٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
276
Tafseer
الرازي
تفسير : إعلم أنه تعالى لما بالغ في الزجر عن الربا، وكان قد بالغ في الآيات المتقدمة في الأمر بالصدقات، ذكر هٰهنا ما يجري مجرى الدعاء إلى ترك الصدقات وفعل الربا، وكشف عن فساده، وذلك لأن الداعي إلى فعل الربا تحصيل المزيد في الخيرات، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان الخير فبين تعالى أن الربا وإن كان زيادة في الحال، إلا أنه نقصان في الحقيقة، وأن الصدقة وإن كانت نقصاناً في الصورة، إلا أنها زيادة في المعنى، ولما كان الأمر كذلك كان اللائق بالعاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الطبع والحس من الدواعي والصوارف، بل يعول على ما ندبه الشرع إليه من الدواعي والصوارف فهذا وجه النظم وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المحق نقصان الشيء حالا بعد حال، ومنه المحاق في الهلال يقال: محقه الله فانمحق وامتحق، ويقال: هجير ماحق إذا نقص في كل شيء بحرارته. المسألة الثانية: إعلم أن محق الربا وإرباء الصدقات يحتمل أن يكون في الدنيا، وأن يكون في الآخرة، أما في الدنيا فنقول: محق الربا في الدنيا من وجوه أحدها: أن الغالب في المرابي وإن كثر ماله أنه تؤول عاقبته إلى الفقر، وتزول البركة عن ماله، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : الربا وإن كثر فإلى قُلّ» تفسير : وثانيها: إن لم ينقص ماله فإن عاقبته الذم، والنقص، وسقوط العدالة، وزوال الأمانة، وحصول اسم الفسق والقسوة والغلظة وثالثها: أن الفقراء الذين يشاهدون أنه أخذ أموالهم بسبب الربا يلعنونه ويبغضونه ويدعون عليه، وذلك يكون سبباً لزوال الخير والبركة عنه في نفسه وماله ورابعها: أنه متى اشتهر بين الخلق أنه إنما جمع ماله من الربا توجهت إليه الأطماع، وقصده كل ظالم ومارق وطماع، ويقولون: إن ذلك المال ليس له في الحقيقة فلا يترك في يده، وأما إن الربا سبب للمحق في الآخرة فلوجوه الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: معنى هذا المحق أن الله تعالى لا يقبل منه صدقة ولا جهاداً، ولا حجاً، ولا صلة رحم وثانيها: إن مال الدنيا لا يبقى عند الموت، ويبقى التبعة والعقوبة، وذلك هو الخسار الأكبر وثالثها: أنه ثبت في الحديث أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام، فإذا كان الغني من الوجه الحلال كذلك، فما ظنك بالغني من الوجه الحرام المقطوع بحرمته كيف يكون، فذلك هو المحق والنقصان. وأما أرباء الصدقات فيحتمل أن يكون المراد في الدنيا، وأن يكون المراد في الآخرة. أما في الدنيا فمن وجوه أحدها: أن من كان لله كان الله له، فإذا كان الإنسان مع فقره وحاجته يحسن إلى عبيد الله، فالله تعالى لا يتركه ضائعاً في الدنيا، وفي الحديث الذي رويناه فيما تقدم أن الملك ينادي كل يوم «حديث : اللّهم يسر لكل منفق خلفاً ولممسك تلفاً»تفسير : وثانيها: أنه يزداد كل يوم في جاهه وذكره الجميل، وميل القلوب إليه وسكون الناس إليه وذلك أفضل من المال مع أضداد هذه الأحوال وثالثها: أن الفقراء يعينونه بالدعوات الصالحة ورابعها: الأطماع تنقطع عنه فإنه متى اشتهر أنه متشمر لإصلاح مهمات الفقراء والضعفاء، فكل أحد يحترز عن منازعته، وكل ظالم، وكل طماع لا يجوز أخذ شيء من ماله، اللّهم إلا نادراً، فهذا هو المراد بإرباء الصدقات في الدنيا. وأما إرباؤها في الآخرة فقد روى أبو هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تعالى يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب، ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى أن اللقمة تصير مثل أحد» تفسير : وتصديق ذلك بين في كتاب الله {أية : أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ } تفسير : [التوبة: 104] {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرّبَوٰاْ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ } [البقرة: 276] قال القفال رحمه الله تعالى: ونظير قوله {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرّبَوٰاْ } المثل الذي ضربه فيما تقدم بصفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً، ونظير قوله {وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ } المثل الذي ضربه الله بحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. أما قوله {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } فاعلم أن الكفار فعال من الكفر، ومعناه من كان ذلك منه عادة، والعرب تسمي المقيم على الشيء بهذا، فتقول: فلان فعال للخير أمار به، والأثيم فعيل بمعنى فاعل، وهو الآثم، وهو أيضاً مبالغة في الاستمرار على اكتساب الآثام والتمادي فيه، وذلك لا يليق إلا بمن ينكر تحريم الربا فيكون جاحداً، وفيه وجه آخر وهو أن يكون الكفار راجعاً إلى المستحيل، والأثيم يكون راجعاً إلى من يفعله مع اعتقاد التحريم، فتكون الآية جامعة للفريقين.
البيضاوي
تفسير : {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرّبَوٰاْ} يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه. {وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَـٰتِ} يضاعف ثوابها ويبارك فيما أخرجت منه، وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : إن الله يقبل الصدقة ويربيها كما يربي أحدكم مهره»تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : ما نقصت زكاة من مال قط»تفسير : {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ} لا يرضى ولا يحب محبته للتوابين. {كُلَّ كَفَّارٍ} مصر على تحليل المحرمات. {أَثِيمٍ} منهمك في ارتكابه.
ابن كثير
تفسير : يخبر الله تعالى أنه يمحق الربا، أي: يذهبه؛ إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا، ويعاقبه عليه يوم القيامة، كما قال تعالى: {أية : قُل لاَّ يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ}تفسير : [المائدة: 100] وقال تعالى: {أية : وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنفال: 37] وقال: {أية : وَمَآ ءَاتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِى أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ}تفسير : [الروم: 39] الآية، وقال ابن جرير في قوله: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَوٰاْ}: وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:حديث : الربا وإن كثر، فإن عاقبته تصير إلى قلتفسير : ، وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في مسنده، فقال: حدثنا حجاج، حدثنا شريك، عن الركين بن الربيع، عن أبيه، عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل»تفسير : ، وقد رواه ابن ماجه: عن العباس بن جعفر عن عمرو بن عون، عن يحيى بن زائدة عن إسرائيل عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري، عن أبيه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قل»تفسير : ، وهذا من باب المعاملة، بنقيض المقصود، كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا الهيثم بن رافع الطاطري، حدثني أبو يحيى رجل من أهل مكة، عن فروخ مولى عثمان، أن عمر، وهو يومئذٍ أمير المؤمنين، خرج من المسجد، فرأى طعاماً منثوراً، فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: طعام جلب إلينا، قال: بارك الله فيه وفيمن جلبه، قيل: يا أمير المؤمنين إنه قد احتكر، قال: من احتكره؟ قالوا: فروخ مولى عثمان، وفلان مولى عمر، فأرسل إليهما، فدعاهما فقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا: يا أمير المؤمنين نشتري بأموالنا ونبيع، فقال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من احتكر على المسلمين طعامهم، ضربه الله بالإفلاس أو بجذام»تفسير : ، فقال فروخ عند ذلك: أعاهد الله وأعاهدك أن لا أعود في طعام أبداً، وأما مولى عمر فقال: إنما نشتري بأموالنا ونبيع، قال أبو يحيى: فلقد رأيت مولى عمر مجذوماً، ورواه ابن ماجه من حديث الهيثم ابن رافع به، ولفظه: «حديث : من احتكر على المسلمين طعامهم، ضربه الله بالإفلاس والجذام».تفسير : وقوله: {وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ} قرىء بضم الياء والتخفيف، من ربا الشيء يربو، وأرباه يربيه، أي: كثره، ونماه ينميه، وقرىء يربي بالضم والتشديد من التربية، قال البخاري: حدثنا عبد الله بن منير، أخبرنا كثير سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه، حتى يكون مثل الجبل»تفسير : كذا رواه في كتاب الزكاة، وقال في كتاب التوحيد: وقال خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، فذكره بإسناده نحوه، وقد رواه مسلم في الزكاة، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن خالد ابن مخلد، فذكره، قال البخاري: ورواه مسلم بن أبي مريم، وزيد بن أسلم، وسهيل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قلت: أما رواية مسلم بن أبي مريم، فقد تفرد البخاري بذكرها، وأما طريق زيد بن أسلم، فرواها مسلم في صحيحه، عن أبي الطاهر بن السرح، عن ابن وهب، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم به، وأما حديث سهيل، فرواه مسلم عن قتيبة عن يعقوب ابن عبد الرحمن عن سهيل به، والله أعلم، قال البخاري: وقال ورقاء: عن ابن دينار، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد أسند هذا الحديث من هذا الوجه الحافظ أبو بكر البيهقي، عن الحاكم وغيره، عن الأصم، عن العباس المروزي، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن ورقاء، وهو ابن عمر اليشكري، عن عبد الله بن دينار، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه، فيربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه، حتى يكون مثل أحد»تفسير : وهكذا روى هذا الحديث مسلم والترمذي والنسائي جميعاً، عن قتيبة، عن الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، وأخرجه النسائي من رواية مالك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ومن طريق يحيى القطان، عن محمد بن عجلان، ثلاثتهم عن سعيد بن يسار أبي الحباب المدني، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، وقد روي عن أبي هريرة من وجه آخر، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع، عن عباد بن منصور، حدثنا القاسم بن محمد قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله عز وجل يقبل الصدقة، ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، أو فلوه، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد» تفسير : وتصديق ذلك في كتاب الله: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَوٰاْ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ} وكذا رواه أحمد، عن وكيع، وهو في تفسير وكيع، ورواه الترمذي، عن أبي كريب عن وكيع به، وقال: حسن صحيح، وكذا رواه الثوري عن عباد بن منصور به، ورواه أحمد أيضاً عن خلف بن الوليد، عن ابن المبارك، عن عبد الواحد بن ضمرة وعباد بن منصور، كلاهما عن أبي نضرة، عن القاسم به، وقد رواه ابن جرير، عن محمد بن عبد الملك بن إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : إن العبد إذا تصدق من طيب يقبلها الله منه، فيأخذها بيمينه، ويربيها كما يربي أحدكم مهره، أو فصيله، وإن الرجل ليتصدق باللقمة، فتربو في يد الله، أو قال: في كف الله، حتى تكون مثل أحد، فتصدقوا»تفسير : وهكذا رواه أحمد عن عبد الرزاق، وهذا طريق غريب صحيح الإسناد، ولكن لفظه عجيب، والمحفوظ ما تقدم، وروي عن عائشة أم المؤمنين، فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد عن ثابت، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«حديث : إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة كما يربي أحدكم فلوّه أو فصيله حتى يكون مثل أحد»تفسير : تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال البزار: حدثنا يحيى بن المعلى بن منصور، حدثنا إسماعيل، حدثني أبي عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الضحاك بن عثمان عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الرجل ليتصدق بالصدقة من الكسب الطيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فيتلقاها الرحمن بيده، فيربيها كما يربي أحدكم فلوّه أو وصيفه»تفسير : أو قال: «حديث : فصيله»تفسير : ، ثم قال: لا نعلم أحداً رواه عن يحيى بن سعيد عن عمرة إلا أبا أويس. وقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}، أي: لا يحب كفور القلب، أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل. ثم قال تعالى مادحاً للمؤمنين بربهم، المطيعين أمره، المؤدين شكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبراً عما أعد لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَوٰاْ } ينقصه ويذهب بركته {وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَٰتِ } يزيدها وينمّيها ويضاعف ثوابها {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ } بتحليل الربا {أَثِيمٍ } فاجر بأكله أي يعاقبه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا} أي ينقصه شيئاً بعد شيء، مأخوذ من محاق الشهر لنقصان الهلال فيه، وفيه وجهان: أحدهما: يبطله يوم القيامة إذا تصدق به في الدنيا. والثاني: يرفع البركة منه في الدنيا مع تعذيبه عليه في الآخرة. {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} فيه تأويلان: أحدهما: يثمر المال الذي خرجت منه الصدقة. والثاني: يضاعف أجر الصدقة ويزيدها، وتكون هذه الزيادة واجبة بالوعد لا بالعمل. {وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} في الكَفَّار وجهان: أحدهما: الذي يستر نعم الله ويجحدها. والثاني: هو الذي يكثر فعل ما يكفر به. وفي الأثيم وجهان: أحدهما: أنه من بَّيت الإِثم. والثاني: الذي يكثر فعل ما يأثم به.
