٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
277
Tafseer
الرازي
تفسير : إعلم أن عادة الله في القرآن مطردة بأنه تعالى مهما ذكر وعيداً ذكر بعده وعداً، فلما بالغ ههنا في وعيد المرابي أتبعه بهذا الوعد، وقد مضى تفسير هذه الآية في غير موضع، وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج من قال بأن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان بهذه الآية فإنه قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } فعطف عمل الصالحات على الإيمان والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ومن الناس من أجاب عنه أليس أنه قال في هذه الآية {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ } مع أنه لا نزاع في أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة داخلان تحت {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـــٰتِ } فكذا فيما ذكرتم، وأيضاً قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [محمد: 34] وقال: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } تفسير : [البقرة: 239]. وللمستدل الأول أن يجيب عنه بأن الأصل حمل كل لفظة على فائدة جديدة ترك العمل به عند التعذر، فيبقى في غير موضع التعذر على الأصل. المسألة الثانية: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } أقوى من قوله: على ربهم أجرهم لأن الأول يجري مجرى ما إذا باع بالنقد، فذاك النقد هناك حاضر، متى شاء البائع أخذه، وقوله: أجرهم على ربهم. يجري مجرى ما إذا باع بالنسيئة في الذمة، ولا شك أن الأول أفضل. المسألة الثالثة: اختلفوا في قوله {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } فقال ابن عباس: لا خوف عليهم فيما يستقبلهم من أحوال القيامة، ولا هم يحزنون بسبب ما تركوه في الدنيا، فإن المنتقل من حالة إلى حالة أخرى فوقها ربما يحزن على بعض ما فاته من الأحوال السالفة، وإن كان مغتبطاً بالثانية لأجل إلفه وعادته، فبيّن تعالى أن هذا القدر من الغصة لا يلحق أهل الثواب والكرامة، وقال الأصم: لا خوف عليهم من عذاب يومئذ، ولا هم يحزنون بسبب أنه فاتهم النعيم الزائد الذي قد حصل لغيرهم من السعداء، لأنه لا منافسة في الآخرة، ولا هم يحزنون أيضاً بسبب أنه لم يصدر منا في الدنيا طاعة أزيد مما صدر حتى صرنا مستحقين لثواب أزيد مما وجدناه وذلك لأن هذه الخواطر لا توجد في الآخرة. المسألة الرابعة: في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } إشكال هو أن المرأة إذا بلغت عارفة بالله وكما بلغت حاضت، ثم عند انقطاع حيضها ماتت، أو الرجل بلغ عارفاً بالله، وقبل أن تجب عليه الصلاة والزكاة مات، فهما بالاتفاق من أهل الثواب، فدل ذلك على أن استحقاق الأجر والثواب لا يتوقف على حصول الأعمال، وأيضاً من مذهبنا أن الله تعالى قد يثيب المؤمن الفاسق الخالي عن جميع الأعمال، وإذا كان كذلك، فكيف وقف الله هٰهنا حصول الأجر على حصول الأعمال؟. الجواب: أنه تعالى إنما ذكر هذه الخصال لا لأجل أن استحقاق الثواب مشروط بهذا، بل لأجل أن لكل واحد منهما أثراً في جلب الثواب، كما قال في ضد هذا {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَاً ءَاخَرَ } تفسير : [الفرقان: 68] ثم قال: {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً } تفسير : [الفرقان: 68] ومعلوم أن من ادعى مع الله إلٰهاً آخر لا يحتاج في استحقاقه العذاب إلى عمل آخر، ولكن الله جمع الزنا وقتل النفس على سبيل الاستحلال مع دعاء غير الله إلٰهاً لبيان أن كل واحد من هذه الخصال يوجب العقوبة.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} بالله ورسوله وبما جاءهم منه. {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ} عطفهما على ما يعمهما لإِنافتهما على سائر الأعمال الصالحة. {لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من آت. {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} على فائت.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين آمنوا} يعني صدقوا بالله ورسوله {وعملوا الصالحات} يعني التي أمرهم الله بها {وأقاموا الصلاة} يعني المفروضة بأركانها وحدودها في أوقاتها {وآتوا الزكاة} يعني المفروضة عليهم في أموالهم {لهم أجرهم عند ربهم} أي لهم ثواب أعمالهم في الآخرة {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} أي يوم القيامة. قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا} قيل: نزلت في العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان وكانا قد أسلفا في التمر فلما كانا وقت الجذاذ قال صاحب التمر لهما: إن أنتما أخذتما حقكما لم يبق لي ما يكفي عيالي فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعف لكما ففعلا فلما حل الأجل طلبا منه الزيادة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فنهاهما، وأنزل الله هذه الآية فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما، وقيل نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى بني عمرو بن عمير ناس من ثقيف فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: فيما رواه جابر من أفراد مسلم "حديث : ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتله هذيل وربا الجاهلية موضوع. وأول ربا أضع ربا العباس بن عبدالمطلب فإنه موضوع كله" تفسير : وقيل: نزلت في أربعة إخوة من ثقيف وهم: مسعود وعبد ياليل وحبيب وربيعة بن عمرو بن عميرة بن عوف الثقفي كانوا يداينون بني المغيرة بن عبدالله بن عمير بن مخزوم، وكانوا يرابون فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف أسلم هؤلاء الإخوة بنو عمرو الثقفي وطلبوا رباهم من بني المغيرة فقال بنو المغيرة: والله ما نعطي الربا في الإسلام وقد وضعه الله تعالى عن المؤمنين فاختصموا إلى عتاب بن أسيد وكان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة فكتب عتاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقضية الفريقين وكان ذلك مالاً عظيماً فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} أي خافوا الله فيما أمركم به وانتهوا عما نهاكم عنه، وذروا أي واتركوا ما بقي من الربا والمعنى واتركوا طلب ما بقي لكم ما فضل على رؤوس أموالكم {إن كنتم مؤمنين} يعني إن كنتم محققين لإيمانكم قولاً وفعلاً.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ...}. قال هنا: "لهُمْ أجْرُهُمْ" وقال فيما سبق: "أية : فَلَهُمْ أجْرُهُمْ"تفسير : لوجهين: الأول: أن السّابق (أكمل) وأبلغ لقوله: {أية : ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً}تفسير : ، فأكّده بالسرّ والعلانية وهنا لم يؤكده كذلك. ـ قيل لابن عرفة: الأعمال الصالحة تشتمل على النفقة وغيرها؟ ـ فقال: تستلزم مطلق النفقة وتلك نفقة خاصة. ـ الثاني: إن هذا مؤكد "بإن" فأغنى عن تأكيده بالفاء؟ ـ قلت: لأن الأول موصول مضمن معنى الشّرط فصحّ دخول الفاء في خبره وأن لا تدخل على الشّرط الصريح، فلا يدخل على ما هو مضمّن معناه فدخولها يمنع من تضمين الموصول معناه، وإذا لم يضمن معنى الشّرط فلا يدخل الفاء في خبره.
ابن عادل
تفسير : اعلم أنَّ من عادته تعالى في القرآن الكريم مهما ذكر وعيداً، ذكر بعده وعداً فلما بلغ هاهنا في وعيد المرابي، أتبعه بهذا الوعد، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية. واحتجّ من قال بأن العمل الصالح خارجٌ عن مسمى الإيمان بهذه الآية، فإنه عطف عمل الصالحات على الإيمان؛ والمعطوف يغاير المعطوف عليه. وأجيب عنه بأنه قال: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ} ولا نزاع في أن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، داخلان تحت عمل الصالحات، فكذا ما ذكرتُم، وأيضاً قال تبارك وتعالى: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللهِ}تفسير : [النحل:88] وقال: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ}تفسير : [البقرة:39] ويمكن أن يجاب بأن الأصل حمل كل لفظةٍ على فائدةٍ جديدة، تُرِكَ العملُ به عند التَّعذُّر، فيبقى في غير موضع التعذر على الأصل. فإن قيل إنَّ الإنسان إذا بلغ عارفاً بالله تعالى وقبل وجوب الصلاة والزكاة عليه، ثم مات، فهو من أهل الثواب بالاتفاق، فدلَّ على أن استحقاق الثواب لا يتوقَّف على حصول العمل. وأيضاً فقد يثيب الله تعالى المؤمن الفاسق الخالي عن جميع الأعمال، وإذا كان كذلك فكيف وقف الله هاهنا حصول الأجر على حصول العمل؟ فالجواب: أنه تبارك وتعالى إنما ذكر هذه الخصال؛ لا لأجل أنَّ استحقاق الثواب مشروطٌ بهذا، بل لأجل أنَّ لكل واحد منهما أثراً في جلب الثواب، كما قال في ضدِّ هذا {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللهِ إِلَـٰهَا آخَرَ}تفسير : [الفرقان:68] ثم قال: {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً}تفسير : [الفرقان:68] ومعلومٌ أنَّ من ادعى مع الله إلهاً آخر لا يحتاج في استحقاقه العذاب إلى عمل آخر، وإنما جمع اللهُ الزِّنا، وقتل النَّفس، مع دعاء غير الله إلهاً، لبيان أنَّ كل واحد من هذه الخصال يوجب العقوبة.
