Verse. 287 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاِنْ كَانَ ذُوْ عُسْرَۃٍ فَنَظِرَۃٌ اِلٰى مَيْسَرَۃٍ۝۰ۭ وَاَنْ تَصَدَّقُوْا خَيْرٌ لَّكُمْ اِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ۝۲۸۰
Wain kana thoo AAusratin fanathiratun ila maysaratin waan tasaddaqoo khayrun lakum in kuntum taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(وإن كان) وقع غريم (ذو عسرة فنظرة) له أي عليكم تأخيره (إلى ميسرة) بفتح السين وضمها أي وقت يسر (وأن تصدقوا) بالتشديد على إدغام التاء في الأصل في الصاد وبالتخفيف على حذفها أي تتصدقوا على المعسر بالإبراء (خير لكم إن كنتم تعلمون) أنه خير فافعلوه وفي الحديث "" من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "" رواه مسلم.

280

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه تسع مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} لما حكم جلّ وعزّ لأرباب الربا برؤوس أموالهم عند الواجدين للمال، حكم في ذي العسرة بالنّظِرَة إلى حال المْيَسرة؛ وذلك أن ثقيفاً لما طلبوا أموالهم التي لهم على بني المغِيرة شكوا العسرة ـ يعني بني المغيرة ـ وقالوا: ليس لنا شيء، وطلبوا الأجل إلى وقت ثمارهم؛ فنزلت هذه الآية: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ}. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} مع قوله: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} يدل على ثبوت المطالبة لصاحب الديْن على المدين وجواز أخذ ماله بغير رضاه. ويدل على أن الغريم متى امتنع من أداء الديْن مع الإمكان كان ظالماً؛ فإن الله تعالىٰ يقول: {أية : فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} تفسير : [البقرة: 279] فجعل له المطالبة برأس ماله. فإذا كان له حق المطالبة فعلى من عليه الدين لا محالة وجوب قضائه. الثالثة ـ قال المهدوِيّ وقال بعض العلماء: هذه الآية ناسخةٌ لما كان في الجاهلية من بيع مَنْ أعْسَر. وحكى مكيّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر به في صدر الإسلام. قال ابن عطية: فإن ثبت فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو نَسْخٌ وإلاَّ فليس بنسخ. قال الطحاويّ: كان الحر يُباع في الديْن أوّل الإسلام إذا لم يكن له مال يقضيه عن نفسه حتى نسخ الله ذلك فقال جلّ وعزّ: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ}. واحتجوا بحديث رواه الدّارقطنيّ من حديث مسلم بن خالد الزنجيّ أخبرنا زيد بن أسلم عن ٱبن البَيْلَمَانِيّ عن سُرَّق قال: كان لرجل عليّ مالٌ ـ أو قال ديْنٌ ـ فذهب بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يِصب لي مالاً فباعني منه، أو باعني له. أخرجه البَزّار بهذا الإسناد أطول منه. ومسلم بن خالد الزنجي وعبد الرّحمٰن بن البيلماني لا يحتج بهما. وقال جماعة من أهل العلم: قوله تعالىٰ: {فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} عامّةٌ في جميع الناس، فكل من أعسر أنْظِر؛ وهذا قول أبي هريرة والحسن وعامة الفقهاء. قال النحاس: وأحسن ما قيل في هذه الآية قول عطاء والضحاك والربيع بن خيثم. قال: هي لِكل مُعْسِرٍ يُنْظَر في الرّبا والديْن كله. فهذا قول يجمع الأقوال؛ لأنه يجوز أن تكون ناسخة عامة نزلت في الربا ثم صار حكم غيره كحكمه، ولأنّ القراءة بالرفع بمعنًى وإن وقع ذو عسرة من الناس أجمعين. ولو كان في الربا خاصة لكان النصب الوجه، بمعنى وإن كان الذي عليه الربا ذا عسرة. وقال ابن عباس وشريح: ذلك في الربا خاصةً؛ فأما الديون وسائر المعاملات فليس فيها نَظِرَةٌ بل يؤدي إلى أهلها أو يحبس فيه حتى يُوفِّيَه؛ وهو قول إبراهيم. واحتجوا بقول الله تعالىٰ: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} تفسير : [النساء: 58] الآية. قال ابن عطية: فكان هذا القول يترتب إذا لم يكن فقرٌ مُدْقِع، وأما مع العُدْم والفقر الصرِيح فالحكم هو النظِرة ضرورة. الرابعة ـ من كثرت ديونه وطلب غرماؤه مالهم فللحاكم أن يخلعه عن كل ماله ويترك له ما كان من ضرورته. روى ابن نافع عن مالك أنه لايترك له إلاَّ ما يُوارِيه. والمشهور أنه يترك له كسوته المعتاد ما لم يكن فيها فضل، ولا يُنْزَع منه رداؤه إن كان ذلك مُزْرياً به. وفي ترك كسوة زوجته وفي بيع كتبه إن كان عالماً خلاف. ولا يترك له مسكن ولا خادم ولا ثوب جمعة ما لم تقلّ قيمتها؛ وعند هذا يحرمُ حَبْسُه. والأصل في هذا قوله تعالىٰ: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ}. روى الأئمّة واللفظ لمسلم حديث : عن أبي سعيد الخدرِيّ قال: أُصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ٱبتاعها فكثر دينْه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصدقوا عليه» فتصدّق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه: «خذوا ما وجدتم وليس لكم إلاَّ ذلك»تفسير : . وفي مصنف أبي داود: فلم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم غرماءَه على أن خلع لهم مالَه. وهذا نَصٌّ؛ فلم يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحبس الرجل، وهو معاذ بن جبل كما قال شُرَيْح، ولا بملازمته، خلافاً لأبي حنيفة فإنه قال: يلازم لإمكان أن يظهر له مال، ولا يكلف أن يكتسب لما ذكرنا. وبالله توفيقنا. الخامسة ـ ويحبس المفلس في قول مالك والشافعيّ وأبي حنيفة وغيرهم حتى يتبيّن عُدْمُه. ولا يحبس عند مالك إن لم يُتّهم أنه غيّب مالَه ولم يتبيّن لَدَدُه. وكذلك لا يحبس إن صحّ عُسْره على ما ذكرنا. السادسة ـ فإن جُمِع مال المفلس ثم تلِف قبل وصوله إلى أربابه وقبل البيع، فعلى المفلس ضمانُه، وديْن الغرماء ثابت في ذمته. فإن باع الحاكم ماله وقبض ثمنه ثم تلِف الثمن قبل قبض الغرماء له، كان عليهم ضمانه وقد برىء المفلس منه. وقال محمد بن عبد الحكم: ضمانه من المفلس أبداً حتى يصل إلى الغرماء. السابعة ـ العُسْرَة ضيق الحال من جهة عدم المال؛ ومنه جيش العسرة. والنّظِرَة التأخير. والمَيْسَرَة مصدر بمعنى اليسر. وارتفع «ذو» بكان التامة التي بمعنى وجد وحدث؛ هذا قول سيبويه وأبي عليّ وغيرهما. وأنشد سيبويه:شعر : فِدًى لبني ذُهْلِ بنِ شَيْبان ناقتي إذا كان يومٌ ذو كواكب أشْهَبُ تفسير : ويجوز النصب. وفي مصحف أبيّ بن كعب «وَإنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ» على معنى وإن كان المطلوب ذا عسرة. وقرأ الأعمش «وإن كان مُعْسِراً فنظرة». قال أبو عمرو الدّانِيّ عن أحمد بن موسىٰ: وكذلك في مصحف أبيّ بن كعب. قال النحاس ومكيّ والنقاش: وعلى هذا يختص لفظ الآية بأهل الرِّبا، وعلى من قرأ «ذو» فهي عامة في جميع من عليه دين، وقد تقدّم. وحكى المهدَوِيّ أن في مصحف عثمان «فإن كان ـ بالفاء ـ ذو عسرة». وروى المعتمِر عن حجاج الورّاق قال: في مصحف عثمان «وإن كان ذا عسرةٍ» ذكره النحاس. وقراءة الجماعة «نَظِرَةٌ» بكسر الظاء. وقرأ مجاهد وأبو رَجاء والحسن «فَنَظْرَةٌ» بسكون الظاء، وهي لغة تميميّة وهم الذين يقولون:(في) كَرْم زيدٍ بمعنى كَرَم زيدٍ، ويقولون كبْد في كبِد. وقرأ نافع وحده «مَيْسُرَةٍ» بضم السين، والجمهور بفتحها. وحكى النحاس عن مجاهد وعطاء «فناظِرْهُ ـ على الأمر ـ إلى مَيْسُرِ» هِي بضم السين وكسر الراء وإثبات الياء في الإدراج. وقرىء «فَنَاظِرَةٌ» قال أبو حاتم لا يجوز فناظرة، إنما ذلك في «النمل» لأنها ٱمرأة تكلمت بهذا لنفسها، من نظرت تنظر فهي ناظرة؛ وما في «البقرة» فمن التأخير، من قولك: أنظرتك بالديْن، أي أخّرتك به. ومنه قوله: {أية : فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} تفسير : [الحجر: 36]. وأجاز ذلك أبو إسحاق الزجاج وقال: هي من أسماء المصادر؛ كقوله تعالىٰ: {أية : لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} تفسير : [الواقعة: 2]. وكقوله تعالىٰ: {أية : تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ}تفسير : [القيامة: 25] وكـ {أية : خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} تفسير : [غافر: 19] وغيره. الثامنة ـ قوله تعالىٰ: {وَأَن تَصَدَّقُواْ} ابتداء، وخبره {خَيْرٌ}. ندب الله تعالىٰ بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعُسِر وجعل ذلك خيراً من إنْظاره؛ قاله السدي وابن زيد والضحاك. وقال الطبريّ: وقال آخرون: معنى الآية وأن تصدّقوا على الغنِيّ والفقير خير لكم. والصحيح الأوّل، وليس في الآية مَدْخل للغنِيّ. التاسعة ـ روى أبو جعفر الطحاوي عن بُريْدة بن الحُصَيْب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «من أنظر معسراً كان له بكل يوم صدقة» ثم قلت: بكل يوم مثله صدقة؛ قال فقال «بكل يوم صدقة مالم يحِل الدّيْن فإذا أنْظَره بعد الحِل فله بكل يوم مثله صدقة»تفسير : . وروى مسلم عن أبي مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : حوسِب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلاَّ أنه كان يخالط الناس وكان موسِراً فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسِر قال قال الله عزّ وجلّ نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه»تفسير : . وروي عن أبي قتادة أنه طلب غِريماً له فتوارَىٰ عنه ثم وجده فقال: إني معسِر. فقال: آلله؟ قال: أللَّهِ. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من سره أن ينجِيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسِرٍ أو يضع عنه»تفسير : ، وفي حديث أبي اليَسَر الطويلِ ـ واسمه كعب بن عمرو ـ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من أنظر معسِراً أو وضع عنه أظلَّه الله في ظِلِّه»تفسير : . ففي هذه الأحاديث من الترغيب ما هو منصوص فيها. وحديث أبي قتادة يدل على أن رب الدين إذا علِم عسرة (غريمه) أو ظنها حرمتّ عليه مطالبتُه، وإن لم تثبت عُسْرته عند الحاكم. وإنْظار المعسِر تأخيره إلى أن يُوسِر. والوضع عند إسقاط الدين عن ذمته. وقد جمع المعنيين أبو اليسر لغريمه حيث محا عنه الصحيفة وقال له: إن وجدت قضاء فاقضِ وإلاَّ فأنت في حِل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِن كَانَ } وقع غريم {ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ } له أي عليكم تأخيره {إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ } بفتح السين وضمها، أي وقت يسر {وَأَن تَصَدَّقُواْ } بالتشديد على إدغام التاء في الأصل في الصاد[تصّدّقوا] وبالتخفيف على حذفها[تصدّقوا] أي تتصدقوا على المعسر بالإبراء {خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه خير فافعلوه في الحديث « حديث : من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله » تفسير : رواه مسلم.

