Verse. 279 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

لَيْسَ عَلَيْكَ ھُدٰىھُمْ وَلٰكِنَّ اللہَ يَہْدِيْ مَنْ يَّشَاۗءُ۝۰ۭ وَمَا تُنْفِقُوْا مِنْ خَيْرٍ فَلِاَنْفُسِكُمْ۝۰ۭ وَمَا تُنْفِقُوْنَ اِلَّا ابْتِغَاۗءَ وَجْہِ اؘ۝۰ۭ وَمَا تُنْفِقُوْا مِنْ خَيْرٍ يُّوَفَّ اِلَيْكُمْ وَاَنْتُمْ لَا تُظْلَمُوْنَ۝۲۷۲
Laysa AAalayka hudahum walakinna Allaha yahdee man yashao wama tunfiqoo min khayrin falianfusikum wama tunfiqoona illa ibtighaa wajhi Allahi wama tunfiqoo min khayrin yuwaffa ilaykum waantum la tuthlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ولما منع صلى الله عليه وسلم من التصدق على المشركين ليسلموا نزل: «ليس عليك هداهم» أي الناس إلى الدخول في الإسلام إنما عليك البلاغ «ولكن الله يهدي من يشاء» هدايته إلى الدخول فيه «وما تنفقوا من خير» مال «فلأنفسكم» لأن ثوابه لها «وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله» أي ثوابه لاغيره من أعراض الدنيا خبر بمعنى النهي «وما تنفقوا من خير يوفَّ إليكم» جزاؤه «وأنتم لا تُظلمون» تنقصون منه شيئاً والجملتان تأكيد للأولى.

272

Tafseer

الرازي

تفسير : هذا هو الحكم الرابع من أحكام الإنفاق، وهو بيان أن الذي يجوز الإنفاق عليه من هو ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: في بيان سبب النزول وجوه أحدها: أن هذه الآية نزلت حين جاءت نتيلة أم أسماء بنت أبي بكر إليها تسألها، وكذلك جدتها وهما مشركتان، أتيا أسماء يسألانها شيئاً فقالت لا أعطيكما حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنكما لستما على ديني، فاستأمرته في ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتصدق عليهما. والرواية الثانية: كان أناس من الأنصار لهم قرابة من قريظة والنضير وكانوا لا يتصدقون عليهم، ويقولون ما لم تسلموا لا نعطيكم شيئاً فنزلت هذه الآية. والرواية الثالثة: أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يتصدق على المشركين، حتى نزلت هذه الآية فتصدق علهيم والمعنى على جميع الروايات: ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام، فتصدق عليهم لوجه الله، ولا توقف ذلك على إسلامهم، ونظيره قوله تعالى: {أية : لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ } تفسير : [الممتحنة: 8] فرخص في صلة هذا الضرب من المشركين. المسألة الثانية: أنه صلى الله عليه وسلم كان شديد الحرص على إيمانهم كما قال تعالى: {أية : فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً } تفسير : [الكهف: 6] {أية : لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } تفسير : [الشعراء: 3] وقال: {أية : أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } تفسير : [يونس: 99] وقال: {أية : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ }تفسير : [التوبة: 128] فأعلمه الله تعالى أنه بعثه بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ومبيناً للدلائل، فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك، فالهدى هٰهنا بمعنى الإهتداء، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم، وفيه وجه آخر: ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة أن توقف صدقتك عنهم على إيمانهم، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به، بل الإيمان المطلوب منهم الإيمان على سبيل التطوع والاختيار. المسألة الثالثة: ظاهر قوله {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم ولكن المراد به هو وأمته، ألا تراه قال: {أية : إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ } تفسير : [البقرة: 271] وهذا خطاب عام، ثم قال: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } وهو في الظاهر خاص، ثم قال بعده {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ } وهذا عام فيفهم من عموم ما قبل الآية وعموم ما بعدها عمومها أيضاً. أما قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } فقد احتج به الأصحاب على أن هداية الله تعالى غير عامة، بل هي مخصوصة بالمؤمنين قالوا: لأن قوله {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } إثبات للهداية التي نفاها بقوله {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } لكن المنفي بقوله {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } هو حصول الاهتداء على سبيل الاختيار، فكان قوله {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } عبارة عن حصول الاهتداء على سبيل الاختيار وهذا يقتضي أن يكون الاهتداء الحاصل بالاختيار واقعاً بتقدير الله تعالى وتخليقه وتكوينه وذلك هو المطلوب. قالت المعتزلة {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } يحتمل وجوهاً أحدها: أنه يهدي بالإثابة والمجازاة من يشاء ممن استحق ذلك وثانيها: يهدي بالألطاف وزيادات الهدى من يشاء وثالثها: ولكن الله يهدي بالإكراه من يشاء على معنى أنه قادر على ذلك وإن لم يفعله ورابعها: أنه يهدي بالاسم والحكم من يشاء، فمن اهتدى استحق أن يمدح بذلك. أجاب الأصحاب عن هذه الوجوه بأسرها أن المثبت في قوله {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } هو المنفي أولاً بقوله {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } لكن المراد بذلك المنفي بقوله أولاً: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } هو الاهتداء على سبيل الاختيار، فالمثبت بقوله {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } يجب أن يكون هو الاهتداء على سبيل الاختيار، وعلى هذا التقدير يسقط كل الوجوه. ثم قال: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ } فالمعنى: وكل نفقة تنفقونها من نفقات الخير فإنما هو لأنفسكم أي ليحصل لأنفسكم ثوابه فليس يضركم كفرهم. /ثم قال تعالى: {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَاء وَجْهِ ٱللَّهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية وجوه الأول أن يكون المعنى: ولستم في صدقتكم على أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه الله، فقد علم الله هذا من قلوبكم، فانفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبتغون بذلك وجه الله في صلة رحم وسد خلة مضطر؛ وليس عليكم اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم الثاني: أن هذا وإن كان ظاهره خبراً إلا أن معناه نهي، أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله، وورد الخبر بمعنى الأمر والنهي كثيراً قال تعالى: {أية : ٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ } تفسير : [البقرة: 233] {أية : وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ } تفسير : [البقرة: 228] الثالث: أن قوله {وَمَا تُنفِقُونَ } أي ولا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم الذي يفيد المدح حتى تبتغوا بذلك وجه الله. المسألة الثانية: ذكر في الوجه في قوله {إِلاَّ ٱبْتِغَاء وَجْهِ ٱللَّهِ } قولان أحدهما: أنك إذا قلت: فعلته لوجه زيد فهو أشرف في الذكر من قولك: فعلته له لأن وجه الشيء أشرف ما فيه، ثم كثر حتى صار يعبر عن الشرف بهذا اللفظ والثاني: أنك إذا قلت: فعلت هذا الفعل له فههنا يحتمل أن يقال: فعلته له ولغيره أيضاً، أما إذا قلت فعلت هذا الفعل لوجهه، فهذا يدل على أنك فعلت الفعل له فقط وليس لغيره فيه شركة. المسألة الثالثة: أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم، فتكون هذه الآية مختصة بصدقة التطوع، وجوّز أبو حنيفة رضي الله عنه صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة، وأباه غيره، وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك. ثم قال تعالى: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } أي يوف إليكم جزاؤه في الآخرة، وإنما حسن قوله {إِلَيْكُمْ } مع التوفيه لأنها تضمنت معنى التأدية. ثم قال: {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } أي لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً لقوله تعالى: {أية : اتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم وَمِنْهُ شَيْئاً } تفسير : [الكهف: 33] يريد لم تنقص.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} فيه ثلاث مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} هذا الكلام متّصل بذكر الصدقات، فكأنّه بيّن فيه جواز الصدقة على المشركين. روى سعيد بنُ جبير مُرْسَلاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدّقون على فقراء أهل الذمّة، فلما كثُر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تتصدّقوا إلاَّ على أهل دينكم»تفسير : . فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دِين الإسلام. وذكر النقّاش:حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بصدقات فجاءه يهوديّ فقال: أعطني. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ «ليس لك من صدقة المسلمين شيء». فذهب اليهوديّ غير بعيد فنزلت: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهتفسير : ، ثم نسخ الله ذلك بآية الصدقات. وروى ابن عباس أنه قال: كان ناس من الأنصار لهم قرابات من بني قُرَيظة والنَضَّير، وكانوا لا يتصدّقون عليهم رغبة منهم في أن يُسلموا إذا احتاجوا، فنزلت الآية بسبب أُولئك. وحكى بعض المفسّرين أن أسماء ابنة أبي بكر الصدّيق أرادت أن تصل جَدَّها أبا قُحافة ثم امتنعت من ذلك لكونه كافراً فنزلت الآية في ذلك. وحكى الطبريّ أن مقصد النبيّ صلى الله عليه وسلم بمنع الصدقة إنما كان ليُسلموا ويدخلوا في الدين، فقال الله تعالىٰ: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ}. وقيل: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} (ليس متصلاً) بما قبلُ، فيكون ظاهراً في الصدقات وصرفها إلى الكفار، بل يحتمل أن يكون معناه ابتداء كلام. الثانية ـ قال علماؤنا: هذه الصدقة التي أُبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه الآثار هي صدقة التطوّع، وأما المفروضة فلا يُجزىء دفعها لكافر، لقوله عليه السَّلام: «حديث : أُمرتُ أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردّها في فقرائكم»تفسير : . قال ابن المُنْذِر: أجمع (كل) من أحفظُ عنه من أهل العلم أن الذّميّ لا يُعْطَى من زكاة الأموال شيئاً؛ ثم ذكر جماعةً ممن نصّ على ذلك ولم يذكر خلافاً. وقال المَهْدَوِيّ: رُخّص للمسلمين أن يُعطوا المشركين من قراباتهم من صدقة الفريضة لهذه الآية. قال ابن عطيّة؛ وهذا مردود بالإجماع. والله أعلم. وقال أبو حنيفة: تصرف إليهم زكاة الفطر. ابن العربيّ: وهذا ضعيف لا أصل له. ودليلنا أنها صدقة طهرة واجبة فلا تصرف إلى الكافر كصدقة الماشية والعيْن؛ وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أغنوهم عن سؤال هذا اليوم»تفسير : يعني يوم الفطر. قلت: وذلك لتشاغلهم بالعيد وصلاة العيد وهذا لا يتحقق في المشركين. وقد يجوز صرفها إلى غير المسلم في قول من جعلها سُنّة، وهو أحد القولين عندنا، وهو قول أبي حنيفة على ما ذكرنا، نظراً إلى عموم الآية في البِرّ وإطعام الطعام وإطلاق الصدقات. قال ابن عطيّة: وهذا الحكم متصوّر للمسلمين مع أهل ذِمتهم ومع المسترقِّين من الحربيّين. قلت: وفي التنزيل {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً}تفسير : [الإنسان: 8] والأسير في دار الإسلام لا يكون إلاَّ مشركاً. وقال تعالىٰ: {أية : لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ}تفسير : [الممتحنة: 8]. فظواهر هذه الآيات تقتضي جواز صرف الصدقات إليهم جملة، إلاَّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم خصّ منها الزكاة المفروضة؛ لقوله عليه السَّلام لِمُعاذ: «حديث : خُذِ الصدقة من أغنيائهم وردّها على فقرائهم»تفسير : واتفق العلماء على ذلك على ما تقدّم. فيدفع إليهم من صدقة التطوّع إذا احتاجوا، والله أعلم. قال ابن العربيّ: فأما المسلم العاصي فلا خلاف أن صدقة الفطر تصرف إليه إلاَّ إذا كان يترك أركان الإسلام من الصَّلاة والصيام فلا تدفع إليه الصدقة حتى يتوب. وسائر أهل المعاصي تصرف الصدقة إلى مرتكبيها لدخولهم في اسم المسلمين. وفي صحيح مسلم: أن رجلاً تصدّق على غَنِيّ وسارقٍ وزانيةٍ وتُقبّلت صدقته، على ما يأتي بيانه في آية الصدقات. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} أي يرشد من يشاء. وفي هذا رَدّ على القَدَرية وطوائفَ من المعتزلة، كما تقدّم. قوله تعالىٰ: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ} شرط وجوابه. والخير في هذه الآية المال؛ لأنه قد اقترن بذكر الإنفاق؛ فهذه القرينة تدل على أنه المال، ومتى لم تقترن بما يدل على أنه المال فلا يلزم أن يكون بمعنى المال؛ نحو قوله تعالىٰ: {أية : خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} تفسير : [الفرقان: 24] وقوله: {أية : مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7]. إلى غير ذلك. وهذا تحرُّز من قول عكرمة: كل خير في كتاب الله تعالىٰ فهو المال. وحُكي أن بعض العلماء كان يصنع كثيراً من المعروف ثم يحلف أنه ما فعل مع أحد خيراً، فقيل له في ذلك فيقول: إنما فعلت مع نفسي؛ ويتلو {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ}. ثم بيّن تعالىٰ أن النفقة المعتدّ بقبولها إنما هي ما كان ابتغاء وجهه. و «ابتغاءَ» هو على المفعول له. وقيل: إنه شهادة من الله تعالىٰ للصحابة رضي الله عنهم أنهم إنما ينفقون ابتغاءَ وجهه؛ فهذا خرج مخرج التفضيل والثناء عليهم. وعلى التأويل الأوّل هو اشتراط عليهم، ويتناول الإشتراط غيرهم من الأُمة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقّاص: «حديث : إنك لن تُنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله تعالىٰ إلاَّ أُجِرْتَ بها حتى ما تجعل في فيِ ٱمرأتك».تفسير : قوله تعالىٰ: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} «يُوَفَّ إلَيْكُمْ» تأكيد وبيانٌ لقوله: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ} وأن ثواب الإنفاق يُوَفَّى إلى المنفقين ولا يُبخسون منه شيئاً فيكون ذلك البخس ظلماً لهم.

ابن كثير

تفسير : قال أبو عبد الرحمن النسائي: أنبأنا محمد بن عبد السلام بن عبد الرحيم، أنبأنا الفريابي، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين، فسألوا، فرخص لهم، فنزلت هذه الآية: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَِنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}. وكذا رواه أبو حذيقة وابن المبارك وأبو أحمد الزبيدي وأبو داود الحضرمي عن سفيان، وهو الثوري به. وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثني أحمد بن عبد الرحمن، يعني: الدشتكي، حدثني أبي عن أبيه، حدثنا أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بأن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين، وسيأتي عند قوله تعالى: {أية : لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَـٰرِكُمْ} تفسير : [الممتحنة: 8] الآية، حديث أسماء بنت الصديق في ذلك. وقوله: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَِنفُسِكُمْ} كقوله: {أية : مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ} تفسير : [فصلت: 46] ونظائرها في القرآن كثيرة. وقوله: {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ} قال الحسن البصري: نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن إذا أنفق إلا ابتغاء وجه الله. وقال عطاء الخراساني: يعني: إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله. وهذا معنى حسن، وحاصله أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله، فقد وقع أجره على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب؛ ألبرّ أو فاجر، أو مستحق أو غيره، وهو مثاب على قصده، ومستند هذا تمام الآية: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} والحديث المخرج في الصحيحين من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال رجل: لأتصدقنَّ الليلة بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق على زانية، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية؟ لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني، قال: اللهم لك الحمد، على غني؟ لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية، وعلى غني، وعلى سارق؟ فأتي فقيل له: أما صدقتك، فقد قبلت، وأما الزانية، فلعلها أن تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته».تفسير : وقوله: {لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} يعني: المهاجرين الذين انقطعوا إلى الله وإلى رسوله، وسكنوا المدينة، وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم و {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى ٱلأَرْضِ} يعني: سفراً للتسبب في طلب المعاش، والضرب في الأرض هو السفر، قال الله تعالى: {أية : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ}تفسير : [النساء: 101] وقال تعالى: {أية : عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [المزمل: 20] الآية. وقوله: {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ} أي: الجاهل بأمرهم وحالهم يحسبهم أغنياء من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم، وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئاً»تفسير : . رواه أحمد من حديث ابن مسعود أيضاً. وقوله: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ} أي: بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم، كما قال تعالى: {سِيمَـٰهُمْ فِى وُجُوهِهِم} وقال: {أية : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ}تفسير : [محمد: 30] وفي الحديث الذي في السنن: «حديث : اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله»تفسير : ثم قرأ: {أية : إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}تفسير : [الحجر: 75]. وقوله: {لاَ يَسْـأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا} أي: لا يلحون في المسألة، ويكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن المسألة، فقد ألحف في المسألة، قال البخاري: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شريك بن أبي نمر: أن عطاء بن يسار وعبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرؤوا إن شئتم، يعني: قوله: {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا}تفسير : وقد رواه مسلم من حديث إسماعيل بن جعفر المديني، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار وحده، عن أبي هريرة به، وقال أبو عبد الرحمن النسائي: أخبرنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل، أخبرنا شريك، وهو ابن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة به، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، إنما المسكين المتعفف، اقرؤوا إن شئتم {لاَ يَسْـأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا}»تفسير : وروى البخاري من حديث شعبة، عن محمد بن أبي زياد، عن أبي هريرة، عن النبي الله صلى الله عليه وسلم نحوه. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي ذئب، عن أبي الوليد، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس المسكين بالطواف عليكم، فتطعمونه لقمة لقمة، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافاً»تفسير : وقال ابن جرير: حدثني معتمر عن الحسن بن مالك، عن صالح بن سويد، عن أبي هريرة، قال: ليس المسكين بالطواف الذي ترده الأكلة والأكلتان، ولكن المسكين المتعفف في بيته لا يسأل الناس شيئاً تصيبه الحاجة، اقرؤوا إن شئتم: {لاَ يَسْـأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا} وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه، عن رجل من مزينة أنه قالت له أمه: ألا تنطلق فتسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يسأله الناس؟ فانطلقت أسأله، فوجدته قائماً يخطب، وهو يقول: «حديث : ومن استعف أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن يسأل الناس وله عدل خمس أواق، فقد سأل الناس إلحافاً»تفسير : فقلت بيني وبين نفسي: لناقة لي خير من خمس أواق، ولغلامه ناقة أخرى فهي خير من خمس أواق، فرجعت ولم أسأل، وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال عن عمارة بن عرفة، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: سرحتني أمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله، فأتيته فقعدت، قال: فاستقبلني فقال: «حديث : من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله، ومن استكف كفاه الله، ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف»تفسير : قال: فقلت: ناقتي الياقوتة خير من أوقية، فرجعت فلم أسأله، وهكذا رواه أبو داود والنسائي عن قتيبة، زاد أبو داود: وهشام بن عمار كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي الرجال بإسناده نحوه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، قال: قال أبو سعيد الخدري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سأل وله قيمة أوقية فهو ملحف»تفسير : . والأوقية أربعون درهماً، وقال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سأل وله أوقية أو عدلها، فقد سأل إلحافاً»تفسير : وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سأل، وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة خدوشاً أو كدوحاً في وجهه»تفسير : قالوا: يا رسول الله وما غناه؟ قال: «حديث : خمسون درهماً، أو حسابها من الذهب»تفسير : . وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وقد تركه شعبة بن الحجاج، وضعفه غير واحد من الأئمة من جراء هذا الحديث، وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، حدثني أبي، حدثنا أبو بكر بن عياش عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، قال: بلغ الحارث ـ رجلاً كان بالشام من قريش ـ أن أبا ذر كان به عوز، فبعث إليه ثلاثمائة دينار، فقال: ما وجد عبد الله رجلاً أهون عليه مني؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من سأل وله أربعون فقد ألحف»تفسير : ولآل أبي ذر أربعون درهماً، وأربعون شاة، وماهنان، قال أبو بكر بن عياش: يعني: خادمين. وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا إبراهيم بن محمد، أنبأنا عبد الجبار، أخبرنا سفيان عن داود بن سابور، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من سأل وله أربعون درهماً، فهو ملحف، وهو مثل سف الملة»تفسير : يعني: الرمل. ورواه النسائي عن أحمد بن سليمان، عن يحيى بن آدم، عن سفيان، وهو ابن عيينة، بإسناده نحوه. قوله: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} أي: لا يخفى عليه شيء منه، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة أحوج ما يكون إليه. وقوله: { ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُم عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات؛ من ليل ونهار، والأحوال؛ من سر وجهر، حتى أن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضاً، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسعد بن أبي وقاص حين عاده مريضاً عام الفتح، وفي رواية: عام حجة الوداع: «حديث : وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى ما تجعل في في امرأتك»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وبهز، قال: حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت، قال: سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري يحدث عن أبي مسعود رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة»تفسير : ، أخرجاه من حديث شعبة به، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن شعيب، قال: سمعت سعيد بن يسار عن يزيد بن عبد الله بن عريب المليكي، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نزلت هذه الآية: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُم عِندَ رَبِّهِمْ} في أصحاب الخيل. وقال حنش الصنعاني عن ابن شهاب، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله، رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وكذا روي عن أبي أمامة وسعيد بن المسيب ومكحول، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا يحيى ابن يمان عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن ابن جبير، عن أبيه، قال: كان لعلي أربعة دراهم، فأنفق درهماً ليلاً، ودرهماً نهاراً، ودرهماً سراً، ودرهماً علانية، فنزلت: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً}، وكذا رواه ابن جرير من طريق عبد الوهاب بن مجاهد، وهو ضعيف، ولكن رواه ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس، أنها نزلت في علي بن أبي طالب. وقوله: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} أي: يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تقدم تفسيره.