البقاعي
تفسير : ولما بين تعالى ما سلبه عن الكافرين من محبته أتبعه ما أثبته للمؤمنين المصدقين من رحمة الملوح إليهم فيما قبل بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر كما تقدم آنفاً على وجه لم يخله من ذكر النفقة فقال تعالى مشيراً إلى قسيم {ومن عاد} {إن الذين آمنوا} أي صدقوا بجميع ما أتتهم به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم عن الله سبحانه وتعالى {وعملوا} تصديقاً لإيمانهم {الصالحات} ائتماراً وانتهاء لا سيما ترك الربا. ولما كانت الصلاة زبدة الدين فيما بين الحق والخلق خصها بالذكر فقال: {وأقاموا الصلاة} بجميع حدودها {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر} تفسير : [العنكبوت: 45]. ولما كان الإيثار أجل ما بين الحق والخلق وزبدته إخراج الواجب من المال عن طيب نفس قال: {وآتوا الزكاة} فضلاً عن أن يبخلوا فضلاً عن أن يربوا ودل على أن جزاءهم بحسب النيات لثباتهم في فتنة الردة بقوله: {لهم أجرهم} وأعلم بحفظه وتنميمته بقوله: {عند ربهم} وآذن بتمام الانتفاع بقوله: {ولا خوف عليهم} أي من طارق يطرقهم بغير ما يلائمهم لأنهم في كنف العزيز العليم {ولا هم يحزنون} على شيء فاتهم فهم في غاية الرضى بما هم فيه، ولعظيم الجدوى في ذلك كرره في هذه الآيات غير مرة ونوه به كرة في أثر كرة. ولما كانت نتيجة الآية الماضية في الاعتماد على ما عند الله سبحانه وتعالى من الأجر وعدم الحزن على ما فات من ربا وغيره والخوف من شيء آت من فقر أو غيره ترك كل شيء ينسب إلى الربا وكان بين أهل الإسلام وأهل الجاهلية وبين بعضهم وبعض معاملات في الجاهلية ربوية لم تتم بعد بين أمرها نفياً لما قد يتوهم من قوله سابقاً {فله ما سلف} من تحليل بقايا الربا وأن النهي خاص بما تجدد منه فقال مخاطباً لأقرب من ذكره ممن تلبس بالإيمان ولم يلتفت إلى غيرهم تشريفاً لهم: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالتصديق بألسنتهم. ولما كان الربا قد يكون مؤجلاً فيكون صاحبه قد مضت عليه مدد وهو موطن نفسه على أخذه فيصير الكف عنه يعدل الموت عنده أبلغ سبحانه وتعالى في التشديد في هذه المواعظ فقال: {اتقوا الله} أي الذي له جميع العظمة تصديقا لإقراركم {وذروا} أي اتركوا أي ترك كان {ما بقي من الربا} أي الذي كنتم تتعاملون به فلا تستحلوه ولا تأكلوه. ولما لوح في أول الآية إلى أن من أصر فهو غير صادق في دعوى الإيمان صرح بذلك في آخرها فقال: {إن كنتم مؤمنين} أي متصفين بما ذكرتموه بألسنتكم. قال الحرالي: فبين أن الربا والإيمان لا يجتمعان وأكثر بلايا هذه الأمة حتى أصابها ما أصاب بني إسرائيل من البأس الشنيع والانتقام بالسنين إنما هو من عمل من عمل بالربا، وهذه الآية أصل عظيم في أحكام الكفار إذا أسلموا فما مضى منها لم ينقص وما لم يمض لم يفعل - نبه عليه الأصبهاني. ولما كان من حق من عاند السيد الأخذ سبب عن ذلك قوله: {فإن لم تفعلوا} أي ترك الربا. قال الحرالي: في إشعاره أن طائقة منهم لا يذرونه بعد تحريمه بما أنهم ليسوا من الذين كانوا مؤمنين - انتهى. {فأذنوا بحرب} أي عظيمة. قال الحرالي: والحرب مدافعة بشدة عن اتساع، المدافع بما يطلب منه الخروج عنه فلا يسمح به ويدافع عنه بأشد مستطاع؛ ثم عظم أمرها بإيراد الاسم الأعظم فقال: {من الله} العظيم الجليل {ورسوله} صلى الله عليه وسلم الذي هو أعظم الخلائق بتشريفه بالإضافة إليه. وقال الحرالي: الذي هيأه للرحمة، فكان نبي الرحمة محارباً له، فانقطعت وصلته من الرحيم والشفيع - انتهى. {وإن تبتم} أي فعلتم بعد الإذن بالقتال أو قبله ما أمركم الله به من ترك ما بقي منه {فلكم رؤوس أموالكم} أي كما هو حال البيع. ولما كان ذلك هو العدل لأنه الحق قال: {لا تظلمون} أي بأخذ شيء مما بقي من الربا {ولا تظلمون} بنقص من رأس المال أو دفع بمطال لأنه الحق. ولما كان الناس منقسمين إلى موسر ومعسر أي غني وفقير كان كأنه قيل: هذا حكم الموسر {وإن كان} أي وجد من المدينين {ذو عسرة} لا يقدر على الأداء في هذا الوقت {فنظرة} أي فعليكم نظرة له. قال الحرالي: وهو التأخير المرتقب نجازه {إلى ميسرة} إن لم ترضوا إلا بأخذ أموالكم؛ وقرأ نافع وحمزة بضم السين؛ قال الحرالي: إنباء عن استيلاء اليسر وهي أوسع النظرتين، والباقون بالفتح إنباء عن توسطها ليكون اليسر في مرتبتين، فمن انتظر إلى أوسع اليسرين كان أفضل توبة - انتهى. {وأن تصدقوا} أي وصدقتكم على المعسر بتركه له، ذلكم {خير} في الدنيا بما يبارك الله سبحانه وتعالى {لكم} ويعوضكم وفي الآخرة بما يجزل لكم من الأجر. ولما كان كل أحد يدعي العلم ويأنف أشد أنفة من النسبة إلى الجهل قال: {إن كنتم تعلمون} أي إن كنتم من ذوي العلم فأنتم تعرفون صحة ما دعوتكم إليه مما يقتضي الإدبار عنه أو الإقبال عليه، فإذا تحققتم ذلك فامتثلوه فإنه يقبح على العلم بقبح الشيء الإصرار عليه وإلا فبينوا أنه ليس بخير وإلا فأنتم من أهل الاعوجاج بالجهل تقومون بالحرب والضرب والطعن كالسباع الضارية والذئاب العاوية. وقال الحرالي: فأعلم سبحانه وتعالى أن من وضع كيانه للعلم فكان ممن يدوم علمه؟ تنبه لأن خير الترك خير من خير الأخذ فأحسن بترك جميعه - انتهى. وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "حديث : لما أنزلت الآيات الأواخر - وفي رواية: من آخر سورة البقرة في الربا - قرأهن النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية: على الناس في المسجد - ثم حرم التجارة في الخمر" تفسير : وله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "حديث : آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية الربا"تفسير : ولأبي عبيد عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهداً بالعرش آية الربا وآية الدين. وله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: آخر آية نزلت من القرآن {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} [البقرة: 281] قال: زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بعدها تسع ليال وبدىء به يوم السبت ومات يوم الاثنين - انتهى. ولا مخالفة لأنها من آية الربا والدين. وروى الحديث أبو عمرو الداني في كتاب "البيان في عدد آي القرآن" وقال فيه: "قال الملك: اجعلها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة". ولما كان من المعلوم أنه لا يدفعه حجة كان التقدير: فامتثلوا ما أمرتم به واجتنبوا ما نهيتم عنه، فعطف عليه تخويفاً من يوم العرض عليه والمجازاة بين يديه فقال - وقال الحرالي: لما أنهي الخطاب بأمر الدين وعلنه وأمر الآخرة على وجوهها وإظهار حكمتها المرتبطة بأمر الدنيا وبين أمر الإنفاق والربا الذي هو غاية أمر الدين والدنيا في صلاحهما وأنهى ذلك إلى الموعظة بموعود جزائه في الدنيا والآخرة أجمل الموعظة بتقوى يوم الرجعة إلى إحاطة أمره ليقع الختم بأجمل موعظة وأشملها ليكون انتهاء الخطاب على ترهيب الأنفس لتجتمع عزائمها على ما هو ملاك أمرها من قبول صلاح دينها ودنياها ومعادها من خطاب الله سبحانه وتعالى لها فختم ذلك بكمال معناه بهذه الآية كما أنها هي الآية التي ختم بها التنزيل أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هو في الشكاية وهي آخر آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في مقابلة {أية : اقرأ باسم ربك} تفسير : [العلق: 1] الذي هو أول منزل النبوة و {أية : يا أيها المدثر}تفسير : [المدثر: 1] الذي هو أول منزل الرسالة فكان أول الأمر نذارة وآخره موعظة تبعث النفس على الخوف وتبعث القلب على الشوق من معنى ما انختم به أمر خطاب الله سبحانه وتعالى في آية {أية : مالك يوم الدين} تفسير : [الفاتحة: 4] انتهى - فقال تعالى: {واتقوا يوماً} أي في غاية العظم {ترجعون فيه} حساً بذواتكم كما أنتم في الدنيا ومعنى بجميع أموركم رجوعاً ظاهراً لا يحجبه شيء من الأسباب ولا يحول دونه عارض ارتياب {إلى الله} الذي لا يحصر عظمته وصف ولا يحيط بها حد، فيكون حالكم بعد النقلة من الدنيا كحالكم قبل البروز إليها من البطن لا تصرف لكم أصلاً ولا متصرف فيكم إلا الله ويكون حالكم في ذلك اليوم الإعسار، لأنه لا يمكن أحد أن يكافىء ما لله سبحانه وتعالى عليه من نعمه، فمن نوقش الحساب عذب؛ فإن كنتم تحبون المجاوزة عنكم هنالك فتجاوزوا أنتم عن إخوانكم اليوم، وتصدقوا ما دمتم قادرين على الصدقة، واتقوا النار في ذلك اليوم ولو بشق تمرة؛ وأشار سبحانه وتعالى إلى طول وقوفهم ذلك الموقف في مقام الهيبة وتمادي حبسهم في مشهد الجلال والعظمة بأداة التراخي في قوله {ثم} قال الحرالي وقيل: "حديث : يا رسول الله! أين يكون الناس {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} [إبراهيم: 48]؟ قال: في الظلمة دون الجسر"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقيمون في الظلمة ألف سنة"تفسير : . وورد عن علي رضي الله تعالى عنه في تفصيل مواقف يوم الجزاء أن الخلق يوقفون على قبورهم ألف سنة ويساقون إلى المحشر ألف سنة، ويوقفون في الظلمة ألف سنة؛ ثم يكون انشقاق السماوات السبع وتبديل الأرض وما شاء الله سبحانه وتعالى من أمره انتظاراً لمجيئه؛ ففي عبرة مقاله والله سبحانه وتعالى أعلم أن ذلك يكون ستة آلاف سنة وأنها كما بنيت في ستة أيام تهدم في ستة أيام {أية : كما بدأنا أول خلق نعيده} تفسير : [الأنبياء: 104]، فيكون ذلك تسعة أيام؛ ويكون مجيئه في اليوم العاشر الذي هو يوم عاشوراء ذلك اليوم الذي تكرر مجيء أمره فيه في يوم الدنيا - ثم وصف صلى الله عليه وسلم المواقف إلى منتهاها - انتهى. ولما كان إيقاف الإنسان على كل ما عمل من سر وعلن في غاية الكراهة إليه فضلاً عن جزائه على كل شيء منه لا بالنسبة إلى موقف معين بني للمفعول قوله: {توفى} أي تعطى على سبيل الوفاء {كل نفس ما كسبت} من خير وشر. قال الحرالي: جاء بصيغة فعل المشعر بجري العمل على غير تكلف وتحمل، ففي إشعاره أنها توفى ما كسبت من الخير وما كونت له من الشر وأن ما تكلفته من الشر وفي دخلتها كراهية ربما غفر لها حيث لم تكن توفى ما كسبت وما اكتسبت كما قال في الآية التي بعدها {أية : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} تفسير : [البقرة: 286] فكان مكتسبها عليها وربما غفر لها فإنها وفيت ما كسبته من الشر واشتمل عليه ظاهرها وباطنها حتى يسرت له - انتهى. ولما كانت عادة الناس أنه إذا بقي شيء يسير وقع في محل المسامحة وكان اليسير يختلف باختلاف الأصل فالألف مثلاً يتسامح فيه بمائة مثلاً بيّن أن الأمر عنده على غير ذلك فقال: {وهم لا يظلمون *} شيئاً من الأشياء ولو قلّ، وهذا إشارة إلى العدل بين عباده قال الحرالي: وهذه الآية ختم للتنزيل وختم لتمام المعنى في هذه السورة التي هي سنام القرآن وفسطاطه وختم لكل موعظة وكل ختم، فهو من خواص المحمدية الجامعة المفصلة من سورة الحمد المشيرة إلى تفاصيل عظيم أمر الله في حقه وفي خلقه وفيما بينه وبين خلقه - انتهى. ولما نهى سبحانه وتعالى عن الربا وكان أحد مدايناتهم وكان غيره من الدين مأذوناً فيه وهو من أنواع الإنفاق مع دخوله في المطالبة برؤوس الأموال عقب ذلك بآية الدين. وأيضاً فإنه سبحانه وتعالى لما ذكر في المال أمرين ينقصانه ظاهراً ويزكيانه باطناً: الصدقة وترك الربا، وأذن في رؤوس الأموال وأمر بالإنظار في الإعسار وختم بالتهديد فكان ذلك ربما أطمع المدين في شيء من الدين ولو بدعوى الإعسار اقتضى حال الإنسان لما له من النقصان الإرشاد إلى حفظ المال الحلال وصونه عن الفساد والتنبيه على كيفية التوثق فقال: {يا أيها الذين آمنوا} كالذي تقدمه {إذا تداينتم} من التداين تفاعل بين اثنين من الدين، والدين في الأمر الظاهر معاملة على تأخير كما أن الدين بالكسر فيما بين العبد وبين الله سبحانه وتعالى معاملة على تأخير - قاله الحرالي. أي أوقعتم بينكم ذلك. والدين مال مرسل في الذمة سواء كان مؤجلاً أو لا، وهو خلاف الحاضر والعين، وقال: {بدين} مع دلالة الفعل عليه ليخرج بيع الدين بالدين، لأنه مداينة بدينين. قال الحرالي: فكان في إعلامه أي بالإتيان بصيغة إذا أنهم لا بد أن يتداينوا لأنها حين منتظر في أغلب معناها - انتهى. وأرشد إلى ضبطه بالوقت إشارة إلى أنه يجوز كونه حالاً وإلى أن الأجل وهو الوقت المحدود وأصله التأخير إن كان مجهولاً كان باطلاً بقوله: {إلى أجل مسمى} قال الحرالي: من التسمية وهي إبداء الشيء باسمه للسمع في معنى المصور - وهو إبداء الشيء بصورته في العين. ولما كان الله سبحانه وتعالى وهو العليم الخبير قد أجرى سنته في دينه بالكتابة فأمر ملائكته وهم الأمناء العدول بإثبات أعمال الخلق لحكم ومصالح لا تخفى وأنزل كتابه الشريف شهادة لهم وعليهم بما يوفونه في يوم الدين من ثواب وعقاب قطعاً لحججهم أمرهم أن يكون عملهم في الدين كما كان فعله في الدين فأرشدهم إلى إثبات ما يكون دينهم من المعاملات لئلا يجر ذلك إلى المخاصمات فقال سبحانه وتعالى أمراً للإرشاد لا للإيجاب {فاكتبوه} وفي ذكر الأجل إشارة إلى البعث الذي وقع الوعد بالوفاء فيه {أية : أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً وإنكم إلينا لا ترجعون *} تفسير : [المؤمنون: 115] {أية : ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده} تفسير : [الأنعام: 2] ولما أمر بالكتابة وكان المراد تحصيلها في الجملة لا من أحد بعينه لأن أغلب الناس لا يحسنها أتبعها الإرشاد إلى تخير الكاتب بقوله: {وليكتب بينكم} أي الدين المذكور {كاتب} وإن كان صبياً أو عبداً كتابة مصحوبة {بالعدل} استناناً به سبحانه وتعالى في ملائكته {أية : وإن عليكم لحافظين * كراماً كاتبين *} تفسير : [الانفطار: 10] {أية : بأيدي سفرة * كرام بررة *} تفسير : [عبس:15]. ولما أرشد إلى تخير الكاتب تقدم إليه بالنهي تقديماً لدرء المفاسد ثم الأمر فقال: {ولا يأب كاتب أن يكتب} أي ما ندب إليه من ذلك {كما علمه الله} أي لأجل الذي هو غني عنه وعن غيره من خلقه شكراً له على تلك النعمة وكتابة مثل الكتابة التي علمها الله سبحانه وتعالى لا ينقص عنها شيئاً {فليكتب} وفي ذلك تنبيه على ما في بذل الجهد في النصيحة من المشقة. ولما كان ذلك وكان لا بد فيه من ممل بين من يصح إملاؤه للمكتوب فقال: {وليملل} من الإملال وهو إلقاء ما تشتمل عليه الضمائر على اللسان قولاً وعلى الكتاب رسماً - قاله الحرالي {الذي عليه الحق} ليشهد عليه المستملي ومن يحضره. ولما كانت الأنفس مجبولة على محبة الاستئثار على الغير حذرها مما لا يحل من ذلك فقال: {وليتق الله} فعبر بالاسم الأعظم ليكون أزجر للمأمور ثم قال: {ربه} تذكيراً بأنه لإحسانه لا يأمر إلا بخير، وترجية للعوض في ذلك إذا أدى فيه الأمانة في الكم والكيف من الأجل وغيره؛ وأكد ذلك بقوله: {ولا يبخس} من البخس وهو أسوأ النقص الذي لا تسمح به الأنفس لبعده عن محل السماح إلى وقوعه في حد الضيم {منه شيئاً}. ولما كان هذا المملي قد يكون لاغي العبارة وكان الإملاء لا يقدر عليه كل أحد قال سبحانه وتعالى: {فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً} فلا يعتبر إقراره لضعف رأيه ونظره ونقص حظه من حكمة الدنيا {أو ضعيفاً} عن الإملاء في ذلك الوقت لمرض أو غيره من صبا أو جنون أو هرم من الضعف وهو وهن القوى حساً أو معنى {أو لا يستطيع أن يمل هو} كعيّ أو حياء أو عجمة ونحوه {فليملل وليه} القائم لمصالحه من أب أو وصي أو حاكم أو ترجمان أو وكيل {بالعدل} فلا يحيف عليه ولا على ذي الحق. قال الحرالي: فجعل لسان الولي لسان المولى عليه، فكان فيه مثل لما نزل به الكتاب من إجراء كلام الله سبحانه وتعالى على ألسنة خلقه في نحو ما تقدم من قوله: {أية : إياك نعبد وإياك نستعين}تفسير : [الفاتحة: 5] وما تفصل منها {أية : الله ولي الذين آمنوا} تفسير : [البقرة: 257] أمل ما عليهم من الحقوق له فجعل كلاماً من كلامه يتلونه، فكان الإملال منه لهم لتقاصرهم عن واجب حقه تقاصر السفيه ومن معه عن إملال وليه عنه لرشده وقوته وتمكن استطاعته - انتهى. ولما لم يكن بين الكتابة والشهادة ملازمة نص عليها وبين أهلها فقال: {واستشهدوا} أي اطلبوا الشهادة وأوجدوها مع الكتابة ودونها {شهيدين} قال الحرالي فجعل شهادة الدين باثنين كما جعل الشاهد في الدين اثنين: شاهد التفكر في الآيات المرئية وشاهد التدبر للآيات المسموعة، وفي صيغة فعيل مبالغة في المعنى في تحقق الوصف بالاستبصار والخبرة - انتهى. ولما بيّن عدد الشاهد بيّن نوعه فقال: {من رجالكم} وأعلم بالإضافة اشتراط كونه مسلماً وإطلاق هذا الذي ينصرف إلى الكامل مع ما يؤيده في الآية يفهم الحريّة كقوله {ولا يأب الشهداء} والإتيان بصيغة المبالغة في الشاهد وتقييده مع ذلك بالرضى وتعريف الشهداء ونحوه. قال الحرالي: ولكثرة المداينة وعمومها وسع فيها الشهادة فقال: {فإن لم يكونا} أي الشاهدان {رجلين} أي على صفة الرجولية كلاهما {فرجل وامرأتان} وفي عموم معنى الكون إشعار بتطرق شهادة المرأتين مع إمكان طلب الرجل بوجه ما من حيث لم يكن، فإن لم تجدوا ففيه تهدف للخلاف بوجه ما من حيث إن شمول الكتاب توسعة في العلم سواء كان على تساو أو على ترتب؛ ولما كنّ ناقصات عقل ودين جعل ثنتان منهن مكان رجل - انتهى. ولما بيّن العدد بيّن الوصف فقال: {ممن ترضون} أي في العدالة {من الشهداء} هذا في الديون ونحوها. قال الحرالي: وفي مفهوم الشهادة استبصار نظر الشاهد لما في الشهود من إدراك معنى خفي في صورة ظاهر يهدي إليها النظر النافذ - انتهى. ولما شرط في القيام مقام الواحد من الرجال العدد من النساء علله بما يشير إلى نقص الضبط فيهن فقال: {أن تضل إحداهما} أي تغيب عنها الشهادة فتنساها أو شيئاً منها {فتذكر إحداهما الأخرى} فتهتدي إلى ما ضلت عنه بواسطة الذاكرة. قال الحرالي: بما هي أعرف بمداخل الضلال عليها، لأن المتقاربين أقرب في التعاون، وفي قراءتي التخفيف والتثقيل إشعار بتصنيف النساء صنفين في رتبة هذه الشهادة من يلحقها الضلال عن بعض ما شهدت فيه حتى تذكر بالتخفيف ولا يتكرر عليها ذلك ومن شأنها أن يتكرر عليها ذلك، وفي إبهامه بلفظ إحدى أي من غير اقتصار على الضمير الذي يعين ما يرجع إليه إشعار أن ذلك يقع بينهما متناوباً حتى ربما ضلت هذه عن وجه وضلت تلك عن وجه آخر فأذكرت كل واحدة منهما صاحبتها فلذلك يقوم بهما معاً شاهد واحد حافظ - انتهى. وفي ذكر الإذكار منع من الشهادة بدون الذكر، والآية من الاحتباك. ولما أفهم ذلك الحث على الشهادة صرح به في قوله: {ولا يأب الشهداء} أي تحمل الشهادة وأدائها بعد التحمل {إذا ما دعوا} دعاء جازماً بما أفهمته زيادة ما. ولما تمّ ذلك وكان صغير الحق وكبيره ربما تُركت تهاوناً بالصغير ومللاً للكبير حذر من ذلك ولم يجعله في صلب الأمر قبل الإشهاد بل أفرده بالذكر تعظيماً لشأنه فقال: {ولا تسئموا} من السآمة. قال الحرالي: بناء مبالغة وهو أشد الملالة {أن تكتبوه} أي لا تفعلوا فعل السئيم فتتركوا كتابته {صغيراً} كان الدين {أو كبيراً} طالت الكتابة أو قصرت. قال الحرالي: ولم يكن قليلاً أو كثيراً، لأن الكثرة والقلة واقعة بالنسبة إلى الشيء المعدود في ذاته، والصغير والكبير يقع بالنسبة إلى المداين، فربما كان الكثير في العدد صغير القدر عند الرجل الجليل المقدار، وربما كان القليل العدد كثيراً بالنسبة إلى الرجل المشاحح فيه، فكان الصغر والكبر أشمل وأرجع إلى حال المداين الذي هو المخاطب بأن يكتب انتهى. {إلى أجله} أي الذي توافقتم وتواثقتم عليه. ولما كان كأنه قيل: ما فائدة ذلك؟ فقيل: {ذلكم} إشارة بأداة البعد وميم الجمع إلى عظم جدواه. قال الحرالي: ولبيانه ووضوحه عندهم لم يكن إقبالاً على النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقبل عليه في الأمور الخفية - انتهى. {أقسط} أي أعدل فقد نقل عن ابن السيد أنه قال في كتابه الاقتضاب: إن قسط بمعنى جار وبمعنى عدل. وقال الحرالي: {أقسط} من الإقساط وهو وضع القسط وهو حفظ الموازنة حتى لا تخرج إلى تطفيف. ثم زاد تعظيمه بقوله: {عند الله} أي الذي هو محيط بصفات الكمال بالنسبة إلى كل صفة من صفاته، لأنه يحمل على العدل بمنع المغالطة والتلون في شيء من أحوال ذلك الدين {وأقوم للشهادة} أي وأعدل في قيام الشهادة إذا طلب من الشاهد أن يقيمها بما هو مضبوط له وعليه {وأدنى} أي أقرب في {ألاّ ترتابوا} أي تشكوا في شيء من الأمر الذي وقع. قال الحرالي: ففي إشعاره أنه ربما داخل الرجل والرجلين نحو ما داخل المرأتين فيكون الكتاب مقيماً لشهادتهما، فنفى عن الرجال الريبة بالكتاب كما نفى عن النساء الضلال بالذكر - انتهى. ولما كان الدين المؤجل أعم من أن يكون قرضاً أو تجارة ينمي بها المال المأمور بالإنفاق منه في وجوه الخير النافعة يوم الدين وكان قد أكد في أمر الكتابة تأكيداً ربما ظن معه الحث عليها ولو لم يكن أجل نبه على أن العلة فيها الأجل الذي هو مظنة النسيان المستولي على الإنسان بقوله: {إلا أن تكون} أي المداينة {تجارة حاضرة} هذا على قراءة عاصم، وكان في قراءة غيره تامة {تديرونها بينكم} أي يداً بيد، من الإدارة. قال الحرالي: من أصل الدور وهو رجوع الشيء عوداً على بدئه {فليس عليكم} حينئذ {جناح} أي اعتراض في {ألاّ تكتبوها} أي لأنها مناجزة وهي عرض زائل لا يكاد يستقر في يد أحد لأن القصد به المتجر لا الاستبقاء فبعد ما يخشى من التجاحد. ولما كان البيع أعم من أن يقصد به المتجر أو غير ذلك من وجوه الانتفاع قال: {وأشهدوا} سواء كانت كتابة أو لا {إذا تبايعتم} أي على وجه المتجر عاجلاً أو آجلاً أو لا للمتجر، لأن الإشهاد أبعد من الخلاف وأقرب إلى التصادق بما فيه من الإنصاف، والأمر للإرشاد فلا يجب. ولما ألزم في صدر الخطاب الكاتب أن يكتب والشهيد أن يجيب ولا يأبى وأكد ذلك بصيغة تشمل المستكتب والمستشهد فقال ناهياً: {ولا يضار} يصح أن يكون للفاعل والمفعول وهو صحيح المعنى على كل منهما {كاتب ولا شهيد} أي لا يحصل ضرر منهم ولا عليهم. قال الحرالي: ففي إلاحته تعريض بالإحسان منه للشهيد والكاتب ليجيبه لمراده ويعينه على الائتمار لأمر ربه بما يدفع عنه من ضرر عطلته واستعماله في أمر من أمور دنياه، ففي تعريضه إجازة لما يأخذه الكاتب ومن يدعي لإقامة معونة في نحوه ممن يعرض له فيما يضره التخلي عنه - انتهى. {وإن تفعلوا} أي ما نهيتم عنه من الضرار وغيره {فإنه فسوق} أي خروج {بكم} عن الشرع الذي نهجه الله لكم. قال الحرالي: وفي صيغة فعول تأكيد فيه وتشديد في النذارة - انتهى. وختم آيات هذه المعاملات بصفة العلم بعد الأمر بالتقوى في غاية المناسبة لما يفعله المتعاملون من الحيل التي يجتلب كل منهم بها الحظ لنفسه، والترغيب في امتثال ما أمرهم به في هذه الجمل بأنه من علمه وتعليمه فقال تعالى - عاطفاً على ما تقدم من أمر ونهي، أو على ما تقديره: فافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه-: {واتقوا الله} أي خافوا الذي له العظمة كلها فيما أمركم به ونهاكم من هذا وغيره. ولما كان التقدير استئنافاً لبيان فخامة هذه التنبيهات يرشدكم الله إلى مثل هذه المراشد لإصلاح ذات بينكم، عطف عليه قوله: {ويعلمكم الله} أي يدريكم الذي له الكمال كله بذلك على العلم. وقال الحرالي: وفي قوله: {يعلم} بصيغة الدوام إيذان بما يستمر به التعليم من دون هذا المنال انتهى. وأظهر الاسم الشريف هنا وفي الذي بعده تعظيماً للمقام وتعميماً للتعليم فقال: {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {بكل شيء عليم *} وهذا الختم جامع لبشرى التعليم ونذارة التهديد.
