٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
281
Tafseer
القرطبي
تفسير : قيل: إن هذه الآية نزلت قبل موت النبيّ صلى الله عليه وسلم بتسع ليال ثم لم ينزل بعدها شيء؛ قاله ابن جُريج. وقال ابن جبير ومقاتل: بسبع ليال. وروي بثلاث ليال. وروي أنها نزلت قبل موته بثلاث ساعات، وأنه عليه السَّلام قال: «حديث : ٱجعلوها بين آية الربا وآية الديْن»تفسير : . وحكى مكّي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : جاءني جبريل فقال ٱجعلها على رأس مائتين وثمانين آية».تفسير : قلت: وحكي عن أبي بن كعب وٱبن عباس وقتادة أن آخر ما نزل: «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ» إلى آخر الآية. والقول الأوّل أعرف وأكثر وأصح وأشهر. ورواه أبو صالح عن ٱبن عباس قال: آخر ما نزل من القرآن {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} فقال جبريل للنبيّ صلى الله عليه وسلم: «يا محمد ضعها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة». ذكره أبو بكر الأنباريّ في «كتاب الردّ» له؛ وهو قول ابن عمر رضي الله عنه أنهاآخر ما نزل، وأنه عليه السَّلام عاش بعدها أحداً وعشرين يوماً، على ما يأتي بيانه في آخر سورة {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} تفسير : [النصر: 1] إن شاء الله تعالىٰ. والآية وعظ لجميع الناس وأمر يخص كل إنسان. و «يَوْماً» منصوب على المفعول لا على الظرف. «تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللَّهِ» من نعته. وقرأ أبو عمرو بفتح التاء وكسر الجيم؛ مثل {أية : إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ} تفسير : [الغاشية: 26] واعتباراً بقراءة أبيّ «يوماً تصِيرون فيه إلى الله». والباقون بضم التاء وفتح الجيم؛ مثل {أية : ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 28]. {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي} تفسير : [الكهف: 36] واعتباراً بقراءة عبد الله «يوماً تردون فِيهِ إلى اللَّهِ» وقرأ الحسن «يرجعون» بالياء، على معنى يرجع جميع الناس. قال ابن جِني: كأنّ الله تعالىٰ رفق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرجعة، إذ هي مما ينفطر لها القلوب فقال لهم: «وَاتَّقُوا يَوْماً» ثم رجع في ذكر الرجعة إلى الغيبة رِفْقاً بهم. وجمهور العلماء على أن هذا اليوم المحذّر منه هو يوم القيامة والحساب والتوفية. وقال قوم: هو يوم الموت. قال ابن عطية: والأوّل أصح بحكم الألفاظ في الآية. وفي قوله «إلَى اللَّهِ» مضاف محذوف، تقديره إلى حكم الله وفصل قضائه. «وَهُمْ» ردّ على معنى «كُلُّ» لا على اللفظ، إلاَّ على قراءة الحسن «يرجعون» فقوله «وهم» ردّعلى ضمير الجماعة في «يرجعون». وفي هذه الآية نص على أن الثواب والعقاب متعلق بكسب الأعمال، وهو رد على الجَبْرِيَّة، وقد تقدَّم.
البيضاوي
تفسير : {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} يوم القيامة، أو يوم الموت فتأهبوا لمصيركم إليه. وقرأ أبو عمرو ويعقوب بفتح التاء وكسر الجيم. {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} جزاء ما عملت من خير أو شر {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بنقص ثواب وتضعيف عقاب. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أنها آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام وقال ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة) وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحداً وعشرين يوماً وقيل أحداً وثمانين يوماً. وقيل سبعة أيام وقيل ثلاثة ساعات.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ } بالبناء للمفعول[تُرجَعون] تردون، وللفاعل[ترجِعون] تصِيرون {فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } هو يوم القيامة {ثُمَّ تُوَفَّىٰ } فيه {كُلُّ نَفْسٍ } جزاء {مَّا كَسَبَتْ } عملت من خير وشر {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بنقص حسنة أو زيادة سيئة.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِلَى اللَّهِ} إلى جزائه، أو ملكه. {مَّا كَسَبَتْ} من الأعمال، أو الثواب والعقاب. {لا يُظْلَمُونَ} بنقص ما يستحقونه من الثواب، ولا بالزيادة على ما يستحقونه من العقاب، هذه آخر آية نزلت، وقال ابن جريج: "مكث الرسول صلى الله عليه وسلم بعدها تسع ليالٍ".
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {واتقوا} أي وخافوا {يوماً ترجعون فيه إلى الله} قرئ بفتح التاء أي تصيرون فيه إلى الله وقرئ بضم التاء وفتح الجيم أي تردون فيه إلى الله {ثم توفى كل نفس ما كسبت} يعني من خير أو شر {وهم لا يظلمون} أي في ذلك اليوم. وفي هذه الآية وعد شديد وزجر عظيم قال ابن عباس: هذه آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال جبريل ضعها على رأس مائتين وثمانين من سورة البقرة وعاش بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً وعشرين يوماً وقيل: تسع ليال وقيل سبعاً ومات صلى الله عليه وسلم لليلتين خلتا من ربيع الأول في يوم الاثنين سنة إحدى عشرة من الهجرة. وروى الشعبي عن ابن عباس أن آخر آية نزلت آية الربا.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ...}. قال ابن عرفة: عام مخصوص لأن المجانين والأطفال لا يدخلون فيها. فإن قلت: لا كسب لهم؟ قلنا: تقرر مذهبنا أن الطفل الصغير إذا استهلك شيئا فإنه يغرم مثله أو قيمته من ماله، (فنرى) كسبه معتبرا في الدنيا وهو في الآخرة معفو عنه. قوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللهِ} الآية انتصب قوله "يَوْماً" على المفعول به، لا على الظرف؛ لأنه ليس المعنى واتَّقوا في هذا اليوم، لكن المعنى تأهَّبوا للقائه، بما تقدِّمون من العمل الصالح، ومثله: {أية : فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً}تفسير : [المزمل:17] أي: كيف تتقون هذا اليوم الذي هذا وصفه، مع الكفر بالله تعالى. فصل في آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن قال ابن عباس - رضي الله عنهما - هذه آخر آيةٍ نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك لأنه - عليه الصَّلاة والسَّلام - لما حجَّ نزلت {أية : وَيَسْتَفْتُونَكَ}تفسير : [النساء:172] وهي آية الكلالة ثم نزلت، وهو واقفٌ بعرفة {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}تفسير : [المائدة:3] ثم نزل {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللهِ} فقال جبريل - عليه السلام - يا محمد ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة، وعاش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدها أحداً وثمانين يوماً، وقيل أحداً وعشرين يوماً. وقال ابن جريجٍ: تسع ليالٍ. وقال سعيد بن جبير: سبع ليالٍ، وقيل: ثلاث ساعاتٍ، ومات يوم الاثنين، لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، حين زاغت الشمس، سنة إحدى عشرة من الهجرة. وقال الشعبي، عن ابن عباس: آخر آيةٍ نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آية الرِّبا. قوله تعالى: {تُرْجَعُونَ فِيهِ}: هذه الجملة في محلِّ نصبٍ؛ صفةً للظرف. وقرأ أبو عمرو: "تَرْجِعُونَ" بفتح التاء؛ مبنياً للفاعل، والباقون بضَمِّ التَّاءِ مبنياً للمفعُولِ. وقرأ الحسنُ: "يَرْجِعُون" بياء الغيبة؛ على الالتفات. قال ابن جنِّي: "كأنَّ اللهَ تعالى رَفَقَ بالمؤمنينَ عن أنْ يواجِهَهُم بذكر الرَّجْعَة، إذ هي ممَّا تتفطَّر لها القلوب، فقال لهم: "واتَّقُوا" ثم رجع في ذكر الرجعة إلى الغيبة، فقال: يَرْجِعُون". واعلم أنَّ الرجوع لازمٌ ومتعدٍّ، وعليه خرِّجت القراءتان. فصل في المراد باليوم قال القاضي: اليوم: عبارةٌ عن زمانٍ مخصوصٍ، وذلك لا يتَّقى؛ إنَّما يتقى ما يحدث فيه من الشِّدة، والأهوال، واتقاء تلك الأهوال لا يمكن إلاَّ في دار الدُّنيا بمجانبة المعاصي، وفعل الواجبات؛ فصار قوله: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً} يتضمن الأمر بجميع أنواع التكليف. قال جمهور العلماء: المراد بهذا اليوم المحذَّر منه هو يوم القيامة. وقيل يوم الموت، قال ابن عطية: والأول أصحُّ. فصل اعلم أنَّ الرجوع إلى الله ليس المراد منه، ما يتعلق بالمكان والجهة؛ فإن ذلك محالٌ على الله تعالى، وليس المراد الرجوع إلى علمه، وحفظه؛ فإنه معهم أينما كانوا، لكن كل ما في القرآن من الرجوع إلى الله، فله معنيان: الأول: أن الإنسان له ثلاثة أحوالٍ مرتَّبين، فالأولى: كونهم في بطون أمَّهاتهم لا يملكون نفعهم، ولا ضرَّهم؛ بل المتصرف فيهم ليس إلاَّ الله تعالى. والثانية: بعد خروجهم من البطون، فالمتكفل بإصلاح أحوالهم في أوَّل الأمر الأبوان، ثم بعد ذلك، يتصرف بعضهم في بعض، في حكم الظاهر. الثالثة: بعد الموت وهناك لا يتصرف فيهم إلاَّ الله تعالى، فكأنه بعد الخروج عن الدنيا عاد إلى الحالة التي كان عليها قبل الدخول في الدنيا، فهذا معنى الرجوع إلى الله. المعنى الثاني: أن المراد يرجعون إلى ما أعدَّ الله لهم من ثوابٍ، وعقابٍ. قوله: {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} معناه: أنَّ المكلف يصل إليه جزاء عمله بالتمام، كما قال: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة:7، 8]، وقال: {أية : وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ}تفسير : [الأنبياء:47]. وفي تأويل قوله: {مَّا كَسَبَتْ} وجهان: أحدهما: فيه حذفٌ تقديره: جزاء ما كسبت. والثاني: أنَّ المكتسب إنَّما هو الجزاء في الأصل، فقوله "مَا كَسَبَتْ" معناه: ذلك الجزاء وهذا أولى؛ لأنه لا يحتاج إلى الإضمار. قوله: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} جملة حالية من "كلِّ نَفْسٍ" وجمع اعتباراً بالمعنى، وأعاد الضمير عليها أولاً مفرداً في "كَسَبَتْ" اعتباراً باللفظ، وقدِّم اعتبار اللفظ؛ لأنه الأصل، ولأنَّ اعتبار المعنى وقع رأس فاصلة؛ فكان تأخيره أحسن. قال أبو البقاء: وَيَجُوزُ أن يكون حالاً من الضمير في: "يُرْجَعُون" على القراءة بالياء، ويجوز أن يكون حالاً منه - أيضاً - على القراءة بالتاء، على أنَّه خروج من الخطاب إلى الغيبة؛ كقوله تعالى:{أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم}تفسير : [يونس:22]، قال شهاب الدين: ولا ضرورة تدعو إلى ذلك. فإن قيل: لما قال {تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} فهم منه عدم الظلم، فيكون قوله: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} من باب التكرير. فالجواب: أنه تعالى لما قال {تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} دلَّ على إيصال العذاب إلى الكفار والفسَّاق، فكان لقائلٍ أن يقول: كيف يليق بأكرم الأكرمين تعذيب عبيده؟ فأجاب بقوله: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} والمعنى: أن العبد هو الذي ورط نفسه؛ لأن الله تعالى مكَّنه، وأزاح عذره، فهو الذي أساء إلى نفسه. وهذا الجواب إنَّما يستقيم على أصول المعتزلة، وأمَّا على أصولنا، فالله سبحانه مالك الخلق، يتصرف في ملكه كيف شاء، وأراد؛ فلا يكون ظلماً.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو عبيد وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} . وأخرج ابن أبي شيبة عن السدي وعطية العوفي. مثله. وأخرج ابن الأنباري عن أبي صالح وسعيد بن جبير. مثله. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} نزلت بمنى وكان بين نزولها وبين موت النبي صلى الله عليه وسلم أحد وثمانون يوماً. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: آخر ما نزل من القرآن كله {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله...} الآية. عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الإِثنين لليلتين خلتا من ربيع الأوّل. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {ثم توفى كل نفس ما كسبت} يعني ما عملت من خير أو شر {وهم لا يظلمون} يعني من أعمالهم لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم.
