Verse. 286 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

فَاِنْ لَّمْ تَفْعَلُوْا فَاْذَنُوْا بِحَرْبٍ مِّنَ اللہِ وَرَسُوْلِہٖ۝۰ۚ وَاِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوْسُ اَمْوَالِكُمْ۝۰ۚ لَاتَظْلِمُوْنَ وَلَا تُظْلَمُوْنَ۝۲۷۹
Fain lam tafAAaloo fathanoo biharbin mina Allahi warasoolihi wain tubtum falakum ruoosu amwalikum la tathlimoona wala tuthlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإن لم تفعلوا» ما أمرتم به «فأذنوا» اعلمَوا «بحرب من الله ورسوله» لكم فيه تهديد شديد لهم ولما نزلت قالوا لا بد لنا بحربه «وإن تبتم» رجعتم عنه «فلكم رءوس» أصول «أموالكم لاتَظلمون» بزيادة «ولا تُظلمون» بنقص.

279

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به، وقرأ حمزة وعاصم في رواية ابن عياش «فآذنوا» أي فاعلموا بها غيركم، من الأذن وهو الاستماع فإنه من طرق العلم، وتنكير حرب للتعظيم وذلك يقتضي أن يقاتل المربي بعد الاستتابة حتى يفيء إلى أمر الله، كالباغي ولا يقتضي كفره. روي: أنها لما نزلت قالت ثقيف لا يدي لنا بحرب الله ورسوله. {وَإِن تُبتُمْ} من الارتباء واعتقاد حله. {فَلَكُمْ رُءوسُ أَمْوٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ} بأخذ الزيادة. {وَلاَ تُظْلَمُونَ} بالمطل والنقصان، ويفهم منه أنها إن لم يتوبوا فليس لهم رأس مالهم وهو سديد على ما قلناه، إذ المصر على التحليل مرتد وماله فيء: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} وإن وقع غريم ذو عسرة. وقرىء «ذا عسرة» أي وإن كان الغريم ذا عسرة. {فَنَظِرَةٌ} فالحكم نظرة، أو فعليكم نظرة، أو فليكن نظرة وهي الإنظار. وقرىء «فناظره» على الخبر أي فالمستحق ناظره بمعنى منتظره، أو صاحب نظرته على طريق النسب وفناظره على الأمر أي فسامحه بالنظرة. {إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ } يسار، وقرأ نافع وحمزة بضم السين، وهما لغتان كمشرقة ومشرقة. وقرىء بهما مضافين بحذف التاء عند الإِضافة كقوله: {أية : أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ }تفسير : [التوبة: 77] {وَأَن تَصَدَّقُواْ} بالإبراء. وقرأ عاصم بتخفيف الصاد. {خَيْراً لَّكُمْ } أكثر ثواباً من الإِنظار، أو خير مما تأخذون لمضاعفة ثوابه ودوامه. وقيل: المراد بالتصدق الإِنظار لقوله عليه الصلاة والسلام، «حديث : لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة»تفسير : {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ما فيه من الذكر الجميل الجزيل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } ما أمرتم به {فَأْذَنُواْ } اعلموا {بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } لكم فيه تهديد شديد لهم ولما نزلت قالوا:لا يَدَيْ لنا بحربه {وَإِن تُبْتُمْ } رجعتم عنه {فَلَكُمْ رُءُوسُ } أصول {أَمْوٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ } بزيادة {وَلاَ تُظْلَمُونَ } بنقص.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا تَظْلِمُونَ} بأخذ زيادة على رأس المال. {وَلا تُظْلَمُونَ} بنقص رأس المال.