المحلي و السيوطي

تفسير : ولما منع صلى الله عليه وسلم من التصدُّق على المشركين ليسلموا نزل {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } أي الناس إلى الدخول في الإسلام إنما عليك البلاغ {وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ } هدايته إلى الدخول فيه {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ } مال {فَلأَنفُسِكُمْ } لأنّ ثوابه لها {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَاء وَجْهِ ٱللَّهِ } أي ثوابه لا غيره من أعراض الدنيا خبر بمعنى النهي {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } جزاؤه {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } تُنقصونَ منه شيئاً، والجملتان تأكيد للأولى.

الشوكاني

تفسير : قوله: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } أي: ليس بواجب عليك أن تجعلهم مهديين قابلين لما أمروا به ونهوا عنه: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } هداية توصله إلى المطلوب، وهذه الجملة معترضة، وفيها الالتفات، وسيأتي بيان السبب الذي نزلت لأجله، والمراد بقوله: {مّنْ خَيْرٍ } كل ما يصدق عليه اسم الخير كائناً ما كان، وهو متعلق بمحذوف، أي: أيّ شيء تنفقون كائناً من خير، ثم بين أن النفقة المعتدّ بها المقبولة إنما هي ما كان ابتغاء وجه الله سبحانه، أي: لابتغاء وجه الله. وقوله: {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } أي: أجره، وثوابه على الوجه الذي تقدّم ذكره من التضعيف. قوله: {لِلْفُقَرَاء } متعلق بقوله: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ } أو بمحذوف: أي: اجعلوا ذلك للفقراء، أو خبر مبتدأ محذوف: أي: إنفاقكم للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله بالغزو، أو الجهاد، وقيل: منعوا عن التكسب لما هم فيه من الضعف {ٱلَّذِينَ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى ٱلأرْضِ } للتكسب بالتجارة، والزراعة، ونحو ذلك بسبب ضعفهم. قيل: هم فقراء الصفة. وقيل: كل من يتصف بالفقر، وما ذكر معه. ثم ذكر سبحانه من أحوال أولئك الفقراء ما يوجب الحُنُوّ عليهم، والشفقة بهم، وهو: كونهم متعففين عن المسئلة، وإظهار المسكنة بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء. والتعفف تفعل، وهو بناء مبالغة من عف عن الشيء: إذا أمسك عنه، وتنزّه عن طلبه، وفي: «يحسبهم» لغتان: فتح السين، وكسرها. قال أبو عليّ الفارسيّ: والفتح أقيس؛ لأن العين من الماضي مكسورة، فبابها أن تأتي في المضارع مفتوحة. فالقراءة بالكسر على هذا حسنة، وإن كانت شاذة. و«من» في قوله: «من التعفف» لابتداء الغاية، وقيل: لبيان الجنس. قوله: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ } أي: برثاثة ثيابهم، وضعف أبدانهم، وكل ما يشعر بالفقر، والحاجة. والخطاب إما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح للمخاطبة، والسيما مقصورة: العلامة، وقد تمد. والإلحاف: الإلحاح في المسئلة، وهو مشتق من اللحاف، سمي بذلك؛ لاشتماله على وجوه الطلب في المسئلة، كاشتمال اللحاف على التغطية. ومعنى قوله: {لا يسألون الناس إلحافاً} أنهم لا يسألونهم ألبتة، لا سؤال إلحاح، ولا سؤال غير إلحاح. وبه قال الطبري، والزجاج، وإليه ذهب جمهور المفسرين، ووجهه أن التعَفُّفَّ صفةٌ ثابتة لهم لا تفارقهم، ومجرد السؤال ينافيها. وقيل: المراد أنهم إذا سألوا سألوا بتلطف، ولا يلحفون في سؤالهم، وهذا، وإن كان هو الظاهر من توجه النفي إلى القيد دون المقيد، لكن صفة التعفف تنافيه، وأيضاً كون الجاهل بهم يحسبهم أغنياء لا يكون إلا مع عدم السؤال ألبتة. وقوله: {بالليل والنهار} يفيد زيادة رغبتهم في الإنفاق، وشدّة حرصهم عليه حتى أنهم لا يتركون ذلك ليلاً، ولا نهاراً، ويفعلونه سرّاً وجهراً عند أن تنزل بهم حاجة المحتاجين، ويظهر لديهم فاقة المفتاقين في جميع الأزمنة على جميع الأحوال. ودخول الفاء في خبر الموصول أعني قوله: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } للدلالة على سببية ما قبلها لما بعدها، وقيل: هي للعطف، والخبر للموصول محذوف، أي: ومنهم الذين ينفقون. وقد أخرج عبد بن حميد، والنسائي، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، والضياء في المختارة، عن ابن عباس، قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين، فنزلت هذه الآية: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } إلى قوله: {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } فرخص لهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء عنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن لا نتصدّق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن سعيد بن جبير، نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن الحنفية، نحوه. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: كان أناس من الأنصار لهم نسب، وقرابة من قريظة، والنضير، وكان يتقون أن لا يتصدّقوا عليهم، ويريدونهم أن يسلموا، فنزلت: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } الآية. وأخرج ابن المنذر، عن عمرو الهلالي قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أنتصدّق على فقراء أهل الكتاب؟ فأنزل الله: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء الخراساني قال في قوله: {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَاء وَجْهِ ٱللَّهِ } قال: إذا أعطيت لوجه الله، فلا عليك ما كان عمله. وأخرج ابن المنذر من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: {لِلْفُقَرَاء ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } قال: هم أصحاب الصفة. وأخرج ابن سعد، عن محمد بن كعب القرظي، نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: هم مهاجرو قريش بالمدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم أمروا بالصدقة عليهم. وأخرج ابن جرير، عن الربيع في قوله: {ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } قال: حصروا أنفسهم في سبيل الله للغزو فلا يستطيعون تجارة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: هم قوم أصابتهم، الجراحات في سبيل الله، فصاروا زمني، فجعل لهم في أموال المسلمين حقاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن رجاء بن حيوة في قوله: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى ٱلاْرْضِ } قال: لا يستطيعون تجارة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَاء } قال: دلّ الله المؤمنين عليهم، وجعل نفقاتهم لهم، وأمرهم أن يضعوا نفقاتهم فيهم، ورضي عنهم. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ } قال: التخشع. وأخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع أن معناه تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ } قال: رثاثة ثيابهم، وثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس المسكين الذي تردّه التمرة، والتمرتان، واللقمة، واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، واقرءوا إن شئتم: {لا يسألون الناس إلحافاً}»تفسير : وقد ورد في تحريم المسئلة أحاديث كثيرة إلا لذي سلطان، أو في الأمر لا يجد منه بدّاً. وأخرج ابن سعد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عديّ، والطبراني، وأبو الشيخ، عن يزيد بن عبد الله بن عَرِيب المليكي، عن أبيه، عن جدّه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنزلت هذه الآية {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } في أصحاب الخيل»تفسير : . وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر، عن أبي أمامة الباهلي نحوه قال: فيمن لا يربطها خيلاء، ولا رياء، ولا سمعة. وأخرج ابن جرير، عن أبي الدرداء نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن حنش الصنعاني أنه سمع ابن عباس يقول في هذه الآية: هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن عساكر من طريق عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه عن ابن عباس في هذه الآية؛ قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب كانت له أربعة دراهم، فأنفق بالليل درهماً، وبالنهار درهماً، ودرهماً سرّاً، ودرهماً علانية. وعبد الوهاب ضعيف، ولكن قد رواه ابن مردويه من وجه آخر، عن ابن عباس. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في هذه الآية قال: هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله الذي افترض عليهم في غير سَرَفٍ، ولا إِمْلاقٍ، ولا تبذير، ولا فساد. وأخرج ابن المنذر، عن سعيد بن المسيب قال: نزلت في عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان في نفقتهم في جيش العسرة.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ} قيل هم فقراء المهاجرين، وفي أحصروا أربعة أقاويل: أحدها: أنهم منعوا أنفسهم من التصرف للمعاش خوف العدو من الكفار، قاله قتادة، وابن زيد. والثاني: منعهم الكفار بالخوف منهم، قاله السدي. والثالث: منعهم الفقر من الجهاد. والرابع: منعهم التشاغل بالجهاد عن طلب المعاش. {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ} فيه قولان: أحدهما: يعني تصرفاً، قاله ابن زيد. والثاني: يعني تجارة، قاله قتادة، والسدي. {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} يعني من قلة خبرته بهم، ومن التعفف: يعني من التقنع والعفة والقناعة. {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} السمة: العلامة، وفي المارد بِهَا هُنَا قولان: أحدهما: الخشوع، قاله مجاهد. والثاني: الفقر، قاله السدي. {لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} فيه وجهان: أحدهما: أن يسأل وله كفاية. والثاني: أنه الاشتمال بالمسألة، ومنه اشتق اسم اللحاف. فإن قيل: فهل كانوا يسألون غير إلحاف؟ قيل: لا؛ لأنهم كانوا أغنياء من التعفف، وإنما تقدير الكلام لا يسألون فيكون سؤالهم إلحافاً. قال ابن عباس في أهل الصُفَّة من المهاجرين: لم يكن لهم بالمدينة منازل ولا عشائر وكانوا نحو أربعمائة. قوله عز وجل: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} اختلفوا في سبب نزولها على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في عليٍّ كرم الله وجهه، كانت معه أربعة دراهم فأنفقها على أهل الصفّة، أنفق في سواد الليل درهماً، وفي وضح النهار درهماً، وسراً درهماً، وعلانية درهماً، قاله ابن عباس. والثاني: أنها نزلت في النفقة على الخيل في سبيل الله لأنهم ينفقون بالليل والنهار سِرّاً وعلانية، قاله أبو ذر، والأوزاعي. والثالث: أنها نزلت في كل مَنْ أنفق ماله في طاعة الله. ويحتمل رابعاً: أنها خاصة في إباحة الارتفاق بالزروع والثمار، لأنه يرتفق بها كل مار في ليل أو نهار، في سر وعلانية، فكانت أعم لأنها تؤخذ عن الإرادة وتوافق قدر الحاجة.

ابن عطية

تفسير : روي عن سعيد بن جبير في سبب هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم تفسير : ، فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام، وذكر النقاش أن النبي عليه السلام أتى بصدقات فجاءه يهودي فقال: أعطني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس لك في صدقة المسلمين من شيء" تفسير : ، فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت الآية، {ليس عليك هداهم} فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه، ثم نسخ الله ذلك بآية {أية : إنما الصدقات} تفسير : [التوبة: 60] وروي عن ابن عباس أنه كان ناس من الأنصار لهم قرابات في بني قريظة والنضير، وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلمون إذا احتاجوا، فنزلت الآية بسبب ذلك، وحكى بعض المفسرين أن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أرادت أن تصل جدها أبا قحافة، ثم امتنعت من ذلك لكونه كافراً، فنزلت الآية في ذلك، وذكر الطبري أن مقصد النبي صلى الله عليه وسلم بمنع الصدقة إنما كان ليسلموا ويدخلوا في الدين، فقال الله: {ليس عليك هداهم} قال أبو محمد: وهذه الصدقة التي أبيحت عليهم حسبما تضمنته هذه الآثار إنما هي صدقة التطوع. وأما المفروضة فلا يجزي دفعها لكافر، وهذا الحكم متصور للمسلمين اليوم مع أهل ذمتهم ومع المسترقين من الحربيين. قال ابن المنذر أجمع من أحفظ عنه من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال شيئاً، ثم ذكر جماعة ممن نص على ذلك، ولم يذكر خلافاً، وقال المهدوي رخص للمسلمين أن يعطوا المشركين من قراباتهم من صدقة الفريضة بهذه الآية. قال القاضي أبو محمد: وهذا مردود عندي، والهدى الذي ليس على محمد صلى الله عليه وسلم هو خلق الإيمان في قلوبهم، وأما الهدى الذي هو الدعاء فهو عليه، وليس بمراد في هذه الآية، ثم أخبر تعالى أنه هو: {يهدي من يشاء} أي يرشده، وفي هذا رد على القدرية وطوائف المعتزلة، ثم أخبر أن نفقة المرء تأجراً إنما هي لنفسه فلا يراعى حيث وقعت، ثم بيّن تعالى أن النفقة المعتدّ بها المقبولة إنما هي ما كان ابتغاء وجه الله، هذا أحد التأويلات في قوله تعالى: {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} وفيه تأويل آخر وهو أنها شهادة من الله تعالى للصحابة أنهم إنما ينفقون ابتغاء وجه الله، فهو خبر منه لهم فيه تفضيل، وعلى التأويل الآخر هو اشتراط عليهم ويتناول الاشتراط غيرهم من الأمة، ونصب قوله {ابتغاء} هو على المفعول من أجله، ثم ذكر تعالى أن ثواب الإنفاق يوفى إلى المنفقين، والمعنى في الآخرة ولا يبخسون منه شيئاً، فيكون ذلك أبخس ظلماً لهم، وهذا هو بيان قوله: {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} والخير في هذه الآية المال لأنه اقترن بذكر الإنفاق، فهذه القرينة تدل على أنه المال، ومتى لم يقترن بما يدل على أنه المال فلا يلزم أن يكون بمعنى المال، نحو قوله تعالى: {أية : خيراً مستقراً} تفسير : [الفرقان: 24] وقوله تعالى: {أية : مثقال ذرة خيراً يره} تفسير : [الزلزلة: 7] إلى غير ذلك، وهذا الذي قلناه تحرز من قول عكرمة: كل خير في كتاب الله فهو المال.

