Verse. 280 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

لِلْفُقَرَاۗءِ الَّذِيْنَ اُحْصِرُوْا فِيْ سَبِيْلِ اللہِ لَا يَسْتَطِيْعُوْنَ ضَرْبًا فِي الْاَرْضِ۝۰ۡيَحْسَبُھُمُ الْجَاہِلُ اَغْنِيَاۗءَ مِنَ التَّعَفُّفِ۝۰ۚ تَعْرِفُھُمْ بِسِيْمٰھُمْ۝۰ۚ لَا يَسْــَٔـلُوْنَ النَّاسَ اِلْحَافًا۝۰ۭ وَمَا تُنْفِقُوْا مِنْ خَيْرٍ فَاِنَّ اللہَ بِہٖ عَلِيْمٌ۝۲۷۳ۧ
Lilfuqarai allatheena ohsiroo fee sabeeli Allahi la yastateeAAoona darban fee alardi yahsabuhumu aljahilu aghniyaa mina alttaAAaffufi taAArifuhum biseemahum la yasaloona alnnasa ilhafan wama tunfiqoo min khayrin fainna Allaha bihi AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«للفقراء» خبر مبتدأ محذوف أي الصدقات «الذين أحصروا في سبيل الله» أي حبسوا أنفسهم على الجهاد، نزلت في أهل الصُّفَّةِ وهم أربعمائة من المهاجرين أرصدوا لتعلم القرآن والخروج مع السرايا «لا يستطيعون ضربا» سفرا «في الأرض» للتجارة والمعاش لشغلهم عنه بالجهاد «يحسبهم الجاهل» بحالهم «أغنياء من التعفف» أي لتعففهم عن السؤال وتركه «تعرفهم» يا مخاطب «بسيماهم» علامتهم من التواضع وأثر الجهد «لا يسألون الناس» شيئا فيلحفون «إلحافا» أي لا سؤال لهم أصلا فلا يقع منهم إلحاف وهو الإلحاح «وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم» فمجاز عليه.

273

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية الأولى أنه يجوز صرف الصدقة إلى أي فقير كان، بيّن في هذه الآية أن الذي يكون أشد الناس استحقاقاً بصرف الصدقة إليه من هو؟ فقال: {لِلْفُقَرَاء ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اللام في قوله {لِلْفُقَرَاء } متعلق بماذا فيه وجوه الأول: لما تقدمت الآيات الكثيرة في الحث على الانفاق، قال بعدها {لِلْفُقَرَاء } أي ذلك الإنفاق المحثوث عليه للفقراء، وهذا كما إذا تقدم ذكر رجل فتقول: عاقل لبيب، والمعنى أن ذلك الذي مر وصفه عاقل لبيب، وكذلك الناس يكتبون على الكيس الذي يجعلون فيه الذهب والدراهم: ألفان ومائتان أي ذلك الذي في الكيس ألفان ومائتان هذا أحسن الوجوه الثاني: أن تقدير الآية اعمدوا للفقراء واجعلوا ما تنفقون للقراء الثالث: يجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوف والتقدير وصدقاتكم للفقراء. المسألة الثانية: نزلت في فقراء المهاجرين، وكانوا نحو أربعمائة، وهم أصحاب الصفة لم يكن لهم مسكن ولا عشائر بالمدينة، وكانوا ملازمين المسجد، ويتعلمون القرآن، ويصومون ويخرجون في كل غزوة، عن ابن عباس: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجدهم فطيب قلوبهم، فقال: «حديث : أبشروا يا أصحاب الصفة فمن لقيني من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنه من رفاقي»تفسير : . واعلم أن الله تعالى وصف هؤلاء الفقراء بصفات خمس: الصفة الأولى: قوله{الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} [البقرة: 273] فنقول: الإحصار في اللغة أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين سفره، من مرض أو كبر أو عدو أو ذهاب نفقة، أو ما يجري مجرى هذه الأشياء، يقال: أحصر الرجل فهو محصر، ومضى الكلام في معنى الإحصار عند قوله {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } بما يعني عن الإعادة، أما التفسير فقد فسرت هذه الآية بجميع الأعداد الممكنة في معنى الإحصار فالأول: أن المعنى: إنهم حصروا أنفسهم ووقفوها على الجهاد، وأن قوله {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } مختص بالجهاد في عرف القرآن، ولأن الجهاد كان واجباً في ذلك الزمان، وكان تشتد الحاجة إلى من يحبس نفسه للمجاهدة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فيكون مستعداً لذلك، متى مست الحاجة، فبيّن تعالى في هؤلاء الفقراء أنهم بهذه الصفة، ومن هذا حاله يكون وضع الصدقة فيهم يفيد وجوهاً من الخير أحدها: إزالة عيلتهم والثاني: تقوية قلبهم لما انتصبوا إليه وثالثها: تقوية الإسلام بتقوية المجاهدين ورابعها: أنهم كانوا محتاجين جداً مع أنهم كانوا لا يظهرون حاجتهم، على ما قال تعالى: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى ٱلأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ }. والقول الثاني: وهو قول قتادة وابن زيد: منعوا أنفسهم من التصرفات في التجارة للمعاش خوف العدو من الكفار لأن الكفار كانوا مجتمعين حول المدينة، وكانوا متى وجدوهم قتلوهم. /والقول الثالث: وهو قول سعيد بن المسيب واختيار الكسائي: أن هؤلاء القوم أصابتهم جراحات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاروا زمنى، فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض. والقول الرابع: قال ابن عباس هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل الله فعذرهم الله. والقول الخامس: هؤلاء قوم كانوا مشتغلين بذكر الله وطاعته وعبوديته، وكانت شدة استغراقهم في تلك الطاعة أحصرتهم عن الاشتغال بسائر المهمات. الصفة الثانية لهؤلاء الفقراء: قوله تعالى: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى ٱلأَرْضِ } يقال ضربت في الأرض ضرباً إذا سرت فيها، ثم عدم الاستطاعة إما أن يكون لأن اشتغالهم بصلاح الدين وبأمر الجهاد، يمنعهم من الاشتغال بالكسب والتجارة، وإما لأن خوفهم من الأعداء يمنعهم من السفر، وإما لأن مرضهم وعجزهم يمنعهم منه، وعلى جميع الوجوه فلا شك في شدة احتياجهم إلى من يكون معيناً لهم على مهماتهم. الصفة الثالثة لهم: قوله تعالى: {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وابن عامر وحمزة {يَحْسَبُهُمُ } بفتح السين والباقون بكسرها وهما اللتان بمعنى واحد، وقرىء في القرآن ما كان من الحسبان باللغتين جميعاً الفتح والكسر والفتح عند أهل اللغة أقيس، لأن الماضي إذا كان على فعل، نحو حسب كان المضارع على يفعل، مثل فرق يفرق وشرب يشرب، وشذ حسب يحسب فجاء على يفعل مع كلمات أُخر، والكسر حسن لمجيء السمع به وإن كان شاذاً عن القياس. المسألة الثانية: الحسبان هو الظن، وقوله {ٱلْجَاهِلُ } لم يرد به الجهل الذي هو ضد العقل، وإنما أراد الجهل الذي هو ضد الاختبار، يقول: يحسبهم من لم يختبر أمرهم أغنياء من التعفف، وهو تفعل من العفة ومعنى العفة في اللغة ترك الشيء والكف عنه وأراد من التعفف عن السؤال فتركه للعلم، وإنما يحسبهم أغنياء لإظهارهم التجمل وتركهم المسألة. الصفة الرابعة لهؤلاء الفقراء: قوله تعالى: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ } السيما والسيميا العلامة التي يعرف بها الشيء، وأصلها من السمة التي هي العلامة، قلبت الواو إلى موضع العين قال الواحدي: وزنه يكون فعلاً، كما قالوا: له جاه عند الناس أي وجه، وقال قوم: السيما الارتفاع لأنها علامة وضعت للظهور، قال مجاهد {سِيمَـٰهُمْ } التخشع والتواضع، قال الربيع والسدي: أثر الجهد من الفقر والحاجة وقال الضحاك صفرة ألوانهم من الجوع وقال ابن زيد رثاثة ثيابهم والجوع خفي وعندي أن كل ذلك فيه نظر لأن كل ما ذكروه علامات دالة على حصول الفقر وذلك يناقضه قوله {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ } بل المراد شيء آخر هو أن لعباد الله المخلصين هيبة ووقعاً في قلوب الخلق، كل من رآهم تأثر منهم وتواضع لهم وذلك إدراكات روحانية، لا علات جسمانية، ألا ترى أن الأسد إذا مرّ هابته سائر السباع بطباعها لا بالتجربة، لأن الظاهر أن تلك التجربة ما وقعت، والبازي إذا طار تهرب منه الطيور الضعيفة، وكل ذلك إدراكات روحانية لا جسمانية، فكذا هٰهنا، ومن هذا الباب آثار الخشوع في الصلاة، كما قال تعالى: {أية : سِيمَـٰهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ } تفسير : [الفتح: 29] وأيضاً ظهور آثار الفكر، روي أنهم كانوا يقومون الليل للتهجد ويحتطبون بالنهار للتعفف. الصفة الخامسة لهؤلاء الفقراء: قوله تعالى: {لاَ يسألون الناس إلحافاً } عن ابن مسعود رضي الله عنه: إن الله يحب العفيف المتعفف، ويبغض الفاحش البذيء السائل الملحف الذي إن أعطى كثيراً أفرط في المدح، وإن أعطى قليلاً أفرط في الذم، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يفتح أحد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، ومن يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله تعالى، لأن يأخذ أحدكم حبلاً يحتطب فيبيعه بمد من تمر خير له من أن يسأل الناس». تفسير : واعلم أن هذه الآية مشكلة، وذكروا في تأويلها وجوهاً الأول: أن الإلحاف هو الإلحاح والمعنى أنهم سألوا بتلطف ولم يلحوا، وهو اختيار صاحب «الكشاف» وهو ضعيف، لأن الله تعالى وصفهم بالتعفف عن السؤال قبل ذلك فقال: {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ } وذلك ينافي صدور السؤال عنهم والثاني: وهو الذي خطر ببالي عند كتابة هذا الموضوع: أنه ليس المقصود من قوله {لاَ يسألون الناس إلحافاً } وصفهم بأنهم لا يسألون الناس إلحافاً، وذلك لأنه تعالى وصفهم قبل ذلك بأنهم يتعففون عن السؤال، وإذا علم أنهم لا يسألون ألبتة فقد علم أيضاً أنهم لا يسألون إلحافاً، بل المراد التنبيه على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافاً، ومثاله إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور ثابت، والآخر طياش مهذار سفيه، فإذا أردت أن تمدح أحدهما وتعرض بذم الآخر قلت فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام، لا يخوض في الترهات، ولا يشرع في السفاهات، ولم يكن غرضك من قولك، لا يخوض في الترهات والسفاهات وصفه بذلك، لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عن ذلك، بل غرضك التنبيه على مذمة الثاني وكذا هٰهنا قوله {لاَ يسألون الناس إلحافاً} بعد قوله {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ } الغرض منه التنبيه على من يسأل الناس إلحافاً وبيان مباينة أحد الجنسين عن الآخر في استيجاب المدح والتعظيم. الوجه الثالث: أن السائل الملحف الملح هو الذي يستخرج المال بكثرة تلطفه، فقوله {لاَ يسألون الناس } بالرفق والتلطف، وإذا لم يوجد السؤال على هذا الوجه فبأن لا يوجد على وجه العنف أولى فإذا امتنع القسمان فقد امتنع حصول السؤال، فعلى هذا يكون قوله {لاَ يسألون الناس إلحافاً } كالموجب لعدم صدور السؤال منهم أصلاً. /والوجه الرابع: هو الذي خطر ببالي أيضاً في هذا الوقت، وهو أنه تعالى بيّن فيما تقدم شدة حاجة هؤلاء الفقراء، ومن اشتدت حاجته فإنه لا يمكنه ترك السؤال إلا بإلحاح شديد منه على نفسه، فكانوا لا يسألون الناس وإنما أمكنهم ترك السؤال عندما ألحوا على النفس ومنعوها بالتكليف الشديد عن ذلك السؤال، ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه:شعر : ولي نفس أقول لها إذا ما تنازعني لعلي أو عساني تفسير : الوجه الخامس: أن كل من سأل فلا بد وأن يلح في بعض الأوقات، لأنه إذا سأل فقد أراق ماء وجهه، ويحمل الذلة في إظهار ذلك السؤال، فيقول: لما تحملت هذه المشاق فلا أرجع بغير مقصود، فهذا الخاطر يحمله على الإلحاف والإلحاح، فثبت أن كل من سأل فلا بد وأن يقدم على الإلحاح في بعض الأوقات، فكان نفي الإلحاح عنهم مطلقاً موجباً لنفي السؤال عنهم مطلقاً. الوجه السادس: وهو أيضاً خطر ببالي في هذا الوقت، وهو أن من أظهر من نفسه آثار الفقر والذلة والمسكنة، ثم سكت عن السؤال، فكأنه أتى بالسؤال الملح الملحف، لأن ظهور إمارات الحاجة تدل على الحاجة وسكوته يدل على أنه ليس عنده ما يدفع به تلك الحاجة ومتى تصور الإنسان من غير ذلك رق قلبه جداً، وصار حاملاً له على أن يدفع إليه شيئاً، فكان إظهار هذه الحالة هو السؤال على سبيل الإلحاف، فقوله {لاَ يسألون الناس إلحافاً } معناه أنهم سكتوا عن السؤال لكنهم لا يضمون إلى ذلك السكوت من رثاثة الحال وإظهار الانكسار ما يقوم مقام السؤال على سبيل الإلحاف بل يزينون أنفسهم عند الناس ويتجملون بهذا الخلق ويجعلون فقرهم وحاجتهم بحيث لا يطلع عليه إلا الخالق، فهذا الوجه أيضاً مناسب معقول وهذه الآية من المشكلات وللناس فيها كلمات كثيرة، وقد لاحت هذه الوجوه الثلاثة بتوفيق الله تعالى وقت كتب تفسير هذه الآية والله أعلم بمراده. واعلم أنه تعالى ذكر صفات هؤلاء الفقراء، ثم قال بعده{وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } [البقرة: 273] وهو نظير ما ذكر قبل هذه الآية من قوله {أية : وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } تفسير : [البقرة: 272] وليس هذا من باب التكرار وفيه وجهان أحدهما: أنه تعالى لما قال: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } وكان من المعلوم أن توفية الأجر من غير بخس ونقصان لا يمكن إلا عند العلم بمقدار العمل وكيفية جهاته المؤثرة في استحقاق الثواب لا جرم قرر في هذه الآية كونه تعالى عالماً بمقادير الأعمال وكيفياتها. والوجه الثاني: وهو أنه تعالى لما رغب في التصدق على المسلم والذمي، قال: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } بين أن أجره واصل لا محالة، ثم لما رغب في هذه الآية في التصدق على الفقراء الموصوفين بهذه الأوصاف الكاملة، وكان هذا الإنفاق أعظم وجوه الإنفاقات، لا جرم أردفه بما يدل على عظمة ثوابه فقال: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } وهو يجري مجرى ما إذا قال السلطان العظيم لعبده الذي استحسن خدمته: ما يكفيك بأن يكون علي شاهداً بكيفية طاعتك وحسن خدمتك، فإن هذا أعظم وقعاً مما إذا قال له: إن أجرك واصل إليك.

