا أعطى في العلانية يحصل له الذل والإنكسار ويدل على أن صدقة السر أفضل ما روي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلاّ ظله إمام عادل وشاب نشأ في طاعة الله تعالى ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله تعالى اجتمعا على ذلك وافترقا عليه ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه من خشية الله تعالى ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني إخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" تفسير : أخرجاه في الصحيحين ووجه جواز إظهار الصدقة يكون ممن قد أمن على نفسه من مداخلة الرياء في عمله أو يكون ممن يقتدى به في أفعاله فإذا أظهر الصدقة تابعه غيره على ذلك، وأما الزكاة فإظهار إخراجها أفضل من كتمانها كالصلاة المكتوبة في الجماعة أفضل وصلاة التطوع في البيت أفضل ولكن في إظهار الزكاة نفي التهمة عن المزكي وقيل إن الآية واردة في زكاة الفرض، وكان إخفاؤها خيراً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا لا يظنون بأحد أنه يمنع الزكاة، فأما اليوم في زماننا إظهار الزكاة أفضل حتى لا يساء الظن به وقيل إن الآية عامة في جميع الصدقات الواجبة والتطوع والإخفاء أفضل في كل صدقة من زكاة غيرها. وقوله تعالى: {ونكفر عنكم من سيئاتكم} قيل إن من صلة زائدة تقديره ونكفر عنكم سيئاتكم قال ابن عباس جميع سيئاتكم وقيل أدخل من للتبغيض ليكون العباد على وجل ولا يتكلوا والمعنى ونفكر عنكم الصغائر من سيئاتكم وأصل التكفير في اللغة التغطية والستر {والله بما تعملون خبير} يعني من إظهار الصدقات وإخفائها.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ...} الآية: يقال: نَذَرَ الرَّجُلُ كَذَا، إِذا التزم فعله. وقوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ}. قال مجاهدٌ: معناه: يُحْصِيه، وفي الآيةِ وعْدٌ ووعيدٌ، أي: مَنْ كان خالص النيَّة، فهو مثابٌ، ومن أنْفَقَ رياءً أو لمعنًى آخَرَ ممَّا يكْشفه المَنُّ والأذَىٰ، ونحو ذلك، فهو ظالمٌ يذهب فعْلُه باطلاً، ولا يجد ناصراً فيه. وقوله تعالى: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِيَ...} الآية: ذهب جمهورُ المفسِّرين إِلى أنَّ هذه الآيةَ في صدَقَةِ التطوُّع، قال ابن عبَّاس: جعل اللَّه صدَقَةَ السِّرِّ في التطوُّع تفضُلُ علانيتها، يقال: بسبعين ضِعْفاً، وجعل صدَقَةَ الفريضَةِ علانيتَهَا أفْضَلَ من سرِّها، يقال: بخَمْسَةٍ وعشْرين ضِعْفاً، قال: وكذلك جميعُ الفرائضِ والنوافلِ في الأشياء كلِّها. * ع *: ويقوِّي ذلك قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ فِي المَسْجِدِ إِلاَّ المَكْتُوبَة»تفسير : ، وذلك أن الفرائضَ لا يدْخُلُها رياءٌ، والنوافل عُرْضَةٌ لذلك، قال الطبريُّ: أجمعَ النَّاس علَىٰ أن إِظهار الواجِبِ أفضلُ. وقوله تعالى: {فَنِعِمَّا هِيَ }: ثناءٌ علَىٰ إِبداء الصدقةِ، ثم حكم أنَّ الإِخفاء خيْرٌ من ذلك الإِبداءِ، والتقديرُ: نِعْمَ شيءٌ إِبداؤها، فالإِبداء هو المخصوصُ بالمدْحِ؛ وخرَّج أبو داود في «سننه»، عن أبي أُمَامَةَ، قال: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ٱنْطُلِقَ بِرَجُلٍ إِلَىٰ بَابِ الجَنَّةِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا عَلَىٰ بَابِ الجَنَّةِ مَكْتُوبٌ: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالقَرْضُ الوَاحِدُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ؛ لأنَّ صاحب القرضِ لا يأتيك إِلاَّ وهو محتاجٌ، والصدقةُ ربما وُضِعَتْ في غنيٍّ» تفسير : ، وخرَّجه ابن ماجة في «سننه»، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ اللَّه بن عبد الكريمِ، حدَّثنا هشام بْنُ خالدٍ، حدَّثنا خالدُ بن يَزِيدَ بْنِ أبي مالكٍ، عن أبيه، عن أنس بن مالك، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَىٰ بَابِ الجَنَّةِ مَكْتُوبٌ: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَا بَالُ القَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: إِنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالمُسْتَقْرِضُ لاَ يَسْتَقْرِضُ إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ»تفسير : . انتهى من «التذكرة». وقرأ ابن كثير وغيره: «ونُكَفِّرُ»؛ بالنون، ورفع الراء، وقرأ ابن عامر: «وَيُكَفِّرُ»، بالياء، ورفع الراء، وقرأ نافع وغيره: «وَنُكَفِّرْ»، بالنون، والجزمِ، فأما رفْع الراء، فهو علَىٰ وجهين: أحدهما: أن يكون الفعْلُ خبر ابتداءٍ، تقديره: ونحن نكفِّر، أو: واللَّه يكفر. والثَّاني: القطع، والاستِئْناف، والواو لعطْفِ جملةٍ على جملةٍ، والجزمُ في الراءِ أفصحُ هذه القراءات؛ لأنها تؤذن بدُخُول التكفير في الجزاء، وكونه مشروطاً إِن وقع الإِخفاء، وأمَّا رفع الراءِ، فليس فيه هذا المعنَىٰ، و «مِنْ» في قوله: {مِّن سَيِّئَاتِكُمْ} للتبعيضِ المحْضِ، لا أنها زائدةٌ؛ كما زعم قومٌ، {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}: وعدٌ ووعيدٌ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ} كقوله: {أية : مَا نَنسَخْ}تفسير : [البقرة:106] {أية : وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ}تفسير : [البقرة:197] وقد تقدَّم. وأيضاً تقدَّم الكلام في مادة "نَذَرَ" في قوله: {أية : أَأَنذَرْتَهُمْ}تفسير : [البقرة:6]، إلاَّ أنَّ النَّذر له خصوصيَّة: وهو عقد الإنسان ضميره على شيءٍ، يقال: نذر فهو ناذرٌ؛ قال عنترة: [الكامل] شعر : 1233ب- الشَّاتِمَيْ عِرْضِي وَلَمْ أَشْتِمْهُمَا والنَّاذِرَيْنِ إِذَا لَم الْقَهُمَا دَمِي تفسير : وأصله من التَّخويف تقول أنذرت القوم إنذاراً بالتخويف، وفي الشرع على ضربين: مفسر: كقوله للهِ عليَّ عَتْق رَقَبةٍ، ولِلَّهِ عليَّ حجٌّ فهاهنا يلزم الوفاء، ولا يجزيه غيره، وغير مفسَّر كقوله: نذرت لله تعالى ألاَّ أفعل كذا، ثم يفعله، أو يقول: لله عليَّ نذرٌ، ولم يسمِّه، فيلزمه كفارة يمينٍ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : َمَنْ نَذَرَ نَذْراً، وسَمَّى فَعَلْيهِ ما سمَّى، ومَنْ نَذَرَ نَذْراً، ولَمْ يُسَمِّ فَعَلَيْهِ كَفَّارةُ يَمِينٍ ". تفسير : قوله: {فَإِنَّ ٱللهَ يَعْلَمُهُ} جواب الشرط؛ إن كانت "ما" شرطيةً، أو زائدة في الخبر، إن كانت موصولة. فإن قيل: لم وحَّد الضمير في "يَعْلَمُه" وقد تقدم شيئان النفقة، والنذر؟ فالجواب أن العطف هنا بـ "أو"، وهي لأحد الشيئين، تقول: "إنْ جاء زيدٌ، أو عمروٌ أكرمتُه"، ولا يجوز: أكرمتها، بل يجوز أن تراعي الأول نحو: زيدٌ أو هندٌ منطلقٌ، أو الثاني، نحو: زيدٌ أو هندٌ منطلقة، والآية من هذا، ولا يجوز أن يقال: منطلقان. ولهذا أوَّل النحاة: {أية : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا}تفسير : [النساء:135] كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ومن مراعاة الأول قوله: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا}تفسير : [الجمعة:11]، على هذا لا يحتاج إلى تأويلات ذكرها المفسرون. وروي عن النَّحاس أنه قال: التقدير: وما أنفقتم من نفقةٍ، فإنَّ الله يعلمها، أو نذرتم من نذر، فإنَّ الله يعلمه، فحذف، ونظَّره بقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا}تفسير : [التوبة:34] وقوله: [المنسرح] شعر : 1234- نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْدَكَ رَاضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ تفسير : وقول الآخر في هذا البيت: [الطويل] شعر : 1235- رَمَانِي بأَمْرٍ كُنْتُ مِنْه وَوَالِدِي بَرِيئاً وَمِنْ أَجْلِ الطَوِيِّ رَمَانِي تفسير : وهذا لا يحتاج إليه؛ لأنَّ ذلك إنما هو في الواو المقتضية للجمع بين الشيئين، وأمَّا "أَوْ" المقتضية لأحد الشيئين، فلا. وقال الأخفش: الضمير عائدٌ إلى الأخير كقوله: {أية : وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً}تفسير : [النساء:112] وقيل: يعود إلى "ما" في قوله: "وَمَا أَنْفَقْتُمْ" لأنها اسمٌ كقوله: {أية : وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ}تفسير : [البقرة:231]، ولا حاجة إلى هذا أيضاً؛ لما عرفت من حكم "أو". قوله: {فَإِنَّ ٱللهَ يَعْلَمُهُ} أفاد: الوعد العظيم للمطيعين، والوعيد الشديد للمتمردين، لأنه يعلم ما في قلب المتصدق من الإخلاص فيتقبل منه تلك الطاعة؛ كما قال: {أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [المائدة:27]، وقوله: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة:7، 8]. قوله: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} اعلم أنَّ الظالم قسمان: الأول: من ظلم نفسه وهو يشتمل على كل المعاصي. الثاني: من ظلم غيره بأن لا ينفق أو لا يصرف الإنفاق عن