النسفي

تفسير : {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } أو ليس عليك التوفيق على الهدى أو خلق الهدى وإنما ذلك إلى الله {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ } من مال {فَلأَِنفُسِكُمْ } فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ ٱللَّهِ } وليست نفقتكم إلا ابتغاء وجه الله أي رضا الله ولطلب ما عنده فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله، أو هذا نفي معناه النهي أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } ثوابه أضعافاً مضاعفة فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه وأن يكون على أحسن الوجوه وأجملها {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } ولا تنقصون كقوله: {أية : وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا }تفسير : [الكهف: 33]. أي لم تنقص. الجار في {لِلْفُقَرَاء } متعلق بمحذوف أي اعمدوا للفقراء، أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هذه الصدقات للفقراء {ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } هم الذين أحصرهم الجهاد فمنعهم من التصرف {لاَ يَسْتَطِيعُونَ } لاشتغالهم به {ضَرْبًا فِى ٱلأَرْضِ } للكسب. وقيل: هم أصحاب الصفة وهم نحو من أربعمائة رجل من مهاجري قريش لم تكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر، فكانوا في صفة المسجد وهي سقيفته يتعلمون القرآن بالليل ويرضخون النوى بالنهار، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى. {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ } بحالهم. «يحسبهم» وبابه: شامي ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة. والباقون بكسر السين. {أَغْنِيَاء مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ } مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة {تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ } من صفرة الوجوه ورثاثة الحال {لاَ يَسْـئَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا } إلحاحاً. قيل: هو نفي السؤال والإلحاح جميعاً كقوله: على لا حب لا يهتدي بمناره يريد نفي المنار والاهتداء به. والإلحاح هو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطاه وفي الحديث حديث : «إن الله يحب الحي الحليم المتعفف ويبغض البذي السآل الملحف»تفسير : وقيل: معناه أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحوا {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } لا يضيع عنده. {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّا وَعَلاَنِيَةً } هما حالان أي مسرين ومعلنين يعني يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه ولم يتعللوا بوقت ولا حال. وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين تصدق بأربعين ألف دينار: عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية. أو في علي رضي الله عنه لم يملك إلا أربعة دراهم، تصدق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سراً، وبدرهم علانية. {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرّبَوٰاْ } هو فضل مال خال عن العوض في معاوضة مال بمال. وكتب «الربوا» بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلوٰة والزكوٰة، وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع. {لاَ يَقُومُونَ } إذا بعثوا من قبورهم {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } أي المصروع لأنه تخبط في المعاملة فجوزي على المقابلة. والخبط: الضرب على غير استواء كخبط العشواء {مِنَ ٱلْمَسِّ} من الجنون وهو يتعلق بـ «لا يقومون» أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع، أو بـ «يقوم» أي كما يقوم المصروع من جنونه، والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف. وقيل: الذين يخرجون من الأجداث يوفضون إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين، لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإيفاض {ذٰلِكَ } العقاب {بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم {قَالُواْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرّبَوٰاْ } ولم يقل «إنما الربا مثل البيع» مع أن الكلام في الربا لا في البيع، لأنه جيء به على طريقة المبالغة وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلاً وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع. {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ } إنكار لتسويتهم بينهما إذ الحل مع الحرمة ضدان فأنى يتماثلان ودلالة على أن القياس يهدمه النص لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ } فمن بلغه وعظ من الله وزجر بالنهي عن الربا {فَٱنتَهَىٰ } فتبع النهي وامتنع {فَلَهُ مَا سَلَفَ } فلا يؤاخذ بما مضى منه لأنه أخذ قبل نزول التحريم {وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ } يحكم في شأنه يوم القيامة وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به {وَمَنْ عَادَ } إلى استحلال الربا ــ عن الزجاج ــ أو إلى الربا مستحلاً {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } لأنهم بالاستحلال صاروا كافرين لأن من أحل ما حرم الله عز وجل فهو كافر فلذا استحق الخلود، وبهذا تبين أنه لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساق. {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرّبَوٰاْ } يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه {وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ } ينميها ويزيدها أي يزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة ويبارك فيه، وفي الحديث ما نقصت زكاة من مال قط. {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ } عظيم الكفر باستحلال الربا {أَثِيمٍ } متمادٍ في الإثم بأكله. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } قيل: المراد به الذين آمنوا بتحريم الربا { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرّبَوٰاْ } أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها. روي أنها نزلت في ثقيف. وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } كاملي الإيمان فإن دليل كماله امتثال المأمور به. {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } فاعلموا بها من أذن بالشيء إذا علم، يؤيده قراءة الحسن فأيقنوا. «فآذنوا»: حمزة وأبو بكر غير ابن غالب. فأعلموا بها غيركم ولم يقل بحرب الله ورسوله لأن هذا أبلغ، لأن المعنى فأذنوا بنوع من الحرب عظيم من عند الله ورسوله. وروي أنها لما نزلت قالت ثقيف: لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله {وَإِن تُبتُمْ } من الارتباء {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ } المديونين بطلب الزيادة عليها {وَلاَ تُظْلَمُونَ } بالنقصان منها. {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة ذو إعسار {فَنَظِرَةٌ } فالحكم أوفى لأمر نظرة أي إنظار {إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ } يسار. «ميسرة»: نافع وهما لغتان {وَأَن تَصَدَّقُواْ } بالتخفيف: عاصم، أي تتصدقوا برؤوس أموالكم أو ببعضها على من أعسر من غرمائكم. وبالتشديد: غيره. فالتخفيف على حذف إحدى التاءين، والتشديد على الإدغام {خَيْرٌ لَّكُمْ } في القيامة، وقيل: أريد بالتصديق الإنظار لقوله عليه السلام«حديث : لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة»تفسير : {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه خير لكم فتعملوا به جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه. {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } «ترجعون»: أبو عمرو فرجع لازم ومتعدٍ. قيل: هي آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحداً وعشرين يوماً أو أحداً وثمانين أو سبعة أيام أو ثلاث ساعات {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } أي جزاء ما كسبت {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بنقصان الحسنات وزيادة السيئات. { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ } أي إذا داين بعضكم بعضاً. يقال داينت الرجل إذا عاملته بدين معطياً أو آخذاً {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } مدة معلومة كالحصاد أو الدياس أو رجوع الحاج، وإنما احتيج إلى ذكر الدين ولم يقل إذا تداينتم إلى أجل مسمى ليرجــع الضمير إليه في قوله {فَٱكْتُبُوهُ } إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن، ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال. وإنما أمر بكتابة الدين لأن ذلك أوثق وآمن من النسيان وأبعد من الجحود، والمعنى إذا تعاملتم بدين مؤجل فاكتبوه والأمر للندب. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد به السلم وقال: لما حرم الله الربا أباح السلف. وعنه: أشهد أن الله أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم في كتابه وأنزل فيه أطول آية، وفيه دليل على اشتراط الأجل في السلم {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم } بين المتداينين {كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ } هو متعلق بـ «كاتب» صفة له أي كاتب مأمون على ما يكتب يكتب بالاحتياط لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص، وفيه دليل على أن يكون الكاتب فقيهاً عالماً بالشروط حتى يجيء مكتوبه معدلاً بالشرع، وهو أمر للمتداينين بتخير الكاتب وأن لا يستكتبوا إلا فقيهاً ديناً حتى يكتب ما هو متفق عليه {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ } ولا يمتنع واحد من الكتاب {أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ } مثل ما علمه الله كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير وكما متعلق بأن يكتب {فَلْيَكْتُبْ } تلك الكتابة لا يعدل عنها {وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ } ولا يكن المملي إلا من وجب عليه الحق لأنه هو المشهود على ثباته في ذمته وإقراره به فيكون ذلك إقراراً على نفسه بلسانه. والإملال والإملاء لغتان {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ } وليتق الله الذي عليه الدين ربه فلا يمتنع عن الإملاء فيكون جحوداً لكل حقه {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً } ولا ينقص من الحق الذي عليه شيئاً في الإملاء فيكون جحوداً لبعض حقه {فَإن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا } أي مجنوناً لأن السفه خفة في العقل أو محجوراً عليه لتبذيره وجهله بالتصرف {أَوْ ضَعِيفًا } صبياً {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ } لعي به أو خرس أو جهل باللغة {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ } الذي يلي أمره ويقوم به {بِٱلْعَدْلِ } بالصدق والحق {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ } واطلبوا أن يشهد لكم شهيدان على الدين {مِّن رِّجَالِكُمْ } من رجال المؤمنين. والحرية والبلوغ شرط مع الإسلام وشهادة الكفار بعضهم على بعض مقبولة عندنا {فَإِن لَّمْ يَكُونَا } فإن لم يكن الشهيدان {رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ } فليشهد رجل وامرأتان وشهادة الرجال مع النساء تقبل فيما عدا الحدود والقصاص {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَاءِ} ممن تعرفون عدالتهم، وفيه دليل على أن غير المرضي شاهد {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ } لأجل أن تنسى إحداهما الشهادة فتذكرها الأخرى {إن تضل إحداهما} على الشرط «فتذكر» بالرفع والتشديد: حمزة كقوله: {أية : وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ }تفسير : [المائدة: 95]. «فَتُذْكِر» بالنصب: مكي وبصري من الذّكرُ لا من الذَّكر {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ } لأداء الشهادة أو للتحمل لئلا تتوى حقوقهم، وسماهم شهداء قبل التحمل تنزيلاً لما يشارف منزلة الكائن، فالأوّل للفرض والثاني للندب {وَلاَ تَسْـئَمُواْ } ولا تملوا قال الشاعر: شعر : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أبالك يسأم تفسير : والضمير في {أَن تَكْتُبُوهُ } للدين أو الحق {صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا } على أي حال كان الحق من صغر أو كبر، وفيه دلالة جواز السلم في الثياب لأن ما يكال أو يوزن لا يقال فيه الصغير والكبير وإنما يقال في الذرعي، ويجوز أن يكون الضمير للكتاب وأن تكتبوه مختصراً أو مشبعاً أو {إِلَى أَجَلِهِ } إلى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته {ذٰلِكُمْ } إشارة إلى أن تكتبوه لأنه في معنى المصدر أي ذلك الكتب {أَقْسَطُ } أعدل من القسط وهو العدل {عَندَ ٱللَّهِ } ظرف لأقسط {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ } وأعون على إقامة الشهادة وبنى أفعلا التفضيل أي «أقسط» و «أقوم» من أقسط وأقام مذهب سيبويه {وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ } وأقرب من انتفاء الريب للشاهد والحاكم وصاحب الحق فإنه قد يقع الشك في المقدار والصفات وإذا رجعوا إلى المكتوب زال ذلك، وألف «أدنى» منقلبة من واو لأنه من الدنو {إِلا أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً } عاصم أي إلا أن تكون التجارة تجارة أو إلا أن تكون المعاملة تجارة حاضرة غيره تجارة حاضرة على «كان» التامة أي إلا أن تقع تجارة حاضرة، أو هي ناقصة والاسم تجارة حاضرة والخبر {تُدِيرُونَهَا } وقوله {بَيْنِكُمْ } ظرف لـ «تديرونها» ومعنى إدارتها بينهم تعاطيها يداً بيد {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا } يعني إلا أن تتبايعوا بيعاً ناجزاً يداً بيد فلا بأس أن لا تكتبوها لأنه لا يتوهم فيه ما يتوهم في التداين {وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } أمر بالإشهاد على التبايع مطلقاً ناجزاً أو كالئاً لأنه أحوط وأبعد من وقوع الاختلاف، أو أريد به وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع يعني التجارة الحاضرة على أن الإشهاد كافٍ فيه دون الكتابة والأمر للندب {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } يحتمل البناء للفاعل لقراءة عمر رضي الله عنه «ولا يضارر» وللمفعول لقراءة ابن عباس رضي الله عنهما «ولا يضارر» والمعنى نهي الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما، وعن التحريف والزيادة والنقصان، أو النهي عن الضرار بهما بأن يعجـلا عن مهم ويلزّا، أولاً يعطي الكاتب حقه من الجعل، أو يحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد {وَإِن تَفْعَلُواْ } وإن تضاروا {فَإِنَّهُ } فإن الضرار {فُسُوقٌ بِكُمْ } مأثم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في مخالفة أوامره {وَيُعَلّمُكُمُ ٱللَّهُ } شرائع دينه {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } لا يلحقه سهو ولا قصور.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ليس عليك هداهم} قيل سبب نزول هذه الآية: أن ناساً من المسلمين كان لهم قرابات وأصهار في اليهود وكانوا ينفعونهم وينفقون عليهم قبل أن يسملوا فلما أسلموا كرهوا أن ينفعهم وأرادوا بذلك أن يسلموا وقيل كانوا يتصدقون على فقراء أهل المدينة فلما كثر المسلمون نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التصدق على المشركين كي تحملهم الحاجة إلى الدخول في الإسلام لحرصه صلى الله عليه وسلم على سلامهم فنزل ليس عليك هداهم ومعناه ليس عليك هداية من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام فحينئذٍ نتصدق عليهم فأعلمه الله تعالى أنه إنما بعث بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه، فأما كونهم مهتدين فليس ذلك إليك {ولكن الله يهدي من يشاء} يعني أن الله تعالى يوفق من يشاء فيهديه إلى الإسلام وأراد بالهداية هنا هداية التوفيق وأما هداية البيان والدعوة فكانت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نزلت هذه الآية أعطوهم وتصدقوا عليهم {وما تنفقوا من خير} أي من مال {فلأنفسكم} أي ما تفعلوا تنفعوا به أنفسكم {وما تنفقون إلاّ ابتغاء وجه الله} ظاهره خبر ومعناه نهي أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله وقال الزجاج: هذا خاص للمؤمنين أعلمهم الله تعالى أنه قد علم أن مرادهم بنفقتهم ما عنده وقيل معناه لستم في صدقاتكم على أقاربكم من المشركين تقصدون إلاّ وجه الله وقد علم هذا من قلوبكم فأنفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبتغون بذلك وجه الله في صلة الرحم وسد خلة مضطر قال بعض العلماء: لو أنفقت على شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلاّ إلى المسلمين وهم أهل السهمان المذكورون في سورة التوبة، وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة، وخالفه سائر العلماء في ذلك فعلى هذا تكون الآية مختصة التطوع أباح الله تعالى أن تصرف إلى فقراء المسلمين وفقراء أهل الذمة فأما زكاة الفرض فلا يجوز صرفها إلى أهل الذمة بحال {وما تنفقوا من خير يوف إليكم} أي يوفر لكم جزاؤه وقال ابن عباس: يجازيكم به يوم القيامة ومعناه يؤدي إليكم يوم القيامة ولهذا حسن إدخال إلى مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية {وأنتم لا تظلمون} أي لا تنقصون شيئاً من ثواب أعمالكم.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ...}. قال ابن عرفة: الخطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أو عام له ولسائر المؤمنين كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ}. {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ}.تفسير : وهو راجع إلى الخلاف الّذي (حكاه) ابن عطية لأن ما نقله عن سعيد بن جبير وعن النّقاش يقتضي الخصوص وما نقله عن ابن عباس يقتضي العموم. قال ابن عرفة: وعلى تقدير الخصوص يستلزم العموم فهو خصوص لأنه إذا رفع التكليف عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو رسول مأمور بالتبليغ والدعاء إلى الإيمان فأحرى أن يرفع عن من سواه. قال ابن عطية: ذكر النّقاش "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتِىَ بصدقة فجاءه يهودي فقال: أعطني. فقال له عليه الصلاة والسلام: "ليس لك من صدقة المسلمين شيء"تفسير : . فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت الآية، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أعطاه، ثم نسخ الله ذلك بقوله: {أية : إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ }. تفسير : قال ابن عرفة: هذا ليس بنسخ ولكن المتقدمين يطلقون عليه نسخا والمتأخرين يقولون: العام إن عمل به ثم ورد بعد ذلك خاص فهو نسخ له وإن ورد الخاص بعده وقبل العمل به فهو تخصيص لا نسخ. قال ابن عطية: والهدى المنفي هو خلق الإيمان في قلوبهم، و أما الهدى الذي هو الدعاء إلى الإيمان فهو عليه. قال ابن عرفة: أما خلق الهدى (فمنفي) معلوم بالضرورة لا يحتاج إلى نفيه، وأما الدعاء إلى الإيمان فغير منفي، ويبقى قسم ثالث وهو الدعاء المحصل للإيمان الكسبي لا الجبري فيقال هديت فلانا إلى الإيمان، أي دعوته إليه فاهتدى بخلاف ما إذا دعوته إليه فلم يهتد فإنك لا تقول: هديته إلى الإيمان، فهذا هو المنفي في الآية، أي ليس مطلوبا بتحصيل الهداية الكسبية لهم إنّما عليك أن تدعوهم فقط، والإضافة على ما قلناه للمفعول. أي ليس عليك أن تهديهم. قيل لابن عرفة: لعل المراد لا يجب عليك أن تهديهم إلى الإيمان؟ فرده بقول الله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} فَإِنَّه ليس المراد به الجبر على الإيمان بل خلق الهداية. قال ابن عرفة: وهذا تسكين لروعته لأنه مضى قبل الآية مقدار ربع حزب في الحض على الصدقة، وعلى (خلوص) النّية، وكرر ذلك وأكد فخشي أن يتهالك عليه النبي صلى الله عليه وسلم لأجل عدم امتثالهم فأتت هذه الآية تسكينا لروعته وتطمينا لجنانه. قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ...}. فالتشديد كما في قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}تفسير : وفي بعضها ولكن بالتخفيف. وسبب ذلك أنه إذا كان المخاطب منكرا وظهرت عليه مخائل الإنكار فيؤتي بها مشددة. ابن عرفة: وهذا أعمّ من قول الله تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ}تفسير : (فإن عليك أن تهدي من أحببت) أخص من قولك أنت تهدي من أحببت، ونفي الأخص أعم من نفي الأعم. فإن قلت: الأصل في نسبة المتكلم إلى نفسه فعلا أن يأتي باسمه مضمرا فيقول: ليس عليك إكرام محمد ولكنه علي، ولا تقول: ولكنه على زيد، يعني نفسه. قال: وتقدم لنا الجواب بأنّه لما كان المعنى خاصا بالله تعالى أتى فيه باسم الجلالة الخاص به ولو قال: ولكنّا نهدي من نشاء لكان عاما لأن الضمائر كلية. قلت: ولأن النون والألف تكون للمتكلم وحده إذا عظّم نفسه وللمتكلم ومعه غيره بخلاف / اسم الجلالة فإنه خاص بلا شك. قوله تعالى: {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ...}. يحتمل أن تكون الواو واو الحال (أي) وما تنفقوا من (خير) فلأنفسكم حالة كونهم يقصدون به وجه الله وهذا خبر في معنى الطلب (أو) الأمر أو النهي. انتهى. قوله تعالى: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}. تأسيس، والمراد بالتوفية في المقدار وعدم الظلم في الصفة لأن من لك عليه طعام موصوف تارة يعطيك مثل الصفة وأقل في المقدار، وتارة يعطيك مثل القدر (وأدوَن) في الصفة.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ...} الآية: وَرَدَتْ آثار أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم مَنَعَ فُقَرَاء أهْلِ الذمَّة من الصَّدَقَة، فنزلَتِ الآية مبيحةً لهم، وذكر الطبريُّ؛ أن مَقْصِدَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بِمَنْعِ الصدَقة، إِنَّما كان ليُسْلِمُوا، ولِيَدْخُلُوا في الدِّين، فقال اللَّه سبحانه: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ }، قال: * ع *: وهذه الصدقةُ التي أبيحَتْ لهم حسبَمَا تضمَّنته هذه الآثار، إِنما هي صدقة التطوُّع، وأما المفروضة، فلا يجزىء دفعها لكَافِرٍ، قال ابن المُنْذِرِ: إِجماعاً فيما عَلِمْتُ، وقول المَهْدَوِيِّ: إباحتها هذه الآية مردودٌ، قال ابن العَرَبِيِّ، وإِذا كان المُسْلِمُ يترك أركان الإِسْلاَم من الصَّلاة، والصيام، فلا تُصْرَفُ إِلَيْه الصدقة؛ حتَّىٰ يتُوبَ، وسائرُ المعاصِي تُصْرَف الصدَقَةُ إِلَىٰ مرتكبيها؛ لدخولِهِمْ في ٱسم المسلمين. انتهى من «الإِحكام»، ويعني بالصدقةِ المفروضةَ، والهدى الَّذي ليس على نَبيِّنا صلى الله عليه وسلم هو خَلْق الإِيمان في قلوبهم، وأما الهُدَى الذي هو الدعاءُ، فهو علَيْه صلى الله عليه وسلم، وليس بمراد في هذه الآية. ثم أخبرَ سُبْحَانه؛ أنه يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وفي الآية ردٌّ على القدريَّة وطوائفِ المعتزلةِ، ثم بيَّن تعالَىٰ؛ أنَّ النفقة المقبولَةَ ما كان ابتغاءَ وَجْهِ اللَّهِ. وفي الآية تأويلٌ آخرُ، وهو أنها شهادة مِنَ اللَّهِ تعالَىٰ للصحابةِ؛ أنهم إِنما ينفقون ابتغاءَ وَجُه اللَّه سبحانه، فهو خَبَر منه لهم فيه تفضيلٌ، {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ}، أي: في الآخرة، وهذا هو بيانُ قوله: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ }، والخير هنا: المالُ؛ بقرينة الإِنفاق، ومتَىٰ لم يقترن بما يدلُّ على أنَّه المال، فلا يلزم أن يكون بمعنى المال، وهذا الذي قلْناه تحرُّزاً من قول عِكْرِمَةَ: كُلَّ خَيْرٍ في كتابِ اللَّهِ، فهو المالُ. وقوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...} الآية: التقديرُ: الإِنفاق أو الصدقةُ للفقراءِ، قال مجاهد وغيره: المرادُ بهؤلاءِ الفقراءِ فقراءُ المهاجرينَ من قريشٍ وغيرهم. * ع *: ثم تتناول الآيةُ كلَّ مَنْ دخل تحْتَ صفة الفَقْر غابِرَ الدَّهْر، ثم بيَّن اللَّه سبحانه من أحْوَالِ أولئك الفقراءِ المهاجِرِينَ ما يُوجِبُ الحُنُوَّ عليهم بقوله: {ٱلَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}، والمعنَىٰ: حُبِسُوا، ومُنِعُوا، وتأوَّل الطبريُّ في هذه الآية؛ أنهم هم حَابِسُوا أَنُفُسِهِمْ بِرِبْقَة الدِّيْن، وقصد الجهاد، وخَوْفِ العَدُوِّ، إِذ أحاط بهم الكُفْر، فصار خوف العدو عذْراً أحْصِروا به. * ع *: كأنَّ هذه الأعذار أحصرتْهم، فالعدُوُّ وكلُّ محيطٍ يحصر، وقوله: {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} يحتملُ الجهادَ، ويحتمل الدخولَ في الإِسلام، والضَّرْبُ في الأرض: هو التصرُّف في التجارة، وكانُوا لا يستطيعونَ ضَرْباً في الأرض؛ لكون البلادِ كلِّها كفْراً مطبقاً، وهذا في صدْر الهجْرة، وكانوا - رضي اللَّه عنهم - من الٱنقباضِ، وترْكِ المسألةِ، والتوكُّلِ على اللَّه تعالَىٰ؛ بحيث يحسبهم الجاهلُ بباطنِ أحوالهم أغنياءَ. * ت *: وٱعْلَمْ أنَّ المواساة واجبةٌ، وقد خرَّج مسلمٌ وأبو داود عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: «حديث : بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ، مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَ رَجُلٌ علَىٰ راحِلَةٍ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِيناً وَشَمَالاً، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَىٰ مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَىٰ مَنْ لاَ زَادَ لَهُ»»تفسير : ، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ؛ حَتَّىٰ رُئِينَا أنَّهُ لاَ حَقَّ لأَحَدَ مِنَّا فِي فَضْلٍ انتهى. و {ٱلتَّعَفُّفِ }: تفعُّلٌ، وهو بناءُ مبالغةٍ من: عَفَّ عن الشيْءِ، إِذا أمْسَك عنْه، وتنزَّه عن طَلَبه، وبهذا المعنَىٰ فسره قتادةُ وغيره. * ت *: مَدَح اللَّه سبحانه هؤُلاءِ السَّادَةَ علَىٰ ما أعطاهم من غنى النفْسِ، وفي الحديثِ الصحيحِ: «حديث : لَيْسَ الغِنَىٰ عَنْ كَثْرَةِ المَالِ، وَإِنَّمَا الغِنَىٰ غِنَى النَّفْسِ» تفسير : وقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : اللَّهُمَّ، ٱجْعَلْ قُوتَ آلُ مُحَمَّدٍ كَفَافاً»تفسير : أخرجه مسلم، وغيره، وعنْدِي أن المراد بالآلِ هنا متَّبِعُوه صلى الله عليه وسلم. وفي سنن ابْن مَاجَة، عن أنسٍ، قال: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَا مِنْ غَنِيٍّ، وَلاَ فَقِيرٍ إِلاَّ وَدَّ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيَا قُوتاً»تفسير : ، وروى مسلم والترمذيُّ عن أبي أُمَامة، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : يَابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ إِنْ تَبْذُلْ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ تُمْسك شَرٌّ لَكَ، وَلاَ تُلاَمُ عَلَىٰ كَفَافٍ، وَٱبْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفُلَىٰ»تفسير : ، قال أبو عيسَىٰ، واللفظ له: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى. وقوله سبحانه: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ}: السِّيَما؛ مقصورة: العلامةُ، واختلف المفسِّرون في تعيينها، فقال مجاهد: هي التخشُّع والتواضُع، وقال الربيعُ، والسُّدِّيُّ: هي جهد الحاجة، وقَضَفُ الفقر في وجوههم، وقلَّة النعمة، وقال ابن زَيْد: هي رِثَّة الثياب، وقال قوم، وحكاه مكِّيٌّ: هي أثر السجود، قال: * ع *: وهذا حسنٌ، وذلك لأنهم كانوا متفرِّغين متوكِّلين، لا شُغْل لهم في الأغلب إِلاَّ الصَّلاة، فكان أثَرُ السُّجود علَيْهم أبداً، والإِلحافُ، والإِلحاح بمعنى، قال: * ع *: والآيةُ تحتملُ معنيين. أحدهما: نفْي السؤال جملة، وهذا هو الذي عليه الجمهورُ؛ أنهم لا يسألون البَتَّة. والثاني: نَفْي الإِلحاف فقَطْ، أي: لا يظهر لهم سؤال، بل هو قليل وبإِجمال. * ت *: وهذا الثاني بعيدٌ من ألفاظ الآية، فتأمَّله. * ت *: وينبغى للفقيرِ أنْ يتعفّف في فَقْره، ويكتفي بعلْمِ ربِّه، قال الشيخُ ٱبْنُ أبي جَمْرة: وقد قال أهْلُ التوفيق: مَنْ لَمْ يَرْضَ باليسيرِ، فهو أسير. انتهى، وذكر عبد الملكِ بْنُ محمَّدِ بْنِ أبي القَاسِم بْن الكَرْدَبُوسِ في «الٱكتفاء فِي أخبار الخُلَفَاء»، قال: وتكلَّم علي بن أبي طالب - رضي اللَّه عنه - بتسْعِ كلماتٍ، ثلاثٌ في المناجاةِ، وثلاثٌ في الحكمة، وثلاثٌ في الآداب؛ أمَّا المناجاة، فقال: كَفَانِي فَخْراً أَنْ تَكُونَ لِي رَبًّا، وكَفَانِي عِزًّا أَنْ أَكُونَ لَكَ عَبْداً، وَأَنْتَ كَمَا أُحِبُّ، فَٱجْعَلْنِي كَمَا تُحِبُّ، وَأَمَّا الحِكْمَةُ، فَقَالَ: قِيمَةُ كُلِّ ٱمْرِىءٍ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ، وَمَا هَلَكَ ٱمْرُؤٌ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ، وَالمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ، وَأَمَّا الآدَابُ، فَقَالَ: ٱسْتَغْنِ عَمَّنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ نَظِيرُهُ، وَتَفَضَّلْ عَلَىٰ مَنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ أَمِيرُهُ، وَٱضْرَعْ إِلَىٰ مَنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ أَسِيرُهُ. انتهى. ولما كانتِ السيما تدلُّ علَىٰ حال صاحبِها، ويعرف بها حاله، أقامَها اللَّه سبحانه مُقَامَ الإِخبار عن حَالِ صاحبِها، فقال: «تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ»، وقد قال الشيخُ العارفُ باللَّهِ صاحبُ «الكَلِمِ الفارقيَّة والحِكَمِ الحقيقيَّة»: كلُّ ما دلَّ علَىٰ معنًى، فقد أخبر عنه، ولو كان صامتاً، وأشار إليه، ولو كان ساكتاً، لكنَّ حصول الفهْمِ والمعرفةِ بحَسَب ٱعتبار المعتَبِرِ، ونَظَر المتأمِّل المتدبِّر. انتهى. قال:* ع *: وفي الآية تنبيهٌ علَىٰ سوء حالة من يسأل النَّاسَ إِلحافاً، وقال: * ص *: وقوله تعالى: {لاَ يَسْئَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً}، إِذا نُفِيَ حُكْمٌ مِنْ محكومٍ عليه بقَيْدٍ، فالأكثر في لسانهم ٱنصرافُ النفْيِ إِلَىٰ ذلك القيدِ، فالمعنَىٰ علَىٰ هذا: ثبوتُ سؤالهم، ونَفْي الإِلحاح، ويجوز أنْ ينفي الحُكْم، فينتفي ذلك القَيْد، فينتفي السؤالُ والإِلحاح، وله نظائر. انتهى. وقوله تعالى: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ }: وعدٌ محضٌ، أي: يعلمه، ويحصيه؛ ليجازي عليه، ويثيب.