التستري
تفسير : وسئل عن قوله: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ}[281] فقال: هي آخر آية ختم الله تعالى بها القرآن، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزولها بثمانين يوماً. ثم قال: إذا دخلت مظالم ليلة أهل الدنيا لأهل الدنيا ذهب النوم والقرار عن أهل السجن، ما يدرون ما يصنع بهم بدعتي عليهم، فيقتلون أو يعذبون، أم يعفى عنهم فيطلقون، فهذه مظالم أهل الدنيا لأهل الدنيا، فكيف مظالم الحق لأهل العقبى؟.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} [الآية: 281]. قال الواسطى رحمة الله عليه: هذا ترهيب للعام فأما للخواص فقوله "وإياى فاتقون".
القشيري
تفسير : الرجوع على ضربين: بالأبشار والنفوس غداً عند التوفي، وبالأسرار والقلوب في كل نَفَسٍ محاسبة؛ نقدٌ ووعد، فنَقْدُ مطالبته أحقُّ مما سيكون في القيامة من وعده. وقال للعوام: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً} وقال للخواص: {وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ}.
البقلي
تفسير : {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} اى خافوا يوم الفصل من الوقف مقام الحياء والخجلة بين يدى ملك يمنع المتدرجين عن مشاهدته ويعاتب اولياءه بالخطرت والاشرات قال الواسطى هذا ترهيب للعام واما الخواص بقوله وايى فاتقون قال بعضهم من لم يتعظ بمواعظ القرأن فليس له فيما سواه سقط واى موعظة يتعظ والذى يمضى فيه غير موثوق والذى يبقى غير مامون.
اسماعيل حقي
تفسير : {واتقوا يوما} نصب ظرفا تقديره واتقوا عذاب الله يوما او مفعولا به كقوله {أية : فكيف تتقون إن كفرتم يوما} تفسير : [المزمل: 17]. اى كيف تتقون هذا اليوم الذى هذا وصفه مع الكفر بالله {ترجعون فيه} على البناء للمفعول من الرجع اى تصيرون فيه {إلى الله} لمحاسبة اعمالكم {ثم توفى كل نفس} من النفوس اى تعطى كملا {ما كسبت} اى جزاء ما عملت من خير او شر {وهم لا يظلمون} اى لا ينقصون من ثوابهم ولا يزادون على عقابهم وهو حال من كل نفس تفيد ان المعاقبين وان كانت عقوباتهم مؤبدة غير مظلومين فى ذلك لما انه من قبل انفسهم وعن ابن عباس رضى الله عنهما هذه آخر آية نزلت ولقى رسول الله ربه بعدها بسبعة او تسعة ايام او احد وعشرين او احد وثمانين يوما او ثلاث ساعات وقال له جبريل عليه السلام ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة فجعلت بين آية الدين وآية الربا تأكيدا للزجر عن الربا ـ روى ـ ان رسول صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين وبعث يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين وقبض يوم الاثنين وكان مريضا ثمانية عشر يوما يعوده الناس وكان آخر ما يقول صلى الله عليه وسلم "حديث : الصلاة وما ملكت ايمانكم الصلاة فانا لله وانا اليه راجعون ". تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من اصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بى فانها اعظم المصائب ". تفسير : وقال عليه السلام "حديث : من كان له فرطان من امتى ادخله الله بهما الجنة" فقالت له عائشة رضى الله عنها فمن كان له فرض من امتك قال "ومن كان له فرط يا موفقة" قالت فمن لم يكن له فرط من امتك قال "انا فرط لامتى لن يصابوا بمثلى" تفسير : قال تعالى {أية : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} تفسير : [الأنبياء: 107]. فكانت حياته ومماته رحمة قال صلى الله عليه وسلم "حديث : اذا اراد الله بامة رحمة قبض نبيها قبلها فجعله سلفا وفرطا لها ". تفسير : ورثاه صلى الله عليه وسلم بعض الانصار فقال شعر : الصبر يحمد فى المواطن كلها الا عليك فانه مذموم تفسير : واعلم ان الله تعالى جمع فى هذه الآية خلاصة ما انزله فى القرآن وجعلها خاتم الوحى والانزال كما انه جمع خلاصة ما انزل من الكتب على الانبياء فى القرآن وجعله خاتم الكتب كما ان النبى عليه السلام خاتم الانبياء عليهم السلام وقد جمع فيه اخلاق الانبياء. فاعلم ان خلاصة جميع الكتب المنزلة وفائدتها بالنسبة الى الانسان عائدة الى معنيين. احدهما نجاته من الدركات السفلى. وثانيهما فوزه بالدرجات العليا فنجاته فى خروجه عن الدركات السفلى وهى سبعة الكفر والشرك والجهل والمعاصى والاخلاق المذمومة وحجب الاوصاف وحجاب النفس وفوزه فى ترقيه على الدرجات العليا وهى ثمانية المعرفة لله والتوحيد لله والعلم والطاعات والاخلاق الحميدة وجذبات الحق والفناء عن انانيته والبقاء بهويته فهذه الآية تشير الى مجموعها اجمالا قوله تعالى {واتقوا} هى لفظة شاملة لما يتعلق بالسعى الانسانى من هذه المعانى لان حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله ومباشرة ما يقربك اليه دليله قول النبى عليه السلام "حديث : جماع التقوى قول الله تعالى ان الله يأمر بالعدل والاحسان ". تفسير : الآية فيندرج تحت التقوى على هذا المعنى الخروج عن الدركات السفلى والترقى على الدرجات العليا. فتقوى العوام الخروج عن الكفر بالمعرفة وعن الشرك بالتوحيد وعن الجهل بالعلم وعن المعاصى بالطاعات وعن الاخلاق المذمومة بالاخلاق المحمودة وههنا ينتهى سير العوام لان نهاية كسب الانسان وغاية جهد المجتهدين فى اقامة شرائط جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا. فمن ههنا تقوى الخواص المجذوبين بجذبات لنهديهم سبلنا فتخرجهم الجذبة من حجب اوصافهم الى درجة تجلى صفات الحق فههنا ينقضى سلوك الخواص فيستظلون بظل سدرة المنتهى عندها جنة المأوى فينتفعون من مواهب اذ يغشى السدرة ما يغشى. واما تقوى خواص الخواص فبجذبة رفرف العناية بجذب ما زاغ البصر وما طغى من سدرة منتهى الاوصاف الى قاب قوسين نهاية حجب النفس وبداية انوار القدس فهناك من عرف نفسه فقد عرف ربه فالبتقوى الحقيقية يجد الايمان الحقيقى فمعنى {واتقوا} جاهدوا فينا بجهدكم وطاقتكم {يوما} يعنى ليوم فيه لنهدينكم بجذبات العناية {ترجعون فيه الى الله} اشار بلفظ الرجوع اليه ليعلم ان الشروع كان منه هدانا الله واياكم الى مقام الجمع واليقين وشرفنا بلطائف التحقيق والتمكين انه نصير ومعين يصيب برحمته من يشاء من عباده الصالحين.