ابن عطية

تفسير : حكم الله تعالى لأرباب الربا برؤوس الأموال عند الواجدين للمال، ثم حكم في ذي العسرة بالنظرة إلى حالة اليسر. قال المهدوي: وقال بعض العلماء هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر بدين، وحكى مكي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به في صدر الإسلام. قال القاضي أبو محمد: فإن ثبت فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو نسخ، وإلا فليس بنسخ، و "العسرة" ضيق الحال من جهة عدم المال ومنه جيش العسرة، والنظرة التأخير، والميسرة مصدر بمعنى اليسر، وارتفع {ذو عسرة} بــ {كان} التامة التي هي بمعنى وجد وحدث. هذا قول سيبويه وأبي علي وغيرهما، ومن هنا يظهر أن الأصل الغنى ووفور الذمة، وأن العدم طارىء حادث يلزم أن يثبت. وقال بعض الكوفيين، حكاه الطبري: بل هي {كان} الناقصة والخبر محذوف، تقديره {وإن كان} من غرمائكم {ذو عسرة} وارتفع قوله: {فنظرة} على خبر ابتداء مقدر، تقديره فالواجب نظرة، أو فالحكم نظرة. قال الطبري: وفي مصحف أبي بن كعب: {وإن كان ذو عسرة} على معنى وإن كان المطلوب، وقرأ الأعمش "وإن كان معسراً فنظرة". قال أبو عمرو الداني عن أحمد بن موسى: وكذلك في مصحف أبي بن كعب، قال مكي والنقاش وعلى هذا يختص لفظ الآية بأهل الربا، وعلى من قرأ {وإن كان ذو عسرة} بالواو فهي عامة في جميع من عليه دين. قال القاضي أبو محمد: وهذا غير لازم، وحكى المهدوي أن في مصحف عثمان، "فإن كان" بالفاء {ذو عسرة} بالواو، وقراءة الجماعة نظرة بكسر الظاء، وقرأ مجاهد وأبو رجاء والحسن: "فنظْرة" بسكون الظاء، وكذلك قرأ الضحاك، وهي على تسكين الظاء من نظرة، وهي لغة تميمية، وهم الذين يقولون: كرم زيد بمعنى كرم، ويقولون، كبد في كبد، وكتف في كتف، وقرأ عطاء بن أبي رباح "فناظرة" على وزن فاعلة، وقال الزجّاج: هي من أسماء المصادر، كقوله تعالى: {أية : ليس لوقعتها كاذبة} تفسير : [الواقعة: 2] وكقوله تعالى: {أية : تظن أن يفعل بها فاقرة} تفسير : [القيامة: 25]، وكخائنة الأعين وغيره، وقرأ نافع وحده "ميسُرة" بضم السين، وقرأ باقي السبعة وجمهور الناس "ميسَرة" بفتح السين على وزن مفعلة، وهذه القراءة أكثر في كلام العرب، لأن مفعلة بضم العين قليل. قال أبو علي: قد قالوا: مسربة ومشربة، ولكن مفعلة بفتح العين أكثر في كلامهم، وقرأ عطاء بن أبي رياح أيضاً ومجاهد: "فناظره إلى ميسُره" على الأمر في "ناظره" وجعلا الهاء ضمير الغريم، وضما السين من "ميسُره" وكسر الراء وجعلا الهاء ضمير الغريم، فأما ناظره ففاعله من التأخير، كما تقول: سامحه، وأما ميسر فشاذ، قال سيبويه: ليس في الكلام مفعل، قال أبو علي يريد في الآحاد، فأما في الجمع فقد جاء قول عدي بن زيد: [الرمل] شعر : أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنّي مَأْلُكاً أَنَّه قَدْ طالَ حَبْسي وانتظار تفسير : وقول جميل: [الطويل] شعر : بثين الزمي - لا - إنَّ - لا - إنْ لزمته على كثرةِ الواشين أيّ معون تفسير : فالأول جمع مالكة، والآخر جمع معونة، وقال ابن جني: إن عدياً أراد مالكة فحذف، وكذلك جميل أراد أي معونة، وكذلك قول الآخر: [الراجز] شعر : "ليومِ روعٍ أو فِعال مكْرَمِ" تفسير : "أرادَ مَكْرُمَة"، فحذف قال: ويحتمل أن تكون جموعاً كما قال أبو علي. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فإن كان ميسر جمع ميسرة فيجري مجرى هذه الأمثلة، وإن كان قارئه أراد به الإفراد فذلك شاذ، وقد خطأه بعض الناس، وكلام سيبويه يرده، واختلف أهل العلم: هل هذا الحكم بالنظرة إلى الميسرة: واقف على أهل الربا أو هو منسحب على كل ذي دين حال؟ فقال ابن عباس وشريح: ذلك في الربا خاصة، وأما الديون وسائر الأمانات فليس فيها نظرة، بل تؤدى إلى أهلها، وكأن هذا القول يترتب إذا لم يكن فقر مدقع وأما مع الفقر والعدم والصريح، فالحكم هي النظرة ضرورة، وقال جمهور العلماء النظرة إلى الميسرة حكم ثابت في المعسر سواء كان الديْن ربا أو من تجارة في ذمة أو من أمانة، فسره الضحاك. وقوله تعالى: {وأن تصدقوا} ابتداء وخبره {خير}، وندب الله تعالى بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعسر وجلع ذلك خيراً من إنظاره، قاله السدي وابن زيد والضحاك وجمهور الناس. وقال الطبري وقال آخرون معنى الآية وأن تصدقوا على الغني والفقير خير لكم، ثم أدخل الطبري تحت هذه الترجمة أقوالاً لقتادة وإبراهيم النخعي لا يلزم منها ما تضمنته ترجمته، بل هي كقول جمهور الناس، وليس في الآية مدخل للغني، وقرأ جمهور القراء: "تصَّدقوا" بتشديد الصاد على الإدغام من تتصدقوا. وقرأ عاصم "وأن تصْدقوا" بتخفيف الصاد وفي مصحف عبد الله بن مسعود "وأن تصدقوا" بفك الإدغام. وروى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب أنه قال: كان آخر ما أنزل من القرآن آية الربا، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة. وقال ابن عباس: آخر ما نزل آية الربا. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ومعنى هذا عندي أنها من آخر ما نزل، لأن الجمهور الناس وابن عباس والسدي والضحاك وابن جريج وغيرهم، قال: آخر آية قوله تعالى: {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} وقال سعيد بن المسيب: بلغني أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين، وروي أن قوله عز وجل: {واتقوا} نزلت قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بتسع ليال، ثم لم ينزل بعدها شيء، وروي بثلاث ليال، وروي أنها نزلت قبل موته بثلاث ساعات، وأنه قال عليه السلامحديث : اجعلوها بين آية الربا وآية الدينتفسير : ، وحكى مكي أن النبي صلى الله عليه وسلم قالحديث : جاءني جبريل فقال اجعلها على رأس مائتين وثمانين آية، من البقرة . تفسير : وقوله تعالى: {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} إلى آخر الآية، وعظ لجميع الناس وأمر يخص كل إنسان، و {يوماً} منصوب على المفعول لا على الظرف. وقرأ أبو عمرو بن العلاء "تَرجِعون" بفتح التاء وكسر الجيم، وقرأ باقي السبعة "تُرجعَون" بضم التاء وفتح الجيم، فمثل قراءة أبي عمرو {أية : إن إلينا إيابهم} تفسير : [الغاشية: 25] ومثل قراءة الجماعة {أية : ثم ردوا إلى الله} تفسير : [الأنعام: 62] {أية : ولئن رددت إلى ربي} تفسير : [الكهف: 36] المخاطبة في القراءتين بالتاء على جهة المبالغة في الوعظ والتحذير، وقرأ الحسن "يرْجعون" بالياء على معنى يرجع جميع الناس. قال ابن جني كأن الله تعالى رفق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرجعة إذ هي مما تنفطر له القلوب. فقال لهم: {واتقوا يوماً}، ثم رجع في ذكر الرجعة إلى الغيبة رفقاً بهم، وقرأ أبي بن كعب "يوماً تُردون" بضم التاء، وجمهور العلماء على أن هذا اليوم المحذر منه هو يوم القيامة والحساب والتوفية، وقال قوم هو يوم الموت، والأول أصح بحكم الألفاظ في الآية، وفي قوله: {إلى الله} مضاف محذوف تقديره إلى حكم الله وفصل قضائه، وقوله {وهم} رد على معنى كل نفس لا على اللفظ إلا على قراءة الحسن "يرجعون"، فقوله: {وهم} رد على ضمير الجماعة في "يرجعون"، وفي هذه الآية نص على أن الثواب والعقاب متعلق بكسب الإنسان. وهذا رد على الجبرية.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَنَظِرَةٌ} يجب الإنظار في دَين الربا خاصة، أو في كل دَين، أو الإنظار في دَين الربا بالنص وفي غيره بالقياس. {مَيْسَرَةٍ} أن يوسر عند الأكثر، أو الموت ـ عند إبراهيم {وَأَن تَصَدَّقُواْ} على المعسر بالإبراء خير من الإنظار.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ...}. قال ابن عرفة: تقرر من كلام الإمام عياض في كتاب الوصايا من الإكمال في حديث سعد بن أبي وقاص أن قولك: زيد ذو مال أبلغ من قولك: زيد له مال، ونحوه للزمخشري في أول سورة آل عمران في قوله: {أية : وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ}تفسير : وفي سورة غافر: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ}.تفسير : ونحوه لابن الخطيب في سورة الروم في قوله {أية : فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ}.تفسير : وخالفهم الشيخ (ابن عطية) فقال في سورة الرعد في قوله {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ}تفسير : (إنها) دالة على تغليب جانب الخوف على جانب الرجاء لأن قولك ذو مغفرة مقتض لتقليل المغفرة. قال ابن عرفة: وقال بعضهم قولك: زيد صاحب مال، أبلغ من: ذو مال، لأن ذو مال إنما يقتضي مطلق النسبة سواء اتّصف به / أم لا، بخلاف قولك: صاحب، فإذا بنينا على كلام الجماعة الصحيح فإنما قال "ذُو عُسْرَة" ولم يقل: وإن كان معسرا، إشارة لما (تقرر) في الفقه من أنّ من له دار وخادم وفرس لا فضل في ثمنهن على ما سواهن يجوز له أخذ الزكاة ويسمى فقيرا، مع أنه إذا كان عليه دين يباع عليه داره وخادمه في دينه فليس مجرد الإعسار موجبا لإنظاره (بالدين، فإنّ) الموجب لذلك الإعسار (البين الكثير) فناسب إدخال (ذو). قال ابن عطية: و(كان) هنا عند سيبويه تامة بمعنى وجد وحدث. ومن هنا يظهر أنّ الأصل الغنى لأن إدخال "إن" يدل على أنّ الإعسار لم يكن موجودا. ورده ابن عرفة بأن ذلك (في) الدّين الذي كان (عن) عوض يقول فيه: الأصل المَلاَء، واستصحاب الحال ببقاء ذلك العوض وذهابه على خلاف الأصل، وأما الدين الذي لا عن عوض كنفقة الزوجات والبنين والأبوين فليس الأصل فيه المَلاَءُ. ابن عطية: حكى المهدوي عن بعضهم أن الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر بدين. وحكى مكي: أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم أمر به في صدر الإسلام. ابن عطية: فإن (قلنا): فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو نسخ وإلاّ فليس نسخا. قال ابن عرفة: يريد أنه على الأول يكون نسخا لغويا وعلى الثاني يكون نسخا في اصطلاح الأصوليين. قال: وهنا أورد القرافي (في قواعده) سؤالا قال: ثواب الواجب أعظم من ثواب المندوب مع أن تأخير الغريم بالدّين واجب والتصدق عليه مندوب والآية نص في أنّ التصدق عليه بن أفضل، ثم أجاب التصدق به يستلزم التأخير وزيادة. قوله تعالى: {وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ...}.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ}: في "كان" هذه وجهان: أحدهما: - وهو الأظهر - أنها تامةٌ بمعنى حدث، ووجد، أي: وإن حدث ذو عسرةٍ، فتكتفي بفاعلها كسائر الأفعال، قيل: وأكثر ما تكون كذلك إذا كان مرفوعها نكرةٌ، نحو: "قد كان مِنْ مَطَرٍ". والثاني: أنها الناقصة والخبر محذوفٌ. قال أبو البقاء: "تقديره: وإن كان ذو عسرة لكم عليه حقٌّ، أو نحو ذلك" وهذا مذهب بعض الكوفيين في الآية، وقدَّر الخبر: وإن كان من غرمائكم ذو عسرةٍ. وقدَّره بعضهم: وإن كان ذو عسرةٍ غريماً. قال أبو حيَّان: "وَحَذْفُ خبرِ كَانَ لا يجيزه أصحابنا؛ لا اختصاراً؛ ولا اقتصاراً، لعلَّةٍ ذكروها في كتبهم. وهي أنَّ الخبر تأكّد طلبه من وجهين: أحدهما: كونه خبراً عن مخبر عنه. والثاني: كونه معمولاً للفعل قبله، فلما تأكدت مطلوبيته، امتنع حذفه. فإن قيل: أليس أن البصريين لمَّا استدلَّ عليهم الكوفيون في أنَّ "ليس" تكون عاطفةً بقوله: [الرمل] شعر : 1269-....................... إِنَّمَا يَجْزِي الفَتَى لَيْسَ الجَمَلْ تفسير : تأوَّلُوهَا على حَذْفِ الخَبَرِ؛ وأَنْشدوا شَاهِداً على حَذْفِ الخبرِ قولَه: [الكامل] شعر : 1270-........................ يَبْغِي جِوَارَكِ حِينَ لَيْسَ مُجِيرُ تفسير : وإذا ثبت هذا، ثبت في سائر الباب. فالجواب أن هذا مختصٌّ بليس؛ لأنها تشبه لا النافية، و "لا" يجوز حذف خبرها، فكذا ما أشبهها". وتقوَّى الكوفيُّون بقراءة عبد الله، وأُبيّ؛ وعثمان: "وَإِنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ" أي: وإن كان الغريم ذا عُسْرَةٍ. قال أبو عليّ: في "كان" اسمها ضميراً تقديره: هو، أي: الغريم، يدلُّ على إضماره ما تقدَّم من الكلام؛ لأنَّ المرابي لا بدَّ له ممَّن يرابيه. وقرأ الأعمش: "وإِنْ كان مُعْسِراً" قال الدَّاني، عن أحمد بن موسى: "إنها في مُصْحَفِ عبد الله كذلك". ولكنَّ الجمهور على ترجيح قراءة العامة وتخريجهم القراءة المشهورة. قال مكي: وَإِنْ وقع ذُو عُسْرَةٍ، وهو سائغٌ في كلِّ الناس، ولو نصبت "ذا" على خبر "كان"، لصار مخصوصاً في ناس بأعيانهم؛ فلهذه العلة أجمع القرَّاء المشهورون على رفع "ذو". وقد أوضح الواحديُّ هذا، فقال: "أي: وإنْ وقع ذو عسرةٍ، والمعنى على هذا يصحُّ، وذلك أنه لو نصب، فقيل: وإن كان ذا عسرة، لكان المعنى: وإن كان المشتري ذا عُسْرةٍ، فنظرةٌ؛ فتكون النظرة مقصورةً عليه، وليس الأمر كذلك؛ لأن المشتري، وغيره إذا كان ذا عسرةٍ، فله النظرة إلى الميسرة". وقال أبو حيَّان: مَنْ نصب "ذَا عُسْرَةٍ"، أو قرأ "مُعْسِراً" فقيل: يختصُّ بأهل الرِّبا، ومن رفع، فهو عامٌّ في جميع من عليه دينٌ، قال: "وليس بلازمٍ، لأنَّ الآية إنما سِيقَتْ في أهل الربا، وفيهم نزلت" قال شهاب الدين: وهذا الجواب لا يجدي؛ لأنه وإن كان السياق كذا، فالحكم ليس خاصاً بهم. وقرئ "وَمَنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ"، وقرأ أبو جعفرٍ "عُسُرَةٍ" بضم السين. فصل قال ابن الخطيب: لما كنتُ بـ "خَوَارِزْم"، وكان هناك جمعٌ من أكابر الأدباء، فأوردت عليهم إشكالاً في هذا الباب؛ فقلت: إنكم تقولون: إنَّ "كان" إذا كانت ناقصةً، أنها تكون فعلاً؛ وهذا محالٌ؛ لأن الفعل ما دلَّ على اقتران حدثٍ بزمان، فقولك "كان" يدل على حصول معنى الكون في الزمان الماضي، وإذا أفاد هذا المعنى، كانت تامةً، لا ناقصةً، فهذا الدليل يقتضي أنها إن كانت فعلاً، كانت تامةً لا ناقصة، وإن لم تكن تامةً لم تكن فعلاً ألبتة؛ بل كانت حرفاً، وأنتم تنكرون ذلك؛ فبقوا في هذا الإشكال زماناً طويلاً، وصنَّفوا في الجواب عنه كتباً، وما أفلحوا فيه، ثم انكشف لي فيه سرٌّ أذكره - هاهنا - وهو: أنَّ "كانَ" لا معنى له إلاَّ أنه حدث، ووقع، ووجد إلاَّ أن قولك وجد، وحدث على قسمين: أحدهما: أن يكون المعنى وجد، وحدث الشيء؛ كقولك: وجد الجوهر، وحدث العرض. والثاني: أن يكون المعنى وجد، وحدث موصوفية الشيء بالشيء، فإذا قلت: كان زيدٌ عالماً، فمعناه: حدث في الزمان الماضي موصوفية زيد بالعلم. والقسم الأول هو المسمَّى بـ "كان" التامة. والقسم الثاني: هو المسمَّى بـ "الناقصة" وفي الحقيقة: فالمفهوم من "كان" في الموضعين هو الحدوث، والوقوع إلاَّ أنه في القسم الأول المراد حدوث الشيء في نفسه فلا جرم كان الاسم الواحد كافياً والمراد في القسم الثاني حدوث موصوفية أحد الأمرين بالآخر، فلا جرم لم يكن الاسم الواحد كافياً، بل لا بدَّ فيه من ذكر الاسمين حتى يمكنه أن يشير إلى موصوفية أحدهما بالآخر، وهذا من لطائف الأبحاث. فأما إن قلنا إنه فعل، كان دالاًّ على وقوع المصدر في الزمان الماضي فحينئذٍ تكون تامةً لا ناقصةً، وإن قلنا إنه ليس بفعل بل حرفٌ، فكيف يدخل فيه الماضي والمستقبل، والأمر، وجميع خواصِّ الأفعال؟ وإذا حمل الأمر على ما قلناه، تبيَّن أنه فعلٌ وزال الإشكال بالكلية. المفهوم الثالث لـ "كان" أن تكون بمعنى "صَارَ"؛ وأنشدوا: [الطويل] شعر : 1271- بِتَيْهَاءَ قَفْرٍ وَالمَطِيُّ كَأَنَّهَا قَطَا الحَزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخاً بُيُوضُهَا تفسير : وعندي أنَّ هذا اللفظ - هاهنا - محمولٌ على ما ذكرناه، فإنَّ معنى "صار" أنَّها حدثت موصوفية الذات بهذه الصفة، بعد أنها ما كانت موصوفة بذلك؛ فتكون "كان" هنا أيضاً بمعنى حدث، ووقع؛ إلاَّ أنه حدوثٌ مخصوصٌ وهو أنه حدث موصوفية الذات بهذه الصفة، بعد أن كان الحاصل موصوفية الذات بصفة أخرى. المفهوم الرابع: أن تكون زائدة؛ وأنشدوا: [الوافر] شعر : 1272- سَرَاةُ بَنِي أبي بَكْرٍ تَسَامَى عَلَى كَانَ المُسَوَّمَةِ الجِيَادِ تفسير : و "العُسْرَةِ" اسم من الإعسار، ومن العسر، وهو تعذُّر الموجود من المال؛ يقال: أعسر الرجل، إذا صار إلى حالة العسرة، وهي الحالة التي يتعسَّر فيها وجود المال. قوله: "فَنَظِرَةٌ" الفاء جواب الشرط، و "نَظِرَةٌ" خبر مبتدأ محذوف، أي: فالأمر أو فالواجب، أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ، أي: فعليكم نظرةٌ. وقرأ العامَّة: "نَظِرَةٌ" بزنة "نَبَقَة". وقرأ الحسن، ومجاهدٌ، وأبو رجاء: "فَنَظِرةٌ" بتسكين العين، وهي لغةٌ تميمةٌ يقولون: "كَبْد" في "كَبِد" و "كَتْف" في "كَتِف". وقرأ عطاء "فَنَاظِرَةٌ" على فاعلة، وقد خرَّجها أبو إسحاق على أنها مصدر نحو: {أية : لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ}تفسير : [الواقعة:2] {أية : يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ}تفسير : [غافر:19] {أية : أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ}تفسير : [القيامة:25]. وقال الزمخشري: "فناظِرُهُ، أي: فصاحب الحقّ ناظره، أي: منتظره، أو صاحب نظرته على طريقة النسب؛ كقولهم: مَكَانٌ عَاشِبٌ، وبَاقِلٌ؛ بمعنى ذو عشبٍ، وذو بقلٍ، وعنه: "فناظِرْهُ" على الأمر بمعنى: فسامحه بالنظرة، وباشره بها" فنقله عنه القراءة الأولى يقتضي أن تكون قراءته "ناظِر" اسم فاعل مضافاً لضمير ذي العسرة، بخلاف القراءة التي قدمها عن عطاء، فإنها "نَاظِرَةٌ" بتاء التأنيث، ولذلك خرَّجها الزَّجَّاج على المصدر. وقرأ عبد الله: "فناظِرُوه" أمراً للجماعة بالنظرة، فهذه ستُّ قراءات مشهورها واحدةٌ. وهذه الجملة لفظها خبرٌ، ومعناها الأمر؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ}تفسير : [البقرة:233] وقد تقدَّم. والنظرة: من الانتظار، وهو الصبر والإمهال. تقول: بعته الشيء بنظرة، وبإنظار. قال: {أية : قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ}تفسير : [الأعراف:14-15] {أية : إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ}تفسير : [الحجر:38]. قوله: {إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} قرأ نافع وحده: "مَيْسُرَة" بضمِّ السِّين، والباقون بفتحها. والفتح هو المشهور؛ إذ مفعل، ومفعلة بالفتح كثيرٌ، ومفعُلٌ بالضم، معدومٌ؛ إلا عند الكسائي، فإنه أورد منه ألفاظاً، وأمَّا مفعلةٌ، فقالوا: قليلٌ جدّاً وهي لغة الحجاز، وقد جاءت منها ألفاظٌ، نحو: المسرُقة، والمقبرة، والمشربة، والمسربة، والمقدرة، والمأدبة، والمفخرة، والمزرعة، ومعربة، ومكرمة، ومألكة. وقد ردَّ النحاس الضمَّ؛ تجرؤاً منه، وقال: "لم تَأْتِ مَفْعُلَةٌ إِلاَّ في حُرُوفٍ معدودةٍ ليس هذه منها، وأيضاً فإنَّ الهاء زائدةٌ، ولم يَأْتِ في كلامِهِم مَفْعُل أَلْبتةَ" انتهى. وقال سيبويه: "لَيْسَ في الكَلاَمِ مَفْعُل" قال أبو عليّ: "يَعْنِي في الآحاد". وقد حكى سيبويه "مَهْلك" مثلَّث اللاَّم، وقال الكسائيُّ: "مَفْعُل" في الآحاد، وأورد منه مكرُماً في قول الشاعر: [الرجز] شعر : 1273- لِيَوْمِ رَوْعٍ أَوْ فَعَالِ مَكْرُمِ تفسير : ومَعْوُن في قول الآخر - هو جميلٌ -: [الطويل] شعر : 1274- بُثَيْنُ، الْزَمِي "لاَ"؛ إنَّ "لاَ" إِنْ لَزِمْتِهِ عَلَى كَثْرَةِ الوَاشِينَ أَيُّ مَعْوُنِ تفسير : ومألكاً في قول عديّ: [الرمل] شعر : 1275- أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَأْلُكاً أَنَّهُ قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي تفسير : وهذا لا يرد على سيبويه لوجهين: أحدهما: أنَّ هذا جمعٌ لمكرمةٍ، ومعونة، ومألكة، وإليه ذهب البصريون، والكوفيون خلا الكسائي، ونقل عن الفراء أيضاً. والثاني: أن سيبويه لا يعتدُّ بالقليل، فيقول: "لم يَرِدْ كذا" وإن كان قد ورد منه الحرف والحرفان، لعدم اعتداده بالنادر القليل. وإذا تقرَّر هذا، فقد خطَّأ النحويون مجاهداً، وعطاءً في قراءتهما: "إلى مَيْسُرِهِ" بإضافة "مَيْسُر" مضموم السين إلى ضمير الغريم؛ لأنهم بنوه على أنه ليس في الآحاد مفعل، ولا ينبغي أن يكون هذا خطأً؛ لأنه على تقدير تسليم أنَّ مفعلاً ليس في الآحاد، فميسر هنا ليس واحداً، إنما هو جمع ميسرة، كما قلتم أنتم: إنَّ مكرماً جمع مكرمةٍ، ونحوه، أو يكون قد حذف تاء التأنيث للإضافة؛ كقوله: [البسيط] شعر : 1276- إِنَّ الخَلِيطَ أَجَدُّوا البَيْنَ فَانْجَرَدُوا وأَخْلَفُوكَ عِدَ الأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا تفسير : أي: عدة الأمر؛ ويدلُّ على ذلك أنهم نقلوا عنهما، أنهما قرآ أيضاً: "إِلَى مَيْسَرِهِ" بفتح السين، مضافاً لضمير الغريم، وهذه القراءة نصٌّ فيما ذكرته لك من حذف تاء التأنيث للإضافة؛ لتوافق قراءة العامَّة: "إلى مَيْسَرَةٍ" بتاء التأنيث. وقد خرَّجها أبو البقاء على وجهٍ آخر، وهو أن يكون الأصل: "مَيْسُورِه" فخفِّف بحذف الواو؛ اكتفاءً بدلالة الضمة عليها، وقد يتأيَّد ما ذكره على ضعفه، بقراءة عبد الله، فإنه قرأ: إلى "مَيْسُورِه" بإضافة "مَيْسورٍ" للضمير، وهو مصدرٌ على مفعول؛ كالمجلود والمعقول، وهذا إنما يتمشَّى على رأي الأخفش؛ إذ أثبت من المصادر زنة مفعول، ولم يثبته سيبويه. "والمَيْسَرَةُ": مفعلةٌ من اليسر، واليسار الذي هو ضدُّ الإعسار، وهو تيسر الموجود من المال ومنه يقال أيسر الرجل، فهو موسرٌ، أي: صار إلى حالة وجود المال فالميسرة، واليسر، والميسور: الغنى. فصل في سبب نزول "وإن كان ذو عسرة" لما نزل قوله: {أية : وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}تفسير : [البقرة:279] قال بنو عمرو الثَّقفي: بل نتوب إلى الله، فإنه لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله، فرضوا برأس المال، فشكى بنو المغيرة العسرة، وقالوا: أخِّرونا إلى أن تدرك الغلاَّت، فأبوا أن يؤخروا؛ فأنزل الله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} يعني وإن كان الذي عليه الدَّين معسراً، {فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ}، يعن: أَنْظِرُوه إلى اليسار، والسَّعة. فصل في بيان حكم الإنظار اختلفوا في حكم الإنظار: هل هو مختصٌّ بالربا، أو عامٌّ في كل دين؟ فقال ابن عباس، وشريح، والضحاك، والسدي، وإبراهيم: الآية في الربا، وذكر عن شريح أنَّه أمر بحبس الخصم، فقيل له: إنه معسرٌ، فقال شريح إنما ذلك في الربا، والله تعالى قال في كتابه العزيز {أية : إِنَّ ٱللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا}تفسير : [النساء:58]. وقال جماعة منهم مجاهد: إنها عامَّة في كل دين؛ لعموم قوله تعالى: {ذُو عُسْرَةٍ} ولم يقل ذا عسرة. فصل والإعسار: هو ألاَّ يجد في ملكه ما يؤدِّيه بعينه، ولا يكون له ما لو باعه، لأمكنه أداء الدَّين من ثمنه خارجاً عن مسكنه وثيابه، ولا يجوز أن يحبس من لم يجد إلاَّ قوت يوم لنفسه وعياله، وما لا بدَّ لهم من كسوةٍ لصلاتهم ودفع البرد والحرِّ عنهم. واختلفوا: إذا كان قويّاً، هل يلزمه أن يؤاجر نفسه من صاحب الدَّين، أو غيره؟ فقال بعضهم: يلزمه ذلك، كما يلزمه إذا احتاج لنفسه، أو لعياله. وقال بعضهم: لا يلزمه ذلك، واختلفوا أيضاً إذا بذل للمعسر ما يؤدِّي به الدَّين، هل يلزمه قبوله والأداء، أو لا يلزمه؟ فأما من له بضاعة كسدت عليه فواجبٌ عليه أن يبيعها بالنقصان إن لم يكن إلاَّ ذلك، ويؤدِّيه في الدَّين. فصل في تحريم حبس المعسر إذا علم الإنسان أنَّ غريمة معسرٌ - حرم عليه حبسه، وأن يطالبه بما له عليه ووجب عليه إنظاره إلى يساره، فإن ارتاب في إعساره، جاز له حبسه إلى أن يظهر إعساره، فإذا ادَّعى الإعسار وكذَّبه الغريم، فإن كان الدَّين عن عوضٍ، كالبيع، والقرض، فلا بدَّ له من إقامة البيِّنة على أنَّ ذلك العوض قد هلك، وإن كان الدَّين عن غير عوض كالإتلاف، والصَّداق، والضَّمان؛ فالقول قول المعسر؛ لأن الأصل الفقر وعلى الغريم إقامة البينة. فصل قال المهدويُّ: قال بعض العلماء: هذه الآية ناسخةٌ لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر. قال القرطبيُّ: وحكى مكيٌّ: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به في صدر الإسلام. قال ابنُ عطية: فإن ثبت فِعْلُ النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو نسخٌ، وإلاَّ فليس بنسخ. قال الطَّحاوي: كان الحرُّ يباع في الدَّين أول الإسلام، إذا لم يكن له مالٌ يقضيه عن نفسه؛ حتى نسخ الله ذلك بقوله: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ}. واحتجُّوا بما رواه الدَّارقطنيُّ من حديث مسلم بن خالد الزَّنجي، قال: حدثنا زيد ابن أسلم عن ابن البيلمانيّ، عن سرَّقٍ، قال: كان لرجلٍ عليّ مالٌ - أو قال - دينٌ فذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يصب لي مالاً، فباعني منه، أو باعني له؛ أخرجه البزَّار بإسناد طويل، ومسلم بن خالد الزنجي، وعبد الرحمن البيلماني لا يحتجُّ بهما. قوله: {وَأَن تَصَدَّقُواْ} مبتدأ وخبره "خير" وقرأ عاصم: بتخفيف الصاد، والباقون: بتثقيلها. وأصل القراءتين واحدٌ؛ إذ الأصل: تتصدَّقوا، فحذف عاصمٌ إحدى التاءين: إمَّا الأولى، وإمَّا الثانية، وتقدَّم تحقيق الخلاف فيه، وغيره أدغم التاء في الصاد، وبهذا الأصل قرأ عبد الله: "تَتَصَدَّقوا". وحذف مفعول التصدُّق للعلم به، أي: بالإنظار؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لاَ يَحِلُّ دَيْنُ رَجلٍ مُسْلم، فيؤخره؛ إلاَّ كان له بِكُلِّ يَوْمٍ صدقةٌ" تفسير : وهذا ضعيفٌ؛ لأن الإنظار ثبت وجوبه بالآية، فلا بد من حمل هذه الآية على فائدةٍ جديدةٍ، ولأن قوله "خَيْرٌ لكُمْ" إنما يليق بالمندوب، لا بالواجب. وقيل: برأس المال على الغريم، إذ لا يصحُّ التصدق به على غيره؛ كقوله تعالى: {أية : وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [البقرة:237]. قوله: {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} جوابه محذوفٌ، و "اَنْ تَصَدَّقُوا" بتأويل مصدرٍ مبتدأ، و "خيرٌ لكم" خبره. فصل في تقدير مفعول "تعلمون" ونصب "يوماً" وتقدير مفعول "تَعْلَمُونَ" فيه وجوه: أحدها: إن كنتم تعلمون أنَّ هذا التصدُّق خير لكم إن عملتموه. الثاني: إن كنتم تعلمون فضل التصدُّق على الإنظار والقبض. الثالث: إن كنتم تعلمون أنَّ ما يأمركم به ربُّكم أصلح لكم.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله ‏{‏وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة‏}‏ قال‏:‏ نزلت في الربا‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ‏{‏وإن كان ذو عسرة فنظرة‏} ‏ قال‏:‏ إنما أمر في الربا أن ينظر المعسر، وليست النظرة في الأمانة ولكن تؤدى الأمانة إلى أهلها‏.‏ وأخرج ابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس ‏ {‏وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة‏}‏ هذا في شأن الربا ‏{‏وأن تصدقوا‏}‏ بها للمعسر فتتركوها له‏. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والنحاس في ناسخه وابن جرير عن ابن سيرين. أن رجلين اختصما إلى شريح في حق، فقضى عليه شريح وأمر بحبسه، فقال رجل عنده‏:‏ إنه معسر، والله تعالى يقول ‏ {‏وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة‏} ‏ قال‏:‏ إنما ذلك في الربا إن الربا كان في هذا الحي من الأنصار، فأنزل الله ‏ {‏وإن كان ذوعسرة فنظرة إلى ميسرة‏}‏ وقال ‏{أية : ‏إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها‏}‏ تفسير : ‏[‏النساء: 58‏]‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ‏ {‏وإن كان ذو عسرة‏}‏ يعني المطلوب‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي ‏ {‏وإن كان ذو عسرة فنظرة‏}‏ برأس المال إلى ميسرة يقول‏:‏ إلى غنى ‏{‏وأن تصدقوا‏} ‏ برؤوس أموالكم على الفقير ‏ {‏فهو خير لكم‏}‏ فتصدق به العباس‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك في الآية قال‏:‏ من كان ذا عسرة فنظرة إلى ميسرة وكذلك كل دين على المسلم، فلا يحل لمسلم له دين على أخيه يعلم منه عسرة أن يسجنه ولا يطلبه حتى ييسره الله عليه ‏ {‏وأن تصدقوا‏}‏ برؤوس أموالكم يعني على المعسر ‏ {‏خير لكم‏} ‏ من نظرة إلى ميسرة، فاختار الله الصدقة على النظارة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ‏ {‏وأن تصدقوا خير لكم‏}‏ يعني من تصدق بدين له على معدم فهو أعظم لأجره، ومن لم يتصدق عليه لم يأثم، ومن حبس معسراً في السجن فهو آثم لقوله ‏ {‏فنظرة إلى ميسرة‏} ‏ ومن كان عنده ما يستطيع أن يؤدي عن دينه فلم يفعل كتب ظالماً‏. وأخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده ومسلم وابن ماجة عن أبي اليسر ‏ حديث : ‏‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن حذيفة، أن رجلاً أتى به الله عز وجل فقال‏:‏ ماذا عملت في الدنيا‏؟‏ فقال له الرجل‏:‏ ما عملت مثقال ذرة من خير‏.‏ فقال له ثلاثاً، وقال في الثالثة إني كنت أعطيتني فضلاً من المال في الدنيا فكنت أبايع الناس، فكنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر‏.‏ فقال تبارك وتعالى أنا أولى بذلك منك تجاوزاً عن عبدي فغفر له‏.‏ وأخرج أحمد عن عمران بن حصين قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏من كان له على رجل حق فأخره كان له بكل يوم صدقة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب إصطناع المعروف عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته فليفرج عن معسر‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من أنظر معسراً إلى ميسرته أنظره الله بذنبه إلى توبته‏ ". تفسير : وأخرج أحمد وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن بريدة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ‏‏من أنظر معسراً كان له بكل يوم مثله صدقة، قال‏:‏ ثم سمعته يقول: من أنظر معسراً فله بكل يوم مثليه صدقة. فقلت‏:‏ يا رسول الله إني سمعتك تقول‏:‏ فله بكل يوم مثله صدقة‏.‏ وقلت الآن‏ فله بكل يوم مثليه صدقة‏.‏ فقال: إنه ما لم يحل الدين فله بكل يوم مثله صدقة، وإذا حل الدين فانظره فله بكل يوم مثليه صدقة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو الشيخ في الثواب وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب والطستي في الترغيب وابن لال في مكارم الأخلاق عن أبي بكر الصديق قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من أحب أن يسمع الله دعوته، ويفرج كربته في الآخرة، فلينظر معسراً أو ليدع له، ومن سره أن يظله الله من فور جهنم يوم القيامة، ويجعله في ظله فلا يكونن على المؤمنين غليظاً، وليكن بهم رحيماً‏ ". تفسير : وأخرج مسلم عن أبي قتادة ‏ حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والدرامي والبيهقي في الشعب عن أبي قتادة حديث : ‏‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏: ‏من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الترمذي وصححه والبيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من أنظر معسراً أو وضع له أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن عثمان بن عفان ‏‏ ‏"‏حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ أظل الله عبداً في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومن أنظر معسراً أو ترك لغارم‏ ".‏‏ تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن شداد بن أوس ‏ ‏"‏حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏: من أنظر معسراً أو تصدق عليه أظله الله في ظله يوم القيامة‏ ".‏‏ تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي قتادة وجابر بن عبد الله‏.‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"‏حديث : من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، وأن يظله تحت عرشه فلينظر معسراً‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة ‏"‏حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أنظر معسراً أظله الله في ظله يوم القيامة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن كعب بن عجرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏من أنظر معسراً أو يسر عليه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم القيامة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني عن أسعد بن زرارة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله فلييسر على معسر أو ليضع عنه‏ ".‏‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي اليسر ‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أوّل الناس يستظل في ظل الله يوم القيامة لرجل أنظر معسراً حتى يجد شيئاً، أو تصدق عليه بما يطلبه يقول‏:‏ ما لي عليك صدقة ابتغاء وجه الله، ويخرق صحيفته‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب اصطناع المعروف عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏من أنظر معسراً أو وضع له وقاه الله من فيح جهنم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم في الدنيا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة ‏‏ ‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن رجلاً لم يعمل خيراً قط، وكان يداين الناس، وكان يقول لفتاه‏:‏ إذا أتيت معسراً فتجاوز عنه لعل الله يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه‏ ". تفسير : وأخرج مسلم والترمذي عن أبي مسعود البدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسراً، وكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر قال الله‏:‏ نحن أحق بذلك تجاوزاً عنه‏ "‏‏.