ابن عادل

تفسير : هذا الكلام متصلٌ بما قبله من ذكر الصدقات، كأنه بيَّن فيه جواز الصدقة على المشركين. قوله: "هُداهُمْ": اسم ليس، وخبرها الجارُّ والمجرور. و "الهُدَى" مصدرٌ مضافٌ إلى المفعول، أي: ليس عليك أن تهديهم، ويجوز أن يكون مضافاً لفاعله، أي: ليس عليك أن يهتدوا، يعني: ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء. وفيه طباقٌ معنويٌّ، إذ التقدير: هَدْيُ الضَّالِّين، وفي قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللهَ يَهْدِي} مع قوله تعالى: {هُدَاهُمْ} جناسٌ مغاير؛ لأنَّ إحدى الكلمتين اسمٌ، والأخرى فعلٌ، ومفعول {يَشَآءُ} محذوفٌ، أي: هدايته. فصل في بيان سبب النزول روي في سبب النزول وجوه: أحدها: أن قُتَيْلَةَ أمَّ أسماء بنت أبي بكر، أتت إليها؛ تسألها شيئاً، وكذلك جدَّتها، وهما مشركتان؛ فقالت: لا أُعطيكما حتى أستأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنَّكما لستما على ديني، فاستأمرته في ذلك؛ فنزلت هذه الآية؛ فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تتصدق عليهما. الثاني: كان أُناسٌ من الأنصار، لهم قرابةٌ من قريظة والنَّضير، وكانوا لا يتصدقون عليهم، ويقولون ما لم تسلموا لا نعطيكم شيئاً؛ فنزلت هذه الآية الكريمة. الثالث: قال سعيد بن جبير: كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقراء المسلمين، نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التصدق على المشركين؛ كي تحملهم الحاجة على الدخول في الإسلام؛ فنزلت الآية الكريمة فتصدقْ عليهم والمعنى على جميع الروايات: ليس عليك هدى من خالفك؛ حتى تمنعهم الصدقة؛ لأجل أن يدخلوا في الإسلام، فتصدقْ عليهم، لوجه الله، ولا توقف ذلك على إسلامهم، والمراد بهذه الهداية هداية التوفيق، وأما هداية البيان، والدعوة، فكان على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وظاهر هذه الآية أنها خطابٌ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن المراد به هو، وأُمَّته؛ ألا تراه قال: {أية : إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ}تفسير : [البقرة:271] وهذا عامٌّ، ثم قال: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} وظاهره خاصٌّ، ثم قال بعده {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ} وهذا عامٌّ، فيفهم من عموم ما قبل الآية الكريمة، وعموم ما بعدها: عمومها أيضاً. فَصْلٌ في بَيان هدايةِ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ دلَّت هذه الآية الكريمة على أن هداية الله تبارك وتعالى غير عامَّةٍ، بل هي مخصوصة بالمؤمنين، لأن قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} إثباتٌ للهداية المنفيَّة بقوله: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} ولكنَّ المنفي بقوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} هو حصول الاهتداء، على سبيل الاختيار، فكان قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} عبارةٌ عن حصول الاهتداء على سبيل الاختيار، وهذا يقتضي أن يكون الاهتداء الحاصل بالاختيار واقعاً بتقدير الله تعالى، وتخليقه وتكوينه؛ وهو المطلوب. وحمله المعتزلة على أنه يهدي بالإثابة، والألطاف، وزيادة الهدى؛ وهو مردودٌ بما قررناه. قوله: {فَلأَنْفُسِكُمْ} خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي: فهو لأنفسكم شرط وجوابه، "والخَيْرُ" في هذه الآية المال؛ لأنه اقترن بذكر الإنفاق، فهذه القرينة تدل على أنه المال، ومتى لم يقترن بما يدلُّ على أنه المال، فلا يلزم أن يكون بمعنى المال؛ نحو قوله: {أية : خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً}تفسير : [الفرقان:24] وقوله: {أية : مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة:7] ونحوه. وقوله: {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ} فيه وجهان: أحدهما: أنه مفعولٌ من أجله، أي: لأجل ابتغاء وجه الله، والشروط هنا موجودةٌ. والثاني: أنه مصدرٌ في محلّ الحال، أي: إلاَّ مبتغين، وهو في الحالين استثناءٌ مفرَّغٌ، والمعنى: وما تنفقون نفقة معتداً بقبولها؛ إلاَّ ابتغاء وجه [الله]، أو يكون المخاطبون بهذا ناساً مخصوصين، وهم الصحابة، لأنهم كانوا كذلك، وإنما احتجنا إلى هذين التأويلين؛ لأنَّ كثيراً ينفق لابتغاء غير وجه الله. قال بعض المفسرين: هذا جحدٌ لفظه نفيٌ، ومعناه نفيٌ، أي: لا تنفقوا إلاَّ ابتغاء وجه. قوله: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} تأكيدٌ وبيان؛ كقوله: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ}. وقوله: {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} جواب الشرط، وقد تقدَّم أنه يقال: "وَفَّى" بالتشديد و "وَفَى" بالتخفيف و "أَوْفَى" رباعياً. وإنما حسن قوله: "إِلَيْكُمْ" مع التوفيه؛ لأنها تضمَّنت معنى التَّأدية، ومعناه يوفّ لكم جزاؤه في الآخرة. وقوله: {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} جملةٌ من مبتدأ، وخبرٍ: في محلِّ نصبٍ على الحال من الضمير في "إِلَيْكُمْ"، والعامل فيها "يُوَفَّ"، وهي تشبه الحال المؤكِّدة؛ لأنَّ معناها مفهومٌ من قوله: "يُوَفَّ إِلَيْكُم"؛ لأنهم إذا وفُّوا حقوقهم، لم يظلموا. ويجوز أن تكون مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب، أخبرهم فيها أنه لا يقع عليهم ظلمٌ، فيندرج فيه توفية أجورهم؛ بسبب إنفاقهم في طاعة الله تعالى، اندراجاً أوَّلياً. فصل في المراد من الآية في معنى الآية وجوه: الأول: أن معناه: ولستم في صدقتكم على أقاربكم من المشركين لا تقصدون إلاَّ وجه الله تعالى، وقد علم الله هذا من قلوبكم، فأنفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبتغون بذلك وجه الله تعالى في صلة رحم، وسدِّ خلَّة مضطر، وليس عليكم اهتداؤهم، حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم. الثاني: أن هذا وإن كان ظاهره خبراً، إلاَّ أن معناه النهي، أي: ولا تنفقوا إلاَّ ابتغاء وجه الله وورود الخبر بمعنى الأمر، والنهي كثير؛ قال تعالى: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ}تفسير : [البقرة:233] {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ}تفسير : [البقرة:228]. الثالث: معناه لا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم الذي يفيد المدح؛ حتى تبتغوا بذلك وجه الله. فصل في ذكر الوجه في قوله {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللهِ} إذا قلت: فعلته: لوجه زيدٍ، فهو أشرف في الذكر من قولك: فعلته له؛ لأن وجه الشيء أشرف ما فيه، وإذا قلت: فعلت هذا الفعل له، فيحتمل أن يقال فعلته له ولغيره، أما إذا قلت: فعلت هذا الفعل لوجهه، فهذا يدل على أنَّك فعلت هذا الفعل له فقط وليس لغيره فيه شركةٌ. فصل في بيان عدم صرف الزكاة لغير المسلم أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير مسلم؛ فتكون هذه الآية مختصةً بصدقة التطوع، وجوّز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة، وأباه غيره؛ وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق الله، لكان لك ثواب نفقتك.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد والنسائي والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال‏:‏ كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين، فسألوا فنزلت هذه الآية ‏{‏ليس عليك هداهم‏} ‏ إلى قوله ‏{‏وأنتم لا تظلمون‏}‏ فرخص لهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن لا نتصدق إلا على أهل الإِسلام حتى نزلت هذه الآية ‏ {‏ليس عليك هداهم‏} ‏ إلى آخرها‏.‏ فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين‏"‏‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال ‏"‏كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتصدق على المشركين، فنزلت ‏ {‏وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله‏}‏ فتصدق عليهم‏"‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لا تَصَدَّقُوا إلا على أهل دينكم‏.‏ فأنزل الله {‏ليس عليك هداهم‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏وما تفعلوا من خير يوف إليكم‏}‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: تصدقوا على أهل الأديان‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن الحنفية قال‏:‏ كره الناس أن يتصدقوا على المشركين، فأنزل الله ‏ {‏ليس عليك هداهم‏} ‏ فتصدق الناس عليهم‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ كان أناس من الأنصار لهم أنساب وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم ويريدونهم أن يسلموا فنزلت {‏ليس عليك هداهم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال‏:‏ ذكر لنا أن رجالاً من الصحابة قالوا‏:‏ أنتصدق على من ليس من أهل ديننا‏؟‏ فنزلت ‏ {‏ليس عليك هداهم‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏. وأخرج ابن جرير عن الربيع قال‏:‏ كان الرجل من المسلمين إذا كان بينه وبين الرجل من المشركين قرابة وهو محتاج لا يتصدق عليه، يقول‏:‏ ليس من أهل ديني‏.‏ فنزلت ‏{‏ليس عليك هداهم‏}‏‏ . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال‏:‏ سأله رجل ليس على دينه فأراد أن يعطيه، ثم قال‏:‏ ليس على ديني‏.‏ فنزلت ‏ {‏ليس عليك هداهم‏}‏ ‏. وأخرج سفيان وابن المنذر عن عمرو الهلالي قال‏:‏ سئل النبي صلى الله عليه وسلم أنتصدق على فقراء أهل الكتاب‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏ليس عليك هداهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ ثم دلوا على الذي هو خير وأفضل، فقيل ‏{أية : ‏للفقراء الذين أحصروا...}تفسير : ‏[‏البقرة: 273‏]‏ الآية‏. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال‏:‏ كانوا يعطون فقراء أهل الذمة صدقاتهم، فلما كثر فقراء المسلمين قالوا‏:‏ لا نتصدق إلا على فقراء المسلمين، فنزلت ‏{‏ليس عليك هداهم‏}‏ الآية‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال‏:‏ أما ‏{‏ليس عليك هداهم‏}‏ فيعني المشركين، وأما النفقة فبين أهلها فقال ‏{أية : ‏للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله‏}‏تفسير : ‏[‏البقرة: 273‏]‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله ‏ {‏وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله‏} ‏ قال‏:‏ إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال‏:‏ نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن إذا أنفق إلا ابتغاء وجه الله‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله ‏ {‏يوف إليكم وأنتم لا تظلمون‏}‏ قال‏:‏ هو مردود عليك فما لك ولهذا تؤذيه وتمن عليه، إنما نفقتك لنفسك وابتغاء وجه الله والله يجزيك‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي حبيب في قوله ‏{‏وما تنفقوا من خير يوف إليكم‏} ‏ قال‏:‏ إنما نزلت هذه الآية في النفقة على اليهود والنصارى‏.‏

ابو السعود

تفسير : {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} أي لا يجب عليك أن تجعلهم مهديـين إلى فعلِ ما أُمروا به من المحاسن والانتهاءِ عما نُهوا عنه من القبائح المعدودة وإنما الواجبُ عليك الإرشادُ إلى الخير والحثُ عليه والنهيُ عن الشر والردعُ عنه بما أوحي إليك من الآياتِ والذكرِ الحكيم {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى} هدايةً خاصةً موصلةً إلى المطلوب حتماً {مَن يَشَآء} هدايتَه إلى ذلك ممن يتذكر بما ذُكّر ويتبعُ الحق ويختار الخيرَ، والجملةُ معترضة جيء بها على طريق تلوينِ الخطاب، وتوجيهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الالتفات إلى الغَيبة فيما بـين الخطابات المتعلقة بالمكلفين مبالغةً في حملهم على الامتـثال، فإن الإخبارَ بعدم وجوب تدارُك أمرِهم على النبـي صلى الله عليه وسلم مُؤْذنٌ بوجوبه عليهم حسبما ينطِق به ما بعده من الشرطية. وقيل: لما كثُر فقراءُ المسلمين نهىٰ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن التصدق على المشركين كي تحمِلَهم الحاجة على الدخول في الإسلام فنزلت. أي ليس عليك هُدى مَنْ خالفك حتى تمنعَهم الصدقةَ لأجل دخولهم في الإسلام فلا التفاتَ حينئذٍ في الكلام، وضميرُ الغيبة للمعهودين من فقراءِ المشركين بل فيه تلوينٌ فقط وقوله تعالى: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} على الأول التفاتٌ من الغَيبة إلى خطاب المكلفين لزيادة هزّهم نحو الامتـثال، وعلى الثاني تلوينٌ للخطاب بتوجيهه إليهم وصرفهِ عن النبـي صلى الله عليه وسلم و{مَا} شرطية جازمة و{أية : تُنفِقُواْ} تفسير : [البقرة، الآية 273] منتصبة به على المفعولية ومن تبعيضية متعلقة بمحذوفٍ وقعَ صفةً لاسم الشرط مبـيّنةٌ ومخصصةٌ له أي أيِّ شيءٍ تنفقوا كائنٌ من مال {فَلأَنفُسِكُمْ} أي فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيرُكم فلا تمنوا على من أعطيتموه ولا تؤذوه ولا تنفقوا من الخبـيث، أو فنفعُه الدينيَّ لكم لا لغيركم من الفقراء حتى تمنعوه ممن لا ينتفع به من حيث الدينُ من فقراء المشركين {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَاء وَجْهِ ٱللَّهِ} استـثناءٌ من أعم العللِ أو أعم الأحوال أي ليست نفقتُكم لشيء من الأشياء إلا لابتغاء وجه الله، أو ليست في حال من الأحوال إلا حال ابتغاء وجه الله فما بالُكم تمنون بها وتنفقون الخبـيثَ الذي لا يوجّه مثلُه إلى الله تعالى وقيل: هو نفيٌ في معنى النهي {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} أي أجرُه وثوابُه أضعافاً مضاعفة حسبما فُصّل فيما قبلُ فلا عذرَ لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه على أحسن الوجوهِ وأجملها فهو تأكيد وبـيانٌ للشرطية السابقة، أو يوفَّ إليكم ما يُخلِفُه وهو من نتائج دعائه عليه السلام بقوله: «حديث : اللَّهم اجعل للمنفق خلَفاً وللمُمْسِك تلفاً» تفسير : وقيل: حجت أسماءُ بنت أبـي بكرٍ فأتتها أمُّها تسألها وهي مشركة فأبت أن تعطِيَها. وعن سعيد بنِ جبـير أنهم كانوا يتقون أن يرضخوا لقراباتهم من المشركين. وروي أن ناساً من المسلمين كانت لهم أصهارٌ في اليهود ورَضاعٌ كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام فلما أسلموا كرِهوا أن ينفقوا عليهم فنزلت وهذا في غير الواجب وأما الواجب فلا يجوز صرفُه إلى الكافر وإن كان ذميًّا {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} لا تنقصون شيئاً مما وُعدتم من الثواب المضاعف أو من الخلَف.

