٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
278
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: إعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن من انتهى عن الربا فله ما سلف فقد كان يجوز أن يظن أنه لا فرق بين المقبوض منه وبين الباقي في ذمة القوم، فقال تعالى في هذه الآية {وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرّبَوٰاْ } وبين به أن ذلك إذا كان عليهم ولم يقبض، فالزيادة تحرم، وليس لهم أن يأخذوا إلا رؤوس أموالهم، وإنما شدد تعالى في ذلك، لأن من انتظر مدة طويلة في حلول الأجل، ثم حضر الوقت وظن نفسه على أن تلك الزيادة قد حصلت له، فيحتاج في منعه عنه إلى تشديد عظيم، فقال: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } واتقاؤه ما نهى عنه {وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرّبَوٰاْ } يعني إن كنتم قد قبضتم شيئاً فيعفو عنه، وإن لم تقبضوه، أو لم تقبضوا بعضه، فذلك الذي لم تقبضوه كلا كان، أو بعضاً، فإنه محرم قبضه. وإعلم أن هذه الآية أصل كبير في أحكام الكفار إذا أسلموا، وذلك لأن ما مضى في وقت الكفر فإنه يبقى ولا ينقص، ولا يفسخ، وما لا يوجد منه شيء في حال الكفر فحكمه محمول على الإسلام، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم ولا يجوز في الإسلام فهو عفو لا يتعقب، وإن كان النكاح وقع على محرم فقبضته المرأة فقد مضى، وإن كانت لم تقبضه فلها مهر مثلها دون المهر المسمى، هذا مذهب الشافعي رضي الله عنه. فإن قيل: كيف قال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ } ثم قال في آخره {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }. الجواب: من وجوه الأول: أن هذا مثل ما يقال: إن كنت أخاً فأكرمني، معناه: إن من كان أخا أكرم أخاه والثاني: قيل: معناه إن كنتم مؤمنين قبله الثالث: إن كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان الرابع: يا أيها الذين آمنوا بلسانهم ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بقلوبكم. المسألة الثانية: في سبب نزول الآية روايات: الرواية الأولى: أنها خطاب لأهل مكة كانوا يرابون فلما أسلموا عند فتح مكة أمرهم الله تعالى أن يأخذوا رؤوس أموالهم دون الزيادة. والرواية الثانية: قال مقاتل: إن الآية نزلت في أربعة أخوة من ثقيف: مسعود، وعبد يا ليل، وحبيب، وربيعة، بنو عمرو بن عمير الثقفي كانوا يداينون بني المغيرة، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف أسلم الأخوة، ثم طالبوا برباهم بني المغيرة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. والرواية الثالثة: نزلت في العباس، وعثمان بن عفان رضي الله عنهما وكانا أسلفا في التمر، فلما حضر الجداد قبضا بعضاً، وزاد في الباقي فنزلت الآية، وهذا قول عطاء وعكرمة. الرواية الرابعة: نزلت في العباس وخالد بن الوليد، وكانا يسلفان في الربا، وهو قول السدي. المسألة الثالثة: قال القاضي: قوله {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } كالدلالة على أن الإيمان لا يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة وإنما يصير مؤمناً بالإطلاق إذا اجتنب كل الكبائر. والجواب: لما دلّت الدلائل الكثيرة المذكورة في تفسير قوله {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [البقرة: 3] على أن العمل خارج عن مسمى الإيمان كانت هذه الآية محمولة على كمال الإيمان وشرائعه، فكان التقدير: إن كنتم عاملين بمقتضى شرائع الإيمان، وهذا وإن كان تركاً للظاهر لكنا ذهبنا إليه لتلك الدلائل. ثم قال تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة {فَآذَنُواْ } مفتوحة الألف ممدودة مكسورة الذال على مثال {فَـآمِنُواْ } والباقون {فأذَنُواْ } بسكون الهمزة مفتوحة الذال مقصورة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن علي رضي الله عنه أنهما قرآ كذلك {فَآذَنُواْ } ممدودة، أي فاعلموا من قوله تعالى: {أية : فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَاء } تفسير : [الأنبياء: 109] ومفعول الإيذان محذوف في هذه الآية، والتقدير: فاعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من الله ورسوله، وإذا أمروا بإعلام غيرهم فهم أيضاً قد علموا ذلك لكن ليس في علمهم دلالة على إعلام غيرهم، فهذه القراءة في البلاغة آكد، وقال أحمد بن يحيى: قراءة العامة من الاذن، أي كونوا على علم وإذن، وقرأ الحسن {فأيقنوا} وهو دليل لقراءة العامة. المسألة الثانية: اختلفوا في أن الخطاب بقوله {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ٱللَّهِ } خطاب مع المؤمنين المصرين على معاملة الربا، أو هو خطاب مع الكفار المستحلين للربا، الذين قالوا إنما البيع مثل الربا، قال القاضي: والاحتمال الأول أولى، لأن قوله {فَأْذَنُواْ } خطاب مع قوم تقدم ذكرهم، وهم المخاطبون بقوله {يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرّبَوٰاْ } وذلك يدل على أن الخطاب مع المؤمنين. فإن قيل: كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين؟ قلنا: هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل، كما جاء في الخبر «حديث : من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة» تفسير : وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله» تفسير : وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا جَزَاءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } تفسير : [المائدة: 33] أصلاً في قطع الطريق من المسلمين، فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب الله وفي سنّة رسوله. إذا عرفت هذا فنقول: في الجواب عن السؤال المذكور وجهان الأول: المراد المبالغة في التهديد دون نفس الحرب والثاني: المراد نفس الحرب وفيه تفصيل، فنقول: الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص وقدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى فيه حكم الله من التعزير والحبس إلى أن تظهر منه التوبة، وإن وقع ممن يكون له عسكر وشوكة، حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية وكما حارب أبو بكر رضي الله عنه ما نعي الزكاة، وكذا القوم لو اجتمعوا على ترك الأذان، وترك دفن الموتى، فإنه يفعل بهم ما ذكرناه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من عامل بالربا يستتاب فإن تاب وإلا ضُرِبت عنقه. والقول الثاني: في هذه الآية أن قوله {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ} [البقرة: 279] خطاب للكفار، وأن معنى الآية {وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرّبَوٰاْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } [البقرة: 278] معترفين بتحريم الربا {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } أي فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } ومن ذهب إلى هذا القول قال: إن فيه دليلاً على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام كان كافراً، كما لو كفر بجميع شرائعه. ثم قال تعالى: {وَإِن تُبتُمْ } والمعنى على القول الأول تبتم من معاملة الربا، وعلى القول الثاني من استحلال الربا {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } أي لا تظلمون الغريم بطلب الزيادة على رأس المال، ولا تظلمون أي بنقصان رأس المال. ثم قال تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال النحويون {كَانَ } كلمة تستعمل على وجوه أحدها: أن تكون بمنزلة حدث ووقع، وذلك في قوله: قد كان الأمر، أي وجد، وحينئذ لا يحتاج إلى خبر والثاني: أن يخلع منه معنى الحدث، فتبقى الكلمة مجردة للزمان، وحينئذ يحتاج إلى الخبر، وذلك كقوله: كان زيد ذاهباً. واعلم أني حين كنت مقيماً بخوارزم، وكان هناك جمع من أكابر الأدباء، أوردت عليهم إشكالاً في هذا الباب فقلت: إنكم تقولون إن {كَانَ } إذا كانت ناقصة إنها تكون فعلاً وهذا محال، لأن الفعل ما دلّ على اقتران حدث بزمان، فقولك {كَانَ } يدل على حصول معنى الكون في الزمان الماضي، وإذا أفاد هذا المعنى كانت تامة لا ناقصة، فهذا الدليل يقتضي أنها إن كانت فعلاً كانت تامة لا ناقصة، وإن لم تكن تامة لم تكن فعلاً ألبتة بل كانت حرفاً، وأنتم تنكرون ذلك، فبقوا في هذا الإشكال زماناً طويلاً، وصنفوا في الجواب عنه كتباً، وما أفلحوا فيه ثم انكشف لي فيه سر أذكره هٰهنا وهو أن كان لا معنى له إلا حدث ووقع ووجد، إلا أن قولك وجد وحدث على قسمين أحدها: أن يكون المعنى: وجد وحدث الشيء كقولك: وجد الجوهر وحدث العرض والثاني: أن يكون المعنى: وجد وحدث موصوفية الشيء بالشيء، فإذا قلت: كان زيد عالماً فمعناه حدث في الزمان الماضي موصوفية زيد بالعلم، والقسم الأول هو المسمى بكان التامة والقسم الثاني هو المسمى بالناقصة، وفي الحقيقة فالمفهوم من {كَانَ } في الموضعين هو الحدوث والوقوع، إلا أن في القسم الأول المراد حدوث الشيء في نفسه، فلا جرم كان الاسم الواحد كافياً، والمراد في القسم الثاني حدوث موصوفية أحد الأمرين بالآخر، فلا جرم لم يكن الاسم الواحد كافياً، بل لا بد فيه من ذكر الاسمين حتى يمكنه أن يشير إلى موصوفية أحدهما بالآخر، وهذا من لطائف الأبحاث، فأما إن قلنا إنه فعل كان دالاً على وقوع المصدر في الزمان الماضي، فحينئذ تكون تامة لا ناقصة، وإن قلنا: إنه ليس بفعل بل حرف فكيف يدخل فيه الماضي والمستقبل والأمر، وجميع خواص الأفعال، وإذا حمل الأمر على ما قلناه تبين أنه فعل وزال الإشكال بالكلية. المفهوم الثالث: لكان يكون بمعنى صار، وأنشدوا: شعر : بتيهاء قفر والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها تفسير : وعندي أن هذا اللفظ هٰهنا محمول على ما ذكرناه، فإن معنى صار أنه حدث موصوفية الذات بهذه الصفة بعد أنها ما كانت موصوفة بذلك، فيكون هنا بمعنى حدث ووقع، إلا أنه حدوث مخصوص، وهو أنه حدث موصوفية الذات بهذه الصفة بعد أن كان الحاصل موصوفية الذات بصفة أخرى. المفهوم الرابع: أن تكون زائدة وأنشدوا: شعر : سراة بني أبي بكر تسامى على كان المسومة الجياد تفسير : إذا عرفت هذه القاعدة فلنرجع إلى التفسير فنقول: في {كَانَ } في هذه الآية وجهان الأول: أنها بمعنى وقع وحدث، والمعنى: وإن وجد ذو عسرة، ونظيره قوله {إِلا أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً } بالرفع على معنى: وإن وقعت تجارة حاضرة، ومقصود الآية إنما يصح على هذا اللفظ وذلك لأنه لو قيل: وإن كان ذا عسرة لكان المعنى: وإن كان المشتري ذا عسرة فنظرة، فتكون النظرة مقصورة عليه، وليس الأمر كذلك، لأن المشتري وغيره إذا كان ذا عسرة فله النظرة إلى الميسرة الثاني: أنها ناقصة على حذف الخبر، تقديره وإن كان ذو عسرة غريماً لكم، وقرأ عثمان {ذَا عُسْرَةٍ } والتقدير: إن كان الغريم ذا عسرة، وقريء (وَمَن كَانَ ذَا عُسْرَةٍ). /المسألة الثانية: العسرة اسم من الأعسار، وهو تعذر الموجود من المال؛ يقال: أعسر الرجل، إذا صار إلى حالة العسرة، وهي الحالة التي يتعسر فيها وجود المال. ثم قال تعالى: {فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية حذف، والتقدير: فالحكم أو فالأمر نظرة، أو فالذي تعاملونه نظرة. المسألة الثانية: نظرة أي تأخير، والنظرة الاسم من الإنظار، وهو الإمهال، تقول: بعته الشيء بنظرة وبانظار، قال تعالى: {أية : قَالَ رَبّ أَنظِرْنِى إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } تفسير : [الحجر: 36، 37، 38]. المسألة الثالثة: قرىء {فَنَظِرَةٌ } بسكون الظاء، وقرأ عطاء (فناظره) أي فصاحب الحق أي منتظره، أو صاحب نظرته، على طريق النسب، كقولهم: مكان عاشب وباقل، أي ذو عشب وذو بقل، وعنه فناظره على الأمر أي فسامحه بالنظرة إلى الميسرة. المسألة الرابعة: الميسرة مفعلة من اليسر واليسار، الذي هو ضد الإعسار، وهو تيسر الموجود من المال، ومنه يقال: أيسر الرجل فهو موسر، أي صار إلى اليسر، فالميسرة واليسر والميسور الغنى. المسألة الخامسة: قرأ نافع {إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ } بضم السين والباقون بفتحها، وهما لغتان مشهورتان كالمقبرة، والمشرفة، والمشربة، والمسربة، والفتح أشهر اللغتين، لأنه جاء في كلامهم كثيراً. المسألة السادسة: اختلفوا في أن حكم الأنظار مختص بالربا أو عام في الكل، فقال ابن عباس وشريح والضحاك والسدي وإبراهيم: الآية في الربا، وذكر عن شريح أنه أمر بحبس أحد الخصمين فقيل: إنه معسر، فقال شريح: إنما ذلك في الربا، والله تعالى قال في كتابه {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا } تفسير : [النساء: 58] وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل قوله تعالى: {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } قالت الاخوة الأربعة الذين كانوا يعاملون بالربا: بل نتوب إلى الله فإنه لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله، فرضوا برأس المال وطلبوا بني المغيرة بذلك، فشكا بنو المغيرة العسرة، وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات، فأبوا أن يؤخروهم، فأنزل الله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ }. القول الثاني: وهو قول مجاهد وجماعة من المفسرين: إنها عامة في كل دين، واحتجوا بما ذكرنا من أنه تعالى قال: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } ولم يقل: وإن كان ذا عسرة، ليكون الحكم عاماً في كل المفسرين، قال القاضي: والقول الأول أرجح، لأنه تعالى قال في الآية المتقدمة {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم } من غير بخس ولا نقص، ثم قال في هذه الآية: وإن كان من عليه المال معسراً وجب إنظاره إلى وقت القدرة، لأن النظرة يراد بها التأخر، فلا بد من حق تقدم ذكره حتى يلزم التأخر، بل لما ثبت وجوب الإنظار في هذه بحكم النص، ثبت وجوبه في سائر الصور ضرورة الاشتراك في المعنى، وهو أن العاجز عن أداء المال لا يجوز تكليفه به، وهذا قول أكثر الفقهاء كأبي حنيفة ومالك والشافعي رضي الله عنهم. المسألة السابعة: اعلم أنه لا بد من تفسير الإعسار، فنقول: الإعسار هو أن لا يجد في ملكه ما يؤديه بعينه، ولا يكون له ما لو باعه لأمكنه أداء الدين من ثمنه، فلهذا قلنا: من وحد داراً وثياباً لا يعد في ذوي العسرة، إذا ما أمكنه بيعها وأداء ثمنها، ولا يجوز أن يحبس إلا قوت يوم لنفسه وعياله، وما لا بد لهم من كسوة لصلاتهم ودفع البرد والحر عنهم، واختلفوا إذا كان قوياً هل يلزمه أن يؤاجر نفسه من صاحب الدين أو غيره، فقال بعضهم: يلزمه ذلك، كما يلزمه إذا احتاج لنفسه ولعياله، وقال بعضهم: لا يلزمه ذلك، واختلفوا أيضاً إذا كان معسراً، وقد بذل غيره ما يؤديه، هل يلزمه القبول والأداء أو لا يلزمه ذلك، فأما من له بضاعة كسدت عليه، فواجب عليه أن يبيعها بالنقصان إن لم يكن إلا ذلك، ويؤديه في الدين. المسألة الثامنة: إذا علم الإنسان أن غريمه معسر حرم عليه حبسه، وأن يطالبه بما له عليه، فوجب الإنظار إلى وقت اليسار، فأما إن كانت له ريبة في إعساره فيجوز له أن يحبسه إلى وقت ظهور الإعسار، واعلم أنه إذا ادعى الإعسار وكذبه للغريم، فهذا الدين الذي لزمه إما أن يكون عن عوض حصل له كالبيع والقرض، أو لا يكون كذلك، وفي القسم الأول لا بد من إقامة شاهدين عدلين على أن ذلك العوض قد هلك، وفي القسم الثاني وهو أن يثبت الدين عليه لا بعوض، مثل إتلاف أو صداق أو ضمان، كان القول قوله وعلى الغرماء البينة لأن الأصل هو الفقر. ثم قال تعالى: {وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم {تَصَدَّقُواْ } بتخفيف الصاد والباقون بتشديدها، والأصل فيه: أن تتصدقوا بتاءين، فمن خفف حذف إحدى التاءين تخفيفاً، ومن شدد أدغم إحدى التاءين في الأخرى. المسألة الثانية: في التصدق قولان الأول: معناه: وأن تصدقوا على المعسر بما عليه من الدين إذ لا يصح التصدق به على غيره، وإنما جاز هذا الحذف للعلم به، لأنه قد جرى ذكر المعسر وذكر رأس المال فعلم أن التصدق راجع إليهما، وهو كقوله {أية : وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } تفسير : [البقرة: 237] والثاني: أن المراد بالتصدق الإنظار لقوله عليه السلام «حديث : لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة»تفسير : وهذا القول ضعيف، لأن الإنظار ثبت وجوبه بالآية الأولى، فلا بد من حمل هذه الآية على فائدة جديدة، ولأن قوله {خَيْرٌ لَّكُمْ } لا يليق بالواجب بل بالمندوب. المسألة الثالثة: المراد بالخير حصول الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة. ثم قال: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } وفيه وجوه الأول: معناه إن كنتم تعلمون أن هذا التصدق خير لكم إن عملتموه، فجعل العمل من لوازم العلم، وفيه تهديد شديد على العصاة والثاني: إن كنتم تعلمون فضل التصدق على الإنظار والقبض والثالث: إن كنتم تعلمون أن ما يأمركم به ربكم أصلح لكم. ثم قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } اعلم أن هذه الآية في العظماء الذين كانوا يعاملون بالربا وكانوا أصحاب ثروة وجلال وأنصار وأعوان وكان قد يجري منهم التغلب على الناس بسبب ثروتهم، فاحتاجوا إلى مزيد زجر ووعيد وتهديد، حتى يمتنعوا عن الربا، وعن أخذ أموال الناس بالباطل، فلا جرم توعدهم الله بهذه الآية، وخوفهم على أعظم الوجوه، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: هذه الآية آخر أية نزلت على الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك لأنه عليه السلام لما حج نزلت {أية : يَسْتَفْتُونَكَ } تفسير : [النساء: 127] وهي آية الكلالة، ثم نزل وهو واقف بعرفة {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } تفسير : [المائدة: 3] ثم نزل {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } [البقرة: 281] فقال جبريل عليه السلام: يا محمد ضعها على رأس ثمانين آية ومائتي آية من البقرة، وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحدا وثمانين يوماً، وقيل: أحداً وعشرين وقيل: سبعة أيام، وقيل: ثلاث ساعات. المسألة الثانية: قرأ أبو عمرو {تُرْجَعُونَ } بفتح التاء والباقون بضم التاء، واعلم أن الرجوع لازم، والرجع متعد، وعليه تخرج القراءتان. المسألة الثالثة: انتصب {يَوْماً } على المفعول به، لا على الظرف، لأنه ليس المعنى: واتقوا في هذا اليوم، لكن المعنى تأهبوا للقائه بما تقدمون من العمل الصالح، ومثله قوله {أية : فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدٰنَ شِيباً } تفسير : [المزمل: 17] أي كيف تتقون