ابن عطية
تفسير : {يمحق} معناه: ينقص ويذهب، ومنه محاق القمر وهو انتقاصه، {ويربي الصدقات} معناه ينميها ويزيد ثوابها تضاعفاً، تقول: ربت الصدقة وأرباها الله تعالى ورباها وذلك هو التضعيف لمن يشاء، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن صدقة أحدكم لتقع في يد الله فيربيها له كما يربي أحدكم فصيله، أو فلوه، حتى يجيء يوم القيامة وأن اللقمة لعلى قدر أحد ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: وقد جعل الله هذين الفعلين بعكس ما يظنه الحريص الجشع من بني آدم، يظن الربا يغنيه وهو في الحقيقة ممحق، ويظن الصدقة تفقره وهي نماء في الدنيا والآخرة، وقرأ ابن الزبير: "يُمحِّق الله" بضم الياء وكسر الحاء مشددة، "ويرَبّي" بفتح الراء وشد الباء، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك. وقوله تعالى: {والله لا يحب كل كفار أثيم} يقتضي أن الزجر في هذه الآيات للكفار المستحلين للربا القائلين على جهة التكذيب للشرع {إنما البيع مثل الربا} ووصف الكفار بـــ {أثيم}، إما مبالغة من حيث اختلف اللفظان، وإما ليذهب الاشتراك الذي في كفار، إذ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض، قاله ابن فورك قال ومعنى قوله: {والله لا يحب} أي لا يحب الكفار الأثيم. قال القاضي أبو محمد: محسناً صالحاً بل يريده مسيئاً فاجراً، ويحتمل أن يريد والله لا يحب توفيق الكفار الأثيم. وهذه تأويلات مستكرهة، أما الأول فأفرط في تعدية الفعل وحمله من المعنى ما لا يحتمله لفظه، وأما الثاني فغير صحيح المعنى، بل الله تعالى يحب التوفيق على العموم ويحببه، والمحب في الشاهد يكون منه ميل إلى المحبوب ولطف به، وحرص على حفظه، وتظهر دلائل ذلك، والله تعالى يريد وجود الكافر على ما هو عليه، وليس له عنده مزية الحب بأفعال تظهر عليه نحو ما ذكرناه في الشاهد، وتلك المزية موجودة للمؤمن. ولما انقضى ذكرهم عقب بذكر ضدهم ليبين ما بين الحالين. فقال {إن الذين آمنوا} الآية، وقد تقدم تفسير مثل ألفاظ هذه الآية، وخص {الصلاة} و {الزكاة} بالذكر وقد تضمنهما عمل {الصالحات} تشريفاً لهما، وتنبيهاً على قدرهما، إذ هما رأس الأعمال الصلاة في أعمال البدن، والزكاة في أعمال المال.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَوَاْ} ينقصه شيئاً بعد شيء، من محاق الشهر، لنقصان الهلال فيه. {وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ} يضاعف أجرها وعداً منه واجباً، أو ينمي المال الذي أخرجت منه.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يمحق الله الربا} أي ينقصه ويهلكه ويذهب ببركته قال ابن عباس لا يقبل الله منه صدقة ولا حجاً ولا جهاداً ولا صلة {ويربي الصدقات} أي يزيدها ويثمرها ويبارك فيها في الدنيا ويضاعف أجرها في الآخرة. (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما تصدق أحد بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله الطيب إلاّ أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله"تفسير : لفظ مسلم والبخاري "حديث : من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله"تفسير : . وفي رواية ولا يقبل الله إلاّ الطيب فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل. {والله لا يحب كل كفار} يعني كل مصر على كفره مقيم عليه مستحل لأكل الربا {أثيم} يعني متمادياً في الإثم وفيه نهي عنه وأن من أكل الربا لا ينزجر عنه ولا يتركه وقيل يحتمل أن يكون الكفار راجعاً إلى مستحل الربا والأثيم راجعاً إلى من يفعله مع اعتقاد التحريم فتكون الآية جامعة للفريقين.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا...}. قال ابن عرفة: الأحكام الشرعية منطوية بمصالح الدنيا والآخرة، فلمّا تضمن الكلام السّابق حصول المصلحة الأخروية بالصدقة لقول الله تعالى {أية : فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.تفسير : والعقوبة في الآخرة لفاعل الرّبا تضمّن هذا / أنّه محصل للمصلحة الدنيوية، والربا متضمن للمسفدة الدنيوية لأنّ الربا (ممحقة) للمال والصدقة زيادة فيه. وحمله ابن عطية على أنه في الدار الآخرة. والظاهر الأول. وبدأ هنا بالرّبا، وفيما تقدم بالصدقة وطريق المقابلة واللّف والنشر العكس. لكن الجواب لما كان ذكر الصدقة قد يطول الكلام فيه قدّم الكلام (على) الربا ثم عاد إلى الصدقة. فإن قلت: هلا قيل يمحق الله المال الذي فيه الرّبا فهو أبلغ في التخويف لأن محق المال الذي فيه الرّبا أشد لاستلزامه محق الربا وزيادة؟ فالجواب: أن هذا (أجلى) من محق الربا و المخاطبون عوام. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}. قال ابن عطية: يحتمل أن يريد: والله لا يحب توفيق الكفّار الأثيم. قاله ابن فورك. ابن عطية: وهذا غير صحيح لأن الله تعالى يحب التوفيق على العموم (ويحببه). قلت: وسمعت القاضي أبا العباس بن حيدرة والمفتي أبا القاسم الغبريني يقولان: هذه نَزْغَةٌ اعتزالية غفل فيها واعتزل من حيث لا يشعر، بل الله يحب الخير والشر ـ تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد ـ والرجل سني لا شك في فضله ودينه. قال ابن عرفة: إن قلنا: إن نقيض المستحب مكروه فالمعنى ظاهر وإن قلنا: إن نقيضه غير مكروه فهلا قيل: والله يكره كل كفار أثيم، لأن نفي المحبة أعم من الكراهة وعدمها. قال: وعادتهم يجيبون بقول العرب في المدح (التام) حبذا زيد. (وفي الذم التام لا حبذا زيد) فنفي المحبة عندهم يستلزم الكراهة. فإن قلت: هلا قيل: والله لا يحب كل (كافر) أثيم فهو أبلغ؟ قلت: إنه لما كان النفي أخص كان (المنفي) أعم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يَمْحَقُ ٱللهُ ٱلْرِّبَٰوا وَيُرْبِي}: الجمهور على التخفيف في الفعلين من: مَحَقَ، وأربى. وقرأ ابن الزبير: ورويت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يُمَحِّقُ، ويُرَبِّي" بالتشديد فيهما. والمحق: النقص، يقال: محقته فانمحق، وامتحق؛ ومنه المحاق في القمر؛ قال: [البسيط] شعر : 1261- يَزْدَادُ حَتَّى إِذَا مَا تَمَّ أَعْقَبَهُ كَرُّ الجَدِيدَيْنِ نَقْصاً ثُمَّ يَنْمَحِقُ تفسير : وأنشد ابن السِّكِّيتِ: [الطويل] شعر : 1262- وَأَمْصَلْتُ مَالِي كُلَّهُ بِحَيَاتِهِ وَمَا سُسْتَ مِنْ شَيْءٍ فَرَبُّكَ مَاحِقُهْ تفسير : ويقال: هجيرٌ ماحقٌ: إذا نقص كلُّ شيءٍ بحرِّه. وقد اشتملت هذه الآية على نوعين من البديع: أحدهما: الطِّباق في قوله: "يَمْحَقُ، ويُرْبِي" فإنهما ضدَّان، نحو: {أية : أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ}تفسير : [النجم:43]. والثاني: تجنيس التغاير في قوله: "الرِّبا، ويُرْبي" إذ أحدهما اسم والآخر فعل. فصل في بيان وجه النَّظم لما كان الداعي إلى فعل الرِّبا، تحصيل الزيادة، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقص الخيرات - بيَّن تعالى - هاهنا - أنَّ الربا وإن كان زيادةً، فهو نقصانٌ في الحقيقة، وأن الصدقة وإن كانت نقصاً في الصورة، فهي زيادةٌ في المعنى، فلا يليق بالعاقل أن يلتفت إلى ما يقضي به الطبع، والحسُّ من الدواعي والصَّوارف؛ بل يعوِّل على ما ندبه الشرع إليه؛ فهذا وجه النظم. فصل اعلم أن محق الربا، وإرباء الصدقات يحتمل أن يكون في الدنيا، وأن يكون في الآخرة. أما محق الربا في الدنيا فمن وجوه: أحدها: أنَّ الغالب في المربي - وإن كثر ماله - أن تؤول عاقبته إلى الفقر وتزول البركة عن ماله؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : الرِّبا وَإِنْ كَثُرَ فإنَّ عَاقِبتَهُ تَصِيرُ إِلى قلٍّ ". تفسير : وثانيها: أنه وإن لم ينتقص ماله، فإن عاقبته الذَّمُّ والنقص، وسقوط العدالة، وزوال الأمانة، وحصول اسم الفسق، والقسوة، والغلظة. ثالثها: أنَّ الفقراء الذين يشاهدون أنه أخذ أموالهم بسبب الربا، يلعنونه، ويبغضونه، ويدعون عليه؛ وذلك يكون سبباً لزوال الخير، والبركة عنه في نفسه وماله. الرابع: أنه متى اشتهر بين الناس بأنه إنما جمع ماله من الرِّبا، توجهت إليه الأطماع، وقصده كلُّ ظالمٍ، ومارقٍ وطمَّاعٍ، ويقولون: إنَّ ذلك المال ليس له في الحقيقة، فلا يترك في يده. وأمَّا أن الربا سبب للمحق في الآخرة فمن وجوهٍ: أحدها: قال ابن عباس: معنى هذا المحق: أن الله تعالى لا يقبل منه صدقةً، ولا جهاداً ولا حجّاً، ولا صلة رحم. ثانيها: أن مال الدنيا لا يبقى عند الموت، ويبقى عليه التبعة، والعقوبة، وذلك هو الخسار الأكبر. وثالثها: ثبت في الحديث: أنَّ الأغنياء يدخلون الجنَّة بعد الفقراء بخمسمائة عامٍ، فإذا كان الغِنَى من الحلال كذلك، فما ظنُّك بالغنى من الحرام المقطوع به فذلك هو المحق والنقصان! وأمَّا "إِرْبَاءُ الصدقاتِ" فيحتمل - أيضاً - أن يكون في الدنيا، وأن يكون في الآخرة. أما في الدنيا: فمن وجوهٍ: أحدها: أن من كان لله كان الله له، فإذا كان الإنسان يحسن إلى عبيد الله، فالله تعالى لا يتركه ضائعاً، ولا جائعاً في الدنيا، وقد ورد في الحديث أنَّ ملكاً ينادي كلَّ يومٍ: "حديث : اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِكُلِّ مُنْفِقٍ خَلَفاً، ولكل مُمْسِكٍ تَلَفاً ". تفسير : وثانيها: أنه يزداد كلَّ يومٍ في جاهه، وذكره الجميل، وميل القلوب إليه. وثالثها: أن الفقراء يعينونه بالدعاء الخالص من قلوبهم. ورابعها: أنَّ الأطماع تنقطع عنه، فإنه متى اشتهر بإصلاح مهمَّات الفقراء، والضعفاء؛ فكلُّ أحدٍ يحترز عن منازعته، وكلُّ ظالم، وطمَّاع يتخوف من التعرض إليه، اللهم إلاَّ نادراً، فهذا هو المراد بإرباء الصدقات في الدنيا. وأما إرباؤها في الآخرة، فروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقبلُ الصَّدَقَاتِ وَلاَ يَقْبَلُ مِنْهَا إِلاَّ الطَّيِّبَ ويَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُربِّيها كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مَهرَهُ أَوْ فَلُوَّهُ حتى إنَّ اللقمةَ تَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ" تفسير : وتصديق ذلك بيِّنٌ في كتاب الله تعالى {أية : أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ}تفسير : [التوبة:104]. وقال ابن الخطيب: ونظير قوله: {يَمْحَقُ ٱللهُ ٱلْرِّبَٰوا} المثل الذي ضربه فيما تقدم بصفوانٍ عليه ترابٌ فأصابه وابلٌ فتركه صلداً ونظير قوله: {وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَاتِ} المثل الذي ضربه الله بحبةٍ أنبتت سبع سنابل في كلِّ سنبلةٍ مائة حبَّةٍ. قوله: {وَٱللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} اعلم أن الكفَّار فعَّالٌ من الكفر، ومعناه: أن ذلك عادته، والعرب تسمي المقيم على الشيء بهذا فتقول: فلان فعَّالٌ للخير أمَّارٌ به و "الأَثِيم" فعيل بمعنى فاعلٍ، وهو الآثم، وهو - أيضاً - مبالغةٌ في الاستمرار على اكتساب الإثم والتمادي فيه، وذلك لا يليق إلاَّ بمن ينكر تحريم الربا، فيكون جاحداً. وفيه وجه آخر وهو أن يكون "الكَفَّارُ" راجعاً إلى المستحلّ "والأَثيم" يكون راجعاً إلى من يفعله مع اعتقاد التحريم؛ فتكون الآية الكريمة جامعةً للفريقين.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس {يمحق الله الربا} قال: ينقص الربا {ويربي الصدقات} قال: يزيد فيها. وأخرج أحمد وابن ماجة وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الربا وإن كثر فان عاقبته تصير إلى قل ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن معمر قال: سمعنا أنه لا يأتي على صاحب الربا أربعون سنة حتى يمحق. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيباً، فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل ". تفسير : وأخرج الشافعي وأحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن خزيمة وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني في الصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد، وتصديق ذلك في كتاب الله {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} [التوبة: 104]. و {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} ". تفسير : وأخرج البزار وابن جرير وابن حبان والطبراني عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله تبارك وتعالى يقبل الصدقة ولا يقبل منها إلا الطيب، ويربيها لصاحبها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله حتى أن اللقمة تصير مثل أحد، وتصديق ذلك في كتاب الله {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن المؤمن يتصدق بالتمرة أو بعدلها من الطيب ولا يقبل الله إلا الطيب، فتقع في يد الله فيربيها له كما يربي أحدكم فصيله حتى تكون مثل التل العظيم، ثم قرأ {يمحق الله الربا ويربي الصدقات ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: أما {يمحق الله الربا} فإن الربا يزيد في الدنيا ويكثر ويمحقه الله في الآخرة ولا يبقى منه لأهله شيء، وأما قوله {ويربي الصدقات} فإن الله يأخذها من المتصدق قبل أن تصل إلى المتصدق عليه، فما يزال الله يربيها حتى يلقى صاحبها ربه فيعطيها إياه، وتكون الصدقة التمرة أو نحوها، فما يزال الله يربيها حتى تكون مثل الجبل العظيم. وأخرج الطبراني عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن العبد ليتصدق بالكسرة تربو عند الله حتى تكون مثل أحد ".
