٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
274
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم أقوال الأول: لما بيّن في هذه الآية المتقدمة أن أكمل من تصرف إليه النفقة من هو بيّن في هذه الآية أن أكمل وجوه الإنفاق كيف هو، فقال: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ } والثاني: أنه تعالى ذكر هذه الآية لتأكيد ما تقدم من قوله {أية : إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ } تفسير : [البقرة: 271] والثالث: أن هذه الآية آخر الآيات المذكورة في أحكام الإنفاق، فلا جرم أرشد الخلق إلى أكمل وجوه الإنفاقات. المسألة الثانية: في سبب النزول وجوه الأول: لما نزل قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاء ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } بعث عبد الرحمٰن بن عوف إلى أصحاب الصفة بدنانير، وبعث علي رضي الله عنه بوسق من تمر ليلاً، فكان أحب الصدقتين إلى الله تعالى صدقته، فنزلت هذه الآية فصدقة الليل كانت أكمل والثاني: قال ابن عباس: إن علياً عليه السلام ما كان يملك غير أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سراً، وبدرهم علانية، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما حملك على هذا؟ فقال: أن استوجب ما وعدني ربي، فقال: لك ذلك» تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية والثالث: قال صاحب «الكشاف»: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين تصدق بأربعين ألف دينار: عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية والرابع: نزلت في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله، فكان أبو هريرة إذا مرّ بفرس سمين قرأ هذه الآية الخامس: أن الآية عامة في الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة تحرضهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروها ولم يعلقوها بوقت ولا حال، وهذا هو أحسن الوجوه، لأن هذا آخر الآيات المذكورة في بيان حكم الإنفاقات فلا جرم ذكر فيها أكمل وجوه الإنفاقات، والله أعلم. المسألة الثالثة: قال الزجاج {ٱلَّذِينَ } رفع بالابتداء وجاز أن تكون الفاء من قوله {فَلَهُمْ } جواب الذين لأنها تأتي بمعنى الشرط والجزاء، فكان التقدير: من أنفق فلا يضيع أجره، وتقديره أنه لو قال: الذي أكرمني له درهم لم يفد أن الدرهم بسبب الإكرام، أما لو قال: الذي أكرمني فله درهم يفيد أن الدرهم بسبب الإكرام، فههنا الفاء دلّت على أن حصول الأجر إنما كان بسبب الإنفاق، والله أعلم. المسألة الرابعة: في الآية إشارة إلى أن صدقة السر أفضل من صدقة العلانية، وذلك لأنه قدم الليل على النهار، والسر على العلانية في الذكر. ثم قال في خاتمة الآية {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } والمعنى معلوم وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أنها تدل على أن أهل الثواب لا خوف عليهم يوم القيامة، ويتأكد ذلك بقوله تعالى: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } تفسير : [الأنبياء:103]. المسألة الثانية: أن هذا مشروط عند الكل بأن لا يحصل عقيبه الكفر، وعند المعتزلة أن لا يحصل عقيبه كبيرة محبطة، وقد أحكمنا هذه المسألة، وههنا آخر الآيات المذكورة في بيان أحكام الإنفاق. الحكم الثاني: من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع من هذه السورة حكم الربا:
القرطبي
تفسير : فـيه مسـألة واحـدة: رُوي عن ابن عباس وأبي ذَرّ وأبي أُمَامة وأبي الدرداء وعبد الله بن بشر الغافقيّ والأوزاعيّ أنها نزلت في علف الخيل المربوطة في سبيل الله. وذكر ابن سعد في الطبقات قال: أخبرت عن محمد بن شعيب بن شابور قال أنبأنا سعيد بن سِنان عن يزيد بن عبد الله بن عريب عن أبيه عن جدّه عَريب: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالىٰ: {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} قال: «هم أصحاب الخيل»تفسير : . وبهذا الإسناد قال قال رسول صلى الله عليه وسلم: «حديث : المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا يقبضها وأبوالُها وأرواثُها (عند الله) يوم القيامة كَذَكِيّ المسك»تفسير : . ورُوي عن ابن عباس أنه قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، كانت معه أربعة دراهم فتصدّق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً وبدرهم سرّاً وبدرهم جهراً؛ ذكره عبد الرزاق قال: أخبرنا عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس. ابُن جُريج: نزلت في رجل فعل ذلك، ولم يُسَمّ عليّاً ولا غيرَه. قال قتادة. هذه الآية نزلت في المنفقين من غير تبذير ولا تقتير. ومعنى «باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ» في الليل والنهار، ودخلت الفاء في قوله تعالىٰ: «فَلَهُمْ» لأن في الكلام معنى الجزاء. وقد تقدّم. ولا يجوز زيد فمنطلق.
البيضاوي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّا وَعَلاَنِيَةً} أي يعمون الأوقات والأحوال بالخير. نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، تصدق بأربعين ألف دينار عشرة بالليل وعشرة بالنهار، وعشرة بالسر وعشرة بالعلانية. وقيل في أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه: لم يملك إلا أربعة دراهم فتصدّق بدرهم ليلاً ودرهم نهاراً، ودرهم سراً ودرهم علانية. وقيل: في ربط الخيل في سبيل الله والإِنفاق عليها. {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} خبر الذين ينفقون، والفاء للسببية. وقيل للعطف والخبر محذوف أي ومنهم الذين ولذلك جوز الوقف على وعلانية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُم عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.
ابن عطية
تفسير : قال عبد الله بن عباس: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب رضي الله عنه كانت له أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً وبدرهم سراً وبدرهم علانية، وقال ابن جريج: نزلت في رجل فعل ذلك ولم يسم علياً ولا غيره، وقال ابن عباس أيضاً نزلت هذه الآية في علف الخيل، وقاله عبد الله بن بشر الغافقي وأبو ذر وأبو أمامة والأوزاعي وأبو الدرداء قالوا: هي في علف الخيل والمرتبطة في السبيل، وقال قتادة هذه الآية في المنفقين في سبيل الله من غير تبذير ولا تقتير. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: والآية وإن كانت نزلت في علي رضي الله عنه، فمعناها يتناول كل من فعل فعله وكل مشاء بصدقته في الظلم إلى مظنة ذي الحاجة وأما علف الخيل والنفقة عليها فإن ألفاظ الآية تتناولها تناولاً محكماً، وكذلك المنفق في الجهاد المباشر له إنما يجيء إنفاقه على رتب الآية. وقال ابن عباس رضي الله عنه: كان المؤمنون يعملون بهذه الآية من قوله: {أية : إن تبدوا الصدقات} تفسير : [البقرة: 271] إلى قوله: {ولا هم يحزنون} [البقرة: 274] فلما نزلت براءة بتفصيل الزكاة قصروا عليها، وقد تقدم القول على نفي الخوف والحزن، والفاء في قوله: {فلهم} دخلت لما في {الذين} من الإبهام، فهو يشبه بإبهامه الإبهام الذي في الشرط. فحسنت الفاء في جوابه كما تحسن في الشرط، وإنما يوجد الشبه إذا كان الذي موصولاً بفعل وإذا لم يدخل على {الذي} عامل يغير معناه، فإن قلت: الذي أبوه زيد هو عمرو فلا تحسن الفاء في قولك فهو، بل تلبس المعنى، وإذا قلت ليت الذي جاءك جاءني لم يكن للفاء مدخل في المعنى، وهذه الفاء المذكورة إنما تجيء مؤكدة للمعنى، وقد يستغنى عنها إذا لم يقصد التأكيد كقوله بعد: {لا يقومون} وقوله عز وجل: {الذين يأكلون الربا} الآية، {الربا} هوالزيادة وهو مأخوذ من ربا يربو إذا نما وزاد على ما كان، وغالبة ما كانت العرب تفعله من قولها للغريم أتقضي أم تربي؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويصبر الطالب عليه، ومن الربا البين التفاضل في النوع الواحد لأنها زيادة، وكذلك أكثر البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادة إما في عين مال، وإما في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه، ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة، فإن قيل لفاعلها: آكل ربا فبتجوز وتشبيه، والربا من ذوات الواو، وتثنيته ربوان عند سيبويه، ويكتب بالألف. قال الكوفيون: يكتب ويثنى بالياء لأجل الكسرة التي في أوله. وكذلك يقولون في الثلاثية من ذوات الواو إذا انكسر الأول أو انضم، نحو ضحى، فإن كان مفتوحاً نحو صفا فكما قال البصري. ومعنى هذه الآية: الذين يكسبون الربا ويفعلونه، وقصد إلى لفظة الأكل لأنها أقوى مقاصد الإنسان في المال، ولأنها دالة على الجشع، فأقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب كله، فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال وغير ذلك داخل كله في قوله: {الذين يأكلون}، وقال ابن عباس رضي الله عنه ومجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي وابن زيد: معنى قوله: {لا يقومون} من قبورهم في البعث يوم القيامة، قال بعضهم: يجعل معه شيطان يخنفة، وقالوا كلهم يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتاً عند جمع المحشر، ويقوي هذا التأويل المجمع عليه في أن قراءة عبد الله بن مسعود "لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم". قال القاضي أبو محمد: وأما ألفاظ الآية فكانت تحتمل تشبيه حال القائم بحرص وجشع إلى تجارة الربا بقيام المجنون، لأن الطمع والرغبة تستفزه حتى تضطرب أعضاؤه، وهذا كما تقول لمسرع في مشيه، مخلط في هيئة حركاته، إما من فزع أو غيره، قد جن هذا، وقد شبه الأعشى ناقته في نشاطها بالجنون في قوله: [الطويل] شعر : وَتُصْبِحُ مِنْ غِبّ السُّرى وَكَأَنَّما أَلَم بِهَا مِنْ طَائِفِ الْجِنِّ أَوْلَق تفسير : لكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود وتظاهرت به أقوال المفسرين يضعف هذا التأويل {ويتخبطه} "يتفعله" من خبط يخبط كما تقول: تملكه وتعبده وتحمله. و {المس} الجنون، وكذلك الأولق والألس والرود، وقوله تعالى: {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا} معناه عند جميع المتأولين في الكفار، وأنه قول تكذيب للشريعة ورد عليها. والآية كلها في الكفار المربين نزلت ولهم قيل {فله ما سلف} ولا يقال ذلك لمؤمن عاص، ولكن يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية، ثم جزم تعالى الخير في قوله: {وأحل الله البيع وحرم الربا} وقال بعض العلماء في قوله: {وأحل الله البيع} هذا من عموم القرآن، لأن العرب كانت تقدر على إنفاذه، لأن الأخذ والإعطاء عندها بيع، وكل ما عارض العموم فهو تخصيص منه، وقال بعضهم: هو من مجمل القرآن الذي فسر بالمحلل من البيع وبالمحرم، والقول الأول عندي أصح، قال جعفر بن محمد الصادق: حرم الله الربا ليتقارض الناس. وقال بعض العلماء: حرمه الله لأنه متلفة للأموال مهلكة للناس. وسقطت علامة التأنيث في قوله: {فمن جاءه} لأن تأنيث الموعظة غير حقيقي وهو بمعنى وعظ، وقرأ الحسن "فمن جاءته" بإثبات العلامة، وقوله: {فله ما سلف} أي من الربا لاتباعه عليه منه في الدنيا ولا في الآخرة قاله السدي وغيره، وهذا حكم من الله تعالى لمن أسلم من كفار قريش وثقيف ومن كان يتجر هناك، و {سلف} معناه تقدم في الزمن وانقضى. وفي قوله تعالى: {وأمره إلى الله} أربع تأويلات: أحدها أن الضمير عائد على الربا بمعنى: وأمر الربا إلى الله في إمرار تحريمه أو غير ذلك. الثاني أن يكون الضمير عائداً على {ما سلف}. أي أمره إلى الله في العفو عنه وإسقاط التبعية فيه. والثالث أن يكون الضمير عائداً على ذي الربا بمعنى أمره إلى الله في أن يثيبه على الانتهاء أو يعيده إلى المعصية في الربا. والرابع أن يعود الضمير على المنتهي ولكن بمعنى التأنيس له وبسط أمله في الخير. كما تقول وأمره إلى طاعة وخير وموضع رجاء. وكما تقول وأمره في نمو أو إقبال إلى الله وإلى طاعته، ويجيء الأمر هاهنا ليس في الربا خاصة بل وجملة أموره. وقوله تعالى: {ومن عاد} يعني إلى فعل الربا والقول {إنما البيع مثل الربا} وإن قدرنا الآية في كافر فالخلود خلود تأبيد حقيقي، وإن لحظناها في مسلم عاصٍ فهذا خلود مستعار على معنى المبالغة. كما تقول العرب: ملك خالد، عبارة عن دوام ما لا على التأبيد الحقيقي.