التستري

تفسير : فقال: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ}[272] أي من مال حلال، {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ}[272] أي توفون الجزاء من الله تعالى على فعلكم وما قصدتم به.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ} [الآية: 272]. قيل: ما يبدو منكم من الطاعات والمجاهدات فلأنفسكم، لا يصل إلىَّ من ذلك شىءٌ وهو قوله: {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ} تفسير : [الإسراء: 7]. وقيل أيضًا فى هذا المعنى: نعمى وعطائى لمن تستجلبه الحوادث والطاعات، لأن نعمى وعطائى تفضلٌ، والعللُ وهنٌ فى التفضيل ابتدأتُ عبادى بالنقم، والمبتدئ بالنعم لا يكون عن عوض ولا عن علة. وقيل: ما يكون منكم فهو لكم، لأن الصمدية ممتنعة عن أن توصُل إليه شىء سواه.

القشيري

تفسير : لكَ المقام المحمود، واللواء المعقود، والرتب الشريفة، والمنازل العلية، والسنن المرضية. وأنت سيد الأولين والآخرين، ولا يدانيك أحدُ - فضلاً عن أن يساميك، ولكن ليس عليك هداهم فالهداية من خصائص حقنا، وليس للأغيار منه شطية. يا محمد: أنت تدعوهم ولكن نحن نهديهم.

البقلي

تفسير : {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} قطع اسباب الهداية من المعاملات والشفاعات عن قلوب اهل الولايات واضاف كلايتهم الى نفسه بانه هاديهم {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ} اى لانفسكم ---- ومقامات المجاهدات بصوركم والى من اعمال قلوبكم من --- ---- واحتراقها بنيران الاشواق كما قال عليه السلام حاكيا من الله عز وجل "كل عمل بان ادم له الا الصوم فانه لى وانا مجازيا به" وايضا لانفكسم ------------------ عليكم لا باعمالكم لان خاصية الفضل لى لا يدخل فيه على العبودية قوله تعالى {لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الذين حسبوا انفسهم عن الميل الى غير الله فى مجلس مراقبة الله ناظرون من الله الى الله وراضون بقضاء الله فى مراد الله صابرون فى بلاء الله محتسبون لله فى مجاهدة انفسهم لا ينقضون عهود ميثاق الازل الى الاجل اى للذين وصفهم الله تعالى --- نفوسهم عن التعرض الى غير الله بالرمز والاشارة واسوال غيره على احوالهم وصونا لاسرارهم ومراعات حقيقة فقرهم وعفة فى مجاهدتهم خدمة اهل الدنيا ببذل المال والانفس ليلا ونهارا {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ} اى لا تيفرقون عن مجالستهم ومراقبتهم من قوة الحال وغلبة الذكر عليهم واشتغالهم بمشاهدة سيدهم وشدة محبتهم وكثرة عشقهم وحقيقة يقينهم بربهم لطلب معاشهم وحوائجهم لانه قد غلب عليهم صحة التوكل وحسن الرضا وحقيقة التسليم وهم كانوا يقوضون جميع امورهم الى الله ويسكنون بقصده لانه منان اوليائه واهل --- اهل الثناء والمغفرة بحفظ اوقاتهم عنا لخطرات والزلان {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ} لانهم لا يتملقون عند ابناء الدنيا بكلام اللين واظهار التقشف ولا يظهرون احوالهم لاجل الرياء والسمعة شفقة باحوالهم مع شدة افتقارهم الى الله وصف الجاهل بقلة المعرقة باحوالهم لان العالم يعرفهم بنور العلم والايمان {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} بشارة مشاهدة الحق فى وجوههم وبهجة نور المعرفة فى قلوبهم لان الله تعالى اسبل على وجوههم نقاب سناء الصفات والبس حبباهم نور جمال الذات اى تعرفهم بهذه الصفات لانهم الاتقياء الاخفياء الذين لا يركنون الى الخلق بسبب الدينا وزينتها ولذتها وانهم من اهل المحبة الذين يبتلون بانواع البلايا وهم صابرون محتسبون لله وفى الله {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} اى لاينبسطون الى اهل الدنيا ولا يبغن حظوظ انفسهم من الخلق ولكن ينبسطون الى الاخوان فى الله تلطفا بهم وتعطفا عن ----- الى مالوفات الطبع والهوى وايضا للفقراء الذين احضروا فى سبيل الله وصف الله تبارك وتعالى اهل حقائق المعرفة ونعتهم بالفقراى انهم حبسوا فى صحراى التوحيد وفيه التقديس باصفاء التحير والزموهم تراكم لطمات بحار الوحدانية واغرقوهم فى سر العظمة مفتقرون من عين التلوين الى عين التمكين لا يستطيعون من ثقل احمالهم مسيرا من الحيرة الى روية المنة وكشف القربة فى ارض الديمومية والطيران عن اشكال الحدوثية فى اسررا الهوية القدمية وان الله تعالى كشف لهم عن بساط العظمة واراهم نوش صور غب الغيب التى التبس الحق بها بنعت الرضا هن العشاق فيتحيرون بين الرسم والصرف تحيرنا استاصل لباس الحدثية عن انفس ارواحهم فاذا بربهم بهذه السمات من بطنان عجائب الغيب بحسبهم وصبيان الملكوت انهم فى جمال ابسط الديمومية ولا يعرفون شان قبضهم لانهم فى طيب مزمار الاحسان يحتجبون به عن ادراك احوال المحترقين بنيران الكبرياء لكن يعرف من غير وراء الوراء وقطع حجب رسوم العبودية والربوبية انهم مفتقرون الى مشاهدة حسن الحسن ومكاشفة قدم الدقم والجمع بنعت الاتحاد لا يظهرون مع عجزهم احوال تحيرهم لاهل التمكين غيره على اهل الانبساط لكن تحترقون فى الباطن ويستبشرون فى الظاهر هؤلاء مرضى المحبة واسرار المعرفة يلعنهم الله مقام التفرقة بنت الجمع وقيل احصروا فى سبيل الله الذين وفقوا مع الله بهمهم فلم يرجعوا منه الى غيره وقيل لا يستططيعون ضربا فى الارض الا لا تحركون لطلب الارزاق وقال محمد بن الفضل فى هذه الاية يمنعهم علو همتهم عن رفع حوائجهم الا الى مولاهم وقال ابن عطا ويحسبهم الجاهل بحالهم اغنياء فى الظاهر وهم اشد الناس افتقار الى الله تعالى فى الظاهر فاستغنائه فى الباطن وقيل فى تعريفهم بسماهم اى فى تطييب قلوبهم وحسن جالهم وبشاشة وجوههم ونور اسرارهم وحولان ارواحهم فى ملكوت ربهم وقال سهل ان الله عز وجل وصف الفقراء بصفة القدم من حال سوال الافتقار واللجاء اليه ووصفهم بالرضا والقنوع لا استطاعة لهم الا به ومنه ولا قوة لهم من حولهم وقوتهم قد نزع الله منهم بسكون قلوبهم الى غيره والمساكين راجعون الى الاسباب كما وصفهم الله مساكين يعلمون فى البحر فردهم الى حال السكون الى الاسباب لذلك قال بعضهم القر عز والمسكنة ذل وقال عمر والمكى من احب شيئا كان به ضنينا من حب شيئا كان به انيسا ومن احب شيئا كان له اثيرا وقال النصر ابادى الفقير ينبغى ان يكون له قناعة وعفة وتبرز بالقناعة ويرتدى بالعفى لان النبى صلى الله عليه وسلم قال القناعة مال لا ينفذ فاذا كان الفقر بهذه الصفة دخل فى جملة حديث النبي صلى الله عليه وسلم يدخل الفقراء الجنة قبل الاغنياء بخمسمائة عام وقال الثورى تعرفهم بسيماهم يفرحون فقرهم واستقامة احوالهم عند موارد البلاء عليهم وقال ابو عثمن تعرفهم بسيماهم بايثار ما يملكون ما الحاجة اليه وقال الجنيد كلت السنتهم عن سوال من تملك الملك فيكف من لا يملكها قال الجنيد وسئل عن الفقير الصدق متى يكون مستوجبا لدخول الجنة قبل الاغنياء بخمسائة عام قال اذا كان هذا الفقير معلا ملا لله بقلبه موافقا له فى جميع احواله منعا وعطاء بعد الفقر من الله بعمة عليه يخاف على زوالها كما يحاف الغنى على زوال غناه وكان صابرا محتبسا مسرور باختيار الله له الفقر صائنا لدينه كاثمار الفقر يظهره الاياس من اليسا مستغنيا بربه فى فقره كما قال الله تعالى للفقراء الذين احضروا والاية فاذا كان الفقير بهذا الصفة دخل الجنة قبل الاغنياء بخمسمائة عام ويكفى يوم لاقيمة مؤنة الموقف وقال الاتساد فى قوله للذين احضروا اى اتخذ عليهم سلطان الحقيقة كل طريق لهم فلا لهم فى الشرق مذهب ولا لهم فى الغرب مشرب كيف ما نظروا راوا سرذوقات التوحيد محدقة بهم كان فجاج الارض ضاقت برحبها على فما تزداد طولا وعرضا.

اسماعيل حقي

تفسير : {ليس عليك هداهم} اى لا يجب عليك يا محمد ان تجعلهم مهديين الى الاتيان بما امروا به من المحاسن والانتهاء عما نهوا عنه من القبائح المعدودة وانما الواجب عليك الارشاد الى الخير والحث عليه والنهى عن الشر والردع عنه بما اوحى اليك من الآيات والذكر الحكيم والخطاب خاص والمراد عام يتناول كل اهل الاسلام {ولكن الله يهدى} هداية خاصة موصلة الى المطلوب حتما {من يشاء} هدايته الى ذلك ممن يتذكر بما ذكر ويتبع ويختار الخير فهدى التوفيق على الله وهدى البيان على النبى صلى الله عليه وسلم. وقيل لما كثر فقراء المسلمين نهى رسول الله عليه وسلم المسلمين عن التصدق على المشركين كى تحملهم الحاجة على الدخول فى الاسلام فنزلت اى ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لاجل دخولهم فى الاسلام وفيه ايماء الى ان الكفر لا يمنع صدقة التطوع واختلف فى الواجب فجوزه ابو حنيفة واباه غيره {وما تنفقوا من خير} اى أى شىء تتصدقوا كائن من مال {فلأنفسكم} اى فهو لانفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا على من اعطيتموه ولا تؤذوه ولا تنفقوا من الخبيث او فنفعه الدينى لكم لا لغيركم من الفقراء حتى تمنعوه ممن لا ينتفع به من حيث الدين من فقراء المشركين. وعن بعض العلماء لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} استثناء من اعم العلل او اعم الاحوال اى ليست نفقتكم لشىء من الاشياء الا لابتغاء وجه الله او ليست فى حال من الاحوال الا حال ابتغاء وجه الله فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذى لا يوجه مثله الى الله {وما تنفقوا} اى أى شىء تنفقوا {من خير} فى اهل الذمة وغيرهم {يوف إليكم} اى يوفر لكم اجره وثوابه اضعافا مضاعفة فلا عذر لكم فى ان ترغبوا عن انفاقه على احسن الوجوه واجملها {وأنتم لا تظلمون} اى لا تنقصون شيأ مما وعدتم من الثواب المضاعف.

ابن عجيبة

تفسير : {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ... } يقول الحقّ جلّ جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام: {ليس عليك} يا محمد {هداهم} أي: لا يجب عليك أن تخلق الهداية في قلوبهم، وليس من شأنك ذلك، إنما أنت نذير تدلُّ على الخير، كالنفقة وغيرها، وتنهى عن الشر كالمِّن والأذى، وإنفاق الخبيث، وغير ذلك من المساوئ {ولكن الله يهدي من يشاء} بفضله وإحسانه، فالأمور كلها بيد الله خيرها وشرها، لكن من جهة الأدب{أية : مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}تفسير : [النِّساء: 79]. وبالله التوفيق. الإشارة: ما قيل في الرسول - عليه الصلاة والسلام - يقال في ورثته من أهل التذكير، فليس بيدهم الهداية والتوفيق، وإنما شأنهم الإرشاد وبيان الطريق، فليس من شأن الدعاة إلى الله الحرص على هداية الخلق. وإنما من شأنهم بيان الحقّ.{أية : إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ}تفسير : [النّحل: 37]. والله تعالى أعلم. ثم رجع الحقّ تعالى إلى الترغيب في الصدقة والإخلاص فيها، فقال: {... وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} قلت: هذه ثلاث جمل كلها تدل على الترغيب في إنفاق الطيب وإخلاص النية. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وما تنفقوا من خير} قليل أو كثير، فهو {لأنفسكم} لا ينتفع به غيركم، فإن كان طيباً فلأنفسكم، وإن كان خبيثاً فأجره لكم، وإن مننتم به أو آذيتم فقد ظلمتم أنفسكم، وإن أخلصتم فيه فلأنفسكم، وأيضاً إنكم تَدَّعُونَ أنكم {ما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله}، فكيف تقصدون الخبيث، وتجعلونه لوجه الله؟ وكيف تَمُنُّونَ أو تؤذون بها وهي وجه الله؟ هذا تكذيب للدعوى، وكل ما تنفقون من خير قليل أو كثير {يُوف إليكم} جزاؤه يوم القيامة بسبعمائة إلى أضعاف كثيرة، ويخلفه لكم في الدنيا، {وأنتم لا تظلمون} شيئاً من أعمالكم إن أخلصتم أو أحسنتم. وستأتي إشارتها مع ما بعدها.

الطوسي

تفسير : المعنى: قيل في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها قولان: أحدهما - ما قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ليس عليك هداهم بمنع المشركين الاقرباء من الصدقة ليدخلوا في الاسلام فعلى هذا معناه الاباحة. الثاني - قال الحسن، وأبو علي الجبائي، والزجاج: {ليس عليك هداهم} بالحمل على النفقة في وجوه البرّ فعلى هذا معناه التسلية والتقدير ليس عليك أن تهدي الناس إلى نيل الثواب، والجنة وإنما عليك أن تهديم إلى الايمان بأن تدلهم عليه لأنه (عليه السلام) كان يغتم إذا لم يؤمنوا ولم يقبلوا منه لعلمه بما يصيرون إليه من العقاب فسلاّه الله بهذا القول. وإنه لا ينبغي ترك مواساة ذوي القربى من أهل الشرك ليدخلوا في الاسلام فيكون ذلك مبيحاً للصدقة المندوبة عليهم. وقال ابن عباس، وابن الحنفية، وسعيد بن جبير: نزلت هذه الآية لأنهم كانوا يتقون الصدقة على المشركين حتى نزلت {ليس عليك هداهم} وقوله. {ولكن الله يهدي من يشاء} إنما علق الهداية بالمشيئة لمن كان في المعلوم أنه يصلح باللطف وليس كل أحد يصلح به فلذلك جاء الاختصاص بالمشيئة. وقال أبو علي الجبائي: الهداية في الآية هو إلى طريق الجنة وذلك يختص بالمؤمنين المستحقين للثواب والأول اختيار البلخي وابن الاخشاد والزجاج وأكثر أهل العلم. وقوله: {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} معناه فلهذا يجب ألا تمنوا بالصدقة والانفاق: إذ كان لأنفسكم من حيث هو ذخر لكم ولابتغاء وجه الله الذي هو يوفر به الجزاء لكم فهو من كل وجه عائد عليكم وليس كتمليك الله لعباده إذ نفعه راجع عليهم كيف تصرفت الحال بهم، فلذلك افترق ذكر العطية منه (تعالى)، والعطية من غيره. ومعنى قوله {إلا ابتغاء وجه الله} إلا ابتغاء رضوان الله. واستدل بذلك على حسن باطن المعنيين بالآية. وانهم كانوا ينفقونه لوجه الله خالصاً. وقيل معناه وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله، فكيف يضيع سعيكم وإنفاقكم. وقيل في ذكر الوجه قولان: أحدهما - لتحقيق الاضافة إليه، لأن ذكره يزيل الابهام انه له أو لغيره، لأنك إذا اختصصت ذكر الوجه ومعناه التبيين، دل على أنك أردت الاختصاص وإزالة الابهام، ورفع الاشتراك وحققت الاضافة. والثاني - لأشرف الذكرين في الصفة لأنه إذا قلت: فعلته لوجه زيد فهو أشرف في الذكر من فعلته [لزيد]. لأن وجه الشيء في الاصل أشرف ما فيه ثم كثر حتى صار يدل على شرف الذكر في الصفة فقط من غير تحقيق وجه ألا ترى أنك تقول: وجه هذا الأمر كذا وهذا أوجه الرأي وهذا أوجه الدليل فلا تريد تحقيق الوجه وإنما يريد أشرف ما فيه من أجل شدة ظهوره وشدة بيانه.

