Verse. 289 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا اِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ اِلٰۗى اَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوْہُ۝۰ۭ وَلْيَكْتُبْ بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌۢ بِالْعَدْلِ۝۰۠ وَلَا يَاْبَ كَاتِبٌ اَنْ يَّكْتُبَ كَـمَا عَلَّمَہُ اللہُ فَلْيَكْتُبْ۝۰ۚ وَلْيُمْلِلِ الَّذِيْ عَلَيْہِ الْحَـقُّ وَلْيَتَّقِ اللہَ رَبَّہٗ وَلَا يَبْخَسْ مِنْہُ شَـيْــــًٔـا۝۰ۭ فَاِنْ كَانَ الَّذِيْ عَلَيْہِ الْحَـقُّ سَفِيْہًا اَوْ ضَعِيْفًا اَوْ لَا يَسْتَطِيْعُ اَنْ يُّـمِلَّ ھُوَفَلْيُمْلِلْ وَلِــيُّہٗ بِالْعَدْلِ۝۰ۭ وَاسْتَشْہِدُوْا شَہِيْدَيْنِ مِنْ رِّجَالِكُمْ۝۰ۚ فَاِنْ لَّمْ يَكُوْنَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَّامْرَاَتٰنِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّہَدَاۗءِ اَنْ تَضِلَّ اِحْدٰىھُمَا فَتُذَكِّرَ اِحْدٰىہُمَا الْاُخْرٰى۝۰ۭ وَ لَا يَاْبَ الشُّہَدَاۗءُ اِذَا مَا دُعُوْا۝۰ۭ وَلَا تَسْــَٔـــمُوْۗا اَنْ تَكْتُبُوْہُ صَغِيْرًا اَوْ كَبِيْرًا اِلٰۗى اَجَلِہٖ۝۰ۭ ذٰلِكُمْ اَقْسَطُ عِنْدَ اللہِ وَاَقْوَمُ لِلشَّہَادَۃِ وَاَدْنٰۗى اَلَّاتَرْتَابُوْۗا اِلَّاۗ اَنْ تَكُـوْنَ تِجَارَۃً حَاضِرَۃً تُدِيْرُوْنَہَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَلَّا تَكْتُبُوْھَا۝۰ۭ وَاَشْہِدُوْۗا اِذَا تَبَايَعْتُمْ۝۰۠ وَلَا يُضَاۗرَّ كَاتِبٌ وَّلَا شَہِيْدٌ۝۰ۥۭ وَاِنْ تَفْعَلُوْا فَاِنَّہٗ فُسُوْقٌۢ بِكُمْ۝۰ۭ وَ اتَّقُوا اللہَ۝۰ۭ وَيُعَلِّمُكُمُ اؙ۝۰ۭ وَاللہُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ۝۲۸۲
Ya ayyuha allatheena amanoo itha tadayantum bidaynin ila ajalin musamman faoktuboohu walyaktub baynakum katibun bialAAadli wala yaba katibun an yaktuba kama AAallamahu Allahu falyaktub walyumlili allathee AAalayhi alhaqqu walyattaqi Allaha rabbahu wala yabkhas minhu shayan fain kana allathee AAalayhi alhaqqu safeehan aw daAAeefan aw la yastateeAAu an yumilla huwa falyumlil waliyyuhu bialAAadli waistashhidoo shaheedayni min rijalikum fain lam yakoona rajulayni farajulun waimraatani mimman tardawna mina alshshuhadai an tadilla ihdahuma fatuthakkira ihdahuma alokhra wala yaba alshshuhadao itha ma duAAoo wala tasamoo an taktuboohu sagheeran aw kabeeran ila ajalihi thalikum aqsatu AAinda Allahi waaqwamu lilshshahadati waadna alla tartaboo illa an takoona tijaratan hadiratan tudeeroonaha baynakum falaysa AAalaykum junahun alla taktubooha waashhidoo itha tabayaAAtum wala yudarra katibun wala shaheedun wain tafAAaloo fainnahu fusooqun bikum waittaqoo Allaha wayuAAallimukumu Allahu waAllahu bikulli shayin AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم» تعاملتم «بدين» كسلم وقرض «إلى أجل مسمى» معلوم «فاكتبوه» استيثاقا ودفعا للنزاع «وليكتب» كتاب الدين «بينكم كاتب بالعدل» بالحق في كتابته لا يزيد في المال والأجل ولا ينقص «ولا يأب» يمتنع «كاتب» من «أن يكتب» إذا دُعي إليها «كما علَّمه الله» أي فضله بالكتابة فلا يبخل بها والكاف متعلقة بيأب «فليكتب» تأكيد «وليملل» على الكاتب «الذي عليه الحق» الدين لأنه المشهود عليه فيقر ليعلم ما عليه «وليتق الله ربه» في إملائه «ولا يبخس» ينقص «منه» أي الحق «شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها» مبذرا «أو ضعيفا» عن الإملاء لصغر أو كبر «أو لا يستطيع أن يُملَّ هو» لخرس أو جهل باللغة أو نحو ذلك «فَلْيُمْلِلْ وليُّه» متولي أمره من والد ووصي وقيِّم ومترجم «بالعدل واستشهدوا» أشهدوا على الدَّين «شهيدين» شاهدين «من رجالكم» أي بالغي المسلمين الأحرار «فإن لم يكونا» أي الشهيدان «رجلين فرجل وامرأتان» يشهدون «ممن ترضون من الشهداء» لدينه وعدالته وتعدد النساء لأجل «أن تضل» تنسى «إحداهما» الشهادة لنقص عقلهن وضبطهن «فَتُذكِّرَ» بالتخفيف والتشديد «إحداهما» الذاكرة «الأخرى» الناسية وجملة الإذكار محل العلة أي لتذكر أن ضلت ودخلت على الضلال لأنه سببه وفي قراءة بكسر أن شرطية ورفع تذكر استئناف جوابه «ولا يأب الشهداء إذا ما» زائدة «دُعوا» إلى تحمل الشهادة وأدائها «ولا تسأموا» تملوا من «أن تكتبوه» أي ما شهدتم عليه من الحق لكثرة وقوع ذلك «صغيرا» كان «أو كبيرا» قليلا أو كثيرا «إلى أجله» وقت حلوله حال من الهاء في تكتبوه «ذلكم» أي الكتب «أقسط» أعدل «عند الله وأقوم للشهادة» أي أعون على إقامتها لأنه يذكرها «وأدنى» اقرب إلى «أ» ن «لا ترتابوا» تشكوا في قدر الحق والأجل «إلا أن تكون» تقع «تجارةٌ حاضرةٌ» وفي قراءة بالنصب فتكون ناقصة واسمها ضمير التجارة «تديرونها بينكم» أي تقبضونها ولا أجل فيها «فليس عليكم جُناح» في «ألا تكتبوها» والمراد بها المتجر فيه «وأشهدوا إذا تبايعتم» عليه فأنه أدفع للاختلاف وهذا وما قبله أمر ندب «ولا يُضارّ كاتب ولا شهيد» صاحب الحق ومن عليه بتحريف أو امتناع من الشهادة أو الكتابة ولا يضرهما صاحب الحق بتكليفها ما لا يليق في الكتابة والشهادة «وإن تفعلوا» ما نُهيتم عنه «فإنه فسوق» خروج عن الطاعة لاحق «بكم واتقوا الله» في أمره ونهيه «ويعلمكم الله» مصالح أموركم حال مقدرة أو مستأنف «والله بكل شيء عليم».

282

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: أن في كيفية النظم وجهين الأول: أن الله سبحانه لما ذكر قبل هذا الحكم نوعين من الحكم أحدهما: الإنفاق في سبيل الله وهو يوجب تنقيص المال والثاني: ترك الربا، وهو أيضاً سبب لتنقيص المال، ثم إنه تعالى ختم ذينك الحكمين بالتهديد العظيم، فقال: {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } والتقوى تسد على الإنسان أكثر أبواب المكاسب والمنافع أتبع ذلك بأن ندبه إلى كيفية حفظ المال الحلال وصونه عن الفساد والبوار فإن القدرة على الإنفاق في سبيل الله، وعلى ترك الربا، وعلى ملازمة التقوى لا يتم ولا يكمل إلا عند حصول المال، ثم إنه تعال لأجل هذه الدقيقة بالغ في الوصية بحفظ المال الحلال عن وجوه التوي والتلف، وقد ورد نظيره في سورة النساء{أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً } تفسير : [النساء: 5] فحث على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سبباً لمصالح المعاش والمعاد، قال القفال رحمه الله تعالى: والذي يدل على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار، وفي هذه الآية بسط شديد، ألا ترى أنه قال: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ } ثم قال ثانياً: {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ } ثم قال ثالثاً: {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ } فكان هذا كالتكرار لقوله {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ } لأن العدل هو ما علمه الله، ثم قال رابعاً: {فَلْيَكْتُبْ } وهذا إعادة الأمر الأول، ثم قال خامساً: {وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ } وفي قوله {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ } كفاية عن قوله {وَلْيُمْلِلْ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ } لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه، ثم قال سادساً: {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ } وهذا تأكيد، ثم قال سابعاً: {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً } فهذا كالمستفاد من قوله {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ } ثم قال ثامناً: {ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله} وهو أيضاً تأكيد لما مضى، ثم قال تاسعاً: {ذٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ للشَّهَـٰدَةَ وَأَدْنَى أَلاّ تَرْتَابُواْ } فذكر هذه الفوائد الثلاثة لتلك التأكيدات السالفة، وكل ذلك يدل على أنه لما حث على ما يجري مجرى سبب تنقيص المال في الحكمين الأولين بالغ في هذا الحكم في الوصية بحفظ المال الحلال، وصونه عن الهلاك والبوار ليتمكن الإنسان بواسطته من الانفاق في سبيل الله، والإعراض عن مساخط الله من الربا وغيره، والمواظبة على تقوى الله فهذا هو الوجه الأول من وجوه النظم، وهو حسن لطيف. والوجه الثاني: أن قوماً من المفسرين قالوا: المراد بالمداينة السلم، فالله سبحانه وتعالى لما منع الربا في الآية المتقدمة أذن في السلم في جميع هذه الآية مع أن جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة في السلم، ولهذا قال بعض العلماء: لا لذة ولا منفعة يوصل إليها بالطريق الحرام إلا وضعه الله سبحانه وتعالى لتحصيل مثل ذلك اللذة طريقاً حلالاً وسبيلاً مشروعاً فهذا ما يتعلق بوجه النظم. المسألة الثانية: التداين تفاعل من الدين، ومعناه داين بعضكم بعضاً، وتداينتم تبايعتم بدين، قال أهل اللغة: القرض غير الدين، لأن القرض أن يقرض الإنسان دراهم، أو دنانير، أو حباً، أو تمراً، أو ما أشبه ذلك، ولا يجوز فيه الأجل والدين يجوز فيه الأجل، ويقال من الدين أدان إذا باع سلعته بثمن إلى أجل، ودان يدين إذا أقرض، ودان إذا استقرض وأنشد الأحمر:شعر : ندين ويقضي الله عنا وقد نرى مصارع قوم لا يدينون ضيقا تفسير : إذا عرفت هذا فنقول: في المراد بهذه المداينة أقوال: قال ابن عباس: أنها نزلت في السلف لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في التمر السنتين والثلاث، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»تفسير : ثم أن الله تعالى عرف المكلفين وجه الاحتياط في الكيل والوزن والأجل، فقال: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ }. والقول الثاني: أنه القرض وهو ضعيف لما بينا أن القرض لا يمكن أن يشترط فيه الأجل والدين المذكور في الآية قد اشترط فيه الأجل. والقول الثالث: وهو قول أكثر المفسرين: أن البياعات على أربعة أوجه أحدها: بيع العين بالعين، وذلك ليس بمداينة ألبتة والثاني: بيع الدين بالدين وهو باطل، فلا يكون داخلاً تحت هذه الآية، بقي هنا قسمان: بيع العين بالدين، وهو ما إذا باع شيئاً بثمن مؤجل وبيع الدين بالعين وهو المسمى بالسلم، وكلاهما داخلان تحت هذه الآية، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: المداينة مفاعلة، وحقيقتها أن يحصل من كل واحد منهما دين، وذلك هو بيع الدين بالدين وهو باطل بالاتفاق. والجواب: أن المراد من تداينتم تعاملتم، والتقدير: إذا تعاملتم بما فيه دين. السؤال الثاني: قوله {تَدَايَنتُم } يدل على الدين فما الفائدة بقوله {بِدَيْنٍ }. الجواب من وجوه الأول: قال ابن الأنباري: التداين يكون لمعنيين أحدهما: التداين بالمال، والآخر التداين بمعنى المجازاة، من قولهم: كما تدين تدان، والدين الجزاء، فذكر الله تعالى الدين لتخصيص أحد المعنيين الثاني: قال صاحب «الكشاف»: إنما ذكر الدين ليرجع الضمير إليه في قوله {فَٱكْتُبُوهُ } إذ لو لم يذكر ذلك لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين، فلم يكن النظم بذلك الحسن الثالث: أنه تعالى ذكره للتأكيد، كقوله تعالى: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } تفسير : [الحجر: 30] [صۤ: 73] {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 38] الرابع: فإذا تداينتم أي دين كان صغيراً أو كبيراً، على أي وجه كان، من قرض أو سلم أو بيع عين إلى أجل الخامس: ما خطر ببالي أنا ذكرنا أن المداينة مفاعلة، وذلك إنما يتناول بيع الدين بالدين وهو باطل، فلو قال: إذا تداينتم لبقي النص مقصوراً على بيع الدين بالدين وهو باطل، أما لما قال: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ } كان المعنى: إذا تداينتم تداينا يحصل فيه دين واحد، وحينئذ يخرج عن النص بيع الدين بالدين، ويبقى بيع العين بالدين، أو بيع الدين بالعين فإن الحاصل في كل واحد منهما دين واحد لا غير. السؤال الثالث: المراد من الآية: كلما تداينتم بدين فاكتبوه، وكلمة {إِذَا } لا تفيد العموم فلم قال: {تَدَايَنتُم } ولم يقل كلما تداينتم. الجواب: أن كلمة {إِذَا } وإن كانت لا تقتضي العموم، إلا أنها لا تمنع من العموم وهٰهنا قام الدليل على أن المراد هو العموم، لأنه تعالى بيّن العلة في الأمر بالكتبة في آخر الآية، وهو قوله {ذٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ وَأَدْنَى ألاّ تَرْتَابُواْ } والمعنى إذا وقعت المعاملة بالدين ولم يكتب، فالظاهر أنه تنسى الكيفية، فربما توهم الزيادة، فطلب الزيادة وهو ظلم، وربما توهم النقصان فترك حقه من غير حمد ولا أجر، فأما إذا كتب كيفية الواقعة أمن من هذه المحذورات فلما دلّ النص على أن هذا هو العلة، ثم إن هذه العلة قائمة في الكل، كان الحكم أيضاً حاصلاً في الكل. أما قوله تعالى: {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } ففيه سؤالان: السؤال الأول: ما الأجل؟. الجواب: الأجل في اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره، وأجل الدين لوقت معين في المستقبل، وأصله من التأخير، يقال: أجل الشيء يأجل أجولا إذا تأخر، والآجل نقيض العاجل. السؤال الثاني: المداينة لا تكون إلا مؤجلة فما الفائدة في ذكر الأجل بعد ذكر المداينة؟. الجواب: إنما ذكر الأجل ليمكنه أن يصفه بقوله {مُّسَمًّى } والفائدة في قوله {مُّسَمًّى } ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوماً، كالتوقيت بالسنة والشهر والأيام، ولو قال: إلى الحصاد، أو إلى الدِّياس، أو إلى قدوم الحاج، لم يجز لعدم التسمية. أما قوله تعالى: {فَٱكْتُبُوهُ } فاعلم أنه تعالى أمر في المداينة بأمرين أحدهما: الكتبة وهي قوله هٰهنا {فَٱكْتُبُوهُ } الثاني: الإشهاد وهو قوله {فَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: فائدة الكتبة والإشهاد أن ما يدخل فيه الأجل، تتأخر فيه المطالبة ويتخلله النسيان، ويدخل فيه الجحد، فصارت الكتابة كالسبب لحفظ المال من الجانبين لأن صاحب الدين إذا علم أن حقه قد قيد بالكتابة والإشهاد يحذر من طلب الزيادة، ومن تقديم المطالبة قبل حلول الأجل، ومن عليه الدين إذا عرف ذلك يحذر عن الجحود، ويأخذ قبل حلول الأجل في تحصيل المال، ليتمكن من أدائه وقت حلول الدين، فلما حصل في الكتابة والإشهاد هذه الفوائد لا جرم أمر الله به، والله أعلم. المسألة الثانية: القائلون بأن ظاهر الأمر للندب لا إشكال عليهم في هذه، وأما القائلون بأن ظاهره للوجوب فقد اختلفوا فيه، فقال قوم بالوجوب وهو مذهب عطاء، وابن جريج والنخعي واختيار محمد بن جرير الطبري، وقال النخعي يشهد ولو على دستجة بقل، وقال آخرون: هذا الأمر محمول على الندب، وعلى هذا جمهور الفقهاء المجتهدين، والدليل عليه أنا نرى جمهور المسلمين في جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة ولا إشهاد، وذلك إجماع على عدم وجوبهما، ولأن في إيجابهما أعظم التشديد على المسلمين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : بعثت بالحنيفية السهلة السمحة»تفسير : وقال قوم: بل كانت واجبة، إلا أن ذلك صار منسوخاً بقوله {أية : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُ } تفسير : [البقرة: 283] وهذا مذهب الحسن والشعبي والحكم وابن عيينة، وقال التيمي: سألت الحسن عنها فقال: إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد، ألا تسمع قوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } واعلم أنه تعالى لما أمر بكتب هذه المداينة اعتبر في تلك الكتبة شرطين: الشرط الأول: أن يكون الكاتب عدلاً وهو قوله {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ } واعلم أن قوله تعالى: {فَٱكْتُبُوهُ } ظاهره يقتضي أنه يجب على كل أحد أن يكتب، لكن ذلك غير ممكن، فقد لا يكون ذلك الإنسان كاتباً، فصار معنى قوله {فَٱكْتُبُوهُ } أي لا بد من حصول هذه الكتبة، وهو كقوله تعالى: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء} تفسير : [المائدة: 38] فإن ظاهره وإن كان يقتضي خطاب الكل بهذا الفعل، إلا أنا علمنا أن المقصود منه أنه لا بد من حصول قطع اليد من إنسان واحد، إما الإمام أو نائبه أو المولى، فكذا هٰهنا ثم تأكد هذا الذي قلناه بقوله تعالى: {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ } فإن هذا يدل على أن المقصود حصول هذه الكتبة من أي شخص كان. أما قوله {بِٱلْعَدْلِ } ففيه وجوه الأول: أن يكتب بحيث لا يزيد في الدين ولا ينقص منه، ويكتبه بحيث يصلح أن يكون حجة له عند الحاجة إليه الثاني: إذا كان فقيهاً وجب أن يكتب بحيث لا يخص أحدهما بالاحتياط دون الآخر، بل لا بد وأن يكتبه بحيث يكون كل واحد من الخصمين آمنا من تمكن الآخر من إبطال حقه الثالث: قال بعض الفقهاء: العدل أن يكون ما يكتبه متفقاً عليه بين أهل العلم ولا يكون بحيث يجد قاض من قضاة المسلمين سبيلاً إلى إبطاله على مذهب بعض المجتهدين الرابع: أن يحترز عن الألفاظ المجملة التي يقع النزاع في المراد بها، وهذه الأمور التي ذكرناها لا يمكن رعايتها إلا إذا كان الكاتب فقيهاً عارفاً بمذاهب المجتهدين، وأن يكون أديباً مميزاً بين الألفاظ المتشابهة، ثم قال: {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: ظاهر هذا الكلام نهى لكل من كان كاتباً عن الامتناع عن الكتبة، وإيجاب الكتبة على كل من كان كاتباً، وفيه وجوه الأول: أن هذا على سبيل الارشاد إلى الأولى لا على سبيل الإيجاب، والمعنى أن الله تعالى لما علمه الكتبة، وشرّفه بمعرفة الأحكام الشرعية، فالأولى أن يكتب تحصيلاً لمهم أخيه المسلم شكراً لتلك النعمة، وهو كقوله تعالى: {أية : وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} تفسير : [القصص: 77] فإنه ينتفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها. والقول الثاني: وهو قول الشعبي: أنه فرض كفاية، فإن لم يجد أحداً يكتب إلا ذلك الواحد وجب الكتبة عليه، فإن وجد أقواماً كان الواجب على واحد منهم أن يكتب. والقول الثالث: أن هذا كان واجباً على الكاتب، ثم نسخ بقوله تعالى: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ }. والقول الرابع: أن متعلق الإيجاب هو أن يكتب كما علمه الله، يعني أن بتقدير أن يكتب فالواجب أن يكتب على ما علمه الله، وأن لا يخل بشرط من الشرائط، ولا يدرج فيه قيداً يخل بمقصود الإنسان، وذلك لأنه لو كتبه من غير مراعاة هذه الشروط اختل مقصود الإنسان، وضاع ماله، فكأنه قيل له: إن كنت تكتب فاكتبه عن العدل، واعتبار كل الشرائط التي اعتبرها الله تعالى. المسألة الثانية: قوله {كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ } فيه احتمالان الأول: أن يكون متعلقاً بما قبله، ولا يأب كاتب عن الكتابة التي علمه الله إياها، ولا ينبغي أن يكتب غير الكتابة التي علمه الله إياها ثم قال بعد ذلك: فليكتب تلك الكتابة التي علمه الله إياها. والاحتمال الثاني: أن يكون متعلقاً بما بعده، والتقدير: ولا يأب كاتب أن يكتب، وهٰهنا تم الكلام، ثم قال بعده {كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ } فيكون الأول أمراً بالكتابة مطلقاً ثم أردفه بالأمر بالكتابة التي علمه الله إياها، والوجهان ذكرهما الزجاج. الشرط الثاني في الكتابة: قوله تعالى: {وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ } وفيه مسألتان؛ المسألة الأولى: أن الكتابة وإن وجب أن يُختارَ لها العالمُ بكيفية كَتْب الشروط والسجلات لكن ذلك لا يتم إلا بإملاء من عليه الحق فليدخل في جملة إملائه اعترافه بما عليه من الحق في قدره وجنسه وصفته وأجله إلى غير ذلك، فلأجل ذلك قال تعالى: {وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ }. المسألة الثانية: الأملال والإملاء لغتان، قال الفرّاء: أمللت عليه الكتاب لغة أهل الحجاز وبني أسد، وأمليت لغة تميم وقيس، ونزل القرآن باللغتين قال تعالى في اللغة الثانية {أية : فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } تفسير : [الفرقان: 5]. ثم قال: {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً } وهذا أمر لهذا المملى الذي عليه الحق بأن يقر بمبلغ المال الذي عليه ولا ينقص منه شيئاً. ثم قال تعالى: {وَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ } والمعنى أن من عليه الدين إذا لم يكن إقراره معتبراً فالمعتبر هو إقرار وليّه. ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: إدخال حرف {أَوْ } بين هذه الألفاظ الثلاثة، أعني السفيه، والضعيف، ومن لا يستطيع أن يمل يقتضي كونها أموراً متغايرة، لأن معناه أن الذي عليه الحق إذا كان موصوفاً بإحدى هذه الصفات الثلاث فليملل وليه بالعدل، فيجب في الثلاثة أن تكون متغايرة، وإذا ثبت هذا وجب حمل السفيه على الضعيف الرأي ناقص العقل من البالغين، والضعيف على الصغير والمجنون والشيخ الخرف، وهم الذين فقدوا العقل بالكلية، والذي لا يستطيع لأن يمل من يضعف لسانه عن الإملاء لخرس، أو جهله بماله وما عليه، فكل هؤلاء لا يصح منهم الإملاء والإقرار، فلا بد من أن يقوم غيرهم مقامهم، فقال تعالى: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ } والمراد ولي كل واحد من هؤلاء الثلاثة، لأن ولي المحجور السفيه، وولي الصبي: هو الذي يقر عليه بالدين، كما يقرب بسائر أموره، وهذا هو القول الصحيح، وقال ابن عباس ومقاتل والربيع: المراد بوليه ولي الدين يعني أن الذي له الدين يملي وهذا بعيد، لأنه كيف يقبل قول المدعي، وإن كان قوله معتبراً، فأي حاجة بنا إلى الكتابة والإشهاد. النوع الثاني: من الأمور التي اعتبرها الله تعالى في المداينة الإشهاد، وهو قوله تعالى: {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ } واعلم أن المقصود من الكتابة هو الاستشهاد لكي يتمكن بالشهود عند الجحود من التوصل إلى تحصيل الحق، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: {استشهدوا} أي أشهدوا يقال: أشهدت الرجل واستشهدته، بمعنى: والشهيدان هما الشاهدان، فعيل بمعنى فاعل. المسألة الثانية: الإضافة في قوله {مّن رّجَالِكُمْ } فيه وجوه الأول: يعني من أهل ملتكم وهم المسلمون والثاني: قال بعضهم: يعني الأحرار والثالث: {مّن رّجَالِكُمْ } الذين تعتدونهم للشهادة بسبب العدالة. المسألة الثالثة: شرائط الشهادة كثيرة مذكورة في كتب الفقه، ونذكر هٰهنا مسألة واحدة وهي أن عند شريح وابن سيرين وأحمد تجوز شهادة العبد، وعند الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما لا تجوز، حجة شريح أن قوله تعالى: {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ } عام يتناول العبيد وغيرهم، والمعنى المستفاد من النص أيضاً دال عليه، وذلك لأن عقل الإنسان ودينه وعدالته تمنعه من الكذب، فإذا شهد عند اجتماع هذه الشرائط تأكد به قول المدعي، فصار ذلك سبباً في إحياء حقه، والعقل والدين والعدالة لا تختلف بسبب الحرية والرق، فوجب أن تكون شهادة العبيد مقبولة، حجة الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما قوله تعالى: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ } فهذا يقتضي أنه يجب على كل من كان شاهداً الذهاب إلى موضع أداء الشهادة،ويحرم عليه عدم الذهاب إلى أداء الشهادة، فلما دلّت الآية على أن كل من كان شاهداً وجب عليه الذهاب والإجماع دل على أن العبد لا يجب عليه الذهاب، فوجب أن لا يكون العبد شاهداً، وهذا الاستدلال حسن. وأما قوله تعالى: {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ } فقد بينا أن منهم من قال: واستشهدوا شهيدين من رجالكم الذين تعتدونهم لأداء الشهادة، وعلى هذا التقدير فلم قلتم أن العبيد كذلك. ثم قال تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ } وفي ارتفاع رجل وامرأتان أربعة أوجه الأول: فليكن رجل وامرأتان والثاني: فليشهد رجل وامرأتان والثالث: فالشاهد رجل وامرأتان والرابع: فرجل وامرأتان يشهدون كل هذه التقديرات جائز حسن، ذكرها علي بن عيسى رحمه الله. ثم قال: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَاء } وهو كقوله تعالى في الطلاق {أية : وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ مّنكُمْ } تفسير : [الطلاق: 2] واعلم أن هذه الآية تدل على أنه ليس كل أحد صالحاً للشهادة والفقهاء قالوا: شرائط قبول الشهادة عشرة أن يكون حراً بالغاً مسلماً عدلاً عالماً بما شهد به ولم يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه ولا يدفع بها مضرة عن نفسه، ولا يكون معروفاً بكثرة الغلط، ولا بترك المروأة، ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة. ثم قال: {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ } والمعنى أن النسيان غالب طباع النساء لكثرة البرد والرطوبة في أمزجتهن واجتماع المرأتين على النسيان أبعد في العقل من صدور النسيان على المرأة الواحدة فأقيمت المرأتان مقام الرجل الواحد حتى أن إحداهما لو نسيت ذكرتها الأخرى فهذا هو المقصود من الآية ثم فيها مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة {أَن تَضِلَّ } بكسر إن {فَتُذَكّرَ } بالرفع والتشديد، ومعناه: الجزاء موضع {تَضِلَّ } جزم إلا أنه لا يتبين في التضعيف {فَتُذَكّرَ } رفع لأن ما بعد الجزاء مبتدأ وأما سائر القراء فقرؤا بنصب {أن} وفيه وجهان أحدهما: التقدير: لأن تضل، فحذف منه الخافض والثاني: على أنه مفعول له، أي إرادة أن تضل. فإن قيل: كيف يصح هذا الكلام والإشهاد للإذكار لا الإضلال. قلنا: هٰهنا غرضان أحدهما: حصول الإشهاد، وذلك لا يأتي إلا بتذكير إحدى المرأتين الثانية والثاني: بيان تفضيل الرجل على المرأة حتى يبين أن إقامة المرأتين مقام الرجل الواحد هو العدل في القضية، وذلك لا يأتي إلا في ضلال إحدى المرأتين، فإذا كان كل واحد من هذين الأمرين أعني الإشهاد، وبيان فضل الرجل على المرأة مقصوداً، ولا سبيل إلى ذلك إلا بضلال إحداهما وتذكر الأخرى، لا جرم صار هذان الأمران مطلوبين، هذا ما خطر ببالي من الجواب عن هذا السؤال وقت كتبه هذا الموضع وللنحويين أجوبة أخرى ما استحسنتها والكتب مشتملة عليها، والله أعلم. المسألة الثانية: الضلال في قوله {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا } فيه وجهان أحدهما: أنه بمعنى النسيان، قال تعالى: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي ذهب عنهم الثاني: أن يكون ذلك من ضل في الطريق إذا لم يهتد له، والوجهان متقاربان، وقال أبو عمرو: أصل الضلال في اللغة الغيبوبة. المسألة الثالثة: قرأ نافع وابن عامر وعاصم والكسائي {فَتُذَكّرَ } بالتشديد والنصب، وقرأ حمزة بالتشديد والرفع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف والنصب، وهما لغتان ذكر وأذكر نحو نزل وأنزل، والتشديد أكثر استعمالاً، قال تعالى: {أية : فَذَكّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ } تفسير : [الغاشية: 21] ومن قرأ بالتخفيف فقد جعل الفعل متعدياً بهمزة الأفعال، وعامة المفسرين على أن هذا التذكير والإذكار من النسيان إلا ما يروى عن سفيان بن عيينة أنه قال في قوله {فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ } أن تجعلها ذكراً يعني أن مجموع شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل الواحد، وهذا الوجه منقول عن أبي عمرو بن العلاء، قال: إذا شهدت المرأة ثم جاءت الأخرى فشهدت معها أذكرتها، لأنهما يقومان مقام رجل واحد وهذا الوجه باطل باتفاق عامة المفسرين، ويدل على ضعفه وجهان الأول: أن النساء لو بلغن ما بلغن، ولم يكن معهن رجل لم تجز شهادتهن، فإذا كان كذلك فالمرأة الثانية ما ذكرت الأولى. الوجه الثاني: أن قوله {فَتُذَكّرَ } مقابل لما قبله من قوله {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا } فلما كان الضلال مفسر بالنسيان كان الإذكار مفسراً بما يقابل النسيان. ثم قال تعالى: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية وجوه الأول: وهو الأصح: أنه نهى الشاهد عن الامتناع عن أداء الشهادة عند احتياج صاحب الحق إليها والثاني: أن المراد تحمل الشهادة على الإطلاق، وهو قول قتادة واختيار القفال، قال: كما أمر الكاتب أن لا يأبى الكتابة، كذلك أمر الشاهد أن لا يأبى عن تحمل الشهادة، لأن كل واحد منهما يتعلق بالآخر، وفي عدمهما ضياع الحقوق الثالث: أن المراد تحمل الشهادة إذا لم يوجد غيره الرابع: وهو قول الزجاج: أن المراد بمجموع الأمرين التحمل أولاً، والأداء ثانياً، واحتج القائلون بالقول الأول من وجوه الأول: أن قوله {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ } يقتضي تقديم كونهم شهداء، وذلك لا يصح إلا عند أداء الشهادة، فأما وقت التحمل فإنه لم يتقدم ذلك الوقت كونهم شهداء. فإن قيل: يشكل هذا بقوله {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ } وكذلك سماه كاتباً قبل أن يكتب. قلنا: الدليل الذي ذكرناه صار متروكاً بالضرورة في هذه الآية فلا يجوز أن نتركه لعلة ضرورة في تلك الآية والثاني: أن ظاهر قوله {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ } النهي عن الامتناع، والأمر بالفعل، وذلك للوجوب في حق الكل، ومعلوم أن التحمل غير واجب على الكل، فلم يجز حمله عليه، وأما الأداء بعد التحمل فإنه واجب على الكل، ومتأكد بقوله تعالى: {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ } فكان هذا أولى الثالث: أن الأمر بالإشهاد يفيد أمر الشاهد بالتحمل من بعض الوجوه، فصار الأمر بتحمل الشهادة داخلاً في قوله {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ } فكان صرف قوله {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ } إلى الأمر بالأداء حملاً له على فائدة جديدة، فكان ذلك أولى، فقد ظهر بما ذكرنا دلالة الآية على أنه يجب على الشاهد أن لا يمتنع من إقامة الشهادة إذا دعي إليها. واعلم أن الشاهد إما أن يكون متعيناً، وإما أن يكون فيهم كثرة، فإن كان متعيناً وجب عليه أداء الشهادة، وإن كان فيهم كثرة صار ذلك فرضاً على الكفاية. المسألة الثانية: قد شرحنا دلالة هذه الآية على أن العبد لا يجوز أن يكون شاهداً فلا نعيده الثالثة: قال الشافعي رضي الله عنه: يجوز القضاء بالشاهد واليمين، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يجوز، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية فقال: إن الله تعالى أوجب عند عدم شهادة رجلين شهادة الرجل والمرأتين على التعيين، فلو جوزنا الاكتفاء بالشاهد واليمين لبطل ذلك التعيين، وحجة الشافعي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين، وتمام الكلام فيه مذكور في خلافيات الفقه. واعلم أنه تعالى لما أمر عند المداينة بالكتبة أولاً، ثم بالإشهاد ثانياً، أعاد ذلك مرة أخرى على سبيل التأكيد، فأمر بالكتبة، فقال: {ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله} وفيه مسائل: المسألة الأولى: السآمة الملال والضجر، يقال: سئمت الشيء سأماً وسآمة، والمقصود من الآية البعث على الكتابة قل المال أو كثر، فإن القليل من المال في هذا الاحتياط كالكثير، فإن النزاع الحاصل بسبب القليل من المال ربما أدى إلى فساد عظيم ولجاج شديد، فأمر تعالى في الكثير والقليل بالكتابة، فقال: {وَلاَ تسأموا } أي ولا تملوا فتتركوا ثم تندموا. فإن قيل: فهل تدخل الحبة والقيراط في هذا الأمر؟. قلنا: لا لأن هذا محمول على العادة، وليس في العادة أن يكتبوا التافه. المسألة الثانية: {أن} في محل النصب لوجهين: إن شئت جعلته مع الفعل مصدراً فتقديره: ولا تسأموا كتابته، وإن شئت بنزع الخافض تقديره: ولا تسأموا من أن تكتبوه إلى أجله. المسألة الثالثة: الضمير في قوله {أَن تَكْتُبُوهُ } لا بد وأن يعود إلى المذكورر سابقاً، وهو هٰهنا إما الدين وإما الحق. المسألة الرابعة: قرىء {وَلاَ يسأموا أن يكتبوه} بالياء فيهما. ثم قال تعالى: {ذٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ وَأَدْنَى أَن لا تَرْتَابُواْ } اعلم أن الله تعالى بيّن أن الكتابة مشتملة على هذه الفوائد الثلاث: الفائدة الأولى: قوله {ذٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ } وفي قوله {ذٰلِكُمْ } وجهان الأول: أنه إشارة إلى قوله {أَن تَكْتُبُوهُ } لأنه في معنى المصدر، أي ذلك الكتب أقسط والثاني: قال القفال رحمه الله: ذلٰكم الذي أمرتكم به من الكتب والإشهاد لأهل الرضا ومعنى {أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ } أعدل عند الله، والقسط اسم، والإقساط مصدر، يقال: أقسط فلان في الحكم يقسط إقساطاً إذا عدل فهو مقسط، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } تفسير : [الممتحنة: 8] [الحجرات: 9] ويقال: هو قاسط إذا جار، قال تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً } تفسير : [الجن: 15] وإنما كان هذا أعدل عند الله، لأنه إذا كان مكتوباً كان إلى اليقين والصدق أقرب، وعن الجهل والكذب أبعد، فكان أعدل عند الله وهو كقوله تعالى: {أية : ٱدْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [الأحزاب: 5] أي أعدل عند الله، وأقرب إلى الحقيقة من أن تنسبوهم إلى غير آبائهم. والفائدة الثانية: قوله {أَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ } معنى {أَقْوَمُ } أبلغ في الاستقامة، التي هي ضد الاعوجاج، وذلك لأن المنتصب القائم، ضد المنحني المعوج. فإن قيل: مم بنى أفعل التفضيل؟ أعني: أقسط وأقوم. قلنا: يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام، ويجوز أن يكون أقسط من قاسط، وأقوم من قويم. واعلم أن الكتابة إنما كانت أقوم للشهادة، لأنها سبب للحفظ والذكر، فكانت أقرب إلى الاستقامة، والفرق بين الفائدة الأولى والثانية أن الأولى: تتعلق بتحصيل مرضاة الله تعالى، والثانية: بتحصيل مصلحة الدنيا، وإنما قدمت الأولى على الثانية إشعاراً بأن الدين يجب تقديمه على الدنيا. والفائدة الثالثة: هي قوله {وَأَدْنَى أَن لا تَرْتَابُواْ } يعني أقرب إلى زوال الشك والارتياب عن قلوب المتداينين، والفرق بين الوجهين الأولين، وهذا الثالث الوجهين الأولين يشيران إلى تحصيل المصلحة، فالأول: إشارة إلى تحصيل مصلحة الدين، والثاني: إشارة إلى تحصيل مصلحة الدنيا وهذا الثالث: إشارة إلى دفع الضرر عن النفس وعن الغير، أما عن النفس فإنه لا يبقى في الفكر أن هذا الأمر كيف كان، وهذا الذي قلت هل كان صدقاً أو كذباً، وأما دفع الضرر عن الغير فلأن ذلك الغير ربما نسبه إلى الكذب والتقصير فيقع في عقاب الغيبة والبهتان، فما أحسن هذه الفوائد وما أدخلها في القسط، وما أحسن ما فيها من الترتيب. ثم قال تعالى: {إِلا أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: {إِلا } فيه وجهان أحدهما: أنه استثناء متصل والثاني: أنه منقطع، أما الأول ففيه وجهان الأول: أنه راجع إلى قوله تعالى: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ } وذلك لأن البيع بالدين قد يكون إلى أجل قريب، وقد يكون إلى أجل بعيد، فلما أمر بالكتبة عند المداينة، استثنى عنها ما إذا كان الأجل قريباً، والتقدير: إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلا أن يكون الأجل قريباً، وهو المراد من التجارة الحاضرة والثاني: أن هذا استثناء من قوله {ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً} وأما الاحتمال الثاني، وهو أن يكون هذا استثناءً منقطعاً فالتقدير: لكنه إذا كانت التجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها، فهذا يكون كلاماً مستأنفاً، وإنما رخص تعالى في ترك الكتبة والإشهاد في هذا النوع من التجارة، لكثرة ما يجري بين الناس، فلو تكلف فيها الكتبة والإشهاد لشق الأمر على الخلق، ولأنه إذا أخذ كل واحد من المتعاملين حقه من صاحبه في ذلك المجلس، لم يكن هناك خوف التجاحد، فلم يكن هناك حاجة إلى الكتبة والإشهاد. المسألة الثانية: قوله {أَن تَكُونَ } فيه قولان أحدهما: أنه من الكون بمعنى الحدوث والوقوع كما ذكرناه في قوله {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } والثاني: قال الفرّاء: إن شئت جعلت {كَانَ } ههنا ناقصة على أن الاسم تجارة حاضرة، والخبر تديرونها، والتقدير: إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم. المسألة الثالثة: قرأ عاصم {تِجَـٰرَةً } بالنصب، والباقون بالرفع، أما القراءة بالنصب فعلى أنه خبر كان، ولا بد فيه من إضمار الاسم، وفيه وجوه أحدها: التقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كتبة الكتاب، ومنه قول الشاعر:شعر : بني أسد هل تعلمون بلاءنا إذا كان يوما ذا كواكب أشهبا تفسير : أي إذا كان اليوم وثانيها: أن يكون التقدير: إلا أن يكون الأمر والشأن تجارة وثالثها: قال الزجاج: التقدير إلا أن تكون المداينة تجارة حاضر، قال أبو علي الفارسي: هذا غير جائز لأن المداينة لا تكون تجارة حاضرة، ويمكن أن يجاب عنه بأن المداين إذا كانت إلى أجل ساعة، صح تسميتها بالتجارة الحاضرة، فإن من باع ثوباً بدرهم في الذمة بشرط أن تؤدي الدرهم في هذه الساعة كان ذلك مداينة وتجارة حاضرة، وأما القراءة بالرفع، فالوجه فيها ما ذكرناه في المسألة الثانية والله أعلم. المسألة الرابعة: التجارة عبارة عن التصرف في المال سواء كان حاضراً أو في الذمة لطلب الربح، يقال: تجر الرجل يتجر تجارة فهو تاجر، واعلم أنه سواء كانت المبايعة بدين أو بعين، فالتجارة تجارة حاضرة، فقوله {إِلا أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً } لا يمكن حمله على ظاهره، بل المراد من التجارة ما يتجر فيه من الإبدال، ومعنى إدارتها بينهم معاملتهم فيها يداً بيد، ثم قال: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن لا تَكْتُبُوهَا } [البقرة: 282] معناه: لا مضرة عليكم في ترك الكتابة، ولم يرد الإثم عليكم لأنه لو أراد الإثم لكانت الكتابة المذكورة واجبة عليهم، ويأثم صاحب الحق بتركها، وقد ثبت خلاف ذلك وبيان أنه لا مضرة عليهم في تركها ما قدمناه. ثم قال تعالى: {وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } وأكثر المفسرين قالوا: المراد أن الكتابة وإن رفعت عنهم في التجارة إلا أن الاشهاد ما رفع عنهم، لأن الإشهاد بلا كتابة أخف مؤنة، ولأن الحاجة إذا وقعت إليها لا يخاف فيها النسيان. واعلم أنه لا شك أن المقصود من هذا الأمر الإرشاد إلى طريق الاحتياط. ثم قال تعالى: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } واعلم أنه يحتمل أن يكون هذا نهياً للكاتب والشهيد عن إضرار من له الحق، أما الكاتب فبأن يزيد أو ينقص أو يترك الاحتياط، وأما الشهيد فبأن لا يشهد أو يشهد بحيث لا يحصل معه نفع، ويحتمل أن يكون نهياً لصاحب الحق عن إضرار الكاتب والشهيد، بأن يضرهما أو يمنعهما عن مهماتهما والأول: قول أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة، والثاني: قول ابن مسعود وعطاء ومجاهد. واعلم أن كلا الوجهين جائز في اللغة، وإنما احتمل الوجهين بسبب الإدغام الواقع في {لا يُضَارَّ } أحدهما: أن يكون أصله لا يضارر، بكسر الراء الأولى، فيكون الكاتب والشهيد هما الفاعلان للضرار والثاني: أن يكون أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى، فيكون هما المفعول بهما الضرار ونظير هذه الآية التي تقدمت في هذه السورة، وهو قوله {لاَ تُضَارَّ وٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا } وقد أحكمنا بيان هذا اللفظ هناك، والدليل على ما ذكرنا من احتمال الوجهين قراءة عمر رضي الله عنه {وَلاَ يضارر} بالإظهار والكسر، وقراءة ابن عباس {وَلاَ يضارر} بالإظهار والفتح، واختار الزجاج القول الأول، واحتج عليه بقوله تعالى بعد ذلك {وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} قال: وذلك لأن اسم الفسق بمن يحرف الكتابة، وبمن يمتنع عن الشهادة حتى يبطل الحق بالكلية أولى منه بمن أضر الكاتب والشهيد، ولأنه تعالى قال فيمن يمتنع عن أداء الشهادة {أية : وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ } تفسير : [البقرة: 283] والإثم والفاسق متقاربان، واحتج من نصر القول الثاني بأن هذا لو كان خطاباً للكاتب والشهيد لقيل: وإن تفعلا فإنه فسوق بكم، وإذا كان هذا خطاباً للذين يقدمون على المداينة فالمنهيون عن الضرار هم والله أعلم. ثم قال: {وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } وفيه وجهان أحدهما: يحتمل أنه يحمل على هذا الموضع خاصة والمعنى: فإن تفعلوا ما نهيتكم عنه من الضرار والثاني: أنه عام في جميع التكليف، والمعنى: وإن تفعلوا شيئاً مما نهيتكم عنه أو تتركوا شيئاً مما أمرتكم به فإنه فسوق بكم، أي خروج عن أمر الله تعالى وطاعته. ثم قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } يعني فيما حذر منه هٰهنا، وهو المضارة، أو يكون عاماً، والمعنى اتقوا الله في جميع أوامره ونواهيه. ثم قال: {وَيُعَلّمُكُمُ ٱللَّهُ } والمعنى: أنه يعلمكم ما يكون إرشاداً واحتياطاً في أمر الدنيا، كما يعلمكم ما يكون إرشاداً في أمر الدين {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } إشارة إلى كونه سبحانه وتعالى عالماً بجميع مصالح الدنيا والآخرة.

القرطبي

تفسير : فيه اثنتان وخمسون مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} الآية. قال سعيد بن المسيّب: بلغني أن أحدث القرآن بالعرش آية الدَّيْن. وقال ابن عباس: هذه الآية نزلت في السّلَم خاصة. معناه أن سَلَم أهل المدينة كان سبب الآية، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعاً. وقال ابن خويزِمنداد: إنها تضمنت ثلاثين حكما. وقد استدل بها بعض علمائنا على جواز التأجيل في القروض؛ على ما قال مالك؛ إذْ لم يفصل بين القرض وسائر العقود في المداينات. وخالف في ذلك الشافعية وقالوا: الآية ليس فيها جواز التأجيل في سائر الديون، وإنما فيها الأمر بالإشهاد إذا كان دَيْناً مؤجَّلاً؛ ثم يعلم بدلالة أُخرى جواز التأجيل في الدين وامتناعه. الثانية ـ قوله تعالى: {بِدَيْنٍ} تأكيد، مثل قوله {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 38]. {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} تفسير : [الحجر: 30 وصۤ: 73]. وحقيقة الدَّيْن عبارة عن كل معاملة كان أحد العِوضين فيها نقداً والآخر في الذّمّة نسيئَةً؛ فإن العَيْن عند العرب ما كان حاضراً، والديْن ما كان غائباً؛ قال الشاعر:شعر : وَعَدتْنا بِدرْهَمَيْنَا طِلاءً وشِواءً معجَّلا غيرَ دَيْنِ تفسير : وقال آخر:شعر : لِتَرْمِ بيَ المَنَايَا حيثُ شاءتْ إذا لم تَرمِ بي في الحُفْرَتَيْنِ إذا ما أَوْقَدوا حطباً وناراً فذاك الموتُ نَقْداً غيرَ دَيْنِ تفسير : وقد بيّن الله تعالى هذا المعنى بقوله الحق {إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}. الثالثة ـ قوله تعالى: {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} قال ابن المنذر: دل قول الله «إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى» على أن السَّلَم إلى الأجل المجهول غير جائز، ودَلَّت سنة رسول الله على مثل معنى كتاب الله تعالى. ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدِم المدينة وهم يستلِفون في الثمار السنتين والثلاث؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أسلف في تمرٍ فليسلِف في كيلِ معلوم ووزنٍ معلوم إلى أجلٍ معلوم»تفسير : رواه ابن عباس. أخرجه البخاريّ ومسلم وغيرهما. وقال ابن عمر: كان أهل الجاهلية يتبايعون لَحم الجَزُور إلى حَبَل الحَبَلَة. وحبل الحبلة: أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نُتِجت. فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن السّلَم الجائز أن يُسلِم الرجل إلى صاحبه في طعام معلوم موصوف، من طعام أرض عامّة لا يخطىء مثلها، بكيل معلوم، إلى أجلٍ معلوم بدنانير أو دراهم معلومةٍ، يدفع عن ما أسْلَم فيه قبل أن يفترقا من مقامهما الذي تبايعا فيه، وسَميَّا المكان الذي يُقْبَض فيه الطعام. فإذا فعلا ذلك وكان جائز الأمر سَلَما صحيحاً لا أعلم أحداً من أهل العلم يبطله. قلت: وقال علماؤنا: إن السَّلَم إلى الحَصاد والجَذَاذ والنَّيْروز والمِهْرَجَان جائز؛ إذْ ذاك يختص بوقت وزمن معلوم. الرابعة ـ حدّ علماؤنا رحمة الله عليهم السَّلَم فقالوا: هو بيع معلومٍ في الذمّة محصورٍ بالصفة بعَيْن حاضرةٍ أو ما هو في حكمها إلى أجلٍ معلوم. فتَقْيِيده بمعلوم في الذمّة يُفِيد التحرّز من المجهول، ومن السَّلَم في الأعيان المعّينة؛ مثل الذي كانوا يستلفون في المدينة حين قدِم عليهم النبيّ عليه السلام فإنهم كانوا يستلفون في ثمار نخيلٍ بأعيانها؛ فنهاهم عن ذلك لما فيه من الغَرَر؛ إذْ قد تُخْلِف تلك الأشجارُ فلا تُثْمِر شيئاً. وقولهم «مَحْصُور بالصِّفة» تحرّز عن المعلوم على الجملة دون التفصيل؛ كما لو أسْلَم في تمر أو ثياب أو حيتان ولم يبيِّن نوعها ولا صفتها المعينة. وقولهم «بعَيْن حاضِرَة» تحرّز من الدّيْن بالديْن. وقولهم «أو ما هو في حكمها» تحرّر من اليومين والثلاثة التي يجوز تأخير رأس مال السّلَم إليه، فإنه يجوز تأخيره عندنا ذلك القدر، بشرط وبغير شرط لقرب ذلك، ولا يجوز اشتراطه عليها. ولم يُجِز الشافعيّ ولا الكوفيّ تأخير رأس مال السّلَم عن العقد والافتراق، ورأُوا أنه كالصرف. ودليلنا أن البابين مختلفان بأخص أوصافهما؛ فإن الصرف بابُه ضَيِّق كثُرت فيه الشروط بخلاف السّلَم فإن شوائب المعاملات عليه أكثر. والله أعلم. وقولهم «إلى أجل معلوم» تحرّز من السّلَم الحالّ فإنه لا يجوز على المشهور وسيأتي. ووصف الأجل بالمعلوم تحرّز من الأجل المجهول الذي كانوا في الجاهلية يسلمون إليه. الخامسة ـ السَّلَم والسَّلَف عبارتان عن معنًى واحد وقد جاءا في الحديث؛ غير أن الاسم الخاص بهذا الباب «السَّلَم» لأنّ السَّلَف يقال على القرض. والسلم بيع من البيوع الجائزة بالاتِّفاق، مستثنًى من نهيه عليه السلام عن بيع ما ليس عندك. وأرخص في السّلّم؛ لأن السّلَم لما كان بيعَ معلوم في الذِّمة كان بيعَ غائب تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتبايعين؛ فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري الثمرة، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبّانها ليُنْفِقَه عليها، فظهر أن بيع السّلَم من المصالح الحاجيّة، وقد سمّاه الفقهاء بيع المحاويج، فإن جاز حالاً بطلت هذه الحكمة وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن لاستثنائه من بيع ما ليس عندك فائدة. والله أعلم. السادسة ـ في شروط السّلَم المتفَق عليها والمختلَف فيها وهي تسعة: ستة في المُسْلَم فيه، وثلاثة في رأس مال السَّلَم. أما الستة في المسلم فيه فأن يكون في الذمة، وأن يكون موصوفاً، وأن يكون مقدَّراً، وأن يكون مؤجَّلاً، وأن يكون الأجل معلوماً، وأن يكون موجوداً عند محل الأجل. وأما الثلاثة التي في رأس مال السّلَم فأن يكون معلوم الجنس، مقدراً، نقداً. وهذه الشروط الثلاثة التي في رأس المال متفق عليها إلا النقد حسب ما تقدّم. قال ابن العربيّ: وأمّا الشرط الأوّل وهو أن يكون في الذمة فلا إشكال في أن المقصود منه كونه في الذمة؛ لأنه مُدَايَنَة، ولولا ذلك لم يُشرع ديناً ولا قصد الناس إليه ربحاً ورفقاً. وعلى ذلك القول اتفق الناس. بَيْد أنّ مالكاً قال: لا يجوز السلم في المعين إلا بشرطين: أحدهما أن يكون قرية مأمونة، والثاني أن يشرع في أخذه كاللبن من الشاة والرطب من النخلة، ولم يقل ذلك أحد سواه. وهاتان المسألتان صحيحتان في الدليل؛ لأن التعيين امتنع في السَّلَم مخافة المُزَابَنَة والغَرَر؛ لئلا يتعَذّر عند المحلّ. وإذا كان الموضع مأموناً لا يتعذر وجود ما فيه في الغالب جاز ذلك؛ إذ لا يُتَيَقَّن ضمان العواقب على القطع في مسائل الفقه؛ ولا بدَّ من احتمال الغَرَر اليسير، وذلك كثير في مسائل الفروع، تعدادها في كتب المسائل. وأمّا السَّلَم في اللبن والرطب مع الشروع في أخذه فهي مسألة مَدَنيَّة اجتمع عليها أهل المدينة، وهي مبنية على قاعدة المصلحة؛ لأن المرء يحتاج إلى أخذ اللبن والرطب مُيَاوَمَة ويشق أن يأخذ كل يوم ابتداء؛ لأن النقد قد لا يحضره ولأن السعر قد يختلف عليه، وصاحب النخل واللبن محتاج إلى النقد؛ لأن الذي عنده عُروضٌ لا يتصرّف له. فلما اشتركا في الحاجة رخص لهما في هذه المعاملة قياساً على العَرَايَا وغيرها من أُصول الحاجات والمصالح. وأمّا الشرط الثاني وهو أن يكون موصوفاً فمتفق عليه، وكذلك الشرط الثالث. والتقدير يكون من ثلاثة أوجه: الكيل، والوزن، والعدد، وذلك يَنْبَني على العُرْف؛ وهو إمّا عرف الناس وإمّا عرف الشرع. وأما الشرط الرابع وهو أن يكون مؤجّلاً فاختلف فيه، فقال الشافعيّ: يجوز السَّلَم الحالّ، ومنعه الأكثر من العلماء. قال ابن العربيّ: واضطربت المالكية في تقدير الأجل حتى ردّوه إلى يوم؛ حتى قال بعض علمائنا: السَّلَم الحالّ جائز. والصحيح أنه لا بدّ من الأجل فيه؛ لأن المبيع على ضربين: معَجَّل وهو العين، ومؤجّل. فإن كان حالاً ولم يكن عند المُسْلَم إليه فهو من باب: بيع ما ليس عندك، فلا بدّ من الأجل حتى يخلص كل عقد على صفته وعلى شروطه، وتتنزل الأحكام الشرعية منازلها. وتحديده عند علمائنا مدّة تختلف الأسواق في مثلها. وقول الله تعالى: {إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} وقوله عليه السلام: «حديث : إلى أجل معلوم»تفسير : يغني عن قول كل قائل. قلت ـ الذي أجازه علماؤنا من السَّلَم الحالّ ما تختلف فيه البلدان من الأسعار، فيجوز السّلَم فيما كان بينه وبينه يوم أو يومان أو ثلاثة. فأمّا في البلد الواحد فلا؛ لأن سعره واحد، والله أعلم. وأمّا الشرط الخامس وهو أن يكون الأجل معلوماً فلا خلاف فيه بين الأُمة، لوصف الله تعالى ونبيه الأجل بذلك. وانفرد مالك دون الفقهاء بالأمصار بجواز البيع إلى الجَذَاذ والحَصاد؛ لأنه رآه معلوماً. وقد مضى القول في هذا عند قوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} تفسير : [البقرة: 189]. وأما الشرط السادس وهو أن يكون موجوداً عند المحل فلا خلاف فيه بين الأُمة أيضاً؛ فإن انقطع المبيع عند محل الأجل بأمر من الله تعالى انفسخ العقد عند كافة العلماء. السابعة ـ ليس من شرط السَّلَم أن يكون المُسْلَم إليه مالكاً للمُسْلَم فيه خلافاً لبعض السّلَف، لما رواه البخاري عن محمد بن أبي المُجالِد قال: بعثني عبد الله بن شدّاد وأبو بُرْدَةَ إلى عبد الله بن أبي أوْفَى فقالا: سله هل كان أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يُسْلفون في الحنطة؟ فقال عبد الله: كنا نُسْلِف نَبِيط أهلِ الشام في الحنطة والشعير والزيت في كيل معلوم إلى أجل معلوم. قلت: إلى من كان أصله عنده؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك. ثم بعثاني إلى عبد الرحمن بن أبْزَى فسألته فقال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يُسْلِفون على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم نسألهم ألهم حرث أم لا؟. وشرط أبو حنيفة وجود المُسْلَم فيه من حين العقد إلى حين الأجل، مخافةَ أن يُطْلَب المُسْلَم فيه فلا يوجد فيكون ذلك غَرَراً؛ وخالفه سائر الفقهاء وقالوا: المُرَاعَى وجوده عند الأجل. وشرط الكوفيون والثوريّ أن يذكر موضع القبض فيما له حملٌ ومؤنة وقالوا: السَّلَم فاسد إذا لم يذكر موضع القبض. وقال الأوزاعيّ: هو مكروه. وعندنا لو سكتوا عنه لم يفسُد العقد، ويتعيّن موضع القبض؛ وبه قال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل الحديث؛ لحديث ابن عباس فإنه ليس فيه ذكر المكان الذي يقبض فيه السّلَم، ولو كان من شروطه لبيَّنه النبيّ صلى الله عليه وسلم كما بين الكيل والوزن والأجل؛ ومثله حديث ٱبن أبِي أَوْفى. الثامنة ـ روى أبو داود عن سعد (يعني الطائي) عن عطية بن سعد عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ أَسْلف في شيء فلا يَصْرِفْه إلى غيره»تفسير : . قال أبو محمد عبد الحق بن عطية: هو العَوْفِيّ ولا يحتج أحد بحديثه، وإن كان الأجِلّة قد رَوَوْا عنه. قال مالك: الأمر عندنا فيمن أسلف في طعام بسعر معلوم إلى أجلٍ مسمًّى فحلّ الأجل فلم يجد المُبتاع عند البائع وفاءً مما ابتاعه منه فأقاله، أنه لا ينبغي له أن يأخذ منه إلاّ ورِقَه أو ذِهَبه أو الثمن الذي دفع إليه بعينه، وأنه لا يشتري منه بذلك الثمن شيئاً حتى يقبِضه منه؛ وذلك أنه إذا أخذ غير الثمن الذي دفع إليه أو صرفه في سلعة غير الطعام الذي ابتاع منه فهو بيع الطعام قبل أن يستوفى. قال مالك: وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل أن يستوفى. التاسعة ـ قوله تعالى: {فَٱكْتُبُوهُ} يعني الدّيْن والأجل. ويقال: أمر بالكتابة ولكن المراد الكتابة والإشهاد؛ لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة. ويقال: أُمِرنا بالكتابة لكيلا نَنْسى. وروى أبو داود الطيالسيّ في مسنده عن حمّاد بن سَلَمة عن عليّ بن زيد عن يوسف بن مِهْران عن ابن عباس قال:حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ} إلى آخر الآية: «إن أوّل من جحد آدم عليه السلام إن الله أراه ذرّيته فرأى رجلاً أزهر ساطعاً نورُه فقال يا ربّ مَنْ هذا قال هذا ابنك داود قال يا رب فما عمره قال ستون سنة قال يا رب زده في عمره فقال لا إلا أن تزيده من عمرك قال وما عُمري قال ألف سنة قال آدم فقد وهبتُ له أربعين سنة قال فكتب الله عليه كتاباً وأشهد عليه ملائكته فلما حضرته الوفاة جاءته الملائكة قال إنه بقي من عمري أربعون سنة قالوا إنك قد وهبتها لابنك داود قال ما وهبت لأحد شيئاً قال فأخرج الله تعالى الكتاب وشهد عليه ملائكته ـ في رواية: وأتم لداود مائة سنة ولآدم عمره ألف سنة»تفسير : . خرّجه الترمذيّ أيضاً. وفي قوله {فَٱكْتُبُوهُ} إشارة ظاهرة إلى أنه يكتبه بجميع صفته المبيِّنة له المُعْرِبة عنه؛ للاختلاف المتوهَّم بين المتعاملين، المعرِّفةِ للحاكم ما يحكم به عند ارتفاعهما إليه. والله أعلم. العاشرة ـ ذهب بعض الناس إلى أن كتْب الديون واجبٌ على أربابها، فرض بهذه الآية، بيعا كان أو قرضاً؛ لئلا يقع فيه نسيان أو جُحود، وهو اختيار الطبريّ. وقال ابن جُريج: مَن أدّان فليكتب، ومَن باع فليُشهِد. وقال الشعبيّ: كانوا يَرَوْن أن «قوله فَإنْ أَمِنَ» ناسخ لأمره بالكتْب. وحكى نحوه ابن جُرَيج، وقاله ابن زيد، وروى عن أبي سعيد الخدرِي. وذهب الرَّبيع إلى أن ذلك واجب بهذه الألفاظ، ثم خفّفَه الله تعالى بقوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً}. وقال الجمهور: الأمر بالكتْب ندبٌ إلى حفظ الأموال وإزالة الرّيب، وإذا كان الغريمُ تَقِيّاً فما يضرّه الكتاب، وإن كان غير ذلك فالكتاب ثقَافٌ في دينه وحاجّة صاحب الحق. قال بعضهم: إن أشهدت فحزُمٌ، وإن ائتَمَنْت ففي حِلٍّ وسَعةٍ. ابن عطية: وهذا هو القول الصحيح. ولا يترتب نسخٌ في هذا؛ لأن الله تعالى ندب إلى الكتاب فيما للمرء أن يهبَه ويتركه بإجماع، فندْبُه إنما هو على جهة الحَيْطة للناس. الحادية عشرة ـ قوله تعالى: {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ} قال عطاء وغيره: واجب على الكاتب أن يكتب؛ وقاله الشعبيّ، وذلك إذا لم يوجد كاتب سواه فواجب عليه أن يكتب. السدي: واجب مع الفَرَاغ. وحُذفت اللام من الأوّل وأُثبتت في الثاني؛ لأن الثاني غائب والأوّل للمخاطَب. وقد ثبتت في المخاطب؛ ومنه قوله تعالى: {أية : فَلْيَفْرَحُواْ} تفسير : [يونس: 58] بالتاء. وتحذف في الغائب؛ ومنه:شعر : محمدُ تفدِ نفسَك كلُّ نَفْسٍ إذا ما خِفْتَ من شيء تَبَالا تفسير : الثانية عشرة ـ قوله تعالى: {بِٱلْعَدْلِ} أي بالحق والمعدلة، أي لا يُكتب لصاحب الحق أكثر مما قاله ولا أقلّ. وإنما قال «بَيْنَكُمْ» ولم يقل أحدكم؛ لأنه لما كان الذي له الديْن يَتَّهِم في الكتابة الذي عليه الديْن وكذلك بالعكس شرع الله سبحانه كاتباً غيرهما يكتب بالعدل لا يكون في قلبه ولا قلمهُ موَادَّةٌ لأحدهما على الآخر. وقيل: إن الناس لما كانوا يتعاملون حتى لا يشذّ أحدهم عن المعاملة، وكان منهم من يكتب ومن لا يكتب، أمر الله سبحانه أن يكتب بينهم كاتبٌ بالعدل. الثالثة عشرة ـ الباء في قوله تعالى {بِٱلْعَدْلِ} متعلقة بقوله: «وَلْيَكْتُبْ» وليست متعلقة بـ «كَاتِبٌ» لأنه كان يلزم ألا يكتب وثيقة إلا العدل في نفسه، وقد يكتبها الصبيّ والعبد والمتحوط إذا أقاموا فقهها. أما المنتصبون لكتْبها فلا يجوز للولاة أن يتركوهم إلا عدولا مرضيين. قال مالك رحمه الله تعالى: لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارفٌ بها عدل في نفسه مأمون؛ لقوله تعالى: {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ}. قلت: فالباء على هذا متعلقة بـ «كاتب» أي ليكتب بينكم كاتب عدل؛ فـ «بالعدل» في موضع الصفة. الرابعة عشرة ـ قوله تعالى: {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ} نهى الله الكاتب عن الإباء. واختلف الناس في وجوب الكتابة على الكاتب والشهادة على الشاهد؛ فقال الطبري والربيع: واجب على الكاتب إذا أُمِر أن يكتب. وقال الحسن: ذلك واجب عليه في الموضع الذي لا يُقْدر على كاتب غيره، فيضر صاحب الدين إن امتنع؛ فإن كان كذلك فهو فريضة، وإن قُدِر على كاتبٍ غيره فهو في سَعَة إذا قام به غيره. السدّي: واجب عليه في حال فراغه، وقد تقدّم. وحكى المهدويّ عن الربيع والضحاك أنّ قوله {يَأْبَ} منسوخٌ بقوله {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}. قلت: هذا يتمشّى على قول من رأى أو ظَنّ أنه قد كان وَجَب في الأوّل على كل من اختاره المتبايعان أن يكتب، وكان لا يجوز له أن يمتنع حتى نسخه قوله تعالى: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} وهذا بعيدٌ، فإنه لم يثبت وجوبُ ذلك على كل من أراده المتبايعان كائناً من كان. ولو كانت الكتابة واجبة ما صحّ الاستئجار بها؛ لأن الإجارة على فعل الفروض باطلة، ولم يختلف العلماء في جواز أخذ الأُجرة على كتْب الوثيقة. ابن العربيّ: والصحيح أنه أمر إرشاد فلا يكتب حتى يأخذ حقه. وأبَى يَأْبَى شاذٌّ، ولم يجىء إلا قَلَى يَقْلَى وأبَى يَأْبَى وَغَسَى يَغْسَى وجَبَى الخراج يَجْبَي، وقد تقدّم. الخامسة عشرة ـ قوله تعالى: {كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ} الكاف في «كما» متعلقة بقوله {أَنْ يَكْتُبَ} المعنى كتبا كما علمه الله. ويحتمل أن تكون متعلقة بما في قوله «وَلاَ يَأبَ» من المعنى، أي كما أنعم الله عليه بعلم الكتابة فلا يَأْبَ هو وليُفْضِل كما أفضل الله عليه. ويحتمل أن يكون الكلام على هذا المعنى تاماً عند قوله {أَنْ يَكْتُبَ} ثم يكون {كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ} ابتداء كلام، وتكون الكاف متعلقة بقوله {فَلْيَكْتُبْ}. السادسة عشرة ـ قوله تعالى: {وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ} وهو المديون المطلوب يُقِرّ على نفسه بلسانه ليُعلم ما عليه. والإملاء والإملال لغتان، أمَلّ وأمْلَى؛ فأمَلّ لغة أهل الحجاز وبنى أسد، وتميم تقول: أَمْلَيْت. وجاء القرآن باللغتين؛ قال عز وجل: {أية : فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} تفسير : [الفرقان: 5]. والأصل أَمْلَلْتُ، أُبدل من اللام ياء لأنه أخفّ. فأمر الله تعالى الذي عليه الحق بالإمْلاَء؛ لأن الشهادة إنما تكون بسبب إقراره. وأمره تعالى بالتقوى فيما يُمِلّ، ونهى عن أن يبخَس شيئاً من الحق. والبخس النقص. ومن هذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} تفسير : [البقرة: 228]. السابعة عشرة ـ قوله تعالى: {فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً} قال بعض الناس: أي صغيراً. وهو خطأ فإنّ السفيه قد يكون كبيراً على ما يأتي بيانه. {أَوْ ضَعِيفاً} أي كبيراً لا عقل له. {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ} جعل الله الذي عليه الحق أربعة أصناف: مستقل بنفسه يُمِلّ، وثلاثة أصناف لا يُمِلُّون وتقع نوازلهم في كل زَمَن، وكون الحقّ يترتب لهم في جهات سوى المعاملات كالمواريث إذا قُسِمَت وغير ذلك، وهم السَّفِيهُ والضّعيفُ والذي لا يستطيع أن يُمِلّ. فالسفيه المُهَلْهَلُ الرأي في المال الذي لا يُحسن الأخذَ لنفسه ولا الإعطاء منها، مشَبّه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج. والبَذِيء اللسانِ يسمّى سفيهاً؛ لأنه لا تكاد تتفق البذاءة إلاّ في جهال الناس وأصحاب العقول الخفيفة. والعرب تطلق السفه على ضعف العقل تارة وعلى ضعف البدن أُخرى؛ قال الشاعر: شعر : نَخافُ أن تَسْفَهَ أحلامُنا ويجهل الدهرُ مع الحالِم تفسير : وقال ذو الرُّمّة:شعر : مَشَيْنَ كما اهتزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيهَا مَرُّ الرياحِ النّواسِمِ تفسير : أي استضعفها واستلانها فحرّكها. وقد قالوا: الضُّعف بضم الضاد في البدن وبفتحها في الرأي، وقيل: هما لغتان. والأوّل أصح، لما روى أبو داود عن أنس بن مالك حديث : أنّ رجلاً على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يبتاع وفي عقله ضَعْفٌ فأتى أهله نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبيّ الله، أُحْجُرْ على فلان فإنه يبتاع وفي عقله ضعف. فدعاه النبيّ صلى الله عليه وسلم فنهاه عن البيع؛ فقال: يا رسول الله، إني لا أصبر عن البيع ساعة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن كنت غير تاركٍ البيع فقل هَاوهَا ولا خِلاَبَة»تفسير : . وأخرجه أبو عيسى محمد بن عيسى السلميّ الترمذيّ من حديث أنس وقال: هو صحيح، وقال: إن رجلاً كان في عقله ضعف؛ وذكر الحديث. وذكره البخاريّ في التاريخ وقال فيه: «حديث : إذا بايعت فقل لا خِلابة وأنت في كل سِلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال»تفسير : . وهذا الرجل هو حَبّان بن مُنْقِذ بن عمرو الأنصاريّ والد يحيى وواسع ابني حَبّان: وقيل: هو منقذ جدُّ يحيى وواسع شيخي مالك ووالده حَبان، أتى عليه مائة وثلاثون سنة، وكان شُجّ في بعض مَغازيه مع النبيّ صلى الله عليه وسلم مَأْمُومَةً خُبِل منها عقلُه ولسانه: وروى الدّارقطنِيّ قال: حديث : كان حَبان بن منقذ رجلاً ضعيفاً ضرير البصر وكان قد سُفِع في رأسه مأمومةً، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم له الخيار فيما يشتري ثلاثة أيام، وكان قد ثَقُل لسانُه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بِعْ وقُلْ لا خِلاَبةَ» تفسير : فكنت أسمعه يقول: لا خِذَابةَ لا خِذَابةَ. أخرجه من حديث ابن عمر الخِلابة: الخديعة؛ ومنه قولهم: «إذا لم تَغلِبْ فاخْلُبْ». الثامنة عشر ـ اختلف العلماء فيمن يُخدَع في البيوع لقلّة خِبرتهِ وضعَف عقله فهل يحجر عليه أولاً؛ فقال بالحجر عليه أحمد وإسحاق. وقال آخرون: لا يحجر عليه. والقولان في المذهب، والصحيح الأول؛ لهذه الآية، ولقوله في الحديث: يا نبيّ الله أحجر على فُلان. وإنما ترك الحجر عليه لقوله: «يا نبيّ الله إني لا أصبر عن البيع» فأباح له البيع وجعله خاصاً به؛ لأن من يُخْدَع في البيوع ينبغي أن يُحْجَر عليه لا سيما إذا كان ذلك لخَبَل عقله. ومما يدل على الخصوصية ما رواه محمد بن إسحاق قال: (حدثني محمد بن يحيى بن حَبان قال: هو جدي مِنقذ بن عمرو وكان رجلاً قد أصابته آمةٌ في رأسه فكسرت لسانه ونازعته عقله، وكان لا يدع التجارة ولا يزال يُغْبن، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له؛ فقال: «حديث : إذا بِعْتَ فقل لا خِلابة ثم أنت في كل سِلْعَة تبتاعها بالخيار ثلاث ليال فإن رضِيت فأمسِك وإن سَخِطت فآردُدُها على صاحبها»تفسير : . وقد كان عَمَّر عمرا طويلاً، عاش ثلاثين ومائة سنة، وكان في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه حين فشا الناس وكثروا، يبتاع البيع في السوق ويرجع به إلى أهله وقد غُبِن غَبْنا قبيحا، فيلومونه ويقولون له تبتاع؟ فيقول: أنا بالخيار، إن رضِيتُ أخذتُ وإن سَخِطْتُ رددتُ، قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلني بالخيار ثلاثا. فيردّ السلعة على صاحبها من الغد وبعد الغد، فيقول: والله لا أقْبَلُها قد أخذت سلعتي وأعطيتنَي دراهم؛ قال فيقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعلني بالخيار ثلاثاً وكان يمر الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول للتاجر: ويحك! إنه قد صدق؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان جعله بالخيار ثلاثا) أخرجه الدارقطني. وذكره أبو عمر في الإستيعاب وقال: ذكره البخاري في التاريخ عن عَيّاش بن الوليد عن عبد الأعلى عن ابن إسحاق. التاسعة عشر ـ قوله تعالى: {أَوْ ضَعِيفاً} الضعيف هو المدخول العقل الناقص الفِطرة العاجز عن الإملاء، إمّا لعَيَّه أو لخَرَسه أو جهله بأداء الكلام، وهذا أيضاً قد يكون وليُّهُ أباً أو وصياً. والذي لا يستطيع أن يُمِلّ هو الصغير، ووليّه وصيه أو أبوه والغائبُ عن موضع الإشهاد، إما لمرض أو لغير ذلك من العذر، ووليه وكيلهُ. وأما الأخَرْس فيسوغ أن يكون من الضعفاء، والأولى أنه ممن لا يستطيع. فهذه أصناف تتميز؛ وسيأتي في «النساء» بيانها والكلام عليها إن شاء الله تعالى. الموفية عشرين قوله تعالى: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ} ذهب الطبري إلى أن الضمير في {وَلِيُّهُ} عائد على «الْحَقُّ» وأسند في ذلك عن الربيع، وعن ابن عباس. وقيل: هو عائد على {ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً} وهو الصحيح. وما روي عن ابن عباس لا يصح. وكيف تشهد البيِّنة على شيء وتُدخل مالا في ذمّة السفيه بإملاء الذي له الدَّيْن! هذا شيء ليس في الشريعة. إلا أن يريد قائله: إن الذي لا يستطيع أن يُمِلّ لمرض أو كبر سنّ لثقل لسانه عن الإملاء أو لخرس، وإذا كان كذلك فليس على المريض ومن ثقل لسانه عن الإملاء لخرَس ولىّ عند أحد العلماء، مثل ما ثبت على الصبيّ والسفيه عند من يحجر عليه. فإذا كان كذلك فليُمِلّ صاحب الحق بالعدل ويُسمع الذي عجز، فإذا كمل الإمْلاءُ أقرّبه. وهذا معنىّ لم تَعْن الآَية إليه: ولا يصح هذا إلا فيمن لا يستطيع أن يُمِلّ لمرض ومن ذكر معه. الحادية والعشرون ـ لما قال الله تعالى: {فَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ} دل ذلك على أنه مُؤْتَمَنُ فيما يُورده ويُصدره، فيقتضي ذلك قبول قول الراهن مع يمينه إذا اختلف هو والمرتهن في مقدار الدّين والرهنُ قائمٌ، فيقول الراهن رهنت بخمسين والمرتهن يدّعى مائة، فالقول قول الراهن والرهن قائم، وهو مذهب أكثر الفقهاء: سفيان الثورىّ والشافعيّ وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، واختاره ابن المنذر قال: لأن المرتهن مدّعٍ للفضل، وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : البينة على المُدّعي واليمينُ على المدّعى عليه»تفسير : . وقال مالك: القول قول المرتهن فيما بينه وبين قيمة الرهن ولا يُصدَّق على أكثر من ذلك. فكأنه يرى أنّ الرهن ويمينَهُ شاهد للمرتهن؛ وقوله تعالى {فَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ} ردُّ عليه. فإن الذي عليه الحق هو الراهن. وستأتي هذه المسألة. وإن قال قائل: إن الله تعالى جعل الرهن بدلاً عن الشهادة والكتابِ، والشهادة دالّة على صدق المشهود له فيما بينه وبين قيمة الرهن، فإذا بلغ قيمته فلا وثيقة في الزيادة. قيل له: الرهن يدلّ على أن قيمته تجب أن تكون مقدار الدَّين، فإنه ربما رهن الشيء بالقليل والكثير. نعم لا ينقص الرهن غالباً عن مقدار الدين، فأمّا أن يطابقه فلا. وهذا القائل يقول: يُصدَّق المرتهنُ مع اليمين في مقدار الدّيْن إلى أن يساوي قيمة الرهن. وليس العرف على ذلك فربما نقص الدين عن الرهن وهو الغالب، فلا حاصل لقولهم هذا. الثانية والعشرون ـ وإذا ثبت أن المراد الوليُّ ففيه دليلٌ على أن إقراره جائز على يتيمه؛ لأنه إذا أملاه فقد نفذ قوله عليه فيما أملاه. الثالثة والعشرون ـ وتصرُّف السفيه المحجور عليه دون إذن وليِّه فاسدٌ إجماعاً مفسوخ أبداً لا يوجب حكماً ولا يؤثِّر شيئاً. فإن تصرَّف سفيه ولا حجر عليه ففيه خلاف يأتي بيانه في «النساء» إن شاء الله تعالى. الرابعة والعشرون ـ قوله تعالى: {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ} الاستشهاد طلب الشهادة. واختلف الناس هل هي فرض أو ندب، والصحيح أنه ندب على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الخامسة والعشرون ـ قوله تعالى ـ: {شَهِيدَيْنِ} رتّب الله سبحانه الشهادة بحكمته في الحقوق المالية والبدنية والحدود وجعل في كل فَنٍّ شهيدين إلا في الزِّنَا، على ما يأتي بيانه في سورة «النساء». وشهيدٌ بناءُ مبالغة؛ وفي ذلك دلالةٌ على من شهد وتكرر ذلك منه، فكأنه إشارة إلى العدالة. والله أعلم. السادسة والعشرون ـ قوله تعالى: {مِّن رِّجَالِكُمْ} نَصُّ في رَفضْ الكفار والصبيان والنساء، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم. وقال مجاهد: المراد الأحرار، واختاره القاضي أبو إسحاق وأطْنَب فيه. وقد اختلف العلماء في شهادة العبيد، فقال شُريح وعثمان البَتِّى وأحمد وإسحاق وأبو ثور: شهادة العبد جائزة إذا كان عدلاً؛ وغلَّبوا لفظ الآَية. وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء: لا تجوز شهادة العبد؛ وغلَّبوا نقص الرق، وأجازها الشعبي والنخعي في الشيء اليسير. والصحيح قول الجمهور؛ لأن الله تعالى قال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} وساق الخطاب إلى قوله: {مِّن رِّجَالِكُمْ} فظاهر الخطاب يتناول الذي يتداينون، والعبيد لا يملكون ذلك دون إذْن السّادة. فإن قالوا: إن خصوص أول الآية لا يمنع التعلق بعُموم آخره. قيل لهم: هذا يخصُّه قوله تعالى: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} على ما يأتي بيانه. وقوله {مِّن رِّجَالِكُمْ} دليل على أن الأعمى من أهل الشهادة، لكن إذا علم يقيناً؛ مثل ما روي عن ابن عباس قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال: «ترى هذه الشمس فاشهد على مِثلها أو دع»تفسير : . وهذا يدل على اشتراط معاينة الشاهد لما يشهد به، لا من يشهد بالاستدلال الذي يجوز أن يخطىء. نعم يجوز له وَطْءُ امرأته إذا عرف صوتها؛ لأن الإقدام على الوطءِ جائز بغلبة الظن؛ فلو زُفّت إليه امرأة وقيل: هذه امرأتك وهو لا يعرفها جاز له وطؤها، ويحل له قبول هدية جاءته بقول الرسول. ولو أخبره مخبر عن زيد بإقرار أو بيع أو قذْف أو غصب لما جاز له إقامة الشهادة على المخْبَر عنه؛ لأن سبيل الشهادة اليقين، وفي غيرها يجوز استعمال غالب الظن؛ ولذلك قال الشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف: إذا علمه قبل العمى جازت الشهادة بعد العمى؛ ويكون العمى الحائل بينه وبين المشهود عليه كالغيبة والموت في المشهود عليه. فهذا مذهب هؤلاء. والذي يمنع أداء الأعمى فيما تحمّل بصيراً لا وجه له، وتصح شهادته بالنسب الذي يثبت بالخبر المستفيض، كما يخبر عما تواتر حكمه من الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن العلماء من قبِل شهادة الأعمى فيما طريقه الصوت؛ لأنه رأى الاستدلال بذلك يترقى إلى حدّ اليقين، ورأى أن اشتباه الأصوات كاشتباه الصّوَر والألوان. وهذا ضعيف يلزم منه جواز الاعتماد على الصوت للبصير. قلت: مذهب مالك في شهادة الأعمى على الصوت جائزة في الطلاق وغيره إذا عرف الصوت. قال ابن قاسم: قلت لمالك: فالرجل يسمع جاره من وراء الحائط ولا يراه، يسمعه يطلق ٱمرأته فيشهد عليه وقد عرف الصوت؟ قال قال مالك: شهادته جائزة. وقال ذلك علي بن أبي طالب والقاسم بن محمد وشُرَيح الكندي والشَّعْبي وعطاء بن أبي رَبَاح ويحي بن سعيد وربيعة وإبراهيم النخعي ومالك والليث. السابعة والعشرون ـ قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ} المعنى إن لم يأت الطالب برجلين فليأت برجل وامرأتين؛ هذا قول الجمهور. «فَرَجُلٌ» رفع بالابتداء، {وَٱمْرَأَتَانِ} عطف عليه والخبر محذوف. أي فرجل وامرأتان يقومان مقامهما. ويجوز النصب في غير القرآن، أي فاستشهدوا رجلاً وامرأتين. وحكى سيبويه: إنْ خنجراً فخنجراً. وقال قوم: بل المعنى فإن لم يكن رجلان، أي لم يوجدا فلا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال. قال ابن عطية: وهذا ضعيف، فلفظ الآية لا يعطيه، بل الظاهر منه قول الجمهور، أي إن لم يكن المستشهد رجلين، أي إن أغفل ذلك صاحب الحق أو قصده لعذرٍ مّا فليستشهد رجلاً وامرأتين. فجعل تعالى شهادة المرأتين مع الرجل جائزة مع وجود الرجلين في هذه الآية، ولم يذكرها في غيرها، فأجيزت في الأموال خاصة في قول الجمهور، بشرط أن يكون معهما رجل. وإنما كان ذلك في الأموال دون غيرها؛ لأن الأموال كثر الله أسباب تَوْثيقها لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلْوَى بها وتكررها؛ فجعل فيها التَوثُّق تارة بالكتْبَة وتارة بالإشهاد وتارة بالرهن وتارة بالضمان، وأدخل في جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال. ولا يتوهّم عاقل أن قوله تعالى {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} يشتمل على دَيْن المهر مع البُضْع، وعلى الصلح على دم العمد، فإن تلك الشهادة ليست شهادة على الدَّيْن، بل هي شهادة على النكاح. وأجاز العلماء شهادتهنّ منفردات فيما لا يطّلع عليه غيرهنّ للضرورة. وعلى مثل ذلك أُجيزت شهادة الصبيان في الجراح فيما بينهم للضرورة. وقد اختلف العلماء في شهادة الصبيان في الجراح وهي: الثامنة والعشرن ـ فأجازها مالك ما لم يختلفوا ولم يفترقوا. ولا يجوز أقل من شهادة اثنين منهم على صغير لكبير ولكبير على صغير. وممن كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح عبدالله بن الزبير. وقال مالك: وهو الأمر عندنا المجتمع عليه. ولم يجز الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه شهادتهم؛ لقوله تعالى {مِّن رِّجَالِكُمْ} وقوله {مِمَّن تَرْضَوْنَ} وقوله {أية : ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ} تفسير : [المائدة: 95] وهذه الصفات ليست في الصبيّ. التاسعة والعشرون ـ لما جعل الله سبحانه شهادة امرأتين بدل شهادة رجل وجب أن يكون حكمهما حكمه؛ فكما لَهُ أن يحلف مع الشاهد عندنا، وعند الشافعي كذلك، يجب أن يحلف مع شهادة امرأتين بمُطْلق هذه العِوَضيّة. وخالف في هذا أبو حنيفة وأصحابه فلم يروا اليَمِين مع الشاهد وقالوا: إن الله سبحانه قسم الشهادة وعدّدها، ولم يذكر الشاهد واليمين، فلا يجوز القضاء به؛ لأنه يكون قسماً زائداً على ما قسمه الله، وهذه زيادة على النص، وذلك نسخ. وممن قال بهذا القول الثوري والأوزاعي وعطاء والحكم بن عُتَيْبَة وطائفة. قال بعضهم: الحكم باليمين مع الشاهد منسوخ بالقرآن. وزعم عطاء أن أوّل مَن قضى به عبدالملك بن مروان، وقال: الحَكَم: القضاء باليمين والشاهد بِدعةٌ، وأوّل من حكم به معاوية. وهذا كله غلط وظنّ لا يغني من الحق شيئاً، وليس مَن نَفَى وجهل كمن أثبت وعلِم! وليس في قول الله تعالى: {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ} الآية، ما يُردُّ به قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليمين مع الشاهد؛ ولا أنه لا يُتوصّل إلى الحقوق ولا تستحق إلا بما ذكر فيها لا غير، فإن ذلك يبطل بنكول المطلوب ويمين الطالب، فإن ذلك يستحق به المال إجماعاً وليس في كتاب الله تعالى، وهذا قاطع في الرد عليهم. قال مالك: فمن الحجة على من قال ذلك القول أن يُقال له: أرأيت لو أن رجلاً ٱدعى على رجل مالا أليس يحلف المطلوب ما ذلك الحق عليه؟ فإن حلف بطل ذلك الحق عنه، وإن نَكَل عن اليمين حلف صاحب الحق، أن حقّه لحقُّ، وثبت حقه على صاحبه. فهذا مما لا اختلاف فيه عند أحد من الناس ولا ببلد من البلدان، فبأي شيء أخذ هذا وفي أي كتاب الله وجده؟ فمن أقرّ بهذا فليُقِرَّ باليمين مع الشاهد. قال علماؤنا: ثم العجب مع شهرة الأحاديث وصحتها بَدَّعوا من عمل بها حتى نقضوا حكمه واستقصروا رأيه، مع أنه قد عمل بذلك الخلفاء الأربعة وأبي بن كعب ومعاوية وشُريح وعمر بن عبدالعزيز ـ وكتب به إلى عماله ـ وإياس بن معاوية وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو الزِّناد وربيعة؛ ولذلك قال مالك: وإنه ليكفي من ذلك ما مضى مِن عَمَل السنّة، أترى هؤلاء تنقض أحكامهم، ويحكم ببدعتهم! هذا إغفال شديد، ونظر غير سديد. روى الأئمة عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أنه قضى باليمين مع الشاهد. قال عمرو بن دينار: في الأموال خاصة؛ رواه سيف بن سليمان عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ٱبن عباس. قال أبو عمرو: هذا أصح إسناد لهذا الحديث، وهو حديث لا مطعن لأحد في إسناده، ولا خلاف بين أهل المعرفة بالحديث في أن رجاله ثقات. قال يحيى القَطّان: سيف بن سليمان ثَبْتُ، ما رأيت أحفظ منه. وقال النسائي: هذا إسناد جَيِّد، سيفْ ثقة، وقيس ثقة. وقد خرّج مسلم حديث ابن عباس هذا. قال أبو بكر البزار: سيف بن سليمان وقيس بن سعد ثقتان، ومنَ بعدهما يُستغنَى عن ذكرهما لشهرتهما في الثقة والعدالة. ولم يأت عن أحد من الصحابة أنه أنكر اليمين مع الشاهد، بل جاء عنهم القول به، وعليه جمهور أهل العلم بالمدينة. واختلف فيه عن عُروة بن الزبير وابن شهاب؛ فقال مَعْمَر: سألت الزهري عن اليمين مع الشاهد فقال؛ هذا شيء أحدثه الناس، لا بدّ من شاهديْن. وقد روى عنه أنه أوّل ما وَلي القضاء حكم بشاهد ويمين؛ وبه قال مالك وأصحابه والشافعي وأتباعه وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وداود بن عليّ وجماعة أهل الأثر، وهو الذي لا يجوز عندي خلافه، لتواتر الآثار به عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وعمل أهل المدينة قَرْناً بعد قرن. وقال مالك: يقضى باليمين مع الشاهد في كل البلدان، ولم يحتّج في موطّئه لمسألة غيرها. ولم يُخْتَلَف عنه في القضاء باليمين مع الشاهد ولا عن أحد من أصحابه بالمدينة ومصر وغيرهما، ولا يعرف المالكيون في كل بلد غير ذلك من مذهبهم إلا عندنا بالأندلس؛ فإن يحيـى (بن يحيـى) زعم أنه لم ير الليث يفتي به ولا يذهب إليه. وخالف يحيي مالكا في ذلك مع مخالفته السنة والعمل بدار الهجرة. ثم اليمين مع الشاهد زيادة حكم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كنَهْيِه عن نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها مع قول الله تعالى: {أية : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} تفسير : [النساء: 24] وكنهيه عن أكل لحوم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع مع قوله: {أية : قُل لاَّ أَجِدُ} تفسير : [الأنعام: 145 والتوبة: 92] وكالمسح على الخفّيْن، والقرآن إنما ورد بغسل الرِّجلين أو مسحهما؛ ومثل هذا كثير. ولو جاز أن يقال: إن القرآن نسخ حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد، لجاز أن يقال؛ إن القرآن في قوله عز وجل: {أية : وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا}تفسير : [البقرة: 275] وفي قوله: {أية : إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ}تفسير : [النساء: 29] ناسخ لنهيه عن المُزَابَنَة وبيع الغَرَر وبيع مالم يُخْلَق، إلى سائر ما نهى عنه في البيوع، وهذا لا يسوغ لأحد؛ لأن السنة مبيِّنة للكتاب. فإن قيل: إنّ ما ورد من الحديث قضية في عَيْن فلا عموم. قلنا: بل ذلك عبارةٌ عن تقْعيد هذه القاعدة؛ فكأنه قال: أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم باليمين مع الشاهد. ومما يشهد لهذا التأويل ما رواه أبو داود في حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قضى بشاهد ويمين في الحقوق، ومن جهة القياس والنظر أنا وجدنا اليمين أقوى من المرأتين، لأنهما لا مدخل لهما في اللعان واليمين واليمين تدخل في اللعان. وإذا صحّت السنة فالقول بها يجب، ولا تحتاج السنة إلى ما يتابعها؛ لأن من خالفها محجوج بها. وبالله التوفيق. الموفية ثلاثين ـ وإذا تقرر وثبت الحكم باليمين مع الشاهد، فقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ذلك في الأموال وما يتعلق بها دون حقوق الأبدان؛ للإجماع على ذلك من كل قائل باليمين مع الشاهد. قال: لأنَّ حقوق الأموال أخفض من حقوق الأبدان؛ بدليل قبول شهادة النساء فيها. وقد اختلف قول مالك في جِراح العمد، هل يجب القَوَد فيها بالشاهد واليمين؟ فيه روايتان: إحداهما أنه يجب به التخيير بين القَوَد والدّيّة. والأُخرى أنه لا يجب به شيء؛ لأنه من حقوق الأبدان. قال: وهو الصحيح. قال مالك في الموطأ: وإنما يكون ذلك في الأموال خاصة؛ وقاله عمرو ابن دينار. وقال المازري: يقبل في المال الَمحْض من غير خلاف، ولا يقبل في النكاح والطلاق المحضين من غير خلاف. وإن كان مضمون الشهادة ما ليس بمال، ولكنه يؤدي إلى المال، كالشهادة بالوصية والنكاح بعد الموت، حتى لا يطلب من ثبوتها إلا المال إلى غير ذلك، ففي قبوله اختلاف؛ فمن راعَى المال قَبِله كما يقبله في المال، ومن راعى الحال لم يقبله. وقال المهدويّ: شهادة النساء في الحدود غير جائزة في قول عامّة الفقهاء، وكذلك في النكاح والطلاق في قول أكثر العلماء؛ وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهما؛ وإنما يشهَدنَ في الأموال. وكل ما لا يشهدْنَ فيه فلا يشهَدّنَ على شهادة غيرهنّ فيه، كان معهنّ رجل أو لم يكن، ولا ينقلن شهادة إلا مع رجل نقلن عن رجل وامرأة. ويُقضَى بأثنتيْن منهنّ في كل ما لا يحضره غيرهنّ كالوِلادة والاسْتِهْلال ونحو ذلك. هذا كله مذهب مالك، وفي بعضه اختلاف. الحادية والثلاثون ـ قوله تعالى: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ} في موضع رفع على الصفة لرجل وامرأتين. قال ابن بُكيَر وغيره: هذه مخاطبة للحكّام. ابن عطية: وهذا غير نبيل، وإنما الخطاب لجميع الناس، لكن المُتَلَبِّسِ بهذه القضية إنما هم الحكام، وهذا كثير في كتاب الله يعمّ الخطاب فيما يتلبس به البعض. الثانية والثلاثون ـ لما قال الله تعالى: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ} دل على أن في الشهود من لا يُرْضى، فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا محمولين على العدالة حتى تثبت لهم، وذلك معنىً زائدٌ على الإسلام؛ وهذا قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: كل مسلم ظاهر الإسلام مع السلامة من فِسْق ظاهر فهو عَدْلٌ وإن كان مجهول الحال. وقال شُرَيح وعثمان الَبتِّى وأبو ثور: هم عدول المسلمين وإن كانوا عبيداً. قلت: فعمَّمُوا الحكم؛ ويلزم منه قبول شهادة البَدَوي على الَقَروي إذا كان عدلاً مرضياً وبه قال الشافعي ومن وافقه، وهو من رجالنا وأهل ديننا. وكونهُ بدَوِياً ككونه من بلد آخر والعمومات في القرآن الدالة على قبول شهادة العدول تسوِّي بين الَبَدوِي والقَرَوِي؛ قال الله تعالى: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ} وقال تعالى: {أية : وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ} تفسير : [الطلاق: 2] فـ «منكم » خطاب للمسلمين. وهذا يقتضي قطعاً أن يكون معنى العدالة زائداً على الإسلام ضرورةً؛ لأن الصفة زائدة على الموصوف، وكذلك {مِمَّن تَرْضَوْنَ} مثلهُ، خلاف ما قال أبو حنيفة، ثم لا يعلم كونه مرضياً حتى يُخْتَبر حاله، فيلزمه ألا يكتفى بظاهر الإسلام. وذهب أحمد بن حنبل ومالك في رواية ابن وهب عنه إلى ردّ شهادة البَدَوي على القَرَوي لحديث أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا تجوز شهادة بَدَوي على صاحب قرية» تفسير : والصحيح جواز شهادته إذا كان عدلا مرضياً، على ما يأتي بيانه في «النساء» و «براءة» إن شاء الله تعالى. وليس في حديث أبي هريرة فرق بين القَرَوي في الحضر أو السفر، ومتى كان في السفر فلا خلاف في ( قبوله). قال علماؤنا: العدالة هي الاعتدال في الأحوال الدينية، وذلك يتمّ بأن يكون مجتنباً للكبائر محافظاً على مروءته وعلى ترك الصغائر، ظاهر الأمانة غير مُغفَّل. وقيل صفاء السريرة وٱستقامة السِّيرة في ظن المعدِّل، والمعنى متقارب. الثالثة والثلاثون ـ لما كانت الشهادة ولايةً عظيمة ومرتبة منيفة، وهي قبول قول الغير على الغير، شرط تعالى فيها الرِّضا والعدالة. فمن حكم الشاهد أن تكون له شمائل ينفرد بها وفضائل يتحلّى بها حتى تكون له مزيةٌ على غيره، توجب له تلك المزيةُ رتبة الاختصاص بقبول قوله، ويُحْكَم بشغل ذِمِّة المطلوب بشهادته. وهذا أدلَّ دليل على جواز الاجتهاد والاستدلال بالأمارات والعلامات عند علمائنا على ما خفي من المعاني والأحكام. وسيأتي لهذا في سورة «يوسف» زيادة بيان إن شاء الله تعالى. وفيه ما يدل على تفويض الأمر إلى اجتهاد الحكام؛ فربما تفرّسَ في الشاهد غفلةً أو ريبَة فيردّ شهادته لذلك. الرابعة والثلاثون ـ قال أبو حنيفة: يُكتفى بظاهر الإسلام في الأموال دون الحدود. وهذه مناقضة تُسقط كلامه وتُفسد عليه مرامه؛ لأننا نقول: حقٌّ من الحقوق. فلا يُكتفى في الشهادة عليه بظاهر الدين كالحدود؛ قاله ابن العربي. الخامسة والثلاثون ـ وإذْ قد شرط الله تعالى الرضا والعدالة في المداينة كما بينّا فاشتراطها في النكاح أوْلَى، خلافا لأبي حنيفة حيث قال: إن النكاح ينعقد بشهادة فاسقين. فنفى الاحتياط المأمور به في الأموال عن النكاح، وهو أولى لما يتعلق به من الحلِّ والحُرْمَة والحدّ والنسب. قلت: قول أبي حنيفة في هذا الباب ضعيف جداً؛ لشرط الله تعالىٰ الرضا والعدالة، وليس يعلم كونه مرضياً بمجرد الإسلام، وإنما يعلم بالنظر في أحواله حسب ما تقدّم. ولا يغترّ بظاهر قوله: أنا مسلم. فربما انطوى على ما يوجب ردّ شهادته؛ مثل قوله تعالىٰ: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ} إلى قوله {أية : وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ} تفسير : [البقرة: 204]. وقال: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} تفسير : [المنافقون: 4] الآية. السادسة والثلاثون ـ قوله تعالىٰ: {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا} قال أبو عبيد: معنى تَضِلّ تنسى. والضلال عن الشهادة إنما هو نِسْيَان جزء منها وذكر جزء، ويبقى المرء حَيْران بين ذلك ضَالاًّ. ومن نسي الشهادة جُمْلةً فليس يُقال: ضل فيها. وقرأ حمزة «إن» بكسر الهمزة على معنى الجزاء، والفاء في قوله «فَتُذَكِّرُ» جوابه، وموضع الشرط وجوابه رفع على الصفة للمرأتين والرجل، وارتفع «تُذَكِّرُ» على الإستئناف؛ كما ارتفع قوله {أية : وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ}تفسير : [المائدة: 95] هذا قول سيبويه. ومن فتح «أن» فهي مفعول له والعامل (فيها) محذوف. وانتصب «فَتُذَكِّرَ» على قراءة الجماعة عطفاً على الفعل المنصوب بأن. قال النحاس؛ ويجوز «تَضَلّ» بفتح التاء والضاد، ويجوز تِضَلّ بكسر التاء وفتح الضاد. فمن قال: «تضل» جاء به على لغة من قال: ضَلِلْتَ تَضَل. وعلى هذا تقول تِضَل فتكسر التاء لتدلَّ على أن الماضي فَعِلت. وقرأ الجحدريّ وعيسىٰ بن عمر «أَنْ تُضَلّ» بضم التاء وفتح الضاد بمعنى تُنسىٰ، وهكذا حكى عنهما أبو عمرو الدانيّ. وحكى النقّاش عن الجْحَدرِيّ ضم التاء وكسر الضاد بمعنى أن تُضِلّ الشهادة. تقول: أضْلَلْتُ الفرس والبعير إذا تلفا لك وذهبا فلم تجدهما. السابعة والثلاثون ـ قوله تعالىٰ: {فَتُذَكِّرَ} خفّف الذال والكاف ابن كثِير وأبو عمرو؛ وعليه فيكون المعنى أن تَرُدّها ذَكَراً في الشهادة؛ لأن شهادة المرأة نصفُ شهادة؛ فإذا شهِدتا صار مجموعهما كشهادة ذَكَرٍ؛ قال سفيان بن عيينة وأبو عمرو بن العلاء. وفيه بعدٌ؛ إذْ لا يحصل في مقابلة الضَّلال الذي معناه النسيان إلاَّ الذِّكْر، وهو معنى قراءة الجماعة «فَتُذَكِّرَ» بالتشديد، أي تنبِّهها إذا غَفلت ونَسِيت. قلت: وإليها ترجع قراءة أبي عمرو، أي إنْ تَنسَ إحداهما فتُذْكِرُها الأُخْرَىٰ؛ يُقال: تذَكَّرت الشيء وأذْكَرْتُه غيرِي وذَكَّرْتُه بمعنىً؛ قاله في الصحاح. الثامنة والثلاثون ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} قال الحسن: جمعت هذه الآية أمرين، وهما ألاّ تأبَى إذا دُعِيتَ إلى تحصيل الشهادة، ولا إذا دُعِيت إلى أدائها؛ وقاله ابن عباس. وقال قتادة والربيع وابن عباس: أي لِتَحَمُّلها وإثباتها في الكتاب. وقال مجاهد: معنى الآية إذا دعيت إلى أداء شهادة وقد حصلت عندك. وأسند النقاش إلى النبي النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه فسّر الآية بهذا؛ قال مجاهد: فأما إذا دُعِيت لتشهد أوّلاً فإن شئت فاذهب وإن شئت فلا؛ وقاله أبو مجلز وعطاء وإبراهيم وابن جبير والسدي وابن زيد وغيرهم. وعليه فلا يجب على الشهود الحضور عند المتعاقدين، وإنما على المتداينين أن يحضرا عند الشهود؛ فإذا حضراهم وسألاهم إثبات شهادتهم في الكتاب فهذه الحالة التي يجوز أن تُراد بقوله تعالىٰ: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} لإثبات الشهادة فإذا ثبتت شهادتهم ثم دعوا لإقامتها عند الحاكم فهذا الدعاء هو بحضروهما عند الحاكم، على ما يأتي. وقال ابن عطية: والآية كما قال الحسن جمعت أمرين على جهة الندب؛ فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم، فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود والأمن من تعطيل الحق فالمدعوّ مَنْدُوب، وله أن يتَخَلَّف لأدنى عُذْر، وإن تخلق لغير عذر فلا إثم عليه ولا ثواب له. وإذا كانت الضرورة وخِيفَ تعطل الحق أدنىٰ خوف قوِي النَّدب وقرب من الوجوب، وإذا علم أن الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها، لا سيّما إن كانت مُحَصَّلة وكان الدعاء إلى أدائها، فإن هذا الظرف آكد؛ لأنها قِلادة في العُنق وأمانة تقتضي الأداء. قلت: وقد يستلوح من هذه الآية دليلٌ على أن جائزاً للإمام أن يُقيم للناس شهوداً ويجعل لهم من بيت المال كفايتهم، فلا يكون لهم شغل إلاَّ تحمل حقوق الناس حفظاً لها، وإن لم يكن ذلك ضاعت الحقوق وبَطَلت. فيكون المعنى ولا يأب الشهداء إذا أخذوا حقوقهم أن يجيبوا. والله أعلم. فإن قيل: هذه شهادة بالأُجرة؛ قلنا: إنما هي شهادة خالصة من قوم استوفوا حقوقهم من بيت المال، وذلك كأرزاق القضاة والوُلاة وجميع المصالح التي تَعِنَّ للمسلمين وهذا من جملتها. والله أعلم. وقد قال تعالىٰ: {أية : وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا}تفسير : [التوبة: 60] ففرض لهم. التاسعة والثلاثون ـ لما قال تعالىٰ: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} دلّ على أن الشاهد هو الذي يمشي إلى الحاكم، وهذا أمر بُنِي عليه الشرع وعُمِل به في كل زمان وفهمته كل أُمة، ومن أمثالهم: «فِي بَيْتِهِ يُؤتَى الحَكَمُ». الموفية أربعين ـ وإذا ثبت هذا فالعبد خارج عن جملة الشهداء، وهو يخص عموم قوله: {مِّن رِّجَالِكُمْ} لأنه لا يمكنه أن يجيب، ولا يصح له أن يأتي؛ لأنه لا استقلال له بنفسه، وإنما يَتَصَرَّف بإذن غيره، فانحط عن منصب الشهادة كما انحط عن منزل الولاية. نعم! وكما انحط عن فرض الجمعة والجهاد والحج، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالىٰ. الحادية والأربعون ـ قال علماؤنا: هذا في حال الدعاء إلى الشهادة. فأمّا من كانت عنده شهادة لرجل لم يعلمها مستحقُّها الذي ينتفع بها، فقال قوم: أداؤها ندب لقوله تعالىٰ: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} ففرض الله الأداء عند الدعاء؛ فإذا لم يُدْع كان ندباً؛ لقوله عليه السَّلام: «حديث : خير الشهداءِ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها»تفسير : رواه الأئمة. والصحيح أن أداءها فرض وإن لم يُسْألها إذا خاف على الحق ضياعه أو فوته، أو بطلاق أو عتق على من أقام على تصرفه على الاستمتاع بالزوجة واستخدام العبد إلى غير ذلك؛ فيجب على من تحمل شيئاً من ذلك أداءُ تلك الشهادة، ولا يَقِف أداؤها على أن تسأل منه فيضيع الحق؛ وقد قال تعالىٰ: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ}تفسير : [الطلاق: 2] وقال: {أية : إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزخرف: 86]. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»تفسير : . فقد تعيّن عليه نصره بأداء الشهادة التي له عنده إحياءً لحقه الذي أماته الإنكار. الثانية والأربعون ـ لا إشكال في أن من وجبت عليه شهادةٌ على أحَدِ الأوْجُه التي ذكرناها فلم يؤدها أنها جُرحة في الشاهد والشهادة؛ ولا فرق في هذا بين حقوق الله تعالىٰ وحقوق الآدميّين؛ هذا قول ابن القاسم وغيره. وذهب بعضهم إلى أن تلك الشهادة إن كانت بحق من حقوق الآدميين كان ذلك جُرحةً في تلك الشهادة نفسها خاصةً، فلا يصلح له أداؤها بعد ذلك. والصحيح الأوّل؛ لأن الذي يوجب جرحته إنما هو فسقُه بامتناعه من القيام بما وجب عليه من غير عذر، والفسق يسلب أهليّة الشهادة مطلقاً، وهذا واضح. الثالثة والأربعون ـ لا تَعارُض بين قوله عليه السَّلام: «حديث : خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها» تفسير : وبين قوله عليه السَّلام في حديث عِمران بن حصين: «حديث : إنّ خيركم قرنِي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ـ ثم قال عمران: فلا أدري أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً ـ ثم يكون بعدهم قوم يَشَهدون ولا يُستشْهَدون ويخونون ولا يُؤتَمنون ويَنْذرون ولا يُوفون ويظهر فيهم السَّمَن» تفسير : أخرجهما الصحيحان. وهذا الحديث محمول على ثلاثة أوجه: أحدها أن يُراد به شاهد الزور، فإنه يشهد بما لم يستشهد، أي بما لم يَتحمَّله ولا حُمِّلَهُ. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بباب الجابية فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا كمقامي فيكم ثم قال: «حديث : يأيها الناس ٱتقوا الله في أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب وشهادة الزور»تفسير : . الوجه الثاني أن يُراد به الذي يحمله الشّرَه على تنفيذ ما يشهد به، فيبادر بالشهادة قبل أن يُسألها؛ فهذه شهادة مردودةٌ؛ فإن ذلك يدل على هَوًى غالب على الشاهد. الثالث ما قاله إبراهيم النخعِي راوى طرق بعض هذا الحديث: كَانوا يَنْهَوْنَنا ونحن غلمان عن العهد والشهادات. الرابعة والأربعون ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ} {تَسْأَمُوۤاْ} معناه تَمَلُّوا. قال الأخفش: يُقال سَئِمْتُ أَسْأْمُ سَأْماً وَسَآمَةً وَسَآماً (وَسَأْمَةً) وسَأَماً؛ كما قال الشاعر:شعر : سَئِمتُ تَكالِيفَ الحياةِ وَمَن يَعِشْ ثمانين حَوْلاً ـ لا أبالك ـ يَسْأَمِ تفسير : {أَن تَكْتُبُوهُ} في موضع نصب بالفعل. {صَغِيراً أَو كَبِيراً} حالان من الضمير في {تَكْتُبُوهُ} وقدّم الصغير اهتماماً به. وهذا النهي عن السآمة إنما جاء لتردّد المداينة عندهم فخيف عليهم أن يَملُّوا الكَتْب، ويقول أحدهم: هذا قليل لا أحتاج إلى كَتْبِهِ؛ فأكّد تعالىٰ التحضيض في القليل والكثير. قال علماؤنا: إلاَّ ما كان من قيراط ونحوه لنزارته وعدم تشوّف النفس إليه إقراراً وإنكاراً. الخامسة والأربعون ـ قوله تعالىٰ: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} معناه أعدل، يعني أن يُكْتَب القليل والكثِير ويُشْهَد عليه. {وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ} أي أصح وأحفظ. {وَأَدْنَىٰ} معناه أقرب. و {تَرْتَابُوۤاْ} تَشكُّوا. السادسة والأربعون ـ قوله تعالىٰ: {وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ} دليل على أن الشاهد إذا رأى الكتاب ولم يذكر الشهادة لا يؤدّيها لما دخل عليه من الريبة فيها، ولا يؤدّي إلاَّ ما يعلم، لكنه يقول: هذا خطِّي ولا أذكر الآن ما كتبتُ فيه. قال ابن المنذر: أكثر مَن يُحْفَظ عنه من أهل العلم يمنع أن يشهد الشاهد على خطه إذا لم يذكر الشهادة. واحتجّ مالك على جواز ذلك بقوله تعالىٰ: {أية : وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} تفسير : [يوسف: 81]. وقال بعض العلماء: لمّا نسب الله تعالىٰ الكتابة إلى العدالة وَسِعه أن يشهد على خطه وإن لم يتذكّر. ذكر ابن المبارك عن مَعْمَر عن ابن طاوُس عن أبيه في الرجل يشهد على شهادةٍ فينساها قال: لا بأس أن يشهد إن وجد علامتَه في الصَّكّ أو خطّ يده. قال ابن المبارك: استحسنتُ هذا جدّاً. وفيما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حكم في أشياء غير واحدة بالدلائل والشواهد، وعن الرسل من قبله ما يدلّ على صحة هذا المذهب. والله أعلم. وسيأتي لهذا مزيد بيان في «الأحقاف» إن شاء الله تعالىٰ. السابعة والأربعون ـ قوله تعالىٰ: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} «أن» في موضع نصب استثناءً ليس من الأوّل. قال الأخفش (أبو سعيد): أي إلاَّ أن تقع تجارة، فكان بمعنى وقع وحدث. وقال غيره: {تُدِيرُونَهَا} الخبر. وقرأ عاصم وحده {تِجَارَةً} على خبر كان واسما مضمر فيها. {حَاضِرَةً} نعت لتجارة، والتقدير إلاَّ أن تكون التجارةُ تجارةً، أو إلاَّ أن تكون المبايعةُ تجارةً؛ هكذا قدّره مكّي وأبو عليّ الفارسيّ؛ وقد تقدّم نظائره والإستشهاد عليه. ولمّا علم الله تعالىٰ مشقة الكتاب عليهم نصّ على ترك ذلك ورفع الجناح فيه في كل مبايعة بنقد، وذلك في الأغلب إنما هو في قليل كالمطعوم ونحوه لا في كثير كالأملاك ونحوها. وقال السّدِّيّ والضّحاك: هذا فيما كان يداً بيد. الثامنة والأربعون ـ قوله تعالىٰ: {تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} يقتضي التقابض والبينونة بالمقبوض. ولمّا كانت الرِّباع والأرض وكثير من الحيوان لا يقبل البينونة ولا يغاب عليه، حَسُن الكَتْبُ فيها ولحقت في ذلك مبايعة الدَّين؛ فكان الكتاب توثُّقاً لِما عسى أن يطرأ من اختلاف الأحوال وتغيُّر القلوب. فأما إذا تفاصلا في المعاملة وتقابضا وبان كل واحد منهما بما ابتاع من صاحبه، فيقلّ في العادة خوف التنازع إلاَّ بأسباب غامضة. ونبّه الشرع على هذ المصالح في حالتي النسيئة والنقد وما يغاب عليه وما لا يغاب، بالكتاب والشهادة والرهن. قال الشافعي: البيوع ثلاثة: بيع بكتاب وشهود، وبيع برِهان، وبيع بأمانة؛ وقرأ هذه الآية. وكان ابن عمر إذا باع بنقد أشهد، وإذا باع بنسيئة كتب. التاسعة والأربعون ـ قوله تعالىٰ: {وَأَشْهِدُوۤاْ} قال الطبريّ: معناه وأشهدوا على صغير ذلك وكبيره. واختلف الناس هل ذلك على الوجوب أو الندب؛ فقال أبو موسىٰ الأشعري وابن عمر والضحّاك وسعيد بن المسيِّب وجابر ابن زيد ومجاهد وداود بن عليّ وابنه أبو بكر: هو على الوجوب؛ ومِن أشدِّهم في ذلك عطاء قال: أشْهد إذا بعت وإذا اشتريت بدرهم أو نصف درهم أو ثلث درهم أو أقلّ من ذلك؛ فإن الله عزّ وجلّ يقول: {وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ}. وعن إبراهيم قال: أشْهدْ إذا بعتَ وإذا اشتريت ولو دَسْتَجَة بَقَلْ. وممن كان يذهب إلى هذا ويرجّحه الطبريّ، وقال: لا يحلّ لمسلم إذا باع وإذا اشترى إلاَّ أن يُشْهد، وإلاَّ كان مخالفاً كتاب الله عزّ وجلّ، وكذا إن كان إلى أجل فعليه أن يكتُب ويُشْهد إن وجد كاتباً. وذهب الشّعبي والحسن إلى أن ذلك على النّدْب والإرشاد لا على الحَتْم. ويُحكى أن هذا قول مالك والشافعيّ وأصحاب الرأي. وزعم ابن العربيّ أن هذا قول الكافّة، قال: وهو الصحيح. ولم يحك عن أحد ممن قال بالوجوب إلاَّ الضحاك. قال وقد باع النبيّ صلى الله عليه وسلم وكتَب. قال: ونسخة كتابه: «بسم الله الرّحمٰن الرّحيم. هذا ما اشترى العدّاء بن خالد بن هوذة من محمد صلى الله عليه وسلم، اشترى منه عبداً ـ أو أمة ـ لا داءَ ولا غائِلَةَ ولا خِبّثَة بيعَ المسلم المسلم». وقد باع ولم يُشهد، واشترى ورَهَن دِرعَه عند يهوديّ ولم يُشهد. ولو كان الإشهاد أمراً واجباً لوجب مع الرهن لخوف المنازعة. قلت: قد ذكرنا الوجوب عن غير الضحاك. وحديث العدّاء هذا أخرجه الدّارقطنيّ وأبو داود. وكان إسلامه بعد الفتح وحُنَين، وهو القائل: قاتلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حُنَيْن فلم يُظهِرنا الله ولم ينصرنا، ثم أسلم فحسن إسلامه. ذكره أبو عمر، وذكر حديثه هذا، وقال في آخره: «قال الأصمعيّ: سألت سعيد بن أبي عروبة عن الغائلة فقال: الإباق والسرقة والزنا، وسألته عن الْخَبثة فقال: بيع أهل عهد المسلمين». وقال الإمام أبو محمد بن عطية: والوجوب في ذلك قَلِقٌ، أمّا في الدّقَائِق فصعب شاقّ، وأما ما كثُر فربما يقصد التاجر الاستئلاف بترك الإشهاد، وقد يكون عادة في بعض البلاد، وقد يَسْتَحْي من العالم والرجل الكبير الموقّر فلا يُشهد عليه؛ فيدخل ذلك كله في الائتمان ويبقى الأمر بالإشهاد ندباً؛ لما فيه من المصلحة في الأغلب ما لم يقع عذر يمنع منه كما ذكرنا. وحكي المهدوِيّ والنحاس ومكي عن قوم أنهم قالوا: {أية : وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} تفسير : [البقرة: 282] منسوخ بقوله: {أية : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً}تفسير : [البقرة: 283]. وأسنده النحاس عن أبي سعيد الخدرِيّ، وأنه تلا {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ} إلى قوله {أية : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} تفسير : [البقرة: 283]، قال: نسخت هذه الآية ما قبلها. قال النحاس: وهذا قول الحسن والحكَم وعبد الرّحمٰن بن زيد. قال الطبريّ: وهذا لا معنى له؛ لأن هذا حكم غير الأوّل، وإنما هذا حُكْم من لم يجد كاتباً قال الله عزّ وجلّ: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً ـ أي فلم يطالبه برهن ـ فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ}. قال: ولو جاز أن يكون هذا ناسخاً للأوّل لجاز أن يكون قوله عزّ وجلّ: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ} [النساء: 43 والمائدة: 6] الآية ناسخاً لقوله عزّ وجلّ: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} تفسير : [المائدة: 6] الآية ولجاز أن يكون قوله عزّ وجلّ: {أية : فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} تفسير : [النساء: 92، والمجادلة: 4] ناسخاً لقوله عزّ وجلّ: {أية : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} تفسير : [النساء: 92] وقال بعض العلماء: إن قوله تعالىٰ: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً} لم يتبيّن تأخّر نزوله عن صدر الآية المشتملة على الأمر بالإشهاد، بل وردا معاً. ولا يجوز أن يُرد الناسخ والمنسوخ معاً جميعاً في حالة واحدة. قال: وقد روي عن ابن عباس أنه قال لما قيل له: إن آية الديّن منسوخة قال: لا والله إن آية الديْن محكمة ليس فيها نسخ قال: الإشهاد إنما جعل للطمأنينة، وذلك أن الله تعالىٰ جعل لتوثيق الديْن طُرقاً، منها الكتاب، ومنها الرهن، ومنها الإشهاد. ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الوجوب. فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد. وما زال الناس يتبايعون حضراً وسفراً وبراً وبحراً وسهلاً وجبلاً من غير إشهاد مع علم الناس بذلك من غير نكير؛ ولو وجب الإشهاد ما تركوا النكير على تاركه. قلت: هذا كله استدلال حسن؛ وأحسن منه ما جاء من صريح السنة في ترك الإشهاد، وهو ما خرّجه الدارقطنيّ عن طارق بن عبد الله المحاربيّ قال: «أقبلنا في ركب من الرَّبَذَةِ وجنوب الربَذة حتى نزلنا قريباً من المدينة ومعنا ظعينة لنا. فبينا نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان فسَلّم فرددنا عليه، فقال: مِن أيْن (أقبل) القوم؟ فقلنا: من الربذة وجنوب الربذة. قال: ومعنا جمل أحمر؛ فقال: تبيعوني جملكم هذا؟ فقلنا نعم. قال بكم؟ قلنا: بكذا وكذا صاعاً من تَمْر. قال: فما استوضَعَنا شيئاً وقال: قد أخذته، ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة فتوارى عنا، فتلاومنا بيننا وقلنا: أعطيتم جملكم من لا تعرفونه! فقالت الظعِينة: لا تَلاوَموا رأيتُ وجه رجل ما كان لِيخْفِركم، ما رأيت وجه رجل أشبهَ بالقمر ليلة البدر من وجهه. فلما كان العشاء أتانا رجل فقال: السَّلام عليكم، أنا رسول رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إليكم، وإنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا، وتكتالوا حتى تستوفوا. قال: فأكلنا حتى شبِعنا، واكتلنا حتى استوفينا». وذكر الحديث الزهِريّ حديث : عن عمارة بن خُزَيْمة أنّ عمّه حدّثه وهو من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ابتاع فرساً من أعرابي؛ الحديث. وفيه: فطَفِقَ الأعرابيّ يقول: هَلُمَّ شاهداً يشهد أني بعتُك ـ قال خُزَيْمَةُ بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بِعته. فأقبل النبيّ صلى الله عليه وسلم على خُزَيْمَةَ فقال: «بم تشهد»؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله. قال: فجعل رسول لله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلينتفسير : . أخرجه النسائي وغيره. الموفية خمسين ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} فيه ثلاثة أقوال: الأوّل ـ لا يكتب الكاتب ما لم يُمْلَ عليه، ولا يزيد الشاهد في شهادته ولا ينقص منها. قاله الحسن وقتادة وطاوس وابن زيد وغيرهم. وروي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء أنّ المعنىٰ لا يمتنع الكاتب أن يكتب ولا الشاهد أن يشهد. «وَلاَ يُضَارَّ» على هذين القولين أصله يُضَارِرَ بكسر الراء، ثم وقع الإدْغام، وفتحت الراء في الجزم لخفّة الفتحة. قال النحاس: ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول، قال: لأن بعده «وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُيسُوقٌ بِكُمْ» فالأولىٰ أن تكون، من شهد بغير الحق أو حرف في الكتابة أن يُقال له: فاسق، فهو أولى بهذا ممن سأل شاهداً أن يشهد وهو مشغول. وقرأ عمر بن الخطاب وابن عباس وابن أبي إسحاق يُضارِرَ بكسر الراء والأُولىٰ. وقال مجاهد والضّحاك وطاوس والسدّيّ وروي عن ابن عباس: معنى الآية {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} بأن يُدعَى الشاهدُ إلى الشهادة والكاتبُ إلى الكتْب وهما مشغولان، فإذا اعتذرا بعذرهما أخرجهما وآذاهما، وقال: خالفتما أمر الله، ونحو هذا من القول فيضرّ بهما. وأصل «يُضارّ» على هذا يضاررَ بفتح الراء، وكذا قرأ ابن مسعود «يضارَر» بفتح الراء الأُولىٰ؛ فنهى الله سبحانه عن هذا؛ لأنه لو أطلقه لكان فيه شغل لهما عن أمر دينهما ومعاشهما. ولفظ المضارة؛ إذْ هو من اثنين، يقتضي هذه المعاني. والكاتب والشهيد على القولين الأوّلين رفع بفعلهما، وعلى القول الثالث رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله. الحادية والخمسون ـ قوله تعالىٰ: {وَإِن تَفْعَلُواْ} يعني المضارّة، {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} أي معصية؛ عن سفيان الثوريّ. فالكاتب والشاهد يعصيان بالزيادة أو النقصان، وذلك من الكذب المؤْذِي في الأموال والأبدان، وفيه إبطال الحق. وكذلك إذايتهما إذا كانا مشغولين معصية وخروج عن الصواب من حيث المخالفة لأمر الله. وقوله {بِكُمْ} تقديره فسوقٌ حالٌّ بكم. الثانية والخمسون ـ قوله تعالىٰ: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } وعدٌ من الله تعالىٰ بأن من ٱتقاه علّمه، أي يجعل في قلبه نوراً يفهم به ما يُلقىٰ إليه؛ وقد يجعل الله في قلبه ابتداء فرقاناً، أي فيْصَلا يفصل به بين الحق والباطل؛ ومنه قوله تعالىٰ: {أية : يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} تفسير : [الأنفال: 29]. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} أي إذا داين بعضكم بعضاً، تقول: داينته إذا عاملته نسيئة معطياً أو آخذاً. وفائدة ذكر الدين أن لا يتوهم من التداين المجازاة ويعلم تنوعه إلى المؤجل والحال، وأنه الباعث على الكتبة ويكون مرجع ضمير فاكتبوه {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} معلوم الأيام والأشهر لا بالحصاد وقدوم الحاج. {فَٱكْتُبُوهُ} لأنه أوثق وادفع للنزاع، والجمهور على أنه استحباب. وعن ابن عباس رضي الله عنهما (أن المراد به السلم وقال لما حرم الله الربا أباح السلم). {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ} من يكتب السوية لا يزيد ولا ينقص، وهو في الحقيقة أمر للمتداينين باختيار كاتب فقيه دين حتى يجيء مكتوبه موثوقاً به معدلاً بالشرع. {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ} ولا يمتنع أحد من الكتاب. {أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ } مثل ما علمه الله من كتبة الوثائق، أو لا يأب أن ينفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها كقوله: {أية : وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ }تفسير : [القصص: 77] {فَلْيَكْتُبْ} تلك الكتابة المعلمة. أمر بها بعد النهي عن الإِباء عنها تأكيداً، ويجوز أن تتعلق الكاف بالأمر فيكون النهي عن الامتناع منها مطلقة ثم الأمر بها مقيدة. {وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ} وليكن المملي من عليه الحق لأنه المقر المشهود عليه، والإِملال والإِملاء واحد. {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ } أي المملي. أو الكاتب. {وَلاَ يَبْخَسْ} ولا ينقص. {مِنْهُ شَيْئاً} أي من الحق، أو مما أملى عليه. {فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا} ناقص العقل مبذراً. {أَوْ ضَعِيفًا } صبياً أو شيخاً مختلاً. {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ} أو غير مستطيع للإِملال بنفسه لخرس أو جهل باللغة. {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ} أي الذي يلي أمره ويقوم مقامه من قيم إن كان صبياً أو مختل العقل، أو وكيل أو مترجم إن كان غير مستطيع. وهو دليل جريان النيابة في الإِقرار ولعله مخصوص بما تعاطاه القيم أو الوكيل. {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ} واطلبوا أن يشهد على الدين شاهدان. {مّن رّجَالِكُمْ} من رجال المسلمين، وهو دليل اشتراط إسلام الشهود وإليه ذهب عامة العلماء وقال أبو حنيفة: تقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض. {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ} فإن لم يكن الشاهدان رجلين. {فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ} فليشهد أو فليستشهد رجل وامرأتان، وهذا مخصوص بالأموال عندنا وبما عدا الحدود والقصاص عند أبي حنيفة. {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَاء} لعلمكم بعدالتهم. {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ} علة اعتبار العدد أي لأجل أن إحداهما إن ضلت الشهادة بأن نسيتها ذكرتها الأخرى، والعلة في الحقيقة التذكير ولكن لما كان الضلال سبباً له نزل منزلته كقولهم: أعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه، وكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت، وفيه إشعار بنقصان عقلهن وقلة ضبطهن. وقرأ حمزة {أَن تَضِلَّ} على الشرط فتذكر بالرفع. وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب {فَتُذَكّرَ} من الإِذكار. {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ } لأداء الشهادة أو التحمل. وسموا شهداء قبل التحمل تنزيلاً لما يشارف منزلة الواقع و {مَا} مزيدة. {وَلاَتَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوه} ولا تملوا من كثرة مدايناتكم أن تكتبوا الدين أو الحق أو الكتاب. وقيل كنى بالسأم عن الكسل لأنه صفة المنافق، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام «حديث : لا يقول المؤمن كسلت»تفسير : {صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا} صغيراً كان الحق أو كبيراً، أو مختصراً كان الكتاب أو مشبعاً. {إِلَى أَجَلِهِ } إلى وقت حلوله الذي أقر به المديون. {ذٰلِكُمْ } إشارة إلى أن تَكتبوه. {أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ } أكثر قسطاً. {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ } وأثبت لها وأعون على إقامتها، وهما مبنيان من أقسط وأقام على غير قياس، أو من قاسط بمعنى ذي قسط وقويم، وإنما صحت الواو في {أَقْوَمُ } كما صحت في التعجب لجموده. {وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ } وأقرب في أن لا تشكوا في جنس الدين وقدره وأجله والشهود ونحو ذلك. {إِلا أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا } استثناء من الأمر بالكتابة والتجارة الحاضرة تعم المبايعة بدين أو عين، وإدارتها بينهم تعاطيهم إياها يداً بيد أي: إلا أن تتبايعوا يداً بيد فلا بأس أن لا تكتبوا، لبعده عن التنازع والنسيان. ونصب عاصم {تِجَـٰرَةً } على أنه الخبر والاسم مضمر تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كقوله:شعر : بَني أَسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاَءَنَا إذَا كَانَ يَوْماً ذَا كَوَاكِبَ أَشْنَعا تفسير : ورفعها الباقون على أنها الاسم والخبر تديرونها أو على كان التامة. {وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} هذا التبايع، أو مطلقاً لأنه أحوط. والأوامر التي في هذه الآية للاستحباب عند أكثر الأئمة. وقيل: إنها للوجوب ثم اختلف في إحكامها ونسخها. {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} يحتمل البناءين، ويدل عليه أنه قرىء {وَلاَ يُضَارَّ} بالكسر والفتح. وهو نهيهما عن ترك الإِجابة والتحريف والتغيير في الكتب والشهادة، أو النهي عن الضرار بهما مثل أن يعجلا عن مهم ويكلفا الخروج عما حد لهما، ولا يعطى الكاتب جعله، والشهيد مؤنة مجيئه حيث كان. {وَإِن تَفْعَلُواْ} الضرار أو ما نهيتم عنه. {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} خروج عن الطاعة لا حق بكم. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في مخالفة أمره ونهيه. {وَيُعَلّمُكُمُ ٱللَّهُ} أحكامه المتضمنة لمصالحكم. {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } كرر لفظه الله في الجمل الثلاث لاستقلالها، فإن الأولى حث على التقوى، والثانية وعد بإنعامه، والثالثة تعظيم لشأنه. ولأنه أدخل في التعظيم من الكناية.