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ يُنفِقُونَ} نزلت في علي ـ رضي الله عنه ـ كان معه أربعة دنانير فأنفقها على هذا الوجه، أو في النفقة على خيل الجهاد، أو في كل نفقة طاعة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية} قال ابن عباس في رواية عنه: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب كانت عنده أربعة دراهم لا يملك غيرها فتصدق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً سراً وبدرهم علانية وفي رواية عنه قال: "لما نزل للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله" بعث عبدالرحمن بن عوف بدنانير كثيرة إلى أهل الصفة، وبعث علي بن أبي طالب في الليل بوسق من تمر فأنزل الله فيهما: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار} يعني بنفقة الليل نفقة علي وبالنهار نفقة عبدالرحمن وفي الآية إشارة إلى أن صدقة السر أفضل من صدقة العلانية لأنه تعالى قدم نفقة الليل على نفقة النهار وقدم السر على العلانية وقيل: نزلت الآية في الذين يربطون الخيل للجهاد في سبيل الله لأنهم يعلفونها بالليل والنهار وفي السر: والعلانية (خ) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً واحتساباً وتصديقاً بوعده كان شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة" تفسير : يعني حسنات وقيل: إن الآية عامة في الذين ينفقون أموالهم في جميع الأوقات ويعمون بها أصحاب الحاجات والفاقات. {فلم أجرهم عند ربهم} أي جزاء أعمالهم {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} يعني في الآخرة.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ...}. قال ابن عطية: عن ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه كانت له أربعة دراهم تصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية. قيل لابن عرفة: التصدق بالليل والنهار لايخرج عن كونه سرا (أو) علانية؟ (فقال: لا يصح الاعتراض على السبب وإنما النظر في ذلك عند تطبيق السبب على لفظ الآية، ويفهم هذا بأنه قسمة رباعية فتصدق (بدرهم) بالليل سرا وبدرهم علانية وفي النهار بدرهم سرا وبدرهم علانية). قال: هو في الآية عندي تفسير "سرا" راجع لليل، "وعلانية" للنهار، بدليل إتيان السرّ غير معطوف. قال: وعادتهم يقولون لأي شيء قدم السر على العلانية مع أنّ نفقة السرّ أفضل من نفقة العلانية. فهلا بدأ بالعلانية ليكون العطف ترقيا لا تدليا لأن عطف الترقي فيه تأسيس وعطف التدلي فيه ضرب من التأكيد؟ قال: فكانوا يجيبون بقاعدة استصحاب الحال، وذلك لأن نفقة السر أفضل من نفقة العلانية لخلوص النية فيها فإذا أنفق أوّلا سرا بنية خالصة واستصحب تلك النية بعينها في نفقة الجهر (فإنفاق) الجهر بتلك النية الخالصة الغير المشوبة بشيء من الرياء كان في أعلى درجات الطاعة فروعي فيه هذا المعنى فكان ترقيا. قوله تعالى: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ...}. ولم يقل: فلهم أجر، لأن المراد أجرهم اللاّئق بهم ولو قيل: فلهم أجر لكان مفهومه أن من فعل دون ذلك لا أجر له مع أنه يؤجر. قال ابن عطية: ودخلت الفاء لأن الموصول وصل بالفعل ولم يدخل عليه يغير معناه. قال أبو حيان: وكذلك أيضا إذا كانت الصلة ظرفا أو مجرورا. وكذا ذكر ابن عصفور في المقرب وشرح الإيضاح. فإن قلت: إن الظرف المجرور محل والتعليل عند الأصوليين (إنما يكون) بالصفة لا بالمحل. فالجواب: إنّ المحل هنا ناب مناب متعلقة وهو كائن أو مستقر الذي هو صفة وتقوى هنا حتى صار كأنه هو ولذلك لا يجوز الجمع بينهما. قال أبو حيان: ومن شروط دخول الفاء أن يكون الخبر مستحقا بالصلة كهذه الآية. ورده ابن عرفة: بأنه ما علم كونه سببا إلا بعد دخول الفاء لا قبلها فكونه مستحقا بالصلة فرع عن دخول الفاء فلا يصح أن يكون شرطا فيها وموجبا لها. وأجيب بأن هذا بالنسبة إلى السامع وكلامنا في دخول الفاء بالنسبة إلى قصد المتكلم ونيته. وعادتهم يردّون على كلام أبي حيان بقوله {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ}تفسير : فإن نفس الخلق غير موجب للهداية وإلا لزم منه مذهب المعتزلة القائلين بمراعاة (الأصلح)، وعادتهم يجيبون بأن المراد: الذي خلقني هذا الخلق الخاص على هذه الصّفة وهي النبوءة فهو يهدين، وتقدم نظيره في قول الله تعالى {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ}.تفسير : وفي سورة قد أفلح {أية : فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ }. تفسير : قال ابن عرفة: فإن قلت: ما الحكمة في دخول الفاء مع أنه (يجوز) الَّذي يأتيني له درهم. والمعنى فيه وغير ما فيه الفاء واحد، وكذلك (إن قلت) النفقة هنا (مستلزمة) لثبوت الأجر لهم (مع الفاء ومع عدمها). قلت: وعادتهم يجيبون بأن الخبر إذا كان ثابتا وعطف عليه ما يتوهم نفيه وعدم ثبوته فلا بد من الفاء ولا شك أن حزنهم مما يتوهم نفيه فأتي بالفاء الدالة على كمال الارتباط وأنّ ذلك سبب في نفي الحزن والخوف عنهم. قال: ولفظ الرب هنا دال على أن هذا الثواب محض، تفضّل من الله تعالى كما يقول أهل السّنة خلافا للمعتزلة. وعادتهم يوردون سؤالا وهو: لأى شيء نفى الحزن عنهم بالفعل والخوف بالاسم مع أن المناسب العكس لأن متعلق الحزن ماض والخوف مستقبل؟ قال: وعادتهم يجيبون بأن النكرة في سياق النّفي تفيد العموم بإجماع، والفعل في سياق النفي مختلف فيه، هل يفيد العموم أم لا؟ والماضي محصور لأنه مشاهد مرئي فمتعلقه غير متعدد، والمستقبل متعلقاته متعددة لأنه غير محصور، فالخوف منه يعظم لكثرة الخواطر التي تخطر (ببال الإنسان)، (فقد) يخاف من كذا ويخاف من كذا ويخاف من شيء هو في نفس الأمر آمن فيه. فلذلك نفي الخوف بلفظ الاسم الدال على العموم بإجماع ونفي الحزن بالفعل المحتمل للعموم وعدمه. قلت: ورد هذا بمعنى الإجماع لأن النكرة عند النحويين لا تعمّ إلا اذا كانت مبنية مع (لا) مثل: لا رجل في الدار، بالفتح بلا تنوين. ويجاب بأنها أعمّ من الفعل بلا شك.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ...} الآية: قال ابْنُ عَبَّاس: نزلَتْ هذه الآية في عليِّ بن أبِي طَالِبٍ - رضي اللَّه عنه - كانَتْ لِه أربعةُ دراهِمَ، فتصدَّق بدرهمٍ لَيْلاً، وبدرهمٍ نَهَاراً، وبدرهمٍ سرًّا، وبدرهمٍ علانيةً، وقال قتادةُ: نزلَتْ في المنْفِقِينَ في سبيل اللَّه مِنْ غَيْر تبذيرٍ ولا تقتيرٍ، قال: * ع *: والآية، وإنْ كانَتْ نزلَتْ في عليٍّ - رضي اللَّه عنه - فمعناها يتناولُ كُلَّ مَنْ فعل فِعْلَه، وكلَّ مشَّاءٍ بصدَقَته في الظلم إِلى مَظِنَّةِ الحاجة. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ } {ٱلرِّبَا}: هو الزيادةُ، مأخوذ من: رَبَا يَرْبُو، إِذا نَمَا، وزاد علَىٰ ما كان، وغالبه: ما كانت العربُ تفعله من قولها للغريم: «أَتَقْضِي، أَمْ تُرْبِي»، فكان الغريم يزيدُ في عدد المالِ، ويصبر الطالب عليه، ومن الربا البيِّن التفاضُلُ في النوع الواحِدِ؛ وكذلك أكثر البيوعِ الممنوعَة، إِنما تجد منْعها لمعنَىٰ زيادةٍ؛ إِما في عينِ مالٍ، أو في منفعةٍ لأحدهما مِنْ تأخيرٍ ونحوه، ومعنى الآية: الذين يكْسِبُون الربا، ويفعلونه، وإِنما قصد إِلى لفظة الأكْل؛ لأنها أقوى مقاصدِ الناسِ في المَالِ، قال ابن عبَّاس وغيره: معنَى قوله سبحانه: {لاَ يَقُومُونَ }، أي: من قبورِهِمْ في البَعْثِ يوم القيامة إِلاَّ كما يقومُ الَّذي يتخبَّطه الشيطانُ من المَسِّ، قالوا: كلُّهُم يُبْعَثُ كالمَجْنُونِ؛ عقوبةً له وتمقيتاً عند جميع المَحْشَرِ؛ ويقوِّي هذا التأويلَ المجْمَع علَيْه أنَّ في قراءة عبد اللَّه بن مسعود: «لاَ يَقُومُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ». وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَوٰاْ} معناه؛ عند جميع المتأولين: في الكفار، وأنه قول بتكذيب الشريعة، والآية كلُّها في الكفار المُرْبِينَ، نزلَتْ، ولهم قيلَ: {فَلَهُ مَا سَلَفَ }، ولا يقال ذلك لمؤمنٍ عاصٍ، ولكن يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيدِ هذه الآيةِ، ثم جزم اللَّه سبحانه الخَبَر في قوله: {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْ}، قيل: هذا من عموم القُرآن المخصَّص، وقيل: من مُجْمَلِهِ المبيَّن، قال جعفر بن محمَّدٍ الصَّادِقُ: وحرم اللَّه الربَا؛ ليتقارض النَّاسُ. وقوله تعالى: {فَلَهُ مَا سَلَفَ }، أي: من الربا؛ لا تباعة علَيْه في الدنيا والآخرة، وهذا حكْمٌ مِنَ اللَّه سبحانه لِمَنْ أسلم من الكفار، وفي قوله تعالى: {وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ} أربعُ تأويلات: أحدها: أمْرُ الربا في إِمرار تحريمه وغير ذلك. والثاني: أمر ما سَلَف، أي: في العفْوِ وإِسقاطِ التَّبَعَةِ فيها. والثالث: أنَّ الضمير عائدٌ علَىٰ ذي الربا؛ بمعنى: أمره إِلى اللَّه في أنْ يثبته على الاِنتهاء أو يعيدَهُ إِلى المعصية. والرابع: أنْ يعود الضميرُ على المنتهَىٰ، ولكنْ بمعنى التأنيسِ له، وبَسْط أمله في الخَيْر. وقوله تعالى: {وَمَنْ عَادَ }، يعني: إِلى فِعْلِ الربا، والقولِ؛ إِنما البيعُ الرِّبَا، والخلودُ في حق الكافر: خلودُ تأبيدٍ حقيقيّ، وإِن لحظنا الآيةَ في مُسْلمٍ عاصٍ، فهو خلودٌ مستعارٌ على معنى المبالغة. وقوله تعالى: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَوٰاْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَـٰتِ}، {يَمْحَقُ }: معناه: ينقص، ويذهب؛ ومنه: مِحَاقُ القَمَرِ، وهو ٱنتقاصه، {وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَـٰتِ }: معناه: ينميها، ويزيد ثوابها تضاعفاً، تقولُ: رَبَتِ الصدقةُ، وأرْبَاهَا اللَّه تعالَىٰ، وربَّاهَا، وذلك هو التضعيفُ لمن يشاء؛ ومنه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم «حديث : إِنَّ صَدَقَةَ أَحَدِكُمْ لَتَقَعُ فِي يَدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ، فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أوْ فَصِيلَهُ؛ حَتَّىٰ تَجِيءَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وإِنَّ اللُّقْمَةَ لَعَلَىٰ قَدْرِ أُحُدٍ».