الطوسي
تفسير : القراءة والنزول: قرأ أبو عمرو. وحده {ترجعون} بفتح التاء الباقون بضمها. قال ابن عباس وعطية والسدي: هذه الآية آخر ما نزلت من القرآن. وقال جبريل (ع) ضعها في رأس الثمانين والمائتين من البقرة. المعنى: وقيل في معنى ترجعون فيه إلى الله قولان: أحدهما - ترجعون فيه إلى جزاء الله. الثاني - ترجعون فيه إلى ملك الله لنفعكم وضركم دون غيره ممن كان ملكه إياه في دار الدنيا. وقوله {ثم توفى كل نفس ما كسبت} قيل فيه وجهان: أحدهما - توفى جزاء ما كسبت من الاعمال. الثاني - توفى بما كسبت من الثواب أو العقاب، لأن الكسب على وجهين: كسب العبد لفعله وكسبه لما ليس من فعله ككسبه المال وقوله: {وهم لا يظلمون} معناه لا ينقصون ما يستحقونه من الثواب ولا يزداد عليهم فيما يستحقونه من العقاب والآية تدل على أن الجزاء لا يكون إلا على الكسب لأنه لو كان خاصاً لجرى مجرى توفى كل نفس ما قالت وليس مفهومه كذلك لأنه عام فيما يجازي به العبد وموضع {ثم توفى كل نفس ما كسبت} نصب بانه عطف على صفة يوماً إلا أنه حذف منه فيه لدلالة الأول عليه.
الجنابذي
تفسير : {وَٱتَّقُواْ} عطف على نظرة فانّها بمعنى أنظروه، والمقصود التّقوى عن المداقّة فى المحاسبة والتعنيف فى المطالبة خوفاً من مداقّة الله فى المحاسبة يوم يكون النّاس اشدّ اعساراً من كلّ معسر كأنّه قال: تساهلوا فى المحاسبة مع المعسر واتّقوا بذلك دقّّة الله معكم {يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بنقص الجزاء او تضعيف العقاب، نقل انّها آخر آيةٍ نزل بها جبرئيل.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} الآية عن ابن عباس (رضي الله عنه): انها اخر آية نزلت نزل بها جبريل (عليه السلام) وقال: ضعوها رأس المائتين والثمانين من سورة البقرة وعاش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) احدى وعشرين يوماً، وقيل: سبعة أيام، وقيل: أحد وثلاثين يوماً، وقيل: ثلاثة ساعات قيل: اتقوا بالطاعة فيما امركم به شر ذلك اليوم الذي ترجعون فيه إلى الله يغني إلى ثوابه أو عقابه.
الهواري
تفسير : قوله: {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ} قال الحسن: خير لكم في يوم ترجعون فيه إلى الله: {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي لا يُنْقَصُون، يعني المؤمنين، يُوَفَّون حسناتهم يوم القيامة. قال الحسن: هي موعظة يعظ بها المسلمين. قوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} بين البائع والمشتري، يعدل بينهما في كتابه، لا يزيد على المطلوب ولا ينقص من حق الطالب. {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ} الكتابة وترك غيره فلم يعلمه. {فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ} يعني المطلوب. وقال الحسن: فإن كان الطالب يقدر على من يكتب فهو واسع. قال: {وَلْيَتِّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً} أي لا ينقص من حق الطالب. ثم قال: {فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً} يعني جاهلاً بالأموال أو عاجزاً أو أخرق أو أحمق. {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُّمِلَّ هُوَ} يعني الذي عليه الحق لا يحسن أن يمل {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ} أي ولي الحق، يعني الطالب {بِالْعَدْلِ} أي لا يزدد شيئاً. وقال بعضهم: السفيه: المرأة الضعيفة والأحمق الذي لا يحسن أن يملّ. قوله: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ} أي من أحراركم {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَـ} ليكن {رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَونَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا تجوز شهادة ذي الظِّنة وذي الحِنّة وذي الجِنة تفسير : . وتفسير ذي الظنة المتهم، والحنة العداوة بين الرجلين، والجنة الجنون. ذكروا عن شريح أنه قال: لا أجيز شهادة الخصم، ولا الشريك، ولا دافع المغرم، ولا شهادة الأجير لمن استأجره في تلك الضيعة بعينها. قوله: {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} أي أن تنسى إحداهما الشهادة {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} أي تذكر التي حفظت شهادتها الأخرى. وهي تقرأ بالتخفيف والتثقيل؛ فمن قرأها بالتخفيف فهي قد ذكر لها فذكرت. وقد يكون أن يذكر الإِنسان صاحبه فلا يذكر، ولكن هذه قد ذكرت، فهي في كلا الوجهين قد ذكرت. قوله: {وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. قال بعضهم: كان الرجل يأتي الحِواء العظيم يطلب من يشهد له فلا يتبعه منهم رجل واحد، فنهى الله عن ذلك. وقال الحسن إذا وجد غيره فهو واسع. ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا تقوم الساعة حتى يفيض المال ويظهر العلم ويكثر التجار تفسير : . قال الحسن: لقد أتى على الناس زمان وما يقال إلا تاجر بني فلان، وكاتب بني فلان، ما يكون في الحي إلا التاجر الواحد والكاتب الواحد. قوله: {وَلاَ تَسْأَمُوا} ولا تمَلوا {أَن تَكْتُبُوهُ} يعني الحق {صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ} أي أعدل {عِندَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ} أي أصوب للشهادة {وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا} أي أجدر ألا تشكوا في الحق والأجل والشهادة إذا كان مكتوباً. قال: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً} أي حالة {تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} ليس فيها أجل {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي حرج {أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} يعني التجارة الحاضرة. قوله: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} أي أشهدوا على حقكم، كان فيه أجل أو لم يكن فيه أجل. ذكروا عن الحسن أنه قال: نسخها (أية : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً) تفسير : [البقرة: 283]. قال الحسن: فأنا أشك، ذكر الكتاب وحده أو ذكر الكتاب والشهادة بغير كاتب. ذكروا عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى بنقد أو بنسئة أشهد عليه. قوله: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}. قال بعضهم: لا يجيء يقيمه في حال شغله. وقال بعضهم: هي في الكاتب والشاهد يدعوهما إلى الكتاب والشهادة عند البيع، ولهما حاجة فيشغلهما عن حاجتهما، يضارّهما بذلك، وهو يجد غيرهما، فيقول لهما: قد أمركما الله بالشهادة، فلْيَدَعْهما لحاجتهما، وليلتمس غيرَهما. وقال مجاهد: لا يُقامُ عن شغله وحاجته في نفسه أو يخرج. قال: {وَإِن تَفْعَلُوا} أي تضاروا الكاتب والشهيد {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} أي معصية لكم. وبلغنا عن عطاء أنه قال: هي في الوجهين جميعاً: إذا دعي ليُشهَد أو ليَشهَد بما عنده من الشهادة. قال: {وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ} أي فاتقوا الله ولا تعصوه فيهما.