الخازن

تفسير : {فإن لم تفعلوا} أي لم تتركوا ما بقي من الربا بعد تحريمه {فأذنوا} قرئ بكسر الذال والمد على وزن آمنوا ومعناه: فأعلموا غيركم أنه حرب لله ورسوله وقرئ فأذنوا بفتح الذال مع القصر ومعناه فأعلموا أنتم وأيقنوا {بحرب من الله ورسوله}. قال ابن عباس يقال لآكل الربا يوم القيامة: خذ سلاحك للحرب. قال أهل المعاني: حرب الله النار وحرب رسوله السيف واختلفوا في معنى هذه المحاربة فقيل المراد بها المبالغة في الوعيد والتهديد دون نفس الحرب، وقيل: بل المراد منه نفس الحرب وذلك أن من أصر على أكل الربا وعلم به الإمام قبض عليه وأجرى فيه حكم الله من التعزير والحبس إلى أن تظهر منه التوبة وإن كان آكل الربا ذا شوكة وصاحب عسكر حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية. قال ابن عباس: من كان مقيماً على أكل الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع أي تاب وإلاّ ضرب عنقه {وإن تبتم} أي إن تركتم أكل الربا ورجعتم عنه {فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} يعني لا تظلمون أنتم الغريم بطلب زيادة على رأس المال. ولا تظلمون أنتم بنقصان رأس المال فلما نزلت هذه الآية قال بنو عمرو الثقفي ومن كان يعامل بالربا من غيرهم بل نتوب إلى الله فإنه لا يدان لنا يعني لا قوة لنا بحرب الله ورسوله ورضوا برؤوس أموالهم. فشكا بنو المغيرة العسرة ومن كان عليه دين وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات فأبوا أن يؤخروهم فأنزل الله عز وجل: {وإن كان ذو عسرة} يعني وإن كان الذي عليه الحق من غرمائكم معسراً والعسر نقيض اليسر وهو تعذر وجدان المال، وأعسر الرجل إذا أضاق ولم يجد ما يؤديه في دينه {فنظرة} أي فإمهال وتأخير {إلى ميسرة} أي إلى زمن اليسار وهو ضد الإعسار وهو جدان المال الذي يؤديه في دينه واختلفوا في حكم الآية وهل الإنظار مختص بالربا أم هو عام في كل دين؟ على قولين: القول الأول وهو قول ابن عباس وشريح والضحاك والسدي إن الآية في الربا. وذكر عن شريح أن رجلاً خاصم رجلاً إليه فقضى عليه وأمر بحبسه فقال رجل: كان عند شريح إنه معسر والله تعالى يقول في كتابه: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} فقال شريح إنما ذاك في الربا وإن الله تعالى قال في كتابه {أية : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}تفسير : [النساء: 58] ولا يأمرنا الله بشيء ثم يعذبنا عليه. والقول الثاني وهو قول مجاهد وجماعة من المفسرين أن حكم الآية عام في كل دين على معسر واحتجوا بأن الله تعالى قال: {وإن كان ذو عسرة} ولم يقل ذا عسرة ليكون الحكم عاماً في جميع المعسرين {وأن تصدقوا خير لكم} يعني وإن تصدقوا على المعسر بما عليه من الدين فتتركوا رؤوس أموالكم للمعسر خير لكم، وإنما جاز هذا الحذف للعلم به لأنه قد جرى ذكر المعسرين وذكر رأس المال فعلم أن التصدق راجع إليهما {إن كنتم تعلمون} يعني أن التصدق خير لكم وأفضل لأن فيه الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى. فصل: في ثواب إنظار المعسر والوضع عنه وتشديد أمر الدين والأمر بقضائه (م) عن أبي قتادة أنه طلب غريماً له فتوارى عنه ثم وجده فقال: إني معسر قال الله قال الله قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من سره أن ينجيه الله من كرب القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه"تفسير : . (م) عن أبي اليسر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلاّ ظله"تفسير : . (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كان فيمن كان قبلكم تاجر يداين الناس فإن رأى معسراً قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه" تفسير : وعن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه به عبد بعد الكبائر التي نهى الله عنها أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء" تفسير : أخرجه أبو داود (خ) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عز وجل عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله"تفسير : ، (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مطل الغني ظلم، زاد في رواية وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع"تفسير : . (ق) عن كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان له في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته فنادى فقال: يا كعب قلت: لبيك يا رسول الله فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك فقال كعب: قد فعلت يا رسول الله قال قم فاقضه. (ق) عن أبي هريرة قال: "كان لرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم سن من الإبل فجاء يتقاضاه فقال: أعطوه فطلبوا سنة فلم يجدوا إلاّ سناً فوقها فقال: أعطوه فقال: أوفيتني وفاك الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن خيركم أحسنكم قضاء" تفسير : وفي رواية أنه أغلظ لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين استقضاه حتى هم به بعض أصحابه فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً ثم أمر له بأفضل من سنه". (م) عن أبي قتادة الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنه قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف قلت قال أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلاّ الدين فإن جبريل قال لي ذلك" تفسير : عن محمد بن جحش قال: "حديث : كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه إلى السماء ثم وضع يده على جبهته ثم قال: سبحان الله ماذا نزل من التشديد فسكتنا وفزعنا. فلما كان من الغد سألته يا رسول الله: ما هذا التشديد الذي نزل فقال: والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قتل في سبيل الله ثم أحيي ثم قتل ثم أحيي وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضي عنه دينه" تفسير : أخرجه النسائي.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ...}. قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: فيها حجة لمن يقول: إن الترك فعل لأن قبلها {أية : وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰاْ}تفسير : ثُمّ قال: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}. قال: وعادتهم يجيبون بأنّ هذا كف لا ترك، ونظيره: إذا كان طيب طعام بين يدي رجلين: أحدهما جائع والآخر شابع ولم يأكلا منه منه شيئا. يقال في الجائع: إنه كف (عن الأكل) وفي الشبعان: إنه ترك الأكل. قيل لابن عرفة: أو يجاب بأن قبلها اتّق الله وهو فعل؟ فقال: الأمر بالتقوى ليس هو لذاته والآية إنّما سبقت لتحريم الرّبا بدليل استدلالهم بها في كتاب بيوع الآجال في ربا الجاهلية. قوله تعالى: {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ...}. قال الزمخشري: في التنكير للتعظيم. وتقدم استشكاله بأنّ التنكير إنما هو للتقليل والشيوع في آحاد ذلك الشيء. وتقدم الجواب: بأن التعظيم الصفة والكيفية لا في الكمية والقدر وانظر سورة الفجر. قوله تعالى: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}. قال ابن عرفة: مذهبنا أنه يجب ردّ الرّبا وهو الزيادة. قيل لابن عرفة: فكيف يتم مفهوم الآية على مذهبنا فإنّ مفهومها إن لم تتوبوا فليس (لكم رؤوس أموالكم) مع أن مذهبنا بطلان الربا وللمعطي رأس ماله؟ فقال: الجواب إن لم يتوبوا سقط الخطاب لأنه لا يخاطب إلا المؤمن برد الرّبا وأما الكافر فلا (يخاطب برده) حيث كان.