المستحق إلى غيره، أو ينفق على المستحقِّ رياءً وسمعةً، أو يفسدها بالمعاصي وهذان القسمان الأخيران ليسا من باب الظُّلم على الغير، بل من باب الظلم على النَّفس. فصل في دحض شبهة للمعتزلة في إنكار الشفاعة تمسَّك المعتزلة بهذه الآية، في نفي الشَّفاعة عن أهل الكبائر، قالوا: لأنَّ ناصر الإنسان من يدفع الضرر عنه، فلو اندفعت العقوبة عنهم بالشفاعة، لكان أولئك الشفعاء أنصاراً لهم، وذلك يضاد الآية. وأجيبوا بوجوه: الأول: أن الشفيع لا يسمَّى في العرف ناصراً، بدليل قوله: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ}تفسير : [البقرة:123] ففرَّق تعالى بين الشفيع، والناصر؛ فلا يلزم من نفي الناصر نفي الشفيع. الثاني: أن الشفيع إنما يشفع عن المشفوع عنده على سبيل استعطافه، والناصر ينصره عليه، والفرق ظاهرٌ. وأجاب آخرون: بأنه ليس لمجموع الظالمين من أنصارٍ. فإن قيل: لفظ "الظَّالِمِينَ"، ولفظ "الأَنْصَارِ" جمعٌ، والجمع إذا قوبل بالجمع، توزع الفرد على الفرد، فكان المعنى: ليس لأحدٍ من الظالمين، أحدٌ من الأنصار. قلنا لا نسلّم أن مقابلة الجمع بالجمع توجب توزع الفرد على الفرد؛ لاحتمال أن يكون المراد مقابلة الجمع بالجمع فقط لا مقابلة الفرد بالفرد. الوجه الثالث: أن هذا الدليل للشفاعة عامٌّ في حقِّ الكلِّ في الأشخاص، والأوقات، ودليل إثبات الشفاعة خاصٌّ في بعض الأوقات، والخاصُّ مقدمٌ على العامِّ. الوجه الرابع: ما بينا أن اللفظ العامَّ لا يكون قاطعاً في الاستغراق؛ بل ظاهرٌ على سبيل الظن القويِّ، فصار الدليل ظنياً، والمسألة ليست ظنِّية، فسقط التمسُّك بها. و "الأَنْصَارُ" جمع نصير؛ كأشرافٍ، وشريف، وأحبابٍ، وحبيب.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه} قال: يحصيه. وأخرج عبد الرزاق والبخاري من طريق ابن شهاب عن عوف بن الحرث بن الطفيل وهو ابن أخي عائشة لأمها. أن عائشة رضي الله عنها حدثت: أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها. فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا نعم. قالت عائشة: فهو لله نذر أن لا أكلم ابن الزبير كلمة أبداً. فاستشفع ابن الزبير بالمهاجرين حين طالت هجرتها اياه. فقالت: والله لا أشفع فيه أحداً أبداً، ولا أحنث نذري الذي نذرت أبداً، فلما طال على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وهما من بني زهرة فقال لهما: أنشدكما الله ألا أدخلتماني على عائشة فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي، فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين عليه بأرديتهما حتى استأذنا على عائشة، فقالا: السلام على النبي ورحمة الله و بركاته أندخل؟ فقالت عائشة: ادخلوا. قالوا: أكلنا يا أم المؤمنين؟ قالت: نعم، ادخلوا كلكم. ولا تعلم عائشة أن معهما ابن الزبير، فلما دخلوا دخل ابن الزبير في الحجاب و اعتنق عائشة وطفق يناشدها ويبكي، وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدان عائشة إلا كلمته وقبلت منه، ويقولان: " قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عما قد علمت من الهجرة، و أنه لا يحل للرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال" فلما أكثروا التذكير والتحريج طفقت تذكرهم وتبكي وتقول: إني قد نذرت والنذر شديد، فلم يزالوا بها حتى كلمت ابن الزبير، ثم اعتقت بنذرها أربعين رقبة لله، ثم كانت تذكر، بعدما أعتقت أربعين رقبة، فتبكي حتى تبل دموعها خمارها. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن حجيرة الأكبر. أن رجلاً أتاه فقال: إني نذرت أن لا أكلم أخي فقال: إن الشيطان ولد له ولد فسماه نذراً، وإن من قطع ما أمر الله به أن يوصل فقد حلت عليه اللعنة. وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه ". تفسير : و أخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه ". تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عمران بن حصين قال: حديث : أسرت امرأة من الأنصار فاصيبت العضباء فقعدت في عجزها، ثم زجرتها فانطلقت و نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة رآها الناس فقالوا: العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فقال: سبحان الله...! بئس ما جزتها، نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها، لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عقبة بن عامر "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كفارة النذر إذا لم يسم كفارة اليمين ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ثابت بن الضحاك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليس على العبد نذر فيما لا يملك ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل ". تفسير : وأخرج مسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئاً، وإنما يستخرج من البخيل ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدرته فيستخرج الله به من البخيل، فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنسحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخاً يهادي بين ابنيه فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي إلى الكعبة. قال: إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني، وأمره أن يركب ". تفسير : وأخرج مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك شيخاً يمشي بين ابنيه يتوكأ عليهما. فقال: ما شأن هذا؟ قال ابناه: يا رسول الله كان عليه نذر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اركب أيها الشيخ فإن الله غني عنك وعن نذرك ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عقبة بن عامر قال حديث : نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية، فأمرتني أن استفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيته فقال: لتمش ولتركب ". تفسير : وأخرج أبو داود عن ابن عباس حديث : أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية وانها لا تطيق ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله لغني عن مشي اختك فلتركب ولتهد بدنة ". تفسير : وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن اختي نذرت أن تحج ماشية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يصنع بشقاء اختك شيئاً، فلتحج راكبة وتكفر يمينها" ". تفسير : وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة عن عقبة بن عامر حديث : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة. فقال: مروها فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام ". تفسير : وأخرج البخاري وأبو داود وابن ماجة عن ابن عباس قال حديث : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس، فسأل عنه فقالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد لا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه ". تفسير : وأخرج أبو داود وابن ماجة عن أبي عباس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً أطاقه فليوف به ". تفسير : وأخرج النسائي عن عمران بن حصين حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: النذر نذران. فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية الله فذلك للشيطان، ولا وفاء فيه ويكفره ما يكفر اليمين ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والحاكم عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا نذر في معصية ولا غضب، وكفارته كفارة يمين ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن عمران بن حصين قال حديث : ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة. قال: وان من المثلة أن يخرم أنفه وأن ينذر أن يحج ماشياً، فمن نذر أن يحج ماشياً فليهد هدياً وليركب ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني نذرت أن أقوم على قعيقعان عرياناً إلى الليل. فقال: أراد الشيطان أن يبدي عورتك وأن يضحك الناس بك، البس ثيابك وصلّ عند الحجر ركعتين. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: النذور أربعة: فمن نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً فيما لا يطيق فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً فيما يطيق فليوف بنذره. و أما قوله تعالى: {و ما للظالمين من أنصار}. أخرج ابن أبي حاتم عن شريح قال: الظالم ينتظر العقوبة، والمظلوم ينتظر النصر. وأخرج البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الظلم ظلمات يوم القيامة ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب ومسلم والبيهقي في الشعب عن جابر حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إياكم والظلم فإن الظلم هو الظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش فإن الله لا يحب الفاحش المتفحش، وإياكم والشح فإن الشح دعا من كان قبلكم فسفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم، وقطعوا أرحامهم ". تفسير : وأخرج الحاكم والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إياكم و الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش والتفحش، وإياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا ". تفسير : وأخرج الطبراني عن الهرماس بن زياد قال حديث : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على ناقته فقال: إياكم والخيانة فإنها بئست البطانة، وإياكم والظلم فإنه ظلمات يوم القيامة، وإياكم والشح فإنما أهلك من كان قبلكم الشح حتى سفكوا دماءهم، وقطعوا أرحامهم ". تفسير : وأخرج الأصبهاني من حديث عمر بن الخطاب. مثله. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تظلموا فتدعوا فلا يستجاب لكم، و تستسقوا فلا تسقوا، وتستنصروا فلا تنصروا ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صنفان من أمتي لن تنالهم شفاعتي. إمام ظلوم غشوم، وكل غال مارق ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة ". تفسير : وأخرج الطبراني عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ثلاثة تستجاب دعوتهم: الوالد، والمسافر، والمظلوم ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : دعوتان ليس بينهما وبين الله حجاب: دعوة المظلوم، ودعوة المرء لأخيه بظهر الغيب ". تفسير : وأخرج الطبراني عن خزيمة بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين ". تفسير : وأخرج أحمد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً، فإنه ليس دونها حجاب ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يقول الله: اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصراً غيري ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ ابن حبان في كتاب التوبيخ عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمن ممن رأى مظلوماً فقدر أن ينصره فلم يفعل ". تفسير : وأخرج الأصبهاني عن عبد الله بن سلام قال: حديث : إن الله لما خلق الخلق فاستووا على أقدامهم رفعوا رؤوسهم، فقالوا: يا رب مع من أنت؟ قال "أنا مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه" ". تفسير : وأخرج ابن مردويه والأصبهاني في الترغيب عن ابن عباس. أن ملكاً من الملوك خرج يسير في مملكته وهو مستخف من الناس، حتى نزل على رجل له بقرة فراحت عليه تلك البقرة فحلبت، فإذا حلابها مقدار حلاب ثلاثين بقرة، فحدث الملك نفسه أن يأخذها، فلما كان الغد غدت البقرة إلى مرعاها، ثم راحت فحلبت فنقص لبنها على النصف، وجاء مقدار حلاب خمس عشرة بقرة، فدعا الملك صاحب منزله فقال: أخبرني عن بقرتك أرعت اليوم في غير مرعاها بالأمس، وشربت من غير مشربها بالأمس؟ فقال: ما رعت في غير مرعاها بالأمس، ولا شربت في غير مشربها بالأمس. فقال: ما بال حلابها على النصف؟! فقال: أرى الملك هم بأخذها فنقص لبنها، فإن الملك إذا ظلم أو هم بالظلم ذهبت البركة. قال: وأنت من أين يعرفك الملك؟ قال: هو ذاك كما قلت لك. قال: فعاهد الملك ربه في نفسه أن لا يظلم، ولا يأخذها، ولا يملكها، ولا تكون في ملكه أبداً. قال: فغدت فرعت ثم راحت، ثم حلبت فإذا لبنها قد عاد على مقدار ثلاثين بقرة. فقال الملك بينه وبين نفسه واعتبر: أرى الملك إذا ظلم أو هم بظلم ذهبت البركة، لا جرم لأعدلن فلأكونن على أفضل العدل. وأخرج الأصبهاني عن سعيد بن عبد العزيز: من أحسن فليرج الثواب، ومن أساء فلا يستنكر الجزاء، ومن أخذ عزاً بغير حق أورثه الله ذلاً بحق، ومن جمع مالاً بظلم أورثه الله فقراً بغير ظلم. وأخرج أحمد في الزهد عن وهب بن منبه قال: إن الله عز وجل قال: "حديث : من استغنى بأموال الفقراء أفقرته، وكل بيت يبنى بقوّة الضعفاء أجعل عاقبته إلى خراب ".
ابو السعود
تفسير : {وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ} بـيانٌ لحكمٍ كلي شاملٍ لجميع أفراد النفقاتِ وما في حكمها إثرَ بـيانِ حكمِ ما كان منها في سبـيل الله، و{مَا} إما شرطية أو موصولة حُذف عائدُها من الصلة أي وما أنفقتموه من نفقة أيِّ نفقةٍ كانت في حق أو باطلٍ في سرٍّ أو علانية قليلةٍ أو كثيرة {أَوْ نَذَرْتُم} النذرُ عقدُ الضمير على شيءٍ والتزامُه، وفعلُه كضرب ونصر {مّن نَّذْرٍ} أيِّ نذرٍ كان في طاعةٍ أو معصية بشرطٍ أو بغير شرط متعلقٍ بالمال أو بالأفعال كالصيامِ والصلاةِ ونحوهما {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ} الفاء على الأول داخلةٌ على الجواب وعلى الثاني مزيدةٌ في الخبر وتوحيدُ الضمير مع تعدّدِ متعلَّق العلم لاتحاد المرجع بناءً على كون العطف بكلمة أو كما في قولك: زيدٌ أو عمرٌو أكرمتُه، ولا يقال: أكرمتُهما ولهذا صِرنا إلى التأويل في قوله تعالى: {أية : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا } تفسير : [النساء، الآية 135] بل يعادُ الضميرُ تارةً إلى المقدَّم رعايةً للأولية كما في قوله عز وعلا: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } تفسير : [الجمعة، الآية 11] وأخرى إلى المؤخَّر رعايةً للقُرب كما في هذه الآية الكريمة وفي قوله تعالى: {أية : وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً } تفسير : [النساء، الآية 112] وحملُ النظم على تأويلهما بالمذكور ونظائِره أو على حذف الأول ثقةً بدلالة الثاني عليه كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة، الآية 34] وقوله: [المنسرح] شعر : نحنُ بما عندنا وأنت بما عندكَ راضٍ والرأيُ مختلفُ تفسير : ونحوِهما مما عُطف فيه بالواو الجامعةِ تعسفٌ مستغنىً عنه. نعم يجوز إرجاعُ الضمير إلى {مَا} على تقدير كونِها موصولةً، وتصديرُ الجملة بإن لتأكيدِ مضمونِها إفادةً لتحقيق الجزاء، أي فإنه تعالى يجازيكم عليه ألبتةَ إن خيراً فخيرٌ وإن شرًّا فشرٌّ فهو ترغيبٌ وترهيب ووعدٌ ووعيد {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ} بالإنفاق والنذر في المعاصي أو بمنع الصدقاتِ وعدمِ الوفاء بالنذر أو بإنفاق الخبـيثِ أو بالرياء والمنِ والأذى وغيرِ ذلك مما ينتظمُه معنى الظلم الذي هو عبارة عن وضع الشيءِ في غير موضعِه الذي يحِقُّ أن يوضعَ فيه {مِنْ أَنصَارٍ} أي أعوان ينصرونهم من بأس الله وعقابِه لا شفاعةً ولا مدافعةً، وإيرادُ صيغة الجمع لمقابلة الظالمين أي وما لظالم من الظالمين من نصيرٍ من الأنصار، والجملةُ استئنافٌ مقرِّرٌ لما فيما قبله من الوعيد مفيد لفظاعة حالِ مَنْ يفعل ما يفعل من الظالمين لتحصيل الأعوانِ ورعاية الخُلاّن. {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ} نوعُ تفصيلٍ لبعض ما أُجمل في الشرطية وبـيان له ولذلك تُرك العطف بـينهما أي إن تُظهِروا الصدقاتِ فنِعمَ شيئاً إبداؤُها بعد أن لم يكن رياءٌ وسمعةٌ وقرىء بفتح النون وكسر العين على الأصل وقرىء بكسر النون وسكون العين وقرىء بكسر النون وإخفاءِ حركة العين، وهذا في الصدقات المفروضة وأما في صدقة التطوعِ فالإخفاءُ أفضلُ وهي التي أريدت بقوله تعالى: {وَإِن تُخْفُوهَا} أي تعطوها خُفية {وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَاء} ولعل التصريحَ بإيتائها الفقراءَ مع أنه واجبٌ في الإبداء أيضاً لما أن الإخفاءَ مظِنةُ الالتباسِ والاشتباه فإن الغنيَّ ربما يدّعي الفقرَ ويُقدمُ على قَبول الصدقةِ سرًّا ولا يفعل ذلك عند الناس {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي فالإخفاءِ خيرٌ لكم من الإبداء وهذا في التطوع، ومن لم يعرف بالمال وأما في الواجب فالأمرُ بالعكس لدفع التهمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: صدقةُ السر في التطوع تفضُل علانيتها سبعين ضعفاً وصدقةُ الفريضة علانيتُها أفضلُ من سرّها بخمسة وعشرين ضِعفاً {وَيُكَفّرُ عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ} أي والله يكفرُ أو الإخفاءُ و{مِنْ} تبعيضية أي شيئاً من سيئاتكم كما سترتموها وقيل مزيدةٌ على رأي الأخفش وقرىء بالتاء مرفوعاً ومجزوماً على أن الفعل للصدقات وقرىء بالنون مرفوعاً عطفاً على محل ما بعد الفاء أو على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوف أي ونحن نكفرُ أو على أنها جملةٌ مبتدأةٌ من فعل وفاعل وقرىء مجزوماً عطفاً على محل الفاء وما بعده لأنه جوابُ الشرط {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الإسرار والإعلان {خَبِيرٌ} فهو ترغيب في الإسرار.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ} [الآية: 270]. قال الواسطى: أشار به إلى قومٍ لا يضرهم ولا ينفعهم مالٌ ولا بنون، فإن الله بعلمه يعلم من يختم له بخير.