اطفيش
تفسير : {وَاتَّقُوا يَوماً تُرجَعُونَ فِيهِ إلىَ الله}: أى خافوا ذلك اليوم: أو احذروا العذاب الذى فيه، أو الهول الذى فيه، أو الفضيحة فيه بترك المعاصى والاستعداد له، وهو يوم القيامة، أو يوم الموت، والجمهور على أنه يوم القيامة، ومعنى الرجوع فيه إلى الله: الذهاب إلى حسابه أو إلى جزاء من ثواب أو عقاب، ولم يكونوا فى ذلك قط، ولكن استعمل المقيد فى المطلق، ولك أن تقول معنى الرجوع إليه: الرجوع إلى حال كانوا فيها شبيهة مجالهم يوم الموت أو يوم القيامة وهو حالهم فى البطون لا تصرف لهم فى البطون، ولا تدبير، وكذا يوم القيامة أو الموت، بخلاف حالهم فى الدنيا، فقد جعل لهم فيها تصرفاً واختيارا ولا بأيهم حال الصغر، وعلى هذا فليس استعمالا للمقيد فى المطلق، بل استعمال للمقيد فى معناه، وترجعون مبنى للمفعول من رجع الثلاثى المتعدى أو من أرجع الرباعى بالهمزة الداخلة على رجع الثلاثى اللازم، وقرأ أبو عمر وبفتح الياء وكسر الجسم من رجع الثلاثى اللازم، وقرأ عبد الله بن مسعود تردون، وقرا أبى تصيرون وقرئ يرأجعون بالتحتية والبناء للمفعول على الالتفات. {ثُمَّ تُوفَّى كُل نفّسٍ}: فيه هذه الجملة معطوفة على جملة: {ترجعون فيه إلى الله} فاستحقت للربط، لأنها عطفت على جملة النعت وهو مقدر كما رأيت. {مَا كَسَبَتْ}: من خير وشر، ومعنى توفية كل نفس ما كسبت جزاءها به وافيا كاملا. {وَهُم لا يُظْلَمُونَ}: فى ذلك اليوم ينقص ثواب استحقوه أو زيادة عقاب فوق ما أوجبوه، قيل نزلت الآية فى عظماء يعاملون بالربا متغلبِين على الناس بكثرة مالهم وأنصارهم وجلالتهم زجروا بها أبلغ زجر، وخوفوا، ولما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ولم يحج قبلها بعد الهجرة نزلت آية الكلالة {أية : يستفتونك} تفسير : الآية، ثم نزل وهو واقف بعرفة:{أية : اليوم أكملت لكم دينكم}،تفسير : قال ابن عباس، ثم نزل آخر ما نزل: {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله}، فقال جبريل: يا محمد ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة، وعاش صلى الله عليه وسلم بعدها ثمانين يوماً وقيل واحد وعشرين يوماً، وقال بن جريح: تسع ليال، وقيل سبع ليالى، وقيل: ثلاث ساعات مات صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين حين زاغت الشمس وروى الشعبى عن ابن عباس: أن آخر آية نزلت آية الربا. ويجمع بين الروايتين: أن آية الربا من آخر ما أنزل أو أراد جنس آيات الربا، وروى أن هذه منهن كما مر أنها منهن، وجمهور الناس ابن عباس فى الرواية الصحيحة عنه والسدى والضحاك وابن جريح: أن آخر ما نزل بالتحقيق {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} نزلت فقال اجعلوها بين آية الربا وآية الدين، ولم ينزل بعدها شئ وروى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب أنه قال: آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفسرها لنا فدعوا الربا والربية.
اطفيش
تفسير : {وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ} يوم القيامة أو يوم الموت، لأن الموت القيامة الصغرى وأول ملاقاة الجزاء بالثواب والعقاب، والنظر من قبره إلى منزله، والجنة والنار {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} جزاء ما عملت من شر كعدم إنظار المعسر، أو خير بإنظاره وكالتصدق عليه، وفى الحديث، من أنظر معسراً، أو وضع عنه، أى كلا أو بعضاً، أظله الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله، رواه مسلم، وثم للتراخى فى الزمان، لأن التوفية فى الجنة والنار، سواء فسرنا اليوم بيوم الموت أو القيامة، ويجوز أن تكون للتراخى فى الرتبة، إذا فسرناه بيوم الموت لأن ما يلقى فى الجنة أو النار أعظم مما فى القبر {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بنقص الثواب فى جنب السعداء، ولا بزيادة عذاب فى جنب الأشقياء، وأما مضاعفة الثواب فمن حقهم، استحقوها بأعمالهم، ونفس الخلود بالنبات، لأن نية الشقى الاستمرار على المعاصى، منافقاً أو مشركا، وفى كتب الحديث عن ابن عباس رضى الله عنهما، أن هذه الآية آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام، نزل بها، وقال: ضعها فى رأس المائتين والثمانين من البقرى أو هو الصحيح، وقيل: المراد آخر آية نزلت فى البيوع كما أخرجه البيهقى، وعاش صلى الله عليه وسلم بعدها واحداً وعشرين يوماً، وهو المختار، لأنه عاش بعد قوله تعالى: {أية : اليوم أكملت لكم دينكم} تفسير : [المائدة: 3] واحداً وثمانين يوماً، فضعف قول من قال، عاش بعد قوله تعالى: {واتقوا يوماً} الآية واحداً وثمانين، وقول من قال تسعة أيام، وقول من قال سبعة أيام؛ وقول من قال ثلاث ساعات فآخر المائتين وإحدى والثمانين لا يظلمون، وآخر التى بعدها عليم، وآخر الأخرى عليم؛ وأخرى قدير، والأخرى مصير، والأخرى، فانصرنا على القوم الكافرين، والسورة مائتان وست وثمانون آية.