ابو السعود
تفسير : {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَوٰاْ} أي يذهب ببركته ويُهلِكُ المالَ الذي يدخُل فيه {وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ} يُضاعفُ ثوابَها ويبارُك فيها ويزيدُ المالَ الذي أُخرجَتْ منه الصدقة. روي عنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : أن الله يقبلُ الصدقةَ ويُربـيها كما يربّـي أحدُكم مُهرَه» تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما نقصَ مالٌ من صدقةٍ قطُّ»تفسير : {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ} أي لا يرضىٰ لأن الحبَّ مختصٌّ بالتوابـين {كُلَّ كَفَّارٍ} مُصِرَ على تحليل المحرَّمات {أَثِيمٍ} مُنهمِكٍ في ارتكابه {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} بالله ورسوله وبما جاءهم به {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ} تخصيصُهما بالذكر مع اندراجهما في الصالحات لإنافتهما على سائر الأعمالِ الصالحة على طريقة ذكرِ جبريلَ وميكالَ عَقيبَ الملائكةِ عليهم السلام {لَهُمْ أَجْرُهُمْ} جملةٌ من مبتدإٍ وخبرٍ واقعةٌ خبراً لإنَّ أي لهم أجرُهم الموعودُ لهم وقولُه تعالى: {عِندَ رَبّهِمْ} حال من أجرهم، وفي التعرُّض لعنوان الربوبـية مع الإضافة إلى ضميرهم مزيدُ لطفٍ وتشريفٍ لهم {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من مكروه آتٍ {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} من محبوبٍ فات. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي قوا أنفسَكم عقابَه {وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرّبَوٰاْ} أي واترُكوا بقايا ما شرَطْتم منه على الناس تركاً كلياً {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} على الحقيقة فإن ذلك مستلزِمٌ لامتثال ما أُمِرْتم به اْلبتةَ وهو شرطٌ حُذفَ جوابُه ثقةً بما قبله أي إن كنتم مؤمنين فاتقوا وذرُوه الخ، رُوي أنه كان لثقيفٍ مالٌ على بعض قريشٍ فطالبوهم عند المَحِلّ بالمال والربا فنزلت {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} أي ما أُمرتم به من الاتقاء وتركِ البقايا إما مع إنكار حُرمتِه وإما مع الاعتراف بها {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي فاعلَموا بها من أذِن بالشيء إذا علِمَ به، أما على الأول فكَحربِ المرتدين وأما على الثاني فكحرب البغاة، وقرىء فآذِنوا أي فأَعْلموا غيرَكم قيل: هو من الأذان وهو الاستماع فإنه من طرُق العلم، وقرىء فأيقِنوا وهو مؤيِّد لقراءة العامة، وتنكيرُ حربٍ للتفخيم، و(من) متعلقة بمحذوف وقع صفةً لها مؤكدةً لفخامتها أي بنوعٍ من الحرب عظيمٍ لا يقادَرُ قدرُه كائنٍ من عند الله ورسوله. روي أنه لما نزلت قالت ثقيفٌ: لا يدَ لنا بحرب الله ورسوله {وَإِن تُبتُمْ} من الارتباء مع الإيمان بحرمتها بعدما سمعتموه من الوعيد {فَلَكُمْ رُءوسُ أَمْوٰلِكُمْ} تأخُذونها كَمَلاً {لاَ تَظْلِمُونَ} غُرماءَكم بأخذ الزيادة، والجملةُ إما مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب أو حالٌ من الضمير في لكم والعاملُ ما تضمّنه الجارُّ من الاستقرار {وَلاَ تُظْلَمُونَ} عطفٌ على ما قبله، أي لا تُظلَمون أنتم من قِبَلهم بالمَطْل والنقص، ومن ضرورة تعليقِ هذا الحكمِ بتوبتهم عدمُ ثبوتِه عند عدمها، إن كان مع إنكار الحرمةِ فهم مرتدون، ومالُهم المكسوبُ في حال الرِّدة فيءً للمسلمين عند أبـي حنيفةَ رضي الله عنه وكذا سائرُ أموالهم عند الشافعيِّ وعندنا هو لورثتهم، ولا شيءَ لهم على كل حال، وإن كان مع الاعتراف بها فإن كان لهم شوكةٌ فهم على شرف القتل لم تسلَم لهم رؤوسُهم فكيف برؤوس أموالهم وإلا فكذلك عند ابن عباس رضي الله عنهما فإنه يقول: «مَنْ عاملَ الربا يستتاب وإلا ضُرب عنقُه» وأما عند غيرِه فهم محبوسون إلى أن تظهرَ توبتُهم لا يُمَكّنون من التصرفات أصلاً فما لم يتوبوا لم يسلَمْ لهم شيءٌ من أموالهم بل إنما يسلَم بموتهم لورثتهم.
القشيري
تفسير : ما كان بإذن منه - سبحانه - من التصرُّفات فمقرون بالخيرات، ومصحوب بالبركات. وما كان بمتابعة الهوى يُسَلِّط عليه المَحْقَ، وكانت عاقبة أمره الخسران.
اسماعيل حقي
تفسير : {يمحق الله الربوا} المحق نقضان الشىء حالا بعد حال حتى يذهب كله كما فى محاق الشهر وهو حال آخذ الربا فان الله يذهب بركته ويهلك المال الذى يدخل فيه ولا ينتفع به ولده بعده {ويربى الصدقات} يضاعف ثوابها ويبارك فيها ويزيد المال الذى اخرجت منه الصدقة ـ روى ـ عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الله يقبل الصدقة ويربيها كما يربى احدكم مهره ". تفسير : وعنه ايضا "حديث : ما نقصت زكاة من مال قط ". تفسير : {والله لا يحب} اى لا يرضى لان الحب مختص بالتوابين {كل كفار} مصر على تحليل المحرمات {أثيم} منهمك فى ارتكابها.
الطوسي
تفسير : اللغة: المحق: نقصان الشيء حالا بعد حال. محقه الله يمحقه محقاً، فانمحق وامتحق أي هلك وتلف بذهابه حالا بعد حال. والمحاق آخر الشهر لا محاق الهلال فيه. والشيء محيق بمعنى ممحوق وأصل الباب المحق فان قيل بأي شيء {يمحق الله الربا ويربي الصدقات}؟ قلنا: يمحقه بأن ينقصه حالا بعد حال. وقال البلخي محقه في الدنيا بسقوط عدالته والحكم بفسقه وتسميته بالفسق. المعنى: وقوله {ويربي الصدقات} معناه يزيدها بما يثمر المال في نفسه وبالاجر عليه وذلك بحسب الانتفاع بها وحسن النية فيها ووجه زيادته على المستحق بالعمل تفصل بالوعد به وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن الله يقبل الصدقة، ولا يقبل منها إلا الطيب ويربيها لصاحبها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد، وذلك قوله: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} وقوله: {والله لا يحب كل كفار أثيم} إنما لم يقل كل كافر مع دخول الكفار في الكافر لأن كل كفار كافر وليس كل كافر كفار للدلالة على أن مستحل الربا في قوله {إنما البيع مثل الربا} مع أنه كافر كفار، ويجوز للدلالة على صفات الذم إذ قد يتوهم أن الكفار من استكثر من كفر نعمة إنسان لا يبلغ به استحقاق العقاب ويجوز أن يكون من باب الاختصاص لعظم المنزلة في الأمر الذي تعلق به الذكر {والأثيم} هو المتمادي في الاثم. والآثم: الفاعل للاثم وإنما قال لا يحبه ولم يقل يبغضه لأنه إذا لم يحب المكلف فهو يبغضه فقولك لا يحبه الله من صفات الذم كما أن قولك لم ينصف في المعاملة من صفات الذم.
الجنابذي
تفسير : {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا} يمحوه يعنى المال الحاصل من نفس الربا، او المال الّذى فيه الربا، وافناء المال الرّبوىّ مشهود وان خذل الله واحداً من النّاس ولم يمحق ماله والرّبوىّ يمحق دينه ثمّ يمحق بعده ماله، ونسب الى الصّادق (ع) انّه قيل له: قد رأى من يأكل الربا يربو ماله فقال: فأىّ محق امحق من درهم ربا يمحق الدّين وان تاب منه ذهب ماله وافتقر {وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَاتِ} يعنى فى الآخرة او يربى عوضها فيما اخرجت منه، وفى الاخبار اشارة اليهما ففى خبرٍ "حديث : انّ الله يأخذه يعنى مال الصّدقة بيده ويربيه كما يربى احدكم ولده حتّى تلقاه يوم القيامة وهى مثلُ احدٍ"تفسير : ، وفى خبر آخر: "حديث : ما نقص مال من صدقةٍ"تفسير : {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ} بأمر الله ونهيه والقيد الواقع فى سياق النّفى قد يعتبر قيداً للنّفى وقد يعتبر قيداً للمنفىّ وارداً عليه النّفى والتّقييد بالكلّ هاهنا من قبيل الاوّل {أَثِيمٍ} منهمك فى ارتكاب نواهيه.
اطفيش
تفسير : {يَمْحَقُ اللّهُ الرِّبا}: يذهب بركتهُ ويهلك المال الذى يدخل فيه، فمال الغنى بالربا الفقر، قال ابن مسعود: قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الربا وإن كثر فإلى قل"تفسير : فالربى نقص معنى ولو كان زيادة حسا، من أسباب هلاك مال هو رباً أن الفقراء المأخوذ منهم الربا يدعون على آخذه، وأصل المحق النقص شيئاً فشيئاً، فمال الربا ينقص شيئاً فشيئاً، وعن عباس رضى الله عنهما معنى المحق فى الآية: أن الله تعالى لا يقبل منه صدقة ولا جهادا ولا حجا ولا صلاة، وفى الحديث: "حديث : أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام، فكيف يدخلها الغنى بالحرامتفسير : ، وأشار الشيخ هود إلى قول ابن عباس بقولُه: إن الله جل جلالهُ يبطل الربا يوم القيامة، بمعنى لا يثاب على شئ فعله الربا. {وَيُرْبى الصَّدَقاتِ}: يزيد فى ثوابها الدرهم بعشرة إلى سبعمائة فصاعدا، ويبارك فيما خرجت منه فمآلها الزيادة، ولو كانت فى صوة النقص، وعنه صلى الله عليهِ وسلم: "حديث : ما تصدق أحد بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمنه وإن كانت تمرة تربوا فتربوا فى كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كا يربى أحدكم فلوه أو فصيله"تفسير : ، وفى رواية: "حديث : من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب"تفسير : وفى رواية: "حديث : ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يقبلها بيمينه يربيها لصاحبها كما يربى أحدكم فلوه حتى يكون مثل الجبل"تفسير : والفلو المهر، وفى رواية عنهُ صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن صدقة أحدكم لتقع فى يد الله تعالى فيربيها كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله حتى تجئ يوم القيامة وأن اللقمة لعلى قدر أحد"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما نقصت زكاة من مال قط"تفسير : قال عقبة بن عامر: سمعت رسول الله صلى الله عليهِ وسلم يقول: "حديث : كل امرئ فى ظل صدقته حتى يفصل بين الناس"تفسير : أو قال: "حديث : حتى يحكم بين الناس"تفسير : قال زيد بن أبى حبيب: روى ذلك عن أبى الخير عن عقبة، كان أبو الخير لا يخطئه يوم لا يصدق فيه بشئ ولو كعكة أو بصلة، قال ابن أبى حمزة ولا يلهم الصدقة إلا من سبقت له سابقة خير وروى ابن عبد البر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أحسن عبدٌ الصدقة إلا أحسن الله الخلافة على بنيه وكان فى ظل الله يوم لا ظل إلا ظله وحفظ فى يوم صدقته من كل عاهة وآفة"تفسير : ، وقال سعد بن عبادة: حديث : يا رسول الله إن أم سعد ماتت فأى الصدقة أفضل؟ قال: "الماء" فحفر بئراً وقال: "هذا لأم سعد"تفسير : وعن أبى سعيد عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أى ما مسلم كسا مسلما على عرى كساه الله من خضر الجنة، وإيما مسلم أطعم مسلما على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وإيما مسلم سقى مسلما على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم ". تفسير : {وَاللّهُ لا يُحبُّ كُلَّ كَفَّارٍ}: بسبب الربا يستحله ويصر على استحلاله، وهو كافر كفر شرك، أو يفعله معتقدا تحريمه، ويصر عليه وهو كافر كفر نفاق، والآية شاملة لهما، والنفى هنا لعموم السلب، ولو تأخرت عنه كل لقيام الدلائل، والإجماع أنه لا يوجد كافر مصر يحبه الله إلا ما زعمت المرجئة وغيرهم من جواز أن يحب مصرا بأن يدخله الجنة وهو خطأ. {أثِيمٍ}: مبالغ فى الإثم بإصراره عليه وهو فعل الربا أو استحلاله، ويجوز أن تكون الآية فى كل كفار أثيم بالربا أو غيره وهو الظاهر من عموم اللفظ وإطلاقه وهو ولى.
اطفيش
تفسير : {يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَٰواْ} بذهب عنه البركة ويذهبه أيضا والمال الذى فيه، وعن ابن عباس، لا يقبل الله منه صدقة ولا حجا ولا جهاداً ولا صلة، وجاء مرفوعا، أن الربا وإن كثر فعاقبته إلى قُلّ، ويقال عن بعض الصحابة لا يأتى على صاحب الربا أربعون سنة حتى يمحق، وهذا خارج مخرج الغالب، ولعل هذا أيضاً فيمن اعتقد حرمته لا فى المشركين {وُيُرْبِى الصَّدَقَٰتِ} يضاعف ثوابها، ويزيد فى مال أخرجت منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، "حديث : إن الله يقبل الصدقة فيربيها كما يربى أحدكم مُهره"تفسير : ، وهذا فى مضاعفة الثواب، وقال صلى الله عليه وسلم، "حديث : ما نقصت صدقة من مال قط"تفسير : ، وهذا بركة فى الدنيا بالزيادة، كما أو كيفما، بأن يدرك بالباقى ما يدرك بالكل لو لم تخرج {وَاللهُ لاَ يُحِبُّ} أى والله يعاقب، لأنه لا واسطة للمكلف بين الثواب والعقاب، فإذا لم يكن ثواب له كان العقاب {كُلَّ كَفَّارٍ} بأى أمره، ومنها الكفار بتحليل الربا، ومثله فاعله بلا تحليل، والنفى لعمون السلب ولو تأخرت عنه أداة العموم لا لسلب العموم {أَثِيمٍ} فاجر بالكبائر، مفارقة أو تحليلا، جاء مرفوعا، أن درهما واحداً من الربا أشد عند الله من ست وثلاثين زينة، ويروى من سبعين زينة بذات محرم فى البيت الحرام، وأن الربا سبعون بابا، أدناها كزنا الرجل بأمه، وأربى الربا استطالة المرء فى عرض أخيه، وأن النار أولى بكل لحم نبت من سحت، ولعن آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتبه، والعدد تمثيل وكذا السبعون تكثير.