ابو السعود

تفسير : {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} أي إن وقع غريمٌ من غرمائكم ذو عسرةٍ، على أن (كان) تامة، وقرىء ذا عسرةٍ على أنها ناقصة {فَنَظِرَةٌ} أي فالحكمُ نظِرةٌ أو فعليكم نظرةٌ أو فلتكم نظرةٌ وهي الإنظارُ والإمهالُ وقرىء فناظِرُه أي مُنتظرُه أو فصاحبُ نَظِرَتِه على طريق النسْب، وقرىء فناظِرْه أمراً من المفاعلة أي فسامِحْه بالنَّظِرة {إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} أي إلى يَسار وقرىء بضم السين وهما لغتان كمشْرَقة ومشْرُقة وقرىء بهما مضافتين بحذف التاء عند الإضافة كما في قوله: شعر : [إنَّ الخليط أجدَّوا البين فانجردوا] وأخلفوك عِدَ الأمرِ الذي وعدوا تفسير : {وَأَن تَصَدَّقُواْ} بحذف أحد التاءين وقرىء بتشديد الصاد أي وأن تتصدقوا على مُعْسري غرمائِكم بالإبراء {خَيْرٌ لَّكُمْ} أي أكثرُ ثواباً من الإنظار أو خيرٌ مما تأخذونه لمضاعفة ثوابه ودوامِه، فهو ندبٌ إلى أن يتصدقوا برؤوس أموالهم كلاً أو بعضاً على غرمائهم المعسرين كقوله تعالى: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} وقيل: المرادُ بالتصدّق الإنظارُ لقوله عليه السلام: «حديث : لا يحِل دَيْنُ رجل مسلم فيؤخرُه إلا كان له بكل يوم صدقة» تفسير : {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} جوابُه محذوفٌ أي إن كنتم تعلمون أنه خيرٌ لكم عمِلتموه {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا} هو يومُ القيامة وتنكيرُه للتفخيم والتهويلِ، وتعليقُ الإتقاءِ به للمبالغة في التحذير عما فيه من الشدائد والأهوال {تُرْجَعُونَ فِيهِ} على البناء للمفعول من الرَّجْع وقرىء على البناء للفاعل من الرُّجوع والأولُ أدخلُ في التهويل، وقرىء بالياء على طريق الالتفاتِ وقرىء ترُدّون وكذا تَصيرون {إِلَى ٱللَّهِ} لمحاسبة أعمالِكم {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ} من النفوس والتعميمُ للمبالغة في تهويل اليوم أي تُعطىٰ كاملاً {مَّا كَسَبَتْ} أي جزاءَ ما عمِلت من خير أو شر {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} حال من كلِّ نفسٍ تفيد أن المعاقبـين وإن كانت عقوباتهم مؤبدة غير مظلومين في ذلك لما أنه من قِبَل أنفسِهم، وجمعُ الضميرِ لأنه أنسبُ بحال الجزاء كما أن الإفراد أوفقُ بحال الكسب. عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أنها آخِرُ آيةٍ نزل بها جبريلُ عليه السلام وقال ضَعْها في رأس المائتين والثمانين من البقرة» وعاش رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحداً وعشرين يوماً. وقيل: أحداً وثمانين وقيل: سبعةَ أيام وقيل: ثلاثَ ساعات.

القشيري

تفسير : إذا تقرر عند القاضي إفلاس المحبوس فلا تحل له استدامة حَبْسه، وإن ظهرت لذي الحق حجة المفلس فذلك مرتهن بحق خصمه، ولكنه في إمهال وإنظار. والرب لا يحكم بهذا علينا؛ فمع علمه بإعسارنا وعجزنا، وصدق افتقارنا إليه وانقطاعنا له - يرحمنا. قوله: {إِلَى مَيْسَرَةٍ}. ليس للفقير المفلس وجه يحصل له منه شيء إلا من حيث ما جعل الله سبحانه من سهم الغارمين، فأمَّا من جهة الغلات فالغلة تدخل من رقاب الأموال والعقد.. وأنَّى للمفلس به؟! وأمَّا الربح في التجارة من تقليب رأس المال والتصرُّف فيه.. فأنَّى للمفلس به؟! ما بقي للمفلس إلا قول من قال من الفقهاء (....) وإن كان ضعيفاً، فلذلك لمن بقيت له منه الحراك أما المفلس عن قوته - كما هو مفلس عن ماله - ما بقي له وجه إلا ما يسبب له مولاه.

البقلي

تفسير : {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} ادب قوما بتاديبه فى كرمه ورحمته على المعسرين من الطاعة والمسكرين من المعصية وهذا اخبار عن غاية شفقته على عباده اذا مر بعضهم ان يمهل بعضا فى واجب حقوقهم اشد بهذا عن حقيقة الحقوق له يهب بفضله ما قصروا فى واجب امره تقدس وتعالى وايضا مر لاصحاب المعانى فى هذه الاية اى اذا كان اهل المعرفة فى عسر من المشاهدة وكشف القرية فلا تطالبوهم باثقال المغاملات والتماس الكرامات الى ميسرة الكشوف وبروز انوار الحضرة فى قلوبهم لان للعارف مقامين الاول هو القبض والثاني هو البسط فاذا كان فى القبض فهو فى هبوط الهجران وهو عسر ظاهر ولا يؤدى فى ذلك المقام حتى الحقيقة اذا كان فى مقام البسط وهو فى رخاء التوحيد ويطيق ان يؤدى ما وجب عليه من حق الطريقة لانه فى ذلك الحل ملتبس بانوار الربوبية ويتهئا له ما يرد كما وصف الله تعالى انبياءه واولياءه فى حال انبساطهم وبسطهم مثل عيى حيث قال ابرى الاكمه والابرص واحيى الموتى باذن الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {وإن كان ذو عسرة} اى وان وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة وهى بالاعدام او كساد المتاع {فنظرة} اى فالحكم نظرة وهى من الانظار والامهال {إلى ميسرة} اى الى يسار {وإن تصدقوا} اى وتصدقكم باسقاط الدين كله عمن اعسر من الغرماء او بالتأخير والانظار {خير لكم} اى اكثر ثوابا {إن كنتم تعلمون} جوابه محذوف اى ان كنتم تعلمون انه خير لكم عملتموه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره الا كان له بكل يوم صدقة ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : من انظر معسرا أو وضع له انجاه الله من كرب يوم القيامة ". تفسير : وفى القرض والادانة فضائل كثير ـ روى ـ ان امامة الباهلى رضى الله عنه رأى فى المنام على باب الجنة مكتوبا القرض بثمانية عشر أمثاله والصدقة بعشر امثالها فقال ولم هذا فاجيب بان الصدقة ربما وقعت فى يد غنى وان صاحب القرض لا يأتيك الا وهو محتاج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ثلاث من جاء بهن يوم القيامة مع ايمان دخل من أى ابواب الجنة شاء وزوج من حور العين كما شاء من عفا عن قاتل وقرأ دبر كل صلاة مكتوبة قل هو الله احد عشر مرات ومن ادان دينا لمن يطلب منه" فقال ابو بكر الصديق او احداهن يا رسول الله قال "او احداهن ". تفسير : واعلم ان الاستدانة فى احوال ثلاث فى ضعف قوته فى سبيل الله وفى تكفين فقير مات عن قلة وفقر وفى نكاح يطلب به العفة عن فتنة العذوبة فيستدين متوكلا على الله فالله تعالى يفتح ابواب اسباب القضاء قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من ادان دينا وهو ينوى قضاءه وكل به ملائكة يحفظونه ويدعون له حتى يقضيه ". تفسير : وكان جماعة من السلف يستقرضون من غير حاجة لهذا الخبر ومهما قدر على قضاء الدين فليبادر اليه ولو قبل وقته حديث : وعن النبى صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام "الشهادة تكفر كل شىء الا الدين يا محمد" ثلاثا ". تفسير : فعلى العاقل ان يقضى ما عليه من الديون ويخاف من وبال سوء نيته يوم يبعثون وهذا حال من ادى الفرض فانه يهون عليه ان يؤدى القرض. واما المرتكب وتارك الفرائض فلا يبالى بالفرائض فكيف بالديون والاقراض ولذا قيل شعر : وامش مده آنكه بى نمازست ور خود دهنش زفاقه بازست كو فرض خدا نمى كذارد از قرض تو نيز غم ندارد تفسير : واحوال هذا الزمان مختلة كاخوانه فطوبى لمن تمسك بالقناعة فى زمانه. ومن شرط المؤمن الحقيقى اتقاؤه بالله فى ترك زيادات لا يحتاج اليها فى امر الدين بل تكون شاغلة له عن الترقى فى مراتب الدين كما قال عليه السلام "حديث : من حسن اسلام المرء تركه مالا يعنيه ".

