٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
271
Tafseer
الرازي
تفسير : إعلم أنه تعالى بيّن أولاً: أن الانفاق منه ما يتبعه المن والأذى، ومنه ما لا يكون كذلك، وذكر حكم كل واحد من القسمين، ثم ذكر ثانياً: أن الانفاق قد يكون من جيد ومن رديء، وذكر حكم كل واحد من القسمين، وذكر في هذه الآية أن الانفاق قد يكون ظاهراً وقد يكون خفياً، وذكر كل واحد من القسمين، فقال: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية فنزلت هذه الآية. المسألة الثانية: الصدقة تطلق على الفرض والنفل قال تعالى: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ } تفسير : [التوبة: 103] وقال: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاء } وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : نفقة المرء على عياله صدقة» تفسير : والزكاة لا تطلق إلا على الفرض، قال أهل اللغة أصل الصدقة «ص د ق» على هذا الترتيب موضوع للصحة والكمال، ومنه قولهم: رجل صدق النظر، وصدق اللقاء، وصدقوهم القتال، وفلان صادق المودة، وهذا خل صادق الحموضة، وشيء صادق الحلاوة، وصدق فلان في خبره إذا أخبر به على الوجه الذي هو عليه صحيحاً كاملاً، والصديق يسمى صديقاً لصدقه في المودة، والصداق سمي صداقاً لأن عقد النكاح به يتم ويكمل، وسمى الله تعالى الزكاة صدقة لأن المال بها يصح ويكمل، فهي سبب إما لكمال المال وبقائه، وإما لأنه يستدل بها على صدق العبد في إيمانه وكماله فيه. المسألة الثالثة: الأصل في قوله {فَنِعِمَّا } نعم ما، إلا أنه أدغم أحد الميمين في الآخر، ثم فيه ثلاثة أوجه من القراءة: قرأ أبو عمرو وقالون وأبو بكر عن عاصم {فَنِعِمَّا } بكسر النون وإسكان العين وهو اختيار أبي عبيد، قال: لأنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لعمرو بن العاص: «حديث : نعما بالمال الصالح للرجل الصالح» تفسير : هكذا روي في الحديث بسكون العين، والنحويون قالوا: هذا يقتضي الجمع بين الساكنين، وهو غير جائز إلا فيما يكون الحرف الأول منهما حرف المد واللين، نحو: دابة وشابة، لأن ما في الحرف من المد يصير عوضاً عن الحركة، وأما الحديث فلأنه لما دل الحس على أنه لا يمكن الجمع بين هذين الساكنين علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تكلم به أوقع في العين حركة خفيفة على سبيل الاختلاس والقراءة الثانية قرأ ابن كثير ونافع برواية ورش وعاصم في رواية حفص {فَنِعِمَّا هِىَ } بكسر النون والعين وفي تقريره وجهان أحدهما: أنهم لما احتاجوا إلى تحريك العين حركوها مثل حركة ما قبلها والثاني: أن هذا على لغة من يقول {نِعْمَ } بكسر النون والعين، قال سيبويه: وهي لغة هذيل، القراء الثالثة وهي قراءة سائر القرّاء {فَنِعِمَّا هِىَ } بفتح النون وكسر العين، ومن قرأ بهذه القراءة، فقد أتى بهذه الكلمة على أصلها وهي {نِعْمَ } قال طرفة:شعر : نعـم الساعـون في الأمـر الميـر تفسير : المسألة الرابعة: قال الزجاج: ما في تأويل الشيء، أي نعم الشيء هو، قال أبو علي الجيد: في تمثيل هذا أن يقال: ما في تأويل شيء، لأن ما هٰهنا نكرة، فتمثيله بالنكرة أبين، والدليل على أن ما نكرة هٰهنا أنها لو كانت معرفة فلا بد لها من الصلة، وليس هٰهنا ما يوصل به، لأن الموجود بعد ما هو هي، وكلمة هي مفردة والمفرد لا يكون صلة لما وإذا بطل هذا القول فنقول: ما نصب على التمييز، والتقدير: نعم شيئاً هي إبداء الصدقات، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه. المسألة الخامسة: اختلفوا في أن المراد بالصدقة المذكورة في هذه الآية: التطوع، أو الواجب، أو مجموعهما. فالقول الأول: وهو قول الأكثرين: أن المراد منه صدقة التطوع، قالوا: لأن الإخفاء في صدقة التطوع أفضل، والإظهار في الزكاة أفضل، وفيه بحثان: البحث الأول: في أن الأفضل في إعطاء صدقة التطوع إخفاؤه، أو إظهاره، فلنذكر أولاً الوجوه الدالة على إخفاءه أفضل فالأول: أنها تكون أبعد عن الرياء والسمعة، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يقبل الله مسمع ولا مراء ولا منان» تفسير : والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة والمعطى في ملأ من الناس يطلب الرياء، والإخفاء والسكوت هو المخلص منهما، وقد بالغ قوم في قصد الإخفاء، واجتهدوا أن لا يعرفهم الآخذ، فكان بعضهم يلقيه في يد أعمى، وبعضهم يلقيه في طريق الفقير، وفي موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطي، وبعضهم كان يشده في أثواب الفقير وهو نائم، وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على يد غيره، والمقصود عن الكل الاحتراز عن الرياء والسمعة والمنة، لأن الفقير إذا عرف المعطي فقد حصل الرياء والمنة معاً وليس في معرفة المتوسط الرياء وثانيها: أنه إذا أخفى صدقته لم يحصل له بين الناس شهرة ومدح وتعظيم، فكان ذلك يشق على النفس، فوجب أن يكون ذلك أكثر ثواباً وثالثها: قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أفضل الصدقة جهد المقل إلى الفقير في سر» تفسير : وقال أيضاً «حديث : إن العبد ليعمل عملاً في السر يكتبه الله له سراً فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية، فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب في الرياء» تفسير : وفي الحديث المشهور «حديث : سبعة يظلهم الله تعالى يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله: أحدهم رجل تصدق بصدقة فلم تعلم شماله بما أعطاه يمينه» تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : صدقة السر تطفيء غضب الرب» تفسير : ورابعها: أن الإظهار يوجب إلحاق الضرر بالآخذ من وجوه، والإخفاء لا يتضمن ذلك، فوجب أن يكون الإخفاء أولى، وبيان تلك المضار من وجوه الأول: أن في الإظهار هتك عرض الفقير وإظهار فقره، وربما لا يرضى الفقير بذلك والثاني: أن في الإظهار إخراج الفقير من هيئة التعفف وعدم السؤال، والله تعالى مدح ذلك في الآية التي تأتي بعد هذه الآية، وهو قوله تعالى: {أية : يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ لاَ يَسْـئَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا } تفسير : [البقرة: 273] والثالث: أن الناس ربما أنكروا على الفقير أخذ تلك الصدقة، ويظنون أنه أخذها مع الاستغناء عنها، فيقع الفقير في المذمة والناس في الغيبة والرابع: أن في إظهار الإعطاء إذلالاً للآخذ وإهانة له وإذلال المؤمن غير جائز والخامس: أن الصدقة جارية مجرى الهدية، وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من أهدى إليه هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها» تفسير : وربما لا يدفع الفقير من تلك الصدقة شيئاً إلى شركائه الحاضرين فيقع الفقير بسبب إظهار تلك الصدقة في فعل ما لا ينبغي فهذه جملة الوجوه الدالة على أن إخفاء صدقة التطوع أولى. وأما الوجه في جواز إظهار الصدقة، فهو أن الإنسان إذا علم أنه إذا أظهرها، صار ذلك سبباً لاقتداء الخلق به في إعطاء الصدقات، فينتفع الفقراء بها فلا يمتنع، والحال هذه أن يكون الإظهار أفضل، وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : السر أفضل من العلانية، والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء به» تفسير : قال محمد بن عيسى الحكيم الترمذي: الإنسان إذا أتى بعمل وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة أن يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة فههنا الشيطان يورد عليه ذكر رؤية الخلق، والقلب ينكر ذلك ويدفعه، فهذا الإنسان في محاربة الشيطان فضوعف العمل سبعين ضعفاً على العلانية، ثم إن لله عباداً راضوا أنفسهم حتى من الله عليهم بأنواع هدايته فتراكمت على قلوبهم أنوار المعرفة، وذهبت عنهم وساوس النفس، لأن الشهوات قد ماتت منهم ووقعت قلوبهم في بحار عظمة الله تعالى؛ فإذا عمل عملاً علانية لم يحتج أن يجاهد، لأن شهوة النفس قد بطلت، ومنازعة النفس قد اضمحلت، فإذا أعلن به فإنما يريد به أن يقتدي به غيره فهذا عبد كملت ذاته فسعى في تكميل غيره ليكون تاماً وفوق التمام، ألا ترى أن الله تعالى أثنى على قوم في تنزيله وسماهم عباد الرحمٰن، وأوجب لهم أعلى الدرجات في الجنة، فقال: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ } تفسير : [الفرقان: 75] ثم ذكر من الخصال التي طلبوها بالدعاء أن قالوا {أية : وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } تفسير : [الفرقان: 74] ومدح أمة موسى عليه السلام فقال: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } تفسير : [الأعراف: 159] ومدح أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } تفسير : [آل عمران: 110] ثم أبهم المنكر فقال: {أية : وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } تفسير : [الأعراف: 181] فهؤلاء أئمة الهدى وأعلام الدين وسادة الخلق بهم يهتدون في الذهاب إلى الله. فإن قيل: إن كان الأمر على ما ذكرتم فلم رجح الإخفاء على الإظهار في قوله {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ }. والجواب: من وجهين الأول: لا نسلم قوله {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } يفيد الترجيح فإنه يحتمل أن يكون المعنى أن إعطاء الصدقة حال الاخفاء خير من الخيرات، وطاعة من جملة الطاعات، فيكون المراد منه بيان كونه في نفسه خيراً وطاعة، لا أن المقصود منه بيان الترجيح. والوجه الثاني: سلمنا أن المراد منه الترجيح، لكن المراد من الآية أنه إذا كانت الحال واحدة في الإبداء والإخفاء، فالأفضل هو الإخفاء، فأما إذا حصل في الإبداء أمر آخر لم يبعد ترجيح الإبداء على الإخفاء. البحث الثاني: أن الإظهار في إعطاء الزكاة الواجبة أفضل، ويدل عليه وجوه الأول: أن الله تعالى أمر الأئمة بتوجيه السعاة لطلب الزكاة، وفي دفعها إلى السعاة إظهارها وثانيها: أن في إظهارها نفي التهمة، روي أنه صلى الله عليه وسلم كان أكثر صلاته في البيت إلا المكتوبة فإذا اختلف حكم فرض الصلاة ونفلها في الإظهار والإخفاء لنفي التهمة، فكذا في الزكاة وثالثها: أن إظهارها يتضمن المسارعة إلى أمر الله تعالى وتكليفه، وإخفاءها يوهم ترك الالتفات إلى أداء الواجب فكان الإظهار أولى، هذا كله في بيان قول من قال المراد بالصدقات المذكورة في هذه الآية صدقة التطوع فقط. القول الثاني: وهو قول الحسن البصري أن اللفظ متناول للواجب والمندوب، وأجاب عن قول من قال: الإظهار في الواجب أولى من وجوه الأول: أن إظهار زكاة الأموال توجب إظهار قدر المال، وربما كان ذلك سبباً للضرر، بأن يطمع الظلمة في ماله، أو بكثرة حساده، وإذا كان الأفضل له إخفاء ماله لزم منه لا محالة أن يكون إخفاء الزكاة أولى والثاني: أن هذه الآية إنما نزلت في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ما كانوا متهمين في ترك الزكاة فلا جرم كان إخفاء الزكاة أولى لهم لأنه أبعد عن الرياء والسمعة أما الآن فلما حصلت التهمة كان الإظهار أولى بسبب حصول التهمة الثالث: أن لا نسلم دلالة قوله {فَهُوَ خَيْرٌ } على الترجيح وقد سبق بيانه. أما قوله تعالى: {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } فالإخفاء نقيض الإظهار وقوله {فَهُوَ } كناية عن الإخفاء، لأن الفعل يدل على المصدر، أي الإخفاء خير لكم، وقد ذكرنا أن قوله {خَيْرٌ لَّكُمْ } يحتمل أن يكون المراد منه أنه في نفسه خير من الخيرات، كما يقال: الثريد خير وأن يكون المراد منه الترجيح، وإنما شرط تعالى في كون الإخفاء أفضل أن تؤتوها الفقراء لأن عند الإخفاء الأقرب أن يعدل بالزكاة عن الفقراء، إلى الأحباب والأصدقاء الذين لا يكونون مستحقين للزكاة، ولذلك شرط في الإخفاء أن يحصل معه إيتاء الفقراء، والمقصود بعث المتصدق على أن يتحرى موضع الصدقة، فيصير عالماً بالفقراء، فيميزهم عن غيرهم، فإذا تقدم منه هذا الاستظهار ثم أخفاها حصلت الفضيلة. أما قوله تعالى: {وَيُكَفّرُ عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: التكفير في اللغة التغطية والستر، ورجل مكفر في السلاح مغطى فيه، ومنه يقال: كفر عن يمينه، أي ستر ذنب الحنث بما بذل من الصدقة، والكفارة ستارة لما حصل من الذنب. المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر {نَّكْفُرَ } بالنون ورفع الراء وفيه وجوه أحدها: أن يكون عطفاً على محل ما بعد الفاء والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ونحن نكفر والثالث: أنه جملة من فعل وفاعل مبتدأ بمستأنفة منقطعة عما قبلها، والقراءة الثانية قراءة حمزة ونافع والكسائي بالنون والجزم، ووجهه أن يحمل الكلام على موضع قوله {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } فإن موضعه جزم، ألا ترى أنه لو قال: وإن تخفوها تكن أعظم لثوابكم، لجزم فيظهر أن قوله {خَيْرٌ لَّكُمْ } في موضع جزم، ومثله في الحمل على موضع الجزم قراءة من قرأ {أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ } تفسير : [الأعراف: 186] بالجزم، والقراءة الثالثة قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم {يَكْفُرْ } بالياء وكسر الفاء ورفع الراء، والمعنى: يكفر الله أو يكفر الاخفاء، وحجتهم أن ما بعده على لفظ الافراد، وهو قوله {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فقوله {يَكْفُرْ } يكون أشبه بما بعده، والأولون أجابوا وقالوا لا بأس بأن يذكر لفظ الجمع أولاً ثم لفظ الأفراد ثانياً كما أتى بلفظ الأفراد أولاً والجمع ثانياً في قوله {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً } تفسير : [الإسراء: 1] ثم قال: {أية : وَءاتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [الإسراء: 2] ونقل صاحب «الكشاف» قراءة رابعة {وتكفر} بالتاء مرفوعاً ومجزوماً والفاعل الصدقات، وقراءة خامسة وهي قراءة الحسن بالتاء والنصب بإضمار {إن} ومعناها إن تخفوها يكن خير لكم، وإن نكفر عنكم سيئاتكم فهو خير لكم. المسألة الثالثة: في دخول {مِنْ } في قوله {مّن سَيّئَاتِكُمْ } وجوه أحدها: المراد: ونكفر عنكم بعض سيئاتكم لأن السيئات كلها لا تكفر بذلك، وإنما يكفر بعضها ثم أبهم الكلام في ذلك البعض لأن بيانه كالإغواء بارتكابها إذا علم أنها مكفرة، بل الواجب أن يكون العبد في كل أحواله بين الخوف والرجاء وذلك إنما يكون مع الإبهام والثاني: أن يكون {مِنْ } بمعنى من أجل، والمعنى: ونكفر عنكم من أجل ذنوبكم، كما تقول: ضربتك من سوء خلقك أي من أجل ذلك والثالث: أنها صلة زائدة كقوله {أية : فِيهَا مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } تفسير : [محمد: 15] والتقدير: ونكفر عنكم جميع سيئاتكم والأول أولى وهو الأصح. ثم قال: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } وهو إشارة إلى تفضيل صدقة السر على العلانية، والمعنى أن الله عالم بالسر والعلانية وأنتم إنما تريدون بالصدقة طلب مرضاته، فقد حصل مقصودكم في السر، فما معنى الإبداء، فكأنهم ندبوا بهذا الكلام إلى الإخفاء ليكون أبعد من الرياء.