تفسير : قال: * ع *: وقد جعل اللَّه سبحانه هذَيْن الفعلَيْن بعَكْس ما يظنُّه الحريصُ الجَشِيعُ من بني آدم؛ إِذ يظن الربا يغنيه، وهو في الحقيقة مُمْحَقٌ، ويظن الصدَقَةَ تُفْقِرُه، وهي في الحقيقة نماءٌ في الدنيا والآخرة، وعن يزيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ؛ أن أبا الخَيْرِ حدَّثه؛ أنَّه سمع عقبة ابن عَامِرٍ يقولُ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «حديث : كُلُّ ٱمْرِىءٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ؛ حَتَّىٰ يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ»تفسير : أوْ قَالَ: «حديث : حَتَّىٰ يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ»تفسير : ، قال يزيد: وكان أبو الخَيْرِ لاَ يُخْطِئُهُ يَوْمٌ لاَ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ فِيهِ، وَلَوْ كَعْكَةٍ أَوْ بَصَلَةٍ، قال الحاكم: صحيحٌ علَىٰ شرط مسلمٍ، ولم يخرِّجاه، يعني: البخاريَّ ومسلماً. انتهى من «الإلمام في أحاديث الأحكام»؛ لابن دقيقِ العيدِ. قال الشيخُ ٱبْنُ أبي جَمْرَة: ولا يُلْهَمُ لِلصدقةِ إِلاَّ مَنْ سبقَتْ له سابقةُ خَيْر. انتهى. قال أبو عمر في «التمهيد»: وروي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : مَا أَحْسَنَ عَبْدٌ الصَّدَقَةَ إِلاَّ أَحْسَنَ اللَّهُ الخِلاَفَةَ عَلَىٰ بَنِيهِ، وَكَانَ فِي ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ، وحُفِظَ فِي يَوْمِ صَدَقَتِهِ مِنْ كُلِّ عَاهَةٍ وَآفَةٍ» تفسير : . انتهى. وروى أبو داود في «سننه»، أنَّ سَعْدَ بْنَ عْبَادَةَ، قَالَ: «حديث : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ، فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: المَاءُ، فَحَفَرَ بئْراً، وَقَالَ: هَذِهِ لأُمِّ سَعْدٍ».تفسير : وروى أبو داود في «سننه»، عن أبي سعيدٍ، عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلَماً ثَوْباً عَلَىٰ عُرْيٍ، كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً عَلَىٰ جُوعٍ، أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَىٰ مُسْلِماً عَلَىٰ ظَمَإٍ، سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ»تفسير : . انتهى. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } يقتضي الزجْرَ للكفَّارِ المستحلِّين للربا، ووصْف «الكَفَّار» بـــ «أثيم» إِما مبالغةٌ من حيثُ ٱختلف اللفظانِ، وإِما ليذهب الاشتراكُ الذي في «كَفَّار»؛ إِذ قد يقع على الزَّارِعِ الذي يستر الحَبَّ في الأرض، قاله ابنُ فُورَكَ. ولما انقضَىٰ ذكْر الكافرين، عقَّب سبحانه بذكْرِ ضدِّهم؛ ليبين ما بين الحالَتَيْنِ، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ...} الآية، وقد تقدَّم تفسير مثل هذه الألفاظ.
ابن عادل
تفسير : قوله: {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ}: مبتدأٌ، وخبره الجملة من قوله: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} ودخلت الفاء؛ لما تضمَّنه الموصول من معنى الشرط. وقال ابن عطية رحمه الله: "وإنما يوجد الشَّبه - يعني بين الموصول، واسم الشرط - إذا كان الموصول موصولاً بفعل، وإذا لم يدخل على الموصول عاملٌ يغيِّر معناه". قال أبو حيَّان - رحمه الله -: "فَحَصر الشَّبه فيما إذا كان "الَّذِي" موصولاً بفعل، وهذا كلامٌ غير محرَّرٍ، أمَّا قوله: "الَّذِي" فلا يختصُّ ذلك بـ "الذي"، بل كلُّ ما كان موصولاً غير الألف واللام، حكمه حكم الذي" بلا خلافٍ، وفي الألف واللام خلاف، ومذهب سيبويه المنع من دخول الفاء. الثاني: قوله "مَوْصولاً بفعل" فأطلق الفعل واقتصر عليه، وليس كذلك، بل شرط الفعل أن يصلح لمباشرة أداة الشرط، فلو قلت: الذي سَيَأْتِيني، أو لمَّا يأتيني، أو ما يأتيني، أو ليس يأتيني - فله درهمٌ - لم يجز شيءٌ من ذلك؛ لأنَّ أداة الشرط لا يصلح أن تدخل على شيءٍ من ذلك، وأمَّا الاقتصار على الفعل، فليس كذلك؛ بل الظرف والجارُّ والمجرور في الوصل كذلك، متى كان شيءٌ منهما صلةً لموصول، جاز دخول الفاء. وقوله: "وَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ على "الَّذي" عاملٌ يغيِّر معناه" عبارةٌ غير ملخَّصةٍ؛ لأن العامل لا يغيِّر معنى الموصول، إنما يغيِّر معنى الابتداء، بأن يصيِّره تمنِّياً، أو ترجِّياً، أو ظناً، نحو: لعل الذي يأتضيني، أو ليت الذي يأتيني، أو ظننت الذي يأتيني - فله درهمٌ، لا يجوز دخول الفاء لتغيُّر معنى الابتداء. وكان ينبغي له - أيضاً - أن يقول: "بِشَرْطِ أَنْ يكونَ الخبرُ مستحِقاً بالصلةِ؛ كالآية الكريمة؛ لأنَّ ترتُّبَ الأجرِ إنما هو على الإِنْفاقِ". وقول الشيخ أيضاً: "بل كلُّ مَوْصُولٍ" ليس الحكم - أيضاً - مقتصراً على كلِّ موصولٍ، بل كلُّ نكرةٍ موصوفةٍ بما يجوز أن يكون صلةً مجوِّزةً لدخول الفاء، أو ما أُضيف إلى تلك النكرة، أو إلى ذلك الموصول، أو الموصوف بالموصول - حكمه كذلك. وقد تقدمت المسألة. فصل في بيان سبب النُّزول في سبب النزول وجوه: الأول: لما نزل قوله تعالى: {أية : لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللهِ}تفسير : [البقرة:273]، بعث عبد الرَّحمن بن عوف بدنانير كثيرةٍ إلى أصحاب الصُّفة، وبعث عليٌّ - كرم الله وجهه - بوسق تمرٍ ليلاً؛ فكان أحبَّ الصَّدقتين إلى الله تعالى، صدقه عليٍّ؛ فنزلت الآية. وقدَّم الله تعالى ذكر الليل؛ ليعرف أنَّ صدقة اللَّيل كانت أكمل، رواه الضَّحَّاك، عن ابن عبَّاسٍ. الثاني: روى مجاهدٌ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: حديث : نزلت هذه الآية في عليٍّ - رضي الله عنه - كان عنده أربعة دراهم، لا يملك غيرها، فتصدق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً، وبدرهم سرّاً وبدرهم علانيةً؛ فقال - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟" فقال: أن أستوجب ما وعدني ربِّي، فقال: "لَكَ ذَلِكَ ". تفسير : الثالث: قال الزَّمخشريُّ نزلن في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - حين تصدَّق بأربعين ألف دينار: عشرةٌ باللَّيل، وعشرةٌ بالنهار، وعشرةٌ في السِّرِّ، وعشرة في العلانية. الرابع: قال أبو أمامة، وأبو الدَّرداء، ومكحولٌ، والأوزاعي: نزلت هذه الآية الكريمة في الذين يربطون الخيل للجهاد؛ فإنها تعتلف ليلاً ونهاراً، وسراً وعلانية، فكان أبو هريرة - رضي الله عنه - إذا مرَّ بفرسٍ سمين، قرأ هذه الآية. وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : مَنِ احْتَبَسَ فَرَساً فِي سَبِيلِ اللهِ إيمَاناً، وتَصْدِيقاً بوعدِهِ، فإنَّ شِبَعَهُ وريَّه ورَوْثَهُ، وبَوْلَهُ في ميزانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ". تفسير : الخامس: أن الآية الكريمة عامةٌ في الذين يعمون الأوقات، والأحوال بالصدقة، تحريضاً لهم على الخير. وفي الآية إشارة إلى أن صدقة السِّرِّ أفضل؛ لأنه قدم اللَّيل على النهار، والسر على العلانية في الذكر، وتقدم نظير هذه الآية؛ ومدلولها، وهو مشروطٌ عند الكل بألاَّ يحصل عقيبه الكفر، وعند المعتزلة ألاَّ يحصل عقيبه كبيرةٌ محبطةٌ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن سعد في الطبقات وأبو بكر أحمد بن أبي عاصم في الجهاد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي والطبراني وأبو الشيخ في العظمة والواحدي عن يزيد بن عبد الله بن عريب المكي عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أنزلت هذه الآية {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} في أصحاب الخيل ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي قال: نزلت هذه الآية في أصحاب الخيل {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية} فيمن يربطها لا خيلاء ولا ضمار. وأخرج ابن جرير عن أبي الدرداء، أنه كان ينظر إلى الخيل مربوطة بين البراذين والهجن فيقول: أهل هذه من {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والواحدي عن أبي أمامة والباهلي قال: من ارتبط فرساً في سبيل الله، لم يرتبطه رياء ولا سمعة كان من {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم...} الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والواحدي من طريق حنش الصنعاني، أنه سمع ابن عباس يقول في هذه الآية {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية} قال: هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله. وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه عن أبي كبشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الخيل معقود في نواصيها الخير، وأهلها معانون عليها، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن عساكر من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس في قوله {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية} قال: نزلت في علي بن أبي طالب، كانت له أربعة دراهم فأنفق بالليل درهماً، وبالنهار درهماً، وسراً درهماً، وعلانية درهماً. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مسعر عن عون قال: قرأ رجل {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية} فقال: إنما كانت أربعة دراهم فأنفق درهماً بالليل، ودرهماً بالنهار، ودرهماً في السر، ودرهماً في العلانية. وأخرج ابن المنذر عن ابن إسحاق قال: لما قبض أبو بكر واستخلف عمر، خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس إن بعض الطمع فقر، وإن بعض اليأس غنى، وإنكم تجمعون ما لا تأكلون وتأملون ما لا تدركون، واعلموا أن بعض الشح شعبة من النفاق، فانفقوا خيراً لأنفسكم، فأين أصحاب هذه الآية {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ؟. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله الذي افترض عليهم في غير سرف ولا إملاق ولا تبذير ولا فساد. وأخرج ابن المنذر عن ابن المسيب {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} كلها في عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، في نفقتهما في جيش العسرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: كان هذا يعمل به قبل أن تنزل براءة، فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها انتهت الصدقات إليها.