الجنابذي

تفسير : {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} كان النّبىّ (ص) بعد ما اظهر الله تعالى ابطال الصّدقة بالمنّ والاذى وابطالها بالرّياء وان لا ناصر لمن ظلم فى الانفاق والنّذر تحرّج (ص) من عدم اهتداء امّته وقومه الى وجوه الخير فى الانفاق والى ما فى البخل وابطال الانفاق من الوبال والحرمان حتّى لم يهتدوا بسببه الى الاسلام والايمان وقال: فما أصنع حتّى يهتدوا الى ذلك؟ - فقال تعالى: {ليس عليك هداهم} حتّى تتحرّج من عدم هداهم {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} {فَـ} ـهو نافع {لأَنْفُسِكُمْ} فما بالكم تمنّون به على غيركم او تؤذون به من تنفقون عليه او غيره {وَمَا تُنْفِقُونَ} اى لا ينبغى لكم ان تنفقوا {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ} لكنّه ادّاه بصورة الاخبار عن الانفاق لوجه الله تهييجاً لهم على ذلك {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} اى من مالٍ حلالٍ مكتسبٍ من جهة حلّيّته الّتى هى الولاية فانّها جهة حلّيّة المحلّلات كما سبق وكما يأتى عند قوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} تفسير : [المائدة:3] فانّ خيريّة المال ان يكون مكتسباً من الحلال، وخيريّة النّفقة ان تكون خالصة لوجه الله كما اشير اليه بقوله تعالى: {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ} يعنى نفقة غير مشوبة بالمنّ والاذى والرّياء وغير مدنّسة بالاغراض النّفسانيّة وان تكون سرّاً كما اطلق الخير فى السّابق عليه {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} التوفية تكون باداء تمام ما ينبغى ان يؤدّى {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} بنقص فيما يؤدّى اليكم جزاء انفاقكم.

اطفيش

تفسير : {لَيْسَ عَليْكَ هُدَاهُم}: أى توفيقهم إلى الإيمان، بل عليك بيان الطريق لهم والحث على أداءِ الفرض، وعلى المحاسن والزجر عن المعاصى والقبائح كالمن والأذى وإخفاء الخبيث، ووجه اتصال الآية بما قبلها أنه تعالى ندب أولا على الإنفاق وإخفائه وبين بهذه الآية جواز الإنفاق على المشركين، فعن بعض: حجت أسماء بنت أبى بكر فجاءتها أمها تسألها وهى مشركة فأبت أن تعطيها، فنزلت الآية. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة القضاء ومعه أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى الله عنهما فجاءتها أمها قبيلة وجدتها تسألانها شيئا، فقالت: لا أعطيكما شيئاً حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنكما لستما على دينى، فاستأمرته فى ذلك فنزلت هذه الآية فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتصدق عليهما، وروى سعيد ابن جبير أيضا: أنهُ كان لنا ثلاثة من الأنصار قرابة من قريظة والنظير وأصهار ورضاع، ينفقون عليهم قبل الإسلام، وكانوا لا يتصدقون عليهم، ويقولون: لا نعطيكم شيثاً ما لم تسلموا، فنزلت هذه الآية: وروى أيضاً: أنهُ لما كثر فقراء المسلمين نهى عن التصدق على المشركين لتحملهم الحاجة على الدخول فى الإسلام فنزلت، وروى: أن رجلا قال: أنتصدق على من ليس من أهل ديننا فنزلت الآية. {ولَكنَّ اللّهَ يَهْدِى}: يوفق إلى الإيمان. {مَنْ يَشاء}: هدايته إليه. {وَمَا تُنْفقُوا منْ خَيْرٍ}: أى مال كقوله تعالى:{أية : إن ترك خيراً}تفسير : أو من نفقة معروفة، ومعنى قول عكرمة كل خير فى كتاب الله المال إنه المال إذا قرن بالإنفاق ونحوه مما يناسب المال. {فَلأنفُسكمُ}: أى فثوابه لأنفسكم، فإذا مَننتم وآذيتم أو راءيتم فقد أبطلتموه عن أنفسكم، وأذنبتم، وإذا أنفقتم الخبيث فقد نقصتم عن أنفسكم وأقللتم: وإن كان حراما أذنبتم. {وَمَا تُنْفقُونَ إلا ابتِغاءَ وَجَهْ اللّهِ}: هذا إخبار لفظا ومعنى، والحملة حال من ضمير الاستقرار المستتر فى: {لأنفسكم}، أعنى الضمير المستتر فى نحو ثابت، لما حذف ثابت انتقل منه إلى الجار والمجرور، وهو عائد إلى ما من قوله: {وما تنفقوا} كأنه قيل وما تنفقوا من خير فلأنفسكم حال كونه لم تنفقوه إلا ابتغاء وجه الله، أو حال من واو تنفقوا، أى وما تنفقوا من خير حال كونكم غير منفقين له فى غير ابتغاء وجه الله، ويجوز كون الجملة معطوفة على الشرط والجواب والأداة على أن التقدير وما تنفقون نفقة يعتد بها ويرجو قبولها لا ابتغاء وجه الله، أو على أن المخاطب جماعة هم الصحابة وهم على هذه الصفة، وأنفقو فى معصية أو برياء أو نحوه، أو لغرض دنيوى فلا يثبت فيه الثواب، ويجوز كون الجملة إخبار لفظا نهيا معنى، أى لا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله، فتكون مستأنفة، ومعنى ابتغاء وجه الله طلب ثواب وجه الله، وهو الله كما تقول وجه زيد تريد ذاته ونفسه، وممن قال بأن اللفظ والمعنى خبر: الزجاج وغيره إذا قال هو: هذا خاص بالمؤمنين أعلمهم الله أنه قد علم مرادهم بنفقتهم ما عنده، وقال غيره: معناه لستم فى صدقتكم على أقاربكم والمشركين تقصدون إلا وجه الله، وقد علم الله هذا من قلوبكم، فأنفقوا عليهم إذا كنتم تبتغون بذلك وجه الله فى صلة الرحم، وسدّ خلة المضطر. قال بعض العلماء: لو أنفقت على شر خلق الله لكان لذلك ثواب، وأما زكاة المال وزكاة الفطر والكفارة بأنواعها كدينار الفراش والفدية والجزاء فلا تعطى للمشرك، وعن عطاء عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا تعطوا المشركين من نسككم شيئا"تفسير : ، وقال بعض أصحابنا بجواز المرسلة للمسكين الذمى، وبعض فيمن اضطر ولم يجد أهل التوحيد، وخاف الموت ولم يجد سبيلا أن يعطيها أهل الذمة، ويقدم الأقرب إلى الإسلام، وأجاز أبو حنيفة زكاة الفطر لأهل الذمة، وزعم المهدوى أن هذه الآية أباحت زكاة المال لأهل الذمة وهو باطل مجمع على خلافه، وجمهورنا أن الزكاة تختص بالمتولى ووافقهم أبو بكر بن العربى فى أحكام القرآن فى أنها لا تعطى موحداً يترك أركان الإسلام من الصلاة والصوم والحج والزكاة، أجازها لغيره من العصاة. {وما تُنْفقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوفَّ إليْكُمْ}: على حذف مضاف، أى يوف ثوابه إليكم، وذلك فى الآخرة أضعافا مضاعفة، فهو تأكيد لقوله: {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم}، قال ابن عباس: يجازيكم يوم القيامة واستدل له بعض بقوله: إليكم، وفيه أن الانتهاء أيضا صحيح فى الدنيا، بل الدليل توفيه من غير ان يتعين، ويجوز أن يكون هذا فى الدنيا كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم اجعل لمنفق خلفا ولممسك تلفا"تفسير : ، ويناسب الأول قوله: {وأنْتُم لا تُظْلمُونَ}: أى لا ينقص من ثواب صدقتكم شئ فإنه لا يتبادر أن يكون المعنى يخلف لكم فى الدنيا ما أنفقتم كله، ولا يبقى منه شئ اللهم إلا أن يراد: وما تنفقوا من خير يوف إليكم فى الدنيا من غير أن ينقص لكم من ثوابه فى الآخرة شئ.

اطفيش

تفسير : {لَّيْسَ عَلَيْكَ} أيها النبى، أو مطلق المسلم {هُدَٰهُمْ} هدى المشركين إلى الإسلام بالقهر، بقطع النفقة عنهم، فهو هدى إيصال، بل عليك وعلى أصحابك البلاغ والحص على المحاسن، أو ليس عليك هدى هؤلاء المأمورين بالمحاسن، المنهيين عن المساوىء {وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ} هدايته، هداية إيصال إلى الإسلام، وأما هدى بيان فتعم كل مكلف، نزلت فى قوم من الأنصار لما أسلموا قطعوا النفقة عن أصهارهم وقرابتهم من اليهود ليسلموا، وكان المسلمون يتصدقون على فقراء أهل المدينة، ولما كثر المسلمون منع صلى الله عليه وسلم الصدقة على أهل الشرك ليدخلوا فى الإسلام، وقال: لا تصدقوا إلا على أهل دينكم، بفتح الدال والتاء، فنزلت الآية {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} مال قليل أو كثير ولو على مشرك، ولا حظ لمشرك فى واجب كزكاة، ولا لحربى بعد نزول القتال ولو نفلا، ولا فى دينار الفراش وشاة الأعضاء، وزكاة الفطر، وأجاز أبو عبيدة الكفارة الصغيرة للذمى، وأجاز له أبو حنيفة زكاة الفطر والكفارات كلها والنذر، وكل صدقة ليس أمرها إلى الإمام وهو خطأ {فَلأَنْفُسِكُمْ} فثوابه لأنفسكم، فلا وجه لترك الإنفاق، أو الإيذاء، أو المن، أو الرياء، أو قصد الإنفاق من الخبيث {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللهِ} إعظامه، أو ثوابه، أى الأمر الحق ذلك، أو الحكم الشرعى ذلك، فذلك إخبار، أو بمعنى النهى، أى لا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله، أو فلأنفسكم فى حال قصدكم بالإنفاق وجه الله، على أن الجملة حال، وهذا أولى، وذكر الوجه إعظام، ونص على نفى توهم الشركة، وأعطيتك لأبيك دون أعطيتك لوجه أبيك، فإن الوجه أشرف ما فى الإنسان، تعالى الله عنه، حتى إنه يعبر به عن الشرف، وقيل، وجه الله ذات الله سبحانه، وقيل، الوجه هنا بمعنى الرضى {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} يوف إليكم جزاؤه مضاعفا فى الآخرة، أو فيها وفى الدنيا، أو يوفى لكم فى الدنيا، لا ينقص، وإن شاء الله زاد، ويضاعف فى الآخرة، وذلك إجابة لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم عجل للمنفق خلفا"تفسير : {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} بنقص الثواب، أو إبطاله، أو الظلم نفس النقص.

الالوسي

تفسير : {لَّيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ} أي لا يجب عليك أيها الرسول أن تجعل هؤلاء المأمورين بتلك المحاسن المنهيين عن هاتيك الرذائل مهديين إلى الائتمار والانتهاء ـ إن أنت إلا بشير ونذير ما عليه إلا البلاغ المبين ـ {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي} بهدايته الخاصة الموصلة إلى المطلوب قطعاً {مَن يَشَآء} هدايته منهم، والجملة معترضة جيء بها على طريق تلوين الخطاب وتوجيهه إلى سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم مع الالتفات إلى الغيبة فيما بين الخطابات المتعلقة بأولئك المكلفين مبالغة في حملهم على الامتثال، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن وأبو علي الجبائي، وهو مبني على رجوع ضمير {هُدَاهُمُ} إلى المخاطبين في تلك الآيات السابقة، والذي يستدعيه سبب النزول رجوعه إلى الكفار، فقد أخرج ابن أبـي حاتم وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن لا نتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية» وأخرج ابن جرير عنه قال: كان أناس من الأنصار لهم أنسباء وقرابة وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم ويريدونهم أن يسلموا فنزلت. وأخرج ابن أبـي شيبة عن سعيد بن جبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تصدقوا إلا على أهل دينكم»تفسير : فأنزل الله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} أي ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل دخولهم في الإسلام وحينئذ لا التفات، وإنما هناك تلوين الخطاب فقط، والآية حث على الصدقة أيضاً ولكن بوجه آخر والارتباط على التقديرين ظاهر، وجعلها مرتبطة ـ بقوله سبحانه: {أية : يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء}تفسير : [البقرة: 269] إشارة إلى قسم آخر من الناس لم يؤتها ـ ليس بشيء. {وَمَا تُنفِقُواْ} في وجوه البر {منْ خَيْرٍ} أي مال {فَلأِنفُسِكُمْ} أي فهو لأنفسكم لا ينتفع به في الآخرة غيركم فلا تيمموا الخبيث ولا تبطلوه بالمنّ والأذى ورئاء الناس، أو فلا تمنعوه عن الفقراء كيف كانوا فإن نفعكم به ديني ونفع الكافر منهم دنيوي، و {مَا} شرطية جازمة لتنفقوا منتصبة به على المفعولية و {مِنْ} تبعيضية متعلقة بمحذوف وقع صفة لاسم الشرط مبينة ومخصصة له {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَاء وَجْهِ ٱللَّهِ}/ استثناء من أعم العلل وأعم الأحوال أي ما تنفقون بسبب من الأسباب إلا لهذا السبب، أو في حال من الأحوال إلا في هذه الحال، والجملة إما حال أو معطوفة على ما قبلها على معنى: وما تنفقوا من خير فإنما يكون لكم لا عليكم إذا كان حالكم أن لا تنفقوا إلا لأجل طلب وجه الله تعالى، أو إلا طالبين وجهه سبحانه لا مؤذين ولا مانين ولا مرائين ولا متيممين الخبيث، أو على معنى ليست نفقتكم إلا لكذا أو حال كذا فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث أو تمنعونها فقراء المشركين من أهل الكتاب وغيرهم، وقيل: إنه نفي بمعنى النهي أي لا تنفقوا إلا كذا وإقحام الوجه للتعظيم ودفع الشركة لأنك إذا قلت فعلته لوجه زيد كان أجل من قولك: فعلته له لأن وجه الشيء أشرف ما فيه ثم كثر حتى عبر به عن الشرف مطلقاً، وأيضاً قول القائل: فعلت هذا الفعل لفلان يحتمل الشركة وأنه قد فعله له ولغيره ومتى قال: فعلته لوجهه انقطع عرق الشركة عرفاً، وجعله كثير من الخلق بمعنى الذات وبعضهم حمله هنا على الرضا وجعل الآية على حد (أية : ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ)تفسير : [البقرة: 265] تعالى، والسلف بعد أن نزهوا فوضوا كعادتهم في المتشابه. {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} أي تعطون جزاءه وافراً وافياً كما تشعر به صيغة التفعيل في الآخرة حسبما تضمنته الآيات من قبل ـ وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ والمراد نفي أن يكون لهم عذر في مخالفة الأمر المشار إليه في الإنفاق، فالجملة تأكيد للشرطية السابقة وليس بتأكيد صرف وإلا لفصلت ولكنها تضمنت ذلك من كون سياقها للاستدلال على قبح ترك ذلك الأمر فكأنه قيل: كيف يمنّ أو يقصر فيما يرجع إليه نفعه أو كيف يفعل ذلك فيما له عوض وزيادة، وهي بهذا الاعتبار أمر مستقل، وقيل: إن المعنى يوفر عليكم خلفه في الدنيا ولا ينقص به من مالكم شيء استجابة لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم اجعل لمنفق خلفاً ولممسك تلفاً»تفسير : والتوفية إكمال الشيء وإنما حسن معها (إليكم) لتضمنها معنى التأدية وإسنادها إلى {مَا} مجازي وحقيقته ما سمعت. والآية بناءاً على سبب النزول دليل على جواز دفع الصدقة للكافر وهو في غير الواجبة أمر مقرر، وأما الواجبة التي للإمام أخذها كالزكاة فلا يجوز، وأما غيرها كصدقة الفطر والنذر والكفارة ففيه اختلاف، والإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يجوزه، وظاهر قوله تعالى: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً } تفسير : [الإنسان: 8] يؤيده إذ الأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركاً. {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} أي لا تنقصون شيئاً مما وعدتم، والجملة حال من ضمير {إِلَيْكُمْ} والعامل (يوفَّ).