القرطبي
تفسير : ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوّع؛ لأن الإخفاء فيها أفضل من الإظهار، وكذلك سائر العبادات الإخفاءُ أفضل في تطوّعها لانتفاء الرياء عنها، وليس كذلك الواجبات. قال الحسن: إظهار الزكاة أحسن، وإخفاء التطوّع أفضل؛ لأنه أدلّ على أنه يراد الله عز وجل به وحده. قال ابن عباس: جعل الله صدقة السر في التطوّع تفضُل علانيتها يقال بسبعين ضِعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سِرِّها يقال بخمسة وعشرين ضِعفاً. قال: وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. قلت: مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف؛ وفي صحيح مسلم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أفضل صلاة المرء في بيته إِلا المكتوبة»تفسير : وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عُرضة لذلك وروى النَّسائيّ عن عُقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة والذي يُسِرّ بالقرآن كالذي يُسِرّ بالصدقة»تفسير : . وفي الحديث: «حديث : صدقة السرّ تُطْفِىء غضب الربّ».تفسير : قال ابن العربيّ: «وليس في تفضيل صدقة العلانية على السر، ولا تفضيل صدقة السر على العلانية حديث صحيح ولكنه الإجماع الثابت؛ فأمّا صدقة النفل فالقرآن ورد مصرّحاً بأنها في السر أفضل منها في الجهر؛ بَيْدَ أن علماءنا قالوا: إن هذا على الغالب مخرجه، والتحقيق فيه أن الحال (في الصدقة) تختلف بحال المُعْطِي (لها) والمعطَى إياها والناس الشاهدين (لها). أما المعطي فله فيها فائدة إظهار السُّنَّة وثواب القدوة. قلت: «هذا لمن قَوِيت حاله وحسنت نيّته وأمِن على نفسه الرياء، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسرّ له أفضل. وأما المُعْطَى إياها فإن السرّ له أسلم من احتقار الناس له، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنَى عنها وتَرَك التعفّف، وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطِي لها بالرياء وعلى الآخذ لها بالاستغناء، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة؛ لكن هذا اليوم قليل». وقال يزيد بن أبي حبيب: إنما نزلت هذه الآية في الصدقة على اليهود والنصارى، فكان يأمر بقَسْم الزكاة في السرّ. قال ابن عطيّة: وهذا مردود، لا سِيّما عند السلف الصالح؛ فقد قال الطبريّ: أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل. قلت: ذكر الكِيَا الطبريّ أن في هذه الآية دلالة على قول إخفاء الصدقات مطلقاً أوْلى، وأنها حق الفقير وأنه يجوز لرب المال تفريقها بنفسه، على ما هو أحدُ قولي الشافعيّ. وعلى القول الآخر ذكروا أن المراد بالصدقات هاهنا التطوع دون الفرض الذي إظهاره أوْلى لئلا يلحقَه تُهمة؛ ولأجل ذلك قيل: صلاة النفل فُرَادَى أفضل، والجماعة في الفرض أبعد عن التُّهمَة. وقال المَهْدَوِيّ: المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوّع به، فكان الإخفاء أفضل في مدّة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك، فاستحسن العلماء إظهار الفرائض لئلا يُظَنَّ بأحد المنع. قال ٱبن عطيّة: وهذا القول مخالف للآثار، ويشبه في زماننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض، فقد كثر المانع لها وصار إخراجها عُرضة للرياء. وقال ابن خُوَيزْ مَنْدَاد: وقد يجوز أن يراد بالآية الواجبات من الزكاة والتطوّع؛ لأنه ذَكر الإخفاء ومدَحه والإظهار ومَدحه، فيجوز أن يتوجّه إليهما جميعاً. وقال النقّاش: إن هذه الآية نسخها قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} تفسير : [البقرة: 274] الآية. قوله تعالى: {فَنِعِمَّا هِيَ} ثناء على إبداء الصدقة، ثم حكم على أن الإخفاء خير من ذلك. ولذلك قال بعض الحكماء: إذا اصطنعت المعروف فٱستره، وإذا اصطُنع إليك فٱنشره. قال دِعْبِل الخُزَاعِيّ:شعر : إذا انتقموا أعْلَنُوا أمرَهم وإن أَنعموا أَنْعَمُوا باكْتِتامِ تفسير : وقال سهل بن هارون:شعر : خِلٌّ إذا جِئتَه يوماً لتسألَه أعطاك ما ملكتْ كفّاه واعتذرَا يُخفِي صنائعَه واللَّهُ يُظْهِرها إن الجميل إذا أخفيتَه ظهَرَا تفسير : وقال العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: لا يتمّ المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيلُه وتصغيرُه وسترهُ؛ فإذا أعجلته هنيّته، وإذا صغّرته عظّمته، وإذا سترته أتْمَمْته. وقال بعض الشعراء فأحسن:شعر : زاد معروفُك عندي عِظَماً أنه عندك مستورٌ حقِيرْ تَتَناساه كأَنْ لَمْ تأتِه وهو عند الناس مشهور خطِيرْ تفسير : واختلف القرّاء في قوله {فَنِعِمَّا هِيَ} فقرأ أبو عمرو ونافع في رواية وَرْش وعاصم في رواية حفص وابن كَثير «فَنِعِمَّا هَي» بكسر النون والعين. وقرأ أبو عمرو أيضاً ونافع في غير رواية ورش وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل «فنِعْمَا» بكسر النون وسكون العين. وقرأ الأعمش وابن عامر وحمزة والكسائيّ «فَنَعِمَّا» بفتح النون وكسر العين، وكلهم سكَّن الميم. ويجوز في غير القرآن فَنِعْمَ مَا هِي. قال النحاس: ولكنه في السّواد متصل فلزم الإدغام. وحكى النحويون في «نِعْمَ» أربع لغات: نَعِمَ الرجلُ زيدٌ، هذا الأصل. ونِعِمَ الرجل، بكسر النون لكسر العين. ونَعْمَ الرجل، بفتح النون وسكون العين، والأصل نَعِمَ حذفت الكسرة لأنها ثقيلة. ونِعْمَ الرجل، وهذا أفصح اللغات، والأصل فيها نَعِم. وهي تقع في كل مدح، فخففت وقلبت كسرة العين على النون وأسكنت العين، فمن قرأ «فَنِعِمّا هِيَ» فله تقديران: أحدهما أن يكون جاء به على لغة من يقول نِعِم. والتقدير الآخر أن يكون على اللغة الجيّدة، فيكون الأصل نِعْمَ، ثم كسرت العين لالتقاء الساكنين. قال النحاس: فأمّا الذي حُكي عن أبي عمرو ونافع من إسكان العين فمحال. حُكي عن محمد بن يزيد أنه قال: أمّا إسكان العين والميم مشدّدة فلا يقدر أحد أن ينطق به، وإنما يَرُوم الجمع بين ساكنين ويحرّك ولا يأبَهُ. وقال أبو عليّ: من قرأ بسكون العين لم يستقم قوله؛ لأنه جمع بين ساكنين الأوّل منهما ليس بحرف مدّولِين وإنما يجوز ذلك عند النحويين إذا كان الأوّل حرف مَدّ، إذ المدّ يصير عِوضاً من الحركة، وهذا نحو دابّة وضَوَالّ ونحوه. ولعل أبا عمرو أخفى الحركة واختلسها كأخذه بالإخفاء في «بَارِئِكُم ـ و ـ يَأْمُرُكُمْ» فظنّ السامع الإخفاء إسكاناً للطف ذلك في السمع وخفائه. قال أبو عليّ: وأمّا من قرأ «نَعِمَا» بفتح النون وكسر العين فإنما جاء بالكلمة على أصلها ومنه قول الشاعر:شعر : ما أقلّتْ قدمايَ إنّهُم نَعِمَ السّاعون في الأمر المُبِرْ تفسير : قال أبو عليّ: و «ما» من قوله تعالى: «نِعِمَّا» في موضع نصب، وقوله «هي» تفسير للفاعل المضمر قبل الذكر، والتقدير نعم شيئاً إبداؤها، والإبداء هو المخصوص بالمدح إلا أن المضاف حذف وأُقيم المضاف إليه مقامه. ويدلّك على هذا قوله «فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» أي الإخفاء خير. فكما أن الضمير هنا للإخفاء لا للصدقات فكذلك، أوّلاً الفاعل هو الإبداء وهو الذي اتصل به الضمير، فحذف الإبداء وأُقيم ضمير الصدقات مثله. {وَإِن تُخْفُوهَا} شرط، فلذلك حذفت النون. {وَتُؤْتُوهَا} عطف عليه. والجواب {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}. {وَيُكَفِّرُ} اختلف القراء في قراءته؛ فقرأ أبو عمرو وابن كَثير وعاصم في رواية أبي بكر وقتَادة وابن أبي إسحاق «ونُكَفِّرُ» بالنون ورفع الراء. وقرأ (نافع) وحمزة والكسائي بالنون والجزم في الراء؛ ورُوي مثل ذلك أيضاً عن عاصم. وروى الحسين بن عليّ الجَعْفِيّ عن الأعمش «يُكَفِّرَ» بنصب الراء. وقرأ ٱبن عامر بالياء ورفع الراء؛ ورواه حفص عن عاصم، وكذلك روى عن الحسن، ورُوي عنه بالياء والجزم. وقرأ ابن عباس «وتُكَفِّرْ» بالتاء وكسر الفاء وجزم الراء. وقرأ عكرمة «وتُكَفَّرْ» بالتاء وفتح الفاء وجزم الراء. وحكى المَهْدَوِيّ عن ابن هُرْمُز أنه قرأ «وتُكَفِّرُ» بالتاء ورفع الراء. وحُكي عن عكرمة وشَهْر بن حَوشب أنهما قرءا بتاء ونصب الراء. فهذه تسع قراءات أَبْيَنُهَا «ونُكَفِّرُ» بالنون والرفع. هذا قول الخليل وسيبويه. قال النحاس قال سيبويه: والرفع هاهنا الوجه وهو الجيِّد، لأن الكلام الذي بعد الفاء يجري مجراه في غير الجزاء. وأجاز الجزم بحمله على المعنى؛ لأن المعنى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء يكن خيراً لكم ونكفر عنكم. وقال أبو حاتم: قرأ الأعمش «يُكَفِّرُ» بالياء دون واو قبلها. قال النحاس: والذي حكاه أبو حاتم عن الأعمش بغير واو جزماً يكون على البدل كأنه في موضع الفاء. والذي روي عن عاصم «ويُكَفِّرُ» بالياء والرفع يكون معناه ويُكَفِّرُ الله؛ هذا قول أبي عُبَيد. وقال أبو حاتم: معناه يكفِّر الإعطاء. وقرأ ابن عباس «وتُكَفِّرْ» يكون معناه وتكفِّر الصدقات. وبالجملة فما كان من هذه القراءات بالنون فهي نون العظمة، وما كان منها بالتاء فهي الصدقة فاعلمه؛ إلا ما رُوي عن عكرمة من فتح الفاء فإن التاء في تلك القراءة إنما هي للسيئات، وما كان منها بالياء فالله تعالى هو المكفِّر، والإعطاء في خفاء مكفِّر أيضاً كما ذكرنا، وحكاه مَكِّيّ. وأما رفع الراء فهو على وجهين: أحدهما أن يكون الفعل خبر ابتداء تقديره ونحن نكفِّر أو وهي تكفِّر، أعني الصدقة، أو والله يكفِّر. والثاني القطع والاستئناف لا تكون الواو العاطفة للاشتراك لكن تعطف جملة كلام على جملة. وقد ذكرنا معنى قراءة الجزم. فأما نصب «ونُكَفِّرَ» فضعيف وهو على إضمار أن وجاز على بُعْد. قال المَهْدَوِيّ: وهو مشبه بالنصب في جواب الاستفهام، إذ الجزاء يجب به الشيء لوجوب غيره كالاستفهام. والجزم في الراء أفصح هذه القراءات، لأنها تُؤْذن بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطاً إن وقع الإخفاء. وأما الرّفع فليس فيه هذا المعنى. قلت: هذا خلاف ما اختاره الخليل وسيبويه. و «مِنْ» في قوله {مِّن سَيِّئَاتِكُمْ} للتبعيض المحض. وحكى الطبريّ عن فرقة أنها زائدة. قال ٱبن عطيّة: وذلك منهم خطأ. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} وعد ووعيد.
البيضاوي
تفسير : {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِيَ} فنعم شيئاً إبداؤها. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون وكسر العين على الأصل. وقرأ أبو بكر وأبو عمرو وقالون بكسر النون وسكون العين، وروي عنهم بكسر النون وإخفاء حركة العين وهو أقيس. {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَاء } أي تعطوها مع الإِخفاء. {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} فالإِخفاء خير لكم، وهذا في التطوع ولمن لم يعرف بالمال فإن إبداء الغرض لغيره أفضل لنفي التهمة عنه. عن ابن عباس رضي الله عنهما (صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً). {وَيُكَفّرُ عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ} قرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص بالياء أي والله يكفر أو الإِخفاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية ابن عياش ويعقوب بالنون مرفوعاً على أنه جملة فعلية مبتدأة أو إسمية معطوفة على ما بعد الفاء أي: ونحن نكفر. وقرأ نافع وحمزة والكسائي به مجزوماً على محل الفاء وما بعده. وقرىء بالتاء مرفوعاً ومجزوماً والفعل للصدقات. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} ترغيب في الإِسرار. {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} لا يجب عليك أن تجعل الناس مهديين، وإنما عليك الإِرشاد والحث على المحاسن، والنهي عن المقابح كالمن والأذى وإنفاق الخبيث. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} صريح بأن الهداية من الله تعالى وبمشيئته، وإنها تخص بقوم دون قوم. {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} من نفقة معروفة. {فَلأَنفُسِكُمْ} فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا عليه ولا تنفقوا الخبيث. {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَاء وَجْهِ ٱللَّهِ } حال، وكأنه قال وما تنفقون من خير فلأنفسكم غير منفقين إلا لابتغاء وجه الله وطلب ثوابه. أو عطف على ما قبله أي وليست نفقتكم إلا لابتغاء وجهه فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث. وقيل: نفي في معنى النهي. {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } ثوابه أضعافاً مضاعفة، فهو تأكيد للشرطية السابقة، أو ما يخلف للمنفق استجابة لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : اللهم اجعل لمنفق خلفاً، ولممسك تلفاً» تفسير : روي: أن ناساً من المسلمين كانت لهم أصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفقون عليهم، فكرهوا لما أسلموا أن ينفعوهم فنزلت. وهذا في غير الواجب أما الواجب فلا يجوز صرفه إلى الكفار. {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } أي لا تنقصون ثواب نفقاتكم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِن تُبْدُواْ } تظهروا {ٱلصَّدَقَٰتِ } أي النوافل {فَنِعِمَّا هِىَ } أي نعم شيئاً إبداؤها {وَإِن تُخْفُوهَا } تسروها {وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } من إبدائها وإيتائها الأغنياء أما صدقة الفرض فالأفضل إظهارها ليُقتدى به ولئلا يتهم، وإيتاؤها الفقراء متعين {وَيُكَفّرْ } بالياء والنون مجزوماً بالعطف على محل «فهو» ومرفوعاً على الاستئناف {عَنكُمْ مّنَ } بعض {سَيّئَاتِكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } عالم بباطنه كظاهره لا يخفى عليه شيء منه.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَنِعِمَّا هِىَ} ليس في إبدائها كراهة. {وَإِن تُخْفُوهَا} صدقة التطوع، أو الفرض والتطوع. {مِّن سَيِّئَاتِكُمْ} من "زائدة" أو للتبعيض، لأن الطاعة بغير التوبة لا تُكَفِّر إلا الصغائر.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ...}. ابن عطية: هي تفسير / الفاعل المضمر قبل الذكر. والتقدير: نعم شيء إبدَاؤهَا. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: غير هذا. وهو أنّ المازري ذكر في قوله صلى الله عليه وسلم "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاّ به". الخلاف هل هو إشارة للفعل فقط أو للفعل بصفته (فكذلك) يجيء هنا إن عاد الضمير على الصدقات بصفتها لم يحتج إلى هذا الإضمار والقرينة هنا تعيّن أن المراد الصفة، وهي قرينة التقسيم بين الإخفاء والإظهار قيل لابن عرفة: لعل القرينة هي المفسرة للمضمر؟ فقال: ثبت أن المراد هنا (الصّدقة) بصفتها وإنّما ثبت استعمال اللفظ في معنى ودار (الأمر) بين صرفه ذلك المعنى إلى القرينة أو إلى نفس اللّفظ فصرفه إلى نفس اللّفظ أولى. قوله تعالى: {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ...}. قال ابن عرفة: لم يقل أو تبدوها وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ. وعادتهم يجيبون: بأنك إظهارها مظنة الكشف عن حال آخذها، وكثرة السؤال عنه وإخفاؤها مظنة لعدم الكشف عن ذلك فإعطاؤها في العلانية متوقف على علم المعطي وغيره بفقر آخذها فلا تقع إلا في يد فقير لأنه إما أن يسأل عن حاله أو يراه من يعلم أنّه غني فينهاه عن الصدقة عليه وإعطاؤها (سّرا) يتوقف على مجرد علم المعطي فقط بذلك، فقد تقع في يد غني يظنه المعطي فقيرا لأنه لا يسأل عن حاله ولا يطلع عليه من يعرف حاله فيخبره بحاله فلذلك قال في الثاني: {وَتُؤْتُوهَا ٱلفُقَرَآءَ}.
