٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
275
Tafseer
الرازي
تفسير : إعلم أن بين الربا وبين الصدقة مناسبة من جهة التضاد، وذلك لأن الصدقة عبارة عن تنقيص المال بسبب أمر الله بذلك، والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهي الله عنه، فكانا متضادين، ولهذا قال الله تعالى: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرّبَوٰاْ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ } فلما حصل بين هذين الحكمين هذا النوع من المناسبة، لا جرم ذكر عقيب حكم الصدقات حكم الربا. أما قوله {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرّبَوٰاْ } فالمراد الذين يعاملون به، وخص الأكل لأنه معظم الأمر، كما قال: {أية : ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً } تفسير : [النساء: 10] وكما لا يجوز أكل مال اليتيم لا يجوز إتلافه، ولكنه نبّه بالأكل على ما سواه وكذلك قوله {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُم بِٱلْبَاطِلِ } تفسير : [البقرة: 188] وأيضاً فلأن نفس الربا الذي هو الزيادة في المال على ما كانوا يفعلون في الجاهلية لا يؤكل، إنما يصرف في المأكول فيؤكل، والمراد التصرف فيه، فمنع الله من التصرف في الربا بما ذكرنا من الوعيد، وأيضاً فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : لعن آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه والمحلل له»تفسير : فعلمنا أن الحرمة غير مختصة بالآكل، وأيضاً فقد ثبت بشهادة الطرد والعكس، أن ما يحرم لا يوقف تحريمه على الأكل دون غيره من التصرفات فثبت بهذه الوجوه الأربعة أن المراد من أكل الربا في هذه الآية التصرف في الربا، وأما الربا ففيه مسائل: المسألة الأولى: الربا في اللغة عبارة عن الزيادة يقال: ربا الشيء يربو ومنه قوله {أية : ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } تفسير : [الحج: 5] أي زادت، وأربى الرجل إذا عامل في الربا، ومنه الحديث «حديث : من أجبى فقد أربى»تفسير : أي عامل بالربا، والاجباء بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه، هذا معنى الربا في اللغة. المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي {ٱلرّبَا } بالإمالة لمكان كسرة الراء والباقون بالتفخيم بفتح الباء، وهي في المصاحف مكتوبة بالواو، وأنت مخير في كتابتها بالألف والواو والياء، قال صاحب «الكشاف»: الربا كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع. المسألة الثالثة: إعلم أن الربا قسمان: ربا النسيئة، وربا الفضل. أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهوراً متعارفاً في الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدراً معيناً، ويكون رأس المال باقياً، ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به. وأما ربا النقد فهو أن يباع من الحنطة بمنوين منها وما أشبه ذلك. إذا عرفت هذا فنقول: المروي عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول فكان يقول: لا ربا إلا في النسيئة، وكان يجوز بالنقد، فقال له أبو سعيد الخدري: شهدت ما لم تشهد، أو سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم تسمع ثم روي أنه رجع عنه قال محمد بن سيرين: كنا في بيت ومعنا عكرمة، فقال رجل: يا عكرمة ما تذكر ونحن في بيت فلان ومعنا ابن عباس، فقال: إنما كنت استحللت التصرف برأيي، ثم بلغني أنه صلى الله عليه وسلم حرمه، فاشهدوا أني حرمته وبرئت منه إلى الله، وحجة ابن عباس أن قوله {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ } يتناول بيع الدرهم بالدرهمين نقداً، وقوله {وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ } لا يتناوله لأن الربا عبارة عن الزيادة، وليست كل زيادة محرمة، بل قوله {وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ } إنما يتناول العقد المخصوص الذي كان مسمى فيما بينهم بأنه ربا. وذلك هو ربا النسيئة، فكان قوله {وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ } مخصوصاً بالنسيئة، فثبت أن قوله {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ } يتناول ربا النقد، وقوله {وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ } لا يتناوله، فوجب أن يبقى على الحل، ولا يمكن أن يقال: إنما يحرمه بالحديث، لأنه يقتضي تخصيص ظاهر القرآن بخبر الواحد وأنه غير جائز، وهذا هو عرف ابن عباس وحقيقته راجعة إلى أن تخصيص القرآن بخبر الواحد هل يجوز أم لا؟ وأما جمهور المجتهدين فقد اتفقوا على تحريم الربا في القسمين، أما القسم الأول فبالقرآن، وأما ربا النقد فبالخبر، ثم إن الخبر دل على حرمة ربا النقد في الأشياء الستة، ثم اختلفوا فقال عامة الفقهاء: حرمة التفاضل غير مقصورة على هذه الستة، بل ثابتة في غيرها، وقال نفاة القياس: بل الحرمة مقصورة عليها وحجة هؤلاء من وجوه: الحجة الأولى: أن الشارع خص من المكيلات والمطعومات والأقوات أشياء أربعة، فلو كان الحكم ثابتاً في كل المكيلات أو في كل المطعومات لقال: لا تبيعوا المكيل بالمكيل متفاضلاً، أو قال: لا تبيعوا المطعوم بالمطعوم متفاضلاً، فإن هذا الكلام يكون أشد اختصاراً، وأكثرر فائدة، فلما لم يقل ذلك بل عد الأربعة، علمنا أن حكم الحرمة مقصور عليها فقط. الحجة الثانية: أنا بينا في قوله تعالى: {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ } يقتضي حل ربا النقد فأنتم أخرجتم ربا النقد من تحت هذا العموم بخبر الواحد في الأشياء الستة، ثم أثبتم الحرمة في غيرها بالقياس عليها، فكان هذا تخصيصاً لعموم نص القرآن في الأشياء الستة بخبر الواحد، وفي غيرها بالقياس على الأشياء الستة، ثبت الحكم فيها بخبر الواحد، ومثل هذا القياس يكون أضعف بكثير من خبر الواحد، وخبر الواحد أضعف من ظاهر القرآن، فكان هذا ترجيحاً للأضعف على الأقوى، وأنه غير جائز. الحجة الثالثة: أن التعدية من محل النص إلى غير محل النص، لا تمكن إلا بواسطة تعليل الحكم في مورد النص، وذلك غير جائز، أما أولاً: فلأنه يقتضي تعليل حكم الله، وذلك محال على ما ثبت في الأصول، وأما ثانياً: فلأن الحكم في مورد النص معلوم، واللغة مظنونة وربط المعلوم بالمظنون غير جائز، وأما جمهور الفقهاء فقد اتفقوا على أن حرمة ربا النقد غير مقصورة على هذه الأشياء الستة، بل هي ثابتة في غيرها، ثم من المعلوم أنه لا يمكن تعدية الحكم عن محل النص إلى غير محل النص إلا بتعليل الحكم الثابت في محل النص بعلة حاصلة في غير محل النص فلهذا المعنى اختلفوا في العلة على مذاهب. فالقول الأول: وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه: أن العلة في حرمة الربا الطعم في الأشياء الأربعة واشتراط اتحاد الجنس، وفي الذهب والفضة النقدية. والقول الثاني: قول أبي حنيفة رضي الله عنه: أن كل ما كان مقدراً ففيه الربا، والعلة في الدراهم والدنانير الوزن، وفي الأشياء الأربعة الكيل واتحاد الجنس. والقول الثالث: قول مالك رضي الله عنه أن العلة هو القوت أو ما يصلح به القوت، وهو الملح. والقول الرابع: وهو قول عبد الملك بن الماجشون: أن كل ما ينتفع به ففيه الربا، فهذا ضبط مذاهب الناس في حكم الربا، والكلام في تفاريع هذه المسائل لا يليق بالتفسير. المسألة الرابعة: ذكروا في سبب تحريم الربا وجوهاً أحدها: الربا يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوض، لأن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئة فيحصل له زيادة درهم من غير عوض، ومال الإنسان متعلق حاجته وله حرمة عظيمة، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : حرمة مال الإنسان كحرمة دمه»تفسير : فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عوض محرماً. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون لبقاء رأس المال في يده مدة مديدة عوضاً عن الدرهم الزائد، وذلك لأن رأس المال لو بقي في يده هذه المدة لكان يمكن المالك أن يتجر فيه ويستفيد بسبب تلك التجارة ربحاً فلما تركه في يد المديون وانتفع به المديون لم يبعد أن يدفع إلى رب المال ذلك الدرهم الزائد عوضاً عن انتفاعه بماله. قلنا: إن هذا الانتفاع الذي ذكرتم أمر موهوم قد يحصل وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد أمر متيقن، فتفويت المتيقن لأجل الأمر الموهوم لا ينفك عن نوع ضرر وثانيها: قال بعضهم: الله تعالى إنما حرم الربا من حيث إنه يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب، وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقداً كان أو نسيئة خف عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات والعمارات وثالثها: قيل: السبب في تحريم عقد الربا، أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، لأن الربا إذا طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع مثله، ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين، فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان ورابعها: هو أن الغالب أن المقرض يكون غنياً، والمستقرض يكون فقيراً، فالقول بتجويز عقد الربا تمكين للغنى من أن يأخذ من الفقير الضعيف مالاً زائداً، وذلك غير جائز برحمة الرحيم وخامسها: أن حرمة الربا قد ثبتت بالنص، ولا يجب أن يكون حكم جميع التكاليف معلومة للخلق، فوجب القطع بحرمة عقد الربا، وإن كنا لا نعلم الوجه فيه. أما قوله تعالى: {لاَ يَقُومُونَ } فأكثر المفسرين قالوا: المراد منه القيام يوم القيامة، وقال بعضهم: المراد منه القيام من القبر، واعلم أنه لا منافاة بين الوجهين، فوجب حمل اللفظ عليهما. أما قوله تعالى: {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسّ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: التخبط معناه الضرب على غير استواء، ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه: إنه يخبط خبط عشواء، وخبط البعير للأرض بأخفافه، وتخبطه الشيطان إذا مسّه بخبل أو جنون لأنه كالضرب على غير الاستواء في الادهاش، وتسمى إصابة الشيطان بالجنون والخبل خبطة، ويقال: به خبطة من جنون، والمس الجنون، يقال: مس الرجل فهو ممسوس وبه مس، وأصله من المس باليد، كأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه، ثم سمي الجنون مساً، كما أن الشيطان يتخبطه ويطؤه برجله فيخبله، فسمي الجنون خبطة، فالتخبط بالرجل والمس باليد، ثم فيه سؤالان: السؤال الأول: التخبط تفعل، فكيف يكون متعدياً؟. الجواب: تفعل بمعنى فعل كثير، نحو تقسمه بمعنى قسمه، وتقطعه بمعنى قطعه. السؤال الثاني: بم تعلق قوله {مِنَ ٱلْمَسّ }. قلنا: فيه وجهان أحدهما: بقوله {لاَ يَقُومُونَ } والتقدير: لا يقومون من المس الذي لهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان والثاني: أنه متعلق بقوله {يقوم} والتقدير لا يقومون إلا كما يقوم المتخبط بسبب المس. المسألة الثانية: قال الجبائي: الناس يقولون المصروع إنما حدثت به تلك الحالة لأن الشيطان يمسه ويصرعه وهذا باطل، لأن الشيطان ضعيف لا يقدر على صرع الناس وقتلهم ويدل عليه وجوه: أحدها: قوله تعالى حكاية عن الشيطان {أية : وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى } تفسير : [إبراهيم: 22] وهذا صريح في أنه ليس للشيطان قدرة على الصرع والقتل والإيذاء والثاني: الشيطان إما أن يقال: إنه كثيف الجسم، أو يقال: إنه من الأجسام اللطيفة، فإن كان الأول وجب أن يرى ويشاهد، إذ لو جاز فيه أن يكون كثيفاً ويحضر ثم لا يرى لجاز أن يكون بحضرتنا شموس ورعود وبروق وجبال ونحن لا نراها، وذلك جهالة عظيمة، ولأنه لو كان جسماً كثيفاً فكيف يمكنه أن يدخل في باطن بدن الإنسان، وأما إن كان جسماً لطيفاً كالهواء، فمثل هذا يمتنع أن يكون فيه صلابة وقوة، فيمتنع أن يكون قادراً على أن يصرع الإنسان ويقتله الثالث: لو كان الشيطان يقدر على أن يصرع ويقتل لصح أن يفعل مثل معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذلك يجر إلى الطعن في النبوّة الرابع: أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يصرع جميع المؤمنين ولم لا يخبطهم مع شدة عداوته لأهل الإيمان، ولم لا يغصب أموالهم، ويفسد أحوالهم، ويفشي أسرارهم، ويزيل عقولهم؟ وكل ذلك ظاهر الفساد، واحتج القائلون بأن الشيطان يقدر على هذه الأشياء بوجهين الأول: ما روي أن الشياطين في زمان سليمان بن داود عليهما السلام كانوا يعملون الأعمال الشاقة على ما حكى الله عنهم أنهم كانوا يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات. والجواب عنه: أنه تعالى كلفهم في زمن سليمان فعند ذلك قدروا على هذه الأفعال وكان ذلك من المعجزات لسليمان عليه السلام والثاني: أن هذه الآية وهي قوله {يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } صريح في أن يتخبطه الشيطان بسبب مسّه. والجواب عنه: أن الشيطان يمسّه بوسوسته المؤذية التي يحدث عندها الصرع، وهو كقول أيوب عليه السلام {أية : أَنّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} تفسير : [صۤ: 41] وإنما يحدث الصرع عند تلك الوسوسة لأن الله تعالى خلقه من ضعف الطباع، وغلبة السوداء عليه بحيث يخاف عند الوسوسة فلا يجترىء فيصرع عند تلك الوسوسة، كما يصرع الجبان من الموضع الخالي، ولهذا المعنى لا يوجد هذا الخبط في الفضلاء الكاملين، وأهل الحزم والعقل وإنما يوجد فيمن به نقص في المزاج وخلل في الدماغ فهذا جملة كلام الجبائي في هذا الباب، وذكر القفال فيه وجه آخر، وهو أن الناس يضيفون الصرع إلى الشيطان وإلى الجن، فخوطبوا على ما تعارفوه من هذا، وأيضاً من عادة الناس أنهم إذا أرادوا تقبيح شيء أن يضيفوه إلى الشيطان، كما في قوله تعالى: {أية : طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤوسُ ٱلشَّيـٰطِينِ } تفسير : [الصافات: 65]. المسألة الثالثة: للمفسرين في الآية أقوال الأول: أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً وذلك كالعلامة المخصوصة بآكل الربا، فعرفه أهل الموقف لتلك العلامة أنه آكل الربا في الدنيا، فعلى هذا معنى الآية: أنهم يقومون مجانين، كمن أصابه الشيطان بجنون. والقول الثاني: قال ابن منبه: يريد إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين لقوله {أية : يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً } تفسير : [المعارج: 43] إلا آكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون، كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس وذلك لأنهم أكلوا الربا في الدنيا، فأرباه الله في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم فهم ينهضون، ويسقطون، ويريدون الإسراع، ولا يقدرون، وهذا القول غير الأول لأنه يريد أن آكلة الربا لا يمكنهم الإسراع في المشي بسبب ثقل البطن، وهذا ليس من الجنون في شيء، ويتأكد هذا القول بما روي في قصة الإسراء أن النبي صلى الله عليه وسلم انطلق به جبريل إلى رجال كل واحد منهم كالبيت الضخم، يقوم أحدهم فتميل به بطنه فيصرع، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرّبَوٰاْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسّ }. والقول الثالث: أنه مأخوذ من قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَـئِفٌ مّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } تفسير : [الأعراف: 201] وذلك لأن الشيطان يدعو إلى طلب اللذات والشهوات والاشتغال بغير الله، فهذا هو المراد من مس الشيطان، ومن كان كذلك كان في أمر الدنيا متخبطاً، فتارة الشيطان يجره إلى النفس والهوى، وتارة الملك يجره إلى الدين والتقوى، فحدثت هناك حركات مضطربة، وأفعال مختلفة، فهذا هو الخبط الحاصل بفعل الشيطان وآكل الربا لا شك أنه يكون مفرطاً في حب الدنيا متهالكاً فيها، فإذا مات على ذلك الحب صار ذلك الحب حجاباً بينه وبين الله تعالى، فالخبط الذي كان حاصلاً في الدنيا بسبب حب المال أورثه الخبط في الآخرة، وأوقعه في ذل الحجاب، وهذا التأويل أقرب عندي من الوجهين اللذين نقلناهما عمن نقلنا. أما قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرّبَوٰاْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: القوم كانوا في تحليل الربا على هذه الشبهة، وهي أن من اشترى ثوباً بعشرة ثم باعه بأحد عشر فهذا حلال، فكذا إذا باع العشرة بأحد عشرة يجب أن يكون حلال، لأنه لا فرق في العقل بين الأمرين، فهذا في ربا النقد، وأما في ربا النسيئة فكذلك أيضاً، لأنه لو باع الثوب الذي يساوي عشرة في الحال بأحد عشر إلى شهر جاز فكذا إذا أعطى العشرة بأحد عشر إلى شهر، وجب أن يجوز لأنه لا فرق في العقل بين الصورتين، وذلك لأنه إنما جاز هناك، لأنه حصل التراضي من الجانبين، فكذا ههنا لما حصل التراضي من الجانبين وجب أن يجوز أيضاً، فالبياعات إنما شرعت لدفع الحاجات، ولعلل الإنسان أن يكون صفر اليد في الحال شديد الحاجة، ويكون له في المستقبل من الزمان أموال كثيرة، فإذا لم يجز الربا لم يعطه رب المال شيئاً فيبقى الإنسان في الشدة والحاجة، إما بتقدير جواز الربا فيعطيه رب المال طمعاً في الزيادة، والمديون يرده عند وجدان المال، وإعطاء تلك الزيادة عند وجدان المال أسهل عليه من البقاء في الحاجة قبل وجدان المال، فهذا يقتضي حل الربا كما حكمنا بحل سائر البياعات لأجل دفع الحاجة، فهذا هو شبهة القوم، والله تعالى أجاب عنه بحرف واحد، وهو قوله {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ } ووجه الجواب أن ما ذكرتم معارضة للنص بالقياس، وهو من عمل إبليس، فإنه تعالى لما أمره بالسجود لآدم صلى الله عليه وسلم عارض النص بالقياس، فقال: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } تفسير : [الأعراف: 12] [صۤ: 76] واعلم أن نفاة القياس يتمسكون بهذا الحرف، فقالوا: لو كان الدين بالقياس لكانت هذه الشبهة لازمة، فلما كانت مدفوعة علمنا أن الدين بالنص لا بالقياس، وذكر القفال رحمة الله عليه الفرق بين البابين، فقال: من باع ثوباً يساوي عشرة بعشرين فقد جعل ذات الثوب مقابلاً بالعشرين، فلما حصل التراضي على هذا التقابل صار كل واحد منهما مقابلاً للآخر في المالية عندهما، فلم يكن أخذ من صاحبه شيئاً بغير عوض، أما إذا باع العشرة بالعشرة فقد أخذ العشرة الزائدة من غير عوض، ولا يمكن أن يقال: إن غرضه هو الامهال في مدة الأجل، لأن الامهال ليس مالاً أو شيئاً يشار إليه حتى يجعله عوضاً عن العشرة الزائدة، فظهر الفرق بين الصورتين. المسألة الثانية: ظاهر قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرّبَوٰاْ } يدل على أن الوعيد إنما يحصل باستحلالهم الربا دون الإقدام عليه، وأكله مع التحريم، وعلى هذا التقدير لا يثبت بهذه الآية كون الربا من الكبائر. فإن قيل: مقدمة الآية تدل على أن قيامهم يوم القيامة متخبطين كان بسبب أنهم أكلوا الربا. قلنا: إن قوله {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرّبَوٰاْ } صريح في أن العلة لذلك التخبط هو هذا القول والاعتقاد فقط، وعند هذا يجب تأويل مقدمة الآية، وقد بينا أنه ليس المراد من الأكل نفس الأكل، وذكرنا عليه وجوهاً من الدلائل، فأنتم حملتموه على التصرف في الربا، ونحن نحمله على استحلال الربا واستطابته، وذلك لأن الأكل قد يعبر به عن الاستحلال، يقال: فلان يأكل مال الله قضماً خصماً، أي يستحل التصرف فيه، وإذا حملنا الأكل على الاستحلال، صارت مقدمة الآية مطابقة لمؤخرتها، فهذا ما يدل عليه لفظ الآية، إلا أن جمهور المفسرين حملوا الآية على وعيد من يتصرف في مال الربا، لا على وعيد من يستحل هذا العقد. المسألة الثالثة: في الآية سؤال، وهو أنه لم لم يقل: إنما الربا مثل البيع، وذلك لأن حل البيع متفق عليه، فهم أرادوا أن يقيسوا عليه الربا، ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق، فكان نظم الآية أن يقال: إنما الربا مثل البيع، فما الحكمة في أن قلب هذه القضية، فقال: {إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرّبَوٰاْ }. والجواب: أنه لم يكن مقصود القوم أن يتمسكوا بنظم القياس، بل كان غرضهم أن الربا والبيع متماثلان من جميع الوجوه المطلوبة فكيف يجوز تخصيص أحد المثلين بالحل والثاني بالحرمة وعلى هذا التقدير فأيهما قدم أو أخر جاز. أما قوله تعالى: {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: يحتمل أن يكون هذا الكلام من تمام كلام الكفار، والمعنى أنهم قالوا: البيع مثل الربا، ثم إنكم تقولون {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ } فكيف يعقل هذا؟ يعني أنهما لما كانا متماثلين فلو حل أحدهما وحرم الآخر لكان ذلك إيقاعاً للتفرقة بين المثلين، وذلك غير لائق بحكمة الحكيم فقوله {أَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ } ذكره الكفار على سبيل الاستبعاد، وأما أكثر المفسرين فقد اتفقوا على أن كلام الكفار انقطع عند قوله {إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرّبَوٰاْ } وأما قوله {أَحَلَّ ٱللَّه ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ } فهو كلام الله تعالى ونصه على هذا الفرق ذكره إبطالاً لقول الكفار إنما البيع مثل الربا، والحجة على صحة هذا القول وجوه: الحجة الأولى: أن قول من قال: هذا كلام الكفار لا يتم إلا بإضمار زيادات بأن يحمل ذلك على الاستفهام على سبيل الإنكار، أو يحمل ذلك على الرواية من قول المسلمين، ومعلوم أن الإضمار خلاف الأصل، وأما إذا جعلناه كلام الله ابتداء لم يحتج فيه إلى هذا الإضمار، فكان ذلك أولى. الحجة الثانية: أن المسلمين أبداً كانوا متمسكين في جميع مسائل البيع بهذه الآية ولولا أنهم علموا أن ذلك كلام الله لا كلام الكفار، وإلا لما جاز لهم أن يستدلوا به، وفي هذه الحجة كلام سيأتي في المسألة الثانية. الحجة الثالثة: أنه تعالى ذكر عقيب هذه الكلمة قوله {فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا } فظاهر هذا الكلام يقتضي أنهم لما تمسكوا بتلك الشبهة وهي قوله {إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرّبَوٰاْ } فالله تعالى قد كشف عن فساد تلك الشبهة وعن ضعفها، ولو لم يكن قوله {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ } كلام الله لم يكن جواب تلك الشبهة مذكوراً فلم يكن قوله {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ } لائقاً بهذا الموضع. المسألة الثانية: مذهب الشافعي رضي الله عنه أن قوله {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ } من المجملات التي لا يجوز التمسك بها، وهذا هو المختار عندي، ويدل عليه وجوه: الأول: أنا بينا في أصول الفقه أن الاسم المفرد المحلي بلام التعريف لا يفيد العموم ألبتة، بل ليس فيه إلا تعريف الماهية، ومتى كان كذلك كفى العمل به في ثبوت حكمه في صورة واحدة. والوجه الثاني: وهو أنا إذا سلمنا أنه يفيد العموم، ولكنا لا نشك أن إفادته العموم أضعف من إفادة ألفاظ الجمع للعموم، مثلاً قوله {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ } وإن أفاد الاستغراق إلا أن قوله وأحل الله البيعات أقوى في إفادة الاستغراق، فثبت أن قوله {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ } لا يفيد الاستغراق إلا إفادة ضعيفة، ثم تقدير العموم لا بد وأن يطرق إليها تخصيصات كثيرة خارجة عن الحصر والضبط، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، لأنه كذب والكذب على الله تعالى محال، فأما العام الذي يكون موضع التخصيص منه قليلاً جداً فذلك جائز لأن إطلاق لفظ الاستغراق على الأغلب عرف مشهور في كلام العرب، فثبت أن حمل هذا على العموم غير جائز. الوجه الثالث: ما روي عن عمر رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا وما سألناه عن الربا، ولو كان هذا اللفظ مفيداً للعموم لما قال ذلك فعلمنا أن هذه الآية من المجملات. الوجه الرابع: أن قوله {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ } يقتضي أن يكون كل بيع حلالاً، وقوله {وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ } يقتضي أن يكون كل ربا حراماً، لأن الربا هو الزيادة ولا بيع إلا ويقصد به الزيادة، فأول الآية أباح جميع البيوع، وآخرها حرم الجميع، فلا يعرف الحلال من الحرام بهذه الآية، فكانت مجملة، فوجب الرجوع في الحلال والحرام إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم. أما قوله {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ } فاعلم أنه ذكر فعل الموعظة لأن تأنيثها غير حقيقي ولأنها في معنى الوعظ، وقرأ أبي والحسن {فَمَنْ جَاءتْهُ مَّوْعِظَةٌ } ثم قال: {فَٱنتَهَىٰ } أي فامتنع، ثم قال: {فَلَهُ مَا سَلَفَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في التأويل وجهان الأول: قال الزجاج: أي صفح له عما مضى من ذنبه من قبل نزول هذه الآية، وهو كقوله {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [الأنفال: 38] وهذا التأويل ضعيف لأنه قبل نزول الآية في التحريم لم يكن ذلك حراماً ولا ذنباً، فكيف يقال المراد من الآية الصفح عن ذلك الذنب مع أنه ما كان هناك ذنب، والنهي المتأخر لا يؤثر في الفعل المتقدم ولأنه تعالى أضاف ذلك إليه بلام التمليك، وهو قوله {فَلَهُ مَا سَلَفَ } فكيف يكون ذلك ذنباً الثاني: قال السدي: له ما سلف أي له ما أكل من الربا، وليس عليه رد ما سلف، فأما من لم يقض بعد فلا يجوز له أخذه، وإنما له رأس ماله فقط كما بينه بعد ذلك بقوله {أية : وإِن تبتم فلكم رؤوؤس أموالكم } تفسير : [البقرة: 279]. المسألة الثانية: قال الواحدي: السلف المتقدم، وكل شيء قدمته أمامك فهو سلف، ومنه الأمة السالفة، والسالفة العنق لتقدمه في جهة العلو، والسلفة ما يقدم قبل الطعام، وسلافة الخمر صفوتها، لأنه أول ما يخرج من عصيرها. أما قوله تعالى: {وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ } ففيه وجوه للمفسرين، إلا أن الذي أقوله: إن هذه الآية مختصة بمن ترك استحلال الربا من غير بيان أنه ترك أكل الربا، أو لم يترك، والدليل عليه مقدمة الآية ومؤخرتها. أما مقدمة الآية فلأن قوله {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ فَٱنتَهَىٰ } ليسس فيه بيان أنه انتهى عماذا فلا بد وأن يصرف ذلك المذكور إلى السابق، وأقرب المذكورات في هذه الكلمة ما حكى الله أنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا، فكان قوله {فَٱنتَهَىٰ } عائداً إليه، فكان المعنى: فانتهى عن هذا القول. وأما مؤخرة الآية فقوله {وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } ومعناه: عاد إلى الكلام المتقدم، وهو استحلال الربا {فأمره إِلَى ٱللَّهِ } ثم هذا الإنسان إما أن يقال: إنه كما انتهى عن استحلال الربا انتهى أيضاً عن أكل الربا، أو ليس كذلك، فإن كان الأول كان هذا الشخص مقراً بدين الله عالماً بتكليف الله، فحينئذ يستحق المدح والتعظيم والإكرام، لكن قوله {فأمره إِلَى ٱللَّهِ } ليس كذلك لأنه يفيد أنه تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فثبت أن هذه الآية لا تليق بالكافر ولا بالمؤمن المطيع، فلم يبق إلا أن يكون مختصاً بمن أقر بحرمة الربا ثم أكل الربا فههنا أمره لله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وهو كقوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } فيكون ذلك دليلاً ظاهراً على صحة قولنا أن العفو من الله مرجو. أما قوله {وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } فالمعنى: ومن عاد إلى استحلال الربا حتى يصير كافراً. واعلم أن قوله {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } دليل قاطع في أن الخلود لا يكون إلا للكافر لأن قوله {أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } يفيد الحصر فيمن عاد إلى قول الكافر وكذلك قوله {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } يفيد الحصر، وهذا يدل على أن كونه صاحب النار، وكونه خالداً في النار لا يحصل إلا في الكفار أقصى ما في الباب أنا خالفنا هذا الظاهر وأدخلنا سائر الكفار فيه، لكنه يبقى على ظاهره في صاحب الكبيرة فتأمل في هذه المواضع، وذلك أن مذهبنا أن صاحب الكبيرة إذا كان مؤمناً بالله ورسوله يجوز في حقه أن يعفو الله عنه، ويجوز أن يعاقبه الله وأمره في البابين موكل إلى الله، ثم بتقدير أن يعاقبه الله فإنه لا يخلد في النار بل يخرجه منها، والله تعالى بيّن صحة هذا المذهب في هذه الآيات بقوله {فأمره إِلَى ٱللَّهِ } على جواز العفو في حق صاحب الكبيرة على ما بيناه. ثم قوله {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } يدل على أن بتقدير أن يدخله الله النار لكنه لا يخلده فيها الأن الخلود مختص بالكفار لا بأهل الإيمان، وهذا بيان شريف وتفسير حسن.
القرطبي
تفسير : الآيات الثلاث تضمنت أحكام الربا وجواز عقود المبايعات، والوعيد لمن استحل الربا وأصرّ على فعله. وفي ذلك ثمان وثلاثون مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَا} يأكلون يأخذون، فعبر عن الأخذ بالأكل؛ لأن الأخذ إنما يراد للأكل. الربا في اللغة الزيادة مطلقاً؛ يقال: ربا الشيء يربو إذا زاد، ومنه الحديث: «حديث : فلا والله ما أخذنا من لقمة إلاّ رَبَا من تحتها»تفسير : يعني الطعام الذي دعا فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم بالبركة؛ خرّج الحديث مسلم رحمه الله. وقياس كتابته بالياء للكسرة في أوّله، وقد كتبوه في القرآن بالواو. ثم إن الشرع قد تصرّف في هذا الإطلاق فقصره على بعض موارده؛ فمرّة أطلقه على كسب الحرام؛ كما قال الله تعالى في اليهود: {أية : وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ}تفسير : [النساء: 161]. ولم يرد به الرّبا الشرعيّ الذي حكم بتحريمه علينا وإنما أراد المال الحرام؛ كما قال تعالى: {أية : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} تفسير : [المائدة: 42] يعني به المال الحرام من الرّشا، وما استحلوه من أموال الأُمِّيِّين حيث قالوا: {أية : لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} تفسير : [آل عمران: 75]. وعلى هذا فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأيّ وجه اكتُسب. والربا الذي عليه عُرف الشرع شيئان: تحريم النَّسَاء، والتفاضل في العقود وفي المطعومات على ما نبيّنه. وغالبه ما كانت العرب تفعله، من قولها للغريم: أتقضي أُم تُرْبِي؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه. وهذا كله محرّم باتفاق الأُمة. الثانية ـ أكثر البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادةٍ إمّا في عين مال، وإمّا في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه. ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة؛ كبيع الثمرة قبل بُدُوّ صلاحها، وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة؛ فإن قيل لفاعلها؛ آكل الربا فتجوُّز وتشبيه. الثالثة ـ روى الأئمة واللفظ لمُسْلم عن أبي سعيد الخُدْريّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبُرّ بالبُرّ والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مِثْلا بمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربَى الآخذ والمعطي فيه سواء»تفسير : . وفي حديث عُبادة بن الصّامت: «حديث : فإذا اختلفت هذه الأصناف فبِيعُوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد»تفسير : . وروى أبو داود عن عُبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الذهب بالذهب تِبْرُها وعَيْنها والفضة بالفضة تبرها وعينها والبُرُّ بالبرّ مُدْيٌ بمُدْيٍ والشعير بالشعير مدْي بمُدْي والتمر بالتمر مُدْيٌ بمُدْيٍ والملحُ بالملح مُدْيٌ بمُدْيٍ فمن زاد أو ازداد فقد أرْبَى ولا بأس يبيع الذهب بالفضة والفضةُ أكثرهما يداً بيد وأما نَسِيئة فلا ولا بأس ببيع البرِّ بالشعير والشعيرُ أكثرهما يداً بيد وأما نسِيئة فلا»تفسير : . وأجمع العلماء على القول بمقتضى هذه السُّنّة وعليها جماعة فقهاء المسلمين إلا في البُرّ والشعير فإن مالكاً جعلهما صنفاً واحداً، فلا يجوز منهما اثنان بواحد، وهو قول الليث والأُوزاعيّ ومعظم علماء المدينة والشام، وأضاف مالك إليهما السُّلْت. وقال الليث: السلت والدُّخن والذرة صنف واحد؛ وقاله ابن وهب. قلت: وإذا ثبتت السُّنّة فلا قول معها. وقال عليه السلام: حديث : «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد». وقوله: «البُرُّ بالبُرِّ والشعير بالشعير» تفسير : دليل على أنهما نوعان مختلفان كمخالفة البُرّ للتمر؛ ولأن صفاتهما مختلفة وأسماؤهما مختلفة، ولا اعتبار بالمنبِت والمحصد إذا لم يعتبره الشرع، بل فصل وبيّن؛ وهذا مذهب الشافعيّ وأبي حنيفة والثّوريّ وأصحاب الحديث. الرابعة ـ كان معاوية بن أبي سفيان يذهب إلى أن النهي والتحريم إنما ورد من النبيّ صلى الله عليه وسلم في الدِّينار المضروب والدرهم المضروب لا في التِّبر من الذهب والفضة بالمضروب، ولا في المَصُوغ بالمضروب. وقد قيل إن ذلك إنما كان منه في المصوغ خاصة، حتى وقع له مع عُبَادة ما خرّجه مسلم وغيره، قال: غَزَوْنا وعلى الناس معاويةُ فغِنمنا غنائمَ كثيرةً، فكان مما غنمنا آنية من فضة فأمر معاوية رجلاً ببيعها في أَعْطِيّات الناس فتنازع الناس في ذلك فبلغ عبادةَ بن الصامت ذلك فقام فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبُرّ بالبُرّ والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواءً بسواء عَيْناً بعَيْن من زاد أو ازداد فقد أرْبَى؛ فردّ الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاويةَ فقام خطيباً فقال: ألاَ ما بالُ رجالٍ يتحدّثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديثَ قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه! فقام عُبَادة بن الصامت فأعاد القصة ثم قال: لنحدّثنّ بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاويةُ ـ أو قال وإن رَغِم ـ ما أُبالي ألاّ أصحبَه في جُنْدِه في ليلةٍ سَوْداء. قال حمّادٌ هذا أو نحوَه. قال ابن عبد البرّ: وقد رُوي أن هذه القِصة إنما كانت لأبي الدّرداء مع معاوية. ويحتمل أن يكون وقع ذلك لهما معه، ولكن الحديث في العُرْف محفوظ لعُبَادة، وهو الأصل الذي عوّل عليه العلماء في باب «الربا». ولم يختلفوا أنّ فعل معاوية في ذلك غير جائز، وغير نَكِير أن يكون معاوية خفي عليه ما قد علمه أبو الدرداء وعُبادة فإنهما جليلان من فقهاء الصحابة وكبارهم، وقد خفِي على أبي بكر وعمر ما وُجد عند غيرهم ممن هو دونهم، فمعاويةُ أحرى. ويحتمل أن يكون مذهبه كمذهب ٱبن عباس، فقد كان وهو بحرٌ في العلم لا يرى الدرهم بالدرهمين بأساً حتى صرفه عن ذلك أبو سعيد. وقصة معاوية هذه مع عبادة كانت في ولاية عمر. قال قَبيصة بن ذُؤيب: إن عُبادة أنكر شيئاً على معاوية فقال: لا أُساكنك بأرض أنت بها ودخل المدينة. فقال له عمر: ما أقدمك؟ فأخبره. فقال: ٱرجِع إلى مكانك، فقبّح الله أرضاً لست فيها ولا أمثالك! وكتب إلى معاوية «لا إمارة لك عليه». الخامسة ـ روى الأئمة واللفظ للدّارَقُطْنِيّ عن عليّ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فَضْلَ بينهما من كانت له حاجة بورقِ فلْيَصرِفْها بذهب وإن كانت له حاجةٌ بذهب فليصرفها بوَرِق هَاءَ وهَاء»تفسير : . قال العلماء فقوله عليه السلام: «حديث : الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما» تفسير : إشارةٌ إلى جنس الأصل المضروب؛ بدليل قوله: «حديث : الفضة بالفضة والذهب بالذهب»تفسير : الحديث. والفضة البيضاء والسوداء والذهب الأحمر والأصفر كل ذلك لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مِثْلا بِمثل سواء بسواء على كل حال؛ على هذا جماعة أهل العلم على ما بيّنا. واختلفت الرواية عن مالك في الفلوس فألحقها بالدراهم من حيث كانت ثمناً للأشياء، ومنع من إلحاقها مرّة من حيث إنها ليست ثمناً في كل بلد وإنما يختص بها بلد دون بلد. السادسة ـ لا اعتبار بما قد رُوي عن كثير من أصحاب مالك وبعضهم يرويه عن مالك في التاجر يحفِزه الخروج وبه حاجة إلى دراهمَ مضروبةٍ أو دنانيرَ مضروبةٍ، فيأتي دار الضرب بفضته أو ذهبه فيقول للضرّاب؛ خذ فضّتي هذه أو ذهبي وخذ قدر عمل يدك وادفع إليّ دنانير مضروبةً في ذهبي أو دراهمَ مضروبةً في فضّتِي هذه لأني محفوز للخروج وأخاف أن يفوتني من أخرج معه، أن ذلك جائز للضرورة، وأنه قد عمل به بعض الناس. وحكاه ابن العربيّ في قبسه عن مالك في غير التاجر، وأن مالكاً خفّف في ذلك؛ فيكون في الصورة قد باع فضته التي زنتها مائة وخمسة دراهم أجره بمائة وهذا محض الربا. والذي أوجب جواز ذلك أنه لو قال له: اضرب لي هذه وقاطعه على ذلك بأُجرة، فلما ضربها قبضها منه وأعطاه أُجرتها؛ فالذي فعل مالك أوّلاً هو الذي يكون آخراً، ومالك إنما نظر إلى المال فركّب عليه حكم الحال، وأباه سائر الفقهاء. قال ابن العربيّ: والحجة فيه لمالك بيِّنة. قال أبو عمر رحمه الله: وهذا هو عين الرِّبا الذي حرّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : من زاد أو ازداد فقد أرْبَى»تفسير : . وقد ردّ ابن وهب هذه المسألة على مالك وأنكرها. وزعم الأَبْهَرِيّ أن ذلك من باب الرفق لطلب التجارة ولئلا يفوت السوق، وليس الربا إلا على من أراد أن يُرْبِي ممن يقصد إلى ذلك ويبتغيه. ونسي الأبهرِيّ أصله في قطع الذرائع، وقوله فيمن باع ثوباً بنسِيئة وهو لا نيّة له في شرائه ثم يجده في السوق يباع: إنه لا يجوز له ابتياعه منه بدون ما باعه به وإن لم يقصد إلى ذلك ولم يبتغه؛ ومثله كثير، ولو لم يكن الربا إلا على مَن قصده ما حُرّم إلا على الفقهاء. وقد قال عمر: لا يتّجر في سوقنا إلا من فَقُه وإلاّ أكل الربا. وهذا بيّن لمن رُزق الإنصاف وألْهِم رشده. قلت: وقد بالغ مالك رحمه الله في منع الزيادة حتى جعل المتوهَّم كالمتحقق، فمنع ديناراً ودرهماً بدينار ودرهم سَدّاً للذَّريعة وحَسْماً للتَوهُّمات؛ إذ لولا توهَّم الزيادة لما تبادلا. وقد عُلّل منع ذلك بتعذر المماثلة عند التوزيع؛ فإنه يلزم منه ذهب وفضة بذهب. وأوضح من هذا منعه التفاضل المعنويّ، وذلك أنه منع ديناراً من الذهب العالي وديناراً من الذهب الدّون في مقابلة العالي وألغى الدون، وهذا من دقيق نظره رحمه الله؛ فدل أن تلك الرواية عنه مُنْكَرة ولا تصح. والله أعلم. السابعة ـ قال الخطّابيّ: التِّبْر قِطَع الذهب والفضة قبل أن تُضرَب وتُطبع دراهم أو دنانير، واحدتها تِبْرة. والعَيْن: المضروب من الدراهم أو الدنانير. وقد حَرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباع مثقال ذهب عَيْنٍ بمثقالٍ وشيء من تِبْرٍ غيرِ مضروب. وكذلك حَرّم التفاوت بين المضروب من الفضة وغير المضروب منها، وذلك معنى قوله: «تِبْرُها وعَيْنُها سواء». الثامنة ـ أجمع العلماء على أن التمر بالتمر ولا يجوز إلا مِثْلاً بِمثْل. واختلفوا في بيع التمرة الواحدة بالتمرتين، والحبة الواحدة من القمح بحبّتين؛ فمنعه الشافعيّ وأحمد وإسحاق والثّوريّ، وهو قياس قولِ مالك وهو الصحيح؛ لأن ما جرى الرِّبَا فيه بالتفاضل في كثيره دخل قليله في ذلك قياساً ونَظَراً. احتجّ من أجاز ذلك بأن مستهلك التمرة والتمرتين لا تجب عليه القيمة، قال: لأنه لا مَكيل ولا موزون فجاز فيه التفاضل. التاسعة ـ اعلم رحمك الله أن مسائل هذا الباب كثيرة وفروعه منتشرة، والذي يربط لك ذلك أن تنظر إلى ما اعتبره كل واحد من العلماء في عِلّة الربا؛ فقال أبو حنيفة: علة ذلك كونه مكيلاً أو موزوناً جنساً، فكل ما يدخله الكيل أو الوزن عنده من جنس واحد، فإن بيع بعضه ببعض متفاضلاً أو نَسِيئاً لا يجوز؛ فمنع بَيْع التراب بعضه ببعض متفاضلاً؛ لأنه يدخله الكيل، وأجاز الخبزَ قُرْصاً بقرصين؛ لأنه لم يدخل عنده في الكيل الذي هو أصله، فخرج من الجنس الذي يدخله الربا إلى ما عداه. وقال الشافعيّ: العِلّة كونه مطعوماً جنْساً. هذا قوله في الجديد؛ فلا يجوز عنده بيع الدقيق بالخبز ولا بيع الخبز بالخبز متفاضلاً ولا نسيئا، وسواء أكان الخبز خميراً أو فَطيراً. ولا يجوز عنده بيضة ببيضتين، ولا رُمّانة برمانتين، ولا بطيخة ببطيختين لا يداً بِيَد ولا نسيئة؛ لأن ذلك كله طعام مأكول. وقال في القديم: كونه مكيلاً أو موزوناً. واختلفت عبارات أصحابنا المالكية في ذلك؛ وأحسن ما في ذلك كونه مقتاتاً مدّخراً للعيش غالباً جنساً؛ كالحنطة والشعير والتّمْر والملح المنصوص عليها، وما في معناها كالأرز والذرة والدّخْن والسِّمْسِم، والقَطَانِيّ كالفول والعَدَس واللُّوبْياء والحِمّص، وكذلك اللحوم والألبان والخلول والزيوت، والثمار كالعنب والزبيب والزيتون، واختُلف في التين، ويلحق بها العسل والسكر. فهذا كله يدخله الربا من جهة النَّسَاء. وجائز فيه التفاضل لقوله عليه السلام: «حديث : إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد»تفسير : . ولا ربا في رطب الفواكه التي لا تبقى كالتفّاح والبطّيخ والرُّمان والكُمِّثْرى والقِثّاء والخيار والباذَنْجان وغير ذلك من الخضروات. قال مالك: لا يجوز بيع البيض بالبيض متفاضلاً؛ لأنه مما يدّخر، ويجوز عنده مِثْلاً بمثْل. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: جائزٌ بيضة ببيضتين وأكثر؛ لأنه مما لا يدّخر، وهو قول الأُوزاعيّ. العاشرة ـ اختلف النّحاة في لفظ «الرِّبا» فقال البصريون: هو من ذوات الواو؛ لأنك تقول في تثنيته: رِبَوان؛ قاله سيبويه. وقال الكوفيون: يكتب بالياء، وتثنيته بالياء؛ لأجل الكسرة التي في أوّله. قال الزجاج: ما رأيت خطأ أقبح من هذا ولا أشنع! لا يكفيهم الخطأ في الخط حتى يُخطئوا في التثنية وهم يقرءون {أية : وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الروم: 39] قال محمد بن يزيد: كُتب «الربا» في المصحف بالواو فرقاً بينه وبين الزنا، وكان الربا أولى منه بالواو؛ لأنه من ربا يربو. الحادية عشرة ـ قوله تعالى: {لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ} الجملة خبر الابتداء وهو «الَّذِينَ». والمعنى من قبورهم؛ قاله ابن عباس ومجاهد وابن جُبير وقَتادة والربيع والضّحاك والسُّدِّي وابن زيد. وقال بعضهم: يجعل معه شيطان يخنقه. وقالوا كلهم: يُبعث كالمجنون عقوبةً له وتمقِيتاً عند جميع أهل المَحْشَر. ويُقوِّي هذا التأويل المُجْمَع عليه أن في قراءة ابن مسعود «لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم». قال ابن عطية: وأما ألفاظ الآية فكانت تحتمل تشبيه حال القائم بِحرْص وجَشَع إلى تجارة الدنيا بقيام المجنون، لأن الطمع والرغبة تستفِزّه حتى تضطرب أعضاؤه؛ وهذا كما تقول لمسرع في مشيه يخلط في هيئة حركاته إما مِن فزع أو غيره: قد جُنّ هذا! وقد شبّه الأَعْشَى ناقته في نشاطها بالجنون في قوله:شعر : وتُصبِح عن غِبّ السُّرَى وكأنّما أَلَمَّ بها من طائِف الجِنّ أوْلَقُ تفسير : وقال آخر:شعر : لَعَمْـرُك بـي مـن حُـبِّ أسمـاءَ أَوْلَـقُ تفسير : لكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود وتظاهرت به أقوال المفسرين يضعّف هذا التأويل. و «يَتَخَبَّطُهُ» يتفعّله من خَبَط يخبِط؛ كما تقول: تملّكه وتعبّده. فجعل الله هذه العلامة لأكَلَة الربا؛ وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم، فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون. ويقال: إنهم يبعثون يوم القيامة قد انتفخت بطونهم كالحُبَالَى، وكلما قاموا سقطوا والناس يمشون عليهم. وقال بعض العلماء: إنما ذلك شِعارٌ لهم يُعرفون به يوم القيامة ثم العذاب من وراء ذلك؛ كما أن الغَالَّ يجيء بما غَلَّ يوم القيامة بشهرة يشهّر بها ثم العذاب من وراء ذلك. وقال تعالى: «يَأْكُلُونَ» والمراد يكسبون الربا ويفعلونه. وإنما خَصّ الأكل بالذِّكر لأنه أقوى مقاصد الإنسان في المال؛ ولأنه دالّ عى الجشع وهو أشدّ الحرص؛ يقال: رجل جَشِع بيّن الجَشَع وقوم جَشِعون؛ قاله في المُجْمَل. فأُقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب كلّه؛ فاللباس والسكنى والادّخار والإنفاق على العيال داخل في قوله: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ}. الثانية عشرة ـ في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصَّرْع من جهة الجِنّ، وزعم أنه من فِعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مَسٌّ، وقد مضى الردّ عليهم فيما تقدّم من هذا الكتاب. وقد روى النسائيّ عن أبي اليَسَر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول: «حديث : اللّهم إني أعوذ بك من التّرَدِّي والهدم والغرق والحريق وأعوذ بك أن يتخَبّطني الشيطان عند الموت وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مُدْبِراً وأعوذ بك أن أموت لَدِيغا»تفسير : . ورُوي من حديث محمد بن المُثَنَّى حدّثنا أبو داود حدّثنا همّام عن قَتادة عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «حديث : اللَّهم إني أعوذ بك من الجنون والجُذام والبَرَص وسَيِّء الأسقام»تفسير : . والمس: الجنون؛ يقال: مُسَّ الرّجلُ وأَلِسَ؛ فهو ممسوس ومألُوس إذا كان مجنوناً؛ وذلك علامة الربا في الآخرة. حديث : وروي في حديث الإسراء: «فانطلق بي جبريل فمررت برجال كثير كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضَّخْم متصدين على سابلة آلِ فرعون وَآلُ فرعون يُعرضون على النار بُكْرَةً وَعَشِيّاً فيُقْبِلون مثل الإبل المَهْيُومة يتخبّطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون فإذا أحسّ بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون ثم يقوم أحدهم فيميل به بطنه فيصرع فلا يستطيعون بَرَاحاً حتى يغشاهم آل فرعون فيطئونهم مقبلين ومدبرين فذلك عذابهم في البَرْزَخ بين الدنيا والآخرة وآل فرعون يقولون اللهم لا تُقِمِ الساعة أبداً؛ فإن الله تعالى يقول: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} [غافر: 46] ـ قلت ـ يا جبريل من هؤلاء؟ قال: «هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ»تفسير : . والمسّ الجنون وكذلك الأَوْلَق والأُلْس والرّود. الثالثة عشرة ـ قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَا} معناه عند جميع المتأوّلين في الكفار، ولهم قيل: «فَلَهُ مَا سَلَفَ» ولا يقال ذلك لمؤمن عاص بل ينقض بيعه ويرد فعله وإن كان جاهلاً؛ فلذلك قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَن عمل عَملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» تفسير : . لكن قد يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية. الرابعة عشرة ـ قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَا} أي إنما الزيادة عند حلول الأجل آخراً كمثل أصل الثمن في أوّل العقد، وذلك أن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك؛ فكانت إذا حلّ ديْنها قالت للغريم: إما أن تَقْضِي وإما أن تُرْبِي، أي تزيد في الدَّين. فحرم الله سبحانه ذلك وردّ عليهم قولهم بقوله الحق: {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا} وأوضح أن الأجل إذا حلّ ولم يكن عنده ما يؤدّي أُنْظِر إلى المَيْسرة. وهذا الربا هو الذي نسخه النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله يوم عرفة لمّا قال: «حديث : ألا إن كل رباً موضوع وإن أوّل رِبا أضعه رِبانا رِبَا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله»تفسير : . فبدأ صلى الله عليه وسلم بعمِّه وأخص الناس به. وهذا من سنن العدل للإمام أن يُفيض العدل على نفسه وخاصته فيستفيض حينئذ في الناس. الخامسة عشرة ـ قوله تعالى: {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا} هذا من عموم القرآن، والألف واللام للجنس لا للعهد إذ لم يتقدّم بيع مذكور يُرجع إليه؛ كما قال تعالى: {وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} ثم استثنى {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}تفسير : [العصر: 2]. وإذا ثبت أن البيع عام فهو مخصّص بما ذكرناه من الربا وغير ذلك مما نُهي عنه ومنع العقد عليه؛ كالخمر والميتة وحبلَ الحَبَلة وغير ذلك مما هو ثابت في السُّنُّة وإجماع الأُمة النَّهيُ عنه. ونظيره «ٱقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ» وسائر الظواهر التي تقتضي العمومات ويدخلها التخصيص، وهذا مذهب أكثر الفقهاء. وقال بعضهم: هو من مجمل القرآن الذي فسّر بالمحلّل من البيع وبالمحرّم فلا يمكن أن يُستعمَل في إحلال البيع وتحريمه إلا أن يقترن به بيانٌ من سُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن دلّ على إباحة البيوع في الجملة دون التفصيل. هذا فرق ما بين العموم والمُجْمَل. فالعموم يدل على إباحة البيوع في الجملة والتفصيل ما لم يخصّ بدليل. والمجمل لا يدل على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان. والأوّل أصح. والله أعلم. السادسة عشرة ـ البيع في اللغة مصدر باع كذا بكذا، أي دفع عِوضاً وأخذ مُعَوَّضاً. وهو يقتضي بائعاً وهو المالك أو من ينَزّل منزلته، ومُبتاعاً وهو الذي يبذل الثمن، ومَبيعاً وهو المثمون وهو الذي يُبْذَل في مقابلته الثمن. وعلى هذا فأركان البيع أربعة: البائع والمبتاع والثمن والمُثَمَّن. ثم المعاوضة عند العرب تختلف بحسب اختلاف ما يضاف إليه؛ فإن كان أحد المعوّضين في مقابلة الرَّقبة سُمّي بيعاً، وإن كان في مقابلة منفعة رقبة فإن كانت منفعة بُضع سُمّيَ نكاحاً، وإن كانت منفعة غيرها سُمّيَ إجارة، وإن كان عَيْناً بعين فهو بيع النقد وهو الصرف، وإن كان بديْن مُؤَجّل فهو السَّلَم، وسيأتي بيانه في آية الدَّين. وقد مضى حكم الصَّرْف، ويأتي حكم الإجارة في «القصص» وحكم المهر في النكاح في «النساء» كلّ في موضعه إن شاء الله تعالى. السابعة عشرة ـ البيع قبولٌ وإيجاب يقع باللفظ المستقبل والماضي؛ فالماضي فيه حقيقة والمستقبل كناية، ويقع بالصّريح والكناية المفهوم منها نقل المِلك. فسواء قال: بعتك هذه السِّلعة بعشرة فقال: اشتريتها، أو قال المشتري: اشتريتها وقال البائع: بعْتُكَها، أو قال البائع: أنا أبيعك بعشرة فقال المشتري: أنا أشتري أو قد اشتريت، وكذلك لو قال: خذها بعشرة أو أعطيتكها أو دونكها أو بُورك لك فيها بعشرة أو سلمتها إليك ـ وهما يريدان البيع ـ فذلك كلّه بيع لازم. ولو قال البائع: بعتك بعشرة ثم رجع قبل أن يقبل المشتري فقد قال: ليس له أن يرجع حتى يسمع قبول المشتري أو ردّه؛ لأنه قد بذل ذلك من نفسه وأوجبه عليها، وقد قال ذلك له؛ لأن العقد لم يتم عليه. ولو قال البائع: كنت لاعباً، فقد اختلفت الرواية عنه؛ فقال مرّة: يلزمه البيع ولا يلتفت إلى قوله. وقال مرّة: ينظر إلى قيمة السلعة. فإن كان الثمن يشبه قيمتها فالبيع لازم، وإن كان متفاوتاً كعبد بدرهم ودار بدينار، عُلم أنه لم يُرد به البيع، وإنما كان هازلاً فلم يلزمه. الثامنة عشرة ـ قوله تعالى: {وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا} الألف واللام هنا للعهد، وهو ما كانت العرب تفعله كما بيّناه، ثم تتناول ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه من البيع الذي يدخله الربا وما في معناه من البيوع المنهيّ عنها. التاسعة عشرة ـ عقد الربا مفسوخ لا يجوز بحال؛ لما رواه الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: حديث : جاء بلال بتمر بَرْنِيّ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أين هذا»؟ فقال بلال: من تمرٍ كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع لمَطْعَم النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «أَوْهِ عَيْنُ الرِّبَا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتريَ التمر فبعه ببيع آخر ثم ٱشتر به»تفسير : وفي رواية «حديث : هذا الرِّبا فردّوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا»تفسير : . قال علماؤنا: فقوله؛ «أوهِ عين الربا» أي هو الربا المحرّم نفسه لا ما يشبهه. وقوله: «فردّوه» يدل على وجوب فسخ صفقة الربا وأنها لا تصح بوجه؛ وهو قول الجمهور؛ خلافاً لأبي حنيفة حيث يقول: إنّ بيع الربا جائز بأصله من حيث هو بيع، ممنوع بوصفه من حيث هو رِباً، فيسقط الربا ويصح البيع. ولو كان على ما ذُكر لما فسخ النبيّ صلى الله عليه وسلم هذه الصفقة، ولأمره بردّ الزيادة على الصاع ولصحّح الصفقة في مقابلة الصاع. الموفية عشرين ـ كل ما كان من حرام بيّن ففُسخ فعلى المبتاع ردّ السلعة بعينها. فإن تلفت بيده ردّ القيمة فيما له القيمة، وذلك كالعقار والعُروض والحيوان، والمِثْل فيما له مِثل من موزون أو مكيل من طعام أو عَرَض. قال مالك: يُردّ الحرام البيّن فات أو لم يفت، وما كان مما كره الناس رُدّ إلاّ أن يفوت فيترك. الحادية والعشرون ـ قوله تعالى: {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ} قال جعفر بن محمد الصّادق رحمهما الله: حرّم الله الربا ليتقارض الناس. وعن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قَرْضُ مرّتين يعدل صدقة مرّة»تفسير : أخرجه البزّار، وقد تقدّم هذا المعنى مستوفًى. وقال بعض الناس: حرمه الله لأنه مَتْلَفة للأموال مَهْلَكة للناس. وسقطت علامة التأنيث في قوله تعالى: «فَمَنْ جَاءَهُ» لأن تأنيث «الموعظة» غير حقيقي وهو بمعنى وعظ. وقرأ الحسن «فمن جاءته» بإثبات العلامة. هذه الآية تلتها عائشة لمّا أخبرت بفعل زيد بن أَرْقَم. روى الدَّارَقُطْنِي عن العالية بنت أنفع قالت: خرجت أنا وأُم مُحِبّة إلى مكة فدخلنا على عائشة رضي الله عنها فسلمنا عليها، فقالت لنا: ممن أنتن؟ قلنا من أهل الكوفة، قالت: فكأنها أعرضت عنا، فقالت لها أُم مُحِبّة: يا أُمّ المؤمنين! كانت لي جارية وإني بعتها من زيد ابن أرقم الأنصاريّ بثمانمائة درهم إلى عطائه وإنه أراد بيعها فابتعتها منه بستمائة درهم نقداً. قالت: فأقبلت علينا فقالت: بئسما شريتِ وما اشتريت! فأبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب. فقالت لها: أرأيت إن لم آخذ منه إلا رأس مالي؟ قالت: {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ}. العالية هي زوج أبي إسحاق الهَمْدانيّ الكوفي السَّبيعيّ أم يونس بن أبي إسحاق. وهذا الحديث أخرجه مالك من رواية ابن وهب عنه في بيوع الآجال، فإن كان منها ما يؤدّي إلى الوقوع في المحظور منع منه وإن كان ظاهره بيعاً جائزاً. وخالف مالكاً في هذا الأصل جمهورُ الفقهاء وقالوا: الأحكام مبنيّة على الظاهر لا على الظنون. ودليلنا القول بسدّ الذرائع؛ فإن سلِّم وإلا استدللنا على صحته. وقد تقدّم. وهذا الحديث نصٌّ؛ ولا تقول عائشة «أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب» إلا بتوقيف؛ إذْ مثله لا يقال بالرأي فإن إبطال الأعمال لا يتوصل إلى معرفتها إلا بالوحي كما تقدّم. وفي صحيح مسلم عن النُّعْمان بن بَشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الحلالَ بيّن والحرامَ بيّن وبينهما أُمورٌ مشتبهات لا يعلمهنّ كثيرٌ من الناس فمنِ ٱتّقى الشبهات استبرأ لدينه وعِرْضِه ومن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحِمى يُوشِك أن يوقع فيه ألاَ وإن لكل مَلِكٍ حِمىً ألاَ وإن حِمَى الله مَحَارِمه»تفسير : . وجهُ دلالته أنه منع من الإقدام على المتشابهات مخافة الوقوع في المحرّمات وذلك سدٌّ للذريعة. وقال صلى الله عليه وسلم: حديث : «إن من الكبائر شتْمَ الرجل والديه» قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال: «يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه ويسبُّ أُمَّه فيسب أُمه»تفسير : . فجعل التعريض لسبّ الآباء كسب الآباء. ولعن صلى الله عليه وسلم اليهود إذ أكلوا ثمن ما نُهُوا عن أكله. وقال أبو بكر في كتابه: لا يجمع بين متفرّق ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصدقة. ونهى ابن عباس عن دراهم بدراهم بينهما جريرة. وٱتفق العلماء على منع الجمع بين بيع وسلف، وعلى تحريم قليل الخمر وإن كان لا يُسْكر، وعلى تحريم الخَلْوة بالأجنبية وإن كان عِنِّيناً، وعلى تحريم النظر إلى وجه المرأة الشابّة إلى غير ذلك مما يكثُر ويُعلم على القطع والثبات أن الشرع حكم فيها بالمنع؛ لأنها ذرائع المحرّمات. والربا أحق ما حُمِيَتْ مراتعه وسُدّت طرائقه، ومن أباح هذه الأسباب فليُبح حفر البئر ونصب الحبالات لهلاك المسلمين والمسلمات، وذلك لا يقوله أحد. وأيضاً فقد اتّفقنا على منع من باع بالعِينة إذا عُرِف بذلك وكانت عادته، وهي في معنى هذا الباب. والله الموفق للصواب. الثانية والعشرون ـ روى أبو داود عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا تبايعتم بالعِينةِ وأخذتم أذنابَ البقر ورَضِيتم بالزَّرْع وتركتم الجهادَ سلّط الله عليكم ذُلاًّ لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم»تفسير : . في إسناده أبو عبد الرحمن الخُرَاسانيّ. ليس بمشهور. وفسر أبو عُبَيْد الهَرَوِيّ العِينةَ فقال: هي أن يبيع من رجل سِلعةً بثمن معلوم إلى أجلٍ مسمّى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به. قال: فإن اشترى بحضرة طالب العِينة سِلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ثم باعها من طالب العِينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى، ثم باعها المشتري من البائع الأوّل بالنقد بأقل من الثمن فهذه أيضاً عِينةٌ، وهي أهون من الأُولى، وهو جائز عند بعضهم. وسمِّيت عينةً لحضور النقد لصاحب العِينة، وذلك أن العَيْن هو المال الحاضر والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل إليه من فوره. الثالثة والعشرون ـ قال علماؤنا: فَمنْ باع سلعةً بثمن إلى أجل ثم ابتاعها بثمن من جنس الثمن الذي باعها به، فلا يخلو أن يشتريها منه بنقد، أو إلى أجلٍ دون الأجل الذي باعها إليه، أو إلى أبعد منه، بمثل الثمن أو بأقل منه أو بأكثر؛ فهذه ثلاث مسائل: وأما الأُولى والثانية فإن كان بمثل الثمن أو أكثر جاز، ولا يجوز بأقل على مقتضى حديث عائشة؛ لأنه أعطى ستمائة ليأخذ ثمانمائة والسلعة لغو، وهذا هو الربا بعينه. وأما الثالثة إلى أبعد من الأجل، فإن كان اشتراها وحدها أو زيادة فيجوز بمثل الثمن أو أقل منه، ولا يجوز بأكثر؛ فإن اشترى بعضها فلا يجوز على كل حال لا بمثل الثمن ولا بأقل ولا بأكثر. ومسائل هذا الباب حصرها علماؤنا في سبع وعشرين مسألة، ومدارها على ما ذكرناه، فاعلم. الرابعة والعشرون ـ قوله تعالى: {فَلَهُ مَا سَلَفَ} أي من أمر الربا لا تِباعةً عليه منه في الدنيا ولا في الآخرة؛ قاله السُّدّي وغيره. وهذا حكم من الله تعالى لمن أسلم من كفار قريش وثَقِيف ومن كان يتّجر هنالك. وسلف: معناه تقدّم في الزمن وانقضى. الخامسة والعشرون ـ قوله تعالى: {وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ} فيه أربع تأويلات: أحدها أن الضمير عائد إلى الربا، بمعنى وأمر الربا إلى الله في إمرار تحريمه أو غير ذلك. والآخر أن يكون الضمير عائداً على «ما سلف» أي أمره إلى الله تعالى في العفو عنه وإسقاط التَّبِعة فيه. والثالث أن يكون الضمير عائداً على ذي الربا، بمعنى أمره إلى الله في أن يثبته على الانتهاء أو يعيده إلى المعصية في الربا. واختار هذا القول النحاس، قال: وهذا قول حسن بيِّن، أي وأمرُه إلى الله في المستقبل إن شاء ثبّته على التحريم وإن شاء أباحه. والرابع أن يعود الضمير على المنتهى؛ ولكن بمعنى التأنيس له وبسط أمله في الخير؛ كما تقول: وأمره إلى طاعة وخير، وكما تقول: وأمره في نموّ وإقبال إلى الله تعالى وإلى طاعته. السادسة والعشرون ـ قوله تعالى: {وَمَنْ عَادَ} يعني إلى فعل الربا حتى يموت؛ قاله سفيان. وقال غيره: مَنْ عاد فقال إنما البيع مثل الربا فقد كفر. قال ابن عطية: إن قدّرنا الآية في كافر فالخلود خلود تأبيد حقيقي، وإن لحظناها في مسلم عاص فهذا خلود مستعار على معنى المبالغة، كما تقول العرب: مُلْكٌ خالد، عبارةً عن دوام ما لا يبقى على التأبيد الحقيقي: السابعة والعشرون ـ قوله تعالى: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا} يعني في الدنيا أي يذهب بركته وإن كان كثيراً. روى ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الرِّبَا وإن كَثُر فعاقبتُه إلى قُلّ»تفسير : . وقيل: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا} يعني في الآخرة. وعن ابن عباس في قوله تعالى: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا} قال: لا يقبل منه صدقةً ولا حجّاً ولا جهاداً ولا صلةً. والمَحْقُ: النقص والذهاب؛ ومنه مُحَاق القمر وهو انتقاصه. {وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَاتِ} أي يُنَمِّيها في الدنيا بالبركة ويُكثر ثوابَها بالتضعيف في الآخرة. وفي صحيح مسلم: «حديث : إن صدقة أحدِكم لتقع في يد الله فَيَربِّيها له كما يُرَبِّي أحدُكم فَلُوَّه أو فصيلَه حتى يجيء يوم القيامة وإن اللّقمة لعلى قدر أحُد»تفسير : . وقرأ ابن الزبير «يُمَحِّق» بضم الياء وكسر الحاء مشدّدة «يُرَبِّي» بفتح الراء وتشديد الباء، ورُويت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم كذلك. الثامنة والعشرون ـ قوله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} ووصف كَفّار بأثيم مبالغة، مِن حيث اختلف اللفظان. وقيل: لإزالة الاشتراك في كَفّار؛ إذْ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض: قاله ابن فَوْرَك. وقد تقدّم القول في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ}. وخص الصلاة والزكاة بالذكر وقد تضمّنها عمل الصالحات تشريفاً لهما وتنبيهاً على قدرهما إذْ هما رأس الأعمال؛ الصلاة في أعمال البدن، والزكاة في أعمال المال. التاسعة والعشرون ـ قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } ظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضاً وإن كان معقوداً قبل نزول آية التحريم، ولا يتعقب بالفسخ ما كان مقبوضاً. وقد قيل: إن الآية نزلت بسبب ثقِيف، وكانوا عاهدوا النبيّ صلى الله عليه وسلم على أن مالهم من الربا على الناس فهو لهم، وما للناس عليهم فهو موضوع عنهم، فلما أن جاءت آجال رباهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء، وكانت الديون لبني عبدة وهم بنو عمرو بن عمير من ثقيف، وكانت على بني المغيرة المخزوميّين. فقال بنو المغيرة: لا نعطي شيئاً فإن الربا قد رُفِع. ورفعوا أمرهم إلى عَتَّاب بن أَسِيد، فكتب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت الآية فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتَّاب؛ فعلمت بها ثقيف فكفَّتْ. هذا سبب الآية على اختصار مجموع ما رَوى ابن إسحاق وابن جريج والسُّدِّي وغيرهم. والمعنى اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقايةً بترككم ما بقي لكم من الربا وصفحكم عنه. المُوفِية ثلاثين ـ قوله تعالى: {كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } شرطٌ محض في ثَقِيف على بابه؛ لأنه كان في أوّل دخولهم في الإسلام. وإذا قدرنا الآية فيمن قد تقرّر إيمانه فهو شرط مجازيّ على جهة المبالغة؛ كما تقول لمن تريد إقامة نفسه: إن كنت رجلاً فافعل كذا. وحكى النَّقاش عن مُقَاتل بن سليمان أنه قال: إنّ «إنْ» في هذه الآية بمعنى «إذ». قال ابن عطيّة: وهذا مردود لا يعرف في اللغة. وقال ابن فَوْرَك: يحتمل أن يريد {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بمن قبل محمد عليه السلام من الأنبياء {ذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } بمحمد صلى الله عليه وسلم! إذْ لا ينفع الأوّل إلا بهذا. وهذا مردود بما روي في سبب الآية. الحادية والثلاثون ـ قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} هذا وعيد إن لم يَذَروا الربا، والحرب داعية القتل. وروى ابن عباس أنه يقال يوم القيامة لآكل الربا: خُذْ سلاحك للحرب. وقال ابن عبّاس أيضاً: مَنْ كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه فحقّ على إمام المسلمين أن يستثيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه. وقال قتادة: أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بَهْرَجاً أينما ثُقِفُوا. وقيل: المعنى إن لم تنتهوا فأنتم حربٌ لله ولرسوله، أي أعداء. وقال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: ولو أن أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالاً كانوا مرتَدِّين، والحكم فيه كالحكم في أهل الردّة، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالاً جاز للإمام محاربتُهم؛ ألا ترى أن الله تعالى قد أذن في ذلك فقال: {أية : فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} تفسير : [البقرة: 279]. وقرأ أبو بكر عن عاصم «فآذِنُوا»، على معنى فأعلموا غيرَكم أنكم على حربهم. الثانية والثلاثون ـ ذكر ابن بكير قال: جاء رجل إلى مالك بن أنَس فقال: يا أبا عبد الله، إني رأيت رجلاً سكراناً يتعاقر يريد أن يأخذ القمر؛ فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشرُّ من الخمر. فقال: ارجعْ حتى أنظر في مسألتك. فأتاه من الغد فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه من الغد فقال له: امرأتك طالق؛ إني تصفحت كتاب الله وسنّة نبيه فلم أر شيئاً أشرّ من الربا؛ لأن الله أذِن فيه بالحرب. الثالثة والثلاثون ـ دلّت هذه الآية على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر، ولا خلاف في ذلك على ما نبيّنه. ورُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يأتي على الناس زمانٌ لا يبقى أحد إلا أكل الربا ومن لم يأكل الربا أصابه غُبَاره» تفسير : وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لَدرهُم رباً أشدُّ عند الله تعالى من ست وثلاثين زَنْيَة في الخطيئة»تفسير : وروي عنه عليه السلام أنه قال: «حديث : الربا تسعةٌ وتسعون بابا أدناها كإتيان الرجل بأُمِّه»تفسير : يعني الزنا بأُمه. وقال ابن مسعود: آكل الربا وموكِّله وكاتبه وشاهده ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. وروى البخاريّ عن أبي جُحَيْفَة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي ولعن آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اجتنبوا السبع الموبِقات... ـ وفيها ـ وآكل الربا»تفسير : . وفي مصنف أبي داود عن ابن مسعود قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده. الرابعة والثلاثون ـ قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} الآية. روى أبو داود عن سليمان بن عمرو عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حَجّة الوداع: «حديث : ألا إن كلَّ رَباً من ربا الجاهليّة موضوعٌ لكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون»تفسير : وذكر الحديث. فردّهم تعالى مع التوبة إلى رؤوس أموالهم وقال لهم: «لاَ تَظْلِمُونَ» في أخذ الربا «وَلاَ تُظْلَمُونَ» في أن يُتَمسّك بشيء من رؤوس أموالكم فتذهب أموالكم. ويحتمل أن يكون «لا تُظْلَمُونَ» في مطل؛ لأن مطل الغنيّ ظلم؛ فالمعنى أنه يكون القضاء مع وضع الربا، وهكذا سُنَّة الصلح، وهذا أشبه شيء بالصلح. حديث : ألا ترى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما أشار إلى كعب بن مالك في دَيْن ابن أبي حَدْرَد بوضع الشطر فقال كعب: نعم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للآخر: «قُمْ فٱقضِه»تفسير : . فتلقّى العلماء أمره بالقضاء سنّةً في المصالحات. وسيأتي في «النساء» بيان الصلح وما يجوز منه وما لا يجوز، إن شاء الله تعالى. الخامسة والثلاثون ـ قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} تأكيد لإبطال ما لم يُقْبَض منه وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه. فاستدل بعض العلماء بذلك على أن كلّ ما طرأ على البيع قبل القبض مما يوجب تحريم العقد أبطل العقد؛ كما إذا اشترى مسلم صيداً ثم أحرم المشتري أو البائع قبل القبض بَطل البيع؛ لأنه طرأ عليه قبل القبض ما أوجب تحريم العقد؛ كما أبطل الله تعالى ما لم يقبض؛ لأنه طرأ عليه ما أوجب تحريمه قبل القبض، ولو كان مقبوضاً لم يؤثر. هذا مذهب أبي حنيفة، وهو قول لأصحاب الشافعيّ. ويستدل به على أن هلاك المبيع قبل القبض في يد البائع وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد خلافاً لبعض السلف؛ ويروى هذا الخلاف عن أحمد. وهذا إنما يتمشّى على قول من يقول: إن العقد في الربا كان في الأصل منعقداً، وإنما بطل بالإسلام الطارىء قبل القبض. وأمّا من منع انعقاد الربا في الأصل لم يكن هذا الكلام صحيحاً؛ وذلك أن الربا كان محرماً في الأديان، والذي فعلوه في الجاهليّة كان عادة المشركين، وأن ما قبضوه منه كان بمثابة أموال وصلت إليهم بالغصب والسلب فلا يتعرّض له. فعلى هذا لا يصح الاستشهاد على ما ذكروه من المسائل. واشتمالُ شرائع الأنبياء قبلنا على تحريم الربا مشهور مذكور في كتاب الله تعالى؛ كما حكى عن اليهود في قوله تعالى: {أية : وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ} تفسير : [النساء: 161]. وذكر في قصة شعيب أن قومه أنكروا عليه وقالوا: {أية : أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} تفسير : [هود: 62] {أية : أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} تفسير : فعلى هذا لا يستقيم الاستدلال به. نعم، يفهم من هذا أن العقود الواقعة في دار الحرب إذا ظهر عليها الإمام لا يعترض عليها بالفسخ إن كانت معقودة على فساد. السادسة والثلاثون ـ ذهب بعض الغلاة من أرباب الورع إلى أن المال الحلال إذا خالطه حرام حتى لم يتميّز ثم أخرج منه مقدار الحرام المختلط به لم يحلّ ولم يطب؛ لأنه يمكن أن يكون الذي أُخرج هو الحلال والذي بقي هو الحرام. قال ابن العربي: وهذا غلوٌّ في الدين؛ فإن كل ما لم يتميز فالمقصود منه ماليّته لا عينه، ولو تلِف لقام المِثْل مقامه والاختلاط إتلاف لتمييزه؛ كما أن الإهلاك إتلاف لعينه، والمِثْل قائم مقام الذاهب، وهذا بَيِّنٌ حِسًّا بيِّن معنى. والله أعلم. قلت: قال علماؤنا إنّ سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت من رباً فليردّها على من أرْبَى عليه، ويطلبه إن لم يكن حاضراً، فإن أَيِس من وجوده فليتصدّق بذلك عنه. وإن أخذه بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه. فإن التبس عليه الأمر ولم يدرِ كَمْ الحرام من الحلال مما بيده، فإنه يتحرّى قدر ما بيده مما يجب عليه ردّه، حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له فيردّه من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عُرف ممن ظلمه أو أربى عليه. فإن أيس من وجوده تصدّق به عنه. فإن أحاطت المظالم بذمّته وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يُطيق أداءَه أبداً لكثرته فتوبته أن يُزيل ما بيده أجمع إما إلى المساكين وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين، حتى لا يبقى في يده إلا أقلّ ما يجزئه في الصلاة من اللباس وهو ما يستر العورة وهو من سُرّته إلى ركبتيه، وقوتُ يومه؛ لأنه الذي يجب له أن يأخذه من مال غيره إذا اضطر إليه؛ وإن كره ذلك من يأخذه منه. وفارق هاهنا المفلس في قول أكثر العلماء، لأن المفلس لم يصر إليه أموال الناس باعتداء بل هم الذين صيروها إليه، فيُتْرك له ما يُواريه وما هو هيئة لباسه. وأبو عُبَيْد وغيره يرى ألاّ يترك للمفلس من اللباس إلا أقل ما يجزئه في الصلاة وهو ما يواريه من سُرّته إلى ركبته، ثم كلما وقع بيد هذا شيء أخرجه عن يده ولم يمسك منه إلا ما ذكرنا، حتى يعلم هو ومن يعلم حاله أنه أدّى ما عليه. السابعة والثلاثون ـ هذا الوعيد الذي وعد الله به في الربا من المحاربة، وقد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثُله في المخابرة. وروى أبو داود قال: أخبرنا يحيى بن مَعين قال أخبرنا ابن رجاء قال ابن خيثم حدّثني عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : مَنْ لم يَذَرِ المخابرة فلُيؤْذنُ بحرب من الله ورسوله»تفسير : . وهذا دليل على منع المخابرة وهي أخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع، ويسمّى المزارعة. وأجمع أصحاب مالك كلهم والشافعيّ وأبو حنيفة وأتباعهم وداود، على أنه لا يجوز دفع الأرض على الثُّلث الرُّبع، ولا على جزء مما تُخرج: لأنه مجهول؛ إلاَّ أن الشافعي وأصحابه وأبا حنيفة قالوا بجواز كراء الأرض بالطعام إذا كان معلوماً؛ لقوله عليه السَّلام: «حديث : فأمّا شيء معلوم مضمون فلا بأسَ به»تفسير : خرّجه مسلم. وإليه ذهب محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ومنعه مالك وأصحابه؛ لما رواه مسلم أيضاً عن رافع بن خَدِيج قال: كنا نُحَاقِل بالأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَنُكرِيَها بالثلث والربع والطعام والمسمّى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمرٍ كان لنا نافعاً، وطواعِيُةُ الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نُحَاقِلَ بالأرض فنكتريها على الثلث والربع والطعام المسمَّى، وأمر ربَّ الأرض أن يزرعها أو يُزَارعها. وكرِه كِراءَها وما سوى ذلك. قالوا: فلا يجوز كراء الأرض بشيء من الطعام مأكولاً كان أو مشروباً على حال؛ لأن ذلك في معنى بيع الطعام بالطعام نسيئاً. وكذلك لا يجوز عندهم كراء الأرض بشيء مما يخرج منها وإن لم يكن طعاماً مأكولاً ولا مشروباً، سوى الخشب والقصب والحطب؛ لأنه عندهم في معنى المُزَابنة. هذا هو المحفوظ عن مالك وأصحابه. وقد ذكر ابن سُحْنون عن المغيرة ابن عبد الرّحمن المخزوميّ المدنيّ أنه قال: لا بأس باكراء الأرض بطعام لا يخرج منها. وروى يحيى بن عمر عن المغيرة أن ذلك لا يجوز؛ كقول سائر أصحاب مالك. وذكر ابن حبيب أن ابن كنانة كان يقول: لا تكرى الأرض بشيء إذا أُعيد فيها نبت، ولا بأس أن تكرى بما سوى ذلك من جميع الأشياء مما يؤكل ومما لا يؤكل خرج منها أو لم يخرج منها؛ وبه قال يحيى بن يحيى، وقال: إنه من قول مالك. قال: وكان ابن نافع يقول: لا بأس أن تُكرى الأرض بكل شيء من طعام وغيره خرج منها أولم يخرج، ما عدا الحِنْطة وأخواتها فإنها المحاقلة المنهى عنها. وقال مالك في الموطّأ: فأما الذي يعطي أرضه البيضاء بالثلث والربع مما يخرج منها فذلك مما يدخله الغَرَر؛ لأن الزرع يقل مَرّة ويكثر أُخرىٰ، وربما هلك رأساً فيكون صاحب الأرض قد ترك كراء معلوماً؛ وإنما مثل ذلك مثل رجل استأجر أجيراً لسفر بشيء معلوم، ثم قال الذي استأجر للأجير: هل لك أن أعطيك عشر ما أربح في سفري هذا إجارةً لك. فهذا لا يحلّ ولا ينبغي. قال مالك: ولا ينبغي لرجل أن يؤاجر نفسه ولا أرضه ولا سفينته ولا دابّته إلاَّ بشيء معلوم لا يزول. وبه يقول الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما. وقال أحمد بن حنبل والليث والثوريّ والأوزاعيّ والحسن بن حيّ وأبو يوسف ومحمد: لا بأس أن يعطي الرجل أرضه على جزء مما تخرجه نحو الثلث والربع؛ وهو قول ابن عمر وطاوس. واحتجوا بقصة خيبر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهلها على شطرِ ما تخرجه أرضهم وثمارهم. قال أحمد: حديث رافع بن خَدِيج في النهى عن كِراء المَزارع مضطربُ الألفاظِ ولا يصح، والقول بقصة خيبْرَ أولى وهو حديث صحيح. وقد أجاز طائفة من التابعين ومن بعدهم أن يُعطي الرجل سفينتَه ودابّته، كما يُعطي أرضه بجزء مما يرزقه الله في العِلاج بها. وجعلوا أصلهم في ذلك القِراض المجْمَع عليه على ما يأتي بيانه في «المزَّمِّل» إن شاء الله تعالىٰ عند قوله تعالىٰ: {أية : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} تفسير : [المزمل: 20] وقال الشافعي في قول ابن عمر: كنا نُخَابِر ولا نرى بذلك بأساً حتى أخبرنا رافع ابن خَدِيج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها، أي كنا نكرِي الأرض ببعض ما يخرج منها. قال: وفي ذلك نسخٌ لسُنّة خيبر. قلت: ومما يصحح قول الشافعيّ في النسخ ما رواه الأئمّة واللفظ للدّارقُنِيّ عن جابر أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن المُحاقَلَة والمُزَابَنَة والمُخَابَرَة وعن الثُّنْيَا إلاَّ أن تُعلم. صحيح. وروى أبو داود عن زيد بن ثابت قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المُخَابَرَة. قلت: وما المخابرة؟ قال: أن تأخذ الأرض بِنِصْف أو ثُلُث أو رُبُع. الثامنة والثلاثون ـ في القراءات. قرأ الجمهور «مَا بَقِيَ» بتحريك الياء، وسكنها الحسن؛ ومثله قول جرير:شعر : هو الخليفةُ فارّضَوْا ما رَضِي لَكُمُ ماضِي الْعزُيمةِ ما في حُكْمِه جَنَف تفسير : وقال عمر بن أبي ربعية:شعر : كم قد ذَكرتُك لَوْ أُجْزَى بذكرِكُم يا أشْبَهَ الناسِ كُلَّ الناسِ بالقَمْرِ إنّي لأجْذَلُ أن أُمْسِي مُقابِلَهُ حُبّاً لرؤية مَن أشْبَهْت في الصُّوَرِ تفسير : أصله «ما رِضيَ» و «أن أمسِيَ» فأسكنها وهو في الشعر كثير. ووجهه أنه شبه الياء بالألف فكما لا تصل الحركة إلى الألف فكذلك لا تصل هنا إلى الياء. ومن هذه اللغة أحِبّ أن أدْعُوك، وأشتهي أن أقْضِيكَ، بإسكان الواو والياء. وقرأ الحسن «ما بَقَى» بالألف، وهي لغة طي، يقولون للجارية: جاراة، وللناصية: ناصاة؛ وقال الشاعر:شعر : لعمركَ لا أخْشى التّصَعْلُكَ ما بَقَي على الأرض قَيْسِيّ يسوق الأباعرا تفسير : وقرأ أبو السّمّال من بين جميع القُراء «مِن الرِّبُوْ» بكسر الراء المشدّدة وضم الباء وسكون الواو. وقال أبو الفتح عثمان بن جِني: شذّ هذا الحرف من أمرين، أحدهما الخروج من الكسر إلى الضم، والآخر وقوع الواو بعد الضم في آخر الاسم. وقال المهدوِيّ: وجهها أنه فَخّم الألف فانْتَحَى بها نحو الواو التي الألف منها؛ ولا ينبغي أن يحمل على غير هذا الوجه؛ إذْ ليس في الكلام اسم آخره واو ساكنة قبلها ضمة. وأمَالَ الكِسائيّ وحمزة «الربا» لمكان الكسرة الراء. الباقون بالتفخيم لفتحة الباء. وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة فَآذِنُوا على معنى «فآذِنوا» غيركم، فحذف المفعول. وقرأ الباقون «فَأْذَنُوا» أي كونوا على إذن؛ من قولك: إني على علم؛ حكاه أبو عبيد عن الأصمعيّ. وحكى أهل اللغة أنه يُقال: أذْنِت به إذْناً، أي علمت به، وقال ابن عباس وغيره من المفسرين: معنى «فَأْذَنُوا» فاستيقنوا الحرب من الله تعالى، وهو بمعنى الإذْن. ورجح أبو عليّ وغيره قراءة المدّ قال: لأنهم إذا أُمِروا بإعلام غيرهم ممن لم ينته عن ذلك علمِوا هم لا محالة. قال: ففي إعْلامهم عِلمُهم وليس في علمهم إعلامهم. ورجح الطبريّ قراءة القصر؛ لأنها تختَصَ بهم. وإنما أُمِروا على قراءة المد بإعلام غيرهم، وقرأ جميع القُراء «لاَ تَظْلِمُونَ» بفتح التاء «وَلاَ تُظْلَمُونَ» بضمها. وروى المفضَّل عن عاصم «لاَ تُظْلَمُونَ» «وَلاَ تَظْلِمُونَ» بضم التاء في الأُولى وفتحها في الثانية على العكس. وقال أبو عليّ: تترجح قراءة الجماعة بأنها تناسب قوله: «وَإنْ تُبْتُمْ» في إسناد الفعلين إلى الفاعل؛ فيجيء «تَظْلِمُون» بفتح التاء أشْكَلَ بما قبله.
البيضاوي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرّبَوٰاْ} أي الآخذون له، وإنما ذكر الأكل لأنه أعظم منافع المال، ولأن الربا شائع في المطعومات وهو زيادة في الأجل، بأن يباع مطعوم بمطعوم، أو نقد بنقد إلى أجل، أو في العوض بأن يباع أحدهما بأكثر منه من جنسه، وإنما كتب بالواو كالصلاة للتفخيم على لغة وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع. {لاَ يَقُومُونَ} إذا بعثوا من قبورهم. {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ} إلا قياماً كقيام المصروع، وهو وارد على ما يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع، والخبط ضرب على غير اتساق كخبط العشواء. {مِنَ ٱلْمَسّ} أي الجنون، وهذا أيضاً من زعماتهم أن الجني يمسه فيختلط عقله ولذلك قيل: جَنَّ الرجلُ. وهو متعلق بـ {لاَ يَقُومُونَ} أي لا يقومون من المس الذي بهم بسبب أكل الربا، أو بيقوم أو بيتخبط فيكون نهوضهم وسقوطهم كالمصروعين لا لاختلال عقولهم ولكن لأن الله أربى في بطونهم ما أكلوه من الربا فأثقلهم. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرّبَوٰاْ} أي ذلك العقاب بسبب أنهم نظموا الربا والبيع في سلك واحد لإفضائهما إلى الربح فاستحلوه استحلاله. وكان الأصل إنما الربا مثل البيع ولكن عكس للمبالغة، كأنهم جعلوا الربا أصلاً وقاسوا به البيع، والفرق بينَّ فإن من أعطى درهمين بدرهم ضيع درهماً، ومن اشترى سلعة تساوي درهماً بدرهمين فلعل مساس الحاجَةُ إليها، أو توقع رواجها يجبر هذا الغبن. {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ } إنكار لتسويتهم، وإبطال القياس بمعارضة النص. {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ} فمن بلغه وعظ من الله تعالى وزجر كالنهي عن الربا. {فَٱنتَهَىٰ} فاتعظ وتبع النهي. {فَلَهُ مَا سَلَفَ} تقدم أخذه التحريم ولا يسترد منه، وما في موضع الرفع بالظرف إن جعلت من موصولة، وبالابتداء إن جعلت شرطية على رأي سيبويه إذ الظرف غير معتمد على ما قبله. {وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ} يجازيه على انتهائه إن كان من قبول الموعظة وصدق النية. وقيل يحكم في شأنه ولا اعتراض لكم عليه. {وَمَنْ عَادَ} إلى تحليل الربا، إذ الكلام فيه. {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} لأنهم كفروا به.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى الأبرار المؤدين النفقات، المخرجين الزكوات، المتفضلين بالبر والصدقات لذوي الحاجات والقرابات في جميع الأحوال والأوقات، شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم، وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم، فقال: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ}، أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه، وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قياماً منكراً. وقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق، رواه ابن أبي حاتم، قال: وروي عن عوف بن مالك وسعيد بن جبير والسدي والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك، وحكي عن عبد الله بن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان أنهم قالوا في قوله: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ} يعني: لا يقومون يوم القيامة، وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد والضحاك وابن زيد، وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب، عن ابن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أنه كان يقرأ: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس يوم القيامة} وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا ربيعة بن كلثوم، حدثنا أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، وقرأ: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ} قال: وذلك حين يقوم من قبره. وفي حديث أبي سعيد في الإسراء، كما هو مذكور في سورة سبحان، أنه عليه السلام مر ليلتئذ بقوم لهم أجواف مثل البيوت، فسأل عنهم، فقيل: هؤلاء أكلة الربا. رواه البيهقي مطولاً، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات تُرى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا»تفسير : . ورواه الإمام أحمد، عن حسن وعفان، كلاهما عن حماد بن سلمه به، وفي إسناده ضعف. وقد روى البخاري عن سمرة بن جندب في حديث المنام الطويل: فأتينا على نهر، حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح، ثم يأتي الذي قد جمع الحجارة عنده، فيفغر له فاه، فيلقمه حجراً، وذكر في تفسيره أنه آكل الربا. وقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَوٰاْ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْ}، أي: إنما جوزوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه، وليس هذا قياساً منهم للربا على البيع، لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن، ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع، وإنما قالوا: {إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَوٰاْ} أي: هو نظيره، فلم حرم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي: هذا مثل هذا، وقد أحل هذا وحرم هذا، وقوله تعالى: {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْ} يحتمل أن يكون من تمام الكلام رداً عليهم، أي: على ما قالوه من الاعتراض، مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكماً، وهو العليم الحكيم الذي لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها وما ينفع عباده فيبيحه لهم، وما يضرهم فينهاهم عنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل، ولهذا قال: {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ} أي: من بلغه نهي الله عن الربا، فانتهى حال وصول الشرع إليه، فله ما سلف من المعاملة، لقوله: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف}تفسير : [المائدة: 95] وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «حديث : وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدميّ هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس»تفسير : ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية، بل عفا عما سلف، كما قال تعالى: {فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ} قال سعيد بن جبير والسدي: فله ما سلف: ما كان أكل من الربا قبل التحريم. وقال ابن أبي حاتم: قرىء على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أم يونس، يعني: امرأته العالية بنت أيفع، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لها أم محبة أم ولد لزيد بن أرقم: يا أم المؤمنين أتعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم، قالت: فإني بعته عبداً إلى العطاء بثمانمائة، فاحتاج إلى ثمنه، فاشتريته قبل محل الأجل بستمائة، فقالت: بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت، أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب، قال: فقلت: أرأيت إن تركت المائتين وأخذت الستمائة؟ قالت: نعم {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ}. وهذا الأثر مشهور، وهو دليل لمن حرم مسألة العينة، مع ما جاء فيها من الأحاديث المذكورة المقررة في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة، ثم قال تعالى: {وَمَنْ عَادَ} أي: إلى الربا، ففعله بعد بلوغه نهي الله له عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحجة، ولهذا قال: {فَأُوْلَـٰۤئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} وقد قال أبو داود: حدثنا يحيى بن معين، أخبرنا عبد الله ابن رجاء المكي، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: لما نزلت: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من لم يذر المخابرة، فليؤذن بحرب من الله ورسوله»تفسير : ورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن خثيم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وإنما حرمت المخابرة، وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، والمزابنة، وهي اشتراء الرطب في رؤوس النخل بالتمر على وجه الأرض، والمحاقلة، وهي اشتراء الحب في سنبله في الحقل بالحب على وجه الأرض، إنما حرمت هذه الأشياء وما شاكلها حسماً لمادة الربا، لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف، ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا والوسائل الموصلة إليه، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم، وقد قال تعالى: {أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ}تفسير : [يوسف: 76] وباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا ـ يعني بذلك: بعض المسائل التي فيها شائبة الربا ـ والشريعة شاهدة بأن كل حرام، فالوسيلة إليه مثله، لأن ما أفضى إلى الحرام حرام، كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات، استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه»تفسير : وفي السنن عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»تفسير : وفي الحديث الآخر: «حديث : الإثم ما حاك في القلب، وترددت فيه النفس، وكرهت أن يطلع عليه الناس»تفسير : وفي رواية: «حديث : استفت قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوك»تفسير : وقال الثوري عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الربا، رواه البخاري عن قبيصة عنه، وقال أحمد عن يحيى عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن سعيد بن المسيب، أن عمر قال: من آخر ما نزل، آية الربا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة. وقال رواه ابن ماجه وابن مردويه من طريق هياج بن بسطام، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إني لعلّي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم، وآمركم بأشياء لا تصلح لكم، وإن من آخر القرآن نزولاً آية الربا، وإنه قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم، إلى ما لا يريبكم، وقد قال ابن أبي عدي بالإسناد موقوفاً، فذكره، ورده الحاكم في مستدركه، وقد قال ابن ماجه: حدثنا عمرو بن علي الصيرفي، حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن زبيد عن إبراهيم عن مسروق عن عبد الله، هو ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الربا ثلاثة وسبعون باباً»تفسير : ورواه الحاكم في مستدركه من حديث عمرو بن علي الفلاس بإسناده مثله، وزاد: «حديث : أيسرها أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم»تفسير : وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقال ابن ماجه: حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن أبي معشر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الربا سبعون جزءاً، أيسرها أن ينكح الرجل أمه»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم عن عباد بن راشد، عن سعيد بن أبي خيرة، حدثنا الحسن منذ نحو أربعين أو خمسين سنة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا»تفسير : ، قال: قيل له: الناس كلهم؟ قال: «حديث : من لم يأكله منهم ناله من غباره»تفسير : ، وكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، من غير وجه، عن سعيد بن أبي خيرة، عن الحسن به، ومن هذا القبيل وهو تحريم الوسائل المفضية إلى المحرمات، الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة، قالت: لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، فقرأهن، فحرم التجارة في الخمر، وقد أخرجه الجماعة، سوى الترمذي، من طرق من الأعمش به، وهكذا لفظ رواية البخاري عند تفسير هذه الآية: فحرم التجارة، وفي لفظ له عن عائشة، قالت: لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا، قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس، ثم حرم التجارة في الخمر، قال بعض من تكلم على هذا الحديث من الأئمة: لما حرم الربا ووسائله، حرم الخمر وما يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك، كما قال عليه السلام في الحديث المتفق عليه: «حديث : لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها»تفسير : وقد تقدم في حديث علي وابن مسعود وغيرهما، عند لعن المحلّل في تفسير قوله: {أية : حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}تفسير : [البقرة: 230] قوله صلى الله عليه وسلم:«حديث : لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه»تفسير : ، قالوا: وما يشهد عليه ويكتب إلا إذا أظهر في صورة عقد شرعي، ويكون داخله فاسداً، فالاعتبار بمعناه لا بصورته، لأن الأعمال بالنيات، وفي الصحيح: «حديث : إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم»تفسير : وقد صنف الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية، كتاباً في إبطال التحليل، تضمن النهي عن تعاطي الوسائل المفضية إلى كل باطل، وقد كفى في ذلك، وشفى، فرحمه الله، ورضي عنه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرّبَوٰاْ } أي يأخذونه وهو الزيادة في المعاملة بالنقود والمطعومات في القَدْر أو الأجل {لاَ يَقُومُونَ } من قبورهم {إِلا } قياماً {كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ } يصرعه {ٱلشَّيْطَٰنُ مِنَ ٱلْمَسّ } الجنون، متعلق (بيقومون) {ذٰلِكَ } الذي نزل بهم {بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم {قَالُواْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرّبَوٰاْ } في الجواز وهذا من عكس التشبيه مبالغة فقال تعالى رداً عليهم {وَأَحَلَ ٱللهُ البَيْعَ وَحَرَمَ ٱلرِبَٰواْ فَمن جَآءَهُ } بلغه {مَّوْعِظَةٌ } وعظ {مّنْ رَّبّهِ فَٱنتَهَىٰ } عن أكله {فَلَهُ مَا سَلَفَ } قبل النهي أي لا يسترد منه {وَأَمْرُهُ } في العفو عنه {إِلَى ٱللَّهِ وَمَنْ عَادَ } إلى أكله مشبهاً له بالبيع في الحل {فَأُوْلَٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ }.
الشوكاني
تفسير : الربا في اللغة: الزيادة مطلقاً، يقال: ربا الشيء يربو: إذا زاد، وفي الشرع يطلق على شيئين، على ربا الفضل، وربا النسيئة حسبما هو مفصل في كتب الفروع، وغالب ما كانت تفعله الجاهلية أنه إذا حلَّ أجل الدين قال من هو له لمن هو عليه: أتقضي أم تربي؟ فإذا لم يقض زاد مقداراً في المال الذي عليه، وأخر له الأجل إلى حين. وهذا حرام بالاتفاق، وقياس كتابة الربا بالياء للكسرة في أوّله. وقد كتبوه في المصحف بالواو. قال في الكشاف: على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة، والزكاة، وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع. انتهى. قلت: وهذا مجرد اصطلاح لا يلزم المشي عليه، فإن هذه النقوش الكتابية أمور اصطلاحية لا يشاحح في مثلها إلا فيما كان يدل به منها على الحرف الذي كان في أصل الكلمة، ونحوه، كما هو مقرر في مباحث الخط من علم الصرف، وعلى كل حال، فرسم الكلمة، وجعل نقشها الكتابي على ما يقتضيه اللفظ بها هو الأولى، فما كان في النطق ألفاً كالصلاة، والزكاة، ونحوهما كان الأولى في رسمه أن يكون كذلك، وكون أصل هذا الألف واواً، أو ياء لا يخفى على من يعرف علم الصرف، وهذه النقوش ليست إلا لفهم اللفظ الذي يدل بها عليه كيف هو: في نطق من ينطق به لا لتفهيم أن أصل الكلمة كذا مما لا يجري به النطق، فاعرف هذا، ولا تشتغل بما يعتبره كثير من أهل العلم في هذه النقوش، ويلزمون به أنفسهم، ويعيبون من خالفه، فإن ذلك من المشاححة في الأمور الاصطلاحية التي لا تلزم أحداً أن يتقيد بها، فعليك بأن ترسم هذه النقوش على ما يلفظ به اللافظ عند قراءتها، فإنه الأمر المطلوب من وضعها، والتواضع عليها، وليس الأمر المطلوب منها أن تكون دالة على ما هو أصل الكلمة التي يتلفظ بها المتلفظ مما لا يجري في لفظه الآن، فلا تغترّ بما يروى عن سيبويه، ونحاة البصرة أن يكتب الربا بالواو؛ لأنه يقول في تثنيته ربوان. وقال الكوفيون: يكتب بالياء، وتثنيته ربيان. قال الزجاج: ما رأيت خطأ أقبح من هذا، ولا أشنع، لا يكفيهم الخطأ في الخط حتى يخطئوا في التثنية، وهم يقرءون: {أية : وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن رِباً لّيَرْبُوَاْ فِى أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عند الله}تفسير : [الروم: 39] وليس المراد بقوله هنا: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرّبَوٰاْ } اختصاص هذا الوعيد بمن يأكله، بل هو عام لكل من يعامل بالربا، فيأخذه، ويعطيه، وإنما خص الآكل؛ لزيادة التشنيع على فاعله، ولكونه هو الغرض الأهمّ، فإن آخذ الربا إنما أخذه للأكل. قوله: {لاَ يَقُومُونَ } أي: يوم القيامة، كما يدل عليه قراءة ابن مسعود: {لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسّ يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ. أخرجه عبد ابن حميد، وابن أبي حاتم، وبهذا، فسره جمهور المفسرين قالوا: إنه يبعث كالمجنون عقوبة له، وتمقيتاً عند أهل المحشر. وقيل: إن المراد تشبيه من يحرص في تجارته، فيجمع ماله من الربا بقيام المجنون؛ لأن الحرص، والطمع، والرغبة في الجمع قد استفزته حتى صار شبيهاً في حركته بالمجنون، كما يقال لمن يسرع في مشيه، ويضطرب في حركاته: أنه قد جُنَّ، ومنه قول الأعشى في ناقته:شعر : وَتُصْبِحُ عَنْ غِبِّ السُّرَي وَكأَنَّها ألَمَّ بِهَا مِنْ طَائِفِ الجِنِّ أوْلَقُ تفسير : فجعلها بسرعة مشيها، ونشاطها كالمجنون. قوله: {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسّ } أي: إلا قياماً كقيام الذي يتخبطه، والخبط: الضرب بغير استواء كخبط العشواء، وهو المصروع. والمسّ: الجنون، والأمس: المجنون، وكذلك الأولق، وهو: متعلق بقوله: {يَقُومُونَ } أي: لا يقومون من المسّ الذي بهم {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } أو متعلق بـ {يقوم}. وفي الآية دليل على فساد قول من قال: إن الصرع لا يكون من جهة الجنّ، وزعم أنه من فعل الطبائع، وقال: إن الآية خارجة على ما كانت العرب تزعمه من أن الشيطان يصرع الإنسان، وليس بصحيح، وإن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مسّ. وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من أن يتخبطه الشيطان؛ كما أخرجه النسائي، وغيره. قوله: {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما ذكر من حالهم، وعقوبتهم بسبب قولهم: {إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرّبَوٰاْ } أي: أنهم جعلوا البيع، والربا شيئاً واحداً، وإنما شبهوا البيع بالربا مبالغة بجعلهم الربا أصلاً، والبيع فرعاً، أي: إنما البيع بلا زيادة عند حلول الأجل، كالبيع بزيادة عند حلوله، فإن العرب كانت لا تعرف رباً إلا ذلك، فردّ الله سبحانه عليهم بقوله: {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ } أي: أن الله أحلّ البيع، وحرّم نوعاً من أنواعه، وهو البيع المشتمل على الربا. والبيع مصدر باع يبيع، أي: دفع عوضاً، وأخذ معوّضاً، والجملة بيانية لا محل لها من الإعراب. قوله: {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ } أي: من بلغته موعظة من الله من المواعظ التي اشتمل عليها الأوامر، والنواهي، ومنها ما وقع هنا من النهي عن الربا {فَٱنتَهَىٰ } أي: فامتثل النهي الذي جاءه، وانزجر عن المنهي عنه، وهو معطوف، أي: قوله: {فَٱنتَهَىٰ } على قوله: {جَاءهُ }. وقوله: {مّن رَّبّهِ } متعلق بقوله: {جَاءهُ } أو بمحذوف وقع صفة لموعظة، أي: كائنة {مّن رَّبّهِ فَلَهُ مَا سَلَفَ} أي: ما تقدّم منه من الربا لا يؤاخذ به؛ لأنه فعله قبل أن يبلغه تحريم الربا، أو قبل أن تنزل آية تحريم الربا. وقوله: {أَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ } قيل: الضمير عائد إلى الربا، أي: وأمر الربا إلى الله في تحريمه على عباده، واستمرار ذلك التحريم، وقيل: الضمير عائد إلى ما سلف، أي: أمره إلى الله في العفو عنه، وإسقاط التبعة فيه، وقيل: الضمير يرجع إلى المربي، أي: أمر من عامل بالربا إلى الله في تثبيته على الإنتهاء، أو الرجوع إلى المعصية {وَمَنْ عَادَ } إلى أكل الربا، والمعاملة به {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } والإشارة إلى {من عاد} وجمع أصحاب باعتبار معنى "من"، وقيل: إن معنى {من عاد}: هو أن يعود إلى القول: بـ {إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرّبَوٰاْ } وأنه يكفر بذلك، فيستحق الخلود، وعلى التقدير الأوّل يكون الخلود مستعاراً على معنى المبالغة، كما تقول العرب: ملك خالد، أي: طويل البقاء، والمصير إلى هذا التأويل واجب للأحاديث المتواترة القاضية بخروج الموحدين من النار. قوله: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرّبَوٰاْ } أي: يذهب بركته في الدنيا، وإن كان كثيراً، فلا يبقى بيد صاحبه. وقيل: يمحق بركته في الآخرة. قوله: {وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ } أي: يزيد في المال الذي أخرجت صدقته، وقيل: يبارك في ثواب الصدقة، ويضاعفه، ويزيد في أجر المتصدّق، ولا مانع من حمل ذلك على الأمرين جميعاً. قوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } أي: لا يرضى؛ لأن الحبّ مختص بالتوّابين، وفيه تشديد، وتغليظ عظيم على من أربى حيث حكم عليه بالكفر، ووصفه بأثيم للمبالغة، وقيل: لإزالة الاشتراك، إذ قد يقع على الزراع، ويحتمل أن المراد بقوله: {كُلَّ كَفَّارٍ } من صدرت منه خصلة توجب الكفر، ووجه التصاقه بالمقام أن الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا كفار. وقد تقدم تفسير قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } إلى آخر الآية. وقد أخرج أبو يعلى من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرّبَوٰاْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسّ } قال: يعرفون يوم القيامة بذلك لا يستطيعون القيام، إلا كما يقوم المتخبط المنخنق: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرّبَوٰاْ } وكذبوا على الله: {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ } ومن عاد فأكل الربا: {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في الآية قال: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق. وأخرج عبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر من وجه آخر عنه أيضاً في قوله: {لاَ يَقُومُونَ } قال: ذلك حين يبعث من قبره. وأخرج الأصبهاني في ترغيبه، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يأتي آكل الربا يوم القيامة مختبلاً يجر شفتيه"تفسير : ثم قرأ: {لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسّ }، وقد وردت أحاديث كثيرة في تعظيم ذنب الربا، منها من حديث عبد الله بن مسعود، عند الحاكم وصححه، والبيهقي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الربا ثلاثة وسبعون باباً، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم» تفسير : ومن حديث أبي هريرة مرفوعاً، عند ابن ماجه، والبيهقي بلفظ: «حديث : سبعون باباً»تفسير : وورد هذا المعنى مع اختلاف العدد عن عبد الله بن سَلاَم، وكعب، وابن عباس، وأنس. وأخرج ابن جرير، عن الربيع في الآية قال: يبعثون يوم القيامة، وبهم خَبَل من الشيطان، وهي في بعض القراءات: «لا يقومون يوم القيامة». يعني قراءة ابن مسعود المتقدم ذكرها. وفي الصحيحين، وغيرهما من حديث عائشة قالت: لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، فقرأهنّ على الناس، ثم حرّم التجارة في الخمر» وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن عمر بن الخطاب: أنه خطب، فقال: إن من آخر القرآن نزولاً آية الربا، وإنه قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم. وأخرج البخاري، وغيره، عن ابن عباس أنه قال: آخر آية أنزلها الله على رسوله آية الربا. وأخرج البيهقي في الدلائل، عن عمر مثله. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد في الربا الذي نهى الله، عنه قال: كان أهل الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين، فيقول: لك كذا وكذا، وتؤخر عني، فيؤخر عنه. وأخرج أيضاً، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، نحوه أيضاً، وزاد في قوله: {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ } قال: يعني البيان الذي في القرآن في تحريم الربا، فانتهى عنه: {فَلَهُ مَا سَلَفَ } يعني: فله ما كان أكل من الربا قبل التحريم: {وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ } يعني بعد التحريم، وبعد تركه إن شاء عصمه منه، وإن شاء لم يفعل {وَمَنْ عَادَ } يعني في الربا بعد التحريم، فاستحله بقولهم: {إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرّبَوٰاْ} {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } يعني لا يموتون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، من طريق ابن جريج، عن ابن عباس في قوله: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرّبَوٰاْ } قال: ينقص الربا {وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ } قال: يزيد فيها، وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعاً «حديث : من تصدق بعْدل تمرة من كسبٍ طيبٍ، ولا يقبل الله إلا طيباً، فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يُرْبَيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوّه حتى تكون مثل الجبل»تفسير : . وأخرج البزار، وابن جرير، وابن حبان، والطبراني من حديث عائشة نحوه. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن ابن عمر مرفوعاً نحوه أيضاً. وفي حديث عائشة، وابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بعد أن ساق الحديث: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرّبَوٰاْ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ }. وأخرج الطبراني عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن العبد ليتصدّق بالِكْسَرة تربو عند الله حتى تكون مثل أحد»تفسير : وهذه الأحاديث تبين معنى الآية.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا} يعني يأخذون الربا فعبر عن الأخذ بالأكل لأن الأخذ إنما يراد للأكل، والربا: هو الزيادة من قولهم: ربا السويق يربو إذا زاد، وهو الزيادة على مقدار الدَّيْنِ لمكان الأجل. {لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} يعني من قبورهم يوم القيامة، وفيه قولان: أحدهما: كالسكران من الخمر يقطع ظهراً لبطن، ونسب إلى الشيطان لأنه مطيع له في سكره. والثاني: قاله ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، والحسن: لا يقومون يوم القيامة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ، يعني الذي يخنقه الشيطان في الدنيا من المس، يعني الجنون، فيكون ذلك في القيامة علامة لأكل الربا في الدنيا. واختلفوا في مس الجنون، هل هو بفعل الشيطان؟ فقال بعضهم: هذا من فعل الله بما يحدثه من غلبة السوداء فيصرعه، ينسب إلى الشيطان مجازاً تشبيهاً بما يفعله من إغوائه الذي يصرعه. وقال آخرون: بل هو من فعل الشيطان بتمكين الله له من ذلك في بعض الناس دون بعض، لأنه ظاهر القرآن وليس في العقل ما يمنعه. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} قيل إنه يعني ثقيفاً لأنهم كانوا أكثر العرب رباً، فلمّا نهوا عنه قالوا: كيف ننهى عن الربا وهو مثل البيع فحكى الله تعالى ذلك عنهم، ثم أبطل ما ذكروه من التشبيه بالبيع فقال تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} وللشافعي في قوله: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها من العامِّ الذي يجري على عمومه في إباحة كل بيع وتحريم كل ربا إلا ما خصهما دليل من تحريم بعض البيع وإحلال بعض الربا، فعلى هذا اختلف في قوله، هل هو من العموم الذي أريد به العموم، أو من العموم الذي أريد به الخصوص على قولين: أحدهما: أنه عموم أريد به العموم وإن دخله دليل التخصيص. والثاني: أنه عموم أريد به الخصوص. وفي الفرق بينهما وجهان: أحدهما: أن العموم الذي أريد به العموم: أن يكون الباقي من العموم من بعد التخصيص أكثر من المخصوص، والعموم الذي أريد به الخصوص أن يكون الباقي منه بعد التخصيص أقل من المخصوص. والفرق الثاني: أن البيان فيما أريد به الخصوص متقدِّم على اللفظ، وأن ما أريد به العموم متأخِر عن اللفظ ومقترن به، [هذا] أحد أقاويله: والقول الثاني: أنه المجمل الذي لا يمكن [أن] يستعمل في إحلال بيع أو تحريمه إلا أن يقترن به بيان من سنّة الرسول، وإن دل على إباحة البيوع في الجملة دون التفصيل. وهذا فرق ما بين العموم والمجمل، أن العموم يدل على إباحة البيوع في الجملة ولا يدل على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان. فعلى هذا القول أنها مجملة اختلف في إجمالها، هل هو لتعارض فيها أو لمعارضة غيرها لها على وجهين: أحدهما: أنه لمَّا تعارض ما في الآية من إحلال البيع وتحريم الربا وهو بيع صارت بهذا التعارض مجملة وكان إجمالها منها. والثاني: أن إجمالها بغيرها لأن السنّة منعت من بيوع وأجازت بيوعاً فصارت بالسنة مجملة. وإذا صح إجمالها فقد اختلف فيه: ـ هل هو إجمال في المعنى دون اللفظ، لأن لفظ البيع معلوم في اللغة وإنما الشرع أجمل المعنى والحكم حين أحل بيعاً وحرّم بيعاً. والوجه الثاني: أن الإجمال في لفظها ومعناها، لأنه لما عدل بالبيع عن إطلاقه على ما استقر عليه في الشرع فاللفظ والمعنى محتملان معاً، فهذا شرح القول الثاني. والقول الثالث: أنها داخلة في العموم والمجمل، فيكون عموماً دخله التخصيص، ومجملاً لحقه التفسير، لاحتمال عمومها في اللفظ وإجمالها في المعنى، فيكون اللفظ عموماً دخله التخصيص، والمعنى مجملاً لحقه التفسير. والوجه الثاني: أن عمومها في أول الآية من قوله: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، وإجمالها في آخرها من قوله: {وَحَرَّمَ الرِّبَا}، فيكون أولها عاماً دخله التخصيص، وآخرها مجملاً لحقه التفسير. والوجه الثالث: أن اللفظ كان مجملاً، فلما بَيَّنَهُ الرسول صار عاماً، فيكون داخلاً في المجمل قبل البيان، في العموم بعد البيان. ثم قال تعالى: {فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّه فَانتَهَى} في الموعظة وجهان: أحدهما: التحريم. والثاني: الوعيد. {فَلَهُ مَا سَلَفَ} قاله السدي: يعني ما أكل من الربا لا يلزمه رَدُّه. {وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ} يحتمل وجهين: أحدهما: في المحاسبة والجزاء. والثاني: في العفو والعقوبة. وقيل فيه وجه ثالث: في العصمة والتوفيق. وقيل فيه وجه رابع: فأمره إلى الله والمستقل في تثبيته على التحريم أو انتقاله إلى الاستباحة.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَأْكُلُونَ} يأخذون, عبّر به عن الأخذ، لأنه الأغلب والربا: الزيادة على الدَّيْن لمكان الأجل، رَبَا السويق زاد. {لا يَقُومُونَ} من قبورهم يوم القيامة. {يَتَخَبَّطُهُ} يتخنقه الشيطان في الدنيا. {مِنَ الْمَسِّ} وهو الجنون، وذلك لغلبة السوداء، فنسب إلى الشيطان تشبيهاً بما يفعله من إغوائه به، أو هو فعل للشيطان، لجوازه عقلاً، وهو ظاهر القرآن. {إِنَّمَا الْبَيْعُ} قالته ثقيف، وكانوا من أكثر العرب رِباً. {مَا سَلَفَ} ما أَكل من الربا لا يلزمه رده.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {الذين يأكلون الربا} أي يعاملون به وإنما خص الأكل لأنه معظم الأمر المقصود من المال لأن المال لا يؤكل إنما يصرف في المأكول ثم يؤكل فمنع الله التصرف في الربا بما ذكر فيه من الوعيد (م) عن جابر قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء" وأصل الربا في اللغة الزيادة يقال ربا الشيء يربو إذا زاد وكثر فالربا الزيادة في المال {لا يقومون} يعني من قبورهم يوم القيامة {إلاّ كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان} أي يصرعه، وأصل الخبط الضرب والوطء وهو ضرب على غير استواء يقال ناقة خبوط للتي تضرب الأرض بقوائمها وتطأ الناس بأخفافها ومنه قولهم: يخبط خبط عشواء للرجل الذي يتصرف في الأمور على غير اهتداء وتمييز وتدبر، وتخبطه الشيطان إذا مسه بخبل وجنون {من المس} يعني من الجنون يقال: مس الرجل فهو ممسوس إذا كان به جنون، ومعنى الآية أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مثل المصروع الذي لا يستطيع الحركة الصحيحة لأن الربا ربا في بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإسراع. قال سعيد بن جبير تلك علامة آكل الربا إذا استحله يوم القيامة وروى البغوي بسند الثعلبي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الإسراء قال: "حديث : فانطلق بي جبريل إلى رجال كثير كل رجل بطنه مثل البيت الضخم منضدين على سابلة آل فرعون وآل فرعون يعرضون على النار غدواً وعشياً قال فيقبلون مثل الإبل المنهومة يخبطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون فإذا أحس بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون ثم يقوم أحدهم فيميل به بطنه فيصرع فلا يستطيعون أن يبرحوا حتى يغشاهم آل فرعون فيردوهم مقبلين ومدبرين فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا والآخرة، قال: وآل فرعون يقولون: اللهم لا تقم الساعة أبداً. قال: ويوم القيامة يقول أدخلوا آل فرعون أشد العذاب قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلاّ كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس"تفسير : . قوله: بطنه مثل البيت الضخم أي العظيم الكبير الغليظ، وقوله: منضدين أي موضوعين بعضهم على بعض والسابلة الطريق، وقوله مثل الإبل المنهومة، النهم بالتحريك إفراط في الشهوة بالطعام من الجوع. قوله عز وجل: {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا} أي ذلك الذي نزل بهم من العذاب بقولهم هذا واستحلالهم إياه وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا حل ماله على غريمه يطالبه به فيقول الغريم لصاحب الحق زدني في الأجل حتى أزيدك في المال فيفعلان ذلك وكانوا يقولون: سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح أو عند المحل لأجل التأخير فكذبهم الله تعالى. ورد عليهم ذلك بقوله: {وأحل الله البيع وحرم الربا} يعني وأحل الله لكم الأرباح في التجارة بالبيع والشراء وحرم الربا الذي هو زيادة في المال لأجل تأخير الأجل وذلك لأن الله تعالى خلق الخلق فهم عبيده وهو مالكهم يحكم فيهم بما يشاء ويستعبدهم بما يريد ليس لأحد أن يعترض عليه في شيء مما حل أو حرم، وإنما على كافة الخلق الطاعة والتسليم لحكمه وأمره ونهيه. وذكر بعض العلماء الفرق بين البيع الربا فقال إذا باع ثوباً يساوي عشرة بعشرين فقد جعل ذات الثوب مقابلاً للعشرين فلما حصل التراضي على هذا التقابل صار كل واحد منهما مقابلاً للآخر في المالية عندهما فلم يكن أخذ من صاحبه شيئاً بغير عوض، أما إذا باع عشرة دراهم بعشرين فقد أخذ العشرة الزائدة بغير عوض ولا يمكن أن يقال: إن العوض هو الإمهال في مدة الأجل لأن الإمهال ليس مالاً أو شيئاً يشار إليه حتى يجعله عوضاً عن العشرة الزائدة فقد ظهر الفرق بين الصورتين. فصل: في حكم الربا وفيه مسائل المسألة الأولى: ذكروا في سبب تحريم الربا وجوهاً: أحدها: أن الربا يقتضي أخذ مال الغير بغير عوض، لأن من يبيع درهماً بدرهمين نقداً كان أو نسيئة فقد حصل له زيادة درهم من غير عوض فهو حرام. الوجه الثاني: إنما حرم عقد الربا لأنه يمنع الناس من الاشتغال بالتجارة لأن صاحب الدراهم إذا تمكن من عقد الربا خف عليه تحصيل الزيادة من غير تعب ولا مشقة، فيقضي ذلك إلى انقطاع منافع الناس بالتجارات وطلب الأرباح. الوجه الثالث: أن الربا هو سبب إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، فلما حرم الربا طابت النفوس بقرض الدراهم للمحتاج واسترجاع مثله لطلب الأجر من الله تعالى. الوجه الرابع: أن تحريم الربا قد ثبت بالنص ولا يجب أن يكون حكم جميع التكاليف معلومة للخلق فوجب القطع بتحريم الربا وإن كنا لا نعلم وجه الحكمة في ذلك. المسألة الثانية: اعلم أن الربا في اللغة هو الزيادة، وطلب الزيادة بطريق التجارة غير حرام فثبت أن الزيادة المحرمة هو الربا وهو على صفة مخصوصة في مال مخصوص بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم (ق) عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الذهب بالورق رباً إلاّ هاء وهاء والبر بالبر رباً إلا هاء وهاء والشعير بالشعير رباً إلاّ هاء وهاء والتمر بالتمر رباً إلاّ هاء وهاء"تفسير : . وفي رواية: "حديث : الورق بالورق رباً إلاّ هاء وهاء والذهب بالذهب رباً إلاّ هاء وهاء" تفسير : (م) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الذهب بالذهب وزناً بوزن مثلاً بمثل والفضة بالفضة وزناً بوزن مثلاً بمثل فمن زاد واستزاد فقد أربى" تفسير : وفي رواية: "حديث : التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد، فمن زاد واستزاد فقد أربى إلاّ ما اختلفت ألوانه"تفسير : . (م) عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد" تفسير : فنص رسول الله صلى الله عليه وسلم على جريان الربا في هذه الستة أشياء وهي النقدان وأربعة أصناف من المطعومات وهي البر والشعير والتمر والملح، فذهب عامة أهل العلم إلى أن حكم الربا ثبت في هذه الأشياء لأوصاف فيها، فيعتدي إلى كل ما يوجد من تلك الأصناف فيه ثم اختلفوا في تلك الأوصاف فذهب قوم إلى أن المعنى في جميعها هو واحد وهو النفع فأثبتوا الربا في جميع الأموال وذهب الأكثرون إلى أن الربا يثبت في الدراهم والدنانير بوصف وفي الأشياء المطعومة بوصف آخر، واختلفوا في ذلك الوصف فذهب الشافعي ومالك إلى أنه ثبت في الدراهم والدنانير بوصف النقدية وذهب أصحاب الرأي إلى أنه ثبت بعلة الوزن فأثبتوا الربا في جميع الموزونات مثل الحديد والنحاس والقطن ونحو ذلك، وأما الأربعة أشياء المطعومة فذهب أصحاب الرأي إلى أن الربا ثبت فيها بعلة الوزن والكيل فأثبتوا الربا في جميع المكيلات والموزونات مطعوماً كان أو غير مطعوم كالجص والنورة ونحوهما، وذهب جماعة إلى أن العلة فيها الطعم مع الكيل والوزن فكل مطعوم مكيل أو موزون يثبت فيه الربا ولا يثبت فيما سوى ذلك مما ليس بمكيل أو موزون وهو قول سعيد بن المسيب والشافعي في القديم. وقال في الجديد: ثبت الربا فيها بوصف الطعم فأثبت الربا في جميع الأشياء المطعومة من الثمار والفواكه والبقول والأدوية مكيلة كانت أو موزونة لما روي عن معمر بن عبدالله أرسل غلامه بصاع قمح فقال: بعه ثم اشتر به شعيراً، فذهب الغلام فأخذ صاعاً وزيادة بعض من صاع فلما جاء معمراً أخبره بذلك. فقال له معمر: لم فعلت ذلك انطلق فرده ولا تأخذن إلا مثلاً بمثل فإني كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الطعام بالطعام مثلاً بمثل" تفسير : وكان طعامنا الشعير قيل له: فإنه ليس بمثله فقال إني أخاف أن يضارع أخرجه مسلم فجملة مال الربا عند الشافعي ما كان ثمناً أو مطعوماً. المسألة الثالثة: الربا نوعان ربا فضل وهو الزيادة وربا نسيئة وهو الأجل، فإن باع ما يدخل فيه الربا بجنسه إن باع أحد النقدين بجنسه كالذهب بالذهب أو المطعوم بجنسه كالحنطة ونحو ذلك فيشترط فيه التماثل والمساواة بمعيار الشرع فإن كان موزوناً كالدراهم والدنانير فيشترط فيه المساواة في الوزن وإن كان مكيلاً كالحنطة والشعير يشترط في بيعه بجنسه المساواة في الكيل، ويشترط التقابض في مجلس العقد فإن باع ما يدخل فيه الربا بغير جنسه ينظر فإن باع بما لا يوافقه في وصف الربا مثل إن باع مطعوماً بأحد النقدين فلا ربا فيه كما لو باعه بغير مال الربا فإن باعه بما لا يوافقه في الوصف لا في الجنس مثل أن باع الدراهم بالدنانير أو باع الحنطة بالشعير أو كان مطعوماً بمطعوم آخر من غير جنسه فلا يثبت فيه ربا التفاضل فيجوز بيعه متفاضلاً ويثبت فيه ربا النسيئة فيشترط في بيعه التقابض في المجلس لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إلاّ يداً بيد"تفسير : . وقوله "هاء وهاء" ففيه اشتراط التقابض في المجلس وتحريم النسيئة وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إلاّ سواء بسواء مثلاً بمثل" تفسير : ففيه إيجاب المماثلة وتحريم التفاضل عند اتفاق الجنس وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم" تفسير : ففيه إطلاق التبايع مع التفاضل عند اختلاف الجنس مع اشتراط التقابل في المجلس وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا كان يداً بيد" تفسير : والله أعلم. المسألة الرابعة: في القرض وهو من أقرض شيئاً وشرط أن يرد عليه أفضل منه فهو قرض جر منفعة وكل قرض جر منفعة فهو ربا يدل عليه ما روي عن مالك قال: بلغني أن رجلاً أتى ابن عمر فقال إني أسلفت رجلاً سلفاً واشترطت عليه أفضل مما أسلفته، فقال عبدالله بن عمر: فذلك الربا أخرجه مالك في الموطأ. قال فإن لم يشترط فضلاً في وقت القرض فرد المستقرض أفضل مما أخذ جاز. ويدل على ذلك ما روي عن مجاهد أن ابن عمر استلف دراهم فقضى صاحبها خيراً منها فأبى أن يأخذها وقال هذه خير من دراهمي. فقال ابن عمر: قد علمت ولكن نفسي بذلك طيبة أخرجه مالك في الموطأ. وقوله تعالى: {فمن جاءه موعظة من ربه} أي تذكير وتخويف وإنما ذكر الفعل لأن تأنيثه غير حقيقي فجاز تذكيره وذلك لأن الوعظ والموعظة شيء واحد {فانتهى} أي عن أكل الربا {فله ما سلف} أي ما مضى من ذنبه قبل النهي مغفور له {وأمره إلى الله} يعني بعد النهي إن شاء عصمه حتى يثبت على الانتهاء وإن شاء خذله حتى يعود إلى أكل الربا وقيل معناه وأمره إلى الله فيما يأمره وينهاه ويحل له ويحرم عليه وليس إليه من أمر نفسه شيء. وقيل: إن الآية فيمن يعتقد تحريم أكل الربا ثم يأكله فأمره إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه {ومن عاد} يعني إلى أكل الربا بعد التحريم مستحلاً له {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ...}. قال ابن عرفة: يحتمل أن يكون التشبيه بمن يتخبطه "الشيطان من المس (حال) تخبطه. ويحتمل أن يكون التّشبيه بالمتخبط إثر تخبطه)) والظاهر العموم، لأن الآكلين من الربا متفاوتون في الأكل، فالمكثر منهم شبيه به حال التخبط والمقلل شبيه به أثر التخبط. قال ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها أنها تقدمها إنفاق الصدقة، والصدقة (من) غير عوض (والرّبا في ظاهر الأمر زيادة من غير عوض) لأنه يدفع قليلا في كثير. وقدّر الفخر المناسبة بأن الصدقة (نقص من المال) والرّبا زيادة فيه، فالنفوس تحبه وتكره الصدقة فجاءت الآية ردّا عليهم وإشعارا بأن ذلك النقص زيادة وتلك الزيادة نقص. قال الزمخشري: "مِنَ المَسّ" متعلّق بـ "يقومون" (أو يقوم، فرد عليه أبو حيان تعلقه بـ "يقومون") لأن قيامهم في الآخرة وليس فيه جنون ولا مس. قال ابن عرفة: وفيه عندي نظر من وجه آخر وهو (أنّك تقول): ما أكل زيد إلا كالشيطان يأكل بشماله. أو تقول: ما أكل زيد بشماله إلاّ كالشيطان (يأكل بشماله). فهذه الحالة أخف لأنه في الأولى ذمّ لآكله مطلقا، وفي الثانية ذم له إذا اتّصف بالأكل بالشّمال وقد لا يتصف به، وكذلك هذا يلزم أن يكون التشبيه خاصا بقيامهم من المس فيقال: لعل لهم (حالة) أخرى يقومون (بها) من المس. قال ابن عرفة: اعلم أن القدماء من المعتزلة ينكرون الجنّ بالأصالة، وهو كفر لا شك فيه فإنه تكذيب للقرآن والحديث، والمتأخرون منهم يثبتونهم وينكرون الصرع. قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَو䁲}. قال الزمخشري: الإشارة للعقاب. قال ابن عرفة: أو لأكلهم الربا لأنه سبب في عقوبتهم وسبب السبب مسبب، وهذا قياس تمثيلي ذكروا منه قياس (الشبه) والتسوية وهو قياس أخروي بمعنى أن الحكم في المقيس عليه ثابت في الفرع المقيس من باب أحرى فينعكس فيه التشبيه. ومثله ابن مالك في المصباح بهذه الآية وبقول الشاعر: شعر : كأن انتظار البدر من تحت غيمه نجاة من البأساء بعد الوقوع تفسير : وبقول الآخر: شعر : وكأن النجوم بين الدّجى سنن لاح بينهن ابتداع تفسير : فجعل أهل السنة بين المبتدعة بمنزلة النجوم في الظلام. وقال غيره: الاهتداء بالنجوم يحتاج فيه إلى معرفة استدلال واتباع أهل السنة لا يحتاج فيه إلى تكليف دليل فكان أحرى. قوله تعالى: {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْ...}. قال الزمخشري: هذا رد على قياسهم. قال ابن عرفة: بل هو عندي تجهيل لهم، ويكون النّص متقدما فهو قياس في معرض النّص فهو فاسد الوضع وعلى ما قال الزمخشري يكون النص غير متقدم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {الربا} حيث كان بالإمالة: حمزة وعلي وخلف. وهذا إذا كان معرّفاً ولا يميلون المنكر في الوصل لأجل التنوين كقوله: {أية : وما آتيتم من ربا} تفسير : [الروم: 39] ويميلون في الوقف لزوال التنوين {فأذنوا} ممدودة مكسورة الذال: حمزة وحماد وأبو بكر غير ابن غالب والبرجمي حمزة يقف بغير همزة أي بالتليين. الباقون فأذنوا بسكون الهمزة وفتح الذال {لا تظلمون ولا تظلمون} الأول مبني للمفعول والثاني للفاعل المفضل. الباقون بالعكس {ميسره} بضم السين: نافع {ميسرة} بضم السين وإثبات التاء: زيد عن يعقوب، الباقون بفتح السين وعدم التاء. {وأن تصدقوا} خفيفاً بحذف إحدى التاءين: عاصم. الباقون بتشديد الصاد لإدغام تاء التفعل في الصاد. {ترجعون} بفتح التاء وكسر الجيم: أبو عمرو ويعقوب عباس مخير. الباقون مبنياً للمفعول. الوقوف: {من المس} ط،/ {مثل الربا} م كيلا يظن أن ما بعده من قولهم وإن أمكن جعل {وأحل} حالاً بإضمار "قد" {وحرم الربا} ط لابتداء الشرط واستئناف المعنى، {ما سلف} ط لتناهي الجزاء، {إلى الله} ج، {النار} ج، {خالدون} ه، {الصدقات} ط، {أثيم} ه {عند ربهم} ج، {يحزنون} ه، {مؤمنين} ه، {ورسوله} ج، {أموالكم} ج لأن ما بعده مستأنف أو حال عاملة معنىالفعل في لام التمليك، {ولا تظلمون} ه، {ميسرة} ط، {تعلمون} ه، {لا يظلمون} ه. التفسير: الحكم الثاني من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع حكم الربا. وذلك أنَّ بين الصدقة وبين الربا مناسبة التضاد، فإن الصدقة تنقيص مأمور بها، والربا زيادة منهي عنها. وأيضاً لما أمر بالإنفاق من طيبات المكاسب وجب أن يردف بالكسب الحرام وهو الربا، والحلال وهو البيع ما يناسب من الدين والرهن وغيرهما فقال {الذين يأكلون الربا} أما الأكل فيعم جميع التصرفات إلا أنه عبر عن الشيء بمعظم مقاصده وكيف لا وقد "حديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه والمحلل له " تفسير : وأيضاً نفس الربا لا يمكن أن يؤكل ولكن يصرف إلى المأكول فيؤكل، فالمراد التصرف فيه. والربا في اللغة الزيادة من ربا يربو، ومن أمالها فلمكان كسرة الراء. وهو في المصاحف مكتوب بالواو وأنت مخير في كتابتها بالألف والواو. وفي الكشاف: كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة. وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع. ثم الربا قسمان: ربا النسيئة وربا الفضل. أما الأول فهو الذي كانوا يتعارفونه في الجاهلية، كانوا يدفعون المال مدة على أن يأخذوا كل شهر قدراً معيناً، ثم إذا حل الدين طالب المديون برأس المال فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل. وأما ربا الفضل فأن يباع مَنٌّ من الحنطة بمنوين مثلاً. والمروي عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول وكان يقول: لا ربا إلا في النسيئة. ويجوّز ربا النقد فقال له أبو سعيد الخدري: أشهدت ما لم نشهد أسمعت ما لم نسمع؟ فروى له الحديث المشهور في هذا الباب. وله روايات منها. "حديث : الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطى فيه سواء" تفسير : ثم قال أبو سعيد: لا أرني وإياك في ظل بيت ما دمت على هذا. فيروى أنه رجع عنه. قال محمد بن سيرين: كنا في بيت معنا عكرمة فقال رجل: يا عكرمة، أما تذكر ونحن في بيت فلان ومعنا ابن عباس؟ فقال: إنما كنت/ استحللت الصرف برأيي ثم بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمه فاشهدوا أني قد حرمته وبرئت إلى الله منه. حجة ابن عباس أن قوله تعالى: {وأحل الله البيع} يتناول بيع الدرهم بالدرهمين نقداً. وقوله: {وحرم الربا} لا يتناوله لأن كل زيادة ليست محرمة فوجب أن تبقى على الحل ولا يخرج إلا العقد المخصوص الذي كان يسمى فيما بينهم ربا وهو ربا النسيئة. وقد تأكد هذا الرأي بما روى أسامة ين زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الربا في النسيئة " تفسير : وفي رواية "حديث : لا ربا فيما كان يداً بيد " تفسير : وذكر أبو المنهال أنه سأل البراء بن عازب وزيد بن أرقم "حديث : فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصرف فقال: إن كان يداً بيد فلا بأس، وإن كان نسيئة فلا يصح".تفسير : وأما جمهور المجتهدين فقد اتفقوا على حرمة الربا في القسمين. أما النسيئة فبالقرآن، وأما النقد فبالخبر، ثم إن الخبر دل على حرمة ربا النقد في الأشياء الستة: النقدان والمطعومات الأربعة. ولا شك أن الربا إنما ثبت فيها لمعنى، فإذا عرف ذلك المعنى ألحق بها ما يشاركها فيه. أما الأشياء الأربعة فللشافعي في علة الربا فيها قولان: الجديد أن العلة الطعم لما روي عن معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : الطعام بالطعام مثل بمثل " تفسير : علق الحكم باسمي الطعام، والحكم المعلق بالاسم المشتق معلل بما منه الاشتقاق كالقطع المعلق باسم السارق، والجلد المعلق باسم الزاني. والقديم أن العلة فيها الطعم مع الكيل أو الوزن لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : الذهب بالذهب وزناً بوزن والبر بالبر كيلاً بكيل " تفسير : فعلى هذا يثبت الربا في كل مطعوم مكيل أو موزون دون ما ليس بمكيل ولا موزون كالسفرجل والرمان والبيض والجوز. وقال مالك: العلة الاقتيات، فكل ما هو قوت أو يستصلح به القوت كالملح يجري فيه الربا. وعند أبي حنيفة العلة الكيل حتى ثبت الربا في الجص والنورة. وعن أحمد رواية كأبي حنيفة والأخرى كالجديد. وأما النقدان فعن بعض الأصحاب أن العلة فيهما لعينهما لا لعلة. والمشهور أن العلة فيهما صلاحية الثمنية الغالبة فيشمل التبر والمضروب والحلي والأواني المتخذة منها، ولا يتعدى الحكم إلى الفلوس على الأصح وإن راجت رواج الذهب والفضة لانتفاء العلة. وقال أحمد وأبو حنيفة: العلة فيهما الوزن فيتعدى الحكم إلى كل موزون كالحديد والرصاص. فهذا ضبط المذاهب وتفاريعها إلى الفقه. وأما السبب في تحريم الربا/ فهو أن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئة يحصل له زيادة درهم من غير عوض، وأخذ مال المسلم من غير عوض محرم لقوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : حرمة مال المسلم كحرمة دمه " تفسير : وإبقاء رأس المال في يده مدة مديدة وتمكينه من أن يتجر فيه وينتفع به أمر موهوم فقد يحصل وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد متيقن وتفويت المتيقن لأجل الموهوم لا يخلو من ضرر. وقيل: سبب تحريمه أنه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب، لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقداً أو نسيئة أعرض عن وجوه المكاسب فيختل نظام العالم. وقيل: لما يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، ولأنه تمكين للغني من أن يأخذ مالاً زائداً من الفقير. وقيل: إن حرمة الربا قد ثبتت بالنص ولا يجب أن تكون حكمة كل تكليف معلومة لنا. {لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} التخبط الضرب على غير استواء ومنه خبط العشواء وتخبط الشيطان. قيل: من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع فورد على ما كانوا يعتقدون. والمس الجنون رجل ممسوس أي مسه الجني فاختلط عقله، وكذلك جن الرجل ضربته الجن وهذا أيضا من زعماتهم. وقيل: من عادة الناس إذا أرادوا تقبيح شيء أن يضيفوه إلى الشيطان كما في قوله تعالى: {أية : طلعها كأنه رؤوس الشياطين} تفسير : [الصافات: 65] فورد القرآن على ذلك. وقيل: إن الشيطان يمسه بالوسوسة المؤذية التي يحدث عندها الفزع فيصرع كما يصرع الجبان في الموضع الخالي، ولهذا لا يوجد هذا الخبط في العقلاء وأرباب الحزم واللب. وأكثر المسلمين على أن الشيطان لا يبعد أن يكون قوياً على الصرع والقتل والإيذاء بتقدير الله تعالى. وللمفسرين في الآية أقوال: أحدها أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف. وقوله: {من المس} يتعلق بـ {لا يقومون} أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع. أو يتعلق بـ {يقوم} أي كما يقوم المصروع من جنونه، وقال ابن قتيبة: يريد إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم فأثقلهم. وقيل: إنه مأخوذ من قوله تعالى: {أية : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا} تفسير : [الأعراف: 201] وذلك أن الشيطان يدعوه إلى الهوى، والملك يجره إلى التقوى، فيقع هناك حركات مضطربة وأفعال مختلفة وهو الخبط، فإذا مات آكل الربا على ذلك أورثه الخبط في الآخرة وأوقعه في ذلك الحجاب بينه وبين الله/ تعالى. {ذلك} العقاب بسبب قولهم {إنما البيع مثل الربا} وذلك أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلاً وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع وإلا كان حق النظم في الظاهر أن يعكس فيقال: إنما الربا مثل البيع. لأن الكلام في الربا لا في البيع، ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق، ثم إنهم كانوا يعولون في تحليل الربا على هذه الشبهة وهي أن من اشترى ثوباً بعشرة ثم باعه بأحد عشر نقداً أو نسيئة فهذا حلال، فكذا إذا أعطى العشرة بأحد عشر لا فرق بين الصورتين إذا حصل التراضي من الجانبين، والبياعات إنما شرعت لدفع الحاجات. ولعل الإنسان يكون صفر اليد في الحال وسيحصل له أموال كثيرة في المآل فإعطاؤه الزيادة عند وجدان المال أسهل عليه من البقاء في الحاجة قبل وجدان المال. فأجاب الله تعالى عنها بحرف واحد وهو قوله:{وأحل الله البيع وحرم الربا} وحاصلة إنكار التسوية وأن النص لا يعارض بالقياس فإن ذلك من عمل إبليس، أمره الله تعالى بالسجود فعارض النص بالقياس وقال أنا خير منه. ثم ظاهر الآية يدل على أن الوعيد إنما لحقهم باستحلالهم الربا دون الإقدام على أكله مع اعتقاد التحريم، وعلى هذا التقدير لا يثبت بهذه الآية كون أكل الربا من الكبائر، ويجب تأويل مقدمة الآية بأن المراد من أكلهم الربا استطابته واستحلاله كما يقال: فلان يأكل مال الله قضماً وهضماً. أي يستحل التصرف فيه إلا أن جمهور المفسرين حملوا الآية على وعيد من يتصرف في مال الربا لا على وعيد من يستحل هذا العقد. قيل: ويحتمل أن يكون قوله {وأحل الله البيع وحرم الربا} من تمام كلام الكفار على سبيل الاستبعاد. وأكثر المفسرين على خلافه لأن جعله من كلام الكفار لا يتم إلا بإضمار هو أن يحمل ذلك على الاستفهام بطريق الإنكار، أو على الرواية عن قول المسلمين والإضمار خلاف الأصل. وأيضاً لو كان من تمام كلامهم فلم يكشف الله تعالى عن فساد شبهتهم، فلم يكن قوله بعد ذلك {فمن جاءه موعظة من ربه} لائقاً بالمقام وأيضاً المسلمون لم يزالوا متمسكين في البيع بهذه الآية، ولولا أنهم علموا أن ذلك كلام الله لا كلام الكفار لم يصح منهم الاستدلال بها. وههنا بحث للشافعي وهو أن الآية من المجملات التي لا يجوز التمسك بها بناء على أن الاسم المفرد باللام لا يفيد العموم وليس فيه إلا تعريف الماهية فيكفي في العمل به ثبوت صورة واحدة. ولو سلم إفادة العموم فلا شك أن إفادته مما لو قيل: وأحل الله البياعات: بلفظ الجمع. ومع ذلك فقد تطرق إليه تخصيصات خارجة عن الحصر والضبط، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام الله لأنه قريب من الكذب. نعم إطلاق اللفظ المستغرق على الأغلب عرف مشهور، وأيضاً روي أن عمر قال:"حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا وما سألناه عن الربا"تفسير : . ولو كان هذا اللفظ مفيداً للعموم لم يقل/ ذلك. وأيضاً قوله {وأحل الله البيع} يقتضي أن يكون كل بيع حلالاً، وقوله: {وحرم الربا} يقتضي أن يكون كل رباً حراماً. لأن الربا هو الزيادة ولا بيع إلا ويقصد به الزيادة، وإذا تعارضا وتساقطا ووجب الرجوع إلي بيان النبي صلى الله عليه وسلم. {فمن جاءه موعظة} فمن بلغه وعظ {من ربه فانتهى} امتنع من استحلال الربا وتبع النهي {فله ما سلف} فلا يؤاخذ بما مضى منه لأنه أخذ قبل نزول التحريم كقوله {أية : إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} تفسير : [الأنفال: 38] عن الزجاج: والتنوين في {موعظة} للتعظيم أو للتقليل أي موعظة بليغة أو شيء من المواعظ. وقيل: النهي المتأخر كيف يؤثر في الفعل المتقدم حتى يكون ما سلف ذنباً؟ فالمراد له ما أكل من الربا وليس عليه رد ما سلف. عن السدي: والسلوف التقدم ومنه الأمم السالفة، وسلافة الخمر صفوتها لأنه أول ما يخرج من عصيرها، {وأمره إلى الله} لأنه إن انتهى عن أكل الربا كما انتهى عن استحلاله فهو المقر بدين الله العامل بتكليفه فيستحق المدح والثواب، وإن انتهى عن الاستحلال دون الأكل فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له لقوله: {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} تفسير : [النساء: 48] {ومن عاد} إلى استحلال الربا وأنه مثل البيع {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} لأنه كفر باستحلال ما هو محرم إجماعاً. وأما القائلون بتخليد الفساق فيقولون: ومن عاد إلى أكل الربا. ثم إنه تعالى لما بالغ في الزجر عن الربا وكان قد بالغ في الآي السالفة في الحث على الصدقات، ذكر ما يجري مجرى الداعي إلى ترك الربا وفعل الصدقة فقال {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} والمحق نقص الشيء حالاً بعد حال ومنه "محاق القمر" وكل من محق الربا وإرباء الصدقات إما في الدنيا وإما في الآخرة. وذلك أن الغالب في المرابي وإن كثر ماله أن تؤل عاقبته إلى الفقر وتزول البركة عن ماله. عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : الربا وإن كثر إلى قل " تفسير : وذلك لدعاء الناس عليه وبغضهم إياه لسقوط عدالته وشهرته بالفسق والعدوان، وربما يطمع الظلمة في ماله ظناً منهم من أن المال في الحقيقة ليس له. وعن ابن عباس في تفسير هذا المحق أن الله تعالى لا يقبل منه صدقة ولا جهاداً ولا حجاً ولا صلة. ثم إن مال الربا لا يبقى عند الموت وتبقى التبعة عليه. وقد ثبت في الحديث "حديث : أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام " تفسير : هذا حال الغني من الحلال فكيف حال الغني من الحرام المقطوع بحرمته؟ قال القفال: نظير قوله {يمحق الله الربا} المثل الذي ضربه فيما تقدم {أية : كمثل صفوان عليه تراب} تفسير : [البقرة: 264] ونظير قوله: {ويربي الصدقات} المثل الآخر {أية : كمثل جنة بربوة} تفسير : [البقرة: 265]. {أية : كمثل حبة أنبتت سبع سنابل} تفسير : [البقرة: 261] عن أبي هريرة/ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد " تفسير : وأيضاً المتصدق يزداد كل يوم جاهه وذكره الجميل وتميل القلوب إليه وتنقطع الأطماع عنه متى اشتهر منه أنه متشمر لإصلاح مهمات الضعفاء وسد خلة الفقراء، فتبين أن الربا وإن كان زيادة في المال إلا أنه نقصان في المآل، والصدقة وإن كانت نقصاناً في الحال إلا أنها زيادة في الاستقبال. فعلى العاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الحس والطبع ويعوّل على ما ندب إليه العقل والشرع {والله لا يحب كل كفار أثيم} الكفار فعال من الكفر ومعناه المقيم على ذلك، والصيغة للمزاولة كـ "تمار وقوال" والأثيم "فعيل" بمعنى "فاعل" وهو أيضا للمبالغة في الاستمرار على اكتساب الآثام، وذلك لا يليق إلا بمن ينكر تحريم الربا فيكون جاحداً. ووجه آخر وهو أن يكون الكفار عائداً إلى المستحل، والأثيم إلى الآكل مع اعتقاد التحريم. ويحتمل أن يعود كلاهما إلى أكل الربا ويكون تغليظاًَ في أمر الربا وإيذاناً بأنه من فعل الكفرة لا من فعل المسلمين. وفي الآية دلالة على أنه تعالى سبقت رحمته غضبه. بيانه أنه لم ينف المحبة إلا عن الجامع بين الإصرار على الكفر وبين المواظبة على سائر الآثام كالربا. فإن استحلاله كفر وهو في نفسه إثم مذموم في جميع الأديان، لأنه سلب مال المحتاج بنوع من الإكراه والإلجاء، فتبقى الآية ساكنة عمن جمع بين الأمرين لا على سبيل الإصرار والمواظبة وعن الذي لم يجمع بينهما. نعم قد عرف بدليل آخر أن الكفار الذي لم يواظب على سائر الآثام لا يستأهل محبة الله تعالى وذلك لا ينافي السكوت عن حكمه ههنا والله أعلم. ثم ذكر الترغيب عقيب الترهيب على عادته من ذكر الوعد مع الوعيد فقال {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية. فاحتج به من قال العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان كما مر. وأجيب بأنه قال في الآية: {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} مع أن الصلاة والزكاة من الأعمال الصالحة. ورد بأن الأصل حمل كل لفظ على فائدة جديدة ترك العمل به عند التعذر فيبقى في غيره على الأصل {لهم أجرهم عند ربهم} لم يقل "على ربهم" لأن الأول يجري مجرى ما إذا باع بالنقد وذلك النقد حاضر متى شاء البائع أخذه، والثاني جارٍ مجرى البيع في الذمة نسيئة، ولا شك أن الأول أفضل {ولا خوف عليهم} عن ابن عباس: أي فيما يستقبلهم من أحوال القيامة {ولا هم يحزنون} بسبب ما تركوه في الدنيا، فإن المنتقل من حال إلى حال أخرى فوقها ربما يتحسر على بعض ما فاته من الأحوال السالفة وإن كان مغتبطاً بالثانية لأجل إلف وعادة، فبيّن تعالى أن هذا القدر من الندامة لا يلحق أهل الثواب والكرامة. وقال الأصم: لا خوف عليهم من عذاب يومئذٍ ولا هم يحزنون بسبب أنهم فاتهم النعيم الزائد الذي حصل لغيرهم من السعداء لأنه لا منافسة في الآخرة، وأيضاً إنهم لا يحزنون بسبب إنه لم يصدر منا طاعة أزيد مما صدر حتى صرنا بها مستحقين بثواب أزيد مما وجدناه لأن هذه الخواطر لا توجد في الجنة. وههنا سؤال وهو أن المرأة إذا بلغت عارفة بالله، ولما بلغت حاضت. وعند انقطاع حيضها ماتت. أو الرجل بلغ عارفاً بالله، وقبل أن تجب عليه الصلاة والزكاة مات. فهما بالاتفاق من أهل الثواب مع خلوهما عن الأعمال، فكيف وقف الله ههنا حصول الأجر على حصول الأعمال؟ والجواب أن الموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها، وقد دلت الآية على أن كل مؤمن عمل صالحاً فله الأجر فلا يلزم العكس الكلي ثم إنه تعالى لما بيَّن أن من انتهى عن الربا فله ما سلف كان يجوز أن يظن أنه لا فرق بين المقبوض منه وبين الباقي في ذمة القوم فقال {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا} فبين أنه يحرم أخذ ما بقي من الربا في ذمتهم. فإن قيل: كيف قال {يا أيها الذين آمنوا} ثم قال في آخره {إن كنتم مؤمنين}؟ فالجواب أن هذا كما يقال: إن كنت أخي فأكرمني. معناه أن من كان أخاً أكرم أخاه. ومعناه إذ كنتم مؤمنين أو إن كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان، أو يا أيها الذين آمنوا بلسانكم ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بقلوبكم. قال القاضي: وفيه دلالة على أن الإيمان لا يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة، وإنما يصير مؤمناً بالإطلاق متى تجنب كل الكبائر. وأجيب بأن المراد إن كنتم عاملين بمقتضى الإيمان. وهذا بناء على أن العمل الصالح غير داخل في مسمى الإيمان، وإنما شدد الله في ذلك لأن المنتظر لحلول الأجل إذا حضر الوقت وطن نفسه على أن تلك الزيادة قد حصلت له ففطامه عنها يكون شديداً عليه فقال {اتقوا الله} واتقاؤه إنما يكون باتقاء ما نهى عنه. وهذه الآية أصل كبير في أحكام الكفار. إذا أسلموا، فإن ما مضى في الكفر يبقى ولا ينقض ولا يفسخ، وما لم يوجد منه في حال الكفر فحكمه محمول على الإسلام، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم ولا يجوز في الإسلام فهو عفو لا يتعقب وإن كان النكاح وقع على مهر حرام فقبضته المرأة فقد مضى، وإن كانت لم تقبضه فلها مهر مثلها دون ما سمى وهذا مذهب الشافعي. وأما سبب نزول الآية فعن ابن عباس: "حديث : بلغنا - والله أعلم - أنها نزلت في بني عمرو بن عمير من ثقيف وفي بني المغيرة بني مخزوم. كانت بنو المغيرة يربون لثقيف، فلما أظهر الله رسوله على مكة وضع يومئذ الربا كله فأتى بنو عمرو بن عمير وبنو المغيرة إلى عتاب بن أسيد وهو على مكة فقال بنو المغيرة: ما جعلنا أشقى الناس بالربا أوضع عن/ الناس غيرنا. فقال بنو عمر: وصولحنا على أن لنا ربنا، فكتب عتاب في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية والتي بعدها {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} فعرف بنو عمرو أن لا يدان لهم بحرب من الله ورسوله"تفسير : . وقال عطاء وعكرمة: "حديث : نزلت في العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان وكانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجداد قال لهما صاحب التمر: لا يبقى لي ما يكفي عيالي إن أنتما أخذتما حقكما كله. فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعف لكما؟ ففعلا. فلما جاء الأجل طلبا الزيادة فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهما ونزلت الآية"تفسير : فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما. وقال السدي: "حديث : نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب"" تفسير : {فإن لم تفعلوا فأذنوا} قيل: خطاب مع الكفار المستحلين للربا. ومعنى قوله: {إن كنتم مؤمنين} معترفين بتحريم الربا {فإن لم تفعلوا} أي فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه {فأذنوا} ومن ذهب إلى هذا القول قال: فيه دليل على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام فهو خارج عن الملة كما لو كفر بجميع شرائعه، وعلى هذا يكون مالهم فيئاً للمسلمين. وقيل: خطاب مع المؤمنين المصرين على معاملة الربا لأنه خطاب مع قوم تقدم ذكرهم وما هم إلا المخاطبون بقوله: {يا أيها الذين آمنوا} ومعنى قوله: {فآذنوا} عند من جعله من الإيذان أعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من الله، فالمفعول محذوف. وإذا أمروا بإعلام غيرهم فهم أيضا قد علموا ذلك، لكن ليس في علمهم دلالة علي إعلام غيرهم. فهذه القراءة في الإبلاغ آكد ممن قرأ {فأذنوا} من أذن بالشيء إذا أعلم به أي كونوا على إذن وعلم. فإن قيل: كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين؟ قلنا: هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل كما جاء في الخبر "حديث : من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة "تفسير : وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله " تفسير : وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله {أية : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} تفسير : [المائدة: 33] أصلاً في قطاع الطريق من المسلمين./ فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب الله وسنة رسوله. ثم التفضيل فيه أن المصر على عمل الربا إن كان شخصاً قدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى عليه حكم الله من التعزير والحبس إلى أن تظهر منه التوبة، وإن كان له عسكر وشوكة حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكر مانعي الزكاة. وكذا القول لو أجمعوا على ترك الأذان وترك دفن الموتى فإنه يفعل بهم ما ذكرناه {وإن تبتم} من استحلال الربا أو عن معاملة {فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون} الغريم يطلب زيادة على رأس المال {ولا تظلمون} أنتم بنقصان رأس المال. {وإن كان ذو عسرة} إن وقع غريم من غرمائكم ذو إعسار على أن "كان" هي التي تسمى تامة بمعنى وجد الشيء وحدث في نفسه لا بمعنى وجد موصوفاً بشيء فإنها حينئذٍ تكون ناقصة تحتاج إلى الخبر. وقرأ عثمان {ذا عسرة} بمعنى وإن كان الغريم أو المستربي ذا عسرة. والقراءة المشهورة أولى كيلا تكون النظرة مقصورة على الغريم المستربي بل تعمه وغيره من أرباب العسرة وهي اسم من الإعسار وهو تعذر الموجود من المال. والنظرة التأخير والإمهال وفي الآية حذف والتقدير: فالحكم أو فالأمر نظرة. وقرىء {فنظرة} بسكون الظاء، وقرأ عطاء {فناظره} على الأمر أي سامحه بالإنظار وناظره أي صاحب الحق ناظره أي منتظره، أو ذو نظرته مثل مكان عاشب أي ذو عشب. والميسرة اليسار ضد الإعسار. وقرىء بضم السين كمقبرة ومقبرة. ومن قرأ بالإضافة إلى الضمير فقد حذف التاء كقوله: {وأقام الصلاة} واختلفوا في أن حكم الإنظار مختص بالربا أو عام في الكل؟ فعن ابن عباس وشريح والضحاك والسدي وإبراهيم: الآية في الربا. قال الكلبي: قال بنو عمرو لبني المغيرة: هاتوا رؤوس أموالنا ولكم الربا ندعه لكم. فقال بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسرة فأخرونا إلى أن تدرك الثمرة فأبوا أن يؤخروهم فنزلت {وإن كان ذو عسرة} وعن مجاهد وسائر المفسرين أنها عامة في كل دين، ولهذا ورد "كان" تامة. ولو فرض أن سبب النزول خاص فلا بد من إلحاق سائر الصور به لأن العاجز عن أداء المال لا يجوز تكليفه به وهو قول أكثر الفقهاء كمالك وأبي حنيفة والشافعي. والإعسار في الشرع هو أن لا يجد في ملكه ما يؤديه بعينه ولا يكون له ما لو باعة لأمكن أداء الدين من ثمنه. فمن وجد داراً أو ثوباً لا يعد من ذوي العسرة إذا أمكنه بيعها وأداء ثمنها، ولا يجوز له أن يحبس إلا قوت يومه لنفسه وعياله وما لا بد لهم من كسوة لصلاتهم ودفع الحر والبرد عنهم. وهل يلزمه أن يؤخر نفسه من صاحب الدين أو غيره؟ الأصح أنه لا يلزمه، وكذا لو بذل له غيره ما يؤديه لا يلزمه القبول. فأما من له بضاعة كسدت عليه فواجب عليه أن يبيعها بالنقصان إن لم يمكن إلا ذلك. وإذا علم الإنسان أن/ غريمه معسر حرام عليه حبسه وأن يطالبه بما له عليه ووجب الإنظار إلى وقت اليسار فأما إن كان غريمه في إعساره جاز أن يحبسه إلى ظهور الإعسار. وإذا ادعى الإعسار وكذبه الغريم فإن كان الدين الذي حصل لزمه حصل له عن عوض كالبيع أو القرض فلا بد له من إقامة شاهدين عدلين على أن ذلك العوض قد هلك، فإن لم يكن عن عوض كإتلاف وضمان وصداق فالقول قوله وعلى الغريم البينة، لأن الأصل هو الفقر، {وأن تصدقوا} على المعسر بما عليه من الدين يدل على ذلك ذكر المعسر وذكر رأس المال {خير لكم} لحصول الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى {إن كنتم تعلمون} أن هذا التصدق خير لكم فتعملوا به جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه، أو تعلمون فضل التصدق على الإنظار والقبض بعده، أو تعلمون أن ما يأمركم به ربكم أصلح لكم. وقيل: المراد بالتصدق الإنظار لقوله عليه السلام: "حديث : لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة " تفسير : وزيف بأن الإنظار ثبت وجوبه بالآية الأولى فلا بد من فائدة جديدة ولأن قوله {خير لكم} إنما يليق بالمندوب لا بالواجب. ثم إن المعاملين بالربا كانوا أصحاب شرف وجلالة وأعوان وتغلب على الناس، فاحتاجوا إلى مزيد زجر ووعيد فلا جرم وقع ختم أحكام الربا بقوله {واتقوا يوماً} والمراد اتقاء ما يحدث فيه من الشدائد والأهوال. واتقاء ذلك لا يمكن إلا باجتناب المعاصي وفعل الأوامر في الدنيا فهذا القول يتضمن الإتيان بجميع التكاليف. وانتصب {يوماً} على أنه مفعول به. والمعنى: تأهبوا بما تسلفون من العمل الصالح للقاء يوم {ترجعون فيه إلى الله} أي إلى ما أعد لكم من ثواب أو عقاب، وإلى علمه وحفظه وذلك أن الإنسان له أحوال ثلاث على الترتيب: الأولى كونه جنيناً لا يملك تصرفاً فلا تصرف فيه إلا لله، والثانية خروجه إلى فضاء وهنالك يرى للأبوين لغيرهما تصرف فيه ظاهر. الثالثة ما بعد الموت وهنالك لا يكون التصرف فيه ظاهراً وفي الحقيقة إلا لله تعالى فكأنه عاد إلى الحالة الأولى. وهذا معنى الرجوع إلى الله {ثم توفى كل نفس ما كسبت} أي جزاء ذلك أو المكتسب هو الجزاء كما يقال: كسب الرجل لما يحصله بتجارته. والمراد أن كل مكلف فإنه يصل إليه جزاء عمله بالتمام عند الرجوع إلى الله تعالى كقوله: {أية : فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} تفسير : [الزلزلة: 7، 8] ثم كان لقائل أن يقول: كيف يليق بأكرم الأكرمين إيصال العذاب إلى عبيده الكفار والفساق فقال {وهم لا يظلمون} بل العبد هو الذي أوقع نفسه في تلك الورطة لأن الله تعالى مكنه وأزاح عذره وسهل طريق الاستدلال عليه وأمهل. هذا على أصول المعتزلة. وأما على أصول الأصحاب فهو إشارة إلى أنه تعالى ملك الملوك وخالق الخلائق، والملك إذا تصرف في ملكه كيف شاء وأراد لم يكن ظلماً. "حديث : عن ابن عباس أنها آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بها جبريل وقال:/ ضعها على رأس المائتين والثمانين من البقرة"تفسير : ، وعاش صلى الله عليه وسلم بعدها أحداً وثمانين يوماً، وقيل أحداً وعشرين، وقيل سبعة أيام، وقيل ثلاث ساعات، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. التأويل: أخبر عن حرص أهل الدنيا وهم أكلة الربا بعد ذكر قناعة أهل العقبى. فمثل آكل الربا كمثل من به جوع الكلب يأكل ولا يشبع حتى ينتفخ بطنه ويثقل عليه فلا يقوم إلا كما يقوم المصروع لأنه كلما أقام صرعه ثقل بطنه، ومثله قوله عليه السلام: "حديث : إن هذا المال خضر حلو وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم إلا آكلة الخضر فإنها أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت فمن أخذه بحقه ووضعه بحقه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع "تفسير : وفي الحديث مثلان: أحدهما للمفرط في جمع الدنيا بحيث يفضي به إلى الهلاك في الدنيا والعقبى وأشار إليه بقوله: " حديث : وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم " تفسير : وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول فتستكثر منها الماشية لاستطابتها إياها حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاعتدال فتنشق أمعاؤها فتهلك أو تقارب الهلاك. والمثل الآخر للمقتصد وذلك قوله "إلا آكلة الخضر" وذلك أن الخضر ليست من أحرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره ولكنها من كلإ الصيف التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها، فلا ترى الماشية تكثر منها وهو مثل التاجر الذي يكتسب المال بطريق البيع والشراء ويؤدي حقه وإن كان له حرص في الطلب والجمع. ولكن لما كان بأمر الشرع وطريق الحل ما أضربه {وأحل الله البيع وحرم الربا} يعني كيف يكون ما أزال نور الأمر ظلمته مثل ما زاد ظلمته ارتكاب المنهي؟ فمرتكب الربا في ظلمات ثلاث: ظلمة الحرص وظلمة الدنيا وظلمة المعصية. {وأمره إلى الله} يرزقه من حيث لا يحتسب {والله لا يحب كل كفار} بنعمة الشرع وأنواره {أثيم} عامل بالطبع مقيم في ظلمة إصراره. ثم أخبر عن العاملين بالشرع الخارجين عن الطبع الذين آمنوا إيمان التصديق بالتحقيق مقروناً بالتوفيق، ثم خرجوا عن ظلمة اتباع الهوى بإقامة الصلاة وعالجوا ظلمة الركون إلى الدنيا بأنوار إيتاء الزكاة، فجذبتهم العناية من حضيض العبدية إلى ذروة العندية {ولهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم} من الرجوع إلى ظلمات الطبيعة {ولا هم يحزنون} لفوات أنوار الشريعة. ثم أخبر عن أهل الإيمان المجازي فقال {يا أيها الذين آمنوا} باللسان {اتقوا الله} أي بالله كما جاء. "كنا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم". أي جعلناه قدامنا. ومن شرط المؤمن الحقيقي اتقاؤه بالله في ترك الزيادات كما قال: " حديث : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " تفسير : و{ذروا ما بقي من الربا} تركوا ما سوى الله في طلبه {إن كنتم مؤمنين} إيماناً حقيقياً. {فإن لم تفعلوا} لم تتركوا كل زيادة تمنعكم {فأذنوا بحرب من الله ورسوله} ببعد منهما وبغض. {وإن تبتم} تركتم غيره {فلكم رؤوس أموالكم} وهي الكرامة التي فضلكم بها على كثير من خلقه وهي المحبة يحبهم ويحبونه {لا تظلمون} بوضع محبتي في غير موضعها من المخلوقات {ولا تظلمون} بوضع محبتكم في غير موضعها. {وإن كان ذو عسرة} لم يصل إليه ما أعد لأجله عاجلاً {فنظرة إلى ميسرة} وهو وقت وصوله إليه آجلاً {وأن تصدقوا} تبذلوا فينا ما تتمنون من صنوف برنا في الدنيا والعقبى على قدر همتكم {فهو خير لكم} لأنا نجازيكم على قدر مواهبنا {إن كنتم تعلمون} قدرها {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} "حديث : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين " تفسير : ثم إنه سبحانه كما جمع في القرآن خلاصة الكتب السماوية جمع في خاتمة الوحي خلاصة أي القرآن فقال: {واتقوا يوماً} الآية. وذلك أن فائدة جميع الكتب راجعة إلى معنيين: النجاة من الدركات السفلى وهي سبعة: الكفر والشرك والجهل والمعاصي والأخلاق المذمومة وحجب الأوصاف وحجاب النفس. والفوز بالدرجات العلى وهي ثمانية: المعرفة والتوحيد والعلم والطاعات والأخلاق المحمودة وجذبات الحق والفناء عن أنانيته والبقاء بهويته. فقوله {واتقوا} شامل لما يتعلق بالسعي الإنساني من هذه المعاني، لأن حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله ومباشرة ما يقربك إليه، فتقوى العام الخروج بسبب الإقامة بشرائط {أية : جاهدوا فينا} تفسير : [العنكبوت: 69] عن الكفر بالمعرفة، وعن الشرك بالتوحيد، وعن الجهل بالعلم، وعن المعاصي بالطاعات، وعن الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة. ثم من ههنا تقوى الخاص تخرجهم جذبات {أية : لنهدينهم سبلنا} تفسير : [العنكبوت: 69] من حجب أوصافهم إلى درجة تجلي صفات الحق فيستظلون بظل سدرة المنتهى {أية : عندها جنة المأوى}تفسير : [النجم: 15] فينتفعون بمواهب {أية : إذ يغشى السدرة ما يغشى} تفسير : [النجم: 16] ثم من ههنا تقوى خاص الخاص فتخرجه العناية بجذبات {أية : ما زاغ البصر وما طغى} تفسير : [النجم: 17] من سدرة المنتهى الأوصاف إلى قاب قوسين نهاية حجاب النفس وبدية أنوار القدس. وهناك من عرف نفسه فقد عرف ربه وهو مقام أو أدنى ترجعون فيه إلى الله. لأن مبدأ وجودك النفخة، وآخر حالك الجذبة، وبها/ اصطفى آدم وكرم نبيه ولهذا لم يقل: ولقد كرمنا أولاد آدم، لأن أهل الكرامة منهم من هو بوصف الرجال دون النساء. ثم وصف الرجال بقوله: {أية : رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكرالله} تفسير : [النور: 37] فمن كان من النساء بهذا الوصف فهو من الرجال في المعنى، ومن لم يكن من الرجال بهذا الوصف فهو من النساء في الحقيقة، وفي هذا الرجوع وعد وبشارة للأولياء، ووعيد وإنذار للأعداء {ثم توفى كل نفس ما كسبت} فبقدر مراتبه في العبودية والتقوى يهتدي إلى مقامات القرب من المولى، وبحسب فنائه عن حجاب نفسه يبقى ببقاء ذاته وهويته، {وهم لا يظلمون} فإن دخول النور في البيت وخروج الظلمة منه إنما يكون على مقدار سعة فتح الروزنة وضيقة ولا تظلم الشمس عليه مثقال ذرة {أية : فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} تفسير : [النازعات: 37، 41].
ابن عادل
تفسير : "الرِّبَا" في اللُّغة: عبارةٌ عن الزِّيادة؛ يقال ربا الشيء يربو ربواً، ومنه قوله {أية : ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}تفسير : [الحج:5]، أي زادت، وأربى الرَّجل: إذا عامل في الربا، ومنه الحديث "حديث : مَنْ أَجْبَى فَقَدْ أَرْبَى"تفسير : ، أي: عامل بالرِّبا، والإجباء: بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه. والمادة تدلُّ على الزيادة والارتفاع، ومنه الرَّبوة. وقال حاتم الطائيُّ يصف رمحاً: [الطويل] شعر : 1252- وَأَسْمَرَ خَطِّيًّا كَأَنَّ كُعُوبَهُ نَوَى القَسْبِ قَدْ أَرْبَى ذِرَاعاً عَلَى العُشْرِ تفسير : والرِّبا: لامه واوٌ؛ لقولهم: ربا يربو؛ فلذلك يثنَّى بالواو، ويكتب بالألف. وجوَّز الكوفيُّون تثنيته بالياء، وكذلك كتابته، قالوا: لكسر أوَّله، ولذلك أمالوه، وليس هذا مختصّاً بمكسور الأول، بل الثُّلاثيُّ من ذوات الواو، المكسور الأول، أو المضمومه؛ نحو: "رِبا"، و "عُلا" حكمه ما ذكرته عنهم، فأمَّا المفتوح الأول نحو: عصا، وقفا، فلم يخالفوا البصريين، وكتب في القرآن بخطِّ الصحابة بواوٍ بعدها ألفٌ. وقيل: إنما بالواو؛ لأنَّ أهل الحجاز تعلَّموا الخطَّ من أهل الحيرة، وأهل الحيرة يقولون: "الرِّبَوا" بالواو، فكتبوها كذلك، ونقلها أهل الحجاز كذلك؛ خطّاً لا لفظاً. قرأ العدويُّ: "الرِّبَو" كذلك بواوٍ خالصةٍ بعد فتحة الباء. فقيل: هذا القارئ أَجرى الوصل مجرى الوقف، وذلك أنَّ من العرب من يقلب ألف المقصور واواً؛ فيقول: هذه أفعو، وهذا من ذاك، إلاَّ أنه أجْرَى الوصل مُجْرى الوقف. وقد حكى أبو زيدٍ ما هو أغرب من ذلك، فقال: "قرأ بعضهم بكسر الراء، وضمِّ الباء، و واو بعدها"، ونسب هذه للغلط؛ وذلك لأنَّ العرب لا يبقى واواً بعد ضمة في الأسماء المعربة، بل إذا وجد ذلك، لم يقرَّ على حاله، بل تقلب الضَّمَّة كسرةً، والواو ياءً، نحو: دلوٍ وأدلٍ، وجروٍ وأَجْرٍ؛ وأنشد أبو عليّ: [البسيط] شعر : 1253- لَيْثٌ هِزَبْرٌ مُدِلٌّ عِنْدَ خِيسَتِهِ بِالرَّقْمَتَيْنِ لَهُ أَجْرٍ وأَعْرَاسُ تفسير : ونهاية ما قيل فيها: أنَّ قارئها قلب الألف واواً؛ كقولهم في الوقف: أَفْعَو، ثم أجري الوصل مجرى الوقف في ذلك، قيل: ولم يضبط الرَّاوي عنه ما سمع؛ فظنَّه بضمِّ الباء؛ لأجل الواو؛ فنقلها كذلك، وليت الناس أخلوا تصانيفهم من مثل هذه القراءات التي لو سمعها العامة لمجُّوها، ومن تعاليلها، ولكن صار التارك لها، يعده بعضهم جاهلاً بالاطِّلاع عليها. ويقال: رِبا ورِما، بإبدال بائه ميماً؛ كما قالوا: كثم في كثب. والألف واللام في "الرِّبا": يجوز أن تكون للعهد، إذ المراد الرِّبا الشرعيُّ، ويجوز أن تكون لتعريف الجنس. فصل في وجه تعلق هذه الآية بالتي قبلها اعلم أنَّ بين الصدقة، والرِّبا مناسبةٌ من جهة التضادِّ؛ لأن الصدقة عبارةٌ عن تنقيص المال بسبب أمر الله تبارك وتعالى بذلك؛ والرِّبا عبارةٌ عن طلب الزيادة على المال مع نهي الله - سبحانه وتعالى - عنه، فكانا كالمتضادَّين، ولهذا قال تعالى: {أية : يَمْحَقُ ٱللهُ ٱلْرِّبَٰوا وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَاتِ}تفسير : [البقرة:276] فلما حصلت المناسبة بينهما من هذا النوع، ذكر حكم الربا عقيب حكم الصدقات، وخصَّ الأكل؛ لأنه معظم الأمر؛ كقوله: {أية : ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً}تفسير : [النساء:10] فنبَّه بالأَكل على ما سواه من وجوه الإتلافات، ولأنَّ نفس الرِّبا الذي هو الزيادة لا يؤكل، وإنما يصرف في المأكول، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبَا، ومُوكِلَه وشاهده وكَاتِبَهُ، والمحلِّلَ لَهُ" تفسير : فعلمنا أنَّ الحرمة غير مختصة بالأكل. فصل في تقسيم الرِّبا الرِّبا قسمان: ربا النَّسيئة، وربا الفضل. أمَّا ربا النسيئة، فهو الذي كان مشهوراً متعارفاً في الجاهليَّة، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كلَّ شهرٍ قدراً معيناً، ويكون رأس المال باقياً، ثم إذا حلَّ الدَّين طالبوا المديون برأس المال فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحقِّ والأجل، فهذا هو الرِّبا الذي كانوا يتعاملون به في الجاهلية. وأمَّا "ربا الفضل" فهو أن يباع منٌّ من الحنطة بمنوين منها، أو ما أشبه ذلك. وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه كان لا يحرِّم إلاَّ القسم الأول، فكان يقول لا ربا إلاَّ في النَّسيئة، وكان يجوِّز ربا الفضل؛ فقال له أبو سعيدٍ الخدريّ: أشهدت ما لم تشهد، أو سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم نسمع! ثمَّ روى له الحديث المشهور في هذا الباب، ثم قال أبو سعيدٍ: لا أواني وإيَّاك ظلُّ بيتٍ، ما دمت على هذا. ثمَّ روي أنه رجع عنه. قال محمد بن سيرين: كنَّا في بيتٍ، ومعنا عكرمة، فقال رجلٌ: يا عكرمة، أما تذكر ونحن في بيت فلانٍ، ومعنا ابن عباس فقال: إنما كنت استحللت الصرف برأيي، ثم بلغني أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرَّمه، فاشهدوا أنِّي حرمته، وبرئت منه إلى الله. وحجَّة ابن عباس أنَّ قوله: {وَأَحَلَّ ٱللهُ ٱلْبَيْعَ} يتناول بيع الدرهم بالدِّرهمين نقداً؛ وقوله: {وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا} [لا يتناوله؛ لأن الرِّبا عبارةٌ عن الزيادة، وليست كلُّ زيادةٍ محرمةً؛ بل قوله {وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا}] إنما يتناول العقد المخصوص المسمَّى فيما بينهم رباً، وذلك هو ربا النَّسيئة، فكان ذلك مخصوصاً بالنَّسيئة؛ فثبت أنَّ قوله {وَأَحَلَّ ٱللهُ ٱلْبَيْعَ} يتناول ربا الفضل، وقوله: {وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا} لا يتناوله؛ فوجب أن يبقى على الحلِّ ولا يمكنه أن يقال إنما يحرمه بالحديث؛ لأنه يقتضي تخصيص ظاهر القرآن بخبر الواحد، وهو غير جائزٍ وهذا هو عرف ابن عباسٍ، وحقيقته راجعةٌ إلى أنَّ تخصيص القرآن بخبر الواحد: هل يجوز أم لا؟ وأمَّا جمهور العلماء، فقد اتفقوا على تحريم الربا في القسمين، أمَّا القسم الأوَّل، ربا النَّسيئة فبالقرآن، وأمَّا ربا الفضل، فبالخبر، ثم إن الخبر دلَّ على حرمة ربا الفضل في الأشياء الستة، ثم اختلفوا. فقال جمهور الفقهاء: حرمة ربا الفضل غير مقصورةٍ على هذه النسيئة؛ بل ثابتةٌ في غيرها بالعلَّة الجامعة وقال نفاةُ القياس: بل الحرمة مقصورة عليها. فصل في سبب تحريم الربا ذكروا في سبب تحريم الرِّبا وجوهاً: أحدها: أنه يُفضي إلى أخد الإنسان مال غيره من غير عوضٍ؛ لأنه إذا باع الدِّرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئةً، فقد حصل له زيادة درهم من غير عوض ومال الإنسان له حرمةٌ عظيمةٌ، قال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : حُرْمَةُ مَالِ المسلمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ"تفسير : ؛ فكان أخذ ماله بغير عوض محرَّماً. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكونَ لبقاء رأس المال في يده مدَّةً مديدةً عوضاً عن الدِّرهم الزَّائد؟ لأنَّ رأس المال لو بقي في يد مالكه، لتمكّن من التجارة به، والربح، فلمَّا تركه في يد المديون، وانتفع المديون به، لم يبعد أن يدفع إلى ربِّ المال ذلك الدرهم الزَّائد؛ عوضاً عن انتفاعه بماله. فالجواب أنَّ هذا الانتفاع المذكور أمرٌ موهومٌ قد يحصل له منه كسبٌ، وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد أمرٌ متيقنٌ فتفويت المتيقن لأجل أمر موهوم، لا ينفكُّ عن نوع ضرر. وثانيها: أنَّ الرِّبا يمنع النَّاس عن الاشتغال بالمكاسب؛ لأنه إذا حصّل الدرهم بالربا، فلا يكاد يحتمل مشقَّة التَّكسُّب بالتجارة، والصناعة، فيفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أنَّ [مصالح العالم] لا تنتظم إلاَّ بالتجارات، والعمارات، والحرف، والصِّناعات. وثالثها: أنَّ الربا يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض؛ لأن الرِّبا إذا حرم، طابت النفوس بقرض الدرهم، واسترجاع مثله، ولو حلَّ الربا، لكانت حاجة المحتاج تحمله حاجته على أخذ الدرهم بالدرهمين، فيفضي ذلك إلى قطع المواساة، والمعروف، والإحسان. ورابعها: أنَّ الغالب أنَّ المقرض يكون غنيّاً، والمستقرض يكون فقيراً، فالقول بتجويز الرِّبا تمكينٌ للغني من أن يأخذ من الفقير الضَّعيف مالاً زائداً، وهو غير جائزٍ برحمة الرَّحيم. وخامسها: أنَّه غير معقولٍ المعنى. قوله: "لاَ يَقُومُونَ" الظَّاهر أنَّها خبر الموصول المتقدِّم، وقال بعضهم: إنها حالٌ، وهو سهوٌ، وقد يتكلَّف تصحيحه بأن يضمر الخبر؛ كقراءة من قرأ {أية : وَنَحْنُ عُصْبَةٌ}تفسير : [يوسف:8]؛ وقوله: [الطويل] شعر : 1254-................. لاَ أَنَا بَاغِيَا ............................. تفسير : في أحد الوجهين. والمراد القيام يوم القيامة أو من القبور. قوله: {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ} فيه الوجهان المشهوران وهما: النصب على النعت؛ لمصدر محذوف، أي: لا يقومون إلا قياماً مثل قيام الذي يتخبطه الشيطان، وهو المشهور عند المعربين. أو النصب على الحال من ضمير ذلك المصدر المقدَّر، أي: لا يقومونه، أي: القيام إلاَّ مبشهاً قيام الذي يتخبطه الشيطان، وهو رأي سيبويه، وقد قدَّمت تحقيقهما. و"ما" الظاهر أنها مصدريةٌ، أي: كقيام. وجوَّز بعضهم أن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوفٌ، والتقدير: إلا كالقيام الذي يقومه الذي يتخبَّطه الشيطان، وهو بعيدٌ. و "يتخبَّطه" يتفعَّله، وهو بمعنى المجرد أي يخبطه؛ فهو مثل: تعدَّى الشيء وعداه فهو تفعَّل بمعنى فعل، نحو تقسَّمه: بمعنى قسمه، وتقطَّعه: بمعنى قطعه. ومعنى ذلك مأخوذٌ من خبط البعير بأخفافه: إذا ضرب بها الأرض. ويقال: فلانٌ يخبط خبط عشواء؛ قال علقمة: [الطويل] شعر : 1255- وَفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نَدَاكَ ذَنُوبُ تفسير : وقال زهير: [الطويل] شعر : 1256- رَأَيْتُ المَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ تُمِتْهُ وَمَنْ تُخْطِئ يُعَمَّرْ فَيَهْرَمِ تفسير : والتخبط معناه: الضَّرب على غير استواء، ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه، إنه يخبط خبط عشواء، وخبط البعير الأرض بأخفافه، وتخبطه الشيطان، إذا مسَّه بخبلٍ، أو جنونٍ؛ لأنه كالضَّرب على غير استواء في الإدهاش. قوله: "مِنَ ٱلْمَسِّ" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متعلقٌ بيتخبَّطه من جهة الجنون، فيكون في موضع نصبٍ، قاله أبو البقاء. الثاني: أنه يتعلَّق بقوله تبارك وتعالى: {لاَ يَقُومُونَ}، أي: لا يقومون من المسِّ الذي بهم، إلا كما يقوم المصروع. الثالث: أنه يتعلَّق بقوله: "يَقومُ"، أي: كما يقوم المصروع من جنونه؛ ذكر هذين الوجهين الأخيرين الزمخشريُّ. قال أبو حيَّان: وكان قدَّم في شرح المسِّ أنه الجنون، وهذا الذي ذهب إليه في تعلُّق "مِنَ المَسِّ" بقوله: "لاَ يَقُومُونَ" ضعيفٌ؛ لوجهين: أحدهما: أنه قد شرح المسَّ بالجنون، قلت: وهو بابٌ في البلاغة مشهورٌ، وهو أعلى رتب التشبيه؛ ومنه قوله: [الطويل] شعر : 1257- وَرَمْلٍ كَأَوْرَاكِ العَذَارَى قَطَعْتُهُ ...................... تفسير : فصل في دفع شبهة في تحليل الرِّبا القوم كانوا في تحليل الرِّبا على هذه الشُّبهة، وهي أنَّ من اشترى ثوباً بعشرة، ثمَّ باعه بأحد عشر، فهذا حلالٌ؛ فكذا إذا باع العشرة بأحد عشر، يجب أن يكون حلالاً؛ لأنه لا فرق في العقل بين الصُّورتين، فهذا في ربا الفضل، وكذلك - أيضاً - في ربا النَّسيئة؛ لأنه لو باع الثوب الذي يساوي عشرة في الحال بأحد عشر إلى شهرٍ، جاز؛ فكذا إذا أعطى العشرة بأحد عشر إلى شهرٍ، وجب أن يجوز؛ لأنه لا فرق في العقل بينهما، وإنما جاز ذلك، لحصول التراضي من الجانبين، فكذا هاهنا، لما حصل التراضي من الجانبين، وجب أن يجوز أيضاً، والبياعات إنَّما شرعت لدفع الحاجة، ولعل الإنسان أن يكون صفر اليد في الحال، شديد الحاجة، ويكون له في المستقبل من الزمان أموالٌ كثيرةٌ، فإذا لم يجز الرِّبا، لم يعطه ربُّ المال مجاناً، فيبقى الإنسان في الشدة، والحاجة، وبتقدير جواز الربا فيعطيه ربُّ المال؛ طمعاً في الزيادة، والمديون يردُّه عند وجدان المال، وإعطاء تلك الزيادة عند وجدان المال، أسهل عليه من البقاء في الحاجة قبل وجدان المال، فهذا يقتضي حلَّ الرِّبا، كما قلنا في سائر البياعات أنَّها إنما شرعت؛ لدفع الحاجة، فهذه شبهة القوم. فأجابهم الله تعالى بقوله: {وَأَحَلَّ ٱللهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰوا}، وتوجيه هذا الجواب أنَّ ما ذكرتم معارضةٌ للنَّصِّ بالقياس؛ وهو لا يجوز. فصل في دفع شبهة لنفاة القياس تمسَّك نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: لو كان الدِّين بالقياس، لكانت هذه الشبهة لازمةً، فلمَّا بطلت، علمنا أن الدين بالنَّصّ لا بالقياس. وفرَّق القفَّال بينهما، فقال: من باع ثوباً يساوي عشرةً بعشرين، فقد جعل ذات الثَّوب مقابلةً بالعشرين، فلمَّا حصل التراضي على هذا التقابل، صار كلُّ واحدٍ منهما مقابلاً للآخر في المالية عندهما، فلم يكن أخذ من صاحبه شيئاً بغير عوض. أمَّا إذا باع العشرة بالعشرة، فقد أخذ العشرة الزائدة من غير عوضٍ، ولا يمكن أن يقال: إنَّ غرضه هو الإمهال في الأجل؛ لأن الإمهال ليس إلاَّ مالاً أو شيئاً يشار إليه، حتى يجعله عوضاً عن العشرة الزائدة؛ فافترقا. فإن قيل: ما الحكمة في قلب هذه القضية؟ ومن حقّ القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق؛ لأن حلَّ البيع متفقٌ عليه، وهم أرادوا قياس الربا عليه؛ فكان نظم الكلام أن يقال: إنما الرِّبا مثل البيع، فقلبه، وقال: {إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰوا}؟ فالجواب أنّه لم يكن مقصود القوم أن يتمسَّكوا بنظم القياس، بل كان غرضهم أنَّ البيع والرِّبا متماثلان في جميع الوجوه المطلوبة، فكيف يجوز تخصيص أحد المثلين بالحلِّ، والآخر بالحرمة، وعلى هذا التقدير: فأيُّهما قدِّم، أو أخِّر جاز. قوله: {وَأَحَلَّ ٱللهُ ٱلْبَيْعَ} الظاهر أنه من كلام الله تعالى، أخبر بأنه أحلَّ هذا، وحرَّم ذاك، وعلى هذا؛ فلا محلَّ لهذه الجملة من الإعراب. وقال بعضهم: "هذه الجملة من تَتِمَّة قول الذين يأكلون الربا، فتكون في محلِّ نصبٍ بالقول؛ عطفاً على المَقُولِ" وهو بعيدٌ جداً، لأنَّ القائل بأنَّ هذا من كلام الكفَّار، لا يتمُّ إلاَّ بإضمار زيادةٍ، إمَّا بأن يحمل ذلك على الاستفهام؛ على سبيل الإنكار، أو يحمل ذلك على الرِّواية من قول المسلمين، والإضمار خلاف الأصل، وعلى الأول لا يحتاج إلى الإضمار، فكان أولى أيضاً فإنَّ المسلمين - أبداً - يتمسَّكون في جميع مسائل البيع بهذه الآية، ولو كان ذلك من كلام الكفَّار، لما جاز لهم الاستدلال به. وأيضاً، فقوله بعده: {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ...} إلى قوله: {... خَالِدُونَ} يقتضي أنَّهم لما تمسَّكوا بقولهم: {إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰوا} فالله تعالى قد كشَفَ عن فساد تلك الشُّبهة، وبيَّن ضعفها، فلو لم يكن قوله {وَأَحَلَّ ٱللهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰوا} من كلام الله تعالى، لم يكن أجاب عن تلك الشبهة، فلم يكن قوله {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ} - لائقاً بهذا الموضع. فصل ذهب بعض العلماء إلى أنَّ قوله تعالى: {وَأَحَلَّ ٱللهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰوا} من المجملات التي لا يجوز التمسك بها. قال ابن الخطيب: وهو المختار عندي لوجوه: الأول: أنه ثبت في "أصول الفِقْهِ" أنَّ الاسم المفرد المحلَّى بـ "لام" التَّعريف، لا يفيد العموم ألبتَّة، بل ليس فيه إلاَّ تعريف الماهيَّة، ومتى كان كذلك، كفى في العمل ثبوت حكمه في الصورة الواحدة. الثاني: سلَّمنا أنه يفيد العموم، ولكنا لا نشكُّ في أنَّ إفادته العموم أضعف من إفادة ألفاظ الجمع للعموم، مثلاً قوله: {وَأَحَلَّ ٱللهُ ٱلْبَيْعَ} وإن أفاد الاستغراق إلاَّ أن قوله: "وأحل الله البيعات" أقوى في إفادة الاستغراق فثبت أن قوله: {وأحل الله البيع} لا يفيد الاستغراق إلاَّ إفادة ضعيفة، ثم بتقدير العموم لا بدَّ أن يتطرق إليها تخصيصاتٌ كثيرةٌ خارجةٌ عن الحصر والضبط، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام الله تعالى، وكلام رسوله؛ لأنه كذبٌ، والكذب على الله محالٌ. فأما العامُّ الذي يكون موضع التخصيص منه قليلاً جدّاً، فذلك جائزٌ؛ لأن إطلاق لفظ الاستغراق على الأغلب عرفٌ مشهورٌ في كلام العرب. الثالث: روي عن عمر - رضي الله عنه - قال: خرج رسول - صلى الله عليه وسلم - من الدنيا، وما سألناه عن الربا. ولو كان هذا اللفظ مفيداً للعموم، لما قال ذلك؛ فعلمنا أنَّ هذه الآية من المجملات. الرابع: أن قوله: {وَأَحَلَّ ٱللهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰوا} يقتضي أن يكون كل بيع حلالاً، وكل ربا حراماً؛ والرِّبا: هو الزيادة، فأول الآية أباح جميع البيوع، وآخرها حرَّم الجميع؛ فلا يعرف الحلال من الحرام بهذه الآية؛ فكانت مجملةً، ووجب الرجوع في معرفة الحلال، والحرام إلى بيان الرسول - صلى الله عليه وسلم -. قوله: {فَمَن جَآءَهُ} يحتمل أن تكون شرطيةً وهو الظاهر، وأن تكون موصولةً، وعلى كلا التقديرين فهي في محلِّ رفعٍ بالابتداء. وقوله: {فَلَهُ مَا سَلَفَ} هو الخبر، فإن كانت شرطيةً، فالفاء واجبةٌ، وإن كانت موصولةً، فهي جائزةٌ، وسبب زيادتها ما تقدَّم من شبه الموصول لاسم الشرط. ويجوز حال كونها شرطيةً وجهٌ آخر، وهو أن تكون منصوبةً بفعلٍ مضمرٍ يفسِّره ما بعده، وتكون المسألة من باب الاشتغال، ويقدَّر الفعل بعدها؛ لأنَّ لها صدر الكلام، والتقدير: فأيُّ شخصٍ جاءت الموعظة جاءته، ولا يجوز ذلك فيها موصولةً؛ لأنَّ الصلة لا تفسِّر عاملاً؛ إذ لا يصحُّ تسلُّطها على ما قبلها، وشرط التفسير صحة التسلُّط. وسقطت علامة التأنيث من فعل الموعظة لأن ثانيها غير حقيقي ولأنها في معنى الوعظ وأيضاً للفصل بين الفعل، وفاعله بالمفعول. وقرأ أبيّ والحسن: "جاءَتْه" على الأصل. قوله: {مِّنْ رَّبِّهِ} يجوز أن تكون متعلقةً بجاءته، وتكون لابتداء الغاية؛ مجازاً، وأن تتعلَّق بمحذوفٍ على أنها صفةٌ لموعظةٍ، أي: موعظةٌ من موعظات ربه، أي: بعض مواعظه. وقوله: "فَٱنْتَهَىٰ" نسقٌ على "جاءَتْه" عطفه بفاء التعقيب، أي: لم يتراخ انتهاؤه عن مجيء الموعظة. وقوله: "وَمَنْ عَادَ" الكلام على "مَنْ" هذه في احتمال الشرط، والموصول، كالكلام على التي قبلها. "عاد" أي: رجع، يقال: عاد يعود عوداً، ومعاداً، وعن بعضهم: أنها تكون بمعنى "صار"؛ وأنشد [الطويل] شعر : 1258- وَبِالمَحْضِ حَتَّى عَادَ جَعْداً عَنَطْنَطاً إِذَا قَامَ سَاوَى غَارِبَ الفَحْلِ غَارِبُهْ تفسير : وأنشد: [الطويل] شعر : 1259- تُعِدُّ لَكُمْ جَزْرَ الجَزُورِ رِمَاحُنَا وَيَرْجِعْنَ بالأَسْيَافِ مُنْكَسِرَاتِ تفسير : والضمير في قوله "فَأمْرُه" يعود على "مَا سَلَف"، أي: وأمر ما سلف إلى الله، أي: في العفو عنه وإسقاط التَّبعة منه. وقيل: يعود على المنتهي المدلول عليه بانتهى، أي: فأمر المنتهي عن الربا إلى الله؛ في العفو؛ والعقوبة. وقيل: يعود على ذي الرِّبا في أن ينتبه على الانتهاء، أو يعيده إلى المعصية. وقيل: يعود على الرِّبا، أي: في عفو الله عمَّا شاء منه، أو في استمرار تحريمه. قال الواحديُّ "السُّلُوفُ": التقدم، وكلُّ شيءٍ قدمته أمامك فهو سلفٌ، ومنه الأمم السَّالفة، وسالف الذكر، وله سلفٌ صالحٌ: آباءٌ متقدِّمون، ومنه {أية : فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً}تفسير : [الزخرف:56] أي: أمةً متقدمةً تعتبر بهم من بعدهم، وتجمع السَّلف على: أسلافٍ وسلوفٍ، والسالفة والسُّلاف: المتقدِّمون في حرب أو سفرٍ، والسالفة من الوجه؛ لتقدُّمها؛ قال: [الوافر] شعر : 1260- وَمَيَّةُ أَحْسَنُ الثَّقَلَيْنِ جِيداً وَسَالِفَةٌ وأَحْسَنُهُ قَذَالاَ تفسير : والسُّلفة: ما يقدَّم من الطعام للضَّيف. يقال: "سَلِّفُوا ضَيْفَكُمْ، ولَهِّنُوهُ" أي: بادروه بشيءٍ مَّا، ومنه: السَّلف في الدَّين؛ لأنه تقدَّمه مالٌ. والسَّالفة: العنق؛ لتقدُّمه في جهة العلو، والسلفة: ما قدم قبل الطعام، وسلافة الخمر: صفوتها؛ لأنه أوَّل ما يخرج من عصيرها. فصل في تأويل ما سلف قال الزجاج: أي صفح له عمَّا مضى من ذنبه، قبل نزول الآية؛ كقوله: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ}تفسير : [الأنفال:38]، وضعِّف؛ بأن قبل نزول الآية في التحريم، لم يكن ذلك حراماً، ولا ذنباً؛ فكيف يقال المراد من الآية الصفح عن ذلك الذنب مع أنه ما كان هناك ذنبٌ؟ والنهي المتأخر لا يؤثر في الفعل المتقدم! ولأنه تعالى أضاف ذلك إليه بلام التمليك، وهو قوله: {فَلَهُ مَا سَلَفَ} أي: كلُّ ما أكل من الرِّبا، وليس عليه ردُّه، فأمَّا ما لم يقضَ بعد، فلا يجوز له أخذه، وإنما له رأس ماله فقط؛ كما بيَّنه تعالى في قوله تعالى: {أية : وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ}تفسير : [البقرة:279]. فصل قال ابن الخطيب - رحمه الله -: في قوله تعالى: {وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللهِ} وجوهٌ للمفسرين، والذي أقوله: إنَّ هذه الآية مختصةٌ بمن ترك استحلال الرِّبا من غير بيان أنه ترك أكل الربا، أو لم يترك؛ ويدلُّ عليه مقدمة الآية ومؤخِّرتها. أمَّا مقدمة الآية؛ فلأن قوله {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ} ليس فيه بيان أنه انتهى عماذا، فلا بدَّ وأن يصرف ذلك إلى المدلول السابق، وأقرب المذكورات إلى هذه الكلمة قولهم: {إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰوا} فكان قوله: {فَٱنْتَهَىٰ} عائداً إليه فيكون المعنى: فانتهى عن هذا القول. وأما مؤخرة الآية فقوله: {وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} معناه عاد إلى الكلام المتقدم، وهو استحلال الربا "فَأَمْرهُ إلى اللهِ" ثم هذا الإنسان إمَّا أن يقال: إنه كما انتهى عن استحلال الربا، انتهى - أيضاً - عن أكل الربا، وليس كذلك؛ فإن كان الأول كان هذا الشخص مقراً بدين الله عالماً بتكليف الله تعالى؛ فحينئذٍ يستحق المدح والتعظيم، لكنَّ قوله "فَأَمْرُهُ إِلى اللهِ" ليس كذلك؛ لأنه يدلُّ على أنه تعالى إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له، فثبت أن هذه الآية لا تليق بالكافر، ولا بالمؤمن المطيع، فلم يبق إلاَّ أنها تختصُّ بمن أقرَّ بحرمة الرِّبا، ثم أكل الربا؛ فهذا أمره إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، فهو كقوله {أية : إِنَّ ٱللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [النساء:48]. ثم قال: {وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي ومن عاد إلى استحلال الربا، حتى يصير كافراً، وفيها دليلٌ على أنَّ الخلود لا يكون إلاَّ للكافر.