القشيري
تفسير : قوم تَوَعَّدَهم بعقوبته، وآخرون توعدهم بمثوبته.. وآخرون توعدهم بعلمه؛ فهؤلاء العوام وهؤلاء الخواص. قال تعالى: {أية : وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} تفسير : [الطور: 48] فلا شيء يوجب سقوط العبد من عين الله كمخالفته لعهوده معه بقلبه، فليحذر المريد من إزلال نفسه في ذلك غايةَ الحذر.
البقلي
تفسير : {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ} يبسر اولياءه تعظيم المجازاة وجزيل المكافاة ويهيجهم الى بدل الموجود والمجهود وادبهم ليستعملوا خواطر الالهام من عقد القلب وتلفظ باللسان ويحذر اولياءه باطلاعه على ضمائرهم وسرائرهم وانه لا يقبل الا من وجه الاخلاص واعلم انه يجازى كلا الفريقين المحسن باحسانه والمسئ بسياته وقال الواسطى اشار به الى قوم لا يضرهم ولا ينفعهم مال ولا بنون اى ان الله يعلمه يعلم من يحتم له بخير.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما} كلمة شرط وهى للعموم {أنفقتم من نفقة} اى أى نفقة كانت فى حق او باطل فى سر أو علانية قليلة او كثيرة {أو نذرتم} النذر عقد الضمير على شىء والتزامه وهو فى الشرع التزام بر له نظيرفى الشرع ولهذا لو نذر سجدة مفردة لا يصح الا ان تكون للتلاوة عند ابى حنيفة واصحابه {من نذر} أى نذر كان فى طاعة او معصية بشرط او بغير شرط متعلق بالمال او بالافعال كالصلاة والصيام ونحوهما {فإن الله يعلمه} الضمير عائد الى ما اى فانه تعالى يجازيكم عليه البتة ان خيرا فخير وان شرا فشر فهو ترغيب وترهيب ووعد ووعيد {وما للظالمين} بالانفاق والنذر فى المعاصى او بمنع الصدقات وعدم الوفاء بالنذور او بانفاق الخبيث او بالرياء والمن والاذى وغير ذلك مما ينتظمه معنى الظلم الذى هو عبارة عن وضع الشىء فى غير موضعه الذى يحق ان يوضع فيه {من أنصار} اى اعوان ينصرونهم من بأس الله وعقابه لا شفاعة ولا مدافعة وايراد صيغة الجمع لمقابلة الظالمين اى وما لظالم من الظالمين من نصير من الانصار.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: النذْر: هو إلزَامُ المكلف نفسه ما لم يَجب، كقوله: لله عليَّ أن أتصدق بكذا، أو أن أصلي كذا، أو أن أصوم كذا، أو إن شفى الله مريضي فعليَّ كذا، فمن نطق بشيء من ذلك لزمه، ومن علق بشيء وحصل ذلك لزمه ما نطق به. و {نعما} أصلها: نِعم ما هي، فأدغمت الميم في الميم، وفي {نعم}: ثلاث لغات: "نعم" بفتح النون وكسر العين وهي الأصل، وبسكونها، وبكسر النون وسكون العين، فمن قرأ بكسر النون والعين، فعلى لغة كسر العين، وأتبع النون للعين، ومن اختلس، أشار إلى لغة السكون، ومن قرأ بفتح النون وكسر العين، فعلى الأصل وأدغم المثلين، ومن قرأ بفتح النون وسكون العين فعلى لغة {نَعْم} بالتفح والسكون، ثم أدغم، ولم يعتبر التقاء الساكنين لعروضه، أو لكون الثاني مُشدَّداً سهل ذلك. والله أعلم. ومن قرأ: {ونكَّفرْ}، بالجزم، فعطف على محل الجزاء، ومن قرأ بالرفع، فعلى الاستئناف، أي: ونحن نكفر، أو: فهو يكفر، على القراءتين. يقوله الحقّ جلّ جلاله: {وما أنفقتم من نفقة} قليلة أو كثيرة، سرّاً أو علانية، في حق أو باطل، {أو نذرتم من نذر} بشرط أو بغير شرط، في طاعة أو معصية، {فإن الله يعلمه}، فيجازيكم عليه، فمن أنفق في طاعة أو نذر قربة كان من المحسنين، ومن أنفق في معصية أو نذر معصية كان من الظالمين. {وما للظالمين من أنصار} ينصرونهم من عذاب الله. {إن} تُظهروا {الصدقات}، مخلصين فيها، {فَنِعِمَّا هي} أي: فنعم شيئاً إبداؤها، ولا سيما للمقتدى به، فهو أفضل في حقه، {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء} خفيه {فهو خير لكم}؛ لأنه أقرب للإخلاص، وهذا في التطوع، تفضل عَلانيتها بسبعين ضعفاً. وأما الفريضة ففيها تفصيل، فمن خاف على نفسه شوْبَ الرياء أخفى أو نَوّب، ومَنْ أَمِنَ أَظْهَر. فقد ورد أن علانية الفريضة تَفْضُلُ سرَّها بخمسة وعشرين ضعفاً، فإن فعلتم ما أُمرتم به في الوجهين، فقد أحسنتم، {ونكفر عنكم من سيئاتكم} أي: نستر عنكم بعض ذنوبكم، وقد ورد في صدقة السر أن صاحبها يُظله الله يوم لا ظل إلا ظله {والله بما تعملون خبير}؛ لا يخف عليه من أَسَرَّ أو جَهَر، ومن أخلص أو خلط، ففيه ترغيب وترهيب. والله تعالى أعلم. الإشارة: معاملة العبد مع مولاه: إما أن تكون لطلب الأجور، وإما لرفع الستور، فالأول يُعطي أجره من وراء الباب، والثاني يدخل مع الأحباب. وأما العامل للدنيا فهو ظالم لنفسه {وما للظالمين من أنصار}، وفي بعض الآثار: طالبُ الدنيا أسير، وطالب الآخرة أجير، وطالب الحق أمير. ثُم الناس في معاملة الحق على أقسام ثلاثة: قِسْمٍ يليق بهم الإخفاء والإسرار، وهم طالبوا الإخلاص من المريدين السائرين. وقسْمٍ يليق بهم الإظهار وهم أهل الاقتداء من العلماء المخلصين. وقسْم لا يقفون مع ظهور ولا خفاء، بل مع ما يبرز في الوقت، وهم العارفون الكاملون. ولذلك قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: (من أحبَّ الظهور فهو عبد الظهور، ومن أحب الخفاء فهو عبد الخفاء، ومن كان عبد الله فسواء عليه أظهره أم أخفاه). والهداية كلها بيد الله، ليس لغيره منها شيء.