القرطبي

تفسير : فيه عشر مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {لِلْفُقَرَآءِ} اللام متعلقة بقوله «وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ» وقيل؛ بمحذوف تقديره الإنفاق أو الصدقة للفقراء. قال السُّدِّي ومجاهد وغيرهما: المراد بهؤلاء الفقراء فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم، ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفة الفقراء غابرَ الدهر. وإنما خصّ فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن هناك سواهم وهم أهل الصُّفّة وكانوا نحواً من أربعمائة رجل، وذلك أنهم كانوا يَقْدَمون فقراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لهم أهل ولا مال فبُنيت لهم صُفَّة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لهم: أهل الصُّفَّة. قال أبو ذَرّ: حديث : كنت من أهل الصّفة وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر كلَّ رجل فينصرف برجل ويبقى مَن بقي من أهل الصفة عشرة أو أقل فيؤتَي النبيّ صلى الله عليه وسلم بعشائه ونتعشَّى معه. فإذا فرغنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ناموا في المسجد» تفسير : . وخرّج الترمذيّ عن البَرَاء بن عازِب: «وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ» قال: نزلت فينا معشر الأنصار كنا أصحاب نخل، قال: فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقِلّته، وكان الرجل يأتي بِالقُنْو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفّة ليس لهم طعام؛ فكان أحدهم إذا جاع أتى القُنْوَ فيضربه بعصاه فيسقط من البُسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي بالقنو فيه الشيص والحَشَف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه في المسجد، فأنزل الله تعالىٰ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ}. قال: ولو أن أحدكم أُهْدِيَ إليه مثل ما أعطاه لم يأخذه إلاَّ على إغماض وحَيَاء. قال: فكنا بعد ذلك يأتي الرجل بصالح ما عنده. قال: هذا حديث حسن غريب صحيح. قال علماؤنا. وكانوا رضي الله عنهم في المسجد ضرورة، وأكلوا من الصدقة ضرورة؛ فلما فتح الله على المسلمين استغنَوْا عن تلك الحال وخرجوا ثم ملكوا وتأمّروا. ثم بيّن الله سبحانه من أحوال أُولئك الفقراء المهاجرين ما يوجب الحُنُوَّ عليهم بقوله تعالىٰ: {ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} والمعنى حُبسوا ومُنعوا. قال قتادة وابن زيد: معنى «أحْصِرُوا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ» حبسوا أنفسهم عن التصرُّف في معايشهم خوف العدوّ؛ ولهذا قال تعالىٰ: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ} لكون البلاد كلها كفراً مُطْبِقاً. وهذا في صدر الإسلام، فعلتهم تمنع من الإكتساب بالجهاد، وإنكار الكفار عليهم إسلامهم يمنع من التصرف في التجارة فبقوا فقراء. وقيل: معنى: «لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الاٌّرْض» أي لِما قد ألزموا أنفسهم من الجهاد. والأوّل أظهر. والله أعلم. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ} أي أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء. وفيه دليل على أن اسم الفقر يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة ولا يمنع ذلك من إعطاء الزكاة إليه. وقد أمر الله تعالىٰ بإعطاء هؤلاء القوم، وكانوا من المهاجرين الذين يقاتلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مَرْضَى ولا عُمْيَان. والتَعُّفف تفَعّل، وهو بناء مبالغة من عفّ عن الشيء إذا أمسك عنه وتنزّه عن طلبه؛ وبهذا المعنى فسر قَتادة وغيره. وفتْح السين وكسرها في «يحسَبهم» لغتان. قال أبو عليّ: والفتح أقْيَس؛ لأن العين من الماضي مكسورة فبابها أن تأتي في المضارع مفتوحة. والقراءة بالكسر حسنة، لمجيء السمع به وإن كان شاذاً عن القياس. و «مِنْ» في قوله {مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ} لابتداء الغاية. وقيل لبيان الجنس. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} فيه دليل على أن للسِّيما أثراً في اعتبار من يظهر عليه ذلك، حتى إذا رأينا ميتاً في دار الإسلام وعَلَيْهِ زُنَّار وهو غير مختون لا يدفن في مقابر المسلمين؛ ويقدّم ذلك على حكم الدار في قول أكثر العلماء؛ ومنه قوله تعالىٰ: {أية : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} تفسير : [محمد: 30]. فدلّت الآية على جواز صرف الصدقة إلى من له ثياب وكسوة وزيّ في التجمّل. وٱتفق العلماء على ذلك، وإن ٱختلفوا بعده في مقدار ما يأخذه إذا ٱحتاج. فأبو حنيفة اعتبر مقدار ما تجب فيه الزكاة، والشافعيّ اعتبر قوت سنة، ومالك اعتبر أربعين درهماً؛ والشافعيّ لا يصرف الزكاة إلى المكتسب. والسِّيمَا (مقصورة): العلامة، وقد تمدّ فيقال السيماء. وقد ٱختلف العلماء في تعيينها هنا؛ فقال مجاهد: هي الخشوع والتواضع. السُّدِّي: أثر الفاقة والحاجة في وجوههم وقلّة النَّعمة. ابن زيد: رَثَاثة ثيابهم. وقال قوم وحكاه مَكِّيّ: أثر السجود. ابن عطيّة: وهذا حسن، وذلك لأنهم كانوا متفرّغين متوَكلِّين لا شغل لهم في الأغلب إلاَّ الصَّلاة، فكان أثر السجود عليهم. قلت: وهذه السِّيما التي هي أثر السجود اشترك فيها جميع الصحابة رضوان الله عليهم بإخبار الله تعالىٰ في آخر «الفتح» بقوله: {أية : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} تفسير : [الفتح: 29] فلا فرق بينهم وبين غيرهم؛ فلم يبق إلاَّ أن تكون السيماء أثر الخصاصة والحاجة، أو يكون أثر السجود أكثر، فكانوا يعرفون بصفرة الوجوه من قيام الليل وصوم النهار. والله أعلم. وأما الخشوع فذلك محله القلب ويشترك فيه الغنيّ والفقير، فلم يبق إلاَّ ما ٱخترناه، والموفق الإلٰه. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} مصدر في موضع الحال، أي ملحفين؛ يُقال: ألحف وأحْفى وألحّ في المسألة سواء؛ ويُقال:شعر : وليـس لِلْمُلْحِـف مِثـلُ الـرّد تفسير : وٱشتقاق الإلحاف من اللّحاف، سُمِّيَ بذلك لاشتماله على وجوه الطلب في المسألة كاشتمال اللحاف من التغطية، أي هذا السائل يعم الناس بسؤاله فيُلِحفهم ذلك؛ ومنه قول ٱبن أحمر:شعر : فَظَلّ يَحُفُّهن بَقَفْقَفَيْه وَيَلْحَفُهُنّ هَفْهافَا ثَخِينَا تفسير : يصف ذكر النعام يحضُن بيضاً بجناحيه ويجعل جناحه لها كاللحاف وهو رقيق مع ثخنه. وروى النَّسائيّ ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس المسكين الذي تردّه التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان إنما المسكين المتعفِّف اقرءوا إن شئتم {لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافاً}».تفسير : الخامسة ـ وٱختلف العلماء في معنى قوله {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} على قولين؛ فقال قوم منهم الطبريّ والزجّاج: إن المعنى لا يسألون البتَّةَ، وهذا على أنهم متعفّفون عن المسألة عِفّة تامّة؛ وعلى هذاجمهور المفسرين؛ ويكون التعفف صفة ثابتة لهم، أي لا يسألون الناس إلحاحاً ولا غير إلحاح. وقال قوم: إن المراد نفى الإلحاف، أي إنهم يسألون غير إلحاف، وهذا هو السابق للفهم، أي يسألون غير ملحفين. وفي هذا تنبيه على سوء حالة من يسأل الناس إلحافاً. روى الأئمَّة واللفظ لمسلم عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاَ تُلْحِفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم شيئاً فَتُخرِج له مسألُته منِّي شيئاً وأنا له كاره فيُبارَك له فيما أعطيتُه»تفسير : . وفي الموطأ حديث : «عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يَسار عن رجل من بني أسد أنه قال: نزلت أنا وأهلي ببقِيع الغَرقَد فقال لي أهلي: ٱذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله لنا شيئاً نأكله؛ وجعلوا يذكرون من حاجتهم؛ فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت عنده رجلاً يسأله ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول؛ «لا أجد ما أُعْطِيك» فتولّى الرجل عنه وهو مُغْضَب وهو يقول: لَعَمْرِي إنك لتْعْطِي من شئت! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه يغضب عليّ ألاّ أجد ما أعطيه من سأل منكم وله أُوقِيّة أو عِدْلُها فقد سأل إلْحافاً»تفسير : . قال الأسدي: فقلت لِلَقْحَةٌ لنا خير من أوقيّة ـ قال مالك: والأوقيّة أربعون درهماً ـ قال: فرجعت ولم أسأله، فقُدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بشعير وزبيب فقسم لنا منه حتى أغنانا الله». فقال ٱبن عبد البر: هكذا رواه مالك وتابعه هشام بن سعد وغيره، وهو حديث صحيح، وليس حكم الصحابيّ إذا لم يُسَمّ كحكم مَن دونه إذا لم يُسَمّ عند العلماء؛ لارتفاع الجُرْحة عن جميعهم وثبوت العدالة لهم. وهذا الحديث يدل على أن السؤال مكروه لمن له أوقية من فضة؛ فمن سأل وله هذا الحدّ والعدد والقدر من الفضة أو ما يقوم مقامها ويكون عِدْلاً منها فهو مُلْحِف، وما علمت أحداً من أهل العلم إلاَّ وهو يكره السؤال لمن له هذا المقدار من الفضة أو عدلها من الذهب على ظاهر هذا الحديث. وما جاءه من غير مسألة فجائز له أن يأكله إن كان من غير الزكاة، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً، فإن كان من الزكاة ففيه خلاف يأتي بيانه في آية الصدقات إن شاء الله تعالىٰ. السادسة ـ قال ٱبن عبد البر: مِن أحسن ما رُوي من أجوبة الفقهاء في معاني السؤال وكراهيته ومذهب أهل الوَرَع فيه ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل وقد سئل عن المسألة متى تحِل قال: إذا لم يكن عنده ما يُغذِّيه ويُعَشِّيه على حديث سهل بن الحَنْظَلِيّة. قيل لأبي عبد الله: فإن ٱضطرّ إلى المسألة؟ قال: هي مباحة له إذا ٱضطرّ. قيل له: فإن تعفّف؟ قال: ذلك خير له. ثم قال: ما أظن أحداً يموت من الجوع! الله يأتيه برزقه. ثم ذكر حديث أبي سعيد الخُدْرِي: «حديث : مَنِ ٱستعفّ أعفّه الله»تفسير : . وحديث أبي ذرّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «تعفف»، قال أبو بكر: سمعته يسأل عن الرجل لا يجد شيئاً أيسأل الناس أم يأكل الميتة؟ فقال: أيأكل الميتة وهو يجد من يسأله، هذا شنيع. قال: وسمعته يسأله هل يسأل الرجل لغيره؟ قال لا، ولكن يُعَرِّض. كما. حديث : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم حين جاءه قوم حُفَاة عُراة مُجْتَابِي النِّمار فقال: «تصدّقوا» تفسير : ولم يقل أعطوهم. قال أبو عمر: قد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ٱشفعوا تُؤجَرُوا»تفسير : . وفيه إطلاق السؤال لغيره. والله أعلم. وقال: «ألاَ رجلٌ يتصدّق على هذا»؟ قال أبو بكر: قيل له ـ يعني أحمد بن حنبل ـ فالرجل يذكر الرجل فيقول: إنه محتاج؟ فقال: هذا تعريض وليس به بأس، وإنما المسألة أن يقول أعطه. ثم قال: لا يعجبني أن يسأل المرء لنفسه فكيف لغيره؟ والتعريض هنا أحبّ إليّ. قلت: قد روى أبو داود والنَّسائي وغيرهما: حديث : أن الفراسيّ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أسأل يا رسول الله؟ قال: «لا وإن كنتَ سائلاً لا بُدّ فأسأل الصالحين»تفسير : . فأباح صلى الله عليه وسلم سؤال أهل الفضل والصلاح عند الحاجة إلى ذلك، وإن أوقع حاجته بالله فهو أعْلَىٰ. قال إبراهيم بن أَدْهم: سؤال الحاجات من الناس هي الحجاب بينك وبين الله تعالىٰ، فأنزْل حاجتك بمن يملك الضُّرَّ والنّفْع، وليكن مَفْزَعك إلى الله تعالىٰ يكفيك الله ما سواه وتعيش مسروراً. السابعة ـ فإن جاءه شيء من غير سؤال فله أن يقبله ولا يردّه، إذ هو رزق رزقه الله. روى مالك عن زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عمر بن الخطاب بعطاء فردّه، فقال له رسول الله: «لِم رَددته»؟ فقال: يا رسول الله، أليس أخبرتنا أن أحدنا خير له ألاَّ يأخذ شيئاً؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما ذاك عن المسألة فأما ما كان من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله»تفسير : . فقال عمر بن الخطاب: والذي نفسي بيده لا أسأل أحداً شيئاً ولا يأتيني بشيء من غير مسألة إلاَّ أخذتُه. وهذا نصٌّ. وخرج مسلم في صحيحه والنسائيّ في سننه وغيرهما حديث : عن ابن عمر قال سمعت عمر يقول: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُعطيني العطاءَ فأقول: أَعْطِه أفقرَ إليه مِنِّي، حتى أعطاني مرّة مالاً فقلت: أعْطِهِ أفقَر إليه منّي؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خُذْه وما جاءك من هذا المال وأنت غير مُشْرِفٍ ولا سائِلٍ فخذه وَمَالاً فَلا تُتبِعه نفْسَك»تفسير : . زاد النسائي ـ بعد قوله «خذه» ـ «حديث : فتموّلْه أو تصدّق به»تفسير : . وروى مسلم من حديث عبد الله بن السَّعْدِيّ المالكيّ: عن عمر فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أعطِيت شيئاً من غير أن تسأل فكُلْ وتصدّق»تفسير : . وهذا يصحح لك حديث مالك المُرْسَل. قال الأَثْرَم: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يسأل عن قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أتاك من غير مسألة ولا إشراف» تفسير : أيّ الإشراف أراد؟ فقال: أن تستشرفه وتقول: لعلّهُ يُبعث إليّ بقلبك. قيل له: وإن لم يتعرّض، قال نعم إنما هو بالقلب. قيل له: هذا شديد! قال: وإن كان شديداً فهو هكذا. قيل له: فإن كان الرجل لم يعوّدني أن يرسل إليّ شيئاً إلاَّ أنه قد عرض بقلبي فقلت: عسى أن يبَعث إليّ. قال: هذا إشراف، فأما إذا جاءك من غير أن تحتسبه ولا خطر على قلبك فهذا الآن ليس فيه إشراف. قال أبو عمر: الإشراف في اللغة رفع الرأس إلى المطموع عنده والمطموع فيه، وأن يَهَشّ الإنسان ويتعرّض. وما قاله أحمد في تأويل الإشراف تضييق وتشديد وهو عندي بعيد؛ لأن الله عزّ وجلّ تجاوز لهذه الأُمّة عما حدّثت به أنفسها ما لم ينطق به لسان أو تعمله جارحة. وأما ما ٱعتقده القلب من المعاصي لا خلا الكفر فليس بشيء حتى يعمل به؛ وخطرات النفس متجاوز عنها بإجماع. الثامنة ـ الإلحاح في المسألة والإلحاف فيها مع الغنى عنها حرام لا يحلّ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سأل الناس أموالَهم تكثُّراً فإنما يسأل جَمْراً فليَسْتَقِلّ أوْ لِيَسْتَكْثِرْ» تفسير : رواه أبو هريرة خرّجه مسلم. وعن ابن عمر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقَى الله وليس في وجهه مُزْعَةُ لحم»تفسير : رواه مسلم أيضاً. التاسعة ـ السائل إذا كان محتاجاً فلا بأس أن يكرر المسألة ثلاثاً إعذاراً وإنذاراً والأفضل تركه. فإن كان المسؤول يعلم بذلك وهو قادر على ما سأله وجب عليه الإعطاء، وإن كان جاهلاً به فيعطيه مخافة أن يكون صادقاً في سؤاله فلا يفلح في ردّه. العاشرة ـ فإن كان محتاجاً إلى ما يُقيم به سُنّةً كالتجمّل بثوب يلبسه في العيد والجمعة فذكر ابن العربيّ؛ «سمعت بجامع الخليفة ببغداد رجلاً يقول: هذا أخوكم يحضر الجمعة معكم وليس عنده ثياب يُقيم بها سُنّة الجمعة. فلما كان في الجمعة الأُخرىٰ رأيت عليه ثياباً أُخر، فقيل لي: كساه إياها أبو الطاهر البرسني أَخْذَ الثناء».

البيضاوي

تفسير : {لِلْفُقَرَاء} متعلق بمحذوف أي اعمدوا للفقراء، أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء، أو صدقاتكم للفقراء. {ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أحصرهم الجهاد. {لاَ يَسْتَطِيعُونَ} لاشتغالهم به. {ضَرْبًا فِى ٱلأَرْضِ} ذهاباً فيها للكسب. وقيل هم أهل الصفة كانوا نحواً من أربعمائة من فقراء المهاجرين يسكنون صفة المسجد يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والعبادة، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم. {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ } بحالهم، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين. {أَغْنِيَاء مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ } من أجل تعففهم عن السؤال، {تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ } من الضعف ورثاثة الحال، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحد. {يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} إلحاحاً، وهو أن يلازم المسؤول حتى يعطيه، من قولهم لحفي من فضل لحافه، أي أعطاني من فضل ما عنده، والمعنى أنهم لا يسألون وإن سألوا عن ضرورة لم يلحوا. وقيل: هو نفي للأمرين كقوله:شعر : على لا حب يهتدي بمناره تفسير : فنصبه على المصدر فإنه كنوع من السؤال، أو على الحال. {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} ترغيب في الإِنفاق وخصوصاً على هؤلاء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لِلْفُقَرَاء } خبر مبتدأ محذوف أي الصدقات {ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي حبسوا أنفسهم على الجهاد. نزلت في أهل الصُّفَّة وهم أربعمائة من المهاجرين أرصدوا لتعلم القرآن والخروج مع السرايا {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا } سفرا {فِى ٱلأَرْضِ } للتجارة والمعاش لشغلهم عنه بالجهاد {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ } بحالهم {أَغْنِيَاءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ } أي لتعففهم عن السؤال وتركه {تَعْرِفُهُم } يا مخاطب {بِسِيمَٰهُمْ } علامتهم من التواضع وأثر الجهد {لاَ يَسْئَلوُن النَّاسَ} شيئاً فيُلحفون {إِلْحَافًا } أي لا سؤال لهم أصلاً فلا يقع منهم إلحاف وهو الإلحاح {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } فمجاز عليه.

ابن عطية

تفسير : هذه اللام في قوله {للفقراء} متعلقة بمحذوف مقدر، تقديره الإنفاق أو الصدقة للفقراء، وقال مجاهد والسدي وغيرهما: المراد بهؤلاء الفقراء فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم، قال الفقيه أبو محمد: ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفة الفقر غابر الدهر، وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن هناك سواهم، لأن الأنصار كانوا أهل أموال وتجارة في قطرهم، ثم بيّن الله تعالى من أحوال أولئك الفقراء المهاجرين ما يوجب الحنو عليهم، بقوله: {الذين أحصروا في سبيل الله} والمعنى حبسوا ومنعوا وذهب بعض اللغويين إلى أن أحصر وحصر بمعنى واحد من الحبس والمنع سواء كان ذلك بعدو أو بمرض ونحوه من الأعذار، حكاه ابن سيده وغيره، وفسر السدي هنا الإحصار بأنه بالعدو. وذهب بعضهم إلى أن أحصر إنما يكون بالمرض والأعذار. وحصر بالعدو. وعلى هذا فسر ابن زيد وقتادة ورجحه الطبري. وتأول في هذه الآية أنهم هم حابسو أنفسهم بربقة الدين وقصد الجهاد وخوف العدو إذا أحاط بهم الكفر، فصار خوف العدو عذراً أحصروا به. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هذا متجه كأن هذه الأعذار أحصرتهم أي جعلتهم ذوي حصر، كما قالوا قبره أدخله في قبره وأقبره جعله ذا قبر، فالعدو وكل محيط يحصر، والأعذار المانعة "تُحصِر" بضم التاء وكسر الصاد أي تجعل المرء كالمحاط به، وقوله: {في سبيل الله} يحتمل الجهاد ويحتمل الدخول في الإسلام، واللفظ يتناولهما، والضرب في الأرض هو التصرف في التجارة، وضرب الأرض هو المشي إلى حاجة الإنسان في البراز، وكانوا لا يستطيعون الضرب في الأرض لكون البلاد كلها كفراً مطبقاً، وهذا في صدر الهجرة، فقلتهم تمنع من الاكتساب بالجهاد. وإنكار الكفار عليهم إسلامهم يمنع من التصرف في التجارة. فبقوا فقراء إلا أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث {يحسبهم الجاهل} بباطن أحوالهم {أغنياء} و {التعفف} تفعل، وهو بناء مبالغة من عفَّ عن الشيء إذا أمسك عنه وتنزه عن طلبه. وبهذا المعنى فسر قتادة وغيره، وقرأ نافع وأبو عمرو والكسائي "يحسِبهم" بكسر السين. وكذلك هذا الفعل في كل القرآن، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة "يحسبهم" بفتح السين في كل القرآن، وهما لغتان في "يحسب" كعهد ويعهد بفتح الهاء وكسرها في حروف كثيرة أتت كذلك، قال أبو علي فتح السين في يحسب أقيس لأن العين من الماضي مكسورة فبابها أن تأتي في المضارع مفتوحة، والقراءة بالكسر حسنة بمجيء السمع به، وإن كان شاذاً عن القياس، و {من} في قوله: {من التعفف} لابتداء الغاية أي من تعففهم ابتدأت محسبته، وليست لبيان الجنس لأن الجاهل بهم لا يحسبهم أغنياء غناء تعفف، وإنما يحسبهم أغنياء غناء مال، ومحسبته من التعفف ناشئة، وهذا على أنهم متعففون عفة تامة عن المسألة، وهو الذي عليه جمهور المفسرين، لأنهم قالوا في تفسير قوله تعالى: {لا يسألون الناس إلحافاً}: المعنى لا يسألون البتة. وتحتمل الآية معنى آخر من فيه لبيان الجنس، سنذكره بعد والسيما مقصورة العلامة. وبعض العرب يقول: السيمياء بزيادة ياء وبالمد، ومنه قول الشاعر: [الطويل]. شعر : لَهُ سِيمِيَاءٌ لا تَشُقُّ على البَصَرْ تفسير : واختلف المفسرون في تعيين هذه "السيما" التي يعرف بها هؤلاء المتعففون، فقال مجاهد: هي التخشع والتواضع، وقال السدي والربيع: هي جهد الحاجة وقصف الفقر في وجوههم وقلة النعمة، وقال ابن زيد: هي رثة الثياب، وقال قوم، وحكاه مكي: هي أثر السجود. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا حسن لأنهم كانوا متفرغين متوكلين لا شغل لهم في الأغلب إلا الصلاة، فكان أثر السجود عليهم أبداً، و "الإلحاف" والإلحاح بمعنى واحد، وقال قوم: هو مأخوذ من ألحف الشيء إذا غطاه وغمه بالتغطية، ومنه اللحاف، ومنه قول ابن الأحمر: [الوافر] شعر : يَظَلُّ يَحُفُّهُنَّ بِقُـفْـقُفَيْهِ وَيُلْحِفُهنَّ هَفهَافاً ثَخِينَا تفسير : يصف ذكر نعام يحضن بيضاً، فكأن هذا السائل الملح يعم الناس بسؤاله فيلحفهم ذلك، وذهب الطبري والزجاج وغيرهما إلى أن المعنى لا يسألون البتة. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والآية تحتمل المعنيين نفي السؤال جملة ونفي الإلحاف فقط، أما الأولى فعلى أن يكون {التعفف} صفة ثابتة لهم، ويحسبهم الجاهل بفقرهم لسبب تعففهم أغنياء من المال، وتكون {من} لابتداء الغاية ويكون قوله: {لا يسألون الناس إلحافاً} لم يرد به أنهم يسألون غير إلحاف بل المراد به التنبيه على سوء حالة من يسأل إلحافاً من الناس، كما تقول: هذا رجل خير لا يقتل المسلمين. فقولك: "خير" قد تضمن أنه لا يقتل ولا يعصي بأقل من ذلك، ثم نبهت بقولك لا يقتل المسلمين على قبح فعل غيره ممن يقتل، وكثيراً ما يقال مثل هذا إذا كان المنبه عليه موجوداً في القضية مشاراً إليه في نفس المتكلم والسامع. وسؤال الإلحاف لم تخل منه مدة، وهو مما يكره، فلذلك نبه عليه. وأما المعنى الثاني فعلى أن يكون {التعفف} داخلاً في المحسبة أي إنهم لا يظهر لهم سؤالاً، بل هو قليل. وبإجمال فالجاهل به مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عفة، فـــ {من} لبيان الجنس على هذا التأويل، ثم نفى عنهم سؤال الإلحاف وبقي غير الإلحاف مقرراً لهم حسبما يقتضيه دليل الخطاب، وهذا المعنى في نفي الإلحاف فقط هو الذي تقتضيه ألفاظ السدي، وقال الزجّاج رحمه الله: المعنى لا يكون منهم سؤال فلا يكون إلحاف. وهذا كما قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : عَلَى لاَحِبٍ يُهتَدَى بِمَنَارِهِ تفسير : أي ليس ثم منار فلا يكون اهتداء. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: إن كان الزجاج أراد لا يكون منهم سؤال البتة فذلك لا تعطيه الألفاظ التي بعد لا، وإنما ينتفي السؤال إذا ضبط المعنى من أول الآية على ما قدمناه، وإن كان أراد لا يكون منهم سؤال إلحاف فذلك نص الآية، وأما تشبيهه الآية ببيت امرىء القيس فغير صحيح، وذلك أن قوله: على لاحب لا يهتدى بمناره وقوله الآخر: [البسيط]. شعر : قِفْ بِالطُّلُولِ التي لَمْ يَعْفُهَا القدَمُ تفسير : وقول الشاعر: [المتقارب] شعر : وَمَنْ خفْتُ جَوْرِهِ فِي القَضَا ء فَمَا خِفْتُ جَوْرَك يَا عَافِيهْ تفسير : وما جرى مجراه ترتيب يسبق منه أنه لا يهتدى بالمنار، وإن كان المنار موجوداً فلا ينتفي إلا المعنى الذي دخل عليه حرف النفي فقط، وكذلك ينتفي العفا وإن وجد القدم، وكذلك ينتفي الخوف وإن وجد الجور، وهذا لا يترتب في الآية، ويجوز أن يريد الشعراء أن الثاني معدوم فلذلك أدخلوا على الأول حرف النفي إذ لا يصح الأول إلا بوجود الثاني، أي ليس ثم منار، فإذاً لا يكون اهتداء بمنار، وليس ثم قدم فإذاً لا يكون عفا، وليس ثم جور فإذاً لا يكون خوف، وقوله تعالى: {لا يسألون الناس إلحافاً}، لا يترتب فيه شيء من هذا، لأن حرف النفي دخل على أمر عام للإلحاف وغيره، ثم خصص بقوله: {إلحافاً} جزءاً من ذلك العام فليس بعدم الإلحاف ينتفي السؤال، وبيت الشعر ينتفي فيه الأول بعدم الثاني إذ دخل حرف النفي فيه على شيء متعلق وجوده بوجود الذي يراد أنه معدوم، والسؤال ليس هكذا مع الإلحاف، بل الأمر بالعكس إذ قد يعدم الإلحاف منهم ويبقى لهم سؤال لا إلحاف فيه، ولو كان الكلام لا يلحفون الناس سؤالاً لقرب الشبه بالأبيات المتقدمة، وكذلك لو كان بعد لا يسألون شيء إذا عدم السؤال، كأنك قلت تكسباً أو نحوه لصح الشبه، والله المستعان وقوله تعالى: {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} وعد محض أي يعلمه ويحصيه ليجازي عليه ويثيب.