البقاعي
تفسير : ولما كان سبحانه وتعالى قد ذكر النفقة مما أفاض عليهم من الرزق من أول السورة إلى هنا في غير آية، ورغب فيها بأنواع من الترغيب في فنون من الأساليب، وكان الرزق يشمل الحلال والحرام، وكان مما يسترزقون به قبل الإسلام الربا، وهو أخذ مجاناً، وهو في الصورة زيادة وفي الحقيقة نقص وعيب، ضد ما تقدم الحث عليه من الإعطاء مجاناً، وهو في الظاهر نقص وفي الباطن زيادة وخير؛ نهاهم عن تعاطيه ونفرهم منه، وبين لهم حكمه وأنه خبيث لا يصلح لأكل ولا صدقة، وجعل ذلك في أسلوب الجواب لمن قال هل يكون النفقة المحبوبة المحثوث عليها من كل مال؟ فأجاب بقوله:- وقال الحرالي: ولما كان حال المنفق لا سيما المبتغي وجه الله سبحانه وتعالى أفضل الأحوال، وهو الحال الذي دعوا إليه؛ نظم به أدنى الأحوال، وهو الذي يتوسل به إلى الأموال بالربا، فأفضل الناس المنفق، وشر الناس المربي؛ فنظم به خطاب الربا فقال:- {الذين} ولما كان من الصحابة من أكل الربا عبر بالمضارع إشارة إلى أن هذا الجزاء يخص المصر فقال: {يأكلون الربا} وهو الزيادة من جنس المزيد عليه المحدود بوجه ما - انتهى. فجرى على عادة هذا الذكر الحكيم في ذكر أحد الضدين بعد الآخر، وعبر بالأكل عن التناول، لأنه أكبر المقاصد وأضرها ويجري من الإنسان مجرى الدم كالشيطان {لا يقومون} أي عند البعث يظهر ثقله في بطونهم فيمنعهم النشاط ويكون ذلك سيماهم يعرفون به بين أهل الموقف هتكاً لهم وفضيحة. وقال الحرالي: في إطلاقه إشعار بحالهم في الدنيا والبرزخ والآخرة، ففي إعلامه إيذان بأن آكله يسلب عقله ويكون بقاؤه في الدنيا بخرق لا بعقل، يقبل في محل الإدبار ويدبر في محل الإقبال انتهى. وهو مؤيد بالمشاهدة فإنا لم نر ولم نسمع قط بآكل ربا ينطق بالحكمة ولا يشهر بفضيلة بل هم أدنى الناس وأدنسهم {إلا كما يقوم} المصروع {الذي يتخبطه} أي يتكلف خبطه ويكلفه إياه ويشق به عليه {الشيطان} ولما كان ذلك قد يظن أنه يخبط الفكر بالوسوسة مثلاً قال: {من} أي تخبطاً مبتدئاً من {المس} أي الجنون، فأشار سبحانه وتعالى بذلك إلى المنع من أن تكون النفقة من حرام ولا سيما الربا، وإلى أن الخبيث المنهي عن تيمم إنفاقه قسمان: حسي ومعنوي، والنهي في المعنوي أشد. وقال البيضاوي تبعاً للزمخشري: وهو أي التخبط والمس وارد على ما يزعمون أي العرب أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع وأن الجني يمسه فيختلط عقله - انتهى. وظاهره إنكار ذلك وليس بمنكر بل هو الحق الذي لا مرية فيه، قال المهدوي في تفسيره: وهذا دليل على من أنكر أن الصرع من جهة الجن وزعم أنه فعل الطبائع. وقال الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد: وبالجملة فالقول بوجود الملائكة والجن والشياطين مما انعقد عليه إجماع الآراء ونطق به كلام الله سبحانه وتعالى وكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وحكي مشاهدة الجن عن كثير من العقلاء وأرباب المكاشفات من الأولياء، فلا وجه لنفيها؛ وقال: الجن أجسام لطيفة هوائية تتشكل بأشكال مختلفة ويظهر منها أحوال عجيبة، والشياطين أجسام نارية شأنها إلقاء الناس في الفساد والغواية؛ ولكون الهواء والنار في غاية اللطافة والتشفيف كانت الملائكة والجن والشياطين يدخلون المنافذ الضيقة حتى أجواف الناس ولا يرون بحس البصر إلا إذا اكتسبوا من الممتزجات - انتهى. وقد ورد في كثير من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن "حديث : الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" تفسير : وورد "أنه صلى الله عليه وسلم أخرج الصارع من الجن من جوف المصروع في صورة كلب" ونحو ذلك؛ وفي كتب الله سبحانه وتعالى المتقدمة ما لا يحصى من مثل ذلك، فأما مشاهدة المصروع يخبر بالمغيبات وهو مصروع غائب الحس، وربما كان يلقى في النار وهو لا يحترق، وربما ارتفع في الهواء من غير رافع، فكثير جداً لا يحصى مشاهدوه - إلى غير ذلك من الأمور الموجبة للقطع أن ذلك من الجن أو الشياطين؛ وها أنا أذكر لك من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ثم من كتب الله القديمة ما فيه مقنع لمن تدبره - والله سبحانه وتعالى الموفق: روى الدارمي في أوائل مسنده بسند حسن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "حديث : أن امرأة جاءت بابن لها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن ابني به جنون وإنه يأخذه عند أغدائنا وعشائنا فيخبث علينا، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا فثعّ ثعة وخرج من صدره مثل الجرو الأسود" تفسير : فثعّ ثعة بمثلثة ومهملة أي قاء وللدارمي أيضاً وعبد بن حميد بسند صحيح حسن أيضاً عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: "حديث : خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فركبنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا كأنما على رؤوسنا الطير تظلنا، فعرضت له امرأة معها صبي لها فقالت: يا رسول الله! إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرار، فتناول الصبي فجعله بينه وبين مقدم الرحل ثم قال: اخسأ عدو الله أنا رسول الله ثلاثاً! ثم دفعه إليها" تفسير : وأخرجه الطبراني من وجه آخر وبين أن السفر غزوة ذات الرقاع وأن ذلك في حرة واقم، قال جابر: "حديث : فلما قضينا سفرنا مررنا بذلك المكان فعرضت لنا المرأة ومعها صبيها ومعها كبشان تسوقهما فقالت: يا رسول الله! اقبل مني هديتي، فوالذي بعثك بالحق ما عاد إليه بعد ذلك! فقال: خذوا منها واحداً وردوا عليها الآخر" تفسير : وروى البغوي في شرح السنة عن يعلى بن مرة رضي الله تعالى عنه. وفي الإنجيل من ذلك كثير جداً، قال في إنجيل متى ولوقا ومُرقُس يزيد أحدهم على الآخر وقد جمعت بين ألفاظهم: وجاء يعني عيسى عليه الصلاة والسلام إلى عبر البحر إلى كورة الجرجسيين، وقال في إنجيل لوقا: التي هي مقابل عبر الجليل، فلما خرج من السفينة استقبله مجنون، قال لوقا: من المدينة معه شياطين، وقال متى مجنونان جائيان من المقابر رديئان جداً حتى أنه لم يقدر أحد أن يجتاز من تلك الطريق فصاحا قائلين: ما لنا ولك يا يسوع! جئت لتعذبنا قبل الزمان؛ قال لوقا: وكان يربط بالسلاسل والقيود ويحبس، وكان يقطع الرباط ويقوده الشيطان إلى البراري، فسأله يسوع: ما اسمك؟ فقال: لاجاون، لأنه دخل فيه شياطين كثيرة؛ وقال مرقس: فقال له: اخرج أيها الروح النجس! اخرج من الإنسان، ثم قال له: ما اسمك؟ فقال: لاجاون اسمي لأنا كثير، وطلب إليه أن يرسلهم خارجاً من الكورة؛ وكان هناك نحو الجبل قطيع خنازير كثيرة يرعى بعيداً منهم، فطلب إليه الشياطين قائلين: إن كنت تخرجنا فأرسلنا إلى قطيع الخنازير فقال لهم: اذهبوا، وقال مرقس: فأذن لهم يسوع، فللوقت خرجت الأرواح النجسة ودخلت في الخنازير وقال: متى: فلما خرجوا ومضوا في الخنازير وإذا بقطيع خنازير قد وثب على جرف وتواقع في البحر ومات جميعه في المياه، وأن الرعاة هربوا ومضوا إلى المدينة وأخبروهم بكل شيء وبالمجنونين، فخرج كل من في المدينة للقاء يسوع؛ قال مرقس: وأبصروا ذلك المجنون جالساً لابساً عفيفاً فخافوا، فلما أبصروه - يعني عيسى عليه الصلاة والسلام - طلبوا إليه أن يتحول عن تخومهم؛ قال لوقا: لأنهم خافوا عظيماً، وقال مرقس: فلما صعد السفينة طلب إليه المجنون أن يكون معه فلم يدعه يسوع لكن قال له امض إلى بيتك وعرفهم صنع الرب بك ورحمته إياك، فذهب وكرز في العشرة مدن، وقال كل ما صنع به يسوع فتعجب جميعهم؛ وفي إنجيل لوقا معناه، وفي آخره: فذهب وكان ينادي في المدينة كلها بكل ما صنعه معه يسوع؛ وفي إنجيل متى: فلما خرج يسوع من هناك قدموا إليه أخرس به شيطان، فلما خرج الشيطان تكلم الأخرس، فتعجب الجميع قائلين: لم يظهر قط هكذا في بني إسرائيل، فقال الفريسيون: إنه باركون الشياطين يخرج الشياطين. ثم قال: حينئذ أتى إليه بأعمى به شيطان أخرس، فأبرأه حتى أن الأخرس تكلم وأبصر، فبهت الجمع كلهم وقالوا: لعل هذا هو ابن داود، فتسمع الفريسيون فقالوا: هذا لا يخرج الشياطين إلا بباعل زبول رئيس الشياطين. وفيه بعد ذلك: فلما جاء إلى الجمع جاء إليه إنسان ساجداً له قائلاً: يا رب! وفي إنجيل لوقا: يا معلم! ارحم ابني، فإنه يعذب في رؤوس الأهلة، ومراراً كثيرة يريد أن ينطلق في النار، ومراراً كثيرة في الماء؛ وفي إنجيل مرقس: قد أتيتك يا بني! وبه روح نجس وحيث ما أدركه صرعه وأزبده وضرر أسنانه فتركه يابساً، وفي إنجيل لوقا: أضرع إليك أن تنظر إلى ابني، لأنه وحيدي، وروح يأخذه فيصرخ بغتة ويلبطه بجهل، ويزيد عند انفصاله عنه ويرضضه، وضرعت لتلاميذك أن يخرجوه فلم يقدروا؛ وفي إنجيل متى: وقدمته إلى تلاميذك فلم يقدروا أن يبرئوه، أجاب يسوع: أيها الجيل الأعوج الغير مؤمن! إلى متى أكون معكم! وحتى متى أحتملكم! قدمه إلى هنا؛ وفي إنجيل لوقا: وفيما هو جاء به طرحه الشيطان ولبطه؛ وفي إنجيل مرقس: فلما رأته الروح النجسة من ساعته صرعته وسقط على الأرض مضطرباً مزبداً؛ ثم قال لأبيه: من كم أصابه هذا؟ فقال: منذ صباه، ثم قال ما معناه: افعل معه ما استطعت وتحنن علينا، فقال له يسوع: كل شيء مستطاع للمؤمن، فصاح أبو الصبي وقال: أنا أومن فأعن ضعف إيماني، فلما رأى يسوع تكاثر الجمع انتهر الروح النجس وقال: يا أيها الروح الأصم الغير ناطق! أنا آمرك أن تخرج منه ولا تدخل فيه، فصرخ ولبطه كثيراً وخرج منه وصار كالميت، وقال كثير: إنه مات، فأمسك يسوع بيده وأقامه فوقف؛ وفي إنجيل متى: فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان وبرىء الفتى في تلك الساعة، حينئذ أتى التلامذة إلى يسوع منفردين وقالوا له: لماذا لم نقدر نحن نخرجه؟ فقال لهم يسوع: من أجل قلة إيمانكم، الحق أقول لكم أن لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لقلتم لهذا الجبل: انتقل من هاهنا إلى هناك، فينتقل ولا يعسر عليكم شيء، وهذا الجنس لا يخرج إلا بالصوم والصلاة؛ وقال مرقس: لا يستطاع أن يخرج بشيء إلا بصلاة وصوم؛ وقال في إنجيل مرقس: إنه كان يعلم في كفرناحوم مدينة في الجليل، قال: وكان في مجمعهم رجل فيه روح شيطان نجس فصاح بصوت عظيم قائلاً: ما لنا ولك يا يسوع الناصري! أتيت لتهلكنا! قد عرفنا من أنت يا قدوس الله! فنهره يسوع قائلاً: اسدد فاك واخرج منه! فأقلقته الروح النجسة وصاح بصوت عظيم وخرج منه؛ وفي إنجيل لوقا: فطرحه الشيطان في وسطهم وخرج منه ولم يؤلمه وخاف الجمع مخاطبين بعضهم بعضاً قائلين: ما هو هذا العلم الجديد الذي سلطانه يأمر الأرواح النجسة فتطيعه! وخرج خبره في كل كورة الجليل؛ وفيه: ثم قام من هناك وذهب إلى تخوم صور وصَيْدا ودخل إلى بيت فأراد أن لا يعلم أحد به، فلم يقدر أن يختفي، فلما سمعت امرأة كانت بابنة لها روح نجس جاءت إليه وسجدت قدام قدميه، وكانت يونانية صورية، وسألته أن يخرج الشيطان من ابنتها، فقال لها: دعي البنين حتى يشبعوا أولاً، لا تحسبنّ أن يؤخذ خبز البنين يدفع للكلاب، وأجابت بنعم يا رب! والكلاب أيضاً تأخذ مما يسقط من المائدة من فتات الأطفال، فقال لها من أجل هذه الكلمة: اذهبي قد خرج الشيطان من ابنتك، فذهبت إلى بنتها فوجدت الصبية على السرير والشيطان قد خرج منها؛ وفي آخر إنجيل مرقس: إنه أخرج من مريم المجدلانية سبعة شياطين؛ وفي إنجيل لوقا: وكان بعد ذلك يسير إلى كل مدينة وقرية ويكرز ويكبر بملكوت الله ومعه الاثنا عشر ونسوة كن أبرأهن من الأمراض والأرواح الخبيثة: مريم التي تدعى المجدلانية التي أخرج منها سبعة شياطين ومرثا امراة خوزي خازن هين ودس وسوسنة وأخوات كثيرات؛ وفي إنجيل لوقا: وفيما هو يعلم في أحد المجامع في السبت فإذا امرأة معها روح مزمن منذ ثمان عشرة سنة وكانت منحنية لا تقدر أن تستوي البتة، فنظر إليها يسوع وقال: يا امرأة! أنت محلولة من مرضك ووضع يده عليها، فاستقامت للوقت ومجدت الله، فأجاب رئيس الجماعة وهو مغضب وقال للجميع: لكم ستة أيام ينبغي العمل فيها وفيها تأتون وتستشفعون إلا في السبت! فقال: يا مراؤون! واحد منكم يحل ثوره أو حماره من المدود في السبت ويذهب فيسقيه وهذه ابنة إبراهيم كان الشيطان قد ربطها منذ ثمان عشرة سنة! أما كان يحل أن تطلق من هذا الرباط في يوم السبت؟ فلما قال هذا الكلام أخزى كل من كان يقاومه. وكل الشعب كانوا يفرحون بالأعمال الحسنة التي كانت منه - انتهى. وإنما كتبت هذا مع كون ما نقل عن نبينا صلى الله عليه وسلم كافياً لأنه لا يدفع أن يكون فيه إيناس له ومصادقة تزيد في الإيمان مع أن فيه دلائل رادة على النصارى في ادعائهم التثليث والاتحاد وأحسن ما ردّ على الإنسان من كلامه وبما يعتقده، وسيأتي إن شاء الله سبحانه وتعالى في المائدة عند قوله سبحانه وتعالى: {وما من إله إلا الله} ما يلتفت إلى بعض هذا ويشرحه شرحاً جيداً نافعاً وكذا في جميع ما أنقله من الإنجيل كما ستراه إن شاء الله تعالى في مواضعه، وكل ما فيه من متشابه لم تألفه مما يوهم اتحاداً أو تثليثاً فلا تزدد نفرتك منه وراجع ما سيقرر في آل عمران وغيرها يرجع معك إلى المحكم رجوعاً جلياً، على أن أكثره إذا تؤملت أطرافه وجدته لا شبهة فيه أصلاً، وإن لم تكن أهلاً للجري في مضمار ما ينسب إلى أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه: كن ممن يعرف الرجال بالحق ولا تكن ممن يعرف الحق بالرجال، فانظر كتاب الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى تجده أوّل كثيراً مما ذكرته بمثل تأويلي أو قريب منه، ولم أر كتابه إلا بعد كتابتي لذلك - والله سبحانه وتعالى الموفق. وفي الآية إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى قضى بنزع نور العقل من المربي ودل على ذلك بقوله: {ذلك} أي الأمر البعيد من الصواب {بأنهم} أي المربون {قالوا} جدالاً لأهل الله {إنما البيع} أي الذي تحصرون الحل فيه يا أهل الإسلام {مثل الربا} في أن كلاًّ منهما معاوضة، فنحن نتعاطى الربا كما تتعاطون أنتم البيع، فما لكم تنكرونه علينا؟ فَجعْلهُم الربا أصلاً انسلاخ مما أودعه الله في نور العقل وحكم الشرع وسلامة الطبع من الحكمة؛ والبيع كما عرفه الفقهاء نقل ملك بثمن. وقال الحرالي: هو رغبة المالك عما في يده إلى ما في يد غيره، والشراء رغبة المستملك فيما في يد غيره بمعاوضة بما في يده مما رغب عنه، فلذلك كل شار بائع {وأحل} أي والحال أنه أحل {الله} الذي له تمام العظمة المقتضية للعدل {البيع} أي لما فيه من عدل الانتفاع، لأنه معاوضة على سبيل النصفة للتراضي من الجانبين، لأن الغبن فيه غير محقق على واحد منهما، لأن من اشترى ما يساوي درهماً بدرهمين يمكن أن يبيعه بعد ذلك لرواجه أو وجود راغب فيه لأمر دعاه إليه بثلاثة {وحرم الربا} لما فيه من اختصاص أحد المتعاملين بالضرر والغبن والآخر بالاستئثار على وجه التحقيق، فإن من أخذ درهماً بدرهمين لا يرجى خير ما فاته من ذلك الوجه أصلاً، وكذلك ربا المضاعفة وهو ما إذا طلب دينه فكان الغريم معسراً فألزمه بالدفع أو الزيادة في الدين فإنه ليس في مقابلة هذا الزائد شيء ينتفع به المدين. قال الحرالي: فيقع الإيثار قهراً وذلك الجور الذي يقابله العدل الذي غايته الفضل، فأجور الجور في الأموال الربا، وأجور الجور في الربا الربا كالذي يقتل بقتيل قتيلين، وكل من طفف في ميزان فتطفيفه ربا بوجه ما؛ ولذلك تعددت أبواب الربا وتكثرت؛ قال قال صلى الله عليه وسلم: "الربا بضع وسبعون باباً، والشرك مثل ذلك وهذا رأسه" وهو ما كانت تتعامل به أهل الجاهلية، من قولهم: إما أن تربي وإما أن تقضي، ثم لحق به سائر أبوابه، فهو انتفاع للمربي وتضرر للذي يعطي الربا، وهذا أشد الجور بين العبيد الذين حظهم التساوي في أمر بلغة الدنيا؛ فكما أعلمهم سبحانه وتعالى أثر حكمة الخير في الإنفاق أعلمهم أثر حكمة الشر في الربا في دار الآخرة وفي غيب أمر الدنيا وكما أنه يعجل للمنفق خلفاً في الدنيا كذلك يعجل للمربي محقاً في الدنيا حسب ما صرح به الخطاب بعد هذا الإشعار - انتهى. ومادة بيع بجميع تقاليبها التسعة يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة: بيع وعيب وعبي وبوع وبعو ووبع ووعب وعبو وعبا - تدور على الاتساع، فالبيع يدور على التصرف التام بالقوة تارة وبالفعل أخرى، والذي بالفعل يكون بالملك تارة وبغيره أخرى، والذي بالملك يكون بالتحصيل تارة وبالإزالة أخرى، ولا يخفى أن كل ذلك من الاتساع فمن الذي بالقوة: باعه من السلطان سعى به إليه، وامرأة بائع إذا كانت نافقة لجمالها، والبياعة السلعة، والبيّع كسيد: المساوم، وأبعته بمعنى عرضته للبيع؛ ومن الذي بالفعل من غير ملك: باع على بيعه أي قام مقامه في المنزلة والرفعة وظفر به، وكذا أبعت الرجل فرساً أي أعرته إياه ليغزو عليه؛ ومن الذي بالملك إزالة: بعته وأبعته أي أزلت ملكي عنه بثمن، واستباعه سأله أن يبيعه منه، وانباع نفق، وانباع لي في سلعته سامح في بيعها وامتد إلى الإجابة إليه؛ ومن الذي بالملك تحصيلاً: باع الشيء بمعنى اشتراه. قال الفارابي في ديوان الأدب: قال أبو ثروان: بع لي تمراً بدرهم - يريد اشتر، وهذا الحرف من الأضداد، وابتاعه: اشتراه. والعيب بمعنى الوصمة توسع الكلام في العرض وسببه توسع الإنسان في قول أو فعل على غير منهاج العقل، والعيبة وعاء من أدم يوضع فيه المتاع وهي أيضاً الصدر والقلب وموضع السر، والعائب من اللبن الخادر أي الآخذ طعم حموضة إما من العيب وإما لأنه انتشر عن طعمه الأول؛ والعباية ضرب من الأكسية لاتساعه عن الأزر ونحوها طولاً وعرضاً والرجل الجافي الثقيل تشبيهاً بها في الخشونة والثقالة، وتعبئة الجيش تهيئته من موضعه كأن مراكزه عياب له وضعت كل فرقة منه في عيبتها، وعيبك من الجزور نصيبك، والتعابي أن يميل رجل مع قوم وآخر مع آخرين لأن ذلك اتساع بالفريقين وانتشار من الرجلين؛ ومن المهموز العبء - بالكسر وهو الحمل الثقيل من أي شيء كان لأنه بقدر وسع الحامل أو فوق وسعه وهو أوسع مما دونه من الأحمال، وهو أيضاً العدل لأنه يسع ما يوضع فيه والمثل، ويفتح لأن الاثنين أوسع من الواحد، والعبء بالفتح ضياء الشمس وهو واضح في السعة، وعبأ المتاع والأمر كمنع هيأ كعبأه تعبئة لأنه أعطاه ما يسعه ووضعه في مواضع تسعه، والطيب صنعه وخلطه فاتسع بالخلط وانتشرت رائحته بالصنعة؛ والعباء كساء معروف وهو يسع ما يلف به كالعباية، والأحمق الثقيل الوخم وتقدم تخريجه ويمكن جعله من العبء بمعنى الحمل وبمعنى الثقيل والمعبأة كمكنسة خرقة الحائض لأنها بقدر ما يسعه الفرج، والمعبأ كمقعد المذهب لاتساعه للذاهب فيه، وما أعبأ به ما أصنع، وبفلان: ما أبالي أي ما أوسع الفكر فيه - انتهى المهموز؛ والباع قدر مد اليدين والشرف والكرم، والبوع أبعاد خطو الفرس في جريه، وبسط اليد بالمال، والمكان المنهضم أي المطمئن في لصب الجبل - واللصب بالكسر الشعب الصغير من الجبل أضيق من اللهب وأوسع من الشقب، واللهب مهواة ما بين كل جبلين أو الصدع في الجبل أو الشعب الصغير، والشعب بالعين الطريق في الجبل ومسيل الماء في بطن أرض أو ما انفرج بين الجبلين، والشقب بالقاف صدع يكون في لهوب الجبال ولصوب الأودية دون الكهف توكر فيه الطير - وباعة الدار ساحتها، والبائع ولد الظبي إذا باع في مشيه، وانباع العرق سال، والحية بسطت نفسها بعد تحوّيها لتساور؛ والوبّاعة الاست لاتساعها بخروج الخارج منها، وكذبت وبّاعته أي حبق يعني ضرط، والوباعة من الصبي ما يتحرك من يافوخه لامتداده إلى الحركة، ووعبه كوعده أخذه أجمع، كأوعبه واستوعبه، وأوعب جمع، والشيء في الشيء أدخله كله أي وسعه حتى دخل فيه، والوعب من الطرق: الواسعة، وبيت وعيب واسع؛ والبعو الجناية والجرم لأن ذلك يوسع الكلام في العرض، وهو أيضاً العارية، وبعاه قمره وأصاب منه، وبعاه بالعين أصابه بها كأنه وسع لعينه فيه حظاً. ولما كان الوعظ كما قال الحرالي دعوة الأشياء بما فيها من العبرة للانقياد للإله الحق بما يخوفها ويقبضها في مقابلة التذكير بما يرجيها ويبسطها، وكان فيما أخبر به سبحانه وتعالى عن حال المربي أتم زاجر لأن أجلّ ما للإنسان بعد روحه عقله سبب عن ذلك قوله: {فمن جاءه} قال الحرالي: أطلق الكلمة من علامة التأنيث النازل الرتبة ترفيعاً لقدر هذه الموعظة الخفية المدرك العظيمة الموقع {موعظة} بناء مبالغة وإعلاء لما أشعرت المفعلة الزائدة الحروف على أصل لفظ الوعظ بما يشعر به الميم من التمام والهاء من الانتهاء، فوضع الأحكام حكمة، والإعلام بثمراتها في الآخرة موعظة تشوق النفس إلى رغبتها ورهبتها - انتهى. ولما كان التخويف من المحسن أردع لأن النفس منه أقبل قال: {من ربه} أي المربي له المحسن إليه بكل ما هو فيه من الخير. قال الحرالي: في إشعاره أن من أصل التربية الحمية من هذا الربا - انتهى. {فانتهى} أي عما كان سبباً للوعظ. قال الحرالي: أتى بالفاء المعقبة فلم يجعل فيه فسحة ولا قراراً عليه لما فيه من خبل العقل الذي هو أصل مزية الإنسانية وإن لم يشعر به حكماء الدنيا ولا أطباؤها - انتهى. ولما كان السياق بما أرشد إليه التعليل بقوله: {ذلك بأنهم قالوا} دالاً على أن الآية في الكفرة وأن المراد بالأكل الاستحلال أكد ذلك بقوله: {فله ما سلف} أي من قبيح ما ارتكبه بعد أن كان عليه ولا يتبعه شيء من جريرته لأن الإسلام يجب ما قبله وتوبة المؤمن لا تجب المظالم. قال الحرالي: والسلف هو الأمر الماضي بكليته الباقي بخلفه، وقال: في إعلامه إيذان بتحليل ما استقر في أيديهم من ربا الجاهلية ببركة توبتهم من استئناف العمل به في الإسلام لما كان الإسلام يجب ما قبله، وفي طيّ إشعاره تعريض برده لمن يأخذ لنفسه بالأفضل ويقوي إشعاره قوله {وأمره إلى الله} انتهى، أي فهو يعامله بما له من الجلال والإكرام بما يعلمه من نيته من خلوص وغيره. ولما كان المربون بعد هذه الزواجر بعيدين من رحمة الله عبر عنهم سبحانه وتعالى بأداة البعد في قوله: {ومن عاد} أي إلى تحليل الربا بعد انتهائه عنه نكوباً عن حكمة ربه {فأولئك} أي البعداء من الله {أصحاب النار} ولما كانت نتيجة الصحبة الملازمة قال: {هم فيها خالدون*}. ولما كان المرغب في الربا ما فيه من الربح الناجز المشاهد، والمفتر عن الصدقة كونها نقصاً محققاً بالحس بيّن أن الربا وإن كان بصورة الزيادة فهو نقص وأن الصدقة وإن كانت بصورة النقص فهي زيادة لأن ذلك إنما هو بيده سبحانه وتعالى فما شاء محقه وإن كان كثيراً أو ما أراد نماه وإن كان يسيراً فقال كالتعليل للأمر بالصدقة والنهي عن الربا ولكون فاعله من أهل النار: {يمحق الله} أي بما له من الجلال والقدرة {الربا} بما يفتح له من أبواب المصارف. قال الحرالي: والمحق الإذهاب بالكلية بقوة وسطوة {ويربي الصدقات} أي يزيد الصدقات بما يسد عنها مثل ذلك ويربح في تقلباتها؛ ويجوز كونه استئنافاً وذلك أنه لما تقرر أن فاعليه من أصحاب النار ساقه مساق الجواب لمن كأنه قال: وإن تصدقوا من أموال الربا وأنفقوا في سبيل الخير! إعلاماً بأن الربا مناف للخير فهو مما يكون هباء منثوراً. ولما آذن جعلهم من أصحاب النار أن من لم ينته عن الربا أصلاً أو انتهى وعاد إلى فعله مرتبك في شرك الشرك قاطع نحوه عقبات: ثنتان منها في انتهاك حرمة الله: ستر آياته في عدم الانتهاء، والاستهانة بها في العود إليه، الثالثة انتهاك حرمة عباد الله فكان إثمه متكرراً مبالغاً فيه لا يقع إلا كذلك عبر سبحانه وتعالى بصيغة المبالغة في قوله عطفاً على ما تقديره تعليلاً لما قبله: فالمتصدق مؤمن كريم والمربي كفار أثيم: {والله} المتصف بجميع صفات الكمال {لا يحب كل كفار} أي في واجب الحق بجحد ما شرع من آياته وسترها والاستهانة بها، أو كفار لنعمته سبحانه وتعالى بالاستطالة بما أعطاه على سلب ما أعطى عباده {أثيم *} في واجب الخلق، أي منهمك في تعاطي ما حرم من اختصاصاتهم بالربا وغيره، فلذا لا يفعل معهم سبحانه وتعالى فعل المحب لا بالبركة في أموالهم ولا باليمن في أحوالهم، وهذا النفي من عموم السلب، وطريقه أنك تعتبر النفي أولاً ثم تنسبه إلى الكل، فيكون المعنى: انتفى عن كل كفار أثيم حبه، وكذا كل ما ورد عليك من أشباهه إن اعتبرت النسبة إلى الكل أولاً ثم نفيت فهو لسلب العموم، وإن اعتبرت النفي أولاً ثم نسبته إلى الكل فلعموم السلب، وكذلك جميع القيود؛ فالكلام المشتمل على نفي وقيد قد يكون لنفي التقييد وقد يكون لتقييد النفي، فمثل: ما ضربته تأديباً، أي بل إهانة، سلب للتعليل والعمل للفعل، وما ضربته إكراماً له، أي تركت ضربه للإكرام، تعليل للسلب والعمل للنفي، وما جاءني راكباً، أي بل ماشياً، نفي للكيفية، وما حج مستطيعاً، أي ترك الحج مع الاستطاعة، تكييف للنفي؛ وقد أشبع الشيخ سعد الدين التفتازاني رحمه الله تعالى الكلام في ذلك في شرحه للمقاصد في بحث الرؤية عند استدلال المعتزلة بقوله تعالى: {أية : لا تدركه الأبصار} تفسير : [الأنعام: 104].
السيوطي
تفسير : أخرج أبو يعلى من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} قال: يعرفون يوم القيامة بذلك، لا يستطيعون القيام إلا كما يقوم المتخبط المنخنق، {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا} وكذبوا على الله {و أحل الله البيع وحرم الربا} ومن عاد لأكل الربا {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} وفي قوله {أية : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا...}تفسير : [البقرة: 278] الآية. قال: بلغنا أن هذه الآية نزلت في بني عمرو بن عوف من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بنو المغيرة يربون لثقيف، فلما أظهر الله رسوله على مكة ووضع يومئذ الربا كله، وكان أهل الطائف قد صالحوا على أن لهم رباهم وما كان عليهم من ربا فهو موضوع، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر صحيفتهم "أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، أن لا يأكلوا الربا ولا يؤكلوه. فأتى بنو عمرو بن عمير ببني المغيرة إلى عتاب بن أسيد وهو على مكة فقال بنو المغيرة: ما جعلنا أشقى الناس بالربا ووضع عن الناس غيرنا. فقال بنو عمرو بن عمير: صولحنا على أن لنا ربانا. فكتب عتاب بن أسيد ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية {أية : فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب} تفسير : [البقرة: 279]. وأخرج الأصبهاني في ترغيبه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يأتي آكل الربا يوم القيامة مختبلاً يجر شقيه، ثم قرأ {لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن ابن عباس {لا يقومون...} الآية. قال: ذلك حين يبعث من قبره. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أنس قال: حديث : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الربا وعظم شأنه، فقال: إن الرجل يصيب درهماً من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن سلام قال: الربا اثنتان وسبعون حوبا، أصغرها حوباً كمن أتى أمه في الإِسلام، ودرهم في الربا أشد من بضع وثلاثين زنية. قال: ويؤذن للناس يوم القيامة البر والفاجر في القيام إلا أكلة الربا، فانهم لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس. وأخرج البيهقي عن عبد الله بن سلام قال: الربا سبعون حوباً، أدناها فجرة مثل أن يضطجع الرجل مع أمه، وأربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه المسلم بغير حق. وأخرج عبد الرزاق وأحمد والبيهقي عن كعب قال: لإِن أزني ثلاثة وثلاثين زنية أحب إليّ من أن آكل درهماً ربا يعلم الله أني أكلته ربا. وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : درهم ربا أشد على الله من ستة وثلاثين زنية. وقال: من نبت لحمه من السحت فالنار أولى به" تفسير : . وأخرج الحاكم وصححه البيهقي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الربا ثلاثة وسبعون باباً، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم ". تفسير : وأخرج الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الربا سبعون باباً، أدناها مثل ما يقع الرجل على أمه، وأربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الغيبة والبيهقي عن أنس قال:حديث : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الربا وعظم شأنه فقال: إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل، وإن أربى عرض الرجل المسلم ". تفسير : وأخرج الطبراني عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إياك والذنوب التي لا تغفر. الغلول، فمن غل شيئاً أتى به يوم القيامة، وأكل الربا، فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنوناً يتخبط، ثم قرأ {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} ". تفسير : وأخرج أبو عبيد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} يوم القيامة. واخرج ابن جرير عن الربيع في الآية قال: يبعثون يوم القيامة وبهم خبل من الشيطان، وهي في بعض القراءة لا يقومون يوم القيامة. وأخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وابن المنذر عن عائشة قالت "لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فقرأهن على الناس، ثم حرم التجارة في الخمر". وأخرج الخطيب في تاريخه عن عائشة قالت: "لما نزلت سورة البقرة نزل فيها تحريم الخمر، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك". وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن جابر قال: لما نزلت {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من لم يترك المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله ". تفسير : وأخرج أحمد وابن ماجة وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر عن عمر أنه قال: من آخر ما أنزل آية الربا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عمر بن الخطاب أنه خطب فقال: إن من آخر القرآن نزولاً آية الربا والريبة. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عمر بن الخطاب أنه خطب فقال: إن من آخر القرآن نزولاً آية الربا، وإنه قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم. وأخرج البخاري وأبو عبيد وابن جرير والبيهقي في الدلائل من طريق الشعبي عن ابن عباس قال: آخر آية أنزلها الله على رسوله آية الربا. وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق سعيد بن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب: آخر ما أنزل الله آية الربا. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الربا الذي نهى الله عنه قال: كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين، فيقول: لك كذا وكذا وتؤخر عني فيؤخر عنه. وأخرج ابن جرير عن قتادة. أن ربا أهل الجاهلية يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخر عنه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {الذين يأكلون الربا} يعني استحلالاً لأكله {لا يقومون} يعني يوم القيامة، ذلك يعني الذي نزل بهم بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا، كان الرجل إذا حل ماله على صاحبه يقول المطلوب للطالب: زدني في الأجل وازيدك على مالك، فإذا فعل ذلك قيل لهم هذا رباً. قالوا: سواء علينا إن زدنا في أول البيع أو عند محل المال فهما سواء، فاكذبهم الله فقال {وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه} يعني البيان الذي في القرآن في تحريم الربا {فانتهى عنه فله ما سلف} يعني فله ما كان أكل من الربا قبل التحريم {وأمره إلى الله} يعني بعد التحريم وبعد تركه، إن شاء عصمه منه وإن شاء لم يفعل {ومن عاد} يعني في الربا بعد التحريم فاستحله لقولهم إنما البيع مثل الربا {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} يعني لا يموتون. وأخرج أحمد والبزار عن رافع بن خديج قال: "حديث : قيل يا رسول الله أي الكسب أطيب؟ قال: "عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور" ". تفسير : وأخرج مسلم والبيهقي عن أبي سعيد قال:حديث : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر فقال: ما هذا من تمرنا. فقال الرجل: يا رسول الله بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك الربا، ردوه ثم بيعوه تمرنا ثم اشتروا لنا من هذا ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن عائشة. أن امرأة قالت لها: إني بعت زيد بن أرقم عبداً إلى العطاء بثمانمائة، فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته قبل محل الأجل بستمائة، فقالت: بئسما شريت وبئسما اشتريت، أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب. قلت: أفرأيت إن تركت المائتين وأخذت الستمائة؟ فقالت: نعم، {من جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف} . وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد أنه سئل لم حرم الله الربا؟ قال: لئلا يتمانع الناس المعروف.
ابو السعود
تفسير : {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ} أي يأخُذونه والتعبـيرُ عنه بالأكل لما أنه معظمُ ما قُصد به ولشيوعه في المطعومات مع ما فيه من زيادة تشنيعٍ لهم وهو الزيادةُ في المقدار أو في الأجل حسبما فُصّل في كتب الفقه، وإنما كتب بالواو كالصلوة على لغة من يفخّم في أمثالها وزيدت الألفُ تشبـيهاً بواو الجمع {لاَ يَقُومُونَ} أي من قبورهم إذا بُعثوا {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ} أي إلا قياماً كقيام المصروعِ، وهو وارد على ما يزعُمون أن الشيطانَ يخبِط الإنسانَ فيُصرعُ، والخبطُ: الضربُ بغير استواءٍ كخَبْط العشواء {مِنَ ٱلْمَسّ} أي الجنون، وهذا أيضاً من زَعَماتهم أن الجِنيَّ يمَسّه فيختلِط عقلُه فلذلك يقال: جُنَّ الرجل، وهو متعلّق بما قبله من الفعل المنفي أي لا يقومون من المس الذي بهم بسبب أكلِهم الربا، أو بـيقوم أو بـيتخبّطه فيكون نهوضُهم وسقوطُهم كالمصروعين لا لاختلال عقولِهم بل لأن الله تعالى أربىٰ في بطونهم ما أكلوا من الربا فأثقلهم فصاروا مُخْبَلين ينهضون ويسقطون، تلك سيماهم يُعرَفون بها عند أهل الموقف {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما ذكر من حالهم وما في اسم الإشارةِ من معنى البعد للإيذان بفظاعة المشارِ إليه {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَوٰاْ} أي ذلك العقابُ بسبب أنهم نَظَموا الربا والبـيعَ في سلك واحدٍ لإفضائهما إلى الرِّبح فاستحلّوه استحلالَه وقالوا: يجوز بـيعُ درهمٍ بدرهمين كما يجوز بـيعُ ما قيمتُه درهمٌ بدرهمين بل جعلوا الربا أصلاً في الحِل وقاسوا به البـيعَ مع وضوح الفرق بـينهما فإن أحدَ الدرهمين في الأول ضائعٌ حتماً وفي الثاني منجبرٌ بمِساس الحاجة إلى السلعة أو بتوقّع رَواجها. {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ} إنكارٌ من جهة الله تعالى لتسويتهم وإبطالٌ للقياس لوقوعه في مقابلة النص، مع ما أشير إليه من عدم الاشتراك في المناطِ، والجملةُ ابتدائيةٌ لا محلَّ لها من الإعراب {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ} أي فمن بلغه وعظٌ وزجرٌ كالنهي عن الربا وقرىء جاءتْه {مّن رَّبّهِ} متعلق بجاءه أو بمحذوف وقعَ صفةً لموعظةٌ، والتعرضُ لعنوان الربوبـية مع الإضافة للإشعار بكون مجيءِ الموعظةِ للتربـية {فَٱنتَهَىٰ} عطفٌ على جاءه أي فاتّعظَ بلا تراخٍ وتبِعَ النهيَ {فَلَهُ مَا سَلَفَ} أي ما تقدم أخذُه قبل التحريم ولا يُستردّ منه و{مَا} مرتفعٌ بالظرف إنْ جُعلت (مَنْ) موصولةً وبالابتداء إن جُعلت شرطيةً على رأي سيبويهِ لعدم اعتماد الظرفِ على ما قبله {وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ} يجازيه على انتهائه إن كان عن قَبول الموعظةِ وصِدْقِ النية وقيل: يَحْكُم في شأنه ولا اعتراضَ لكم عليه {وَمَنْ عَادَ} أي إلى تحليل الربا {فَأُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى {مَنْ عَادَ} [البقرة، الآية 275] والجمعُ باعتبار المعنى كما أن الإفرادَ في عاد باعتبار اللفظ وما فيه من معنى البُعد للإشعار ببُعد منزلتِهم في الشر والفساد {أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ} أي ملازموها {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} ماكثون فيها أبداً والجملةُ مقررة لما قبلها.
القشيري
تفسير : مَنْ أعرض عن الأمر، ورخَّص لنفسه بما يسوِّله له خاطره من التأويل فلا استقلال لهم في الحال ولا انتعاش في المآل؛ خسروا في عاجلهم ولم يربحوا في آجلهم. ومَنْ انتبه بزواجر الوعظ، وكَبَحَ لجامَ الهوى، ولم يُطْلِقْ عنان الإصرار فَلَهُ الإمهال في الحال، فإنْ عاد إلى مذموم تلك الأحوال فَلْيَنْتَظِرُوا أوشكَ الاستئصالِ وفجاءة النَّكال.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين يأكلون الربوا} اى يأخذونه وعبر عنه بالاكل لانه معظم المقصود من المال ولشيوعه فى المطعومات والربا فضل فى الكيل والوزن خال عن العوض عند ابى حنيفة واصحابه ويجرى فى الاشياء الستة الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والملح وكتب بالواو تنبيها على اصله لانه من ربا يربو وزيدت الالف تشبيها بواو الجمع {لا يقومون} اى من قبورهم اذا بعثوا {إلا كما يقوم} اى الا قياما مثل قيام {الذى يتخبطه} اى يضربه ويصرعه {الشيطان من المس} اى الجنون متعلق بلا يقومون يعنى لا يقومون من المس الذى بهم الا كقيام المصروع المختل اى فاسد العقل ويكون ذلك سيماهم يعرفون به عند اهل الموقف وقيل الذين يخرجون من الاجداث يوفضون الا اكلة الربا فانهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين لانهم اكلوا الربا فارباه الله تعالى فى بطونهم حتى اثقلهم فلا يقدرون على الايفاض {ذلك} اى العذاب النازل بهم {بأنهم قالوا} اى بسبب قولهم {إنما البيع مثل الربوا} فنظموا الربا والبيع فى سلك واحد لافضائهما الى الربح فاستحلوه استحلاله وقالوا يجوز بيع درهم بدرهمين كما يجوز بيع ما قيمته درهم بدرهمين وحق الكلام ان يقال انما الربا مثل البيع الا انه على المبالغة اى اعتقدوه حلا حتى ظنوا انه اصل او قالوا انما البيع مثل الربا فلم لا يحل فان الزيادة فى اوله كما هى فى آخره ـ روى ـ ان اهل الجاهلية كان احدهم اذا حل ماله على غريمه فطالبه به يقول الغريم لصاحب الاجل زدنى شيأ فى الاجل حتى ازيدك فى المال فيفعلان ذلك ويقولان سواء علينا الزيادة فى اول البيع بالربح او عند المحل لاجل التأخير فكذبهم الله وقال {وأحل الله البيع وحرم الربوا} اى كيف يتماثلان والبيع محلل بتحليل الله والربا محرم بتحريم الله تعالى {فمن جاءه موعظة} اى فمن بلغه وعظ وزجر كالنهى عن الربا {من ربه فانتهى} اى فاتعظ بلا تراخ وتبع النهى {فله ما سلف} اى مضى من ذنبه فلا يؤاخذ به لانه اخذ قبل نزول التحريم وجعل ملكا له ولا يسترد منه {وامره الى الله} يجازيه على انتهائه ان كان عن قبول الموعظة وصدق النية. وقيل يحكم فى شأنه يوم القيامة وليس من امره اليكم شىء فلا تطالبوه به {ومن عاد} الى الربا مستحلا بعد النهى كما استحل قبله {فأولئك} اشارة الى من باعتبار المعنى {أصحاب النار} اى ملازموها {هم فيها خالدون} ماكثون ابدا.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {الربا} في الأصل: هو الزيادة، رَبا المال يربو: زاد. وكتبت بالواو مراعاة للأصل، وهو المصدر، قال الفراء: إنما كتبوه بالواو لأن أهل الحجاز تعلموا الكتابة من أهل الحيرة، ولغتهم الربو، فعلموهم صورة الحروف، وكذلك قرأها أبو السمال العدوي، وقرأ الأخَوَان بالإمالة لمكان الكسرة، والباقون بالتفخيم. والربا في اصطلاح الشرع على قسمين: ربا الفضل وربا النِّسَاءِ، فأما ربا الفضل فهو التفاضل بين الطعامين أو النقدين في المبادلة من الجنس الواحد، فإن اختلفت الأجناس فلا حرج، وأما ربا النساء فهو بيع الطعامين أو النقدين بعضهما ببعض بالتأخير، وهذا حرام ولو اختلفت الأجناس. يقول الحقّ جلّ جلاله: {الذين يأكلون الربا} أي: يأخذونه، وإنما خص الأكل لأنه أعظم منافع المال، {لا يقومون} من قبورهم يوم البعث {إلا كما يقوم} المجنون {الذي يتخبطه الشيطان من} أجل {المس} الذي يمسه يقوم ويسقط، رُوِيَ أن بطونهم تكون أمامهم كالبيت الضخم، يقوم أحدهم فتميل به بطنه فيصرع، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لما أُسْرِيَ بِي إلى السماء رأيتُ رِجالاً بُطُونُهُمْ كَالبُيوتِ، فيهَا حَيَّاتٌ تُرى مِنْ خِارِجِ بُطُونِهمْ، فقلت مَنْ هؤلاءِ يا جِبْرِيل؟ فقال: أكَلَةُ الرِّبا ". تفسير : ذلك العذاب بسبب أنهم استحلُّوا الربا، و {قالوا إنما البيع مثل الربا} فنظموا الربا والبيع في سلك واحد، وفيه عكس التشبيه. والأصل: إنما الربا مثل البيع، قصدوا المبالغة، كأنهم جعلوا الربا أصلاً وقاسوا عليه البيع. وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا حلّ ماله على غريمه يقول الغريم: زدني في الأجل أزدك في المال، فيفعلان، ويقولان: سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح أو عند محل الدين، هو مراضاة فكذبهم الحقّ تعالى بقوله: {وأحلّ الله البيع وحرّم الربا}؛ لأن القياس مع وجود النص فاسد، والفرق ظاهر؛ فإن من باع درهماً بدرهمين ضيع درهماً من غير فائدة، بخلاف من اشترى سلعة بدرهم، وباعها بدرهمين، فلعل مساس الحاجة، والرغبة فيها، توقع رواجها فيجبر الغبن. {فمن جاءه موعظة من ربه} كالنهي عن الربا {فانتهى} وترك الربا {فله ما سلف} قبل التحريم ولا يَرُدُّهُ، {وأمره إلى الله} لا إلى أحد منكم، فلا يتعرض له، {ومن عاد} إلى تحليل الربا بعد بلوغه النهي {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} لأنهم كفروا وسفهوا أمر الله. {ويمحق الله الربا} أي: يذهب بركته، ويُهلك المال الذي يدخل فيه {ويربي الصدقات} أي: يضاعف ثوابها ويُبارك في المال الذي أخرجت منه، فقد رُوِيَ عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال:"حديث : ما نَقَصَ مالٌ مِنْ صَدقة"، "حديث : وأنه يُربي الصدقةَ حتى تكونَ مثلَ الجبل"تفسير : . قال يحيى بن معاذ: (ما أعرفُ حبةً تزن جبال الدنيا إلا الحبَّةَ من الصدقة). {والله لا يحب كل كفّار} أي: مُصِرٍّ على تحليل المحرمات، {أثيم} أي: منهمك في ارتكاب المنهيات، أي: لا يرتضي حاله، ولا يحبه كما يحب التوابين. ثم ذكر مقابله فقال: {إن الذين آمنوا} بالله، وصدَّقُوا بما جاء من عنده، {وعملوا} الأعمال {الصالحات وأقاموا الصلاة} أي: أتقنوها {وآتوا الزكاة} أي: أدوها على التمام، فلهم أجرهم عند ربهم إذا قدموا عليه، {ولا خوف عليهم} من آت، {ولا هم يحزنون} على ما فات، إذ لم يفتهم شيء حيث وجدوا الله.