القشيري
تفسير : ما دام لهم مال لا يفترون ساعة عن إنفاقه ليلاً ونهاراً، فإذا نفد المال لا يفترون عن شهوده لحظةً ليلاً ونهاراً.
البقلي
تفسير : { ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً } من بلغ رؤية جمال مشاهدة الحق عشقه ومن شرط العشق ان يبذل العاشق وجوده وماله فى جميع الاوقات دفعا للخطرات وخوفا ان يسقط عن درجات المشاهدات قال ابن عطا الوقت وقتان والحال حالان فالوقت ليل ونهار والحال سر وعلانية فاذا انفق فى الليل والنهار والسر والعلانية فقد قضى ما عليك اذا المحب لا يتدخر عن حبيبه شيئا ولا يفتر عن رضاه بحال قال عبد العزيز المكى فى هذه الاية اى فى ظلمة الليل حذرا من خجلة الاخذ والنهار بواسطة تجعل بينه وبين الاخذ وحذرا عن حياته منه سرا صفاوة واخلاصا وعلانية اسوة واقتداء.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية} اى يعمون الاوقات والاحوال بالخير والصدقة فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه ولم يتعللوا بوقت ولا حال وقيل نزلت فى شأن الصديق رضى الله عنه حين تصدق باربعين الف دينار عشرة آلاف منها بالليل وعشرة بالنهار وعشرة سرا وعشرة علانية {فلهم اجرهم} اى ثوابهم حاضر {عند ربهم ولا خوف عليهم} من مكروه آت {ولا هم يحزنون} من محبوب فات. واعلم ان الانفاق على سادة اختاروا الفقر على الغنى محبة لله واقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حرفة فانه صلى الله عليه وسلم كان يقول "حديث : لى حرفتان الفقر والجهاد ". تفسير : وهم احق بها واولى والعبد اذا انفق من كل معاملة فيها خير من المال او الجاه او خدمة النفس او اعزاز او اكرام او اعظام او ارادة بالقلب حتى السلام على هؤلاء السادة استحقاقا واجلالا لا استخفافا واذلالا فان الله به عليم فان تقرب اليه فى الانفاق بشبر يتقرب هو اليه فى المجازاة بذراع وان تقرب بذراع يتقرب اليه بباع فلا نهاية لفضله ولا غاية لكرمه فطوبى لمن ترك الدنيا بطيب القلب واختار الله على كل شىء ومن كان لله كان الله له. روى ان حسن ستة اشياء فى ستة العلم والعدل والسخاوة والتوبة والصبر والحياء. العلم فى العمل. والعدل فى السلطان. والسخاوة فى الاغنياء. والتوبة فى الشباب. والصبر فى الفقر. والحياء فى النساء. العلم بلا عمل كبيت بلا سقف والسلطان بلا عدل كبئر بلا ماء. والغنى بلا سخاوة كسحاب بلا مطر. والشباب بلا توبة كشجر بلا ثمر. والفقر بلا صبر كقنديل بلا ضياء. والنساء بلا حياء كطعام بلا ملح. فعلى الغنى ان يمطر من سحاب غنى بركات الدين والدنيا ويتسبب لاحياء قلوب ماتت بالفقر والاحتياج فان الله لا يضيع اجر المحسنين شعر : بسنديده رأيى كه بخشيد وخورد جهان ازبى خويشتن كرد كرد تفسير : يعنى ان الذى له رأى صائب هو الذى تنعم بماله وانعم وجمع الدنيا لاجله لا لغيره فان من جمع مالا ولم يأكل منه ولم يعط فهو جامع لغيره فى الحقيقة اذ هو لوارثه بعده.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الموصول مبتدأ، و {فلهم أجرهم}: خبر، والفاء للسببية، ولأن في الموصول معنى الشرط، وقيل: الخبر محذوف، أي: ومنهم الذين ينفقون الخ: و {فلهم}: استئناف بياني. يقول الحقّ جلّ جلاله: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانية}، ويعمرون أوقاتهم بفعل الخيرات، {فلهم أجرهم عند ربهم} إذا قدموا عليه، {ولا خوف عليهم} من لُحوق مكروه، {ولا هم يحزنون} على فوات محبوب، بل وجدوا الله فأغناهم عن كل شيء. قيل: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه؛ تصدَّق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة بالسر، وعشر بالعلانية، أو في عليّ - كرّم الله وجهه - لم يملك إلا أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليلاً، ودرهم نهاراً، ودرهم سرّاً، ودرهم علانية. وهي عامة لمن فعل فعلهما. الإشارة: أجر بذل الأموار هو إعطاء الثواب من وراء الباب، والأمن من العذاب وسوء المآب، وأجر بذل النفوس هو دخول حضرة القدوس، والأنس بالأحباب داخل الحجاب، فمن بذل نفسه لله على الدوام، أمنه من الحجبة في دار السلام، فلا خوف يلحقهم في الدارين، ولا يعتريهم حزن في الكونين. وبالله التوفيق. ولما رغَّب في الصدقة، وكانت في الغالب لا يتوصل إليها إلا بتعاطي أسباب المال، وهو البيع والشراء حذر من الربا؛ لئلا يتساهل الناس في المعاملة به، حرصاً على الصدقة.
الطوسي
تفسير : ذكر ابن عباس أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب (ع) كانت معه أربعة دراهم فانفقها على هذه الصفة بالليل والنهار. وفي السر والعلانية. وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) وروي عن أبي ذر (ره) والأوزاعي إنها نزلت في النفقة على الخيل في سبيل الله. وقيل هي في كل من أنفق ماله في طاعة الله على هذه الصفة وإذا قلنا أنها نزلت في علي (ع) فحكمها سار في كل من فعل مثل فعله. وله فضل الاختصاص بالسبق إلى ذلك. ونزول الآية من جهته. وقيل في قسمة الأموال في الانفاق على الليل والنهار والاسرار والاعلان أفضل من الانفاق على غير ذلك الوجه قولان: قال ابن عباس: إن هذا كان يعمل به حتى نزل فرض الزكاة في براءة. والثاني - ان الافضل موافقة هذه الصفة التي وصفها الله. وهو الأقوى لأنه الظاهر، وقال الرماني، ومن تابعه من المعتزلة لا يجب هذا الوعد إذا رتكب صاحبها الكبيرة من الجرم كما لا يجب إن ارتد عن الايمان إلى الكفر وإنما يجب لمن أخلصها مما يفسق بها وهذا عندنا ليس بصحيح، لأن القول بالاحباط باطل ومفارقة الكبيرة بعد فعل الطاعة لا تحبط ثواب الطاعة بحال. وإنما يستحق بمعصية العقاب ولله فيه المشيئة، فأما الارتداد فعندنا أن المؤمن على الحقيقة لا يجوز أن يقع منه كفر، ومتى وقع ممن كان على ظاهر الايمان ارتداد علمنا أن ما كان يظهره لم يكن إيماناً على الحقيقة، وإنما قلنا ذلك لأنه لو كان إيماناً لكان مستحقاً به الثواب الدائم فاذا ارتد فيما بعد استحق بارتداه عقاباً دائما فيجتمع له استحقاق الثواب الدائم والعقاب الدائم وذلك خلاف الاجماع وقوله: "الذين رفع بالابتداء" وما بعده صلة له وخبره { فلهم أجرهم عند ربهم} وإنما دخل الفاء في خبر الذين لأن فيها معنى الجزاء، لأنه يدل على أن الأجر من أجل الانفاق في طاعة الله. ولا يجوز أن يقال زيد فله درهم لأنه ليس فيه معنى الجزاء وإنما رفع {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ونصب {لا ريب فيه} لأجل تكرير (لا) في جواب إذا قال الشاعر: شعر : وما صرمتك حتى قلت معلنة لا ناقة لي في هذا ولا جمل تفسير : فأما {لا ريب فيه}، فجواب (هل) من ريب فيه، فقيل لا ريب فيه على عموم النفي كما أن السؤال على استغراق الجنس بمن فالاعتماد في أحدهما على عموم النفي وفي الآخر على اشتمال النفي على شيئين قد توهم إثبات أحدهما. والانفاق إخراج ما كان من المال عن الملك ولهذا لا يصح في صفة الله (تعالى) الانفاق: وهو موصوف بالاعطاء لعباده ما شاء من نعمة لأن الاعطاء إيصال الشيء إلى الآخذ له والسر: إخفاء الشيء في النفس فأما اخفاؤه في خباء، فليس بسر في الحقيقة، ومنه السّرار والمسّارة لأن كل واحد منهما يخفي الشيء عن غيره إلا عن صاحبه، والعلانية، نقيض السر وهو إظهار الشيء وإبرازه من النفس.
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ} جواب لسؤالٍ ناشئٍ من قوله: ان تبدو الصّدقات؛ تقديره: ما حال من جمع بين السّرّ والعلانية فى الانفاق؟ - فقال: الّذين ينفقون {أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} وهذا من قبيل الفضل فى الجواب او على امكان منشأيّة السّابق للسّؤال عن الجمع بين السّرّ والعلانية فى الانفاق وعن استغراق الانفاق لجميع الاوقات {سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} لم يعطفه للاشارة الى عدم مغايرة السّرّ والعلانية لما فى اللّيل والنّهار {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} اشار الى تفخيم الاجر باضافته اليهم كما مضى {عِندَ رَبِّهِمْ} اشارة اخرى الى تفخيم الاجر {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} فى المجمع انّ الآية نزلت فى علىٍّ (ع) كانت معه اربعة دراهم فتصدّق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سرّاً، وبدرهم علانيةَ. وليس المراد من مثل هذا الخبر تعيين درهم واحد للّيل، ودرهم واحد للنّهار حتّى يغاير درهم السّرّ درهم العلانية بل المراد انّه (ع) تصدّق بشيءٍ فى اللّيل وبشيءٍ فى النّهار وبشيءٍ فى السّرّ ليلاً او نهاراً وبشيءٍ فى العلانية ليلاً او نهاراً، وقيل: انّ الآية اذا نزلت فى شيءٍ فهى منزلة فى كلّ ما تجرى فيه، والاعتقاد فى تفسيرها انّها نزلت فى أمير المؤمنين (ع) وجرت فى النّفقة على الخيل وأشباه ذلك، وفى خبر: انّها ليست من الزّكاة.