القشيري

تفسير : إن صاحب الإصرار ليس له عندنا وزن ولا مقدار، ولا قَدْرٌ ولا أخطار.

اسماعيل حقي

تفسير : {فإن لم تفعلوا} اى ما امرتم به من الاتقاء وترك البقايا اما مع انكار حرمته واما مع الاعتراف بها {فَأْذَنُوا} اى فاعلموا من اذن بالامر اذا علم به {بحرب} اى بنوع من الحرب عظيم لا يقادر قدره كائن {من} عند {الله ورسوله} وحرب الله حرب ناره اى بعذاب من عنده وحرب رسوله نار حربه اى القتال والفتنة فلما نزلت قالت ثقيف لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله {وان تبتم} من الارتباء مع الايمان بحرمته بعدما سمعتموه من الوعيد {فلكم رؤس أموالكم} تأخذونها كملا {لا تظلمون} غرماءكم بأخذ الزيادة {ولا تظلمون} انتم من قبلهم بالمطل والنقص عن رأس المال هذا هو الحكم اذا تاب ومن لم يتب من المؤمنين واصر على عمل الربا فان لم يكن ذا شوكة عزر وحبس الى ان يتوب وان كان ذا شوكة حاربه الامام كما يحارب الباغية كما حارب ابو بكر رضى عنه مانع الزكاة وكذا القول لو اجتمعوا على ترك الاذان او ترك دفن الموتى.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ {فآذنوا} من الرباعي ممدودة حمزة وعاصم: من آذنت أي أعلمت. الباقون {فأذنوا}. المعنى: والتقدير في قوله: {فإن لم تفعلوا} يعني ترك ما بقي من الربا أو تجنب ما بقي من الربا، لأن ما تقدم دلّ عليه. وقال ابن عباس، وقتادة، والربيع: من عامل بالربا استتابه الامام فان تاب، وإلا قتله. وقال البلخي: لو اجتمع أهل قرية على اظهار المعاملة بالربا، لكان على الامام محاربتهم، وإن كانوا محرمين له، ولو فعل الواحد بعد الواحد، والأكثر منكر لفعله لم يقتل الواحد، لكن يقام عليه من الحكم ما يستحقه. وعندنا أنه يؤدبه الامام ثلاث مرات بما يرتدع معه عن فعل مثله فان عاد رابعاً قتله. اللغة: ومعنى قوله: {فأذنوا} ممدوداً: علموا غيركم. ومن قرأ بالقصر فهو من أذنت به آذن اذناً إذا علمت به. وقوله: {بحرب من الله} فالحرب: القتال. والحرب: الشدة. والحربة: التي يطعن بها من آلة الحرب. والتحريب: التحريش. لأنه حمل على ما هو كالحرب من الاذى. والمحراب: مقام الامام، لأنه كموضع الحرب في شدة التحفظ. والحربا: المسمار الذي يجمع حلقتي الدرع. والحرباء: دويبة أكبر من العطاءة، لأنه ينتصب على الشجرة كمصلوب أخذ من الحرب لشدة طلبه للشمس تدور معها كيفما دارت. وأصل الباب الشدة. ومعنى قوله: {وإن تبتم} يعني من الربا لأن الكلام يدل عليه، فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون بأخذ الزيادة على رأس المال ولا تظلمون بالنقصان. وروي في الشواذ {لا تظلمون ولا تظلمون} والمعنى واحد وأنما فيه تقدم وتأخير وموضع {لا تظلمون} نصب على الحال. وتقديره فلكم رؤس أموالكم غير ظالمين ولا مظلمومين:

الجنابذي

تفسير : {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} ترك ما بقى من الرّبوا {فَأْذَنُواْ} اى اعلموا {بِحَرْبٍ} عظيمة {مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} وهذا غاية التهديد قلّما يهدّد بمثله {وَإِنْ تُبْتُمْ} بعد ما علمتم بالحرب من مطالبة ما بقى من الربا واعتقاد حلّه {فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} ليس للمدينين ان يحاسبوا رؤس الاموال فيما أخذتموه من الربا قبل البيّنة {لاَ تَظْلِمُونَ} بأخذ الزّيادة على رأس المال {وَلاَ تُظْلَمُونَ} بنقصان رأس المال.

اطفيش

تفسير : {فَإِنْ لَّمْ تَفْعَلُواْ} تقوى الله وترك الباقى من الزيادة {فَأْذَنُواْ} اعلموا يقينا، كانه قيل فأيقنوا {بِحَرْبٍ} عظيمة كحرب البغاة لمن لم يستحل، وحرب المشركين لمن استحل {مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ} تقتلون فى الدنيا وتحرقون يوم القيامة، والقتل الذى يأمر الله به هو من الله كما قال: يحاربون الله ورسوله، ولو جرى على يد النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، والمعنى بحرب بأمر من الله ورسوله، وإنما يقتلون بعد الإقدام عليهم، وكذا كل من أحل ما حرم الله، ويروى أنه كان لثقيف مال على بعض قريش فطالبوهم به وبالربا عند الأجل فنزلت: فإن لم تفعلوا... إلخ، فقالوا، لا يد لنا بحرب الله ورسوله، أى لا قدرة، وحذفت النون لشبه الإضافة، وليس مضافا لنا، واللام زائدة، لأن اسم لا لا يضاف لمعرفة، وعبروا باليد عن القوة، لأن المباشرة والدفع باليد، وكأنه عدمت اليدان عند العجز، ويروى أن بنى عمرو بن عمير بن عوف الثقفى ومسعود بن عمرو ابن عبد ياليل وأخويه ربيعة وحبيبا طلبوا بنى المغيرة من بنى مخذوم بربا من الجاهلية، فقالوا، قد وضع الربا، فكتب بإذنهم معاذ وقيل عقاب بن أسيد إليه صلى الله عليه وسلم فنزل: يا أيها الذين آمنوا، فكتب إلى معاذ أن يقرأ عليهم الآية، فإن أبوا إلا طلب الربا فقاتلهم، وكذا ترك العباس ورجل من بنى المغيرة المشتركين رباهما من الجاهلية حين نزلت {وَإِن تُبْتُمْ} عن الربا {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ} بأخذ الربا من أى وجه كانت {وَلاَ تُظْلَمُونَ} بنقص عن رءوس أموالكم، أو بالمطل، يجب على من أخذ القليل أن يرده، وإن ذهب بعضه رد الباقى، ومثل الذاهب أو قيمته كذلك، ومن ذهب له منهما كل ما أخذ رد المثل أو القيمة، ويحرم عليهما أن يقتصرا على رد الزيادة، وأن يتقاضيا فى الباقى، فإن الربا لا محالة فيه ولا تغاضى، ومن أعطى عشرة ليأخذ تسعة وجب عليه رد القسمة وقبض عشرته، وعلى آخذها ردها له، ومن أعطى تسعة ليأخذ عشرة وجب عليه رد العشرة كلها، وعلى آخذ التسعة ردها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا محالة ولا قضاء ولا إبراء فى الربا، ومن أربى باستحلال فهو مشرك"تفسير : ، فإن أبى من التوبة فماله فىء للمسلمين، الذى أربى به وسائر ماله، وما فى دار الإسلام لورثته، وما كسب بعد الردة فىء للمسلمين وإن لم يستحلوه، ولهم شوكة لم تسلم لهم رءوسهم، ولهم رءوس أموالهم، وعن ابن عباس: من عامل الربا يستتب وإلا ضرب عنقه، وقيل، يحبسون ولا يمكنون من التصرف فما لم يتوبوا لم يسلم لهم شىء، بل إنما يسلم لورثتهم إذا ماتوا.