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {كان}: تامة بمعنى حضر، وقرأ أُبَيّ وابنُ مسعود: {ذا عسرة} فتكون ناقصة، و {نظرة}: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: فعليكم نظرة، أو فالواجب نظرة. وهو مصدر بمعنى الإنظار، وهو الإمهال، و {ميسرة}: فيه لغتان: الفتح والضم، وهي مَفْعَلة من اليسر، فالضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغة تميم وقَيْس ونَجْد. يقول الحقّ جلّ جلاله: وإن حضر الغريم وهو معسر، فعليكم إنظاره، أي: إمهاله إلى زمان يسره ولا يحل لكم أن تُضَيِّقُوا عليه، وتطالبوه بما ليس عنده إن أقام البيِّنَةَ على عسره {وأن تصدقوا} عليه برؤوس أموالكم ولا تطالبوه بها {خير لكم إن كنتم تعلمون} ما في ذلك من الخير الجزيل والذكر الجميل. روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : مَنْ أَنْظَر مُعْسِراً، أو وَضَعَ عنه، أَظلَّه اللّهُ في ظِلِّ عَرْشِه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه"تفسير : وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : من أَحَبَّ أن تُستجاب دعوته، وتُكشف كُربتُه، فليُيسِّرْ على المُعسر"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أنْظَر معسراً كان له بكل يوم صدقةٌ بمثل ما أنظره به"تفسير : . وقد ورد في فضل الدَّيْن قوله - عليه الصلاة والسلام: "حديث : إن الله مع المدين حتى يقضي دَيْنه، ما لم يكن فيما يكره الله"تفسير : . فكان عبد الله يقول: "إني أكره أن أبيت ليلة إلا والله تعالى معي، فيأمر غلامه أن يأخذ بدين". وقد ورد الترغيب أيضاً في الإسراع بقضاء الدين دون مطل، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ مشَى إلى غَريمه بحقه، صَلَّتْ عليه دوابُّ الأرض ونُونُ الماء، وكتبت له بكل خُطوة شجرة في الجنة، وذنب يغفر له فإن لم يفعل ومطل فهو مُعْتَدِ"تفسير : . وقال أيضاً: "حديث : مَطْلُ الغَنِيِّ ظلم، وإذا أُتْبعَ أحَدكُمْ على مَليء فَلْيتْبَعْ ". تفسير : ثم قال تعالى: {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله}، وهو يوم القيامة، فتأهبوا للمصير إله بالصدقة وسائر الأعمال الصالحة، {ثم توفّى كل نفس} جزاء ما أسلفت، {وهم لا يظلمون} بنقص ثواب أو تضعيف عقاب. قال ابن عباس: (هذه آخر آية نزل بها جبريل، فقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة، وعاش بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً وعشرين يوماً). وقيل: أحداً وثمانين، وقيل غير ذلك. والله تعالى أعلم. الإشارة: وإن كان ذو عسرة من نور اليقين والمعرفة، فلينظر إلى أهل الغنى بالله، وليصحبهم ويتعلَّق بهم، وهم العارفون، فإنهم يغنونه بالنظر. وفي بعض الأخبار: إن لله رجالاً؛ من نظر إليهم سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً. هـ. ولله رجال إذا نظروا أغنَوْا، وفي هذا المعنى يقول صاحب العينية: شعر : فَشَمِّرْ، ولُذْ بالأَوْليَاءِ فَإنَّهُمْ لَهُمْ مِنْ كِتَابِ الله تلْكَ الوقَائعُ هُمُ الذُّخْرُ لِلمَلهُوفِ، والكَنْزُ لِلرَّجَا وَمِنْهُمْ يَنَالُ الصَبُّ مَا هُوَ طَامِعُ تفسير : وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: والله ما بيني وبين الرجل إلا أن أنظر إليه وقد أغنيته. وقال فيه شيخه: نعم الرجل أبو العباس، يأتيه البدويُّ يبول على ساقه، فلا يُمسي إلا وقد أوصله إلى ربه. وقال شيخ شيوخنان سيدي العربي بن عبد الله: لو أتاني يهودي أو نصراني، لَمْ يُمْسِ إلا وقد أوصلته إلى الله. هـ. وفي كل زمان رجال يُغْنُونَ بالنظر، وقد أدركتهم، وصحبتُهم والحمد لله، والإشارة بقوله: {وأن تصدقوا خير لكم} إلى أهل الغنى بالله، يتصدقون على الفقراء بالنظرة والهمة، حتى يحصل لهم الغنى بالله. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : معنى قوله: {وإن كان ذو عسرة} أي من غرمائكم إن كان معسراً. وارتفع ذو عسرة لأحد وجهين: أحدهما - حذف الخبر، وتقديره وإن كان ذو عسرة غريماً لكم. الثاني - أن تكون كان التامة المكتفية باسمها وتقديره وإن وقع ذو عسرة أو وجد ذو عسرة وكان يجوز وإن كان ذا عسرة على تقدير وإن كان الذي عليه الدين ذا عسرة. وروي ذلك في قراءة أبي. وقوله: {فنظرة} معناه فعليكم نظرة، وهل الانظار واجب في كل دين أو في دين الربا فقط. قيل فيه ثلاثة أقوال: أولها - قال شريح، وإبراهيم في دين الربا خاصة. والثاني - قال ابن عباس، والضحاك، والحسن: في كل دين. وهو قول أبي جعفر، وأبي عبد الله (ع). الثالث - بالآية يجب في دين الربا وبالقياس في كل دين، واستدل على أنه يجب في كل دين بأنه لا يخلو أن يجب في ذمته أو في رقبته أو عين ماله، فلو كان في رقبته لكان إذا مات بطل وجوبه، ولو كان في عين ماله كان إذا هلك بطل وجوبه فصح أنه في ذمته، ولا سبيل له عليه في غير ذلك من حبس أو نحوه. وقرأ نافع {ميسرة} - بضم السين - الباقون بفتحها، وهما لغتان: ومعناه إلى أن يوسع عليه. وقال أبو جعفر (ع) إلى أن يبلغ خبره الامام فيقضي عنه من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في معروف. وقوله: {وإن تصدقوا خير لكم} معناه على المعسر بما عليه من الدين خير لكم. وقيل إن معناه وإن تصدقوا بجميع المال على الفقراء. والاول أليق بما تقدم. وروي عن ابن عباس. وعمر أن آخر ما نزل من القرآن آي الربا. وروي عن مجاهد {ميسره} بالهاء في الوصل مضافاً إلى الهاء. ولم يجز ذلك البصريون لأنه ليس في الكلام مفعله. والاعسار الذي يجب فيه الانظار قال الجبائي: التعذر بالاعدام أو بكساد المتاع ونحوه. وروي عن أبي عبد الله (ع) هو إذا لم يقدر على ما يفضل عن قوته وقوة عياله على الاقتصاد. وروي عن عطا {فناظرة} وهو شاذ، وهو مصدر نحو قوله: {أية : ليس لوقعتها كاذبة}تفسير : {أية : تظن أن يفعل بها فاقرة}تفسير : وكذلك العاقبة والعافية.

الجنابذي

تفسير : {وَإِن كَانَ} اى وجد {ذُو عُسْرَةٍ} فى غرمائكم {فَنَظِرَةٌ} فله امهال {إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} قرئ بكسر السّين وضمّها وبتاء التّأنيث وقرئ بضمّ السّين واضافتها الى الهاء {وَأَن تَصَدَّقُواْ} على الغريم مليّاً كان او ذا عسرةٍ او على ذى العسرة بابرائه من الدّين {خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} شرط تهييجىّ او تقييد لخيريّة التصدّق فانّ الجاهل مطالبته وتصدّقه كلاهما وبال عليه، او المعنى ان كنتم تعلمون انّ التصدّق خير لكم تصدّقتم، والاخبار فى فضل انظار المعسر وفضل التّصدّق عليه كثيرة.

اطفيش

تفسير : {وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ}: أى إن ثبت صاحب ضيق فى المال، وكان ممن لكم عليه رأس مال فى الربا، أو لكم عليه دين حلال من وجوه الدين، أو قرض أو تباعة من التباعات. {فَنَظِرةٌ}: أى فعليكم نظرة أو فالواجب نظرة، أو وجبت نظرة، أو فلتكن نظرة، فنظرة عليكم أو فنظرة وجبت، وعلى هذين الوجهين سوغ الابتداء بالنكرة كونهما فى جواب الشرط، ونظرة اسم مصدر بمعنى الإنتظار أو الانتظار، يقال انظره أو انتظره بمعنى أخره أو راقبه؛ ولم يعاجله. وقرئ فنظرة بسكون الظاء للتخفيف، وذلك لغة تميم فى الثلاثى المكسور العين، وقرأ عطاء: فناظرة بالأف بعد النون والهاء التى هى ضمير غير منقوطة بعد الراء غير منونة، وهى عائدة إلى ذى العسرة الذى عليه الحق، أى فصاحب الحق ناظرة أى منظره أو منتظره، أو فصاحب الحق صاحب نظرته على أن ناظرا فى هذا الوجه للنسب كلاين ومكان عاشب، أى ذو عشب وقرأ عطاء أيضا فى رواية فناظرة بألف وهاء منقوطة منونة: والمعنى فصاحب الحق ناظرة والتاء للمبالغة على غير قياس، أو على التأويل بالنفس، وعلى هاتين القراءتين، فاللفظ خبر ومعناه أمر، ويجوز على القراءة الأخيرة أن يكون ناظرة بمعنى المصدر، أى فنظرة كقراءة الجمهور بأن استعمل اسم الفاعل بمعنى المصدر لعلاقة الاشتقاق أو التعلق قال الزجاج ناظرة مصدر ككاذبة وخاطئة، فإما أن يريد ما ذكرت من التجوز أو أراد أنهُ مصدر على خلاف القياس، وقرأ عطاء أيضا فى رواية فناظرة بألف وإسكان الراء تليها هاء الضمير على أنه فعل أمر أى انظره فهو من الصيغة التى للمبالغة استعملت فى غير المفاعلة تأكيدا فى الإمهال أى فبالغه فى انتظارها. {إلَى مَيْسَرةٍ}: أى يسر وهو وجود المال أو زمان يسر فهو مصدر ميمى أو اسم زمان شاذ قياسا على الوجهين لضم الوسط وزيادة تاء التأنيث وقرأ غير نافع وحمزة بفتح السين وهو أشهر وقرئ ميسرة بضم السين وكسر الراء وهاء الضمير بعدها وإسقاط هاء التأنيث للإضافة، لأن الإضافة تسبغ حذفها فى الجملة كقوله تعالى (وأقيم الصلاة) والأصل وإقامة الصلاة وقول الشاعر: شعر : وأخلفوك عدا الأمر الذى وعدوا تفسير : والأصل عدة وقرأ كذلك مع فتح السين، وإنما قلت بعموم الانتظار فى الآية لرأس مال الربا، ولغير ذلك، لأن كان لا خبر لها فهى فى كلام مستأنف فى مطلق من حصلت له عسرة، ولما ورد فى الأحاديث من انتظار المعسرتى الديون والقرض، ولو كان ذلك فى رأس مال الربا لقال: وإن كان لا عسرة بالنصب، فيكون فى كان ضمير صاحب الربا وذلك تفسير مجاهد وجماعة، وقال ابن عباس وشريح والضحاك والسدى: إن الآية فى انتظار المعسر برأس مال الربا، لأن الآية قبلها فى الربا، والمعنى وإن كان ذو عسرة برأس مال الربا، ويجوز أن يكون لها خبراً أى وإن كان ذو عسرة غريماً لكم، وذكر عن شريح رحمه الله أن رجلا خاصم رجلا إليه فقضى عليه وأمر بحبسه ليقضى ما عليه من أمانة أتلفها، فقال رجل كان عند شريح: إنه معسر والله تعالى يقوله فى كتابه:{أية : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة}،تفسير : فقال شريح: إنما ذلك فى الربا: وأن الله تعالى قال: {أية : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}،تفسير : ولا يأمرنا الله بشئ ثم يعذبنا عليه، أى حكمت بما أمرنى به فكيف يعذبنى عليه، والجمهور على ما فسرت به من العموم، وهو قول مجاهد كما مر، وذلك إذا لم يكن فقر مدقع، وإن كان فقر مدقع فالحكم هو النظرة ضرورة ولا يخالفهم فيه ابن عباس ولا غيره، وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتاه إذا أتاك معسر فتجاوز عنه لعل الله يتجاوز عنا فلقى الله فتجاوز عنه"تفسير : وعن أبى قتادة: طالب رجلا بمال فتوارى، ثم وجده فقال: إنى معسر. فقال أبو قتادة: فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه"تفسير : وفى رواية عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أنظر معسراً أو وضع عنه أنجاه من كرب يوم القيامة"تفسير : وفى رواية: "حديث : من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله"تفسير : رواه أبو اليسر، وعن الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رحم الله من يسر على معسر أو محا عنه ". تفسير : {وأنْ تَصدَّقُوا} على غرمائكم المعسرين بترك الدين والتابعة كلها، أو بترك البعض والفعل فى تأويل المصدر مبتدأ خبره خير، وأصله تصدقوا أبدلت التاء الثانية صاداً وسكنت وأدغمت فى الصاد، وقرأ عاصم بتخفيف الصاد على أن الأصل تتصدقوا بتائين فحذف إحداهما تخفيفا. {خَيْرٌ لَكُمْ}: نفع عظيم لكم فى الآخرة أو أفضل لكم مما تأخذون لمضاعفة الثواب، أو أفضل لكم من النظرة، والجمهور أن المعنى أن التصدق على غريمكم المعسر خير من إنظاره، وقيل المراد بالتصدق الإنظار بمعنى أن النظرة منفعة لكم فى الآخرة أو أفضل لكم من عدمها، وعدمها لا فضل فيه، لكن الطبع يراه حسنا وسمى النظرة تصدقاً تشبيهاً لأن فيها نفعاً كما أن فى التصدق نفعاً وثوابها كثواب الصدقة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة ". تفسير : {إنْ كُنْتم تَعْلَموُن}: أنه خير لكم فافعلوا، قال يعلى بن شداد بن أوس: كنت مع أبى إذا أبصر غريما له فلما رآه الغريم أسرع حتى دخل منزله وأغلق الباب، فجئنا حتى قمنا عل بابه فطلبناه، فقالوا ليس ها هنا، فقال أبى: إنى أن نظر إليه آنفاً حتى دخل، فلما سمع الغريم خرج، فقال له أبى: ما حملك على ما صنعت؟ قال: العسرة. قال: أقال اللهّ فقال: اللهم إنى أشهدك وأشهد ملائكتك أفى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من أنظر معسراً أو وضع له أظله الله يوم القيامة فى ظله، وأشهدك يا رب أنى تصدقت عليه" تفسير : وروى أنهُ لما نزل قوله تعالى:{أية : فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم}تفسير : الآية قال عمر والمداينون: بل نتوب إلى الله تعالى فإنه لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله فرضوا برءوس المال فشكى بنو المغيرة العسرة وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات فأبوا أن يؤخروا، فأنزل الله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} الآية.