هذا اليوم الذي هذا وصفه مع الكفر بالله. المسألة الرابعة: قال القاضي: اليوم عبارة عن زمان مخصوص، وذلك لا يتقي، وإنما يتقي ما يحدث فيه من الشدة والأهوال واتقاء تلك الأهوال لا يمكن إلا في دار الدنيا بمجانبة المعاصي وفعل الواجبات، فصار قوله {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا } يتضمن الأمر بجميع أقسام التكاليف. المسألة الخامسة: الرجوع إلى الله تعالى ليس، المراد منه ما يتعلق بالمكان والجهة فإن ذلك محال على الله تعالى، وليس المراد منه الرجوع إلى علمه وحفظه، فإنه معهم أينما كانوا لكن كل ما في القرآن من قوله {تُرْجَعُونَ إِلَى ٱللَّهِ } له معنيان الأول: أن الإنسان له أحوال ثلاثة على الترتيب. فالحالة الأولى: كونهم في بطون أمهاتهم، ثم لا يملكون نفعهم ولا ضرهم، بل المتصرف فيهم ليس إلا الله سبحانه وتعالى. والحالة الثانية: كونهم بعد البروز عن بطون أمهاتهم، وهناك يكون المتكفل بإصلاح أحوالهم في أول الأمر الأبوين، ثم بعد ذلك يتصرف بعضهم في البعض في حكم الظاهر. والحالة الثالثة: بعد الموت وهناك لا يكون المتصرف فيهم ظاهراً في الحقيقة إلا الله سبحانه، فكأنه بعد الخروج عن الدنيا عاد إلى الحالة التي كان عليها قبل الدخول في الدنيا، فهذا هو معنى الرجوع إلى الله والثاني: أن يكون المراد يرجعون إلى ما أعد الله لهم من ثواب أو عقاب، وكلا التأويلين حسن مطابق للفظ. ثم قال: {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد أن كل مكلف فهو عند الرجوع إلى الله لا بد وأن يصل إليه جزاء عمله بالتمام، كما قال: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } تفسير : [الزلزلة: 7، 8] وقال: {أية : إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ أَوْ فِى ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان: 16] وقال: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حاسبين } تفسير : [الأنبياء: 47] وفي تأويل قوله {مَّا كَسَبَتْ } وجهان الأول: أن فيه حذفاً والتقدير جزاء ما كسبت والثاني: أن المكتسب هو ذلك الجزاء، لأن ما يحصله الرجل بتجارته من المال فإنه يوصف في اللغة بأنه مكتسبه، فقوله {تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } أي توفى كل نفس مكتسبها، وهذا التأويل أولى، لأنه مهما أمكن تفسير الكلام بحيث لا يحتاج فيه إلى الإضمار كان أولى. المسألة الثانية: الوعيدية يتمسكون بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق، وأصحابنا يتمسكون بها في القطع بعدم الخلود، لأنه لما آمن فلا بد وأن يصل ثواب الإيمان إليه، ولا يمكن ذلك إلا بأن يخرج من النار ويدخل الجنة. ثم قال: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } وفيه سؤال وهو أن قوله {تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } لا معنى له إلا أنهم لا يظلمون، فكان ذلك تكريراً. وجوابه: أنه تعالى لما قال: {تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } كان ذلك دليلاً على إيصال العذاب إلى الفساق والكفار، فكان لقائل أن يقول: كيف يليق بكرم أكرم الأكرمين أن يعذب عبيده فأجاب عنه بقوله {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } والمعنى أن العبد هو الذي أوقع نفسه في تلك الورطة لأن الله تعالى مكنه وأزاح عذره، وسهل عليه طريق الاستدلال، وأمهله فمن قصر فهو الذي أساء إلى نفسه، وهذا الجواب إنما يستقيم على أصول المعتزلة، وأما على أصول أصحابنا فهو أنه سبحانه مالك الخلق، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء وأراد لم يكن ظلماً، فكان قوله {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بعد ذكر الوعيد إشارة إلى ما ذكرناه. الحكم الثالث: من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع من هذه السورة آية المداينة.
البيضاوي
تفسير : {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرّبَوٰاْ} واتركوا بقايا ما شرطتم على الناس من الربا. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} بقلوبكم فإن دليله امتثال ما أمرتم به. روي: أنه كان لثقيف مال على بعض قريش، فطالبوهم عند المحل بالمال والربا. فنزلت.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بتقواه، ناهياً لهم عما يقربهم إلى سخطه، ويبعدهم عن رضاه، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي: خافوه وراقبوه فيما تفعلون {وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰاْ} أي: اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رؤوس الأموال، بعد هذا الإنذار {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: بما شرع الله لكم من تحليل البيع وتحريم الربا وغير ذلك، وقد ذكر زيد بن أسلم، وابن جريج، ومقاتل بن حيان، والسدي، أن هذا السياق نزل في بني عمرو بن عمير من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام، ودخلوا فيه، طلبت ثقيف أن تأخذه منهم، فتشاوروا وقالت بنو المغيرة: لا نؤدي الربا في الإسلام بكسب الإسلام، فكتب في ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰاْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} فقالوا: نتوب إلى الله، ونذر ما بقي من الربا، فتركوه كلهم، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار. قال ابن جريج: قال ابن عباس: {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ}، أي: استيقنوا بحرب من الله ورسوله، وتقدم من رواية ربيعة ابن كلثوم، عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، ثم قرأ: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} فمن كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه، كان حقاً على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع، وإلا ضرب عنقه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن وابن سيرين، أنهما قالا: والله إن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربا، وإنهم قد أذنوا بحرب من الله ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم، فإن تابوا، وإلا وضع فيهم السلاح. وقال قتادة: أوعدهم الله بالقتل كما يسمعون، وجعلهم بهرجاً أين ما أتوا، فإياكم ومخالطة هذه البيوع من الربا، فإن الله قد أوسع الحلال وأطابه، فلا يلجئنكم إلى معصيته فاقة، رواه ابن أبي حاتم. وقال الربيع بن أنس: أوعد الله آكل الربا بالقتل، رواه ابن جرير. وقال السهيلي: ولهذا قالت عائشة لأم محبة مولاة زيد بن أرقم في مسألة العينة: أخبريه أن جهاده مع النبي صلى الله عليه وسلم قد بطل إلا أن يتوب، فخصت الجهاد؛ لأنه ضد قوله: {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} قال: وهذا المعنى ذكره كثير، قال: ولكن هذا إسناده إلى عائشة ضعيف. ثم قال تعالى: { وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ} أي: بأخذ الزيادة {وَلاَ تُظْلَمُونَ} أي: بوضع رؤوس الأموال أيضاً، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه، ولا نقص منه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحسين بن أشكاب، حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان، عن شبيب بن غرقدة البارقي، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فقال: «حديث : ألا إن كل رباً كان في الجاهلية موضوع عنكم كله، لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون، وأول ربا موضوع ربا العباس بن عبد المطلب، موضوع كله»تفسير : كذا وجده سليمان بن الأحوص، وقد قال ابن مردويه: حدثنا الشافعي، حدثنا معاذ بن المثنى، أخبرنا مسدد، أخبرنا أبو الأحوص، حدثنا شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ألا إن كلَّ رباً من ربا الجاهلية موضوع، فلكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تُظلمون»تفسير : وكذا رواه من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أبي حرّة الرقاشي عن عمر، وهو ابن خارجة، فذكره. وقوله: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} يأمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، فقال: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حل عليه الدين: إما أن تقضي، وإما أن تربي ثم يندب إلى الوضع عنه، ويعد على ذلك الخير والثواب الجزيل، فقال: {وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: وأن تتركوا رأس المال بالكلية، وتضعوه عن المدين، وقد وردت الأحاديث من طرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. (فالحديث الأول) عن أبي أمامة أسعد بن زرارة. قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن شعيب الرجاني، حدثنا يحيى بن حكيم المقوم، حدثنا محمد بن بكر البرساني، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثني عاصم بن عبيد الله، عن أبي أمامة أسعد بن زرارة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله، فلييسر على معسر، أو ليضع عنه».تفسير : (حديث آخر) عن بريدة. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا محمد بن جحادة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من أنظر معسراً فله بكل يوم مثله صدقة»تفسير : قال: ثم سمعته يقول: «حديث : من أنظر معسراً فله بكل يوم مثلاه صدقة»تفسير : قلت: سمعتك يا رسول الله تقول: «حديث : من أنظر معسراً فله بكل يوم مثله صدقة»تفسير : ، ثم سمعتك تقول: «حديث : من أنظر معسراً فله بكل يوم مثلاه صدقة»تفسير : ، قال: «حديث : له بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين، فأنظره، فله بكل يوم مثلاه صدقة».تفسير : (حديث آخر) عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري. قال أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو جعفر الخطمي، عن محمد بن كعب القرظي، أن أبا قتادة كان له دين على رجل، وكان يأتيه يتقاضاه فيختبىء منه، فجاء ذات يوم، فخرج صبي، فسأله عنه، فقال: نعم هو في البيت يأكل خزيرة، فناداه، فقال: يا فلان اخرج، فقد أخبرت أنك هاهنا، فخرج إليه، فقال: ما يغيبك عني؟ فقال: إني معسر، وليس عندي شيء، قال: آلله إنك معسر؟ قال: نعم، فبكى أبو قتادة، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من نفس عن غريمه، أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة»تفسير : ، ورواه مسلم في صحيحه. (حديث آخر) عن حذيفة بن اليمان. قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا الأخنس أحمد بن عمران، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن ربعي بن حِراش، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتي الله بعبد من عبيده يوم القيامة قال: ماذا عملت في الدينا؟ فقال: ما عملت لك يا رب مثقال ذرة في الدنيا أرجوك بها ـ قالها ثلاث مرات ـ قال العبد عند آخرها: يا رب إنك كنت أعطيتني فضل مال، وكنت رجلاً أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز، فكنت أيسر على الموسر، وأنظر المعسر، قال: فيقول الله عز وجل: أنا أحق من ييسر، ادخل الجنة»تفسير : . وقد أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه من طرق عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، زاد مسلم: وعقبة بن عامر وأبي مسعود البدري عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، ولفظ البخاري: حدثنا هشام ابن عمار، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسراً قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل الله يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه».تفسير : (حديث آخر) عن سهل بن حنيف. قال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، حدثنا عمرو بن ثابت، حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الله بن سهل بن حنيف، أن سهلاً حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أعان مجاهداً في سبيل الله، أو غازياً، أو غارماً في عسرته، أو مكاتباً في رقبته، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»تفسير : ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. (حديث آخر) عن عبد الله بن عمر. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد ابن عبيد، عن يوسف بن صهيب، عن زيد العميّ عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أراد أن تستجاب دعوته، وأن تكشف كربته، فليفرج عن معسر»تفسير : . انفرد به أحمد. (حديث آخر) عن أبي مسعود عقبة بن عمرو. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو مالك عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، أن رجلاً أتي به الله عز وجل، فقال: ماذا عملت في الدنيا؟ فقال له الرجل: ما عملت مثقال ذرة من خير، فقال له ثلاثاً، وقال في الثالثة: إني كنت أعطيتني فضلاً من المال في الدنيا، فكنت أبايع الناس، فكنت أيسر على الموسر، وأنظر المعسر. فقال تبارك وتعالى: نحن أولى بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي، فغفر له. فقال أبو مسعود: هكذا سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا رواه مسلم من حديث أبي مالك سعد بن طارق به. (حديث آخر) عن عمران بن حصين. قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي داود، عن عمران بن حصين قال، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كان له على رجل حق فأخره، كان له بكل يوم صدقة»تفسير : ، غريب من هذا الوجه، وقد تقدم عن بريدة نحوه. (حديث آخر) عن أبي اليسر كعب بن عمرو. قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، قال: حدثنا أبو اليسر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أنظر معسراً، أو وضع عنه، أظله الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله»تفسير : . وقد أخرجه مسلم في صحيحه من وجه آخر من حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه غلام له معه ضمامة من صحف، وعلى أبي اليسر بردة ومعافري، وعلى غلامه بردة ومعافري، فقال له أبي: يا عم إني أرى في وجهك سفعة من غضب، قال: أجل، كان لي على فلان بن فلان ـ الحرامي ـ مال، فأتيت أهله، فسلمت، فقلت: أثم هو؟ قالوا: لا، فخرج عليَّ ابن له جفر، فقلت: أين أبوك؟ فقال: سمع صوتك، فدخل أريكة أمي، فقلت: اخرج إلي، فقد علمت أين أنت، فخرج، فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك، خشيت والله أن أحدثك فأكذبك، أو أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت والله معسراً. قال: قلت: آلله قال: قلت: آلله قال: الله، قلت: آلله؟ قال: الله، قال: فأتى بصحيفته، فمحاها بيده، ثم قال: فإن وجدت قضاء فاقضني، وإلا فأنت في حل، فأشهد؛ بصر عينيَّ هاتين ـ ووضع أصبعيه على عينيه ـ وسمع أذنيّ هاتين، ووعاه قلبي - وأشار إلى نياط قلبه ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «حديث : من أنظر معسراً، أو وضع عنه، أظله الله في ظله»تفسير : . وذكر تمام الحديث. (حديث آخر) عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان. قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبو يحيى البزاز محمد بن عبد الرحيم، حدثنا الحسن بن بشر بن سلم الكوفي، حدثنا العباس بن الفضل الأنصاري، عن هشام بن زياد القرشي، عن أبيه، عن محجن مولى عثمان، عن عثمان، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أظل الله عيناً في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ من أنظر معسراً، أو ترك لغارم».تفسير : (حديث آخر) عن ابن عباس. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا نوح بن جعونة السلمي الخراساني، عن مقاتل بن حيان، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، وهو يقول بيده: هكذا، وأومأ عبد الرحمن بيده إلى الأرض: «حديث : من أنظر معسراً، أو وضع عنه، وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حزن بربوة ـ ثلاثاً ـ ألا إن عمل النار سهل بسهوة، والسعيد من وقي الفتن، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيماناً»تفسير : تفرد به أحمد. (طريق آخر) قال الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد البوراني قاضي الحديثة من ديار ربيعة، حدثنا الحسين بن علي الصدائي، حدثنا الحكم بن الجاورد، حدثنا ابن أبي المتئد خال ابن عيينة، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أنظر معسراً إلى ميسرته، أنظره الله بذنبه إلى توبته».تفسير : ثم قال تعالى يعظ عباده، ويذكرهم زوال الدنيا، وفناء ما فيها من الأموال وغيرها، وإتيان الآخرة، والرجوع إليه تعالى، ومحاسبته تعالى خلقه على ما عملوا، ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر، ويحذرهم عقوبته، فقال: {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}، وقد روي أن هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن العظيم، فقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: آخر ما نزل من القرآن كله: {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}، وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، رواه ابن أبي حاتم، وقد رواه ابن مردويه من حديث المسعودي عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: آخر آية نزلت: {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} وقد رواه النسائي من حديث يزيد النحوي، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، قال: آخر شيء نزل من القرآن: {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}، وكذا رواه الضحاك والعوفي عن ابن عباس، وروى الثوري عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: آخر آية نزلت: {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} فكان بين نزولها وموت النبي صلى الله عليه وسلم واحد وثلاثون يوماً، وقال ابن جريج: قال ابن عباس: آخر آية نزلت {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} الآية يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم عاش بعدها تسع ليال وبدىء يوم السبت ومات يوم الاثنين، رواه ابن جرير، ورواه ابن عطية عن أبي سعيد، قال: آخر آية نزلت: { وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ } اتركوا {مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰاْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } صادقين في إيمانكم فإنّ من شأن المؤمنين امتثال أمر الله تعالى، نزلت لما طالب بعض الصحابة بعد النهي برباً كان لهم قبل.