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ} أي تُظهرونها "فنعمَّا هي". الفاء جواب الشرط، و "نِعْمَ" فعلٌ ماضٍ للمدح، نقيض بئس، وحكمها في عدم التصرف، والفاعل، واللغات حكم بئس، كما تقدَّم. و "مَا" في محلِّ الرفع. و "هِيَ" في محل النصب، كما تقول: نِعْمَ الرجل رجلاً، فإذا عرَّفت، رفعت فقلت: نِعْمَ الرجلُ زَيْدٌ. قال الزجاج: "ما" في تأويل الشيء، أي: نعم الشيء هو. قال أبو علي: الجيد في تمثيل هذا أن يقال: "ما" في تأويل شيءٍ؛ لأن "مَا" هاهنا نكرةٌ فتمثيله بالنكرة أبين، والدليل على أن "ما" هاهنا نكرةٌ أنها لو كانت معرفةً، فلا بد لها من صلة، وليس هاهنا ما يوصل به؛ لأن الموجود بعد "ما" هو "هي" وكلمة "هِيَ" مفردةٌ، والمفرد لا يكون صلةً لـ "مَا" وإذا بطل هذا، فنقول "مَا" نصبٌ على التمييز، والتقدير: نِعْمَ شيئاً هي إبداء الصدقات، فحذف المضاف؛ لدلالة الكلام عليه. وقرأ ابن عامرٍ، وحمزة، والكسائيُّ، هنا وفي النساء: "فَنَعِما" بفتح النون، وكسر العين، وهذه على الأصل؛ لأنَّ الأصل على "فَعِل" كعلم، وقرى ابن كثير، وورش، وحفص: بكسر النون والعين، وإنما كسر النون إتباعاً لكسرة العين، وهي لغة هذيل. قيل: وتحتمل قراءة كسر العين أن يكون أصل العين السكون، فلمّا وقعت بعدها "ما" وأدغم ميم "نِعْم" فيها، كسرت العين؛ لالتقاء الساكنين، وهو محتملٌ. وقرأ أبو عمرو، وقالون، وأبو بكر: بكسر النون، وإخفاء حركة العين. وروي عنهم الإسكان أيضاً، واختاره أبو عبيد، وحكاه لغةً للنبي - صلى الله عليه وسلم - في [نحو] قوله: "نِعْمَّا المالُ الصالح مع الرجلِ الصالحِ". والجمهور على اختيار الاختلاس على الإِسكان، بل بعضهم يجعله من وهم الرواة عن أبي عمرو، وممَّن أنكره المبرد، والزجاج والفارسي، قالوا: لأنَّ فيه جمعاً بين ساكنين على غير حدِّهما. قال المبرد: "لا يَقْدِرُ أحدٌ أن يَنْطِقَ به، وإنما يَرُومُ الجمعَ بين ساكنين فيحرِّك، ولا يَشْعُر" وقال الفارسي: "لعل أبا عمرو أخفى فظنَّه الراوي سُكُوناً". وقد تقدَّم الكلام على "مَا" اللاحقة لنعم، وبئس. و "هي" مبتدأٌ ضميرٌ عائدٌ على الصدقات على حذف مضاف، أي: فنعم إبداؤها، ويجوز ألاَّ يقدَّر مضافٌ، بل يعود الضمير على "الصَّدَقَاتِ" بقصد صفة الإبداء، تقديره: فنعمَّا هي، أي: الصدقات المبداة. وجملة المدح خبرٌ عن "هي"، والرابط العموم، وهذا أولى الوجوه، وقد تقدَّم تحقيقها. والضمير في {وَإِن تُخْفُوهَا} يعود على الصدقات. قيل: يعود عليها لفظاً ومعنًى، وقيل: يعود عليها لفظاً لا معنًى؛ لأنَّ المراد بالصدقات المبداة: الواجبة، وبالمخفاة: المتطوَّع بها، فيكون من باب "عِنْدِي دِرْهمٌ، ونصفُه"، أي: ونصف درهمٍ آخر؛ وكقول القائل: [الوافر] شعر : 1236- كَأَنَّ ثِيَابَ رَاكِبِهِ بِرِيحٍ خَرِيقٌ وَهْيَ سَاكِنَةُ الهُبُوبِ تفسير : أي: وريحٌ أخرى ساكنة الهبوب، ولا حاجة إلى هذا في الآية. والفاء في قوله: "فهو" جواب الشرط، والضمير يعود على المصدر المفهوم من "تُخْفُوهَا" أي: فالإخفاء، كقوله: {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [المائدة:8] و "لكم" صفةٌ لخير، فيتعلَّق بمحذوفٍ. و "خَيْر" يجوز أن يكون للتفضيل، فالمفضَّل عليه محذوف، أي: خيرٌ من إبدائها، ويجوز أن يراد به الوصف بالخيريَّة، أي: خيرٌ لكم من الخيور. وفي قوله: "إِن تُبْدُواْ، وَإِن تُخْفُوهَا" نوعٌ من البديع، وهو الطِّباق اللَّفظيّ. وفي قوله: {وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ} طباق معنوي؛ لأنه لا يؤتي الصدقات إلا الأغنياء، فكأنه قيل: إن يبد الأغنياء الصدقات، وإن يخف الأغنياء الصدقات، ويؤتوها الفقراء، فقابل الإبداء بالإخفاء لفظاً، والأغنياء بالفقراء معنًى. والصَّدقة: قال أهل اللغة: موضوع: "صَ دَ قَ" على هذا الترتيب للصحة، والكمال ومنه قولهم: رجلٌ صدقُ النَّظر، وصدقُ اللقاء، وصدقُوهم القتال، وفلانٌ صادق المودَّة، وهذا خلٌّ صادق الحموضة، وشيءٌ صادق الحلاوة، وصدق فلانٌ في خبره، إذا أخبر به على وجه الصِّحة كاملاً، والصَّديق يسمى صديقاً؛ لصدقه في المودَّة، وسمِّي [الصَّداق صداقاً لأن] مقصود العقد يتمُّ به ويكمل، وسميت الزكاة صدقةً؛ لأن المال بها يصحُّ ويكمل، فهي إمَّا سببٌ لكمال المال، وبقائه، وإما أنها يستدلُّ بها على صدق إيمان العبد، وكماله فيه. فصل في بيان فضيلة صدقة السِّر سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: صدقة السرِّ أفضل أم صدقة العلانية؟ فنزلت هذه الآية. حديث : وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سَبْعَةٌ يُظْلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ..." إلى أن قال: "... ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعلم شِمَالُه ما تُنْفِقُ يَمِينُه" . تفسير : وقيل: الآية في صدقة التطوُّع؛ أما الزكاة المفروضة، فالإظهار فيها أفضل؛ حتى يقتدي الناس به؛ كالصلاة المكتوبة في الجماعة، والنافلة في البيت أفضل. وقيل: الزكاة المفروضة كان الإخفاء فيها خيراً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمَّا في زماننا، فالإظهار فيها أفضل؛ حتى لا يساء به الظن. واعلم أنَّ الصدقة تطلق على الفرض والنَّفل؛ قال تعالى {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ}تفسير : [التوبة:103] وقال: {أية : إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ}تفسير : [التوبة:60]، حديث : وقال - صلى الله عليه وسلم -: "نَفَقَةُ المرْءِ عَلَى عِيَالِهِ صَدَقَةٌ" تفسير : والزكاة لا تطلق إلاَّ على الفرض. قوله: "وَيُكَفِّرُ" قرأ الجمهور: "ويُكَفِّرُ" بالواو، والأعمش: بإسقاطها، والياء، وجزم الراء؛ وفيها تخريجان: أحدهما: أنه بدلٌ من موضع قوله: {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}؛ لأنه جواب الشرط، كأنَّ التقدير: وإن تخفوها، يكن خيراً لكم، ويُكَفِّرْ. والثاني: أنه حذف حرف العطف، فتكون كالقراءة المشهورة، والتقدير: "ويُكَفِّرُ" وهذا ضعيفٌ جداً. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر: بالنون ورفع الراء، وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي: بالنون وجزم الراء، وابن عامرٍ، وحفصٌ عن عاصم: بالياء ورفع الراء، والحسن: بالياء وجزم الراء، وروي عن الأعمش أيضاً: بالياء ونصب الراء، وابن عباس: "وتُكَفِّرْ" بتاء التأنيث وجزم الراء، وعكرمة: كذلك؛ إلا أنه فتح الفاء؛ على ما لم يسمَّ فاعله، وابن هرمز: بالتاء ورفع الراء، وشهر بن حوشب - ورويت عن عكرمة أيضاً -: بالتاء ونصب الراء، وعن الأعمش إحدى عشرة قراءةً، والمشهور منها ثلاثٌ. فمن قرأ بالياء، ففيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه أضمر في الفعل ضمير الله تعالى؛ لأنه هو المكفِّر حقيقةً، وتعضده قراءة النون؛ فإنها متعيِّنةٌ له. والثاني: أنه يعود على الصَّرف المدلول عليه بقوة الكلام، أي: ويكفِّر صرف الصدقات. والثالث: أنه يعود على الإخفاء المفهوم من قوله: {وَإِن تُخْفُوهَا}، ونسب التكفير للصَّرف، والإخفاء مجازاً؛ لأنَّهما سببٌ للتكفير، وكما يجوز إسناد الفعل إلى فاعله، يجوز إسناده إلى سببه. ومن قرأ بالتاء ففي الفعل ضميرُ الصَّدقات، ونُسب التكفير إليها مجازاً كما تقدَّم، ومن بناه للمفعول؛ فالفاعل هو الله تعالى، أو ما تقدَّم. ومن قرأ بالنون، فهي نون المتكلِّم المعظِّم نفسه. ومن جزم الراء؛ فللعطف على محلِّ الجملة الواقعة جواباً للشرط؛ ونظيره قوله تعالى: {أية : مَن يُضْلِلِ ٱللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}تفسير : [الأعراف:186] في قراءة من جزم "وَيَذَرُهُمْ". ومن رفع، فعلى ثلاثة أوجهٍ:. أحدها: أن يكون مستأنفاً لا موضع له من الإعراب، وتكون الواو عاطفةً جملة كلام على جملة كلام آخر. والثاني: أنه خبرُ مبتدأ مضمر، وذلك المبتدأ: إمَّا ضمير الله تعالى، أو الإخفاء، أي: وهو يُكفِّر؛ فيمن قرأ بالياء، ونحن نكفِّر؛ فيمن قرأ بالنون، أو وهي تُكَفِّر؛ فيمن قرأ بتاء التأنيث. والثالث: أنه عطفٌ على محلِّ ما بعد الفاء، إذ لو وقع مضارعٌ بعدها، لكان مرفوعاً؛ كقوله تبارك وتعالى: {أية : ومعناه وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللهُ مِنْهُ}تفسير : [المائدة:95]، ونظيره {أية : وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}تفسير : [الأعراف:186] في قراءة من رفع. ومن نصب، فعلى إضمار "أَنْ"؛ عطفاً على مصدر متوهَّم، مأخوذ من قوله: {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}، والتقدير: وإن تخفوها يكن، أو يوجد خيرٌ لكم وتكفيرٌ. ونظيرها قراءة من نصب: "فيغفر" بعد قوله: {أية : يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللهُ}تفسير : [البقرة:284]، إلاَّ أنَّ تقدير المصدر في قوله: "يُحَاسِبْكُمْ" ثَمَّ أسهل منه هنا؛ لأنَّ ثمَّة فعلاً مصرَّحاً به، وهو "يُحَاسِبْكُمْ"، والتقدير: يقع محاسبةً فغفرانٌ، بخلاف هنا، إذ لا فعل ملفوظٌ به، وإنما قدَّرنا المصدر من مجموع قوله: {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}. وقال الزمخشريُّ: "ومعناه: وإِنْ تُخْفُوها، يكُنْ خَيْراً لكم، وأَنْ يُكَفِّرَ" قال أبو حيَّان: "وظاهِرُ كَلاَمِهِ هذا أنَّ تقديره: "وأَنْ يُكَفِّرَ" يكون مقدَّراً بمصدر، ويكون معطوفاً على "خَيْراً" الذي هو خبر "يَكُنْ" التي قدَّرها، كأن قال: يكنِ الإخفاء خيراً لكم وتكفيراً، فيكون "أَنْ يُكَفِّرَ" في موضع نصبٍ، والذي تقرَّر عند البصريِّين: أنَّ هذا المصدر المنسبك من: "أنْ" المضمرة مع الفعل المنصوب بها، هو معطوفٌ على مصدر متوهَّم مرفوع، تقديره من المعنى. فإذا قلت: "مَا تَأْتِينَا فتحدثنا" فالتقدير: ما يكون منك إتيانٌ فحديثٌ، وكذلك: "إِنْ تَجِىءْ وتُحْسِنَ إليَّ، أُحْسِنْ إليك" التقدير: إن يكن منك مجيءٌ، وإحسانٌ أُحْسن إليك، فعلى هذا يكون التقدير: وإن تخفوها، وتؤتوها الفقراء، فيكون زيادة خير للإخفاء على خير الإبداء وتكفيرٌ". انتهى. قال شهاب الدين: ولم أدر ما حمل الشيخ على العدول عن تقدير أبي القاسم، إلى تقديره وتطويل الكلام في ذلك؛ مع ظهور ما بين التقديرين؟ وقال المهدويُّ: "هو مُشَبَّهٌ بالنصب في جواب الاستفهام، إذ الجزاء يجب به الشيء، لوجوب غيره كالاستفهام". وقال ابن عطيَّة: "الجزمُ في الراء أفصحُ هذه القراءات؛ لأنها تُؤْذِنُ بِدُخُولِ التكفير في الجزاء، وكونه مَشْرُوطاً إن وقع الإخفاء، وأمَّا رفع الراء، فليس فيه هذا المَعْنَى" قال أبو حيان: "ونقولُ إنَّ الرفع أبلغُ وأعمُّ؛ لأنَّ الجزم يكون على أنَّه معطوفٌ على جواب الشرط الثاني، والرفع يدلُّ على أنَّ التكفير مترتِّبٌ من جهة المعنى على بذل الصدقات أُبْدِيَتْ، أو أُخْفيت، لأنَّا نعلم أنَّ هذا التكفير متعلِّقٌ بما قبله، ولا يختصُّ التكفير بالإخفاء فقط، والجزم يخصِّصه به، ولا يمكن أن يقال إن الذي يبدي الصدقات، لا يُكَفِّرْ مِنْ سيئاتِهِ، فقد صار التكفيرُ شاملاً للنوعَيْن: من إبداء الصدقاتِ، وإخفائها؛ وإن كان الإخفاء خيراً". قوله تعالى: {مِّن سَيِّئَاتِكُمْ} في "مِنْ" ثلاثة أقوالٍ: أحدها: أنها للتَّبعيض، أي: بعض سيئاتكم، لأن الصدقات لا تكفر جميع السيئات، وعلى هذا فالمفعول في الحقيقة [محذوفٌ]، أي: شيئاً من سيئاتكم، كذا قدَّره أبو البقاء. والثاني: أنها زائدة وهو جارٍ على مذهب الأخفش، وحكاه ابن عطية عن الطبري عن جماعةٍ، وجعله خطأً؛ يعني من حيث المعنى. والثالث: أنها للسببية، أي: من أجل ذنوبكم؛ وهذا ضعيفٌ. والسيئات: جمع سيِّئة، ووزنها: فيعلة، وعينها واوٌ، والأصل: سيوءة، ففعل بها ما فعل بميِّت، كما تقدَّم. قوله: {وَٱللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} إشارةٌ إلى تفضيل صدقة السرِّ على العلانية؛ كأنه يقول: أنتم إنما تريدون بالصدقة طلب مرضاة الله، وقد حصل مقصودكم في السر؛ فما معنى الإبداء؛ فكأَنَّهم ندبوا بهذا الكلام إلى الإخفاء؛ ليكون أبعد من الرياء، وكسر قلب الفقير.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} فجعل الله صدقة السر في التطوّع على علانيتها سبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. وأخرج البيهقي في الشعب بسند ضعيف عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : عمل السر أفضل من العلانية أفضل لمن أراد الاقتداء به ". تفسير : وأخرج البيهقي عن معاوية بن قرة قال: كل شيء فرض الله عليك فالعلانية فيه أفضل. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إن تبدوا الصدقات....} الآية. قال: كان هذا يعمل به قبل أن تنزل براءة، فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها انتهت الصدقات إليها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: كل مقبول إذا كانت النية صادقة، وصدقة السر أفضل. وذكر لنا أن الصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {إن تبدوا الصدقات فنعما هي} قال: هذا منسوخ وقوله {أية : وفي أموالهم حق للسائل والمحروم}تفسير : [الذاريات: 19] قال: منسوخ نسخ كل صدقة في القرآن الآية التي في التوبة {أية : إنما الصدقات للفقراء}تفسير : [التوبة: 60] الآية. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال: حديث : قلت يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: جهد مقل أو سر إلى فقير، ثم تلا هذه الآية {إن تبدوا الصدقات فنعما هي...} الآية ". تفسير : وأخرج الطيالسي وأحمد والبزار والطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا أدلك عن كنز من كنوز الجنة قلت: بلى يا رسول الله. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة. قلت: فالصلاة يا رسول الله؟ قال: خير موضوع، فمن شاء أقل ومن شاء أكثر. قلت: فالصوم يا رسول الله؟ قال: قرض مجزىء. قلت: فالصدقة يا رسول الله؟ قال: أضعاف مضاعفة وعند الله مزيد. قلت: فأيها أفضل؟ قال: جهد من مقل وسر إلى فقير . تفسير : وأخرج أحمد والطبراني في الترغيب عن أبي أمامة. "حديث : أن أبا ذر قال: يا رسول الله ما الصدقة؟ قال: أضعاف مضاعفة وعند الله المزيد، ثم قرأ {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} [البقرة: 245] قيل: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: سر إلى فقير أو جهد من مقل، ثم قرأ {إن تبدوا الصدقات فنعما هي...