ابن عبد السلام

تفسير : {لِلْفُقَرَآءِ} فقراء المهاجرين. {أُحْصِرُواْ} امتنعوا من المعاش خوف الكفار، أو منعهم الكفار بخوفهم منهم. {ضَرْباً} تصرفاً أو تجارة. {بِسِيمَاهُمْ} بخشوعهم، أو فقرهم، {إِلْحَافاً} إلحاحاً في السؤال.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {للفقراء} اختلفوا في موضع اللام في قوله للفقراء فقيل: هو مردود على موضع اللام من قوله فلأنفسكم فكأنه قال: وما تنفقوا من خير فللفقراء وإنما تنفقون لأنفسكم، وقيل معناه الصدقات التي سبق ذكرها الفقراء. وقيل خبر محذوف تقديره للفقراء الذين من صفتهم كذا وكذا حق واجب وهم فقراء المهاجرين كانوا نحو أربعمائة رجل لم يكن لهم بالمدينة مساكن ولا عشائر وكانوا يأوون إلى صفة في المسجد يتعلمون القرآن بالليل ويرضخون النوى بالنهار وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أصحاب الصفة فحث الله تعالى الناس على مواساتهم فكان من عنده فضل أتاهم به إذا أمسى وقوله: {الذين أحصروا في سبيل الله} يعني هم الذين حبسوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله وقيل: حبسوا أنفسهم على طاعة الله {لا يستطيعون ضرباً في الأرض} يعني لا يتفرغون للتجارة وطلب المعاش والكسب، وهم أهل الصفة الذين تقدم ذكرهم وقيل حبسهم الفقر والعدم عن الجهاد في سبيل الله، وقيل هم قوم أصابتهم جراحات في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصاروا زمنى حصرهم المرض والزمانة عن الضرب في سبيل الله {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} أي يظن من لم يختبر حالهم أنهم أغنياء من التعفف وهو تفعل من العفة وهي ترك الشيء والكف عنه. يقال: تعفف إذا ترك السؤال ولزم القناعة والمعنى يظنهم من لم يعرف حالهم أغنياء لإظهارهم التجمل وتركهم المسألة {تعرفهم بسيماهم} السيماء والسيمياء والسمة العلامة التي يعرف بها الشيء واختلفوا في معناها فقيل: هي الخضوع والتواضع وقيل هي أثر الجهد من الحاجة والفقر وقيل: هي صفرة ألوانهم من الجوع ورثاثة ثيابهم من الضر {لا يسألون الناس إلحافاً} يعني إلحاحاً قيل: إذا كان عنده غداء لا يسأل عشاء وإذا كان عنده عشاء لا يسأل غداء وقيل لا يسألون الناس أصلاً لأنه قال يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف وهو ترك المسألة فعلم بذلك أنهم لا يسألون ألبتة ولأنه قال تعالى: {تعرفهم بسيماهم} ولو كانت المسألة من شأنهم لما كانت من معرفتهم بالعلامة حاجة فمعنى الآية ليس يصدر منهم سؤال حتى يقع فيهم إلحاف. فهم لا يسألون الناس إلحافاً ولا غير إلحاف (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله وسلم قال: "حديث : ليس الغني عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس" تفسير : (ق) عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن به فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل" تفسير : الناس لفظ (خ) عن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها خير له" تفسير : من أن يسأل الناس أعطوه أم منعوه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح وقيل: يا رسول الله ما يغنيه؟ قال خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف" تفسير : أخرجه أبو داود وقال: زاد هشام في حديثه وكانت الأوقية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين درهماً وفي رواية عطاء بن يسار من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافاً عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سأل الناس وله أربعون درهماً فهو ملحف" تفسير : أخرجه النسائي (م) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر"تفسير : . وقوله تعالى: {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} يعني أن الله تعالى يعلم مقادير الإنفاق ويجازي عليها ففيه حث على الصدقة والإنفاق في الطاعة.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...}. قال الزمخشري: أي اعمدوا للفقراء أو جعلوا ما تنفقون للفقراء. ويجوز أن يكون خبر متبدإ (محذوف) أي صدقاتكم للفقراء. قال ابن عرفة: المقدرات باعتبار المعنى متفقة وباعتبار كيفية الدليل مختلفة "وَسَبِيلِ اللهِ" قال مالك في كتاب الحبس: هو وجوه الخير. بالإطلاق كيف ما كانت. وقال ابن عبد البر: المشهور عن مالك أنه الجهاد. قوله تعالى: {أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ...}. ولم يقل: من تعفّفهم إشارة إلى اتصافهم بأبلغ وجوه التعفف لأن تعفف المحتاج (المضطر) إلى المسألة ليس كتعفف من لم تبلغ به الحاجة إلى السؤال فأفاد أن هؤلاء لم يتّصفوا بتعفّفهم اللائق بهم بل اتصفوا بالتعفف الإجمالي. قوله تعالى: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ}. الخطاب له ولغيره. قوله تعالى: {لاَ يَسْئَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً...}. ونقل هنا ابن عرفة كلام المفسرين ثم قال: ويحتمل أن يكون مثل {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}تفسير : أي لو قدر صدور السؤال منهم لما قدر وقوعه إلا بالإلحاف لأجل ما نالهم من الجهد والحاجة، ويحتمل أن يكون مثل قول الله تعالى {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ}.تفسير : فيكون من باب (نفي) استلزام الأخص أمرا وإذا لم يستلزم الأخص أمرا لم يستلزمه الأعم. والمعنى: لا يسألون الناس لأجل الإلحاف (في السؤال) أي لأجل سبب الإلحاف وهو شدة الحاجة وإذا لم يسألوهم لأجل شدة الحاجة فأحرى أن لا يسألوهم لأجل سبب عدم الإلحاف وهو مطلق الحاجة فقط. قال الفخر بن الخطيب يحتمل أن يراد بالإلحاف (تأكيد) صبرهم. قال ابن عرفة: ينبغي أن يوقف على قوله: {لاَ يَسْئَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} مصدر، أي يلحفون إلحافا، أي يبلغون في شدة صبرهم وتجلدهم على الفقر. انتهى. قوله تعالى: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}. قال ابن عرفة: قالوا: إن العبد يفرق بين حالة طاعته لسيده وهو حاضر ينظر إليه وبين حالة طاعته له في غيبته فمع الحضور يجتهد أكثر. قيل لابن عرفة: إذا بنينا على مذهب أهل السنّة في التفريق بين (عليم وبصير) فيرد السؤال على ما قلت، فيقال: هلا قيل: فَإنّ اللهَ بِه بصير فهو أخص من (عليم) خلافا للمعتزلة؟ فقال: الآية خطاب للعوام لا للخواص وصفة العلم عندهم (أجلى) اذ لا خلاف فيها، بخلاف بصير فإنّ منهم من ردّه لعليم ومنهم من أبقاه على ظاهره.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {لِلْفُقَرَآءِ} الآية: في تعلُّق هذا الجارِّ خمسة أوجهٍ: أحدها: - وهو الظاهر - أنه متعلِّق بفعل مقدرٍ، يدلُّ عليه سياق الكلام، واختلفت عبارات المعربين فيه، فقال مكي - ولم يذكر غيره -: "أَعْطُوا لِلْفقراءِ"، وفي هذا نظرٌ؛ لأنه يلزم زيادة اللام في أحد مفعولي أعطى، ولا تزاد اللام إلا لضعف العامل: إمَّا بتقدُّم معموله كقوله تعالى: {أية : لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ}تفسير : [يوسف:43]، وإمَّا لكونه فرعاً؛ نحو قوله تعالى: {أية : فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}تفسير : [هود:107] ويبعد أن يقال: لمَّا أُضمر العامل، ضعف؛ فقوي باللام، على أنَّ بعضهم يجيز ذلك، وإن لم يضعف العامل، وجعل منه {أية : رَدِفَ لَكُم}تفسير : [النمل:72]، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقدَّره أبو البقاء: "اعْجَبُوا لِلْفُقَرَاءِ" وفيه نظرٌ، لأنه لا دلالة من سياق الكلام على العجب. وقدَّره الزمخشريُّ: "اعْمدُوا، أو اجعلوا ما تُنْفقون للفقراء" والأحسن من ذلك ما قدَّره مكي، لكن فيه ما تقدَّم. الثاني: أنَّ هذا الجارَّ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: الصدقات أو النفقات التي تنفقونها للفقراء، وهو في المعنى جوابٌ لسؤالٍ مقدَّر، كأنهم لما حثُّوا على الصدقات، قالوا: فلمن هي؟ فأجيبوا بأنها لهؤلاء، وفيها بيان مصرف الصَّدقات. وهذا اختيار ابن الأنباري. قال ابن الخطيب: لما تقدمت الآيات الكثيرة في الحث على الإنفاق، قال بعدها "لِلْفُقَرَاءِ" أي: ذلك الإنفاق المحثوث عليه للفقراء وهذا كما إذا تقدم ذكر رجل، فتقول: عاقلٌ لبيبٌ، والمعنى: أن ذلك الذي مرَّ وصفه عاقلٌ لبيبٌ، وكذلك الناس يكتبون على الكيس يجعلون فيه الذهب، والفضَّة: ألفان، أو مائتان، أي: ذلك الذي في الكيس ألفان، أو مائتان. وأنشد ابن الأنباري: [الرجز] شعر : 1237- تَسْأَلُنِي عَنْ زَوْجِهَا أَيُّ فَتَى خبٌّ جَرُوزٌ وَإِذَا جَاعَ بَكَى تفسير : يريد: هو خبٌّ. الثالث: أنَّ اللام تتعلَّق بقوله تعالى: {أية : إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ}تفسير : [البقرة:271] وهو مذهب القفَّال، واستبعده الناس؛ لكثرة الفواصل. الرابع: أنه متعلِّقٌ بقوله تعالى: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} وفي هذا نظرٌ؛ من حيث إنه يلزم فيه الفصل بين فعل الشرط وبين معموله بجملة الجواب، فيصير نظير قولك: مَنْ يُكْرِمْ أُحْسِنْ إليه زيداً. وقد صرَّح الواحديُّ بالمنع من ذلك، معلِّلاً بما ذكرناه، فقال: وَلاَ يجوزُ أن يكون العاملُ في هذه اللام "تنفقوا" الأخير في الآية المتقدمة الكريمة؛ لأنه لا يفصل بين العامل، والمعمول بما ليس منه، كما لا يجوز: "كانَتْ زَيْداً الحُمَّى تأخُذُ". الخامس: أنَّ "للفقراء" بدلٌ من قوله: "فلأَنْفُسِكُمْ"، وهذا مردودٌ؛ قال الواحدي، وغيره: "لأنَّ بدل الشيء من غيره، لا يكون إلا والمعنى مشتملٌ عليه، وليس كذلك ذكر النفس ههنا؛ لأنَّ الإنفاق من حيث هو عائدٌ عليها، وللفقراء من حيث هو واصلٌ إليهم، وليس من باب {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}تفسير : [آل عمران:97]؛ لأنَّ الأمر لازمٌ للمستطيع خاصةً" قال شهاب الدين رحمه الله تعالى: يعني أنَّ الفقراء ليست هي الأنفس، ولا جزاءً منها، ولا مشتملةً عليها، وكأن القائل بذلك توهَّم أنه من باب قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [النساء:29] في أحد التأويلين. والفقير: قيل: أصله من "فَقَرَتْه الفَاقِرَةُ"، أي: كسرت فقارات ظهره الداهية. قال الراغب: وأصل الفقير: هو المكسُورُ الفقار، يقال: "فَقَرَتْه الفاقرةُ" أي: الداهية تكسر الفقار، و "أَفْقَرَكَ الصَّيْدُ [فَارْمِهِ"] أي أمكنك من فقاره، وقيل: هو من الفُقرة، أي: الحفرة، ومنه قيل لكلِّ حفرةٍ يجتمع فيها الماء، فقيرٌ: وفقرت للفسيل: حفرت له حفرة؛ غرسته فيها؛ قال: [السريع أو الرجز] شعر : 1238- مَا لَيْلَةُ الفَقِيرِ إِلاَّ شَيْطَانْ تفسير : قيل: هو اسم بئر، وفقرت الخرز: ثقبته. وقال الهروي: يقال" فَقَره" إذا أصاب فقار ظهره، نحو: رَأَسَهُ، أي: أصاب رأسه، وبَطَنَهُ، أي: أصاب بطنه. وقال الأصمعي: "الفقر: أن يحزَّ أنف البعير، حتى يخلص الحزُّ إلى العظم، ثم يلوي عليه جريراً يذلَّل به الصَّعب من الإبل، ومنه قيل: عمل به الفاقرة". والفقرات - بكسر الفاء، وفتح القاف -: جمع فقرة: الأمور العظام، ومنه حديث السَّعي: "فِقَراتُ ابن آدَم ثلاثٌ: يَوْمَ وُلِد، ويومَ يَمُوتُ، ويومَ يُبْعَثُ". والفقر - بضم الفاء، وفتح القاف -: جمع فقرة؛ وهي الحزُّ، وخرم الخطم، ومنه قول أبي زيادٍ: "يُفْقَرُ الصَّعْبُ ثلاثَ فُقَرٍ في خطْمِه" ومنه حديث سعدٍ: "فَأَشَارَ إلى فُقَرٍ في أنْفِهِ"، أي: شقٍّ، وحزٍّ. وقد تقدَّم الكلام في الإحصار عند قوله: "فإن أحصرتم". قوله: "فِي سَبِيلِ" في هذا الجار وجهان: أحدهما: أن يتعلَّق بالفعل قبله؛ فيكون ظرفاً له. والثاني: أن يكون متعلِّقاً بمحذوف على أنه حال من مرفوع "أُحصروا"، أي: مستقرين في سبيل الله. وقدَّره أبو البقاء بمجاهدين في سبيل الله، فهو تفسير معنًى لا إعراب؛ لأنَّ الجارَّ لا يتعلَّق إلا بالكون المطلق. فصل في بيان سبب النزول نزلت في فقراء المهاجرين، وكانوا نحو أربعمائةٍ، وهم أصحاب الصُّفَّة، لم يكن لهم مساكن ولا عشائر بالمدينة، وكانوا ملازمين المسجد؛ يتعلمون القرآن الكريم، ويرضخون النوى بالنهار ويخرجون في كل سريَّةٍ يبعثها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحث الله عليهم الناس؛ فكان من عنده فضلٌ أتاهم به، إذا أمسى. حديث : عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً على أصحاب الصفة، فرأى فقرهم، وجهدهم؛ فطيَّب قلوبهم، فقال: "أَبْشِرُوا يَا أَصْحَابَ الصُّفَّةِ فإنَّهُ مَنْ لَقِيَ اللهَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى النَّعْتِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ رَاضِياً بِمَا فِيهِ فَإِنَّهُ مِنْ رُفَقَائِي"تفسير : . واعلم أنه تعالى وصف هؤلاء الفقراء بخمس صفاتٍ: الأولى: قوله: {ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللهِ} والإحصار: أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين سفره من مرضٍ، أو كسرٍ، أو عدوٍّ، أو ذهاب نفقةٍ، أو ما يجري مجرى هذه الأشياء، يقال: أحصر الرجل: فهو محصرٌ، وفي معنى هذا الإحصار، وجوه: الأول: أنَّهم حصروا أنفسهم، ووقفوها على الجهاد؛ لأن قوله: {فِي سَبِيلِ ٱللهِ} مختصٌّ بالجهاد في عرف القرآن. الثاني: قال قتادة - رحمه الله - وابن زيد: منعو أنفسهم من التصرفات في التجارة للمعاش؛ خوف العدوِّ؛ لأن الكفار كانوا مجتمعين حول المدينة، وكانوا متى وجدوهم، قتلوهم. الثالث: قال سعيد بن جبير؛ وهو اختيار الكسائي: إنَّ هؤلاء القوم أصابتهم جراحاتٌ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاروا زمنى، فأحصرهم المرض، والزمانة عن الضَّرب في الأرض. الرابع: قال ابن عباس - رضي الله عنهما - هؤلاء القوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل الله، فعذرهم الله. الصفة الثانية: قوله تعالى: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ} في هذه الجملة احتمالان: أظهرهما: أنها حالٌ، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: أنه "الفقراء"، وثانيهما: أنه مرفوع "أُحْصِرُوا". والاحتمال الثاني: أن تكون مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب؛ و "ضَرْباً" مفعولٌ به، وهو هنا السفر للتجارة؛ قال: [الوافر] شعر : 1239- لَحِفْظُ المَالِ أَيْسَرُ مِنْ بَقَاهُ وَضَرْبٌ في البِلاَدِ بِغَيْرِ زَادِ تفسير : ويقال: ضَرَبْتُ في الأَرْضِ ضَرْباً، ومَضْرِباً، أي: سرتُ. فصل في بيان عدم الاستطاعة في الآية عدم استطاعتهم: إمَّا أن يكون لاشتغالهم بصلاح الدِّين، بأمر الجهاد؛ فيمنعهم من الاشتغال بالكسب والتجارة، وإمَّا لخوفهم من الأعداء، وإمَّا لمرضهم، وعجزهم؛ وعلى جميع الوجوه فلا شكَّ في احتياجهم إلى من يعينهم. الصفة الثالثة: قوله: "يَحْسَبُهم" يجوز في هذه الجملة ما جاز فيما قبلها من الحالية والاستئناف، وكذلك ما بعدها. "يَحْسَبُهُمْ" هو الظَّنُّ، أي: إنّهم من الانقباض، وترك المسألة، والتوكل على الله، بحيث يظنهم الجاهل أغنياء. وقرأ ابن عامرٍ، وعاصمٌ، وحمزة: "يَحْسَبُ" - حيث ورد - بفتح السين، والباقون: بكسرها. فأمَّا القراءة الأولى؛ فجاءت على القياس؛ لأنَّ قياس فعل - بكسر العين - يفعل بفتحها لتتخالف الحركتان فيخفَّ اللفظ، وهي لغة تميم، والكسر لغة الحجاز، وبها قرأ رسول الله - صلى الله عيه وسلم -، وقد شذَّت ألفاظٌ أخر؛ جاءت في الماضي، والمضارع بكسر العين منها: نَعِم يَنْعِم، وبَئِس يَبْئِسُ، ويَئِسَ يَيْئِس، ويَبِس يَيْبِس من اليُبوسة، وعَمِد يَعْمِد، وقياسها كلُّها الفتح، واللغتان فصيحتان في الاستعمال، والقارئ بلغة الكسر اثنان من كبار النحاة: أبو عمرٍو - وكفى به -، والكسائي، وقارئا الحرمين: نافع، وابن كثير. والجاهل هنا: اسم جنس لا يراد به واحدٌ بعينه. ولم يرد - هنا - به الجهل الذي هو ضدّ العلم، وإنما أراد الجهل الذي هو ضدُّ الاختبار، يقول: يحسبهم من لم يختبر أمرهم أغنياء، و "أغنياءَ" هو المفعول الثاني. قوله: "من ٱلتَّعَفُّفِ" في "مِنْ" هذه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها سببيةٌ، أيك سَبَبُ حُسْبَانِهم أغنياء تعفُّفهم، فهو مفعولٌ من أجله، وجرُّه بحرف السبب هنا واجبٌ، لفقد شرطٍ من شروط النصب، وهو اتحاد الفاعل، وذلك أنَّ فاعل الحسبان الجاهل، وفاعل التعفُّف هم الفقراء، ولو كان هذا المفعول له مستكملاً لشروط النصب، لكان الأحسن جرَّه بالحرف؛ لأنه معرَّفٌ بأل، وقد تقدَّم أنَّ جرَّ هذا النوع أحسن من نصبه؛ نحو: جئت للإكرام، وقد جاء نصبه؛ قال القائل: [الرجز] شعر : 1240- لاَ أَقْعُدُ الجُبْنَ عَنِ الهَيْجَاءِ وَلَوْ تَوَالَتْ زُمَرَ الأَعْدَاءِ تفسير : والثاني: أنها لابتداء الغاية، والمعنى أنَّ محسبة الجاهل غناهم، نشأت من تعفُّفهم؛ لأنه لا يحسب غناهم غنى تعففٍ، إنما يحسبه غنى مالٍ، فقد نشأت محسبته من تعفُّفهم، وهذا على أنَّ تعفُّفهم تعففٌ تام. والثالث: أنها لبيان الجنس، وإليه نحا ابن عطية، قال: يكون التعففُ داخلاً في المحسبة، أي: إنه لا يظهر لهم سؤالٌ، بل هو قليلٌ، فالجاهل بهم مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عنه، فـ "مِنْ" لبيان الجنس على هذا التأويل. قال أبو حيَّان: "وليس ما قالَه مِنْ أنَّ "مِنْ" هذه في هذا المعنى وهو أن تتقدَّر "مِنْ" بموصولٍ، وما دخلت عليه يجعل خبر مبتدأ محذوف؛ كقوله تعالى: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ}تفسير : [الحج:30] يصح أن يقال: الذي هو الأوثان، ولو قلت هنا: "يَحْسَبُهُم الجَاهِلُ أغنياء الَّذِي هُوَ التَّعفف" لم يصحَّ هذا التقدير؛ وكأنه سمَّى الجهة التي هم أغنياء بها بيان الجنس، أي: بيَّنت بأيِّ جنسٍ وقع غناهم، أي: غناهم بالتعفف لا غنى بالمال، فسمَّى "مِنْ" الداخلة على ما يبيِّن جهة الغنى ببيان الجنس، وليس المصطلح عليه كما قدَّمناه، وهذا المعنى يؤول إلى أنَّ "مِنْ" سببية، لكنها تتعلق بأغنياء، لا بيحسبهم". انتهى. وتتعلَّق "مِنْ" على الوجهين الأولين بيحسبهم. قال أبو البقاء رحمه الله: "ولا يجوزُ أن تتعلَّق بمعنى "أغْنِياء"؛ لأنَّ المعنى يصير إلى ضد المقصود، وذلك أنَّ معنى الآية: أنَّ حالهم يخفى على الجاهل بهم؛ فيظنُّهم أغنياء، ولو علِّقت بأغنياء، صار المعنى، أنَّ الجاهل يظنُّ أنهم أغنياء، ولكن بالتعفف، والغنيُّ بالتعفف فقيرٌ من المال". انتهى، وما قاله أبو البقاء يحتمل بحثاً. وأما على الوجه الثالث - وهو كونه لبيان الجنس - فقد صرَّح أبو حيان بتعلُّقها بأغنياء؛ لأن المعنى يعود إليه، ولا يجوز تعلُّقها في هذا الوجه بالحسبان، وعلى الجملة: فكونها لبيان [الجنس، قلق المعنى]. والتعفُّف: تفعُّل من العفَّة: وهو ترك الشيء، والإعراض عنه، مع القدرة على تعاطيه؛ قال رؤبة: [الرجز] شعر : 1241- فعَفَّ عَنْ أَسْرَارِهَا بَعْدَ الغَسَقْ وَلَمْ يَدَعْهَا بَعْدَ فَرْكٍ وَعَشَقْ تفسير : وقال عنترة: [الكامل] شعر : 1242- يُخْبِرْكِ مَنْ شَهِدَ الوَقِيعَةَ أَنَّنِي أَغْشَى الوَغَى وَأَعِفُّ عِنْدَ المَغْنَمِ تفسير : ومنه: "عَفِيفُ الإِزَارِ" كنايةٌ على حصانته، وعرَّف التعفف، لأنه سبق منهم مراراً فصار كالمعهود، ومتعلَّق التعفف، محذوفٌ؛ اختصاراً، أي: عن السؤال، والأحسن ألاَّ يقدَّر. الصفة الرابعة: قوله: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} السِّيما: العلامة بالقصر ويجوز مدُّها، وإذا مدَّت، فالهمزة فيها منقلبةٌ عن حرف زائدٍ، للإلحاق: إمَّا واوٌ، وإمَّا ياء، فهي كعلباء ملحقة بسرداح، فالهمزة فيه للإلحاق، لا للتأنيث؛ وهي منصرفةٌ لذلك. و "سيما" مقلوبة، قدِّمت عينها على فائها؛ لأنها مشتقةٌ من الوسم فهي بمعنى السِّمة، أي: العلامة، فلما وقعت الواو بعد كسرةٍ قلبت ياءً، فوزن سيما: عِفْلا، كما يقال اضمحلَّ، وامضحلَّ، [و] "وَخِيمَة"، و "خامة" وله جاهٌ، ووجه، أي: وجاهَةٌ. وفي الآية الكريمة طباقٌ في موضعين: أحدهما: "أُحْصِروا" مع قوله: {ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ}. والثاني: قوله تعالى: "أَغْنِيَآءَ"، مع قوله: "لِلْفُقَرَآءِ" نحو: {أية : أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ}تفسير : [النجم:43] و {أية : أَمَاتَ وَأَحْيَا}تفسير : [النجم:44]. ويقال "سِيمِيَا" بياء بعد الميم، وتمدُّ كالكيمياء؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 1243- غُلاَمٌ رَمَاهُ اللهُ بِالْحُسْنِ يَافِعاً لَهُ سِيمِيَاءُ لاَ تَشُقُّ عَلَى الْبَصَرْ تفسير : والباء تتعلَّق بـ "تَعْرِفُهُمْ" ومعناها السببية، أي: إنَّ سبب معرفتك إياهم هي سيماهم. والسِّيما: العلامة، وقال قومٌ: السِّيما: الارتفاع، لأنَّها علامةٌ وضعت للظُّهور. فصل قال القرطبيُّ: هذه الآية تدلُّ على أن للسِّيما أثرٌ في اعتبار من يظهر عليه ذلك، حتى إذا رأينا ميتاً في دار الإسلام، وعليه زنَّارٌ، وهو غير مختونٍ؛ لا يدفن في مقابر المسلمين، ويقدَّم ذلك على حكم الدار؛ في قول أكثر العلماء، ومنه قوله تعالى: {أية : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ}تفسير : [محمد:30] فدلَّت هذه الآية على جواز صرف الصدقة إلى من له ثيابٌ، وكسوة وزيٌّ في التجمل. فصل في تفسير "السِّيما" قال مجاهد: هو التخشع، والتواضع. وقال الربيع، والسديُّ: أثر الجهد من الفقر، والحاجة. وقال الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع، والضر. وقال ابن زيدٍ: رثاثة ثيابهم. قال ابن الخطيب: وعندي أنَّ الكلَّ فيه نظرٌ؛ لأن كل ما ذكروه علاماتٌ دالَّةٌ على حصول الفقر، وذلك يناقض قوله: {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ} بل المراد شيء آخر، وهو أن لعباد الله المخلصين هيبة ووقعاً في قلوب الخلق، كل من رآهم تأثر منهم، وتواضع لهم؛ وذلك إدراكاتٌ روحانيةٌ، لا علاتٌ جسمانيةٌ؛ ألا ترى أنَّ الأسد إذا مرَّ هابته جميع السباع بطباعها، لا بالتجربة؛ لأن الظاهر أن تلك التجربة ما وقعت، وكذلك البازي، إذا طار فرّت منه الطيور الضَّعيفة، وكل ذلك إدراكاتٌ روحانية، لا جسمانية فكذا ها هنا، روي أنهم كانوا يقومون الليل، للتهجّد، ويحتطبون بالنهار؛ للتعفف. الصفة الخامسة: قوله: {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} في نصبه "إلحافاً" ثلاثة أوجه: أحدها: نصبه على المصدر بفعلٍ مقدَّر، أي: يلحفون إلحافاً، والجملة المقدرة حالٌ من فاعل "يَسْألون". والثاني: أن يكون مفعولاً من أجله، أي: لا يسألون؛ [لأجل الإلحاف. والثالث: أن يكون مصدراً في موضع الحال، تقديره: لا يسألون] ملحفين. فصل في تفسير الإلحاف الإلحاف: هو الإلحاح؛ قال عطاءٌ: إذا كان عنده غداءٌ لا يسأل عشاءً، وإذا كان عنده عشاءٌ لا يسأ غداءً. وعن ابن مسعودٍ إن الله يحب العفيف المتعفف، ويبغض الفاحش البذيء السَّائل الملحف، الذي إن أعطي كثيراً، أفرط في المدح، وإن أعطي قليلاً أفرط في الذَّمِّ. وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لاَ يَفْتَحُ أَحَدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلاَّ فَتح الله عليه بَابَ فَقْرٍ، ومَنْ يَسْتَغْنِ، يُغْنِه اللهُ، ومَنْ يَسْتَعْفِفْ، يُعِفَّهُ الله، لأنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلاً يَحْتِطِبُ فِيهِ فَيَبِيعَهُ بمُدٍّ مِنْ تَمْرٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَل النَّاسَ ". تفسير : فصل اعلم: أنَّ العرب إذا نفت الحكم عن محكوم عليه، فالأكثر في لسانهم نفي ذلك القيد؛ نحو: "مَا رَأَيْتُ رَجُلاً صَالِحاً"، الأكثر على أنك رأيت رجلاً، ولكن ليس بصالح، ويجوز أنَّك لم تر رجلاً ألبتة؛ لا صالحاً ولا طالحاً، فقوله: {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} المفهوم أنهم يسألون، لكن لا بإلحاف، ويجوز أن يكون المعنى: أنهم لا يسألون، ولا يلحفون؛ والمعنيان منقولان في التفسير، والأرجح الأول عندهم، ومثله في المعنى: "مَا تَأْتِينَا فَتُحَدِّثَنَا" يجوز أنه يأتيهم، ولا يحدِّثهم، ويجوز أنه لا يأتيهم ولا يحدِّثهم، انتفى السبب، وهو الإتيان، فانتفى المسبَّب، وهو الحديث. وقد شبَّه الزجاج - رحمه الله تعالى - معنى هذه الآية الكريمة بمعنى بيت امرئ القيس؛ وهو قوله: [الطويل] شعر : 1244- عَلَى لاَحِبٍ لاَ يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ إِذَا سَافَهُ العَوْدُ النَّبَاطِيُّ جَرْجَرَا تفسير : قال أبو حيَّان: "تَشْبيهُ الزجاج إنما هو في مطلق انتفاء الشيئين، أي: لا سؤال ولا إلحاف، وكذلك هذا: لا منار ولا هداية، لا أنه مثله في خصوصيَّة النفي، إذ كان يلزم أن يكون المعنى: لا إلحاف، فلا سؤال، وليس تركيب الآية على هذا المعنى، ولا يصحُّ: لا إلحاف، فلا سؤال؛ لأنه لا يلزم من نفي الخاص نفي العام، كما لزم من نفي المنار، نفي الهداية التي هي من بعض لوازمه، وإنما يؤدِّي معنى النفي على طريقة النَّفي في البيت أن لو كان التركيب: "لا يُلْحِفُونَ الناسَ سُؤالاً" لأنه يلزم من نفي السؤال نفي الإلحاف، إذ نفي العامِّ يدلُّ على نفي الخاص؛ فتلخَّص من هذا: أنَّ نفي الشيئين: تارة يدخل حرف النفي على شيءٍ، فتنتفي جميع عوارضه، وينبِّه على بعضها بالذكر لغرض ما، وتارةً يدخل حرف النفي على عارضٍ من عوارضه، والمقصود نفيه، فتنتفي لنفيه عوارضه". قال شهاب الدين: قد سبق الشيخ إلى هذا ابن عطية فقال: "تَشْبيهه ليس مثله في خصوصية النفي؛ لأنَّ انتفاء المنار في البيت يدلُّ على نفي الهداية، وليس انتفاء الإلحاح، يدلُّ على انتفاء السؤال في الآية". وأطال ابن عطية في تقرير هذا، وجوابه ما تقدم: من أنَّ المراد نفي الشيئين، لا بالطريق المذكور في البيت، وكان الشيخ قد قال قبل ما حكيته عنه آنفاً: "ونظير هذا: ما تَأْتِينَا فتحدِّثَنا" فعلى الوجه الأول: يعني نفي القيد وحده: ما تأتينا محدِّثاً، إنما تأتي ولا تحدِّث. وعلى الوجه الثاني: يعني نفي الحكم بقيده بـ "ما يكُونُ مِنْكَ إتيانٌ، فلا يكونُ حديثٌ"، وكذلك هذا: لا يقع منهم سؤالٌ ألبتَّة، فلا يقع إلحاحٌ، ونبَّه على نفي الإلحاح دون غير الإلحاح؛ لقبح هذا الوصف، ولا يراد به نفي هذا الوصف وحده، ووجود غيره؛ لأنه كان يصير المعنى الأول، وإنما يراد بنفي هذا الوصف، نفي المترتبات على المنفيِّ الأول؛ لأنه نفى الأولى على سبيل العموم، فتنتفي مترتِّباته، كما أنك إذا نفيت الإتيان، فانتفى الحديث، انتفى جميع مترتِّبات الإِتيان: من المجالسة، والمشاهدة، والكينونة في محلٍّ واحد، ولكن نبَّه بذكر مترتِّب واحدٍ؛ لغرضٍ ما على ذكر سائر المترتِّبات" وهذا يقرر ما تقدَّم. وأمَّا الزمخشريُّ: فكأنه لم يرتض تشبيه الزجاج، فإنه قال: "وقيل: هو نفيٌ للسؤال والإلحاف جميعاً؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1245- عَلَى لاَحِبٍ لاَ يُهْتَدَى بِمنَارِهِ ............................ تفسير : يريد نفي المنار والاهتداء به". قال شهاب الدين: وطريق أبي إسحاق الزجاج هذه، قد قبلها الناس، ونصروها، واستحسنوا تنظيرها بالبيت؛ كالفارسيِّ، وأبي بكر بن الأنباريِّ، قال أبو عليٍّ: لم يُثْبِتْ في قوله: {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} مسألةً فيهم؛ لأن المعنى: ليس منهم مسألةٌ، فيكون منهم إلحافٌ، ومثل ذلك قول الشاعر: [السريع] شعر : 1246- لاَ يَفْزَعُ الأَرْنَبُ أَهْوَالَهَا وَلاَ تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرْ تفسير : أي: ليس فيها أرنبٌ؛ فيفزع لهولها، ولا ضبٌّ فينجحر، وليس المعنى: أنه ينفي الفزع عن الأرنب، والانجحار عن الضب. وقال أبو بكرٍ: تأويل الآية: لاَ يَسْأَلُونَ أَلْبَتةَ، فيخرجهم السؤال في بعض الأوقات إلى الإلحاف؛ فجرى هذا مجرى قولك: فلانٌ لا يُرْجى خيره، أي: لا خير عنده ألبتة فيرجى؛ وأنشد قول امرئ القيس: [الطويل] شعر : 1247- وَصُمٌّ صِلاَبٌ مَا يَقِينَ مِنَ الوَجَى كَأَنَّ مَكَانَ الرَّدْفِ مِنْهُ عَلَى رَالِ تفسير : أي: ليس بهن وجًى، فيشتكين من أجله؛ وقال الأعشى: [البسيط] شعر : 1248- لاَ يَغْمِزُ السَّاقَ مِنْ أَيْنٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ يَعَضُّ عَلَى شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ تفسير : معناه: ليس بساقه أينٌ، ولا وصبٌ؛ فيغمزها. وقال الفراء قريباً منه، فإنه قال: "نفى الإلحاف عنهم، وهو يريد جميع وجوه السؤال؛ كما تقول في الكلام: "قَلَّ ما رَأَيْتُ مِثْلَ هذا الرجل" ولعلك لم تر قليلاً، ولا كثيراً من أشباهه". وجعل أبو بكر الآية الكريمة عند بعضهم من باب حذف المعطوف، وأن التقدير: لاَ يَسْأَلُونَ الناسَ إلحافاً، ولا غير إلحاف، كقوله تعالى: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ}تفسير : [النحل:81]، أي: والبرد. وقال بعضهم: إنَّ السائل الملحف الملح، هو الذي يستخرج المال بكثرة تَلَطُّفِهِ، فقوله: {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} أي: لا يسألون الناس بالرِّفق، والتَّلطُّف، وإذا لم يوجد السؤال على هذا الوجه، فبأن لا يوجد على وجه العنف أولى. وذكر ابن الخطيب - رحمه الله - فيها ثلاثة أوجه أخر: أحدها: أنه ليس المقصود من قوله: {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} وصفهم بأنهم لا يسألون الناس إلحافاً؛ لأنه تعالى وصفهم قبل ذلك بالتعفُّف، وإذا علم أنهم لا يسألون ألبتة، قد علم - أيضاً - أنهم لا يسألون الناس إلحافاً، بل المراد التَّنبيه على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافاً، مثاله: إذا حضر عندك رجلان: أحدهما عاقلٌ، وقورٌ ثابتٌ، والآخر طيَّاش مهذارٌ سفيهٌ، فإذا أردت أن تمدح أحدهما، وتعرض بالآخر، قلت: فلانٌ، رجل عاقلٌ وقُورٌ قليل الكلام، لا يخوض في الترّهات، ولا يشرع في السفاهات، ولم يكن غرضك من قولك: لا يخوض في التّرّهات، والسفاهات، وصفه بذلك؛ لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عن ذلك؛ بل غرضك التنبيه على مذمَّة الثاني؛ فكذا هاهنا قوله: {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} بعد قوله: {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ} الغرض منه التنبيه على مذمَّة من يسأل الناس إلحافاً. وثانيها: أنه تعالى بيَّن فيما تقدَّم شدَّة حاجة هؤلاء الفقراء ومن اشتدت حاجته، فإنه لا يمكنه ترك السؤال؛ إلاَّ بإلحاحٍ شديد منه على نفسه، فقوله: {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} أي: لا يسألون الناس، وإنَّما أمكنهم ترك السؤال عندما ألحُّوا على النفس، ومنعوها بالتكليف الشَّديد عن ذلك السؤال، ومنه قول عمر بن الخطَّاب: [الوافر] شعر : 1249- وَلِي نَفْسٌ أَقُولُ لَهَا إِذَا مَا تُنَازِعُنِي: لَعَلِّي أَوْ عَسَانِي تفسير : وثالثها: أنَّ من أظهر من نفسه آثار الفقر، والمذلَّة، والمسكنة؛ ثم سكت عن السؤال، فكأنَّه أتى بالسؤال الملحِّ الملحف؛ لأن ظهور أمارات الحاجة، تدلُّ على الحاجة، وسكوته يدل على أنه ليس عنده ما يدفع تلك الحاجة، ومتى تصوَّر الإنسان من غيره ذلك، رقَّ له قلبه جدّاً، وصار حاملاً له على أن يدفع إليه شيئاً، فكان إظهار هذه الحالة هو السؤال على سبيل الإلحاف، فقوله: {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} معناه: أنهم سكتوا عن السؤال، لكنَّهم لا يضمُّون إلى ذلك السكوت من رثاثة الحال، وإظهار الانكسار ما يقوم مقام السؤال على سبيل الإلحاف، بل يزيّنون أنفسهم عند الناس، ويتجملون عند الخلق، ويجعلون فقرهم وحاجتهم بحيث لا يطلع عليها إلاَّ الخالق. فصل قال ابن عبد البرِّ: من أحسن ما روي من أجوبة الفقهاء في معاني السُّؤال وكراهيته ومذهب أهل الورع فيه. ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل، وقد سئل عن المسألة، متى تحل؟ قال: إذا لم يكن عنده ما يغدِّيه ويعشيه، قيل لأبي عبد الله: فإن اضطرَّ إلى المسألة؟ قال: هي مباحةٌ إذا اضطر. قيل له: فإن تعفَّف؟ قال: ذلك خيرٌ له، وقال: ما أظن أنَّ أحداً يموت من الجوع؛ الله يأتيه برزقه، ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدريّ: "مَنْ اسْتَعْفَفَ أَعَفَّهُ الله". قال أبو بكر: وسمعته يسأل عن الرجل الذي لا يجد شيئاً؛ أيسأل الناس، أم يأكل الميتة؟ فقال: أيأكل الميتة، وهو يجد من يسأله؟ هذا شنيعٌ. قال القرطبيُّ: فإن جاءه شيءٌ من غير سؤالٍ، فله أن يقبله ولا يرده؛ إذ هو رزقٌ رزقه الله، لما روي حديث : أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسل إلى عمر بن الخطَّاب بعطاءٍ، فردَّه؛ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لِمَ رَدَدْتَه؟" فقال: يا رسول الله، أليس أخبرتنا أنَّ خيراً لأحدنا ألاَّ يأخذ شيئاً؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّما ذَاكَ عَنِ المَسْأَلَةِ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، فَإِنَّمَا هو رزقٌ رَزَقَكَهُ الله". فقال عُمَر بن الخطَّاب: "والَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ أَسْأَلُ شَيْئاً، وَلاَ يَأْتِيني شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ إِلاَّ أَخَذتُه ". تفسير : والإلحاف، والإلحاح، واللَّجاج، والإحفاء، كلُّه بمعنًى، يقال: أَلحف، وألحَّ في المسألة: إذا لجَّ فيها. وفي الحديث: "حديث : مَنْ سَألَ وَلَهُ أَرْبَعُونَ، فَقَدْ أَلْحَفَ"تفسير : ، واشتقاقه من اللِّحاف؛ لأنه يشتمل الناس بمسألته، ويعمُّهم؛ كما يشتمل اللِّحاف من تحته ويغطِّيه؛ ومنه قول ابن أحمر يصف ذكر نعامٍ، يحضن بيضه بجناحيه، ويجعل جناحه لها كاللِّحاف: [الوافر] شعر : 1250- يَظَلُّ يُحُفُّهُنَّ بِقَفْقَفَيْهِ وَيَلْحَفُهُنَّ هَفْهَافاً ثَخِينَا تفسير : وقال آخر في المعنى: [الرمل] شعر : 1251- ثُمَّ رَاحُوا عَبَقُ المِسْكِ بِهِمْ يُلْحِفُونَ الأَرْضَ هُدَّابَ الأُزُرْ تفسير : أي: يلبسونها الأرض، كإلباس اللِّحاف للشيء. وقيل: بل اشتقاق اللفظة من "لَحْفِ الجَبَلِ" وهو المكان الخشن، ومجازه أنَّ السائل لكثرة سؤاله كأنه استعمل الخشونة في مسألته، وقيل: بل هي من "لَحَفني فُلاَنٌ"، أي: أعطاني فضل ما عنده، وهو قريبٌ من معنى الأوَّل. قوله: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللهَ بِهِ عَلِيمٌ} هو نظير قوله: {أية : وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}تفسير : [البقرة:272]، وليس بتكرارٍ؛ لأنه لمَّا قال في الآية الأولى: {أية : وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة:272] فهم منه التوفية من غير بخسٍ؛ ولا نقصان، وذلك لا يمكن إلاَّ بالعلم بمقدار العمل، وكيفية جهاته المؤثرة في استحقاق الثواب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله ‏ {‏للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله‏} قال‏:‏ هم أصحاب الصفة‏. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي بكر، أن أصحاب الصفة كانوا ناساً فقراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏من كان عنده طعام إثنين ليذهب بثالث الحديث‏ ".‏‏ تفسير : وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏الحق إلى أهل الصفة فأدعهم.‏ قال‏:‏ وأهل الصفة أضياف الإِسلام لا يلوون على أهل ولا مال، إذاً أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية عن فضالة بن عبيد قال ‏"‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى بالناس يخر رجال من قيامهم في صلاتهم لما بهم من الخصاصة وهم أهل الصفة، حتى يقول الأعراب‏:‏ إن هؤلاء مجانين‏"‏‏. وأخرج ابن سعيد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وأبو نعيم عن أبي هريرة قال‏:‏ كان من أهل الصفة سبعون رجلاً ليس لواحد منهم رداء‏.‏ وأخرج أبو نعيم عن الحسن قال ‏"‏حديث : ‏بنيت صفة لضعفاء المسلمين، فجعل المسلمون يوغلون إليها ما استطاعوا من خير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيهم فيقول‏: السلام عليكم يا أهل الصفة‏. فيقولون‏:‏ وعليك السلام يا رسول الله‏.‏ فيقول‏:‏ كيف أصبحتم‏؟ فيقولون‏:‏ بخير يا رسول الله‏.‏ فيقول‏:‏ أنتم اليوم خير أم يوم يغدى على أحدكم بجفنه ويراح عليه بأخرى، ويغدو في حلة ويروح في أخرى‏؟‏ فقالوا‏:‏ نحن يومئذ خير يعطينا الله فنشكر‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ بل أنتم اليوم خير‏ ".‏‏ تفسير : وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي في قوله {‏للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله‏} ‏قال‏:‏ هم أصحاب الصفة، وكانوا لا منازل لهم بالمدينة ولا عشائر، فحث الله عليهم الناس بالصدقة‏.‏ وأخرج سفيان وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله‏} ‏ قال‏:‏ هم مهاجرو قريش بالمدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم، أمروا بالصدقة عليهم‏. وأخرج ابن جرير عن الربيع ‏ {‏للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله‏} ‏ قال‏:‏ هم فقراء المهاجرين بالمدينة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {‏للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله‏} ‏ قال‏:‏ حصروا أنفسهم في سبيل الله للغزو فلا يستطيعون تجارة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ‏ {‏للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله‏}‏ قال‏:‏ قوم أصابتهم الجراحات في سبيل الله فصاروا زمنى، فجعل لهم في أموال المسلمين حقاً‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن رجاء بن حيوة في قوله ‏{‏لا يستطيعون ضرباً في الأرض‏} ‏ قال‏:‏ لا يستطيعون تجارة‏. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال‏:‏ كانت الأرض كلها كفراً لا يستطيع أحد أن يخرج يبتغي من فضل الله، إذا خرج في كفر‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ‏{‏للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله‏} ‏ قال‏:‏ حصرهم المشركون في المدينة ‏ {‏لا يستطيعون ضرباً في الأرض‏}‏ يعني التجارة ‏ {‏يحسبهم الجاهل‏} ‏ بأمرهم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏ {‏يحسبهم الجاهل أغنياء‏}‏ قال‏:‏ دل الله المؤمنين عليهم وجعل نفقاتهم لهم، وأمرهم أن يضعوا نفقاتهم فيهم ورضي عنهم‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏تعرفهم بسيماهم‏}‏ قال‏:‏ التخشع‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع {‏تعرفهم بسيماهم‏} ‏ يقول‏:‏ تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة‏. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ‏ {‏تعرفهم بسيماهم‏} ‏ قال‏:‏ رثاثة ثيابهم‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن يزيد بن قاسط السكسكي قال‏:‏ كنت عند عبد الله بن عمر إذ جاءه رجل يسأله، فدعا غلامه فسارَّهُ وقال للرجل‏:‏ اذهب معه‏.‏ ثم قال لي‏:‏ اتقول هذا فقير‏؟‏ فقلت‏:‏ والله ما سأل إلا من فقر‏.‏ قال‏:‏ ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم والتمرة إلى التمرة، ولكن من أنقى نفسه وثيابه لا يقدر على شيء ‏{‏يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً‏} ‏ فذلك الفقير‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، واقرأوا إن شئتم ‏{‏لا يسألون الناس إلحافا‏ً}‏ ‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ليس المسكين بالطوّاف عليكم فتعطونه لقمة لقمة، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافاً‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ليس المسكين بالطوّاف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد ما يغنيه ويستحي أن يسأل الناس، ولا يفطن له فيتصدق عليه‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال‏:‏ ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ‏"‏حديث : إن الله يحب الحليم الحيي الغني المتعفف، ويبغض الفاحش البذي السائل الملحف‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ من تغنى أغناه الله، ومن سأل الناس إلحافاً فإنما يستكثر من النار‏.‏ وأخرج مالك وأحمد وأبو داود والنسائي عن رجل من بني أسد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافاً‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله ‏ {‏إلحافا‏ً} ‏ قال‏:‏ هو الذي يلح في المسألة‏.‏ وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن سلمة بن الأكوع‏.‏ أنه كان لا يسأله أحد بوجه الله إلا أعطاه، وكان يكرهها ويقول‏:‏ هي مسألة الالحاف‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء‏:‏ أنه كره أن يسأل بوجه الله أو بالقرآن شيء من أمر الدنيا‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ من سئل بالله فأعطى فله سبعون أجرا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي عن ابن عمر‏.‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن حبان عن سمرة بن جندب‏.‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك، إلا أن يسأل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بدا‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد عن ابن عمر‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : المسألة كدوح في وجه صاحبها يوم القيامة، فمن شاء استبقى على وجهه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من سأل الناس في غير فاقة نزلت به، أو عيال لا يطيقهم جاء يوم القيامة بوجه ليس عليه لحم‏"تفسير : ‏، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:حديث : من فتح على نفسه باب مسألة من غير فاقة نزلت به، أو عيال لا يطيقهم فتح الله عليه باب فاقة من حيث لا يحتسب‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس يرفعه قال‏:‏ حديث : ما نقصت صدقة من مال، وما مد عبد يده بصدقة إلا ألقيت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، ولا فتح عبد باب مسألة له عنها غنى إلا فتح الله له باب فقر ‏. تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن ماجة عن أبي كبشة الأنماري، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه‏:‏ ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله بها عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه‏:‏ إنما الدنيا لأربعة نفر‏:‏ عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول‏:‏ لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً فهو يخبط في ماله بغير علم، ولا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم فيه لله حقّاً، فهذا باخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول‏:‏ لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فوزرهما سواء‏ ". تفسير : وأخرج النسائي عن عائذ بن عمرو "‏حديث : ‏‏أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فأعطاه، فلما وضع رجله على أسكفة الباب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لو تعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحد يسأله‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لو يعلم صاحب المسألة ما له فيها لم يسأل‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والبزار والطبراني عن عمران بن حصين قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : مسألة الغني شين في وجهه يوم القيامة، ومسألة الغني نار، إن أعطى قليلاً فقليل وإن أعطى كثيراً فكثير‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والبزار والطبراني عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏من سأل مسألة وهو عنها غني كانت شيناً في وجهه يوم القيامة‏ ".‏‏ تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : من سأل وهو غني عن المسألة يحشر يوم القيامة وهي خموش في وجهه‏ ".‏‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن عروة بن محمد بن عطية حدثني أبي ‏"حديث : ‏أن أباه أخبره قال‏:‏ قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من بني سعد بن بكر فأتيت، فلما رآني قال‏:‏ ما أغناك الله فلا تسأل الناس شيئاً، فإن اليد العليا هي المنطية، واليد السفلى هي المنطاة، وإن مال الله لمسؤول ومنطى‏. قال‏:‏ وكلمني رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغتنا‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن مسعود بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ‏أنه أتي برجل يصلى عليه فقال‏: كم ترك‏؟ فقالوا‏:‏ دينارين أو ثلاثة‏.‏ قال‏:‏ ترك كيتين أو ثلاث كيات‏.‏ فلقيت عبد الله بن القاسم مولى أبي بكر فذكرت ذلك له، فقال‏:‏ ذاك رجل كان يسأل الناس تكثراً ‏". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن خزيمة والطبراني والبيهقي عن حبشي بن جنادة ‏"‏حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ الذي يسأل من غير حاجة كمثل الذي يلتقط الجمر‏"‏‏تفسير : .‏ ولفظ ابن أبي شيبة‏:‏ ‏"حديث : ‏من سأل الناس ليثري به ماله فإنه خموش في وجهه، ورضف من جهنم يأكله يوم القيامة، وذلك في حجة الوداع‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وابن ماجة عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً، فليستقل أو ليستكثر‏ ". تفسير : وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والطبراني في الأوسط عن علي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من سأل مسألة عن ظهر غنى استكثر بها من رضف جهنم‏.‏ قالوا‏:‏ وما ظهر غنى‏؟‏ قال‏: عشاء ليلة‏ ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان عن سهل بن الحنظلية قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : من سأل شيئاً وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم‏. قالوا‏:‏ يا رسول الله، وما يغنيه‏؟‏ قال‏: ما يغديه أو يعشيه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن حبان عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من سأل الناس ليثري ماله فإنما هي رضف من النار يلهبه، فمن شاء فليقلّ ومن شاء فليكثر‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن أبي ليلى قال‏:‏ جاء سائل فسأل أبا ذر فأعطاه شيئاً، فقيل له‏:‏ تعطيه وهو موسر‏؟‏ فقال‏:‏ إنه سائل وللسائل حق، وليتمنين يوم القيامة أنها كانت رضفة في يده‏. وأخرج مسلم والترمذي والنسائي عن عوف بن مالك الأشجعي قال‏:‏ كنا تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال‏:‏ ‏"‏حديث : ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقلنا‏:‏ علام نبايعك‏؟‏ قال‏:‏ أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس، وتطيعوا، ولا تسألوا الناس، فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فلا يسأل أحداً يناوله إياه ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أحمد عن أبي ذر قال ‏‏‏"‏حديث : دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏: هل لك إلى البيعة ولك الجنة‏؟ قلت‏:‏ نعم‏.‏ فشرط علي أن لا أسأل الناس شيئا‏ً.‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ولا سوطك إن سقط منك حتى تنزل فتأخذه‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد عن ابن أبي مليكة قال‏:‏ ربما سقط الخطام من يد أبي بكر الصديق فيضرب بذراع ناقته، فينيخها فيأخذه فقالوا له‏:‏ أفلا أمرتنا فنناولكه‏؟‏ فقال‏:‏ إن حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن لا أسأل أحداً شيئا‏ً. وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ ‏"‏حديث : من يبايع‏؟ فقال ثوبان: بايعنا يا رسول الله. قال: على أن لا تسألوا أحداً شيئاً. فقال ثوبان: فما له يا رسول الله؟ قال: الجنة‏.‏ فبايعه ثوبان‏.‏ قال أبو أمامة‏.‏ فلقد رأيته بمكة في أجمع ما يكون من الناكدة، يسقط سوطه وهو راكب فربما وقع على عاتق الرجل، فيأخذه الرجل فيناوله فما يأخذه منه حتى يكون هو ينزل فيأخذه ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ثوبان قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ ‏"حديث : ‏من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئاً وأتكفل له بالجنة‏؟ فقلت‏:‏ أنا‏.‏ فكان لا يسأل أحداً شيئا‏ً.‏ ولابن ماجة، فكان ثوبان يقع سوطه وهو راكب فلا يقول لأحد ناولنيه حتى ينزل فيأخذه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن حكيم بن حزام قال ‏‏"‏حديث : ‏سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال‏:‏ يا حكيم، هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه باشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى‏، فقلت‏:‏ يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر يدعو حكيماً ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئاً، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم‏‏ حتى توفي رضي الله عنه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن عوف ‏‏‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏ قال‏: ثلاث والذي نفسي بيده ان كنت لحالفاً عليهن، لا ينقص مال من صدقة فتصدقوا، ولا يعفو عبد عن مظلمة إلا زاده الله بها عزاً، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر‏‏ ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو يعلى عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال عمر: ‏"‏حديث : ‏‏يا رسول الله لقد سمعت فلاناً وفلاناً يحسنان الثناء، يذكران أنك أعطيتهما دينارين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لكن فلاناً ما هو كذلك، لقد أعطيته ما بين عشرة إلى مائة، فما يقول ذلك، أما والله إن أحدكم ليخرج بمسألته من عندي يتأبطها نارا‏ً. قال عمر‏:‏ يا رسول الله، لم تعطيها إياهم‏؟‏ قال‏: فما أصنع، يأبون إلا مسألتي ويأبى الله لي البخل‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي عن قبيصة بن المخارق قال ‏‏‏"‏حديث : تحملت حمالة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم اسأله فيها، فقال‏:‏ أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، ثم قال‏: يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة‏:‏ رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال‏:‏ سداداً من عيش، ورجل أصابته فاقة فحلت له المسألة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه‏:‏ لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، أو قال‏: سداداً من عيش، فما سواهن من المسألة. يا قبيصة، سحت يأكلها صاحبها سحتاً‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البزار والطبراني والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏استغنوا عن الناس ولو بشوص السواك‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البزار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏إن الله يحب الغني الحليم المتعفف، ويبغض البذي الفاجر السائل الملح‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البزار عن عبد الرحمن بن عوف قال‏:‏ ‏"‏حديث : كانت لي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة فلما فتحت قريظة جئت لينجز لي ما وعدني، فسمعته يقول‏:‏ من يستغن يغنه الله ومن يقنع يقنعه الله‏.‏ فقلت في نفسي‏:‏ لا جرم لا أسأله شيئاً‏ "‏‏. تفسير : وأخرج مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر ‏‏"‏حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة‏: اليد العليا خير من اليد السفلى، والعليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة‏ ".‏‏ تفسير : وأخرج ابن سعد عن عدي الجذامي قال‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ‏"حديث : ‏يا أيها الناس، تعلموا فإنما الأيدي ثلاثة‏.‏ فيد الله العليا، ويد المعطي الوسطى، ويد المعطى السفلى، فتغنوا ولو بحزم الحطب‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏الأيدي ثلاث‏:‏ يد الله هي العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة، فاستعفف عن السؤال ما استطعت‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن سهل بن سعد قال ‏"‏جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزى به، واحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس‏"‏‏. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس ‏". تفسير : وأخرج ابن حبان عن أبي ذر قال‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏يا أبا ذر، أترى كثرة المال هو الغنى‏؟ قلت‏:‏ نعم يا رسول الله‏.‏ قال‏: أفَتَرَى قلة المال هو الفقر‏؟ قلت‏:‏ نعم يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب‏ ". تفسير : وأخرج مسلم والترمذي عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه‏ ". تفسير : وأخرج الترمذي والحاكم وصححاه عن فضالة بن عبيد، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : طوبى لمن هدي للإِسلام، وكان عيشه كفافاً وقنع‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إياكم والطمع فإنه هو الفقر، وإياكم وما يعتذر منه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الزهد عن سعد بن أبي وقاص قال ‏"حديث : ‏أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال‏:‏ يا رسول الله، أوصني وأوجز‏.‏ فقال‏: عليك بالأياس مما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر، وإياك وما يعتذر منه‏ ". تفسير : وأخرج البيهقي في الزهد عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : القناعة كنز لا يفنى‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي عن أنس ‏‏"حديث : أن رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: أما في بيتك شيء‏؟ قال‏:‏ بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه من الماء‏.‏ قال‏:‏ ائتني بهما‏. فأتاه بهما فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فقال‏:‏ من يشتري هذين‏؟ قال رجل‏:‏ أنا آخذهما بدرهم‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثاً‏؟ قال رجل‏:‏ أنا آخذهما بدرهمين‏.‏ فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين، فاعطاهما للأنصاري وقال‏:‏ اشتر باحدهما فأنبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوماً فائتني به، فأتاه به فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوداً بيده، ثم قال‏: اذهب فاحتطب وبع فلا أرينك خمسة عشر يوماً، ففعل فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسالة لا تصلح إلا لثلاث‏:‏ لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع‏ "‏‏. تفسير : ‏وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن ماجة عن الزبير بن العوّام قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : لإِن يأخذ أحدكم أحبله فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه‏ ".‏‏ تفسير : وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لإِن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏: ‏"حديث : ‏إن الله يحب المؤمن المحترف‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والطبراني وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري ‏‏"حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏: من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله، ومن استكفى كفاه الله، ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد ومسلم والنسائي عن معاوية بن أبي سفيان قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : لا تلحفوا في المسألة، فوالله ما يسألني أحد منكم شيئاً فتخرج له مسألته مني شيئاً وأنا له كاره، فيبارك له فيما أعطيته‏ ". تفسير : وأخرج أبو يعلى عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لا تلحفوا في المسألة، فإنه من يستخرج منا بها شيئاً لم يبارك له فيه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن حبان عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن الرجل يأتيني فيسألني فاعطيه، فينطلق وما يحمل في حضنه إلا النار‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن حبان عن أبي سعيد الخدري قال "حديث : ‏‏بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ذهباً إذ أتاه رجل فقال‏:‏ يا رسول الله، اعطني فأعطاه، ثم قال‏:‏ زدني‏.‏ فزاده ثلاث مرات، ثم ولى مدبراً، فقال رسول الله: يأتيني الرجل فيسألني فاعطيه، ثم يسألني فاعطيه، ثم يولي مدبرا‏ً.‏ وقد جعل في ثوبه ناراً إذا انقلب إلى أهله‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو يعلى وابن حبان عن عمر بن الخطاب‏.‏ أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : يود رسول الله أن فلاناً يشكر، يذكر انك أعطيته دينارين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏ لكن فلاناً قد أعطيته ما بين العشرة إلى المائة، فما شكره وما يقول، إن أحدكم ليخرج من عندي بحاجته متأبطها وما هي إلا النار‏. قلت‏:‏ يا رسول الله، لم تعطيهم‏؟‏ قال‏:‏ يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والبزار وابن حبان عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ‏"حديث : ‏إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أعطيناه منها شيئاً بطيب نفس منا وحسن طعمة منه من غير شره نفس بورك له فيه، ومن أعطيناه منها شيئاً بغير طيب نفس منا وحسن طعمة منه وشره نفس كان غير مبارك له فيه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عمر أن عمر قال ‏"حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول‏:‏ أعطه من هو أفقر إليه مني‏.‏ فقال‏: خذه إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموّله، فإن شئت كله وإن شئت تصدق به وما لا فلا تتبعه نفسك‏. قال سالم بن عبد الله‏:‏ فلأجل ذلك كان عبد الله لا يسأل أحداً شيئاً ولا يرد شيئاً أعطيه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج مالك عن عطاء بن يسار ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عمر بن الخطاب بعطاء فرده عمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: لم رددته‏؟ فقال‏:‏ يا رسول الله، أليس أخبرتنا أن خيراً لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئاً‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: إنما ذلك عن المسألة، فأما ما كان غير مسألة فإنما هو رزق يرزقه الله‏. فقال عمر‏:‏ والذي نفسي بيده لا أسأل شيئاً ولا يأتيني شيء من غير مسألة إلا أخذته‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي من طريق زيد بن أسلم عن أبيه قال‏:‏ سمعت عمر بن الخطاب يقول‏:‏ فذكر نحوه‏.‏ وأخرج أحمد والبيهقي عن عائشة قالت‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏يا عائشة، من أعطاك شيئاً بغير مسألة فاقبليه، فإنما هو رزق عرضه الله إليك‏ ". تفسير : وأخرج أبو يعلى عن واصل بن الخطاب قال "حديث : ‏‏قلت‏:‏ يا رسول الله، قد قلت‏:‏ إن خيراً لك أن لا تسأل أحداً من الناس شيئا‏ً؟‏ قال‏:‏ إنما ذاك أن تسأل، وما أتاك من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه عن خالد بن عدي الجهني‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : من بلغه عن أخيه معروف من غير مسألة ولا اشراف نفس فليقبله ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله إليه‏ ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏من آتاه الله شيئاً من هذا المال من غير أن يسأله فليقبله، فإنما هو رزق ساقه الله إليه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي عن عائذ بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏من عرض له من هذا الرزق شيء من غير مسألة ولا اسراف فليتوسع به في رزقه، فإن كان غنياً فليوجهه إلى من هو أحوج إليه منه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏استغن عن الناس ولو بقضمة سواك‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن حبشي بن جنادة السلولي ‏‏"حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وأتاه أعرابي فسأله فقال‏: إن المسألة لا تحل إلا لفقر مدقع، أو غرم مفظع‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن قتادة قال‏:‏ ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ‏"حديث : ‏إن الله كره لكم ثلاثا‏ً:‏ قيل وقال، واضاعة المال، وكثرة السؤال، فإذا شئت رأيته في قيل وقال يومه أجمع وصدر ليلته حتى يلقى جيفة على رأسه لا يجعل الله له من نهاره ولا ليلته نصيباً، وإذا شئت رأيته ذا مال في شهوته ولذاته وملاعبه ويعدله عن حق الله فذلك اضاعة المال، وإذا شئت رأيته باسطاً ذراعيه يسأل الناس في كفيه فإذا أعطي أفرط في مدحهم وان منع أفرط في ذمهم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ما المعطي من سعة بأفضل من الأخذ إذا كان محتاجا‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج ابن حبان في الضعفاء والطبراني في الأوسط عن أنس قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ما الذي يعطي من سعة بأعظم أجراً من الذي يقبل إذا كان محتاجا‏ً"‏‏ تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {‏وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم‏}‏ قال‏:‏ محفوظ ذلك عند الله عالم به شاكر له، وإنه لا شيء أشكر من الله ولا أجزى لخير من الله‏.