الطوسي
تفسير : (ما) في قوله وما أنفقتم بمعنى الذي وما بعده صلتها والعائد إليها الهاء في قوله: {فإن الله يعلمه} لأنها لا يجوز أن تعود على النفقة، لأنها مؤنثة، ولا على النفقة والنذر، لأن ذلك يوجب التثنية. والمراد بالانفاق ها هنا ما يخرجه في طاعة الله: واجباتها ومندوباتها. وقوله: {أو نذرتم من نذر} فالنذر هو عقد الشيء على النفس فعل شيء من البرّ بشرط، ولا ينعقد ذلك إلا بقوله لله عليّ كذا، ولا يثبت بغير هذا اللفظ. وأصل النذر الخوف لأنه يعقد ذلك على نفسه خوف التقصير في الأمر ومنه نذر الدم: العقد على سفكه للخوف من مضرة صاحبه قال الشاعر: شعر : هم ينذرون دمي وأنذر إن لقيت بأن أشدا تفسير : ومنه الانذار: الاعلام بموقع العدو، للخوف منه ليتقى يقال: نذرت النذر أنذره نذراً وجمعه نذور وقوله: {فإن الله يعلمه} معناه يجازي عليه لأنه عالم به، فدل بذكر العلم على تحقيق الجزاء إيجازاً للكلام وقوله {وما للظالمين من أنصار} وعيد للظالمين وهم الفاعلون لضرر يستحق عليه الذم. والمراد بالظالمين ها هنا الذين كانوا انفاقهم على غير الوجه المأذون لهم فيه من رباً أو ضرار أو شقاق أو من مال مغصوب أو مأخوذ من غير وجهه. وسمي ذلك ظلماً، لأنه وضع فيه في غير موضعه، والأنصار جمع نصير مثل شريف وأشراف، وباب فعيل يجمع على فعلاء مثل عليم وعلماء وكريم وكرماء، وقد ورد فيه فعال مثل نصير ونصار. والنصير: هو المعين على العدو، فعلى هذا لا تدل الآية على أنه لا شفاعة لمرتكبي الكبائر لأن أحداً لا يقول أن لهم معيناً على عدوهم بل إنما نقول لهم من يسأل في بابهم على وجه التضرع ولا يسمى ذلك نصر على حال.
الجنابذي
تفسير : {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ} ممّا يطلق عليه اسم النّفقة قليلاً كان ام كثيراً فى حقّ ام باطل صحيحاً او فاسداً مبطلاً او مبقىً سرّاً او علانيةً {أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ} كذلك تجزوا به {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ} ويقدر على المجازاة ولا مانع من مجازاته {وَمَا لِلظَّالِمِينَ} اى مانعى الحقوق من اهاليها ومعطيها لغير اهاليها فى الانفاق والنّذر او فى مطلق الموارد ومنها الانفاق والنّذر {مِنْ أَنْصَارٍ} يدفعون عقوبة الله عنهم.
اطفيش
تفسير : {وَمَا أنْفَقْتُم مِنْ نَفَقةٍ}: أكدَّ عموم النفقة بمن كأنهُ قال: نفقة قليلة أو كثيرة، جيدة أو ردية، حلال أو حرام، واجبة أو نافلة، أنفقتموها فى حلال أو حرام، جهراً أو سرا أو ذلك أن ما شرطية، والشرط يشبه النفى، لأنه تعليق لا إخبار بوقوع، فالوقوع غير محقق بحسب ظاهر الشرط، ومن بعد النفى تزيد العموم، فعلى كون من مؤكدة يكون نفقة بدلا من ماء، وما مفعول لأنفقتم، والمشهور أن من فى مثل ذلك للبيان، ومع ذلك تزيد العموم أيضا كأنهُ قيل بها أى شئ يسمى نفقة. {أوْ نَذَرْتُم مّنْ نَذْرٍ}: نذرراً منجزاً غير معلق بشئ مثل أنْ يقول لله عليه صوم شهر، و معلقا بشرط مثل أن يقول لله على كذا إن كان كذا أو إن لم يكن كذا، ويجب الوفاء فيهما بغير عصيان. وقيل: لا يجب الوفاء إن لم يعلق، ومن نذر بمعصية وجب أن يحنث نفسه، ولزمته الكفارة بحنثه، وقيل تركها كفارة، وللنذر تقسيم آخر مفسر وغير مفسر، فالمفسر أن يقول: لله علىّ عتق رقبة أو حج أو نحو ذلك، وغير المفسر أن يقول: نذرت لله ألا أفعل كذا أو أن أفعل كذا، أو لله علىّ نذر. وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : مَنْ نذر نذراً فسمى فعليه ما سمى، وممن نذر نذراً ولم يسم فعليه كفارة يمين"تفسير : ، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من نذر نذرا لم يسمه فكفارتهُ كفارة يمين، ومن نذر نذرا فى معصية فكفارته تركه، ومن نذر نذراً فأطاقهُ فليف به"تفسير : : وفى رواية: "حديث : ومن نذر نذارا فى معصية فكفارته كفارة يمين"تفسير : وعنه صلى الله عليهِ وسلم: "حديث : لا نذر فى معصية ولا فى ما لا يملك ابن آدم"تفسير : ، وذلك شامل لنوعين أن يعد فعل المعصية أو يعد فعل غيرها إن كان كذا وكذا من المعصية، وعن عائشة رضى الله عنها: "حديث : من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصيه"تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : النذر لا يقرب من ابن آدم شيئاً لم يكن الله قدره لهُ، ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل شيئاً لم يرد البخيل أن يخرج"تفسير : رواه أبو هريرة، وروى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن النذر وقال: "حديث : إنه لا يأتى بخير، وإنما يستخرج به من البخيل"تفسير : وإنما نهى لأنه يأتى بالعبادة المنذر ربها تكلفا لا نشاطا أو معاوضة، ولا إخلاص فى ذلك، وقيل: لأن الجاهل يظن به أنهُ يرد القدر كما يناسب ذلك قولهُ:{أية : لا يأتى بخير}،تفسير : والآية تدل على مدح النذر إذا أو فى به خالصه من طيب، وكذا مدحه بقوله: {يوفون بالنذر}، فكيف ينهى عنه؟ الجواب: أن المنهى عنهُ ما فيهِ ظنٍ رد القدر أو الممدوح الوعد بالطاعة بلا تعليق. {فإنَّ اللّهَ يَعْلمهُ}: فيجازى به خيراً إن كان فى طاعة وشرَّا إن كان فى معصية، فالآية وعد وتوكيد على الصدقة، التى على وجهها، ووعيد على المعصية فيها بإنفاق أو نذر فى معصية أو بمعصية، أو برياء أو منّ أو أذى، وإنما أفرد الضمير مع ذكر الإنفاق والنذر معا لأنه عائد إلى ما الصادقة على المنفق بفتح الفاء، والمنذور به على سبيل البدلية لا الشمول، كما يدل له لفظ أو، والحاصل أنه لم يذكر من اسماء التى يعود إليها الضمير من الجواب إلا واحدا وهو ما ولم يعطف على ما شئ حتى لو كان العطف بالواو هنا لصح الإفراد أيضا، إذ ليس العطف على ما فتبين لك ضعف ما يقال: إن الإفراد للعطف بأو، لأن محل الإفراد مع أو هو أن يتعدد ما يرجع إليه الضمير، مثل زيد أو عمرو قائم، ولم يتعدد هنا إذا لم يقل ما أنفقتم نفقة أو ما نذرتم من نذر حتى لو قيل يعلمهما برد الضمير لقوله: {نفقة} وقوله:{نذر} لكان الضمير عائد إلى غير ما لكن إلى بيانها، وقيل الضمير لنذر ويقدر للنفقة، أى وما أنفقتم من نفقة فإن الله يعلمها أو يعلمهُ بعوده إلى ما، أو ما نذرتم من نذر فإن الله يعلمهُ. {وَما للظالمِينَ}: لأنفسهم أو لها ولغيرها فى إنفاقهم بالمنّ والأذى، أو بالرئاء أو فى المعاصى، أو بإنفاق الحرام، أو بصرف الصدقة الواجبة عن مستحقها، أو بمنع الإنفاق الواجب، وعدم الوفاء بالنذر. {مِنْ أنْصارٍ}: يمنعونهم من عقاب الله، جميع نصير كشريف وأشراف وحبيب وأحباب.
اطفيش
تفسير : {وَمَآ أَنْفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ} قليلة أو كثيرة، فريضة أو نافلة، سرا أو علانية، فى طاعة أو معصية أو مكروه، بشرط أو بلا شرط، بنية أو إهمال، وفى ذكر النفقة مناسبة لما قبل {أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ} قليل أو كثير... الخ، ما مر ولو ببدن، ولا سيما وفاؤكم به، أو يقدر، ووفيتم به، أو النذر عبارة عن الوفاء به لعلاقة اللزوم والتسبب {فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ} لا يفوتكم ثواب ذلك، أو عقابه، أو بطلانه. لا لكم ولا عليكم، أو يعلم بمعنى يجازى، والهاء عائدة إلى ما الشاملة لكل ما ذكر على سبيل البدلية، وأيضاً العطف بأو يقتضى الإفراد. ولو عادت إلى نذر لجاز، ويلتحق به النفقة، فيكون كقوله تعالى: "أية : خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ"تفسير : [النساء: 112]، وجاز عود الهاء فى الآيتين لأحد الاثنين، وورد مراعاة الأول، ويلتحق به الثانى، كقوله تعالى: {تجارة أو لهواً انفضوا إليها} {وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ} بترك الواجب، أو بالإنفاق فى المعصية، أو بترك الإنفاق، إنكاراً ليوم الجزاء، ومن الواجب الوفاء بنذر مباح فيه نفع لخلق الله، ولو لم ينو طاعة، ومن ترك الواجب وضعه فى غير محله، والمراد من ذكر فى الآية، والعموم أولى {مِنْ أَنْصَارٍ} يمنعونه مما يحيق عليه من العقاب.