الحبري
تفسير : حَدَّثَنَا علَيٌّ بنُ مُحَمَّد، قالَ: حَدَّثَنا الحِبَريُّ، قَال: حَدَّثَنا حَسَنُ بنُ حُسَيْنٍ، قالَ: حَدَّثَنا حِبَّانُ، عن الكَلْبيّ، عن أبى صالِحٍ، عن: ابنِ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ: {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً}. نَزَلَتْ في عَلِيٍّ خَاصَّةً، في أَرْبَعَةٍ دَنانِيْرَ كانَتْ لَهُ، تَصَدَّقَ مِنْها نَهاراً وَبَعْضَها لَيْلاً وَبَعْضَها سِرّاً، وَبَعْضَها عَلانِيَةً.
فرات الكوفي
تفسير : قال [حدثنا] فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثنا جعفر بن محمد الفزاري قال: حدثنا عباد عن نصر عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله [تعالى. ر] {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانية} قال: نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام وكان له أربع دراهم فتصدق بدرهمٍ ليلاً وبدرهم نهاراً وبدرهم سراً وبدرهم علانية فنزلت فيه هذه الآية. [وبالسند المتقدم في ح21 عن ابن عباس] وقوله [تعالى. ر]: {والذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانية} نزلت [الآية. ن] في علي [بن أبي طالب. ر] [عليه السلام. ن] خاصة في [أربعة. ح] دنانير [أ. ر: في الدنانير] كانت له تصدق منها [ب: ببعضها.خ: في بعضها] نهاراً وبعضها ليلاً وبعضها سراً وبعضها علانية. فرات قال: حدثني أحمد بن عيسى بن هارون العجلي قال: حدثنا محمد بن علي العطار قال: حدثنا عمر [و] بن عبد الغفار عن علي بن عابس الأزرق بياع الملاء قال: حدثني ليث. عن مجاهد قال [الله. أ] {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية} نزلت في علي بن أبي طالب [عليه السلام. ب] [قال. أ] كانت [ب: كان] لعلي أربع دراهم فتصدق بدرهمٍ سراً وبدرهم علانية وبدرهم [أ: درهم] بالليل وبدرهم [أ: درهم] بالنهار. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد بن مروان قال: حدثني أبي قال: حدثنا إبراهيم بن هراسة قال: حدثنا مسعر بن كدام عن عطاء بن السائب: عن أبي عبد الرحمان السلمي قال: [قال:. أ] إني لأحفظ لعلي [بن أبي طالب عليه السلام. ما] أربع مناقب ما يمنعني أن أذكرها إلا الخشية [ن: الحسد] قال: فقيل له أذكرها [قال:. ما] فقرء هذه الآية ذات يوم: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانية} إلى آخر الآية قال: وما كان يملك يومه ذلك إلاّ أربعة دراهم فأعطى درهماً بالليل ودرهماً بالنهار ودرهماً سراً [ما: ودرهم بالسر] ودرهماً علانية [ما: ودرهم بالعلانية]. فرات قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن هاشم الدوري قال: حدثنا علي بن الحسن القرشي [أ، ر: القريشي] قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمان الشامي عن جويبر عن الضحاك: حديث : عن ابن عباس رضي الله عنه [في قوله تعالى. ب]: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانية} قال: نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام وذلك أنه أنفق أربع دراهم أنفق في سواد الليل درهماً و[أنفق. أ] في وضوح [أ: ضوء] النهار درهماً وسرّاً درهماً وعلانية درهماً، فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيكم صاحب هذه النفقة؟ فأمسك القوم فأعادها النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. ب] فقام علي بن أبي طالب عليه السلام وقال: أنا يا رسول الله، فتلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم {فلهم أجرهم} يعني ثوابهم {عند ربهم ولا خوف عليهم} من قبل العذاب {ولا هم يحزنون} من قبل الموت يعني في الآخرة .
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {الذي ينفقون أموالهم بالليل والنهار} الآية نزلت في أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يملك الا اربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلاً ودرهم نهاراً وبدرهم سراً وبدرهم علانيَّةً، وقيل: لأنه (عليه السلام) بعث إلى أهل الصفَّة بسويق تمر ليلاً، وقيل: نزلت في عبد الرحمان بن عوف، {الذين يأكلون الربا لا يقومون} الآية أي إذا بعثوا من قبورهم لا يقومون {إلاَّ كما يقوم الَّذي يتخبطه الشيطان} يعني المصروع، قوله تعالى: {من المس} أي من الجنون، وقيل: مسه الشيطان بالاذاءِ والوسوسة لأن العرب يزعمون ان الشيطان يتخبط الانسان وان الجني يمسه فيختلط عقله ولو كان يقدر على ذلك لكان يتخبط جميع المؤمنين مع شدة عداوته لهم {ذلك} العقاب سبب قولهم {إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا} انكارٌ لتسويتهم بينهما عفى الله عما سلف أي لا يؤاخذ بما مضى منه لانه اخذه قبل نزول التحريم {ومن عاد} يعني إلى الربا {فأولئك} الآية، قوله تعالى: {يمحق الله الربا} يعني يهلك المال الذي يدخل فيه الربا، وعن ابن مسعود: الربا وان كثر الى قلٍ {ويربي الصدقات} يعني ما يتصدق به بمعنى يضاعف عليه الثواب ويزيد في المال الذي اخرجت منه الصدقة وبارك فيه، وفي الحديث: "حديث : ما نقص مال من زكاة قط" تفسير : {والله لا يحب كل كفار اثيم} تغليظاً في امر الربا {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا} الآية نزلت في ثقيف وكان لهم على قوم من قريش دين فطالبوا بالمال والربا، وقيل: نزلت في العباس وعثمان، وقيل: في العباس وخالد بن الوليد وكانا مشركين في الجاهلية {فأذنوا بحرب} الاذن الاعلام وقرأ الحسن فأيقنوا من الله ورسوله واعلموا من فعل ذلك {بحرب من الله ورسوله}، قوله: {وإن تبتم} من الربا واخذ ما بقي لكم {فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون} المديونين بطلب الزيادة {ولا تظلمون} بالنقصان منها، قوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} العسر والاعسار ضيق ذات اليد، والمناظرة الامهال، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من انظر معسراً او وضع له اظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل الا ظله" تفسير : وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من أحب ان تجاب دعوته وتكشف كربته فلييسر على المعسر" تفسير : وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ارفقوا وترافقوا ولييسر بعضكم على بعض" تفسير : {وأن تصدقوا خير لكم} قيل: تصدقوا برؤوس اموالكم على من اعسر أو بعضها، وقيل: اراد بالتصدق الانظار {إن كنتم تعلمون} ان ثواب الله خير من اخذها والآية تدل على وجوب انظار المعسر.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ يُنْفقُون أمْوالَهم باللِّيْلِ والنَّهارِ}: أى فى الأوقات كلها بحسب الإمكان والوجود، أو ترجيح النهار تارة والليل أخرى، وبحسب حاجة المحتاج إن احتاج ليلا أعطوه ليلا أو نهارا. {سرّاً وعلانيةً}: جهراً بحسب ما ذكر. {فَلَهم أجْرهُمْ عنْدَ ربِّهمْ}: فيجازيهم به يوم القيامة. {وَلا خَوفٌ عَليهم ولا هُم يَحْزَنُونَ}: لا يخافون يوم القيامة عذابا ولا سخطاً من الله، ولا يحزنون عما مضى فى الدنيا إذ صرفوه فى طاعة الله ولم يبطلوه، ولو كانوا يتمنون الزيادة، وليس تمنيهم حزنا، بخلاف مَن لم يعمل أو عمل وأبطله، فإنهُ يحزن وذلك قبل دخول الجنة، وأما بعده دخولها فلا يبقى أيضا لمن فيها تمن لما فات فى الدنيا، ولا تمن لغير ما أعطى فى الجنة ليكمل تنعمه، ولا ينقص له، والله أعلم. ونزلت الآية فى أبى بكر رضى الله عنهُ إذ تصدق بأربعين ألف دينار، عشرة آلاف فى الليل، وعشرة آلاف بالنهار، وعشرة بالسر وعشرة بالعلانية، وروى ابن عباس: أنها نزلت فى على بن أبى طالب ملك أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سرا، وبدرهم علانية وذلك من رواية قومنا، ولا سبيل إلى قبول روايتهم فيما فيه تصحيح ديانة لهم خالفوا بها المسلمين، وهب أنها نزلت فى سبب إنفاق على فلا يفيد ذلك لهم حجة لجواز إرادة مطلق من تصدق بذلك كما هو لفظ الجمع، ولا سيما أن الآية مقيدة بالوفاء قطعاً، ونحن نقر بفضل على فى العلم والعمل، والقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنا أخذتنا الغيرة فى الله إذ قتل قوماً من المسلمين، وقد زعم من زعم أنهُ تاب وليس ذلك محالا، ورواية الشيخ هود من علماءِ الأمة أنهُ لما نزلت الآية حديث : عمد رجل من فقراءِ المسلمين إلى أربعة دراهم لا يملك غيرها فقال: إن الله يقول: {الذينَ ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية}، فتصدق بدرهم بالليل، ودرهم بالنهار، ودرهم فى السر، ودرهم فى العلانية، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: "أنت الذى أنفقت درهما بالليل، ودرهما فى النهار، ودرهما فى السر، ودرهما فى العلانية؟". فقال الرجل: الله ورسوله أعلم إن كان الله أطلع رسوله على شئ فهو ما أطلعهُ عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم قد أطلعنى على فعلك، والذى نفسى بيده ما تركت للخير مطلبا إلا وقد طلبته، ولا من الشر مهرباً إلا وقد هربت منه إذهب فقد أعطاك الله ما طلبت وآمنك فما تخوفت"تفسير : وذكر عن ابن عباس فى رواية أخرى عنه: "حديث : لما نزل {للفقراء الذين أحصروا} الآية بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير كثيرة إلى أهل الصفة، وبعث على ابن أبى طالب فى الليل بوسق من تمر، فأنزل الله تعالى فيهما: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار}تفسير : ، عنى بنفقة الليل نفقة علىّ وبنفقة النهار نفقة عبد الرحمن، وقيل نزلت الآية فى الذين يربطون الخيل للجهاد فى سبيل الله فإنها تعلف ليلا ونهارا سرا وعلانية، وكان أبو هريرة إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية، وعن أبى هريرة عن البخارى ومثله للربيع بن حبيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حبس فرسا فى سبيل الله إيمانا وإحتساباً وتصديقا بوعده، فإن روثه وبوله فى ميزانه يوم القيامة"تفسير : ، ولفظ الربيع رحمه الله أطول، والآية تعم كل من ينفق ماله فى جميع الأوقات، ويعم بها أصحاب الحاجات، وكل من ربط فرسا فى سبيل الله يعلفه، ولو خص سبب النزول قال قتادة: نزلت فى المنفقين أموالهم فى سبيل الله بلا تبذير ولا اقتار، وفى الآية تفضيل صدقة السر والليل على غيرهما لتقديمهما، وجملة {ولا خوف عليهم} خبر الذين، وقرن بالفاء لشبه الذين باسم الشرط فى العموم، وإرادة التعليق، وقيل الذين مبتدأ خبره محذوف، أى ومنهم الذين والفاء فى: {فلهم أجرهم}، للعطف على الإسمية وقد أجيز لذلك أن يوقف على علانية.