الالوسي
تفسير : {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرّبَٰواْ} أي يذهب بركته ويهلك المال الذي يدخل فيه، أخرج أحمد، وابن ماجه، وابن جريج، والحاكم وصححه عن ابن مسعود عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الربا وإن كثر فعاقبته تصير إلى قلّ»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق عن معمر قال: سمعنا أنه لا يأتي على صاحب الربا أربعون سنة حتى يمحق، ولعل هذا مخرج مخرج الغالب، وعن الضحاك أن هذا المحق في الآخرة بأن يبطل ما يكون منه مما يتوقع نفعه فلا يبقى/ لأهله منه شيء {وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ} يزيدها ويضاعف ثوابها ويكثر المال الذي أخرجت منه الصدقة. أخرج البخاري، ومسلم عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ـ ولا يقبل الله تعالى إلا طيباً ـ فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربـي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل»تفسير : وأخرج الشافعي، وأحمد مثل ذلك، والنكتة في الآية أن المربـي إنما يطلب في الربا زيادة في المال ومانع الصدقة إنما يمنعها لطلب زيادة المال، فبين سبحانه أن الربا سبب النقصان دون النماء وأن الصدقة سبب النماء دون النقصان ـ كذا قيل ـ وجعلوه وجهاً لتعقيب آيات الإنفاق بآية الربا. {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ} لا يرتضي {كُلَّ كَفَّارٍ} متمسك بالكفر مقيم عليه معتاد له {أَثِيمٍ} منهمك في ارتكابه والآية لعموم السلب لا لسلب العموم إذ لا فرق بين واحد وواحد، واختيار صيغة المبالغة للتنبيه على فظاعة آكل الربا ومستحله، وقد ورد في شأن الربا وحده ما ورد فكيف حاله مع الاستحلال؟ٰ أعاذنا الله تعالى من ذلك. فقد أخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : درهم ربا أشد على الله تعالى من ست وثلاثين زنية» تفسير : وقال: «حديث : من نبت لحمه من سحت فالنار أولى به»تفسير : وأخرج ابن ماجه وغيره عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الربا سبعون باباً أدناها مثل أن يقع الرجل على أمه وإن أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه»تفسير : . وأخرج جميل بن دراج عن الإمامية عن أبـي عبد الله الحسين رضي الله تعالى عنه قال: «درهم ربا أعظم عند الله تعالى من سبعين زنية كلها بذات محرم في بيت الله الحرام». وأخرج عبد الرزاق وغيره عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: «حديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الربا خمسة آكله وموكله وشاهديه وكاتبه ».
ابن عاشور
تفسير : استئناف لبيان سوء عاقبة الربا في الدنيا بعد أن بينت عاقبته في الآخرة، فهو استئناف بياني لتوقُّع سؤالِ من يسأل عن حال هؤلاء الذين لا ينتهون بموعظة الله. وقوله: {ويربى الصدقات} استطراد لبيان عاقبة الصدقة في الدنيا أيضاً ببيان أنّ المتصدق يفوز بالخير في الدارين كما باء المرابي بالشر فيهما، فهذا وعد ووعيد دنيويان. والمَحْق هو كالمَحْو: بمعنى إزالة الشيء، ومنه محاق القمر ذهاب نوره ليلة السِّرار. ومعنى {يمحق الله الربا} أنّه يتلف ما حصل منه في الدنيا، {ويربي الصدقات} أي يضاعف ثوابها لأنّ الصدقة لا تقبل الزيادة إلاّ بمعنى زيادة ثوابها، وقد جاء نظيره في قوله في الحديث: « حديث : مَن تصدّق بصدقة من كسب طيّب ولا يقبل الله إلاّ طيباً تلقاها الرحمان بيمينه وكِلْتَا يديه يمين فيُرْبيها له كما يُرْبِي أحدُكم فُلُوّه » تفسير : . ولما جعل المحق بالربا وجُعل الإرباء بالصدقات كانت المقابلة مؤذنة بحذف مقابلين آخرين، والمعنى: يمحق الله الربا ويعاقب عليه، ويربي الصدقات ويبارك لصاحبها، على طريقة الاحتباك. وجملة: {والله لا يحب كل كفار أثيم} معترضة بين أحكام الربا. ولما كان شأن الاعتراض ألاّ يخلو من مناسبة بينه وبين سياق الكلام، كان الإخبار بأنّ الله لا يحبّ جميع الكافرين مؤذناً بأنّ الربا من شعار أهل الكفر، وأنّهم الذين استباحوه فقالوا إنّما البيع مثل الربا، فكان هذا تعريضاً بأنّ المرابي متَّسم بخلال أهل الشرك. ومفاد التركيب أنّ الله لا يحبّ أحداً من الكافرين الآثمين لأنّ (كل) من صيغ العموم، فهي موضوعة لاستغراق أفراد ما تضاف إليه وليست موضوعة للدلالة على صُبرة مجموعة، ولذلك يقولون هي موضوعة للكل الجميعي، وأما الكل المَجموعي فلا تستعمل فيه كل إلاّ مجازاً. فإذا أضيفت (كل) إلى اسم استغرقتْ جميع أفراده، سواء ذلك في الإثبات وفي النفي، فإذا دخل النفي على (كل) كان المعنى عموم النفي لسائر الأفراد؛ لأنّ النفي كيفية تعرض للجملة فالأصل فيه أن يبْقَى مدلول الجملة كما هو، إلاّ أنه يتكيّف بالسلْب عوضاً عن تكيّفه بالإيجاب، فإذا قلت كلُّ الديار مَا دخلتُه، أو لم أدخل كلّ دار، أو كلّ دار لم أدخل، أفاد ذلك نفي دخولك أيةَ دار من الديار، كما أنّ مفاده في حالة الإثبات ثبوت دخولك كلّ دار، ولذلك كان الرفع والنصب للفظ كل سواء في المعنى في قول أبي النَّجم: شعر : قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي عَلَيّ ذنباً كُلُّه لم أصنع تفسير : كما قال سيبويه: إنّه لو نصب لكان أولى؛ لأنّ النصب لا يفسد معنى ولا يخلّ بميزان. ولا تخرج (كل) عن إفادة العموم إلاّ إذا استعملها المتكلم في خبر يريد به إبطال خبر وقعت فيه (كل) صريحاً أو تقديراً، كأنْ يقول أحد: كل الفقهاء يحرّم أكل لحوم السباع، فتقول له: ما كل العلماء يحرّم لحوم السباع، فأنت تريد إبطال الكلية فيبقى البعض، وكذلك في ردّ الاعتقادات المخطئة كقول المثَل: «ما كل بيضاء شَحْمة»، فإنّه لردّ اعتقاد ذلك كما قال زفر بن الحارث الكلابي: شعر : وكُنَّا حَسِبْنا كُلّ بَيْضَاء شحمةً تفسير : وقد نَظر الشيخ عبد القادر الجرجاني إلى هذا الاستعمال الأخير فطرده في استعمال (كل) إذا وقعت في حَيّز النفي بعد أداة النفي وأطال في بيان ذلك في كتابه دلائل الإعجاز، وزعم أنّ رجز أبي النجم يتغيّر معناه باختلاف رفع (كل) ونصبه في قوله «كلّه لم أصنع». وقد تعقّبه العلامة التفتازاني تعقّباً مجملاً بأنّ ما قاله أغلبي، وأنّه قد تخلّف في مواضع. وقفّيت أنا على أثر التفتازاني فبيّنت في تعليقي «الإيجاز على دلائل الإعجاز» أنّ الغالب هو العكس وحاصله ما ذكرت هنا.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا}. صرح في هذه الآية الكريمة بأنه يمحق الربا أي: يذهبه بالكلية من يد صاحبه أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به كما قاله ابن كثير وغيره، وما ذكر هنا من محق الربا أشار إليه في مواضع أخر كقوله: {أية : وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [الروم: 39] وقوله: {أية : قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ} تفسير : [المائدة: 100] الآية. وقوله: {أية : وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنفال: 37] كما أشار إلى ذلك ابن كثير في تفسير هذه الآية. واعلم أن الله صرح بتحريم الربا بقوله: {أية : وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا} تفسير : [البقرة: 275] وصرح بأن المتعامل بالربا محارب الله بقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 278-279]. وصرح بأن آكل الربا لا يقوم أي: من قبره يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس بقوله: {أية : ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَا} تفسير : [البقرة: 275] والأحاديث في ذلك كثيرة جداً. واعلم أن الربا منه ما أجمع المسلمون على منعه ولم يخالف فيه أحد وذلك كربا الجاهلية، وهو أن يزيده في الأجل على أن يزيده الآخر في قدر الدين وربا النساء بين الذهب والذهب، والفضة والفضة، وبين الذهب والفضة، وبين البر والبر، وبين الشعير والشعير، وبين التمر والتمر، وبين الملح والملح وكذلك بين هذه الأربعة بعضها مع بعض. وكذلك حكى غير واحد الإجماع على تحريم ربا الفضل، بين كل واحد من الستة المذكورة فلا يجوز الفضل بين الذهب والذهب، ولا بين الفضة والفضة، ولا بين البر والبر، ولا بين الشعير والشعير، ولا بين التمر والتمر، ولا بين الملح و الملح، ولو يداً بيد. والحق - الذي لا شك فيه - منع ربا الفضل في النوع الواحد من الأصناف الستة المذكورة، فإن قيل: ثبت في الصحيح عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا ربا إلا في النسيئة"تفسير : وثبت في الصحيح حديث : عن أبي المنهال أنه قال: سألت البراء بن عازب، وزيد بن أرقم عن الصَّرف فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصَّرف، فقال: "ما كان منه يداً بيد فلا بأس، وما كان منه نسيئة فلا" تفسير : فالجواب من أوجه: الأول: أن مراد النَّبي صلى الله عليه وسلم بجواز الفضل ومنع النسيئة فيما رواه عنه أسامة، والبراء، وزيد، إنما هو في جنسين مختلفين، بدليل الروايات الصحيحة المصرحة بأن ذلك هو محل جواز التفاضل، وأنه في الجنس الواحد ممنوع. واختار هذا الوجه البيهقي في السنن الكبرى، فإنه قال بعد أن ساق الحديث الذي ذكرنا آنفاً عن البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، ما نصه: رواه البخاري في الصحيح عن أبي عاصم، دون ذكر عامر بن مصعب، وأخرجه من حديث حجاج بن محمد، عن ابن جريج، مع ذكر عامر بن مصعب، وأخرجه مسلم بن الحجاج، عن محمد بن حاتم بن ميمون عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي المنهال، قال: باع شريك لى ورقاً بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج، فذكره وبمعناه رواه البخاري عن علي بن المديني عن سفيان، وكذلك رواه أحمد بن روح، عن سفيان وروى عن الحميدي عن سفيان عن عمرو بن دينار، عن أبي المنهال، قال: باع شريك لي بالكوفة دراهم بدراهم بينهما فضل. عندي أن هذا خطأ، والصحيح ما رواه علي بن المديني، ومحمد بن حاتم، وهو المراد بما أطلق في رواية ابن جريج، فيكون الخبر وارداً في بيع الجنسين، أحدهما بالآخر، فقال: ما كان منه يداً بيد فلا بأس، وما كان منه نسيئة فلا، وهو المراد بحديث أسامة والله أعلم. والذي يدل على ذلك أيضاً ما أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد: أنا أبو سهل بن زياد القطان، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي، حدثنا أبو عمر، حدثنا شعبة، أخبرني حبيب هو ابن أبي ثابت، قال سمعت أبا المنهال قال: سألت البراء وزيد بن أرقم عن الصرف فكلاهما يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الورق بالذهب ديناً، رواه البخاري في الصحيح عن أبي عمر حفص بن عمر وأخرجه مسلم من وجه آخر عن شعبة اهـ من البيهقي بلفظه، وهو واضح جداً فيما ذكرنا. من أن المراد بجواز الفضل المذكور كونه في جنسين لا جنس واحد، وفي تكملة المجموع بعد أن ساق الكلام الذي ذكرنا عن البيهقي ما نصه: ولا حجة لمتعلق فيهما. لأنه يمكن حمل ذلك على أحد أمرين، إما أن يكون المراد بيع دراهم بشيء ليس ربوياً، ويكون الفساد لأجل التأجيل بالموسم أو الحج، فإنه غير محرر ولا سيما على ما كانت العرب تفعل. والثاني: أن يحمل ذلك على اختلاف الجنس ويدل له رواية أخرى عن أبي المنهال. قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف فكلاهما يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق ديناً، رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظ البخاري ومسلم بمعناه. وفي لفظ مسلم عن بيع الورق بالذهب ديناً، فهو يبين أن المراد صرف الجنس بجنس آخر. وهذه الرواية ثابتة من حديث شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي المنهال، والروايات الثلاث الأول رواية الحميدي، واللتان في الصحيح وكلها أسانيدها في غاية الجودة. ولكن حصل الاختلاف في سفيان فخالف الحميدي علي بن المديني، ومحمد بن حاتم، ومحمد بن منصور، وكل من الحميدي وعلي بن المديني في غاية الثبت. ويترجح ابن المديني هنا بمتابعة محمد بن حاتم، ومحمد بن منصور له، وشهادة ابن جريج لروايته، وشهادة رواية حبيب بن أبي ثابت لرواية شيخه، ولأجل ذلك قال البيهقي رحمه الله: إن رواية من قال إنه باع دراهم بدراهم خطأ عنده اهـ منه بلفظه. وقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه: وقال الطبري معنى حديث أسامة "لا ربا إلا في النسيئة" إذا اختلفت أنواع البيع اهـ محل الغرض منه بلفظه، وهو موافق لما ذكر. وقال في فتح الباري أيضاً ما نصه. تنبيه: وقع في نسخة الصغاني هنا قال أبو عبد الله: يعني البخاري، سمعت سليمان بن حرب يقول: لا ربا إلا في النسيئة، هذا عندنا في الذهب بالورق، والحنطة بالشعير، متفاضلاً ولا بأس به يداً بيد، ولا خير فيه نسيئة. قلت: وهذا موافق اهـ منه بلفظه. وعلى هامش النسخة أن بعد قوله وهذا موافق بياضاً بالأصل، وبهذا الجواب الذي ذكرنا تعلم: أن حديث البراء وزيد لا يحتاج بعد هذا الجواب إلى شيء. لأنه قد ثبت في الصحيح عنهما تصريحهما باختلاف الجنس فارتفع الإشكال، والروايات يفسر بعضها بعضاً، فإن قيل: هذا لا يكفي في الحكم على الرواية الثابتة في الصحيح بجواز التفاضل بين الدراهم والدراهم أنها خطأ. إذ لقائل أن يقول