الالوسي
تفسير : {وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ} قليلة أو كثيرة سراً أو علانية في حق أو باطل، فالآية بيان لحكم كلي شامل/ لجميع أفراد النفقات أو ما في حكمها إثر بيان حكم ما كان منها في سبيل الله تعالى {أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ} متعلق بالمال أو بالأفعال بشرط أو بغير شرط في طاعة أو معصية، والنذر عقد القلب على شيء والتزامه على وجه مخصوص قيل: وأصله الخوف لأن الشخص يعقد ذلك على نفسه خوف التقصير أو خوف وقوع أمر خطير ومنه نذر الدم وهو العقد على سفكه للخوف من مضرة صاحبه قال عمرو بن معدى كرب:شعر : هم (ينذرون دمي) وأنـ ـذر إن لقيت بأن أشدا تفسير : وفعله كضرب ونصر، وعن يونس فيما حكاه الأخفش تقول العرب: نذر على نفسه نذراً ونذرت مالي فأنا أنذره نذراً {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ} كناية عن مجازاته سبحانه عليه وإلا فهو معلوم، والفاء داخلة في الجواب إن كانت {مَا} شرطية وصلة في الخبر إن كانت موصولة وتوحيد الضمير مع أن متعلق العلم متعدد لاتحاد المرجع بناءاً على كون العطف بكلمة أو وهي لأحد الشيئين، وقال ابن عطية: إن التوحيد باعتبار المذكور وكأنه لم يعتبر المذكور لاعتبار المرجع النفقة والنذر المذكورين دون المصدرين المفهومين من فعليهما وهما المتعاطفان ـ بأو دونهما، وعلى تسليم أن عطف الفعلين مستلزم لعطفهما لا ينبغي اعتبارهما أيضاً لأن الضمير مذكر قطعاً وهما مذكر ومؤنث، واعتبار أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح ولا يخفى ما فيه فإن مثل هذا الضمير قد يعتبر فيه حال المقدم مراعاة للأولية كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا}تفسير : [الجمعة: 11] وقد يعتبر فيه حال المؤخر مراعاة للقرب كما في قوله تعالى: {أية : وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً} تفسير : [النساء: 112] وكل منهما سائغ شائع في الفصيح وما نحن فيه من الثاني إن اعتبر المذكور صريحاً والتزام التأويل في جميع ما ورد تعسف مستغنى عنه كما لا يخفى، نعم جوز إرجاع الضمير إلى {مَا} لكن على تقدير كونها موصولة كما قاله غير واحد. {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ} أي الواضعين للأشياء في غير مواضعها التي يحق أن توضع فيها فيشمل المنفقين بالرياء والمنّ والأذى والمتحرين للخبيث في الإنفاق والمنفقين في باطل والناذرين في معصية والممتنعين عن أداء ما نذروا في حق والباخلين بالصدقة مما آتاهم الله تعالى من فضله، وخصهم أبو سليمان الدمشقي بالمنفقين بالمنّ والأذى والرياء والمبذرين في المعصية؛ ومقاتل بالمشركين ولعل التعميم أولى {مِنْ أَنصَارٍ} أي أعوان ينصرونه من بأس الله تعالى لا شفاعة ولا مدافعة وهو جمع نصير ـ كحبيب، وأحباب ـ أو ناصر ـ كشاهد وأشهاد ـ والإتيان به جمعاً على طريق المقابلة فلا يرد أن نفي الأنصار لا يفيد نفي الناصر وهو المراد. والقول ـ بأن هذا إنما يحتاج إليه إذا جعلت {مِنْ} زائدة ولك أن تجعلها تبعيضية أي شيء من الأنصار ليس بشيء كما [لا] يخفى والجملة استئناف مقرر للوعيد المشتمل عليه مضمون ما قبله، ونفي أن يكون للظالم على رأي مقاتل ناصر مطلقاً ظاهر، وأما على تقدير أخذ المظالم عاماً أو خاصاً بما قاله أبو سليمان فيحتاج إلى القول بأن الآية خارجة مخرج الترهيب لما أن العاصي غير المشرك كيف ما كانت معصيته يجوز أن يكون له ناصر يشفع له عند ربه. واستدل بالآية على مشروعية النذر والوفاء به ما لم يكن معصية وإلا فلا وفاء، فقد أخرج النسائي عن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : النذر نذران فما كان من نذر في طاعة الله تعالى فذلك لله تعالى وفيه الوفاء وما كان من نذر في معصية الله تعالى فذلك للشيطان ولا وفاء فيه، وَيُكَفِّرُه ما يكفر اليمين» تفسير : وتفصيل الكلام في النذر يأتي بعد إن شاء الله تعالى.
ابن عاشور
تفسير : تذييل للكلام السابق المسوقِ للأمر بالإنفاق وصفاته المقبولَة والتحذير من المثبّطات عنه ابتداء من قوله: { أية : يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيّبات ما كسبتم وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ } تفسير : [البقرة: 267]. والمقصود من هذا التذييل التذكير بأنّ الله لا يخفى عليه شيء من النفقات وصفاتها، وَأدْمج النذر مع الإنفاق فكان الكلام جديراً بأن يكون تذييلاً. والنذر التزام قربة أو صدقة بصيغة الإيجاب على النفس كقوله عليّ صدقة وعليّ تجهيز غاز أو نحو ذلك، ويكون مطلَقاً ومعلَّقاً على شيء. وقد عرفت العرب النذر من الجاهلية، فقد نذر عبدُ المطلب أنّه إن رُزق عشرة أولاد ليذبحنّ عاشرهم قرباناً للكعبة، وكان ابنُه العاشر هو عبد الله ثاني الذبيحين، وأكرِم بها مزيةً، ونذرت نُتَيلةُ زوج عبد المطلب ــــــ لما افتقدت ابنها العباسَ وهو صغير ــــــ أنّها إن وجدته لتَكْسُوَنّ الكعبة الديباج ففعلت. وهي أول من كسا الكعبة الديباج. وفي حديث البخاري أنّ عمر بن الخطاب قال: « حديث : يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال أوْفِ بنذرك ». تفسير : وفي الأمم السالفة كان النذر، وقد حكى الله عن امرأة عمران { أية : إنّي نذرت لك ما في بطني محرّرا } تفسير : [آل عمران: 35]. والآية دلّت على مشروعيته في الإسلام ورجاء ثوابه، لعطفه على ما هو من فعل الخير سواء كان النذر مطلقاً أم معلّقاً، لأنّ الآية أطلقت، ولأنّ قوله: {فإن الله يعلمه} مراد به الوعد بالثواب. وفي الحديث الصحيح عن عمر وابنه عبد الله وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : أنّ النذر لا يُقدِّم شيئاً ولا يؤخّر، ولا يردّ شيئاً ولا يأتي ابن آدم بشيء لم يكن قُدر له، ولكنّه يُستخرج به من البَخيل ». تفسير : ومَساقه الترغيب في النذر غير المعلّق لا إبطال فائدة النذر. وقد مدح الله عباده فقال: { أية : يوفون بالنذر } تفسير : [الإنسان: 7]. وفي «الموطأ» عن النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : من نَذر أن يطيعَ الله فليُطِعْه ومن نذر أن يعصِيَ الله فلا يْعْصِه ». تفسير : و(مِن) في قوله: {من نفقة} و {من نذر} بيان لما أنفقتم ونذرتم، ولما كان شأن البيان أن يفيد معنى زائداً على معنى المبيَّن، وكان معنى البيان هنا عين معنى المبيّن، تعيّن أن يكون المقصود منه بيان المنفَق والمنذور بما في تنكير مجروري (مِنْ) من إرادة أنواع النفقات والمنذورات فأكّد بذلك العمومِ ما أفادته ما الشرطيةُ من العموم من خير أو شر في سبيل الله أو في سبيل الطاغوت، قال التفتازاني: «مِثْل هذا البيان يكون لتأكيد العموم ومنع الخصوص». وقوله: {فإن الله يعلمه} كناية عن الجزاء عليه لأنّ علم الله بالكائنات لا يَشُك فيه السامعون، فأريد لازم معناه، وإنّما كان لازماً له لأنّ القادر لا يصدّه عن الجزاء إلاّ عدم العلم بما يفعله المحسن أو المسيء. {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}. هذا وعيد قوبل به الوعد الذي كنّي عنه بقوله: {فإن الله يعلمه}، والمراد بالظالمين المشركون علنا والمنافقون، لأنّهم إن منعوا الصدقات الواجبة فقد ظلموا مصارفها في حقّهم في المال وظلموا أنفسهم بإلقائها في تبعات المنع، وإن منعوا صدقة التطوُّع فقد ظلموا أنفسهم بحرمانها من فضائل الصدقات وثوابها في الآخرة. والأنصار جمع نصير، ونفي الأنصار كناية عن نفي النصر والغوث في الآخرة وهو ظاهر، وفي الدنيا لأنّهم لما بخلوا بنصرهم الفقير بأموالهم فإنّ الله يعدمهم النصير في المضائق، ويقسي عليهم قلوب عباده، ويلقي عليهم الكراهية من الناس.