} الآية ". تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لمَّا خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال فقالت: يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم، الحديد. قالت: فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار. قالت: فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم، الماء. قالت: فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح. قالت: فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة قال "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ". تفسير : وأخرج الطبراني عن معاوية بن حيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن صدقة السر تطفىء غضب الرب ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفىء غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة خفيا تطفىء غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة، وأول من يدخل الجنة أهل المعروف ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب قضاء الحوائج والبيهقي في الشعب والأصبهاني في الترغيب عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : صدقة السر تطفىء غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وفعل المعروف يقي مصارع السوء ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن سالم بن أبي الجعد قال: كان رجل في قوم صالح عليه السلام قد آذاهم، فقالوا: يا نبي الله ادع الله عليه. فقال: اذهبوا فقد كفيتموه، وكان يخرج كل يوم فيحتطب، فخرج يومئذ ومعه رغيفان فأكل أحدهما وتصدق بالآخر، فاحتطب ثم جاء بحطبه سالماً، فجاؤوا إلى صالح فقالوا: قد جاء بحطبه سالماً لم يصبه شيء، فدعاه صالح فقال: أي شيء صنعت اليوم؟ فقال: خرجت ومعي قرصان تصدقت بإحدهما وأكلت الآخر. فقال صالح: حل حطبك. فحله فإذا فيه أسود مثل الجذع عاض على جذل من الحطب، فقال: بها دفع عنه. يعني بالصدقة. وأخرج أحمد عن سالم بن أبي الجعد قال: خرجت امرأة وكان معها صبي لها، فجاء الذئب فاختلسه منها، فخرجت في أثره وكان معها رغيف، فعرض لها سائل فأعطته الرغيف، فجاء الذئب بصبيها فرده عليها. وأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله، فأما الذين يحبهم الله فرجل أتى قوماً فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة فتخلف رجل من أعقابهم فأعطاه سراً لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم نزلوا فوضعوا رؤوسهم فقام رجل يتملقني ويتلو آياتي، ورجل كان في سرية فلقي العدو فهزموا فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له. وثلاثة يبغضهم الله: الشيخ الزاني، والفقير المختال، والغني الظلوم ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن عائشة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قراءة القرآن في الصلاة أفضل من قراءة القرآن في غير الصلاة، وقراءة القرآن في غير الصلاة أفضل من التسبيح والتكبير، والتسبيح أفضل من الصدقة، والصدقة أفضل من الصوم، والصوم جنة من النار ". تفسير : وأخرج ابن ماجة عن جابر بن عبد الله قال "حديث : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية، ترزقوا وتنصروا وتجبروا ". تفسير : وأخرج أبو يعلى عن جابر "حديث : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لكعب بن عجرة: يا كعب بن عجرة الصلاة قربان، والصيام جنة، والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار. يا كعب بن عجرة الناس غاديان فبائع نفسه فموبق رقبته، ومبتاع نفسه في عتق رقبته ". تفسير : وأخرج ابن حبان عن كعب بن عجرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يا كعب بن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا على سحت النار أولى به، يا كعب بن عجرة الناس غاديان فغاد في فكاك نفسه فمعتقها، وغاد موبقها. يا كعب بن عجرة الصلاة قربان. والصوم جنة، والصدقة تطفىء الخطيئة كما يذهب الجليد على الصفا ". تفسير : وأخرج أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن عقبة بن عامر "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل امرىء في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس ". تفسير : وأخرج ابن خزيمة والحاكم وصححه عن عمر قال: ذكر لي أن الأعمال تباهي فتقول الصدقة: أنا أفضلكم. وأخرج أحمد والبزار وابن خزيمة والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما يخرج رجل بشيء من الصدقة حتى يفك عنها لحيي سبعين شيطاناً ". تفسير : وأخرج الطبراني والبيهقي في الشعب عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الصدقة لتطفىء على أهلها حر القبور، وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطى الصدقة ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تصدقوا فإن الصدقة فكاككم من النار ". تفسير : وأخرج الطبراني عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ميمونة بنت سعد أنها قالت: يا رسول الله أفتنا عن الصدقة؟ قال: إنها فكاك من النار لمن احتسبها يبتغي بها وجه الله. وأخرج الترمذي وحسنه وابن حبان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الصدقة لتطفىء غضب الرب وتدفع ميتة السوء ". تفسير : وأخرج الطبراني عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الصدقة تسد سبعين باباً من السوء ". تفسير : وأخرج الطبراني عن عمرو بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن صدقة المسلم تزيد في العمر وتمنع ميتة السوء، ويذهب الله بها الكبر والفخر ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن أبي ذر قال: ما خرجت صدقة حتى يفك عنها لحيا سبعين شيطاناً كلهم ينهى عنها. وأخرج ابن المبارك في البر والأصبهاني في الترغيب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله ليدرأ بالصدقة سبعين ميتة من السوء ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله ليدخل باللقمة الخبز وقبضة التمر ومثله مما ينتفع به المسكين ثلاثة الجنة: رب البيت الآمر به، والزوجة تصلحه، والخادم الذي يناول المسكين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي لم ينس خدمنا ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن عدي بن حاتم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة ". تفسير : وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليتق أحدكم وجهه من النار ولو بشق تمرة ". تفسير : وأخرج أحمد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يا عائشة، اشتري نفسك من النار ولو بشق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان ". تفسير : وأخرج البزار وأبو يعلى عن أبي بكر الصديق قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعواد المنبر يقول "حديث : اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإنها تقيم العوج، وتدفع ميتة السوء، وتقع من الجائع موقعها من الشبعان ". تفسير : وأخرج ابن حبان عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تعبد عابد من بني إسرائيل فعبد الله في صومعة ستين عاماً، فأمطرت الأرض فأخضرت، فأشرف الراهب من صومعته فقال: لو نزلت فذكرت الله فازددت خيراً، فنزل ومعه رغيف أو رغيفان، فبينما هو في الأرض لقيته امرأة فلم يزل يكلمها وتكلمه حتى غشيها، ثم أغمي عليه، فنزل الغدير يستحم فجاء سائل فأوما إليه أن يأخذ الرغيفين ثم مات، فوزنت عبادة ستين سنة بتلك الزينة فرجحت الزينة بحسناته، ثم وضع الرغيف أو الرغيفان مع حسناته فرجحت حسناته فغفر له ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن مسعود. أن راهباً عبد الله في صومعة ستين سنة، فجاءت امرأة فنزلت إلى جنبه، فنزل إليها فواقعها ست ليال، ثم سقط في يده فهرب، فأتى مسجداً فأوى فيه ثلاثاً لا يطعم شيئاً، فأتى برغيف فكسره فأعطى رجلاً عن يمينه نصفه، وأعطى آخر عن يساره نصفه، فبعث الله إليه ملك الموت فقبض روحه، فوضعت الستون في كفة ووضعت الستة في كفة فرجحت الستة، ثم وضع الرغيف فرجح. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى الأشعري. نحوه. وأخرج البيهقي عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له خصفة بن خصفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : هل تدرون ما الشديد؟ قلنا: الرجل يصرع الرجل! قال: إن الشديد كل الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، تدرون ما الرقوب؟ قلنا: الرجل لا يولد له! قال: إن الرقوب الرجل الذي له الولد لم يقدم منهم شيئاً، ثم قال: تدرون ما الصعلوك؟ قلنا: الرجل لا مال له! قال: الصعلوك كل الصعلوك الذي له المال لم يقدم منه شيئاً ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اتقوا النار ولو بشق تمرة ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني عن النعمان بن بشير "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني عن أبي هريرة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة ". تفسير : وأخرج البزار والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : يا عائشة، اشتري نفسك من الله، لا أغني عنك من الله شيئاً ولو بشق تمرة، يا عائشة، لا يرجعن من عندك سائل ولو بظلف محرق ". تفسير : وأخرج مسلم عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحه صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزىء من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى ". تفسير : وأخرج البزار وأبو يعلى عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : على كل ميسم من الإِنسان صدقة كل يوم. فقال بعض القوم: إن هذا لشديد يا رسول الله ومن يطيق هذا؟ قال: أمر بالمعروف ونهي عن المنكر صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وإن حملك على الضعيف صدقة، وإن كل خطوة يخطوها أحدكم إلى الصلاة صدقة ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن ابن آدم ستون وثلثمائة مفصل، عن كل واحد منها في كل يوم صدقة، فالكلمة يتكلم بها الرجل صدقة، وعون الرجل أخاه على الشيء صدقة، والشربة من الماء تسقي صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن تبسمك في وجه أخيك يكتب لك به صدقة، وإن إفراغك من دلو أخيك يكتب لك به صدقة، وإماطتك الأذى عن الطريق يكتب لك به صدقة، وإرشادك للضال يكتب لك به صدقة ". تفسير : وأخرج البزار عن أبي جحيفة قال "حديث : دهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ناس من قيس مجتابي الثمار متقلدي السيوف، فساءه ما رأى من حالهم، فصلى ثم دخل بيته، ثم خرج فصلى وجلس في مجلسه، فأمر بالصدقة أو حض عليها فقال: تصدق رجل من ديناره، تصدق رجل من درهمه، تصدق رجل من صاع بره، تصدق رجل من صاع تمره. فجاء رجل من الأنصار بصرة من ذهب فوضعها في يده، ثم تتابع الناس حتى رأى كومين من ثياب وطعام، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تهلل كأنه مذهبة ". تفسير : وأخرج البزار عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث يوماً على الصدقة، فقام علية بن زيد فقال: ما عندي إلا عرضي، وإني أشهدك يا رسول الله، أني تصدقت بعرضي على من ظلمني ثم جلس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت المصدق بعرضك قد قبل الله منك ". تفسير : وأخرج البزار عن علية بن زيد قال "حديث : حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فقام عليه فقال: يا رسول الله، حثثت على الصدقة وما عندي إلا عرضي فقد تصدقت به على من ظلمني فأعرض عني، فلما كان في اليوم الثاني قال: أين علية بن زيد، أو أين المتصدق بعرضه فإن الله تعالى قد قبل منه ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو نعيم في فضل العلم والبيهقي عن أبي ذر "حديث : أنه قال: يا رسول الله، من أين نتصدق وليس لنا أموال؟ قال: أن من أبواب الصدقة التكبير، وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله واستغفر الله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعزل الشوك عن طريق الناس، والعظم والحجر، وتهدي الأعمى، وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه، وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها، وتسعى بشدة ذراعيك مع الضعيف، كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك، ولك في جماعك زوجتك أجر، قال أبو ذر: كيف يكون لي أجر في شهوتي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو كان لك ولد فأدرك فرجوت أجره فمات أكنت تحتسب به؟ قلت: نعم. قال: فأنت خلقته؟ قلت: بل الله خلقه. قال: فأنت هديته؟ قلت: بل الله هداه. قال: فأنت كنت ترزقه؟ قلت: بل الله كان يرزقه. قال: فكذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامه، فإن شاء الله أحياه وإن شاء أماته ولك أجر ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تصدقوا فإنه يوشك أن يخرج الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سلمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما نقصت صدقة من مال قط فتصدقوا ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت "حديث : أهديت لنا شاة مشوية فقسمتها كلها إلا كتفها، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: كلها لكم إلا كتفها ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والأصبهاني في الترغيب وابن عساكر عن الشعبي قال: "حديث : نزلت هذه الآية {إن تبدوا الصدقات فنعما هي} إلى آخر الآية في أبي بكر وعمر، جاء عمر بنصف ماله يحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على رؤوس الناس، وجاء أبو بكر بماله أجمع يكاد أن يخفيه من نفسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما تركت لأهلك؟" قال: عدة الله وعدة رسوله. فقال عمر لأبي بكر: ما سبقناك إلى باب خير قط إلا سبقتنا إليه ". تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم وصححاه عن عمر قال: "حديث : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أبقيت لأهلك؟" قلت: مثله. وأتى أبو بكر يحمل ما عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. فقلت: لا أسابقك إلى شيء أبداً ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب قال: إنما أنزلت هذه الآية {إن تبدوا الصدقات فنعما هي} في الصدقة على اليهود والنصارى. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قرأ (وتكفر عنكم من سيئاتكم) وقال: الصدقة هي التي تكفر. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءة ابن مسعود {خير لكم تكفر} بغير واو.