ابن عاشور

تفسير : استئناف معترض به بين قوله { أية : إن تبدوا الصدقات } تفسير : [البقرة: 271] وبين قوله: {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم}، ومناسبته هنا أنّ الآيات المتقدمة يلوح من خلالها أصناف من الناس: منهم الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ومنهم الذين يبطلون صدقاتهم بالمَنّ والأذى، ومنهم الذين يتيمّمون الخبيث منه ينفقون، ومنهم من يعَدهم الشيطان الفقرَ ويأمرهم بالفحشاء. وكان وجود هذه الفرق مما يَثقل على النبي صلى الله عليه وسلم فعقّب الله ذلك بتسكين نفس رسوله والتهوين عليه بأن ليس عليه هُداهم ولكن عليه البلاغ. فالهُدى هنا بمعنى الإلجاء لحصول الهدي في قلوبهم، وأما الهدى بمعنى التبليغ والإرشاد فهو على النَّبِي، ونظائر هذا في القرآن كثيرة. فالضمير رَاجع إلى جميع من بقي فيهم شيء من عدم الهدى وأشدّهم المشركون والمنافقون، وقيل الضمير راجع إلى ناس معروفين، روي أنّه كان لأسماء ابنةِ أبي بكر أمٌّ كافرة وجَدٌّ كافر فأرادت أسماء ــــــ عام عمرة القضية ــــــ أن تواسيهما بمال، وأنّه أراد بعض الأنصار الصدقة على قرابتهم وأصهارهم في بني النضير وقريظة، فنهَى النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين عن الصدقة على الكفّار، إلجاء لأولئك الكفّار على الدّخول في الإسلام، فأنزل الله تعالى: {ليس عليك هداهم} الآيات، أي هدى الكفّار إلى الإسلام، أي فرخّص للمسلمين الصدقة على أولئك الكفرة. فالضمير عائد إلى معلوم للمخاطب. فيكون نزول الآية لذلك السبب ناشئاً عن نزول آيات الأمر بالإنفاق والصدقة، فتكون الآيات المتقدمة سببَ السبب لنزول هذه الآية. والمعنى أنْ ليس عليك أن تهديهم بأكثر من الدعوة والإرشاد، دون هداهم بالفعل أو الإلجاء؛ إذ لا هادي لمن يضلل الله، وليس مثل هذا بميسّر للهُدى. والخطاب في {ليس عليك هداهم} ظاهره أنّه خطاب للرسول على الوجه الأول الذي ذكرناه في معاد ضمير هداهم. ويجوز أن يكون خطاباً لمن يسمع على الوجه الآتي في الضمير إذا اعتبرنا ما ذكروه في سبب النزول، أي ليس عليك أيها المتردّد في إعطاء قريبك. و(على) في قوله {عليك} للاستعلاء المجازي، أي طلب فعل على وجه الوجوب. والمعنى ليس ذلك بواجب على الرسول، فلا يحزن على عدم حصول هداهم لأنّه أدّى واجب التبليغ، أو المعنى ليس ذلك بواجب عليكم أيّها المعالجين لإسلامهم بالحرمان من الإنفاق حتى تسعوا إلى هداهم بطرق الإلجاء. وتقديم الظرف وهو {عليك} على المسند إليه وهو {هُداهم} إذا أجرى على ما تقرّر في علم المعاني من أنّ تقديم المسند الذي حقّه التأخير يفيد قصر المسند إليه إلى المسند، وكان ذلك في الإثبات بيّناً لا غبار عليه نحو { أية : لكم دينكم ولي ديني } تفسير : [الكافرون: 6] وقولِه: { أية : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } تفسير : [البقرة: 286]، فهو إذا وقع في سياق النفي غير بيّن لأنّه إذا كان التقديم في صورة الإثبات مفيداً للحصر اقتضى أنّه إذا نفي فقد نفي ذلك الانحصار؛ لأنّ الجملة المكيّفة بالقصر في حالة الإثبات هي جملة مقيَّدة نسبتُها بقيد الانحصار أي بقيد انحصار موضوعها في معنى محمولها. فإذا دخل عليها النفي كان مقتضياً نفي النسبة المقيّدة، أي نفي ذلك الانحصارِ، لأنّ شأن النفي إذا توجّه إلى كلام مقيَّد أن ينْصَبّ على ذلك القيد. لكنّ أئمة الفن حين ذكروا أمثلة تقديم المسند على المسند إليه سَوّوا فيها بين الإثبات ــــــ كما ذكرنا ــــــ وبين النفي نحْو { أية : لا فيها غَوْل } تفسير : [الصافات: 47]، فقد مثل به في «الكشاف» عند قوله تعالى: { أية : لا ريب فيه } تفسير : [البقرة: 2] فقال: «قصد تفضيل خمر الجنّة على خمور الدنيا»، وقال السيد في شرحه هنالك «عُدّ قصراً للموصوف على الصفة، أي الغول مقصور على عدم الحصول في خمور الجنة لا يتعدّاه إلى عدم الحصول فيما يقابلها، أو عَدمُ الغول مقصور على الحصول فيها لا يتجاوزه إلى الحصول في هذه الخمور». وقد أحلتُ عند قوله تعالى: { أية : لا ريب فيه } تفسير : [البقرة: 2] على هذه الآية هنا، فبِنَا أن نبيِّن طريقة القصر بالتقديم في النفي، وهي أنّ القصر لما كان كيفية عارضة للتركيب ولم يكن قيداً لفظياً بحيث يتوجّه النفي إليه كانت تلك الكيفية مستصحبة مع النفي، فنحو {لا فيها غول} يفيد قصر الغَول على الانتفاء عن خمور الدنيا ولا يفيد نفي قصر الغول على الكون في خمور الجنة. وإلى هذا أشار السيّد في شرح «الكشاف» عند قوله {لا ريب فيه} إذ قال «وبالجملة يجعل حرف النفي جزءاً أو حرفاً من حروف المسند أو المسند إليه». وعلى هذا بنى صاحب «الكشاف» فجعل وجه أن لم يقدّمْ الظرفُ في قوله: {لا ريب فيه} كما قدم الظرف في قوله: {لا فيها غول} لأنّهُ لو أوّل لقُصد أنّ كتاباً آخر فيه الريب، لا في القرآن، وليس ذلك بمراد. فإذا تقرر هذا فقوله: {ليس عليك هداهم} إذا أجرى على هذا المنوال كان مفاده هداهم مقصور على انتفاء كونه عليك، فيلزم منه استفادة إبطال انتفاء كونه على غير المخاطب، أي إبطال انتفاء كونه على الله، وكلا المفادين غير مراد إذ لا يُعتقد الأول ولا الثاني. فالوجه: إما أن يكون التقديم هنا لِمجرد الاهتمام كتقديم يوم الندى في قول الحريري: شعر : ما فيه من عيب سوى أنّه يوم النَّدى قِسمته ضيزى تفسير : بنفي كون هداهم حقاً على الرسول تهوينا للأمر عليه، فأما الدلالة على كون ذلك مفوّضاً إلى الله فمن قوله: {ولكن الله يهدي من يشاء}. وإما أن يكون جرى على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيل السامعين منزلة من يعتقد أنّ إيجاد الإيمان في الكفّار يكون بتكوين الله وبالإلجاء من المخلوق، فقُصر هداهم على عدم الكون في إلجاء المخلوقين إياهم لا على عدم الكون في أنّه على الله، فيلزم من ذلك أنّه على الله، أي مفوّض إليه. وقوله: {ولكن الله يهدي من يشاء} جيء فيه بحرف الاستدراك لما في الكلام المنفي من توهمّ إمكان هديهم بالحرص أو بالإلجاء، فمصَبُّ الاستدراك هو الصلة، أعْني {من يشاء}؛ أي فلا فائدة في إلجاء من لم يشأ الله هديه. والتقدير: ولكن هداهم بيد الله، وهو يهدي من يشاء، فإذا شاء أن يهديهم هداهم. {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَِنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}. عطف على جملة { أية : إن تبدوا الصدقات } تفسير : [البقرة: 271]؛ وموقعها زيادة بيان فضل الصدقات كلّها، وأنّها لما كانت منفعتها لنفس المتصدّق فليختر لنفسه ما هو خير، وعليه أن يُكثر منها بنبذ كل ما يدعو لترك بعضها. وقوله: {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} جملة حالية، وهو خبر مستعمل في معنى الأمر، أي إنّما تكون منفعة الصدقات لأنفسكم إن كنتم ما تنفقون إلاّ ابتغاء وجه الله لا للرياء ولا لمراعاة حال مسلمٍ وكافر، وهذا المعنى صالح لكلا المعنيين المحتمَلين في الآية التي قبلها. ويجوز كونها معطوفة عليها إذا كان الخبر بمعنى النهي، أي لا تنفقوا إلاّ ابتغاء وجه الله. وهذا الكلام خبر مستعمل في الطلب لقصد التحقيق والتأكيد، ولذلك خولف فيه أسلوب ما حفّ به من جملة {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} وجملة {وما تنفقوا من خير يوف إليكم}. وقوله: {وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} عطف على التي قبلها لبيان أنّ جزاء النفقات بمقدارها وأنّ مَن نُقِص له من الأجر فهو الساعي في نقصه. وكُرّر فعل تنفقون ثلاث مرات في الآية لمزيد الاهتمام بمدلوله وجيء به مرتين بصيغة الشرط عند قصد بيان الملازمة بين الإنفاق والثواب، وجيء به مرة في صيغة النفي والاستثناء لأنّه قصد الخبر بمعنى الإنشاء، أي النهي عن أن ينفقوا إلاّ لابتغاء وجه الله. وتقديم {وأنتم} على الخَبَر الفعلي لمجرد التقوّي وزيادة التنبيه على أنّهم لا يُظلَمون، وإنّما يَظْلمون أنفسهم. وإنما جعلت هاته الأحكام جملاً مستقلاً بعضُها عن بعض ولم تجعل جملة واحدة مقيَّدة فائدتها بقيود جميع الجمل وأعيد لفظ الإنفاق في جميعها بصيغ مختلفة تكريراً للاهتمام بشأنه، لتكون كل جملة مستقلة بمعناها قصيرة الألفاظ كثيرة المعاني، فتجري مجرى الأمثال، وتتناقلها الأجيال. وقد أخذ من الآيات الأخيرة ــــــ على أحد التفسيرين ــــــ جواز الصدقة على الكفّار، والمراد الكفّار الذي يختلطون بالمسلمين غير مؤذين لهم وهم أهل العهد وأهل الذمّة والجيران. واتفق فقهاء الإسلام على جواز إعطاء صدقة التطوع للكافرين، وحكمة ذلك أنّ الصدقة من إغاثة الملهوف والكافر من عباد الله، ونحن قد أمرنا بالإحسان إلى الحيوان، ففي الحديث الصحيح:حديث : قالوا يا رسول الله وإنّ لنا في البهائم لأجراً. فقال: «في كل ذي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجرٌ»تفسير : . واتفق الفقهاء على أنّ الصدقة المفروضة ــــــ أعني الزكاة ــــــ لا تعطى للكفّار، وحكمة ذلك أنّها إنّما فرضت لإقامة أوَد المسلمين ومواساتهم، فهي مال الجامعة الإسلامية يؤخذ بمقادير معيّنة، ففيه غنَى المسلمين، بخلاف ما يعطيه المرء عن طيب نفس لأجل الرأفة والشفقة. واختلفوا في صدقة الفطر، فالجمهور ألحقوها بالصدقات المفروضة، وأبو حنيفة ألحقها بصدقة التطوّع فأجاز إعطاءها إلى الكافر. ولو قيل ذلك في غير زكاة الفطر كان أشْبَه، فإنّ العيد عيد المسلمين، ولعله رآها صدقةَ شكر على القدرة على الصيام، فكان المنظور فيها حال المتصدِّق لا حال المتصدَّق عليه. وقول الجمهور أصح لأنّ مشروعيتها لكفاية فقراء المسلمين عن المسألة في يوم عيدهم وليكونوا في ذلك اليوم أوسع حالاً منهم في سائر المدة، وهذا القدر لا تظهر حكمته في فقراء الكافرين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات هداهم: هدايتهم إلى الإِيمان وصالح الأعمال. من خير: من مال. فأنفسكم: صوابه العاجل بالبركة وحسن الذكر والآجل يوم القيامة عائد على أنفسكم. يوف إليكم: يرد أجره كاملا لا ينقص منه شيء. احصروا: حبسوا ومنعوا من التصرف لأنهم هاجروا من بلادهم. ضربا في الأرض: أي سيراً فيها لطلب الرزق بالتجارة وغيرها لحصار العدو لهم. بسيماهم: علامات حاجتهم من رثاثة الثياب وصفرة الوجه. من التعفف: ترك سؤال الناس، والكف عنه. إلحافا: إلحاحا وهو ملازمة السائل من يسأله حتى يعطيه. معنى الآيات: لما أمر تعالى بالصدقات ورغب فيها وسألها غير المؤمنين من الكفار واليهود فتحرج الرسول والمؤمنون من التصدق على الكافرين فأذهب الله تعالى عنهم هذا الحرج وأذن لهم بالتصدق على غير المؤمنين والمراد من الصدقة صدقة التطوع لا الواجبة وهي الزكاة فقال تعالى مخاطبا رسوله وأمته تابعة له: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} لم يوكل إليك أمر هدايتهم لعجزك عن ذلك وإنما الموكل إليك بيان الطريق لا غير وقد فعلت فلا عليك أن لا يهتدوا، ولو شاء الله هدايتهم لهداهم، وما تنفقوا من مال تثابوا عليه، سواء كان على مؤمن أو كافر إذا أردتم به وجه الله وابتغاء مرضاته، وأكّد تعالى هذا الوعد الكريم بقوله: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} والحال أنكم لا تظلمون بنقص ما أنفقتم ولو كان النقص قليلا. كان هذا معنى الآية الأولى [272] أما الآية الثانية وهي: {لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...} فقد بين تعالى فيها أفضل جهة ينفق فيها المال ويتصدق به عليها وهي فقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم وأحصروا في المدينة بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيعون ضرباً في الأرض للتجارة ولا للعمل، ووصفهم تعالى بصفات يعرفهم بها رسوله والمؤمنون ولولا تلك الصفات لحسبهم لعفتهم وشرف نفوسهم الجاهلُ بهم أغنياء غَيْرَ محتاجين فقال تعالى: {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} لا يسألون الناس مجرد سؤال فضلا عن أن يُلِحُّوا ويُلْحِفُوا. ثم في نهاية الآية أعاد تعالى وعده الكريم بالمجازاة على ما يُنْفَقْ في سبيله فقال: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} ولازمة أن يثيبكم عليه أحسن ثواب فأبشروا واطمئنوا. وأما الآية الثالثة [274] فهي آخر آيات الدعوة إلى الإنفاق جاءت تحمل أعظم بشر للمنفقين في كل أحوالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانية بأن أجر نفقاتهم مدخر لهم عند ربهم يتسلمونه يوم يلقونه، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الدنيا والبرزخ والآخرة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- جواز التصدق على الكافر المحتاج بصدقة لا الزكاة فإنا حق المؤمنين. 2- ثواب الصدقة عائد على المتصدق لا على المتصدق عليه فلذا لا يضر إن كان كافراً. 3- وجوب الإِخلاص في الصدقة أي يجب أن يراد بها وجه الله تعالى لا غير. 4- تفاضل أجر الصدقة بحسب فضل وحاجة المتصدق عليه. 5- فضيلة التعفف وهو ترك السؤال مع الاحتياج، وذم الإِلحاح في الطلب من غير الله تعالى أما الله عز وجل فإنه يحب الملحين في دعائه. 6- جواز التصدق بالليل والنهار وفي السر والعلن إذ الكل يثيب الله تعالى عليه ما دام قد أريد به وجهه لا وجه سواه. 7- بشرى الله تعالى للمؤمنين المنفقين بادخار أجرهم عنده تعالى ونفي الخوف والحزن عنهم مطلقا.

القطان

تفسير : الهدى: الرشاد، ضد الضلال. الخير: المال. ابتغاء وجه الله: في طلب رضاه. أحصروا في سبيل الله: حبسوا أنفسهم فوقفوها في سبيل الله. لا يستطيعون ضربا في الأرض: يعجزون عن التكسب في التجارة أو العمل. التعفف: منع النفس مما تريد من الشهوات. السيما: العلامة. إلحافاً: إلحاحاً. ليس عليك يا محمد هدى المشركين الى الإسلام حتى تمنعَهم صدقة التطوع، ولا تعطيهم منها الا اذا دخلوا فيه. ما انت الا بشير ونذير. ان عليك الارشاد والحث على الفضائل، والله يهدي من يشاء من خلقه الى الإسلام فيوفّقهم. ان أمْرَ الناس مفوَّض الى ربهم لا اليك، فلا تمنعهم الصدقة. اخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس قال: "حديث : كان النبي يأمرنا ان لا نتصدق الا على أهل الاسلام حتى نزلت هذه الآية ". تفسير : ويا أيها المسلمون: ان جميع ما تنفقونه من خير وتبذلونه من معونة لغيركم، مهما كان دينه، لكم أنتم فائدته في الدنيا والآخرة. هذا اذا كنتم لا تقصدون بالانفاق الا ارضاء الله لا لأجل جاهٍ او مكانة، وفي تلك الحال يعود اليكم ثوابه كاملاً دون نقصان. ويكون هذا الانفاق للفقراء الذين حبسوا أنفسهم للجهاد، فشغَلهم ذلك عن الكسب من أي عمل، أو لمن أصيب منهم بجراح اقعدته عن السعي في الأرض، المتعففين عن السؤال حتى ان الجاهل بحالهم لَيحسبهم أغنياء من شدة تعففهم. ولأمثال هؤلاء علامة لا يعرفهم بها الا المؤمن الذي يتحرى في انفاقه عمن يستحقون ذلك. والله عليم بما تبذُلونه من معروف، وسيجزيكم الله عليه الجزاء الأوفى. قيل نزلت هذه الآية في أهل الصُّفة، وكانوا اربعمائة رجل وقفوا أنفسهم للجهاد في سبيل الله. وسؤال الناس من غير حاجة محرَّم، وقد وردت عدة أحاديث في النهي عنه. ففي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ان رسول الله قال: "حديث : ليس المسكين الذي يطوف على الناس، ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكينُ الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يُفطن له فيُتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس"تفسير : . وروى ابو داود والترمذي عن عبد الله ابن عمر عن النبي انه قال: "حديث : لا تحلُّ الصدقة لغني ولذي مِرّة سويّ"تفسير : . والمِرة: القوة. القراءات: قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة "يحسَبهم" بفتح السين والباقون "يحسِبهم" بكسرها.

د. أسعد حومد

تفسير : {هُدَاهُمْ} (272) - كَانَ المُسْلِمُونَ يُريدُونَ أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَى أقْرِبَائِهِمِ المُشْرِكِينَ المُحْتَاجِينَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المُؤْمِنِينَ بَعْدَهَا بالصَّدَقَةِ عَلَيهِمْ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ سَألَهُمْ مِنْ كُلِّ دِينٍ، فَالمُؤْمِنُ غَيْرُ قَادرٍ عَلَى هِدَايةِ الآخَرِينَ، وَاللهُ هُوَ وَحْدَهُ القَادِرُ عَلَى هِدايَتِهِمْ. وَالإِنْفَاقُ عَمَلُ خَيْرٍ يَعُود نَفْعُهُ عَلَى المُنْفِقِ نَفْسِهِ، وَالمُؤْمِنُ لا يُنْفِقُ إلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ، وَمَتَى ابْتَغَى المُؤْمِنُ مِنْ إنْفَاقِهِ وَجْهَ اللهَ فَقَدْ وَقَعَ أجْرُهُ عَلى اللهِ، لاَ يَهُمُّهُ مَنِ الذِي نَالَهُ الإِنْفَاقُ بَرّاً كَانَ أوْ فَاجِراً. وَكُلُّ مَا تُنْفِقُونَهُ سَيُوفَّى إليكُمْ بِالتَّمَامِ، وَلا يَنْقُصُكُمْ مِنْهُ شَيءٌ (لاَ تُظْلَمُونَ).