الالوسي
تفسير : {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا} وهو يوم القيامة أو يوم الموت وتنكيره للتفخيم كما أن تعليق الاتقاء به للمبالغة في التحذير عما فيه من الشدائد التي تجعل الولدان شيباً {تُرْجَعُونَ فِيهِ} على البناء للمفعول من الرجع، وقرىء على البناء للفاعل من الرجوع والأول أدخل كما قيل: في التهويل، وقرىء ـ يرجعون ـ على طريق الالتفات، وقرأ أبـيّ ـ تصيرون ـ وعبد الله ـ تردون ـ {إِلَى ٱللَّهِ} أي حكمه وفصله {ثُمَّ تُوَفَّىٰ} أي تعطى كملاً {كُلُّ نَفْسٍ} كسبت خيراً أو شراً {مَّا كَسَبَتْ} أي جزاء ذلك إن خيراً فخير وإن شراً فشر، والكسب العمل كيف كان كما نطقت به اللغة ودلت عليه الآثار، وكسب الأشعري لا يشعر به سوى الأشاعرة {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} جملة حالية من {كُلُّ نَفْسٍ} وجمع باعتبار المعنى، وأعاد الضمير أولاً مفرداً اعتباراً باللفظ، وقدم اعتبار اللفظ لأنه الأصل ولأن اعتبار المعنى وقع رأس فاصلة فكان تأخيره أحسن، ولك أن تقول: إن الجمع أنسب بما يكون في يومه كما أن الإفراد أولى فيما إذا كان قبله. أخرج غير واحد من غير طريق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن آية {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا} الخ آخر/ ما نزل من القرآن، واختلف في مدة بقائه بعدها عليه الصلاة والسلام فقيل: تسع ليال، وقيل: سبعة أيام، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: أحداً وعشرين يوماً، وقيل: أحداً وثمانين يوماً ثم مات ـ بنفسي هو ـ حياً وميتاً صلى الله عليه وسلم. روي أنه قال: حديث : اجعلوها بين آية الربا وآية الدينتفسير : ، وفي رواية أخرى أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : جاءني جبرائيل فقال: اجعلوها على رأس مائتين وثمانين آية من البقرة»تفسير : ولا يعارض الرواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في أن هذه آخر آية نزلت ما أخرجه البخاري، وأبو عبيد، وابن جرير، والبيهقي من طريق الشعبـي عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: آخر آية أنزلها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم آية الربا، ومثله ما أخرجه البيهقي من طريق ابن المسيب عن عمر بن الخطاب ـ كما قاله محمد بن مسلمة فيما نقله عنه علي بن أحمد الكرباسي ـ أن المراد من هذا أن آخر ما نزل من الآيات في البيوع آية الربا، أو أن المراد إن ذلك من آخر ما نزل كما يصرح به ما أخرجه الإمام أحمد، ولما أمر سبحانه بإنظار المعسر وتأجيله عقبه ببيان أحكام الحقوق المؤاجلة وعقود المداينة فقال عز من قائل: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ}.
ابن عاشور
تفسير : جيء بقوله: {واتقوا يوماً} تذييلاً لهاته الأحكام لأنّه صالح للترهيب من ارتكاب ما نهي عنه والترغيب في فعل ما أمر به أو ندب إليه، لأن في ترك المنهيات سلامة من آثامها، وفي فعل المطلوبات استكثاراً من ثوابها، والكل يرجع إلى اتّقاء ذلك اليوم الذي تُطلب فيه السلامة وكثرة أسباب النجاح. وفي «البخاري» عن ابن عباس أنّ هذه آخر آية نزلت. وعن ابن عباس هي آخر ما نزل فقال جبريل: «يا محمد ضعها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة». وهذا الذي عليه الجمهور، قاله ابن عباس والسُّدي والضحاك وابن جريج وابن جبير ومقاتل. وروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش بعد نزولها واحداً وعشرين يوماً، وقيل واحداً وثمانين، وقيل سبعة أيام، وقيل تسعة، وقيل ثلاث ساعات. وقد قيل: إنّ آخر آية هي آية الكلالة، وقيل غير ذلك، وقد استقصى الأقوال صاحب الإتقان. وقرأه الجمهور ترجعون بضم التاء وفتح الجيم، وقرأ يعقوب بفتح التاء وكسر الجيم.
القطان
تفسير : واحذروا أيها الناس يوماً ترجعون فيه الى الله، فتلقون ربكم، وليس لكم الا ما قدمتم من أعمال الخير. ذاك يومُ ثواب ومحاسبة، فيه توفَّى كل نفس أجرها على ما قدّمت من سيء أو صالح. وفيه لا يُظلم الناس ولا يُنقصون من ثوابهم شيئاً. فاذا تذكرتم أيها المؤمنون ذلك اليوم، وفكرتم فيما أعد الله لعباده من الجزاء على قدر أعمالهم ـ خفف ذلك من غلوائهم ومال بكم الى نشدان الحق والخير. قال كثير من العلماء ان هذه آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن وعاش بعدها تسع ليال كما روى الطبري عن ابن عباس. قراءات قرأ أبو عمرو ويعقوب: "تَرجعون" بفتح التاء.