اطفيش
تفسير : {الَّذينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِالَّيْلِ وَالنَّهِارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} المراد إكثار الصدقة وإنفاذها كلما تيسرت لهم، وقدم الليل والسر لفضل الإخفاء. نزلت فى العموم، وسببها شأن الصديق رضى الله عنه. تصدق بعشرة آلاف دينار ليلا وبمثلها نهاراً، أى بلا قصد إخفاء ولا إظهار. وبمثلها سراً قصداً للسر، إما ليلا وإما نهاراً، وبمثلها علانية، إما ليلا وإما نهاراً قصداً للإظهار، ليقتدى به، أو أراد الإنفاق، فوسوس له الشيطان: كيف تنفق الآن وإنفاقك الآن يظهر. فعضاه وأنفق، وهكذا يقال فيما روى قومنا من أنها نزلت أيضاً فى على ابن أبى طالب، ملك أربعة دراهم فتصدق بواحد ليلا وبآخر نهاراً، وبواحد سراً، وآخر علانية، وقيل فى عثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف فى صدقتهما يوم العسرة، وقيل الآية فى ربط الخيل للجهاد والإنفاق عليها، وهو خلاف الظاهر، وهو التصدق على المحاويج {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ} دائم {عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} كذلك، وما كان من خوف وحزن زال إذا أعطوا كتبهم بأيمانهم.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} أي يعممون الأوقات والأحوال بالخير والصدقة، فالمراد بالليل والنهار جميع الأوقات كما أن المراد بما بعده جميع الأحوال، وقدم الليل على النهار والسر على العلانية للإيذان بمزية الإخفاء على الإظهار، وانتصاب (سراً وعلانية) على أنهما مصدران في موضع الحال أي مسرين/ ومعلنين، أو على أنهما حالان من ضمير الإنفاق على مذهب سيبويه، أو نعتان لمصدر محذوف أي إنفاقاً سراً، والباء بمعنى في، واختلف فيمن نزلت، فأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في عليّ كرم الله تعالى وجهه كانت له أربعة دراهم فأنفق بالليل درهماً وبالنهار درهماً، وسراً درهماً وعلانية درهماً، وفي رواية الكلبـي «حديث : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على هذا؟ قال: حملني أن استوجب على الله تعالى الذي وعدني فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن ذلك لك» تفسير : . وأخرج ابن المنذر عن ابن المسيب أن الآية كلها في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف في نفقتهم في جيش العسرة، وأخرج عبد بن حميد وابن أبـي حاتم والواحدي من طريق حسن بن عبد الله الصنعاني أنه سمع ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول في هذه الآية: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ} الخ هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله تعالى ـ وهو قول أبـي أمامة وأبـي الدرداء ومكحول والأوزاعي ورباح بن يزيد ـ ولا يأبـى ذلك ذكر السر والعلانية كما لا يخفى، وقال بعضهم: إنها نزلت في أبـي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه تصدق بأربعين ألف دينار عشرة بالليل وعشرة بالنهار وعشرة بالسر وعشرة بالعلانية، وتعقبه الإمام السيوطي ـ بأن حديث تصدقه بأربعين ألف دينار رواه ابن عساكر في «تاريخه» عن عائشة رضي الله تعالى عنهما، وخبر إن الآية نزلت فيه ـ لم أقف عليه وكأن من ادعى ذلك فهمه مما أخرجه ابن المنذر عن ابن إسحق قال: لما قبض أبو بكر رضي الله تعالى عنه واستخلف عمر خطب الناس فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس إن بعض الطمع فقر وإن بعض اليأس غنى وإنكم تجمعون مالا تأكلون وتؤملون ما لا تدركون واعلموا أن بعضاً من الشح شعبة من النفاق فأنفقوا خيراً لأنفسكم فأين أصحاب هذه الآية وقرأ الآية الكريمة، وأنت تعلم أنها لا دلالة فيها على المدعي {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} المخبوء لهم في خزائن الفضل {عِندَ رَبّهِمْ} والفاء داخلة في حيز الموصول للدلالة على سببية ما قبلها، وقيل: للعطف والخبر محذوف أي ـ ومنهم الذين ـ الخ، ولذلك جوز الوقف على علانية {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تقدم تفسيره والإشارة في الآيات ظاهرة.
ابن عاشور
تفسير : جملة مستأنفة تفيد تعميم أحوال فضائل الإنفاق بعد أن خُصّص الكلام بالإنفاق للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله، فاسم الموصول مبتدأ، وجملة {فلهم أجرهم} خبر المبتدأ. وأَدخل الفاء في خبر الموصول للتنبيه على تسبّب استحقاق الأجر على الإنفاق لأنّ المبتدأ لما كان مشتملاً على صلة مقصود منها التعميم، والتعليل، والإيماء إلى علّة بناء الخبر على المبتدأ ــــــ وهي ينفقون ــــــ صَحّ إدخال الفاء في خبره كما تدخل في جواب الشرط؛ لأنّ أصل الفاء الدلالة على التسبّب وما أدخلت في جواب الشرط إلاّ لذلك. والسرّ: الخفاء. والعلانية: الجهر والظهور. وذكر عند ربّهم لتعظيم شأن الأجر. وقوله: {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} مقابل قوله: { أية : وما للظالمين من أنصار } تفسير : [البقرة: 270] إذ هو تهديد لمانعِي الصدقات بإسلام الناس إياهم عند حلول المصائب بهم، وهذا بشارة للمنفقين بطيب العيش في الدنيا فلا يخافون اعتداء المعتدين لأنّ الله أكسبهم محبة الناس إياهم، ولا تحلّ بهم المصائب المحزنة إلاّ ما لا يسلم منه أحد ممّا هو معتاد في إبانه. أما انتفاء الخوف والحزن عنهم في الآخرة فقد علم من قوله: {فلهم أجرهم عند ربهم}. ورُفع خوف في نفي الجنس إذ لا يتوهم نفي الفرد لأنّ الخوف من المعاني التي هي أجناس محضة لا أفراد لها كما تقدّم في قوله تعالى: { أية : لا بيع فيه ولا خلة } تفسير : [البقرة: 254]، ومنه ما في حديث أم زرع: « حديث : لا حَرٌ ولا قرٌ ولا مَخَافَةٌ ولا سَآمَةٌ ».
القطان
تفسير : بعد أن رغّّب سبحانه وتعالى في الإنفاق وبيَّن فوائده بيّن في هذه الآية فضيلة الانفاق في جميع الاوقات والاحوال، وختمها بنص عام يشمل كل طرق الانفاق وجميع أوقاته، وبحكمٍ عام يشمل كل منفق لوجه الله: ان الذين يتصدقون باموالهم على الفقراء في جميع الأزمنة وسائر الأحوال، وتجود أنفسهم بالبذل في السر والعلانية ـ لهم ثوابهم عند ربهم في خزائن فضله، ولا خوف عليهم حين يخاف الذين يحبسون المال بخلاً عن المحتاجين، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من صالح العمل الذي يرجون به ثواب الله. وبعد، فان الاسلام لا يقيم حياة أهله على الصدقة، بل على تيسير العمل والرزق لكل قادر ـ أولاً، وعلى حسن توزيع الثروة بين أهله على أساس التوفيق بين الجهد والجزاء ـ ثانياً. لكن هنالك حالات تختلف لأسباب استثنائية، وهي التي يعالجها بالصدقة. وقد رغّب الاسلام في الصدقة وحض عليها كثيرا. مرة في صورة فريضةٍ، وهي الزكاة، ومرة في صورة تطوع غير محدود هو الصدقة.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَمْوَالَهُمْ} {بِٱللَّيْلِ} (274) - وَيَمْدَحُ اللهُ تَعَالى الذِينَ يُنْفِقُونَ فِي جَميع الأوْقَاتِ وَالأحْوالِ، فِي السِّرِّ وَالعَلاَنِيَةِ، وَهُمْ لاَ يَبْتَغُونَ مِنْ وَراءِ إنْفَاقِهِمْ إلا مَرْضَاةَ اللهِ فَهَؤُلاءِ لَهُمْ أجْرُهُمْ عَنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا يَخَافُونَ هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَلاَ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا تَرَكُوا مِنْ لَذَائِذِ الدُّنيا.