الشوكاني
تفسير : قوله: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أي: قوا أنفسكم من عقابه، واتركوا البقايا التي بقيت لكم من الربا، وظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضاً. قوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } قيل: هو شرط مجازي على جهة المبالغة، وقيل: إنَّ «إنّ» في هذه الآية بمعنى "إذ". قال ابن عطية: وهو مردود لا يعرف في اللغة، والظاهر أن المعنى: إن كنتم مؤمنين على الحقيقة، فإن ذلك يستلزم امتثال أوامر الله ونواهيه. قوله: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } يعني ما أمرتم به من الاتقاء، وترك ما بقي من الربا {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } أي: فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به، قيل: هو من الإذن بالشيء، وهو الاستماع، لأنه من طرق العلم. وقرأ أبو بكر عن عاصم، وحمزة: {فأذنوا} على معنى فأعلموا غيركم أنكم على حربهم، وقد دلت هذه على أن أكل الربا، والعمل به من الكبائر، ولا خلاف في ذلك، وتنكير الحرب للتعظيم، وزادها تعظيماً نسبتها إلى اسم الله الأعظم، وإلى رسوله الذي هو: أشرف خليقته. قوله: {فَإِن تُبْتُمْ } أي من الربا {فَلَكُمْ رُءوسُ أَمْوٰلِكُمْ } تأخذونها {لاَ تَظِلَمُونَ } غرماءكم بأخذ الزيادة {وَلاَ تُظْلَمُونَ } أنتم من قبلهم بالمطل، والنقص، والجملة حالية، أو استئنافية. وفي هذا دليل على أن أموالهم مع عدم التوبة حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم. قوله: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } لما حَكَم سبحانه لأهل الربا برءوس أموالهم عند الواجدين للمال حكم في ذوي العسرة بالنظرة إلى يسار، والعسرة: ضيق الحال من جهة عدم المال، ومنه جيش العسرة. والنظرة: التأخير، والميسرة مصدر بمعنى اليسر، وارتفع {ذو} بكان التامة التي بمعنى وجد، وهذا قول سيبويه، وأبي عليّ الفارسي، وغيرهما. وأنشد سيبويه:شعر : فِدىً لبني ذُهْلِ بن شَيْبَان يا فتى إذا كان يومٌ ذو كواكب أَشْهَبُ تفسير : وفي مصحف أبيّ: «وإن كان ذا عسرة» على معنى: وإن كان المطلوب ذا عسرة. وقرأ الأعمش: «وإن كان معسراً». قال أبو عمرو الداني، عن أحمد بن موسى، وكذلك في مصحف أبيّ بن كعب. وروى المعتمر، عن حجاج الوراق، قال في مصحف عثمان: {وَإِن كَانَ ذَاعُسْرَةٍ } قال النحاس، ومكي، والنقاش: وعلى هذا يختص لفظ الآية بأهل الربا، وعلى من قرأ: «ذو» فهي عامة في جميع مَنْ عليه دين، وإليه ذهب الجمهور. وقرأ الجماعة: {فَنَظِرَةٌ } بكسر الظاء. وقرأ مجاهد، وأبو رجاء، والحسن بسكونها، وهي لغة تميم. وقرأ نافع، وحده: {مَيْسَرَةٍ } بضم السين، والجمهور بفتحها، وهي اليسار. قوله: {وَأَن تَصَدَّقُواْ } بحذف إحدى التاءين، وقريء بتشديد الصاد، أي: وأن تصدقوا على معسري غرمائكم بالإبراء خير لكم، وفيه الترغيب لهم بأن يتصدقوا برءوس أموالهم على من أعسر، وجعل ذلك خيراً من إنظاره، قاله السدي، وابن زيد، والضحاك. قال الطبري: وقال آخرون: معنى الآية: وأن تصدقوا على الغنيّ، والفقير خير لكم. والصحيح الأوّل، وليس في الآية مدخل للغنيّ. قوله: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } جوابه محذوف، أي: إن كنتم تعلمون أنه خير لكم عملتم به. قوله: {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا } هو يوم القيامة، وتنكيره للتهويل، وهو منصوب على أنه مفعول به لا ظرف. وقوله: {تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } وصف له. وقرأ أبو عمر، وبفتح التاء، وكسر الجيم، والباقون بضم التاء، وفتح الجيم، وذهب قوم إلى أن هذا اليوم المذكور هو يوم الموت. وذهب الجمهور إلى أنه يوم القيامة، كما تقدّم. وقوله: {إِلَى ٱللَّهِ } فيه مضاف محذوف تقديره إلى حكم الله {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ } من النفوس المكلفة {مَّا كَسَبَتْ } أي: جزاء ما عملت من خير، أو شرّ، وجملة: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } حالية، وجمع الضمير؛ لأنه أنسب بحال الجزاء، كما أن الإفراد أنسب بحال الكسب، وهذ الآية فيها الموعظة الحسنة لجميع الناس. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرّبَوٰاْ } قال: نزلت في العباس بن عبد المطلب، ورجل من بني المغيرة، كانا شريكين في الجاهلية يسلفان الربا إلى ناس من ثقيف، فجاء الإسلام، ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج، قال: كانت ثقيف قد صالحت النبي صلى الله عليه وسلم على أن ما لهم من ربا على الناس، وما كان للناس عليهم من ربا، فهو موضوع، فلما كان الفتح استعمل عتاب بن أسيد على مكة، وكانت بنو عمرو بن عوف يأخذون الربا من بني المغيرة، وكان بنو المغيرة يربون لهم في الجاهلية، فجاء الإسلام، ولهم عليهم مال كثير، فأتاهم بنو عمرو، يطلبون رباهم، فأبى بنو المغيرة أن يعطوهم في الإسلام، ورفعوا ذلك إلى عتاب بن أسيد، فكتب عتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرّبَوٰاْ } فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتَّاب، وقال: حديث : إن رضوا، وإلا فأذنهم بحرب. تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ } قال: من كان مقيماً على الربا لا ينزع منه، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع، وإلا ضرب عنقه. وأخرجوا أيضاً عنه في قوله: {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ } قال: استيقنوا بحرب، وأخرج أهل السنن، وغيرهم عن عمرو بن الأحوص، أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : ألا إنّ كل ربا في الجاهلية موضوع، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون، ولا تظلمون، وأول ربا موضوع ربا العباس»تفسير : وأخرج ابن منده، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية في ربيعة بن عمرو، وأصحابه: {وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رُءوسُ أَمْوٰلِكُمْ }. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } قال: نزلت في الربا. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، عن شريح، نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن الضحاك في الآية، قال: وكذلك كل ديْنٍ على مسلم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، نحوه. وقد وردت أحاديث صحيحة في الصحيحين، وغيرهما في الترغيب لمن له دين على معسر أن ينظره. وأخرج أبو عبيد، وعبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي، عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم: {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } وأخرج ابن أبي شيبة، عن السدي، وعطية العُوفي مثله. وأخرج ابن الأنباري، عن أبي صالح، وسعيد بن جبير، مثله أيضاً وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنها آخر آية نزلت، وكان بين نزولها، وبين موت النبي صلى الله عليه وسلم إحدى وثمانون يوماً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير: أنه عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزولها تسع ليال، ثم مات.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ} يحتمل وجهين: أحدهما: يأ أيها الذين أمنوا بألسنتهم اتقوا الله بقلوبكم. والثاني: يأيها الذين أمنوا بقلوبهم اتقوا الله في أفعالكم. {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} فيمن نزلت هذه الآية قولان: أحدهما: أنها نزلت في ثقيف وكان بينهم وبين عامر وبني مخزوم، فتحاكموا فيه إلى عتاب بن أسيد بمكة وكان قاضياً عليها من قِبَل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: دخلنا في الإسلام على أن ما كان لنا من الربا فهو باق، وما كان علينا فهو موضوع، فنزل ذلك فيهم وكتب به رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم. والثاني أنها نزلت في بقية من الربا كانت للعباس ومسعود وعبد ياليل وحبيب بن ربيعة عند بني المغيرة. قوله عز وجل: {وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} محمول على أن مَنْ أربى قبل إسلامه، وقبض بعضه في كُفْرِه وأسلم وقد بقي بعضه، فما قبضه قبل إسلامه معفو عنه لا يجب عليه رد، وما بقي منه بعد إسلامه، حرام عليه لا يجوز له أخذه، فأما المراباة بعد الإسلام فيجب رَدُّه فيما قبض وبقي، فيرد ما قبض ويسقط ما بقي، بخلاف المقبوض في الكفر، لأن الإسلام يجبُّ ما قبله. وفي قوله تعالى: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} قولان: أحدهما: يعني أن من كان مؤمنا فهذا حكمه. والثاني: معناه إذا كنتم مؤمنين. قوله عز وجل: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا} يعني ترك ما بقي من الربا. {فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر فآذنوا بالمد، بمعنى: فأعلِموا غيركم، وقرأ الباقون بالقَصْر بمعنى فاعلموا أنتم، وفيه وجهان: أحدهما: إن لم تنتهوا عن الربا أموت النبي بحربكم. والثاني: إن لم تنتهوا عنه فأنتم حرب الله ورسوله، يعني أعداءه. {وَإِن تُبْتُم فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} يعني التي دفعتم {لاَ تَظْلِمُونَ} بأن تأخذوا الزيادة على رؤوس أموالكم، {وَلاَ تُظْلَمُونَ} بأن تمنعوا رؤوس أموالكم. قوله عز وجل: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} قيل إن في قراءة أُبَيٍّ {ذَا عُسْرَةٍ} وهو جائز في العربية. وفيه قولان: أحدهما: أن الإِنظار بالعسرة واجب في دَيْن الربا خاصّة، قاله ابن عباس، وشريح. والثاني: أنه عام يجب إنظاره بالعسرة في كل دَيْن، لظاهر الآية، وهو قول عطاء، والضحاك، وقيل إن الإِنظار بالعسرة في دَيْن الربا بالنص، وفي غيره من الديون بالقياس. وفي قوله: {إِلَى مَيْسَرَةٍ} قولان: أحدهما: مفعلة من اليسر، وهو أن يوسر، وهو قول الأكثرين. والثاني: إلى الموت، قاله إبراهيم النخعي. {وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} يعني وأن تصدقوا على المعسر بما عليه من الدّيْن خير لكم من أن تُنظروه، روى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال: كان آخر ما نزل من القرآن آية الربا، فدعوا الربا والرُّبْية، وإن نبي الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها. قوله عز وجل: {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} أي اتقوا بالطاعة فيما أمرتم به من ترك الربا وما بقي منه. و{يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} فيه قولان: أحدهما: يعني إلى جزاء الله. والثاني: إلى ملك الله. {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} فيه تأويلان: أحدهما: جزاء ما كسبت من الأعمال. والثاني: ما كسبت من الثواب والعقاب. {وهم لا يظلمون} يعني بنقصان ما يستحقونه من الثواب، ولا بالزيادة على ما يستحقونه من العقاب. روى ابن عباس أن آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية. قال ابن عباس: مكث بعدها سبع ليال.