القشيري
تفسير : إن الذين كانوا لنا يكفيهم ما يجدون مِنَّ، لا نضيع أجر من أحسن عملاً.
اسماعيل حقي
تفسير : {إن الذين آمنوا} بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وبما جاءهم به {وعملوا الصالحات} اى الطاعات {وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة} تخصيصهما بالذكر مع اندراجهما فى الصالحات لانافتهما على سائر الاعمال الصالحة {لهم اجرهم} الموعود لهم حال كونه {عند ربهم ولا خوف عليهم} من مكروه آت {ولا هم يحزنون} من محبوب فات. واعلم ان آكل الربا لحرصه على الدنيا مثله كمثل من به جوع الكلب فيأكل ولا يشبع حتى ينتفخ بطنه ويثقل عليه فكلما يقوم يصرعه ثقل بطنه فكذا حال اهل الربا يوم القيامة: ونعم ما قيل شعر : توان بحلق فرو بردن استخوان درشت ولى شكم بدرد جون بكيردندار ناف تفسير : فالعاقل لا يأكل ما لا يتحمله فى الدنيا والآخرة فطوبى لمن يقتصد فى اخذ الدنيا ولا يحمله الحرص على اخذها بغير حقها فهو ينجو من وبالها وهو مثل التاجر الذى يكسب المال بطريق البيع والشراء ويؤدى حقه وان كان له حرص فى الطلب والجمع ولكن لما كان بامر الشرع وطريق الحل ولا يمنع ذا الحق حقه ما اضر به كما اضرّ بآكل الربا ـ روى ـ ان النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدم وكسب البغى ولعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه والواشمة والمستوشمة والمصور قال عليه السلام "حديث : الربا بضع وسبعون بابا ادناها كأتيان الرجل أمه ". تفسير : يعنى كالزنى بامه والعياذ بالله فمن سمع هذا القول العظيم فليبادر بالتوبة الى باب المولى الكريم ذلك لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد. ومن اقرض شيأ بشرط ان يرد عليه افضل فهو قرض جر منفعة وكل قرض جر منفعة فهو ربا وكان لابى حنيفة رحمه الله على رجل الف درهم سود فرد عليه الف درهم بيض فقال ابو حنيفة لا اريد هذا الابيض بدل دراهمى فاخاف ان يكون هذا البياض ربا فرده واخذ مثل دراهمه. قال ابو بكر لقيت ابا حنيفة على باب رجل وكان يقرع الباب ثم يتنحى ويقوم فى الشمس فسألته عنه فقال ان لى على صاحبه دينا وقد نهى عن قرض جر منفعة فلا انتفع بظل حائطه. ويقرب منه ما روى عن ابى يزيد البسطامى قدس سره من انه اشترى من همذان حب القرطم ففضل منه شىء فلما رجع الى بسطام رأى فيه نملتين فرجع الى همذان ووضع النملتين فهذا هو الورع وكمال التقوى ومثل هذا لا يوجد فى هذا الزمان وان وجد فاقل من القليل واكثر الناس ولو كانوا صوفية لا يفرقون بين الحلال والحرام والشبهات ولذا ترى امر الدين صار مهملا وعاد غريبا هدانا الله واياكم الى سواء الطريق انه ولى التوفيق: قال جلال الدين الرومى شعر : اى زخودت بى وقوف لاف ترا يوف يوف فضل نبخشد تراجبه ودستار وصوف
الطوسي
تفسير : المعنى: إن قيل: إذا كان الثواب يستحق بخلوص الايمان فلم يشرط غيره من الخصال؟ قلنا: لم يذكر ذلك ليكون شرطاً في استحقاق الثواب على الايمان وإنما بين أن كل خصلة من هذه الخصال يستحق به الثواب ونظير ذلك ما ذكره في آية الوعيد في قوله: {أية : والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً} تفسير : فانما بين أن كل خصلة من هذه الخصال يستحق بها العقاب لأن من المعلوم أن من دعا مع الله إلهاً آخر لا يحتاج إلى شرط عمل آخر استحق العقاب وإن كان الوعيد إنما يتوجه عليه بمجموع تلك الخصال لكان فيه تسهيل لكل واحد منهما وليس التقييد في آيتي الوعيد يجري مجرى قوله: {أية : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة}تفسير : من قبل أن هذا معلق بحكم يجب بوجوبه ويرتفع بارتفاعه باجماع وليس كذلك ذكر هذه الخصال. وهذه الآية تدل على أن أفعال الجوارح ليست من الايمان وإن الايمان هو التصديق بما وجب لأنها لو كانت من الايمان، لكان قوله {إن الذين آمنوا} قد اشتمل عليها فلا معنى لذكرها بواو العطف إذ لا يعطف الشيء على نفسه. فان قيل ذلك يجري مجرى قوله: {أية : الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله} تفسير : وقوله: {أية : الذين كفروا وكذبوا بآياتنا}تفسير : قلنا والخلاف في هاتين كالخلاف في تلك لأنا لا نقول إن التكذيب بالآيات هو الكفر نفسه وإنما نقول هو دلالة على الكفر وكذلك الصد عن سبيل الله كما نقول: إن قول النبي (صلى الله عليه وسلم) فلان كافر يدل على كفره. وإن يكن ذلك كفراً وقال قوم: من المرجئة إن الوعد بهذه الخصال يدل على بطلان التحابط، لأنه تعالى ضمن الثواب بنفس فعل هذه الخصال، ولم يشرط ألا يأتي بما يحبطها فان قيل لابد أن يكون ذلك مشروطاً كما أن الوعيد على الكفر لابد أن يكون مشروطاً بارتفاع التوبة منه، لأن كل واحد من الأمرين إنما يستحق بخلوه مما ينافيه وإذا اتبع بكبيرة لم يخلص كما لم يخلص ما اتبع بتوبة. قلنا: إنما شرطنا الوعيد على الكفر بعدم التوبة لمكان الاجماع، لا لأن التوبة تسقط العقاب على الكفر، وإنما وعد الله (تعالى) تفضلا باسقاط العقاب على المعاصي بالتوبة منها، وليس مثل ذلك موجوداً في آية الوعد لأنه ليس على شرط انتفاء الكبيرة إجماع، والعمل هو التغيير للشيء بالاحداث له أو فيه فاذا قيل: عمل فلان الصالحات كان معناه أحدثها وإذا قيل: عمل الموازين والخوض والسروج والصفر وغير ذلك، كان المراد أنه أحدث فيها ما تتغير به صورتها.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة العامّة فيكون قوله تعالى {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} اشارة الى الايمان الخاصّ الحاصل بالبيعة الخاصّة الولاية فانّ الولاية الّتى هى البيعة الخاصّة اصل جميع الصّالحات ولا صالح الاّ بها ولا فاسد معها، ومنها الإتمار بالاوامر والانتهاء عن المنهيّات {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} قد مضى الآية بتمام اجزائها فى اوّل السّورة.