القشيري
تفسير : إن أظْهَرْتَ صحبتَكَ معنا وأعلنتَ فلقد جوَّدْتَ وأحْسنْتَ، وإنْ حفظت سِرَّنَا عن دخول الوسائط بيننا صُنْتَ شروط الوداد، وشَيَّدت من بناء الوصلة العماد.
البقلي
تفسير : {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} ان كان الاعطاء من مقام اليقين بنعت التمكين وان كان محقا عن مطالعة النفس بنعت خصائص الاخلاص وايضا ان اعلنت الانفاق لتسبى بها قلوب المريدين ويهيج اسرارهم الى بذل الارواح فى شرائط محبتنا فنعما هى لان المعاملة من المتمكن تصبر قدوة لطلاب المعرفة وان اخفيت ما عملت من نفسك والتفات المخلوقات وارتفاع الطبع فى الاعواض فنعما هى لان قدس الباطن عن روية الا فعال وطمع الاعواض ويكون واقعا لخطرات المشوبة بالرياء ويتولد منه صرف النفس فى جميع الاحوال.
اسماعيل حقي
تفسير : {إن تبدوا الصدقات فنعما هى} اى ان تظهروا الصدقات فنعم شىء ابداؤها بعد ان لم يكن رياء وسمعة وهذا فى الصدقات المفروضة واما فى صدقة التطوع فالاخفاء أفضل وهى التى اريد بقوله {وإن تخفوها} اى تعطوها خفية {وتؤتوها الفقراء} ولعل التصريح بايتائها الفقراء مع انه واجب فى الابداء ايضا لما ان الاخفاء مظنة الالتباس والاشتباه فان الغنى ربما يدعى الفقر ويقدم على قبول الصدقة سرا ولا يفعل ذلك عند الناس {فهو خير لكم} اى فالاخفاء خير لكم من الابداء وكل متقبل اذا صلحت النية وهذا فى التطوع ومن لم يعرف بالمال واما فى الواجب فالبعكس ليقتدى به كالصلاة المكتوبة فى الجماعة افضل والنافلة فى البيت ولنفى التهمة وسوء الظن حتى اذا كان المزكى ممن لا يعرف باليسار كان اخفاؤه افضل خوف الظلمة عن ابن عباس رضى الله عنهما صدقة السر فى التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفا وصدقة الفريضة علانيتها افضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا {و} الله {يكفر عنكم من سيئاتكم} من تبعيضية اى شيأ من سيآتكم لانه يمحو بعض الذنوب بالتصدق فى السر والعلانية او زائدة على رأى الاخفش فالمعنى يمحو عنكم جميع ذنوبكم {والله بما تعملون} من الاسرار والاعلان {خبير} فهو ترغيب فى الاسرار. ذكر الامام فى ان الاسرار والاخفاء فى صدقة التطوع افضل وجوها الاول انها ابعد من الرياء والسمعة قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يقبل من مسمع ولا مرائى ولا منان ". تفسير : والمتحدث فى صدقة لا شك انه يطلب السمعة والمعطى فى ملأ من الناس يطلب الرياء فالاخفاء والسكوت هو المخلص منهما. وقد بالغ قوم فى صدقة الاخفاء واجتهدوا ان لا يعرفهم احد فكان بعضهم يلقيها فى يد اعمى وبعضهم يلقيها فى طريق الفقير فى موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطى وبعضهم كان يشدها فى ثوب الفقير وهو نائم وبعضهم كان يوصل على يد غيره وثانيها انه اذا اخفى صدقته لم يحصل له من الناس شهرة وتمدح وتعظيم فكان ذلك اشق على النفس فوجب ان يكون اكثر ثوابا. وثالثها قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : افضل الصدقة جهد المقل الى فقير فى سر ". تفسير : وقال ايضا "حديث : ان العبد يعمل عملا ان فى السر فيكتبه الله تعالى سرا فان اظهره نقل من السر وكتب فى العلانية فان تحدث نقل من السر والعلانية وكتب فى الرياء ". تفسير : وفى الحديث "حديث : سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل الا ظله امام عدل وشاب نشأ فى عبادة الله تعالى ورجل قلبه معلق بالمسجد اذا خرج منه حتى يعود اليه ورجلان تحابا فى الله اجتمعا على ذلك وتفرقا ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال انى اخاف الله ورجل تصدق بصدقة فاخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : صدقة السر تطفئ غضب الرب ". تفسير : واما الوجه فى جواز اظهار الصدقة فهو ان الانسان اذا علم انه اذا اظهرها صار فى ذلك سببا لاقتداء الخلق به فالاظهار افضل. قال محمد بن على الحكيم الترمذى ان الانسان اذا اتى بعمله وهو يخفيه عن الخلق وفى نفسه شهوة ان يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة فههنا الشيطان يردد عليه رؤية الخلق والقلب ينكر ذلك ويدفعه فهذا الانسان فى محاربة الشيطان فضوعف العمل فى السر سبعين ضعفا على العلانية ثم ان تقرب العبد الى الله انما يكون بفرض اوجبه الله عليه او بنفل اوجبه العبد على نفسه. فعلى كلا التقديرين الله عليم بهما فيجازى العبد بهما كما قال فى حديث ربانى "حديث : لن يتقرب الى المتقربون بمثل ما افترضت عليهم ولا يزال العبد يتقرب الىّ بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا فبى يسمع وبى يبصر وبى ينطق وبى يبطش ". تفسير : ولكن الشأن اخلاص العمل لله من غير شوبه بعلة دنيوية او اخروية فانها شرك والشرك ظلم عظيم فلا بد من الاجتناب شعر : جو رويى بخدمت نهى بر زمين خدارا ثناكوى وخودرا مبين تفسير : فاخفاء الصدقة اشارة فى الحقيقة الى تخليصها من شوب الحظوظ النفسانية لتكون خالصة لله فصاحبها يكون فى ظل الله كما قال عليه السلام "حديث : المرء يكون فى ظل صدقته يوم القيامة ". تفسير : يعنى ان كانت صدقته لله فيكون فى ظل الله وان كانت صدقته للجنة فيكون فى ظل الجنة وان كانت صدقته للهوى فيكون فى ظل هاوية فافهم جدا شعر : رطب ناورد جوب خرزهره بار جه تخم افكنى بر همان جشم دار
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف فنعما - بفتح النون وكسر العين - وقرأ ابن كثير، وورش، ويعقوب، وحفص، والاعشى والبرجمي - بكسر النون والعين - وقرأ أهل المدينة - إلا ورشاً - وأبو عمر، وأبو بكر - إلا الأعشى - والبرجمي - بكسر النون وسكون العين - وكذلك في النساء في قوله: {نعماً يعظكم به} وقرأ ابن عامر وحفص {ويكفر} بالياء والرفع. وقرأ أهل المدينة، وحمزة والكسائي وخلف عن أبي بكر بالنون والجزم. الباقون بالنون والرفع. المعنى الاعراب: قال أبو علي الفارسي: المعنى في قوله {إن تبدوا الصدقات فنعماً هي} إن في نعم ضمير الفاعل و "ما" في موضع نصب وهي تفسير الفاعل المضمر قبل الذكر والتقدير نعم شيئاً ابدؤاها. فالابداء هو المخصوص بالمدح إلا أن المضاف حذف واقيم المضاف إليه الذي هو ضمير الصدقات مقامه، فالمخصوص بالمدح هو الابداء بالصدقات لأن الصدقات تدل على ذلك قوله: {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} أي الاخفاء خير لكم. فكما أن هو ضمير الاخفاء وليس بالصدقات كذلك ينبغي أن يكون ضمير الابداء مراداً وإنما كان الاخفاء - والله أعلم - خيراً لأنه أبعد من أن يشوب الصدقة مراءاة للناس وتصنع لهم فيخلص لله (تعالى) ولم يكن المسلمون إذ ذاك ممن يسبق إليهم ظنه في منع واجب. والفرق بين الصدقة والزكاة أن الزكاة لا تكون إلا فرضاً والصدقات قد تكون فرضاً، وقد تكون نفلا. واختلفوا في الصدقة التي إخفاؤها أفضل. فقال ابن عباس، وسفيان، واختاره الجبائي: انها صدقة التطوع، لأنها أبعد من الرياء فأما الصدقة الواجبة فاظهارها عندهم أفضل لأنه أبعد من التهمة. وقال يزيد بن أبي حبيب: الصدقات على أهل الكتاب إظهارها أولى، وهي على المسلمين إخفاؤها أفضل. وقال الحسن، وقتادة: الاخفاء في كل صدقة من زكاة وغيرها أفضل، وهو الأقوى لأنه عموم الآية وعليه تدل أخبارنا وقد روي عن أبي عبد الله (ع) أن الاخفاء في النوافل أفضل. وقال أبو القاسم الابداء خير. والمفسرون على خلافه. اللغة: والاخفاء: هو الستر تقول أخفيت الشيء أخفيه إخفاء: إذاسترته: والخفى الاظهار خفيته أخفيه خفياً إذا أظهرته لأنه إظهار يخفى قال الشاعر: شعر : فان تدفنوا الداء لا تخفه وأن تبعثوا الحرب لا نقعد تفسير : والخفاء: الغطاء والخوافي من ريش الطائر ما دون القوادم لأنها يخفى بها والخفية عريش الاسد لأنه يختفي فيها تقول: اختفى اختفاء وخفى تخفية وتخفى تخفياً واستخفى استخفاء وأصل الباب الستر. والابداء والاظهار والاعلان نظائر والاخفاء والاسرار والاغماض نظائر. تقول بدا الشيء يبدو: إذا ظهر، وابديته: إذا أظهرته. الاعراب والقراءة: وضعف النحويون بأجمعهم قراءة أبي عمرو, وقالوا لا يجوز إسكان العين مع الادغام وإنما هو إخفاء يظن السامع أنه إسكان. وإنما لم يجز الاسكان مع الادغام لأنه جمع بين ساكنين في غير حروف المد واللين في نحو دابة وغير ذلك. وقد أنشد سيبويه في الجمع بين ساكنين مثل اجتماعهما في نعما قول الشاعر: شعر : كأنها بعد كلال الزاجر ومسحه مر عقاب كاسر تفسير : وأنكره أصحابه. ومن رفع يكفر عطفه على موضع (ما) بعد الفاء ومن جزم فعلى موضع الفاء. ومثل الاول قوله: {ومن يضلل الله فلا هادي له ويذرهم} ونظير الثاني {فأصدق وأكن} فمن اختار الجزم فلانه أبين في الاتصال بالجزاء ومن رفع فلانه أشكل بما دخلت له الفاء إذ كانت إنما دخلت لاستقبال الكلام بعدها وإن كان في معنى الجواب. ومن قرأ بالياء فمعناه {ويكفر الله} وقوله: {من سيئاتكم} دخلت من للتبعيض لأنه إنما يكفر بالطاعة - غير التوبة - الصغائر. هذا على مذهب من يقول بالصغائر والاحباط. فأما على مذهبنا فانما كان كذلك لأن اسقاط العقاب كله تفضل، فله أن يتفضل باسقاط بعضه دون بعض فلو لم يدخل من لا فاداته يسقط جميع العقاب. وقال قوم من زائدة والذي ذكرناه أولى لأنه لا حاجة بنا إلى الحكم بزيادتها مع امكان حملها على فائدة {والله بما تعملون خبير} معناه أنه تعالى بما تعملونه في صدقاتكم من إخفائها وإعلانها عالم خبير به لا يخفى عليه شيء من ذلك فيجازي على جميعه بحبسه. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال لابن العاص "حديث : نعما بالمال الصالح للرجل الصالح"تفسير : فاختار أبو عبيد لأجل هذه الرواية قراءة أبي عمرو وقال الزجاج هذه رواية غير مضبوطة ولا يجوز عند البصريين ذلك لأنه فيه جمعا بين ساكنين من غير حرف مد ولين وفي نعم ثلاث لغات نعم ونعم ونعما.
الجنابذي
تفسير : {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ابداء الانفاق خير او اسراره؟ - فقال: ان تبدوها {فَنِعِمَّا هِيَ} اى فنعم شيئاً او نعم الشّيء الصّدقات المبدءات وجعل المخصوص هاهنا الصّدقات للاشعار بأنّ مدح الابداء انّما هو لمدح الصّدقات بخلاف اخفائها فانّه ممدوح فى نفسه وممدوح لمدح الصّدقات ايضاً {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ} اى الاخفاء {خَيْرٌ لَّكُمْ} كما انّ نفس الصّدقة خير لكم، وجعل المخصوص بالمدح فى الفقرة الاولى ابداء الصّدقات كما قدّروا يذهب باللّطف المندرج فى العبارة. فى الخبر: انّ كلّما فرض الله عليك فاعلانه أفضل من اسراره، وما كان تطوّعاً فاسراره أفضل من اعلانه، ولو انّ رجلاً حمل زكاة ماله على عاتقه فقسمها علانية كان ذلك حسناً جميلاً، وفى خبر، انّهم يعنى اصحاب الرّسول (ص) كانوا يستحبّون اظهار الفرائض وكتمان النّوافل، والوجه فى ذلك انّ الفرائض بعيدة عن المراءاة فيها والعجب والانانيّة بخلاف النّوافل، لكن نقول: هذا كسائر الاحكام يختلف باختلاف الاشخاص والاحوال فربّ صدقةٍ نفل يكون اعلانها افضل بمراتب من اعلان الزّكاة الفرض، وربّ زكاة فرض يكون اسرارها افضل من اسرار النفل {وَيُكَفِّرُ} اى الله والاخفاء قرئ بالرّفع عطفاً على مجموع جملة الشّرط والجزاء، او على الجزاء ولم يجزم لكون المعطوف عليه جملة اسميّة غير ظاهر فيها الجزم، او لتقدير مبتدءٍ حتّى يصير المعطوف على الجزاء جملة اسميّة، وقرئ بالنّون وبالتّاء المثنّاة من فوق على ان يكون الفعل للصّدقات مرفوعاً ومجزوماً {عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} ترغيب فى الاسرار بعد التّنبيه على انّه افضل بجعله محكوماً عليه بالخير دون الابداء.
الهواري
تفسير : قوله: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. أجمعت العلماء أنه يُستحب أن تكون الزكاة علانية، وصدقة التطوع سراً؛ فإذا كانت سرّاً كانت أفضل منها في العلانية. ذكر الحسن عن كعب بن عجرة أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يا كعب بن عجرة، الصلاة برهان، والصوم جنة، والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار، يا كعب، الناس غاديان: فغاد فمشتر رقبته فمعتقها، وغاد فبائع رقبته فموبقها . تفسير : قوله: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ} قال بعض المفسّرين: ذكر لنا أن رجلاً من أصحاب النبي عليه السلام قال: أتصدق على من ليس من أهل ديننا؛ فأنزل الله: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ}. قال: {وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}. وقال بعض المفسّرين: هذه الصدقة التي هي على غير المسلمين إنما هي تطوع، ولا يعطَون من الواجب شيئاً: لا من زكاة، ولا من كفارة، ولا في فداء من صوم أو حج ولا كل واجب، ولا يطعمون من النسك. ذكروا عن عطاء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا تطعموا المشركين من نسككم شيئاً .