ابو السعود

تفسير : {لِلْفُقَرَاء} متعلق بمحذوفٍ ينساقُ إليه الكلامُ كما في قوله عز وجل {أية : فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} تفسير : [النمل، الآية:12] أي اعمِدوا للفقراء أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء أو صدقاتِكم للفقراء {ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} بالغزو والجهاد {لاَ يَسْتَطِيعُونَ} لاشتغالهم به {ضَرْبًا فِى ٱلأرْضِ} أي ذهاباً فيها للكسب والتجارة وقيل: هم أهلُ الصُّفة كانوا رضي الله عنهم نحواً من أربعمائة من فقراء المهاجرين يسكنون صُفّة المسجدِ يستغرقون أوقاتَهم بالتعلم والجهاد وكانوا يخرجون في كل سَريةٍ بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ} بحالهم {أَغْنِيَاء مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ} أي من أجل تعفّفهم عن المسألة {تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ} أي تعرِف فقرَهم واضطرارهم بما تعايِنُ منهم من الضعف ورَثاثةِ الحال، والخطابُ للرسول عليه السلام أو لكل أحدٍ ممن له حظ من الخطاب، مبالغةً في بـيان وضوحِ فقرهم {لاَ يسألون الناس إلحافاً} أي إلحاحاً وهو أن يلازِمَ السائلُ المسؤولَ حتى يعطيَه من قولهم لَحفني من فضل لِحافِه أي أعطاني من فضل ما عنده والمعنى لا يسألونهم شيئاً، وإن سألوا لحاجةٍ اضْطَرَّتهم إليه لم يُلِحّوا، وقيل: هو نفيٌ لكلا الأمرين جميعاً على طريقة قوله: [الطويل] شعر : على لاحِبٍ لا يُهتدَى لمنارهِ [إذا سافه العَوْدُ الدَّيافيُّ جرجرا] تفسير : أي لا منارَ ولا اهتداء {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} فيجازيكم بذلك أحسنَ جزاء فهو ترغيبٌ في التصدق لا سيما على هؤلاء. {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّا وَعَلاَنِيَةً} أي يعُمّون الأوقاتَ والأحوالَ بالخير والصدقة، وقيل: نزلت في شأن الصديقِ رضي الله عنه حيث تصدّق بأربعينَ ألفَ دينارٍ، عشرةَ آلافٍ منه بالليل وعشرة بالنهار وعشرةٌ سراً وعشرةٌ علانية. وقيل: في علي رضي الله عنه حين لم يكن عنده إلا أربعةُ دراهمَ فتصدق بكل واحد منها على وجهٍ من الوجوه المذكورة، ولعل تقديمَ الليل على النهارِ والسرّ على العلانية للإيذان بمزية الإخفاء على الإظهار، وقيل: في رباط الخيل والإنفاق عليها {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ} خبرٌ للموصول، والفاءُ للدَلالة على سببـية ما قبلها لما بعدَها وقيل: للعطف والخبر محذوف أي ومنهم الذين الخ ولذلك جُوِّز الوقفُ على علانية {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تقدم تفسيره.