الطوسي
تفسير : المعنى: أصل الربا: الزيادة من قولهم ربا الشيء يربو ربواً إذا زاد. والربا: هو الزيادة على رأس المال. في نسيئة أو مماثلة وذلك كالزيادة على مقدار الدين للزيادة في الأجل أو كاعطاء درهم بدرهمين أو دينار بدينارين، والمنصوص عن النبي (صلى الله عليه وسلم) تحريم التفاضل في ستة أشياء الذهب، والفضة، والحنطة، والشعير، والتمر، والملح. وقيل: الزبيب: فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) فيها مثلاً بمثل يداً بيد من زاد أو استزاد، فقد أربى. هذا الستة أشياء لا خلاف في حصول الربا فيها، وباقي الأشياء عند الفقهاء مقيس عليها. وفيها خلاف بينهم، وعندنا أن الربا في كل ما يكال، أو يوزن إذا كان الجنس واحداً، منصوص عليه. والربا محرم متوعد عليه كبيرة بلا خلاف، بهذه الآية، وبقوله {أية : يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فأذنوا بحرب من الله رسوله}تفسير : وقوله: {لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، وقتادة: إن قيامهم هذه الصفة يكون يوم القيامة: إذا قاموا من قبورهم، ويكون ذلك إمارة لأهل الموقف على أنهم أكلة الربا. وقوله: {يتخبطه الشيطان} مثل عند أبي علي الجبائي لا حقيقة على وجه التشبيه بحال من تغلب عليه المرة السوداء، فتضعف نفسه ويلج الشيطان بأغوائه عليه فيقع عند تلك الحال ويحصل به الصرع من فعل الله. ونسب إلى الشيطان مجازاً لما كان عند وسوسته. وكان أبو الهذيل وابن الاخشاد يجيزان أن يكون الصرع من فعل الشيطان في بعض الناس دون بعض قالا. لأن الظاهر من القرآن يشهد به، وليس في العقل ما يمنع منه وقال الجبائي: لا يجوز ذلك، لأن الشيطان خلق ضعيف لم يقدره الله على كيد البشر بالقتل والتخبيط ولو قوي على ذلك لقتل المؤمنين الصالحين والداعين إلى الخير، لأنهم أعداؤه، ومن أشد الأشياء عليه. وفي ذلك نظر وأصل الخبط: الضرب على غير استواء، خبطته أخبطه خبطاً. والخبط ضرب البعير الأرض بيديه والتخبظ المس بالجنون أو التخبيل، لأنه كالضرب على غير استواء في الادهاش. والخبطة البقية من طعام أو ماء أو غيره لأنه كالصبة من الدلو وهي الخبطة به، والخبط: ورق تعلفه الابل. والخباط: داء كالجنون، لأنه اضطراب في العقل كالاضطراب في الضرب. والخبطة كالزكمة، لأنها تضرب بالانحدار على اضطراب. والخباط سمة في الفخذ لأنها تضرب فيه على اضطراب ومعنى قوله: {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا} إن المشركين قالوا: الزيادة على رأس المال بعد مصيره على جهة الدين كالزيادة عليه في ابتداء البيع وذلك خطأ، لأنه أحدهما محرم والآخر مباح، وهو أيضاً منفصل منه في العقد، لأن الزيادة في أحدهما لتأخير الدين وفي الأخر لأجل البيع. والفرق بين البيع والربا: أن البيع ببدل لأن الثمن فيه بدل المثمن. والربا ليس كذلك وإنما هو زيادة من غير بدل للتأخير في الأجل أو زيادة في الجنس {وقد أحل الله البيع وحرم الربا} وقوله: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف} قال أبو جعفر من أدرك الاسلام وتاب مما كان عمله في الجاهلية، وضع الله عنه ما سلف. وقال السدي: له ما أكل، وليس عليه ردّ ما سلف، فأما ما لم يقبض بعد، فلا يجوز له أخذه. وله رأس المال. وقال الطبري: الموعظة التذكير والتخويف الذي ذكره الله وخوفهم به من آي القرآن وأوعدهم عليه إذا أكلوا الربا من أنواع العقاب. وقوله: {وما أمره إلى الله} معناه بعد مجيء الموعظة والتحريم، وبعد انتهاء أكله إلى الله (تعالى) عصمته، وتوفيقه إن شاء عصمه عن أكله وثبته في انتهائه عنه، وإن شاء خذله. ويحتمل أن يكون أراد، فله ما سلف يعني من الربا المأخوذ دون العقاب الذي استحقه. اللغة: وقوله: {وأمره إلى الله} معناه في جواز العفو عنه إن لم يتب وكل شيء قدمته امامك فهو سلف. والسلوف التقدم يقال: سلف يسلف سلوفاً ومنه الأمم السالفة أي الماضية. والسالفة أعلى العنق. والاسلاف الاعطاء قبل الاستحقاق تقول أسلفت المال إسلافاً، وسلافة الخمر: صفوها لأنه أول ما يخرج من عصيرها والسلفة: جلد رقيق يجعل بطانة للخفاف. وسلف الرجل: المتزوج باخت امرأته والسلفة ما تدخره المرأة لتتحف به زائراً، وأصل الباب التقدم. وقوله: {ومن عاد} فالعود هو الرجوع تقول عاد يعود عوداً إذا رجع. وعيادة المريض: المصير إليه لتعرف خبره. والعود: من عيدان الشجر، لأنه يعود إذا قطع ومنه العود الذي يتبخر به. والعود: المسن من الابل. والمعاد كل شيء إليه المصير. فالآخرة معاد الناس أي مرجع. وقوله: {أية : لرادّك إلى معاد}تفسير : يعني مكة بأن يفتحها عليه. والاعادة: فعل الشيء ثانية وهو المبدىء المعيد. والعادة تكرر الشيء مرة بعد مرة. وتعود الخير عادة. والعيد كل يوم مجمع عظيم، لأنه يعود في السنة أو في الاسبوع. والعائدة الصله لأنها تعود بنفع على صاحبها وأصل الباب الرجوع. تقول: عاد عوداً واعتاد اعتياداً واستعاد استعادة وعوّد تعويداً، وتعود تعوداً، وعاود معاودة. المعنى: ومعنى الآية ومن عاد لأكل الربا بعد التحريم. وقال ما كان يقوله قبل مجيء الموعظة من أن البيع مثل الربا {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} لأن ذلك لا يصدر إلا من كافر، لأن مستحل الربا كافر بالاجماع فلذلك توعده بعذاب الأبد. والخلود والوعيد في الآية يتوجه إلى من أربى، وإن لم يأكله وإنما ذكر الله الذين يأكلون الربا لأنها نزلت في قوم كانوا يأكلونه، فوصفهم بصفتهم وحكمها سائر في جميع من أربى. والآية الأخرى التي ذكرناها وتبين معناها فيما بعد تبين ما قلناه وعليه أيضاً الاجماع وقيل في علة تحريم الربا أن فيه تعطيل المعايش والاجلاب والمتاجر إذا وجد المربي من يعطيه دراهم وفضلا بدراهم. وقال أبوعبد الله (ع) إنما شدد في تحريم الربا لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف فرضاً أو رفداً وأما ذكر الموعظة ها هنا وأنها في قوله: {قد جاءتكم موعظة من ربكم} لامرين: أحدهما - أن كل تأنيب ليس بحقيقي جاز فيه التذكير والتأنيث فجاء القرآن بالوجهين معاً. والثاني - أنه ذكر ها هنا لوقوع الفصل بين الفعل والفاعل بالضمير وأنث في الموضع الذي لم يفصل. والربا محرم في النقد والنسيئة بلا خلاف وكان بعض من تقدم يقول لا ربا إلا في النسيئة والذي كان يربيه أهل الجاهلية أن يؤخروا الدين عن محله إلى محل آخر بزيادة فيه وهذا حرام بلا خلاف. ومسائل البيع الصحيح منها والفاسد وفروعها بيناها في النهاية والمبسوط وكذلك مسائل الصرف فلا نطول بذكرها في هذا الكتاب.
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَا} منقطعة عن السّابق لابداء حكمٍ آخر او جواب سؤالٍ ناشئٍ عن سابقه كأنّه قيل: قد علم حال المنفق فما حال آخذ مال الغير؟ - او فما حال آخذ الرّبوا؟ - فقال: الّذين يأكلون الرّبوا والأكل هاهنا وفى كثيرٍ من الآيات بمعنى الاخذ والتّصرّف سواء كان التّصرّف بالأكل اللّغوىّ ام لا، وذكر الأكل لأنّه عمدة منافع المال وعمدة مقاصدهم منه، والربا بالكسر الزّيادة على رأس المال ورسم ان يكتب بالواو والالف اشعاراً بمادّته وتشبيهاً لواوه بواو الجمع وسيجيء بيانه ووجه حرمته {لاَ يَقُومُونَ} عن قبورهم او عن قعودٍ او بامور معاشهم {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ} تخبّط الشّيطان فلاناً مسّه بأذىً او أفسده او أفسد عقله {مِنَ ٱلْمَسِّ} من اجل مسيسه ايّاه وقد يكون المسّ بمعنى الجنون لكنّ المناسب هنا ما ذكرنا. بيان الخبط من مسّ الشّيطان اعلم انّ الانسان واقع بين عالم الجنّة والشّياطين وعالم الملائكة وقابل لتصرّف الارواح الخبيثة والارواح الطيّبة فيه، وقوله (ع): لكلّ انسانٍ شيطان يغويه وملكٌ يزجره؛ يشير اليه فاذا بلغ مبلغ الرّجال وحصل له العقل الّذى هو مناط التّكليف والتّدبير وقع فى تصرّف الملك والشّيطان، واسباب غلبة كلٍّ منهما داخلة وخارجة كثيرةٌ مثل اختلاف الاستعدادات بالّذات وتخيّل المتخيّلات الممدّة لكلّ ومدد مركب النّفس بالاغذية المباحة او المشتبهة والاغذية المأكولة على تذكّر وجمعيّة البال، او على غفلةٍ وتفرقة، ومثل ادراك مدركٍ موافقٍ لكلّ بالمدارك الظّاهرة، والمجالسة مع الاخيار والاشرار والاشتغال بأعمال الابرار والفجّار وغير ذلك وتصرّف الشّيطان فى اغلب النّاس بالغلبة عليهم بحيث يصدر افعالهم من الشّيطان او بمشاركته من غير استشعارٍ لهم بذلك مع بقاء العقل الّذى هو مناط تدبيرهم وكونه خادماً للشّيطان، وقد يغلب على بعض بحيث يذهب العقل منه فان كان فى قلبه ومداركه قويّاً يبقى الشّعور له والاّ يغشى عليه، وقد يظهر صورة الجنّ عليه فى حال ذهاب العقل شاعراً او مغشيّاً عليه وقد لا يظهر او لا يستشعر، وقد يخبر بالامور الغائبة ابتداءً وقد يستنطق عن المغيبات ويستخبر فى خبر شاعراً او غير شاعرٍ، وقد يقع المناسبة بينه وبين الارواح الخبيثة بحيث يشاهد عالمها ويشاهد صور عالم الطّبع فيه من دون زوال عقله فيخبر بالمغيبات والآتيات، او يظهر عليه بعض من الشّياطين والجنّة فيخبره بخبر السّماء والارض فيغترّ بأنّه من عالم الارواح الطيّبة وقد زعم المغترّون بهذا العالم وأهله انّ عالم الارواح واحد وانّ طريق الوصول اليه متعدّد وانّ اقرب الطّرق للوصول اليه طريق الرّياضات الغير الشّرعيّة وارتكاب منافيات الشّرائع الالهيّة من سفك الدّماء المحرّمة وخصوصاً دم الانسان وشربها والزّنا لا سيّما مع المحارم وانهتاك حرمة الكتب السّماويّة، وما اشتهر منهم من تعليق القرآن وسائر الكتب السّماويّة فى المزابل صحيح، وقد يظهر أنواع الخوارق والاخبار بالمغيبات والآتيات منهم، وعن الباقر (ع) فى بيان ما ذكر انّه ليس من يومٍ ولا ليلةٍ الاّ وجميع الجنّ والشّياطين تزور ائمّة الضّلالة ويزور امام الهدى عددهم من الملائكة حتّى اذا اتت ليلة القدر فيهبط فيها من الملائكة الى ولىّ الامر خلق الله او قال قيّض الله عزّ وجلّ من الشّياطين بعددهم ثمّ زاروا ولىّ الضّلالة فأتوه بالافك والكذب حتّى يصبح فيقول: رأيت كذا وكذا فلو سأل ولىّ الامر عن ذلك لقال رأيت شيطاناً اخبرك بكذا وكذا حتّى يفسّر له تفسيراً ويعلمه الضّلالة الّتى هو عليها، وهؤلاء لا يدخلون فى طريقهم من ارادوا ادخاله الاّ بعد أخذ الميثاق عنه بما هو مقرّر عندهم، وهكذا الحال فى انواع تصرّف الملائكة وغلبتهم، وقد قال المولوىّ قدّس سرّه فى بيان غلبة الشّياطين والملائكة: شعر : عقل خود شحنه است جون سلطان رسيد شحنه بيجاره در كنجى خزيد جون برى غالب شود بر مردمى كَم شود از مرد وصف مردمى هر جه كَويد او برى كَفته بود زين سرى نه زان سرى كَفته بود جون برى را اين دم و قانون بود كرد كَار آن برى خود جون بود تفسير : وانكار الفلاسفة لذوات الجنّة والشّياطين وتأويلهم لها غير مسموع فى مقابل المشهود، وعن الصّادق (ع) انّ رسول الله (ص) قال "حديث : لمّا اسرى بى الى السّماء رأيت قوماً يريد احدهم ان يقوم فلا يقدر ان يقوم من عظم بطنه فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟ - قال: هؤلاء الّذين يأكلون الرّبوا لا يقومون الاّ كما يقوم الّذى يتخبّطه الشّيطان من المسّ واذا هم بسبيل آل فرعون يعرضون على النّار غدوّاً وعشيّاً يقولون ربّنا متى تقوم السّاعة"تفسير : ، وفى خبر: آكل الرّبوا لا يخرج من الدّنيا حتّى يتخبّطه الشّيطان، او المقصود انّ آكل الرّبوا لا يكون فى الدّنيا الاّ كالمجنون فانّ المجنون أفعاله وأقواله خارجة عن ميزان عقل المعاش وهو خارج عن ميزان عقل المعاد، فلا فرق بينهما الاّ بشيءٍ غير معتدٍّ به {ذَلِكَ} الأكل منهم بواسطة مغلطةٍ وقعت منهم او ذلك العقاب لهم {بِأَنَّهُمْ} قاسوا الربا بالبيع حيث رأوا جواز البيع بضعفى القيمة السوقيّة للسّلعة فقاسوا هذا البيع فى زيادة الثّمن عن قيمة السّلعة بالبيع الرّبوىّ فى زيادة العوض عن اصل المال و {قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ} بزيادة الثّمن {مِثْلُ ٱلرِّبَا} فى الزّيادة فيصحّ الربا كما يصحّ هذا البيع فالتّشبيه انّما وقع فى زيادة العوض والاصل فى ذلك هو الربا لا فى الصّحة حتّى يرد انّ الاصل فى الصّحة هو البيع فينبغى ان يقول انّما الربا مثل البيع وانّما شبّه البيع بالزّيادة عن القيمة بالرّبوا كناية عن تشبيه الربا بالبيع فى الصّحة ليكون ابلغ فأبطل تعالى قياسهم بقوله تعالى {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ} حال بتقدير قد او عطف {وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا} يعنى انّ الصّحة والفساد ليسا بالتماثل فى الصّورة انّما هما بأمر الله ونهيه، قيل: كان الرّجل منهم اذا حلّ دينه على غريمه فطالبه به قال المطلوب منه: زدنى فى الاجل وازيدك فى المال فيتراضيان عليه ويعملان به، فاذا قيل لهم: هذا ربا قالوا: هما سواءٌ يعنون بذلك انّ الزيادة فى الثّمن حال البيع والزّيادة فيه بسبب الاجل عند محلّ الدّين سواء. اعلم انّهم كانوا فى الجاهليّة يتّجرون ويستربحون بان يدينوا مالاً الى اجل بربحٍ معلومٍ كما هو ديدن اهل زماننا وكانوا يقولون: هذا الرّبح عوض تعطيل مالنا عن التّجارة، او يدينوا جنساً من مثل الحنطة والشّعير الى اوان بلوغه بازيد من ذلك الجنس وكانوا يقولون ان كان قيمته عشرة معجّلاً صحّ ان نبيعه بخمسة عشر مؤجّلاً فصحّ ان نقرضه عشرةً بخمسة عشر مؤجّلاً، ولمّا كان فى ذلك الاتّكال على الرّبح وترك التّوكّل على الله وتعطيل الاعضاء والقوى عن الحركة فى طلب المعاش الّتى هى اعظم اقسام العبادات وتعطيل النّفس عن التّضرّع والالتجاء الى الله المسالة منه واضرار المدين بأخذ ماله بلا عوضٍ وترك اصطناع المعروف بالقرض الحسن وكلّ ذلك كان مخالفاً لما اراده تعالى من عباده نهى الله تعالى عنه وشدّد على فاعله، وفى الخبر "حديث : درهم ربا اشدّ عند الله من سبعين زنيةً كلّها بذات محرمٍ"تفسير : ، وفى خبرٍ زيد: حديث : فى بيت الله الحرامتفسير : ، وعن امير المؤمنين (ع):حديث : لعن رسول الله (ص) الرّبوا وآكله وبائعه ومشتريه وكاتبه وشاهديهتفسير : ، وقد ذكر فى الاخبار طريق الفرار من الربا وما تداولوه من المبايعة على شيءٍ وجعل الرّبح اجرة ذلك الشّيء او نقله بصلحٍ ونحوه نحو فرار صحيح، وما قالوا: انّ العقود تابعة للقصود وليس المقصود من ذلك الاّ تصحيح الربا فليست المبايعة صحيحة غير صحيح لانّ قصد الفرار من الربا بالعقد قصد صحيح للعقد مأذون فى الشّريعة نعم اذا كانت المرابحة خارجة عن قانون الانصاف كانت من هذه الجهة مذمومةً وممحوقةً وما يشاهد من محق اموال المرابحين انّما هو لعدم مبالاتهم بالمبايعة وقولهم: {إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَا}، او لخروجهم عن قانون الانصاف {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ} الموعظة التّذكير بما يلين القلب والزّجر عمّا يقسى القلب {مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ} عمّا نهى عنه {فَلَهُ مَا سَلَفَ} ممّا أخذ من الرّبوا يعنى انّ الانتهاء عند بلوغ نهى الله اليه محلّل لما أخذه قبل ذلك، ولا يستردّ منه شيء وهذا يدلّ على انّ من لم يعلم التّحريم وأخذ فاذا علم كان المأخوذ حلالاً وفى الخبر عنهما (ع): انّ الموعظة التّوبة لكنّ المراد بها التّوبة عمّا فعل بجهالة لا التّوبة عمّا فعل عن علم، فانّه لا يكون التّوبة محلّلاً لما أكله من مال الغير محرّماً {وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ} لا الى الحكّام حتّى يحكموا عليه بردّ ما اخذه قبل الموعظة {وَمَنْ عَادَ} الى الربا بعد ما جاءه الموعظة {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وفى الخبر: الربا كبيرة بعد البيان، والاستخفاف بذلك دخول فى الكفر. قيل: آكل الربا اسوء حالاً من جميع مرتكبى الكبائر لانّه معتمد فى رزقه على نفسه وتعيينه، محجوب عن ربّه، غير متوكّل عليه، ومع ذلك يرى انّه محسن فى فعله مع انّه مخالف لربّه ويوكّله الله فى الدّنيا الى نفسه وتعيينه، ولذا ترى اموالهم ممحوقةً فى حياتهم او بعد مماتهم.
الهواري
تفسير : قوله: {الَّذِينَ يأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ}. ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حدّث عن ليلةِ أسرِيَ به فكان في حديثه أنه أتى على سابلة آل فرعون حيث ينطلق بهم إلى النار، يعرضون عليها غدواً وعشياً؛ فإذا رأوها قالوا: ربنا لا تقومن الساعة، مما يرون من عذاب الله. قال: فإذا أنا برجال بطونهم كالبيوت، يقومون فيقعون لظهورهم ولبطونهم، فيأتي عليهم آل فرعون فيثردونهم بأرجلهم ثرداً. قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا، ثم تلا هذه الآية: {الَّذِينَ يأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ}. وقال الحسن: إن لأَِكَلَةِ الربا عَلَماً يعرفون به يوم القيامة أنهم أكلة الربا، يأخذهم خبل؛ فشبه الخبل الذي يأخذهم في الآخرة بالجنون الذي يكون في الدنيا. وقال مجاهد: {يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ}، يوم القيامة في أكل الربا في الدنيا. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} هو الذي كانوا يعملون به في الجاهلية؛ إذا حل مال أحدهم على صاحبه قال المطلوب: إن هذا ربا قالوا، لا، سواء علينا زدنا في أول البيع أو عند محل الأجل. فأكذبهم الله فقال: {وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}. ذكروا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرطين في بيع، وعن بيع وسلف، وعن بيع ما ليس عندك، وربح ما لم تضمن. ذكروا عن الحسن أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر. وذكروا عن الحسن أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع البسر حتى يحمر، وعن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يبيض. قوله: {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ} يعني البيان الذي في القرآن في تحريم الربا {فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} أي غفر الله له ما سلف. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : كل ربا في الجاهلية فهو موضوع . تفسير : ذكروا عن عروة بن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من أسلم على شيء فهو له . تفسير : وقال الحسن في قوله: فله ما سلف {وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ}: غفر لَهُ ما سلف من ذلك، ووقع أجره على الله لقبوله الموعظة. وقال السدي: وأمره إلى الله: إن شاء عصمه منه بعد، وإن شاء لم يفعل. قوله: {وَمَنْ عَادَ} أي ومن عاد فاستحل الربا بعد تحريمه {فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. قوله: {يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا} أي: يمحقه يوم القيامة فيبسط له {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} لأهلها أي: يضاعفها. [يحيى عن عثمان عن سعيد المقبُري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : والذي نفسي بيده ما تصدق عبد بصدقة فتقع في يد السائل حتى تقع في يد الله، ثم يربّيها لصاحبها كما يربّي أحدكم فَلُوَّه أو فصيله، حتى تصير اللقمة مثل أحد] تفسير : . {وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}. أثيم لأكله الربا، والكفر أعظم الإثم. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} يعني ما افترض الله عليهم {وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ} وهما فريضتان واجبتان {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} أي الجنة {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ يأكْلُونَ الربا} أى يتصرفون فى مال الربا بالأخذ أو الإعطاء أو الأكل أو الركوب واللباس ونحو ذلك، استعمل الإتلاف الخاص وهو أكله فى مطلق الإتلاف، ولو بلا أكل أو بمجرد القبض، فإن قابض الربا بالبيع متلف له عن صاحبه، ونكتة تخصيص ذكره بلفظ الأكل أن الأكل أعظم ما يقصد بالمال، وذلك أن كلا مشترك فى التحريم. قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهده وكاتبه والمحلل له"تفسير : أو لأن الربا فى ذلك الزمان أشنع فى المأكول، وإنما ذكر الربا بعد الصدقات، لأنهُ ضدها إذ هو زيادة حسية فى الحال فى المال على وجه منهى عنه توجب النقص فى المال بعد، وهى نقص منه حسى على وجه مأمور به، توجب الزيادة بعد البركة والخلف والربا عندنا فى كل جنس متفق، وفى البر مع الشعير، والذهب مع الفضة، ودخل فى الربا الماء بالماء كمن يبدل طيباً بماء غير طيب، أو طيب بطيب أو مر بمر، ويتلف أو يغيب أحد الماءين ولو فى ماء قبل حضور الآخر، ويكون بتأخير لأجل أو بدون أجل بزيادة من بائع أو من مشتر أو بلا زيادة، إلا إن كان قرضا فلا ربا فى القرض، ولو زاد عند القضاء فى العدد أو فى الجودة، إلا إن اشترط الزيادة فى العقد، ولا ربا إذا أحضرا معاً، ولو كانت الزيادة، وقيل إن كانت الزيادة قرباً ولو حضرا وهذان قولان فى المذهب، وقولان أيضا خارجة، ومسائل الربا والخلاف فيما يكون يستطلعه فى شرح النيل، وكتبت الربوا بالواو لأنها أصل ألفه ولتفخيم لألفه بإمالتها إلى جهة الواو، والقياس أن يقتصر على الواو لأنها فى مقام الألف، ولكن زيدت بعدها ألف تشبيها بواو الجمع، وفى بعض المصاحف كتبه بألف بعد الباء متصلة بها بلا واو على الأصل، وقرأ حمزة والكسائى بإمالة ألف الربا بكسرة الراء، وجوز الكوفيون تثنيته بالياء، وكتبه بالياء وكذا الفخر الرازى أثبت التخيير بين كتبه بالواو أو بالياء أو بالألف، قال أبو عمر والدانى: المشهور أن يكتب بالواو بعدها ألف وهو المشهور أيضا فى مصاحف العراق، وجد القليل منها بواو دون ألف بعدها. {لا يقُومُونَ إلا كَما يَقُوم الَّذى يتخبَّطُه الشَّيْطانُ مِنَ المسِّ}: أى لا يقومون من قبورهم إذا بعثوا إلا كما يقوم الإنسان الذى يضر به الشيطان ضرباً فى أى موضع أصاب من جسده، للمس الذى أصابه به، وذلك أنه يمسه فيخبل عقله، وبعد ذلك يعتاد المجئ إليه فيضربه فيصرعه، ووجه الشبه السقوط عقب النهوض، والشياطين ومطلق الجن موجودون حقاً، وأشرك جاحدهم، والشيطان ولو كان ضعيفاً لكن قد جعل الله له قوة فى تخييل العقول لمن شاء الله، بل يمسه أو يتخيل له ويراه، وذلك كله قليل، والقليل لا ينافى المعتاد المشهور من أنا لا نراهم، فقد رآهم سليمان وحبسهم واستعملهم فى الأعمال الشاقة، وهو بشر مثلنا خص عنّا بالرسالة والملك العظيم، ورآهم النبى صلى الله عليه وسلم، وقبض على واحد وأراد ربطه فى المسجد ليراه الناس، فانظر كيف قال ليراه الناس، فأجاز رؤيته نادراً، وقد صَارع عمر جنيا، وكذا غيره، وقبض عليه أبو هريرة، ولا مانع من دخول الجسم اللطيف فى الجسم الكثيف، وتضرره به كالريح تدخل مسام الإنسان وتضره إذا أراد الله، فيدخل اللطيف من الجن بعض دخول فى الجسم أو يسمه إذا سلطه الله كما يمس السم أو غيره من المضار الموضع الرقيق فيضره، وكما يلدغ الإنسان أو بلسع فيدخله الضرر، ولعل بعض الجن كثيف يمس بلا دخول، وبعضاً لطيف يمس أو يدخل، ولو اشتهر أن الجن أجسام لطيفة، والمصارعة والقبض عليه يقتضيان الكثافة، وليس مسه للإنسان أو ضربه كثيرا معتادا، ومعنى قوله:{أية : وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم}تفسير : أنى لا أملك قهركم على الكفر، وهذا لا ينافى المس أو الصرع نادرا على طبع الفساد، أو على الانتفام منه، إذا ضر جنيا بأن لم يذكر الله، لا قهراً على الكفر، ولا يلزم من الصرع أن يفعل مثل معجزة، وكيف يفعل ذلك ولمن يدعى النبوة، وهو لا يرى، وكيف يدعيها لأحد وهو لا يتواطأ معه، وقد أثبت الله المس بقوله عن أيوب {أية : إنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب}،تفسير : فليحمل ما هنا على حقيقته، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من مولد يولد إلا يمسه الشيطان فيستهل صارخا إلا مريم وابنها"تفسير : ، فالمس فى الآية على ظاهره، وهو ملاقاة جسم الشيطان بجسم الإنسان، أو بمعنى الجنون، وكما متعلق بيقومون، أو مفعول مطلق، أى إلا قياما ثابتا كقيام الذى، أو إلا قياما مثل قيام الذى، وما مصدرية، والتخبط لموافقة الخبط الثلاثى وهو ضرب البعير الأرض بخفه، وضرب الناقة العشواء وهى قليلة البصر تضرب الأرض ولا تتوقى شيئاً، وطرح الرجل نفسه للأرض حيث كان لينام، وعلى تفسير المس بالجنون، فوجهه: أن الجنون أثر المس فسمى بالجنون باسم سببه، ومن للتعليل متعلقة بقوله: لا يقومون من قبورهم للحالة التى فيهم تشبه الجنون، وهو ثقل بطونهم بالربا إذا رباء الله فيها إلا كما يقوم الذى فيه جنون فى الدنيا ينهض، فيصرع وهذا لا يصح إلا تشبيها كما رأيت إذ لا جنون فى الآخرة، وقال بعض المفسرين يبعث آكل الربا مجنونا فيعرف بذلك فى الموقف أنه آكل الربا فى الدنيا، وعليه فالمعنى يقومون من قبورهم مجانين كمن أصابه الشيطان بالجنون، والأولى تعليقه بيقوم أو يتخبط، وعن سعيد بن جبير تلك علامة أكل الربا إذا استحله يوم القيامة، وذلك أن الآية مستحلة كما قال ذلك بأنهم قالوا: {إنما البيع مثل الربا}، ولكن الفاسق بهِ فى حكم مستحلة من حيث الوعيد، وفى حديث الإسراء: "حديث : فانطلق بِى جبريل إلى رجال كثيرة كل رجل بطنه مثل البيت الضخْم أى العظيمَ متمدين على سائله آل فرعون - أى متعرضين - على طريقهم وليس ذلك فى السماء، بل رآهم وهو فى الأرض وهم فيها أو كوشف لهُ وهو فى السماء أو فى الهواء وهم فى الأرض، أو مثل له تمثيلا فى السماء، وآل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشياً فيغلبون مثل الإبل المنهوضة أى الموجعة يخبطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون فإذا أحسَّ بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم، فيصرعون ويقومون فيصرعون حتى تغشاهم آل فرعون فتطأهم بأرجلهم؛ وهكذا يقبلون ويديرون عليهم فذلك عذابهم فى البرزخ وهو هنا ما بين موتهم إلى قيام الساة وآل فرعون يقولون: اللهم لا تقوم الساعة. قال: ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) قلت يا جبريل من هؤلاء قال: هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس"تفسير : وكان المشركون إذا حل مال أحدهم على صاحبهِ قال المطلوب أخر لى وأزيدك فيقول المسلمون: إن هذا رباً فيقولون: لا يكون ذلك حراماً سواء زدنا فى أول البيع أو عند محل الأجل، وقالوا ما حكى الله عنهم بقوله: {ذَلِكَ بأنَّهم قالُوا إنمَّا البَيْع مِثْل الرِّبا} فأكذبهم الله بقوله: {وأحَلَّ اللّهُ البَيْعَ وَحرَّم الرِّبا}: والإشارة بقوله: {ذلك} إلى الوعيد المذكور بقوله: {لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس}، أى ذلك الوعيد أعد لهم بسبب أنهم عاندوا بعد نزول التحريم، واستحلوه، وفى حكمهم من فسق به، وقالوا: ما البيع المجرد عن الربا إلا كالربا فى كون كل فيه ربح فهما معاً حلال قالوا: اشتراء شئ بعشرة، ثم يبيعه بأحد عشر حلال، فكذا بيع العشرة بأحد عشر يكون حلالا، وقالوا لو باع الذى يساوى عشرة فى الحال بأحد عشر إلى سنة أو شهر، فكذا إذا أعطى العشرة بأحد عشر إلى شهور، إذ لا فرق فى العقل، لأن فى ذلك كله رضا البائعين، وفيه الربح والعقد لدفع الحاجة، فرد الله عز وجل عليهم بأن الدين بالنص من الله بالقياس، حيث كان النص فالله أحل البيع المجرد عن الربا، فما أحل حل وما حرم حرم، وأيضاً قد حصل الفرق فإنه من باع ثوبا يساوى عشرة بعشرين، وقبله الآخر فقد أخذ البائع العشرين فى مقابلة ما أعطاه من الثوب، فلم يكن فيه أخذ مال الغير بغير عوض، ولعل مساس الحاجة إلى الثوب أو انتظار غلائها يجبر هذا العين، بخلاف ما إذا باع العشرة بالعشرين، فإنه قد أخذ العشرة الزائدة بلا عوض، وضيعها معطيها، ولا يعتبر أنه أخذها فى مقابلة الإمهال وحده، لأن مجرد الإمهال وحده لا يكون مالا فضلا عن أن يكون عوضا، بخلاف الإمهال المقرون بمال، فإن للأجل قسطاً من الثمن، ثم إنه ليس كل ما عدا الربا حلالا فإن السنة خصت بالتحريم من البيع بيع المجهول، وبيع الغرر وبيع البلح قبل الاحمرار والاصفرار، والعنب قبل أن يسود، والحبة قبل أن تشتد، وشرطين فى بيع وبيع، وسلف وبيع، ما ليس عندك: وربح ما لم تضمن، وغير ذلك مما ذكر فى الفروع، والأصل وإنما الربا مثل البيع، وعكس للمبالغة وذلك أن المشبه به يكون هو الأصل، وكأنهم جعلوا الربا هو الأصل فى الحل، وشبهوا به البيع. {فَمنْ جَاءهُ موْعِظةٌ مِنْ ربِّهِ}: بالنهى عن محرم، وذكر الفعل، لأن الفاعل مؤنث مجازاً ظاهر، وأيضاً قد فصل بالهاء ولأن الموعظة بمعنى الوعظ، وقرأ أبى والحسن: فمن جابة بتاءِ التأنيث {فَانْتهَى}: عنه بسبب نهى الله. {فَلهُ ما سَلَفَ}: الربا وغيره من المحرمات، لا يؤخذ به ولا يلزمه رده إن قبضه إلا إن كان نكاح من لا يحل له، فإنه مفارقه وذلك فى ذوات المحارم فقط، ولو بالرضاع، فإن لم يقبض الربا فلا يقبض بعد الإسلام إلا رأس ماله، وإن كان يعطى فلا يعطى، زيادة الربا وذلك لقوله تعالى:{أية : وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم}،تفسير : وهذا الرد غير مخصوص فى قوله تعالى:{أية : وإن تبتم}تفسير : بمن فعل الربا بعد الإسلام، وكذا أجرة الزنى والكهانة، ومال المسير فلا يقضها إن لم يقبضها حتى أسلم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل رباً فى الجاهلية فهو موضع"تفسير : ومن شرطية على الظاهر المتبادر، وجملة المبتدأ والخبر فى قوله: {فله ما سلف} جوابها وإن جعلت موصولة فالجملة خبرها، والفاء فيه لشبهها بالشرطية، ولك جعل ما فاعلا لمقولة له، وجملة الفاعل ورافعه خبر أن جواب وذلك الاعتماد على الشرط أو المبتدأ. {وأمْرهُ إِلى اللّهِ}: الضمير عائد إلى من والمعنى يجازى الله المنتهى على انتهائهِ امتثالا للنهى، وقيل يحكم الله بأمره ونهيه وتحليله وتحريمة على حسب مشيئته واقتضاء حكمته، ولا اعتراض عليه فيما حكم به، وقال السدى: أمره إلى الله إن شاء عصمه بعد، وإن شاء لم يفعل، وقيل الضمير للربا، أى أمر الربا إلى الله فى تحريمه وغير ذلك، وقيل الضمير لما سلف أى أمر ما سلف فى العفو، وإسقاط التبعة، وقيل الآية فمن عقد تحريم الربا ثم يأكله أمره إلى إن شاء عذبه، وإن شاء رحمه، والتفسير خطأ لأن كل الربا قد نص على تعذيبه الحديث، إذ قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعن الله آكل الربا"تفسير : وقال المصرون: إلا إن أراد المفسر أنهُ إن شاء عذبهُ بأن يخذلهُ وإن شاء عفى عنه بأن يوفقهُ للتوبة، وأيضا يدل على فساد ذلك، التفسير قوله تعالى: {وَمَنْ عادَ فأُولئِكَ أصْحابُ النَّارِ همُ فِيها خالِدُونَ}: فإنهُ شامل لمن عاد إلى فعله معتقدا تحريمه أو عاد إلى استحلاله، وهب أن الآية فى مستحله، فالفاعل له محرما له مثل مستحله فى الوعيد لما ذكرت من الاستدلال وغيره، وإنما حمل المشركين على أخذ الربا ومنع الصدقة أنهم رأو الربا زيادة فى الحس والصدقة نقصا فيه، ومر الحث على الصدقة والزجر عن الربا فقال الله جل وعلا فى عكس ما قالوا: {يَمْحَقُ اللّهُ الرِّبا}
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَٰواْ} يتصرفون بمعاملة الربا ولو لم يأكلوه فى بطونهم ولو بمجرد قبضه، أو الإعطاء منه أو لبسه، أو ذكر الأكل لأنه الغالب، والصحيح الكفر بمجرد عقده، ولم لم يقبض، وإن كانت الآية فى متسحله كما قالوا، إنما البيعُ مثل الربا... الخ، والكافر مخاطب بالفروع ولو كانت أيضاً فى التصرف فيه، أو يأكله فى البطن كما يناسبه قوله {لاَ يَقُومُونَ} من قبورهم {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ} يصرعه {الشَّيْطَٰنُ مِنَ الْمَسِّ} أى الجنون، ويقال، مس أى جن، وأصله المس باليد، وقد يمس الشيطان الإنسان وأعضاؤه مستعدة للفساد فتفسد ويحدث الجنون، وقد يحصل جنون بلا مس كما إذا فسد الجسد بلا عروض أجنبى، ومس بلا جنون كما إذا قوى المزاج، وذلك لأن بطنه كالبيت لما فيه من الربا فى الدنيا، أو يحضره الله فى بطنه يوم القيامة، فكلما قام صرع يميل به بطنه كالذى يصرعه الشيطان من المس، أى من الجنون، متعلق بيتخبط ولا حاجة إلى تعليقه بلا بيقوم أو بيقوم، ودعوى أن المعنى، لا يقومون من أجل الجنون، ويحمل غير المستحل للربا الفاعل له على المستحل، ولا مانع من أن المراد بالأكل مطلق التصرف فيه بعقد أو بقبض، أو إعطاء بلا منافاة لصرعه به، لأن بطنه سبب فى الجملة لعقده، وما بعده ولو لم يأكله، والربا بيع شىء من الجنس بشىء منه أكثر، وهو الغالب، وبه سمى، لأن الربا الزيادة، أو بأنقص مثل أن تعطى دينارا على أن تأخذ نصف دينار، أو بمساو، ما لم يكن فرضا، كان آجلا، أو عاجلا، وشهر أحاديث المنع بالزيادة ولو نقدا، والحق أن الشيطان يدخل فى بدن الإنسان أو يمسه ويتخيل له فيذهب عليه أو ينقص، ففى الحديث، "حديث : ما من مولود إلا يمسه الشيطان فيصرخ إلا ابن مريم عليه السلام، فطعن الشيطان فى الحجاب"تفسير : ، وفى رواية، إلا طعن الشيطان فى خاصرته، ومن ذلك يستهل صارخا إلا مريم وابنها، لقول أمها: إنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كفوا صبيانكم أول العشاء فإنه وقت انتشار الشياطين"تفسير : ، ومن أنكر الجنون فقد جن، وأما قوله: {ما كان لى عليكم من سلطان}، فإنما هو فى القهر إلى متابعته لا فى الإيذاء والتخييل، فقد يدخل فى الإنسان فيعمل بجوارح الإنسان ما يعمل الإنسان بها، وقد يفسد المزاج فيفسد العقل بلا جنون {ذَٰلِكَ} أى قياسهم كالمتخبط، وهو عقاب {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَٰواْ} كما تبيع بدرهمين ما يساوى درهما، وتبيع بالربا درهما بدرهمين، فهما سواء فى الجواز، والأصل المشبه به الربا، والفرع المشبه البيع، لأن المراد التجر بالريح، وهو فى الربا أوضح ولازم، بخلاف البيع فالربح فيه غير متحقق، بل ربما أدى إلى خسران، وذلك تشبيه، صحيح على ظاهره، ويحتمل أن يريدوا تشبيه الربا بالبيع فعكسوا مبالغة {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرَِّبَٰواْ} هذا من كلام الله تعالى، قالوا: إنما البيع مثل الربا، والحال أن الله أحل البيع وحرم الربا، وأخطأوا فى إباحته، قيل لأن أخذ الدرهم بدرهمين ضائع، وأخذ السلعة بدرهمين مع أنها تساوى درهما مجبور بمسيس الحاجة إلى السلعة، أو بتوقع رواجها، وليست هذه العلة صحيحة لأن أخذ درهم بدرهمين مجبور باستحقاقه الدرهم فى الحين وإمهاله إلى أن يجد الدرهمين، ولا يكفى ما يقال فى الجواب عن هذا من أن الإهمال أو الاستحقاق ليس مالا، أو شيئا يشار إليه حتى يجعل عوضاً عن الزيادة ومن أنه أخذ الزيادة فى الربا بلا عوض، وعندى أنه لا تدرك علة تحريم الربا، بل نؤمن بتحريمه فقط، سواء كان الربا من أول أو كان من آخر، بأن يبيع له شيئاً فيعجز عن الأداء فى الأجل، فيقول: أنظرنى وأزيدك، وقيل: قد نزلت الآية فى أنظرنى وأزيدك، وقولهم كلما جاءت الزيادة من أول جازت آخرا، وقيل هذا من كلامهم قد حافى تحريم الربا، قالوا للمسليمن، إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فى زعمكم، لا يقول الله بهذا مع أنهما سواء متماثلان {فَمَن جَآءَهُ} الأصل فى فعل المؤنث المجازى التأنيث الظاهر أن يؤنث، وجاز ألا يؤنث مطلقا، وترجح هنا عدم التأنيث للفصل، وكون الموعظة بمعنى الوعظ {مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ} زجر وتخويف وتذكير العواقب عن الربا لا حث وترغيب بدليل قوله {فَانْتَهَى} عن الربا والتصرف فيه وعقده {فَلَهُ مَا سَلَفَ} من الربا قبل النهى، لا يعاقب ولا يرده، ولا يؤخذ به فى الآخرة {وَأَمْرُهُ} أى أمر من جاءته الموعظة، فانتهى {إِلَى اللهِ} يثيبه على انتهائه قبولا للموعظة، وهذا أولى من أن يقال، أمر ما سلف، أو أمر هذا المنتهى إلى الله فى العفو، لأنه يغنى عنه قوله عز وجل: فله ما سلف، كذا قيل، وقيل: إن قائله يقول: العفو عن الرد لا العفو فى الآخرة ومن أن يقال: أمره إلى الله، أيعصمه بعد من فعل الربا أم لا، ومن أن يقال: أمر الربا فى التحريم إلى الله لا إلى القياس، لأن الأقرب أحق بالضمير إلا لداع بين، ولو كان أنسب بقوله {وَمَنْ عَادَ} إلى تحليل الربا تشبيهاً بالبيع، أو إلى فعله أو قبوله أو تصرف فيه {فَأُوْلَٰئِكَ أَصْحَٰبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ} ومن العجب مسارعتهم إلى جواز كون من موصولة هنا وفى الذى قبل ونحوه، وجعل الفاء زائدة فى الخبر، وإنما تجعل موصولة لو نزلت الآية فى معين، وكان المقام لمناسبة تعيينه، وأصحاب الكبائر من أهل التوحيد مخلدون لكن من دلائل أخرى، لا من هذه الآية، لأنها فى مستحل الربا، والمعاملة فيه، ولو احتمل أن قوله فمن جاءه... الخ على العموم، مثل أن يراد دخول بعض صحابة أرادوا تناوله بلا استحلال، كما روى أن عثمان والعباس لما طلبا الزيادة نزل، {يا أيها الذين آمنوا...} الخ، كما يأتى قريبا إن شاء الله تعالى، وكذا غيرهما.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرّبَوٰاْ} أي يأخذونه فيعم سائر أنواع الانتفاع والتعبير عنه بالأكل لأنه معظم ما قصد به، والربا في الأصل الزيادة من قولهم: ربا الشيء يربو إذا زاد، وفي الشرع عبارة عن فضل مال لا يقابله عوض في معاوضة مال بمال وإنما يكتب بالواو كالصلاة للتفخيم على لغة من يفخم وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع فصار اللفظ به على طبق المعنى في كون كل منهما مشتملاً على زيادة غير مستحقة فأخذ لفظ الربا الحرف الزائد وهو الألف بسبب اللفظ الذي يشابهه وهو واو الجمع حيث زيدت فيه الألف كما يأخذ معنى لفظ الربا بمشابهته معنى لفظ البيع لاشتمال المعنيين على معاوضة المال بالمال بالرضا ـ وإن كان أحد العوضين أزيد ـ وقيل: الكتابة بالواو والألف لأن للفظ نصيباً منهما، وإنما لم تكتب الصلاة والزكاة بهما لئلا يكون في مظنة الالتباس بالجمع، وقال الفراء: إنهم تعلموا الخط من أهل الحيرة وهم نبط لغتهم ـ ربوا ـ بواو ساكنة فكتب كذلك وهذا مذهب البصريين، وأجاز الكوفيون كتابته وكذا تثنيته بالياء لأجل الكسرة التي في أوله، قال أبو البقاء: وهو خطأ عندنا {لاَ يَقُومُونَ} أي يوم القيامة ـ وبه قرىء كما في «الدر المنثور». / {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ} أي إلا قياماً كقيام المتخبط المصروع في الدنيا ـ و ـ التخبط ـ تفعل بمعنى فعل وأصله ضرب متوال على أنحاء مختلفة، ثم تجوز به عن كل ضرب غير محمود، وقيام المرابـي يوم القيامة كذلك مما نطقت به الآثار، فقد أخرج الطبراني عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إياك الذنوب التي لا تغفر، الغلول فمن غل شيئاً أتى به يوم القيامة، وأكل الربا فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنوناً يتخبط»تفسير : ثم قرأ الآية، وهو مما لا يحيله العقل ولا يمنعه، ولعل الله تعالى جعل ذلك علامة له يعرف بها يوم الجمع الأعظم عقوبة له كما جعل لبعض المطيعين أمارة تليق به يعرف بها كرامة له، ويشهد لذلك ـ أن هذه الأمة ـ يبعثون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء ـ وإلى هذا ذهب ابن عباس، وابن مسعود، وقتادة ـ واختاره الزجاج ـ وقال ابن عطية: المراد تشبيه المرابـي في حرصه وتحركه في اكتسابه في الدنيا بالمتخبط المصروع كما يقال لمن يسرع بحركات مختلفة: قد جن، ولا يخفى أنه مصادمة لما عليه سلف الأمة، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير داع سوى الاستبعاد الذي لا يعتبر في مثل هذه المقامات. {مِنَ ٱلْمَسّ} أي الجنون يقال: مس الرجل فهو ممسوس إذا جن وأصله اللمس باليد وسمي به لأن الشيطان قد يمس الرجل وأخلاطه مستعدة للفساد فتفسد ويحدث الجنون، وهذا لا ينافي ما ذكره الأطباء من أن ذلك من غلبة مرة السوداء لأن ما ذكروه سبب قريب ـ وما تشير إليه الآية سبب بعيد ـ وليس بمطرد أيضاً بل ولا منعكس فقد يحصل مس ولا يحصل جنون كما إذا كان المزاج قوياً وقد يحصل جنون ولم يحصل مس كما إذا فسد المزاج من دون عروض أجنبـي، والجنون الحاصل بالمس قد يقع أحياناً، وله عند أهل الحاذقين أمارات يعرفونه بها، وقد يدخل في بعض الأجساد على بعض الكيفيات ريح متعفن تعلقت به روح خبيثة تناسبه فيحدث الجنون أيضاً على أتم وجه وربما استولى ذلك البخار على الحواس وعطلها، واستقلت تلك الروح الخبيثة بالتصرف فتتكلم وتبطش وتسعى بآلات ذلك الشخص الذي قامت به من غير شعور للشخص بشيء من ذلك أصلاً، وهذا كالمشاهد المحسوس الذي يكاد يعد منكره مكابراً منكراً للمشاهدات. وقال المعتزلة والقفال من الشافعية: إن كون الصرع والجنون من الشيطان ـ باطل لأنه لا يقدر على ذلك كما قال تعالى حكاية عنه: {أية : وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ } تفسير : [إبراهيم: 22] الآية و {مَا} هنا وارد على ما يزعمه العرب ويعتقدونه من أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع وأن الجني يمسه فيختلط عقله وليس لذلك حقيقة ـ وليس بشيء بل هو من تخبط الشيطان بقائله ومن زعماته المردودة بقواطع الشرع فقد ورد «حديث : ما من مولود يولد إلا يمسه الشيطان فيستهل صارخاً» تفسير : وفي بعض الطرق: «إلا طعن الشيطان في خاصرته» ومن ذلك يستهل صارخاً إلا مريم وابنها لقول أمها: {أية : وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ }» تفسير : [آل عمران: 36] وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كفوا صبيانكم أول العشاء فإنه وقت انتشار الشياطين»تفسير : وقد حديث : ورد في حديث المفقود الذي اختطفته الشياطين وردته في زمنه عليه الصلاة والسلام أنه حدث من شأنه معهم قال: «فجاءني طائر كأنه جمل قبعثري فاحتملني على خافية من خوافيه»تفسير : إلى غير ذلك من الآثار، وفي «لقط المرجان في أحكام الجان» كثير منها، واعتقاد السلف وأهل السنة أن ما دلت عليه أمور حقيقية واقعة كما أخبر الشرع عنها والتزام تأويلها كلها يستلزم خبطاً طويلاً لا يميل إليه إلا المعتزلة ومن حذا حذوهم وبذلك ونحوه خرجوا عن قواعد الشرع القويم فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون، والآية التي ذكروها في معرض الاستدلال على مدعاهم لا تدل عليه إذ السلطان المنفي فيها إنما/ هو القهر والإلجاء إلى متابعته لا التعرض للإيذاء والتصدي لما يحصل بسببه الهلاك، ومن تتبع الأخبار النبوية وجد الكثير منها قاطعاً بجواز وقوع ذلك من الشيطان بل وقوعه بالفعل، وخبر «الطاعون من وخز أعدائكم الجن» صريح في ذلك، وقد حمله بعض مشايخنا المتأخرين على نحو ما حملنا عليه مسألة التخبط والمس حيث قال: إن الهواء إذا تعفن تعفناً مخصوصاً مستعداً للخلط والتكوين تنفرز منه وتنحاز أجزاء سمية باقية على هوائيتها أو منقلبة بأجزاء نارية محرقة فيتعلق بها روح خبيثة تناسبها في الشرارة وذلك نوع من الجن فإنها على ما عرف في الكلام أجسام حية لا ترى إما الغالب عليها الهوائية أو النارية ولها أنواع عقلاء وغير عقلاء تتوالد وتتكون فإذا نزل واحد منها طبعاً، أو إرادة على شخص أو نفذ في منافذه، أو ضرب وطعن نفسه به يحصل فيه بحسب ما في ذلك الشر من القوة السمية وما في الشخص من الاستعداد للتأثر منه كما هو مقتضى الأسباب العادية في المسببات ـ ألم شديد مهلك غالباً مظهر للدماميل والبثرات في الأكثر بسبب إفساده للمزاج المستعد، وبهذا يحصل الجمع بين الأقوال في هذا الباب ـ وهو تحقيق حسن لم نجده لغيره كما لم نجد ما حققناه في شأن المس ـ لأحد سوانا فليحفظ. والجار والمجرور متعلق بما قبله من الفعل المنفي بناءاً ـ على أن ما قبل (إلا) يعمل فيما بعدها إذا كان ظرفاً كما في «الدر المصون» أي لا يقومون من جهة المس الذي بهم بسبب ـ أكلهم الربا ـ أو ـ بيقوم ـ أو ـ بيتخبطه ـ. {ذٰلِكَ} إشارة إلى الأكل أو إلى ما نزل بهم من العذاب {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرّبَٰواْ} أرادوا نظمهما في سلك واحد لإفضائهما إلى الربح فحيث حل بيع ما قيمته درهم بدرهمين حل بيع درهم بدرهمين إلا أنهم جعلوا الربا أصلاً في الحل وشبهوا البيع به روماً للمبالغة كما في قوله:شعر : ومهمه مغبرة أرجاؤه كأن (لون أرضه سماؤه) تفسير : وقيل: يجوز أن يكون التشبيه غير مقلوب بناءاً على ما فهموه أن البيع إنما حل لأجل الكسب والفائدة وذلك في الربا متحقق وفي غيره موهوم. {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرّبَٰواْ} جملة مستأنفة من الله تعالى رداً عليهم وإنكاراً لتسويتهم، وحاصله أن ما ذكرتم قياس فاسد الوضع لأنه معارض للنص فهو من عمل الشيطان على أن بين البابين فرقاً، وهو أن من باع ثوباً يساوي درهماً بدرهمين فقد جعل الثوب مقابلاً لدرهمين فلا شيء منهما إلا وهو في مقابلة شيء من الثوب، وأما إذا باع درهماً بدرهمين فقد أخذ الدرهم الزائد بغير عوض ولا يمكن جعل الإمهال عوضاً إذ الإمهال ليس بمال حتى يكون في مقابلة المال، وقيل: الفرق بينهما أن أحد الدرهمين في الثاني ضائع حتماً وفي الأول منجبر بمساس الحاجة إلى السلعة أو بتوقع رواجها، وجوز أن تكون الجملة من تتمة كلام الكفار إنكاراً للشريعة ورداً لها أي مثل هذا من الفرق بين المتماثلات لا يكون عند الله تعالى فهي حينئذ حالية، وفيها ـ قد ـ مقدرة ولا يخفى أنه من البعد بمكان، والظاهر عموم البيع والربا في كل بيع وفي كل ربا إلا ما خصه الدليل من تحريم بعض البيوع وإحلال بعض الربا، وقيل: هما مجملان فلا يقدم على تحليل بيع ولا تحريم ربا إلا ببيان، ويؤيده ما أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن جرير عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: من آخر ما أنزل آية الربا وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها لنا فدعوا الربا والريبة. {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ} أي فمن بلغه وعظ وزجر كالنهي عن الربا واستحلاله، و (من) / شرطية أو موصولة، و {مَوْعِظَةٌ} فاعل جاء وسقطت التاء للفصل وكون التأنيث مجازياً مع ما في الموعظة معنى من التذكير، وقرأ أبـيّ والحسن (جاءته) بإلحاق التاء {مّن رَّبّهِ} متعلق بجاءه أو بمحذوف وقع صفة لموعظة وعلى التقديرين فيه تعظيم لشأنها وفي ذكر الرب تأنيس لقبول الموعظة إذ فيه إشعار بإصلاح عبده و (من) لابتداء الغاية أو للتبعيض وحذف المضاف {فَٱنتَهَىٰ} عطف على {جَاءهُ} أي فاتعظ بلا تراخ وتبع النهي {فَلَهُ مَا سَلَفَ} أي ما تقدم أخذه قبل التحريم لا يسترد منه، وهذا هو المروي عن الباقر، وسعيد بن جبير، وقيل: المراد لا مؤاخذة عليه في الدنيا ولا في الآخرة فيما تقدم له أخذه من الربا قبل، والفاء إما للجواب أو صلة في الخبر، و {مَا} في موضع الرفع بالظرف إن جعلت (من) موصولة، وبالابتداء إن جعلت شرطية على رأي من يشترط الاعتماد، وكون المرفوع اسم حدث، ومن لا يشترطهما يجوز كونه فاعل الظرف {وَأَمْرُهُ} أي المنتهى بعد التحريم {إِلَى ٱللَّهِ} إن شاء عصمه من الربا فلم يفعل وإن شاء لم يفعل، وقيل: المراد إنه يجازيه على انتهائه إن كان عن قبول الموعظة وصدق النية أو يحكم في شأنه يوم القيامة بما شاء لا اعتراض لكم عليه. ومن الناس من جعل الضمير المجرور لما سلف أو للربا وكلاهما خلاف الظاهر. {وَمَنْ عَادَ} أي رجع إلى ما سلف ذكره من فعل الربا واعتقاد جوازه والاحتجاج عليه بقياسه على البيع {فَأُوْلَـئِكَ} إشارة إلى ـ من عاد ـ والجمع باعتبار المعنى {أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ} أي ملازموها {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} أي ماكثون أبداً لكفرهم، والجملة مقررة لما قبلها؛ وجعل الزمخشري متعلق ـ عاد ـ الربا فاستدل بالآية على تخليد مرتكب الكبيرة وعلى ما ذكرنا ـ وهو التفسير المأثور ـ لا يبقى للاستدلال بها مساغ، واعترض بأن الخلود لو جعل جزاءاً للاستحلال بقي جزاء مرتكب الفعل من غير استحلال غير مذكور في الكلام أصلاً لا عبارة ولا إشارة مع أنه المقصود الأهم بخلاف ما لو جعل ذلك جزاء أصل الفعل فإن المقصود يكون مذكوراً صريحاً مع إفادته جزاء الاستحلال وأنه أمر فوق الخلود، وأجيب بأن ما يكفر مستحله لا يكون إلا من كبائر المحرمات وجزاؤها معلوم ولذا لم ينبه عليه لظهوره، وقال بعض المحققين في الجواب: إن جعل ذلك إشارة إلى الأكل كان الجزاء القيام المذكور من القبور إلى الموقف وكفى به نكالاً، ثم أخبر أن حاملهم على الأكل كان هذا القول فأشعر الوصف أولاً أن الوعيد به ثم ذكر موجب اجترائهم فدل على أنه وعيد كُلِّ آكل سواء كان حامله عليه ذلك القول أو لا. وأما قوله سبحانه: {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ فَٱنتَهَىٰ} وقوله تعالى: {فَمَنْ عَادٍ} فهو في القائل المعتقد وإن جعل إشارة إلى القيام المذكور فالجزاء ما يفهم من ضم الفعل إلى القول فإنه لو لم يكن له مدخل في التعذيب لم يحسن في معرض الوعيد، والقول بأن المتعلق الربا والآية محمولة على التغليظ خلاف الظاهر فتدبر.