ابن عطية
تفسير : سبب هذه الآية أنه كان الربا بين الناس كثيراً في ذلك الوقت، وكان بين قريش وثقيف ربا، فكان لهؤلاء على هؤلاء. فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال في خطبته في اليوم الثاني من الفتح: "حديث : ألا كل ربا في الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب" تفسير : ، فبدأ صلى الله عليه وسلم بعمه وأخص الناس به، وهذه من سنن العدل للإمام أن يفيض العدل على نفسه وخاصته، فيستفيض حينئذ في الناس، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واستعمل على مكة عتاب بن أسيد، فلما استنزل أهل الطائف بعد ذلك إلى الإسلام اشترطوا شروطاً، منها ما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها ما لم يعطه، وكان في شروطهم أن كل ربا لهم على الناس فإنهم يأخذونه، وكل ربا عليهم فهو موضوع، فيروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرر لهم هذه ثم ردها الله بهذه الآية، كما رد صلحه لكفار قريش في رد النساء إليهم عام الحديبية. وذكر النقاش رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يكتب في أسفل الكتاب لثقيف لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم، فلما جاءت آجال رباهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء، وكانت الديون لبني المغيرة وهم بنو عمرو بن عمير من ثقيف، وكانت لهم على بني المغيرة المخزوميين فقال بنو المغيرة لا تعطي شيئاً فإن الربا قد وضع، ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد بمكة، فكتب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية، وكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب فعلمت بها ثقيف فكفت، هذا سبب الآية على اختصار مجموع مما روى ابن إسحاق وابن جريج والسدي وغيرهم. فمعنى الآية، اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بترككم ما بقي لكم من ربا وصفحكم عنه. وقوله: {إن كنتم مؤمنين} شرط محض في ثقيف على بابه، لأنه كان في أول دخولهم في الإسلام وإذا قدرنا الآية فيمن تقرر إيمانه فهو شرط مجازي على جهة المبالغة، كما تقول لمن تريد إقامة نفسه: إن كنت رجلاً فافعل كذا، وحكى النقاش عن مقاتل بن سليمان أنه قال: {إن} في هذه الآية بمعنى إذ. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا مردود لا يعرف في اللغة، وقال ابن فورك: يحتمل أنه يريد {يا أيها الذين آمنوا} بمن قبل محمد من الأنبياء، {ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} بمحمد، إذ لا ينفع الأول إلا بهذا وهذا مردود بما روي في سبب الآية، ثم توعدهم تعالى إن لم يذروا الربا بحرب من الله ومن رسوله وأمته، والحرب داعية القتل، وروى ابن عباس أنه يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، وقال ابن عباس أيضاً: من كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستنيبه، فإن نزع والإ ضرب عنقه، وقال قتادة: أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بهرجاً أينما ثقفوا، ثم ردهم تعالى مع التوبة إلى رؤوس أموالهم، وقال لهم: {لا تَظلمون} في أخذ الربا {ولا تُظلمون} في أن يتمسك بشيء من رؤوس أموالكم، فتذهب أموالكم. ويحتمل أن يكون لا تظلمون في مطل، لأن مطل الغني ظلم، كما قال صلى الله عليه وسلم. فالمعنى أن يكون القضاء مع وضع الربا. وهكذا سنة الصلح، وهذا أشبه شيء بالصلح ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار على كعب ابن مالك في دين ابن أبي حدرد بوضع الشطر، فقال كعب: نعم يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للآخر: قم فاقضه، فتلقى العلماء أمره بالقضاء سنة في المصالحات، وقرأ الحسن "ما بقِيْ" بكسر القاف وإسكان الياء، وهذا كما قال جرير: [البسيط] شعر : هو الخليفةُ فارضوْا ما رَضَي لكُمُ ماضي العَزِيمَةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ تفسير : ووجهها أنه شبه الياء بالألف، فكما لا تصل الحركة إلى الألف فكذلك لم تصل هنا إلى الياء، وفي هذا نظر، وقرأ أبو السمال من "الرّبُوْ" بكسر الراء المشددة وضم الباء وسكون الواو، وقال أبو الفتح: شذ هذا الحرف في أمرين: أحدهما الخروج من الكسر إلى الضم بناء لازماً، والآخر وقوع الواو بعد الضمة في آخر الاسم، وهذا شيء لم يأت إلا في الفعل، نحو يغزو ويدعو وأما ذو الطائية بمعنى الذي فشاذة جداً، ومنهم من يغير واوها إذا فارق الرفع، فيقول رأيت ذا قام، ووجه القراءة أنه فخم الألف انتحاء بها الواو التي الألف بدل منها على حد قولهم، الصلاة والزكاة وهي بالجملة قراءة شاذة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر والكسائي: "فأذنَوا" مقصورة مفتوحة الذال، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: "فآذِنوا" ممدودة مكسورة الذال. قال سيبويه: آذنت أعلمت، وأذنت ناديت وصوت بالإعلام قال: وبعض يجري آذنت مجرى أذنت، قال أبو علي: من قال: "فأذنوا" فقصر، معناه فاعلموا الحرب من الله، قال ابن عباس وغيره من المفسرين: معناه فاستيقنوا الحرب من الله تعالى. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه وهي عندي من الإذن، وإذا أذن المرء في شيء فقد قرره وبنى مع نفسه عليه، فكأنه قال لهم فقرروا الحرب بينكم وبين الله ورسوله، ملزمهم من لفظ الآية أنهم مستدعو الحرب والباغون بها، إذ هم الآذنون بها وفيها، ويندرج في هذا المعنى الذي ذكرته علمهم بأنهم حرب وتيقنهم لذلك، قال أبو علي: ومن قرأ "فآذنوا" فمد، فتقديره فأعلموا من لم ينته عن ذلك بحرب، والمفعول محذوف، وقد ثبت هذا المفعول في قوله تعالى: {أية : فقل آذنتكم على سواء} تفسير : [الأنبياء: 109] وإذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم لا محالة، قال: ففي إعلامهم، وليس في علمهم إعلامهم غيرهم، فقراءة المد أرجح، لأنها أبلغ وآكد قال الطبري: قراءة القصر أرجح لأنها تختص بهم، وإنما أمروا على قراءة المد بإعلام غيرهم. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والقراءتان عندي سواء لأن المخاطب في الآية محضور بأنه كل من لم يذر ما بقي من الربا، فإن قيل لهم: "فأذنوا" فقد عمهم الأمر، وإن قيل لهم: "فآذنوا" بالمد فالمعنى أنفسكم وبعضكم بعضاً، وكأن هذه القراءة تقتضي فسحاً لهم في الارتياء والتثبيت أي فأعلموا نفوسكم هذا ثم انظروا في الأرجح لكم، ترك الربا أو الحرب، وقرأ جميع القراء "لا تَظلمون" بفتح التاء و"لا تُظلمون" بضمها وقد مضى تفسيره. وروى المفضل عن عاصم: لا "تُظلمون" بضم التاء في الأولى وفتحها في الثانية. قال أبو علي: وتترجح قراءة الجماعة فإنها تناسب قوله {فإن تبتم} في إسناد الفعلين إلى الفاعل فيجيء "تظلمون" بفتح التاء أشكل بما قبله.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَذَرُواْ مَا بَقِىَ} نزلت في بقية من الربا للعباس، ومسعود، وعبد يا ليل، وحبيب، وربيعة. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} على ظاهره، أو من كان مؤمناً فهذا حكمه.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ...}. حمله ابن عطية على أحد ثلاثة أمور: إما يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بمحمد دوموا على إيمانكم، وإما يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ في الظاهر اتقوا الله إن كنتم مؤمنين في الباطن، وإما يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ بموسى وعيسى آمنوا بمحمد.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰاْ...} الآية: سبَبُ هذه الآيةِ أنه لما افتتح النبيُّ صلى الله عليه وسلم مكَّة، قال في خُطْبَتِهِ اليَوْمَ الثانِيَ من الفَتْح: «حديث : ألا كُلُّ رِباً فِي الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِباً أَضَعُهُ رِبَا العَبَّاسِ» تفسير : فبدأ صلى الله عليه وسلم بعَمِّه، وأخَصِّ الناسِ به، وهذه من سنن العَدْلِ للإِمام أنْ يفيض العَدْل على نَفْسه وخاصَّته، فيستفيض في النَّاس، ثم رجع رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم إِلى المدينةِ، وٱستعملَ علَىٰ مكَّة عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ، فلمَّا ٱستنزل صلى الله عليه وسلم أهْلَ الطائِفِ بَعْد ذلك إِلى الإِسْلامِ، ٱشترطوا شُرُوطاً، وكان في شروطهم: أنَّ كُلَّ رباً لهم على النَّاسِ؛ فإِنهم يأخذونه، وكُلُّ رباً علَيْهم، فهو موضُوعٌ، فيروَىٰ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَرَّر لهم هذه، ثم ردَّها اللَّه بهذه الآية؛ كما ردَّ صُلْحَه لكُفَّار قُرَيْش في ردِّ النِّسَاءِ إِليهم عامَ الحُدَيْبِية، وذكَرَ النَّقَّاش روايةً؛ "حديث : أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ فِي أَسْفَلِ الكِتَابِ لِثَقِيفٍ: «لَكُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيهِمْ»"تفسير : ، فلما جاءَتْ آجال رِبَاهُمْ، بعثوا إِلى مكَّة لِلاقتضاءِ، وكانَتْ علَىٰ بني المُغِيرَةِ للمَخْزُومِيِّينَ، فقال بنو المُغِيرَةِ: لا نُعْطِي شَيئاً؛ فإِن الربَا قد وُضِعَ، ورفعوا أمرهم إِلى عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ بمكَّة، فَكَتَب به إِلَىٰ رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم فَنَزَلَتِ الآية، وكتَبَ بها رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم إِلَىٰ عتَّابٍ، فعلمتْ بها ثقيفٌ، فكَفَّت: هذا سببُ الآية على اختصارٍ ممَّا روى ابْنُ إِسحاق، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ وغيرهم. فمعنى الآية: اجعلوا بينكم وبيْنَ عذابِ اللَّهِ وقايةً بترككمْ ما بَقِيَ لكُمْ من رباً، وصَفْحِكُمْ عنه، ثم توعَّدَهُمْ تعالَى، إِن لم يذروا الربَا بحَرْبٍ منه، ومِنْ رسوله، وأمَّته، والحَرّب داعية القَتْلِ. وقوله تعالى: {فَأْذَنُواْ } قال سِيبَوَيْهِ: آذَنْتُ: أعْلَمْتُ. * ت *: وهكذا فسره البخاريُّ، فقال: قال أبو عبد اللَّهِ: فَأذَنُوا، فَٱعلَمُوا، وقال: * ع *: هي عنْدِي من الأَذَنِ، وقال ابن عَبَّاس وغيره: معناه فٱستيقِنُوا بحَرْبٍ. ثم ردَّهم سبحانه مع التوبة إِلى رءوس أموالهم، وقال لهم: لا تَظْلِمُونَ في أخذِ الزائِدِ، ولا تُظْلَمُونَ في أنْ يتمسَّك بشيء من رءوس أموالكُمْ، ويحتمل لا تَظْلِمُونَ في مَطْلٍ، لأن مَطْل الغنيِّ ظُلْمٌ؛ كما قال - عليه الصلاة والسلام - فالمعنَىٰ أنه يكون القضاءُ، مع وضْعِ الربا؛ وهكذا سنة الصُّلْح، وهذا أشبه شيء بالصُّلْح؛ ألا ترَىٰ حديث : أنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أشارَ علَىٰ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ في دَيْنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ بِوَضْعِ الشَّطْرِ، فقال كَعْبٌ: نَعَمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلآخَرِ: «قُمْ، فَٱقْضِهِ»تفسير : ، فَتلقَّى العلماءُ أمره بالقَضَاء سُنَّةً في المصالَحَاتِ. وقوله سبحانه: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} حكم اللَّه تعالَىٰ لأرباب الربَا برُءُوس أموالهم عنْدَ الواجدين للمال، ثم حكم في ذِي العُسْرَةِ بالنَّظَرَةِ إِلى حال اليُسْرِ، والعُسْرُ: ضيقُ الحالِ من جهة عدمِ المالِ، والنَّظِرَةُ التأخيرُ. * ت *: وفي «الصحيحين» عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «حديث : كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِراً، فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، قَالَ: فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ»تفسير : ، وفي «صحيح مسلمٍ»: «حديث : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ»تفسير : ، وفي روايةٍ: «حديث : مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أنْجَاهُ اللَّهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ القِيَامَةِ»تفسير : ، وفي رواية: «حديث : مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ»تفسير : . انتهى. والمَيْسَرَةُ: مصدرٌ بمعنى اليُسْرِ، وٱرتفع: «ذُو عُسْرَةٍ» بـــ «كان» التامة الَّتي هي بمعنى: «وُجِدَ، وَحَدَثَ»، وارتفعَ قَوْلِه: «فَنَظِرَةٌ»؛ علَى خبر ابتداءٍ مقدَّر، تقديره فالواجبُ نَظِرَةٌ. واختلف أهْلُ العلْمِ هلْ هذا الحُكْم بالنَّظِرَةِ إِلى الميسرةِ واقفٌ علَىٰ أهل الربا خاصَّة، وهو قول ابن عبَّاس، وشُرَيْح، أو هو منسحبٌ علَىٰ كلِّ دَيْنٍ حلالٍ، وهو قولُ جمهور العلماء؟ * ع *: وما قاله ابن عبَّاس إِنما يترتَّب، إِذا لم يكُنْ فقر مُدْقِعٌ، وأما مع الفقر والعُدْمِ الصريحِ، فالحُكْمُ هي النَّظِرة ضرورةً. * ت *: ولا يخالف ابن عبَّاس في ذلك. وقوله تعالى: {وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}: نَدَبَ اللَّه بهذه الألفاظ إِلى الصدَقَة على المُعْسِر، وجعل ذلك خيراً من إنظاره، قاله جمهور العلماء. وروى سعيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عن عمر بن الخَطَّاب؛ أنه قَالَ: كان آخر ما نَزَلَ من القُرآن آية الربا، وقُبِضَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم ولَمْ يفسِّرْها لَنَا، فدَعُوا الرِّبَا والرِّيبَةَ. وقال ابن عباس: آخر ما نزل آية الربا. قال: * ع *: ومعنى هذا عنْدي، أنها من آخر ما نَزَلَ؛ لأن جمهور النَّاس؛ ابنُ عبَّاس، والسُّدِّيُّ، والضَّحَّاك، وابنُ جْرَيجٍ، وغيرهم، قالوا: آخر آية نزلَتْ قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ}، ورُوِيَ أَنَّ قوله: {وَٱتَّقَواْ } نزلَتْ قبل موْتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بِتِسْعِ ليالٍ، ثم لم ينزلْ بعدها شيْءٌ، ورُوِيَ بثلاثِ ليالٍ، وروي أنَّها نزلَتْ قبل موتِهِ بثَلاَثِ ساعَاتٍ، وأنَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : ٱجْعَلُوهَا بَيْنَ آيَةِ الرِّبَا وَآيَةِ الدَّيْنِ»تفسير : ، وحكَىٰ مَكِّيٌّ؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: ٱجْعَلْهَا عَلَىٰ مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنَ البَقَرةِ.»تفسير : وقوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ...} الآية، وعْظٌ لجميعِ الناسِ، وأمْرٌ يخصُّ كلَّ إِنسان. * ت *: حدَّثني من أثقُ به؛ أنه جَلَسَ عند شَيْخٍ من الأفاضلِ يُجَوَّدُ علَيْه القُرآن، فقرئَتْ عليه هذه الآيةُ، فَبَكَىٰ عندها، ثم بَكَىٰ، إِلَىٰ أَنْ فاضتْ نفْسُه، ومَالَ، فحَرَّكُوه، فإِذا هو مَيِّتٌ ـــ رَحِمَهُ اللَّهُ ـــ ونَفَعَ بِهِ، يَا هَذَا، مَنْ صَحَا عَقْلُه مِنْ سُكْر هواه، وجَهْلِهِ، ٱحْتَرَقَ بنَارِ النَّدَمِ والخَجَلِ مِنْ مهابة نَظَرِ ربِّه، وتنكَّرت صُورةُ حالِهِ في عَيْنِهِ نفوسَ الأغبياءِ الجُهَّال، غَافِلَةً عن العظمة والجَلاَل، ولاَهِيَةً عن أهْوَال المَعَاد والمَآل، مَشْغُولَةً برذائلِ الأفْعَال، وفُضُولِ القِيلِ والقَال، والاِستنباطِ والاِحْتِيَالِ؛ لاِزدياد الأمْوَال، ولا يَعْلَمُون أنَّها فِتْنَةٌ وَوَبَال، وطُولُ حِسَابٍ وبَلاَء وبَلْبَالَ، ٱغتَنِمُوا، يا ذوِي البَصَائر نعْمَةَ الإِمهال، وٱطَّرِحُوا خَوَادِع الأمانِي، وكَوَاذِب الآمال، فكأنْ قد فجأتْكُم هواجمُ الآجال. انتهى من «الكَلِمِ الفارقيَّة، فِي الحِكَمِ الحقيقيَّة». و {يَوْماً }: نصب على المفعول، لا على الظرف، وجمهور العلماء على أنَّ هذا اليوم المحذَّر منه هو يومُ القيامةِ، والحِسَابِ والتوفيةِ، وقال قومٌ: هو يوم المَوْت، والأول أصَحُّ، وهو يومٌ تنفطرُ لذكْره القُلُوب، وفي هذه الآيةِ نصٌّ علَىٰ أنَّ الثواب والعقابَ متعلِّق بكَسْب الإِنْسَان، وهذا ردٌّ على الجبريَّة.