التستري

تفسير : وسئل عن قوله: {لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}[273] وعن الفرق بينهم وبين المساكين. فقال: الله تعالى وصف الفقير بصفة العدم من حال سؤال الافتقار واللجأ إليه، ووصفهم بالرضا والقنوع، فقال تعالى: {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً}[273] وهم أصحاب صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم نحو من أربعين رجلاً، ليست لهم في المدينة مساكن ولا عشائر، فهذه أحوال أقوام مدحهم الله تعالى لشدة الافتقار إليه، لا استطاعة لهم ولا قوة إلا به ومنه، هو حولهم وقوتهم، نزع عنهم قوة سكون قلوبهم إلى غيره، وهو وسوسة النفس إلى شيء دون الله تعالى، فهم بهذا الوصف أعلى حالاً، فمن ردّه الله تعالى إلى مساكنة نفسه فقال: {أية : لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ}تفسير : [الكهف:79] فردهم إلى حالتهم التي قد سكنوا إليها. وأما الفقير الذي سلمه الفقر إلى الله تعالى إن حركته في موت نفسه فهو أحسن حالاً من الذي سكن إلى حال له لمتابعة نفسه. قال عمر بن واصل: وإذا كان الفقير إلى الله عزَّ وجلَّ الراضي لا يسكن إلا بالرضا والتسليم، فقد كمل له الاسمان جميعاً الفقر والمسكنة. قال أبو بكر سمعت سهلاً يقول الفقير الفقير العاجز، وهو الفقر بلبلبة القلب إلى الله عزَّ وجلَّ، والسكون إِليه بالطاعة والمسكنة ذل، وهي المعصية لله. قال: وحكى الحسن عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما أنزلت هذه الآية: "حديث : صانعوا الفقراء ليوم ملكهم. فقيل: يا رسول الله ومتى ملكهم؟ قال: يوم القيامة "

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [الآية: 273]. قال: هذه صفة الذين حبسوا أنفسهم على الله من غير تعريض ولا إظهار جزع إلا إلى الله، فاتقوا السؤال إلا منه، فارتقت بهم أحوالهم إلى حالةٍ يستغنون بعلم الله بهم عن السؤال إياه وهو أحوال الرضا. سمعت الحسن بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت الجنيد رحمه الله يقول: وسُئل عن الفقير الصادق متى يكون مستوجبًا لدخول الجنة قبل الأغنياء بخمس مائة عام؟ قال: إذا كان الفقير معاملاً لله بقلبه موافقًا له فى جميع أحواله منعًا وعطاءً، يعد الفقر من الله نعمةً عليه، يخاف على زواله كما يخاف الغنى على زوال غناه وكان صابرًا محتسبًا مسرورًا باختيار الله له الفقر، صائنًا لدينه كاتمًا لفقره يظهر الإياس من الناس، مستغنيًا بربه فى فقره كما قال عز من قائل {لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...} الآية، قال: إذا كان الفقير بهذه الصفة دخل الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، ويُكفى فى القيامة مؤنة الموقف. وقيل فى قوله: {لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} قال: الذين وقفوا مع الله بهممهم، فلم يرجعوا منه إلى غيره. قوله تعالى: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ}. لا يتحرّكون لطلب الأرزاق. وقال محمد بن الفضل فى هذه الآية: تمنعهم علُومهم عن رفع حوائجهم إلى مولاهم. قوله تعالى: {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ}. قال ابن عطاء: يحسبهم الجاهلُ بحالهم أغنياء فى الظاهر، وهُم أشدُّ الناس افتقارًا إلى الله فى الظاهر واستغناءً به فى الباطن. وقال أيضًا: سُموا جُهالاً لجهلهم بالفقر والغنا، ولتوهمهم أن الفقر قلة الشىء والغناء كثرتهُ، ولم يعلموا أن الفقر هو الفقر إلى الله والغناء هو الاستغناء به. قوله تعالى: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ}. قال: بطيب قلوبهم وحسن حالهم وبشاشة وجوههم ونور أسرارهم وجولان أرواحهم فى ملكوت ربهم. وقال النورى: تعرفهم بسيماهم، بفرحهم بفقرهم واستقامة أحوالهم عند موارد البلاء عليهم. وقال أبو عثمان: تعرفهم بإيثار ما يملكون مع الحاجة إليه. وقال المرتعش: سيماهم: غيرتهم على فقرهم وملازمتهم إياه. قوله تعالى: {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً}. قال الجنيد رحمة الله عليه كلّت ألسنتهم عن سؤال من يملك الملك، فكيف من لا يملك!

القشيري

تفسير : أخذ عليهم سلطانُ الحقيقة كلَّ طريق، فلا لهم في الشرق مذهب، ولا لهم في الغرب مضرب. كيفما نظروا رأوا سرادقات التوحيد محدقة بهم: شعر : كأنَّ فجاجَ الأرض ضاقَتْ بِرَحْبِها عليهم فما تزداد طولاً ولا عرضا تفسير : ولا يسلم لهم نفس مع الخلق، وأنَّى بذلك ولا خَلْق!! وإذا لم يكن فإثبات ما ليس شِرْكٌ (.....) في التوحيد. والفقير الصادق واقف مع الله بالله، لا إشراف للأجانب عليه، ولا سبيل لمخلوق إليه تنظره عين الأغيار في لبسة سوى ما هو به؛ قال تعالى: {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ} فأما من كان ذا بصيرة فلا إشكال عليه في شيء من أحوالهم. تعرفهم يا محمد - أنت - بسيماهم، فليست تلك السيماء مما يلوح للبصر ولكنها سيماء تدركها البصيرة. لا إشراف عليهم إلا بنور الأحدية. ويقال: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ}: استبشار قلوبهم عند انكسار نفوسهم، وصياح أسرارهم إلى العرش (نشاطاً عنه) عند ذبول ظاهرهم عن الانتعاش. ويقال تكسر الظاهر عند تكسر الباطن وبالعكس من هذه لا يسألون الناس إلحافاً، فإن جرى منهم من الخلق بدون الإلحاف سؤال - لما يشير إليه دليل الخطاب - فذلك صيانة لهم ولسر قصتهم، لئلا يلاحظهم الخلْق بعين السؤال، وليس على سرّهم ذرة من الإثبات للأغيار. ويقال: {أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}: وقفوا على حكم الله، وأحْصَرُوا نفوسَهم على طاعته وقلوبَهم على معرفته، وأرواحَهم على محبته، وأسرارَهم على رؤيته.

اسماعيل حقي

تفسير : {للفقراء} اى اجعلوا ما تنفقونه للفقراء {الذين أحصروا فى سبيل الله} اى حبسوا نفوسهم فى طاعته من الغزو والجهاد {لا يستطيعون} لاشتغالهم به {ضربا فى الأرض} اى ذهابا فيها وسيرا فى البلاد للكسب والتجارة وقيل هم اصحاب الصفة وهم نحو من اربعمائة رجل من مهاجرى قريش لم يكن لهم مساكن فى المدينة ولا عشائر فكانوا فى صفة المسجد وهى سقيفته يتعلمون القرآن بالليل ويرضخون النوى بالنهار وكانوا يخرجون فى كل سرية بعثها رسول الله فكان من عنده فضل اتاهم به اذا امسى وعن ابن عباس رضى الله عنهما حديث : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما على اصاحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال "ابشروا يا اصحاب الصفة فمن لقى الله من امتى على النعت الذى انتم عليه راضيا بما فيه فانه من رفقائى ". تفسير : {يحسبهم الجاهل} اى يظنهم الجاهل بحالهم وشأنهم {أغنياء من التعفف} اى من اجل تعففهم عن المسألة وهو ترك الطلب ومنع النفس عن المراد بالتكلف استحياء {تعرفهم} اى تعرف فقرهم واضطرارهم {بسيماهم} اى بما تعاين منهم من الضعف ورثاثة الحال. والسيما والسيمياء العلامة التى تعرف بها الشىء {لا يسألون الناس إلحافا} مفعول له ففيه نفى السؤال والالحاف جميعا اى لا يسألون الناس اصلا فيكون الحافا والالحاف الالزام والالحاح وهو ان يلازم السائل المسئول حتى يعطيه ويجوز السؤال عند الحاجة والاثم مرفوع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لان يأخذ احدكم حبله فيذهب فيأتى بحزمة حطب على ظهره فيكف بها وجهه خير له من ان يسأل الناس اشياءهم اعطوه او منعوه ". تفسير : وعن النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الله يحب الحى الحليم المتعفف ويبغض البذى السائل الملحف ". تفسير : {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} فيجازيكم بذلك احسن جزآء فهو ترغيب فى التصدق لا سيما على هؤلاء ثم زاد التحريض عليه بقوله.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {للفقراء}: متعلق بمحذوف، أي: يعطي ذلك للفقراء، أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء، والإلحاف،: هو الإلحاح في السؤال، وهو أن يلازم المسؤول حتى يعطيه، وهو منصوب على المصدر أو الحال. يقول الحقّ جلّ جلاله: تجعلون ما تنفقونه {للفقراء الذين أحصروا} أي: حبسوا أنفسهم في {سبيل الله} وهو الجهاد، {لا يستطيعون ضرباً في الأرض} أي: ذهاباً في الأرض للتجارة أو للأسباب، بل شغلهم الجهاد والتبتل للعبادة عن الأسباب، وهم أهل الصُّفَّة، كانوا نحواً من أربعمائة من فقراء المهاجرين، يسكنون صفة المسجد، يستغرقون أوقاتهم في العلم والذكر والعبادة، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس رضي الله عنه: "وقف النبيّ صلى الله عليه وسلم يوماً على أصحاب الصفة، فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلبوهم، فقال: "حديث : أبشروا يا أصحاب الصفة، فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه، راضياً بما فيه فإنه، من رفقائي ". تفسير : وقيل: المراد الفقراء مطلقاً، حصرهم الفقر عن الضرب في الأرض للتجارة، {يحسبهم الجاهل} بهم {أغنياء من التعفف}، أي: من أجل تعففهم عن السؤال، {تعرفهم بسيماهم} من الضعف ورثاثة الحال. الخطاب للرسول، أو لكل أحد {لا يسألون الناس إلحافاً}، أي: لا يسألون، وإن سألوا عن ضرورة لم يلحوا، وقيل: نفي للأمرين معاً، ليس لهم سؤال، فيقع فيه إلحاف، كقول الشاعر: شعر : على لا حِبٍ لا يُهْتَدى بمنَارِه تفسير : وليس ثَمَّ لا حب ولا منار، وإنما المراد نفيهما، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : منْ سأَلَ، وله أربعونَ دِرهماً، فَقَدْ سأل إلحافاً ". تفسير : {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} فيجازي على القليل والكثير، وهذا ترغيب في الإنفاق، وخصوصاً على هؤلاء. الإشارة: ما أفلح من أفلح، وخسر مَنْ خسر، إلا من نفسه وفلسه، فمن جاد بهما، أو بأحدهما، فقد فاز وأفلح وظفر بما قصد، والجود بالنفس أعظم، وهو يستلزم الجود بالفلس، والجود بالفلس، إن دام، يوصل إل الجود بالنفس، والمراد بالجود بالنفس: إسلامها للشيخ يفعل بها ما يشاء، وتكون الإشارة فيها كافية عن التصريح، ومن بخل بهما أو بأحدهما، فقد خسر وخاب في طريق الخصوص، ومصرف ذلك هو الشيخ، أو الفقراء المنقطعون إلى الله؛ الذي حصروا أنفسهم في سبيل الله، وهو الجهاد الأكبر. قال في القوت: وكان بعض الفضلاء يؤثر بالعطاء فقراء الصوفية دون غيرهم، فقيل له في ذلك، فقال: لأن هؤلاء هممهم الله عزّ وجلّ، فإذا ظهر منهم فاقة تَشَتَّتَ قلبُ أحدِهم، فلأنْ أرد هِمة واحدٍ إلى الله أحب إليّ من أن أعطي ألفاً من غيرهم ممن همه الدنيا. فذكر هذا الكلام لأبي القاسم الجنيد، فقال: هذا كلام ولي من أولياء الله. ثم قال: ما سمعت كلاماً أحسنَ من هذا. وبلغني أن هذا الرجل اقتر حاله في أمر الدنيا حتى همّ بترك الحانوت؛ فبعث إليه الجنيد بمال كان صرف إليه، وقال له: اجعل هذا في بضاعتك، ولا تترك الحانوت فإنَّ التجارة لا تضرُّ مثلك. ويقال: إن هذا لم يكن يأخذ من الفقراء ثمن ما يبتاعون منه. هـ. وكان عبد الله بن المبارك يصرف مصروفه لأهل العلم، ويقول: إني لا أعرف بعد النبوة أفضل من العلماء، فإذا اشتغل قلب أحدهم بالحاجة والعيلة لم يتفرغ للعلم، ولا يقبل على تعليم الناس، فرأيت أن أكفيهم أمر الدنيا؛ لأفرغهم للعلم، فهو أفضل. هـ. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة وعاصم وابن عامر {يحسبهم} - بفتح السين - الباقون بكسرها. قال مجاهد، والسدي: الفقراء مذكورون في الآية هم فقراء المهاجرين. وقال أبو جعفر (ع) نزلت في أصحاب الصّفة. والعامل في الفقراء محذوف وتقديره النفقة للفقراء وقد تقدم ما يدل عليه. وقال بعضهم هو مردود على اللام الاولى في قوله: {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} قال الرماني هذا لا يجوز لأن بدل الشيء من غيره لا يكون إلا والمعنى يشتمل عليه. وليس كذلك ذكر النفس ها هنا، لأن الانفاق لها من حيث هو عائد عليها، وللفقراء من حيث هو. واصل إليهم وليس من باب {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} لأن الأمر لازم للمستطيع خاصة ولا يجوز أن يكون العامل فيه {تنفقوا} لأنه لا يفصل بين العامل والمعمول فيه بما ليس منه كما لا يجوز كانت الحمى تأخذ. اللغة: وقوله: {الذين أحصروا} فالاحصار منع النفس عن التصرف لمرض أو حاجة أو مخافة والحصر هو منع الغير وليس كالأول، لأنه منع النفس. وقال قتادة وابن زيد: منعوا أنفسهم من التصريف في التجارة للمعاش خوف العدو من الكفار. وقال السدي: منعهم الكفار والخوف منهم، ولو كان الأمر على ما ذكر لكان حصروا لأن الذي يمنعه العدو محصور والذي يمنع نفسه محصر، ويحسبهم - بفتح السين وكسرها - لغتان ومعناه يظنهم ولا يعرف حالهم {أغنياء من التعفف} وقوله: {لا يستطيعون ضرباً في الأرض} ليس معناه أنهم لا يقدرون وإنما معناه أنهم ألزموا أنفسهم أمر الجهاد فمنعهم ذلك من التصرف كقولك: أمرني الوالي أن أقيم، فما أقدر أن أبرح معناه ألزمت نفسي طاعته لا أني لا أقدر عليه. وتقول ضربت في الأرض ضرباً ومضرباً إذا سرت فيها وضرب الجرح إذا آلم ضرباناً وضرباً، وضرب الفحل الناقة: إذا طْرقها ضرباً والضريب. الجليد تقول: ضربت الأرض وجلدت. رواه الكسائي. وقوله: {تعرفهم بسيماهم} فالسيما العلامة. المعنى: وقال مجاهد: معناه ها هنا التخشع. وقال السدي، والربيع: علامة الفقر وأصل سيما الارتفاع لأنها علامة رفعت للظهور. ومنه السؤم في البيع: وهو الزيادة في مقدار الثمن، للارتفاع فيه عن الحد. ومنه سوم الخسف للتوقع فيه بتحميل ما يشق. ومنه سوم الماشية إرسالها في المرعى. وقوله: {لا يسألون الناس إلحافاً} لا يدل على أنهم كانوا يسألون غير إلحاف - في قول الفراء، والزجاج، والبلخي، والجبائي - وإنما هو كقولك ما رأيت مثله. وأنت لم ترد أن له مثلاً ما رأيته وإنما تريد أنه ليس له مثل فيرى. وقال الزجاج معناه لم يكن سؤال، فيكون إلحاح كما قال امرؤ القيس: شعر : على لاحب لا يهتدى بمناره إذا سافه العود النباطي جرجرا تفسير : والمعنى لا منار به فيهتدى بها، وإنما وجهوه على ذلك، لأن في الكلام دليلاً عليه، لأنه (تعالى) وصفهم بالتعفف والمعرفة بسيماهم دون الافصاح بسؤالهم لأنهم لو أفصحوا به لم يحسبهم الجاهل أغنياء، لأنه إنما يجهل ما ينال بالاستدلال وإنما جاز هذا الاختصاص بالذكر لأن المعنى نفي صفة الذم عنهم. وقوله: {إلحافاً} قال الزجاج هو مأخوذ من اللحاف لاشتماله على وجوه الطلب في المسألة كاشتمال اللحاف في التغطية وقال غيره: لأنه يلزم لزوم اللحاف في غير وقته. وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة في الاستطاعة، لأنه تعالى إذا عذر من لا يستطيع للمخافة كان من لا يستطيع لعدم القدرة أعذر. وقوله {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} معناه يجازيكم عليه كما قال {وما تنفقوا من خير يعلمه الله}.

الجنابذي

تفسير : {لِلْفُقَرَآءِ} جواب لسؤالٍ تقديره قد علم فضل الانفاق وكيفيّته فلمن الانفاق؟ - فقال: الانفاق للفقراء {ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} اى حبسهم الله فى السّبيل بحيث لا يمكنهم السّير والترقّى او احصرهم الله بالامراض البدنيّة والشّؤن النّفسانيّة عن المكاسب، او أحصرهم الرّسول (ص) او أنفسهم عن المكاسب، او المعنى احصروا حال كونهم فى سبيل الله بالتعلّم والعبادة والتهيّوء للجهاد، فى الخبر: انّها نزلت فى اصحاب الصّفة وقيل: انّ اصحاب الصّفة كانوا نحواً من اربعمائةٍ كانوا فى صفّة المسجد لم يكن لهم فى المدينة مأوىً ولا عشائر، اشتغلوا بالتعلّم والعبادة وكانوا يخرجون فى كلّ سريّة يبعثها رسول الله (ص) فحثّ الله النّاس على الانفاق عليهم وللاهتمام بهم والحثّ عليهم اقتصر فى بيان مصارف الصّدقة عليهم {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ} للسّلوك الى الآخرة او للمكاسب {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ} بحالهم او مطلقاً {أَغْنِيَآءَ مِنَ} اجل {ٱلتَّعَفُّفِ} عن السّؤال {تَعْرِفُهُم} الخطاب للرّسول (ص) او عامّ لكلّ من يتأتّى منه الخطاب {بِسِيمَاهُمْ} السّومة بالضمّ والسّيمة والسّيما بالقصر والسّيماء بالمدّ والسّيمياء بزيادة الياء والمدّ، وبالكسر فى الاربعة بمعنى العلامة يعنى انّ علامة الفقر عليهم ظاهرة من رثاثة الحال وصفرة الوجه واغبرار اللّون {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} سؤال الحاح او مفعول مطلق من غير لفظ الفعل او حال {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} كرّره لتأكيد الشّرطيّة السّابقة فانّ توفية تمام المنفق تقتضى العلم بتمامه وللاهتمام والتّأكيد فى حقّ هؤلاء الفقراء كأنّه قال: وما تنفقوا من خيرٍ عليهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} فيجازيكم عليه.

الهواري

تفسير : قوله: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ} قال الحسن: أحصرهم الفقر وهم أهل تعفف. {يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ} بفقرهم {أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} أي بتعففهم، أي فأعطوهم من نفقاتكم. قال مجاهد: هم مهاجرو قريش بالمدينة مع النبي عليه السلام، أمر الله بالصدقة عليهم. وقال الكلبي: هم أصحاب صُفّة مسجد النبي عليه السلام، قوم لم تكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر، وكانوا يلتمسون الرزق بالنهار بالمدينة، ويأوون إلى صفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسوا، وهم الذين أحصروا في سبيل الله. قال: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} أي: بعلاماتهم {لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} [أي إلحاحاً] ذكروا عن أبي ذر أنه قال: من كانت له أربعون ثم سأل فقد ألحف، يعني أربعين درهماً: وبعض الفقهاء يقول: إذا كانت له خمسون درهماً لم تحل له الصدقة. عامة فقهائنا: أبو عبيدة وغيره، يقولون: صاحب الخادم والمسكن والغلام وصاحب المائة والمائتين يعطى من الزكاة إذا كان لا تقوتهم ولا يبلغ ما في يديه قوتهم. وقد يستحب لصاحب المائتين والخادم والمسكن والغلام أن يستعفف عن المسألة وعن الأخذ، وإن أخذ فلا بأس. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن المسكين ليس بالطواف الذي ترده التمرة والتمرتان والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غناء يغنيه ولا يسأل الناس إلحافاً . تفسير : قوله: {وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} من مال {فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} أي يحفظه لكم حتى يجازيكم به. قوله: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْْوَالَهُم بِالَّيْلِ والنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} أي: في الآخرة {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي على الدنيا. ذكر بعضهم أنها نزلت في علف الخيل. وذكروا أن هذه الآية لما نزلت حديث : عمد رجل من فقراء المسلمين إلى أربعة دراهم، لا يملك غيرها، فقال: إن الله يقول: {الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار سراً وعلانية}. فتصدّق بدرهم بالليل ودرهم بالنهار، وبدرهم في السر ودرهم في العلانية؛ فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:أأنت الذي أنفقت درهماً بالليل ودرهماً بالنهار، ودرهماً في السر ودرهماً في العلانية؟ فقال الرجل: الله ورسوله أعلم؛ إن كان الله أطلع رسوله على شيء فهو ما أطلعه عليه؛ فقال له رسول الله: نعم، قد أطلعني الله على فعلك، والذي نفسي بيده ما تركت للخير مطلباً إلا وقد طلبته، ولا من الشر مهرباً إلا وقد هربت منه؛ اذهب فقد أعطاك الله ما طلبت، وآمنك مما تخوفت .