اطفيش
تفسير : {إن الَّذين آمنُوا}: صدقوا بوجود الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وبالقرآن وسائر الوحى. {وعَمِلُوا الصَّالحاتِ}: الفرائض أو الفرائض والمندوب إليه. {وأقامُوا الصَّلاةَ}: أو زادوا نفلا. {وآتُوا الزَّكاة}: أو زادوا نفلا من الصدقة عليها، والصلاة والزكاة داخلان فى الصالحات وخصهما بالذكر لمزيدهما. {لَهُم أجْرُهم عِنْد رِّبهمْ}: يوم القيامة. {وَلا خَوْفٌ عَليْهِم}: فِيه. {ولا هُم يَحْزنُونَ}: على ما فعلوا من الخير بأبدانهم أو من أموالهم، لأنهم يجدون أجره ولو فاتهم العمل أو أبطلوه لحزنوا على ما فاتهم من عمله أو ثوابه. {يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا اتَّقوا اللّهَ وذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الربا}: احذروا عقاب الله بترك المعاصى، أو احذروا معصية الله عز وجل، واتركوا ما بقى من الربا لم تقبضوه ولو حل أجله قبل أن تسلموا أو قبل نزول تحريمه، وقيل معنى ما بقى ما فضل على رأس المال، وقرأ الحسن ما بقا بالألف وفتح ما قبلها على لغة طيئ فى كل فعل ثلاثى مختوم بياء مكسورة ما قبها وعنه ما بقى بإسكان الياء سكونا ميتا بعد كسرة القاف. {إنْ كُنتُم مُؤمِنينَ}: صادقين فى إيمانكم، ومن لم يصدق فى إيمانه يجب عليه الاتقاء لله، وترك الباقى من الربا أيضاً، وكذا من لم يؤمن لكن خص الذى آمن وصدق فى إيمانه، لأنه المنتفع بالأمر والنهى، قال مقاتل: نزلت الآية فى أربعة إخوة من ثقيف: مسعود، وعبد ياليل، وحبيب وربيعة ابنا عمر والثقفى، كانوا يداينون بنى المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم من قريش، فلما ظهر النبى صلى الله عليه وسلم على الطائف أسلم الإخوة ثم طلبوا رباهم من بنى المغيرة، فنزلت الآية، وقيل: خطاب لأهل مكة كانوا يربون ولما أسلموا عند الفتح أمرهم الله أن يأخذوا رءوس أموالهم دون الزيادة، وروى أنهُ لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال فى خطبته فى اليوم الثانى من الفتح: "حديث : الأكل ربا فى الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس فإنه موضوع كله، وكل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمى موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أضعه من دماء نادم ابن أبى ربيعة بن الحارث"تفسير : كان مسترضعا فى بنى سعد فقتله هذيل وكان العباس وخالد بن الوليد شريكين فى الجاهلية يسلفان فى الربا إلى بنى عمير من ثقيف، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة فى الربا ونزلت الآية فى تحريم الربا فقرأها عند الفتح، فقيل سبب نزولها العباس وخالد، وقيل قال ذلك فى حجة الوداع وبه قال مسلم فى رواية عن جابر بن عبد الله، وقيل: لما قال ذلك عام الفتح وقد بدا بالعدل فيمن يليه كالعباس، رجع إلى المدينة واستعمل على مكة عتاب بن أسيد وقد نزل أهل الطائف على الإسلام، فطلبوا رباهم إلى بنى المغيرة وقالوا: لا نعطى فإن الربا قد وضع، ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد بمكة، فكتب بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب فعمل بها ثقيف فكفت، وروى أن أهل الطائف اشترطوا فى إسلامهم شروطا منها أن لهم رباهم وربا الناس عنهم موضوع، فقرر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شروطهم، ثم نزلت الآية فرد ذلك عليهم، وكتب أسفل الكتاب: "لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم" وقيل نزلت فى العباس وعثمان بن عفان أسلفا فى التمر بالربا، ولما حصر الجذاذ قال صاحب التمر إن أنتما أخذتما حقكما لم يبق لى ما يكفى عيالى، فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعف لكما؟ ففعلا، فلما جاء الأجل طلبا الزيادة فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فنهاهما، وأنزل الله عز وجل هذه الآية فسمعا وأطاعا وأخذا رءوس أموالهم، وعن عروة بن الزبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أسلم على شئ فهو له ". تفسير : {فَإن لَّم تَفْعَلُوا}: ترك ما بقى من الربا، كأنه قيل فإن لم تتركوا ما بقى منه. {فَأْذنُوا بحَرْبٍ مّنَ اللّهِ وَرَسُولهِ}: أى فاعلموا بحرب من الله ورسوله من أذن بالشئ بمعنى علم، وهو مر من إذن الثلاثى بوزن علم، والمراد بالعلم بها التهديد، كأنه قيل فأيقنوا بأن الله عدوكم وأنتم عدوه، يدل ذلك قراءة الحسن، فأيقنوا بحرب من الله ورسوله، وكذا قال ابن عباس وغيره: معناه فاستيقنوا. فقرأ حمزة وعاصم فى رواية ابن عباس فأذنوا بهمزة ممدة بألف وكسر الذال أمر من آذن الربا عى بمد الهمزة وفتح الذال بمعنى أعلموا بالحرب غيركم من جنتكم فهم يدخلون فى الحرب أيضا أو أعلموا أنفسكم بقطع الهمزة، اعلموا وفتحها وكسر اللام وهو من أذن التلاثى بمعنى استمع بإذنه، والسمع من طرف العلم إدخلت بهمزة التعدية فصار رباعيا، فكان المعنى: صيروا غيركم عالما بالحربن فذلك من التعبير عن الشئ باسم سببه، فإن العلم مسبب عن الاستماع، ونكر حربا للتعظيم أى فأذنوا بحرب عظيم من الله ورسوله، والآية تقتضى أن يُقاتَل المصرّ على الربا بعد الاستتابة حتى يفئ إلى أمر الله، كالباغى فكفره نفاق كالباغى، وإن استحله قتل بالردة، ولما نزلت الآية قال ثقيف: لا أيدى لنا بحرب الله ورسوله، ى لا يدين لنا فحذفوا نون التثنية تشبيها بالإضافة، كما قال ابن الحاجب فى مثل ذلك، ولا يقال إنه مضاف لضمير المتكلم وهونا، وأدخلت اللام بينهما زائدة لأنه لا يكون اسم لا معرفة، وقواعد المذهب ألا يقتل المربى ولو أصر، لكنه يعزر أو ينكل إلا أن جئ لتعزيره أو تنكليه، فقاتل فإنه يقاتل فإن قتل هدر سواء قاتل وحده أو قاتل معه غيره، فإنهم يقاتلون ويهدرون، ثم رأيت الفخر قال: يعزر ويحبس إلى أن تظهر توبته، وإن كانت لهُ شوكة وعسكر قوتل كما تقاتل الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكر مانعى الزكاة، وكذا لو تركوا الأذان أو دفن الموتى إلا أن فى الأذان من حيث الوجوب وحيث الكفاية فيه خلاف، وعن ابن عباس من عامل الربا استتيب فإن لم يتب قتل، قال ابن عباس: يقال لآكل الربا يوم القيامة خذ سلاحك للحرب. {وَإنْ تُبتْمُ عن الربا}: الذى وقعتموه بعد التوحيد أو قبله ولم تقبضوه إلا بعده. {فَلَكُم رءوسُ أمْوالِكُم} أصولها دون فوائدها وكذا إن لم يتوبوا فإنهم مخاطبون بذلك ولو مشركين غير تائبين، لأن المشرك على الصحيح مخاطب بفروع الدين كأصله، وخص التائبين لأنهم المتعظون بالحكم إلا أن الموحد إن أربا بعد توحيده وأحل الربا فذلك منه ردة لا يعطى رأس ماله بل يصرف حيث يصرف مال المرتد. {لا تَظْلِمُونَ} من لكم عليه الربا يأخذ الزائد على رءوس أموالكم. {ولا تُظْلَمُونَ: بالنقص عن رءوس أموالكم، ولا بالمطل ولا بانتظار الأجل إن كان الأجل لبطلان الأجل فى الربا إن كان، كما بطل الربا، وظاهر الآية أنهُ لا يأخذ إلا عين ماله وهو المراد بروءس الأموال، لا يقبل عوض رأس ماله، ولا يجوز له أخذ عوضه، وهو كذلك إلا إن تلف فلهُ عوضه، وذلك فى جنب كل منهما، ولا يجوز أن يترك كل منهما للآخر مالهُ فى مقابلة ما عليه، وقيل بالجواز، ولأن يجعله فى حل وقيل بالجواز، وأجمعوا على منع إعطاء الزائد وعلى منع أخذه، ومن لم يجد صاحبه أوصى له بحقه وقيل يتصدق به للفقراء عليه.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذينَ ءَامَنُواْ} بالله ورسله، وما جاءوا به كتحريم الربا {وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَٰتِ} كتركه {وَأَقَامُواْ الصَّلَٰوةَ} تعظيما له {وَءَاتُوُاْ الزَّكَٰوةَ} تعظيما له وشفقة على خلق الله {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} ذكر الإقامة والإيتاء مع دخولهما فى الصالحات لشرفهما وليتصلا بذكر الجزاء، قدم التصديق وهو بالقلب واللسان، وعم العمل بعده وخص العمل بعد الصوم بالصلاة من أعمال البدن والزكاة من المال تعظيما لهما، فالصلاة أعظم أعمال البدن، والزكاة أعظم الأعمال المالية {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} آت {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} على فائت.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} بما وجب الإيمان به {وَعَمِلُواْ} الأعمال {ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} على الوجه الذي أمروا به {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ} تخصيصهما بالذكر مع اندراجهما في الأعمال للتنبيه على عظم فضلهما، فإن الأولى: أعظم الأعمال البدنية والثانية: أفضل الأعمال المالية {لَهُمْ أَجْرُهُمْ} الموعود لهم حال كونه {عِندَ رَبّهِمْ} وفي التعبير بذلك مزيد لطف وتشريف {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} لوفور حظهم.