اطفيش

تفسير : {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} حصل متداين مداينة حق بالربا، فطالبهم بها أصحابها فشكوا العسرة، وقالوا، أخرونا إلى الإيسار فنزل، وإن كان ذو عسرة {فَنَظِرَةٌ} فعليكم يا أصحاب الأموال، أو الواجب عليكم يا أصحاب الأموال انتظار لهم وعدم مطالبتهم بها، أو فقد تجب نظرة {إِلَى مَيْسَرَةٍ} وجود يسر، فحينئذ تطالبونهم بأموالكم، واليسر الغنى، فمن وجد ما يقضى به دينه فهو غنى من حيث وجود ذلك ولو حل له أخذ الزكاة إذا لم يكن له إلا ذلك، أو مع قليل، وهذا الوزن شاذ، وقيل هو مفرد جمعه، أو اسم جمعه، ميسر بلا تاء، كما قيل مكرم جمع مكرمة، وقيل: أصله ميسورة، خفف بحذف الواو، {وَأَن تَصَدَّقُواْ} تتصدقوا على من لكم عليه دين، من معسر بالدين كله أو لبعضه بمعاملة حق، أو بوجه ما بلا ربا {خَيْرٌ لَّكُمْ} مما تأخذون لمضاعفة ثوابه ودوامه، أو أكثر من الإنظار، مع أن الإنظار واجب، فهذا من النفل الذى هو أفضل من الفرض، كابتداء السلام سنة أفضل ثوابا من رده الواجب، وكالوضوء قبل الوقت نفلا أفضل منه فى الوقت فرضاً، وقيل: المراد بالتصدق الإنظار، مجازاً باستعارة للشبه، ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة"تفسير : ، والمراد المسلم المعسر، وأما دين الربا فلا يحل لأحد المتعاملين به أن يتصدق به على الآخر، لأنه حرام بمعاملة حرام ولا ثواب له على ذلك ولا إباحة، بل يجب على كل منهما أن يرد للآخر، لا يجوز أن يجعله فى حل، ولا أن يقتص له بما عليه؛ فقوله: وإن كان ذو عسرة خارج عن الربا، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا محالة ولا تقاضى فى الربا"تفسير : ، ولما علمت من أنه نزل فى قوم دانوا ديناً مباحاً وأعسروا، وهب أنه فى الربا، لكن من فعله نزلو آية الربا، أو قبل علمه بنزولها، وهو على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بعده، لبعد موضعه حتى يصله نزولها، وهذا تكلف أيضاً، ولا بأس بإنظار المعسر فيما يرده بلا زيادة إلا أن الآية لا تشمله، لقوله تعالى: {وأن تصدقوا} إلا أن يحمل التصدق على دين الحلال، والإنظار عليه وعلى الربا، ونسب لابن عباس وغيره، أنه يجب إنظار المعسر من الربا، والصحيح إن تاب ولا زيادة {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه خير فافعلوه، أو إن كنتم تعلمون ما فيه من الذكر الجميل فى الدنيا والأجر الجزيل فى الآخرة، والذكر الجميل مطلوب للمؤمنين، قصد الانخراط فى سلك السعداء، لا رثاء.

الالوسي

تفسير : {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} أي إن وقع المطلوب ـ ذا إعسار لضيق حال من جهة عدم المال على ـ إن ـ كان تامة، وجوز بعض الكوفيين أن تكون ناقصة، و {ذُو} اسمها والخبر محذوف أي ـ وإن كان ذو عسرة لكم عليه حق أو غريماً أو من غرمائكم. وقرأ عثمان رضي الله تعالى عنه (ذا عسرة). وقرىء ـ ومن كان ذا عسرة ـ وعلى القراءتين {كَانَ} ناقصة واسمها ضمير مستكن فيها يعود للغريم وإن لم يذكر، والآية نزلت ـ كما قال الكلبـي: حين قالت بنو المغيرة لبني عمرو / بن عمير: نحن اليوم أهل عسرة فأخرونا إلى أن تدرك الثمرة فأبوا أن يؤخروهم {فَنَظِرَةٌ } الفاء جواب الشرط ـ ونظرة ـ مبتدأ خبره محذوف أي فعليكم نظرة أو فاعل بفعل مضمر أي فتجب نظرة، وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي ـ فالأمر، أو فالواجب نظرة، والنظرة كالنظرة ـ بسكون الظاء الانتظار، والمراد به الإمهال والتأخير، وقرأ عطاء (فناظره) بإضافة ناظر إلى ضمير {ذُو عُسْرَةٍ} أي فالمستحق ناظره أي منتظره وممهله وصاحب نظرته على طريق ـ لابن، وتامر ـ وعنه أيضاً ـ فناظره ـ أمراً من المفاعلة أي فسامحه بالنظرة {إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} أي إلى وقت أو وجود يسار، وقرأ حمزة ونافع ـ ميسرة ـ بضم السين وهما لغتان كمشرقة ومشرقة، وقرىء بهما مضافين بحذف التاء وإقامة الإضافة مقامها فاندفع ما أورد على هذه القراءة بأن مفعلاً بالضم معدوم أو شاذ وحاصله أنها مفعلة لا مفعل، وأجيب أيضاً بأنه معدوم في الآحاد وهذا جمع ميسرة ـ كما قيل في مكرم ـ جمع مكرمة، وقيل: أصله ميسورة فخففت بحذف الواو بدلالة الضمة عليها. {وَأَن تَصَدَّقُواْ} بحذف إحدى التاءين، وقرىء بتشديد الصاد على أن أصله تتصدقوا فقلبت التاء الثانية صاداً وأدغمت أي وتصدقكم على معسري غرمائكم برؤوس أموالكم كلاً أو بعضاً {خَيْرٌ لَّكُمْ} أي أكثر ثواباً من الإنظار، أو خير مما تأخذونه لنفاد ذلك وبقاء هذا. أخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: النظرة واجبة وخير الله تعالى الصدقة على النظرة، وقيل: المراد بالتصدق الإنظار لما أخرج أحمد عن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كان له على رجل حق فأخره كان له بكل يوم صدقة» تفسير : وضعفه الإمام مع مخالفته للمأثور بأن وجوب الإنظار ثبت بالآية الأولى فلا بد من حمل هذه الآية على فائدة زائدة وبأن قوله سبحانه: {خَيْرٌ لَّكُمْ} لا يليق بالواجب بل بالمندوب. واستدل بإطلاق الآية من قال بوجوب إنظار المعسر مطلقاً سواء كان الدين دين ربا أم لا وهو الذي ذهب إليه ابن عباس رضي الله تعالى عنه والحسن والضحاك وأئمة أهل البيت، وذهب شريح وإبراهيم النخعي وابن عباس رضي الله تعالى عنهما في رواية عنه إلى أنه لا يجب إلا في دين الربا خاصة وتأولوا الآية على ذلك. {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} جواب {إِنْ} محذوف ـ أي إن كنتم تعلمون أنه خير لكم عملتموه ـ وفيه تحريض على الفعل.

ابن عاشور

تفسير : عطف على قوله: {فلكم رؤوس أموالكم} لأنّ ظاهر الجواب أنّهم يسترجعونها معجّلة، إذ العقود قد فسخت. فعطف عليه حالة أخرى، والمعطوفُ عليه حالة مقدّرة مفهومة لأنّ الجزاء يدل على التسبّب، والأصل حصول المشروط عند الشرط. والمعنى وإن حصل ذو عسرة، أي غريم معسر. وفي الآية حجة على أنّ (ذُو) تضاف لغير ما يفيد شيئاً شريفاً. والنظِرة ــــــ بكسر الظاء ــــــ الانتظار. والميسُرة ــــــ بضم السين في قراءة نافع وبفتحها في قراءة الباقين ــــــ اسم لليسر وهو ضدّ العسر ــــــ بضم العين ــــــ وهي مَفْعُلة كمَشرُقَة ومَشْرُبَة ومألُكَة ومَقْدُرة، قال أبو علي ومَفْعَلة بالفتح أكثر في كلامهم. وجملة فنظرة جواب الشرط، والخبر محذوف، أي فنظرة له. والصيغة طلب، وهي محتملة للوجوب والندب. فإن أريد بالعسرة العُدْم أي نفاد مالِهِ كلّه فالطلب للوجوب، والمقصود به إبطال حكم بيع المعسر واسترقاقه في الدّين إذا لم يكن له وفاء. وقد قيل: إن ذلك كان حكماً في الجاهلية وهو حكم قديم في الأمم كان من حكم المصريين، ففي القرآن الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى: { أية : ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } تفسير : [يوسف: 76]. وكان في شريعة الرومان استرقاق المدين، وأحسب أن في شريعة التوراة قريباً من هذا، وروي أنّه كان في صدر الإسلام، ولم يثبت. وإن أريد بالعسرة ضيق الحال وإضرار المدين بتعجيل القضاء فالطلب يحتمل الوجوب، وقد قال به بعض الفقهاء، ويحتمل الندب، وهو قول مالك والجمهور، فمن لم يشأ لم ينظره ولو ببيع جميع ماله لأنّ هذا حق يمكن استيفاؤه، والإنظار معروف والمعروف لا يجب. غير أن المتأخرين بقرطبة كانوا لا يقضون عليه بتعجيل الدفع، ويؤجلونه بالاجتهاد لئلاّ يدخل عليه مضرة بتعجيل بيع ما بِهِ الخلاصُ. ومورد الآية على ديون معاملات الربا، لكنّ الجمهور عمّموها في جميع المعاملات ولم يعتبروا خصوص السبب لأنّه لما أبطل حكم الربا صار رأس المال ديناً بحتاً، فما عيّن له من طلب الإنظار في الآية حكم ثابت للدين كلُه. وخالف شريح فخَصّ الآية بالديون التي كانت على ربا ثم أبطل رباها. وقوله: {وأن تصدقوا خير لكم} أي أنّ إسقاط الدين عن المعسر والتنفيس عليه بإغنائه أفضل، وجعله الله صدقة لأنّ فيه تفريج الكرب وإغاثة الملهوف. وقرأ الجمهور من العشرة {تصدقوا} ــــــ بتشديد الصاد ــــــ على أنّ أصله تتصدّقوا فقلبت التاء الثانية صاداً لتقاربهما وأدغمت في الصاد، وقرأه عاصم بتخفيف الصاد على حذف إحدى التاءين للتخفيف.