اطفيش
تفسير : {إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ}: تطهروها بلا قصد رئاء ونحوه مما يبطلها. {فنِعمَّا هِىَ}: أى نعم شئ هى، فما نكرة موصوفة، وقوله: {وهى} خبر لمحذوف عائد إلى الصدقات على حذف مضاف، أى فنعما أبداها وما فاعل وقوله: {هى} مخصوص بالمدح أو ما تمييز، والفاعل مستتر مفسر به وهى مخصوص، أو نعم وفاعلها خبر لقوله هى، وإنما كسرت النون والعين لأنه فى الأصل نعم بوزن علم، نقلت كسرة العين للنون، ولما أدغمت ميه فى ميم ما النفى ساكنان فكسر الأول وهو العين ليجانس النون، ولأن الكسر أصل التخلص من التقائهما، أو هو لغة من يقول نعم الرجل بكسر النون والعين باتباع النون للعين بعده، قال سيبويه: هو لغة هذيل، وذلك قراءة ورش عن نافع، وقراءة عاصم، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائى بفتح النون وكسر العين على الأصل، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر وقالون عن عاصم وغيره عن نافع بكسر النون وإسكان العين، واختاره أبو عبيدة، وقال: إنهُ لغة النبى صلى الله عليه وسلم إذ قال: "حديث : نعما المال الصالح للرجل الصالح"تفسير : ، رواه بسكون العين وفيه التقاء الساكنين، والأول غير حرف مد قال المبرد: لا يقدر أحد أن ينطق بمثل ذلك وإن رام ذلك فقد حرك الأول ولم يشعر، ووافقه الزجاج والفارسى، وإنما جاز ذلك عند حرف المد، لأن مده يصير عوضا عن حركة. قال الفارسى، لعل أبا عمر وفى الآية والنبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث، حرك العين بحركة خفيفية مختلسة، فظن السامع أنها إسكان، وقد روى عن أبى بكر وأبى عمرو وقالون كسر النون وإخفاء حركة العين، وقد روى عن أبى بكر وأبى عمرو وقالون كسر النون وإخفاء حركة العين، قال الدانى: هذا أقيس، وورد النص عنهم بالإسكان، والذى فى النساء مثل ما هنا فى جمع ذلك من القراءة، والمراد بالصدقات صدقات التطوع عند الجمهور بدليل قوله تعالى. {وإنْ تُخْفُوها وتُؤتُوها الفُقَراءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُم}: لأن الزكاة إظهارها أولى كسائر الفراض، وإعطاؤها لا يجوز لغير الفقير، ولما قال: {خير لكم}، علمنا أن إعطاءها لغير الفقير جائز، فهى نفل فذلك أن خيرا اسم تفضيل، ولفظ هو عائد إلى الإخفاء، لأنه فى مقابلة إن تبدوا الصدقة، ويجوز عوده إلى المذكور وهو الإخفاء والإيتاء للفقراء، وتؤتى مجزوم بالعطف على الشرط أو منصوب عطفا لمصدره على المعنى، أى وإن يكن منكم إخفاءَها وإيتاءها الفقراء، وأكثر العلماء على أن إخفاء التطوع أفضل، لأنه بعد من الرئاء والسمعة، وفى الحديث "حديث : لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان"تفسير : ، وفى إظهار الصدقة هتك الفقير بإظهار فقره وإذلاله وإخراجه عن هيئة التعفف، وقد يغتابه الناس بأنه فقير يأخذ، أو بأنه أخذ وهو غير محتاج، أو بإلزام الفقير أن يعطى غيره منها إن أعطيها بحضرة غيره، لحديث: "حديث : من أهدى إليه هدية وعنده قوم فهم شركاء فيها وهو محتاج فقد لا يدفع منها لهم شيئا فيعصى"تفسير : والفرض يظهر ولو كان يوقع فى ذلك لئلا يتهم، وقيل: فيمن لم يعرض باليسار أن الأفضل لهُ إخفاءٌ الزكاة، واختار بعض إظهار النفل بنية الاقتداء، فيكون له الأجر فيما تصدق أو فعل من نفل، وفيما فعل غيره به، وأصحاب القول الأول اختاروا إخفاء ولو مع هذه النية اختياراً لجانب السلامة، إذ قد يظهر لنية الاقتداء فيزل إلى غيرها، ومن لا يزل إلى غيرها فالإظهار له أفضل، قال ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : السر أفضل من العلانية، أفضل لمن أراد الاقتداء"تفسير : ، وفى الآية إطلاق ترجيح الإخفاء مطلقا فيقيد هذا الإطلاق بهذا الحديث المذكور، أى فهو خير لكم من إبدائها إلا إن صحت نيتكم فى إرادة الاقتداء؛ فيحتمل أن يكون خير غير اسم تفضيل، أى منفعة لكم وطاعة من الطاعات، وعن ابن عباس: "حديث : صدقة السر فى التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفا وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا"تفسير : ، وروى الربيع والبخارى ومسلم عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله"تفسير : أو إلا ظل، لم يبح لكل من أرادة كظل الدنيا، بل ظله منعه الله لا طاقة لأحد إلا الذهاب إليه، أو ظل عرشه "حديث : إمام عادل، وشاب نشأ فى عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا فى الله اجتمعا على ذلك وافترقا عليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب، وجمال فقال إنى أخاف الله، ورجل تصدق بصقدة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه"تفسير : ، وقال بعض العلماء: الآية فى الزكاة وكان إخفاوها خيرا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم لا يظنون أحداً يمنعها، وقيل فى الزكاة والنفل والإخفاء فيهما أفضل عند هذا القائل. والصحيح ما مر أولا، وفى الحديث: "حديث : صلاة الرجل فى بيته أفضل من صلاته فى المسجد إلا المكتوبة" تفسير : {ويُكفِّر عَنْكُمْ منْ سَيِّئاتِكُم}: بالجزم عطفا على محل جملة جواب الشرط، قرئ بالتحتية والرفع، وضمير يغفر عائد إلى الله أو إلى الإخفاء وإيتاء الفقراء بتأويل المذكور، وإسناد التكفير إلى الإخفاء أو إليه وإلى الإيتاء من الإسناد إلى السبب، وهو قراءة ابن عباس وابن عامر وعاصم فى رواية حفص، والرفع على الاستئناف أو عطف اسمية على إسمية على أن التقدير: والله يكفر أو الإخفاء يكفر، أو المذكور من الإخفاء وإيتاء الفقراء يكفر، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم فى رواية ابن عباس، ويعقوب، بالنون والرفع، ووجه الرفع ما ذكر، ودلت هذه القراءة والأولى على أن ضمير يكفر فى قراءة الياء عائد إلى الله تعالى، وقرأ الحسن: ويكفر بالياء والنصب بأن مضمرة، وذلك من العطف على المعنى، أى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء يكن خيراً لكم وتكفيراً لسيئاتكم وقرئ بالتاء الفوقية على الاستئناف أو الأخبار لمحذوف، والجملة معطوفة على الجواب، أى الصدقات تكفر وقرئ بها مع الجزم عطفا على محل الجواب، والضمير فى القراءتين عائد إلى الصدقات، ومن للتبعيض، لأن الصدقات لا يكفر الله بها جميع السيئات، بل الصغائر، ومفعول يكفر محذوف منعوت بقوله: (منْ سيثاتكم) أى شيثا ثابتا من سيئتاكم وهو الصغائر، ومن جعل من التبعيضية اسما جعلها المفعول، وأجاز الأخفش زيادة من فى الإيجاب، والمعرفة، ويجوز كون المفعول سيثاتكم، ويناسبه ما روى عن ابن عباس أنهُ قال: ويكفر عنكم جميع سيئاتكم، وقيل: أدخل من التبعيضية ليكون العباد على وجل، ولا يتكلوا، ووجه قول ابن عباس: أن الصدقة تكون سبباً لتكفير الذنوب ولو كبائر بين المخلوقين كالقتل، إذ يصدق فتكون صدقته سببا للتهود إلى التوبة وسببا لقبول التوبة منها، وأيضاً يتوب، وتوضع صدقته فى حسنات المظلوم، وأيضا يعمل ذنوبا ولا يصر عليها، بل يغفل عنها فتكون صدقاته كفارات لها، لأنهُ قصد بها رضى الله عنه. {وَاللّهُ بما تَعْملُونَ}: من إبداء الصدقات وإخفائها. {خَبيرٌ}: لا يخفى عنه ما دق أو أخفى كما لا يخفى عنه ما أظهر، ومن قال بالفرق بينهما فى زيادة الظهور له أشرك وذلك ترغيب فى الإخفاء، إنما تريدون ثوابى، فإذا كان يحصل بالإخفاء فما وجه الإبداء الذى فيه خطر للرياء إلى السمعة وغيرهما.
اطفيش
تفسير : {إِن تُبْدُواْ} تظهروا {الصَّدَقَٰتِ} النافلة، وأما الفرض فإظهاره أوكد مع وجوب الإخلاص مطلقاً، لئلا يتهم بعدم أدائه، وليقتدى به، ومن لم يعرف بمال، فقيل إخفاؤه أفضل، قلت، بل إظهاره، لأن فيه اقتداء وإقامة لشعار الإسلام، والرثاء مجتنب، كما يجتنبه من عرف بالمال، بل زعم بعض، أنه لا رثاء فى الفرض {فَنِعِمَّا هِىَ} أى نعم شىء هو هى، وقد أبديت، أو يقدر مضاف، أى نعم شىء هو إبداؤها، وأصل العين السكون، لكن رجعت إلى الأصل، وهو الكسر، ليمكن الإدغام، أو جاء على الأصل الأول، وكسر النون على كل حال اتباع للعين، وأصل الميم الفتح، ولكن سكنت لتدغم {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ} أى إيتاؤها فى إخفاء، إبقائها، أو ما ذكر من إخفاء وإيتاء للفقراء فى كل ذلك، أو الضمير عائد إلى الصدقة، وذكر لتذكير الخبر {خَيْرٌ} أفضل، قيل، أو خير من جملة الخيور {لَّكُمْ} من إبدائها، ولو مع إعطائها الفقراء، ومن إعطائها الأغنياء ولو مع إخفاء، ولا حظ لهم فى الزكاة وأنواع الكفارة. وعن ابن عباس: صدقة التطوع فى السر تفضل علانيتها بسبعين وصدقة الفريضة تفضل علانيتها سرها بخمسة وعشرين، وهو حديث موقوف فى حكم المرفوع، إذ لا يعلم ذلك بالاجتهاد، وكذلك سائر الطاعات، وروى مرفوعا، "حديث : أفضل الصدقة صدقة سر إلى فقير"تفسير : ، أو جهد من مقل، ثم قرأ الآية، وروى مرفوعا، "حديث : صدقة السر تطفىء غضب الرب" تفسير : {وَيُكَفِّرُ عَنكُم} "بالضم" وقراءة بالجزم عطفا على محل جملة الجواب، وهكذا قل، ولا تقل لا محل للجملة، وإنما الجزم لعطفها على جملة لو كان المضارع فى موضعها جزم، وقولهم، لا محل للجملة إلا إذ كانت فى محل المفرد مخصوص بحيث يصلح المفرد، والجواب لا يصلح فيه المفرد فالجملة فى محلها إذا كانت جواباً. واعلم أن المحل لما بعد الفاء وما بعدها، كما قيل، وأفيدك أنه إذا حذف الجواب الذى لا يحتاج إلى الفاء وبقى منه اسم قرن بالفاء نحو، إن تعط درهما يعطك ربى عشرة، وإن تعط عشرة فمائة بالفاء، ولو ذكر لم تكن الفاء، بل نقول، يعطك مائة بلا فاء ولا ياء {مِّن سَيِّئَاتِكُمْ} بعض سيئاتكم، وباقيها يكفر بالعمل الآخر، وأجاز الأخفش زيادة من فى الإثبات، ومع المعرفة، أى يغفر لكم سيئاتكم، أى الجنس فيعود إلى معنى التبعيض، أو سيئاتكم كلها، ووزن سيئة فيعلة، بفتح الفاء وإسكان الياء وكسر العين، والأصل سيوأة، بفتح السين وإسكان الياء وكسر الواو، وأبدلت ياء، وأدغمت فيها الياء، أو فعيلة بفتح الفاء وكسر العين وإسكان الياء، والأصل سويأة، بفتح السين وكسر الواو وإسكان الياء بعدها همزة، قدمت الياء على الواو، وقلبت ياء، وأدغمت فيها الياء، لأنه من السوء {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} ترغيب فى الإخلاص، سراً وعلناً، ووعيد للمرأئى وللمؤذى والمان، قال صلى الله عليه وسلم "حديث : أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير فى سر"تفسير : . قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان"تفسير : ، وقد يتمخض قصد الاقتداء فيكون الإظهار، ولو للنفل أولى، وقد بالغوا فى الإخفاء، فمنهم الشيخ كموس رحمه الله كان يصر الدراهم إلى ألواح الطلبة ويضعها فى قماطر كتبهم، ولما مات فقدوا ذلك، فعرفوا أنه فاعل ذلك، رحمه الله وأرضاه، ولذلك لقب بكموس، لأن كموسا بلغتنا البربرية للعقود، وكان بعض بلقيه فى يد الأعمى، وبعض فى طريق، أو فى موضع جلوسه، لأن الدراهم بلا علاقة، تملك من حين تلفظ بلا تعريف، أو يشده فى ثوبه وهو نائم، وبعض يبيع برخص ويشترى بغلاء تصدقا، وهذا لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ولا يمينه تعلم، ولا الملائكة على ألا يظهر لهم ما فى القلب، قال صلى الله عليه وسلم: إن العبد ليعمل سرا فيكتب، فإن أظهره، أى بلا رياء، نقل من السر وكتب فى العلن، فإن تحدث به كتب فى الرياء، وعن ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : السر أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء ".