اطفيش

تفسير : {لِلْفُقَراء الَّذِينَ أحْصِرُوا فِى سَبِيل اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضرباً فى الأَرْضِ}: كأنه لما حث الله تبارك وتعالى على الإنفاق فى الآيات السابقات سأل سائل: لمن هى؟ فأجاب بقوله {للفقراء}، فهو خبر لمحذوف أى الصدقات المحثوث عليها للفقراء، أو يتعلق بفعل مقدر هكذا اعمدوا للفقراء، أو هكذا اجعل ما تنفقونه للفقراء، وقيل يتعلق بتنفقوا، الأول أى ما تنفقوا للفقراء من خير فلأنفسكم، وبين اللامين اختلاف، لأن النفقة نفع للفقير فى الدنيا، ونفع للمنفق فى الآخرة، أو اللام بمعنى على، أى ما تنفقوا على الفقراء من خير فلأنفسكم، ومعنى: {أحصروا فى سبيل الله}، حبسوا نفسهم على طاعة الله عموما كتعلم القرآن والصلاة وجهاد أعداء الدين، وقيل: المراد الجهاد فى سبيل الله، ومعنى: {لا يستطيعون ضربا فى الأرض} لا يستطيعون التفرغ للتجار وطلب المعاش لاشتغالهم بالجهاد، وقيل لضعف أجسامهم لجراحات أصابتهم فى الجهاد فى سبيل اللَّه، وقيل لا يستطيعون الجهاد لشدة فقرهم، وروى أنهم فقراء المهاجرين نحو أربعمائة رجل من قريش يستكنون صفة المسجد، يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والعبادة، ويخرجون فى كل سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن لهم بالمدينة مساكن ولا عشائر، يأون إلى صفة المسجد يتعلمون القرآن بالليل، ويرضخون النوى بالنهار، حث الله بالصدقة عليهم، فكان من له فضل أتاهم به إذا أمسى، والمتبادر فى عرف القرآن: من سبيل الله الجهاد، والضرب فى الأرض الذهاب فيها أيضا، للتجر فى عرف القرآن، والإحصار أن يحول بين الرجل والسفر مرض أو عدو أو شغل مهم. وعن ابن عباس: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال: "حديث : أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقى من أمتى على النعت الذى أنتم عليه راضيا بما فيه فإنه من رفقائى ". تفسير : {يَحْسبُهُم الجَاهِلُ}: جاهل حالهم، أى من جهل أنهم فقراء. {أغنياءَ منَ التَّعفُّفِ}: متعلق بيحسب، ومن للتعليل، أى يظنهم جاهل فقرهم أغنياء لأجل تعففهم عن السؤال والتملق لصاحب المال، والخضزع له، والتعفف عن الشئ: تركه، وهو تفعل من العفة للمبالغة، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين فى يحسبهم وتحسبهم ويحسبون ويحسبه ويحسبن فى جميع القرآن، والباقون بكسرها فى جميعه. {تَعْرِفُهم بِسِيمَاهُم}: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح أن بعرفهم {بسيماهم}، وهى علامتهم من الخشوع والتواضع، عند مجاهد، وقال الربيع بن أنس، والسدى، من أثر الجهد من الحاجة والفقر والضعف، صفرة ألوانهم من الجوع، ورثاثة ثيابهم ولباسهم، ونسب لابن زيد، وقال قوم: هى أثر السجود، واستحسنه بعضهم، لأن همتهم الصلاة، وهذه الأقوال غير الأول والأخير قد تنافى قوله: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} اللهم إلا أن يقال المعنى جاهل حالهم لا يرى فيهم شيئا مما يعرف به الفقراء من عدم التعفف، وإنما يعرفهم بعلامتهم المذكورة من لونهم ولباسهم وضعفهم، وقيل سيماهم هيبة تقع فى قلوب من رآهم يتواضع لهم بها لإخلاصهم، كما أن الأسد تهابه السباع والوحوش والأنعام والدواب بطبعها لا بالتجربة، والبازى إذا طار نفرت منهُ الطيور الضعيفة. {لا يَسْألُونَ النَّاسَ إلحْافاً}: أى إلحاحاً، وهو أن يلازم السائل المسئول حتى يعطيه، وأصل الإلحاف الإعطاء من فضل الماء ولو بلا لزوم، وإذا ألجأتهم الضرورة إلى السؤال سألوا بلا إلحاح، وقال الجمهور: المعنى نفى المقيد فيلزم انتفإء القيد، أى نفى الله السؤال رأسا، فلا إلحاح، لأن الإلحاح فى السؤال وهو أبلغ فى المدح وأنسب بقوله: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف}، ولا يلزم ذلك إلا من يسأل نادراً للضرورة بلا إلحاح ولا تملق ولا خضوع لذى مال يخفى حاله، ويحسب غنيا، والمقصود فى القولين خصوصا قول الجمهور ذم من يسأل إلحافا، ومن قول الجمهور قول الشاعر: شعر : على لاحب لا يهتدى بمناره تفسير : أى ليس له منار يهتدى به، واللاحب الطريق الواضح، وعن أبى ذر: من كانت له أربعون درهما ثم سأل فقد ألحف، وبعض الفقهاء يقولون إذا كانت له خمسون درهما لم تحل له المسألة والصدقة: وعامة فقهائنا أبو عبيدة وغيره يقولون: صاحب الخادم والمسكن والغلام؛ وصاحب المائة والمائتين يعطى من الزكاة إذا كان لا تقوتهم، ويسحب له إن يعف، وذكروا عنه عليه السلام: "حديث : أن المسكين ليس بالطواف الذى ترده التمرة والتمرتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذى لا يجد غنى نفسه ولا يسأل الناس إلحاف"تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس الغنى عن كثرة العَرَض ولكن الغنى غنى النفس"تفسير : وفى رواية: "حديث : ليس المسكين الذى ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذى لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن به فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس"تفسير : ، فقيل الفرق بين الفقير والمسكين لهذا أن المسكين لا يسأل، وقد يقال المراد أن المسكين المعتبر فى كثرة الثواب هو من صفته ذلك؛ فقال الزبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يأت الجبل فيأتى بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها خير له من أن يسأل الناس أعطوه أم منعوه"تفسير : وعن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته فى وجهه خموش أو خدوش أو كدوح قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يغنيه قال خمسون درهما أو قيمتها من الذهب"تفسير : والحديث بهذا اللفظ فى أبى داود والنسائى والترمذى، وببعض مخالفة لذلك اللفظ وإسقاط فى السؤالات وأفردت كتابا صغيرا فى حديث: "حديث : ملعون من سأل بالله"تفسير : وذكرت فيه هذه الأحاديث وسقته فى شرح النيل بتمامه، وفيه فوائد، ومنه حديث أبى سعيد عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سأل وله قيمة أوقية فقد الحف"تفسير : قال هشام: وكانت: الأوقية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين درهما، وقد روى: "حديث : من سأل وله أربعون درهما فهو ملحف" تفسير : وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقلل أو يستكثرا"تفسير : وأفاد الحديث المذكور فيه الخموش أن الإثم فى سؤال من لهُ خمسون درهما أعظم منه فى سؤال من له أربعون، لأنه وصف بالإلحاف، ووصف صاحب الخمسين بالخموش، وذكر علىّ: ثلاثا فى المناجاة وثلاثا فى الحكمة وثلاثا فى الأدب، قال فى المناجاة: شعر : كفانى فخرا أن تكون لى ربا وكفانى عزا أن أكون لك عبدا وأنت كما أحب فاجعلنى كما تحب تفسير : وقال فى الحكمة: شعر : قيمة كل امرئ ما يحسنه وما هلك امرؤ عرف قدر نفسه والمرء مخبو تحت لسانه تفسير : وقال فى الأدب: شعر : استغن عمن شئت فأنت نظيره وتفضل على من شئت فأنت أميره واضرع إلى من شئت فأنت أسيره. تفسير : وإلحافا مفعول مطلق لتضمن السؤال هنا معنى الإلحاح، أى لا يلحفون فى سؤالهم إلحافا أو لكون الإلحاح نوعا من السؤال أو التقدير مضاف أى لا يسألون الناس سؤال إلحاف، أو حال لتقديره بالوصف، أى لا يسألون الناس ملحفين، أو لتقدير مضاف أى ذوى إلحاف أو مفعول مطلق لجملة حال محذوفة أو لحال مفردة محذوف أى لا يسألون الناس يلحفون إلحافا أو ملحفين إلحافاً. {وما تُنْفقُوا منْ خَيْرٍ فإنَّ اللَّهَ بهِ عَليمٌ}: فيجازيكم به دنيا وأخرى، ولا سيما ما تنفقون على هؤلاء الفقراء الموصوفين، وقال أبو سعيد: بينما نحن فى سفر مع النبى صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على راحلته، فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا، وقال النبى صلى الله عليه وسلم:"حديث : من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له"تفسير : فذكر أصنافا من المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا فى فضل، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا"تفسير : ، ولعله أراد بآله متبعيه إلى يوم القيامة، وعن أنس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من غنى ولا فقير إلا ود يوم القيامة أنه أوتى من الدنيا قوتاً"تفسير : قال أبو إمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنك إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك ولا تلام على كفاف وابدأ بمن تعوله واليد العليا خير من اليد السفلى "

اطفيش

تفسير : {لِلْفُقَرَآءِ} اجعلوا من صدقاتكم أو نفقاتكم لهؤلاء الفقراء، وخصهم بالذكر تنويها بشأنهم وترغيبا فى حالهم، واجعلوا لغيرهم، أو الآية لهم فقط، وأما غيرهم فمن الآى الأخر والأحاديث، أى صدقاتكم المذكورة لهم، أو اجعلوا ما تنفقون لهم، أو اعمدوا لهم، كأنه قيل، لمن هذه الصدقات؟ فقال: هى للفقراء والأولى أولى، كام إذا شرعت فى ذكر من يتأهل للصدقة، فقلت: أعط زيداً، أعط عمراً، ولست تريد الحصر فيهما، ويبعد تعليقه بقوله تنفقوا للفصل بالجواب، وعليه فالتأخير لطول الكلا عليهم {الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللهِ} أحصروا أنفسهم فى الجهاد والعمل لمرضاة الله عن الكسب، أو حصرهم الجهاد والعمل، وهو على عمومه لوجود الوصف فى غير أهل الصفة، ودخل أهل الصفة فيه دخولا أوليا، وكانوا نحو أربعمائة من فقراء المهاجرين، وعبارة بعض، نحوا من ثلاثمائة، ويزيدون ونيقصون، وأكثرهم من قريش، وهم فقراء لا مساكن لهم ولا مال ولا عشيرة ولا أزواج فى المدينة، سكنوا صفة المسجد، بضم الصاد وشد الفاء، وهى موضع متطاول على الأرض مسقف، يتعلمون القرآن ليلا، كارهون لفرقته صلى الله عليه وسلم، ويرضخون النوى نهاراً بأجرة، ويصنعون ما أمكن لهم من الصنعة الخفيفة، كصنعة الخوص والخياطة، ويخرجون للغزو فى كل سرية أو عسكر، وقيل، قوم جرحوا فى سبيل الله عز وجل، وعنه صلى الله عليه وسلم: ليس المسكين الذى ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذى يتعفف، اقرأوا إن شئتم لا يسألون الناس إلحافا، يعنى الضر الذى يلحق المتعفف فوق الضر الذى يلحق المسكين الذى يظهر المسكنة فيعطى {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً} ذهابا {فِى الأَرْضِ} للتجر، لا يجدون ذلك من أنفسهم، وهم أصحاء، لأنهم مولعون برؤية النبى صلى الله عليه وسلم والجهاد {يَحْسَبُهُمُ} بظنهم {الْجَاهِلُ} لفقرهم {أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} لتعففهم عن المسألة، وهو ترك الشىء والإعراض عنه مع العدرة عليه، وهو هنا ترك السؤال، وترك التلويح، وترك الطمع، وما يشعر به، وهو أبلغ من العفة، ومن للتعليل متعلق بيحسب، وأجيز كونها للابتداء، لأن حسبانهم أغنياء نشأ من التعفف، حتى إنهم يسقطون خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الصلاة للجوع، ويحسبهم الأعراب لذلك من المجانين، قال أبو هريرة: من أهل الصفة سبعون رجلا ليس لواحد منهم رداء {تَعْرِفُهُمْ} يا محمد، وبا كل من يصلح للمعرفة، أى تعرف صلاحهم المدلول عليه بالمقام {بِسِيمَٰهُمْ} بعلامتهم من التواضع وتحمل شدة الحاجة وتعففهم وحبس أنفسهم على العبادة والجهاد وترك الإلحاح فى مؤاجرتهم إذا استؤجروا، أو تعرف فقرهم بعلامتهم، وهى لباسهم وشحوبهم وظهور جوعهم، فمن لم ينظر فى ذلك ظنهم أغيناء، ومن نظر فيه بعد ذلك، أو من أول عرف فقرهم، وليس السيمة مقلوبة من الوسم، بمعنى جعل العلامة، أخرت الواو عن السين المسكورة، فقلبت ياء، بوزة عقلة، لوجود التصرف فيها بمعنى العلامة، كقوله تعالى: {أية : والخيل المسومة} تفسير : [آل عمران: 14] أى المعلمة، كما جعلت كتب اللغة القديمة والجديدة السيماء فى باب فاء السين وعين الواو {لاَ يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} إلحاحاً، بل إذا ألجأتهم ضرورة سألوا بلا إلحاح، وهذا مدح عظيم، بأنهم لم يصدر منهم إلحاح ولو اضطروا، ومن شأنه ذلك لا يسأل لغير ضرورة، أو لا سؤال ولا إلحاح لظهور التعفف وظن الجاهل أنهم أغنياء كما قال ابن عباس رضى الله عنه، نفياً للقيد والمقيد معا، لجواز ذلك، ولو لم يكن القيد لازما للمقيد، أو كاللازم إذا كان فى الكلام ما يقتضيه، وفى الآية ما يقتضيه، فإن التعفف حتى يظنوا أغنياء يقتضى عدم السؤال، وأيضا لو سألوا لعرفوا بالسؤال، واستغنى بالعرفان بالسيماء، وأقول الباب لا شرط سوى ظهور المراد، ومن ذلك قوله: {أية : بغير عمد ترونها} تفسير : [الرعد: 2 لقمان: 10] فإنه لا عمد ولا رؤية لها، وإلحافا معمول ليسأل لتضمنه فى الآية يلحف، أو يقدر سؤال إلحاف بتقدير مضاف، أو حال، أى ذوى إلحاف، أو مفعول مطلق لحال محذوف، أو ملحفين إلحافا {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} ترغيب فى الصدقة ولا سيما على هؤلاء.

الالوسي

تفسير : {لِلْفُقَرَاء} متعلق بمحذوف ينساق إليه الكلام ولهذا حذف أي اعمدوا للفقراء أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء أو صدقاتكم للفقراء، والجملة استئناف مبني على السؤال، وجوز أن يكون الجار متعلقاً بقوله تعالى: {أية : وَمَا تُنفِقُواْ} تفسير : [البقرة: 272] وقوله سبحانه: {أية : وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } تفسير : [البقرة: 272] اعتراض أي وما تنفقوا للفقراء. {ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي حبسهم الجهاد أو العمل في مرضاة الله تعالى يوف إليكم ولا يخفى بعده {لاَ يَسْتَطِيعُونَ} لاشتغالهم بذلك {ضَرْبًا فِي ٱلأَرْضِ} أي مشياً فيها وذهاباً للتكسب والتجارة وهم أهل الصفة رضي الله تعالى عنهم، قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي ـ وكانوا نحواً من ثلثمائة ويزيدون وينقصون من فقراء المهاجرين يسكنون سقيفة المسجد يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والجهاد وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن سعيد بن جبير هم قوم أصابتهم الجراحات في سبيل الله تعالى فصاروا زمنى فجعل لهم في أموال المسلمين/ حقاً؛ ولعل المقصود في الروايتين بيان بعض أفراد هذا المفهوم ودخوله فيه إذ ذاك دخولاً أولياً لا الحصر إذ هذا الحكم باق إلى يوم الدين. {يَحْسَبُهُمُ} أي يظنهم {ٱلْجَاهِلُ} الذي لا خبرة له بحالهم. {أَغْنِيَاء مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ} أي من أجل تعففهم على المسألة ـ فمن ـ للتعليل وأتى بها لفقد شرط من شروط النصب وهو اتحاد الفاعل، وقيل: لابتداء الغاية والمعنى إن حسبان الجاهل غناهم نشأ من تعففهم، والتعفف ترك الشيء والإعراض عنه مع القدرة على تعاطيه، ومفعوله محذوف اختصاراً كما أشرنا إليه، وحال هذه الجملة كحال سابقتها. {تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ} أي تعرف فقرهم واضطرارهم بالعلامة الظاهرة عليهم كالتخشع والجهد ورثاثة الحال. أخرج أبو نعيم عن فضالة بن عبيد قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى بالناس تخر رجال من قيامهم في صلاتهم لما بهم من الخصاصة وهم أهل الصفة حتى يقول الأعراب إن هؤلاء مجانين». وأخرج هو أيضاً عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «كان من أهل الصفة سبعون رجلاً ليس لواحد منهم رداء» والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل من له حظ من الخطاب مبالغة في بيان وضوح فقرهم، ووزن ـ سيما ـ عفلا لأنها من الوسم بمعنى السمة نقلت الفاء إلى موضع العين وقلبت ياءاً لوقوعها بعد كسرة. {لاَ يَسْـئَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا} أي إلحاحاً وهو أن يلازم المسؤول حتى يعطيه من قولهم لحفني من فضل لحافه أي أعطاني من فضل ما عنده، وقيل: سمي الإلحاح بذلك لأنه يغطي القلب كما يغطي اللحاف من تحته ونصبه على المصدر فإنه كنوع من السؤال أو على الحال أي ملحفين، والمعنى أنهم لا يسألون أصلاً ـ وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وإليه ذهب الفراء والزجاج وأكثر أرباب المعاني ـ وعليه يكون النفي متوجهاً لأمرين على حد قول الأعشى:شعر : لا يغمز الساق من ـ أين ومن وصب ـ ولا يغص على ـ شرسوفة الصغر ـ تفسير : واعترض بأن هذا إنما يحسن إذا كان القيد لازماً للمقيد أو كاللازم حتى يلزم من نفيه نفيه بطريق برهاني وماهنا ليس كذلك إذ الإلحاف ليس لازماً للسؤال ولا كلازمه، وأجيب بأن هذا مسلم إن لم يكن في الكلام ما يقتضيه وهو كذلك هنا لأن التعفف حتى يظنوا أغنياء يقتضي عدم السؤال رأساً، وأيضاً {تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ} مؤيد لذلك إذ لو سألوا لعرفوا بالسؤال واستغنى عن العرفان ـ بالسيما ـ وقيل: المراد إنهم لا يسألون وإن سألوا عن ضرورة لم يلحوا، ومن الناس من جعل المنصوب مفعولاً مطلقاً للنفي أي يتركون السؤال إلحاحاً أي ملحين في الترك وهو كما ترى. {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} فيجازيكم به وهو ترغيب في الإنفاق لا سيما على هؤلاء، أخرج البخاري ومسلم عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان إنما المسكين الذي يتعفف، واقرءوا إن شئتم {لاَ يَسْـئَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا}» تفسير : وتقديم الظرف مراعاة للفواصل أو إيماءاً للمبالغة.