الواحدي
تفسير : {وما أنفقتم من نفقة} أدَّيتم من زكاة {أو نذرتم من نذر} في صدقة التَّطوُّع، أَيْ: نويتم أن تصَّدَّقوا بصدقة {فإن الله يعلمه} يجازي عليه {وما للظالمين من أنصار} وعيدٌ لمَنْ أنفق في غير الوجه الذي يجوز له من رياءٍ أو معصيةٍ، أو من مال مغصوبٍ. {إنْ تبدوا الصدقات...} الآية. سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: صدقة السرِّ أفضلُ أم صدقة العلانيَة؟ فنزلت هذه الآية، والمفسرون على أنَّ هذه الآية في التَّطوُّع لا في الفرض، فإِنَّ الفرضَ إظهاره أفضل، وعند بعضهم الآية عامَّةٌ في كلِّ صدقةٍ، وقوله: {ويكفر عنكم من سيئاتكم} أَيْ: يغفرها لكم، و "مِنْ" للصلة والتأكيد. {ليس عليك هداهم} نزلت حين سألت قُتيلة أمُّ أسماء بنت أبي بكر ابنتها أن تعطيها شيئاً وهي مشركةٌ، فأبت وقالت: حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية. والمعنى: ليس عليك هُدى مَن خالفك فمنعهم الصَّدقة ليدخلوا في الإسلام {وما تنفقوا من خيرٍ} أَيْ: مالٍ: {فلأنفسكم} ثوابه {وما تنفقون إلاَّ ابتغاء وجه الله} خبرٌ والمراد به الأمر. وقيل: هو خاصٌّ في المؤمنين، أَي: قد علم الله ذلك منكم {وما تنفقوا من خيرٍ} [من مالٍ على فقراء أصحاب الصُّفَّة]. {يوفَّ لكم} أًيْ: يوفَّر لكم جزاؤه {وأنتم لا تظلمون} أَيْ: لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: من نفقة: يريد قليلة أو كثيرة من الجيد أو الرديء. من نذر: النذر التزام المؤمن بما لم يلزمه به الشارع، كأن يقول: لله عليَّ أن أتصدق بألف؛ أو أصوم شهراً أو أصلي كذا ركعة أو يقول: إن حصل لي كذا من الخير أفعل كذا من الطاعات. إن تبدو الصدقات: أي تظهروها. فنعما هي: فنعم تلك الصدقة التي أظهرتموها ليُقْتَدى بكم فيها. ويكفر عنكم من سيئاتكم: يكفر بمعنى يسترها ولا يطالب بها، ومن للتبعيض إذ حقوق العباد لا تكفرها الصدقة. معنى الآية الكريمة: بعدما دعا تعالى عباده إلى الإِنفاق في الآية السابقة أخبر تعالى أنه يعلم ما ينفقه عباده فإن كان المُنْفَق جيداً صالحاً يعلمه ويجزي به وإن كان خبيثاً رديئاً يعلمه ويجزي به وقال تعالى مخاطبا عباده المؤمنين: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ} فما كان مبتغىً به وجه الله ومن جيد المال فسوف يكفر به السيئات ويرفع به الدرجات، وما كان رديئاً ونذراً لغير الله تعالى فإن أهله ظالمون وسَيُغْرمون أجر نفقاتهم ونذورهم لغير الله ولا يجدون من يثيبهم على شيء منها لأنهم ظالمون فيها حيث وضعوها في غير موضعها، {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}. هذا ما تضمنته الآية الأولى [270]. أما الآية الثانية [271] فقد أعلم تعالى عباده المؤمنين أن ما ينفقونه لوجهه ومن طيب أموالهم علناً وجهرة هو مال رابح، ونفقة مقبولة، يثاب عليها صاحبها، إلا أنّ ما يكون من تلك النفقات سراً ويوضع في أيدي الفقراء يكون خيراً لصاحبه لبعده من شائبة الرياء، ولإكرام الفقراء، وعدم تعريضهم لمذلة التصدق عليهم وأنه تعالى يكفِّر عن المنفقين سيئاتهم بصدقاتهم، وأخبر أنه عليم بأعمالهم فكان هذا تطميناً لهم على الحصول على أجور صدقاتهم، وسائر أعمالهم الصالحة. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- الترغيب في الصدقات ولو قلّت والتحذير من الرياء فيها وإخراجها من رديء الأموال. 2- جواز إظهار الصدقة عند سلامتها من الرياء. 3- فضل صدقة السرّ وعظم أجرها، وفي الحديث الصحيح: "حديث : ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"تفسير : . ذكر من السبعة الذين يظلهم الله بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
القطان
تفسير : النذر: التزام طاعة يتقرب بها العبد الى الله. الكلام هنا عام في جميع أنواع النفقات وأعمال الخير، والنذور، ومعناه: ان أي نفقة من طرفكم في الخير أو الشر، ما أوجبتم على أنفسكم من النذور تقربا الى الله ـ يعلمه الله، ويجازي عليه إن خيراً فخير، وان شرا فشر. ونحن نقول: أما من كانت نفقته وصدقته رياء للناس، ونذوره للشيطان ـ فان الله يجازيه بالذي أوعده من العذاب، وما للظالمين من اعوان ينصرونهم يوم القيامة. والنذر فيما حرّمه الله لا يجوز، فمن نذرَ فعل معصية حَرُمَ عليه عملها.. فلقد اخرج النسائي عن عمران بن الحصين عن رسول الله انه قال: "حديث : النذر نذران: فما كان من نذر في طاعة الله تعالى فذلك لله وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية الله تعالى فذلك للشيطان ولا وفاء فيه، ويكفّره ما كفر اليمين ".