ابن عادل
تفسير : اعلم أنه تعالى لمَّا بيَّن في الآية المتقدمة أنَّ من انتهى عن الربا، فله ما سلف؛ فقد يظنُّ أنه لا فرق بين المقبوض منه، وبين الباقي في ذمَّة الغريم، فبين في هذه الآية الكريمة بقوله: {وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰوا} أي: الذي لم يقبض فالزيادة حرامٌ، وليس لهم أن يأخذوا إلاَّ رؤوس أموالهم، فقال: {ٱتَّقُواْ ٱللهَ} والاتقاء إنما يكون باتقاء ما نهى عنه، {وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰوا} يعني: إن كنتم قد قبضتم منه شيئاً، فيعفو عنه، وإن لم تقبضوه أو لم تقبضوا بعضه، فالذي لم يقبض حرامٌ قبضه، وهذه الآية دليلٌ على أحكام الكفَّار إذا أسلموا؛ لأن ما مضى في زمن الكفر، فإنه لا ينقض، ولا يفسخ، وما لم يوجد منه شيء في حال الكفر، فحكمه حكم الإسلام، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم، ولا يجوز في الإسلام فمعفوٌّ عنه، وإن وقع على مهرٍ حرامٍ، وقبضته المرأة، فقد مضى، وليس لها شيءٌ، وإن لم تقبضه فلها مهر مثلها دون المسمى. قوله تعالى: {وَذَرُواْ}: فتحت العين من "ذَرْ" حملاً على "دَعْ"، إذ هو بمعناه، وفتحت في "دَعْ"؛ لأنه أمرٌ من "يَدَعُ"، وفتحت من "يَدَعُ"، وإن كان قياسها الكسر؛ لكون الفاء واواً؛ [كيَعِدُ] لكون لامه حرف حلقٍ. ووزن" ذَرُوا": علوا؛ لأنَّ المحذوف الفاء لا يستعمل منه ماضٍ إلاَّ في لغيَّة، وكذلك "دَعْ". وقرأ الحسن: "مَا بَقَى" بقلب الكسر فتحةً، والياء ألفاً، وهي لغةٌ لطَيِّىءٍ، ولغيرهم؛ ومنه قول علقمة: [الطويل] شعر : 1263- زَهَا الشَّوْقُ حَتَّى ظَلَّ إِنْسَانُ عَيْنِهِ يَفِيضُ بِمَغْمُورٍ مِنَ الدَّمْعِ مُتْأَقِ تفسير : وقال آخر: [الوافر]. شعر : 1264- وَمَا الدُّنْيَا بِبَاقَاةٍ عَلَيْنَا وَمَا حَيٌّ عَلَى الدُّنْيَا بِبَاقِ تفسير : ويقولون في الناصية: ناصاةٌ. وقرأ الحسن أيضاً: "بَقِيْ" بتسكين الياء، قال المبرد: "تسكين ياء المنقوص في النصب من أحسن الضرورة، هذا مع أنَّه معربٌ، فهو في الفعل الماضي أحسنُ" قال شهاب الدين: وإذا كانوا قد حذفوها من الماضي صحيح الآخر، فأولى من حرف العلة، قال: [مجزوء الرمل] شعر : 1265- إِنَّمَا شِعْرِيَ قَيْدٌ قَدْ خُلِطْ بِجُلْجُلانِ تفسير : وقال جرير في تسكين الياء: [البسيط] شعر : 1266- هُوَ الخَلِيفَةُ فَارْضُوا مَا رَضِيْ لَكُمُ مَاضِي العَزِيمَةِ مَا فِي حُكْمِهِ جَنَفُ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 1267- لَعَمْرُكَ لاَ أَخْشَى التَّصَعْلُكَ مَا بَقِيْ عَلَى الأَرْضِ قَيْسِيٌّ يَسُوقُ الأَبَاعِرَا تفسير : قوله: {مِنَ ٱلرِّبَٰوا} متعلِّقٌ ببقي، كقولهم: "بَقِيَتْ منه بقيةٌ"، والذي يظهر أنه متعلقٌ بمحذوفٍ؛ على أنه حال من فاعل "بقَى"، أي: الذي بقي حال كونه بعض الربا، فهي تبعيضيةٌ. ونقل ابن عطية هنا أنَّ العدويَّ - وهو أبو السَّمَّال - قرأ "مِنَ الرِّبُو" بتشديد الراء مكسورة، وضمِّ الباء بعدها واوٌ. قال شهاب الدين: قد تقدم أنَّ أبا السَّمَّال إنما قرأ "الرِّبَا" في أول الآية الكريمة بواوٍ بعد فتحة الباء، وأنَّ أبا زيدٍ حكى عن بعضهم: أنه ضمَّ الباء، وقدَّمت تخريجهما على ضعفه. وقال ابن جنِّي: "شَذَّ هَذَا الحَرْفُ في أمرين: أحدهما: الخروج من الكسر إلى الضم بناءً لازماً. والآخر: وقوع الواو بعد الضمة في آخر الاسم، وهذا شيء لم يأت إلاَّ في الفعل؛ نحو: يغزو ويدعو، وأمَّا "ذو" الطائية بمعنى الذي فشاذةٌ جداً، ومنهم من يغيِّر واوها، إذا فارق الرفع، فيقول: "رأيتُ ذَا قَامَ". ووجه القراءة أنه لمَّا فخَّم الألف انتحى بها الواو التي الألف بدل منها، على حدِّ قولهم: الصَّلاة والزكاة، وهي بالجملة قراءة شاذةٌ". قال شهاب الدين: غيره يقيِّد هذه العبارة، فيقول: "ليس في الأسماء المعربة واو قبلها ضمة" حتى يخرج عنه "ذُو" بمعنى الذي، و "هو" من الضمائر، وابن جنِّي لم يذكر القيد استثناء "ذو الطائية" ويرد عليه نحو "هو"، ويرد على العبارة "ذُو" بمعنى صاحب؛ فإنَّها معربةٌ في آخرها واوٌ بعد ضمةٍ. وقد أجيب عنه بأنها تتغيَّر إلى الألف والياء فلم يبال بها، وأيضاً فإنَّ ضمة الدَّال عارضةٌ، إذ أصلها الفتح، وإنما ضمَّت؛ إتباعاً على ما تقرر في إعراب الأسماء الستة في كتب النحو. وقله: "بناءً لازماً" تحرُّزٌ من وجود الخروج من كسرٍ إلى ضمٍّ، بطريق العرض؛ نحو: الحِبُك؛ فإنه من التداخل، ونحو: الرِّدُءْ" موقوفاً عليه، فالخروج من كسرٍ إلى ضمٍّ في هاتين الكلمتين، ليس بلازمٍ. وقوله: "مِنْهُمْ مَنْ يغيِّرُ واوَها" المشهور بناؤها على الواو مطلقاً، وقد تعرب؛ كالتي بمعنى صاحب؛ وأنشدوا: [الطويل] شعر : 1268- فَإِمَّا كِرَامٌ مُوسِرُونَ لَقِيتُهُمْ فَحَسْبِيَ مِنْ ذِي عِنْدَهُمْ مَا كَفَانِيَا تفسير : ويروى: "مِنْ ذُو" على الأصل. فصل قوله: {إِن كُنْتُمْ} شرطٌ، وجوابه محذوفٌ عند الجمهور، أي: فاتَّقوا، وذروا، ومتقدِّم عند جماعةٍ، وقيل: "إِنْ" هنا بمعنى إذ؛ وهذا مردودٌ. فإن قيل: كيف قال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَاآمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللهَ} ثم قال {إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} فالجواب من وجوهٍ: الأول: أن هذا كما يقال إن كنت أخي فأكرمني، معناه: إِنَّ من كان أخاً، أكرم أخاه. الثاني: أنَّ معناه إن كنتم مؤمنين قبله، أي: معترفين بتحريم الرِّبا. الثالث: إن كنتم تريدون استدامة حكم الإيمان. الرابع: يا أيُّها الذين آمنوا، بلسانهم، ذروا ما بقي من الرِّبا إن كنتم مؤمنين بقلوبكم. الخامس: ما تقدم أنَّ "إن" بمعنى "إذْ". فصل في سبب النزول في سبب النزول رواياتٌ: الأولى: أن أهل مكة كانوا يرابون، فلما أسلموا عند فتح مكة، أمرهم الله تعالى بهذه الآية، أن يأخذوا رؤوس أموالهم دون الزيادة. الثانية: قال مقاتلٌ: نزلت في أربعة إخوةٍ من ثقيف: مسعودٍ، وعبد [ياليل]، وحبيبٍ، وربيعة، وهم بنو عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، كانوا يداينون بنى المغيرة بن عبد الله بن عمير بن مخزومٍ وكانوا يرابون. فلما ظهر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على الطائف، أسلم هؤلاء الإخوة، فطلبوا رباهم من بنى المغيرة. فقال بنو المغيرة: والله ما نعطي الرِّبا في الإسلام، وقد وضعه الله تعالى عن المؤمنين، فاختصموا إلى عتَّاب بن أسيد، فكتب عتَّابٌ - وكان عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقصة الفريقين، وكان ذلك مالاً عظيماً؛ فنزلت الآية. الثالثة: قال عطاء، وعكرمة: نزلت في العباس بن عبد المطَّلب، وعثمان بن عفَّان - رضي الله عنهما - وكانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجذاذ، قال لهما صاحب التمر: إن أنتما أخذتما حقكما، لا يبقى لي ما يكفي عيالي! فهل لكما أن تأخذا النصف، وتؤخِّرا النّصف؛ وأضعف لكما؟ ففعلا، فلما جاء الأجل، طلبا الزيادة، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهاهما فأنزل الله هذه الآية؛ فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما. الرابعة: قال السُّدِّيُّ: نزلت في العباس، وخالد بن الوليد، وكانا شريكين في الجاهلية، يسلفان في الربا إلى بني عمرو بن عميرٍ، وناسٍ من ثقيف، فجاء الإسلام ولهما أموالٌ عظيمةٌ في الربا؛ فأنزل الله هذه الآية. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في "حجةِ الوَدَاعِ" في خطبته يوم عرفة "حديث : أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي مَوْضُوعٌ، ودِمَاءُ الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وإنَّ أَوَّلَ دَم أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابنِ رَبِيعَةَ بن الحَارِثِ، كان مُسْتَرْضعاً في بني سعدٍ؛ فقَتَلَه هُذيْلٌ، وَرِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وأَوَلُّ رِباً أَضَعُ رِبَا العباسِ بنِ عَبْد المطلبِ؛ فإنه مَوْضُوعٌ كُلُّه ". تفسير : فصل القاضي قوله: {إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} يدلُّ على أنَّ الإيمان لا يتكامل إذا أصرَّ الإنسان على الكبائر، ولا يصير الإنسان مؤمناً على الإطلاق، إلاَّ إذا اجتنب كل الكبائر. والجواب: لمَّا دلَّت الدلائل الكثيرة المذكورة في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}تفسير : [البقرة:3] على أنَّ العمل خارج عن مسمَّى الإيمان، كانت هذه الآية محمولةً على كمال الإِيمان وشرائعه، فكان التقدير: إن كنتم عاملين بمقتضى شرائع الإيمان، وهذا وإن كان تركاً للظاهر لكنا ذهبنا إليه؛ لتلك الدلائل. فإن قيل: كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين؟ قلنا: هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل كما جاء في الخبر "حديث : مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً، فَقَدْ بَارَزَنِي بالمُحَارَبَةِ"تفسير : ، وعن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : مَنْ لم يَدَع المخابرة، فليأذَن بحرب من اللهِ ورسُوله" تفسير : وقد جعل كثيرٌ من المفسرين والفقهاء قوله: {أية : إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللهَ وَرَسُولَهُ}تفسير : [المائدة:33] أصلاً في قطع الطريق من المسلمين، فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب وسنة رسوله. وفي الجواب عن السؤال وجهان: الأول: أن المراد المبالغة في التهديد دون نفس الحرب. الثاني: أن المراد منه نفس الحرب، وفيه تفصيلٌ؛ فنقول: إنّ المصرَّ على فعل الربا، إذا كان من شخص، وقدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى فيه حكم الله من التَّعزير، والحبس إلى أن تظهر منه التوبة، وإن كان المصر ممن له عسكرٌ وشوكة، حاربه الإمام، كما يحارب الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكرٍ - رضي الله عنه - مانعي الزكاة، وكذا القول لو اجتمعوا على ترك الأذان، وترك دفن الموتى، فإنه يفعل بهم ما ذكرناه. وقال ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - من عامل بالربا، يستتاب، فإن تاب، وإلاَّ ضرب عنقه. والقول الثاني: أنه خطابٌ للكفار، وأن معنى قوله: {إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي: معترفين بتحريم الربا {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} أي: فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللهِ وَرَسُولِهِ} ومن ذهب إلى هذا القول، قال: إنَّ فيه دليلاً على أنَّ من كفر بشريعة واحدةٍ من شرائع الإسلام، فهو خارجٌ من ملة الإسلام، كافرٌ كما لو كفر بجميع شرائعه. قوله: {وَإِنْ تُبْتُمْ} فالمعنى على القول الأول: وإن تبتم عن معاملة الربا، وعلى الثاني: من استحلال الربا {فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} أي: لا تظلمون الغريم بطلب الزيادة على رأس المال {وَلاَ تُظْلَمُونَ} أي: بنقصان رأس المال. قوله: {لاَ تَظْلِمُونَ} فيها وجهان: أظهرهما: أنها لا محلَّ لها؛ لاستئنافها، أخبرهم تعالى بذلك، أي: لا تظلمون غيركم بأخذكم الزيادة منه، ولا تظلمون أنتم - أيضاً - بضياع رؤوس أموالكم. والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من الضمير في "لَكُمْ" والعامل ما تضمَّنه الجارُّ من الاستقرار؛ لوقوعه خبراً وهو رأي الأخفش. وقرأ الجمهور الأول مبنيّاً للفاعل، والثاني مبنياً للمفعول. وروى أبانٌ، والمفضَّل، عن عاصم بالعكس. ورجَّح الفارسي قراءة العامة؛ بأنها تناسب قوله: "وإن تُبْتُمْ" في إسناد الفعلين إلى الفاعل، فتظلمون مبنياً للفاعل أشكل بما قبله. وقال أبو البقاء رحمه الله: يُقْرَأُ بتسميةِ الفَاعِلِ في الأوَّلِ، وترْكِ التسمية في الثاني؛ ووجهه: أنَّ منعهم من الظلم أهمُّ؛ فبدئ به، ويقرأ بالعكس، والوجه فيه: أنه قدَّم ما تطمئن به نفوسهم من نفي الظلم عنهم، ثم منعهم من الظلم، ويجوز أن تكون القراءتان بمعنى واحدٍ؛ لأنَّ الواو لا ترتِّب.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا...} الآية. قال: نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب، ورجل من بني المغيرة، كانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى ناس من ثقيف من بني ضمرة وهم بنو عمرو بن عمير، فجاء الإِسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله {وذروا ما بقي} من فضل كان في الجاهلية {من الربا} . وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله...} الآية قال: حديث : كانت ثقيف قد صالحت النبي صلى الله عليه وسلم على أن مالهم من ربا على الناس وما كان للناس عليهم من ربا فهو موضوع، فلما كان الفتح استعمل عتاب بن أسيد على مكة، وكانت بنو عمرو بن عوف يأخذون الربا من بني المغيرة، وكانت بنو المغيرة يربون لهم في الجاهلية، فجاء الإِسلام ولهم عليهم مال كثير، فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم، فأبى بنو المغيرة أن يعطوهم في الإِسلام، ورفعوا ذلك إلى عتاب بن أسيد، فكتب عتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا} إلى قوله {ولا تظلمون} فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب وقال: إن رضوا وإلا فأذنهم بحرب ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك في قوله {اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا} قال: كان ربا يتعاملون به في الجاهلية، فلما أسلموا أمروا أن يأخذوا رؤوس أموالهم. وأخرج آدم وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله {اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا} قال: كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين فيقول: لك كذا وكذا وتؤخر عني؟ فيؤخر عنه. وأخرج مالك والبيهقي في سننه عن زيد بن أسلم قال: كان الربا في الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل، فإذا حل الحق قال: اتقضي أم تربي؟ فإن قضاه أخذ وإلا زاده في حقه، وزاده الآخر في الأجل. وأخرج أبو نعيم في المعرفة بسند واه عن ابن عباس في قوله {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا} قال: نزلت في نفر من ثقيف منهم مسعود وربيعة، وحبيب وعبد يا ليل، وهم بنو عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، وفي بني المغيرة من قريش. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: حديث : نزلت هذه الآية في بني عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، ومسعود بن عمرو بن عبد يا ليل بن عمرو، وربيعة بن عمرو، وحبيب بن عمير، وكلهم اخوة وهم الطالبون، والمطلوبون بنو المغيرة من بني مخزوم، وكانوا يداينون بني المغيرة في الجاهلية بالربا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم صالح ثقيفاً فطلبوا رباهم إلى بني المغيرة، وكان مالاً عظيماً فقال بنو المغيرة: والله لا نعطي الربا في الإِسلام وقد وضعه الله ورسوله عن المسلمين، فعرفوا شأنهم معاذ بن جبل، ويقال عتاب بن أسيد، فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بني عمرو وعمير يطلبون رباهم عند بني المغيرة، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل: أن اعرض عليهم هذه الآية، فإن فعلوا فلهم رؤوس أموالهم، وإن أبوا فأذنهم بحرب من الله ورسوله ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فأذنوا بحرب} قال: من كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه فحق على امام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه. وفي قوله {لا تظلمون} فتربون {ولا تظلمون} فتنقصون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فأذنوا بحرب} قال: استيقنوا بحرب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {فأذنوا بحرب} قال: أوعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل. وأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عيله وسلم. فقال: "حديث : ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأول ربا موضوع ربا العباس ". تفسير : وأخرج ابن منده عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في ربيعة بن عمرو وأصحابه {فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم} الآية. وأخرج مسلم والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال: حديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه، وقال: هم سواء ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق والبيهقي في شعب الإِيمان عن علي قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة: آكل الربا، وموكله، وشاهده، وكاتبه، والواشمة، والمستوشمة، ومانع الصدقة، والحال، والمحلل له". وأخرج البيهقي عن أم الدرداء قالت: قال موسى بن عمران عليه السلام: يا رب من يسكن غداً في حظيرة القدس ويستظل بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك؟ قال: يا موسى أولئك الذين لا تنظر أعينهم في الزنا، ولا يبتغون في أموالهم الربا، ولا يأخذون على أحكامهم الرشا، طوبى لهم وحسن مآب. وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والبيهقي عن ابن مسعود قال: " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه". وأخرج البخاري وأبو داود عن أبي جحيفة قال "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة، والمستوشمة، و آكل الربا، وموكله، ونهى عن ثمن الكلب، وكسب البغي، ولعن المصوّرين". وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان عن ابن مسعود قال " آكل الربا وموكله و شاهده وكاتباه إذا علموا، والواشمة والمستوشمة للحسن، ولاوي الصدقة، والمرتد أعرابياً بعد الهجرة، ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة". وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها. مدمن الخمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، و العاق لوالديه ". تفسير : وأخرج الطبراني عن عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من ثلاثة وثلاثين زنية يزنيها في الإِسلام ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : الربا اثنان و سبعون باباً، أدناها مثل أن يأتي الرجل أمه، وأن أربى الربا استطالة الرجل في عرض الرجل ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال:حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تشترى الثمرة حتى تطعم، و قال: إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله ". تفسير : وأخرج أبو يعلى عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله ". تفسير : وأخرج أحمد عن عمرو بن العاص حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنة، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب ". تفسير : وأخرج الطبراني عن القاسم بن عبد الواحد الوراق قال: رأيت عبد الله بن أبي أوفى في السوق فقال: يا معشر الصيارفة أبشروا قالوا: بشرك الله بالجنة بم تبشرنا؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للصيارفة: "حديث : ابشروا بالنار ". تفسير : وأخرج أبو داود وابن ماجة والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليأتين على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا، فمن لم يأكله أصابه من غباره ". تفسير : وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: صرفت من طلحة بن عبيد الله ورقاً بذهب فقال: انظرني حتى يأتينا خازننا من الغابة، فسمعها عمر بن الخطاب فقال: لا والله لا تفارقه حتى تستوفي منه صرفك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، البر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد ومسلم والنسائي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الذهب بالذهب مثل بمثل يد بيد، والفضة بالفضة مثل بمثل يد بيد، والتمر بالتمر مثل بمثل يد بيد، والبر بالبر مثل بمثل يد بيد، والشعير بالشعير مثل بمثل يد بيد، والملح بالملح مثل بمثل يد بيد، من زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطى سواء ". تفسير : وأخرج مالك والشافعي والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا غائباً بناجز ". تفسير : وأخرج الشافعي ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن عبادة بن الصامت حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح، إلا سواء بسواء، عيناً بعين، يداً بيد، ولكن بيعوا الذهب بالورق، والورق بالذهب، والبر بالشعير، والشعير بالبر، والتمر بالملح، والملح بالتمر، يداً بيد كيف شئتم، من زاد أو ازداد فقد أربى ". تفسير : وأخرج مالك ومسلم والبيهقي عن عثمان بن عفان حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين ". تفسير : وأخرج مالك ومسلم والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما ". تفسير : وأخرج مسلم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، وزن بوزن لا فضل بينهما، ولا يباع عاجل بآجل ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي والبيهقي عن أبي المنهال قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصرف فقال: "حديث : ما كان منه يداً بيد فلا بأس، وما كان منه نسيئة فلا ". تفسير : وأخرج مالك والشافعي وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن سعد بن وقاص حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن اشتراء الرطب بالتمر فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك ". تفسير : وأخرج البزار عن أبي بكر الصديق حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة مثلاً بمثل، الزائد والمستزيد في النار ". تفسير : وأخرج البزار عن أبي بكرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصرف قبل موته بشهرين".