لا منافاة بين الروايات المذكورة، فإن منها ما أطلق فيه الصلاف ومنها ما بين أنها دراهم بدراهم، فيحمل المطلق على المقيد، جميعاً بين الروايتين. فإن إحداهما بينت ما أبهمته الأخرى، ويكون حديث حبيب بن أبي ثابت حديثاً آخر وارداً في الجنسين، وتحريم النساء فيهما، ولا تنافي في ذلك ولا تعارض. فالجواب على تسليم هذا بأمرين: أحدهما أن إباحة ربا الفضل منسوخة. والثاني: أن أحاديث تحريم ربا الفضل أرجح وأولى بالاعتبار على تقدير عدم النسخ من أحاديث إباحته. ومما يدل على النسخ ما ثبت في الصحيح عن أبي المنهال قال: باع شريك لي ورقاً بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج، فجاء إليَّ فأَخبرني فقلت هذا أَمر لا يصح، قال قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك عليَّ أحد، فأتيت الراء بن عازب فسألته فقال قدم النَّبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونحن نبيع هذا البيع، فقال "حديث : ما كان يداً بيدٍ فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو رباً"تفسير : ، وأتيت زيد بن أرقم فإنه أعظم تجارة مني، فأتيته فسألته فقال مثل ذلك. هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفيه التصريح بأن إباحة ربا الفضل المذكورة في حديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانت مقارنة لقدومه صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجراً. وفي بعض الروايات الصحيحة في تحريم ربا الفضل أنه صلى الله عليه وسلم صرح بتحريمه في يوم خيبر، وفي بعض الروايات الصحيحة تحريم ربا الفضل بعد فتح خيبر أيضاً، فقد ثبت في الصحيح من حديث فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه قال: أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذَّهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الذهب بالذهب وزناً بوزن" تفسير : هذا لفظ مسلم في صحيحه، وفي لفظ له في صحيحه أيضاً حديث : عن فضالة بن عبيد قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر ديناراً فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تباع حتى تفصل" تفسير : وفي لفظ له في صحيحه أيضاً عن فضالة رضي الله عنه قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر نبايع اليهود الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا تبيعوا الذهب بالذهب، إلا وزناً بوزن"تفسير : وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر، فقدم بتمر جنيب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تفعلوا، ولكن مثلاً بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان" تفسير : هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفي لفظ لهما عن أبي هريرة وأبي سعيد أيضاً حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً على خيبر فجاء بتمر جنيب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله. إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً" تفسير : والأحاديث بمثله كثيرة، وهي نص صريح في تصريحه صلى الله عليه وسلم بتحريم ربا الفضل بعد فتح خير. فقد اتضح لك من هذه الروايات الثابتة في الصحيح: أن إباحة ربا الفضل كانت زمن قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجراً، وأن الروايات المصرحة بالمنع صرحت به في يوم خيبر وبعده، فتصريح النَّبي صلى الله عليه وسلم بتحريم ربا الفضل بعد قدومه المدينة بنحو ست سنين وأكثر منها، يدل دلالة لا لبس فيها على النسخ، وعلى كل حال فالعبرة بالمتأخر، وقد كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث، وأيضاً فالبراء وزيد رضي الله عنهما كانا غير بالغين في وقت تحملهما الحديث المذكور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بخلاف الجماعة من الصحابة الذين رووا عنه تحريم ربا الفضل، فإنهم بالغون وقت التحمل. ورواية البالغ وقت التحمل أرجح من رواية من تحمل وهو صبي: للخلاف فيها دون رواية المتحمل بالغاً وسن البراء وزيد وقت قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة، نحو عشر سنين. لما ذكره ابن عبد البر عن منصور بن سلمة الخزاعي: أنه روى بإسناده إلى زيد بن جارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استصغره يوم أحد، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وأبا سعيد الخدري، وسعد بن حبته، وعبد الله بن عمر. وعن الواقدي أو أول غزوة شهداها الخندق، وممن قال: بأن حديث البراء وزيد منسوخ، راويه الحميدي. وناهيك به علماً واطلاعاً. وقول راوي الحديث: إنه منسوخ، في كونه يكفي في النسخ. خلاف معروف عند أهل الأصول، وأكثر المالكية والشافعية لا يكفي عندهم. فإن قيل: ما قدمتم من كون تحريم ربا الفضل واقعاً بعد إباحته، يدل على النسخ في حديث البراء وزيد، لعلم التاريخ فيهما، وأن حديث التحريم هو المتأخر، ولكن أين لكم معرفة ذلك في حديث أسامة؟ ومولد أسامة مقارب لمولد البراء وزيد. لأن سن أسامة وقت وفاته صلى الله عليه وسلم عشرون سنة، وقيل: ثمان عشرة، وسن البراء وزيد وقت وفاته صلى الله عليه وسلم نحو العشرين، كما قدمنا ما يدل عليه. فالجواب: أنه يكفي في النسخ معرفة أن إباحة ربا الفضل وقعت قبل تحريمه، والمتأخر يقضي على المتقدم. الجواب الثاني: عن حديث أسامة أنه رواية صحابي واحد، وروايات منع ربا الفضل عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، رووها صريحة عنه صلى الله عليه وسلم، ناطقة بمنع ربا الفضل منهم أبو سعيد، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأبو هريرة وهشام بن عامر، وفضالة بن عبيد، وأبو بكرة، وابن عمر، وأبو الدرداء، وبلال، وعبادة بن الصامت، ومعمر بن عبد الله وغيرهم وروايات جل من ذكرنا ثابتة في الصحيح، كرواية أبي هريرة، وأبي سعيد، وفضالة بن عبيد، وعمر بن الخطاب، وأبي بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعمر بن عبد الله، وغيرهم. وإذا عرفت ذلك فرواية الجماعة من العدول أقوى وأثبت وأبعد من الخطأ، من رواية الواحد. وقد تقرر في الأصول أن كثرة الرواة من المرجحات، وكذلك كثرة الأدلة كما عقده في مراقي السعود، في مبحث الترجيح، باعتبار حال المروي بقوله: شعر : وكثرة الدليل والرواية مرجح لدى ذوي الدرايه تفسير : والقول بعدم الترجيح بالكثرة ضعيف، وقد ذكر سليم الداري أن: الشافعي أومأ إليه، وقد ذهب إليه بعض الشافعية والحنفية. الجواب الثالث: عن حديث أسامة أنه دل على إباحة ربا الفضل، وأحاديث الجماعة المذكورة دلت على منعه في الجنس الواحد من المذكورات، وقد تقرر في الأصول أن النص الدال على المنع مقدم على الدال على الإباحة. لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام، وقد قدمناه عن صاحب المراقي، وهو الحق خلافاً للغزالي، وعيسى بن ابان وأبي هاشم وجماعة من المتكلمين حيث قالوا: هما سواء. الجواب الرابع: عن حديث أسامة أنه عام بظاهره في الجنس والجنسين، وأحاديث الجماعة أخص منه. لأنها مصرحة بالمنع مع اتحاد الجنس، وبالجواز مع اختلاف الجنس، والأخص مقدم على الأعم. لأنه بيان له ولا يتعارض عام وخاص، كما تقرر في الأصول. ومن مرجحات أحاديث منع ربا الفضل على حديث أسامة الحفظ. فإن في رواته أبا هريرة، وأبا سعيد، وغيرهما، ممن هو مشهور بالحفظ. ومنها غير ذلك. وقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه: واتفق العلماء على صحة حديث أسامة، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد، فقيل: منسوخ لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقيل: المعنى في قوله لا ربا الربا الأغلظ الشديد التحريم، المتوعد عليه بالعقاب الشديد، كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد، مع أن فيها علماء غيره وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل، وأيضاً فنفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم. فيقدم عليه حديث أبي سعيد. لأن دلالته بالمنطوق. ويحمل حديث اسامة على الربا الأكبر كما تقدم، والله أعلم اهـ منه. وقوله النسخ لا يثبت بالاحتمال مردود بما قدمنا من الروايات المصرحة بأن التحريم بعد الإباحة ومعرفة المتأخر كافية في الدلالة على النسخ، وقد روى عن ابن عباس وابن عمر أنهما رجعا عن القول بإباحة ربا الفضل، قال البيهقي في السنن الكبرى ما نصه: "باب ما يستدل به على رجوع من قال من الصدر الأول لا ربا إلا في النسيئة عن قوله ونزوعه عنه" أخبرنا ابو عبد الله الحافظ: أنا أبو الفضل بن إبراهيم حدثنا أحمد بن سلمة حدثنا إسحاق بن إبراهيم أنا عبد الأعلى حدثنا داود بن أبي هند عن أبي نضرة قال: سالت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به باساً، وإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري فسألته عن الصرف، فقال ما زاد فهو رباً، فأنكرت ذلك لقولهما، فقال: لا احدثكم إلا ما سمعت من حديث : رسول الله صلى الله عليه وسلم: جاءه صاحب نخلة بصاع من تمر طيب، وكان تمر النَّبي صلى الله عليه وسلم هو الدون، فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم "إنى لك هذا" قال انطلقت بصاعين واشتريت به هذا الصاع. فإن سعر هذا بالسوق كذا، وسعر هذا بالسوق كذا. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "أربيت؟ إذا أردت ذلك فبع تمرك بسلعة، ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت"تفسير : فقال أبو سعيد، فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا، أم الفضة بالفضة؟ قال فأتيت ابن عمر بعد فنهاني، ولم آت ابن عباس قال: فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس فكرهه، رواه مسلم في الصحيح عن إسحاق بن إبراهيم. وقال: وكان تمر النَّبي صلى الله عليه وسلم هذا اللون. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا الحسين بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين أبو علي الماسرجسي، حدثنا جدي أبو العباس أحمد بن محمد، وهو ابن بنت الحسن بن عيسى، حدثنا جدي الحسن بن عيسى، أنا ابن المبارك، أنا يعقوب بن أبي القعقاع، عن معروف بن سعد، أنه سمع أبا الجوزاء يقول: كنت أخدم ابن عباس تسع سنين إذ جاء رجل فسأله عن درهم بدرهمين، فصاح ابن عباس وقال: إن هذا يأمرني أن أطعمه الربا، فقال ناس حوله إن كنا لنعمل هذا بفتياك، فقال ابن عباس قد كنت أفتي بذلك حتى حدثني أبو سعيد وابن عمر أن النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه فأنا أنهاكم عنه. وفي نسختنا من سنن البيهقي في هذا الإسناد ابن المبارك، والظاهر: أن الأصل أبو المبارك كما يأتي. أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان ببغداد أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق، عن سعد بن إياس، عن عبد الله بن مسعود، أن رجلاً من بني شمخ بن فزارة، سأله عن رجل تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته، فطلق امرأته. ليتزوج أمها، قال لا بأس فتزوجها الرجل وكان عبد الله على بيت المال، وكان يبيع نفاية بيت المال يعطي الكثير، ويأخذ القليل، حتى قم المدينة. فسأل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا: لا يحل لهذا الرجل هذه المرأة، ولا تصح الفضة إلا وزناً بوزن. فلما قدم عبد الله انطلق إلى الرجل فلم يجده، ووجد قومه فقال إن الذي أفتيت به صاحبكم لا يحل فقالوا: إنها قد نثرت له بطنها، قال وإن كان. وأتى الصيارفة فقال يا معشر الصيارفة: إن الذي كنت أبايعكم، لا يحل، لا تحل الفضة بالفضة، إلا وزناً بوزن اهـ من البيهقي بلفظه، وفيه التصريح برجوع ابن عمر وابن عباس وابن مسعود عن القول بإباحة ربا الفضل، وقال ابن حجر في الكلام على حديث أسامة المذكور ما نصه، وخالف فيه. يعني: منع ربا الفضل ابن عمر ثم رجع، وابن عباس، واختلف في رجوعه، وقد روى الحاكم من طريق حيان العدوي وهو بالمهملة والتحتانية، سألت أبا مجلز عن الصرف فقال: كان ابن عباس لا يرى به بأساً زماناً من عمره، ما كان منه عيناً بعين، يداً بيد، وكان يقول: إنما الربا في النسيئة، فلقيه أبو سعيد فذكر القصة والحديث، وفيه التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يداً بيد، مثلاً بمثل، فما زاد فهو ربا، فقال ابن عباس. أستغفر الله وأتوب إليه، فكان ينهى عنه أشد النهي. اهـ من فتح الباري بلفظه. وفي تكملة المجموع لتقي الدين السبكي بعد أن ساق حديث حيان هذا ما نصه: رواه الحاكم في المستدرك، وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة، وفي حكمه عليه بالصحة نظر. فإن حيان بن عبيد الله المذكور، قال ابن عدي: عامة ما يرويه إفرادات يتفرد بها، وذكر ابن عدي في ترجمته حديثه في الصرف هذا بسياقه، ثم قال وهذا الحديث من حديث أبي مجلز عن ابن عباس، تفرد به حيان. قال البيهقي وحيان: تكلموا فيه. واعلم: أن هذا الحديث ينبغي الاعتناء بأمره، وتبيين صحته من سقمه. لأمر غير ما نحن فيه: وهو قوله: وكذلك ما يكال ويوزن، وقد تكلم فيه بنوعين من الكلام أحدهما تضعيف الحديث جملة، وإليه أشار البيهقي، وممن ذهب