الالوسي

تفسير : {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} أي ما أمرتم به من الاتقاء وترك البقايا إما مع إنكار حرمته وإما مع الاعتراف {فَأْذَنُواْ} أي فأيقنوا ـ وبذلك قرأ الحسن ـ وهو التفسير المأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {بِحَرْبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} وهو كحرب المرتدين على الأول وكحرب البغاة على الثاني، وقيل: لا حرب حقيقة وإنما هو تهديد وتخويف ـ وجمهور المفسرين على الأول ـ وقرأ حمزة وعاصم في رواية ابن عياش (فآذنوا) بالمد أي فأعلموا بها أنفسكم أو بعضكم بعضاً أو غيركم، وهذا مستلزم لعلمهم بالحرب على أتم وجه وتنكير ـ حرب ـ للتعظيم، ولذا لم يقل بحرب الله تعالى بالإضافة، أخرج أبو يعلى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها لما نزلت قال: ثقيف لا يدي لنا بحرب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. {وَإِن تُبتُمْ} عما يوجب الحرب {فَلَكُمْ رُءوسُ أَمْوٰلَكُمْ} تأخذونها لا غير {لاَ تَظْلِمُونَ} غرماءكم بأخذ الزيادة {وَلاَ تُظْلَمُونَ} أنتم من قبلهم بالنقص من رأس المال أو به وبنحو المطل، وقرأ المفضل عن عاصم ـ لا تظلمون ـ الأول بالبناء للمفعول والثاني بالبناء للفاعل على عكس القراءة الأولى، والجملة إما مستأنفة ـ وهو الظاهر ـ وإما في محل نصب على الحال من الضمير في (لكم) والعامل ما تضمنه الجار من الاستقرار لوقوعه خبراً ـ وهو رأي الأخفش ـ ومن ضرورة تعليق هذا الحكم بتوبتهم عدم ثبوته عند عدمها لأن عدمها إن كان مع إنكار الحرمة فهم المرتدون وما لهم المكسوب في حال الردة فيء للمسلمين عند الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وكذا سائر أموالهم عند الشافعي رضي الله تعالى عنه، وعندنا هو لورثتهم ولا شيء لهم على كل حال وإن كان مع الاعتراف فإن كان لهم شوكة فهم على شرف القتل لم يكد تسلم لهم رؤوسهم فكيف برؤوس أموالهم وإلا فكذلك عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرج ابن جرير عنه أنه قال: من كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلا ضرب عنقه، ومثله عن الصادق رضي الله تعالى عنه، وأما عند غيرهما فهم محبوسون إلى أن تظهر توبتهم ولا يمكنون من التصرفات رأساً فما لم يتوبوا لم يسلم لهم شيء من أموالهم بل إنما يسلم بموتهم لورثتهم، قال المولى أبو السعود، وغيره: واستدل بالآية على أن الممتنع عن أداء الدين مع القدرة ظالم يعاقب بالحبس وغيره وقد فصل ذلك الفقهاء أتم تفصيل.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَمْوَالِكُمْ} (279) - وَأنْذَرَ اللهُ تَعَالَى الذِينَ لاَ يَمْتَثِلُونَ لأَمْرِهِ مِنْ تَرْكِ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا عِنْدَ النَّاسِ، بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ لخُرُوجِهِمْ عَنِ الشَّرْعِ، وَعَدَمِ خَضُوعِهِمْ لَهُ، فَإنْ تَابُوا فَلَهُمْ رُؤُوسُ أمْوَالِهِمْ بِدُونِ زِيَادَةٍ، لاَ يَظْلِمُونَ بِأخْذِ زِيادَةٍ، وَلاَ يُظْلَمُونَ بِوَضْعِ شَيءٍ مِنْ رَأسِ المَالِ. حَرْبُ اللهِ - غَضَبُهُ وَانْتِقَامُهُ مِمَّنْ يَأكُلُ الرِّبا. حَرْبُ رَسُولِهِ - مُقَاوَمَتُهُ لَهُمْ بِاعْتِبارِهِمْ خَارِجِينَ عَنِ الإِسْلاَمِ. فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ - فَأَيْقِنُوا بِحَرْبٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : في هذه الآية قضية كونية يتغافل عنها كثير من الناس. لقد جاء نظام ليحمي طائفة من ظلم طائفة، ولم يأت هذا النظام إلا بعد أن وجدت طائفة المرابين الذين ظلموا طائفة الفقراء المستضعفين. وحَسْبُ هؤلاء المستضعفين الذين استغلوا من المرابين أن ينصفهم القرآن وأن يُنهي قضية الربا إنهاءً يعطي الذين رابوا ما سلف لأنهم بنوا حياتهم على ذلك. و "فأذنوا بحرب" كلمة (الألف والذال والنون) من "الأذن" وكل المادة مشتقة من "الأذن" و"الأُذن" هي الأصل الأول في الإعلام؛ لأن الإنسان ليس مفروضاً أنه قارئ أولاً، إنّه لا يكون قارئاً إلا إذا سمع، إذن فلا يمكن أن ينشأ إعلام إلا بالسماع. والحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن أدوات العلم للإنسان قال: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [النحل: 78]. ولذلك عندما جاء علم وظائف الأعضاء ليبحث ذلك وجدوها طبق الأصل كما قال الله عنها. فالوليد الصغير حين يولد إن جاء أصبع إنسان عند عينيه فلا يهتز له رمش؛ لأن عينه لم تؤد مهمتها