ابن عاشور
تفسير : جملة معترضة لمقابلة الذم بالمدح، وقد تقدم تفسير نظيرتها قريباً. والمقصود التعريض بأنّ الصفات المقابلة لهاته الصفات صفات غير المؤمنين. والمناسبة تزداد ظهوراً لقوله: {وأتوا الزكاة}.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 277- إن الذين آمنوا بالله، وامتثلوا أوامره فعملوا الصالحات التى أمر بها، وتركوا المحرمات التى نهى عنها، وأدوا الصلاة على الوجه الأكمل، وأعطوا الزكاة لأهلها، لهم ثوابهم العظيم المدخر عند ربهم، ولا خوف عليهم من شئ فى المستقبل، ولا هم يحزنون على شئ فاتهم. 278- يا أيها الذين آمنوا خافوا الله واستشعروا هيبته فى قلوبكم، واتركوا طلب ما بقى لكم من الربا فى ذمة الناس إن كنتم مؤمنين حقاً. 279- فإن لم تفعلوا ما أمركم الله به من ترك الربا فكونوا على يقين من أنكم فى حرب من الله ورسوله لمعاندتكم لأمره، فإن أردتم توبة مقبولة فلكم رءوس أموالكم فلا تأخذوا زيادة عليها قلَّت أو كثرت وأيا كان سبب الدين ومصرفه، لأن الزيادة التى تأخذونها ظلم لغيركم، كما أن ترك جزء من رءوس الأموال ظلم لكم. 280- وإن وُجد ذو عسرة فأعطوه وأمهلوه عند انقضاء أجل الدين إلى وقت ميسرته، وتصدقكم عليه بالتنازل عن الدين أو بعضه خير لكم إن كنتم من أهل العلم والفهم لخطاب الله الذى يعلمكم المروءة والإنسانية. 281- وخافوا أهوال يوم تعودون فيه إلى الله، ثم تستوفى كل نفس جزاء ما عملت من خير أو شر.
القطان
تفسير : من أسلوب القرآن الحكيم ان يأتي بآيات فيها صور متقابلة في كثير من المواضع، فهنا بعد ان بين شناعة الربا وسيئاته، وبعد الآيات التي حثت على الصدقات والعطاء بدون مقابل ـ عاد وأورد هذه الآية المباركة. وفيها يعرض صفحة الإيمان والعمل الصالح، وصفات المؤمنين الصالحين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ليبشرهم ان ثوابهم مدّخر عند ربهم يوم الجزاء، لا خوف عليهم يوم القيامة، ولا هم يحزنون على شيء فاتهم في الدنيا.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {ٱلصَّلاَةَ} {وَآتَوُاْ} {ٱلزَّكَاةَ} (277) - يَمْدَحُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنيِن المُصَدِّقِينَ بِمَا جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ، المُقِيمِينَ الصَّلاَةَ، وَعَامِلِي الصَّالِحَاتِ وَالمُزَكِّينَ، وَيُخْبرُ عَنْهُمْ أنَّهُ يَحْفَظُ لَهُمْ أَجْرَهُمْ، وَأنَّهُمْ لاَ خَوفٌ عَلَيهِمْ، وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ فِي الدُّنيا.
الثعلبي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا} قال عطاء وعكرمة: نزلت هذه الآية في العبّاس بن عبد المطلب وعثمان بن عفّان وكانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجداد قال لهما صاحب التمر: لا يبقى ما يكفي عيالي إن أنتما أخذتما حقّكما كلّه فهذا لكما أن تأخذا النصف وتؤخّرا النصف وأضعف لكما فقبلا، فلمّا جاء الرجل طلبا الزيادة، فبلغ ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهما وأنزل الله هذه الآية فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما. وقال السدي: نزلت في العبّاس عبد المطلب وخالد بن الوليد وكانا شريكان في الجاهليّة يسلّفان في الربا إلى بني عمرو بن عمير ناس من ثقيف ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : وإنّ كلّ ربا من ربا الجاهليّة موضوع وأوّل الربا أضعه ربا العبّاس بن عبد المطلب، وكلّ دم من دم الجاهليّة موضوع وأوّل دم أضعه دم ربيعة بن الحرث ابن عبد المطلب كان مُرضعاً في بني ليث قتله هذيل ". تفسير : وقال مقاتلان: أنزلت في أربعة أخوة: من ثقيف مسعود وعبد ياليل وحبيب وربيعة، وهم بنو عمرو بن عمير بن عوف الثقفي وكانوا يداينون المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وكانوا يربون، فلما ظهر النبيّ صلى الله عليه وسلم على الطائف وصالح ثقيفاً أسلم هولاء الأربعة الأخوة وطلبوا رباهم من بني المغيرة، فقالت بنو المغيرة: والله ما نعطي الربا في الإسلام وقد وضعه الله ورسوله عن المؤمنين، فما يجعلنا أشقى الناس بهذا، فاختصموا إلى عتّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أميّة. وكان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكّة وقال: "أبعثك على أهل الله" فكتب عتّاب إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بقصّة الفريقين وكان ذلك مالاً عظيماً فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا} وذر لفظ تهديد، وقرأ الحسن مابقى بالألف وهي لغة طي، ويقول للحجارية: جاراة، وللناصية: ناصاة. قال الشاعر منهم: شعر : لعمرك ما أخشى التصعلك ما بقا على الأرض قيسي يسوق الأباعرا تفسير : {إِن كُنْتُمْ} إذا كنتم {مُّؤْمِنِينَ} كقوله: {أية : وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ} تفسير : [آل عمران: 139] {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} فإنّ لم تذروا ما بقي من الربا {فَأْذَنُواْ} قرأ الأعمش وعاصم وحمزة رواية أبي بكر {فَأْذَنُواْ} ممدوداً على وزن آمنوا وقرأ الباقون {فَأْذَنُواْ} مقصوراً مفتوح الذال، وهي قرأة علي وأختيار أبي عبيد وأبي حاتم. فمن قصر معناه: فاعلموا أنتم واسمعوا، يقال: أذن الشيء يأذن أذناً وأذانة إذا سمعه وعلمه. قال الله: {أية : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 2]. ومن مدّ معناه: فاعلموا غيركم. قال الله تعالى: {أية : قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} تفسير : [فصلت: 47]. وأصل الكلمة من الأذن أي أقعوه في الأذان. {بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: يقال يوم القيامة لا تأكل الربا: خذ سلاحك للحرب. وروى الوالبي عنه قال: مَنْ كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه، فحقّ على إمام المسلمين أن يستتيبه فإنّ نزع وإلاّ ضرب عنقه. وقال أهل المعاني: حرب الله النار وحرب رسوله السيف {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ} بطلب الزيادة {وَلاَ تُظْلَمُونَ} النقصان عن رأس المال. وروى آبان والمفضّل عن عاصم بضم التاء الأولى وفتح الثانية. قال أهل المعاني أنّها شرط التوبة لأنّهم أن لم يتوبوا كفروا بردّ حكم الله واستحلال ما حرّم الله فيصير مالهم فيأً للمسلمين. فلما نزلت هذه الآيات قالت بنو عمرو [بن عمير لبني المغيرة: ] بل نتوب إلى الله فإنّه ليس لنا يدان بحرب الله وحرب رسوله فرضوا برأس المال وسلّموا لأمر الله فشكى بنو المغيرة العسرة وقالوا: أخرونا إلى أن ندرك الغلات، فأبوا أن يؤخروا فأنزل الله: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} رفع الكلام بإسم كان ولم يأتِ لها بخبر وذلك جائز في النكرة. يقول العرب: إنّ كان رجلٌ صالح فأكرمه، وقيل: كان لمعنى وقع الحدث وحينئذ لا يحتاج إلى الخبر. وقرأ أُبي وابن مسعود وابن عباس: إنّ كان ذا عسرة على إضمار الإسم وان الغريم أو المطلوب ذا عسرة. وقرأ آبان بن عثمان: ومن كان ذا عسرة لهذه الغلّة. وقرأ الأّعمش: وإن كان معسر وهو دليل قراءة العامّة. والعسرة: الفقر والضيق والشدّة. وقرأ أبو جعفر: عسرة بضم السين، وهما لغتان. {فَنَظِرَةٌ} أمر في صيغة الخبر، والفاء فيه لجواب الشرط تقديره: فعليه نظرة، أي قال: واجب نظره بالنصب على معنى فلينظر نظرة لكان صواباً كقوله فضرب الرقاب، والنظرة: الإنظار. وقرأ أبو رجاء والحسن وقتادة: فناظرة بكسر الضاد ورفع الراء والهاء أي منتظرة. وقرأ عطاء بن أبي رباح: فنظرة ساكنة الضاء وهي مصدر يجوز أن يكون من النظر والانتظار جميعاً. {إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} قرأ عطاء وشيبة ونافع وحميد بن محيص: {مَيْسَرَةٍ} بضم السين والتنوين. وقرأ عمر وعلي وأبو رجاء والحسن وقتادة وعبد الله بن مسلم وأبو جعفر وأبن كثير وابن عامر وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي وخلف وأبو عمرو ويعقوب وأيوب: {مَيْسَرَةٍ} بالتنوين وفتح السين وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لأنّها اللغة السائرة. وقرأ مجاهد وأبو سراح الهذلي: (ميسرة) بضم السين مضافاً هو مثله روى زيد عن يعقوب، وروى الأعمش عن عاصم عن زرّ عن عبد الله أنّه كان يقرأها: فناظروه إلى ميسورة، وكلّها لغات معناها اليسار والغنى والسعة. {وَأَن تَصَدَّقُواْ} رؤوس أموالكم على المعسر فلا تطالبونه بها {خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وقرأ عاصم: تصدّقوا بتخفيف الصاد. الباقون بتشديده. ذكر حكم الآية أمر الله تعالى بانظار المعسر فمتى ما أعسر الرجل وتبيّن أعساره، فلا سبيل لرب المال إلى مطالبته بماله إلى أن يظهر يساره، فإذا ظهر يساره كان عليه توفير الحق إلى ربّ المال وعلم أنّ الحقوق [تخلف] وكلّ حق لزم الإنسان عوضاً عن مال حصل في يده مثل قرض أو ابتياع سلعة، فإذا ادّعى الإعسار لزمته البيّنة على الإعسار؛ لأنّ الأصل فيه استغناؤه بحصول ما صار في يده، وكلّ حق لزمه من غير حصول مال في يده كالمهر والضمان، فإذا أدّعى الإعسار لزم ربّ المال أمامه البيّنة على كونه موسراً لأن الأصل في الناس الفقر، وإذا لم يعلم له حالة استغناء كان الحكم فيه البقاء على أصل ما كان عليه إلى أن يتبيّن يساره. وقال الحسن: إذا قال: أنا معدم، فالقول قوله مع يمينه وعلى غرامه إظهار ماله ببيّنة أو عيان. وكان أبو حنيفة يرى أن يحبس شهرين أو ثلاثة ثم يسأل عنه في السرّ، فإنّ تبيّن أنّه معسر خلّى عنه. ودليل مَنْ قال: لا يحبس، حديث أبي سعيد الخدري قال: "حديث : أصيب رجل في ثمار فكثر دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خذوا ما وجدتم ليس لكم إلاّ ذلك". وكان أبو هريرة على قضاء المدينة فأتاه رجل بغريم فقال: أريد أن تحبسه. قال: هل تعلم له عين مال نأخذه منه فنعطيك؟ قال: لا، قال: فهل تعلم له أصل مال فنبيعه ونعطيك؟ قال: لا، قال: فما تريد، قال: أريد أن تحبسه، قال: لكنّي ادعه يطلب لك ولنفسه وعياله فإذا أيسر لزمه قضاء الدين ". تفسير : سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم): "حديث : مَنْ مشى إلى غريمه بحقّه صلت عليه دواب الأرض ونون الماء وكتب الله عزّ وجلّ بكلّ خطوة شجرة يغرس له في الجنّة وذنباً يغفر له فإنّ لم يفعل ومطل فهو متعدّ ". تفسير : أبو الزياد الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الظلم مطل الغنى فإذا اتبع أحدكم على ملىء فليتبع ". تفسير : في فضل إنظار المعسر زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنْ أنظر معسراً أو وضع له، أظلّه الله في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه"تفسير : ، وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ أحب أن يستجاب دعوته ويكشف كربته فلييسّر على المعسر ". تفسير : ربعي بن خراش عن حذيفة بن اليمان قال: أتى الله عزّ وجلّ بعبده يوم القيامة فقال أي ربّ ما عملت لك خيراً قط أُريدك به إلاّ إنّك رزقتني مالاً فكنت أتوسّع على المعسر. وأنظر المعسر، فيقول الله عزّ وجلّ: أنا أحق بذلك منك فتجاوزوا عن عبدي. قال: فقال أبو مسعود الانصاري: فاشهد على رسول الله أنّه سمعه منه. الأعمش عن أبي داود عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مَنْ أنظر معسراً كان له بكل يوم صدقة ثم قال بعد ذلك: "مَنْ أنظر معسراً كان له بكلّ يوم مثل الذي أنظره صدقة" قال: فقلت: يارسول الله قلت: مَنْ أنظر معسراً فله بكلّ يوم صدقة، ثم قلت: من أنظر معسراً كان له بكلّ يوم مثل الذي أنظره صدقة. قال: «إن قولي بكل يوم صدقة قبل الأجل، وقولي بكل يوم مثل الذي أنظره صدقة بعد الأجل" تفسير : وعن سعيد بن أبي سعيد عن أخيه عن أبيه: أن جابر بن عبد الله خرج إلى غريم له يتقاضاه فقال هاهنا (حقّي)، فقالوا: لا فتنحّى فلم يلبث أن خرج مستحيياً منه فقال: ما حملك على أن تحبسني حقّي وتغيّب وجهك عنّي؟ قال: العسرة، قال: قال الله: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ}، فأخرج كتابه فمحاه. فصل في الدَّين جعفر بن محمد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنّ الله عزّ وجلّ مع الدائن حتّى يقضي دينه مالم يكن فيما يكره الله عزّ وجلّ" تفسير : قال: فكان عبد الله بن جعفر يقول لخازنه: أذهب فخذ لنا بدين فإني أكره أن أبيت ليلة إلاّ والله عزّ وجلّ معي منذ سمعت هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. عطاء بن يسّار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ أدان ديناً وهو ينوي أن لا يؤدّيه فهو سارق ". تفسير : عثمان بن عبد الله عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه: "حديث : إنّ رجلاً أتى به النبيّ صلى الله عليه وسلم ليصلّي عليه، فقال: "صلّوا على صاحبكم فإنّ عليه ديناً" قال أبو قتادة: فأنا أكفل به، قال: "بالوفاء"، قال بالوفاء فصلّى عليه وكان عليه ثمانية عشر درهماً أو سبعة عشر درهما ". تفسير : وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أعوذ بالله من الكفر والدين" فقال رجل: يارسول الله يعدل الدين بالكفر؟ قال: "نعم ". تفسير : وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدين راية الله في الأرض، فإذا أراد أن يذلّ عبده ابتلاه بالدين وجعله في عنقه"تفسير : . وعن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من خطيئة أعظم عند الله بعد الكبائر من أن يموت الرجل وعليه أموال الناس ديناً في عنقه لا يوجد لها قضاء ". تفسير : يزيد بن أبي خالد عن ابن أيوب عن أنس بن مالك: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إياكم والدين فإنّه هم بالليل ومذلّة بالنهار ". تفسير : {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} قرأ أبو بحرية وابو عمرو وسلام ويعقوب: {تُرْجَعُونَ} بفتح التاء واعتبروا بقراءة أُبيّ (فاتقوا يوماً تصيرون فيه إلى الله). وقرأ الآخرون بضمّ التاء إعتباراً بقراءة عبد الله. (واتقوا يوماً تُردّون فيه إلى الله). {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} قال: هذه آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جبرائيل: ضعها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة. سفيان عن عاصم عن الشعبي عن ابن عباس قال: [هذه] آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل في تفصيل آخر ما نزل من القرآن قال المفسّرون: "حديث : لمّا نزلت هذه الآية {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30] قال رسول الله( صلى الله عليه وسلم ): "ليتني أعلم متّى يكون ذلك" فأنزل الله تعالى سورة النصر، فكان رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) بعد نزول هذه السورة يسكت من التكبير والقراءة فيقول فيها: "سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه" فقيل: إنّك لم تكن تقوله يا رسول الله قبل هذا، قال: "إنّها نفسي نعيت إلي" ثمّ بكى بكاء شديداً فقيل: يا رسول الله أو تبكي من الموت وقد عفا الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر، قال: فأين هول المطلع فأين ضيق القبر وظلمة اللحد فأين القيامة والأهوال" تفسير : فعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر ثم لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجّة الوداع نزلت عليه في الطريق {أية : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ} تفسير : [النساء: 176] إلى آخرها فسمّى آية الصيف. ثم نزل عليه وهو واقف بعرفة {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} تفسير : [المائدة: 3] الآية فعاش بعدها أحداً وثمانين يوماً، ثم نزلت عليه آيات الربا، ثم نزلت بعدها {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} وهي آخر آية نزلت من السماء، فعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحدا وعشرين يوماً. قال ابن جريج: تسع ليال. سعيد بن جبير ومقاتل: سبع ليال ثم مات يوم الأثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأوّل حين زاغت الشمس سنة أحدى عشرة من الهجرة وأحدى من مُلك أردشير شيرون بن أبرويز بن هرمز بن نوشروان.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقلنا: إن كلمة "أجر" تقتضي أنه لا يوجد مخلوق يملك سلعة، إنما كلنا مستأجرون، لماذا؟ لأننا نشغل المخ المخلوق لله، بالطاقة المخلوقة لله، في المادة المخلوقة لله، فماذا تملك أنت أيها الإنسان إلا عملك، وما دمت لا تملك إلا عملك فلك أجر {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} [البقرة: 277]. وكلمة "عند ربهم" لها ملحظ؛ فعندما يكون لك الأجر عند المساوي لك قد يأكلك، أما أجرك عند رب تولّى هو تربيتك، فلن يضيع أبداً. ويتابع الحق: {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 277] لا من أنفسهم على أنفسهم، ولا من أحبابهم عليهم، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 277]؛ لأن أي شيء فاتهم من الخير سيجدونه مُحضراً أمامهم. وبعد ذلك يقول الحق: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):