القشيري
تفسير : الاكتفاء بموعود الربِّ خيرٌ للمسلم من تعليق قلبه بمقصود نفسه. ومقصودُك من تسويلات النفس، وموعودك مما ضمنه الحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} اى قوا انفسكم عقابه {وذروا ما بقى من الربا} اى واتركوا تركا كليا ما بقى لكم غير مقبوض من مال الربا على من عاملتموه به {ان كنتم مؤمنين} على الحقيقة فان ذلك مستلزم لامتثال ما امرتم به البتة ـ روى ـ انه كان لثقيف مال على بعض قريش فطالبوهم عند المحل بالمال والربا فنزلت.
ابن عجيبة
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا} أي: اتركوا بقايا ما شرطتم على الناس من الربا، فلا تقبضوها منهم، {إن كنتم مؤمنين}. فإن دليل الإيمان: امتثال ما أمرتم به، رُوِيَ أنه كان لثقيف مال على بعض قريش، فطالبوهم عند الحَلِّ بالمال والربا، فنزلت الآية. {فإن لم تفعلوا} وتتركوا ما نهيتم عنه، {فأذنوا} أي: فاعلموا {بحرب من الله ورسوله} ومن قرأ: {فآذنوا} بالمد، فمعناه: أعلموا بها غيركم، رُوِيَ أنها لما نزلت، قالت ثقيف: لا يَدَانِ لنا بحرب الله ورسوله. {وأن تبتم} من تعاطي الربا واعتقاد حله {فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون} الغريم بأخذ الزيادة، {ولا تظلمون} بنقص رأس مالكم. مفهومه أن لم يتب فليس له شيء، لأنه مرتد. والله تعالى أعلم. الإشارة: مدار صفاء المعاملة على تصفية اللقمة، فمن صفَّا طعمته صفت معاملته، ومن صفت معاملته أفضى الصفاء إلى قلبه، ومن خلط في لقمته تكدرت معاملته، ومن تكدرت معاملته تكدر قلبه، ولذلك قال بعضهم: (مَنْ أكَلَ الحلال أطاع الله، أحبَّ أم كَرِهَ، ومن أكل الحرام: عصى الله، أحبَّ أم كَرِه) وكذلك الواردات الإلهية، لا ترد إلا على من صفا مطعمه ومشربه، ولذلك قال بعضهم: (من لا يعرف ما يدخل بطنه لا يفرق بين الخواطر الربانية والشيطانية). وقال سيدي علي الخواص رضي الله عنه: (اعلم أن المدد الذي لم يزل فياضاً على قلب كل إنسان ويتلون بحسب القلب، والقلب يتلون بحسبه هو بحسب صلاح الطعمة وفسادها). هـ. فالذين يأكلون الحرام؛ كالربا وشبهه، ولا يقومون إلى معاملتهم للحق إلا كما يقوم المجنون الذي يلعب به الشيطان، ولا يدري ما يقول ولا ما يقال له، فقد حُرم لذيذ المناجاة وحلاوة خلوص المعاملات، فإن احتج لنفسه واستعمل القياس لم يُرْجَ فلاحُه في طريق الخواص، فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى، وطلب العفاف فقد عفا الله عما سلف. ومن عاد إلى ما خرج عنه؛ من متابعة هواه، فنار القطيعة مثواه ومأواه. ومن شأن الحق جلّ جلاله مع عباده: أن من طلب الزيادة في حس ظاهره محق الله نور باطنه، ومن حسم مادة زيادة الحس في ظاهره قوي الله مدد الأنوار في باطنه،{أية : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَواْ وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ}تفسير : [البقرة: 276]، أي: يُقَوِّي مدد ثواب الصدقات. {أية : وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَارٍ أَثِيمٍ}تفسير : [البقرة: 276]، وإنما يحب كل مطيع منيب، وهو من آمن إيمان أهل التحقيق، وسلك أهل التوفيق. فلا جرم أنه ينخرط في سلك أهل العناية، ويسلك به مسلك أهل الولاية، الذين {أية : لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [يونس: 62]. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} حق تقاته، واتركوا ما بقي في باطنكم من بقايا الحس وأسبابه، إن كنتم طالبين إيمان أهل الشهود، والوصول إلى الملك المعبود. فإن لم تفعلوا ذلك فاعلموا أنكم في مقام البعد من حيث لا تظنون، معاندون وأنتم لا تشعرون. وإن رجعتم إلى ربكم فلكم رؤوس أموالكم، وهم نور التوحيد، لا تنقصون منه ولا تزيدون عليه، إلا إن أفردتم الوجهة إليه، وطلبتم الوصول منه إليه، فإن الله لا يُخيٍّب من أمَّل جُوده، ولا يردُّ من وقَف ببابه، بمنِّه وكرمه.
الطوسي
تفسير : النزول: ذكر السدي وابن جريج وعكرمة أن هذه الآية نزلت في بقية من الربا كانت للعباس ومسعود وعبديأ ليل وحبيب وربيعة. وبني عمرو بن عمير وروي عن أبي جعفر (ع) أن الوليد بن المغيره كان يربي في الجاهلية وكان بقي له بقايا على ثقيف فأراد خالد بن الوليد المطالبة بها بعد أن أسلم فنزلت هذه الآية في المنع من ذلك. المعنى: ومعنى {ذروا ما بقي من الربا} ظاهره تحريم ما بقي ديناً من الربا وإيجاب أخذ رأس المال دون الزيادة على جهة الربا. وقوله: {إن كنتم مؤمنين} قيل فيه قولان: أحدهما - من كان مؤمناً فهذا حكمه. والثاني - إذ كنتم مؤمنين. والأول هو الاقوى. اللغة: ومعنى {ذروا} اتركوا. ولم يستعمل منه وذر، ولا واذر لكراهتة الواو مبتدأة لأنها لم تزد أولاً في كلامهم كزيادة اختيها الياء والهمزة. قال الخليل: إذا التقت واوان في أول الكلمة أشبه بنباح الكلب فرفضوا ذلك إلا فيما هو عارض لا يعتد به فاستعملوا يذر، لأنه لا تظهر فيه الواو، ومثله يدع. فأما وعد فجاء على الأصل. فان قيل: لم جاز وصف المبهم بالوصول، ولم يحسن بالمضاف فجاز أن يقول: {يا أيها الذين آمنوا} ولم يحسن (يا أيها غلام زيد) قلنا: لأن المبهم حقه أن يوصف بالجنس المعرّف بالالف واللام، لأنه إذا عرض فيه تنكير بطلت دلالته على الجنس، فاحتيج إلى وصفه بالجنس لذلك. فان قيل: هلا جاز (يا أيها غلام الرجل) كما جاز (نعم غلام الرجل) إذ المضاف إلى الجنس يقوم مقام الجنس: قيل: لأنه لا يجوز في الاسماء التامة أن تكون ثلاثة أسماء بمنزلة إسم واحد منها. وقد جعل (يا أيها الرجل) بمنزلة اسمين ضم أحدهما إلى الآخر نحو (حضرموت) ليكون بذلك أشد اتصالاً بالموصوف من سائر الصفات، فلم يجز في المضاف لما يجب له من شدة الاتصال وجاز في نعم، لأنه على الأنفصال.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بعد ما ذمّ الرّبوا واهله ومدح الإتمار بالاوامر والانتهاء عن المناهى نادى المؤمنين تلطّفاً بهم حتّى يجبر كلفة النّهى بلذّة المخاطبة {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} اى سخطه فى مخالفة جميع اوامره ونواهيه خصوصاً فى الرّبوا {وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا} يعنى لا تردّوا ما أخذتم منه ولكن ما بقى منه على المدينتين فلا تطالبوه {إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} شرط تهييجىّ، فى الخبر: انّ الوليد بن المغيرة كان يربى فى الجاهليّة وقد بقى له بقايا على ثقيف فاراد خالد بن الوليد المطالبة بعد ان أسلم فنزلت {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ}.
الهواري
تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي إذ كنتم مؤمنين. نزلت هذه الآية فيما بقي مما أربوا فيه في الجاهلية ألا يأخذوه، وما أخذوه قبل إسلامهم فهو لهم حلال. ذكروا عن عروة بن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من أسلم على شيء فهو له . تفسير : قوله: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ} أي فاشعروا أنكم بحرب من الله ورسوله {وَإِن تُبْتُمْ} أي أسلمتم {فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} يقول يبطل الفضل إذا كان قد بقي ديناً على المطلوب {لاَ تَظْلِمُونَ} فتأخذون الفضل {وَلاَ تُظْلَمُونَ} من رؤوس أموالكم شيئاً. ذكروا عن الحسن أنه كان يقول: من أربى في شيء فلا يأخذ إلا رأس ماله. تفسير ذلك أنه إذا فات البيع ولم يقدرا على أن يردّاه. ومن كان في يده ربا لم يقدر على رد تلك السلعة تصدّق بها على المساكين. قوله: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : رحم الله من يسر على معسر أو محا عنه . تفسير : ذكر يعلى بن شداد بن أوس قال: كنت مع أبي إذ أبصر غريماً له، فلما رآه الغريم أسرع حتى دخل بيته وأغلق بابه. فجئنا فقمنا على بابه فطلبناه. فقالوا: ليس هاهنا. فقال أبي أنا أنظر إليه آنفاً حتى دخل. فلما سمع الغريم خرج. فقال له أبي: ما حملك على ما صنعت؟ قال: العسرة. قال: آللهِ فقال: اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : من أنظر معسراً أو تصدق عليهتفسير : ، وأشهدك يا رب أني تصدقت عليه . ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من أنظر معسراً أو وضع عنه أظلّه الله يوم القيامة في ظله . تفسير : قوله: {وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي إن علمتم أن الصدقة خير لكم من أخذها.
اطفيش
تفسير : {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ} بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم نفاقاً بإضمار الشرك، بدليل قوله، إن كنتم مؤمنين أى مؤمنين بقلوبكم، أو صادقين فى إيمانكم، وهذا أولى من تقدير، إن تبتم على الإيمان، أو زدتم إيماناً فى قوله، إن كنتم مؤمنين، أى، يا أيها الذين آمنوا تحقيقا {اتَّقُواْ اللهَ} فى أموركم {وَذَرُواْ} اتركوا {مَا بَقَىَ مِنَ الرِّبَٰواْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أى ثبتم على الإيمان، أو زدتم إيماناً، أسلف العباس وعثمان بن عفان فى الثمر، ولما حان وقت الجذاذ قال لهما صاحب الثمر، إن أخذتما حقكما لم يبق لى ما يكفى عيالى ونحن ذو عسرة، فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعفه لكما، ففعلا، فلما حل الأجل طلبا الزيادة، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فنهاهما، وأنزل الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا... الآية، ولا يخفى أنهما لم يضمرا شركا، فإما أن تكون الآية فيمن أضمره، أو يجعل آمنوا على ظاهره، وإن كنتم مؤمنين، بمعنى ثبتم أو زدتم، أو جعل مخالفة الحق بالعمل كإنكاره مبالغة حتى كأنه لم يؤمن من طلب الزيادة مع أنه آمن، وقيل، طلباها بعد النهى لعدم بلوغ النهى لهما، أو طلباها ظنّاً أن ما سبق النهى يبقى على حاله.