بعد، ولكن إن تصرخ بجانب أذنه فإنه ينفعل. وعرفنا أن أول أداة تؤدي مهمتها بالنسبة للإنسان الوليد هي أذنه، وهي أيضاً الأداة التي تؤدي مهمتها بالنسبة للإنسان مستيقظاً كان أو نائماً. إن العين تغمض في النوم فلا ترى، لكن الأذن مستعدة طوال الوقت لأن تسمع؛ لأنها آلة الاستدعاء. إذن فمادة "الأَذَان" و"الأُذُن" كلها جاءت من مهمة السمع، وقال الله سبحانه وتعالى: {أية : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}تفسير : [الانشقاق: 5]. ما معنى أذنت؟. أنت حين تسمع من مساو لك، فقد تنفذ وقد لا تنفذ، لكن حين تسمعه من إله قادر فلا مناص لك إلا أن تنفذ، فكأن الله يقول: إن الأرض تنشق حين تسمع أمري بالانشقاق. فبمجرد أن تسمع الأرض أمر الحق فإنها تفعل، وحق لها أن تفعل ذلك؛ إنها أذنت لأمر الله، أي خضعت؛ لأن القائل لها هو الله. إذن كل المادة هنا جاءت من "الأذن". ولذلك فالله يقول لمن لا يفعل ما أمر به الله في الربا؛ {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279]. أما حرب الله فلا نقول فيها إلا قول الله:{أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ..}تفسير : [المدثر: 31]. ولا يستطيع أحد أن يحتاط لها. وأما حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه هي الأمر الظاهر. كأن الله سبحانه وتعالى يجرد على المرابين تجريدة هائلة من جنوده التي لا يعلمها إلا هو، وحرب رسول الله جنودها هم المؤمنون برسوله، وعليهم أن يكونوا حرباً على كل ظاهرة من ظواهر الفساد في الكون؛ ليطهروا حياتهم من دنس الربا. وهكذا وضع الله نهاية لأسلوب التعامل، حتى يتطهر المال من ذلك الربا، فإذا قال الحق: {فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279] فمعنى هذا أنه سبحانه يبين لنا بهذا القول أنه لا حق للمرابين في ضعف ولا ضعفين، ولا في أضعاف مضاعفة. وحينئذ "لا تظلمون" من رابيتم، بأن تأخذوا منهم زائداً عن رأس المال. ولكن ما موقع "ولا تظلمون"، ومن الذي يظلمهم؟ قد يظلمهم الضعيف الذي ظُلِمَ لهم سابقاً، ويأخذ منهم بعض رأس المال بدعوى أنهم طالما استغلوه فأخذوا منه قدراً زائداً على رأس المال. إن المشرع يريد أن يمنع الظالم السابق فينهي ظلمه، وأن يسعف المظلوم اللاحق فيعطيه حقه، وهو سبحانه لا يريد أن يوجه ظلماً ليستغل به من ظُلم فيظلم الذي ظلمه أولاً، بل سبحانه يشاء بهذا الحكم أن ينهي هذا النوع من الظلم على إطلاقه، وأن يجعل الجميع على قدر سواء في الانتفاع بمزايا الحكم. وكثير من النظريات التي تأتي لتقلب نظاماً في مجتمع ما تعمد إلى الطائفة التي ظَلَمَت، فلا تكتفي بأن تكفها عن الظلم، ولكن تمكن للمظلوم أن يظلم من ظلمه، وذلك هو الإجحاف في المجتمع، وهذا ما يجب أن يتنبه إليه الناس جيداً؛ لأن الله الذي أنصفك أيها المظلوم من ظالمك، فمنع ظلمه لك، هنا يجب أن تحترم حكمه حينما قال: "فله ما سلف" وبهذا القول انتهت القضية. ويستأنف سبحانه الأمر بعدالة جديدة تجمعك وتجمعه على قدم المساواة بدون ظلم منك أيها المظلوم سابقاً بحجة أنه طالما ظلمك. والمجتمعات حين تسير على هذا النظام "لا تظلمون ولا تظلمون" إنما تسير على نمط معتدل لا على ظلم موجه. فنحن نعيب على قوم أنهم ظلموا، ثم نأتي بقوم لنجعلهم يَظْلِمون، لا .. إن الجميع على قدم المساواة من الآن. وفساد أي نظام في المجتمع يأتي من توجيه الظلم من فئة جديدة إلى فئة قديمة، فبذلك يظل الظلم قائماً، طائفة ظَلَمَت، وتأتي طائفة كانت مظلومة لتظلم الطائفة الظالمة سابقاً، نقول لهم: ذلك ظلم موجه، ونحن نريد أن تنتظم العدالة وتشمل كل أفراد المجتمع بأن يأخذ كل إنسان حقه، فالذي ظَلَمَ سابقاً منعناه من ظلمه، والمغلوب سابقاً أنصفناه، وبذلك يصير الكل على قدم المساواة؛ ليسير المجتمع مسيرة عادلة تحكمه قضية إيمانية. إننا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه. وبعد ذلك يجيء القرآن ليفتح باباً جديداً من الأمل أمام المظلومين. وليضع حداً للذين كانوا ظالمين أولاً، وحكم لهم برأس المال ومنعهم من الزائد على رأس المال، فَحَنَّن قلوبهم على هؤلاء. أَيْ ليست ضربة لازب أن تأخذوا رأس المال الآن، ولكن عليكم أن تُنْظِروا وتمهلوا المدين إن كان معسراً، وإن تساميتم في النضج الإيماني اليقيني وارتضيتم الله بديلاً لكم عن كل عوض يفوتكم، فعليكم أن تتجاوزوا وتتنازلوا حتى عن رءوس أموالكم التي حكم الله لكم بها لترتفعوا بها وتهبوها لمن لا يقدر. فيأتي قول الحق: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} معناه أَخْبَروا.