د. أسعد حومد
تفسير : (281) - وَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ ذَلِكَ اليَوْمَ العَظِيمَ، يَوْمَ القِيَامَةِ الذِي تَتَفَرَّغُونَ فِيهِ مِنْ مَشَاغِلِكُمُ الجَسَدِيَّة وَالدُّنْيَويَّةِ التِي كَانَتْ تَصْرِفُكُمْ عَنْ رَبِّكُمْ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنيا، وَيُجَازِي اللهُ كُلاً ًبِعَمَلِهِ، إنْ خَيْراً فَخَيْراً، وَإنْ شَرّاً فَشَرّاً، وَلا تُنْقَصُ نَفْسٌ مِنْ ثَوَابِها، وَلاَ يُزَادُ فِي عِقَابِهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ولقد أوضحنا من قبل أن تقوى الله تقتضي أن تقوم بالأفعال التي تقينا صفات الجلال في الله، وأوضحنا أن الله قال: "اتقوا النار" أي أن نفعل ما يجعل بيننا وبين النار وقاية، فالنار من متعلقات صفات الجلال. وها هو ذا الحق سبحانه هنا يقول: "اتقوا يوماً"، فهل نتقي اليوم، أو نتقي ما ينشأ في اليوم؟ إن اليوم ظرف زمان، والأزمان لا تُخاف بذاتها، ولكن يخاف الإنسان مما يقع في الزمن. لكن إذا كان كل شيء في الزمن مخيفاً، إذن فالخوف ينصب على اليوم كله، لأنه يوم هول؛ كل شيء فيه مفزّع ومخوف، وقانا الله وإياكم ما فيه من هول، وانظر إلى الدقة القرآنية المتناهية في قوله: {تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} [البقرة: 281]. إن الرجوع في هذا اليوم لا يكون بطواعية العباد ولكن بإرادة الله. وسبحانه حين يتكلم عن المؤمنين الذين يعملون الصالح من الأعمال؛ فإنه يقول عن رجوعهم إلى الله يوم القيامة: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ * ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}تفسير : [البقرة: 45-46]. ومعنى ذلك أن العبد المؤمن يشتاق إلى العودة إلى الله؛ لأنه يرغب في أن ينال الفوز. أما غير المؤمنين فيقول عنهم الحق: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا}تفسير : [الطور: 13]. إن رجوع غير المؤمنين يكون رجوعاً قسرياً لا مرغوباً فيه. والحق يقول عن هذا اليوم: {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]. وبعد ذلك يقنن الحق سبحانه للدَّيْن فيقول سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ ...}.
الأندلسي
تفسير : {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} نزلت قبل موته عليه السلام بزمان يسير فقال عليه السلام: اجعلوها بين آية الربا وآية الدين. وقرىء ترجعون مبنياً للفاعل ومبنياً للمفعول. وقرىء يرجعون بياء الغيبة وهو التفات والرجوع إلى الله أي إلى جزائه وهو يوم القيامة. {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} أي جزاء ما كسبتم من خير وشر. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} الآية لما أمر بالصدقة وبترك الربا وكلاهما يحصل به تنقيص المال نبَّه على طريق حلال في تنمية المال وأكد في كيفية حفظه وأمر فيه بعدة أوامر. وفي قوله: تداينتم بدين تجنيس مغاير وذكر بدين وإن كان مفهوماً من تداينتم ليعود الضمير على منطوق به. {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} ليس قيداً يحترز به بل لا يقع الدين إلا كذلك. ومعنى مسمى: مؤقت معلوم. {فَٱكْتُبُوهُ} أمر بالكتابة وظاهره الوجوب وبه قال الطبري وأهل الظاهر: وقال الجمهور: هو أمر ندب. {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ} قيل هو فرض على الكفاية كالجهاد ومعنى البنينية أي بين صاحب الدين والمدين. {بِٱلْعَدْلِ} بالحق أي متصف بالأمانة على ما يكتب. وقرىء بكسر لام وليكتب وإسكانها. {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ} نهي عن الامتناع من الكتابة أي ما علمه من كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير، وأكد النهي بقوله: {فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ} أي الذي وجب عليه الحق لأنه هو المشهود عليه بأن الدين في ذمته والمستوثق منه بالكتابة. {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ} فيما عليه ويقربه. وجمع بين اسم الذات والوصف لكونه يذكره كونه مربياً له مصلحاً لحاله ولا يبخس منه شيئاً أي لا ينقص بالمخادعة والمدافعة والمأمور بالاملاك هو المالك لنفسه. {فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً} أي جاهلاً بالأمور والاملال أو صبياً او امرأة لا يضبط ما يقر به أو ضعيفاً أي مريضاً يعجز عن الإِقرار لضعفه مع ثبوت حسّه. {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ} لخرسه أو عيّه. وهو توكيد للضمير المستكن في أن يمل ولما كان العطف بأو كان الضمير مفرداً أي فإِن كان أحد هؤلاء. {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ} أي الناظر في أمره من وصي أو وكيل أو غيرهما مما له نظر وولاية في حق هؤلاء {بِٱلْعَدْلِ} حث على تحريه لصاحب الحق والمولى عليه. {وَٱسْتَشْهِدُواْ} أي اشهدوا وهو مما فيه استفعل بمعنى أفعل كاستيقن وأيقن وجاء بصيغة المبالغة في {شَهِيدَيْنِ} وهو من كثرت منه الشهادة فهو عالم بمواقفها وما يشهد فيه. {مِّن رِّجَالِكُمْ} أضاف إلى المؤمنين فلا يستشهد الكافر. ومن رجالكم فيه دلالة على أنه لا يجوز شهادة الصبي وفيه جواز شهادة العبد وهو مذهب شريح وجماعة. {فَإِن لَّمْ يَكُونَا} أي الشاهدان. {رَجُلَيْنِ} والضمير في يكونا ليس عائداً على قوله: شهيدين بقيد الرجولية. {فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ} فرجل فاعل أي فليشهد رجل أو خبر مبتدأ أي فالذي يشهد رجل. وقرىء وامرأتان بسكون الهمزة وهو على غير قياس. {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ} وهو متعلق بقوله: قبل واستشهدوا، والظاهر تعلقه بقوله: فرجل وامرأتان والخاب في ترضون للمؤمنين أي من أهل الدين والفضل والعدالة والظاهر اقتصار شهادة الرجل والمرأتين في سائر عقود المداينات وأنه لا يجوز في الديون إلا رجلان أو رجل وامرأتان فلا يقض فيها [فيه بشهادة] فشاهد واحد ويمين هو مذهب