سيد قطب
تفسير : الوجه الآخر المقابل للصدقة التي عرض دستورها في الدرس الماضي.. الوجه الكالح الطالح هو الربا! الصدقة عطاء وسماحة، وطهارة وزكاة، وتعاون وتكافل.. والربا شح، وقذارة ودنس، وأثرة وفردية.. والصدقة نزول عن المال بلا عوض ولا رد. والربا استرداد للدين ومعه زيادة حرام مقتطعة من جهد المدين أو من لحمه. من جهده إن كان قد عمل بالمال الذي استدانه فربح نتيجة لعمله هو وكده. ومن لحمه إن كان لم يربح أو خسر، أو كان قد أخذ المال للنفقة منه على نفسه وأهله ولم يستربحه شيئاً.. ومن ثم فهو - الربا - الوجه الآخر المقابل للصدقة.. الوجه الكالح الطالح! لهذا عرضه السياق مباشرة بعد عرض الوجه الطيب السمح الطاهر الجميل الودود! عرضه عرضاً منفراً، يكشف عما في عملية الربا من قبح وشناعة. ومن جفاف في القلب وشر في المجتمع، وفساد في الأرض وهلاك للعباد. ولم يبلغ من تفظيع أمر أراد الإسلام إبطاله من أمور الجاهلية ما بلغ من تفظيع الربا. ولا بلغ من التهديد في اللفظ والمعنى ما بلغ التهديد في أمر الربا - في هذه الآيات وفي غيرها في مواضع أخرى - ولله الحكمة البالغة. فلقد كانت للربا في الجاهلية مفاسده وشروره. ولكن الجوانب الشائهة القبيحة من وجهه الكالح ما كانت كلها بادية في مجتمع الجاهلية كما بدت اليوم وتكشفت في عالمنا الحاضر، ولا كانت البثور والدمامل في ذلك الوجه الدميم مكشوفة كلها كما كشفت اليوم في مجتمعنا الحديث. فهذه الحملة المفزعة البادية في هذه الآيات على ذلك النظام المقيت، تتكشف اليوم حكمتها على ضوء الواقع الفاجع في حياة البشرية، أشد مما كانت متكشفة في الجاهلية الأولى. ويدرك - من يريد أن يتدبر حكمة الله وعظمة هذا الدين وكمال هذا المنهج ودقة هذا النظام - يدرك اليوم من هذا كله ما لم يكن يدركه الذين واجهوا هذه النصوص أول مرة. وأمامه اليوم من واقع العالم ما يصدّق كل كلمة تصديقاً حياً مباشراً واقعاً. والبشرية الضالة التي تأكل الربا وتوكله تنصب عليها البلايا الماحقة الساحقة من جراء هذا النظام الربوي. في أخلاقها ودينها وصحتها واقتصادها. وتتلقى - حقاً - حرباً من الله تصب عليها النقمة والعذاب.. أفراداً وجماعات، وأمماً وشعوباً، وهي لا تعتبر ولا تفيق! وحينما كان السياق يعرض في الدرس السابق دستور الصدقة كان يعرض قاعدة من قواعد النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يريد الله للمجتمع المسلم أن يقوم عليه، ويحب للبشرية أن تستمتع بما فيه من رحمة.. في مقابل ذلك النظام الآخر الذي يقوم على الأساس الربوي الشرير القاسي اللئيم. أنهما نظامان متقابلان: النظام الإسلامي. والنظام الربوي! وهما لا يلتقيان في تصور، ولا يتفقان في أساس؛ ولا يتوافقان في نتيجة.. إن كلاً منهما يقوم على تصور للحياة والأهداف والغايات يناقض الآخر تمام المناقضة. وينتهي إلى ثمرة في حياة الناس تختلف عن الأخرى كل الاختلاف.. ومن ثم كانت هذه الحملة المفزعة، وكان هذا التهديد الرعيب! إن الإسلام يقيم نظامه الاقتصادي - ونظام الحياة كلها - على تصور معين يمثل الحق الواقع في هذا الوجود. يقيمه على أساس أن الله - سبحانه - هو خالق هذا الكون. فهو خالق هذه الأرض، وهو خالق هذا الإنسان.. هو الذي وهب كل موجود وجوده.. وإن الله - سبحانه - وهو مالك كل موجود بما أنه هو موجده قد استخلف الجنس الإنساني في هذه الأرض؛ ومكنه مما ادخر له فيها من أرزاق وأقوات ومن قوى وطاقات، على عهد منه وشرط. ولم يترك له هذا الملك العريض فوضى، يصنع فيه ما يشاء كيف شاء. وإنما استخلفه فيه في إطار من الحدود الواضحة. استخلفه فيه على شرط أن يقوم في الخلافة وفق منهج الله، وحسب شريعته. فما وقع منه من عقود وأعمال ومعاملات وأخلاق وعبادات وفق التعاقد فهو صحيح نافذ. وما وقع منه مخالفاً لشروط التعاقد فهو باطل موقوف. فإذا انفذه قوة وقسراً فهو إذن ظلم واعتداء لا يقره الله ولا يقره المؤمنون بالله. فالحاكمية في الأرض - كما هي في الكون كله - لله وحده. والناس - حاكمهم ومحكومهم - إنما يستمدون سلطاتهم من تنفيذهم لشريعة الله ومنهجه، وليس لهم - في جملتهم - أن يخرجوا عنها، لأنهم إنما هم وكلاء مستخلفون في الأرض بشرط وعهد وليسوا ملاكاً خالقين لما في أيديهم من أرزاق. من بين بنود هذا العهد أن يقوم التكافل بين المؤمنين بالله، فيكون بعضهم أولياء بعض، وأن ينتفعوا برزق الله الذي أعطاهم على أساس هذا التكافل - لا على قاعدة الشيوع المطلق كما تقول الماركسية. ولكن على أساس الملكية الفردية المقيدة - فمن وهبه الله منهم سعة أفاض من سعته على من قدر عليه رزقه. مع تكليف الجميع بالعمل كل حسب طاقته واستعداده وفيما يسره الله له - فلا يكون أحدهم كلاًّ على أخيه أو على الجماعة وهو قادر كما بينا ذلك من قبل. وجعل الزكاة فريضة في المال محددة. والصدقة تطوعاً غير محدد. وقد شرط عليهم كذلك أن يلتزموا جانب القصد والاعتدال، ويتجنبوا السرف والشطط فيما ينفقون من رزق الله الذي أعطاهم؛ وفيما يستمتعون به من الطيبات التي أحلها لهم. ومن ثم تظل حاجتهم الاستهلاكية للمال والطيبات محدودة بحدود الاعتدال. وتظل فضلة من الرزق معرضة لفريضة الزكاة وتطوع الصدقة. وبخاصة أن المؤمن مطالب بتثمير ماله وتكثيره. وشرط عليهم أن يلتزموا في تنمية أموالهم وسائل لا ينشأ عنها الأذى للآخرين، ولا يكون من جرائها تعويق أو تعطيل لجريان الأرزاق بين العباد، ودوران المال في الأيدي على أوسع نطاق: {أية : كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم }.. تفسير : وكتب عليهم الطهارة في النية والعمل، والنظافة في الوسيلة والغاية، وفرض عليهم قيوداً في تنمية المال لا تجعلهم يسلكون إليها سبلاً تؤذي ضمير الفرد وخلقه، أو تؤذي حياة الجماعة وكيانها. وأقام هذا كله على أساس التصور الممثل لحقيقة الواقع في هذا الوجود؛ وعلى أساس عهد الاستخلاف الذي يحكم كل تصرفات الإنسان المستخلف في هذا الملك العريض.. ومن ثم فالربا عملية تصطدم ابتداء مع قواعد التصور الإيماني إطلاقا؛ ونظام يقوم على تصور آخر. تصور لا نظر فيه لله سبحانه وتعالى. ومن ثم لا رعاية فيه للمباديء والغايات والأخلاق التي يريد الله للبشر أن تقوم حياتهم عليها. إنه يقوم ابتداء على أساس أن لا علاقة بين إرادة الله وحياة البشر. فالإنسان هو سيد هذه الأرض ابتداء؛ وهو غير مقيد بعهد من الله؛ وغير ملزم باتباع أوامر الله! ثم إن الفرد حر في وسائل حصوله على المال، وفي طرق تنميته، كما هو حر في التمتع به. غير ملتزم في شيء من هذا بعهد من الله أو شرط؛ وغير مقيد كذلك بمصلحة الآخرين. ومن ثم فلا اعتبار لأن يتأذى الملايين إذا هو أضاف إلى خزانته ورصيده ما يستطيع إضافته. وقد تتدخل القوانين الوضعية أحياناً في الحد من حريته هذه - جزئياً - في تحديد سعر الفائدة مثلاً؛ وفي منع أنواع من الاحتيال والنصب والغصب والنهب، والغش والضرر. ولكن هذا التدخل يعود إلى ما يتواضع عليه الناس أنفسهم، وما تقودهم إليه أهواؤهم؛ لا إلى مبدأ ثابت مفروض من سلطة إلهية! كذلك يقوم على أساس تصور خاطىء فاسد. هو أن غاية الغايات للوجود الإنساني هي تحصيله للمال - بأية وسيلة - واستمتاعه به على النحو الذي يهوى! ومن ثم يتكالب على جمع المال وعلى المتاع به؛ ويدوس في الطريق كل مبدأ وكل صالح للآخرين! ثم ينشىء في النهاية نظاماً يسحق البشرية سحقاً، ويشقيها في حياتها أفراداً وجماعات ودولاً وشعوباً، لمصلحة حفنة من المرابين؛ ويحطها أخلاقيا ونفسياً وعصبياً؛ ويحدث الخلل في دورة المال ونمو الاقتصاد البشري نمواً سوياً وينتهي - كما انتهى في العصر الحديث - إلى تركيز السلطة الحقيقية والنفوذ العملي على البشرية كلها في أيدي زمرة من أحط خلق الله وأشدهم شراً؛ وشرذمة ممن لا يرعون في البشرية إلاًّ ولا ذمة، ولا يراقبون فيها عهداً ولا حرمة.. وهؤلاء هم الذين يداينون الناس أفراداً، كما يداينون الحكومات والشعوب - في داخل بلادهم وفي خارجها - وترجع إليهم الحصيلة الحقيقية لجهد البشرية كلها، وكد الآدميين وعرقهم ودمائهم، في صورة فوائد ربوية لم يبذلوا هم فيها جهداً! وهم لا يملكون المال وحده.. إنما يملكون النفوذ.. ولما لم تكن لهم مبادىء ولا أخلاق ولا تصور ديني أو أخلاقي على الإطلاق؛ بل لما كانوا يسخرون من حكاية الأديان والأخلاق والمثل والمبادئ؛ فإنهم بطبيعة الحال يستخدمون هذا النفوذ الهائل الذي يملكونه في إنشاء الأوضاع والأفكار والمشروعات التي تمكنهم من زيادة الاستغلال، ولا تقف في طريق جشعهم وخسة أهدافهم.. وأقرب الوسائل هي تحطيم أخلاق البشرية وإسقاطها في مستنقع آسن من اللذائذ والشهوات، التي يدفع فيها الكثيرون آخر فلس يملكونه، حيث تسقط الفلوس في المصائد والشباك المنصوبة! وذلك مع التحكم في جريان الاقتصاد العالمي وفق مصالحهم المحدودة، مهما أدى هذا إلى الأزمات الدورية المعروفة في عالم الاقتصاد؛ وإلى انحراف الإنتاج الصناعي والاقتصادي كله عما فيه مصلحة المجموعة البشرية إلى مصلحة الممولين المرابين، الذين تتجمع في أيديهم خيوط الثروة العالمية! والكارثة التي تمت في العصر الحديث - ولم تكن بهذه الصورة البشعة في الجاهلية - هي أن هؤلاء المرابين - الذين كانوا يتمثلون في الزمن الماضي في صورة أفراد أو بيوت مالية كما يتمثلون الآن في صورة مؤسسي المصارف العصرية - قد استطاعوا بما لديهم من سلطة هائلة مخيفة داخل أجهزة الحكم العالمية وخارجها، وبما يملكون من وسائل التوجيه والإعلام في الأرض كلها.. سواء في ذلك الصحف والكتب والجامعات والأساتذة ومحطات الإرسال ودور السينما وغيرها.. أن ينشئوا عقلية عامة بين جماهير البشر المساكين الذين يأكل أولئك المرابون عظامهم ولحومهم، ويشربون عرقهم ودماءهم في ظل النظام الربوي.. هذه العقلية العامة خاضعة للإيحاء الخبيث المسموم بأن الربا هو النظام الطبيعي المعقول، والأساس الصحيح الذي لا أساس غيره للنمو الاقتصادي؛ وأنه من بركات هذا النظام وحسناته كان هذا التقدم الحضاري في الغرب. وأن الذين يريدون إبطاله جماعة من الخياليين - غير العمليين - وأنهم إنما يعتمدون في نظرتهم هذه على مجرد نظريات أخلاقية ومثل خيالية لا رصيد لها من الواقع؛ وهي كفيلة بإفساد النظام الاقتصادي كله لو سمح لها أن تتدخل فيه! حتى ليتعرض الذين ينتقدون النظام الربوي من هذا الجانب للسخرية من البشر الذين هم في حقيقة الأمر ضحايا بائسة لهذا النظام ذاته! ضحايا شأنهم شأن الاقتصاد العالمي نفسه. الذي تضطره عصابات المرابين العالمية لأن يجري جرياناً غير طبيعي ولا سوي. ويتعرض للهزات الدورية المنظمة! وينحرف عن أن يكون نافعاً للبشرية كلها، إلى أن يكون وقفاً على حفنة من الذئاب قليلة! إن النظام الربوي نظام معيب من الوجهة الاقتصادية البحتة - وقد بلغ من سوئه أن تنبه لعيوبه بعض أساتذة الاقتصاد الغربيين أنفسهم؛ وهم قد نشأوا في ظله، وأشربت عقولهم وثقافتهم تلك السموم التي تبثها عصابات المال في كل فروع الثقافة والتصور والأخلاق. وفي مقدمة هؤلاء الأساتذة الذين يعيبون هذا النظام من الناحية الاقتصادية البحتة "دكتور شاخت" الألماني ومدير بنك الرايخ الألماني سابقاً. وقد كان مما قاله في محاضرة له بدمشق عام 1953 أنه بعملية رياضية (غير متناهية) يتضح أن جميع المال في الأرض صائر إلى عدد قليل جدا من المرابين. ذلك أن الدائن المرابي يربح دائما في كل عملية؛ بينما المدين معرض للربح والخسارة. ومن ثم فإن المال كله في النهاية لا بد - بالحساب الرياضي - أن يصير إلى الذي يربح دائماً! وأن هذه النظرية في طريقها للتحقق الكامل. فإن معظم مال الأرض الآن يملكه - ملكاً حقيقياً - بضعة ألوف! أما جميع الملاك وأصحاب المصانع الذين يستدينون من البنوك، والعمال، وغيرهم، فهم ليسوا سوى أجراء يعملون لحساب أصحاب المال، ويجني ثمرة كدهم أولئك الألوف!. وليس هذا وحده هو كل ما للربا من جريرة. فإن قيام النظام الاقتصادي على الأساس الربوي يجعل العلاقة بين أصحاب الأموال وبين العاملين في التجارة والصناعة علاقة مقامرة ومشاكسة مستمرة. فإن المرابي يجتهد في الحصول على أكبر فائدة. ومن ثم يمسك المال حتى يزيد اضطرار التجارة والصناعة إليه فيرتفع سعر الفائدة؛ ويظل يرفع السعر حتى يجد العاملون في التجارة والصناعة أنه لا فائدة لهم من استخدام هذا المال، لأنه لا يدر عليهم ما يوفون به الفائدة ويفضل لهم منه شيء.. عندئذ ينكمش حجم المال المستخدم في هذه المجالات التي تشتغل فيها الملايين؛ وتضيق المصانع دائرة انتاجها، ويتعطل العمال، فتقل القدرة على الشراء. وعندما يصل الأمر إلى هذا الحد، ويجد المرابون أن الطلب على المال قد نقص أو توقف، يعودون إلى خفض سعر الفائدة اضطراراً. فيقبل عليه العاملون في الصناعة والتجارة من جديد، وتعود دورة الحياة إلى الرخاء.. وهكذا دواليك تقع الأزمات الاقتصادية الدورية العالمية. ويظل البشر هكذا يدورون فيها كالسائمة! ثم إن جميع المستهلكين يؤدون ضريبة غير مباشرة للمرابين. فإن أصحاب الصناعات والتجار لا يدفعون فائدة الأموال التي يقترضونها بالربا إلا من جيوب المستهلكين، فهم يزيدونها في أثمان السلع الاستهلاكية فيتوزع عبؤها على أهل الأرض لتدخل في جيوب المرابين في النهاية. أما الديون التي تقترضها الحكومات من بيوت المال لتقوم بالإصلاحات والمشروعات العمرانية فإن رعاياها هم الذين يؤدون فائدتها للبيوت الربوية كذلك. إذ أن هذه الحكومات تضطر إلى زيادة الضرائب المختلفة لتسدد منها هذه الديون وفوائدها. وبذلك يشترك كل فرد في دفع هذه الجزية للمرابين في نهاية المطاف.. وقلما ينتهي الأمر عند هذا الحد، ولا يكون الاستعمار هو نهاية الديون.. ثم تكون الحروب بسبب الاستعمار! ونحن هنا - في ظلال القرآن - لا نستقصي كل عيوب النظام الربوي فهذا مجاله بحث مستقل - فنكتفي بهذا القدر لنخلص منه إلى تنبيه من يريدون أن يكونوا مسلمين إلى جملة حقائق أساسية بصدد كراهية الإسلام للنظام الربوي المقيت: الحقيقة الأولى:- التي يجب أن تكون مستيقنة في نفوسهم - أنه لا إسلام مع قيام نظام ربوي في مكان. وكل ما يمكن أن يقوله أصحاب الفتاوى من رجال الدين أو غيرهم سوى هذا دجل وخداع. فأساس التصور الإسلامي - كما بينا - يصطدم اصطداماً مباشراً بالنظام الربوي، ونتائجه العملية في حياة الناس وتصوراتهم وأخلاقهم. والحقيقة الثانية: أن النظام الربوي بلاء على الإنسانية - لا في إيمانها وأخلاقها وتصورها للحياة فحسب - بل كذلك في صميم حياتها الاقتصادية والعملية، وأنه أبشع نظام يمحق سعادة البشرية محقاً، ويعطل نموها الإنساني المتوازن، على الرغم من الطلاء الظاهري الخدّاع، الذي يبدو كأنه مساعدة من هذا النظام للنمو الاقتصادي العام! والحقيقة الثالثة: أن النظام الأخلاقي والنظام العملي في الإسلام مترابطان تماماً، وأن الإنسان في كل تصرفاته مرتبط بعهد الاستخلاف وشرطه، وأنه مختبر ومبتلى وممتحن في كل نشاط يقوم به في حياته، ومحاسب عليه في آخرته. فليس هناك نظام أخلاقي وحده، ونظام عملي وحده، وإنما هما معا يؤلفان نشاط الإنسان، وكلاهما عبادة يؤجر عليها إن أحسن، وإثم يؤاخذ عليه إن أساء. وأن الاقتصاد الإسلامي الناجح لا يقوم بغير أخلاق، وأن الأخلاق ليست نافلة يمكن الاستغناء عنها ثم تنجح حياة الناس العملية. والحقيقة الرابعة: أن التعامل الربوي لا يمكن إلا أن يفسد ضمير الفرد وخلقه، وشعوره تجاه أخيه في الجماعة؛ وإلا أن يفسد حياة الجماعة البشرية وتضامنها بما يبثه من روح الشره والطمع والأثرة والمخاتلة والمقامرة بصفة عامة. أما في العصر الحديث فإنه يعد الدافع الأول لتوجيه رأس المال إلى أحط وجوه الاستثمار. كي يستطيع رأس المال المستدان بالربا أن يربح ربحاً مضموناً، فيؤدي الفائدة الربوية ويفضل منه شيء للمستدين. ومن ثم فهو الدافع المباشر لاستثمار المال في الأفلام القذرة والصحافة القذرة والمراقص والملاهي والرقيق الأبيض وسائر الحرف والاتجاهات التي تحطم أخلاق البشرية تحطيماً.. والمال المستدان بالربا ليس همه أن ينشىء أنفع المشروعات للبشرية؛ بل همه أن ينشىء أكثرها ربحاً. ولو كان الربح إتما يجيء من استثارة أحط الغرائز وأقذر الميول.. وهذا هو المشاهد اليوم في أنحاء الأرض. وسببه الأول هو التعامل الربوي! والحقيقة الخامسة: أن الإسلام نظام متكامل. فهو حين يحرم التعامل الربوي يقيم نظمه كلها على أساس الاستغناء عن الحاجة إليه؛ وينظم جوانب الحياة الاجتماعية بحيث تنتفي منها الحاجة إلى هذا النوع من التعامل، بدون مساس بالنمو الاقتصادي والاجتماعي والإنساني المطرد. والحقيقة السادسة: أن الإسلام - حين يتاح له أن ينظم الحياة وفق تصوره ومنهجه الخاص - لن يحتاج عند إلغاء التعامل الربوي، إلى إلغاء المؤسسات والأجهزة اللازمة لنمو الحياة الاقتصادية العصرية نموها الطبيعي السليم. ولكنه فقط سيطهرها من لوثة الربا ودنسه. ثم يتركها تعمل وفق قواعد أخرى سليمة. وفي أول هذه المؤسسات والأجهزة: المصارف والشركات وما إليها من مؤسسات الاقتصاد الحديث. والحقيقة السابعة: - وهي الأهم - ضرورة اعتقاد من يريد أن يكون مسلماً، بأن هناك استحالة اعتقادية في أن يحرم الله أمراً لا تقوم الحياة البشرية ولا تتقدم بدونه! كما أن هناك استحالة اعتقادية كذلك في أن يكون هناك أمر خبيث ويكون في الوقت ذاته حتميا لقيام الحياة وتقدمها.. فالله سبحانه هو خالق هذه الحياة، وهو مستخلف الإنسان فيها؛ وهو الآمر بتنميتها وترقيتها؛ وهو المريد لهذا كله الموفق إليه. فهناك استحالة إذن في تصور المسلم أن يكون فيما حرمه الله شيء لا تقوم الحياة البشرية ولا تتقدم بدونه. وأن يكون هناك شيء خبيث هو حتمي لقيام الحياة ورقيها. وإنما هو سوء التصور. وسوء الفهم والدعاية المسمومة الخبيثة الطاغية التي دأبت أجيالاً على بث فكرة: أن الربا ضرورة للنمو الاقتصادي والعمراني، وأن النظام الربوي هو النظام الطبيعي. وبث هذا التصور الخادع في مناهل الثقافة العامة، ومنابع المعرفة الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها. ثم قيام الحياة الحديثة على هذا الأساس فعلاً بسعي بيوت المال والمرابين. وصعوبة تصور قيامها على أساس آخر. وهي صعوبة تنشأ أولاً من عدم الإيمان. كما تنشأ ثانياً من ضعف التفكير وعجزه عن التحرر من ذلك الوهم الذي اجتهد المرابون في بثه وتمكينه لما لهم من قدرة على التوجيه. وملكية للنفوذ داخل الحكومات العالمية، وملكية لأدوات الإعلام العامة والخاصة. والحقيقة الثامنة: أن استحالة قيام الاقتصاد العالمي اليوم وغداً على أساس غير الأساس الربوي.. ليست سوى خرافة. أو هي أكذوبة ضخمة تعيش لأن الأجهزة التي يستخدمها أصحاب المصلحة في بقائها أجهزة ضخمة فعلاً! وأنه حين تصح النية، وتعزم البشرية - أو تعزم الأمة المسلمة - أن تسترد حريتها من قبضة العصابات الربوية العالمية، وتريد لنفسها الخير والسعادة والبركة مع نظافة الخلق وطهارة المجتمع، فإن المجال مفتوح لإقامة النظام الآخر الرشيد، الذي أراده الله للبشرية، والذي طبق فعلاً، ونمت الحياة في ظله فعلاً؛ وما تزال قابلة للنمو تحت إشرافه وفي ظلاله، لو عقل الناس ورشدوا! وليس هناك مجال تفصيل القول في كيفيات التطبيق ووسائله.. فحسبنا هذه الإشارات المجملة. وقد تبين أن شناعة العملية الربوية ليست ضرورة من ضرورات الحياة الاقتصادية؛ وأن الإنسانية التي انحرفت عن النهج قديماً حتى ردها الإسلام إليه؛ هي الإنسانية التي تنحرف اليوم الانحراف ذاته، ولا تفيء إلى النهج القويم الرحيم السليم. فلننظر كيف كانت ثورة الإسلام على تلك الشناعة التي ذاقت منها البشرية ما لم تذق قط من بلاء: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس. ذلك بأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا. وأحل الله البيع وحرم الربا. فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله. ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. يمحق الله الربا ويربي الصدقات. والله لا يحب كل كفار أثيم}.. إنها الحملة المفزعة، والتصوير المرعب: {لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس}.. وما كان أي تهديد معنوي ليبلغ إلى الحس ما تبلغه هذه الصورة المجسمة الحية المتحركة.. صورة الممسوس المصروع.. وهي صورة معروفة معهودة للناس. فالنص يستحضرها لتؤدي دورها الإيحائي في إفزاع الحس، لاستجاشة مشاعر المرابين، وهزها هزة عنيفة تخرجهم من مألوف عادتهم في نظامهم الاقتصادي؛ ومن حرصهم على ما يحققه لهم من الفائدة.. وهي وسيلة في التأثير التربوي ناجعة في مواضعها. بينما هي في الوقت ذاته تعبر عن حقيقة واقعة.. ولقد مضت معظم التفاسير على أن المقصود بالقيام في هذه الصورة المفزعة، هو القيام يوم البعث. ولكن هذه الصورة - فيما نرى - واقعة بذاتها في حياة البشرية في هذه الأرض أيضاً. ثم إنها تتفق مع ما سيأتي بعدها من الإنذار بحرب من الله ورسوله. ونحن نرى أن هذه الحرب واقعة وقائمة الآن ومسلطة على البشرية الضالة التي تتخبط كالممسوس في عقابيل النظام الربوي. وقبل أن نفصل القول في مصداق هذه الحقيقة من واقع البشرية اليوم نبدأ بعرض الصورة الربوية التي كان يواجهها القرآن في الجزيرة العربية؛ وتصورات أهل الجاهلية عنها.. إن الربا الذي كان معروفاً في الجاهلية والذي نزلت هذه الآيات وغيرها لإبطاله ابتداء كانت له صورتان رئيسيتان: ربا النسيئة. وربا الفضل. فأما ربا النسيئة فقد قال عنه قتادة: "إن ربا أهل الجاهلية يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل، ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخر عنه". وقال مجاهد "كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين، فيقول: لك كذا وكذا وتؤخر عني فيؤخر عنه". وقال أبو بكر الجصاص: "إنه معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضاً مؤجلاً بزيادة مشروطة. فكانت الزيادة بدلاً من الأجل فأبطله الله تعالى".. وقال الإمام الرازي في تفسيره: "إن ربا النسيئة هو الذي كان مشهوراً في الجاهلية. لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل، على أن يأخذ منه كل شهر قدراً معيناً ورأس المال باق بحاله. فإذا حل طالبه برأس ماله، فإن تعذر عليه الأداء زاده في الحق والأجل". وقد ورد في حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : لا ربا إلا في النسيئة ".. تفسير : أما ربا الفضل فهو أن يبيع الرجل الشيء بالشيء من نوعه مع زيادة. كبيع الذهب بالذهب. والدراهم بالدراهم. والقمح بالقمح. والشعير بالشعير.. وهكذا.. وقد ألحق هذا النوع بالربا لما فيه من شبه به؛ ولما يصاحبه من مشاعر مشابهة للمشاعر المصاحبة لعملية الربا.. وهذه النقطة شديدة الأهمية لنا في الكلام عن العمليات الحاضرة! عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح.. مثلاً بمثل.. يداً بيد.. فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء ".. تفسير : وعن أبي سعيد الخدري أيضاً قال: "حديث : جاء بلال إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بتمر برني فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - "من أين هذا؟" قال: كان عندنا تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع. فقال: أوَّه! عين الربا، عين الربا. لا تفعل. ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتر به ". تفسير : فأما النوع الأول فالربا ظاهر فيه لا يحتاج إلى بيان، إذ تتوافر فيه العناصر الأساسية لكل عملية ربوية. وهي: الزيادة على أصل المال. والأجل الذي من أجله تؤدى هذه الزيادة. وكون هذه الفائدة شرطاً مضموناً في التعاقد. أي ولادة المال للمال بسبب المدة ليس إلا.. وأما النوع الثاني، فما لا شك فيه أن هناك فروقاً أساسية في الشيئين المتماثلين هي التي تقتضي الزيادة. وذلك واضح في حادثة بلال حين أعطى صاعين من تمره الرديء وأخذ صاعاً من التمر الجيد.. ولكن لأن تماثل النوعين في الجنس يخلق شبهة أن هناك عملية ربوية، إذ يلد التمر التمر! فقد وصفه - صلى الله عليه وسلم - بالربا. ونهى عنه. وأمر ببيع الصنف المراد استبداله بالنقد. ثم شراء الصنف المطلوب بالنقد أيضاً. إبعاداً لشبح الربا من العملية تماماً! وكذلك شرط القبض: "يداً بيد".. كي لا يكون التأجيل في بيع المثل بالمثل، ولو من غير زيادة، فيه شبح من الربا، وعنصر من عناصره! إلى هذا الحد بلغت حساسية الرسول - صلى الله عليه وسلم - بشبح الربا في أية عملية. وبلغت كذلك حكمته في علاج عقلية الربا التي كانت سائدة في الجاهلية. فأما اليوم فيريد بعض المهزومين أمام التصورات الرأسمالية الغربية والنظم الرأسمالية الغربية أن يقصروا التحريم على صورة واحدة من صور الربا - ربا النسيئة - بالاستناد إلى حديث أسامة، وإلى وصف السلف للعمليات الربوية في الجاهلية. وأن يحلوا - دينياً - وباسم الإسلام! - الصور الأخرى المستحدثة التي لا تنطبق في حرفية منها على ربا الجاهلية! ولكن هذه المحاولة لا تزيد على أن تكون ظاهرة من ظواهر الهزيمة الروحية والعقلية.. فالإسلام ليس نظام شكليات. إنما هو نظام يقوم على تصور أصيل. فهو حين حرم الربا لم يكن يحرم صورة منه دون صورة. إنما كان يناهض تصوراً يخالف تصوره؛ ويحارب عقلية لا تتمشى مع عقليته. وكان شديد الحساسية في هذا إلى حد تحريم ربا الفضل إبعاداً لشبح العقلية الربوية والمشاعر الربوية من بعيد جداً! ومن ثم فإن كل عملية ربوية حرام. سواء جاءت في الصور التي عرفتها الجاهلية أم استحدثت لها أشكال جديدة. ما دامت تتضمن العناصر الأساسية للعملية الربوية، أو تتسم بسمة العقلية الربوية.. وهي عقلية الأثرة والجشع والفردية والمقامرة. وما دام يتلبس بها ذلك الشعور الخبيث. شعور الحصول على الربح بأية وسيلة! فينبغي أن نعرف هذه الحقيقة جيداً. ونستيقن من الحرب المعلنة من الله ورسوله على المجتمع الربوي. {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس}.. والذين يأكلون الربا ليسوا هم الذين يأخذون الفائدة الربوية وحدهم - وإن كانوا هم أول المهددين بهذا النص الرعيب - إنما هم أهل المجتمع الربوي كلهم. عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أنه قال: "حديث : لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا وموكله، وشاهديه وكاتبه، وقال:هم سواء ".. تفسير : وكان هذا في العمليات الربوية الفردية. فأما في المجتمع الذي يقوم كله على الأساس الربوي فأهله كلهم ملعونون. معرضون لحرب الله. مطرودون من رحمته بلا جدال. إنهم لا يقومون في الحياة ولا يتحركون إلا حركة الممسوس المضطرب القلق المتخبط الذي لا ينال استقراراً ولا طمأنينة ولا راحة.. وإذا كان هناك شك في الماضي أيام نشأة النظام الرأسمالي الحديث في القرون الأربعة الماضية، فإن تجربة هذه القرون لا تبقي مجالاً للشك أبداً.. إن العالم الذي نعيش فيه اليوم - في أنحاء الأرض - هو عالم القلق والاضطراب والخوف؛ والأمراض العصبية والنفسية - باعتراف عقلاء أهله ومفكريه وعلمائه ودارسيه، وبمشاهدات المراقبين والزائرين العابرين لأقطار الحضارة الغربية.. وذلك على الرغم من كل ما بلغته الحضارة المادية، والإنتاج الصناعي في مجموعه من الضخامة في هذه الأقطار. وعلى الرغم من كل مظاهر الرخاء المادي التي تأخذ بالأبصار.. ثم هو عالم الحروب الشاملة والتهديد الدائم بالحروب المبيدة، وحرب الأعصاب، والاضطرابات التي لا تنقطع هنا وهناك! إنها الشقوة البائسة المنكودة، التي لا تزيلها الحضارة المادية، ولا الرخاء المادي، ولا يسر الحياة المادية وخفضها ولينها في بقاع كثيرة. وما قيمة هذا كله إذا لم ينشىء في النفوس السعادة والرضى والاستقرار والطمأنينة؟ إنها حقيقة تواجه من يريد أن يرى؛ ولا يضع على عينيه غشاوة من صنع نفسه كي لا يرى! حقيقة أن الناس في أكثر بلاد الأرض رخاء عاماً.. في أمريكا، وفي السويد، وفي غيرهما من الأقطار التي تفيض رخاء مادياً.. أن الناس ليسوا سعداء.. أنهم قلقون يطل القلق من عيونهم وهم أغنياء! وأن الملل يأكل حياتهم وهم مستغرقون في الإنتاج! وأنهم يغرقون هذا الملل في العربدة والصخب تارة. وفي "التقاليع" الغريبة الشاذة تارة. وفي الشذوذ الجنسي والنفسي تارة. ثم يحسون بالحاجة إلى الهرب. الهرب من أنفسهم. ومن الخواء الذي يعشش فيها! ومن الشقاء الذي ليس له سبب ظاهر من مرافق الحياة وجريانها. فيهربون بالانتحار. ويهربون بالجنون. ويهربون بالشذوذ! ثم يطاردهم شبح القلق والخواء والفراغ ولا يدعهم يستريحون أبداً! لماذا؟ السبب الرئيسي طبعاً هو خواء هذه الأرواح البشرية الهائمة المعذبة الضالة المنكودة - على كل ما لديها من الرخاء المادي - من زاد الروح.. من الإيمان.. من الاطمئنان إلى الله.. وخواؤها من الأهداف الإنسانية الكبيرة التي ينشئها ويرسمها الإيمان بالله، وخلافة الأرض وفق عهده وشرطه. ويتفرع من ذلك السبب الرئيسي الكبير.. بلاء الربا.. بلاء الاقتصاد الذي ينمو ولكنه لا ينمو سوياً معتدلاً بحيث تتوزع خيرات نموه وبركاتها على البشرية كلها. إنما ينمو مائلاً جانحاً إلى حفنة الممولين المرابين، القابعين وراء المكاتب الضخمة في المصارف، يقرضون الصناعة والتجارة بالفائدة المحددة المضمونة؛ ويجبرون الصناعة والتجارة على أن تسير في طريق معين ليس هدفه الأول سد مصالح البشر وحاجاتهم التي يسعد بها الجميع؛ والتي تكفل عملاً منتظماً ورزقاً مضموناً للجميع؛ والتي تهيء طمأنينة نفسية وضمانات اجتماعية للجميع.. ولكن هدفه هو إنتاج ما يحقق أعلى قدر من الربح - ولو حطم الملايين وحرم الملايين وأفسد حياة الملايين، وزرع الشك والقلق والخوف في حياة البشرية جميعاً! وصدق الله العظيم: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس}.. وها نحن أولاء نرى مصداق هذه الحقيقة في واقعنا العالمي اليوم! ولقد اعترض المرابون في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على تحريم الربا. اعترضوا بأنه ليس هناك مبرر لتحريم العمليات الربوية وتحليل العمليات التجارية: {ذلك بأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا. وأحل الله البيع وحرم الربا}.. وكانت الشبهة التي ركنوا إليها، هي أن البيع يحقق فائدة وربحاً، كما أن الربا يحقق فائدة وربحاً.. وهي شبهة واهية. فالعمليات التجارية قابلة للربح وللخسارة. والمهارة الشخصية والجهد الشخصي والظروف الطبيعية الجارية في الحياة هي التي تتحكم في الربح والخسارة. أما العمليات الربوية فهي محددة الربح في كل حالة. وهذا هو الفارق الرئيسي. وهذا هو مناط التحريم والتحليل.. إن كل عملية يضمن فيها الربح على أي وضع هي عملية ربوية محرمة بسبب ضمان الربح وتحديده.. ولا مجال للمماحلة في هذا ولا للمداورة! {وأحل الله البيع وحرم الربا}... لانتفاء هذا العنصر من البيع؛ ولأسباب أخرى كثيرة تجعل عمليات التجارة في أصلها نافعة للحياة البشرية؛ وعمليات الربا في أصلها مفسدة للحياة البشرية.. وقد عالج الإسلام الأوضاع التي كانت حاضرة في ذلك الزمان معالجة واقعية؛ دون أن يحدث هزة اقتصادية واجتماعية: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله}.. لقد جعل سريان نظامه منذ ابتداء تشريعه. فمن سمع موعظة ربه فانتهى فلا يسترد منه ما سلف أن أخذه من الربا وأمره فيه إلى الله، يحكم فيه بما يراه.. وهذا التعبير يوحي للقلب بأن النجاة من سالف هذا الإثم مرهونة بإرادة الله ورحمته؛ فيظل يتوجس من الأمر؛ حتى يقول لنفسه: كفاني هذا الرصيد من العمل السيئ، ولعل الله أن يعفيني من جرائره إذا أنا انتهيت وتبت. فلا أضف إليه جديداً بعد!.. وهكذا يعالج القرآن مشاعر القلوب بهذا المنهج الفريد. {ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.. وهذا التهديد بحقيقة العذاب في الآخرة يقوي ملامح المنهج التربوي الذي أشرنا إليه، ويعمقه في القلوب. ولكن لعل كثيرين يغريهم طول الأمد، وجهل الموعد، فيبعدون من حسابهم حساب الآخرة هذا! فها هو ذا القرآن ينذرهم كذلك بالمحق في الدنيا والآخرة جميعاً؛ ويقرر أن الصدقات - لا الربا - هي التي تربو وتزكو؛ ثم يصم الذين لا يستجيبون بالكفر والإثم. ويلوح لهم بكره الله للكفرة الآثمين: {يمحق الله الربا، ويربي الصدقات، والله لا يحب كل كفار أثيم}.. وصدق وعيد الله ووعده. فها نحن أولاء نرى أنه ما من مجتمع يتعامل بالربا ثم تبقى فيه بركة أو رخاء أو سعادة أو أمن أو طمأنينة.. إن الله يمحق الربا فلا يفيض على المجتمع الذي يوجد فيه هذا الدنس إلا القحط والشقاء. وقد ترى العين - في ظاهر الأمر - رخاء وإنتاجاً وموارد موفورة، ولكن البركة ليست بضخامة الموارد بقدر ما هي في الاستمتاع الطيب الآمن بهذه الموارد. وقد أشرنا من قبل إلى الشقوة النكدة التي ترين على قلوب الناس في الدول الغنية الغزيرة الموارد؛ وإلى القلق النفسي الذي لا يدفعه الثراء بل يزيده. ومن هذه الدول يفيض القلق والذعر والاضطراب على العالم كله اليوم. حيث تعيش البشرية في تهديد دائم بالحرب المبيدة؛ كما تصحو وتنام في هم الحرب الباردة! وتثقل الحياة على أعصاب الناس يوماً بعد يوم - سواء شعروا بهذا أم لم يشعروا - ولا يبارك لهم في مال ولا في عمر ولا في صحة ولا في طمأنينة بال! وما من مجتمع قام على التكافل والتعاون - الممثلين في الصدقات المفروض منها والمتروك للتطوع - وسادته روح المودة والحب والرضى والسماحة، والتطلع دائما إلى فضل الله وثوابه، والاطمئنان دائماً إلى عونه وإخلافه للصدقة بأضعافها.. ما من مجتمع قام على هذا الأساس إلا بارك الله لأهله - أفراداً وجماعات - في ما لهم ورزقهم، وفي صحتهم وقوتهم وفي طمأنينة قلوبهم وراحة بالهم. والذين لا يرون هذه الحقيقة في واقع البشرية، هم الذين لا يريدون أن يروا، لأن لهم هوى في عدم الرؤية! أو الذين رانت على أعينهم غشاوة الأضاليل المبثوثة عمداً وقصداً من أصحاب المصلحة في قيام النظام الربوي المقيت؛ فضغطوا عن رؤية الحقيقة! {والله لا يحب كل كفار أثيم}.. وهذا التعقيب هنا قاطع في اعتبار من يصرون على التعامل الربوي - بعد تحريمه - من الكفار الآثمين، الذين لا يحبهم الله، وما من شك أن الذين يحلون ما حرم الله ينطبق عليهم وصف الكفر والإثم، ولو قالوا بألسنتهم ألف مرة: لا إله إلا الله. محمد رسول الله.. فالإسلام ليس كلمة باللسان؛ إنما هو نظام حياة ومنهج عمل؛ وإنكار جزء منه كإنكار الكل.. وليس في حرمة الربا شبهة؛ وليس في اعتباره حلالاً وإقامة الحياة على أساسه إلا الكفر والإثم.. والعياذ بالله.. وفي الصفحة المقابلة لصفحة الكفر والإثم، والتهديد الساحق لأصحاب منهج الربا ونظامه، يعرض صفحة الإيمان والعمل الصالح، وخصائص الجماعة المؤمنة في هذا الجانب، وقاعدة الحياة المرتكزة إلى النظام الآخر - نظام الزكاة - المقابل لنظام الربا: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.. والعنصر البارز في هذه الصفحة هو عنصر (الزكاة). عنصر البذل بلا عوض ولا رد. والسياق يعرض بهذا صفة المؤمنين وقاعدة المجتمع المؤمن. ثم يعرض صورة الأمن والطمأنينة والرضى الإلهي المسبغ على هذا المجتمع المؤمن. إن الزكاة هي قاعدة المجتمع المتكافل المتضامن؛ الذي لا يحتاج إلى ضمانات النظام الربوي في أي جانب من جوانب حياته. وقد بهتت صورة {الزكاة} في حسنا وحس الأجيال التعيسة من الأمة الإسلامية التي لم تشهد نظام الإسلام مطبقاً في عالم الواقع؛ ولم تشهد هذا النظام يقوم على أساس التصور الإيماني والتربية الإيمانية والأخلاق الإيمانية، فيصوغ النفس البشرية صياغة خاصة، ثم يقيم لها النظام الذي تتنفس فيه تصوراتها الصحيحة وأخلاقها النظيفة وفضائلها العالية. ويجعل (الزكاة) قاعدة هذا النظام، في مقابل نظام الجاهلية الذي يقوم على القاعدة الربوية. ويجعل الحياة تنمو والاقتصاد يرتقي عن طريق الجهد الفردي، أو التعاون البريء من الربا! بهتت هذه الصورة في حس هذه الأجيال التعيسة المنكودة الحظ التي لم تشهد تلك الصورة الرفيعة من صور الإنسانية. إنما ولدت وعاشت في غمرة النظام المادي، القائم على الأساس الربوي. وشهدت الكزازة والشح، والتكالب والتطاحن، والفردية الأثرة التي تحكم ضمائر الناس. فتجعل المال لا ينتقل إلى من يحتاجون إليه إلا في الصورة الربوية الخسيسة! وجعلت الناس يعيشون بلا ضمانات، ما لم يكن لهم رصيد من المال؛ أو يكونوا قد اشتركوا بجزء من مالهم في مؤسسات التأمين الربوية! وجعلت التجارة والصناعة لا تجد المال الذي تقوم به، ما لم تحصل عليه بالطريقة الربوية فوقر في حس هذه الأجيال المنكودة الطالع أنه ليس هناك نظام إلا هذا النظام؛ وأن الحياة لا تقوم إلا على هذا الأساس! بهتت صورة الزكاة حتى أصبحت هذه الأجيال تحسبها إحساناً فردياً هزيلاً، لا ينهض على أساسه نظام عصري! ولكن كم تكون ضخامة حصيلة الزكاة، وهي تتناول اثنين ونصفاً في المائة من أصل رؤوس الأموال الأهلية مع ربحها؟ يؤديها الناس الذين يصنعهم الإسلام صناعة خاصة، ويربيهم تربية خاصة، بالتوجيهات والتشريعات، وبنظام الحياة الخاص الذي يرتفع تصوره على ضمائر الذين لم يعيشوا فيه! وتحصلها الدولة المسلمة، حقاً مفروضاً، لا إحساناً فردياً. وتكفل بها كل من تقصر به وسائله الخاصة من الجماعة المسلمة؛ حيث يشعر كل فرد أن حياته وحياة أولاده مكفولة في كل حالة؛ وحيث يقضي عن الغارم المدين دينه سواء كان ديناً تجارياً أو غير تجاري، من حصيلة الزكاة. وليس المهم هو شكلية النظام. إنما المهم هو روحه. فالمجتمع الذي يربيه الإسلام بتوجيهاته وتشريعاته ونظامه، متناسق مع شكل النظام وإجراءاته، متكامل مع التشريعات والتوجيهات، ينبع التكافل من ضمائره ومن تنظيماته معاً متناسقة متكاملة. وهذه حقيقة قد لا يتصورها الذين نشأوا وعاشوا في ظل الأنظمة المادية الأخرى. ولكنها حقيقة نعرفها نحن - أهل الإسلام - ونتذوقها بذوقنا الإيماني. فإذا كانوا هم محرومين من هذا الذوق لسوء طالعهم ونكد حظهم - وحظ البشرية التي صارت إليهم مقاليدها وقيادتها - فليكن هذا نصيبهم! وليحرموا من هذا الخير الذي يبشر الله به: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلات وآتوا الزكاة}.. ليحرموا من الطمأنينة والرضى، فوق حرمانهم من الأجر والثواب. فإنما بجهالتهم وجاهليتهم وضلالهم وعنادهم يحرمون! إن الله - سبحانه - يعد الذين يقيمون حياتهم على الإيمان والصلاح والعبادة والتعاون، أن يحتفظ لهم بأجرهم عنده. ويعدهم بالأمن فلا يخافون. وبالسعادة فلا يحزنون.. {لهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.. في الوقت الذي يوعد أكلة الربا والمجتمع الربوي بالمحق والسحق، وبالتخبط والضلال، وبالقلق والخوف. وشهدت البشرية ذلك واقعاً في المجتمع المسلم؛ وتشهد اليوم هذا واقعاً كذلك في المجتمع الربوي! ولو كنا نملك أن نمسك بكل قلب غافل فنهزه هزاً عنيفاً حتى يستيقظ لهذه الحقيقة الماثلة؛ ونمسك بكل عين مغمضة فنفتح جفنيها على هذا الواقع.. لوكنا نملك لفعلنا.. ولكننا لا نملك إلا أن نشير إلى هذه الحقيقة؛ لعل الله أن يهدي البشرية المنكودة الطالع إليها.. والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن. والهدى هدى الله.. وفي ظل هذا الرخاء الآمن الذي يعد الله به الجماعة المسلمة، التي تنبذ الربا من حياتها، فتنبذ الكفر والإثم، وتقيم هذه الحياة على الإيمان والعمل الصالح والعبادة والزكاة.. في ظل هذا الرخاء الآمن يهتف بالذين آمنوا الهتاف الأخير ليحولوا حياتهم عن النظام الربوي الدنس المقيت؛ وإلا فهي الحرب المعلنة من الله ورسوله، بلا هوادة ولا إمهال ولا تأخير: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله. وأن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون}.. إن النص يعلق إيمان الذين آمنوا على ترك ما بقي من الربا. فهم ليسوا بمؤمنين إلا أن يتقوا الله ويذروا ما بقي من الربا. ليسوا بمؤمنين ولو أعلنوا أنهم مؤمنون. فإنه لا إيمان بغير طاعة وانقياد واتباع لما أمر الله به. والنص القرآني لا يدعهم في شبهة من الأمر. ولا يدع إنساناً يتستر وراء كلمة الإيمان، بينما هو لا يطيع ولا يرتضي ما شرع الله، ولا ينفذه في حياته، ولا يحكمه في معاملاته. فالذين يفرقون في الدين بين الاعتقاد والمعاملات ليسوا بمؤمنين. مهما ادعوا الإيمان وأعلنوا بلسانهم أو حتى بشعائر العبادة الأخرى أنهم مؤمنون! {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا.. إن كنتم مؤمنين}.. لقد ترك لهم ما سلف من الربا - لم يقرر استرداده منهم، ولا مصادرة أموالهم كلها أو جزء منها بسبب أن الربا كان داخلاً فيها.. إذ لا تحريم بغير نص.. ولا حكم بغير تشريع.. والتشريع ينفذ وينشئ آثاره بعد صدوره.. فأما الذي سلف فأمره إلى الله لا إلى أحكام القانون. وبذلك تجنب الإسلام إحداث هزة اقتصادية واجتماعية ضخمة لو جعل لتشريعه أثراً رجعياً. وهو المبدأ الذي أخذ به التشريع الحديث حديثاً! ذلك أن التشريع الإسلامي موضوع ليواجه حياة البشر الواقعية، ويسيرها، ويطهرها ويطلقها تنمو وترتفع معاً.. وفي الوقت ذاته علق اعتبارهم مؤمنين على قبولهم لهذا التشريع وإنفاذه في حياتهم منذ نزوله وعلمهم به. واستجاش في قلوبهم - مع هذا - شعور التقوى لله. وهو الشعور الذي ينوط به الإسلام تنفيذ شرائعه، ويجعله الضمان الكامن في ذات الأنفس، فوق الضمانات المكفولة بالتشريع ذاته. فيكون له من ضمانات التنفيذ ما ليس للشرائع الوضعية التي لا تستند إلا للرقابة الخارجية! وما أيسر الاحتيال على الرقابة الخارجية، حين لا يقوم من الضمير حارس له من تقوى الله سلطان. فهذه صفحة الترغيب.. وإلى جوارها صفحة الترهيب.. الترهيب الذي يزلزل القلوب: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله}.. يا للهول! حرب من الله ورسوله.. حرب تواجهها النفس البشرية.. حرب رهيبة معروفة المصير، مقررة العاقبة.. فأين الإنسان الضعيف الفاني من تلك القوة الجبارة الساحقة الماحقة؟! ولقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامله على مكة بعد نزول هذه الآيات التي نزلت متأخرة أن يحارب آل المغيرة هناك إذا لم يكفوا عن التعامل الربوي. وقد أمر - صلى الله عليه وسلم - في خطبته يوم فتح مكة بوضع كل ربا في الجاهلية - وأوله ربا عمه العباس - عن كاهل المدينين الذي ظلوا يحملونه إلى ما بعد الإسلام بفترة طويلة، حتى نضج المجتمع المسلم، واستقرت قواعده، وحان أن ينتقل نظامه الاقتصادي كله من قاعدة الربا الوبيئة. وقال - صلى الله عليه وسلم - في هذه الخطبة: "حديث : وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين. وأول ربا أضع ربا العباس.." تفسير : ولم يأمرهم برد الزيادات التي سبق لهم أخذها في حالة الجاهلية. فالإمام مكلف - حين يقوم المجتمع الإسلامي - أن يحارب الذين يصرون على قاعدة النظام الربوي، ويعتون عن أمر الله، ولو أعلنوا أنهم مسلمون. كما حارب أبو بكر - رضي الله عنه - مانعي الزكاة، مع شهادتهم أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامتهم للصلاة. فليس مسلماً من يأبى طاعة شريعة الله، ولا ينفذها في واقع الحياة! على أن الإيذان بالحرب من الله ورسوله أعم من القتال بالسيف والمدفع من الإمام. فهذه الحرب معلنة - كما قال أصدق القائلين - على كل مجتمع يجعل الربا قاعدة نظامه الاقتصادي والاجتماعي. هذه الحرب معلنة في صورتها الشاملة الداهمة الغامرة. وهي حرب على الأعصاب والقلوب. وحرب على البركة والرخاء. وحرب على السعادة والطمأنينة.. حرب يسلط الله فيها بعض العصاة لنظامه ومنهجه على بعض. حرب المطاردة والمشاكسة. حرب الغبن والظلم. حرب القلق والخوف.. وأخيراً حرب السلاح بين الأمم والجيوش والدول. الحرب الساحقة الماحقة التي تقوم وتنشأ من جراء النظام الربوي المقيت. فالمرابون أصحاب رؤوس الأموال العالمية هم الذين يوقدون هذه الحروب مباشرة أو عن طريق غير مباشر. وهم يلقون شباكهم فتقع فيها الشركات والصناعات. ثم تقع فيها الشعوب والحكومات. ثم يتزاحمون على الفرائس فتقوم الحرب! أو يزحفون وراء أموالهم بقوة حكوماتهم وجيوشها فتقوم الحرب! أو يثقل عبء الضرائب والتكاليف لسداد فوائد ديونهم، فيعم الفقر والسخط بين الكادحين والمنتجين، فيفتحون قلوبهم للدعوات الهدامة فتقوم الحرب! وأيسر ما يقع - إن لم يقع هذا كله - هو خراب النفوس، وانهيار الأخلاق، وانطلاق سعار الشهوات، وتحطم الكيان البشري من أساسه، وتدميره بما لا تبلغه أفظع الحروب الذرية الرعيبة! إنها الحرب المشبوبة دائماً. وقد أعلنها الله على المتعاملين بالربا.. وهي مسعرة الآن؛ تأكل الأخضر واليابس في حياة البشرية الضالة؛ وهي غافلة تحسب أنها تكسب وتتقدم كلما رأت تلال الإنتاج المادي الذي تخرجه المصانع.. وكانت هذه التلال حرية بأن تسعد البشر لو أنها نشأت من منبت زكي طاهر؛ ولكنها - وهي تخرج من منبع الربا الملوث - لا تمثل سوى ركام يخنق أنفاس البشرية، ويسحقها سحقاً؛ في حين تجلس فوقه شرذمة المرابين العالميين، لا تحس آلام البشرية المسحوقة تحت هذا الركام الملعون! لقد دعا الإسلام الجماعة المسلمة الأولى، ولا يزال يدعو البشرية كلها إلى المَشْرع الطاهر النظيف، وإلى التوبة من الإثم والخطيئة والمنهج الوبيء: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم. لا تظلمون ولا تظلمون}.. فهي التوبة عن خطيئة. إنها خطيئة الجاهلية. الجاهلية التي لا تتعلق بزمان دون زمان، ولا نظام دون نظام.. إنما هي الانحراف عن شريعة الله ومنهجه متى كان وحيث كان.. خطيئة تنشئ آثارها في مشاعر الأفراد وفي أخلاقهم وفي تصورهم للحياة. وتنشئ آثارها في حياة الجماعة وارتباطاتها العامة. وتنشئ آثارها في الحياة البشرية كلها، وفي نموها الاقتصادي ذاته. ولو حسب المخدوعون بدعاية المرابين، إنها وحدها الأساس الصالح للنمو الاقتصادي! واسترداد رأس المال مجرداً، عدالة لا يظلم فيها دائن ولا مدين.. فأما تنمية المال فلها وسائلها الأخرى البريئة النظيفة. لها وسيلة الجهد الفردي. ووسيلة المشاركة على طريقة المضاربة وهي إعطاء المال لمن يعمل فيه، ومقاسمته الربح والخسارة. ووسيلة الشركات التي تطرح أسهمها مباشرة في السوق - بدون سندات تأسيس تستأثر بمعظم الربح - وتناول الأرباح الحلال من هذا الوجه. ووسيلة إيداعها في المصارف بدون فائدة - على أن تساهم بها المصارف في الشركات والصناعات والأعمال التجارية مباشرة أو غير مباشرة - ولا تعطيها بالفائدة الثابتة - ثم مقاسمة المودعين الربح على نظام معين أو الخسارة إذا فرض ووقعت.. وللمصارف أن تتناول قدراً معيناً من الأجر في نظير إدارتها لهذه الأموال.. ووسائل أخرى كثيرة ليس هنا مجال تفصيلها.. وهي ممكنة وميسرة حين تؤمن القلوب، وتصح النيات على ورود المورد النظيف الطاهر، وتجنب المورد العفن النتن الآسن! ويكمل السياق الأحكام المتعلقة بالدين في حالة الإعسار.. فليس السبيل هو ربا النسيئة: بالتأجيل مقابل الزيادة.. ولكنه هو الإنظار إلى ميسرة. والتحبيب في التصدق به لمن يريد مزيداً من الخير أوفى وأعلى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة. وأن تصدقوا خير لكم.. إن كنتم تعلمون}.. إنها السماحة الندية التي يحملها الإسلام للبشرية. إنه الظل الظليل الذي تأوي إليه البشرية المتعبة في هجير الأثرة والشح والطمع والتكالب والسعار. إنها الرحمة للدائن والمدين وللمجتمع الذي يظل الجميع! ونحن نعرف أن هذه الكلمات لا تؤدي مفهوماً "معقولاً" في عقول المناكيد الناشئين في هجير الجاهلية المادية الحاضرة! وأن مذاقها الحلو لا طعم له في حسهم المتحجر البليد! - وبخاصة وحوش المرابين سواء كانوا أفراداً قابعين في زوايا الأرض يتلمظون للفرائس من المحاويج والمنكوبين الذين تحل بهم المصائب فيحتاجون للمال للطعام والكساء والدواء أو لدفن موتاهم في بعض الأحيان، فلا يجدون في هذا العالم المادي الكز الضنين الشحيح من يمد لهم يد المعونة البيضاء؛ فيلجأون مرغمين إلى أوكار الوحوش. فرائس سهلة تسعى إلى الفخاخ بأقدامها. تدفعها الحاجة وتزجيها الضرورة! سواء كانوا أفرادا هكذا أو كانوا في صورة بيوت مالية ومصارف ربوية. فكلهم سواء. غير أن هؤلاء يجلسون في المكاتب الفخمة على المقاعد المريحة؛ ووراءهم ركام من النظريات الاقتصادية، والمؤلفات العلمية، والأساتذة والمعاهد والجامعات، والتشريعات والقوانين، والشرطة والمحاكم والجيوش.. كلها قائمة لتبرير جريمتهم وحمايتها، وأخذ من يجرؤ على التلكؤ في رد الفائدة الربوية إلى خزائنهم باسم القانون..!! نحن نعرف أن هذه الكلمات لا تصل إلى تلك القلوب.. ولكنا نعرف أنها الحق. ونثق أن سعادة البشرية مرهونة بالاستماع إليها والأخذ بها: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة. وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون}. إن المعسر - في الإسلام - لا يطارد من صاحب الدين، أو من القانون والمحاكم. إنما ينظر حتى يوسر.. ثم إن المجتمع المسلم لا يترك هذا المعسر وعليه دين. فالله يدعو صاحب الدين أن يتصدق بدينه - إن تطوع بهذا الخير. وهو خير لنفسه كما هو خير للمدين. وهو خير للجماعة كلها ولحياتها المتكافلة. لو كان يعلم ما يعلمه الله من سريرة هذا الأمر! ذلك أن إبطال الربا يفقد شطراً كبيراً من حكمته إذا كان الدائن سيروح يضايق المدين، ويضيق عليه الخناق. وهو معسر لا يملك السداد. فهنا كان الأمر - في صورة شرط وجواب - بالانتظار حتى يوسر ويقدر على الوفاء. وكان بجانبه التحبيب في التصدق بالدين كله أو بعضه عند الإعسار. على أن النصوص الأخرى تجعل لهذا المدين المعسر حظاً من مصارف الزكاة، ليؤدي دينه، وييسر حياته: {أية : إنما الصدقات للفقراء والمساكين... والغارمين...} تفسير : وهم أصحاب الديون. الذين لم ينفقوا ديونهم على شهواتهم وعلى لذائذهم. إنما أنفقوها في الطيب النظيف ثم قعدت بهم الظروف! ثم يجيء التعقيب العميق الإيحاء، الذي ترجف منه النفس المؤمنة، وتتمنى لو تنزل عن الدين كله، ثم تمضي ناجية من الله يوم الحساب: {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله. ثم توفى كل نفس ما كسبت، وهم لا يظلمون}.. واليوم الذي يرجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت يوم عسير، له في القلب المؤمن وقع؛ ومشهده حاضر في ضمير المؤمن، وله في ضمير المؤمن هول. والوقوف بين يدي الله في هذا اليوم خاطر يزلزل الكيان! وهو تعقيب يتناسق مع جو المعاملات. جو الأخذ والعطاء. جو الكسب والجزاء.. إنه التصفية الكبرى للماضي جميعه بكل ما فيه. والقضاء الأخير في الماضي بين كل من فيه. فما أجدر القلب المؤمن أن يخشاه وأن يتوقاه. إن التقوى هي الحارس القابع في أعماق الضمير؛ يقيمه الإسلام هناك لا يملك القلب فراراً منه لأنه في الأعماق هناك! إنه الإسلام.. النظام القوي.. الحلم الندي الممثل في واقع أرضي.. رحمة الله بالبشر. وتكريم الله للإنسان. والخير الذي تشرد عنه البشرية؛ ويصدها عنه أعداء الله وأعداء الإنسان!