د. أسعد حومد
تفسير : {لِلظَّالِمِينَ} (270) - إنَّ اللهَ يَعْلَمُ جَميعَ مَا يَفْعَلُهُ العِبَادُ العَامِلُونَ مِنَ النَّفَقَاتِ وَالمَنْذُوراتِ، وَهُوَ يُجَازِي مَنْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِم الكَرِيمِ، أفْضَلَ الجَزَاءِ وَأكْرَمَهُ. أمَّا الظَّالِمُونَ الذِينَ يُخَالِفُونَ أمْرَ اللهِ، وَيُكَذِّبُونَ بِآيَاتِهِ وَأَخْبَارِهِ، وَيَعْبُدُونَ مَعَهُ آلِهَةً وَيَتَصَدَّقُونَ لِلرِّيَاءِ، أوْ يُؤْذُونَ مَنْ أَعْطَوْهُمُ الصَّدَقَاتِ ... فَهؤُلاءِ لَيْسَ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ يُنْقِذُهُمْ مِنْ عَذابِ اللهِ وَنَقْمَتِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقد عرفنا النفقة من قبل، فما هي مسألة النذر؟. إن النذر هو أن تُلزم نفسك بشيء من جنس ما شرع الله فوق ما أوجب الله. فإذا نذرت أن تصلي لله كل ليلة عدداً من الركعات فهذا نذر من جنس ما شرع الله؛ لأن الله قد شرع الصلاة وفرضها خمسة فروض، فإن نذرت فوق ما فرضه الله فهذا هو النذر. ويقال في الذي ينذر شيئاً من جنس ما شرع الله فوق ما فرضه الله: إن هذا دليل على أن العبادة قد حَلَتَ له، فأحبها وعشقها، ودليل على أنه قارب أن يعرف قدر ربه؛ وأن ربه يستحق منه فوق ما افترضه عليه، فكأن الله في افتراضه كان رحيماً بنا، لأنه لو فُرض ما يستحقه منا لما استطاع واحد أن يفي بحق الله. إذن فعندما تنذر أيها العبد المؤمن نذراً، فإنك تُلزم نفسك بشيء من جنس ما شرع الله لك فوق ما فرض الله عليك. وأنت مخير أن تقبل على نذر ما، أو لا تقبل. لكن إن نطقت بنذر فقد لزم. لماذا؟ لأنك ألزمت نفسك به. ولذلك فمن التعقل ألا يورط الإنسان نفسه ويسرف في النذر، لأنه في ساعة الأداء قد لا يقدر عليه. وأهل القرب من الله يقولون لمن يخل بالنذر بعد أن نذر: هل جربت ربك فلم تجده أهلاً لاستمرار الود. وليس فينا من يجرؤ على ذلك؛ لأن الله أهل لعميق الود. ولهذا فمن الأفضل أن يتريث الإنسان قبل أن ينذر شيئاً. ونقف الآن عند تذييل الآية: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [البقرة: 270]. إن الظالمين هم من ظلموا أنفسهم؛ لأن الحق عرفنا أن ظلم الإنسان إنما يكون لنفسه، وقال لنا: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}تفسير : [يونس: 44]. ومن أشد الظلم للنفس الإنفاق رياءً، أو الإنفاق في المعاصي، أو عدم الوفاء بالنذر، فليس لمن يفعل ذلك أعوان يدفعون عنه عذاب الله في الآخرة. ويقول الحق من بعد ذلك: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لا تزال الآيات تتحدث عن الإِنفاق في وجوه البر والخير، وأعلاها الجهاد في سبيل الله والإِنفاق لإِعلاء كلمته، وترغّب في إخفاء الصدقات لأنها أبعد عن الرياء، فوجه المناسبة ظاهر. اللغَة: {فَنِعِمَّا} أصلها "نعم ما" أدغمت الميمان فصارت نعمّا قال الزجاج: أي نعم الشيء هو {أُحصِرُواْ} الحصر: الحبس أي حبسوا أنفسهم على الجهاد وقد تقدم معنى الحصر {ٱلتَّعَفُّفِ} من العفة يقال: عفّ عن الشيء أمسك عنه وتنزّه عن طلبه والمراد التعفف عن السؤال {بِسِيمَاهُمْ} السِّيما: العلامة التي يعرف بها الشيء ويقال: سيمياء كالكيمياء وأصلها من السّمة بمعنى العلامة قال تعالى {أية : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} تفسير : [الفتح: 29] {إِلْحَافاً} الإِلحاف: الإِلحاح في السؤال يقال: ألحف: إِذا ألحَّ ولجَّ في السؤال والطلب. سَبَبُ النّزول: عن سعيد بن جبير أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تتصدقوا إِلا على أهل دينكم" تفسير : فنزلت هذه الآية {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} مبيحةً للصدقة على من ليس من دين الإِسلام. التفسِير: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ} أي ما بذلتم أيها المؤمنون من مال أو نذرتم من شيء في سبيل الله فإِن الله يعلمه ويجازيكم عليه {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} أي وليس لمن منع الزكاة أو صرف المال في معاصي الله، من معين أو نصير ينصرهم من عذاب الله {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} أي إِن تظهروا صدقاتكم فنعم هذا الشيء الذي تفعلونه {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي وإِن تخفوها وتدفعوها للفقراء فهو أفضل لكم لأن ذلك أبعد عن الرياء {وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ} أي يزيل بجميل أعمالكم سيء آثامكم {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي هو سبحانه مطلع على أعمالكم يعلم خفاياكم، والآية ترغيب في الإِسرار {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} أي ليس عليك يا محمد أن تهدي الناس فإِنك لست بمؤاخذ بجريرة من لم يهتد، إِنما أنت ملزم بتبليغهم فحسب، والله يهدي من شاء من عباده إِلى الإِسلام {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ} أي أيّ شيء تنفقونه من المال فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم لأن ثوابه لكم {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ} خبرٌ بمعنى النهي أي لا تجعلوا إِنفاقكم إِلا لوجه الله لا لغرضٍ دنيوي {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} أي فإِن أجره وثوابه أضعافاً مضاعفة تنالونه أنتم ولا تنقصون شيئاً من حسناتكم {لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي اجعلوا ما تنفقونه للفقراء الذين حبسوا أنفسهم للجهاد والغزو في سبيل الله {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ} أي لا يستطيعون بسبب الجهاد السفر في الأرض للتجارة والكسب {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ} أي يظنهم الذي لا يعرف حالهم أغنياء موسرين من شدة تعففهم {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} أي تعرف حالهم أيها المخاطب بعلامتهم من التواضع وأثر الجهد، وهم مع ذلك لا يسألون الناس شيئاً أصلاً فلا يقع منهم إِلحاح وقيل معناه: إِن سألوا سألوا بلطفٍ ولم يلحّوا {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} أي ما أنفقتموه في وجوه الخير فإِن الله يجازيكم عليه أحسن الجزاء {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} أي الذين ينفقون في سبيل الله ابتغاء مرضاته، في جميع الأوقات، من ليل أو نهار، وفي جميع الأحوال من سر وجهر {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي لهم ثواب ما أنفقوا ولا خوف عليهم يوم القيامة ولا هم يحزنون على ما فاتهم في الدنيا. البَلاَغَة: 1- {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ} بين أنفقتم ونفقة جناس الاشتقاق وكذلك بين نذرتم ونذر. 2- {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ} في الإِبداء والإِخفاء طباق لفظي، وكذلك بين لفظ "الليل والنهار" و "السر والعلانية" وهو من المحسنات البديعية. 3- {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} إطناب لورودها بعد قوله {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} الذي معناه يصلكم وافياً غير منقوص. فَائِدَة: قال بعض الحكماء: إِذا اصطنعت المعروف فاستره، وإِذا اصطُنع إِليك فانشره وأنشدوا: شعر : يُخفي صنائعه والله يُظهرها إِن الجميل إِذا أخفيتَه ظهرا
الجيلاني
تفسير : {وَ} اعلموا أيها المؤمنون أن {مَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ} يؤدي على الإنفاق في سبيل الله {فَإِنَّ ٱللَّهَ} الناظر لعباده في كل الأمور {يَعْلَمُهُ} يعلمه الحضوري، ويجازي عليه بأضعافه {وَمَا لِلظَّالِمِينَ} المجاوزين عن حدوده، بمتابعة الشيطان المضل عن سبيل الله {مِنْ أَنْصَارٍ} [البقرة: 270] ينصرهم عند انتقام الله على ما صدر عنهم من الفسوق والعصيان، والتبذيرات الواقعة فيها. {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ} أيها المؤمنون وتظهروها {فَنِعِمَّا هِيَ} أي: نعم شيئاً إبداؤها عند الله وعند المؤمنين {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا} أي: تعطوها خفية من الناس {ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} من إبدائها لعرائها عن وصمة الرياء، وعن ثوب المن والأذى، وعن لحوق العار على الفقراء {وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ} لستركم ذاته الفقراء الذين يذلون عند أخذها منكم {وَٱللَّهُ} المجازي لكم {بِمَا تَعْمَلُونَ} من الخيرات {خَبِيرٌ} [البقرة: 271] يكفيكم خبرته بمجازاتكم عليه. ثم قال سبحانه مخاطباً لنبيه كلاماً خالياً عن السترة، ناشئاً عن عين الحكمة: {لَّيْسَ عَلَيْكَ} يا أكمل الرسل {هُدَاهُمْ} أي: أن تجعلهم مهديين إلى طريق الحق، بل ما عليك إلا الإرشاد والتنبيه على مسالك التوحيد، والترغيب على محاسن الأوامر المتعلقة به، والترهيب عن مفاتح المناهي المنافية له {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ} الهادي للكل {يَهْدِي} بتوفيقه {مَن يَشَآءُ} من عباده إلى صراطه لتوصلهم إلى بابه {وَ} قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا: {مَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} صدقة أو نذر {فَلأَنْفُسِكُمْ} أي: فهو لكم ونفعاه من نفعكم وانتفاعكم. {وَ} قل لهم أيضاً: خير إنفاقكم أنكم {مَا تُنْفِقُونَ} شيئاً {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ} طالباً لرضاه، شاكراً لنعمه، عارياً عما يشغلكم عن الحق، مائلاً عن مطلق الجزاء؛ إذ لا جزاء أعظم من مطالعة وجهه الكريم {وَ} اعلموا أن {مَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} على هذه الوجه {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} جزاؤه فوق ما يصفه ألسنة مصنوعاته أو يدرك عقولهم {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272] لا تنقصون وتخسرون في هذه المعاملة مع الله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا فيه المجازاة على النفقات، واجبها ومستحبها، قليلها وكثيرها، التي أمر الله بها، والنذور التي ألزمها المكلف نفسه، وإن الله تعالى يعلمها فلا يخفى عليه منها شيء، ويعلم ما صدرت عنه، هل هو الإخلاص أو غيره، فإن صدرت عن إخلاص وطلب لمرضاة الله جازى عليها بالفضل العظيم والثواب الجسيم، وإن لم ينفق العبد ما وجب عليه من النفقات ولم يوف ما أوجبه على نفسه من المنذورات، أو قصد بذلك رضى المخلوقات، فإنه ظالم قد وضع الشيء في غير موضعه، واستحق العقوبة البليغة، ولم ينفعه أحد من الخلق ولم ينصره، فلهذا قال: { وما للظالمين من أنصار } .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):