د. أسعد حومد

تفسير : (280) - فَإنْ كَانَ المَدِينُ مُعْسِراً لاَ يَجِدُ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَإنَّ اللهَ يَأمُرُ الدَّائِنَ بِنَظرَتِهِ إلى حِينِ مَيْسَرَتِهِ، وَتَمَكُّنِهِ مِنْ دَفْعِ مَا عَلَيهِ. وَإِنْ تَصَدَّقَ الدَّائِنُ عَلَى المَدِينِ المُعْسِرِ بِشَيءٍ مِنْ رَأسِ المَالِ، أوْ بِرَأسِ المَالِ كُلِّهِ، فَذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ. وَقَدْ وَرَدَتْ أحَادِيثُ كَثِيرةٌ فِي الحَثِّ عَلَى تَنْفِيسِ كُرْبَةِ المُكْرُوبِ وَالتَّجَاوُزِ عَنِ المُعْسِرِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و{وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} [البقرة: 280] حكم بأن للدائن رأس المال، ولكن هب أنّ المدين ذو عسرة، هنا قضية يثيرها بعض المستشرقين الذين يدعون أنهم درسوا العربية، لقد درسوها صناعة، ولكنها عزت عليهم ملكة؛ لأن اللغة ليست صناعة فقط، اللغة طبع، واللغة ملكة، اللغة وجدان، يقولون: إن القرآن يفوته بعض التقعيدات التي تقعدها لغته. فمثلاً جاءوا بهذه الآية: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 280]. قال بعض المستشرقين: نريد أن نبحث مع علماء القرآن عن خبر "كان" في قوله: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} [البقرة: 280]، صحيح لا نجد خبر "كان"، ولكن الملكة العربية ليست عنده؛ لأنه إذا كان قد درس العربية كان يجب أن يعرف أن "كان" تحتاج إلى اسم وإلى خبر، اسم مرفوع وخبر منصوب وهذه هي التي يقال عنها كان الناقصة، كان يجب أن يفهم أيضاً معها أنها قد تأتي تامة أي ليس لها خبر، وتكتفي بالمرفوع، وهذه تحتاج إلى شرح بسيط. إن كل فعل من الأفعال يدل على حدث وزمن، وكلمة "كان" إن سمعتها دلت على وجود وحدث مطلق لم تبين فيه الحالة التي عليها اسمها، كان مجتهداً؟ كان كسولاً؟ مثلاً فهي تدل على وجود شيء مطلق أي ليس له حالة، ومعنى ذلك أن "كان" دلت على الزمن الوجودي المطلق أي على المعنى المجرد الناقص، والشيء المطلق لا يظهر المراد منه إلا إذا قيد، فإن أردت أن تدل على وجود مقيد ليتضح المعنى، ويظهر، فلا بد أن تأتيها بخبر، كأن تقول: كان زيد مجتهداً، هنا وجد شيء خاص وهو اجتهاد زيد. إذن فـ (كان) هنا ناقصة تريد الخبر يكملها وليعطيها الوجود الخاص، فإذا لم يكن الأمر كذلك وأردنا الوجود فقط تكون (كان) تامة أي تكتفي بمرفوعها فقط مثل أن تقول: عاد الغائب فكان الفرح أي وجد، أو أشرقت الشمس فكان النور، والشاعر يقول: شعر : وكـانت وليـس الصـبح فيـها بأبيـض وأضـحت وليـس اللـيـل فيـها بأسـود تفسير : فقوله {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} [البقرة: 280] أي فإن وَجد ذو عسرة .. أي إن وُجِدَ إنسان ليس عنده قدرة على السداد، "فنظرة" من الدائن "إلى ميسرة" أي: إلى أن يتيسر، ويكون رأس المال في هذه الحالة "قرضاً حسناً"، وكلما صبر عليه لحظة أعطاه الله عليها ثواباً. ولنا أن نعرف أن ثواب القرض الحسن أكثر من ثواب الصدقة؛ لأن الصدقة حين تعطيها فقد قطعت أمل نفسك منها، ولا تشغل بها، وتأخذ ثواباً على ذلك دفعة واحدة، لكن القرض حين تعطيه فقلبك يكون متعلقاً به، فكلما يكون التعلق به شديداً، ويهب عليك حب المال وتصبر فأنت تأخذ ثواباً. لذلك يجب أن تلحظ أن القرض حين يكون قرضاً حسناً والمقترض معذور بحق؛ لأن فيه فرقاً بين معذور بحق، ومعذور بباطل، المعذور بحق هو الذي يحاول جاهداً أن يسدد دينه، ولكن الظروف تقف أمامه وتحول دون ذلك، أما المعذور بباطل فيجد عنده ما يسد دينه ولكنه يماطل في السداد ويبقى المال ينتفع به وهو بهذا ظالم. ولذلك جرب نفسك، ستجد أن كل دين يشتغل به قلبك فاعلم أن صاحبه قادر على السداد ولم يسدد، وكل دين كان برداً وسلاماً على قلبك فاعلم أن صاحبه معذور بحق ولا يقدر أن يسدد، وربما استحييت أنت أن تمر عليه مخافة أن تحرجه بمجرد رؤيتك. وهؤلاء لا يطول بهم الدَّيْنُ طويلاً؛ لأن الرسول حكم في هذه القضية حكماً، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ". تفسير : فما دام ساعة أخذها في نيته أن يؤديه فإن الله ييسر له سبيل الأداء، ومن أخذها يريد إتلافها، فالله لا ييسر له أن يسدد؛ لأنه لا يقدر على ترك المال يسدد به دينه، وهذه حادثة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم تفسر لنا هذا الحديث، فقد مات رجل عليه دين، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مدين؛ قال لأصحابه: صلوا على أخيكم. إذن فهو لم يصل، ولكنه طلب من أصحابه أن يصلوا، لماذا لم يصل؟ لأنه قال قضية سابقة:"حديث : من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى الله عنه"تفسير : ، ما دام قد مات ولم يؤد إذن فقد كان في نيته أن يماطل، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يمنع أصحابه من الصلاة عليه. والرسول صلى الله عليه وسلم يأتي للمعسر ويعامله معاملة الأريحية الإيمانية فيقول:"حديث : مَنْ أَنْظَر معسراً أَوْ وَضَعَ عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ". تفسير : ومعنى "أنظر" أي أمهله وأخر أخذ الدين منه فلا يلاحقه، فلا يحبسه في دَيْنِه، فلا يطارده، وإن تسامى في اليقين الإيماني، يقول له: "اذهب، الله يعوض عليَّ وعليك" وتنتهي المسألة، ولذلك يقول الحق: {وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 280] والثمرة هي حسن الجزاء من الله. فإما أن تنظر وتؤخر، وإما أن تتصدق ببعض الدين أو بكل الدين، وأنت حر في أن تفعل ما تشاء. فانظروا دقة الحق عند تصفية هذه القضية الاقتصادية التي كانت الشغل الشاغل للبيئة الجاهلية. ولقد عرفنا مما تقدم أن الإسلام قد بنى العملية الاقتصادية على الرفد والعطاء، وتكلم الحق سبحانه وتعالى عنها في آيات النفقة التي سبقت من أول قوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ} تفسير : [البقرة: 261]. وتكلم طويلاً عن النفقة. والنفقة تشمل ما يكون مفروضاً عليك من زكاة، وما تتطوع به أنت. والمتطوع بشيء فوق ما فرض الله يعتبره سبحانه حقاً للفقير، ولكنه حق غير معلوم، ولذلك حينما تعرضنا إلى قوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱلَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ}تفسير : [الذاريات: 15-17]. أيتطلب الإسلام منا ألا نهجع إلا قليلاً من الليل؟ لا، إن للمسلم أن يصلي العشاء وينام، ثم يقوم لصلاة الفجر، هذا ما يطلبه الإسلام. لكن الحق سبحانه هنا يتكلم عن المحسنين الذين دخلوا في مقام الإحسان مع الله. {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱلَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}تفسير : [الذاريات: 15-18]. هل التشريع يلزم المؤمن أن يقوم بالسحر ليستغفر؟ لا، إن المسلم عليه أن يؤدي الفروض، ولكن إن كان المسلم يرغب في دخول مقام الإحسان فعليه أن يعرف الطريق: {أية : وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}تفسير : [الذاريات: 18]. والكلام هنا في مقام الإحسان. ويضيف الحق عن أصحاب هذا المقام: {أية : وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ}تفسير : [الذاريات: 19]. إن الله سبحانه قد حدد في أموال مَنْ يدخل في مقام الإحسان حقاً للسائل والمحروم، ولم يحدد الله قيمة هذا الحق أو لونه. هل هو معلوم أو غير معلوم. لكن حين تكلم الله عن المؤمنين قال سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ}تفسير : [المعارج: 24-25]. وهكذا نجد في أموال صاحب مقام الإحسان حقاً للسائل والمحروم، لكن في أموال صاحب الإيمان حق معلوم وهو الزكاة. ومقام الإحسان يعلو مقام الإيمان؛ لأن الحق في مال المؤمن معلوم، أما في مقام الإحسان، فإن في مالهم حقاً للإحسان إلى الفقير وإن لم يكن معلوماً، أي لم يحدد. وقد رأينا بعض الفقهاء قد اعتبر الزكاة - ما دامت حقاً للفقير عند الغني - فإن منع الغني ما قدره نصاب سرقة تُقطع يد الغني، لأنه أخذ حق الفقير. ونصاب السرقة ربع دينار ذهباً، فيبني الإسلام قضاياه الاجتماعية إما على النفقة غير المفروضة وإما على النفقة المفروضة. فإذا ما شحّت نفوس الناس، ولم تستطع أن تتبرع بالقدر الزائد على المفروض، وتمكن حب مالها في نفسها تمكناً قوياً بحيث لا تتنازل عنه يقول الله سبحانه لكل منهم: أنت لم تتنازل عن مالك، وأنا حرمت الربا، فكيف نلتقي لنضع للمجتمع أساساً سليماً؟ سنحتفظ لك بمالك ونمنع عنك فائدة الربا، وهكذا نلتقي في منتصف الطريق، لا أخذنا مالك، ولا أخذت من غيرك الزائد على هذا المال. وشرح الحق سبحانه آية الديْن، وأخذت هذه الآية أطول حيز في حجم آيات القرآن، لماذا؟. لأن على الديْن هذا تُبنى قضايا المجتمع الاقتصادية عند من لا يجد مورداً مالياً يُسيّر به حركة حياته. وحين وضع الحق آية الديْن لم يضعها وضعاً تقنينياً جافاً جامداً، وإنما وضعها وضعاً وجدانياً. أي مزج التقنين بالوجدان، مزج الحق جمود القانون بروح الإسلام، فلم يجعلها عملية جافة. والمشرعون من البشر عندما يقننون فهم يضعون القانون جافاً، فمثال ذلك: من قتل يقتل، وغير ذلك. لكن الحق يقول غير ذلك حتى في أعنف قضايا الخلاف، وهي خلافات الدم، فقال سبحانه: {أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ..}تفسير : [البقرة: 178]. والحق سبحانه وتعالى قبل أن يأتي بآية الديْن، يقول: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: حدثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن المغيرة عن إِبراهيم، قال: نا عن شريح في قوله: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} [الآية: 280] قال: هذا في الدين. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} [الآية: 282]. يقول: إِذَا كَانوا قد شهدوا قبل ذلك. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن عطاءٍ بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت {إِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} [الآية: 284]. نسختها الآية التي بعدها. {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} [الآية: 286]. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} [الآية: 284]. من الشك واليقين.

همام الصنعاني

تفسير : 364- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين في قوله تعالى: {فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ}: [الآية: 280] قال: خاصم رجل إلى شريح في دَيْنٍ يطلبه، فقال آخر: يعذر صاحبه، إنه معسر، وقد قال الله عز وجل: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ}: [الآية: 280]: فقال شريح: هذه كانت في الربا، وإنما كان الربا في الأنصار، وأن الله تعالى يقول: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ}تفسير : : [النساء: 58]، ولا والله، لا يأمر اللهُ بَامْرٍ ثم نخالفه، احبسوه إلى جنب هذه السارية حتى يوَفِّيه. 365- عبد الرزاق، قال: حدثنا الثوري، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله تعالى: {وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}: [الآية: 280]، قال: برأس المال.