ابن عاشور
تفسير : نَظَم القرآنُ أهمّ أصول حفظِ مال الأمَّة في سِلك هاته الآيات. فبعد أن ابتدأ بأعظم تلك الأصول وهو تأسيس مال للأمة به قوام أمرها، يؤخذ من أهل الأموال أخذا عدْلاً مما كان فضلاً عن الغنى فقرضه على الناس، يؤخذ من أغنيائهم فيردّ على فقرائهم، سواء في ذلك ما كان مفروضاً وهو الزكاة أو تطوّعاً وهو الصدقة، فأطنب في الحثّ عليه، والترغيب في ثوابه، والتحذير من إمساكه، ما كان فيه موعظة لمن اتّعظ، عَطف الكلام إلى إبطال وسيلة كانت من أسباب ابتزاز الأغنياء أموال المحتاجين إليهم، وهي المعاملة بالربا الذي لقّبه النبي صلى الله عليه وسلم ربَا الجاهليةِ، وهو أن يعطي المدين مالاً لدائنه زائداً على قدر الدين لأجل الانتظار، فإذا حلّ الأجل ولم يدفع زَاد في الدين، يقولون: إمّا أن تَقْضيَ وإمّا أن تُربِي. وقد كان ذلك شائعاً في الجاهلية كذا قال الفقهاء. والظاهر أنّهم كانوا يأخذون الربا على المدين من وقت إسلافه وكلّما طلبَ النظرة أعطى ربا آخر، وربّما تسامح بعضهم في ذلك. وكان العباس بنُ عبد المطلب مشتهراً بالمراباة في الجاهلية، وجاء في خطبة حجّة الوداع « حديث : ألا وإنّ ربا الجاهلية موضوع وإنّ أول ربا أبْدَأ به ربا عمّي عباس بن عبد المطلب » تفسير : . وجملة {الذين يأكلون الربا} استئناف، وجيء بالموصول للدلالة على علّة بناء الخبر وهو قوله: {لا يقومون} إلى آخره. والأكل في الحقيقة ابتلاعُ الطعام، ثم أطلق على الانتفاع بالشيء وأخذه بحرص، وأصله تمثيل، ثم صار حقيقة عرفية فقالوا: أكل مال الناس { أية : إن الذين يأكلون أموال اليتامى } تفسير : [النساء: 10] ــــــ { أية : ألا تأكلوا أموالكم } تفسير : [الصافات: 91، 92]، ولا يختصّ بأخذ الباطل ففي القرآن { أية : فإن طبْن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً } تفسير : [النساء: 4]. والربا: اسم على وزن فِعَل بكسر الفاء وفتح العين لعلّهم خفّفوه من الرباء ــــــ بالمد ــــــ فصيّروه اسم مصدر، لفعل رَبَا الشيء يربو رَبْواً ــــــ بسكون الباء على القياس كما في «الصحاح» وبضم الراء والباء كعُلُو ــــــ وربّاء بكسر الراء وبالمد مثل الرِّماء إذا زاد قال تعالى: { أية : فلا يربو عند الله } تفسير : [الروم: 39]، وقال: { أية : اهتَزّتْ ورَبَتْ } تفسير : [الحج: 5]، ــــــ ولكونه من ذوات الواو ثني على رِبَوانِ. وكتب بالألف، وكتبه بعض الكوفيين بالياء نظراً لجواز الإمالة فيه لمكان كسرة الراء ثم ثنّوه بالياء لأجل الكسرة أيضاً ــــــ قال الزجاج: ما رأيت خطأ أشنع من هذا، ألا يكفيَهم الخَطأ في الخطّ حتى أخطؤوا في التثنية كيف وهم يقرؤون { أية : وما آتيتم من رِبا ليربُوَ } تفسير : [الروم: 39] ــــــ بفتحة على الواو ــــــ { أية : في أموال الناس } تفسير : [الروم: 39] يشير إلى قراءة عاصم والأعمش، وهما كوفيان، وبقراءتهما يقرأ أهل الكوفة. وكُتب الربا في المصحف حيثما وقع بواو بعدها ألف، والشأن أن يكتب ألفاً، فقال صاحب «الكشاف»: كتبت كذلك على لغة من يفخّم أي ينحو بالألف منحى الواو، والتفخيم عكس الإمالة، وهذا بعيد؛ إذ ليس التفخيم لغة قريش حتى يكتب بها المصحف. وقال المبرّد: كتب كذلك للفرق بين الربا والزنا، وهو أبعد لأنّ سياق الكلام لا يترك اشتبَاهاً بينهما من جهة المعنى إلاَّ في قوله تعالى: { أية : ولا تقربوا الزنا } تفسير : [الإسراء: 32]. وقال الفراء: إنّ العرب تعلّموا الخطّ من أهل الحيرة وهم نبط يقولون في الربا: رِبَوْ ــــــ بواو ساكنة ــــــ فكتبت كذلك، وهذا أبعد من الجميع. والذي عندي أنّ الصحابة كتبوه بالواو ليشيروا إلى أصله كما كتبوا الألفات المنقلبة عن الياء في أواسط الكلمات بياءات عليها ألفات، وكأنَّهم أرادوا في ابتداء الأمر أن يجعلوا الرسم مشيراً إلى أصول الكلمات ثم استعجلوا فلم يطّرد في رسمهم، ولذلك كتبوا الزكاة بالواو، وكتبوا الصلاة بالواو تنبيهاً على أنّ أصلها هو الركوع من تحريك الصَّلْوَيْن لا من الاصطلاء. وقال صاحب «الكشاف»: وكتبوا بعدها ألفاً تشبيهاً بواو الجمع. وعندي أنّ هذا لا معنى للتعليل به، بل إنّما كتبوا الألف بعدها عوضاً عن أن يضعوا الألف فوق الواو، كما وضعوا المنقلب عن ياء ألفاً فوق الياء لئلاّ يقرأها الناس الربُو. وأريد بالذين يأكلون الربا هنا من كان على دين الجاهلية؛ لأن هذا الوعيد والتشنيع لا يناسب إلاّ التوجّه إليهم لأنّ ذلك من جملة أحوال كفرهم وهم لا يرعوون عنها ما داموا على كفرهم. أما المسلمون فسبق لهم تشريع بتحريم الربا بقوله تعالى: { أية : يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعٰفاً مضٰعفة } تفسير : في سورة آل عمران (130)، وهم لا يقولون إنّما البيع مثل الربا،فجعل الله هذا الوعيد من جملة أصناف العذاب خاصاً للكافرين لأجل ما تفرّع عن كفرهم من وضع الربا. وتقدم ذلك كلّه إنكارُ القرآن على أهل الجاهلية إعطاءهم الربا، وهو من أول ما نعاه القرآن عليهم في مكة، فقد جاء في سورة الروم (39): { أية : وما آتيتم من ربا ليُربو في أموال الناس فلا يَربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المُضعفون } تفسير : وهو خطاب للمشركين لأنّ السورة مكية ولأنّ بعد الآية قوْلُه: {الله خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء}. ومن عادات القرآن أن يذكر أحوال الكفّار إغلاظاً عليهم، وتعريضاً بتخويف المسلمين، ليكرّه إياهم لأحوال أهل الكفر. وقد قال ابن عباس: كلّ ما جاء في القرآن من ذمّ أحوال الكفار فمراد منه أيضاً تحذير المسلمين من مثله في الإسلام، ولذلك قال الله تعالى: { أية : ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } تفسير : [البقرة: 275] وقال تعالى: { أية : والله لا يحب كلّ كفّار أثيم } تفسير : [البقرة: 276]. ثم عطف إلى خطاب المسلمين فقال: { أية : يأيها الذين آمنوا اتقوا الله } تفسير : [البقرة: 278] الآيات، ولعلّ بعض المسلمين لم ينكفّ عن تعاطي الربا أو لعلّ بعضهم فتن بقول الكفار: إنّما البيع مثل الربا. فكانت آية سورة آل عمران مبدأ التحريم، وكانت هذه الآية إغلاق باب المعذرة في أكل الربا وبياناً لكيفية تدارك ما سلف منه. والربا يقع على وجهين: أحدهما السلف بزيادة على ما يعطيه المسلف، والثاني السلف بدون زيادة إلى أجل، يعني فإذا لم يوف المستسلف أداء الدين عند الأجل كان عليه أن يزيد فيه زيادة يتّفقان عليها عند حلول كل أجل. وقوله: {لا يقومون} حقيقة القيام النهوض والاستقلال، ويطلق مجازاً على تحسّن الحال، وعلى القوة، من ذلك قامت السوق، وقامت الحرب. فإن كان القيام المنفي هنا القيام الحقيقي فالمعنى: لا يقومون ــــــ يوم يقوم الناس لرب العالمين ــــــ إلاّ كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان، أي إلاّ قياماً كقيام الذي يتخبّطه الشيطان، وإن كان القيامَ المجازي فالمعنى إما على أنّ حرصهم ونشاطهم في معاملات الربا كقيام المجنون تشنيعاً لجشعهم، قاله ابن عطية، ويجوز على هذا أن يكون المعنى تشبيه ما يعجب الناس من استقامة حالهم، ووفرة مالهم، وقوة تجارتهم، بما يظهر من حال الذي يتخبّطه الشيطان حتى تخاله قوياً سريع الحركة، مع أنّه لا يملك لنفسه شيئاً. فالآية على المعنى الحقيقي وعيد لهم بابتداء تعذيبهم من وقت القيام للحساب إلى أن يدخلوا النار، وهذا هو الظاهر وهو المناسب لقوله: {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا}، وهي على المعنى المجازي تشنيع، أو توعّد بسوء الحال في الدنيا ولُقِّيَ المتَاعب ومرارة الحياة تحت صورة يخالها الرائي مستقيمة. والتخبّط مطاوع خَبَطه إذا ضربه ضرباً شديداً فاضطرب له، أي تحرّك تحرّكاً شديداً، ولما كان من لازم هذا التحرّك عدم الاتّساق، أطلق التخبّط على اضطراب الإنسان من غير اتّساق. ثم إنّهم يعمدون إلى فعل المطاوعة فيجعلونه متعدّياً إلى مفعول إذا أرادوا الاختصار، فعِوضاً عن أنّ يقولوا خبطه فتخبّط يقولون تخبّطه كما قالوا: اضطَرّه إلى كذا. فتخبُّط الشيطان المرءَ جَعْله إياه متخبّطاً، أي متحرّكاً على غير اتّساق. والذي يتخبّطه الشيطان هو المجنون الذيب أصابه الصرع. فيضطرب به اضطرابات، ويسقط على الأرض إذا أراد القيام، فلما شبهت الهيأة بالهيأة جيء في لفظ الهيأة المشبه بها بالألفاظ الموضوعة للدلالة عليها في كلامهم وإلاّ لَما فهمت الهيأة المشبّه بها، وقد عُرِف ذلك عندهم. قال الأعشى يصف ناقته بالنشاط وسرعة السير، بعد أن سارت ليلاً كاملاً: شعر : وتُصبح عن غِب السري وكأنّها ألمّ بها من طائف الجنِّ أوْلَقُ تفسير : والمسّ في الأصل هو اللمس باليد كقولها: «المَسُّ مَس أرنب»، وهو إذا أطلق معرّفاً بدون عهدِ مسَ معروف دل عندهم على مسّ الجن، فيقولون: رجل ممسوس أي مجنون، وإنّما احتيج إلى زيادة قوله من المسّ ليظهر المراد من تخبّط الشيطان فلا يظنّ أنّه تخبّط مجازي بمعنى الوسوسة. و(مِن) ابتدائية متعلقة بيتخبّطه لا محالة. وهذا عند المعتزلة جارٍ على ما عهده العربي مثل قوله: «طَلْعُها كأنّه رُؤوس الشياطين»، وقول امرىء القيس: شعر : ومسنونةٌ زُرقٌ كأنياببِ أغوال تفسير : إلاّ أنّ هذا أثره مشاهد وعلته مُتخيَّلة والآخران متخيَّلان لأنّهم ينكرون تأثير الشياطين بغير الوسوسة. وعندنا هو أيضاً مبني على تخييلهم والصرع إنّما يكون من علل تعتري الجسم مثل فيضان المِرّة عند الأطبّاء المتقدمين وتشنّج المجموع العصبي عند المتأخرين، إلاّ أنّه يجوز عندنا أن تكون هاته العلل كلّها تنشأ في الأصل من توجّهات شيطانية، فإنّ عوالم المجرّدات ــــــ كالأرواح ــــــ لم تنكشف أسرارها لنا حتى الآن ولعلّ لها ارتباطات شعاعية هي مصادر الكون والفساد. وقوله: {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا} الإشارة إلى {كما يقوم} لأنّ ما مصدرية، والباء سببية. والمحكيّ عنهم بقوله: {قالوا إنما البيع مثل الربا}، إن كان قولاً لسانياً فالمراد به قول بعضهم أو قول دُعاتهم وهم المنافقون بالمدينة، ظنّوا بسوء فهمهم أنّ تحريم الربا اضطراب في حينِ تحليل البيع، لقصد أن يفتنوا المسلمين في صحة أحكام شريعتهم؛ إذ يتعذّر أن يكون كل من أكل الربا قال هذا الكلام، وإن كان قولاً حالياً بحيث يقوله كل من يأكل الربا لو سأله سائل عن وجه تعاطيه الربا، فهو استعارة. ويجوز أن يكون {قالوا} مجازاً لأنّ اعتقادهم مساواة البيع للربا يستلزم أن يقوله قائل، فأطلق القول وأريد لازمه، وهو الاعتقاد به. وقولهم: {إنما البيع مثل الربا} قصر إضافي للردّ على من زعم تخالف حكمهما فحرم الربا وأحل البيع، ولمّا صُرح فيه بلفظ مِثل ساغ أن يقال البيع مثل الربا كما يسوغ أن يقال الربا مثل البيع، ولا يقال: إنّ الظاهر أن يقولوا إنّما الربا مثل البيع لأنّه هو الذي قصد إلحاقه به، كما في سؤال الكشاف وبنى عليه جعل الكلام من قبيل المبالغة؛ لأنّا نقول: ليسوا هم بصدد إلحاق الفروع بالأصول على طريقة القياس بل هم كانوا يتعاطون الربا والبيع، فهما في الخطور بأذهانهم سواء، غير أنّهم لما سمعوا بتحريم الربا وبقاء البيع على الإباحة سبق البيعُ حينئذ إلى أذهانهم فأحضروه ليثبتوا به إباحة الربا، أو أنّهم جعلوا البيع هو الأصل تعريضاً بالإسلام في تحريمه الربا على الطريقة المسمّاة في الأصول بقياس العكس؛ لأنّ قياس العكس إنّما يُلتجأ إليه عند كفاح المناظرة؛ لا في وقت استنباط المجتهد في خاصّة نفسه. وأرادوا بالبيع هنا بيع التجارة لا بيع المحتاج سلعته برأس ماله. وقوله: {وأحل الله البيع وحرم الربا} من كلام الله تعالى جواب لهم وللمسلمين، فهو إعراض عن مجادلتهم إذ لا جدوى فيها لأنّهم قالوا ذلك كفراً ونفاقاً فليسوا ممّن تشملهم أحكام الإسلام. وهو إقناع للمسلمين بأنّ ما قاله الكفار هو شبهة محضة، وأنّ الله العليم قد حرّم هذا وأباح ذاك، وما ذلك إلاّ لحكمة وفروق معتبرة لو تدبّرها أهل التدبّر لأدركوا الفرق بين البيع والربا، وليس في هذا الجواب كشف للشبهة فهو ممّا وكله الله تعالى لمعرفة أهل العلم من المؤمنين، مع أنّ ذكر تحريم الربا عقب التحريض على الصدقات يومىء إلى كشف الشبهة. واعلم أنّ مبنى شبهة القائلين {إنما البيع مثل الربا} أنّ التجارة فيها زيادة على ثمن المبيعات لقصد انتفاع التاجر في مقابلة جلب السلع وإرصادها للطالبين في البيع الناض، ثم لأجل انتظار الثمن في البيع المؤجّل، فكذلك إذا أسلف عشرة دراهم مثلاً على أنّه يرجعها له أحد عشر درهماً، فهو قد أعطاه هذا الدرهم الزائد لأجل إعداد ماله لمن يستسلفه؛ لأنّ المقرض تصدّى لإقراضه وأعدّ ماله لأجله، ثم لأجل انتظار ذلك بعد محل أجله. وكشف هاته الشبهة قد تصدّى له القفال فقال: «من باع ثوباً يساوي عشرة بعشرين فقد جعل ذات الثوب مقابَلاً بالعشرين، فلما حصل التراضي على هذا التقابل صارت العشرون عوضاً للثوب في المالية فلم يأخذ البائع من المشتري شيئاً بدون عوض، أما إذا أقرضه عشرة بعشرين فقد أخذ المقرض العشرة الزائدة من غير عوض. ولا يقال إنّ الزائد عوض الإمهال لأنّ الإمهال ليس مالاً أو شيئاً يشار إليه حتى يجعله عوضاً عن العشرة الزائدة». ومرجع هذه التفرقة إلى أنّها مجرّد اصطلاح اعتباري فهي تفرقة قاصرة. وأشار الفخر في أثناء تقرير حكمة تحريم الربا إلى تفرقة أخرى زادها البيضاوي تحريراً، حاصلها أنّ الذي يبيع الشيء المساوي عشرة بأحد عشر يكون قد مكّن المشتري من الانتفاع بالمبيع إما بذاته وإما بالتجارة به، فذلك الزائد لأجل تلك المنفعَة وهي مسيس الحاجة أو توقع الرّواج والربح، وأما الذي دفع درهماً لأجل السلف فإنّه لم يحصل منفعة أكثر من مقدار المال الذي أخذه، ولا يقال: إنّه يستطيع أن يتَّجر به فيربح لأنّ هذه منفعة موهومة غير محقّقة الحصول، مع أنّ أخذ الزائد أمر محقّق على كل تقدير. وهذه التفرقة أقرب من تفرقة القفال، لكنّها يردّ عليها أنّ انتفاع المقترض بالمال فيه سدّ حاجاته فهو كانتفاع المشتري بالسلعة، وأما تصدِّيهِ للمتاجرة بمال القرض أو بالسلعة المشتراة فأمر نادر فيها. فالوجه عندي في التفرقة بين البيع والربا أنّ مرجعها إلى التعليل بالمظنّة مراعاة للفرق بين حالي المقترض والمشتري، فقد كان الاقتراض لدفع حاجة المقترض للإنفاق على نفسه وأهله لأنّهم كانوا يعدّون التداين همّاً وكرباً، وقد استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم وحال التاجر حال التفضّل. وكذلك اختلاف حالي المُسْلِف والبائع، فحال باذل ماله للمحتاجين لينتفع بما يدفعونه من الربا فيزيدهم ضيقاً؛ لأنّ المُتسلّف مظنّة الحاجة، ألا تراه ليس بيده مال، وحال بائع السلعة تجارةً حالُ من تجشّم مشقّة لجلب ما يحتاجه المتفضّلون وإعداده لهم عند دعاء حاجتهم إليه مع بذلهم له ما بيدهم من المال. فالتجارة معاملة بين غنيّين: ألا ترى أنّ كليهما باذل لما لا يحتاج إليه وآخذٌ ما يحتاج إليه، فالمتسلّف مظنّة الفقر، والمشتري مظنّة الغِنى، فلذلك حرم الربا لأنّه استغلال لحاجة الفقير وأحلّ البيع لأنّه إعانة لطالب الحاجات. فتبيّن أنّ الإقراض من نوع المواساةِ والمعروف، وأنّها مؤكّدة التعيُّن على المواسي وجوباً أو ندْباً، وأيَّا ما كان فلا يحل للمقرض أن يأخذ أجراً على عمل المعروف. فأما الذي يستقرض مالاً ليتجَّر به أو ليوسع تجارته فليس مظنّة الحاجة، فلم يكن من أهل استحقاق مواساة المسلمين، فلذلك لا يجب على الغني إقراضه بحال فإذا قرضه فقد تطوّع بمعروف. وكفى بهذا تفرقة بين الحالين. وقد ذكر الفخر لحكمة تحريم الربا أسباباً أربعة: أولها أنّ فيه أخذ مال الغير بغير عوض، وأورد عليه ما تقدم في الفرق بينه وبين البيع، وهو فرق غير وجيه. الثاني أنّ في تعاطي الربا ما يمنع الناس من اقتحام مشاقّ الاشتغال في الاكتساب؛ لأنّه إذا تعوّد صاحب المال أخذ الربا خفّ عنه اكتساب المعيشة، فإذا فشا في الناس أفضى إلى انقطاع منافع الخلق لأنّ مصلحة العالم لا تنتظم إلاّ بالتجارة والصناعة والعمارة. الثالث أنّه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس بالقرض. الرابع أنّ الغالب في المقرِض أن يكون غنياً، وفي المستقرض أن يكون فقيراً، فلو أبيح الربا لتمكّن الغني من أخذ مال الضعيف. وقد أشرنا فيما مرّ في الفرق بين الربا والبيع إلى علة تحريمه وسنبسط ذلك عند قوله تعالى: { أية : يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة } تفسير : من سورة آل عمران (130). هذا وقد تعرّضت الآية إلى حكم هو تحليل البيع وتحريم الربا؛ لأنّها من قول الله تعالى لإعلان هذا التشريع بعد تقديم الموعظة بين يديه. و(أل) في كل من البيع والربا لتعريف الجنس، فثبت بها حكم أصلين عظيمين في معاملات الناس محتاج إليهما فيها: أحدهما يسمّى بيعاً والآخر يسمّى ربا. أولهما مباح معتبر كونه حاجياً للأمة، وثانيهما محرّم ألغيت حاجيته لما عارضها من المفسدة. وظاهر تعريف الجنس أنّ الله أحل البيع بجنسه فيشمل التحليلُ سائر أفراده، وأنّه حرم الربا بجنسه كذلك. ولما كان معنى {أحل الله البيع} أذِنَ فيه كان في قوة قضية موجَبة، فلم يقتض استغراق الجنس بالصيغة، ولم تقم قرينة على قصد الاستغراق قيامَها في نحو الحمدُ لله، فبقي محتملاً شمول الحِلّ لسائر أفراد البيع. ولما كان البيع قد تعتريه أسباب توجب فساده وحرمته تتبّعت الشريعة أسباب تحريمه، فتعطّل احتمال الاستغراق في شأنه في هذه الآية. أما معنى قوله: {وحرم الربا} فهو في حكم المنفي لأنّ حرم في معنى منع، فكان مقتضياً استغراق جنس الربا بالصيغة؛ إذ لا يطرأ عليه ما يصيّره حلالاً. ثم اختلف علماء الإسلام في أنّ لفظ الربا في الآية باق على معناه المعروف في اللغة، أو هو منقول إلى معنى جديد في اصطلاح الشرع. فذَهَب ابن عباس وابن عمر ومعاوية إلى أنّه باق على معناه المعروف وهو ربا الجاهلية، أعني الزيادة لأجل التأخير، وتمسك ابن عباس بحديث أسامة « حديث : إنّما الربا في النسيئة » تفسير : ولم يأخذ بما ورد في إثبات ربا الفضل بدون نسيئة، قال الفخر: «ولعلّه لا يرى تخصيص القرآن بخبر الآحاد»، يعني أنّه حمل {أحل الله البيع} على عمومه. وأما جمهور العلماء فذهبوا إلى أنّ الربا منقول في عرف الشرع إلى معنى جديد كما دلّت عليه أحاديث كثيرة، وإلى هذا نحا عمر بن الخطاب وعائشة وأبو سعيد الخدري وعبادة بن الصامت بل رأى عمر أنّ لفظ الربا نقل إلى معنى جديد ولم يبيَّن جميعُ المراد منه فكأنّه عنده ممّا يشبه المجمل، فقد حَكى عنه ابن رشد في المقدمات أنّه قال: «كان من أخر ما أنزل الله على رسوله آية الربا فتوفي رسول الله ولم يفسرها، وإنّكم تزعمون أنّا نعلم أبواب الربا، ولأنْ أكون أعلَمُها أحبُ إليّ من أن يكون لي مثل مصر وكورها» قال ابن رشد: ولم يرُد عمر بذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفسر آية الربا، وإنّما أراد والله أعلم أنّه لم يعمّ وجوه الربا بالنص عليها. وقال ابن العربي: بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى الربا في ستة وخمسين حديثاً. والوجهُ عندي أن ليس مراد عمر أنّ لفظ الربا مجمل لأنّه قابله بالبيان وبالتفسير، بل أراد أنّ تحقيق حكمه في صور البيوع الكثيرة خفي لم يَعمَّه النبي صلى الله عليه وسلم بالتنصيص؛ لأنّ المتقدمين لا يتوخّون في عباراتهم ما يساوي المعاني الاصطلاحية، فهؤلاء الحنفية سمّوا المخصّصات بيانَ تغيير. وذكر ابن العربي في العواصم أنّ أهل الحديث يتوسّعون في معنى البيان. وفي تفسير الفخر عن الشافعي أنّ قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} من المجملات التي لا يجوز التمسك بها، أي بعمومَيْها: عموم البيعِ وعمومِ الربا؛ لأنّه إن كان المراد جنس البيع وجنس الزيادة لزم بيان أيّ بيع وأيّ زيادة، وإن كان المراد كل بيع وكل زيادة فما من بيع إلاّ وفيه زيادة، فأول الآية أباح جميع البيوع وآخرها حرم الجميع، فوجب الرجوع إلى بيان الرسول عليه السلام. والذي حمل الجمهورَ على اعتبار لفظ الربا مستعملاً في معنى جديد أحاديثُ وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل دلت على تفسير الربا بما هو أعم من ربا الجاهلية المعروف عندهم قبل الإسلام، وأصولها ستة أحاديث: الحديث الأول حديث أبي سعيد الخِدْري: «الذهب بالذهب والفضّة بالفضّة والبرّ بالبرّ والشعير بالشعير والتَّمر بالتمر والمِلح بالمِلح مِثْلاً بِمثْلٍ يداً بيد، فمن زاد وازداد فقد أربى، الآخِذ والمعطي في ذلك سواء». الثاني حديث عبادة بن الصامت: «الذهبُ بالذهب تِبْرُها وعَيْنُها والفضّة بالفضّة تِبْرها وعَينها والبُرّ بالبُرّ مُدّاً بمدّ وَالشعير بالشعير مُداً بمد والتمر بالتمر مُداً بمد والمِلْح بالملح مداً بمد، فمن زاد واستزاد فقد أربى، ولا بأس ببيع الذهب بالفضّة والفضّة بالذهب أكثرهما يداً بيد، وأما النسيئة فلا» رواه أبو داود، فسمّاه في هذين الحديثين ربا. الثالث حديث أبي سعيد: أنّ بلالاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر بَرْنِيَ، فقال له: من أين هذا فقال بلال: تَمر كان عندنا رديء فبعتُ منه صاعين بصاع لطَعم النبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أوّهْ عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ثم اشتر من هذا» فسمّى التفاضل ربا. الرابع حديث «الموطأ» و«البخاري» عن ابن سعيد وأبي هريرة أنّ سواد بن غَزِيَّةِ جاء في خيبر بتمر جَنِيب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : أكُلُّ تمرِ خيبرَ هكذا » تفسير : فقال: «يا رسول الله إنّا لنأخُذُ الصاع من هذا بالصاعين والثلاثة» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : لا تَفْعَلْ، بع الجمعْ بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جَنِيبا » تفسير : . الخامس حديث عائشة في «صحيح البخاري»: قالت « حديث : لما نزلت الآيات من آخر البقرة في الربا قرأها النبي ثم حَرّم التجارة في الخمر » تفسير : فظاهره أنّ تحريم التجارة في الخمر كان عملاً بآية النهي عن الربا وليس في تجارة الخمر معنى من معنى الربا المعروف عندهم وإنّما هو بيع فاسد. السادس حديث الدارقطني ــــــ ورواه ابن وهب عن مالك ــــــ أنّ العالية بنت أيْنَع وفدت إلى المدينة من الكوفة، فلقيت عائشة فأخبرتْها أنّها باعت من زيد بن أرقم في الكوفة جارية بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم إنّ زيداً باع الجارية فاشترتها العالية منه بستمائة نقداً، فقالت لها عائشة: «بئسما شَرَيْتِ وما اشتريتِ، أبْلِغِي زيداً أنّه قد أبطل جِهاده مع رسول الله إلاّ أن يتوب»، قالت: فقلت لها: «أرأيتِ إن لم آخذ إلاّ رأس مالي» قالت: «فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف» فجعلته عائشة من الربا ولذلك تلت الآية. فلأجل هذه الأحاديث الستة أثبت الفقهاء ثلاثة أنواع للربا في اصطلاح الشرع: الأول ربا الجاهلية وهو زيادة على الدين لأجل التأخير. الثاني ربا الفضل وهو زيادة في أحد العوضين في بيع الصنف بصنفه من الأصناف المذكورة في حديث أبي سعيد وعُبادة بن الصامت. الثالث ربا النسيئة وهو بيع شيء من تلك الأصناف بمثله مؤخّراً. وزاد المالكية نوعاً رابعاً: وهو ما يؤول إلى واحد من الأصناف بتهمة التحيّل على الربا، وترجمُه في المدوّنة ببيوع الآجال، ودليل مالك فيه حديث العالية. ومن العلماء من زعم أنّ لفظ الربا يشمل كل بيع فاسد أخذا من حديث في تحريم تجارة الخمر، وإليه مال ابن العربي. وعندي أنّ أظهر المذاهب في هذا مذهب ابن عباس، وأنّ أحاديث ربا الفضل تحمل على حديث أسامة « حديث : إنّما الربا في النسيئة » تفسير : ليجمع بين الحديثين، وتسمية التفاضل بالربا في حديثي أبي سعيد وعُبادة بن الصامت دليل على ما قلناه، وأنّ ما راعاه مالك من إبطال ما يفضي إلى تعامل الربا إن صدر من مواقع التهمة رعي حسن، وما عداه إغراق في الاحتياط، وقد يؤخذ من بعض أقوال مالك في «الموطأ» وغيره أنّ انتفاء التهمة لا يبطل العقد. ولا متمسّك في نحو حديث عائشة في زيد بن أرقم لأنّ المسلمين في أمرهم الأول كانوا قريبي عهد بربا الجاهلية، فكان حالهم مقتضياً لسدّ الذرائع. وفي «تفسير القرطبي»: كان معاوية بن أبي سفيان يذهب إلى أنّ النهي عن بيع الذهب بالذهب والفضّة بالفضّة متفاضلاً إنّما ورد في الدينار المضروب والدرهم المضروب لا في التبر ولا في المصوغ، فروى مسلم عن عبادة بن الصامت قال: غزونا وعَلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنيَة من ذهب، فأمر معاوية رجالاً ببيعها في أعطياتِ الناس، فتنازع الناس في ذلك، فبلغ ذلك عُبادة بن الصامت فقام فقال: «سمعتُ رسول الله ينهَى عن بيع الذهب بالذهب والفضّة بالفضّة إلاّ سواء بسواء عيْناً بعين، من زاد وازداد فقد أربَى» فبلغ ذلك معاويةَ فقام خطيباً فقال: «ألا ما بال أقوام يتحدّثون عن رسول الله أحاديث قد كنّا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه» فقال عبادة بن الصامت: «لنحدّثن بما سمعنا من رسول الله وإن كَرِه معاوية». والظاهر أنّ الآية لم يُقصد منها إلاّ ربا الجاهلية، وأنّ ما عداه من المعاملات الباطلة التي فيها أكل مال بالباطل مُندرجة في أدلة أخرى. وقوله: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى} الآية تفريع على الوعيد في قوله: {الذين يأكلون الربا}. والمجيء بمعنى العلم والبلاغ، أي من علم هذا الوعيد، وهذا عذر لمن استرسل على معاملة الربا قبل بلوغ التحريم إليه، فالمراد بالموعظة هذه الآية وآية آل عمران. والانتهاء مطاوع نهاه إذا صدّه عمّا لا يليق، وكأنّه مشتق من النُّهَى ــــــ بضم النون ــــــ وهو العقل. ومعنى «فله ما سلف»، أي ما سلف قبْضُه من مال الربا لا ما سلف عقده ولم يُقبض، بقرينة قوله ــــــ الآتي ــــــ { أية : وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم } تفسير : [البقرة: 279]. وقوله: {وأمره إلى الله} فرَضَوا فيه احتمالات يرجع بعضها إلى رجوع الضمير إلى «من جاءه» وبعضها إلى رجوعه إلى ما سلف، والأظهر أنّه راجع إلى من جاءه لأنّه المقصود، وأنّ معنى {وأمره إلى الله} أنّ أمر جزائه على الانتهاء موكول إلى الله تعالى، وهذا من الإيهام المقصود منه التفخيم. فالمقصود الوعد بقرينة مقابلته بالوعيد في قوله: {ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}. وجُعل العائد خالداً في النار إما لأنّ المراد العود إلى قوله: {إنما البيع مثل الربا}، أي عاد إلى استحلال الربا وذلك نِفاق؛ فإنّ كثيراً منهم قد شقّ عليهم ترك التعامل بالربا، فعلم الله منهم ذلك وجعَل عدم إقلاعهم عنه أمارة على كذب إيمانهم، فالخلود على حقيقته. وإما لأنّ المراد العود إلى المعاملة بالربا، وهو الظاهر من مقابلته بقوله: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى} والخلود طول المكث كقول لبيد: شعر : فوقفْتُ أسألُها وكيفَ سؤالُنا صُمّاً خَوَالِدَ ما يَبِين كلامُها تفسير : ومنه: خلَّد الله مُلك فلان. وتمسك بظاهر هاته الآية ونحوها الخوارج القائلون بتكفير مرتكب الكبيرة كما تمسكوا بنظائرها. وغفلوا عن تغليظ وعيد الله تعالى في وقت نزول القرآن؛ إذ الناس يومئذ قريبٌ عهدهم بكفر. ولا بد من الجمع بين أدلّة الكتاب والسنة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ} الآية. معنى هذه الآية الكريمة أن من جاءه موعظة من ربه يزجره بها عن أكل الربا فانتهى أي: ترك المعاملة بالربا. خوفاً من الله تعالى وامتثالاً لأمره {فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة: 275] أي: ما مضى قبل نزول التحريم من أموال الربا ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الله لا يؤاخذ الإنسان بفعل أمر إلا بعد أن يحرمه عليه، وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة فقد قال في الذين كانوا يشربون الخمر، ويأكلون مال الميسر قبل نزول التحريم: {أية : لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} تفسير : [المائدة: 93] الآية. وقال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل التحريم: {أية : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} تفسير : [النساء: 22] أي: لكن ما سلف قبل التحريم فلا جناح عليكم فيه ونظيره قوله تعالى: {أية : وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلاخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} تفسير : [النساء: 23]. وقال في الصيد قبل التحريم: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف} تفسير : [المائدة: 95] الآية. وقال في الصلاة إلى بيت المقدس قبل نسخ استقباله: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}تفسير : [البقرة: 143] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل النسخ. ومن أصرح الأدلة في هذا المعنى أن النَّبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين لما استغفروا لقربائهم الموتى من المشركين وأنزل الله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [التوبة: 113] وندموا على استغفارهم للمشركين أنزل الله في ذلك: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} تفسير : [التوبة: 115] فصرح بأنه لا يضلهم بفعل أمر إلا بعد بيان اتقائه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 275- الذين يتعاملون بالربا لا يكونون فى سعيهم وتصرفهم وسائر أحوالهم إلا فى اضطراب وخلل، كالذى أفسد الشيطان عقله فصار يتعثر من الجنون الذى أصابه، لأنهم يزعمون أن البيع مثل الربا فى أن كلا منهما فيه معاوضة وكسب. فيجب أن يكون كلاهما حلالا، وقد رد الله عليهم زعمهم فبين لهم أن التحليل والتحريم ليس من شأنهم، وأن التماثل الذى زعموه ليس صادقاً، والله قد أحل البيع وحرم الربا، فمن جاءه أمر ربه بتحريم الربا واهتدى به، فله ما أخذه من الربا قبل تحريمه، وأمره موكول إلى عفو الله. ومن عاد إلى التعامل بالربا باستحلاله بعد تحريمه، فأولئك يلازمون النار خالدين فيها. 276- إن الله يُذهب الزيادة المأخوذة من الربا، ويبارك فى المال الذى تؤخذ منه الصدقات، ويثيب عليها أضعافاً مضاعفة. والله لا يحب الذين يصرون على تحليل المحرمات كالربا، ولا الذين يستمرون على ارتكابها.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يأكلون الربا: يأخذونه ويتصرفون فيه بالأكل في بطونهم، وبغير الأكل والربا هنا ربا النسيئة وحقيقته أن يكون لك على المرء دين فإذا حل أجله ولم يقدر على تسديده تقول له: أخر وزد فتؤخره أجلا وتزيد في رأس المال قدراً معيناً، هذا هو ربا الجاهلية والعمل به اليوم في البنوك الربوية فيسلفون المرء مبلغاً الى أجل ويزيدون قدراً آخر نحو العشر أو أكثر أو أقل والربا حرام بالكتاب والسنة والإِجماع وسواء كان ربا فضل أو ربا نسيئة. لا يقومون: من قبورهم يوم القيامة. يتخبطه الشيطان: يضربه الشيطان ضرباً غير منتظم. من المس: المس الجنون، يقال: بفلان مسّ من جنون. موعظة: أمر أو نهي بترك الربا. فله ما سلف: ليس عليه أن يراد الأموال التي سبقت توبته. يمحق الله الربا: أي يذهبه شيئاً فشيئاً حتى لا يبقى منه شيء كمحاق القمر آخر الشهر. ويربي الصدقات: يبارك في المال الذي أخرجت منه، ويزيد فيه، ويضاعف أجرها أضعافاً كثيرة. كفار أثيم: الكفار: شديد الكفر، يكفر بكل حق وعدل وخير، أثيم: منغمس في الذنوب لا يترك كبيرة ولا صغيرة إلا ارتكابها. معنى الآيتين: لما حث الله على الصدقات وواعد عليها بعظيم الأجر ومضاعفة الثواب ذكر المرابين الذين يضاعفون مكاسبهم المالية بالربا وهم بذلك يسدُّون طرق البر، ويصدون عن سبيل المعروف فبدل أن ينموا أموالهم بالصدقات نموها بالربويات، فذكر تعالى حالهم عند القيام من قبورهم وهم يقومون، ويقعدون، ويغفون ويُصرعون، حالهم حال من يصرع في الدنيا بمس الجنون، علامة يعرفون بها يوم القيامة كما يعرفون بانتفاخ بطونهم وكأنها خيمة مضروبة بين أيديهم قال تعالى: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ}، وذكر تعالى سبب هذه النقمة عليهم فقال {ذَلِكَ} أي أصابهم ذلك الخزي والعذاب بأنهم ردّوا علينا حكمنا بتحريم الربا وقالوا إنما البيع مثل الربا، إذ الربا الزيادة في نهاية الأجل، والبيع في أوله، ورد تعالى عليهم فقال: {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ} فما دام قد حرم الربا فلا معنى للاعتراض، ونسوا أن الزيادة في البيع هي في قيمة سلعة تغلوا وترخص، وهي جارية على قانون الإِذن في التجارة، وأما الزيادة في آخر البيع فهي زيادة في الوقت فقط. ثم قال تعالى مبيّناً لعباده سبيل النجاة محذراً من طريق الهلاك: {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ} وهي تحريمه تعالى للربا ونهيه عنه فانتهى عنه فله ما سلف قبل معرفته للتحريم، أو قبل توبته منه، وأمرُه بعد ذلك إلى الله إن شاء ثبته على التوبة فنجاه، وإن شاء خذله لسوء عمله، وفساد نيّته فأهلكه وأرداه وهذا معنى قوله تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. أخبر تعالى أنه بعدله يمحق الربا، وبفضله يربي الصدقات، وأنه لا يحب كل كفار لشرع الله وحدوده، أثيم بغشيانه الذنوب وارتكابه المعاصي. كان هذا معنى الآية الأولى [275] أما الآية الثانية [276] فهي وعد رباني صادق وبشرى إلهية سارة لكل من آمن وعمل صالحاً وأقام الصلاة على الوجه الذي تقام به وآتى الزكاة بأنْ له أجره وافٍ عند ربّه يتسلمه يوم الحاجة إليه في عرصات القيامة وأنه لا يخاف مما يستقبله في الحياة الدنيا والآخرة ولا يحزن أيضاً في الدنيا ولا في الآخرة. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- بيان عقوبة آكل الربا يوم القيامة لاستباحتهم الربا وأكلهم له وعدم التوبة منه. 2- تحريم الربا وكل مال حرام لما جاء في الآية من الوعيد الشديد. 3- صفة الحب لله تعالى وأنه تعالى يحب أولياءه وهم أهل الإِيمان به وطاعته ويكره أعداءه وهم أهل الكفر به ومعاصيه من أكل الربا وغيره من كبائر الذنوب. 4- حلية البيع إن تم على شروطه المبيّنة في كتب الفقه. 5- من تاب من الربا تقبل توبته، ويحل له ما أفاده منه قبل التوبة بشرط سيأتي في الآيات بعد هذه. 6- وعيد الله تعالى بمحق الربا ووعده بإرباء الصدقة. 7- بشرى الله تعالى لأهل الإِيمان والعمل الصالح مع إقامتهم للصلاة وإيتائهم الزكاة.
القطان
تفسير : يأكلون: يأخذون. الربا: الزيادة يتخبّطه: يصرعه ويضربه. المس: الجنون. يمحق: ينقص. يربي. يزيد. ما سلف: ما تقدم. يعتمد الاسلام في بناء المجتمع مبادىء قيمة، أهمها في الجانب المادي من الحياة مطالبةُ كل فرد من أفراد المجتمع بالعمل الذي يكفل له حاجته. لقد أشعرَ الاغنياء ان حق الانتفاع بهذا المال مشتركٌ بينهم وبين اخوانهم الفقراء. كما أوجب مدَّ يد المعونة الى الفقراء والمساكين والمحتاجين، إما بالبذل والعطاء أو بتهيئة العمل. كذلك أوجب على ذوي المال ان يدفعوا الى اولياء الأمر ما يمكنّهم من اقامة المصالح التي تحقق الخير للمجتمع. على هذه الأسس التي تقتضيها الأُخوة والتعاون، وتبادل الشعور بين الافراد، امتلأ القرِآن بآيات الحث على الانفاق للفقراء والمساكين وفي سبيل الله, وفي هذا الوضع الذي انتهجه الاسلام في بناء المجتمع، كان من غير المعقول ان يبيح للغني من أهله ان يستقل بمتعة ماله دون ان يمد يده الى المحتاج من اخوانه والمواطنين في دولته. واذا كان من غير المعقول في الاسلام ان يباح للغني ان يقبض يده عن معونة أخيه الفقير، فمن غير المعقول أشد ان يباح له استغلال أخيه وأخذ ماله بالربا وشد الخناق. لذلك عمد الإسلام إلى الاصلاح بتحريم الربا تحريماً قاطعا. وقد جاء الاسلام في وقتٍ فرغت قلوب الناس فيه من معاني الرحمة والتعاون، كانوا يأكل قويهم ضعيفهم، ويستغل غنيهم فقيرهم ـ فأفرغ جهده في القضاء على منابع الشر، وازالة الحواجز التي قطّعت ما بين الناس من صلات التراحم والتعاون، وأخذ يبني المجتمع بناءً واحداً متماسك الأطراف. وكان أول ما اتخذه من ذلك ايجاباً الحثُّ على التعاون والتراحم. ثم كان تحذيره الشديد فيما يخص الناحية السلبية، فحرَّم الربا والرشوة، بعد ان حرم الشحَّ والضن بحق الفقير والمسكين. وربا الجاهلية الذي كان عليه الناس نوعان الأول: ربا النسيئة، وهو أن يقرض الرجل أخاه من المال لزمن محدود على ان يدفعه له مع زيادة معينة. وقد نص القرآن على تحريمه، وجعل التعامل به من الكبائر. والنوع الثاني: ربا الفضل، وهو ان يبيع الرجل نوعا من السلعة بمثلها مع زيادة احد العوضَين على الآخر، كأن يبيع قنطارا من القمح بقنطار وربع أو نصف. وهذا ايضا من الربا المنصوص على تحريمه في الحديث الشريف لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ولا تبيعوا الذهب بالذهب، والورق بالورق، والبُرَّ بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح الا سواء بسواء، عينا بعين، يداً بيد"تفسير : . وقد اتفق الفقهاء على تحريمه، وأباحوا الزيادة اذا اختلف الجنس. وقد حرموا التأجيل في هذه الأصناف، واختلفوا في قياس غيرها عليها اختلافا كبيرا. وتحريم الربا الذي جاء في القرآن الكريم، تنظيم اقتصادي عظيم، وهو يتفق مع ما قرره الفلاسفة في الماضي وما انتهت اليه النظم الاقتصادية الحديثة. فأرسطو يقرر ان الكسب بالفائدة نظام غير طبيعي، فالنقد لا يلد النقد. والاقتصاديون يقررون أن طرق الكسب أربَع: ثلاثٌ منها منتجة والرابعة غير منتجة. فالثلاث المنتجة: العمل ويتبعه الصناعة؛ والزراعة؛ والمخاطرة في التجارة.. لأنها في نقل الأشياء من مكان انتاجها الى مكان استهلاكها تتعرض لمخاطر، وتزيد قيمتها بهذا الانتقال. وذلك في ذاته انتقال. وذلك في ذاته انتاج. أما الرابعة فهي الفائدة أو الربا، وهذه لا مخاطرة فيها، لأن القرض لا يتعرض للخسارة، بل له الكسب دائما؛ ولأنه لا انتاج الا لِعملِ المقترض، فالفائدة نتيجةٌ لذلك، هذا كما ان اباحة الكسب بالفائدة تؤدي الى تحكم رؤوس الأموال في العمل. وهذا غير سليم. وتذكر الآية ان الذين يتعاملون بالربا لا يقومون يوم القيامة من قبورهم كبقية الناس وانما كالمجنون الذي اصابه مسّ من الشيطان فهو يتخبط بفعل الصرع. ولماذا؟ لأنهم ستحلّوا أكل الربا وقالوا لا فرق بين البيع والربا، فكما يجوز بيع السلعة التي ثمنها عشرة دراهم نقدا بعشرين درهما بأجل، يجوز أن يعطي الانسان أحد المحتاجين عشرة دراهم على أن يردها بعد أجلٍ، والسبب في كل من الزيادتين واحد هو الأجل. تلك حجتهم. وهم واهمون فيما قالوا، وقياسهم فاسد. فالله أحلّ الأرباح في الشراء البيع وحرّم الربا. ذلك ان البيع ملاحَظ فيه دائما انتفاع المشتري بالسلعة انتفاعاً حقيقياً، اما الربا فهو اعطاء الدراهم ثم أخذُها بدون مخاطرة ولا تعب، كما ان الكسب فيها مضمون دائما بخلاف التجارة والعمل. {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ}. أي: فمن بلغه تحريم الله الربا فتركه فورا، فله ما كان قد أخذه من الربا فيما تقدم لا يكلَّف بردِّهِ الى من دفعوه، وانما عليه ألا يأخذ ربا بعد ذلك.. ان أمره موكول الى الله يحكم فيه بعدله وعفوه. اما من عاد الى أكل الربا بعد تحريمه فأولئك الذين لم يتعظوا بموعظة من ربهم، فهم أصحاب النار هم فيها خالدون. ان الله تعالى يُذهب الربا ويهلك المال الذي يدخل فيه، لكنّه يضاعف ثواب الصدقات ويبارك في المال الذي خرجت منه الصدقة. والله لا يحب كل من تمادى في إنكار ما أنعم الله به عليه من المال، كأن لا ينفق منه في سبيله، ولا يواسي المحتاجين من عباده. والأثيم: هو المنهمك في ارتكاب الذنوب والمحرمات، فهو قد جعل ماله آلة لجذب ما في أيدي الناس الى يده فاستغلّ إعسارهم وأخذ أقواتهم وامتص دماءهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلرِّبَا} {ٱلشَّيْطَانُ} {فَأُوْلَـٰئِكَ} {أَصْحَابُ} {خَالِدُونَ} (275) - بَعْدَ أنْ ذَكَر اللهُ تَعَالى الإِنفَاقَ فِي سَبيلِ اللهِ، وَالتَّصَدُّقَ عَلَى عِبَادِهِ، وَإخْراجَ الزَّكَاةِ، شَرَعَ فِي عَرْضِ حَالِ آكِلِي الرِّبا، وَأمْوالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، وَأَنْوَاعِ الشُّبُهَاتِ، فَأخْبَرَ عَنْ حَالِهِمْ يَوْمَ خُرُوجِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، يَوْمَ البَعْثِ وَالنُّشُورِ، فَقَالَ عَنْهُم: إنَّهُم لاَ يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ إلاّ قِياماً مُنْكَراً، كَمَا يَقُومُ المَصْرُوعُ حَالَ صَرَعِهِ. وَأكْلُهُمُ الرِّبَا هَذا قائِمٌ عَلى اسْتِحلاَلِهِمْ لَهُ، وَجَعْلِهِ كَالبَيْعِ، فَيَقُولُونَ: كَمَا يَجُوزُ أنْ يَبيعَ الإِنْسَانُ سِلعَتَهُ التِي ثَمَنُهَا عَشَرَةُ دَراهِمَ نَقْداً بِعِشْرِينَ دِرْهَماً لأِجَلٍ، كَذلِكَ يَجُوز لَهُ أنْ يُعْطِيَ المُحْتَاجَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ عَلَى أنْ يَرُدَّهَا عَلَيهِ عِشْرِينَ دِرْهَماً بَعْدَ سَنَةٍ، فَالسَّبَبُ فِي رَأيِهِمْ وَاحِدٌ فِي كُلٍّ مِنَ الزِّيَادَتَيْنِ، وَهُوَ الأجَلُ. هَذِهِ هِيَ حُجَّةُ آكِلِي الرِّبا وَهُمْ وَاهِمُونَ فِيمَا قَالُوهُ، وَقِيَاسُهُمْ فَاسِدٌ، لأنَّ البَيْعَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي حِلَّهُ لأَِنَّهُ يُلاحَظُ فِيهِ دَائماً انْتِفاعُ المُشْتَرِي بِالشَّيْءِ انْتِفَاعاً حَقِيقيّاً. أمَّا الرِّبا فَهُوَ إعْطَاءُ الدَّراهِم وَالْمِثْلِيَّاتِ وَأخْذُها مُضَاعَفَةً فِي وَقْتٍ آخَرَ. فَمَا يُؤخَذُ مِنَ المَدِينِ زِيَادَةً في رَأسِ المَالِ لاَ مُقَابِلَ لَهُ مِنْ عَيْنٍ وَلاَ عَمَل. فَمَنْ بَلَغَهُ نَهْيُ اللهِ عَنِ الرِّبا، فَانْتَهى عَنِ الرِّبا فَلَهُ مَا سَلَفَ مِمَّا أكَلَهُ مِنَ الرِّبا قَبْلَ التَّحْرِيم، وَمَا سَبَقَ لَهُ أنْ أخَذَهُ أَيَّامَ الجَاهِلِيَّةِ، وَأمْرُهُ مَرْدُودٌ إلى اللهِ. وَمَنْ عَادَ إلى الرِّبا، بَعْدَ أنْ بَلَغَهُ النَّهْيُ عَنْهُ، فَقَدِ اسْتَوْجَبَ العُقُوبَةَ مِنَ اللهِ، وَالخُلُودَ في نَارِ جَهَنَّمَ. الذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ - أي المَصْرُوعُ. وَكَانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ أنَّ الشَيْطَانَ يَخْبِطُ الإِنْسَانَ فَيَصْرَعُهُ. جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ - بَلَغَهُ أمْرُ نَهْيِ اللهِ عَنْ أكْلِ الرِّبا. المَسِّ - الجُنُونِ وَالخَبَلِ. مَرَاحِلُ تَحْرِيمِ الرِّبا فِي القُرْآنِ: كَمَا مَرَّ تَحْرِيمُ الخَمْرِ فِي مَرَاحِلَ، كَذَلِكَ مَرَّ تَحْرِيمُ الرِّبا فِي أرْبَعِ مَرَاحِلَ مُتَدَرِّجَةٍ: 1- فِي المَرْحَلَةِ الأولى - قَالَ الله تَعَالَى فِي الآيةِ المَكِّيَّةِ {أية : وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ ٱللَّهِ}تفسير : أيْ إنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيةِ إنَّ الرِّبا لاَ ثَوَابَ فِيهِ عِنْدَ اللهِ. 2- وَفِي المَرْحَلَةِ الثَّانِيَةِ - ألْقىَ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُسْلِمِينَ دَرْساً وَعِبْرَةً مِنْ سِيرَةِ اليَهُودِ الذِينَ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِمْ أكْلَ الرِّبَا فَأكَلُوهُ، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ بِمَعْصِيَتِهِمْ. فَقَدْ جَاءَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً}. تفسير : كَمَا جَاءَ بَعْدَهَا {أية : وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}. تفسير : وَهَذِهِ العِبْرَةُ لاَ يَكُونُ لَهَا أثَرٌ إلاَّ إذَا كَانَ مِنْ وَرَائِهَا نَوْعٌ مِنْ تَحْرِيمِ الرِّبا عَلَى المُسْلِمينَ. وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذا المَوْضِعِ نَهْيٌ صَرِيحٌ عَنِ الرِّبا، وَلكِنَّهُ أُلْمِحَ إلَيهِ. 3- المَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ - وَلَمْ يَجِىءِ النَّهْيُ الصَّرِيحُ إلاَّ فِي المَرْحَلَةِ الثَّالِثَةِ، وَلَمْ يَكُنْ إلاَّ نَهْياً جُزْئِياً عَنِ الرِّبا الفَاحِشِ الذِي يَتَزَايَدُ حَتَّى يَصِيرَ أضْعَافاً مُضَاعَفَةً. {أية : يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً}. تفسير : 4- المَرْحَلَةُ الرَابِعَةُ - وَفِي المَرْحَلَةِ الرَابِعَةِ وَالأخِيرَةِ خُتِمَ التَّشْرِيعُ القُرْآنِيُّ كُلُّهُ بِالنَّهِي الحَاسِمِ عَنْ كُلِ مَا يَزِيدُ عَلَى رَأسِ مَالِ الدَّيْنِ. {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}. تفسير : وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: "حديث : إيَّاكَ وَالذُّنوبَ التِي لاَ تُغْفَرُ: الغُلُولُ فَمَنْ غَلَّ شَيْئاً أَتَى بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ والرِّبا، فَمَنْ أكَلَ الرِّبا بُعِثَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَجْنُوناً يُتَخَبَّطُ ". تفسير : وَاللهُ تَعَالَى لاَ يُحِبُّ الذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى ارتِكَابِ المُحَرَّمَاتِ وَعَلَى تَحْلِيلِها، وَلاَ يُحِبُّ الذِينَ لاَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ فِي سَبيلِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وانظروا إلى كلمة "يأكلون"، هل كل حاجات الحياة أكل؟ لا، فحاجات الحياة كثيرة، الأكل بعضها، ولكن الأكل أهم شيء فيها؛ لأنه وسيلة استبقاء النفس. و"الربا" هو الأمر الزائد، وما دام هو الأمر الزائد يعني هو لا يحتاج أن يأكل، فهذا تقريع له. إن الحق يريد أن يبشع هذا الأمر فيقول: لهم سمة. هذه السمة قال العلماء أهي في الآخرة يتميزون بها في المحشر، كما يقول الحق: {أية : يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ ..}تفسير : [الرحمن: 41]. فهؤلاء غير المصلين لهم علامة مميزة، وهؤلاء غير المزكين لهم علامة أخرى مميزة بحيث إذا رأيتهم عرفتهم بسيماهم، وأنهم من أي صنف من أصناف العصاة، فكأنهم حين يقومون يوم القيامة يقومون مصروعين كالذي يتخبطه ويضربه الشيطان من المس فيصرعه، أو أن ذلك أمر حاصل لهم في الدنيا، ولنبحث هذا الأمر: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ} [البقرة: 275]. نريد أن نعرف كلمة "التخبط" وكلمة "الشيطان" وكلمة "المس". "التخبط" هو الضرب على غير استواء وهدى، أنت تقول: فلان يتخبط، أي أن حركته غير رتيبة، غير منطقية، حركة ليس لها ضابط، ذلك هو التخبط. و"الشيطان" جنس من خلق الله؛ لأن الله قال لنا: إنه خلق الإنس والجن، والجن منهم شياطين، وجن مطلق، والشيطان هو عاصي الجن. ونحن لم نر الشيطان، ولكننا علمنا به بواسطة إعلام الحق الذي آمنا به فقال: أنا لي خلق مستتر، ولذلك سميته الجن، من الاستتار ومنه المجنون أي المستور عقله، والعاصي من هذا الخلق اسمه "شيطان". إذن فإيماننا به لا عن حس، ولكن عن إيمان بغيب أخبرنا به من آمنا به. وحين نجد شيئاً اسمه الإيمان يجب أن نعرف أنه متعلق بشيء غير مُحس؛ لأن المُحس لا يقال لك: آمن به؛ لأنه مشهود لك، فأنا لا أقول: أنا أؤمن بأن المصباح منير الآن، أنا لا أؤمن بأننا مجتمعون في المسجد الآن، لا أقول ذلك لأن هذا واقع مشهود ومُحسّ. إذن فالأمر الإيماني يتعلق بالغيب، مثل الإيمان بوجود الملائكة. فإذا ما كنا قد آمنا بالغيب نجد الحق سبحانه وتعالى يعطي لنا صورة للشيطان، ولكنه حين يعطينا صورة للشيطان أو لرأس الشيطان المميزة له، كما أن رءوسنا نحن هي التي تميزنا يتكلم سبحانه عن شجرة الزقوم فيقول جل شأنه: {أية : إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ}تفسير : [الصافات: 64-65]. وشجرة الزقوم في الآخرة في النار، إذن فنحن لا نراها، ورءوس الشياطين لا نراها، فكيف يشبه الله ما لم نره بما لم نره، يشبه شيئاً مجهولاً بشيء مجهول؟ نقول: نعم، وذلك أمر مقصود للإعجاز القرآني؛ لأن للشيطان صورة متخيلة بشعة، بدليل أنك لو طلبت من رسامي العالم في فن الكاريكاتير، وقلت لهم: ارسموا لنا صورة الشيطان، ولم تعطهم ملامح صورة محددة، فكل منهم يرسم وفق تخيله كياناً غاية في القبح: فهذا يصوره بالقبح من ناحية، وذاك يصوره بالقبح من ناحية أخرى بحيث لو جمعت الرسوم لما اتحد رسم مع رسم. إذن فكل واحد يستبشع صورة يرسمها. وساعة نعطي الجائزة لمن رسم صورة الشيطان أنعطي الجائزة لأجملهم صورة أم لأقبحهم صورة؟ إننا نعطي الجائزة لصاحب أشد الصور قبحاً. إذن فصورة الشيطان المتمثلة صورة بشعة قبيحة، ولو جاء على صورة واحدة من القبح لاختلف الناس حول هذه الصورة فلعل هذا يكون قبحاً عندك ولا يكون قبحاً عند آخر، ولكن حين يُطلق الله أخيلة الناس في تصور القبح، يكون القبح مائلاً وواضحاً في عمل كل إنسان فتكون الصورة أكمل وأوفى فالأكمل والأوفى أن يكون القبح شائعاً فيها جميعاً. ويقول الحق: {ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ} [البقرة: 275] الشيطان قلنا: إنه العاصي من الجن، وقلنا: إن ربنا سبحانه وتعالى حكى لنا كثيراً أنّ الشياطين لهم التصاق واتصال بكثير من الإنس: {أية : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً}تفسير : [الجن: 6]. و{لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ} [البقرة: 275] كأن الشيطان قد مس التكوين الإنساني مساً أفسد استقامة ملكاته، فالتكوين الإنساني له استقامة ملكات مع بعضها البعض؛ فكل حركة لها استقامة، فإذا ما مسّه الشيطان فسد تآزر الملكات، فملكاته النفسية تكون غير مستقيمة وغير منسجمة مع بعضها البعض، فتكون حركته غير رتيبة وغير منطقية. وما المناسبة بين هذه الصورة وبين عملية الربا؟. إن أردنا في الآخرة ميزة، فساعة ترى واحداً مصروعاً فاعرف أنه من أصحاب الربا، هذا في الآخرة، وفي الدنيا تجد أيضاً أن له حركة غير منطقية، هستيرية، كيف؟ انظر إلى العالم الآن، لقد خلق الله العالم على هيئة من التكامل. فهذا إنسان يتمتع بإمكانات ومواهب، وذاك يتمتع بمواهب وإمكانات أخرى، حتى يحتاج صاحب هذه الإمكانات إلى صاحب تلك الإمكانات فيكتمل الكون، ولو أن كل إنسان كان وحدة متكررة لاستغنى الكل عن الكل. ولو أن الأفراد متساوون في المواهب لما احتاج الناس لبعضهم البعض. لكن المواهب تختلف؛ لأنك إن أَجَدْتَ فنًا من فنون الحياة فقد أجاد سواك فنوناً أخرى أنت محتاج إليها، فإن احتاجوا إليك فيما أَجَدْتَ، فقد احتجت إليهم فيما أجادوا، وهكذا يتكامل العالم. وكذلك خلق الله الكون: مناطق حارة، ومناطق باردة، ومناطق بها معادن، ومناطق بها زراعة؛ حتى يضطر العالم إلى أن يتكامل، ويضطر العالم إلى أن يتعايش مع بعضه ولذلك يقول الحق في سورة "الرحمن": {أية : وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ}تفسير : [الرحمن: 10]. "وضعها" لمن؟. "والأرض"، أي أرض، وأي أنام؟. الأرض كل الأرض، والأنام كل الأنام، فإن تحددت بحواجز فسدت. إن منع الإنسان من حرية الانتقال من مكان إلى مكان يفسد حركة الإنسان في الكون، فقد يرغب إنسان في أن ينتقل إلى أرض بكر ليعمرها، فيرفض أهل تلك الأرض، فلو أن الأرض كل الأرض كانت للأنام بحيث إن ضاق العمل في مكان ذهبت إلى مكان آخر، بدون قيود عليك، تلك القيود التي نشأت من السلطات الزمنية التي تحتجز الأماكن لأنفسها، فهذا ما يفسد الكون. فهناك بيئات تشتكي قلة القوت، وبيئات تشتكي قلة الأيدي العاملة لأرض خراب وهي تصلح أن تزرع، فلو أن الأرض كل الأرض للأنام كل الأنام لما حدث عجز. ونلاحظ ما يُقال: ازدحام السكان أو الانفجار السكاني، بينما توجد أماكن تتطلب خلقاً! ويوجد خلق تتطلب أماكن، فلماذا هذا الاختلال؟ هذا الاختلال ناشئ من أن السلوك البشري غير منطقي في هذا الكون. والكون الذي نعيش فيه، فيه ارتقاءات عقلية شتّى، وطموحات ابتكارية صعدت إلى الكواكب، وتغزو الفضاء، ووُجِدَت في كل بيت آلات الترفيه، أما كان المنطق يقتضي أن يعيش العالم سعيداً مستريحاً؟ كان المنطق يقتضي أن يعيش العالم مستريحاً هادئاً؛ لأنه في كل يوم يبتكر أشياءً تعطي له أكبر الثمرة بأقل مجهود في أقل زمن، فماذا نريد بعد هذا؟ ولكن هل العالم الذي نعيش فيه منطقي مع هذا الواقع؟ لا، بل نحن نجد أغنى بلاد العالم وأحسنها وفرة اقتصادية هي التي يعاني الناس فيها القلق، وهي التي تمتلئ بالاضطراب، وهي التي ينتشر فيها الشذوذ، وهي التي تشكو من ارتفاع نسبة الجنون بين سكانها. إذن فالعالم ليس منطقياً. وهذا التخبط يؤكد ما يقوله الحق: {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ} [البقرة: 275] إنها حركة هستيرية في الكون تدل على أنه كَوْنٌ غير مستريح، كون غير منسجم مع طموحاته وابتكاراته. أما كان على هذا الكون بعقلائه أن يبحثوا عن السبب في هذا، وأن يعرفوا لماذا نشقى كل هذا الشقاء وعندنا هذه الطموحات الابتكارية؟ كان يجب أن يبحثوا، فالمصيبة عامة، لا تعم الدول المتخلفة أو النامية فقط، بل هي أيضاً في الدول المتقدمة، كان يجب أن يعقد المفكرون المؤتمرات ليبحثوا هذه المسألة، فإذا ما كانت المسألة عامة تضم كل البلاد متقدمها ومتأخرها وجب أن نبحث عن سبب مشترك، ولا نبحث عن سبب قد يوجد عند قوم ولا يوجد عند قوم آخرين؛ لأننا لو بحثنا لقلنا: يوجد في هذه البيئة. وكذلك هو موجود في كل البيئات، فلا بد أن يوجد القدر المشترك. فالأرزاق التي توجد في الكون تنقسم إلى قسمين: رزق أنتفع به مباشرة، ورزق هو سبب لما أنتفع به مباشرة. أنا آكل رغيف الخبز، هذا اسمه رزق مباشر، وأشرب كوب الماء، وهو رزق مباشر، وأكتسي بالثوب وذلك أيضاً رزق مباشر، وأسكن في البيت وهذا رابعاً رزق مباشر، وأنير المصباح رزق مباشر. ولكن المال يأتي بالرزق المباشر، ولا يغني عن الرزق المباشر. فإذا كان عندي جبل من ذهب وأنا جوعان، ماذا أفعل به؟. إذن فرغيف العيش أحسن منه، هذا رزق مباشر، فالنقود أو الذهب أشتري بها هذا وهذا، لكن لا يغنيني عن هذا وهذا. وقد جاء وقت أصبح الناس يرون فيه أن المال هو كل شيء حتى صار هدفاً وتعلق الناس به .. وفي الحق أنّ المال ليس غاية، ولا ينفع أن يكون غاية بل هو وسيلة. فإن فقد وسيلته وأصبح غاية فلا بد أن يفسد الكون؛ فعِلّة فساد الكون كله في القدر المشترك الذي هو المال، حيث أصبح المال غاية، ولم يعد وسيلة. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يطهر حياة الاقتصاد للناس طهارة تضمن حِلّ ما يطعمون، وما يشربون، وما يكتسون، حتى تصدر أعمالهم عن خليات إيمانية طاهرة مصفاة؛ ذلك أن الشيء الذي يصدر عن خلية إيمانية طاهرة مصفاة لا يمكن أن ينشأ عنه إلا الخير. ومن العجيب أن نجد القوم الذين صدروا لنا النظام الربوي يحاولون الآن جاهدين أن يتخلصوا منه، لا لأنهم ينظرون إلى هذا التخلص على أنه طهارة دينية، ولكن لأنهم يرون أن كل شرور الحياة ناشئة عن هذا الربا. وليست هذه الصيحة حديثة عهد بنا، فقديماً أي من عام ألف وتسعمائة وخمسين قام رجل الاقتصاد العالمي "شاخت" في ألمانيا وقد رأى اختلال النظام فيها وفي العالم، فوضع تقريره بأن الفساد كله ناشئ من النظام الربوي، وأن هذا النظام يضمن للغني أن يزيد غنى، وما دام هذا النظام قد ضمن للغني أن يزيد غنى، فمن أين يزداد غنى؟ لاشك أنه يزداد غنى من الفقير. إذن فستئول المسألة إلى أن المال سيصبح في يد أقلية في الكون تتحكم في مصائره كلها ولا سيما المصائر الخلقية. لماذا؟. لأن الذين يحبون أن يستثمروا المال لا ينظرون إلا إلى النفعية المالية، فهم يديرون المشروعات التي تحقق لهم تلك النفعية. وهناك رجل اقتصاد آخر هو "كينز" الذي يتزعم فكرة "الاقتصاد الحر" في العالم يقول قولته المشهورة: إن المال لا يؤدي وظيفته في الحياة إلا إذا انخفضت الفائدة إلى درجة الصفر. ومعنى ذلك أنه لا ربا. وإذا ما نظرنا إلى عملية عقد الربا في ذاتها وجدناها عقداً باطلاً؛ لأن كل عقد من العقود إنما يوجد لحماية الطرفين المتعاقدين، وعقد الربا لا يحمي إلا الطرف الدائن فقط، وهناك أمر خلقي آخر وهو أن الإنسان لا يعطي ربا إلا إذا كان عنده فائض زائد على حاجته. ولا يأخذ إنسان من المرابي إلا إذا كان محتاجاً. فانظروا إلى النكسة الخلقية في الكون. إن المعدم الفقير الذي لا يجد ما يسد جوعه وحاجته يضطر إلى الاستدانة، وهذا الفقير المعدم هو الذي يتكفل بأن يعطي الأصل والزائد إلى الغني غير المحتاج. إنها نكسة خلقية توجد في المجتمع ضِغناً، وتوجد في المجتمع حقداً، وتقضي على بقية المعروف وقيمته بين الناس، وتنعدم المودة في المجتمع. فإذا ما رأى إنسان فقيرٌ إنساناً غنياً عنده المال، ويشترط الغني على الفقير المعدم أن يعطيه ما يأخذه وأن يزيد عليه، فعلى أية حال ستكون مشاعر وأحاسيس الفقير؟ كان يكفي الغني أن يعطي الفقير، وأن يسترد الغني بعد ذلك ما أخذه الفقير، ولكن الغني المرابي يطلب من الفقير أن يسدد ما أخذه ويزيد عليه. وكانوا يتعللون ويقولون: إن النص القرآني إنما يتكلم عن الربا في الأضعاف المضاعفة، فإذا ما منعنا القيد في الأضعاف المضاعفة لا يكون حراماً!! أي أنهم يريدون تبرير إعطاء الفقير مالاً، وأن يرده أضعافاً فقط لا أضعافاً مضاعفة؛ حتى لا يصير ذلك الاسترداد بالزيادة حراماً. ولهؤلاء نقول: إن الذين يقولون ذلك يحاولون أن يتلصصوا على النص القرآني، وكأن الله قد ترك النص ليتلصصوا عليه ويسرقوا منه ما شاءوا دون أن يضع في النص ما يحول دون هذا التلصص، ولو فطنوا إلى أن الله يقول في آخر الأمر: {أية : وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 279]. هذا القول الحاسم يوضح أن الله لم يستثن ضعفاً ولا أضعافاً. إذن فقوله الحق: {أية : يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}تفسير : [آل عمران: 130]. إن هذا القول الحكيم لم يجئ إلا ليبين الواقع الذي كانوا يعيشونه، ولم يستثن الله ضعفاً أو أضعافاً؛ لأن الحق جعل التوبة تبدأ من أن يأخذ الإنسان رأس ماله فقط، فلا يسمح الله لأحد أن يأخذ نصف الضعف أو الضعف أو الضعفين، ولا يسمح بالأضعاف ولا بالمضاعفات. وكانوا يتعللون أن اتفاق الطرفين على أي أمر يعتبر تراضياً ويعتبر عقداً. قد يكون ذلك صحيحاً إن لم يكن هناك مشرع أعلى من كل الخلق يسيطر على هذا التراضي. فهل كلما تراضى الطرفان على شيء يصير حلالاً؟ لو كان الأمر كذلك لكان الزنا حلالاً: لأنهما طرفان قد تراضيا. وكل ذلك لا يتأتى - أي رضاء الطرفين - إلا في الأمور التي ليس فيها تشريع صدر عن المشرع الأعلى، وهو الله الحيّ القيوم. إن الله قد فرض أمراً يقضي على التراضي بيني وبينك؛ لأنه هو المسيطر، وهو الذي حكم في الأمر، فلا تراضي بيننا فيما يخالف ما شرع الله أو حكم فيه. وإذا نظرنا نظرة أخرى فإننا نجد أن التراضي الذي يدعونه مردود عليه. إنه "تراضٍ" باطل بالفحص الدقيق والبحث المنطقي. لماذا؟ لأننا نقول إن التراضي إنما ينشأ بين اثنين لا يتعدى أمر ما تراضيا عليه إلى غيرهما، أما إذا كان الأمر قد تعدى من تراضياً عليه إلى غيرهما فالتراضي باطل. فهب أن واحداً لا يملك شيئاً، وواحداً آخر يملك ألفاً، والذي يملك ألفاً هي ملكه، وأدار بها عملاً من الأعمال، وحين يدير صاحب الألف عملاً فالمطلوب له أجر عمله ليعيش من هذا الأجر. أما الذي لا يملك شيئاً إذا ما أراد أن يعمل مثلما عمل صاحب الألف، فذهب إلى إنسان وأخذ منه ألفاً ليعمل عملاً كعمل صاحب الألف، فيشترط من يعطيه هذه الألف من الأموال أن يزيده مائة حين السداد، فيكون المطلوب من الذي اقترض هذه الألف أجر عمله كصاحب الألف الأول ومطلوب منه أيضاً أن يزيد على أجره تلك المائة المطلوبة لمن أقرضه بالربا. فمن أين يأتي من اقترض ألفاً بهذه المائة الزائدة؟ إن سلعته لو كانت تساوي سلعة الآخر فإنه يخسر. وإن كانت سلعته أقل من سلعة الآخر فإنها تكسد وتبور. إذن فلا بد له من الاحتيال النكد، وهذا الاحتيال هو أن يخلع على سلعته وصفاً شكلياً يساوي به سلعة الآخر، ويعمد إلى إنقاص الجواهر الفعالة في صنعة سلعته، فيحسب منها ما يوازي المائة المطلوب سدادها للمرابي. فن الذي سيدفع ذلك؟ إنه المستهلك. إذن فالمستهلك قد أضير بهذا التراضي؛ فهو الذي سيغرم؛ لأنه هو الذي يدفع أخيراً قيمة قرض الرجل المتاجر بالسلعة وقيمة النسبة الربوية التي حددها المرابي. إذن فالعقد بين المقترض والمرابي ـ حتى في عرفهم - عقد باطل رغم أن الاثنين - المقترض والمرابي - قد اعتبرا هذا العقد تراضياً. إذن فالحق سبحانه وتعالى أراد أن يشيع في الناس الرحمة والمودة. وأن يشيع في الناس التعاطف. إنه الحق - سبحانه - صاحب كل النعمة أراد أن يشيع في الناس أن يعرف كل صاحب نعمة في الدنيا أنه يجب عليه أن تكون نعمته متعدية إلى غيره، فإن رآها المحروم علم أنه مستفيد منها، فإذا كان مستفيداً منها فإنه لن ينظر إليها بحقد، ولا أن ينظر إليها بحسد، ولا يتمنى أن تزول لأن أمرها عائد إليه. ولكن إذا كان السائد هو أن يريد صاحب النعمة في الدنيا أن يأخذ بالاستحواذ على كل عائد نعمته، ولا يراعي حق الله في مهمة النعمة، ولا تتعدى هذه النعمة إلى غيره، فالمحروم عندما يرى ذلك يتمنى أن تزول النعمة عن صاحبها وينظر إليها بحسد. ويشيع الحقد ومعه الضغينة، ويجد الفساد فرصة كاملة للشيوع في المجتمع كله. إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يسيطر على الاقتصاد عناصر ثلاثة: العنصر الأول: الرفد والعطاء الخالص، فيجد الفقير المعدم غنياً يعطيه، لا بقانون الحق المعلوم المفروض في الزكاة، ولكن بقانون الحق غير المعلوم في الصدقة، هذا هو الرفد. العنصر الثاني: يكون بحق الفرض وهو الزكاة. العنصر الثالث: هو بحق القرض وهو المداينة. إذن فأمور ثلاثة هي التي تسيطر على الاقتصاد الإسلامي: إما تطوع بصدقة، وإما أداءٌ لمفروض من زكاة، وإما مداينة بالقرض الحسن، وذلك هو ما يمكن أن ينشأ عليه النظام الاقتصادي في الإسلام. ولننظر إلى قول الحق سبحانه وتعالى حين عرض هذه المسألة وبشّع هيئة الذين يأكلون الربا بأنهم لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ويصرعه الشيطان من المس. لماذا؟ لأن الحق قال فيهم: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَا} [البقرة: 275] فهل الكلام في البيع، أو الكلام في الربا؟ إن الكلام في الربا. وكان المنطق يقتضي أن يقول: "الربا كالبيع"، فما الذي جعلهم يعكسون الأمر؟ إن النص القرآني هنا يوحي إلى التخبط حتى في القضية التي يريدون أن يحتجوا بها. كأنهم قالوا: ما دمت تريد أن تحرم الربا، فالبيع مثل الربا، وعليك تحريم البيع أيضاً. وكان القياس أن يقولوا: "إنما الربا مثل البيع"، لكن الحق سبحانه أراد أن يوضح لنا تخبطهم فجاء على لسانهم: إنما البيع مثل الربا فإن كنتم قد حرمتم الربا فحرموا البيع، وإن كنتم قد حللتم البيع فحللوا الربا. إنهم يريدون قياساً إما بالطرد، وإما بالعكس. فقال الله القول الفصل الحاسم: {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ ..} [البقرة: 275] وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال: "حديث : لَعَنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله ". تفسير : إنها موعظة من الله جاءت، الموعظة إن كانت من غير مستفيد منها، فالمنطق أن تُقبل - بضم التاء - أما الموعظة التي يُشَك فيها، فهي الموعظة التي تعود على الواعظ بشيء ما. فإذا كانت الموعظة قد جاءت ممن لا يستفيد بهذه الموعظة، فهذه حيثية قبولها {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ} [البقرة: 275]، ولنر كلمة "ربه" حينما تأتي هنا فلنفهم منها أن المقصود بها الحق سبحانه الذي تولى تربيتكم، ومتولي التربية خلقاً بإيجاد ما يستبقي الحياة، وإيجاد ما يستبقي النوع، ومحافظة على كل شيء بتسخير كل شيء لك أيها الإنسان، فيجب أن تكون أيها الإنسان مهذباً أمام ربك فلا توقع نفسك في اتهام الرب الخالق في شبهة الاستفادة من تلك الموعظة - معاذ الله -. لماذا؟ لأن الخالق رب، وما دام الخالق رباً فهو المتولي تربيتكم، فإياك أيها الإنسان أن تتأبَّى على عظة المُربّي. {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة: 275] ومعنى ذلك أن الأمر لن يكون بأثر رجعي فلا يؤاخذ بما مضى منه؛ لأنه أخذ قبل نزول التحريم؛ تلك هي الرحمة، لماذا؟ لأنه من الجائز أن يكون المرابي قد رتب حياته ترتيباً على ما كان يناله من ربا قبل التحريم، فإذا كان الأمر كذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يعفو عما قد سلف. وعلى المرابي أن يبدأ حياته في الوعاء الاقتصادي الجديد. تلك هي عظمة التشريع الرباني {فَٱنْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ} [البقرة: 275] أي أن له ما سبق وما مضى قبل تحريم الربا. وتفيد كلمة "وأمره إلى الله" أن الله سبحانه وتعالى حينما يعفو عما سلف فله طلاقة الحرية في أن يقنن ما شاء، فيجب أن تتعلق دائماً باستدامة الفضل من الله. "وأمره إلى الله" إن مثل هذا الإنسان ربما قال: سأنهار اقتصادياً ومركزي سيتزعزع، وسأصبح كذا وكذا. لا. اجعل سندك في الله، ففي الله عوض عن كل فائت، هو سبحانه لا يريد أن يزلزل مراكز الناس، ولكن يريد أن يقول لهم: إنني إن سلبتكم نعمتي فاجعلوا أنفسكم في حضانة المنعم بالنعمة. وما دمت قد جعلت نفسك في حضانة المنعم بالنعمة، إذن فالنعمة لا شيء؛ لأن المنعم عوض عن هذه النعمة، والربا من السبع الموبقات التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم باجتنابها حيث قال: "حديث : اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات"تفسير : {وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَنْ عَادَ} [البقرة: 275] أي عاد بعد الموعظة ماذا يكون أمره؟ {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275]. وكان يكفي أن يقول عنهم: إنهم {أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} [البقرة: 275] فلعل واحد يكون مؤمناً وبعد ذلك عاد إلى معصية، فيأخذ حظه من النار. إنما قوله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275] يدل على أنه خرج عن دائرة الإيمان. وافهم السابق جيداً لتفهم التذييل اللاحق؛ لأن هنا أمرين: هنا ربا حرمه الله، وأناس يريدون أن يُحلّلوا الربا عندما قالوا: {إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَا} [البقرة: 275]، فإن عدت إلى الربا حاكماً بحرمته فأنت مؤمن عاصٍ تدخل النار. إنما إن عدت إلى ما سلف من المناقشة في التحريم، وقلت: البيع مثل الربا، وناقشت في حرمة الربا وأردت أن تحلله كالبيع فقد خرجت عن دين الإسلام. وحين تخرج عن دين الإسلام فلك الخلود في النار. ومن هنا يجب أن نلفت الذين يقولون بالربا، ونقول لهم: قولوا: إن الربا حرام، ولكننا لا نقدر على أنفسنا حتى نبطله ونتركه، وعليكم أن تجاهدوا أنفسكم على الخروج منه حتى لا تتعرضوا لحرب الله ورسوله. إنهم باعتقادهم أن الربا حرام يكونون عاصين فقط، أما أن يحاولوا تبرير الربا ويحللوه فسيدخلون في دائرة أخرى شر من ذلك، وهي دائرة الكفر والعياذ بالله. وقد عرفنا أن آدم عليه السلام عصى ربه، وأكل من الشجرة، وإبليس عصى ربه، فلما تلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، أما إبليس فقد طرده الله، ولماذا طرد الله إبليس وأحل عليه اللعنة؟ لأن آدم أقر بالذنب وقال: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} تفسير : [الأعراف: 23]. لقد اعترف آدم: حكمك يا رب حكم حق، ولكني ظلمت نفسي. ولكن إبليس عارض في الأمر وقال: {أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} تفسير : [الإسراء: 61]، فكأنه رد الأمر على الآمر. وبعد ذلك حين بين الله الحكم في الربا، وبين أن من انتهى له ما سلف، فماذا عن الذي يعود؟ {وَمَنْ عَادَ} [البقرة: 275] وهي المقابل {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275]، يريد سبحانه أن يقول: إياكم أن يخدعكم الربا بلفظه، فالألفاظ تخدع البشر؛ لأنكم سميتموه "ربا" بالسطحية الناظرة: لأن الربا هو الزيادة، والزكاة تنقص، فالمائة في الربا تكون مائة وعشرة مثلاً حسب سعر الفائدة، وفي الزكاة تصبح المائة (97.5)، في الأموال وعروض التجارة، وتختلف عن ذلك في الزروع وغيرها، وفي ظاهر الأمر أن الربا زاد، والزكاة أنقصت، ولكن هذا النقصان وتلك الزيادة هي في اصطلاحاتكم في أعرافكم. والحق سبحانه وتعالى يمحق الزائد، ويُنَمّي الناقص؛ فهو سبحانه يقول: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَاتِ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما أمر تعالى بالإِنفاق من طيبات ما كسبوا، وحضّ على الصدقة ورغب في الإِنفاق في سبيل الله، ذكر هنا ما يقابل ذلك وهو الربا الكسب الخبيث ذو الوجه الكالح الطالح، الذي هو شحٌّ وقذارة ودنس، بينما الصدقة عطاء وسماحة وطهارة، وقد جاء عرضه مباشرة بعد عرض ذلك الوجه الطيب من الإِنفاق في سبيل الله ليظهر الفارق بجلاء بين الكسب الطيب والكسب الخبيث وكما قيل "وبضدها تتميّز الأشياء". اللغَة: {ٱلرِّبَا} لغة: الزيادة يقال: ربا الشيء إِذا زاد ومنه الربوة والرابية، وشرعاً: زيادة على أصل المال يأخذها الدائن من المدين مقابل الأجل {يَتَخَبَّطُهُ} التخبط: الضرب على غير استواء كخبط البعير الأرض بأخفافه ويقال للذي يتصرف ولا يهتدي: خبط في عشواء وتورَّط في عمياء، وتخبطه الشيطان إِذا مسّه بخبلٍ أو جنون {ٱلْمَسِّ} الجنون وأصله من المسّ باليد كأن الشيطان يمسُّ الإِنسان فيحصل له الجنون {سَلَفَ} مضى وانقضى ومنه سالف الدهر أي ماضيه {يَمْحَقُ} المحق: نقصان الشيء حالاً بعد حال ومنه المحاق في الهلال يقال: محقه الله فانمحق وامتحق {أَثِيمٍ} كثير الإِثم المتمادي في الذنوب والآثام. سَبَبُ النّزول: كان لبني عمرو من ثقيف ديونُ ربا على بني المغيرة فلما حلّ الأجل أرادوا أن يتقاضوا الربا منهم فنزلت الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ..} الآية فقالت ثقيف: لا يد لنا "أي لا طاقة لنا" بحرب الله ورسوله وتابوا وأخذوا رءوس أموالهم فقط. التفسِير: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ} أي الذين يتعاملون بالربا ويمتصون دماء الناس لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إِلا كما يقوم المصروع من جنونه، يتعثر ويقع ولا يستطيع أن يمشي سوياً، يقومون مخبلين كالمصروعين تلك سيماهم يعرفون بها عند الموقف هتكاً لهم وفضيحة {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَا} أي ذلك التخبط والتعثر بسبب استحلالهم ما حرّمه الله، وقولهم: الربا كالبيع فلماذا يكون حراماً؟ قال تعالى ردّاً عليهم {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا} أي أحل الله البيع لما فيه من تبادل المنافع، وحرّم الربا لما فيه من الضرر الفادح بالفرد والمجتمع، لأن فيه زيادة مقتطعةً من جهد المدين ولحمه {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ} أي من بلغه نهيُ الله عن الربا فانتهى عن التعامل به فله ما مضى قبل التحريم {وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ} أي أمره موكول إِلى الله إِن شاء عفا عنه وإِن شاء عاقبه {وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي ومن عاد إِلى التعامل بالربا واستحله بعد تحريم الله له فهو من المخلدين في نار جهنم {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَاتِ} أي يُذهب ريعه ويمحو خيره وإِن كان زيادة في الظاهر، ويُكثر الصدقات وينمّيها وإِن كانت نقصاناً في الشاهد {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} أي لا يحب كل كفور القلب، أثيم القول والفعل، وفي الآية تغليظ في أمر الربا وإِيذان بأنه من فعل الكفار، ثم قال تعالى مادحاً المؤمنين المطيعين أمره في إِقامة الصلاة وإِيتاء الزكاة {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ} أي صدّقوا بالله وعملوا الصالحات التي من جملتها إِقامة الصلاة وإِيتاء الزكاة {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي لهم ثوابهم الكامل في الجنة، ولا يخافون يوم الفزع الأكبر ولا يحزنون على ما فاتهم في الدنيا {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي اخشوا ربكم وراقبوه فيما تفعلون، واتركوا ما لكم من الربا عند الناس إِن كنتم مؤمنين بالله حقاً {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي وإِن لم تتركوا التعامل بالربا فأيقنوا بحرب الله ورسوله لكم قال ابن عباس: يقال لآكل الربا يوم القيامة خذ سلاحك للحرب {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} أي إِن رجعتم عن الربا وتركتموه فلكم أصل المال الذي دفعتموه من غير زيادة ولا نقصان {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} أي إِذا كان المستدين معسراً فعليكم أن تمهلوه إِلى وقت اليسر لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه: إِمّا أن تَقْضي وإِمّا أن تُرْبي {وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي إِن تجاوزتم عمّا لكم عنده فهو أكرم وأفضل، إِن كنتم تعلمون ما فيه من الذكر الجميل والأجر العظيم ثم حذّر تعالى عباده من ذلك اليوم الرهيب الذي لا ينفع فيه إِلا العمل الصالح فقال {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي احذروا يوماً سترجعون فيه إِلى ربكم ثم توفى كل نفسٍ حسابها وأنتم لا تظلمون، وقد ختمت هذه الآيات الكريمة بهذه الآية الجامعة المانعة التي كانت آخر ما نزل من القرآن وبنزولها انقطع الوحي، وفيها تذكير العباد بذلك اليوم العصيب الشديد قال ابن كثير: هذه الآية آخر ما نزل من القرآن العظيم وقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزولها تسع ليال ثم انتقل إِلى الرفيق الأعلى. البَلاَغَة: 1- {إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَا } فيه تشبيه يسمى (التشبيه المقلوب) وهو أعلى مراتب التشبيه حيث يجعل المشبّه مكان المشبّه به كقول الشاعر: شعر : كأن ضياء الشمس غرةُ جعفر تفسير : والأصل في الآية أن يقال: الربا مثل البيع ولكنه بلغ من اعتقادهم في حل الربا أن جعلوه أصلاً يقاس عليه فشبهوا به البيع. 2- {أَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا} بين لفظ "أحلَّ" و "حرَّم" طباق وكذلك بين لفظ "يمحق" و "يربي". 3- {كَفَّارٍ أَثِيمٍ} صيغة فعّال وفعيل للمبالغة فقوله {كَفَّارٍ أَثِيمٍ} أي عظيم الكفر شديد الإِثم. 4- {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ} التنكير للتهويل أي بنوعٍ من الحرب عظيم لا يُقادر قدره كائن من عند الله أفاده أبو السعود. 5- {لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} فيه من المحسنات البديعية ما يسمى "الجناس الناقص" لاختلاف الشكل. 6- {وَٱتَّقُواْ يَوْماً} التنكير للتفخيم والتهويل. الفوَائِد: الأولى: عبّر بقوله {يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَا} عن الانتفاع به لأن الأكل هو الغالب في المنافع وسواءٌ في ذلك المعطي والآخذ لقول جابر في الحديث الشريف "حديث : لعن رسول الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء ". تفسير : الثانية: شبّه تعالى المرابين بالمصروعين الذين تتخبطهم الشياطين، وذلك لأن الله عز وجل أربى في بطونهم ما أكلوا من الربا فأثقلهم فصاروا مخبلين ينهضون ويسقطون قال سعيد بن جبير تلك علامة آكل الربا يوم القيامة. الثالثة: يقول شهيد الإِسلام سيد قطب عليه الرحمة عند هذه الآية {لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ} ما نصه "إِنها الحملة المفزعة والتصوير المرعب، وما كان أي تهديد معنوي ليبلغ إِلى الحسّ ما تبلغه هذه الصورة الحيّة المجسّمة، صورة الممسوس المصروع، ولقد مضت معظم التفاسير على أن المقصود بالقيام في هذه الصورة المفزعة هو القيام يوم البعث، ولكنها - فيما نرى - واقعة في هذه الأرض أيضاً على البشرية الضالة التي تتخبط كالممسوس في حكم النظام الربوي، إِن العالم الذي نعيش فيه اليوم هو عالم القلق والاضطراب والخوف والأمراض العصبيّة والنفسية، وذلك على الرغم من كل ما بلغته الحضارة المادية وعلى الرغم من كل مظاهر الرخاء المادي، ثم هو عالم الحروب الشاملة والتهديد الدائم بالحروب المبيدة وحرب الأعصاب والاضطرابات التي لا تنقطع هنا وهناك" وهذا رأي حسن. الرابعة: أخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كان رجلٌ يداينُ الناس فكان يقول لفتاه إِذا أتيتَ معسراً فتجاوز عنه لعلّ الله أن يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه ".
الصابوني
تفسير : [20] الربا جريمة اجتماعية خطيرة {ٱلرِّبَٰواْ}: الربا في اللغة: الزيادة مطلقاً، يقال ربا الشيء يربو: إذا زاد، ومنه قوله تعالى:{أية : ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} تفسير : [الحج: 5] أي زادت، وفي الحديث "حديث : إلاّ رَبَا من تحتها" تفسير : أي زاد الطعام الذي دعا فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة، وأربى الرجل: إذا تعامل بالربا. وفي الشرع: زيادة يأخذها المقرض من المستقرض مقابل الأجل. {يَتَخَبَّطُهُ}: التخبط معناه الضرب على غير استواء كخبط البعير الأرض بيده، ويقال للذي يتصرف في أمرٍ ولا يهتدي فيه إنه يخبط خبط عشواء، وتخبّطه الشيطان إذا مسّه بخبل أو جنون، وتسمّى إصابة الشيطان خبطة. {ٱلْمَسِّ}: الجنون يقال: مُسّ الرجل فهو ممسوس وبه مسٌ، وأصله من المسّ باليد، كأن الشيطان يمسّ الإنسان فيحصل له الجنون. قال الراغب: وكنّي بالمسّ عن الجنون، في قوله: "يتخبطه الشيطان من المسّ" والمسّ يقال في كل ما ينال الإنسان من أذى. {مَوْعِظَةٌ}: الموعظة: بمعنى الوعظ وهو التذكير بالخير فيما يرق له القلب. {سَلَفَ}: أي مضى وتقدم، والمعنى: من انتهى عن التعامل بالربى فإن الله تعالى يعفو ويصفح عمّا مضى من ذنبه قبل نزول آية التحريم. {يَمْحَقُ}: المحق: النقص والذهاب، ومنه المحاق في الهلال يقال: محقه إذا أنقصه وأذهب بركته والمراد أن الله أوعد المرابي بإذهاب ما له وإهلاكه وفي الحديث الشريف: "حديث : إن الربا وإن كثر فعاقبته إلى قلّ ". تفسير : {وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ}: أي يزيدها وينميها ويكثر ثوابها بالتضعيف في الآخرة. {أَثِيمٍ}: أي كثير الإثم وهو المتمادي في ارتكاب المعاصي، المصر على الذنوب. {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ}: أي أيقنوا بحربٍ من الله ورسوله، وهذا وعيد لمن لم يذر الربى. {ذُو عُسْرَةٍ}: العُسرة الفقر والضيق يقال: أعسر الرجل إذا افتقر. {فَنَظِرَةٌ}: أي فواجب تأخيره وانتظاره يقال: أنظره إذا أمهله وأخره. {مَيْسَرَةٍ}: أي غنى ويسار، والمعنى: إذا كان المستدين معسراً فأخروه إلى وقت السعة والغنى ولا تأخذوا منه إلا رأس المال. المعنى الإجمالي يخبر الولي جل وعلا المرابين، الذي يتعاملون بالربا فيمتصون دماء الناس، بأنهم لا يقومون من قبورهم يوم القيامة، إلاّ كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له، يتعثر ويقع ولا يستطيع أن يمشي سوياً، لأن به مساً من الشيطان، ذلك التخبط والتعثر بسبب أنهم استحلوا الربا الذي حرّمه الله، فقالوا: الربا مثل البيع فلماذا يكون حراماً؟ وقد ردّ الله تعالى عليهم هذه الشبهة السقيمة بأن البيع تبادل منافع وقد أحلّه الله، والربا زيادة مقتطعة من جهد المدين أو من لحمه وقد حرمه الله، فكيف يتساويان؟! ثم أخبر تعالى بأن من جاءته الموعظة والذكرى، فانتهى عمّا كان قبل التحريم، فإن الله عز وجل يعفو ويغفر له، ولا يؤاخذه عمّا أخذ من الربا، وأمّا من تعامل بالربا بعد نهي الله عنه فإنه يستوجب العقوبة الشديدة بالخلود في نار جهنم لاستحلاله ما حرمه الله. وقد أوعد الله المرابي بمحق ماله، إمّا بإذهابه بالكلية، أو بحرمانه بركة ماله، "فالربا وإن كثر فعاقبته إلى قلّ" كما بيّن صلوات الله وسلامه عليه، فلا بدّ أن يزهقه الله ويمحقه لأنه خبيث {أية : قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ} تفسير : [المائدة: 100] وأمّا المتصدّق فالله يبارك له في ماله وينميّه، والله لا يحب كفور القلب، أثيم القول والفعل. ثمّ جاء الوعيد والتهديد الشديد لمن تعامل بالربا، وخاصة إذا كان هذا الشخص من المؤمنين، فالربا والإيمان لا يجتمعان، ولهذا أعلن الله الحب على المرابين {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}. فأي مسلم يسمع مثل هذا الوعيد ثم يتعامل بالربا؟! اللهم احفظنا من هذه الجريمة الشنيعة، وطهّرنا من أكل السحت والتعامل بالربا إنك سميع مجيب الدعاء اللهم آمين. سبب النزول 1 - كان العباس وخالد بن الوليد شريكين في الجاهلية، يسلفان في الربا إلى ناسٍ من ثقيف، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله هذه الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا إنّ كل رباً من ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس، وكل دم من دم الجاهلية موضوع، وأول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ". تفسير : وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ} وقرأ حمزة وعاصم (فآذنوا بحرب) بالمد. قال الزجاج: من قرأ {فَأْذَنُواْ} بالقصر، فالمعنى: أيقنوا، ومن قرأ بالمد فمعناه أعلموا. 2 - قرأ الجمهور {لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} وروي عن عاصم بضم الأولى وفتح الثانية. 3 - قرأ الجمهور {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} بتسكين السين، وضمها أبو جعفر (عُسُرة). 4 - قرأ الجمهور {يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} بضم التاء، وقرأ أبو عمرو بفتحها (تَرْجعون). وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ} مبتدأ وجملة {لاَ يَقُومُونَ} خبره، والكاف في موضع نصب صفة لمصدر محذوف تقديره: إلاّ قياماً مثل قيام الذي يتخبطه الشيطان. ثانياً: قوله تعالى: {إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} جواب الشرط محذوف تقديره: إن كنتم مؤمنين فذروا. ثالثاً: قوله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} كان هنا تامة بمعنى إن حدث ذو عسرة. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: المراد بالأكل في الآية الكريمة مطلق الأخذ والتصرف، وعبّر به هنا {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ} لأنه الغرض الأساسي من المال، وما عداه من سائر الوجوه فتبع، وقد شاع هذا الإطلاق يقال لمن تصرف في مال غيره بدون حق: أكله، وهضمه. اللطيفة الثانية: تشبيه المرابين بالمصروعين، الذين يتخبطهم الشيطان، فيه لطيفة وهي أن الله عزّ وجل أربى في بطونهم ما أكلوا من الربا فأثقلهم، فصاروا مخبلين ينهضون ويسقطون وتلك سيماهم يوم القيامة يعرفون بها، قال سعيد بن جبير: تلك علامة آكل الربا يوم القيامة. اللطيفة الثالثة: في قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ} تشبيه لطيف يسمى (التشبيه المقلوب) وهو أعلى مراتب التشبيه حيث يصبح المشبّه مشبهاً به مثل قولهم: القمر كوجه زيد، والبحر ككفه، على حدّ قول القائل: شعر : فعيناكِ عيناها وجيدُكِ جيدها سوى أنّ عظم الساق منك دقيق تفسير : ومقصودهم تشبيه الربا بالبيع المتفق على حله، ولكنّه بلغ اعتقادهم في حل الربا، أنهم جعلوه أصلاً وقانوناً في الحل، حتى شبّهوا به البيع، فتدبّره فإنه دقيق. اللطيفة الرابعة: النكتة في الآية الكريمة {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ} أنّ المرابي يطلب الربا زيادة المال، ومانع الصدقة إنما يمنعها لطلب زيادة المال، فبيّن سبحانه أن الربا سبب النقصان دون النماء، وأن الصدقة سبب النماء دون النقصان، والزيادة والنقصان إنما يكونان باعتبار العاقبة والنفع في الدارين. اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} تنكير الحرب للتفخيم وقد زادها فخامة وهولاً، نسبتُها إلى اسم الله الأعظم، وإلى رسوله الذي هو أشرف خليقته صلى الله عليه وسلم، أي أيقنوا بنوع من الحرب عظيم لا يقادر قدره، كائن من عند الله ورسوله، ومن حاربه الله ورسوله لا يفلح أبداً، وفيه إيماء إلى سوء الخاتمة إن دام على أكل الربا. قال ابن عباس: يقال لآكل الربا يوم القيامة خذ سلاحك للحرب. اللطيفة السادسة: قوله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} صيغة كفّار (فعّال) وصيغة أثيم (فعيل) كلاهما من صيغ المبالغة ومعناهما كثير الكفر والإثم، وفي الآية تغليظ لأمر الربا، وإيذانٌ بأنه من فعل الكفّار لا من فعل المسلمين. اللطيفة السابعة: رغّب الله تعالى في إنظار المستدين المعسر {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} وكذلك جاءت السنة المطهرة فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كان رجلٌ يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسراً فتجاوز عنه لعلّ الله أن يتجاوز عنّا، فلقي الله فتجاوز عنه ". تفسير : قال المهايمي: "فإذا استوفى الدائن حقه بالتضييق على المديون، استوفى الله منه حقوقه بالتضييق، وإن سامحه فالله أولى بالمسامحة". اللطيفة الثامنة: قال بعض العلماء: من تأمل هذه الآيات وما اشتملت عليه من عقوبة أهل الربا ومستحليه، أكبَرَ جرمَهُ وإثمه، فقد ترتب عليه قيامهم في الحشر مخبلين، وتخليدهم في النار، ونبذهم بالكفر، والحرب من الله ورسوله، واللعنة الدائمة لهم، وكذلك الذم والبغض، وسقوط العدالة وزوال الأمانة، وحصول القسوة والغلظة، والدعاء عليه ممن ظلمه، وذلك سبب لزوال الخير والبركة، فما أقبح هذه المعصية، وأعظم جرمها، وأشنع عاقبتها؟! اللطيفة التاسعة: ختمت آيات الربا بهذه الآية الكريمة {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} وهي آخر آية نزلت من القرآن، وعاش بعدها النبي صلى الله عليه وسلم تسع ليال ثم انتقل إلى الرفيق الأعلى، وفي هذه الآية تذكير بالوقفة الرهيبة بين يدي أحكم الحاكمين {أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} تفسير : [الشعراء: 88-89] وبنزول هذه الآية انقطع الوحي، وكان ذلك آخر اتصال السماء بالأرض. "الأدوار التي مرّ بها تحريم الربا" من المستحسن أن نذكر هنا الأدوارالتي مرّ بها تحريم الربا، حتى ندرك سر التشريع الإسلامي، في معالجته للأمراض الاجتماعية، فمن المعلوم أن التشريع الإسلامي سار (بسُنّة التدرج) في تقرير الأحكام. ولقد مرّ تحريم "الربا" بأربعة أدوار كما حدث في تحريم الخمر، وذلك تمشياً مع قاعدة التدرج: الدور الأول: نزل قوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} تفسير : [الروم: 39] وهذه الآية الكريمة نزلت في مكة وهي - كما يظهر - ليس فيها ما يشير إلى تحريم الربا وإنما فيها إشارة إلى بغض الله للربا، وأن الربا ليس له ثواب عند الله فهي إذن (موعظة سلبية). الدورالثاني: نزل قوله تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ} تفسير : [النساء: 160-161]. وهذه الآية مدنية، وهي درس قصه الله سبحانه علينا من سيرة اليهود الذي حرم عليهم الربا فأكلوه واستحقوا عليه اللعنة والغضب، وهو تحريم (بالتلويح) لا (بالتصريح) لأنه حكاية عن جرائم اليهود وليس فيه ما يدل دلالة قطعية على أن الربا محرّم على المسلمين. وهذا نظير (الدور الثاني) في تحريم الخمر {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 219] الآية حيث كان التحريم فيه بالتلويح لا بالتصريح. الدور الثالث: نزل قوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً} تفسير : [آل عمران: 130]. الآية وهذه الآية مدنية وفيها تحريم للربا صريح ولكنه تحريم (جزئي) لا (كلي) لأنه تحريم لنوع من الربا الذي يسمى (الربا الفاحش) وهو الربا الذي بلغ في الشناعة والقبح الذروة العليا، وبلغ في الإجرام النهاية العظمى، حيث كان الدَيْنُ فيه يتزايد حتى يصبح أضعافاً مضاعفة، يضعف عن سداده كاهل المستدين، الذي استدان لحاجته وضرورته وهو يشبه تحريم الخمر في المرحلة الثالثة حيث كان التحريم جزئياً لا كلياً في أوقات الصلاة {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ...}تفسير : [النساء: 43] الآية. الدور الرابع: وفي هذا الدور الأخير نزل التحريم الكلي القاطع، الذي لا يفرّق فيه القرآن بين قليل أو كثير، والذي تدل النصوص الكريمة على أنه قد ختم فيه التشريع السماوي بالنسبة إلى حكم الربا، فقد نزل قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ...} الآيات. وهذه الآيات الكريمة التي كانت المرحلة النهائية في تحريم الربا تشبه المرحلة النهائية في تحريم الخمر في المرحلة الرابعة منه حيث حرمت الخمر تحريماً قاطعاً جازماً في قوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفسير : [المائدة: 90]. وبهذا البيان يتضح لنا سر التشريع الإسلامي في معالجة الأمراض الاجتماعية التي كان عليها العرب في الجاهلية بالسير بهم في طريق (التدرج). الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما هو الربا المحرّم في الشريعة الإسلامية؟ الربا الذي حرّمه الإسلام نوعان: (ربا النسيئة) و(ربا الفضل). أما الأول (ربا النسيئة): فهو الذي كان معروفاً في الجاهلية وهو أن يقرضه قدراً معيناً من المال إلى زمن محدود كشهرٍ أو سنة مثلاً مع اشتراط الزيادة فيه نظير امتداد الأجل. قال (ابن جرير الطبري) رحمه الله: "إن الرجل في الجاهلية يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه فيقول الذي عليه الدين أخّر عني ديْنَك وأزيدك على مالك، فيفعلان ذلك، فذلك هو الربا أضعافاً مضاعفة، فنهاهم الله عز وجل في إسلامهم عنه". وهذا النوع من الربا هو المستعمل الآن في البنوك والمصارف المالية، حيث يأخذون نسبة معينة في المائة كخمسة أو عشرة في المائة ويدفعون الأموال إلى الشركات والأفراد. أما الثاني (ربا الفضل): فهو الذي وضحته السنّة النبوية المطهرة، وهو أن يبيع الشيء بنظيره مع زيادة أحد العوضين على الآخر، مثاله: أن يبيع كيلاً من القمح بكيلين من قمح آخر، أو رطلاً من العسل الشامي برطل ونصف من العسل الحجازي، وهكذا في جميع المكيلات والموزونات. والقاعدة الفقهية في هذا النوع من التعامل هي أنه (إذا اتحد الجنسان حرم الزيادة والنّساء، وإذا اختلف الجنسان حلّ التفاضل دون النساء). وتوضيحاً لهذه القاعدة الفقهية نقول: إذا أردنا مبادلة عين بعين كزيت بزيت، أو قمح بقمح، أو عنبٍ بعنب، أو تمر بتمر، حرمت الزيادة مطلقاً ولا تعتبر الجودة والرداءة هنا، وإذا اختلفت الأجناس كقمح بشعير، أو زيت بتمر مثلاً جازت الزيادة فيه بشرط القبض لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرّ بالبُرّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثلٍ، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء" تفسير : وفي حديث آخر "حديث : فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يداً بيد" تفسير : أي مقبوضاً وحالاً. الحكم الثاني: هل يباح الربا القليل؟ وما المراد من قوله تعالى: {أية : لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً} تفسير : [آل عمران: 130]. يذهب بعض ضعفاء الإيمان (من مسلمي هذا العصر) إلى أن الربا المحرم إنما هو الربا الفاحش، الذي تكون النسبة فيه مرتفعة، ويقصد منه استغلال حاجة الناس، أما الربا القليل الذي لا يتجاوز نسبته اثنين أو ثلاثة في المائة فإنه غير محرم، ويحتجون على دعواهم الباطلة بأنّ الله تبارك وتعالى إنما حرم الربا إذا كان فاحشاً حيث قال تبارك وتعالى: {أية : لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً} تفسير : [آل عمران: 130] فالنهي إنما جاء مشروطاً ومقيداً بهذا القيد وهو كونه مضاعفاً أضعافاً كثيرة، فإذا لم يكن كذلك، وكانت النسبة فيه يسيرة فلا وجه لتحريمه. وللجواب على ذلك نقوله: أولاً: إن قوله تعالى: {أية : أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً} تفسير : [آل عمران: 130] ليس قيداً ولا شرطاً، وإنما هو لبيان الواقع الذي كان التعامل عليه أيام الجاهلية، كما يتضح من سبب النزول، وللتشنيع عليهم بأنّ في هذه المعاملة ظلماً صارخاً وعدواناً مبيناً، حيث كانوا يأخذون الربا مضاعفاً أضعافاً كثيرة. ثانياً: إن المسلمين قد أجمعوا على تحريم الربا قليله وكثيره، فهذا القول يعتبر خروجاً على الإجماع كما لا يخلو عن جهلٍ بأصول الشريعة الغراء، فإن قليل الربا يدعو إلى كثيره، فالإسلام حين يحرّم الشيء يحرّمه (كلياً) أخذاً بقاعدة (سدّ الذرائع) لأنه لو أباح القليل منه لجرّ ذلك إلى الكثير منه، والربا كالخمر في الحرمة فهل يقول مسلم عاقل إن القليل من الخمر حلال؟ ثالثاً: نقول لهؤلاء الجهلة (من أنصاف المتعلمين): "أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعضٍ؟" فلماذا تحتجون بهذه الآية على دعواكم الباطلة، ولا تقرؤون قوله تعالى: {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ} وقوله تعالى: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ} وقوله تعالى: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ} هل في هذه الآيات ما يقيد الربا بالقليل أو الكثير أم اللفظ مطلق؟ وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر "حديث : لعن رسول الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال هم سواء"تفسير : . فالربا محرم بجميع أنواعه بالنصوص القطعية، والقليل والكثير في الحرمة سواء. وصدق الله حيث يقول: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - الربا جريمة اجتماعية ودينية خطيرة. 2 - الربا من الكبائر التي يستحق صاحبها عذاب النار. 3 - القليل من الربا والكثير في الحرمة سواء. 4 - على المؤمن أن يقف عند حدود الشرع باجتناب ما حرّم الله عليه. 5 - السلاح الذي يعصم المسلم من المخالفات إنما هو تقوى الله. خاتمة البحث حكمة التشريع اعتبرت الشريعة الإسلامية الربا من أكبر الجرائم الاجتماعية والدينية، وشنّت عليه حرباً لا هوادة فيها، وأوعد القرآن الكريم المتعاملين به عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة، ويكفي أن نعلم عظم هذه الجريمة النكراء من تصوير حالة المرابين بذلك التصوير الشنيع الذي صورهم به القرآن، صورة الشخص الذي به مسّ من الجن، فهو يتخبط ويهذي كالمجنون الذي أصيب في عقله وجسمه. ولم يبلغ من تفظيع أمر من أمور الجاهلية - أراد الإسلام إبطاله - ما بلغ من تفظيع أمر الربا، ولا بلغ من التهديد في منكر من المنكرات كما بلغ في شأن الربا، فالربا في نظر الإسلام جريمة الجرائم، وأساس المفاسد، وأصل الشرور والآثام، وهو الوجه الكالح الطالح الذي يقابل الصدقة والبر والإحسان. الصدقة عطاء وسماحة، وطهارة وزكاة، وتعاون وتكافل... والربا شحّ، وقذارة، ودنس، وجشع، وأثرة، وأنانية. الصدقة نزولٌ عن المال بلا عوضٍ ولا ردّ، والربا استرداد للدين ومعه زيادة حرام مقتطعة من جهد المدين أو من لحمه، من جهده إن كان قد عمل بالمال الذي استدانه فربح نتيجة لكدّه وعمله، ومن لحمه إن لم يربح أو خسر، أو كان قد أخذ المال للنفقة على نفسه وأهله. فلا عجب إذاً أن يعده الإسلام أعظم المنكرات والجرائم، الاجتماعية والدينية، وأن يعلن على المرابين الحرب {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} وذلك للأضرار الفادحة والمساوئ التي تترتب عليه، ويمكننا أن نجمل هنا بعض هذه الأضرار في فقرات: أولاً: ضرر الربا من الناحية النفسية. ثانياً: ضرر الربا من الناحية الاجتماعية. ثالثاً: ضرر الربا من الناحية الاقتصادية. أما ضرر الربا من الناحية النفسية: فإنه يولّد في الإنسان حب (الأثرة والأنانية) فلا يعرف إلا نفسه، ولا يهمه إلا مصلحته ونفعه، وبذلك تنعدم روح التضحية والإيثار، وتنعدم معاني حبّ الخير للأفراد والجماعات، وتحلّ محلها حبّ الذات والأثرة والأنانية، وتتلاشى الروابط الأخوية بين الإنسان وأخيه الإنسان فيغدو الإنسان (المرابي) وحشاً مفترساً لا يهمه من الحياة إلا جمع المال، وامتصاص دماء الناس، واستلاب ما في أيديهم، ويصبح ذئباً ضارياً في صورة إنسان وديع، وهكذا تنعدم معاني الخير والنبل في نفوس الناس ويحل محلها الجشع والطمع. أما ضرر الربا من الناحية الاجتماعية: فإنه يولّد العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع ويدعو إلى تفكيك الروابط الإنسانية والاجتماعية بين طبقات الناس، ويقضي على كل مظاهر الشفقة والحنان، والتعاون والإحسان في نفوس البشر، بل إنه ليزرع في القلب الحسد والبغضاء، ويدمّر قواعد المحبة والإخاء، ومن المقطوع به أن الشخص الذي لا تسكن قلبَه الشفقةُ والرحمةُ ولا يعرف معنى للأخوة الإنسانية سوف يعدم كل احترام أو عطفٍ من أبناء مجتمعه، وتكون النظرة إليه نظرة إزدراء واحتقار، وكفى (المرابي) مقتاً وهواناً أنه عدو لمجتمعه ولأبناء وطنه بل إنه عدوّ للإنسانية لأنه يمتص دماء البشر عن طريق استغلال حاجتهم واضطرارهم. أما ضرر الربا من الناحية الاقتصادية: فهو ظاهر كل الظهور لأنه يقسم الناس إلى طبقتين: طبقة مترفة تعيش على النعيم والرفاهية، والتمتع بعرق جبين الآخرين وطبقة معدمة تعيش على الفاقة والحاجة، والبؤس والحرمان، وبذلك ينشأ الصراع بين هاتين الطبقتين، وقد ثبت أن (الربا) أعظم عامل من عوامل تضخم الثروات وتكدسها في أيدي فئة قليلة من البشر، وأنه سبب البلاء الذي حلّ بالأمم والجماعات حيث كثرت المحن والفتن، وازدادت الثورات الداخلية وإنا لله وإنا إليه راجعون.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ} فالمسُ: الجُنونُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {فَلَهُ مَا سَلَفَ} معناه مَا مَضى.
الأندلسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ} لما أمر بالانفاق من طيب ما كسبوا وحض على الصدقة. وقال: ولا تيمموا الخبيث ذكر نوعاً من الخبيث كان غلب عليهم في الجاهلية وهو الربا حتى يمنع من الصدقة ما كان ربا. والربا الزيادة وهو مخصوص في الشرع بزيادة مبينة في الشرع بين ذلك في كتب الفقه. وقرأ العدوي: الربو بالواو وهي لغة الحيرة، ولذلك كتبها أهل الحجاز بالواو لأنهم تعلموا الخط من أهل الحيرة وذلك على لغة من وقف على أفعى بالواو وأجرى الوصل مجرى الوقف. {لاَ يَقُومُونَ} خبر عن الذين قيل وقبله حال محذوفة أي مستحلين ذلك. وقال ابن عباس: لا يقومون يوم القيامة من قبورهم أي يبعث كالمجنون عقوبة لهم. "انتهى". أو لا يقومون الى تجارة الربا إلا بحرص وجشع كقيام المتخبط بالجن تستفزه الرغبة حتى يضطرب والظاهر أن الشيطان يتخبط الانسان حقيقة وقيل: هو مجاز عن إغوائه الذي يصرعه به أو على ما كانت العرب تزعمه أنه يخبط الانسان وتخبط تفعل موافق للمجرد وهو خبط والمس الجنون ويتعلق من المس بيقوم أو يتخبطه. وقال الزمخشري: فإِن قلت: لم يتعلق قوله من المسّ؟ (قلت): بلا يقومون أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع. "انتهى". وكان قد قدم في شرح المس أنه الجنون وهذا الذي ذهب إليه في تعلق من المس بقوله: لا يقومون ضعيف لوجهين احدهما انه قد شرح المس بالجنون وكان قد شرح أن قيامهم لا يكون إلا في الآخرة وهناك ليس بهم جنون ولا مس ويبعد أن يكنى بالمس الذي هو الجنون عن أكل الربا في الدنيا فيكون المعنى لا يقومون يوم القيامة أو من قبورهم من أجل أكل الربا. {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ} إذ لو أريد هذا المعنى لكان التصريح به أولى من الكناية عنه بلفظ المس إذ التصريح به أبلغ في الردع والزجر، والوجه الثاني أن ما بعد إلا لا يتعلق بما قبلها إلا إن كان في حيّز الاستثناء وهذا ليس في حيز الاستثناء ولذلك منعوا أن يتعلق بالبينات والزبر. بقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً}تفسير : [يوسف: 109، النحل: 43]. وانه ليس التقدير وما أرسلناك بالبينات والزبر إلا رجالاً يوحى إليهم. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ} ذلك إشارة إلى القيام وهو مبتدأ خبره بأنهم أي كائن بسبب أنهم وشبهوا البيع المجمع على جوازه بالربا وهو محرم ولم يعكسوا تنزيلاً لهذا الذي يفعلونه من الربا بمنزلة الأصل المماثل له في البيع وهو من عكس التشبيه وهو موجود في كلام العرب كثير في أشعار المولدين. {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ} هذا من كلامه تعالى رداً عليهم إذ ساووا بينهما والحكم في الأشياء لله تعالى لا يخالف في أمره ولا يعارض والبيع والربا عامان إلا ما حرم تعالى من بعض البيوع وبعض الربا وذلك مذكور في كتب الفقه. {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ} ذكر المفصل يكون تأنيث الموعظة مجازياً وقرىء جاءته بالتاء على الأصل والموعظة الوعيد على فعله. {مِّنْ رَّبِّهِ} أي من الناظر في مصلحته. {فَٱنْتَهَىٰ} أي رجع عن المعاملة بالربا. {فَلَهُ مَا سَلَفَ} أي قبل التحريم. {وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ} أي إلى رجاء الله وإحسانه، وفيه تأنيس. {وَمَنْ عَادَ} أي إلى فعل الربا مستحلا له مشبهاً له بالبيع. {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ} أي يذهب بركته والمال الذي يكون فيه. قال ابن مسعود: الربا وإن كثر فعاقبته إلى قل. {وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ} أي يزيدها وينميها في الدنيا أو يضاعف حسناتها وقرىء يمحق ويربي من محقّ وربي وفي ذكر يمحق ويربي طباق البديع الطباق وفي الربا ويربي بديع التجنيس المغاير. {كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} صفتا مبالغة لتغليظ أمر الربا ولما ذكر حال آكل الربا ووصفه بأنه كفار أثيم ذكر ضده من المؤمنين الطائعين الممتثلين شرائع الاسلام ثم قال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ} نزلت في بني عمرو بن عمير من ثقيف كانت لهم ديون ربا على بني المغيرة من بني مخزوم أرادوا أن يتقاضوا رباهم. وقرىء ما بقي بفتح الياء وتسكينها وهي لغة وتقلب الياء ألفاً وهي لغة طيء. {إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي ان صح إيمانكم أو يكون شرطاً مؤكداً على جهة المبالغة وقرىء من الربو بضم الباء بعدها واو ساكنة وفيه شذوذ من خروج من كسر إلى ضم ومن مجيء واو ساكنة بعد ضمة في اسم تام. {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} أي لم تتركوا ما بقي من الرياء. وقرىء {فَأْذَنُواْ} من أَذِنَ وفآذنوا من آذن أي اعلموا أي فاعلموا ولخطاب في فإن لم تفعلوا لمن خوطب أولاً وهم المؤمنون والأمر بالعلم أو الاعلام جاء على سبيل المبالغة في التهديد دون حقيقة الحرب جاء في: من أهان لي ولياً قد آذنني بالمحاربة. وروي أنه لما نزلت قالت ثقيف: لا يد لنا بحرب الله ورسوله. ومن لابتداء الغاية وفيه تهويل عظيم إذ الحرب منه تعالى. {وَإِنْ تُبْتُمْ} أي من الربا ورؤوس الأموال أصولها وأما الأرباح فطوارىء عليها. {لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} قرىء الأول مبنياً للفاعل والثاني مبنياً للمفعول. وقرىء بالعكس فالمبني للفاعل لا يظلم بطلب زيادة على رأس المال والمبني للمفعول لا يظلم بنقصان رأس المال ولا بالمطل شكا بنو المغيرة العسرة وقالوا اخرونا إلى أن تدرك الغلات فنزل: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} الآية. وقرىء ذو عسرة فكان تامة أي وان وقع أو وجد ذا عسرة على خبر كان واسمها مضمر أي وإن كان هو أي الغريم. وقرىء {فَنَظِرَةٌ} بكسر الظاء وبإِسكانها وهي لغة تميمية والنظرة التأخير أي فالواجب تأخيره. {إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} وقرىء فناظرة وخرج على أنه مصدر كالعاقبة وفناظرة اسم فاعل مضاف للضمير أي فصاحب الحق ناظره، وقرىء فناظروه أي فأنتم ناظروه، وقرىء ميسرة بضم السين وهو قليل كمشربة وبفتحها وهو كثير، وقرىء ميسورة مضافاً إلى ضمير المعسر وهو مصدر عند الأخفش كالمجلود، وقرىء إلى ميسرة بفتح السين مضافاً إلى ضمير الغريم وبضمها كذلك ويفعل مفقود في الأسماء المفردة: قاله سيبويه. وقيل: جاء قليلاً ومنه مهلك بضم اللام. {وَأَن تَصَدَّقُواْ} على المعسر أي برأس المال أو بنقص بعضه. {خَيْرٌ لَّكُمْ} أي من الانظار، وقرىء تتصدقوا بتائين وبإِدغام الثانية في الصاد وبحذفها. {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} فضل التصديق على الأنظار والقبض.
الجيلاني
تفسير : بشر أيضاً يا أكمل الرسل {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ} وهو تنمية المال بأخس الطرق، والإضرار بأخيه المسلم، وإتلاق ماله مجاناً بلا رعاية غبطة بأنهم {لاَ يَقُومُونَ} في البعث {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ} الشخص {ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ} في النوم، كيف يقوم صرعى حيارى، مضطرباً منتهكاً مشوشاً هائلاً بلا سبب {ذَلِكَ} الأمر الفظيع الهائل {بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ} في التنيمة {مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ} وهم يسوون بين البيع والربا {وَ} الحال أنه {أَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ} لأن غبطة المشتري مرعي فيه حالاً ومآلاً، وهو يرضاه بلا اضطرار، بخلاف الربا فإن غبطة الآخذ غير مرعية فيه، بل إنما ارتكبه اضطراراً {وَ} لذلك {حَرَّمَ} الله العليم الحكيم {ٱلرِّبَٰواْ} لئلا يتلف أموال المسلمين مجاناً بلا عوض ولا رضا {فَمَن جَآءَهُ} بلغه {مَوْعِظَةٌ} قبل {مِّنْ رَّبِّهِ} في أثناء ما يربو به {فَٱنْتَهَىٰ} نفسه بإسماعها في الربا {فَلَهُ مَا سَلَفَ} أخذ وقبل الموعظة لا يسترده الشرع {وَأَمْرُهُ} مفوض {إِلَى ٱللَّهِ} يجازيه على الانتهاء إن كان من أهل القبول والإنابة، ويعاق عليها إن كان من أهل التزلزل والاضطراب {وَمَنْ عَادَ} بعدما سمع وانتهى {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275] دائمون مستمرون ما شاء الله. ومن سنته سبحانه أنه {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ} أي: يذهب بركته، ويهلك المال الذي يدخل هو فيه {وَيُرْبِي} يزيد وينمي المال الذي يخرج منه {ٱلصَّدَقَٰتِ} ويضاعف ثوابها ويبارك على صاحبها، كما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله: "ما نصقت زكاة من مال قط" {وَٱللَّهُ} المتجلي بالتجلي الجلي {لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ} ستار مصر على تحليل المحرمات {أَثِيمٍ} [البقرة: 276] بارتكاب المحظورات مجترء على ترك المأمورات. ثم قال سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله الواحد القهار الأحد الفرد الوتر في ذاته {وَ} آمنوا أيضاً بجميع رسله المرسلة من عنده، وبجميع ما جاء به من الأوامر والنواهي {عَمِلُواْ} جميع {ٱلصَّٰلِحَٰتِ} المأمورة لهم {وَ} خصوصاً {أَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} المفروضة لهم بكتاب الله {وَآتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ} المكتوبة عليهم فيه {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من ترقب مؤلم {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 277] من فوت ملذ مسربل، لهم ما لهم بالفعل بلا انتظار وترقب.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن أكلة الربا وسوء مآلهم وشدة منقلبهم، أنهم لا يقومون من قبورهم ليوم نشورهم { إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } أي: يصرعه الشيطان بالجنون، فيقومون من قبورهم حيارى سكارى مضطربين، متوقعين لعظيم النكال وعسر الوبال، فكما تقلبت عقولهم و { قالوا إنما البيع مثل الربا } وهذا لا يكون إلا من جاهل عظيم جهله، أو متجاهل عظيم عناده، جازاهم الله من جنس أحوالهم فصارت أحوالهم أحوال المجانين، ويحتمل أن يكون قوله: { لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } أنه لما انسلبت عقولهم في طلب المكاسب الربوية خفت أحلامهم وضعفت آراؤهم، وصاروا في هيئتهم وحركاتهم يشبهون المجانين في عدم انتظامها وانسلاخ العقل الأدبي عنهم، قال الله تعالى رادا عليهم ومبينا حكمته العظيمة { وأحل الله البيع } أي: لما فيه من عموم المصلحة وشدة الحاجة وحصول الضرر بتحريمه، وهذا أصل في حل جميع أنواع التصرفات الكسبية حتى يرد ما يدل على المنع { وحرم الربا } لما فيه من الظلم وسوء العاقبة، والربا نوعان: ربا نسيئة كبيع الربا بما يشاركه في العلة نسيئة، ومنه جعل ما في الذمة رأس مال، سلم، وربا فضل، وهو بيع ما يجري فيه الربا بجنسه متفاضلا وكلاهما محرم بالكتاب والسنة، والإجماع على ربا النسيئة، وشذ من أباح ربا الفضل وخالف النصوص المستفيضة، بل الربا من كبائر الذنوب وموبقاتها { فمن جاءه موعظة من ربه } أي: وعظ وتذكير وترهيب عن تعاطي الربا على يد من قيضه الله لموعظته رحمة من الله بالموعوظ، وإقامة للحجة عليه { فانتهى } عن فعله وانزجر عن تعاطيه { فله ما سلف } أي: ما تقدم من المعاملات التي فعلها قبل أن تبلغه الموعظة جزاء لقبوله للنصيحة، دل مفهوم الآية أن من لم ينته جوزي بالأول والآخر { وأمره إلى الله } في مجازاته وفيما يستقبل من أموره { ومن عاد } إلى تعاطي الربا ولم تنفعه الموعظة، بل أصر على ذلك { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } اختلف العلماء رحمهم الله في نصوص الوعيد التي ظاهرها تخليد أهل الكبائر من الذنوب التي دون الشرك بالله، والأحسن فيها أن يقال هذه الأمور التي رتب الله عليها الخلود في النار موجبات ومقتضيات لذلك، ولكن الموجب إن لم يوجد ما يمنعه ترتب عليه مقتضاه، وقد علم بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن التوحيد والإيمان مانع من الخلود في النار، فلولا ما مع الإنسان من التوحيد لصار عمله صالحا للخلود فيها بقطع النظر عن كفره. ثم قال تعالى: { يمحق الله الربا } أي: يذهبه ويذهب بركته ذاتا ووصفا، فيكون سببا لوقوع الآفات فيه ونزع البركة عنه، وإن أنفق منه لم يؤجر عليه بل يكون زادا له إلى النار { ويربي الصدقات } أي: ينميها وينزل البركة في المال الذي أخرجت منه وينمي أجر صاحبها وهذا لأن الجزاء من جنس العمل، فإن المرابي قد ظلم الناس وأخذ أموالهم على وجه غير شرعي، فجوزي بذهاب ماله، والمحسن إليهم بأنواع الإحسان ربه أكرم منه، فيحسن عليه كما أحسن على عباده { والله لا يحب كل كفار } لنعم الله، لا يؤدي ما أوجب عليه من الصدقات، ولا يسلم منه ومن شره عباد الله { أثيم } أي: قد فعل ما هو سبب لإثمه وعقوبته. لما ذكر أكلة الربا وكان من المعلوم أنهم لو كانوا مؤمنين إيمانا ينفعهم لم يصدر منهم ما صدر ذكر حالة المؤمنين وأجرهم، وخاطبهم بالإيمان، ونهاهم عن أكل الربا إن كانوا مؤمنين، وهؤلاء هم الذين يقبلون موعظة ربهم وينقادون لأمره، وأمرهم أن يتقوه، ومن جملة تقواه أن يذروا ما بقي من الربا أي: المعاملات الحاضرة الموجودة، وأما ما سلف، فمن اتعظ عفا الله عنه ما سلف، وأما من لم ينزجر بموعظة الله ولم يقبل نصيحته فإنه مشاق لربه محارب له، وهو عاجز ضعيف ليس له يدان في محاربة العزيز الحكيم الذي يمهل للظالم ولا يهمله حتى إذا أخذه، أخذه أخذ عزيز مقتدر { وإن تبتم } عن الربا { فلكم رءوس أموالكم } أي: أنزلوا عليها { لا تظلمون } من عاملتموه بأخذ الزيادة التي هي الربا { ولا تظلمون } بنقص رءوس أموالكم. { وإن كان } المدين { ذو عسرة } لا يجد وفاء { فنظرة إلى ميسرة } وهذا واجب عليه أن ينظره حتى يجد ما يوفي به { وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون } إما بإسقاطها أو بعضها. { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } وهذه الآية من آخر ما نزل من القرآن، وجعلت خاتمة لهذه الأحكام والأوامر والنواهي، لأن فيها الوعد على الخير، والوعيد على فعل الشر، وأن من علم أنه راجع إلى الله فمجازيه على الصغير والكبير والجلي والخفي، وأن الله لا يظلمه مثقال ذرة، أوجب له الرغبة والرهبة، وبدون حلول العلم في ذلك في القلب لا سبيل إلى ذلك.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ} [275] 74- أنا أبو بكر بن حفص، عن المُعتمر - وهو ابن سُليمان - عن أبيه، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: قلت لعَلْقمة: أقال عبد الله: لعن النبي صلى الله عليه وسلم آكل الرِّبا، ومُوكله، وشاهدَيه، وكاتِبه؟ قال: آكل الرِّبا ومُوكله قلت: وشاهدَيه وكاتِبه؟ قال: إنما نحدث بما سمعنا. قوله تعالى: {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ} [275] 75- أنا محمود بن غَيْلان، نا أبو داود، أنا شعبة، عن الأعمش. وأنا بشر بن خالد، أنا غندر، عن شعبة، عن سليمان قال: سمعت أبا الضُّحى، عن مسروق، عن عائشة قالت: لما نزلت الآيات الأواخر من سورة البقرة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، فقرأهن في المسجد، وحرم التجارة في الخمر.
همام الصنعاني
تفسير : 352- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: { لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ}: [الآية: 275]، قال: هو التخييل الذي يَتَخبَّلُه الشيطان من الجُنون. 353- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، قال: سمعت عطاء الخراسانني يقول: إن عبد الله بن سلام قال: يؤذن يوم القيامة للبرّ والفاجر في القيام إلا أكله الربا لا يقومون إلاّ كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):