ابن عاشور

تفسير : {للفقراء} متعلّق بتنفقون الأخير، وتعلّقه به يؤذن بتعلّق معناه بنظائره المقدّمة، فما من نفقة ذكرت آنفاً إلاّ وهي للفقراء لأنّ الجمل قد عضد بعضها بعضاً. و {الذين أحصروا} أي حبسوا وأرصدوا. ويحتمل أنّ المراد بسبيل الله هنا الجهاد؛ فإن كان نزولها في قوم جرحوا في سبيل الله فصاروا زمْنَى ففي للسبيبة والضرب في الأرض المشي للجهاد بقرينة قوله: {في سبيل الله}، والمعنى أنّهم أحقّاء بأن ينفق عليهم لعجزهم الحاصل بالجهاد؛ وإن كانوا قوماً بصدد القتال يحتاجون للمعونة، ففي للظرفية المجازية؛ وإن كان المراد بهم أهل الصفة، وهم فقراء المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم بمكة وجاؤوا دار الهجرة لا يستطيعون زراعة ولا تجارة، فمعنى أحصروا في سبيل الله عِيقوا عن أعمالهم لأجل سبيل الله وهو الهجرة، ففي للتعليل. وقد قيل: إنّ أهل الصفة كانوا يخرجون في كل سريّة يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه فسبيل الله هو الجهاد. ومعنى «أحصروا» على هذا الوجه أرصدوا. و (في) باقية على التعليل. والظاهر من قوله: {لا يستطيعون ضرباً} أنّهم عاجزون عن التجارة لقلّة ذات اليد، والضرب في الأرض كناية عن التجر لأنّ شأن التاجر أن يسافر ليبتاع ويبيع فهو يضرب الأرض برجليه أو دابّته. وجملة {لا يستطيعون ضرباً} يجوز أن تكون حالاً، وأن تكون بياناً لجملة أحصروا. وقوله: {يحسبهم الجاهل أغنياء} حال من الفقراء، أي الجاهل بحالهم من الفقر يظنّهم أغنياء، ومن للابتداء لأنّ التعفّف مبدأ هذا الحسبان. والتعفّف تكلّف العفاف وهو النزاهة عمّا يليق. وفي «البخاري» باب الاستعفاف عن المسألة، أخرج فيه حديث أبي سعيد: أنّ الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفِدَ ما عنده فقال: « حديث : ما يكون عندي من خير فلن أدّخره عنكم، ومن يستعفف يُعِفّه الله، ومن يستغنِ يُغْنِه الله، ومن يتصبّر يصبِّره الله ». تفسير : وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي وخلف ويعقوب يحسِبهم بكسر السين وقرأه الباقون بفتح السين، وهما لغتان. ومعنى {تعرفهم بسماهم} أي بعلامة الحاجة والخطاب لغير معيَّن ليعم كلّ مخاطب، وليس للرسول لأنّه أعلم بحالهم. والمخاطب بتَعْرفهم هو الذي تصدّى لتطّلع أحوال الفقراء، فهو المقابل للجاهل في قوله: {يحسبهم الجاهل أغنياء}. والجملة بيان لجملة {يحسبهم الجاهل أغنياء}، كأنّه قيل: فبماذا تصل إليهم صدقات المسلمين إذا كان فقرهم خفيّاً، وكيف يُطّلع عليهم فأحيل ذلك على مظنّة المتأمّل كقوله: { أية : إن في ذلك لآيٰت للمتوسمين } تفسير : [الحجر: 75]. والسيما العلامة، مشتقة من سَام الذي هو مقلوب وَسَم، فأصلها وِسْمَى، فوزنها عِفْلَى، وهي في الصورة فِعْلى، يدل لذلك قولهم سِمَة؛ فإنّ أصلها وِسْمَة. ويقولون سِيمى بالقصر وسِيماء بالمد وسِيميَاء بزيادة ياء بعد الميم وبالمد، ويقولون سَوّم إذا جَعَل سِمة. وكأنّهم إنّما قلبوا حروف الكلمة لقصد التوصّل إلى التخفيف بهذه الأوزان لأنّ قلب عين الكلمة متأتّ بخلاف قلب فائها. ولم يسمع من كلامهم فِعْل مجردٌ من سوّم المقلوب، وإنّما سمع منه فعل مضاعف في قولهم سَوّم فرسه. وقوله: {لا يسألون الناس إلحافاً} بيان لقوله يحسبهم الجاهل أغنياء بياناً ثانياً، لكيفية حُسبانهم أغنياء في أنّهم لا يسألون الناس. وكان مُقتضى الظاهر تقديمه على الذي قبله إلاّ أنّه أخّر للاهتمام بما سبقه من الحقّ على توسّم احتياجهم بأنّهم محصرون لا يستطيعون ضرباً في الأرض لأنّه المقصود من سياق الكلام. فأنت ترى كيف لم يغادر القرآن شيئاً من الحثّ على إبلاغ الصدقات إلى أيدي الفقراء إلاّ وقد جاء به، وأظهر به مزيد الاعتناء. والإلحاف الإلحاح في المسألة. ونُصب على أنّه مفعول مطلق مُبيّن للنوع، ويجوز أن يكون حالاً من ضمير يسألون بتأويل مُلحفين. وأيَّا ما كان فقد نفي عنهم السؤال المقيّد بالإلحاف أو المقيدون فيه بأنّهم مُلحفون ــــــ وذلك لا يفيد نفي صدور المسألة منهم ــــــ مع أنّ قوله: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} يدل على أنّهم لا يسألون أصلاً، وقد تأوّله الزجاج والزمخشري بأنّ المقصود نفي السؤال ونفيُ الإلحاف معاً كقول امرىء القيس: شعر : عَلَى لاَحِبٍ لاَ يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ تفسير : يُريد نفي المنار والاهتداء، وقرينة هذا المقصود أنّهم وصفوا بأنّهم يُحسبون أغنياء من التعفّف، ونظيره قوله تعالى: { أية : ما للظالمين من حميم ولا شفيعٍ يُطاعُ } تفسير : [غافر: 18] أي لا شفيع أصلاً، ثم حيث لا شفيع فلا إطاعة، فأنتج لا شفيع يطاع، فهو مبالغة في نفي الشفيع لأنّه كنفيه بنفي لازمه وجعلوه نوعاً من أنواع الكناية، وقال التفتازاني: «إنّما تحسن هذه الطريقة إذا كان القيد الواقع بعد النفي بمنزلة اللازم للنفي لأنّ شأن اللاّحب أن يكون له مَنار، وشأنَ الشفيع أن يُطاع، فيكون نفي اللازم نفياً للملزوم بطريق برهاني، وليس الإلحاف بالنسبة إلى السؤال كذلك، بل لا يبعد أن يكون ضدُّ الإلحاف ــــــ وهو الرفق والتلطّف ــــــ أشبه باللازم» (أي أن يكون المنفي مُطرّد اللزوم للمنفي عنه). وجوّز صاحب «الكشاف» أن يكون المعنى أنّهم إن سألوا سألوا بتلطّف خفيف دون إلحاف، أي إنّ شأنهم أن يتعفّفوا، فإذا سألوا سألوا بغير إلحاف، وهو بعيد لأنّ فصل الجملة عن التي قبلها دليل على أنّها كالبيان لها، والأظهر الوجه الأول ــــــ الذي جعل في «الكشاف» ثانياً ــــــ وأجاب الفخر بأنّه تعالى وصفهم بالتعفّف فأغنى عن ذكر أنّهم لا يسألون، وتعين أنّ قوله: {لا يسألون الناس إلحافاً} تعريض بالملحفين في السؤال، أي زيادة فائدة في عدم السؤال. {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}. أعيد التحريض على الإنفاق فذكر مرة رابعَة، وقوله: {فإن الله به عليم} كناية عن الجزاء عليه لأن العلم يكنّى به عن أثره كثيراً، فلما كان الإنفاق مرغّباً فيه من الله، وكان عِلم الله بذلك معروفاً للمسلمين، تعيَّن أن يكون الإخبارُ بأنّه عليم به أنّه عليم بامتثال المنفق، أي فهو لا يضيع أجره إذ لا يمنعه منه مانع بعد كونه عليماً به، لأنّه قدير عليه. وقد حصل بمجموع هذه المرات الأربع من التحريض ما أفاد شدة فضل الإنفاق بأنّه نفع للمنفِق، وصلة بينه وبين ربّه، ونوال الجزاء من الله، وأنّه ثابت له في علم الله.

الواحدي

تفسير : {للفقراء} أَيْ: هذه الصَّدقات والإِنفاق التي تقدَّم ذكرها {للفقراء الذين أحصروا} أَيْ: حُبسوا، أَيْ: هم فعلوا ذلك. حبسوا أنفسهم {في سبيل الله} في الجهاد. يعني: فقراء المهاجرين {لا يستطيعون ضرباً} أَيْ: سيراً {في الأرض} لا يتفرَّغُون إلى طلب المعاش؛ لأنهم قد ألزموا أنفسهم أمر الجهاد، فمنعهم ذلك من التَّصرُّف، حثَّ الله تعالى المؤمنين على الإِنفاق عليهم {يحسبهم الجاهل} يخالهم {أغنياء من التعفف} عن السُّؤال {تعرفهم بسيماهم} بعلامتهم، التَّخشُّع والتَّواضع وأثر الجهد {لا يسألون الناس إلحافاً} أَيْ: إلحاحاًً. إذا كان عندهم غداءٌ لم يسألوا عشاءً، وإذا كان عندهم عَشاءٌ لم يسألوا غداءً. {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار...} الآية. نزلت في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كان عنده أربعة دراهم لا يملك غيرها، فَتَصدَّق بدرهمٍ سرَّاً، ودرهمٍ علانيةً، ودرهمٍ ليلاً، ودرهمٍ نهاراً. {الذين يأكلون الربا} أيْ: يُعاملون به، فَنَبَّه بالأكل على غيره {لا يقومون} من قبورهم يوم القيامة {إلاَّ كما يقوم الذي يتخبَّطه الشيطان} يصيبه بجنونٍ {من المس} من الجنون، وذلك أنَّ آكل الرِّبا يُبعث يوم القيامة مجنوناً {ذلك} أَيْ: ذلك الذي نزل بهم {بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا} وهو أنَّ المشركين قالوا: الزِّيادة على رأس المال بعد مَحِلِّ الدَّين كالزِّيادة بالرِّبح في أوَّل البيع، فكذَّبهم الله تعالى فقال: {وأحلَّ الله البيع وحرَّم الربا فمن جاءه موعظة من ربه} أَيْ: وُعظ {فانتهى} عن أكل الرِّبا {فله ما سلف} أَّيْ: ما أكل من الرِّبا، ليس عليه ردُّ ما أخذ قبل النَّهي {وأمره إلى الله} والله وليُّ أمره {ومَنْ عاد} إلى استحلال الرِّبا {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}. {يمحق الله الربا} أَيْ: ينقصه ويذهب بركته وإن كان كثيراً، كما يمحق القمر {ويربي الصدقات} يربيها لصاحبها كما يُربي أحدكم فصيله {والله لا يحبُّ كل كفار} بتحريم الرِّبا مستحلٍّ له {أثيم} فاجر بأكله [مُصِرٍّ عليه].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 273- وذلك الإنفاق والبذل يكون للفقراء الذين كانوا بسبب الجهاد فى سبيل الله غير قادرين على الكسب، أو لأنهم أصيبوا فى الجهاد بما أقعدهم عن السعى فى الأرض، وهم متعففون عن السؤال يحسبهم الجاهل بحالهم أغنياء، ولكنك إذا تعرفت حالهم عرفت هذه الحالة بعلامتها. وما تبذلونه من معروف فإن الله عليم به، سيجزيكم عليه الجزاء الأوفى. 274- الذين من طبعهم السخاء تطيب نفوسهم للإنفاق فى الليل والنهار وفى العلانية والسر، لهم جزاؤهم عند ربهم، لا ينالهم خوف من أمر مستقبلهم، ولا حزن على شئ فاتهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِسِيمَاهُمْ} {يَسْأَلُونَ} (273) - اجْعَلُوا مَا تُنْفِقُونَ لِلَّذِينَ ذَكَرَ اللهُ صِفَاتِهِم الخَمْسَ، التِي هِيَ أجَلُّ الأوْصَافِ قَدْراً، وَهِيَ: (الإِحْصَارُ، وَالعَجْزُ عَنِ الكَسْبِ، وَالتَّعَفُّفُ، وَمَعْرِفَتُهُمْ بِسِيمَاهُمْ، وَعَدَمُ سُؤَالِهِمْ شَيئاً مِمَّا فِي أيدِي النَّاسِ). وَهؤُلاءِ هُمُ الفُقَرَاءُ مِنَ المُهَاجِرِينَ الذِينَ انْقَطَعُوا للهِ وَرَسُولِهِ، وَسَكَنُوا المَدِينةَ، وَلَيسَ لَهُمْ وَسيلةُ عَيْشٍ يُنْفِقُونَ مِنْها عَلَى أنْفُسِهِمْ، وَهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَفَراً لِلْبَحْثِ عَن الرِّزْقِ، وَيَحْسَبُهُمْ مَنْ لاَ يَعْرِفُهُمْ، وَلا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ حَالِهِمْ، أنَّهُمْ أغْنِيَاءُ مِنْ تَعَفَّفِهِمْ فِي لِبَاسِهِمْ وَحَالِهِمْ وَمَقَالِهِمْ، وَتَعْرِفُهُمْ بِمَا يَظْهَرُ لِذَوِي الألْبَابِ مِنْ صِفَاتِهِمْ: لاَ يُلِحُّونَ فِي المَسْألَةِ، وَلاَ يَطْلُبُونَ مِنَ النَّاسِ مَا لاَ يَحْتَاجُونَ إليهِ. وَجَميعُ مَا تُنْفِقُونَهُ مِنْ خَيرٍ فَإنَّ اللهُ عَالِمٌ بِهِ، وَسَيَجْزِيكُمْ عَلَيهِ أوْفَى الجَزَاءِ يَوَمَ القيَامَةِ. الإِحْصَارُ - هُوَ الانْقِطَاعُ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ. ضَرْباً فِي الأَرْضِ - سَفَراً فِي سَبِيْلِ الرِّزْقِ وَالتِّجَارَةِ. سِيمَاهُمْ - صِفَاتُهُمْ وَمَظْهَرُهُم الخَارِجِيُّ الدَّالُّ عَلَى الفَاقَةِ. إِلْحَافاً - لاَ يُلِحُّونَ فِي المَسْألَةِ. التَّعَفُّفِ - التَّنَزُّهِ عَنِ السُّؤَالِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ساعة أن نسمع "جاراً ومجروراً" قد استهلت به آية كريمة فنعلم أن هناك متعلقاً. ما هو الذي للفقراء؟ هو هنا النفقة، أي أن النفقة للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله. وإذا سألنا: ما معنى "أحصروا" فإننا نجد أن هناك "حَصر" وهناك "أحصر" وكلاهما فيه المنع، إلا أن المنع مرة يأتي بما لا تقدر أنت على دفعه، ومرة يأتي بما تقدر على دفعه. فالذي مرض مثلاً وحُصِرَ على الضرب في الأرض، أكانت له قدرة أن يفعل ذلك؟ لا، ولكن الذي أراد أن يضرب في الأرض فمنعه إنسان مثله فإنه يكون ممنوعاً، إذن فيئول الأمر في الأمرين إلى المنع، فقد يكون المنع من النفس ذاتها أو منعٌ من وجود فعل الغير، فهم أحصروا في سبيل الله. حُصِرُوا لأن الكافرين يضيقون عليهم منافذ الحياة، أو حَصَرُوا أنفسهم على الجهاد، ولم يحبوا أن يشتغلوا بغيره؛ لأن الإسلام كان لا يزال في حاجة إلى قوم يجاهدون. وهؤلاء هم أهل الصُّفة {لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ} [البقرة: 273] وعدم استطاعتهم ناشئ من أمر خارج عن إرادتهم أو من أمر كان في نيتهم وهو أن يرابطوا في سبيل الله، هذا من الجائز وذاك من الجائز. وكان الأنصار يأتون بالتمر ويتركونه في سبائطه، ويعلقونه في حبال مشدودة إلى صواري المسجد، وكلما جاع واحد من أهل الصُّفَّة أخذ عصاه وضرب سباطة التمر، فينزل بعض التمر فيأكل، وكان البعض يأتي إلى الرديء من التمر والشيص ويضعه، وهذا هو ما قال الله فيه: {أية : وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ..} تفسير : [البقرة: 267]. وإذا نظرنا إلى قول الحق: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ} [البقرة: 273] و"الضرب" هو فعل مِن جارحة بشدة على متأثر بهذا الضرب، وما هو الضرب في الأرض؟ إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا أن الكفاح في الحياة يجب أن يكون في منتهى القوة، وإنك حين تذهب في الأرض فعليك أن تضربها حرثاً، وتضربها بذراً، لا تأخذ الأمر بهوادة ولين ولذلك يقول الحق: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ}تفسير : [الملك: 15]. إن الأرض مسخرة من الحق سبحانه للإنسان، يسعى فيها، ويضرب فيها ويأكل من رزق الله الناتج منها. وحين يقول الله سبحانه في وصف الذين أحصروا في سبيل الله فلا يستطيعون الضرب في الأرض {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ} [البقرة: 273] أي يظنهم الجاهل بأحوالهم أنهم أغنياء، وسبب هذا الظن هو تركهم للمسألة، وإذا كان التعفف هو ترك المسألة فالله يقول بعدها: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} [البقرة: 273] والسمة هي العلامة المميزة التي تدل على حال صاحبها، فكأنك ستجد فيهم خشوعاً وانكساراً ورثاثة هيئة وإن لم يسألوا أو يطلبوا، ولكنك تعرفهم من حالتهم التي تستحق الإنفاق عليهم، وإذا كان التعفف هو ترك المسألة فالله يقول بعدها: {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} [البقرة: 273] فكأنه أباح مجرد السؤال ولكنه نهى عن الإلحاحٍ والإلحاف فيه، ولو أنهم سألوا مجرد سؤال بلا إلحاف ولا إلحاح أَمَا كان هذا دليلاً على أنهم ليسوا أغنياء؟ نعم، لكنه قال: {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ} [البقرة: 273] إذن فليس هناك سؤال، لا سؤال على إطلاقه، ومن باب أولى لا إلحاف في السؤال؛ بدليل أن الحق يقول: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} [البقرة: 273]، ولو أنهم سألوا لكنا قد عرفناهم بسؤالهم، إذن فالآية تدلنا على أن المنفي هو مطلق السؤال، وأما كلمة "الإلحاف" فجاءت لمعنى من المعاني التي يقصد إليها أسلوب الإعجازي، ما هو؟ إن "السيما" - كما قلنا - هي العلامة المميزة التي تدل على حال صاحبها، فكأنك ستجد خشوعاً وانكساراً ورثاثة هيئة وإن لم يسألوا أي أنت تعرفهم من حالتهم البائسة، فإذا ما سأل السائل بعد ذلك اعتبر سؤاله إلحاحاً؛ لأن حاله تدل على الحاجة، وما دامت حالته تدل على الحاجة فكان يجب أن يجد من يكفيه السؤال، فإذا ما سأل مجرد سؤال فكأنه ألحف في المسألة وألح عليها. وأيضاً يريد الحق من المؤمن أن تكون له فراسة نافذة في أخيه بحيث يتبين أحواله بالنظرة إليه ولا يدعه يسأل، لأنك لو عرفت بـ "السيما" فأنت ذكي، أنت فطن، أنما لو لم تعرف بـ"السيما" وتنتظر إلى أن يقول لك ويسألك، إذن فعندك تقصير في فطنة النظر، فهو سبحانه وتعالى يريد من المؤمن أن يكون فطن النظر بحيث يستطيع أن يتفرس في وجه إخوانه المؤمنين ليرى مَن عليه همُّ الحاجة ومن عنده خواطر العوز، فإذا ما عرف ذلك يكون عنده فطنة إيمانية. ولنا العبرة في تلك الواقعة، فقد دق أحدهم الباب على أحد العارفين فخرج ثم دخل وخرج ومعه شيء، فأعطاه الطارق ثم عاد باكياً فقالت له امرأته: ما يبكيك؟. قال: إن فلاناً طرق بابي. قالت: وقد أعطيته فما الذي أبكاك؟. قال: لأني تركته إلى أن يسألني. إن العارف بالله بكى؛ لأنه أحس بمسئولية ما كان يجب عليه أن يعرفه بفراسته، وأن يتعرف على أخبار إخوانه . ولذلك شرع الله اجتماعات الجمعة حتى يتفقد الإنسان كل أخ من إخوانه، ما الذي أقعده: أحاجة أم مرض؟ أحدث أم مصيبة؟ وحتى لا يحوجه إلى أن يذل ويسأل، وحين يفعل ذلك يكون له فطنة الإيمان. {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 273] يجب أن تعلم أنه قبل أن تعطي قد علم الله أنك ستعطي، فالأمر محسوب عنده بميزان، ويجيء تصرف خلقه على وفق قدره، وما قدره قديماً يلزم حالياً، وهو سبحانه قد قدر؛ لأنه علم أن عبده سيفعل وقد فعل. وكل فعل من الأفعال له زمن يحدث فيه، وله هيئة يحدث عليها. والزمن ليل أو نهار. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى مبيناً حالات الإنفاق والأزمان التي يحدث فيها وذلك في قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عنه ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} يعني مهاجري قريش بالمدينة، مع النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أُمِرُوا بالصدقة عليهم. وفي قوله: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} [الآية: 273] يعني من التخشع. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عنه ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ} [الآية: 275] يعني يوم القيامة، لما أَكل الربا في الدنيا. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عنه ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا} [الآية: 278] قال: يكون للرجل على الرجل الدين، فيقول: لك زيادة كذا وكذا وتؤخر عني.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} معناهُ إِلحاحٌ. معناهُ كانُوا لا يَسأَلونَ النَّاسَ إِلحَافاً وَلاَ غيرَ إِلحافٍ.

الجيلاني

تفسير : ومتى عرفتم خير الإنفاق، فعليكم أن تعرفوا خير من ينفق إليه فاجعلوا إنفاقكم: {لِلْفُقَرَآءِ} العرفاء الأمناء {ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ} تمكنوا {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} مشمرين للفناءفيه بحيث {لاَ يَسْتَطِيعُونَ} من غاية استغراقهم في مطالعة جماله {ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ} لطلب الرزق الصوري ومن غاية استغنائهم عن الدنيا وما فيها {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ} بحالهم {أَغْنِيَآءَ مِنَ} أجل {ٱلتَّعَفُّفِ} المرتكز في جبلتهم {تَعْرِفُهُم} وتنتبه على حالهم أيها المؤمنون المنفق لرضاء الله {بِسِيمَاهُمْ} من ضعف القوى ورثاثة الحال، وهم من غاية رجوعهم وركونهم عن الدنيا نحو المولى {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} إلماماً متمنين راجين بما عندهم، بل رزقهم الله المتجلي في الآفاق يرزقهم ن حيث لا يحتسب، وبعدما سمعتم أوصاف هؤلاء الوالهين في مطالعة جمال الله وجلاله، بادروا إلى تقوية مزاجهم ليسعدوا بالسعادة العظمى التي لا مرتبة أعلى منه {وَ} اعلموا أن {مَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} خصوصاً لهؤلاء {فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ} بذاته {عَلِيمٌ} [البقرة: 273] يجازيكم بمقتضى علمه. ربنا اجعلنا من خدامهم وتراب أقدامهم. بشر يا أكمل الرسل {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} المنسوبة إليهم {بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} أي: في جميع أوقاتهم وحالاتهم، طالباً لرضاه، هارباً عما شغل من الحق وابتلاه {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} بقدر قابليتهم واستعدادهم {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من التضييع والإحباط {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274] من سوء المنقلب والمآب.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} [273] 73- أنا علي بن حُجْر، نا إسماعيل، نا شريك، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليس المسكين الذي ترُدُّه التمرة، والتمرتان، واللُّقمة، واللقمتان، إن المسكين المُتعفِّف اقرءوا إن شئتم {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} ".

همام الصنعاني

تفسير : 350- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}: [الآية: 273]، قال: حَصَروا أنفسهم للغزو، فلا يستطيعون تجارة، {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ}: [الآية: 273]. 351- عبد الرزاق: عن معمر، عن مجاهد، قال: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ}: [الآية: 273]؛ قال: التخشع.