الثعلبي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} الآية. مجاهد عن ابن عباس قال: كان عند عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه أربعة دراهم لا يملك غيرها، فتصدق بدرهم سرّاً، ودرهم علانيّة، ودرهم ليلاً ودرهم نهاراً، فنزلت {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} الآية. وعن يزيد بن روان قال: ما نزل في أحد من القرآن ما نزل في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يسبق الدرهم مائة ألف" قالوا: يارسول الله وكيف يسبق الدرهم مائة ألف؟ قال: "رجل له درهمان فأخذ أحدهما وتصدّق به، ورجل [...] فأخرج من غرضها مائة ألف فتصدّق بها ". تفسير : وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، قال: لما أنزل الله عزّ وجلّ {لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية، بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير كثيرة إلى أصحاب الصفة حتى أغناهم، وبعث عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في جوف الليل بوسق من تمر - والوسق ستون صاعاً - وكان أحب الصدقتين إلى الله عزّوجل صدقة عليّ رضي الله عنه فأنزل الله فيهما {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} الآية، فعنى بالنهار علانية صدقة عبد الرحمن بن عوف وبالليل سرّاً صدقة عليّ رضي الله عنه. وقال أبو امامة وأبو الدرداء ومكحول والأوزاعي ورباح بن يزيد: هم الذين يمتطون الخيل في سبيل الله يُنفقون عليها بالليل والنهار سرّاً وعلانية، نزلت فيمن لم يرتبط الخيل تخيلا ولا افتخاراً، يدلّ عليه ما روى سعيد بن سنان عن يزيد بن عبد الله بن غريب عن أبيه عن جدّه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} قال: "حديث : نزلت في أصحاب الخيل"تفسير : . قال غريب: والجن لا يقرب بيتاً فيه عتيق من الخيل، ويروى أنه أشار إلى بعض خيل كانت في الخيانة فأشار إلى عتاق تلك الخيل فقال: هؤلاء الذين يُنفقون أموالهم بالليل والنهار. الآية. وعن حبس بن عبد الله الصنعاني أنّه قال: حدّث ابن عباس في هذه الآية: {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} فقال: في علف الخيل. وعن أبي سريح عمّن حدّثه عن أبي الفقيه أنّه قال: مَنْ حبس فرساً كان ستره من النار، [وسقطت منه حسنة]، وكان أبو هريرة إذا مرّ بفرس سمين تلا هذه الآية، وإذا مرّ بفرس أعجف سكت. شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أرتبط فرساً في سبيل الله فأنفق عليه احتساباً، كان شبعه وجوعه وريّه وظمؤه وبوله وروثه في ميزانه يوم القيامة ". تفسير : عبد الرحمن بن يزيد عن جابر عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المنفق في سبيل الله على فرسه كالباسط كفّيه بالصدقة ". تفسير : {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} قال الأخفش (...): إنّه جعل الخبر بالفاء إذا كان الاسم الذي وصل به (...)، لأنّه في معنى من وجواب من بالفاء في الجزاء، ومعنى الآية: مَنْ أنفق فله أجره. {عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَا} ومعنى الربا: الزيادة على أصل المال في غير بيع يقال: ربى الشيء إذا زاد، وأربى عليه و[عامل] عليه إذا زاد عليه في الربا. قال عمر رضي الله عنه: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلاّ مثل بمثل، ولا تبيعوا الورق بالورق إلاّ مثل بمثل، ولا تبيعوا الذهب بالذهب أحدهما غائب والآخر حاضر، وإن استنظرك حتّى يلج بيته فلا تنظره إلاّ يداً بيد هات وهذا أني أخاف عليكم الربا. قالوا: وقياس كتابته بالياء لكسرة أوّله، وقد كتبوه في القرآن بالواو. قال الفراء: إنّما كتبوه كذلك لأنّ أهل الحجاز تعلّموا الكتابة من أهل الحيرة ولغتهم الربوا، فعلّموهم صورة الحرف على لغتهم فأخذوه كذلك عنهم. وكذلك قرأها الضحاك [الربوا] بالواو. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة مكان كسرة الراء. وقرأ الباقون بالتفخيم بفتحة الباء، قالوا: اليوم فانت فيه [بالخيار إن شئت] كتبته على مافي المصحف موافقة له، وإن شئت بالياء وإن شئت بالألف. ومعنى قوله {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَا} [يأكلونه] حق الأكل لأنّه معظم الأمر. والربا في أربعة أشياء: الذهب، والفضّة، والمأكول، والمشروب. فلا يجوز بيع بعضها ببعض إلاّ مثلاً بمثل ويداً بيد، وإذا اختلف الصنفان جاز التفاضل في النقد وحرّم في النسيئة، ولا يجوز صاع بر بصاعين لا نقداً ولا نسيئة لأنّهما جنس واحد، وكذلك الذهب بالذهب مثقال باثنين لا نقداً ولا نسيّة، وكذلك الفضّة بالفضّة، وكذلك صاع بر بصاعين شعير وصاع شعير بصاعين بر نقدا ولا يجوز نسيئة. ويجوز مثقال بعشرين درهماً أو أقل أو أكثر نقداً ولا يجوز نسيئة، وجماع ما شايع الناس عليه ثلاثة أشياء: أحدهما: ما يعتدي به ممّا كان مأكولاً أو مشروباً. والثاني: ما كان ثمناً للأشياء وقيمة للمتلفات وهو الذهب والفضّة فهذان فيهما الربا فلا يجوز بيع شيء متفاضلاً نقداً ونسيئة، والصنف الثالث: ما عدا هذين مما لا يؤكل ولا يشرب ولا يكون ثمناً، فلا ربا فيه فيجوز بيع بعضه ببعض متفاضلاً نقداً ونسيئة. فهذا جملة القول فيما فيه الربا على مذهب الشافعي. وقال مالك: كلّ ثمن أو يقتات أو ما يصلح به القوت فهو الذي فيه الربا. وقال أهل العراق: كلّ مكيل أو موزون فيه الربا. وقال أهل الحجاز ما روي محمد بن سيرين عن مسلم بن يسار وعبد الله بن عبك قالا: جمع المنزل بين عبادة بن الصاحب ومعاوية، فقال عبادة: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالذهب والورق بالورق والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر، وقال أحدهما: والملح بالملح، وقال الآخر: إلاّ مثلاً بمثل ويداً بيد، وأمرنا أن نبيع الذهب بالورق والورق بالذهب والبر بالشعير والشعير بالبر ويداً بيد كيف شئنا. قال أحدهما: فمن ناد أو ازداد فقد أربى. قوله تعالى: {لاَ يَقُومُونَ} يعني يوم القيامة من قبورهم {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ} أي يصرعه ويخبطه {ٱلشَّيْطَانُ} وأصل الخبط الضرب والوطء ويقال ناقة خبوط، التي تطأ الناس وتضرب بقوائمها الأرض. قال زهير: شعر : رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطي يعمر فيهرم تفسير : {مِنَ ٱلْمَسِّ} الجنون. يقال: مسّ الرجل وألِس فهو ممسوس ومالوس، إذا كان مجنوناً، وأصله مسّ الشيطان إياه. ومعنى الآية: إنّ آكل الربا يبعثه الله يوم القيامة مجنوناً [ ] وذلك علامة أهل الربا يبعثون وفيهم خبل من الشيطان. قاله قتادة. أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصّة الإسراء، قال: "حديث : فانطلق بي جبرائيل إلى رجال كثير كلّ رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم متصدّين على سابلة آل فرعون وآل فرعون يعرضون على النار غدوّاً وعشيّاً. قال: فيقبلون مثل الإبل المنهومة يخبطون الحجارة [لا يسمعون ولا يعقلون] فإذا أحسّ بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون، ثم يقوم أحدهم فتميل بطنه فيصرع فلا يستطيعون أن يبرحوا حتّى يغشاهم آل فرعون فيطؤونهم مقبلين ومدبرين فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا والآخرة». قال: وآل فرعون يقولون اللّهمّ لا تقم الساعة أبداً قال: ويوم يقال لهم: {أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} [غافر: 46] قال: قلت: يا جبرائيل مَنْ هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلاّ كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ ". تفسير : حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن أبي الصلت عن أبي هريرة" حديث : إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أُسريَ به رأى في السماء رجالاً بطونهم كالبيوت فيها الحيّات تُرى خارج بطونهم فقلت: مَنْ هولاء يا جبرائيل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَا}" تفسير : أي ذلك الذي نزل بهم لقولهم هكذا واستحلالهم إياه. وذلك إنّ أهل الجاهليّة كان أحدهم إذا أجلّ ماله على غريمه فطالبه بذلك يقول الغريم لصاحب الحقّ: زدني في الأجل وامهلني حتّى أزيدك في مالك فيفعلان ويقولان: سواء علينا الزيادة في أوّل البيع بالربح أو عند محل المال لأجل التأخير. فكذّبهم الله تعالى فقال: {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ} تذكير وتخويف. قال السدي: أمّا الموعظة فالقرآن، وإنّما ذكر الفعل لأنّ الموعظة والوعظ واحد. وقرأ الحسن: فمن جاءته موعظة كقوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [يونس: 57]. {مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ} من أكل الربا {فَلَهُ مَا سَلَفَ} أي ما مضى من ذنبه قبل النهي فهو مغفور له {وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ} يعني النهي إن شاء عصمه حتّى يثبت على الانتهاء وان شاء خذله حتّى يعود، وقيل: وأمره إلى الله فيما يأمره وينهاه ويحلّ له ويحرّم عليه وليس إليه من أمر نفسه شيء. وفيه يقول محمود الورّاق: شعر : إلى الله كلّ الأمر في كلّ خلقه وليس إلى المخلوق شيء من الأمر تفسير : {وَمَنْ عَادَ} بعد التحريم والموعظة إلى أكل الربا مستحلاًّ له {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الربا سبعون باباً أهونها عند الله كالذي ينكح أمّه ". تفسير : وعن عبد الرحمن بن عبدالله بن مسعود عن عبد الله بن مسعود قال:" حديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده ". تفسير : الحسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أرد الله بقرية هلاكاً أظهر فيهم الربا ". تفسير : {يَمْحَقُ ٱللَّهُ} أي ينقصه ويهلكه ويذهب ببركته وإن كان كثيراً كما يمحق القمر. وعن عبد الله بن مسعود رفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنّ الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قلّة ". تفسير : وروي جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ} يعني لا يقبل منه صدقة ولا جهاد ولا حجّاً ولا صلة. {وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَاتِ} أي يزيدها ويكثرها ويبارك فيها في الدنيا ويضاعف الأجر والثواب في العقبى وإن كانت قليلة، قال عزّ من قائل: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة: 245]. القاسم بن محمد قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ الله عزّ وجلّ يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلاّ الطيّب ويأخذها بيمينه ويربيها كما يربّي أحدكم مهره أو [فصيله] حتّى أن اللقمة لتصير مثل أحد" تفسير : وتصديق ذلك في كتاب الله عزّ وجلّ: {أية : أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ} تفسير : [التوبة: 104]. {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَاتِ} قال يحيى بن معاد: لا أعرف حبّة تزن جبال الدنيا إلاّ الحبّة من الصدقة {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ} بتحريم الربا مستحل له {أَثِيمٍ} [متماد في الإثم].