الالوسي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} في الظاهر {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي قوا أنفسكم عقابه {وَذَرُواْ} أي اتركوا {مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرّبَٰواْ} لكم عند الناس {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} عن صميم القلب فإن دليله امتثال ما أمرتم به وهو شرط حذف جوابه ثقة بما قبله، و {مِنْ} تبعيضية متعلقة بمحذوف وقع حالاً من فاعل {بَقِيَ}، وقيل: متعلقة ـ ببقي ـ وقرأ الحسن ـ بقى ـ بقلب الياء ألفاً على لغة طي، والآية كما قال السدي: نزلت في العباس رضي الله تعالى عنه ابن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة كانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى ناس من ثقيف من بني عمرة وهم بنو عمرو بن عمير فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة من الربا فتركوها حين نزلت. وأخرج ابن أبـي حاتم عن مقاتل قال: نزلت هذه الآية في بني عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، ومسعود بن عمرو بن عبد ياليل بن عمرو، وربيعة بن عمرو، وحبيب بن عمير وكلهم أخوة وهم الطالبون، والمطلوبون/ بنو المغيرة من بني مخزوم وكانوا يداينون بني المغيرة في الجاهلية بالربا وكان النبـي صلى الله عليه وسلم صالح ثقيفاً فطلبوا رباهم إلى بني المغيرة وكان مالاً عظيماً فقال بنو المغيرة: والله لا نعطي الربا في الإسلام وقد وضعه الله تعالى ورسوله عن المسلمين فعرفوا شأنهم معاذ بن جبل ـ ويقال ـ عتاب بن أسيد فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني عمرو بن عمير يطلبون رباهم عند بني المغيرة فأنزل الله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} الخ، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل أن أعرض عليهم هذه الآية فإن فعلوا فلهم رؤوس أموالهم وإن أبوا فآذنهم بحرب من الله تعالى ورسوله وذلك قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ}.
ابن عاشور
تفسير : قوله: {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا} إفضاء إلى التشريع بعد أن قُدم أمامَه من الموعظة ما هيّأ النفوس إليه. فإن كان قوله: { أية : وأحل الله البيع وحرم الربا } تفسير : [البقرة: 275] من كلام الذين قالوا: { أية : إنما البيع مثل الربا } تفسير : [البقرة: 275] فظاهر، وإن كان من كلام الله تعالى فهو تشريع وقع في سياق الرد، فلم يكتف بتشريع غير مقصود ولذا احتيج إلى هذا التشريع الصريح المقصود، وما تقدم كلّه وصف لحال أهل الجاهلية وما بقي منه في صدر الإسلام قبل التحريم. وأمروا بتقوى الله قبل الأمر بترك الربا لأنّ تقْوَى الله هي أصل الامتثال والاجتناب؛ ولأن ترك الربا من جملتها. فهو كالأمرِ بطريق برهاني. ومعنى {وذروا ما بقي من الربا} الآية اتركوا ما بقي في ذمم الذين عاملتموهم بالربا، فهذا مقابل قوله: «فله ما سلف»، فكان الذي سلفَ قبضُه قبل نزول الآية معفوا عنه وما لم يقبض مأموراً بتركه. قيل نزلت هذه الآية خطاباً لثقيف ــــــ أهل الطائف ــــــ إذ دخلوا في الإسلام بعد فتح مكة وبعد حصار الطائف على صلح وقع بينهم وبين عتّاب بن أسَيْد ــــــ الذي أولاه النبي صلى الله عليه وسلم مكة بعد الفتح ــــــ بسبب أنّهم كانت لهم معاملات بالربا مع قريش، فاشترطت ثقيف قبل النزول على الإسلام أنّ كل ربا لهم على الناس يأخذونه، وكل ربا عليهم فهو موضوع، وقبل منه رسول الله شَرْطَهم، ثم أنزل الله تعالى هذه الآية خطاباً لهم ــــــ وكانوا حديثي عهد بإسلام ــــــ فقالوا: لا يَدَيْ لنا بحرب الله ورسوله. فقوله: {إن كنتم مؤمنين} معناه إن كنتم مؤمنين حقاً، فلا ينافي قوله: {يأيها الذين آمنوا} إذ معناه يأيها الذين دخلوا في الإيمان، واندفعت أشكالات عرضت. وقوله: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} يعني إن تمسكتم بالشرط فقد انتقض الصلح بيننا، فاعلموا أنّ الحرب عادت جذعة، فهذا كقوله: «وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء». وتَنكير حرب لقصد تعظيم أمرها؛ ولأجل هذا المقصد عدل عن إضافة الحرب إلى الله وجيء عوضاً عنها بمن ونسبت إلى الله؛ لأنّها بإذنه على سبيل مجاز الإسناد، وإلى رسوله لأنّه المبلغ والمباشر، وهذا هو الظاهر. فإذا صح ما ذكر في سبب نزولها فهو من تجويز الاجتهاد للنبيء صلى الله عليه وسلم في الأحكام إذْ قبل من ثقيف النزول على اقتضاء ما لَهم من الربا عند أهل مكة، وذلك قبل أن ينزل قوله تعالى: {وذروا ما بقى من الربا}؛ فيحتمل أنّ النبي صلى الله عليه وسلم رأى الصلح مع ثقيف على دخولهم في الإسلام مع تمكينهم مما لهم قبل قريش من أموال الربا الثابتة في ذممهم قبل التحريم مصلحة، إذ الشأن أنّ ما سبق التشريع لا ينقض كتقرير أنكحة المشركين، فلم يُقِرّه الله على ذلك وأمر بالانكفاف عن قبض مال الربا بعد التحريم ولو كان العقد قبل التحريم، ولذلك جعلهم على خيرة من أمرهم في الصلح الذي عقدوه. ودلت الآية على أنّ مجرد العقد الفاسد لا يوجب فوات التدارك إلاّ بعد القبض، ولذلك جاء قبلها «فله ما سلف» وجاء هنا {وذروا ما بقي من الربا} ــــــ إلى قوله ــــــ {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم}. وهذه الآية أصل عظيم في البيوع الفاسدة تقتضي نقضها، وانتقالَ الضمان بالقبض، والفواتَ بانتقال الملك، والرجوع بها إلى رؤوس الأموال أو إلى القيم إن فاتت، لأنّ القيمة بدل من رأس المال. ورؤوس الأموال أصولها، فهو من إطلاق الرأس على الأصل، وفي الحديث « حديث : رأس الأمر الإسلام » تفسير : . ومعنى {لا تظلِمون ولا تظلَمون} لا تأخذون مال الغير ولا يأخذ غيركم أموالكم. وقرأ الجمهور {فاذَنوا} ــــــ بهمزة وصل وفتح الذالِ ــــــ أمراً من أذِنَ، وقرأه حمزة وأبو بكر وخلف {فآذِنوا} بهمزة قطع بعدها ألف وبذال مكسورة ـــ أمرا من آذن بكذا إذا أعلم به أي فآذنوا أنفسكم ومن حولكم.
الواحدي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا} نزلت في العباس وعثمان رضي الله عنهما طلباً رباً لهما كانا قد أسلفا قبل نزول التَّحريم، فلمَّا نزلت هذه الآية سمعا وأطاعا، وأخذا رؤوس أموالهما، ومعنى الآية: تحريم ما بقي ديناً من الرِّبا، وإيجاب أخذ رأس المال دون الزِّيادة على جهة الرِّبا، وقوله: {إن كنتم مؤمنين} أَيْ: إنَّ مَنْ كان مؤمناً فهذا حكمه. {فإن لم تفعلوا} فإن لم تذروا ما بقي من الرِّبا {فأذنوا} فاعلموا {بحرب من الله ورسوله} أَيْ: فأيقنوا أنَّكم في امتناعكم من وضع ذلك حربٌ لله ورسوله {وإن تبتم} عن الرِّبا {فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون} بطلب الزِّيادة {ولا تُظلمون} بالنُّقصان عن رأس المال. {وإنْ كان ذو عسرة} أَيْ: وإن وقع غريم ذو عسرة] {فنظرةٌ} أَيْ: فعليكم نظرةٌ، أَيْ: تأخيرٌ {إلى ميسرة} إلى غنىً ووجود المال {وأن تصدقوا} على المعسرين برأس المال {خيرٌ لكم}. {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} يعني: يوم القيامة تُرَدُّون فيه إلى الله {ثمَّ توفى كلُّ نفسٍ ما كسبت} أَيْ: جزاء ما كسبت من الأعمال {وهم لا يظلمون} لا ينقصون شيئاً، فلمَّا حرَّم الله تعالى الرِّبا أباح السِّلَم فقال: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مُسمَّىً} أَيْ: تبايعتم بدين {فاكتبوه} أمرَ الله تعالى في الحقوق المؤجَّلة بالكتابة والإِشهاد في قوله: {واشهدوا إذا تبايعتم} حفظاً منه للأموال ثمَّ نسخ ذلك بقوله: {فإن أمن بعضكم بعضاً...} الآية. {وليكتب بينكم} بين المُستدين والمدين {كاتب بالعدل} بالحقِّ والإِنصاف، ولا يزيد في المال والأجل ولا ينقص منهما: {ولا يَأْبَ كاتبٌ أن يكتب} أي: لا يمتنع من ذلك إذا أُمر وكانت هذه عزيمةً من الله واجبة على الكاتب والشَّاهد، فنسخها قوله: {ولا يضارَّ كاتب ولا شهيدٌ} ثمَّ قال: {كما علَّمه الله فليكتب} أَيْ: كما فضَّله الله بالكتابة {وليملل الذي عليه الحق} أَيْ: الذي عليه الدِّين يملي؛ لأنَّه المشهود عليه فيقرُّ على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه {ولا يَبْخَسْ منه شيئاً} أُمِرَ أَنْ يُقِرَّ بمبلغ المال من غير نقصان {فإن كان الذي عليه الحقُّ} [أي: الدَّين] {سفيهاً} طفلاً {أو ضعيفاً} عاجزاً أحمق {أو لا يستطيع أن يملَّ هو} لخرسٍ أو لعيٍّ {فليملل وليه} وارثه أو مَنْ يقوم مقامه {بالعدل} بالصدق والحقِّ {واستشهدوا} وأشهدوا {شهيدين من رجالكم} أَيْ: من أهل ملَّتكم من الأحرار البالغين، وقوله: {ممن ترضون من الشهداء} أَيْ: من أهل الفضل والدِّين {أن تضلّ أحداهما} تنسى إحداهما {فتذكر إحداهما الأخرى} الشَّهادة {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} لتحمُّل الشَّهادة وأدائها {ولا تسأموا أن تكتبوه} لا يمنعكم الضَّجر والملالة أن تكتبوا ما أشهدتم عليه من الحقِّ {صغيراً أو كبيراً إلى أجله} إلى أجل الحقِّ {ذلكم} أَيْ: الكتابة {أقسط} أعدل {عند الله} في حمكه {وأقوم} أبلغ في الاستقامة {للشهادة} لأنَّ الكتاب يُذكِّر الشُّهود، فتكون شهادتهم أقوم {وأدنى ألا ترتابوا} أيْ: أقرب إلى أن لا تشكُّوا في مبلغ الحقِّ والأجل {إلاَّ أن تكون} تقع {تجارة حاضرة} أَيْ: متجرٌ فيه حاضر من العروض وغيرها ممَّا يتقابض، وهو معنى قوله: {تديرونها بينكم} وذلك أنَّ ما يُخاف في النَّساء والتأجيل يؤمن في البيع يداً بيدٍ، وذلك قوله: {فليس عليكم جناحٌ إلاَّ تكتبوها وأَشْهِدوا إذا تبايعتم} قد ذكرنا أنَّ هذا منسوخ الحكم فلا يجب ذلك {ولا يضارَّ كاتب ولا شهيد} نهى الله تعالى الكاتب والشَّاهد عن الضِّرار، وهو أن يزيد الكاتب أو ينقص أو يحرِّف، وأن يشهد الشَّاهد بما لم يُستشهد عليه، أو يمتنع من إقامة الشَّهادة {وإنْ تفعلوا} شيئاً من هذا {فإنه فسوق بكم}.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: اتقوا الله: خافوا عقابه بطاعته بأن تجعلوا طاعته وقاية تقيكم غضبه وعقابه. وذروا ما بقي من الربا: اتركوا ما بقي عندكم من المعاملات الربويّة. فأذنوا بحرب: اعلموا بحرب من الله ورسوله واحملوا سلاحكم ولا ينفعكم سلاح فإنكم المهزومون الهالكون. فلكم رؤوس أموالكم: بعد التوبة مالكم إلا رأس المال الذي عند المدين لكم فخذوه واتركوا زيادة الربا. العسرة: الشدة والضائقة المالية. فنظرة إلى ميسرة: أي انتظار للمدين إلى أن ييسر الله عليكم فيعطيكم رأس مالكم الذي أخذه منكم. وأن تصدقوا: وأن تتصدقوا على المعسر بترك ما لكم عليه فذلك خير لكم. معنى الآيات: بمناسبة ذكر عقوبة آكلي الربا في الآيات السابقة نادى الله تعالى عباده المؤمنين آمراً إياهم بتقواه تعالى، وذلك بطاعته وترك معصيته، وبالتخلي عما بقي عند بعضهم من المعاملات الربويّة مذكراً إياهم بإيمانهم إذ من شأن المؤمن الاستجابة لنداء ربه وفعل ما يأمره به وترك ما ينهاه عنه فقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ}، ثم هدد المتباطئين بقوله: فإن لم تفعلوا فاعلموا بحرب قاسية ضروس من الله ورسوله، ثم بيّن لهم طريق التوبة وسبيل الخلاص من محنة الربا وفتنته بقوله: وإن تبتم بترك الربا فلكم رؤوس أموالكم لا غير لا تظلمون بأخذ زيادة، ولا تظلمون بنقص من رأس مالكم. وإن وجد مدين لكم في حالة إعسار فالواجب انتظاره إلى ميسرته، وشيء آخر وهو خير لكم أن تتصدقوا بالتنازل عن ديونكم كلّها تطهيراً لأموالكم التي لامسها الربا وتزكية لأنفسكم من آثاره السيئة. ثم ذكر تعالى سائر عباده بيوم القيامة وما فيه من أهوال ومواقف صعبة حيث يتم الحساب الدقيق وتجزى فيه كل نفس مؤمنة أو كافرة بارة أو فاجرة ما كسبته من خير وشر وهم لا يظلمون بنقص حسناتهم أو زيادة سيئاتهم فقال تعالى: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} وهذا التوجيه الذي حملته هذه الآية ذات الرقم [280] آخر توجيه تلقته البشرية من ربها تعالى إذ هذه آخر ما نزل من السماء على رسول الله صلى الله عليه وسلم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب التوبة من الربا ومن كل المعاصي. 2- المصر على المعاملات الربوية يجب على الحاكم أن يحاربه بالضرب على يديه حتى يترك الربا. 3- من تاب من الربا لا يظلم بالأخذ من رأس ماله بل يعطاه وافيا كاملاً إلا أن يتصدق بالتنازل عن ديونه الربوية فذل خير له حالاً ومآلا. 4- وجوب ذكر الدار الآخرة والاستعداد لها بالإِيمان والعمل الصالح وترك الربا والمعاصي.