إلى ذلك ابن حزم، أعله بشيء أنبه عليه، لئلا يغتر به: وهو أنه أعله بثلاثة أشياء: أحدها: أنه منقطع. لأن ابا مجلز لم يسمع من أبي سعيد، ولا من ابن عباس. والثاني: لذكره أن ابن عباس رجع، واعتقاد ابن حزم: أن ذلك باطل. لمخالفة سعيد بن جبير. والثالث: أن حيان بن عبيد الله مجهول، فأما قوله: إنه منقطع فغير مقبول. لأن أبا مجلز أدرك ابن عباس وسمع منه، وأدرك أبا سعيد. ومتى ثبت ذلك لا تسمع دعوى عدم السماع إلا بثبت، وأما مخلفة سعيد بن جبير فسنتكلم عليها في هذا الفصل إن شاء الله تعالى، وأما قوله إن حيان بن عبيد الله مجهول، فإن أراد مجهول العين فليس بصحيح بل هو رجل مشهور، روى عنه حديث الصرف هذا محمد بن عبادة، ومن جهته أخرجه الحاكم، وذكره ابن حزم، وإبراهيم بن الحجاج الشامي، ومن جهته رواه ابن عدي، ويونس بن محمد، ومن جهته رواه البيهقي، وهو حيان بن عبيد الله بن حيان بن بشر بن عدي، بصري سمع أبا مجلز لاحق بن حميدو، والضحاك وعن أبيه، وروى عن عطاء، وابن بريدة، روى عنه موسى بن إسماعيل، ومسلم بن إبراهيم، وأبو داود، وعبيد الله بن موسى، عقد له البخاري وابن أبي حاتم ترجمة، فذكر كل منهما بعض ما ذكرته، وله ترجمة في كتاب ابن عدي أيضاً. كما أشرت إليه. فزال عنه جهالة العين، وإن أراد جهالة الحال فهو قد رواه من طريق إسحاق بن راهويه، فقال في إسناده: أخبرنا روح، قال حدثنا حيان بن عبيد الله، وكان رجل صدق فإن كانت هذه الشهادة له بالصدق من روح بن عبادة، فروح محدث، نشأ في الحديث عارف به، مصنف متفق على الاحتجاج به، بصري بلدي المشهود له فتقبل شهادته له، وإن كان هذا القول من إسحاق بن راهويه فناهيك به، ومن يثني عليه إسحاق. وقد ذكر ابن أبي حاتم حيان بن عبيد الله هذا. وذكر جماعة من المشاهير ممن رووا عنه وممن روى عنهم، وقال: إنه سأل أباه عنه فقال صدوق، ثم قال وعن سليمان بن علي الربعي، عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي، قال سمعته بأمر بالصرف يعني ابن عباس، وتحدث ذلك عنه، ثم بلغني أنه رجع عن ذلك فلقيته بمكة، فقلت إنه بلغني أنك رجعت قال: نعم، إنما كان ذلك رأياً مني، وهذا أبو سعيد حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصرف، رويناه في سنن ابن ماجه، ومسند الإمام أحمد، بإسناد رجاله على شرط الصحيحين، إلى سليمان بن علي، وسليمان بن علي روى له مسلم. وقال ابن حزم: إنه مجهول لا يدري من هو؟ وهو غير مقبول منه. لما تبين. ثم قال: وعن أبي الجوزاء قال: كنت أخدم ابن عباس رضي الله عنهما تسع سنين ثم ساق حديث عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، الذي قدمنا عن البيهقي، ثم قال رواه البيهقي في السنن الكبرى بإسناد فيه أبو المبارك، وهو مجهول. ثم قال: وروينا عن عبد الرحمن بن أبي نعم بضم النون وإسكان العين، أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس فشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، مثلاً بمثل. فمن زاد فقد أربى" تفسير : فقال ابن عباس: أتوب إلى الله مما كنت أفتي به، ثم رجع. رواه الطبراني بإسناد صحيح، وعبد الرحمن بن أبي نعم تابعي، ثقة متفق عليه، معروف بالرواية عن أبي سعيد، وابن عمر، وغيرهما من الصحابة، وعن أبي الجوزاء قال: سألت ابن عباس عن الصرف عن الدرهم بالدرهمين، يداً بيد، فقال لا أرى فيما كان يداً بيد بأساً، ثم قدمت مكة من العام المقبل وقد نهى عنه، رواه الطبراني بإسناد حسن. وعن أبي الشعثاء قال: سمعت ابن عباس يقول: اللهم إني أتوب إليك من الصرف. إنما هذا من رأيي، وهذا أبو سعيد الخدري يرويه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم رواه الطبراني ورجاله ثقاة، مشهورون مصرحون بالتحديث فيه من أولهم إلى آخرهم. وعن عطية العوفي بإسكان الواو وبالفاء قال: قال أبو سعيد لابن عباس تب إلى الله تعالى، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، قال: ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وقال حديث : إني أخاف عليكم الرباتفسير : ، قال فضيل بن مرزوق: قلت لعطية ما الربا؟ قال الزيادة والفضل بينهما، رواه الطبراني بسند صحيح، إلى عطية. وعطية من رجال السنن. قال يحيى بن معين صالح وضعفه غيره، فالإسناد بسببه ليس بالقوي، وعن بكر بن عبد الله المزني أن ابن عباس جاء من المدينة إلى مكة وجئت معه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنه لا بأس بالصرف، ما كان منه يداً بيد إنما الربا في النسيئة، فطارت كلمته في أهل المشرق والمغرب حتى إذا انقضى الموسم دخل عليه أبو سعيد الخدري وقال له: يا ابن عباس أكلت الربا وأطعمته؟ قال أو فعلت؟ قال: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الذهب بالذهب، وزناً بوزن، مثلاً بمثل: تبره وعينه. فمن زاد أو استزاد فقد أربى، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى" تفسير : حتى إذا كان العام المقبل جاء ابن عباس وجئت معه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني تكلمت عام أول بكلمة من رأيي، وإني أستغفر الله تعالى منه، وأتوب إليه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الذهب بالذهب، وزناً بوزن، مثلاً بمثل، تبره وعينه، فمن زاد واستزاد فقد أربى"تفسير : وأعاد عليهم هذه الأنواع الستة رواه الطبراني بسند فيه مجهول، و إنما ذكرناه متابعة لما تقدم. وهكذا وقع في روايتنا. فمن زاد واستزاد بالواو لا بأو والله أعلم. وروى أبو جابر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي في كتاب معاني الآثار بإسناد حسن إلى أبي سعيد قال: قلت لابن عبّاس أرأيت الذي يقول الدينار بالدينار؟ وذكر الحديث ثم قال: قال أبو سعيد ونزع عنها ابن عباس وروى الطحاوي أيضاً عن نصر بن مرزوق بإسناد لا بأس به عن أبي الصهباء أن ابن عباس. نزل عن الصرف وهذا أصرح من رواية مسلم، وروى الطحاوي عن أبي أمية بإسناد حسن إلى عبد الله بن حسين أن رجلاً من أهل العراق قال لعبد الله بن عمر: إن ابن عباس قال وهو علينا أمير: من أعطى بالدرهم مائة درهم فليأخذها وذكر حديثاً إلى أن قال فقيل لابن عباس ما قال ابن عمر قال فاستغفر ربه وقال إنما هو رأي مني وعن أبي هاشم الواسطي وسمه يحيى بن دينار عن زياد قال: كنت مع ابن عباس بالطائف فرجع عن الصرف قبل أن يموت بسبعين يوماً ذكره ابن عبد البر في الاستذكار وذكر أيضاً عن أبي حرة قال: سال رجل ابن سيرين عن شيء فقال: لا علم لي به. فقال الرجل: أن يكون فيه برأيك. فقال: إني أكره أن أقول فيه برأيي ثم يبدو لي غيره فأطلبك فلا أجدك إن ابن عباس قد رأى في الصرف رأياً ثم رجع، وذكر أيضاً عن ابن سيرين عن الهذيل بالذال المعجمة ابن أخت محمد بن سيرين قال: سألت ابن عباس عن الصرف فرجع عنه فقلت: إن الناس يقولون. فقال: الناس يقولون ما شاءوا اهـ من تكملة المجموع، ثم قال: بعد هذا فهذه عدة روايات صحيحة وحسنة من جهة خلق من أصحاب ابن عباس تدل على رجوعه، وقد روي في رجوعه أيضاً غير ذلك، وفيما ذكرته غنية إن شاء الله تعالى، وفي تكملة المجموع أيضاً قبل هذا ما نصه وروى عن أبي الزبير المكي وسمه محمد بن تدرس بفتح التاء ودال ساكنة وراء مضمومة وسين مهملة. قال: سمعت أبا أسيد الساعدي وابن عباس يفتي الدينار بالدينارين فقال له أبو أسيد الساعدي وأغلظ له قال فقال ابن عباس ما كنت أظن أن أحداً يعرف قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول مثل هذا يا ابا أسيد فقال أبو أسيد أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الدينار بالدينار، وصاع حنطة بصاع حنطة، وصاع شعير بصاع شعير، وصاع ملح بصاع ملح لا فضل بينهما في شيء من ذلك ". تفسير : فقال ابن عباس إنما هذا شيء كنت أقوله برأيي ولم اسمع فيه بشيء رواه الحاكم في المستدرك، وقال إنه صحيح على شرط مسلم رحمه الله وفي سنده عتيق بن يعقوب الزبيري قال الحاكم: إنه شيخ قرشي من أهل المدينة وأبو أسيد بضم الهمزة. وروينا في معجم الطبراني من حديث أبي صالح ذكوان أنه سأل ابن عباس عن بيع الذهب والفضة فقال: هو حلال بزيادة أو نقصان إذا كان يداً بيد قال ابو صالح فسألت أبا سعيد بما قال ابن عباس وأخبرت ابن عباس بما قال ابو سعيد والتقيا وأنا معهما فابتدأه أبو سعيد الخدري فقال: يا ابن عباس ما هذه الفتيا التي تفتي بها الناس في بيع الذهب والفضة تأمرهم أن يشتروه بنقصان أو بزيادة يداً بيد؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما ما أنا بأقدمكم صحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا زيد بن أرقم والبراء بن عازب يقولان: سمعنا النَّبي صلى الله عليه وسلم رواه الطبراني بإسناد حسن وقد قدمنا رجوع ابن عمر وابن مسعود عن ذلك وقد قدمنا الجواب عما روي عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم وأسامة بن زيد رضي الله عنهم وثبت عن سعيد بن جبير أن ابن عباس لم يرجع وهي شهادة على نفي مطلق، والمثبت مقدم على النافي: لأنه اطلع على ما لم يطلع عليه النافي، وقال ابن عبد البر: رجع ابن عباس أو لم يرجع، في السنة كفاية عن قول كل واحد، ومن خالفها رد إليها، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ردوا الجهالات إلى السنة اهـ وقال العلامة الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار، ما نصه وأما ما أخرجه مسلم عن ابن عباس أنه لا ربا فيما كان يداً بيد كما تقدم، فليس ذلك مروياً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تكون دلالته على نفي ربا الفضل منطوقة، ولو كان مرفوعاً، لما رجع ابن عباس واستغفر، لما حدثه أبو سعيد بذلك كما تقدم، وقد روى الحازمي رجوع ابن عباس واستغفاره عند أن سمع عمر بن الخطاب وابنه عبد الله يحدثان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدل على تحريم ربا الفضل، وقال حفظتما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم أحفظ، وروى عنه الحازمي أيضاً أنه قال كان ذلك برأيي. وهذا أبو سعيد الخدري يحدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتركت رأيي إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى تسليم أن ذلك الذي قاله ابن عباس مرفوع فهو عام مخصص بأحاديث الباب. لأنها أخص منه مطلقاً اهـ منه بلفظه، وقد ذكر غير واحد أن الإجماع انقعد بعد هذا الخلاف على منع ربا الفضل. قال: في تكملة المجموع ما نصه: الفصل الثالث في بيان انقراض الخلاف في ذلك ودعوى الإجماع فيه، قال ابن المنذر: أجمع علماء الأمصار مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة، وسفيان الثوري ومن وافقه من أهل العراق، والأوزاعي ومن قال بقوله من أهل الشام، والليث بن سعد ومن وافقه من أهل مصر: والشافعي وأصحابه، وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان ويعقوب ومحمد بن علي، أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب، ولا فضة بفضة، ولا بر ببر، ولا شعير بشعير، ولا تمر بتمر، ولا ملح بملح، متفاضلاً يداً بيد، ولا نسيئة، وأن من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ اهـ محل الغرض منه بلفظه. ونقل النووي في شرح مسلم إجماع المسلمين على ترك العمل بظاهر حديث أسامة قال: وهذا يدل على نسخه، وقد استدل ابن عبد البر على صحة تأويله لحديث أسامة بإجماع الناس، ما عدا ابن عباس عليه اهـ، وعلى فرض أن ابن عباس لم يرجع عن ذلك، فهل ينعقد الإجماع مع مخالفته؟ فيه خلاف معروف في الأصول، هل يلغى الواحد والاثنان أو لا بد من اتفاق كل وهو المشهور، وهل إذا مات وهو مخالف ثم انعقد الإجماع بعده يكون إجماعاً وهو الظاهر، أو لا يكون إجماعاً. لأن المخالف الميت لا يسقط قوله بموته، خلاف معروف في الأصول أيضاً. وإذا عرفت أن من قال بإباحة ربا الفضل رجع عنها، وعلمت أن الأحاديث الصحيحة، المتفق عليها مصرحة بكثرة بمنعه، علمت أن الحق الذي لا شك فيه تحريم ربا الفضل، بين كل جنس واحد من الستة مع نفسه، وجواز الفضل بين الجنسين المختلفين يداً بيد، ومنع النساء بين الذهب والفضة مطلقاً، وبين التمر والبر، والشعير والملح مطلقاً، ولا يمنع طعام بنقد نسيئة كالعكس، وحكى بعض العلماء على ذلك الإجماع، ويبقى غير هذه الأصناف الستة المنصوص عليها في الحديث. فجماهير العلماء على أن الربا لا يختص بالستة المذكورة. والتحقيق أن علة الربا في النقدين كونهما جوهرين نفيسين. هما ثمن الأشياء غالباً في جميع أقطار الدنيا، وهو قول مالك والشافعي، والعلة فيهما قاصرة عليهما عندهما، وأشهر الروايات عن أحمد أن العلة فيهما كون كل منهما موزون جنس، وهو مذهب أبي حنيفة، وأما البر والشعير والتمر والملح فعلة الربا فيها عند مالك الاقتيات والادخار، وقيل وغلبة العيش فلا يمنع ربا الفضل عند مالك وعامة أصحابه إلا في الذهب بالذهب والفضة بالفضة والطعام المقتات المدخر بالطعام المقتات المدخر، وقيل يشترط مع الاقتيات والادخار غلبة العيش، وإنما جعل مالك العلة ما ذكر. لأنه أخص أوصاف الأربعة المذكورة ونظم بعض المالكية ما فيه ربا النساء وربا الفضل عند مالك في بيتين وهما: شعر : رباء نسا في النقد حرم ومثله جعام، وإن جنساهما قد تعددا وخص ربا فضل بنقد ومثله طعام الربا، إن جنس كل توحدا تفسير : وقد كنت حررت على مذهب مالك في ذلك في الكلام على الربا في الأطعمة في نظم لي طويل في فروع مالك بقولي: شعر : وكل ما يذاق من طعام ربا النسا فيه من الحرام مقتاتاً أو مدخراً أو لا اختلف ذاك الطعام جنسه أو ائتلف وإن يكن يطعم للدواء مجرداً فامنع ذو انتفاء ولربا الفضل شروط يحرم بها، وبانعدامها ينعدم هي اتحاد الجنس فيما ذكرا مع اقتياته وأن يدخرا وما لحد الادخار مده والتادلى بستة قد حده والخلف في اشتراط كونه اتخذ للعيش عرفاً، وبالإسقاط اخذ تظهر فائدته في أربع غلبة العيش بها لم تقع والأربع التي حوى ذا البيت بيض وتين وجراد زيت في البيض والزيت والربا قد انحظر رعياً لكون شرطها لم يعتبر وقد رعى اشتراطها في المختصر في التين وحده ففيه ما حظر ورعى خلف في الجراد باد لذكره الخلاف في الجراد وحبة بحبتين تحرم إذا الربا قليله محرم تفسير : ثم ذكرت بعد ذلك الخلاف في ربوية البيض بقولي: شعر : وقول إن البيض ما فيه الربا إلى ابن شعبان الإمام نسبا تفسير : وأصح الروايات عن الشافعي أن علة الربا في الأربعة الطعم فكل مطعوم يحرم فيه عنده الربا كالأقوات، والإدام، والحلاوات، والفواكه والأدوية. واستدل على أن العلة الطعم بما رواه مسلم من حديث معمر بن عبد الله رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "الطعام بالطعام مثلاً بمثل" الحديث. والطعام اسم لكل ما يؤكل قال تعالى: {أية : كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [آل عمران: 93] الآية وقال تعالى: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً} تفسير : [عبس: 24-28] الآية وقال تعالى: {أية : وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} تفسير : [المائدة: 5] والمراد ذبائحهم. وقالت عائشة رضي الله عنها مكثنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ما لنا طعام إلا الأسودان التمر والماء.حديث : وعن أبي ذر رضي الله عنه في حديثه الطويل، في قصة إسلامه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فمن كان يطعمك؟" قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى كسرت عكن بطني، قال: "إنها مباركة إنها طعام طعم" تفسير : رواه مسلم وقال لبيد: شعر : لمعفر قهد تنازع شلوه غبس كواسب ما يمن طعامها تفسير : يعني بطعامها الفريسة، قالوا: والنَّبي صلى الله عليه وسلم علق في هذا الحديث الربا على اسم الطعام، والحكم إذا علق على اسم مشتق دل على أنه علته، كالقطع في السرقة في قوله: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ} تفسير : [المائدة: 38] الآية قالوا: ولأن الحب ما دام مطعوماً يحرم فيه الربا. فإذا زرع وخرج عن أن يكون مطعوماً لم يحرم فيه الربا، فإذا انعقد الحب وصار مطعوماً حرم فيه الربا، فدل على أن العلة فيه كونه مطعوماً، ولذا كان الماء يحرم فيه الربا على أحد الوجهين عند الشافعية. لأن الله تعالى قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ}تفسير : [البقرة: 249] ولقول عائشة المتقدم ما لنا طعام إلا الأسودان الماء والتمر، ولقول الشاعر: شعر : فإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا بردا تفسير : والنقاخ الماء البارد، هذا هو حجة الشافعية في أن علة الربا في الأربعة الطعم فألحقوا بها كل مطعوم للعلة الجامعة بينهما. قال: مقيده - عفا الله عنه - الاستدلال بحديث معمر المذكور على أن علة الربا الطعم لا يخلو عندي من نظر، و الله تعالى أعلم. لأن معمراً المذكور لما قال: قد كنت أسمع النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الطعام بالطعام مثلاً بمثل"تفسير : . قال عقبة: وكان طعامنا يومئذ الشعير كما رواه عنه أحمد ومسلم، وهذا صريح في أن الطعام في عرفهم يومئذ الشعير، وقد تقرر في الأصول أن العرف المقارن للخطاب من مخصصات النص العام، وعقده في مراقي السعود بقوله: في مبحث المخصص المنفصل عاطفاً على ما يخصص العموم: شعر : والعرف حيث قارن الخطابا ودع ضمير البعض والأسبابا تفسير : وأشهر الروايات عن أحمد أن علة الربا في الأربعة كونها مكيلة جنس، وهو مذهب أبي حنيفة، وعليه يحرم الربا في كل مكيل، ولو غير طعام كالجص والنورة والأشنان. واستدلوا بما رواه الدارقطني عن عبادة وأنس بن مالك أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعاً واحداً وما كيل فمثل ذلك، فإذا اختلف النوعان فلا بأس به"تفسير : قال العلامة الشوكاني: في نيل الأوطار حديث أنس وعبادة أشار إليه في التلخيص ولم يتكلم عليه، وفي إسناده الربيع بن صبيح وثقة أبو زرعة وغيره، وضعفه جماعة، وقد أخرج هذا الحديث البزار أيضاً، ويشهد لصحته حديث عبادة المذكور أولاً وغيره من الأحاديث اهـ منه بلفظه. واستدلوا أيضاً بما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال: "أكل تمر خيبر هكذا" قال: إنا لنأخذ الصّاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً، وقال: في الميزان مثل ذلك، ووجه الدلالة منه، أن قوله في الميزان، يعني في الموزون. لأن نفس الميزان ليست من أموال الربا، واستدلوا أيضاً بحديث أبي سعيد المتقدم الذي أخرجه الحاكم من طريق حيان بن عبيد الله، فإن فيه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يداً بيد، عيناً بعين، مثلاً بمثل، فمن زاد فهو رباً" تفسير : ثم قال: "حديث : وكذلك ما يكال أو يوزن أيضاً"تفسير : وأجيب من جهة المانعين، بأن حديث الدارقطني لم يثبت، وكذلك حديث الحاكم، وقد بينا سابقاً ما يدل على ثبوت حديث حيان المذكور، وقد ذكرنا آنفاً كلام الشوكاني في أن حديث الدارقطني أخرجه البزار أيضاً وأنه يشهد لصحته حديث عبادة بن الصامت وغيره من الأحاديث، وأن الربيع بن صبيح وثقه أبو زرعة وغيره، وضعفه جماعة، وقال: فيه ابن حجر في التقريب صدوق سيء الحفظ، وكان عابداً مجاهداً، ومراد الشوكاني بحديث عبادة المذكور، هو ما أخرجه عنه مسلم والإمام أحمد والنسائي وابن ماجه وأبو داود. أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد. فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم" تفسير : اهـ فإن قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سواء بسواء، مثلاً بمثل" تفسير : يدل على الضبط بالكيل والوزن، وهذا القول أظهرها دليلاً. وأجابوا عن حديث أبي سعيد المتفق عليه بثلاثة أجوبة الأول: جواب البيهقي قال: وقد قيل: إن قوله وكذلك الميزان من كلام أبي سعيد الخدري موقوف عليه. الثاني: جواب القاضي أبي الطيب وآخرين، أن ظاهر الحديث غير مراد: لأن الميزان نفسه لا ربا فيه وأضمرتم فيه الموزون، ودعوى العموم في المضمرات لا تصح، الثالث: حمل الموزون على الذهب والفضة جمعاً بين الأدلة والظاهر أن هذه الإجابات لا تنهض. لأن وقفه على أبي سعيد خلاف الظاهر، وقصد ما يوزن بقوله وكذلك الميزان لا لبس فيه، وحمل الموزون على الذهب والفضة فقط خلاف الظاهر والله تعالى أعلم. وفي علة الربا في الأربعة مذاهب أخر غير ما ذكرنا عن الأئمة الأربعة ومن وافقهم الأول: مذهب أهل الظاهر ومن وافقهم أنه لا ربا أصلاً في غير الستة، ويروى هذا القول عن طاوس ومسروق والشعبي وقتادة وعثمان البتي. الثاني: مذهب أبي بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم أن العلة فيها كونها منتفعاً بها، حكاه عنه القاضي حسين. الثالث: مذهب ابن سيرين. وأبي بكر الآودني من الشافعية أن العلة الجنسية. فيحرم الربا في كل شيء بيع بجنسه كالتراب متفاضلاً والثوب بالثوبين والشاة بالشاتين. الرابع: مذهب الحسن البصري أن العلة المنفعة في الجنس، فيجوز عنده بيع ثوب قيمته دينار بثوبين قيمتهما دينار، ويحرم بيع ثوب قيمته دينار بثوب قيمته ديناران. الخامس: مذهب سعيد بن جبير أن العلة تقارب المنفعة في الجنس فحرم التفاضل في الحنطة بالشعير والباقلي بالحمص، والدخن بالذرة مثلاً. السادس: مذهب ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن العلة كونه جنساً تجب فيه الزكاة. فحرم الربا في كل جنس تجب فيه الزكاة كالمواشي، والزرع وغيرها. السابع: مذهب سعيد بن المسيب وقول الشافعي في القديم: إن العلة كونه مطعوماً يكال أو يوزن ونفاه عما سواه، وهو كل ما لا يؤكل ولا يشرب، أو يؤكل ولا يكال ولا يوزن، كالسفرجل والبطيخ وقد تركنا الاستدلال لهذه المذاهب والمناقشة فيها خوف الإطالة المملة. فروع الفرع الأول: الشك في المماثلة كتحقق المفاضلة، فهو حرام في كل ما يحرم فيه ربا الفضل. ودليل ذلك: ما أخرجه مسلم والنسائي عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر - لا يعلم كيلها - بالكيل المسمى من التمر. الفرع الثاني: لا يجوز التراخي في قبض ما يحرم فيه ربا النساء، ودليل ذلك: ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث مالك بن أوس رضي الله عنه. قال: أقبلت أقول من يصطرف الدراهم، فقال طلحة: أرنا الذهب حتى يأتي الخازن ثم تعال فخذ ورقك، فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كلا والذي نفسي بيده لتردن إليه ذهبه، أو لتنقدنه ورقه، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : الذهب بالورق رباً إلا ها وها، والبر بالبر رباً إلا ها وها، والشعير بالشعير رباً إلا ها وها، والتمر بالتمر رباً إلا ها وها . تفسير : الفرع الثالث: لا يجوز أن يباع ربوي بربوي كذهب بذهب، ومع أحدهما شيء آخر. ودليل ذلك: ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي الطاهر عن ابن وهب من حديث فضالة بن عبيد الأنصاري قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : الذهب بالذهب وزناً بوزن . تفسير : وروى مسلم نحوه أيضاً عن أبي بكر بن شيبة وقتيبة بن سعيد من حديث فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - ونحوه. أخرجه النسائي، وأبو داود والترمذي وصححه. وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار عند ذكر صاحب المنتقى لحديث فضالة بن عبيد المذكور ما نصه الحديث. قال في التلخيص: له عند الطبراني في الكبير طرق كثيرة جداً في بعضها قلادة فيها خرز وذهب، وفي بعضها ذهب وجوهر، وفي بعضها خرز معلقة بذهب، وفي بعضها باثني عشر ديناراً، وفي بعضها بتسعة دنانير، وفي أخرى بسبعة دنانير. وأجاب البيهقي عن هذا الاختلاف بأنها كانت بيوعاً شهدها فضالة. قال الحافظ: والجواب المسدد عندي أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفاً بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه وهو النهي عن بيع ما لم يفصل، وأما جنسها وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحال ما يوجب الحكم بالاضطراب. وحينئذ ينبغي الترجيح بين رواتها وإن كان الجميع ثقاة فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم فتكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة، وبعض هذه الروايات التي ذكرها الطبراني في صحيح مسلم وسنن أبي داود اهـ منه بلفظه. وقد قدمنا بعض روايات مسلم. الفرع الرابع: لا يجوز بيع المصوغ من الذهب أو الفضة بجنسه بأكثر من وزنه، ودليل ذلك: ما صح عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم صرح بتحريم بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، وأن من زاد أو استزاد فقد أربى. وقد أخرج البيهقي في السنن الكبرى عن مجاهد أنه قال: كنت أطوف مع عبد الله بن عمر فجاءه صائغ فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني أصوغ الذهب ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل في ذلك قدر عمل يدي فيه، فنهاه عبد الله بن عمر عن ذلك، فجعل الصائغ يردد عليه المسألة وعبد الله بن عمر ينهاه حتى انتهى إلى باب المسجد أو إلى دابته يريد أن يركبها. ثم قال عبد الله بن عمر: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما هذا عهد نبينا صلى الله عليه وسلم إلينا وعهدنا إليكم. ثم قال البيهقي: وقد مضى حديث معاوية حيث باع سقاية ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فنهاه أبو الدرداء وما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في النهي عن ذلك. روى البيهقي أيضاً عن أبي رافع أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب إني أصوغ الذهب فأبيعه بوزنه وآخذ لعمالة يدي أجراً قال: لا تبع الذهب بالذهب إلا وزناً بوزن ولا الفضة بالفضة إلا وزناً بوزن ولا تأخذ فضلاً اهـ منه. وما ذكره البيهقي - رحمه الله - أنه ما قدمه من نهي أبي الدرداء وعمر لمعاوية هو قوله أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق وأبو بكر بن الحسن وغيرهما قالوا حدثنا أبو العباس الأصم أنا الربيع، أنبأنا الشافعي أنا مالك. وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا عبد الله يعني القعني عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلاً بمثل. فقال معاوية ما أرى بهذا بأساً. فقال له أبو الدرداء من يعذرني من معاوية أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض أنت بها، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكر له ذلك. فكتب عمر إلى معاوية أن لا يبيع ذلك إلا مثلاً بمثل ووزناً بوزن، ولم يذكر الربيع عن الشافعي في هذا قدوم أبي الدرداء على عمر وقد ذكره الشافعي في رواية المزني اهـ منه بلفظه. ونحو هذا أخرجه مسلم في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه من رواية أبي الأشعث قال: غزونا غزاة وعلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة فكان فيما غنمنا آنية من فضة فأمر معاوية رجلاً أن يبيعها في أعطيات الناس فتسارع الناس في ذلك فبلغ عبادة بن الصامت فقام فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عيناً بعين، فمن زاد أو استزاد فقد أربى. فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيباً فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة ثم قال لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاوية، أو قال وإن رغم ما أبالي ألا أصحبه في جنده ليلة سوداء. قال حماد هذا أو نحوه اهـ. هذا لفظ مسلم في صحيحه وهذه النصوص الصحيحة تدل على أن الصناعة الواقعة في الذهب أو الفضة لا أثر لها، ولا تبيح المفاضلة بقدر قيمة الصناعة كما ذكرنا. وهذا هو مذهب الحق الذي لا شك فيه. وأجاز مالك بن أنس رحمه الله تعالى للمسافر أن يعطي دار الضرب نقداً وأجرة صياغته ويأخذ عنهما حلياً قدر وزن النقد بدون الأجرة. لضرورة السفر كما أشار إليه خليل بن إسحاق في مختصره بقوله: بخلاف تبر يعطيه المسافر وأجرته دار الضرب ليأخذ زنته. قال مقيده - عفا الله عنه - الظاهر من نصوص السنة الصحيحة أن هذا لا يجوز. لضرورة السفر كما استظهر عدم جوازه ابن رشد، وإليه الإشارة بقول صاحب المختصر: والأظهر خلافه يعني: ولو اشتدت الحاجة إليه إلا لضرر يبيح الميتة، كما قرره شراح المختصر. الفرع الخامس: اختلف الناس في الأوراق المتعامل بها هل يمنع الربا بينها وبين النقدين نظراً إلى أنها سند، وأن المبيع الفضة التي هي سند بها فيمنع بيعها بالفضة ولو يداً بيد مثلاً بمثل، ويمنع بيعها بالذهب أيضاً ولو يداً بيد. لأنه صرف ذهب موجود أو فضة موجودة بفضة غائبة، وإنما الموجود سند بها فقط فيمنع فيها لعدم المناجزة. بسبب عدم حضور أحد النقدين أو لا يمنع فيها شيء من ذلك. نظراً إلى أنها بمثابة عروض التجارة فذهب كثير من المتاخرين إلى أنها كعروض التجارة، فيجوز الفضل والنساء بينها وبين الفضة والذهب وممن أفتى بأنها كعروض التجارة العالم المشهور عليش المصري صاحب النوازل، وشرح مختصر خليل، وتبعه في فتواه بذلك كثير من متأخري علماء المالكية. قال مقيده - عفا الله عنه - الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أنها ليست كعروض التجارة، وأنها سند بفضة وأن المبيع الفضة التي هي سند بها. ومن قرأ المكتوب عليها فهم صحة ذلك، وعليه فلا يجوز بيعها بذهب ولا فضة ولو يداً بيد. لعدم المناجزة بسبب غيبة الفضة المدفوع سندها. لأنها ليست متمولة ولا منفعة في ذاتها أصلاً. فإن قيل لا فرق بين الأوراق وبين فلوس الحديد. لأن كلاًّ منهما ليس متمولاً في ذاته مع أنه رائج بحسب ما جعله له السلطان من المعاملة فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أنا إذا حققنا أن الفلوس الحديدية الحالية لا منفعة فيها أصلاً، وأن حقيقتها سند بفضة، فما المانع من أن نمنع فيها الربا مع النقد، والنصوص صريحة في منعه بين النقدين، وليس هناك إجماع يمنع إجراء النصوص على ظواهرها بل مذهب مالك أن فلوس الحديد لا تجوز بأحد النقدين نسيئة فسلم الدراهم في الفلوس كالعكس ممنوع عندهم. وما ورد عن بعض العلماء مما يدل على أنه لا ربا بين النقدين وبين فلوس الحديد، فإنه محمول على أن ذلك الحديد الذي منه تلك الفلوس فيه منافع الحديد المعروفة المشار إليها بقوله تعالى: {أية : وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} تفسير : [الحديد: 25] فلو جمعت تلك الفلوس وجعلت في النار لعمل منها ما يعمل من الحديد من الأشياء المنتفع بها، ولو كانت كفلوسنا الحالية على تسليم أنها لا منفعة فيها أصلاً، لما قالوا بالجواز: لأن ما هو سند لا شك أن المبيع فيه ما هو سند به لا نفس السند. ولذا لم يختلف الصدر الأول في أن المبيع في بيع الصكاك الذي ذكره مسلم في الصحيح وغيره أنه الرزق المكتوب فيها لا نفس الصكاك التي هي الأوراق التي هي سند بالأرزاق. الثاني: أن هناك فرقاً بينهما في الجملة وهو أن الفلوس الحديدية لا يتعامل بها بالعرف الجاري قديماً وحديثاً إلا في المحقرات فلا يشترى بها شيء له بال بخلاف الأوراق، فدل على أنها أقرب للفضة من الفلوس. الثالث: أنا لو فرضنا أن كلاً من الأمرين محتمل فالنَّبي يقول: "حديث : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" تفسير : ويقول: "حديث : فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه"تفسير : ويقول: "حديث : والإثم ما حاك في النفس" تفسير : الحديث وقال الناظم: شعر : وذو احتياط في أمور الدين من فرض شك إلى يقين تفسير : وقد قدمنا مراراً أن ما دل على التحريم مقدم على ما دل على الإباحة. لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام، ولا سيما تحريم الربا الذي صرح الله تعالى بأن مرتكبه محارب الله. وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعنه. ومن أنواع الربا ما اختلف العلماء في منعه كما إذا كان البيع ظاهره الحلية، ولكنه يمكن أن يكون مقصوداً به التوصل إلى الربا الحرام، عن طريق الصورة المباحة في الظاهر كما لو باع سلعة بثمن إلى أجل ثم اشترى تلك السلعة بعينها بثمن أقل من الأول نقداً، أو لأقرب من الأجل الأول، أو بأكثر لأبعد فظاهر العقدين الإباحة. لأنه بيع سلعة بدراهم إلى أجل في كل منهما وهذا لا مانع منه، ولكنه يجوز أن يكون مقصود المتعاقدين دفع دراهم وأخذ دراهم أكثر منها لأجل أن السلعة الخارجة من اليد العائدة إليها ملغاة فيؤول الأمر إلى أنه دفع دراهم وأخذ أكثر منها لأجل، وهو عين الربا الحرام ومثل هذا ممنوع عند مالك، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة والحسن بن صالح، وروي عن الشعبي والحكم وحماد كما في الاستذكار وأجازه الشافعي. واستدل المانعون بما رواه البيهقي والدارقطني عن عائشة أنها أنكرت ذلك على زيد بن أرقم، وقالت: أبلغي زيداً أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب. وقال الشافعي: إن زيد بن أرقم مخالف لعائشة، وإذا اختلف صحابيان في شيء رجحنا منهما من يوافقه القياس والقياس هنا موافق لزيد. لأنهما عقدان كل منهما صحيح في نفسه. وقال الشافعي أيضاً: لو كان هذا ثابتاً عن عائشة فإنها إنما عابت التأجيل بالعطاء. لأنه أجل غير معلوم والبيع إليه لا يجوز. واعترضه بعض العلماء بأن الحديث ثابت عن عائشة، وبأن ابن أبي شيبة ذكر في مصنفه أن أمهات المؤمنين كن يشترين إلى العطاء والله تعالى أعلم. وبأن عائشة لا تدعي بطلان الجهاد بمخالفة رأيها، وإنما تدعيه بأمر علمته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا البيع الذي ذكرنا تحريمه هو المراد عند العلماء ببيع العينة ويسميه المالكية بيوع الآجال، وقد نظمت ضابطه في نظمي الطويل في فروع مالك بقولي: شعر : بيوع الآجال إذا كان الأجل أو ثمن كأخويهما تحل وإن يك الثمن غير الأول وخالف الأجل وقت الأجل فانظر إلى السابق بالإعطاء هل عاد له أكثر أو عاد أقل فإن يكن أكثر مما دفعه فإن ذاك سلف بمنفعة وإن يكن كشيئه أو قلا عن شيئه المدفوع قبل حلا تفسير : قوله تعالى: {وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَاتِ} الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى يربي الصدقات وبين في موضع آخر أن هذا الإرباء مضاعفة الأجر، وأنه يشترط في ذلك إخلاص النية لوجه الله تعالى وهو قوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} تفسير : [الروم: 39].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْرِّبَا} {ٱلصَّدَقَاتِ} (276) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ أنَّهُ يَمْحَقُ الرِّبا، وَيُذْهِبُ مِنْ يَدِ آكِلِهِ بَرَكَةَ مَالِهِ، وَيُهْلِكُ المَالَ الذِي دَخَلَ فِيهِ الرِّبا، فَلاَ يَنْتَفِعُ بِهِ أحَدٌ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنَّهُ يُضَاعِفُ ثَوَابَ الصَّدَقَاتِ، وَيَزِيدُ المَالَ الذِي أُخْرِجَتْ مِنْهُ، وَيُعَاقِبُ آكِلَ الرِّبا يَوْمَ القِيَامَةِ. وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الكَفُورَ المُتَمَادِي فِي كُفْرِ مَا أنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيهِ مِنْ مَالٍ، لأنَّهُ لا يُنْفِقُ مِنْهُ فِي سَبيلِهِ، وَلاَ يُحِبُّ الذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى تَحْليلِ المُحَرَّمَاتِ، وَلاَ الذِينَ يَسْتَمِرُّونَ عَلَى ارْتِكَابِها. يَمْحَقُ - يُهْلِكُ المَالَ الذِي يَدْخُلُ فِيهِ الرِّبا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة "يمحق" من "محق" أي ضاع حالاً بعد حال، أي لم يضع فجأة، ولكن تسلل في الضياع بدون شعور، ومنه "المحاق" أي الذهاب للهلال. "ويمحق الله الربا" أي يجعله زاهياً أمام صاحبه ثم يتسلل إليه الخراب من حيث لا يشعر. ولعلنا إن دققنا النظر في البيئات المحيطة بنا وجدنا مصداق ذلك. فكم من أناس رابوا، ورأيناهم، وعرفناهم، وبعد ذلك عرفنا كيف انتهت حياتهم. {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَات} [البقرة: 276] ويقول في آية أخرى: {أية : وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ ..}تفسير : [الروم: 39]. فإياكم أن تعتقدوا أنكم تخدعون الله بذلك .. ما هو المقابل؟ {أية : وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ}تفسير : [الروم: 39]. و"المضعفون" هم الذين يجعلون الشيء أضعافاً مضاعفة. وعندما يقول الحق: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا} [البقرة: 276] فلا تستهن بنسبة الفعل لله؛ إن نسبة الفعل لفاعله يجب أن تأخذ كيفيته من ذات الفاعل، فإذا قيل لك: فلان الضعيف يصفعك، أو فلان الملاكم يصفعك، فلابد أن تقيس هذه الصفعة بفاعلها، فإذا كان الله هو الذي قال: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ} [البقرة: 276]. أيوجد محق فوق هذا؟ لا، لا يمكن. وأيضاً حين يقول الله: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَات} [البقرة: 276] في القرآن الذي يُتلى وهو معجز؛ ومحفوظ ومُتحدي بحفظه، فهذه قضية مصونة {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَات} [البقرة: 276]؛ لأن الذي قالها هو الله في كتاب الله المحفوظ، الذي يُتلى مُتَعَبَّداً به، أي أن القضية على ألسنة الجماهير كلها، وفي قلوب المؤمنين كلها، أيقول الله قضية يحفظها ذلك الحفظ ليأتي واقع الزمن ليكذبها؟ لا، لا يمكن. فالإنسان لا يحفظ إلا المستند الذي يؤيده!! أنا لا أحفظ إلا "الكمبيالة" التي تخصني! فما دام هو حافظه وهو القائل: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر: 9]. فمعنى ذلك أنه سبحانه سيطلق فيه قضايا، وهذه القضايا هو الذي تَعهد بحفظها، ولا يتعهد بحفظها إلا لتكون حجة على صدقه في قولها. فالشيء الذي لا يكون فيه حُجة لا نحافظ عليه. وهو سبحانه القائل: {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [الصافات: 173]. إن هذه قضية قرآنية تعهد الله بحفظها، فلابد أن يأتي واقع الحياة ليؤيدها، فإذا كان واقع الحياة لا يؤيدها، ماذا يكون الموقف؟ أنكذب القرآن - وحاشانا أن نكذب القرآن - الذي قاله الحق الذي لا إله سواه ليُدير كوناً من ورائه. {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَاتِ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة: 276]. ولماذا قال الحق: "كفار" ولم يقل: "كافر"، ولماذا قال: "أثيم" وليس مجرد "آثم"؟ لأنه يريد أن يرد الحكم على الله وما دام يريد أن يرد الحكم على الله، فقد كفر كفرين اثنين: كفر لأنه لم يعترف بهذه، وكفر لأنه ردّ الحكم على الله، وهو "أثيم"، ليس مجرد "آثم"، وفي ذلك صيغة المبالغة لنستدل على أن القضية التي نحن بصددها قضية عمرانية اجتماعية كونية، إن لم تكن كما أرادها الله فسيتزلزل أركان المجتمع كله. وبعد أن شرح لنا الحق مرارة المبالغة في "كفار" وفي "أثيم" يأتي لنا بالمقابل حتى ندرك حلاوة هذا المقابل، ومثال ذلك ما يقول الشاعر: شعر : فالـوجه مـثل الصـبح مـبـيضّ والشـعر مـثل اللـيل مسـودُّ ضـدّان لمـا اسـتـجـمـعا حَسُنا والضـد يظـهر حسـنَه الضدُّ تفسير : فكأن الله بعد أن تكلم عن الكَفَّار والأثيم يرجعنا لحلاوة الإيمان فيقول: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ} معناهُ يذهبُ.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ} [276] 76- أنا محمود بن غَيْلان، نا وكيع/ ، نا سفيان، عن منصور، عن أبي الضُّحى، عن مسروق، عن عائشة: لما نزلت آيات الرِّبا، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فتلاهنَّ على الناس، ثم حرم التجارة في الخمر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):