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن المسألة في الإنفاق تقتضي أمرين: إما أن تنفق سراً، وإما أن تنفق علانية. والزمن هو الليل والنهار، فحصر الله الزمان والحال في أمرين: الليل والنهار فإياك أن تحجز عطيّةً تريد أن تعطيها وتقول: "بالنهار أفعل أو في الليل أفعل؛ لأنه أفضل" وتتعلل بما يعطيك الفسحة في تأخير العطاء، إن الحق يريد أن تتعدى النفقة منك إلى الفقير ليلاً أو نهاراً، ومسألة الليلية والنهارية في الزمن، ومسألة السرية والعلنية في الكيفية لا مدخل لها في إخلاص النية في العطاء. {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} [البقرة: 274] أقالت الآية: الذين ينفقون أموالهم بالليل أو النهار؟ لا، لقد طلب من كل منا أن يكون إنفاقه ليلاً ونهاراً وقال: "سراً وعلانية" فأنفق أنت ليلاً، وأنفق أنت نهاراً، وأنفق أنت سراً، وأنفق أنت علانية، فلا تحدد الإنفاق لا بليل ولا بنهار، لا بزمن؛ ولا بكيفية ولا بحال. إن الحق سبحانه استوعب زمن الإنفاق ليلاً ونهاراً، واستوعب أيضاً الكيفية التي يكون عليها الإنفاق سراً وعلانية ليشيع الإنفاق في كل زمن بكل هيئة، وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى عن هؤلاء: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} [البقرة: 274] وهذا القول يدل على عموم من يتأتى منه الإنفاق ليلاً أو نهاراً، سراً أو علانية. وإن كان بعض القوم قد قال: إنها قيلت في مناسبة خاصة، وهي أن الإمام عليًّا كرم الله وجهه ورضي عنه كانت عنده أربعة دراهم، فتصدق بواحد نهاراً، وتصدق بواحد ليلاً، وتصدق بواحد سراً، وتصدق بواحد علانية، فنزلت الآية في هذا الموقف، إلا أن قول الله: "فلهم" يدل على عموم الموضوع لا على خصوص السبب، فكأن الجزاء الذي رتبه سبحانه وتعالى على ذلك شائع على كل من يتأتى منه هذا العمل. وقول الله: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} [البقرة: 274] هنا نجد أن كلمة "أجر" تعطينا لمحة في موقف المؤمن من أداءات الإنفاق كلها؛ لأن الأجر لا يكون إلا عن عمل فيه ثمن لشيء، وفي أجر لعمل. فالذي تستأجره لا يقدم لك شيئاً إلا مجهوداً، هذا المجهود قد ينشأ عنه مُثْمَنٌ، أَيْ شيء له ثمن، فقول الله {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} [البقرة: 274] يدل على أن المؤمن يجب أن ينظر إلى كل شيء جاء عن عمل فالله يطلب منه أن ينفق منه. إن الله لا يعطيه ثمن ما أنفق، وإنما يعطيه الله أجر العمل، لماذا؟ لأن المؤمن الذي يضرب في الأرض يخطط بفكره، والفكر مخلوق لله، وينفذ التخطيط الذي خططه بفكره بوساطة طاقاته وأجهزته؛ وطاقاتُه وأجهزته مخلوقة لله، ويتفاعل مع المادة التي يعمل فيها، وكلها مخلوقة لله، فأي شيء يملكه الإنسان في هذا كله؟ لا الفكر الذي يخطط، ولا الطاقة التي تفعل، ولا المادة التي تنفعل؛ فكلها لله. إذن فأنت فقط لك أجر عملك؛ لأنك تُعمل فكراً مخلوقاً لله، بطاقة مخلوقة لله، في مادة مخلوقة لله، فإن نتج منها شيء أراد الله أن يأخذه منك لأخيك العاجز الفقير فإنه يعطيك أجر عملك لا ثمن عملك. لكن المساوي لك في الخلق وهو الإنسان إن أخذ منك حصيلة عملك فهو يعطيك ثمن ما أخذ منك، فهي من المخلوق المساوي "ثمن"، وهي من الخالق الأعلى أجر؛ لأنك لا تملك شيئاً في كل ذلك. وبعد ذلك يقول الحق: {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274] والخوف هو الحذر من شيء يأتي، فمن الخائف؟ من المُخوفُ؟ ومن المخَوفُ عليه؟ "ولا خوف عليهم" ممن؟ يجوز أن يكون "ولا خوف عليهم" من أنفسهم؛ فقد يخاف الطالب على نفسه من أن يرسب، فالنفس واحدة خائفة ومخوف عليها، إنها خائفة الآن ومخوف عليها بعد الآن. فالتلميذ عندما يخاف أن يرسب، لا يقال: إن الخائف هو عين المخوف؛ لأن هذا في حالة، وهذا في حالة. أو "لا خوف عليهم" من غيرهم، فمن الجائز أن يكون حول كثير من الأغنياء أناس حمقى حين يرون أيدي هؤلاء مبسوطة بالخير للناس فيغمزونهم ليمسكوا مخافة أن يفتقروا كأن يقولوا لهم: "استعدوا للزمن فوراءكم عيالكم". لكن أهل الخير لا يستمعون لهؤلاء الحمقى. إذن فـ "لا خوف عليهم" لا من أنفسهم، ولا من الحمقى حولهم. ويتابع الحق: "ولا هم يحزنون" أي لا خوف عليهم الآن، ولا حزن عندهم حين يواجهون بحقائق الخير التي ادخرها الله سبحانه وتعالى لهم بل إنهم سيفرحون. بعد ذلك يتعرض الحق سبحانه وتعالى إلى قضية من أخطر قضايا العصر، وهذه القضية كان ولابد أن يتعرض لها القرآن؛ لأنه يتكلم عن النفقة وعن الإنفاق، ولا شك أن ذلك يقتضي منفِقاً ومنفَقاً عليه؛ لأنه عاجز، فهب أن الناس شحّوا، ولم ينفقوا، فماذا يكون موقف العاجز الذي لا يجد؟ إن موقفه لا يتعدى أمرين: إما أن يذهب فيقترض، وإن لم يقبل أحد أن يقرضه فهو يأخذ بالربا والزيادة وإلا فكيف يعيش؟ إذن فالآيات التي نحن بصددها تعرّضت للهيكل الاقتصادي في أمة إسلامية جوادة، أو أمة إسلامية بخيلة شحيحة، لماذا؟ لأن الذي خلق الخلق قد صنع حساباً دقيقاً لذلك الخلق، بحيث لو أحصيت ما يجب على الواجدين من زكاة، وأحصيت ما يحتاج إليه من لا يقدر لأن به عجزاً طبيعياً عن العمل، لوجدت العاجزين يحتاجون لمثل ما يفيض عن القادرين بلا زيادة أو نقصان، وإلا كان هناك خطأ والعياذ بالله في حساب الخالق، ولا يمكن أن يتأتى ذلك أبداً. وحين ننظر إلى المجتمعات في تكوينها نجد أن إنساناً غنياً في مكان قد نبا به مكانه، واختار أن يقيم في مكان آخر، فيعجب الناس لماذا ترك ذلك المكان وهو في يسر ورخاء وغنى؟ ربما لو كان فقيراً لقلنا طلباً للسعة، فلماذا خرج من هذا المكان وهو واجد، وهو على هذا الحال من اليسر؟ إنهم لم يفطنوا إلى أن الله الذي خلق الخلق يُدير كونه بتسخير وتوجيه الخواطر التي تخطر في أذهان الناس، فتجد مكانه قد نبا به، وامتلأت نفسه بالقلق، واختار أن يذهب إلى مكان آخر. ولو أن عندنا أجهزة إحصائية دقيقة وحسبنا المحتاجين في البيئة التي انتقل منها لوجدنا قدراً من المال زائداً على حاجة الذين يعيشون في هذه البيئة؛ فوجهه الله إلى مكان آخر يحتاج إلى مثل هذا الكم منه. وهكذا تجد التبادل منظماً. فإن رأيت إنساناً محتاجاً أو إنساناً يريد أن يرابي فاعلم أن هناك تقصيراً في حق الله المعلوم، ولا أقول في الحق غير المعلوم. أي أن الغني بخل بما يجب عليه إنفاقه للمحتاج. والقرآن حين يواجه هذه المسألة فهو يواجهها مواجهة تُبشِّع العمل الربوي تبشيعاً يجعل النفس الإنسانية المستقيمة التكوين تنفر منه فيقول سبحانه وتعالى: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} [البقرة: 274]، فإذا نفذ المال لم يفتروا عن شهوده لحظة ليلاً ونهاراً، بل {أية : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}تفسير : [الأنعام: 52]، {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} [البقرة: 274]؛ يعني: في مقام العندية {أية : عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 55]، {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 274]، من عذاب القطيعة؛ لأنهم قد استمسكوا بالفقر والمحبة؛ وهي العروة الوثقى، {أية : لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا}تفسير : [البقرة: 256]، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274]، عاجلاً وآجلاً: فأما عاجلاً: فلا يحزنون على ما يفوتهم من الدنيا، فإنهم تركوها بطيب قلوبهم في الله، وهو لهم خلف عن كل تلف من كان الله له، وأما أجلاً: كما قال تعالى: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ}تفسير : [الأنبياء: 13]، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور ". تفسير : ثم أخبر عن حرص أهل الدنيا وهم: أكلة الربا، بعد ما ذكر قناعة أهل الآخرة وشكر المولى بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ} [البقرة: 275]، الإشارة فيهما: أن آكل الربا يحرص على الدنيا، مثله كمثل من به جوع الكلب فيأكل ولا يشبع، حتى ينتفخ بطنه ويثقل عليه فلا يقدر عليه أن يقوم، {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ} [البقرة: 275]؛ يعني: إلا كما يقوم المصروع، وكلما يقوم يصرعه نقل بطنه، وهذا كمثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم للحريص، لقوله: "حديث : إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ إِنَّ كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطاً، أَوْ يُلِمُّ إِلاَّ آكِلَةَ الْخَضِرِ تَأْكُلُ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ، فَاخْتَرَّتْ وَثَلَطَتْ وَبَالَتْ، ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، مَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هَوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ"،تفسير : حديث متفق على صحته، وفيه مثلان: ضرب أحدهما: للحريص المفرط في جميع الدنيا ومنعها من حقها، والآخر: ضرب للمقصد في أخذها والانتفاع بها، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ينبت الربيع وما يقتل حبطاً"،تفسير : فهو مثل للحريص الذي يأخذها بغير حق، وذلك أن الربيع ينبت أنواع العشب فيستكثر منها الماشية حتى ينتفخ منها بطونها، كما قد جاوزنا حد الاحتمال فيشق أمعاؤها فيهلك، كذلك الحريص الذي يجمع الدنيا من حلها ويمنع ذا الحق حقه، فينتفخ بطنه يوم القيامة وهو آكل الربا، فلا يقوم ويكون عاقبته النار، وأما مثل المقصد قوله: صلى الله عليه وسلم "حديث : إلا أكل الخضرة"،تفسير : وذلك أن الخضرة ليست من إضراب البقول التي ينبتها الربيع فيستكثر منها الماشية، ولكنها من كلأ الصيف التي ترعها المواشي بعد هيج العقول شيئاً فشيئاً من غير استكثار، فضرب مثلاً لمن يقتصد في أخذ الدنيا ولا يحمله الحرص المفرط على أخذها بغير حقها، وإن كان له حرص مثلاً من الطلب والجمع، ولكن لما كان بأمر الشرع وطريقه ولا يمنع ذا الحق حقه ما أضربه به كما أضر بأكل الربا، كقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ} [البقرة: 275]؛ يعني: في طلب الربح والزيادة. وقال تعالى: {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ} [البقرة: 275]؛ يعني: كيف يكون ما أحل الله وأزال الأمر ظلمته إفراط الحرص منه، مثل ما حرم الله وزاد في ظلمة الحرص الذي فيه عصيان الأمر، فمن ارتكبه بالربا يكون في ظلمات ثلاثة {أية : بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ}تفسير : [النور: 40]، ظلمة الحرص، وظلمة الدنيا، وظلمة المعصية، {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ} البقرة: 275]، بالقرآن والأخبار وإلهام الحق {فَٱنْتَهَىٰ} [البقرة: 275]، يتوب إلى الله ويرجع من الربا، {فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة: 275]، من المعصية فتجاوز عنه الحق. {وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ} [البقرة: 275]، بأن يرزقه بدل الربا من حيث لا يحتسب {وَمَنْ عَادَ} [البقرة: 275]، إلى شؤم فعاله ومذموم خصاله، وأعرض عن الحق ومقاله، واستحل ما حرمه وأقبل على ما احترمه، {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275]، فلينتظروا وشيك الاستئصال، وفجأة النكال {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ} [البقرة: 276]، إذا أسرع فيه بمتابعة الهوى، {وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ} [البقرة: 276] والبركات؛ لأنها معروفة بالخيرات على وفق المأمورات، {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ} [البقرة: 276]، بنعمة الشرع وأنواره، {أَثِيمٍ} [البقرة: 276]، عامل بالطبع مقيم في ظلمة إصراره. ثم أخبر عن العالمين بالشرع والخارجين عن الطبع بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 277]، {آمَنُواْ} [البقرة: 277]، إيمان التصديق بالتخفيف مقروناً بالتوفيق، {وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ} [البقرة: 277]، خرجوا بقدم العبودية على وفق الربوبية من ظلمات الطبع إلى أنوار أركان الشرع، فكان من خصائص ظلمات الطبع البشري، إتباع الهوى، والركون إلى الدنيا، فخرجوا عن ظلمة إتباع الهوى بإقامة الصلاة واقتراب المولى، {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} [البقرة: 277]، فاستغرقوا بنور الحضور وعالجوا ظلمة الركون إلى الدنيا بأنوار إيتاء الزكاة والفطام عن المألوفات، {وَآتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ} [البقرة: 277]، فجذبتهم العناية عند سفل عندية البشرية إلى ذروة عندية الربوبية، {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 277]، من الرجوع إلى الظلمات الطبيعة، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 277]، بعد الخروج إلى أنوار الشريعة.
همام الصنعاني
تفسير : 344- عبد الرزاق، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً}: [الآية: 274]، قال: نَزَلَتْ في عَليٌّ، كانت مَعَهُ أَرْبَعَةُ دراهم فأنْفق باللَّيْلِ دِرْهماً، وبالنَّهارِ دِرْهماً، وسِرّاً درهماً، وعلانيةً دِرْهماً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):