الالوسي
تفسير : {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ} أي تظهروا إعطاءها، قال الكلبـي: لما نزلت {أية : وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ } تفسير : [البقرة: 270] الآية قالوا: يا رسول الله/ صلى الله عليه وسلم أصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فنزلت، فالجملة نوع تفصيل لبعض ما أجمل في الشرطية وبيان له ولذلك ترك العطف بينهما، والمراد من الصدقات على ما ذهب إليه جمهور المفسرين صدقات التطوع، وقيل: الصدقات المفروضة، وقيل: العموم {فَنِعِمَّا هِيَ} الفاء ـ جواب للشرط، ـ ونعم ـ فعل ماض، و (ما) كما قال ابن جني: نكرة تامة منصوبة على أنها تمييز وهي مبتدأ عائد للصدقات على حذف مضاف أي إبداؤها أو لا حذف، والجملة خبر عن (هي)، والرابط العموم، وقرأ ابن كثير وورش وحفص بكسر النون والعين للاتباع وهي لغة هذيل قيل: ويحتمل أنه سكن ثم كسر لالتقاء الساكنين، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون وكسر العين على الأصل كعلم، وقرأ أبو عمرو وقالون وأبو بكر بكسر النون وإخفاء حركة العين، وروي عنهم: الإسكان أيضاً ـ واختاره أبو عبيدة ـ وحكاه لغة، والجمهور على اختيار الاختلاس على الإسكان حتى جعله بعضهم من وهم الرواة، وممن أنكره المبرد والزجاج والفارسي لأن فيه جمعا بين ساكنين على غير حده. {وَإِن تُخْفُوهَا} أي تسروها والضمير المنصوب إما للصدقات مطلقاً وإما إليها لفظاً لا معنى بناءاً على أن المراد بالصدقات المبداة المفروضة وبالمخفاة المتطوع بها فيكون من باب ـ عندي درهم ونصفه ـ أي نصف درهم آخر، وفي جمع الإبداء والإخفاء من أنواع البديع الطباق اللفظي كما أن في قوله تعالى: {وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ} الطباق المعنوي لأنه لا يؤتي الصدقات إلا الأغنياء قيل: ولعل التصريح بإيتائها الفقراء مع أنه لا بد منه في الإبداء أيضاً لما أن الإخفاء مظنة الالتباس والاشتباه فإن الغني ربما يدعي الفقر ويقدم على قبول الصدقة سراً ولا يفعل ذلك عند الناس، وتخصيص الفقراء بالذكر اهتماماً بشأنهم، وقيل: إن المبداة لما كانت الزكاة لم يذكر فيها الفقراء لأن مصرفها غير مخصوص بهم، والمخفاة لما كانت التطوع بين أن مصارفها الفقراء فقط وليس بشيء لأنه بعد تسليم أن المبداة زكاة والمخفاة تطوع لا نسلم أن مصارف الثانية الفقراء فقط ـ ودون إثبات ذلك الموت الأحمر ـ وكأنه لهذا فسر بعضهم الفقراء بالمصارف. {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي فالإخفاء {خَيْرٌ لَّكُمْ} من الإبداء، و خير لكم من جملة الخيور، والأول هو الذي دلت عليه الآثار والأحاديث في أفضلية الإخفاء أكثر من أن تحصى. أخرج الإمام أحمد عن أبـي أمامة حديث : أن أبا ذر قال: يا رسول الله أيّ الصدقة أفضل؟ قال: «صدقة سر إلى فقير أو جهد من مقل ثم قرأ الآية»تفسير : ، وأخرج الطبراني مرفوعاً «حديث : إن صدقة السر تطفىء غضب الرب»تفسير : . وأخرج البخاري «حديث : سبعة يُظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله ـ إلى أن قال ـ ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»تفسير : والأكثرون على أن هذه الأفضلية فيما إذا كان كل من صدقتي السر والعلانية تطوعاً ممن لم يعرف بمال وإلا فإبداء الفرض لغيره أفضل لنفي التهمة وكذا الإظهار أفضل لمن يقتدى به وأمن نفسه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «صدقة السر في التطوع تفضل على علانيتها سبعين ضعفاً وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمس وعشرين ضعفاً» وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. {وَيُكَفّرُ عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ} أي والله يكفر أو الإخفاء، والإسناد مجازي، و {مِنْ} تبعيضية لأن الصدقات لا يكفر بها جميع السيئات، وقيل: مزيدة على رأي الأخفش، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية ابن عياش ويعقوب ـ نكفر ـ بالنون مرفوعاً على أنه جملة مبتدأة أو اسمية معطوفة على ما بعد الفاء/ أي ونحن نكفر، وقيل: لا حاجة إلى تقدير المبتدأ، والفعل نفسه معطوف على محل (ما) بعد الفاء لأنه وحده مرفوع لأن الفاء الرابطة مانعة من جزمه لئلا يتعدد الرابط، وقرأ حمزة والكسائي ـ نكفر ـ بالنون مجزوماً بالعطف على محل الفاء مع ما بعدها لأنه جواب الشرط قاله غير واحد، واستشكله البدر الدماميني بأنه صريح في أن الفاء، و (ما) دخلت عليه في محل جزم، وقد تقرر أن الجملة لا تكون ذات محل من الإعراب إلا إذا كانت واقعة موقع المفرد وليس هذا من محال المفرد حتى تكون الجملة واقعة ذات محل من الإعراب وذلك لأن جواب الشرط إنما يكون جملة ولا يصح أن يكون مفرداً فالموضع للجملة بالأصالة وادعى أن جزم الفعل ليس بالعطف على محل الجملة وإنما هو لكونه مضارعاً وقع صدر جملة معطوفة على جملة جواب الشرط الجازم وهي لو صدرت بمضارع كان مجزوماً فأعطيت الجملة المعطوفة حكم الجملة المعطوف عليها وهو جزم صدرها إذا كان فعلاً مضارعاً ويمكن دفعه بالعناية فتدبر، وقرىء ـ وتكفر ـ بالتاء مرفوعاً ومجزوماً على حسب ما علمت والفعل للصدقات. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} في صدقاتكم من الإبداء والإخفاء {خَبِيرٌ} عالم لا يخفى عليه شيء فيجازيكم على ذلك كله، ففي الجملة ترغيب في الإعلان والإسرار وإن اختلفا في الأفضلية، ويجوز أن يكون الكلام مساقاً للترغيب في الثاني لقربه ولكون الخبرة بالإبداء ليس فيها كثير مدح.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني ناشىء عن قوله: { أية : وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه } تفسير : [البقرة: 270]، إذ أشعر تعميمُ «مِن نفقة» بحال الصدقات الخفيّة فيتساءل السامع في نفسه هل إبداء الصدقات يُعد رِياءً وقد سمع قبل ذلك قوله: { أية : كالذي ينفق ماله رئاء الناس } تفسير : [البقرة: 264]، ولأنّ قوله: { أية : فإن الله يعلمه } تفسير : [البقرة: 270] قد كان قولاً فصلاً في اعتبار نيَّات المتصدّقين وأحوال ما يظهرونه منها وما يخفونه من صدقاتهم. فهذا الاستئناف يدفع توهّماً من شأنه تعطيل الصدقات والنفقات، وهو أن يمسك المرء عنها إذا لم يجد بُدّاً من ظهورها فيخشى أن يصيبه الرياء. والتعريف في قوله: {الصدقات} تعريف الجنس، ومحمله على العموم فيشمل كل الصدقات فرضِها ونفلها، وهو المناسب لموقع هذه الآية عقب ذكر أنواع النفقاتِ. وجاء الشرط بإنْ في الصدقتين لأنّها أصل أدوات الشرط، ولا مقتضى للعدول عن الأصل، إذ كلتا الصدقتين مُرض لله تعالى، وتفضيل صدقة السرّ قد وفى به صريح قوله: {فهو خير لكم}. وقوله: {فنعما} أصله فنعمَ مَا، فأدغم المِثلان وكسرت عَيْن نِعْم لأجل التقاء الساكنين، وما في مثله نكرة تامة أي متوغّلة في الإبهام لا يقصد وصفها بما يخصّصها، فتمامُها من حيث عدم إتباعها بوصف لا من حيث إنّها واضحة المعنى، ولذلك تفسّر بشيء. ولما كانت كذلك تعيّن أن تكون في موضع التمييز لضمير نعم المرفوع المستتر، فالقصد منه التنبيه على القصد إلى عدم التمييز حتى إنّ المتكلم ــــــ إذا ميّز ــــــ لا يميّز إلاّ بمثلِ المميَّز. وقوله {هِي} مخصوص بالمدح، أي الصدقاتُ، وقد علم السامع أنّها الصدقات المُبْدَأة، بقرينة فعل الشرط، فلذلك كان تفسير المعنى فنعما إبداؤهما. وقرأ ورش عن نافع وابنُ كثير وحفص ويعقوب فنِعِمَّا ــــــ بكسر العين وتشديد الميم من نِعم مع ميم ما ــــــ. وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون وكسر العين. وقرأه قالون عن نافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بكسر النون واختلاس حركة العين بين الكسر والسكون. وقرأه أبو جعفر بكسر النون وسكون العين مع بقاء تشديد الميم، ورويت هذه أيضاً عن قالون وأبي عمرو وأبي بكر. وقوله: {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} تفضيل لصدقة السرّ لأنّ فيها إبْقاء على ماءِ وجه الفقير، حيث لم يطّلع عليه غير المعطي. وفي الحديث الصحيح، عَد من السبعة الذين يظلّهم الله بظلّه « حديث : ...ورجلٌ تصدّقَ بصدقة فأخفاها حتى لا تَعلمَ شِماله ما أنْفَقَت يَمينه »، تفسير : (يعني مع شدّة القرب بين اليمين والشمال؛ لأنّ حساب الدراهم ومناولة الأشياء بتعاونهما، فلو كانت الشمال من ذوات العلم لما اطلعت على ما أنفقته اليمين). وقد فضّل الله في هذه الآية صدقة السرّ على صدقة العلانية على الإطلاق، فإن حُملت الصدقات على العموم ــــــ كما هو الظاهر ــــــ إجراءً للفظ الصدقات مجرى لفظ الإنفاق في الآي السابقة واللاّحِقة ــــــ كان إخفاء صدقة الفرض والنفل أفضل، وهو قول جمهور العلماء، وعن الكِيَا الطَّبَري أنّ هذا أحد قولي الشافعي. وعن المهدوي: كان الإخفاء أفضل فيهما في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ساءت ظنون الناس بالناس فاستحسن العلماءُ إظهار صدقة الفرض، قال ابن عطية: وهذا مخالف للآثار أنّ إخفاء الصدقة أفضل. فيكون عموم الصدقات في الآية مخصوصاً بصدقة التطوّع، ومخصّص العموم الإجماعُ، وحكى ابن العربي الإجماع عليه. وإن أريد بالصدقات في الآية غير الزكاة كان المراد بها أخصّ من الإنفاق المذكور في الآي قبلها وبعدها، وكان تفضيل الإخفاء مختصاً بالصدقات المندوبة. وقال ابن عباس والحسن: إظهار الزكاة أفضل، وإخفاء صدقة التطوّع أفضل من إظهارها وهو قول الشافعي. وقوله: {وتؤتوها الفقراء}، توقّف المفسّرون في حكمة ذكره، مع العلم بأنّ الصدقة لا تكون إلاّ للفقراء، وأنّ الصدقة المُبْدَاة أيضاً تعطي للفقراء. فقال العصام: «كأنّ نكتة ذكره هنا أنّ الإبداء لا ينفكّ عن إيتاء الفقراء؛ لأنّ الفقير يظهر فيه ويمتاز عن غيره إذ يعلمه الناس بحاله، بخلاف الإخفاء، فاشترط معه إيتاؤها للفقير حثّاً على الفحص عن حال من يعطيه الصدقة» (أي لأنّ الحرِيصينَ ــــــ من غير الفقراء ــــــ يستحيون أن يتعرّضوا للصدقات الظاهرة ولا يصدّهم شيء عن التعرّض للصدقات الخفيّة). وقال الخفاجي: «لم يذكر الفقراء مع المُبْدَاةِ لأنّه أريد بها الزكاة ومصارفها الفقراءُ وغيرهم، وأما الصدقة المخفَاةُ فهي صدقة التطوّع ومصارفها الفقراء فقط». وهو ضعيف لوجهين: أحدهما أنّه لا وجه لقصر الصدقة المبدَاةِ على الفريضة ولا قائل به بل الخلاف في أنّ تفضيل الإخفاء هل يعمّ الفريضة أولاً، الثاني أنّ الصدقة المتطوّع بها لا يمتنع صرفها لغير الفقراء كتجهيز الجيوش. وقال الشيخ ابن عاشور جدّي في تعليق له على حديث فضل إخفاء الصدقة من «صحيح مسلم»: « حديث : عطف إيتاء الفقراء على الإخفاء المجعول شرطاً للخيرية في الآية ــــــ مع العلم بأنّ الصدقة للفقراء ــــــ يؤذن بأنّ الخيرية لإخْفَاءِ حال الفقير وعدم إظهار اليد العليا عليه »، تفسير : أي فهو إيماء إلى العلة وأنّها الإبقاء على ماء وجه الفقير، وهو القول الفصل لانتفاء شائبة الرياء. وقوله: {ويكفر عنكم من سيئاتكم} قرأه نافع والكسائي وأبو بكر وأبو جعفر وخلف بنون العظمة، وبجزم الراء عطفاءً على موضع جملة الجواب وهي جملة فهو خير لكم، فيكون التكفير معلّقاً على الإخفاء. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو بالنون أيضاً وبرفع الراء على أنّه وعد على إعطاء الصدقات ظاهرةَ أو خفية وقرأه ابن عامر وحفص بالتحتية ــــــ على أنّ ضميره عائد إلى الله ــــــ وبالرفع.
القطان
تفسير : ان تظُهروا صدقاتكم خالية من الرياء والتصنع فأنعمْ بهذا العمل وأكرم به، ذلك ان اظهارها يشجع الناس على ان يقتدوا بكم فتكونون أسوة حسنة. وهو عمل طيب يرضى عنه ربكم. وان اعطيتموها خفية وسراً حتى لا تُحرجوا الفقراء، وخوفاً من تدخُّل الرياء، فان ذاك افضل لكم، وبه تنقص ذنوبكم يوم القيامة. وقد قال اكثرُ العلماء بأفضلية السر على العلانية في صدقة التطوّع، أما الزكاة المفروضة فالأفضل ان يعطيها علناً لأنها من شعائر الدين، وهذه يجب اظهارها حتى يقتدى بها الناس. والله تعالى يغفر لكم من خطاياكم وذنوبكم بسبب اخلاصكم في صدقاتكم، والله خبير بما تفعلون في صدقاتكم من الإسرار والإعلان. القراءات: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي "فنعم" بفتح النون وكسر العين، وقرأ أبو بكر وأبو عمرو وقالون "فنعم" بكسر النون وسكون العين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّدَقَاتِ} (271) - إنْ أظْهَرْتُمُ الصَّدَقَاتِ فَلا بَأسَ فِي ذَلِكَ، وَإنْ أسْرَرْتُمُ الصَّدَقَاتِ فَذَلِكَ أفْضَلُ لأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ، إلاّ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى الإِظْهَارِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، مِن اقْتِداءِ النَّاسِ بِهِ، فَيَكُونُ الإِظْهَارُ أفْضَلَ. وَيُجَازِي اللهُ عِبَادَهُ المُخْلِصِينَ المُتَصَدِّقِينَ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ بَتَكْفِيرِ سَيِّئَاتِهِمْ، واللهُ لاَ يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَسَيَجْزِيهِمْ بِهِ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَدَقَةُ السِّرِّ فِي التَّطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلاَنِيَتَهَا سَبْعِينَ مَرَّةً، وَصَدَقَةُ الفَرِيضَةِ عَلانِيتُها أفْضَلُ مِنْ سِرِّها بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفاً).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فإن أظهرتم الصدقة فنعم ما تفعلون؛ لتكونوا قدوة لغيركم، ولتردوا الضغن عن المجتمع. وإن أخفيتم الصدقة وأعطيتموها الفقراء فإن الله يكفر عنكم بذلك من سيئاتكم، والله خبير بالنية وراء إعلان الصدقة ووراء إخفاء الصدقة. والتذييل في هذه الآية الكريمة يخدم قضية إبداء الصدقة وقضية إخفاء الصدقة، فالحق خبير بنية من أبدى الصدقة، فإن كان غنياً فعليه أن يبدي الصدقة حتى يحمي عرضه من وقوع الناس فيه؛ لأن الناس حين يعلمون بالغني فلا بد أن يعلموا بإنفاق الغني، وإلا فقد يحسب الناس على الغني عطاء الله له، ولا يحسبون له النفقة في سبيل الله. لماذا؟ لأن الله يريد أن يحمي أعراض الناس من الناس. أما إن كان الإنسان غير ظاهر الغنى فمن المستحسن أن يخفي الصدقة. وإن أظهرت الصدقة كما قلت ليتأسى الناس بك، وليس في ذهنك الرياء فهذا أيضاً مطلوب. والحق يقول: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: 271] أي أن الله يجازي على قدر نية العبد في الإبداء أو في الإخفاء. إنه باستقراء الآيات التي تعرضت للإنفاق نجده سبحانه يسد أمام النفس البشرية كل منافذة الشُح، ويقطع عنها كل سبيل تحدثه به إذا ما أرادت أن تبخل بما أعطاها الله، والخالق الذي وهب للمخلوق ما وهبه يطلب منه الإنفاق، وإذا نظرنا إلى الأمر في عرف المنطق وجدناه أمراً طبيعياً؛ لأن الله لا يسأل خلقه النفقة مما خَلَقُوا ولكنه يسألهم النفقة مما خلقه لهم. إن الإنسان في هذا الكون حين يُطلب إيمانياً منه أن ينفق فلازم ذلك أن يكون عنده ما ينفقه، ولا يمكن أن يكون عنده ما ينفقه إلا إذا كان مالكاً لشيء زاد على حاجته وحاجة من يعوله، وذلك لا يتأتى إلا بحصيلة العمل. إذن فأمر الله للمؤمن بالنفقة يقتضي أن يأمره أولاً بأن يعمل على قدر طاقته لا على قدر حاجته، فلو عمل كل إنسان من القادرين على قدر حاجته، فكيف توجد مقومات الحياة لمن لا يقدر على العمل؟. إذن فالحق يريد منا أن نعمل على قدر طاقتنا في العمل لنعول أنفسنا ولنعول من في ولايتنا، فإذا ما زاد شيء على ذلك وهبناه لمن لا يقدر على العمل. ولقائل أن يقول: إذا كان الله قد أراد أن يحنن قلوب المنفقين على العاجزين فلماذا لم يجعل العاجزين قادرين على أن يعملوا هم أيضاً؟ نقول لصاحب هذا القول: إن الحق حين يخلق .. يخلق كوناً متكاملاً منسجماً دانت له الأسباب، فربما أطغاه أن الأسباب تخضع له، فقد يظن أنه أصبح خالقاً لكل شيء، فحين تستجيب له الأرض إن حرث وزرع، وحين يستجيب الماء له إن أدلى دلوه، وحين تستجيب له كل الأسباب، ربما ظن نفسه أصيلاً في الكون. فيشاء الله أن يجعل القوة التي تفعل في الأسباب لتنتج، يشاء - سبحانه - أن يجعلها عرضاً من أعراض هذا الكون، ولا يجعلها لازمة من لوازم الإنسان، فمرة تجده قادراً، ومرة تجده عاجزاً. فلو أنه كان بذاتيته قادراً لما وُجَدَ عَاجزٌ. إذن فوجود العاجزين عن الحركة في الحياة لفت للناس على أنهم ليسوا أصلاء في هذا الكون، وأن الذي وهبهم القدرة يستطيع أن يسلبهم إياها ليعيدها إلى سواهم، فيصبح العاجز بالأمس قادراً اليوم، ويصبح القادر بالأمس عاجزاً اليوم وبذلك يظل الإنسان منتبهاً إلى القوة الواهبة التي استخلفته في الأرض. ولذلك كان الفارق بين المؤمن والكافر في حركة الحياة أنهما يجتمعان في شيء، ثم ينفرد المؤمن في شيء، يجتمعان في أن كل واحد من المؤمنين ومن الكافرين يعمل في أسباب الحياة لينتج ما يقوته ويقوت من يعول، ذلك قدر مشترك بين المؤمن والكافر. والكافر يقتصر على هذا السبب في العمل فيعمل لنفسه ولمن يعول. ولكن المؤمن يشترك معه في ذلك ويزيد أنه يعمل لشيء آخر هو: أن يفيض عنه شيء يمكن أن يتوجه به إلى غير القادر على العمل. محتسباً ذلك عند الله. ولذلك قلنا سابقاً: إن الحق سبحانه حينما تكلم عن الزكاة تكلم عنها مرة مطلوبة أداء، وتكلم عنها مرة أخرى مطلوبة غاية فقال: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 4]. ولم يقل للزكاة مؤدون، فالمؤمنون لا يعلمون لقصد الزكاة إلا إن عملوا عملاً على قدر طاقاتهم ليقوتهم وليقوت من يعولهم، ثم يفيض منهم شيء يؤدون عنه الزكاة. والحق سبحانه وتعالى في أمر الزكاة: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}تفسير : [البقرة: 110]. إذن فحصيلة الأمر أن الزكاة مقصودة لهم حين يقبلون على أي عمل. ولقد صارت الزكاة بذلك الأمر الإلهي مطلوبة غاية، فهي أحد أركان الإسلام وبذلك يتميز المؤمن على الكافر. والحق سبحانه وتعالى حين تعرض لمنابع الشُح في النفس البشرية أوضح: أن أول شيء تتعرض له النفس البشرية أن الإنسان يخاف من النفقة لأنها تنقص ما عنده، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشح في قوله:"حديث : اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم"تفسير : . هي كذلك ولكن الحق سبحانه أوضح لكل مؤمن: أنها تنقص ما عندك، ولكنها تزيدك مما عند الله؛ فهي إن أنقصت ثمرة فعلك فقد أكملتك بفعل الله لك. وحين تكملك بفعل الله لك، يجب أن تقارن بين قوة مخلوقة عاجزة وقوة خالقة قادرة. ويلفتنا سبحانه: أن ننظر جيداً إلى بعض خلقه وهي الأرض، الأرض التي نضع فيها البذرة الواحدة - أي الحبة الواحدة - فإنها تعْطِي سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، فلو نظر الإنسان أول الأمر إلى أن ما يضعه في الأرض حين يحرث ويزرع يقلل من مخازنه لما زرع ولما غرس، ولكنه عندما نظر لما تعطيه الأرض من سبعمائة ضعف أقبل على البذر، وأقبل على الحرث غير هياب؛ لأنها ستعوضه أضعاف أضعاف ما أعطى. وإذا كانت الأرض وهي مخلوقة لله تعطي هذا العطاء، فكيف يكون عطاء خالق الأرض؟{أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 261]. إذن فقد سدّ الحق بهذا المثل على النفس البشرية منفذ الشُح. وشيء آخر تتعرض له الآيات، وهو أن الإنسان قد يُحْرَج في مجتمعه من سائل يسأله فهو في حرصه على ماله لا يحب أن ينفق، ولحرصه على مكانته في الناس لا يحب أن يمنع، فهو يعطي ولكن بتأفف، وربما تعدى تأففه إلى نهر الذي سأله وزجره، فقال الحق سبحانه وتعالى ليسد ذلك الموقف: {أية : قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 263]. وقول الله: "قول معروف ومغفرة" يدل على أن المسئول قد أحفظه سؤال السائل وأغضبه الإحراج، ويطلب الحق من مثل هذا الإنسان أن يغفر لمن يسأله هذه الزلة إن كان قد اعتبر سؤاله له ذنباً: {أية : قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 263]. وبعد ذلك يتعرض الحق سبحانه وتعالى إلى "المن" الذي يفسد العطاء؛ لأنه يجعل الآخذ في ذلة وانكسار، ويريد المعطي أن يكون في عزة العطاء وفي استعلاء المنفق، فهو يقول: إنك إن فعلت ذلك ستتعدى الصدقة منك إلى الغير فيفيد، ولكنك أنت الخاسر؛ لأنك لن تفيد بذلك شيئاً، وإن كان قد استفاد السائل. إذن فحرصاً على نفسك لا تتبع الصدقة بالمن ولا بالأذى. ثم يأتي الحق ليعالج منفذاً من منافذ الشح في النفس البشرية هو: أن الإنسان قد يحب أن يعطي، ولكنه حين تمتد يده إلى العطاء يعز عليه إنفاق الجيد من ماله الحسن، فيستبقيه لنفسه ثم يعزل الأشياء التي تزهد فيها نفسه ليقدمها صدقة فينهانا - سبحانه - عن ذلك فيقول: {أية : وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ..}تفسير : [البقرة: 267]. أي إن مثل هذا لو أُعطي لك لما قبلته إلا أن تغمض وتتسامح في أخذه وكأنك لا تبصر عيبه لتأخذه، فما لم تقبله لنفسك فلا يصح أن تقبله لسواك. ثم بعد أن تكلم القرآن عن منافذ الشُح في النفس الإنسانية بين لنا أن الذي ينتج هذه المنافذ ويغذيها إنما هو الشيطان: {أية : ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 268]. فإن سوّيتم بين عِدَةِ الشيطان ووعد الله لكم بالرضوان كان الخسران والضياع. فراجعوا إيمانكم، وعليكم أن تجعلوا عدة الشيطان مدحورة أمام وعد الله لكم بالفضل والمغفرة. ثم يتكلم بعد ذلك عن زمن الصدقة وعن حال إنفاقها - ظاهرة أو باطنة - وتكون النية عندك هي المرجحة لعمل على عمل، فإذا كنت إنساناً غنياً فارحم عرضك من أن يتناوله الناس وتصدق صدقة علنية فيما هو واجب عليك لتحمي عرضك من مقولهم، وأن أردت أن تتصدق تطوعاً فلا مانع أن تُسر بها حتى لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك .. فعن ابن عباس رضي الله عنهما: صدقات السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً. وكأن الله فتح أمام النفس البشرية كل منافذ العطاء وسد منافذ الشح. انظروا بعد ذلك إلى الحق سبحانه حينما يحمي ضعاف المؤمنين ليجعلهم في حماية أقوياء المؤمنين. اعلم أيها العبد المؤمن أنك حين تتلقى حكم الله لا تتلقاه على أنه مطلوب منك دائماً، ولكن عليك أن تتلقى الحكم على أنه قد يَصير بتصرفات الأغيار مطلوباً لك، فإن كنت غنياً فلا تعتقد أن الله يطالبك دائماً، ولكن قَدّرْ أنك إن أصبحت بعرض الأغيار في الحياة فقيراً سيكون الحكم مطلوباً لك. فقدر - حال كونه مطلوباً منك الآن؛ لأنك غني - أنّه سيطلُب لك إن حصلت لك أغيار، فصرت بها فقيراً. إذن فالتشريع لك وعليك، فلا تعتبره عليك دائماً لأنك إن اعتبرته عليك دائماً عزلت نفسك عن أغيار الحياة، وأغيار الحياة قائمة لا يمكن أن يبرأ منها أحد أبداً لذلك أمر - سبحانه - المؤمن أن يكفل أخاه المؤمن. انظروا إلى طموحات الإيمان في النفس الإنسانية، حتى الذين لا يشتركون معك في الإيمان. إن طُلب منك أن تعطي الصدقة المفروضة الواجبة لأخيك المؤمن فقد طلب منك أيضاً أن تتطوع بالعطاء لمن ليس مؤمناً. وتلك ميزة في الإسلام لا توجد أبداً في غيره من الأديان، إنه يحمي حتى غير المؤمن. ولذلك يقول الحق: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم شرح أحوال العباد في نياتهم بالصدقات بقوله تعالى: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ} [البقرة: 271]، وإخفاء الصدقة أشار به إلى تخليصها من شوب الحظوظ، كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم في حديث: "حديث : سبعة يظلهم الله في ظله"،تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : رجل تصدق بيمينه فأخفى حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه إلى إخفاء الصدقة عن شماله"؛تفسير : يعني: يخفيها عن حظوظ نفسه فتكون خالصة لله تعالى، فصاحبها يكون في ظل الله، وكما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن المرء يكون في ظل صدقته يوم القيامة"؛تفسير : يعني: إن كانت صدقته الله تعالى فيكون في ظل الله، وإن كانت صدقته للجنة فيكون في ظل الجنة، وإن كانت صدقته للهوى فيكون في ظل الهاوية، فافهم جدّاً. فلما علموا إخفاء الصدقات فأدوها أن تكون مشوبة بحظ الثواب، فقال تعالى: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ} [البقرة: 271]، نظروها لطمع ثواب الجنة {فَنِعِمَّا هِيَ} [البقرة: 271]، فإنها مرتبة الأبرار، {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}تفسير : [الانفطار: 13] {وَإِن تُخْفُوهَا} [البقرة: 271]، عن كل حظ ونصيب، {وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ} [البقرة: 271]؛ أي تعطوها لوجه الله تعالى إلى الفقراء لا حظ النفس، {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 271]؛ يعني: كما زدتم على الصدقة بالإخفاء عن الحظوظ، وهي أن يكون في ظل الله وهو مقام المقربين، لقوله تعالى: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}تفسير : [يونس: 26] الحسنى؛ أي: جزاء أهل الحسنات، فأما من أحسن الحسنة فهو الذي يكون مقامه مقام الإحسان، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه؛ يعني: نظرك في الطاعة لا يكون إلا الى الله، فيكون جزاؤه بعد الجنة الزيادة، وهي لقاء الله عز وجل {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 271]، كل طائفة من الأبرار والمقربين، {خَبِيرٌ} [البقرة: 271]، فيجازيكم على قدر خلوص نياتكم، فـ"حديث : إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى"تفسير : من عمله. ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها ولاية، وأن الله فيها ولي الكفاية بقوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} [البقرة: 272]، الإشارة فيها: إن يا محمد لك المحمود واللواء المعقود، ولك الوسيلة، وعلى الأنبياء الفضيلة، ولك ليلة المعراج والقربة الواصلة، ولك يوم القيامة الشفاعة والرفعة، وأنت سيد الأولين والآخرين، وأنت أكرم على رب العالمين، ولكن {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} [البقرة: 272]، {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ}تفسير : [القصص: 56]، {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272]، وهو عالم بخفيات سرائركم وجلبات ضمائركم من غير فطور وقصور، {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272]، قطميراً ولا نقيراً. ثم أخبر عن أهل الصدقات ودلنا على أفضل النفقات، بقوله تعالى: {لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [البقرة: 273]، الآيتين، والإشارة فيهما: أن الإنفاق على سادات اختاروا الفقر على الغنى؛ محبة لله عز وجل واقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرفته، فإنه صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ليَّ حرفتان: الفقر والجهاد"،تفسير : وأولى وهم أحق بها، كما قال تعالى: {لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [البقرة: 273]؛ يعني: الفقير أحصره حب الله في طلبه، لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الرزق، بل أحصرهم الشوق والمحبة في سبيل الله فأخذ عليهم سلطان الحقيقة كل طريق فلا لهم في الشرق مذهب ولا الغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب كيفما نظروا سرادقات التوحيد محدقة بهم، كما قيل: شعر : كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها عليه فما تزداد طولاً ولا عرضاً تفسير : {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ} [البقرة: 273]؛ لأنهم واقفون مع الله لله بالله، سقط عنهم السكون والحركات، فإنهم مجذبون عنهم بالجذبات، مضروب عليهم قباب الغيرات، لا إشراف للأجانب عليهم، ولا سبيل للأغيار إليهم، حجبهم العزة عن الجاهل بحجاب العفة، فيراهم الأغنياء بنظر الأغنياء، {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ} [البقرة: 273]؛ لأنهم مستورون قباب الغيرة، محجوبون عن معرفة أهل الغيرة، كما قال تعالى: "حديث : أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري يا محمد ". تفسير : {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} [البقرة: 273]؛ لأنك لست بك فلست غيري؛ لأنك إذا رأيت ولكن الله رأى، كما قال تعالى: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}تفسير : [الأنفال: 17]، وإنَّ سيماهم لا ترى بالبصر الإنساني بل ترى بالنور الرباني؛ لأن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن، وأحوال باطنهم أنهم أحصروا في سبيل الله، فأحصروا نفوسهم على طاعة الله عن معصية قلوبهم على معرفة الله عن نكرته، وأرواحهم على محبة الله عن غيره، وأسرارهم على رؤية الله عن شهود سواه، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن، {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} [البقرة: 273]، لا بقليل ولا بكثير مع غاية احتياجهم؛ لأن إيتاء أنوار غناء قلوبهم انعكست على ظواهرهم، فتنورت بتعفف نفوسهم واضمحلت ظلمة فقرهم، وحاجتهم تحت أنوار غني قلوبهم، {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 273]؛ يعني: من كل معاملة فيها خير المال والجاه، وخدمة بالنفس وإعزاز وإكرام وإعظام وارد من القلب تعاملون به هؤلاء، والسادة حتى السلام عليهم استحقاقاً وإجلالاً وإذلالاً، {فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ} [البقرة: 273]، بجميع معاملاتكم معهم للتقرب إليهم، {عَلِيمٌ} [البقرة: 273]، فإن تقربتم إليه في الإنفاق عليهم بشبر يتقرب في مجازاتكم بذراع، وإن تقربتم بذارع يتقرب عليكم بباع، فلا نهاية لفضله ولا غاية لكرمه، ومن يسماهم في الظاهر تعرفهم به يا محمد إذا وجدوا مالاً، يبعيوا عز الفقر به.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { إن تبدوا الصدقات } فتظهروها وتكون علانية حيث كان القصد بها وجه الله { فنعما هي } أي: فنعم الشيء { هي } لحصول المقصود بها { وإن تخفوها } أي: تسروها { وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } ففي هذا أن صدقة السر على الفقير أفضل من صدقة العلانية، وأما إذا لم تؤت الصدقات الفقراء فمفهوم الآية أن السر ليس خيرا من العلانية، فيرجع في ذلك إلى المصلحة، فإن كان في إظهارها إظهار شعائر الدين وحصول الاقتداء ونحوه، فهو أفضل من الإسرار، ودل قوله: { وتؤتوها الفقراء } على أنه ينبغي للمتصدق أن يتحرى بصدقته المحتاجين، ولا يعطي محتاجا وغيره أحوج منه، ولما ذكر تعالى أن الصدقة خير للمتصدق ويتضمن ذلك حصول الثواب قال: { ويكفر عنكم من سيئاتكم } ففيه دفع العقاب { والله بما تعملون خبير } من خير وشر، قليل وكثير والمقصود من ذلك المجازاة.
همام الصنعاني
تفسير : 347- عبد الرزاق، عن رجل، عن عمار الدهني، عن أبي جعفر، في قوله تعالى: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ}: [الآية: 271]: يعني الزكاة المفروضة {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ}: [الآية: 271]: يعني التطوع.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):