الثعلبي

تفسير : {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} قال الكلبي: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة القضاء وكانت معه في تلك العمرة أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أُمّها قتيلة وجدّتها تسألانها وهما مشركتان، فقالت: لا أعطيكما شيئاً حتّى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنّكما لستما على ديني، فاستأمرته في ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية أن تتصدّق عليهما فأعطتهما ووصلتهما. قال الكلبي: ولها وجه آخر وذلك إنّ ناساً من المسلمين كانت لهم رضاع في اليهود وكانوا يُنفقونهم قبل أن يسلموا فلما أسلموا كرهوا أن يُنفقونهم وأرادوهم أن يُسلموا، فأستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية فأعطوهم بعد نزولها. وقال سعيد بن جبير: "حديث : كانوا يتصدّقون على فقراء أهل الذمّة، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتصدّقوا إلاّ على أهل دينكم"تفسير : . فأنزل الله: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} وأراد بالهدى: التوفيق والتعريف؛ لأنّه كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم هدى البيان والدعوة. وعن عمر بن عبد العزيز قال: بلغني أن عمر بن الخطاب رأى رجلاً من أهل الذمّة يسأل على أبواب المسلمين فقال: ما أنصفناك يأخذوا منك الجزية ما دمت شاباً ثم ضيّعناك اليوم، فأمر أن تجرى علية قوته من بيت المال. {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ} شرط وجزاء، والخير هاهنا المال {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} شرط كالأوّل لذلك حذف النون منها [في الموضعين]. {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} جزاؤه، كأن معناه: يؤدّى إليكم، فكذلك أدخل إلى {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} لا تُظلمون من ثواب أعمالكم شيئاً. وأعلم إنّ هذه الآية في صدقة التطوّع، أباح الله أن يتصدّق المسلم على المسلم والذمّي، فأمّا صدقة الفرض فلا يجوز إلاّ للمسلمين، وهما أهل السهمين الذين ذكرهم الله تعالى في سورة التوبة، ثم دلّهم على خير الصدقات وأفضل النفقات، فقال الله تعالى: {لِلْفُقَرَآءِ} واختلف العلماء في موضع هذا اللام، فقال بعضهم: هو مردود على موضع اللام من قوله {فَلأَنْفُسِكُمْ} كأنّه قال: وما تنفقوا من خير فللفقراء وإنّما تُنفقون لأنفسكم ثوابها راجع إليكم، فلمّا اعترض الكلام قوله {فَلأَنْفُسِكُمْ} وأدخل الفاء التي هي جواب الجزاء فيها، تركت أعادتها في قوله للفقراء إذ كان معنى الكلام مفهوما. وقال بعضهم: خبر محذوف تقديره: للفقراء {ٱلَّذِينَ} صفتهم كذا، حق واجب،" حديث : وهم فقراء المهاجرين وكانوا نحواً من أربعمائة رجل ليس لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر جعلوا أنفسهم في المسجد يتعلّمون القرآن بالليل ويرضخون بالنهار [...] وكانوا يخرجون في كل سريه يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم [فخرج] يوماً على أصحاب الصفّة فرأى فقرهم وجهدهم فثبَّت قلوبهم فقال: أبشروا يا أصحاب الصفّة، فمن بقي من أمّتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنّهم من رفقائي ". تفسير : وروي إنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل إلى سعيد بن عامر بألف درهم فجاء كئيباً حزيناً فقالت له امرأته: حدث أمر، قال: أشدّ من ذلك، ثم قال: أريني درعَكِ الخلق فشقّه وجعله صُرراً ثم قام يصلّي ويبكي إلى الغداة، فلما أصبح قام بالطريق فجعل [ينفق كل] صرّة حتى أتى على آخرها، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يجيء فقراء المهاجرين يوم القيامة للحساب فيقولون هل أعطيتمونا شيئاً فتحاسبوننا عليه فيدخلون الجنّة قبل الأغنياء بخمس مائة عام، حتّى إنّ الرجل من الأغنياء ليدخل في غمارهم فيؤخذ فيستخرج، فأراد عمر أن يجعلني ذلك الرجل وما يسرّني إنّي كنت ذلك الرجل وإن لي الدنيا وما فيها ". تفسير : {أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي حبسوا ومنعوا في طاعة الله {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً} سيراً {فِي ٱلأَرْضِ} وتصرّفا فيها للتجارة وطلب المعيشة، نظيره قوله تعالى: {أية : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [المزمل: 20]. قال الشاعر: شعر : قليل المال يصلحه فيبقى ولا يبقى الكثير مع الفساد وحفظ المال أيسر من بغاه [وضرب] في البلاد بغير زاد تفسير : قال قتادة: معناه: حبسوا أنفسهم في سبيل الله عزّ وجلّ للغزو والعبادة فلا يستطيعون ضرباً في الأرض ولا يتفرّغون إلى طلب المعاش. وقال ابن زيد: من كثرة ماجاهدوا لا يستطيعون ضرباً في الأرض، فصارت الأرض كلّها حرباً عليهم لا يتوجّهون جهة إلاّ ولهم فيها عدو. وقال سعيد: هؤلاء قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصاروا زمنى فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض، واختاره الكسائي، قال: أحصروا من المرض، فلو أراد الحبس لقال: حصروا، وإنّما الإحصار من الخوف أو المرض، والحصر الحبس في غيرهما. {يَحْسَبُهُمُ} قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة والأعمش وحمزة وعاصم يحسب وبابه بفتح السين في جميع القرآن. والباقون بالكسر. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم وقيل إنّها لغة النبيّ صلى الله عليه وسلم عن عاصم بن لقبط بن صبرة عن أبيه وافد بني المشفق قال: "حديث : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وصاحب لي فذكر حديثاً فقال صلى الله عليه وسلم للراعي: "أذبح لنا شاة"، ثم قال: لا تحسبن أنا أنّما ذبحناها من أجلكم ولم يقل يحسبن أنا إنما ذبحناها لك، ولكن لنا مائة من الغنم فإذا زادت شاة ذبحنا شاة لا نريد أن تزيد على المائة ". تفسير : {ٱلْجَاهِلُ} بأمرهم وحالهم {أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ} من تعففهم عن السؤال، والتعفف: [التفعل] من العفّة وهو الترك، يقال: عفّ عن الشيء إذا كفّ عنه، وعفيف إذا تكلّف في الإمساك. قال رؤبة: شعر : فعفّ عن إسرارها بعد الغسق تفسير : وقال محمد بن الفضل: يمنعهم علوّ همّتهم رفع جوابهم إلى مولاهم. {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} قرأ حمزة والكسائي بالإمالة. الباقون بالتفخيم، والسيما والسيميا: العلاّمة التي يعرف بها الشيء، وأصلها من السِّمة، واختلفوا في السيميا التي يعرفون بها. فقال مجاهد: هو التخشّع والتواضع. الربيع والسدي: أثر الجهد من الحاجة والفقر. الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع والضر، ابن زيد: رثاثة ثيابهم فالجوع خفي على الناس، يمان: النحول والسكينة. الثوري: فرحهم بفقرهم واستقامة أحوالهم عند موارد البلاء عليهم، [المرتضى]: غيرتهم على فقرهم وملازمتهم إياه. أبو عثمان: إيثار ما يملكون مع الحاجّة إليه. قال بعضهم: تطيب قلوبهم وبشاشة وجوههم وحسن حالهم ونور اسرارهم وجولان أرواحهم في ملكوت ربّهم. {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} قال عطاء: يعني إذا كان عنده غداء لا يسأل عشاء، فإذا كان عنده عشاء لم يسأل غداء. وقال أهل المعاني: لا يسألون الناس إلحافاً ولا غير إلحاف لأنّه قال من التعفف، والتعفف ترك السؤال أصلاً وقال أيضاً: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} ولو كانت المسألة من شأنهم لما كان [للنبي صلى الله عليه وسلم] إلى معرفتهم بالعلامة والدلالة حاجة، إذ السؤال يغني عن حالهم وهذا كما قلت في الكلام: قال ما رأيت مثل هذا الرجل، ولعلّك لم ترَ مثله قليلاً ولا كثيراً، قال الله عزّ وجلّ {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88] وهم كانوا لا يؤمنون قليلاً ولا كثيراً. وأنشد الزجاج: شعر : على لا حب لا يهتدى لمنارة إذا ساقه العود النباطي جرجرا تفسير : معناه: ليس له منار فيهتدي له. كذلك معنى الآية: ليس لهم سؤال فيقع فيه، الحاف، والإلحاف: الإلحاح واللجاج في السؤال، وهو مأخوذ من لحف الحبل وهو خشونته، كأنّه استعمل الخشونة في الطلب. روى هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : مَنْ سأل وله أربعون درهما فقد ألحف ". تفسير : قال هشام: قال الحسن: صاحب الخمسين درهما [غني] عطاء بن يسار عن أبي هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، إنّما المسكين المتعفّف"تفسير : . اقرأوا إن شئتم {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً}. الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ الله عزّ وجلّ يحب أن يرى أثر النعمة على عبده، ويكره البؤس والتبأوس، ويحب الحليم المتعفّف من عباده ويبغض الفاحش البذي السائل اللحف ". تفسير : وعن قبيصة بن مخارق قال:" حديث : أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم استعنته في حمالة فقال: أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فإما أن نحملها وإما أن نعينك فيها، وأعلم إنّ المسألة لا تحل إلاّ لثلاثة: لرجل يحمل حمالة عن قوم فسأل فيها حتّى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته حاجة فأذهبت ماله فسأل حتّى يصيب سداداً من عيش أو قواماً من عيش ثم يُمسك، ورجل أصابته فاقة حتى شهد له ثلاثة من ذوي الحجا من قومه فسأل حتّى يصيب سداداً أو قواماً من عيش ثم يمسك، فما سوى ذلك من المسائل سحت يأكله صاحبه يا قبيصة سحتاً ". تفسير : وروى قتادة عن هلال بن حصن عن أبي سعيد الخدري قال:" حديث : أعوزنا مرّة فقيل لي: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته، فأنطلقت إليه معتفياً، فقال أوّل ما واجهني به: "من استعفف عفّه الله ومَنْ استغنى أغناه الله ومن سألنا لم ندّخر عنه شيئاً نجده". قال: فرجعت إلى نفسي فقلت: ألا استعفف فعفّني الله، فرجعت فما سألت نبي الله صلى الله عليه وسلم شيئاً بعد ذلك من حاجة حتّى مالت علينا الدنيا فغرقتنا إلاّ مَنْ عصمه الله محمد صلى الله عليه وسلم إنّ الله عزّ وجلّ كره لكم القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ونهى عن عقوق الأمّهات ووأد البنات وعن منع وهات ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي الوسطى ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة. ومَنْ سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة كدوحاً أو خموشاً أو خدوشاً في وجهه". قيل: وما غناه يا رسول الله؟ قال: "خمسون درهما أو عدّها من الذهب ". تفسير : {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} قال {فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} وعليه يجازيه.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ما أصل هذه المسألة؟ أصل هذه المسألة أن بعض السابقين إلى الإسلام كانت لهم قرابات لم تسلم. وكان هؤلاء الأقرباء من الفقراء وكان المسلمون يحبون أن يعطوا هؤلاء الأقارب الفقراء شيئاً من مالهم، ولكنهم تحرجوا أن يفعلوا ذلك فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر. وهاهي ذي أسماء بنت أبي بكر الصديق وأمها "قُتَيْلَةَ" كانت ما زالت كافرة. وتسأل أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعطي من مالها شيئاً لأمها حتى تعيش وتقتات. وينزل الحق سبحانه قوله: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} [البقرة: 272]، حديث : وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمتْ على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قُلت: قَدِمتْ عليّ أمي وهي راغبة. أفأصل أمّي؟ قال: "نعم صلي أمّكِ"تفسير : . ولقد أراد بعض من المؤمنين أن يضيقوا على أقاربهم ممن لم يؤمنوا حتى يؤمنوا، لكن الرحمن الرحيم ينزل القول الكريم: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} [البقرة: 272]. إنه الدين المتسامي. دين يريد أن نعول المخلوق في الأرض من عطاء الربوبية وإن كان لا يلتقي معنا في عطاء الألوهية؛ لأن عطاء الألوهية تكليف، وعطاء الربوبية رزق وتربية. والرزق والتربية مطلوبات لكل من كان على الأرض؛ لأننا نعلم أن أحداً في الوجود لم يستدع نفسه في الوجود، وإنما استدعاه خالقه، وما دام الخالق الأكرم هو الذي استدعى العبد مؤمناً أو كافراً، فهو المتكفل برزقه. والرزق شيء، ومنطقة الإيمان بالله شيء آخر، فيقول الحق: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} [البقرة: 272]. أو أن الآية حينما نزلت في الحثّ على النفقة ربما أن بعض الناس تكاسل، وربما كان بعض المؤمنين يعمدون إلى الرديء من أموالهم فينفقونه. وإذا كان الإسلام قد جاء ليواجه النفس البشرية بكل أغيارها وبكل خواطرها، فليس بعجيب أن يعالجهم من ذلك ويردهم إلى الصواب إن خطرت لهم خاطرة تسيء إلى السلوك الإيماني. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب حين ينزل أي أمر أن يلتفت المسلمون إليه لفتة الإقبال بحرارة عليه، فإذا رأى تهاوناً في شيء من ذلك حزن، فيوضح له الله: عليك أن تبلغهم أمر الله في النفقة، وما عليك بعد ذلك أن يطيعوا. {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} [البقرة: 272]. ولقائل أن يقول: ما دام الله هو الذي يهدي فيجب أن نترك الناس على ما هم عليه من إيمان أو كفر، وما علينا إلا البلاغ، ونقول لأصحاب هذا الرأي: تنبهوا إلى معطيات القرآن فيما يتعلق بقضية واحدة، هذه القضية التي نحن بصددها هي الهداية، ولنستقرئ الآيات جميعاً، فسنجد أن الذين يرون أن الهداية من الله، وأنه ما كان يصح له أن يعذب عاصياً، لهم وجهة نظر، والذين يقولون: إن له سبحانه أن يعذبهم؛ لأنه ترك لهم الخيار لهم وجهة نظر، فما وجهة النظر المختلفة حتى يصير الأمر على قدر سواء من الفهم؟ إن الحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم في قرآنه الكلام الموحَى، فهو يطلب منا أن نتدبره، ومعنى أن نتدبره ألا ننظر إلى واجهة النص ولكن يجب أن ننظر إلى خلفية النص. "أفلا يتدبرون" يعني لا تنظر إلى الوجه، ولكن انظر ما يواجه الوجه وهو الخلف. {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآن ..}تفسير : [النساء: 82]. فالحق سبحانه وتعالى قد قال: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ..}تفسير : [فصلت: 17]. كيف يكون الله قد هداهم، ثم بعد ذلك يستحبون العمى على الهدى؟ إذن معنى "هدام" أي دلَّهم على الخير. وحين دلَّهم على الخير فقد ترك فيهم قوة الترجيح بين البدائل، فلهم أن يختاروا هذا، ولهم أن يختاروا هذا، فلما هداهم الله ودلَّهم استحبوا العمَى على الهدى. والله يقول لرسوله في نصين آخرين في القرآن الكريم: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ..}تفسير : [القصص: 56]. فنفى عنه أنه يهدي. وأثبت له الحق الهداية في آية أخرى يقول فيها: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الشورى: 52]. فكيف يثبت الله فعلاً واحداً لفاعل واحد ثم ينفي الفعل ذاته عن الفاعل ذاته؟ نقول لهم: رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه أن يدل الناس على منهج الله ولكن ليس عليه أن يحملهم على منهج الله؛ لأن ذلك ليس من عمله هو، فإذا قال الله: "إنك لا تهدي" أي لا تحمل بالقسر والقهر من أحببت، وإنما أنت "تهدي" أي تدل فقط، وعليك البلاغ وعلينا الحساب. إذن فقول الحق: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} [البقرة: 272] ليس فيه حجة على القسرية الإيمانية التي يريد بعض المتحللين أن يدخلوا منها إلى منفذ التحلل النفسي عن منهج الله ونقول لهؤلاء: فيه فرق بين هداية الدلالة وهداية المعونة، فالله يهدي المؤمن ويهدي الكافر أي يدلهم، ولكن من آمن به يهديه هداية المعونة، ويهديه هداية التوفيق، ويهديه هداية تخفيف أعمال الطاعة عليه. {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُم} [البقرة: 272] تلك قضية تعالج الشُح منطقياً، وكل معطٍ من الخلق عطاؤه عائد إليه هو، ولا يوجد معطٍ عطاؤه لا يعود عليه إلا الله، هو وحده الذي لا يعود عطاؤه لخلقه عليه، لأنه - سبحانه - أزلا وقديماً وقبل أن يخلق الخلق له كل صفات الكمال، فعطاء الإنسان يعود إلى الإنسان وعطاء ربنا يعود إلينا. ولذلك قال بعض السلف الذين لهم لمحة إيمانية: ما فعلت لأحد خيراً قط؟ فقيل له: أتقول ذلك وقد فعلت لفلان كذا ولفلان كذا ولفلان كذا؟ فقال: إنما فعلته لنفسي. فكأنه نظر حينما فعل للغير أنه فعل لنفسه. ولقد قلنا سابقاً: إن العارف بالله "الحسن البصري" كان إذا دخل عليه من يسأله هشّ في وجهه وبشّ وقال له: مرحباً بمن جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة. إذن فقد نظر إلى أنه يعطيه وإن كان يأخذ منه. فالحق سبحانه وتعالى يعالج في هذه القضية {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 272] أي إياكم أن تظنوا أنني أطلب منكم أن تعطوا غيركم، لقد طلبت منكم أن تنفقوا لأزيدكم أنا في النفقة والعطاء، ثم يقول: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} [البقرة: 272] ومعنى التوفية: الأداء الكامل. ولا تظنوا أنكم تنفقون على من ينكر معروفكم؛ لأن ما أنفقتم من خير فالله به عليم. إذن فاجعل نفقتك عند من يجحد، ولا تجعل نفقتك عند من يحمد، لأنك بذلك قد أخذت جزاءك ممن يحمدك وليس لدى الله جزاء لك. كنت أقول دائماً للذين يشكون من الناس نكران الجميل ونسيان المعروف: أنتم المستحقون لذلك؛ لأنكم جعلتموهم في بالكم ساعة أنفقتم عليهم، ولو جعلتم الله في بالكم لما حدث ذلك منهم أبداً. {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ} [البقرة: 272] أهذه الآية تزكية لعمل المؤمنين،، أم خبر أريد به الأمر؟ إنها الاثنان معاً، فهي تعني أنفقوا ابتغاء وجه الله. {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272] أنتم لا تظلمون من الخلق، ولا تظلمون من الخالق، أما من الخلق فقد استبرأتم دينكم وعرضكم حين أديتم بعض حقوق الله في أموالكم، فلن يعتدي أحد عليكم ليقول ما يقول، وأما عند الله فهو سبحانه يوفي الخير أضعاف أضعاف ما أنفقتم فيه. وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن مصرف من مصارف النفقة كان في صدر الإسلام: {لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ليس عليك هدي الخلق، وإنما عليك البلاغ المبين، والهداية بيد الله تعالى، ففيها دلالة على أن النفقة كما تكون على المسلم تكون على الكافر ولو لم يهتد، فلهذا قال: { وما تنفقوا من خير } أي: قليل أو كثير على أي شخص كان من مسلم وكافر { فلأنفسكم } أي: نفعه راجع إليكم { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } هذا إخبار عن نفقات المؤمنين الصادرة عن إيمانهم أنها لا تكون إلا لوجه الله تعالى، لأن إيمانهم يمنعهم عن المقاصد الردية ويوجب لهم الإخلاص { وما تنفقوا من خير يوف إليكم } يوم القيامة تستوفون أجوركم { وأنتم لا تظلمون } أي: تنقصون من أعمالكم شيئا ولا مثقال ذرة، كما لا يزاد في سيئاتكم. ثم ذكر مصرف النفقات الذين هم أولى الناس بها فوصفهم بست صفات أحدها الفقر، والثاني قوله: { أحصروا في سبيل الله } أي: قصروها على طاعة الله من جهاد وغيره، فهم مستعدون لذلك محبوسون له، الثالث عجزهم عن الأسفار لطلب الرزق فقال: { لا يستطيعون ضربا في الأرض } أي: سفرا للتكسب، الرابع قوله: { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف } وهذا بيان لصدق صبرهم وحسن تعففهم. الخامس: أنه قال: { تعرفهم بسيماهم } أي: بالعلامة التي ذكرها الله في وصفهم، وهذا لا ينافي قوله: { يحسبهم الجاهل أغنياء } فإن الجاهل بحالهم ليس له فطنة يتفرس بها ما هم عليه، وأما الفطن المتفرس فمجرد ما يراهم يعرفهم بعلامتهم، السادس قوله: { لا يسألون الناس إلحافا } أي: لا يسألونهم سؤال إلحاف، أي: إلحاح، بل إن صدر منهم سؤال إذا احتاجوا لذلك لم يلحوا على من سألوا، فهؤلاء أولى الناس وأحقهم بالصدقات لما وصفهم به من جميل الصفات، وأما النفقة من حيث هي على أي شخص كان، فهي خير وإحسان وبر يثاب عليها صاحبها ويؤجر، فلهذا قال: { وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم } . ثم ذكر حالة المتصدقين في جميع الأوقات على جميع الأحوال فقال: { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } أي: طاعته وطريق مرضاته، لا في المحرمات والمكروهات وشهوات أنفسهم { بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم } أي: أجر عظيم من خير عند الرب الرحيم { ولا خوف عليهم } إذا خاف المقصرون { ولا هم يحزنون } إذا حزن المفرطون، ففازوا بحصول المقصود المطلوب، ونجوا من الشرور والمرهوب، ولما كمل تعالى حالة المحسنين إلى عباده بأنواع النفقات ذكر حالة الظالمين المسيئين إليهم غاية الإساءة فقال: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ ...}.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} [272] 72- أنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم، نا الفِرْيابيُّ، نا سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: كانوا يكرهون أن يَرْضخوا لأنسبائهم من المُشركين فسألوا، فرضخ لهم، فنزلت هذه الآية {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}.