جماعة. {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} قرىء أن بفتح الهمزة وهو مفعول من أجله أي لأن تضل نزّل السبب وهو الإِضلال منزلة المسبب عنه وهو الاذكار كما ينزل المسبب منزلة السبب لاتصالهما فهو كلام محمول على المعنى، أي لأن تذكر إحديهما الأخرى إن ضلت، كقولك: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فادعمه. وقرىء ان بكسر الهمزة شرطاً فتذكر رفعاً جواب الشرط وقرىء تضل مبنياً للمفعول وتضل مبنياً للفاعل من أضل. وقرىء فتذكر مخففاً ومشدداً ومرفوعاً ومنصوباً. وفتذاكر: من المذاكرة. ومعنى الإِضلال هنا: عدم. الاهتداء إلى الشهادة لنسيان أو غفلة. ومعنى فتذكر من التذكير أو الإِذكار على حسب القراءتين من التشديد والتخفيف وأبهم الفاعل في تضل وأبهمه في فتذكر فلم يرد بأحديهما بعينة أن كل منهما يجوز عليه الوصفان والمعنى إن ضلت هذه ذكرتها وإن ضلت هذه ذكرتها هذه، والمعنى فتذكرها الشهادة وفيه دليل على أن شرط الشهادة التذكر فلا تجوز الشهادة على الخطأ. {رَجُلَيْنِ}. {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} عام في التحمل والاداء وان اختلفت جهنا النهي لأنها في التحمل ندب وفي الأداء واجبة. {وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ} نهي عن الضجر والملل في الكتابة، كل ذلك ضبط لأموال الناس وتحريض على أن لا يقع نزاع أو إنكار في مقدار وأجل أو وصف وقدم الصغير اهتماماً به وانتقالاً من الأدنى إلى الأعلى ونص على الأجل دلالة على وجوب ذكره فيكتب كما يكتب أصل الدين وسئم جاء متعدياً بنفسه كقوله: سئمت تكاليف الحياة وبحرف جر كقوله: ولقد سئمت من الحياة. فيجوز تخريج. {أَن تَكْتُبُوهُ} على هذين الوجهين والضمير في أن تكتبوه ضمير الدين. و {صَغِيراً أَو كَبِيراً} حال وإلى أجله متعلق بمحذوف أي مستقراً في الذمة إلى أجل حلوله {ذَلِكُمْ} إشارة إلى الاشهاد والكتابة. {أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} أي أعدل في حكم الله وجاء بتاء أفعل من الرباعي وهو أقسط الرجل إذا عدل. وقال الزمخشري: فإِن قلت: مم بني أفعلا التفضيل أعني أقسط وأقوم؟ قلت: يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقسام. "انتهى". لم ينص سيبويه على أن أفعل التفضيل يبني من أفعل إنما يكون ذلك بالاستدلال لأنه نص في أول كتابه على أن بناء أفعل للتعجب، يكون من فَعُل وفَعِل وفعْل وأفعُل. وظاهر هذا أن أفعل الذي للتعجب يبنى من أفعل، ونص النحويون على أن ما يبنى منه أفعل للتعجب يبنى منه أفعل التفضيل فما إنقاس في التعجب إنقاس في التفضيل، وما شذ فيه شذ فيه. وقد اختلف النحويون في بناء أفعل للتعجب من أفعل على ثلاثة مذاهب الجواز والمنع والتفضيل بين أن تكون الهمزة للنقل فلا يبنى من أفعل للتعجب أو لا تكون للنقل فيبنى منه وزعم أن هذا مذهب سيبويه وتأوّل قوله: وأفعل على أنه أفعل الذي همزته لغير النقل والذي ينبغي أن يحمل عليه أقسط هو أن يكون مبنياً من قسط الثلاثي بمعنى عدل. قال ابن السيد في "الإِقتضاب" ما نصه: حكى ابن السكيت في كتاب الأضداد عن أبي عبيدة قسط جار وقسط عدل وأقسط بالألف عدل لا غير. وقال ابن القطاع: قسط قسوطاً وقسطاً جاد وعدل ضد فعلى هذا لا يكون شاذاً. {وَأَقْومُ لِلشَّهَٰدَةِ} أن كان بني أقوم من أقام فهو كاقسط وكلاهما شاذ وإن بني من قام بمعنى اعتدل فلا شذوذ وللشهادة متعلق بأقوم، وهو من حيث المعنى مفعول كما تقول: زيد أضرب لعمرو من خالد. {وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ} أي أقرب لانتفاء الريبة والمفضل عليه محذوف وحسّن حذفه كون أفعل وقع خبراً للمبتدأ. {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} وهو مما يجعل ولا يكون فيه أجل من مبيع ثمن. {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} نفي الجناح في انتفاء الكتابة إذ ما كان يداً بيد قل أن يقع فيه نزاع ودل ذلك على أنه لو كتب لجاز وفي ذلك فوائد وهذا الاستثناء منقطع لأن ما بعد الألم يدخل تحت الديون المؤجلة. وقرىء تجارة حاضرة بالنصب على خبر كان، أي إلا أن تكون هي أي التجارة تجارة حاضرة بالرفع على أنّ كان تامة. {وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} أمر بالاشهاد على التبايع مطلقاً ناجزاً أو كالئاً وظاهر الأمر الوجوب. (قال) الطبري: لا يحل لمسلم إذا باع وإذا اشترى إلا أن يشهد وإلا كان مخالفاً لكتاب الله عز وجل. {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} هذا نهي، وجاز أن يكون مبنياً للفاعل ومبنياً للمفعول ورجح جماعة كونه مبنياً للفاعل أي لا يضارر الكاتب بأن يحرف والشاهد بأن يكتم أو يغير أو يمتنع عن الأداء ورجح جماعة كونه مبنياً للمفعول أي لا يضارر الكاتب والشهيد في أن يشق عليهما ويطلب منهما ما لا يليق في الكتابة والشهادة وقد قرىء بكسر راء يضارر مفكوكاً. وبفتحها مفكوكاً. {وَإِن تَفْعَلُواْ} أي المضارة. {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} أي لاصق بكم ومستقر. والضمير في تفعلوا عائد على المنهي عنه على التقديرين. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أمر بالتقوى في هذه المواطن وغيرها. {وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ} مستأنف يذكر نعمة الله على تعليم العلم منه تعالى.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 132 : 30 - سفين عن الكلبي عن أبي صالح عن بن عباس قال، آخر شيء نزل من القرآن {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ}. [الآية 281].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} [281] 77- أنا الحسين بن حُريث، أنا الفَضْل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: آخر شيء نزل من القرآن {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ}. 78- أنا محمد بن عَقِيل، أنا علي بن الحُسين، حدثني أبي، حدثني يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} إنها آخر أية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):