القطان
تفسير : ذروا: اتركوا. ذو عسرة: معسر لا يستطيع دفع ما عليه. ميسرة: يسر. هنا عاد التشديد في الربا والحث على تركه وعدم التعامل به، ومحاربة من يتعاطاه وكأننه يحارب الله ورسوله. يا أيها المؤمنون، خافوا الله واستشعروا هيبته في قلوبكم واتركوا ما بقي لكم من الربا عند الناس ان كنتم مؤمنين حقا. فإن لم تفعلوا فكونوا على يقين من أنكم في حرب مع الله ورسوله، اذا خرجتم عن شريعته ونبذتم ما جاء به رسوله. وحربُ الله هي غضبه. وحرب رسوله هي مقاومته له في زمنه. هذا واعتبارهم خارجين من الاسلام يُحِلّ قتالهم فيما بعد. وان تبتم توبة صحيحة فلكم رؤوس أموالكم، دون زيادة مهما كانت، لأن الزيادة التي تأخذونها ظلم لغيركم، كما ان ترك جزء من رؤوس الأموال ظلم لكم. وهذا معنى قوله تعالى {لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}. وان وُجد رجل مدين لكم، لكنه لا يجد ما يسد به دينه فأمهِلوه الى حين اليسار، كيما يسدّد ذلك الدين. اما تصدُّقُكم على المعسر المدين بمسامحته من جميع الدَّين أو بعضه فهو خير لكم، وأكثر ثوابا عند الله. هذه هي النظرة الكاملة، السماح للمَدين المعسر، وفيها فوائد كثيرة. فهي تجعل الناس مترابطين متعاطفين، وتضامنَهم أقوى وأمتن. هذا ما يرشدكم اليه ربكم فاعملوا وفق ما تعلمون، وسامحوا إخوانكم. بذلك تبنون مجتمعاً مثالياً لا مثيل له. وقد ختم سبحانه وتعالى آيات الربا بآية بالغة الموعظة، اذا وعاها المؤمنون وعملوا بها هوّنت عليهم السماح بالمال والنفس وكل ما يملك المرء في هذه الدنيا. قراءات: قرأ عاصم "تصدقوا" بتخفيف الصاد، الباقون "تصدقوا" بالتشديد. وقرأ حمزة وعاصم في رواية ابن عباس "فآذنوا بحرب" بالمد. وقرأ نافع وحمزة "ميسرة" بضم السين.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {ٱلرِّبَا} (278) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ، المُصَدِّقِينَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ، بِالتَّقْوى، فَيَقُولُ لَهُمْ: اتَّقُوا اللهَ وَاتْرُكُوا مَا لَكُمْ عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الرِّبا (أَيْ مَا يَزيدُ عَلَى رُؤُوسِ أَمْوالِكُمْ) إنْ كُنْتُمْ مُؤْمنينَ حَقّاً بِمَا شَرَّعَ اللهُ لَكُمْ مِنْ تَحْلِيلِ البَيْعِ، وَتَحْرِيمِ الرِّبا، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وحين يقول الحق: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 278] فنحن نعرف أن النداء بالإيمان حيثية كل تكليف بعده، وساعة ينادي الحق ويقول: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 278] أي يا من آمنتم بي إلهاً قادراً حكيماً، عزيزاً عنكم غالباً على أمري، لا تضرني معصيتكم، ولا تنفعني طاعتكم، فإذا كنتم قد آمنتم بي وأنا إله قادر حكيم فاسمعوا مني ما أحبه لكم من الأحكام. إذن فكل {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 278] في القرآن هي حيثية كل حكم يأتي بعدها، وأنت تفعل ما يأمرك به الله، وإن سألك أحد: وقال لك: لماذا فعلت هذا الأمر؟ فقل له فعلته لأني مؤمن، والذي أمرني به هو الذي آمنت بحكمته وقدرته. وأنت لا تدخل في متاهة علل الأحكام، لأنك آمنت بأن الله إله حكيم قادر، أنزل لك تلك التكاليف، وإياك أن تدخل في متاهة علّة الأحكام، لماذا؟ لأن هناك أشياء قد تغيب علّتها عنك، أكنت تؤجلها إلى أن تعرف العلة؟. أكنا نؤجل تحريم لحم الخنزير إلى أن يثبت حالياً بالتحليل أنه ضار؟ لا، إذا كان قد ثبت حالياً بالتحليل أنه ضار فنحن نزداد ثقة في كل حكم كلفنا الله به، ولم نهتد إلى علته، والحق يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [البقرة: 278] ومن عجائب كلمة "اتقوا" أنها تأتي في أشياء يبدو أنها متناقضة، إنما هي ملتقية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [البقرة: 278] ولم يقل هنا: اتقوا النار كما قال في آية أخرى: "اتقوا النار". إذن فكيف يقول: "اتقوا الله" ويقول: "اتقوا النار"؟ لأن معنى "اتقوا": أي اجعلوا وقاية بينكم وبين ربكم. كيف نجعل وقاية بيننا وبين ربنا مع أن المطلوب منا إيمانياً أن نلتحم بمنهج الله لنكون دائماً في معية الله؟ نقول: الله سبحانه وتعالى له صفات جلال كالقهار، والمنتقم، والجبار، وذي الطول وشديد العقاب؛ فهو يطلب من عبده المؤمن أن يجعل بينه وبين صفات جلاله وقاية، فالنار جند من جنود صفات الجلال، وحين يقول سبحانه: "اتقوا الله" يعني: اجعلوا وقاية بينكم وبين صفات الجلال التي من جنودها النار. إذن فـ "اتقوا الله" مثل "اتقوا النار" أي اجعلوا وقاية بينكم وبين النار. ويتابع الحق: {وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 278]، و"ذروا" أي اتركوا، ودعوا، وتناسوا، واطلبوا الخير من الله فيما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين حقاً بالله. كأن الله أراد أن يجعلها تصفية فاصلة، يولد من بعدها المؤمن طاهراً نقياً. إنه أمر من الحق: دعوا الربا الذي لم تقبضوه؛ لأن الذي قبضتموه أمره "فله ما سلف" والذي لم تقبضوه اتركوه: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 278] فإن قلتم إن التعاقد قد صدر قبل التحريم، والتعاقد قد أوجب لك الحق في ذلك، تذكر أنك لم تقبض هذا الحق ليصير في يدك، ولا تقل إن حياتي الاقتصادية مترتبة عليه، فترتيب الحياة الاقتصادية لم ينشأ بالاتفاق على هذا الربا، ولكنه ينشأ بقبضه وأنت لم تقبضه. ويتابع الحق: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ...}.
الجيلاني
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي: مقتضى إيمانكم اختيار التقوى والعزيمة الخالصة في جميع الأعمال المأمورة لكم، والاجتناب عن الرخص فيها {وَذَرُواْ} اتركوا {مَا بَقِيَ} لكم {مِنَ ٱلرِّبَٰواْ} عند الغرماء {إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 278] موقنين بحرمة الربا وسر حرمته. {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} ولم تمتثلوا بما أُمروا، ولم يتيقنوا لسر ما مُنعوا منه {فَأْذَنُواْ} انتظروا واعلموا {بِحَرْبٍ} عظيم نازل {مِّنَ ٱللَّهِ} المتجلي باسم المنتقم {وَرَسُولِهِ} التابع له المتخلق بأخلاقه {وَإِنْ تُبْتُمْ} من الارتباء والإنماء على هذا الطريق الأخس الأخبث {فَلَكُمْ} في دينكم {رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ} بأخذ الزيادة وإتلاف مال الغريم بلا عوضٍ {وَلاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279] تتضررون بالمطل والتسويف وتعويق الأداء وتأخيرها. {وَإِن كَانَ} الذي عليه رءوس أموالكم {ذُو عُسْرَةٍ} لا يقدر على أدائها رخصة {فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} أي: فعليكم أن تنتظروا إلى وقت يساره ثم تأخذوا {وَأَن تَصَدَّقُواْ} أي: تصدقكم على ذي عسرة {خَيْرٌ لَّكُمْ} عند ربكم يجازيكم به جزاء لا يُدرك كنهه إلا هو؛ إذ إدخال السرور في قلب المؤمن يوازي عند الله عمل الثقلين {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 280]. {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} المسقط لجميع الإضافات منسلخين عن جميع ما أنتم عليه في الدنيا، مؤاخذين عليها؛ ليحاسبوا ويجازوا على نقير وقمطير {ثُمَّ تُوَفَّىٰ} تجزى {كُلُّ نَفْسٍ} على مقتضى {مَّا كَسَبَتْ} من خير وشر وظلم وجور {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281] أصلاً، لا بتنقيص الثواب ولا بتضعيف العقاب بل كل نفس فيها رهينة بما كسبت. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها آخر ىية نزل بها جبريل عليه السلام، وقال: "حديث : ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة"تفسير : وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعهدها إحدى وعشرين يوماً وقيل: إحدى وثمانين، وقيل: سبعة آيام، وقيل: ثلاث ساعات. عليك أيها المؤمن المتوجه إلى تصفية الذات أن تدخر لنفسك هذه الآية كزاد آخرتك ما لا يسعه المطولات ولا يتدرج في المجلدات، ولا يفي باستقصائها التعبيرات والإشارات، وهي محتوية على جميع الأسرار الباعثة للإرسال والإنزوال والتبشير والإنذار، لذلك ختم به الوحي، وانقطع به الإنزال. ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : فلما أخبر عن أهل الإيمان الحقيقي ومعاملاتهم، أخبر عن أهل الإيمان المجازي وامتحانهم بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 278]، والإشارة فيها: أن من شروط المؤمن الحقيقي اتقاؤه بالله في ترك زيادات لا يحتاج إليها في أمر الدين، بل تكون شاغلة له عن الترقي في مراتب الدين، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ". تفسير : فقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 278]؛ أي: الذي يدعون الإيمان {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [البقرة: 278]؛ أي: اتقوا الله، وهذا كما جاء لنا إذا حمي البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: جعلناه قدامنا، {وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ} [البقرة: 278]، إشارة إلى ترك ما سوى الله في طلبه، كما قال الله تعالى: {أية : ثُمَّ ذَرْهُمْ}تفسير : [الأنعام: 91]، {إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 278]، بإيمان حقيقي، وتوقنون بأن الله خلقكم لنفسه، كما قال: {أية : وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}تفسير : [طه: 41]، وما خلقكم لشيء وخلق كل شيء لكم، لقوله تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً}تفسير : [البقرة: 29]. {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} [البقرة: 279]؛ أي: إن لم تزكوا كل زيادة تمنعكم من الله، ولم تتقوا عنها بالله {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279]، في طلب غير الله {وَإِنْ تُبْتُمْ} [البقرة: 279]؛ أي: رجعتم إلى الله وتركتم غيره {فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ} [البقرة: 279]، وهي الكرامة التي أكرمكم بها على العالمين قبل وجودكم، كما قال: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ}تفسير : [الإسراء: 70]، وأعطاكم رأس مال ما أعطي لأحد من خلقه ولا الملائكة المقربين، وهو قوله تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]، فإذا تقربتم إليه بترك ما سواه، يتقرب إليكم برد رؤوس أموالكم الأصلية إليكم وهي المحبة، كقوله تعالى: "حديث : لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه"،تفسير : قوله تعالى: {لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279]؛ يعني: خلقتكم لتحبوني وأحبكم، فإذاً لا تظلمون بوضع محبتي في غير موضعها من المخلوقات، ولا تظلمون بوضع محبتكم في غير موضعها، فافهم جدّاً. {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} [البقرة: 280]؛ يعني: وإن كان في وصول ما عدا الله لكم عاجلاً عسرة {فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280]؛ أي: معدة لكم إلى أوان الميسر يصل إليكم آجلاً، كما قال تعالى: {أية : سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً}تفسير : [الطلاق: 7]، وقال تعالى: {أية : فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً}تفسير : [الشرح: 5]، {وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} البقرة: 280]؛ يعني: ما تتمنون من أنواع برنا في الدنيا والعقبى على قدر همتكم الإنسانية، فإن تصدقوا بها ببذلها فهو خير لكم، لأنَّا نجازيكم على قدر مواهبنا الربانية، إن كنتم تعلمون قدرها وتتقون بنا، كما قال تعالى: "حديث : من شغله ذكر مسألتي أعطيته فوق مسألة السائلين"،تفسير : {أية : وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}تفسير : [الطلاق: 3]. ثم أخبر عن الرجوع من المولى وأكد للتزود أمر التقوى بقوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} [البقرة: 281]، والإشارة فيها: أن الله تعالى جمع في هذه الآية خلاصة ما في القرآن وجعلها حاملة الوحي والإنزال، كما أنه جمع خلاصة ما أنزل من الكتب على الأنبياء في القرآن وجعله خاتم الكتب، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء - عليهم السلام - وقد جمع فيه أخلاق الأنبياء، نقول: علم خلاصة جميع الكتب المنزلة وفائدتها بالنسبة إلى الإنسان عائدة إلى معنيين: أحدهما: نجاته من الدركات السفلى، وثانيها: فوزه بالدرجات العلا، فنجاته في خروجه عن معائب النفس، وفوزه في ترقيه على الدرجات العلا وهي ثمانية: المعرفة، والتوحيد، والعلم، والطاعة، والاخلاق الحميدة، وجذبات الحق، والفناء عن أنانيته، والبقاء بهويته. فهذه الآية تشير إلى مجموعها إجمالاً قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ} [البقرة: 281]، هي لفظه شاملة لما يتعلق بالسعي الإنساني من هذه المعاني؛ لأن حقيقة التقوى مجانية ما يبعدك عن الله تعالى ومباشرة ما يقربك إليه، دليله قوله النبي صلى الله عليه وسلم إجماع التقوى في قول الله عز وجل: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ}تفسير : [النحل: 90]، فيندرج تحت التقوى على هذا المعنى الخروج عن الدركات السفلى والترقي على الدرجات العلا، فتقوى العوام: الخروج عن الكفر بالمعرفة، وعن الشرك بالتوحيد، وعن الجهل بالعلم، وعن المعاصي بالطاعات، وعن الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة، ها هنا ينتهي سير العوام؛ لأنها نهاية كسب الإنسان وغاية جهد المجتهدين في إقامة شرائط جاهدوا فيها. فمن هنا تقوى الخواص المجذوبين بجذبات، {أية : لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}تفسير : [العنكبوت: 69]، فتخرجهم الجذبة من حجب أوصافهم إلى درجة تجلي صفات الحق، فها هنا ينقضي سلوك الخواص فيستظلون بظل {أية : عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ}تفسير : [النجم: 14-15]، فينتفعون من مواهب، {أية : إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ}تفسير : [النجم: 16]، وأما تقوى خاص الخاص: فبجذبة فرقت العناية بجذبة {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ}تفسير : [النجم: 17]، من سدرة المنتهى الأوصاف إلى {أية : قَابَ قَوْسَيْنِ}تفسير : [النجم: 9]، نهاية محن النفس وبداية أنوار القدس، فهناك عن عرف نفسه فقد عرف ربه، فتقوى الحقيقي تجد الإيمان الحقيقي، فالآن {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ}تفسير : [البقرة: 257]، من ظلمات الأنانية إلى نور الهوية، وهو مقام أو أدنى. ثم بسير {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ}تفسير : [النجم: 10] يفنيه عنه، وبحقائق ما أوحى يبقيه بهويته، فقوله {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} [البقرة: 281]، يشير إلى هذه الحقائق معناه: {وَٱتَّقُواْ} [البقرة: 281] جاهدوا فينا بجهدكم وطاقتكم، {يَوْماً} [البقرة: 281]؛ يعني: اليوم فيه لنهدينكم بجذبات العناية {تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} [البقرة: 281]، أشار بلفظ الرجوع إليه؛ ليعلم أن الشروع كان منه، كما قال تعالى: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}تفسير : [الحجر: 29]، فبدء وجودك كان بالنفخة، وأخر رجوعك بالجذبة، وأنت محمول العناية بين النفخة والجذبة، ولقد اصطفى آدم وكرم أولاده بهذا الاختصاص على البرية كلها، وقال: {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ}تفسير : [البينة: 7]. وفي قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}تفسير : [الإسراء: 70]، سر عظيم أنه قال تعالى: {أية : بَنِي ءَادَمَ}تفسير : [الإسراء: 70]، ما قال أولاد آدم، واختص الرجال بالذكر دون النساء؛ يعني: أهل الكرامة من يوصف بوصف الرجال لا بوصف النساء، ثم وصف الرجال بقوله تعالى: {أية : لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [النور: 37]، فمن لم يكن بهذا الوصف فهو من النساء في المعنى. ثم في قوله: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وعد وبشارة للأولياء، ووعيد وإنذار، فإن الجذبة في قوله تعالى: {تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} [البقرة: 281]، شاملة لكلتا الطائفتين، إلا أنها للأولياء جذبة اللطف والعناية، وللأعداء جذبة القهر والخذلان، فقال لأهل العناية: {أية : نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ}تفسير : [الأنعام: 83]. وقال لأهل الخذلان، يسبحون في النار على وجوههم، وقوله تعالى: {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} [البقرة: 281]، فهو بشارة لأهل العناية؛ يعني: لما يرجعون إلى الله، فبقدر راحتها، وكل واحد منهم وحده في كسب العبودية بالتقوى يهدي إلى مقامات القرب بإفناء حجاب نفسه عنه، وبإبقائه هويته، {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وهذا كما أن من سعي في نقب جدار بيته إلى جهة الشمس ليخرج بنور الشمس ظلمة بيته، فلما فتح الروزنة على قدر ضوء النور يخرج الظلمة من البيت ضرورة، فلا تظلم الشمس عليه مثقال ذرة، وفيه تهديد وإنذار لأهل الخذلان إذا استهواهم الشيطان فلم يسلكوا طريق التقوى واتخذوا آلهتهم الهوى، فلما يرجعون إلى الله بالسلاسل والأغلال يسبحون على وجوههم في سلسلة زرعها سبعون زراعاً، بالإهانة والإذلال، {أية : ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ}تفسير : [آل عمران: 161]، في متابعة الهوى وطلب شهوات الدنيا بأن يصلى النار الكبرى، {أية : لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ}تفسير : [طه: 74]، وهم لا يظلمون؛ لأنهم آثروا الحياة الدنيا على الدرجات العلا، وقربة حضرة المولى {أية : فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ}تفسير : [النازعات: 25].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):