ابن كثير

تفسير : هذه الآية الكريمة أطول آية في القرآن العظيم، وقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: حدثني سعيد بن المسيب أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت آية الدين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أول من جحد آدم عليه السلام، إن الله لما خلق آدم، مسح ظهره، فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلاً يزهو، فقال: أي رب من هذا؟ قال: هو ابنك داود، قال: أي رب كم عمره؟ قال ستون عاماً، قال: رب زد في عمره، قال: لا، إلا أن أزيده من عمرك، وكان عمر آدم ألف سنة، فزاده أربعين عاماً، فكتب عليه بذلك كتاباً، وأشهد عليه الملائكة، فلما احتضر آدم، وأتته الملائكة، قال: إنه بقي من عمري أربعون عاماً، فقيل له: إنك وهبتها لابنك داود، قال: ما فعلت، فأبرز الله عليه الكتاب، وأشهد عليه الملائكة»تفسير : . وحدثنا أسود بن عامر، عن حماد بن سلمة، فذكره، وزاد فيه: «حديث : فأتمها الله لداود مائة، وأتمها لآدم ألف سنة»تفسير : . وكذا رواه ابن أبي حاتم عن يوسف بن أبي حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة. هذا حديث غريب جداً، وعلي بن زيد بن جدعان في أحاديثه نكارة. وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحوه من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ومن رواية داود ابن أبي هند، عن الشعبي عن أبي هريرة، ومن طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ومن حديث هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره بنحوه. فقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ} هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذاتعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها؛ ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها، وأضبط للشاهد فيها، وقد نبه على هذا في آخر الآية حيث قال: {ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ} وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ} قال: أنزلت في السلم إلى أجل معلوم. وقال قتادة عن أبي حسان الأعرج عن ابن عباس، قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله وأذن فيه، ثم قرأ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}، رواه البخاري. وثبت في الصحيحين من رواية سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس، قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم»تفسير : ، وقوله: {فَٱكْتُبُوهُ} أمر منه تعالى بالكتابة للتوثقة والحفظ، فإن قيل: فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب»تفسير : فما الجمع بينه وبين الأمر بالكتابة؟ فالجواب أن الدين من حيث هو غير مفتقر إلى كتابة أصلاً؛ لأن كتاب الله قد سهل الله ويسر حفظه على الناس، والسنن أيضاً محفوظة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي أمر الله بكتابته إنما هو أشياء جزئية تقع بين الناس، فأمروا أمر إرشاد لا أمر إيجاب كما ذهب إليه بعضهم، قال ابن جريج: من ادّان فليكتب، ومن ابتاع فليشهد، وقال قتادة: ذكر لنا أن أبا سليمان المرعشي كان رجلاً صحب كعباً، فقال ذات يوم لأصحابه: هل تعلمون مظلوماً دعا ربه فلم يستجب له؟ فقالوا: وكيف يكون ذلك؟ قال: رجل باع بيعاً إلى أجل، فلم يشهد، ولم يكتب، فلما حل ماله، جحده صاحبه، فدعا ربه، فلم يستجب له؛ لأنه قد عصى ربه، وقال أبو سعيد والشعبي والربيع ابن أنس والحسن وابن جريج وابن زيد وغيرهم: كان ذلك واجباً، ثم نسخ بقوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُ} والدليل على ذلك أيضاً الحديث الذي حكي عن شرع من قبلنا مقرراً في شرعنا ولم ينكر عدم الكتابة والإشهاد. قال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ليث عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر أن رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بشهداء أشهدهم. قال: كفى بالله شهيداً، قال ائتني بكفيل قال: كفى بالله كفيلاً. قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر، فقضى حاجته، ثم التمس مركباً يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركباً، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها البحر، ثم قال: اللهم إنك قد علمت أني استسلفت فلاناً ألف دينار، فسألني كفيلاً، فقلت: كفى بالله كفيلاً، فرضي بذلك؛ وسألني شهيداً فقلت: كفى بالله شهيداً، فرضي بذلك؛ وإني قد جهدت أن أجد مركباً أبعث بها إليه بالذي أعطاني، فلم أجد مركباً، وإني استودعتكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يطلب مركباً إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركباً تجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطباً، فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه، فأتاه بألف دينار وقال: والله ما زلت جاهداً في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركباً قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إلىّ بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركباً قبل هذا الذي جئت فيه؟ قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة، فانصرف بألفك راشداً، وهذا إسناد صحيح، وقد رواه البخاري في سبعة مواضع من طرق صحيحة معلقاً بصيغة الجزم، فقال: وقال الليث بن سعيد فذكره، ويقال: إنه رواه في بعضها عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عنه. وقوله: {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ} أي: بالقسط والحق، ولا يجر في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان. وقوله: {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ} أي: ولا يمتنع من يعرف الكتابة، إذا سئل أن يكتب للناس، ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم، فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة، وليكتب، كما جاء في الحديث: «حديث : إن من الصدقة أن تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق»تفسير : وفي الحديث الآخر: «حديث : من كتم علماً يعلمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار»تفسير : وقال مجاهد وعطاء: واجب على الكاتب أن يكتب. وقوله: {وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ} أي: وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين، وليتق الله في ذلك، {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً} أي: لا يكتم منه شئياً، {فَإن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا} محجوراً عليه بتبذير ونحوه، {أَوْ ضَعِيفًا} أي: صغيراً، أو مجنوناً، {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ} إما لعي، أو جهل بموضع صواب ذلك من خطئه، {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ}. وقوله: {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ} أمر بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ} وهذا إنما يكون في الأموال، وما يقصد به المال، وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل؛ لنقصان عقل المرأة، كما قال مسلم في صحيحه: حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يا معشر النساء تصدقن، وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار»تفسير : فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: «حديث : تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن»تفسير : قالت: يا رسول الله ما نقصان العقل والدين؟ قال: «حديث : أما نقصان عقلها، فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين».تفسير : وقوله: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ} فيه دلالة على اشتراط العدالة في الشهود، وهذا مقيد حكم به الشافعي على كل مطلق في القرآن من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط، وقد استدل من رد المستور بهذه الآية الدالة على أن يكون الشاهد عدلاً مرضياً. وقوله: {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا} يعني: المرأتين إذا نسيت الشهادة {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ} أي: يحصل لها ذكر بما وقع به من الإشهاد، وبهذا قرأ آخرون: فتذكر، بالتشديد، من التذكار، ومن قال: إن شهادتها معها تجعلها كشهادة ذكر، فقد أبعد. والصحيح الأول، والله أعلم. وقوله: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} قيل: معناه إذا دعوا للتحمل، فعليهم الإجابة، وهو قول قتادة والربيع بن أنس، وهذا كقوله: {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ} ومن ههنا استفيد أن تحمل الشهادة فرض كفاية، وقيل: وهو مذهب الجمهور. والمراد بقوله: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} للأداء، لحقيقة قوله: الشهداء، والشاهد حقيقة فيمن تحمل، فإذا دعي لأدائها، فعليه الإجابة إذا تعينت، وإلا فهو فرض كفاية، والله أعلم. وقال مجاهد وأبو مجلز وغير واحد: إذا دعيت لتشهد، فأنت بالخيار، وإذا شهدت فدعيت، فأجب، وقد ثبت في صحيح مسلم والسنن من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن زيد بن خالد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها»تفسير : فأما الحديث الآخر في الصحيحين: «حديث : ألا أخبركم بشر الشهداء؟ الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا»تفسير : وكذا قوله: «حديث : ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم، وتسبق شهادتهم أيمانهم»تفسير : وفي رواية: «حديث : ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون»تفسير : وهؤلاء شهود الزور، وقد روي عن ابن عباس والحسن البصري أنها تعم الحالين: التحمل، والأداء. وقوله: {وَلاَ تَسْـأََمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ} هذا من تمام الإرشاد، وهو الأمر بكتابة الحق صغيراً كان أو كبيراً، فقال: ولا تسأموا، أي: لا تملوا أن تكتبوا الحق على أي حال كان من القلة والكثرة إلى أجله، وقوله: {ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ} أي: هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلاً هو أقسط عند الله، أي: أعدل، وأقوم للشهادة، أي: أثبت للشاهد إذا وضع خطه، ثم رآه، تذكر به الشهادة؛ لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالباً {وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ} وأقرب إلى عدم الريبة، بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه، فيفصل بينكم بلا ريبة. وقوله: {إِلاَ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} أي: إذا كان البيع بالحاضر يداً بيد، فلا بأس بعدم الكتابة؛ لانتفاء المحذور في تركها. فأما الإشهاد على البيع، فقد قال تعالى: {وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} يعني: أشهدوا على حقكم إذا كان فيه أجل، أو لم يكن فيه أجل، فأشهدوا على حقكم على كل حال، قال: وروي عن جابر بن زيد ومجاهد وعطاء والضحاك نحو ذلك، وقال الشعبي و الحسن: هذا الأمر منسوخ بقوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُ} وهذا الأمر محمول عند الجمهور على الإرشاد والندب، لا على الوجوب، والدليل على ذلك حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري، وقد رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب عن الزهري، حدثني عمارة بن خزيمة الأنصاري أن عمه حدثه، وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرساً من أعرابي، فاستتبعه النبي صلى الله عليه وسلم ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي، فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاعه، حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي صلى الله عليه وسلم فنادى الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن كنت مبتاعاً هذا الفرس فابتعه، وإلا بعته، فقام النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع نداء الأعرابي، قال: «حديث : أوليس قد ابتعته منك؟»تفسير : قال الأعرابي: لا، والله ما بعتك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : بل قد ابتعته منك»تفسير : فطفق الناس يلوذون بالنبي صلى الله عليه وسلم والأعرابي، وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيداً يشهد أني بايعتك، فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول إلا حقاً، حتى جاء خزيمة، فاستمع لمراجعة النبي صلى الله عليه وسلم ومراجعة الأعرابي يقول: هلم شهيداً يشهد أني بايعتك، قال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة، فقال: «حديث : بم تشهد»تفسير : ؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين، وهكذا رواه أبو داود من حديث شعيب والنسائي من رواية محمد بن الوليد الزبيدي، كلاهما عن الزهري به نحوه، ولكن الاحتياط هو الإشهاد لما رواه الإمامان الحافظ أبو بكر بن مردويه، والحاكم في مستدركه من رواية معاذ بن معاذ العنبري، عن شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلاً مالاً فلم يشهد»تفسير : ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، قال: ولم يخرجاه؛ لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإسناد: «حديث : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين».تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} قيل: معناه لا يضارّ الكاتب ولا الشاهد، فيكتب هذا خلاف ما يملي، ويشهد هذا بخلاف ما سمع، أو يكتمها بالكلية، وهو قول الحسن وقتادة وغيرهما. وقيل: معناه لا يضر بهما، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا الحسين، يعني ابن حفص، حدثنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، في هذه الآية: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} قال: يأتي الرجل فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة، فيقولان: إنا على حاجة، فيقول: إنكما قد أمرتما أن تجيبا، فليس له أن يضارهما، ثم قال: وروي عن عكرمة ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير والضحاك وعطية ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك، وقوله: {وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} أي: إن خالفتم ما أمرتم به، أو فعلتم ما نهيتم عنه، فإنه فسق كائن بكم، أي: لازم لكم لا تحيدون عنه، ولا تنفكون عنه. وقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي: خافوه وراقبوه، واتبعوا أمره، واتركوا زجره {وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ} كقوله:{أية : يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا}تفسير : [الأنفال: 29] وكقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ}تفسير : [الحديد: 28] وقوله: {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي: هو عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء، بل علمه محيط بجميع الكائنات.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم } تعاملتم {بِدَيْنٍ } كسلم وقرض {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } معلوم {فَٱكْتُبُوهُ } استيثاقاً ودفعاً للنزاع {وَلْيَكْتُب } كتاب الدَّينَ {بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ } بالحق في كتابته لا يزيد في المال والأجل ولا ينقص {وَلاَ يَأْبَ } يمتنع {كَاتِبٌ } من {أَن يَكْتُبَ } إذا دعي إليها {كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ } أي فضله بالكتابة فلا يبخل بها، والكاف متعلقة بـ( يأب) {فَلْيَكْتُبْ } تأكيد {وَلْيُمْلِلِ } يُمْلِ الكاتب {ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ } الدَّيْن لأنه المشهود عليه فيقرّ ليعلم ما عليه {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ } في إملائه {وَلاَ يَبْخَسْ } ينقص {مِنْهُ } أي الحق {شَيْئاً فَإن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا } مبذِّرا {أَوْ ضَعِيفًا } عن الإملاء لصغر أو كبر {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ } لخرس أو جهل باللغة أو نحو ذلك {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ } متولي أمره من والدٍ ووصيّ وقيِّم ومُترجم {بِٱلْعَدْلِ وَٱسْتَشْهِدُواْ } أشهدوا على الدَّيْن {شَهِيدَيْنِ } شاهدين {مّن رّجَالِكُمْ } أي بالغي المسلمين الأحرار {فَإِن لَّمْ يَكُونَا } أي الشهيدان {رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ } يشهدون {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَاء } لدينه وعدالته وتعدّد النساء لأجل {أَن تَضِلَّ } تنسى {إْحْدَاهُمَا } الشهادة لنقص عقلهن وضبطهن {فَتُذَكّرَ } بالتخفيف والتشديد {إْحْدَاهُمَا } الذاكرة {ٱلاْخْرَىٰ } الناسية وجملة الإذكار محل العلة أي لتذكر إن ضلت ودخلت على الضلال لأنه سبب. وفي قراءة بكسر «إن» شرطية، ورفع «تذكر» استئناف جوابه {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَاء إِذَا مَا } زائدة {دُعُواْ } إلى تحمل الشهادة وأدائها {تَسئَموُاْ} تملوا من {أَن تَكْتُبُوهُ } أي ما شهدتم عليه من حق لكثرة وقوع ذلك {صَغِيرًا } كان {أَوْ كَبِيرًا } قليلاً أو كثيراً {إِلَى أَجَلِهِ } وقت حلوله حال من الهاء في (تكتبوه) {ذٰلِكُمْ } أي الكتب {أَقْسَطُ } أعدل {عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ } أي أعون على إقامتها لأنه يذكرها {وَأَدْنَى } أقرب إلى {أَ}نْ {لا تَرْتَابُواْ } تشكوا في قدر الحق والأجل {إِلا أَن تَكُونَ } تقع {تِجَٰرَةً حَاضِرَةً } وفي قراءة بالنصب( فتكون) ناقصة واسمها ضمير التجارة {تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ } أي تقبضونها ولا أجل فيها {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } في {أَ}ن {لا تَكْتُبُوهَا } والمراد بها المتجر فيه {وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } عليه فإنه أدفع للاختلاف وهذا وما قبله أمر ندب {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } صاحب الحق ومن عليه بتحريف أو امتناع من الشهادة أو الكتابة ولا يضرهما صاحب الحق بتكليفهما ما لا يليق في الكتابة والشهادة {وَإِن تَفْعَلُواْ } ما نُهيتم عنه {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ } خروج عن الطاعة لاحِقٌ {بِكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في أمره ونهيه {وَيُعَلّمُكُمُ ٱللَّهُ } مصالح أموركم حال مقدرة أو مستأنف {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }.

الشوكاني

تفسير : هذا شروع في بيان حال المداينة الواقعة بين الناس بعد بيان حال الربا، أي: إذا داين بعضكم بعضاً، وعاملهُ بذلك، وذكر الدين بعد ذكر ما يغني عنه من المداينة لقصد التأكيد مثل قوله: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 38] وقيل: إنه ذكر ليرجع إليه الضمير من قوله: {فَٱكْتُبُوهُ } ولو قال: فاكتبوا الدين لم يكن فيه من الحسن ما في قوله: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ }، والدين عبارة، عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقداً، والآخر في الذمة نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان حاضراً، والدين ما كان غائباً، قال الشاعر:شعر : وَعَدتْنَا بِدْرِهَمْيِنا طِلاءً وسِواء معجلاً غَيرِ دَيْنِ تفسير : وقال الآخر:شعر : إذا ما أوقدوا ناراً وحطبا فَذَاك الموتُ نَقْداً غَير دَيُن تفسير : وقد بين الله سبحانه هذا المعنى بقوله: {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } وقد استدل به على أن الأجل المجهول لا يجوز، وخصوصاً أجل السلم. وقد ثبت في الصحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم»تفسير : وقد قال بذلك الجمهور، واشترطوا توقيته بالأيام، أو الأشهر، أو السنين، قالوا: ولا يجوز إلى الحصاد، أو الدياس، أو رجوع القافلة، أو نحو ذلك، وجوَّزه مالك. قوله: {فَٱكْتُبُوهُ } أي: الدين بأجله؛ لأنه أدفع للنزاع، وأقطع للخلاف. قوله: {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ } هو: بيان لكيفية الكتابة المأمور بها، وظاهر الأمر الوجوب، وبه قال عطاء، والشعبي، وغيرهما، فأوجبوا على الكاتب أن يكتب إذا طلب منه ذلك، ولم يوجد كاتب سواه. وقيل: الأمر للندب. وقوله: {بِٱلْعَدْلِ } متعلق بمحذوف صفة لكاتب أي: كاتب كائن بالعدل، أي: يكتب بالسوية لا يزيد، ولا ينقص، ولا يميل إلى أحد الجانبين، وهو أمر للمتداينين باختيار كاتب متصف بهذه الصفة لا يكون في قلبه، ولا قلمه هوادة لأحدهما على الآخر، بل يتحرّى الحق بينهم، والمعدلة فيهم. قوله: {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ } النكرة في سياق النفي مشعرة بالعموم، أي: لا يمتنع أحد من الكتاب أن يكتب كتاب التداين، كما علمه الله، أي: على الطريقة التي علمه الله من الكتابة، أو كما علمه الله بقوله: {بِٱلْعَدْلِ }. قوله: {وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ } الإملال، والإملاء لغتان: الأولى لغة أهل الحجاز، وبني أسد، والثانية لغة بني تميم، فهذه الآية جاءت على اللغة الأولى، وجاء على اللغة الثانية قوله تعالى: {أية : فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً }تفسير : [الفرقان: 5] {وَٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ } هو من عليه الدين، أمره الله تعالى بالإملاء، لأن الشهادة إنما تكون على إقراره بثبوت الدين في ذمته، وأمره الله بالتقوى فيما يمليه على الكاتب، بالغ في ذلك بالجمع بين الإسم، والوصف في قوله: {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ } ونهاه عن البخس، وهو النقص، وقيل: إنه نهي للكاتب. والأوّل أولى؛ لأن من عليه الحق هو الذي يتوقع منه النقص، ولو كان نهياً للكاتب لم يقتصر في نهيه على النقص؛ لأنه يتوقع منه الزيادة، كما يتوقع منه النقص. والسفيه: هو الذي لا رأي له في حسن التصرف، فلا يحسن الأخذ، ولا الإعطاء، شبه بالثوب السفيه، وهو الخفيف النسج، والعرب تطلق السفه على ضعف العقل تارة، وعلى ضعف البدن أخرى، فمن الأوّل قول الشاعر:شعر : نَخَافُ أن تَسْفَه أَحْلامُنا ويجْهلُ الدهرُ مع الجاهلِ تفسير : ومن الثاني قول ذي الرمة:شعر : مَشَيْن كما اهتزَّت رماحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيها مَرُّ الرياحِ النّواسِم تفسير : أي: استضعفها، واستلانها بحركتها، وبالجملة فالسفيه هو المبذر إما لجهله بالصرف، أو لتلاعبه بالمال عبثاً مع كونه لا يجهل الصواب. والضعيف هو: الشيخ الكبير، أو الصبي. قال أهل اللغة: الضُعف بضم الضاد في البدن، وبفتحها في الرأي. والذي لا يستطيع أن يُمِلَّ هو الأخرس، أو العَيِيُّ الذي لا يقدر على التعبير كما ينبغي، وقيل: إن الضعيف هو المذهول العقل الناقص الفطنة العاجز عن الإملاء، والذي لا يستطيع أن يملّ هو: الصغير. قوله: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ } الضمير عائد إلى الذي عليه الحق فيملّ عن السفيه وليه المنصوب عنه بعد حجره، عن التصرف في ماله، ويملّ عن الصبي، ووصيه، أو وليه، وكذلك يملّ عن العاجز، الذي لا يستطيع الإملال لضعف وليه؛ لأنه في حكم الصبيّ، أو المنصوب عنه من الإمام، أو القاضي، ويملّ عن الذي لا يستطيع، وكيله إذا كان صحيح العقل، وعرضت له آفة في لسانه، أو لم تعرض، ولكنه جاهل لا يقدر على التعبير، كما ينبغي. وقال الطبري: إن الضمير في قوله: {وَلِيُّهُ } يعود إلى الحق، وهو ضعيف جداً. قال القرطبي في تفسيره: وتصرّف السفيه المحجور عليه دون وليه فاسد إجماعاً مفسوخ أبداً لا يوجب حكماً، ولا يؤثر شيئاً، فإن تصرف سفيه، ولا حجر عليه، ففيه خلاف. انتهى. قوله: {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ } الاستشهاد: طلب الشهادة، وسماهما شهيدين قبل الشهادة من مجاز الأول أي: باعتبار ما يئول إليه أمرهما من الشهادة، و {مّن رّجَالِكُمْ } متعلق بقوله: {وَٱسْتَشْهِدُواْ } أو بمحذوف هو: صفة لشهيدين، أي: كائنين من رجالكم، أي: من المسلمين، فيخرج الكفار، ولا وجه لخروج العبيد من هذه الآية. فهم إذا كانوا مسلمين من رجال المسلمين، وبه قال شريح، وعثمان البتي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وجمهور العلماء: لا تجوز شهادة العبد لما يلحقه من نقص الرق. وقال الشعبي، والنخعي: يصح في الشيء اليسير دون الكثير. واستدل الجمهور على عدم جواز شهادة العبد بأن الخطاب في هذه الآية مع الذين يتعاملون بالمداينة، والعبيد لا يملكون شيئاً تجري فيه المعاملة. ويجاب عن هذا بأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأيضاً العبد تصح منه المداينة، وسائر المعاملات إذا أذن له مالكه بذلك. وقد اختلف الناس هل الإشهاد واجب، أو مندوب، فقال أبو موسى الأشعري، وابن عمر، والضحاك، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، ومجاهد، وداود بن علي الظاهري، وابنه: إنه واجب، ورجحه ابن جرير الطبري، وذهب الشعبي، والحسن، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه إلى أنه مندوب، وهذا الخلاف بين هؤلاء هو في وجوب الإشهاد على البيع. واستدل الموجبون بقوله تعالى: {وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } ولا فرق بين هذا الأمر، وبين قوله: {وَٱسْتَشْهِدُواْ } فيلزم القائلين بوجوب الإشهاد في البيع أن يقولوا بوجوبه في المداينة. قوله: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا } أي: الشهيدان {رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ } أي: فليشهد رجل، وامرأتان، أو فرجل، وامرأتان يكفون. وقوله: {ممن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَاء } متعلق بمحذوف وقع صفة لرجل، وامرأتان، أي: كائنون ممن ترضون حال كونهم من الشهداء. والمراد ممن ترضون دينهم، وعدالتهم، وفيه أن المرأتين في الشهادة برجل، وأنها لا تجوز شهادة النساء إلا مع الرجل لا وحدهنّ، إلا فيما لا يطلع عليه غيرهنّ للضرورة. واختلفوا هل يجوز الحكم بشهادة امرأتين مع يمين المدّعي كما جاز الحكم برجل مع يمين المدّعي؟ فذهب مالك، والشافعي إلى أنه يجوز ذلك، لأن الله سبحانه قد جعل المرأتين كالرجل في هذه الآية. وذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى أنه لا يجوز ذلك، وهذا يرجع إلى الخلاف في الحكم بشاهد مع يمين المدّعي، والحق أنه جائز لورود الدليل عليه، وهو زيادة لم تخالف ما في الكتاب العزيز، فيتعين قبولها. وقد أوضحنا ذلك في شرحنا للمنتقي، وغيره من مؤلفاتنا، ومعلوم عند كل من يفهم أنه ليس في هذه الآية ما يردّ به قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاهد، واليمين، ولم يدفعوا هذا إلا بقاعدة مبنية على شفا جرف هارٍ هي قولهم: إن الزيادة على النص نسخ، وهذه دعوى باطلة، بل الزيادة على النص شريعة ثابتة جاءنا بها من جاءنا بالنص المتقدم عليها، وأيضاً كان يلزمهم أن لا يحكموا بنكول المطلوب، ولا بيمين الرد على الطالب. وقد حكموا بهما، والجواب الجواب. قوله: {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأخْرَىٰ } قال أبو عبيد: معنى تضلّ تنسى، والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها، وذكر جزء. وقرأ حمزة: «إن تضلّ» بكسر الهمزة. وقوله: {فَتُذَكّرَ } جوابه على هذه القراءة، وعلى قراءة الجمهور هو منصوب بالعطف على تضلّ، ومن رفعه فعلى الاستئناف. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «فتذكر» بتخفيف الذال، والكاف، ومعناه: تزيدها ذكراً. وقراءة الجماعة بالتشديد، أي: تنبهها إذا غفلت، ونسيت، وهذه الآية تعليل لاعتبار العدد في النساء، أي: فليشهد رجل، وتشهد امرأتان عوضاً، عن الرجل الآخر؛ لأجل تذكير إحداهما للأخرى إذا ضلت، وعلى هذا، فيكون في الكلام حذف، وهو سؤال سائل عن وجه اعتبار امرأتين عوضاً عن الرجل الواحد، فقيل وجهه أن تضلّ إحداهما، فتذكر إحداهما الأخرى، والعلة في الحقيقة هي: التذكير، ولكن الضلال لما كان سبباً له نزل منزلته، وأبهم الفاعل في تضلّ، وتذكر، لأن كلا منهما يجوز عليه الوصفان؛ فالمعنى: إن ضلت هذه ذكرتها هذه، وإن ضلت هذه ذكرتها هذه لا على التعيين، أي: إن ضلت إحدى المرأتين ذكرتها المرأة الأخرى، وإنما اعتبر فيهما هذا التذكير لما يلحقهما من ضعف النساء بخلاف الرجال. وقد يكون الوجه في الإبهام أن ذلك يعني الضلال، والتذكير يقع بينهما متناوباً حتى ربما ضلت هذه عن وجه وضلت تلك عن وجه آخر، فذكرت كل واحدة منهما صاحبتها. وقال سفيان بن عيينة: معنى قوله: {فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأخْرَىٰ } تصيرها ذكراً، يعني: أن مجموع شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل الواحد. وروى نحوه عن أبي عمرو بن العلاء، ولا شك أن هذا باطل لا يدل عليه شرع، ولا لغة، ولا عقل. قوله: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ } أي: لأداء الشهادة التي قد تحملوها من قبل، وقيل: إذا ما دعوا لتحمل الشهادة، وتسميتهم شهداء مجاز كما تقدم، وحملها الحسن على المعنيين. وظاهر هذا النهي أن الامتناع من أداء الشهادة حرام. قوله: {ولا تسأموا أن تكتبوه} معنى تسأموا: تملوا. قال الأخفش: يقال سئمت أسأم سآمة، وسآما، ومنه قول الشاعر:شعر : سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الحياةِ وَمَنْ يَعِشْ ثَمانِين حَوْلاً لاَ أبا لك يَسأَمِ تفسير : أي: لا تملوا أن تكتبوه، أي: الدين الذي تداينتم به، وقيل: الحق، وقيل: الشاهد، وقيل: الكتاب، نهاهم الله سبحانه عن ذلك؛ لأنهم ربما ملُّوا من كثرة المداينة أن يكتبوا، ثم بالغ في ذلك، فقال: {صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا } أي: حال كون ذلك المكتوب صغيراً، أو كبيراً أي: لا تملوا في حال من الأحوال سواء كان الدين كثيراً، أو قليلاً. وقيل: إنه كنى بالسآمة عن الكسل. والأول أولى. وقدّم الصغير هنا على الكبير للاهتمام به لدفع ما عساه أن يقال إن هذا مال صغير، أي: قليل لا احتياج إلى كتبه، والإشارة في قوله: {ذٰلِكُمْ } إلى المكتوب المذكور في ضمير قوله: {أَن تَكْتُبُوهُ } و{أقسط} معناه أعدل، أي: أصح، وأحفظ {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ } أي: أعون على إقامة الشهادة، وأثبت لها، وهو مبني من أقام، وكذلك أقسط مبني من فعله، أي: أقسط. وقد صرح سيبويه بأنه قياسي، أي: بني أفعل التفضيل. ومعنى قوله: {وَأَدْنَى أَن لا تَرْتَابُواْ } أقرب لنفي الريب في معاملاتكم، أي: الشك، ذلك أن الكتاب الذي يكتبونه يدفع ما يعرض لهم من الريب كائناً ما كان. قوله: {إِلا أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ } "أن" في موضع نصب على الإستثناء قاله الأخفش، و"كان" تامة، أي: إلا أن تقع، أو توجد تجارة، والإستثناء منقطع، أي: لكن وقت تبايعكم، وتجارتكم حاضرة بحضور البدلين {تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ } تتعاطونها يداً بيد، فالإدارة: التعاطي، والتقابض، فالمراد التبايع الناجز يداً بيد، فلا حرج عليكم إن تركتم كتابته. وقرىء بنصب تجارة على أن "كان" ناقصة، أي: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة. قوله: {وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } قيل: معناه: وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع المذكور هنا، وهو التجارة الحاضرة على أن الإشهاد فيها يكفي. وقيل: معناه: إذا تبايعتم أيّ تبايع كان حاضراً أو كالِئاً، لأن ذلك أدفع لمادة الخلاف وأقطع لمنشأ الشجار. وقد تقدّم قريباً ذكر الخلاف في كون هذا الإشهاد واجباً، أو مندوباً. قوله: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } يحتمل أن يكون مبنياً للفاعل، أو للمفعول، فعلى الأوّل معناه: لا يضار كاتب، ولا شهيد من طلب ذلك منهما، إما بعدم الإجابة، أو بالتحريف، والتبديل، والزيادة، والنقصان في كتابته، ويدل على هذا قراءة عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن أبي إسحاق: «ولا يضارر» بكسر الراء الأولى، وعلى الثاني لا يضارَر كاتب، ولا شهيد بأن يدعيا إلى ذلك، وهما مشغولان بمهمّ لهما، ويضيق عليهما في الإجابة، ويؤذيا إن حصل منهما التراخي، أو يطلب منهما الحضور من مكان بعيد، ويدل على ذلك قراءة ابن مسعود: « ولا يضارر» بفتح الراء الأولى، وصيغة المفاعلة تدل على اعتبار الأمرين جميعاً. وقد تقدّم في تفسير قوله تعالى: {أية : لاَ تُضَارَّ وٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا }تفسير : [البقرة: 233] ما إذا راجعته زادك بصيرة إن شاء الله. قوله: {وَإِن تَفْعَلُواْ } أي: ما نهيتم عنه من المضارة {فَإِنَّهُ } أي: فعلكم هذا {فُسُوقٌ بِكُمْ } أي: خروج عن الطاعة إلى المعصية ملتبس بكم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في فعل ما أمركم به، وترك ما نهاكم عنه {وَيُعَلّمُكُمُ ٱللَّهُ } ما تحتاجون إليه من العلم، وفيه الوعد لمن اتقاه أن يعلمه، ومنه قوله تعالى: {أية : إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا } تفسير : [الأنفال: 29]. قوله: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ } لما ذكر سبحانه مشروعية الكتابة، والإشهاد لحفظ الأموال، ودفع الريب، عقب ذلك بذكر حالة العذر، عن وجود الكاتب، ونص على حالة السفر، فإنها من جملة أحوال العذر، ويلحق بذلك كل عذر يقوم مقام السفر، وجعل الرهان المقبوضة قائمة مقام الكتابة، أي: فإن كنتم مسافرين {وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا } في سفركم {فَرِهَـٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ } قال أهل العلم: الرهن في السفر ثابت بنص التنزيل، وفي الحضر بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في الصحيحين: «أنه رهن درعاً له من يهودي». وقرأ الجمهور: «كاتباً» أي: رجلاً يكتب لكم. وقرأ ابن عباس، وأبيّ ومجاهد، والضحاك، وعكرمة، وأبو العالية: «كتاباً» قال ابن الأنباري: فسره مجاهد فقال: معناه فإن لم تجدوا مداداً: يعني في الأسفار. وقرأ أبو عمرو وابن كثير «فرُهُنٌ» بضم الراء والهاء. وروي عنهما تخفيف الهاء جمع رهان، قاله الفراء، والزجاج، وابن جرير الطبري. وقرأ عاصم بن أبي النجود: «فرَهْن» بفتح الراء، وإسكان الهاء. وقراءة الجمهور: «رهان». قال الزجاج: يقال في الرهن رهنت، وأرهنت، وكذا قال ابن الأعرابي، والأخفش. وقال أبو علي الفارسي: يقال أرهنت في المعاملات، وأما في القرض، والبيع: فرهنت، وقال ثعلب: الرواة كلهم في قول الشاعر:شعر : فَلَمَّا خَشِيتُ أَظَافِيرهُمْ نَجَوتُ وأرْهَنْتُهم مَالِكاً تفسير : على أرهنتهم على أنه يجوز: رهنته، وأرهنته إلا الأصمعي، فإنه رواه: وأرهنهم على أنه عطف لفعل مستقبل على فعل ماض وشبهه بقوله قمت، وأصك وجهه. وقال ابن السكيت: أرهنت فيهما بمعنى أسلفت، والمرتهن الذي يأخذ الرهن، والشيء مرهون، ورهين، وراهنت فلاناً على كذا مراهنة خاطرته. وقد ذهب الجمهور إلى اعتبار القبض، كما صرح به القرآن، وذهب مالك إلى أنه يصح الارتهان بالإيجاب، والقبول من دون قبض. قوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُ } أي: إن كان الذي عليه الحق أميناً، عند صاحب الحق لحسن ظنه به، وأمانته لديه، واستغنى بأمانته عن الارتهان {فَلْيُؤَدّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ } وهو: المديون {أَمَـٰنَتَهُ } أي: الدين الذي عليه، والأمانة مصدر سمي به الذي في الذمة، وأضافها إلى الذي عليه الدين من حيث أن لها إليه نسبة، وقريء: «ايتمن» بقلب الهمزة ياء، وقريء بإدغام الياء في التاء، وهو خطأ؛ لأن المنقلبة من الهمزة لا تدغم؛ لأنها في حكمها {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ } في أن لا يكتم من الحق شيئاً. قوله: {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ } نهي للشهود أن يكتموا ما تحملوه من الشهادة، وهو في حكم التفسير لقوله: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ } أي: لا يضارر بكسر الراء الأولى على أحد التفسيرين المتقدّمين. قوله: {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ } خص القلب بالذكر؛ لأن الكتم من أفعاله، ولكونه رئيس الأعضاء، وهو المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد كله، وارتفاع القلب على أنه فاعل، أو مبتدأ، وآثم خبره على ما تقرر في علم النحو، ويجوز أن يكون قلبه بدلاً من آثم بدل البعض من الكل، ويجوز أن يكون أيضاً بدلاً من الضمير الذي في آثم الراجع إلى من، وقريء: «قلبه» بالنصب كما في قوله {أية : إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } تفسير : [البقرة: 130]. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} قال: نزلت في السلم في كيل معلوم إلى أجل معلوم. وأخرج الشافعي، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبخاري، وغيرهم عنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أجله، وقرأ هذه الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في الآية. قال: أمر بالشهادة عند المداينة لكيلا يدخل في ذلك جحود، ولا نسيان، فمن لم يشهد على ذلك، فقد عصى {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَاء } يعني من احتيج إليه من المسلمين ليشهد على شهادة، أو كانت عنده شهادة، فلا يحلّ له أن يأبى إذا ما دُعي، ثم قال بعد هذا: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } والضرار أن يقول الرجل للرجل، وهو عنه غنيّ إن الله قد أمرك أن لا تأبى إذا دعيت، فيضارّه بذلك، وهو مكتف بغيره، فنهاه الله عن ذلك. وقال: {وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } يعني: معصية. قال: ومن الكبائر كتمان الشهادة، لأن الله تعالى يقول: {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في قوله: {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ } قال: واجب على الكاتب أن يكتب. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك قال: كانت الكتابة عزيمة، فنسخها {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، قال: {فَإن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا } قال: هو الجاهل. {أَوْ ضَعِيفًا } قال: هو الأحمق. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك، والسدي، في قوله: {سَفِيهًا } قالا: هو الصبيّ الصغير. وأخرج ابن جرير، من طريق عطية العوفي، عن ابن عباس: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ } قال صاحب الدين. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن الحسن قال: ولي اليتيم. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك: قال وليّ السفيه، أو الضعيف. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، والبيهقي، عن مجاهد في قوله: {مّن رّجَالِكُمْ } قال: من الأحرار. وأخرج ابن جرير، عن الربيع في قوله: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَاء } قال: عدول. وأخرج الشافعي، والبيهقي، عن مجاهد قال: عدلان حران مسلمان. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا } يقول أن تنسى إحدى المرأتين الشهادة {فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأخْرَىٰ } يعني تذكرها التي حبطت شهادتها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَاء } قال: إذا كانت عندهم شهادة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع قال: كان الرجل يطوف في القوم الكثير يدعوهم يشهدون، فلا يتبعه أحد منهم، فأنزل الله: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَاء }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن المنذر، عن عائشة في قوله: {أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ } قالت: أعدل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } قال: يأتي الرجل الرجلين، فيدعوهما إلى الكتابة، والشهادة، فيقولان إنا على حاجة، فيقول إنكما قد أمرتما أن تجيبا، فليس له أن يضارّهما. وأخرج ابن جرير، عن طاوس: {لا يُضَارَّ كَاتِبٌ }، فيكتب ما لم يُملّ عليه {وَلاَ شَهِيدٌ } فيشهد بما لم يستشهد. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك في قوله: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ } الآية، قال: من كان على سفر، فبايع بيعاً إلى أجل، فلم يجد كاتباً، فرخص له في الرهان المقبوضة، وليس له إن وجد كاتباً أن يرتهن. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: لا يكون الرهن إلا في السفر. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، قال: لا يكون الرهن، إلا مقبوضاً. وأخرج البخاري في تاريخه، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ماجه، وأبو نعيم، والبيهقي، عن أبي سعيد الخدري، أنه قرأ هذه الآية: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ } حتى بلغ {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } قال: هذه نسخت ما قبلها. وأقول: رضي الله عن هذا الصحابي الجليل، ليس هذا من باب النسخ، فهذا مقيد بالائتمان، وما قبله ثابت محكم لم ينسخ، وهو مع عدم الائتمان. وأخرج ابن جرير، عن السدّي في قوله: {قَلْبُهُ وَٱللَّهُ } قال: فاجر قلبه. وأخرج ابن جرير، بإسناد صحيح، عن سعيد بن المسيب أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين. وأخرج أبو عبيد في فضائله، عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهداً بالعرش آية الربا، وآية الدين.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} إلى آخر الآية. في {تداينتم} تأويلان: أحدهما: تجازيتم. والثاني: تعاملتم. وفي {فَاكْتُبُوهُ} قولان: أحدهما: أنه ندب، وهو قول أبي سعيد الخدري، والحسن، والشعبي. والثاني: أنه فرض، قاله الربيع، وكعب. {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} وعَدْل الكاتب ألاّ يزيد [فيه] إضراراً بمن هو عليه، ولا ينقص منه، إضراراً بمن هو له. {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ} وفيه أربعة أقاويل: أحدهما: أنه فرض على الكفاية كالجهاد، قاله عامر. والثاني: أنه واجب عليه في حال فراغه، قاله الشعبي أيضاً. والثالث: أنه ندب، قاله مجاهد. والرابع: أن ذلك منسوخ بقوله تعالى: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}، قاله الضحاك. {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} يعني على الكاتب، ويقرُّ به عند الشاهد. {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً} أي لا ينقص منه شيئاً. {فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه الجاهل بالصواب فيما عليه أن يملّه على الكاتب، وهو قول مجاهد. والثاني: أنه الصبي والمرأة، قاله الحسن. والثالث: أنه المبذر لماله، المُفْسِد في دينه، وهو معنى قول الشافعي. والرابع: الذي يجهل قدر المال، ولا يمتنع من تبذيره ولا يرغب في تثميره. {أَوْ ضَعِيفاً} فيه تأويلان: أحدهما: أنه الأحمق، قاله مجاهد، والشعبي. والثاني: أنه العاجز عن الإِملاء إما بِعيٍّ أو خُرْسٍ، قاله الطبري. {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه العييّ الأخرس، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الممنوع عن الإِملاء إما بحبس أو عيبة. والثالث: أنه المجنون. {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} فيه تأويلان: أحدهما: وليّ مَنْ عليه الحق، وهو قول الضحاك، وابن زيد. والثاني: وليّ الحق، وهو صاحبه، قاله ابن عباس، والربيع. {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَينِ مِن رِّجَالِكُمْ} فيه قولان: أحدهما: من أهل دينكم. والثاني: من أحراركم، قاله مجاهد. {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} يعني فإن لم تكن البينة برجلين، فبرجل وامرأتين {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ} فيه قولان: أحدهما: أنهم الأحرار المسلمون العدول، وهو قول الجمهور. والثاني: أنهم عدول المسلمين وإن كانوا عبيدا، وهو قول شريح، وعثمان البتّي، وأبي ثور. {تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} فيه وجهان: أحدهما: لئلا تضل، قاله أهل الكوفة. والثاني: كراهة أن تضل، قاله أهل البصرة. وفي المراد به وجهان: أحدهما: أن تخطىء. والثاني: أن تَنْسَى، قاله سيبويه. {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} فيه تأويلان: أحدهما: أنها تجعلها كَذَكَرٍ من الرجال، قاله سفيان بن عيينة. والثاني: أنها تذكرها إن نسيت، قاله قتادة، والسدي، والضحاك، وابن زيد. {وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: لتحَمُّلها وإثباتها في الكتاب، قاله ابن عباس، وقتادة، والربيع. والثاني: لإِقامتها وأدائها عند الحاكم، قاله مجاهد، والشعبي، وعطاء. والثالث: أنها للتحمل والأداء جميعاً، قاله الحسن. واختلفوا فيه على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه ندب وليس بفرض، قاله عطاء، وعطية العوفي. والثاني: أنه فرض على الكفاية، قاله الشعبي. والثالث: أنه فرض على الأعيان، قاله قتادة، والربيع. {وَلاَ تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ} وليس يريد بالصغير ما كان تافهاً حقيراً كالقيراط والدانق لخروج ذلك عن العرف المعهود. {ذلكم أقسط عند الله} أي أعدل، يقال: أَقْسَطَ إِذا عَدَلَ فهو مُقْسِط، قال تعالى: {أية : وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} تفسير : [الحجرات: 9] وقَسَطَ إذا جار، قال تعالى: {أية : وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً} تفسير : [الجن: 14]. {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ} فيه وجهان: أحدهما: أصحُّ لها، مأخوذ من الاستقامة. والثاني: أحفظ لها، مأخوذ من القيام، بمعنى الحفظ. {وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ} يحتمل وجهين: أحدهما: ألا ترتابوا بِمَنْ عليه حق أن ينكره. والثاني: ألاّ ترتابوا بالشاهد أن يضل. {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن الحاضرة ما تعجّل ولم يداخله أجل في مبيع ولا ثمن. والثاني: أنها ما يحوزه المشتري من العروض المنقولة. {تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: تتناقلونها من يد إلى يد. والثاني: تكثرون تبايعها في كل وقت. {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} يعني أنه غير مأمور بكتْبِه وإن كان مباحاً. {وَأَشَهِدُوآ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} فيه قولان: أحدهما: أنه فرض، وهو قول الضحاك، وداود بن علي. والثاني: أنه ندب، وهو قول الحسن، والشعبي، ومالك، والشافعي. {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن المضارة هو أن يكتب الكاتب ما لم يُمْل عليه، ويشهد الشاهد بما لم يُستشهد، قاله طاووس، والحسن، وقتادة. والثاني: أن المضارّة أن يمنع الكاتب أن يكتب، ويمنع الشاهد أن يشهد، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء. والثالث: أن المضارّة أن يدعى الكاتب والشاهد وهما مشغولان معذوران، قاله عكرمة، والضحاك، والسدي، والربيع. ويحتمل تأويلاً رابعاً: أن تكون المضارّة في الكتابة والشهادة. {وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} فيه تأويلان: أحدهما: أن الفسوق المعصية، قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك. والثاني: أنه الكذب، قاله ابن زيد. ويحتمل ثالثاً: أن الفسوق المأثم.

ابن عطية

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ} قال ابن عباس رضي الله عنه نزلت هذه الآية في السلم خاصة. قال القاضي أبو محمد: معناه أن سلم أهل المدينة كان بسبب هذه الآية، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعاً، وبين تعالى بقوله: {بدين} ما في قوله: {تداينتم} من الاشتراك، إذ قد يقال في كلام العرب: تداينوا بمعنى جازى بعضهم بعضاً. ووصفه الأجل بمسمى دليل على أن المجهلة لا تجوز، فكأن الآية رفضتها، وإذا لم تكن تسمية وحد فليس أجل، وذهب بعض الناس إلى أن كتب الديون واجب على أربابها فرض بهذه الآية، وذهب الربيع إلى أن ذلك وجب بهذه الألفاظ، ثم خففه الله تعالى بقوله: {أية : فإن أمن بعضكم بعضاً} تفسير : [البقرة: 283] وقال الشعبي: كانوا يرون أن قوله: {فإن أمن} ناسخ لأمره بالكتب، وحكى نحوه ابن جريج، وقاله ابن زيد، وروي عن أبي سعيد الخدري، وقال جمهور العلماء: الأمر بالكتب ندب إلى حفظ الأموال وإزالة الريب، وإذا كان الغريم تقياً فما يضره الكتاب وإن كان غير ذلك فالكتب ثقاف في دينه وحاجة صاحب الحق، وقال بعضهم: إن أشهدت فحزم، وإن ائتمنت ففي حل وسعة، وهذا هو القول الصحيح، ولا يترتب نسخ في هذا لأن الله تعالى ندب إلى الكتب فيما للمرء أن يهبه ويتركه بإجماع، فندبه إنما هو على جهة الحيطة للناس، ثم علم تعالى أنه سيقع الائتمان فقال إن وقع ذلك {أية : فليؤد} تفسير : [البقرة: 283] الآية، فهذه وصية للذين عليهم الديون، ولم يجزم تعالى الأمر نصاً بأن لا يكتب إذا وقع الائتمان، وأما الطبري رحمه الله فذهب إلى أن الأمر بالكتب فرض واجب وطول في الاحتجاج، وظاهر قوله أنه يعتقد الأوامر على الوجوب حتى يقوم دليل على غير ذلك. واختلف الناس في قوله تعالى: {وليكتب بينكم} فقال عطاء وغيره: واجب على الكاتب أن يكتب، وقال الشعبي وعطاء أيضاً: إذا لم يوجد كاتب سواه فواجب عليه أن يكتب، وقال السدي: هو واجب مع الفراغ، وقوله تعالى: {بالعدل} معناه بالحق والمعدلة، والباء متعلقة بقوله تعالى: {وليكتب}، وليست متعلقة بـــ{كاتب} لأنه كان يلزم أن لا كتب وثيقة إلا العدل في نفسه، وقد يكتبها الصبي والعبد والمسخوط إذا أقاموا فقهها، أما أن المنتصبين لكتبها لا يتجوز للولاة ما أن يتركوهم إلا عدولاً مرضيين، وقال مالك رحمه الله: لا يكتب الوثائق من الناس إلا عارف بها عدل في نفسه مأمون، لقوله تعالى {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} ثم نهى الله تعالى الكتاب عن الإباية، وأبى يأبى شاذ لم يجىء إلا قلى يقلى وأبى يأبى، ولا يجيء فعل يفعل بفتح العين في المضارع إلا إذا رده حرف حلق، قال الزجّاج والقول في أبى أن الألف فيه أشبهت الهمزة فلذلك جاء مضارعه يفعل بفتح العين، وحكى المهدوي عن الربيع والضحاك أن قوله {ولا يأب} منسوخ بقوله {أية : لا يضار كاتب ولا شهيد} تفسير : [البقرة: 282] والكاف في قوله {كما علمه الله} متعلقة بقوله: {أن يكتب} المعنى كتباً كما علمه الله، هذا قول بعضهم، ويحتمل أن تكون {كما} متعلقة بما في قوله {ولا يأب} من المعنى أي كما أنعم الله عليه بعلم الكتابة فلا يأب هو، وليفضل كما أفضل الله عليه، ويحتمل أن يكون الكلام على هذا المعنى تاماً عند قوله: {أن يكتب}، ثم يكون قوله: {كما علمه الله} ابتداء كلام، وتكون الكاف متعلقة بقوله {فليكتب}. قال القاضي أبو محمد: وأما إذا أمكن الكتاب فليس يجب الكتب على معين، ولا وجوب الندب، بل له الامتناع إلا إن استأجره، وأما إذا عدم الكاتب فيتوجه وجوب الندب حينئذ على الحاضر، وأما الكتب في الجملة فندب كقوله تعالى: {أية : وافعلوا الخير} تفسير : [الحج: 77] وهو من باب عون الضائع. قوله عز وجل: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} أمر الله تعالى الذي عليه الحق بالإملاء، لأن الشهادة إنما تكون بحسب إقراره، وإذا كتبت الوثيقة وأقرّ بها فهو كإملاء له. وأمره الله بالتقوى فيما يملي ونهي عن أن {يبخس} شيئاً من الحق، والبخس النقص بنوع من المخادعة والمدافعة، وهؤلاء الذين أمروا بالإملاء هم المالكون لأنفسهم إذا حضروا، ثم ذكر الله تعالى ثلاثة أنواع تقع نوازلهم في كل زمن. فقال {فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً} وكون الحق يترتب في جهات سوى المعاملات كالمواريث إذا قسمت وغير ذلك، والسفيه المهلهل الرأي في المال الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء منها، مشبه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج، والسفه الخفة، ومنه قول الشاعر وهو ذو الرمة: [الطويل]. شعر : مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيهَا مَرُّ الرِّيَاحِ النَّواسِمِ تفسير : وهذه الصفة في الشريعة لا تخلو من حجر أب أو وصي، وذلك هو وليه، ثم قال: {أو ضعيفاً} والضعيف هو المدخول في عقله الناقص الفطرة، وهذا أيضاً قد يكون وليه أباً أو وصياً، الذي لا يستطيع أن يمل هو الصغير، و {وليه} وصيه أو أبوه والغائب عن موضع الإشهاد إما لمرض أو لغير ذلك من العذر، و {وليه} وكيله، وأما الأخرس فيسوغ أن يكون من الضعفاء، والأوْلى أنه ممن لا يستطيع، فهذه أصناف تتميز، ونجد من ينفرد بواحد واحد منها، وقد يجتمع منها اثنان في شخص واحد، وربما اجتمعت كلها في شخص، وهذا الترتيب ينتزع من قول مالك وغيره من العلماء الحذاق، وقال بعض الناس: السفيه الصبي الصغير، وهذا خطأ، وقال قوم الضعيف هو الكبير الأحمق، وهذا قول الحسن، وجاء الفعل مضاعفاً في قوله: {أن يمل} لأنه لو فك لتوالت حركات كثيرة، والفك في هذا الفعل لغة قريش. و {بالعدل} معناه بالحق وقصد الصواب، وذهب الطبري إلى أن الضمير في {وليه} عائد على {الحق}، وأسند في ذلك عن الربيع وعن ابن عباس. قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي شيء لا يصح عن ابن عباس، وكيف تشهد على البينة على شيء وتدخل مالاً في ذمة السفيه بإملاء الذي له الدين؟ هذا شيء ليس في الشريعة، والقول ضعيف إلا أن يريد قائله أن الذي لا يستطيع {أن يمل} بمرضه إذا كان عاجزاً عن الإملاء فليمل صاحب الحق بالعدل ويسمع الذي عجز، فإذا كمل الإملاء أقر به، هذا معنى لم تعن الآية إليه، ولا يصح هذا إلا فيمن لا يستطيع أن يمل بمرض. {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} الاستشهاد: طلب الشهادة وعبر ببناء مبالغة في {شهيدين} دلالة على من قد شهد وتكرر ذلك منه، فكأنها إشارة إلى العدالة: وقوله تعالى: {من رجالكم} نص في رفض الكفار والصبيان والنساء، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم. واختلف العلماء فيهم فقال شريح وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل: شهادة العبد جائزة إذا كان عدلاً، وغلبوا لفظ الآية. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء: لا تجوز شهادة العبد، وغلبوا نقص الرق، واسم كان الضمير الذي في قوله {يكونا}. والمعنى في قول الجمهور، فإن لم يكن المستشهد رجلين أي إن أغفل ذلك صاحب الحق أو قصده لعذر ما، وقال قوم: بل المعنى فإن لم يوجد رجلان، ولا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال، وهذا قول ضعيف، ولفظ الآية لا يعطيه بل لظاهر منه قول الجمهور، وقوله: {فرجل وامرأتان} مرتفع بأحد ثلاثة أشياء، إما أن تقدر فليستشهد رجل وامرأتان، وإما فليكن رجل وامرأتان ويصح أن تكون {يكونا} هذه التامة والناقصة، ولكن التامة أشبه، لأنه يقل الإضمار، وإما فرجل وامرأتان يشهدون، وعلى كل وجه فالمقدر هو العامل في قوله: {أن تضل إحداهما} وروى حميد بن عبد الرحمن عن بعض أهل مكة أنهم قرؤوا "وامرأْتان" بهمز الألف ساكنة. قال ابن جني: لا نظير لتسكين الهمزة المتحركة على غير قياس وإنما خففوا الهمزة فقربت من الساكن، ثم بالغوا في ذلك فصارت الهمزة ألفاً ساكنة كما قال الشاعر: [الطويل]. شعر : يقولون جهلاً لَيْسَ للشَّيخَ عَيِّلٌ لَعَمْري لَقَدْ أعْيَلْتَ وَأن رَقُوب تفسير : يريد "وأنا"، ثم بعد ذلك يدخلون الهمزة على هذه الألف كما هي. وهي ساكنة وهي هذا نظر، ومنه قراءة ابن كثير "عن ساقيها" وقولهم يا ذو خاتم قال أبو الفتح: فإن قيل شبهت الهمزة بالألف في أنها ساوتها في الجهر والزيادة والبدل والحذف وقرب المخرج وفي الخفاء فقول مخشوب لا صنعة فيه، ولا يكاد يقنع بمثله، وقوله تعالى: {ممن ترضون من الشهداء} رفع في موضع الصفة لقوله عز وجل: {فرجل وامرأتان}. قال أبو علي: ولا يدخل في هذه الصفة قوله: {شهيدين} اختلاف الإعراب. قال القاضي أبو محمد: وهذا حكم لفظي، وأما المعنى فالرضى شرط في الشهيدين كما هو في الرجل والمرأتين. قال ابن بكير وغيره: قوله {ممن ترضون} مخاطبة للحكام. قال القاضي أبو محمد: وهذا غير نبيل، إنما الخطاب لجميع الناس، لكن المتلبس بهذه القضية إنما هم الحكام، وهذا كثير في كتاب الله يعم الخطاب فيما يتلبس به البعض، وفي قوله: {ممن ترضون} دليل على أن في الشهود من لا يرضى، فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا بمحمولين على العدالة حتى تثبت لهم. وقرأ حمزة وحده: "إن تَضِل" بكسر الألف وفتح التاء وكسر الضاد "فتذَكَرُ" بفتح الذال ورفع الراء وهي قراءة الأعمش وقراها الباقون "أن تضل" بفتح الألف "فتذكرَ" بنصب الراء. غير أن ابن كثير وأبا عمرو خففا الذال والكاف، وشددها الباقون، وقد تقدم القول فيما هو العامل في قوله: {أن تضل}، و{أن} مفعول من أجله والشهادة لم تقع لأن تضل إحداهما. وإنما وقع إشهاد امرأتين لأن تذكر إحداهما إن ضلت الأخرى. قال سيبويه: وهذا كما تقول: أعددت هذه الخشبة أن يميل هذا الحائط فأدعمه. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ولما كانت النفوس مستشرفة إلى معرفة أسباب الحوادث، قدم في هذه العبارة ذكر سبب الأمر المقصود أن يخبر به، وفي ذلك سبق النفوس إلى الإعلام بمرادها، وهذا من أنواع أبرع الفصاحة، إذ لو قال رجل لك: أعددت هذه الخشبة أن أدعم بها الحائط، لقال السامع: ولم تدعم حائطاً قائماً؟ فيجب ذكر السبب فيقال: إذا مال. فجاء في كلامهم تقديم السبب أخصر من هذه المحاورة. وقال أبو عبيد: معنى {تضل} تنسى. قال القاضي أبو محمد: والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء. ويبقى المرء بين ذلك حيران ضالاً، ومن نسي الشهادة جملة فليس يقال: ضل فيها، فأما قراءة حمزة فجعل {أن} الجزاء، والفاء في قوله {فتذكر} جواب الجزاء، وموضع الشرط وجوابه رفع بكونه صفة للمذكور، وهما المرأتان، وارتفع "تذكر" كما ارتفع قوله تعالى: {أية : ومن عاد فينتقم الله منه} تفسير : [المائدة: 95] هذا قول سيبويه. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، وأما نصب قوله "فتذكرَ" على قراءة الجماعة فعلى العطف على الفعل المنصوب بـــ {أن}، وتخفيف الكاف على قراءة أبي عمرو وابن كثير هو بمعنى تثقيله من الذكر، يقال: ذكرت وأذكرته تعديه بالتضعيف أو بالهمز، وروي عن أبي عمرو بن العلاء وسفيان بن عيينة أنهما قالا: معنى قوله: "فتذكر" بتخفيف الكاف أي تردها ذكراً في الشهادة، لأن شهادة امرأة نصف شهادة، فإذا شهدتا صار مجموعهما كشهادة ذكر، وهذا تأويل بعيد، غير فصيح، ولا يحسن في مقابلة الضلال إلا الذكر، وذكرت بشد الكاف يتعدى إلى مفعولين، وأحدهما في الآية محذوف، تقديره فتذكر إحداهما الأخرى "الشهادة"، التي ضلت عنها، وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر: "أن تُضَل" بضم التاء وفتح الضاد بمعنى تنسى، هكذا حكى عنهما أبو عمرو الداني، وحكى النقاش عن الجحدري ضم التاء وكسر الضاد بمعنى أن تضل الشهادة، تقول: أضللت الفرس والبعير إذا تلفا لك وذهبا فلم تجدهما، وقرأ حميد بن عبد الرحمن ومجاهد "فتذكِرُ" بتخفيف الكاف المكسورة ورفع الراء، وتضمنت هذه الآية جواز شهادة امرأتين بشرط اقترانهما برجل، واختلف قول مالك في شهادتهما، فروى عنه ابن وهب أن شهادة النساء لا تجوز إلا حيث ذكرها الله في الدين، أو فيما لا يطلع عليه أحد إلا هن للضرورة إلى ذلك، وروى عنه ابن القاسم أنها تجوز في الأموال والوكالات على الأموال وكل ما جر إلى مال، وخالف في ذلك أشهب وغيره، وكذلك إذا شهدن على ما يؤدي إلى غير مال، ففيها قولان في المذهب. قوله عز وجل: {وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُواْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ} قال قتادة والربيع وغيرهما: معنى الآية: إذا دعوا أن يشهدوا فيتقيد حق بشهادتهم، وفي هذا المعنى نزلت، لأنه كان يطوف الرجل في القوم الكثير يطلب من يشهد له فيتحرجون هم عن الشهادة فلا يقوم معه أحد، فنزلت الآية في ذلك، وقال الحسن بن أبي الحسن: الآية جمعت أمرين: لا تأب إذا دعيت إلى تحصيل الشهادة، ولا إذا دعيت إلى أدائها، وقاله ابن عباس، وقال مجاهد: معنى الآية، لا تأب إذا دعيت إلى أداء شهادة قد حصلت عندك، وأسند النقاش إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر الآية بهذا، قال مجاهد: فأما إذا دعيت لتشهد أولاً، فإن شئت فاذهب، وإن شئت فلا تذهب، وقاله لاحق بن حميد وعطاء وإبراهيم وابن جبير والسدي وابن زيد وغيرهم. قال القاضي أبو محمد: والآية كما قال الحسن جمعت أمرين على جهة الندب، فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم، فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود وإلا من تعطل الحق فالمدعو مندوب، وله أن يتخلف لأدنى عذر وإن تخلف لغير عذر فلا إثم عليه ولا ثواب له، وإذا كانت الضرورة وخيف تعطل الحق أدنى خوف قوي الندب وقرب من الوجوب، وإذا علم أن الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها، لا سيما إن كانت محصلة، وكان الدعاء إلى أدائها، فإن هذا الظرف آكد لأنها قلادة في العنق وأمانة تقتضي الأداء، {ولا تسأموا} معناه تملوا، و {صغيراً أو كبيراً} حالان من الضمير في {تكتبوه}، وقدم الصغير اهتماماً به، وهذا النهي الذي جاء عن السآمة إنما جاء لتردد المداينة عندهم، فخيف عليهم أن يملوا الكتب و {أقسط} معناه أعدل، وهذا أفعل من الرباعي وفيه شذوذ، فانظر هل هو من قسُط بضم السين؟ كما تقول: "أكرم" من "كرُم" يقال: {أقسط} بمعنى عدل وقسط بمعنى جار، ومنه قوله تعالى: {أية : وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً} تفسير : [الجن: 15] ومن قدر قوله تعالى: {وأقوم للشهادة} بمعنى وأشد إقامة فذلك أيضاً أفعل من الرباعي، ومن قدرها من قام بمعنى اعتدل زال عن الشذوذ، {وأدنى} معناه أقرب، و {ترتابوا} معناه، تشكوا وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي "يسأموا" و"يكتبوا" و "يرتابوا" كلها بالياء على الحكاية عن الغائب. قوله عز وجل: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. لما علم الله تعالى مشقة الكتاب عليهم نص على ترك ذلك ورفع الجناح فيه في كل مبايعة بنقد، وذلك في الأغلب إنما هو في قليل كالمطعوم ونحوه في كثير كالأملاك ونحوها. وقال السدي والضحاك: هذا فيما كان يداً بيد تأخذ وتعطي، وأن في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، وقول تعالى: {تديرونها بينكم} يقتضي التقابض والبينونة بالمقبوض، ولما كانت الرباع والأرض وكثير من الحيوان لا تقوى البينونة به ولا يعاب عليه حسن الكتب فيها ولحقت في ذلك بمبايعة الدين وقرأ عاصم وحده "تجارةً" نصباً، وقرأ الباقون "تجارةٌ" رفعاً، قال أبو علي وأشك في ابن عامر، وإذا أتت بمعنى حدث ووقع غنيت عن خبر، وإذا خلع منها معنى الحدوث لزمها الخبر المنصوب، فحجة من رفع تجارة إن كان بمعنى حدث ووقع، وأما من نصب فعلى خبر كان، والاسم مقدر تقديره عند أبي علي إما المبايعة التي دلت الآيات المتقدمة عليها، وإما {إلا أن تكون} التجارة {تجارة}، ويكون ذلك مثل قول الشاعر: [الطويل]. شعر : فدىً لبني ذُهْلِ بنِ شَيْبَانَ نَاقتي إذا كَانَ يَوْماً ذَا كَوَاكِبَ أَشْنَعَا تفسير : أي إذا كان اليوم يوماً. قال القاضي أبو محمد: هكذا أنشد أبو علي البيت، وكذلك أبو العباس المبرد، وأنشده الطبري: [الطويل] شعر : ولله قومي أيُّ قومٍ لحرّةٍ إذَا كَان يوماً ذا كَوَاكِبَ أَشْنَعَا تفسير : وأنشده سيبويه بالرفع إذا كان يوم ذو كواكب. وقوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} قال الطبري معناه وأشهدوا على صغير ذلك وكبيره، واختلف الناس هل ذلك على الوجوب أو على الندب؟ فقال الحسن والشعبي وغيرهما: ذلك علىالندب، وقال ابن عمرو والضحاك: ذلك على الوجوب، وكان ابن عمر يفعله في قليل الأشياء وكثيرها، وقاله عطاء ورجح ذلك الطبري. قال القاضي أبو محمد: والوجوب في ذلك قلق أما في الدقائق فصعب شاق وأما ما كثر فربما يقصد التاجر الاستيلاف بترك الإشهاد، وقد يكون عادة في بعض البلاد، وقد يستحيي من العالم والرجل والكبير الموقر فلا يشهد عليه، فيدخل ذلك كله في الائتمان، ويبقى الأمر بالإشهاد ندباً لما فيه من المصلحة في الأغلب ما لم يقع عذر يمنع منه كما ذكرنا. وحكى المهدي عن قوم أنهم قالوا: {وأشهدوا إذا تبايعتم} منسوخ بقوله {أية : فإن أمن} تفسير : [البقرة: 283]، وذكره مكي عن أبي سعيد الخدري. واختلف الناس في معنى قوله تعالى: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} فقال الحسن وقتادة وطاوس وابن زيد وغيرهم. المعنى ولا يضار الكاتب بأن يكتب ما لم يمل عليه ولا يضار الشاهد بأن يزيد في الشهادة أو ينقص منها، وقال مثله ابن عباس ومجاهد وعطاء إلا أنهم قالوا: لا يضار الكاتب والشاهد بأن يمتنعا. قال القاضي أبو محمد: ولفظ الضرر يعم هذا والقول الأول، والأصل في يضار على هذين القولين "يضارِر" بكسر الراء ثم وقع الإدغام وفتحت الراء في الجزم لخفة الفتحة، وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد والضحاك والسدي وطاوس وغيرهم: معنى الآية {ولا يضار كاتب ولا شهيد} بأن يؤذيه طالب الكتبة أو الشهادة فيقول اكتب لي أو اشهد لي في وقت عذر أو شغل للكتب أو الشاهد فإذا اعتذرا بعذرهما حرج وآذاهما، وقال خالفت أمر الله ونحو هذا من القول، ولفظ المضارة إذا هو من اثنين يقتضي هذه المعاني كلها، والكاتب والشهيد على القول الأول رفع بفعلهما وفي القول الثاني رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله، وأصل {يضار} على القول الثاني "يضارَر" بفتح الراء، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن ابن مسعود ومجاهد أنهم كانوا يقرؤون "ولا يضارَر" بالفك وفتح الراء الأولى، وهذا على معنى، أن يبدأهما بالضرر طالب الكتبة والشهادة، وذكر ذلك الطبري عنهم في ترجمة هذا القول وفسر القراءة بهذا المعنى فدل ذلك على أن الراء الأولى مفتوحة كما ذكرنا، وحكى أبو عمرو الداني عن عمر بن الخطاب وابن عباس وابن أبي إسحاق ومجاهد أن الراء الأولى مكسورة، وحكى عنهم أيضاً فتحها، وفك الفعل هي لغة أهل الحجاز والإدغام لغة تميم، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وعمرو بن عبيد "ولا يضارْ" بجزم الراء، قال أبو الفتح: تسكين الراء مع التشديد فيه نظر، ولكن طريقه أجرى الوصل مجرى الوقف، وقرأ عكرمة "ولا يضارر" بكسر الراء الأولى "كاتباً ولا شهيداً" بالنصب أي لا يبدأهما صاحب الحق بضرر، ووجوه المضارة لا تنحصر، ورى مقسم عن عكرمة أنه قرأ "ولا يضارُ" بالإدغام وكسر الراء للالتقاء، وقرأ ابن محيصن "ولا يضارِ" برفع الراء مشددة، قال ابن مجاهد: ولا أدري ما هذه القراءة؟ قال أبو الفتح هذا الذي أنكره ابن مجاهد معروف، وذلك على أن تجعل {لا} نفياً أي ليس ينبغي أن يضار كما قال الشاعر: [الطويل] شعر : على الْحَكَم الْمَأْتِيّ يوماً إذَا انْقَضَى قَضيَّتَهُ أَنْ لاَ يَجُوزَ وَيَقْصِدُ تفسير : فرفع ويقصد على إرادة وينبغي أن يقصد فكذلك يرتفع "ولا يضارُّ" على معنى وينبغي أن لا يضار، قال: وإن شئت كان لفظ خبر على معنى النهي. قال القاضي أبو محمد: وهذا قريب من النظر الأول. وقوله تعالى: {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} من جعل المضارة المنهي عنها زيادة الكاتب والشاهد فيما أملي عليهما أو نقصهما منه فالفسوق على عرفه في الشرع وهو مواقعة الكبائر، لأن هذا من الكذب المؤذي في الأموال والأبشار، وفيه إبطال الحق، ومن جعل المضارة المنهي عنها أذى الكتاب والشاهد بأن يقال لهما: أجيبا ولا تخالفا أمر الله أو جعلها امتناعهما إذا دعيا فالفسوق على أصله في اللغة الذي هو الخروج من شيء كما يقال فسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها، وفسقت الرطبة فكأن فاعل هذا فسق عن الصواب والحق في هذه النازلة، ومن حيث خالف أمر الله في هذه الآية فيقرب الأمر من الفسوق العرفي في الشرع، وقوله {بكم} تقديره فسوق حال بكم، وباقي الآية موعظة وتعديد نعمه والله المستعان والمفضل لا رب غيره، وقيل إن معنى الآية الوعد بأن من اتقى علم الخير وألهمه.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَدَايَنتُم} تجازيتم، أو تعاملتم، {فاكْتُبُوهُ} ندب، أو فرض. {فَلْيَكْتُبْ} فرض كفاية على الكاتب، أو واجب في حال فراغه، أو ندب، أو نُسِخَ بقوله ـ تعالى ـ {وَلا يُضَآرَّ كَاتِبٌ} {وَلا يَبْخَسْ} لا ينقص. {سَفِيهاً} لا يعرف الصواب في إملاء ما عليه، أو الطفل، أو المرأة والصبي، أو المبذر لماله المفسد لدينه. {ضَعِيفاً} أحمق، أو عاجزاً عن الإملاء, لِعَيٍّ، أو خرس. {لا يَسْتَطِيعُ} لِعَيِّه وخرسه، أو لجنونه، أو لحبسه، أو غيبته. {وَلِيُّهُ} ولي الحق، أو ولي من عليه الدَّيْن. {وَاسْتَشْهِدُواْ} ندب، أو فرض كفاية. {تَرْضَوْنَ} الأحرار المسلمون العدول، أو المسلمون العدول وإن كانوا أرقاء. {فَتُذَكِّرَ} من الذكر، أو بجعلها كَذَكَر من الرجال {دُعُواْ} لتحملها وكتابتها، أو لأدائها، أو لهما وذلك ندب، أو فرض كفاية، أو فرض عين. {وَلا تَسْئَمُوَاْ} لا تملوا {صَغِيراً} لا يراد به التافه الحقير كالدانق لخروجه عن العرف. {أَقْسَطُ} أعدل. {وَأَقْوَمُ} وأصح من الاستقامة. {وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} فرض, أو ندب. {وَلا يُضَآرَّ كَاتِبٌ} بأن يكتب ما لم يُمل عليه، ولا يشهد الشاهد بما لم يُستشهد، أو يمنع الكاتب أن يكتب والشاهد أن يشهد، أو يدعيان وهما مشغولان. {فُسُوقٌ} معصية، أو كذب.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين} قال ابن عباس لما حرم الربا أباح السلم وقال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه. وقوله {إذا تداينتم} أي تعاملتم بالدين أو داين بعضكم بعضاً والتداين تفاعل من الدين يقال داينته إذا عاملته بالدين وإنما قال بدين بعد قوله: إذا تداينتم لأن المداينة قد تطلق على المجازاة وعلى المعطاة فقيده بالدين ليعرف المراد من اللفظ ويخلص أحد المعنين من الآخر. وقيل إنما قال بدين ليرجع الضمير إليه في قوله: فاكتبوه إذ لو لم يذكر ذلك لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين فلا يحسن النظم بذلك وقيل إنما ذكره تأكيداً {إلى أجل مسمى} يعني إلى مدة معلومة الأول والآخر مثل السنة والشهر ولا يجوز إلى غير مدة معلومة كما لو قال إلى الحصاد أو نحوه والأجل يلزم في الثمن في البيع وفي السلم حتى لا يكون لصاحب الحق الطلب قبل محل الأجل بخلاف القرض فإنه لا يلزم فيه الأجل عند أكثر أهل العلم. (ق) عن ابن عباس قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في التمر العام والعامين فقال لهم: "حديث : من أسلف في تمر ففي كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم" تفسير : وقوله تعالى: {فاكتبوه} أي اكتبوا الدين الذي تداينتم به بيعاً كان ذلك أو سلماً أو قرضاً واختلفوا في هذه الكتابة فقيل: هي واجبة وهو مذهب عطاء وابن جريج والنخعي واختاره محمد بن جرير الطبري وقيل الأمر محمول على الندب والاستحباب فإن ترك فلا بأس وهو قول جمهور العلماء وقيل بل كانت الكتابة والإشهاد والرهن فرضاً ثم نسخ بقوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي ائتمن أمانته} وهو قول الحسن والشعبي والحكم بن عيينة ثم بين الله تعالى كيفية الكتابة فقال تعالى: {وليكتب بينكم كاتب} أي ليكتب الدين بين الطالب والمطلوب كاتب {بالعدل} أي بالحق من غير زيادة ولا نقصان ولا تقديم أجل ولا تأخيره قيل إن فائدة الكتابة هي حفظ المال من الجانبين لأن صاحب الدين إذا علم أن حقه مقيد بالكتابة تعذر عليه طلب زيادة أو تقديم المطالبة قبل حلول الأجل، ومن عليه الدين إذا عرف ذلك تعذر عليه الجحود أو النقص من أصل الدين الذي عليه، فلما كانت هذه الفائدة من الكتابة أمر الله تعالى بها {ولا يأب} أي ولا يمتنع {كاتب أن يكتب} واختلفوا في وجوب الكتابة على الكاتب وتحمل الشهادة على الشاهد فقيل بوجوبهما لأن ظاهر الكلام نهى عن الامتناع من الكتابة وإيجابها على كل كتاب فإذا طولب بالكتابة وتحمل الشهادة من هو من أهلهما وجب عليه ذلك. وقيل: هو من فرض الكفاية وهو قول الشعبي فإن لم يوجد إلاّ واحد وجب عليه ذلك وقيل هو على الندب والاستحباب وذلك لأن الله تعالى لما علمه الكتابة وشرفه بها استحب له أن يكتب ليقضي حاجة أخيه المسلم ويشكر تلك النعمة التي أنعم الله بها عليه وقيل: كانت الكتابة وتحمل الشهادة واجبتين على الكاتب والشاهد ثم نسخهما الله تعالى بقوله: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} {كما علمه الله} أي كما شرعه الله وأمر به {فليكتب} وذلك أن يكتب بحيث لا يزيد ولا ينقص ويكتب ما يصلح أن يكون حجة عند الحاجة ولا يخص أحد الخصمين بالاحتياط له دون الآخر، وأن يكون كل واحد منهما آمناً من أبطال حقه، وأن يكون ما يكتبه متفقاً عليه عند العلماء، وأن يحترز من الألفاظ التي يقع النزاع فيها وهذه الأمور لا تحصل إلاّ لمن هو فقيه عالم باللغة ومذاهب العلماء. {وليملل الذي عليه الحق} يعني أن المطلوب الذي عليه الحق يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه من الحق فيذكر قدره وجنسه وصفة الأجل ونحو ذلك. والإملال والإملاء لغتان فصيحتان معناهما واحد {وليتق الله} ربه يعني المملي {ولا يبخس} أي ولا ينقص {منه} أي من الحق الذي وجب {شيئاً فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً} أي جاهلاً بالإملاء وقيل هو الطفل الصغير. وقال الشافعي: السفيه هو المبذر المفسد لماله ودينه {أو ضعيفاً} يعني شيخاً كبيراً وقيل: هو ضعيف العقل لعته أو جنون {أو لا يستطيع أن يمل هو} يعني لخرس أو عمى أو عجمة في كلامه أو حبس أو غيبة لا يمكنه الحضور عند الكاتب أو يجهل بماله، وعليه فهؤلاء كلهم لا يصح إقرارهم فلا بد من أن يقوم غيرهم مقامهم وهو قوله تعالى: {فليملل وليه} يعني ولي كل واحد من هؤلاء الثلاثة المحجور عليهم لأنه مقامه في صحة الإقرار. وقال ابن عباس: أراد بالولي صاحب الدين يعني إن عجز الذي عليه الحق عن الإملاء فليملل صاحب الحق لأنه أعلم بحقه {بالعدل} أي بالصدق {واستشهدوا شهيدين} يعني وأشهدوا على حقوقكم شهيدين لأن المقصود من الكتابة هو الإشهاد {من رجالكم} يعني من أهل ملتكم يعني من المسلمين الأحرار دون العبيد والصبيان وهذا قول أكثر أهل العلم. وأجاز شريح وابن سيرين شهادة العبيد وحجة هذا القول أن قوله من رجالكم عام يتناول العبيد وغيرهم وذلك لأن عقل الإنسان ودينه وعدالته تمنعه من الكذب، فإذا اجتمعت هذه الشرائط فيه كانت شهادته معتبرة. وحجة جمهور العلماء ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا فهذا نص يقتضي أن من تحمل شهادة وجب عليه الأداء إذا ما طولب بها والعبد ليس كذلك فإن السيد إذا لم يأذن له في ذلك حرم عليه الذهاب إلى الشهادة فوجب أن يكون العبد من أهل الشهادة {فإن لم يكونا رجلين} أي فإن لم يكن الشاهدان رجلين {فرجل وامرأتان} أي فليشهد رجل وامرأتان، وأجمع الفقهاء على أن شهادة النساء مع الرجال جائزة في الأموال فيثبت الحق بشهادة رجل وامرأتين واختلفوا في غير الأموال فذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي إلى أنه يجوز شهادة النساء مع الرجال في سائر الحقوق غير العقوبات، وذهب جماعة إلى أن غير المال لا يثبت إلاّ برجلين عدلين، وذهب الشافعي إلى أن ما يطلع عليه النساء غالباً كالولادة والرضاع والكبارة والثيوبة ونحوها تجوز شهادة رجل وامرأتين أو شهادة أربع نسوة. واتفقوا على أن شهادة النساء غير جائزة ولا مقبولة في العقوبات والحدود، وقوله تعالى: {ممن ترضون من الشهداء} يعني من كان مرضياً عندكم في دينه وأمانته والشرائط المعتبرة في العدالة. وقبول الشهادة عشرة وهي: الإسلام والحرية والعقل والبلوغ والعدالة والمروءة، وأن لا يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه ولا يدفع عنه بها مضرة، ولا يكون معروفاً بكثرة الغلظ والسهو، وأن لا يكون بينه وبين من شهد من عليه عداوة فشهادة الكافر مردودة لأن الكذاب لا تقبل شهادته. فالذي يكذب على الله أولى بأن ترد شهادته وجوز بعض أهل الرأي شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض ولا تقبل شهادة العبيد وأجازها ابن شريح وابن سيرين وهو قول أنس ولا قول للمجنون معتبر على تصح شهادته. ولا تجوز شهادة الصبيان وسئل ابن عباس عن ذلك فقال: لا تجوز لأن الله تعالى قال: {ممن ترضون من الشهداء} والعدالة شرط وهو أن لا يكون الشاهد مقيماً على الكبائر مصراً على الصغائر والمروءة شرط وهي ما تتصل بآداب النفس مما يعلم أن تاركه قليل الحياء وهي حسن الهباة والسيرة والعشرة والصناعة، فإن كان الرجل يظهر في نفسه شيئاً مما يستحي أمثاله من إظهاره في الأغلب علم بذلك قلة مروءته وترد شهادته وانتفاء التهمة شرط فلا تقبل شهادة العدو على عدوه وإن كان مقبول الشهادة على غيره، لأنه متهم في حق عدوه لا في حق غيره ولا تقبل شهادة الرجل لولده ووالده وتقبل شهادته عليهما ولا تقبل شهادة من يجر بشهادته إلى نفسه نفعاً عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود حداً ولا ذي غمر على أخيه ولا مجرب شهادة ولا القانع أهل البيت لهم ولا ظنين في ولاء ولا قرابة"تفسير : . قال الفزاري: القانع التابع، أخرجه الترمذي. قوله: لا تجوز شهادة خائن أراد بالخيانة الخيانة في الدين والمال والأمانة فإن من ضيع شيئاً من أوامر الله أو ارتكب شيئاً مما نهى الله عنه لا يكون عدلاً. والغمر بكسر الغين الحقد والقانع هو السائل المستطعم وقيل: المنقطع إلى قوم يخدمهم فترد شهادته للتهمة في جر النفع إلى نفسه لأن التابع لأهل البيت ينتفع بما يصير إليهم والظنين بكسر الظاء المتهم. وقوله تعالى: {أن تضل إحداهما} أي تنسى إحدى المرأتين {فتذكر إحداهما الأخرى} لأن الغالب على طباع النساء النسيان فأقيمت المرأتان مقام الرجل الواحد حتى لو نسيت إحداهما تذكرها الأخرى فتقول حضرنا مجلس كذا وسمعنا كذا فيحصل بذلك الذكرى. وحكي عن سفيان بن عيينة أنه قال هو من الذكر أي تجعل إحداهما الأخرى ذكراً والمعنى أن شهادتهما تصيرا كشهادة ذكر، والقول الأول أصح لأنه معطوف على تضل وهو النسيان. وقوله تعالى: {ولا يأب الشهادة إذا ما دعوا} يعني إذا دعوا لتحمل الشهادة وسماهم شهداء لأنهم يكونون شهداء وهذا أمر إيجاب عند بعضهم. وقال قوم: يجب إذا لم يكن غيره فإن كان غيره فهو مخير، وقيل: هو أمر ندب فهو مخير في جميع الأحوال. وقال بعضهم هذا في إقامة الشهادة وأدائها، ومعنى الآية ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا لأداء الشهادة التي تحملوها. وقيل: الآية في الأمرين جميعاً يعني في التحمل والأداء والإقامة إذا كان عارفاً. وقيل الشاهد بالخيار ما لم يشهد فإذا شهد وجب عليه الأداء {ولا تسأموا} أي ولا تملوا ولا تضجروا {أن تكتبوه} الضمير راجع إلى الحق أو الدين {صغيراً} كان {أو كبيراً} يعني قليلاً كان الحق أو الدين أو كثيراً {إلى أجله} يعني إلى محل الحق والدين {ذلكم} يعني ذلك الكتاب {أقسط عند الله} يعني أعدل عند الله لأنه أمر به واتباع أمره وأعدل من تركه. {وأقوم للشهادة} يعني أن الكتابة تذكر الشهود {وأدنى ألا ترتابوا} يعني وأحرى وأقرب إلى أن لا تشكوا في الشهادة {إلاّ أن تكون تجارة حاضرة} أي إلاّ أن تقع تجارة حاضرة يداً بيد {تديرونها بينكم} أي فيما بينكم ليس فيها أجل {فليس عليكم جناح} أي لا ضرر عليكم {أن لا تكتبوها} يعني التجارة الحاضرة، والتجارة تقليب الأموال وتصريفها لطلب النماء والزيادة بالأرباح، وإنما رخص الله تعالى في الكتابة والإشهاد في هذا النوع من التجارة لكثرة ما يجري بين الناس، فلو كلفوا فيها الكتابة والإشهاد لشق ذلك عليهم، ولأنه إذا أخذ كل واحد من المتبايعين حقه من صاحبه في ذلك المجلس لم يكن هناك خوف التجاحد فلا حاجة إلى الكتابة والإشهاد {وأشهدوا إذا تبايعتم} يعني فيما جرت العادة بالإشهاد فيه. واختلفوا في هذا الأمر فقيل هو للوجوب فيجب أن يشهد في صغير الحق وكبيره ونقده ونسيئته وقيل: هو أمر ندب واستحباب وهو قول الجمهور. وقيل إنه منسوخ بقوله: {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي ائتمن أمانته}. وقوله تعالى: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} هذا نهي عن المضارة وأصله يضارر بكسر الراء الأولى ومعناه لا يضار الكاتب فيأبى أن يكتب والشاهد فيأبى أن يشهد أو يضار الكاتب فيزيد أو ينقص أو يحرف ما أملي عليه فيضر صاحب الحق أو من عليه الحق، وكذلك الشاهد وقيل: أصله يضارر بفتح الراء الأولى ومعناه أن يدعو الرجل الكاتب والشاهد وهما مشغولان فيقولان نحن على شغل مهم فاطلب غيرنا فيقول الداعي: إن الله أمركما أن تجيبا إذا دعيتما ويلح عليهما فيشغلهما عن حاجتهما فنهى عن مضارتهما، وأمر أن يطلب غيرهما {وإن تفعلوا} يعني ما نهيتم عنه من الضرار {فإنه فسوق بكم} أي معصية وخروج عن الأمر. {واتقوا الله} أي خافوا الله واحذروا فيما نهاكم عنه من المضارة وغيرها {ويعلمكم الله} يعني ما يكون إرشاداً لكم في أمر الدنيا، كما يعلمكم ما يكون إرشاداً لكم في أمر الدين {والله بكل شيء عليم} يعني أن الله تعالى عليم بجميع مصالح عباده لا يخفى عليه شيء من ذلك.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ...}. قال الفخر: تداين مفاعلة فلا (تكون) إلا من الجانبين، فلا يتناول إلا الدّين بالدّين. أو (فسخ) الدّين (بالدّين) فلا يصح حلمه على ظاهره بل المراد به إذا تعاملتم. وأجاب ابن عرفة: بأنّه يتناول الدّين (بالدّين) عن معاوضة فإن من اشترى سلعة بنقد أو نسيئة فإذا دفع الثّمن حصل له في ذمّة المشتري فله عليه الرجوع بعهدة العيب أو الاستحقاق. قال الزّمخشري: وإنما قال بدين ليعيد عليه الضمير. قال ابن عطية: ليرفع الوهم، إن المراد بتداينتم جزاء بعضكم بعضا. قال ابن عرفة: بلى أتى به ليكون نكرة في سياق الشرط فيفيد العموم. قوله تعالى: {فَٱكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ...}. الأمر بالكتب مصلحة دنيوية وهي حفظ المال، ومصلحة دينية وهي السلامة من الخصومة بين المتعاملين. قيل لابن عرفة: يخرج (الدين) الذي على الحلول؟ فقال: لا يحتاج إلى كتب وثيقة غالبا فإن له طلبه في الحال. ابن عطية: قوله "بالعدل" متعلق بقوله تعالى "وَلْيَكْتُب" لا بـ "كاتب" لئلا يلزم عليه ألاّ يكتب الوثيقة إلاّ العدل في نفسه وقد يكتبها الصبّي والعبد والمسخوط إذا (أقامو فقهها) إلاّ أنّ المنتصبين لكتبها لا يجوز للولاة أن (يولّوهم) إلا عدولا مرضيين. قال ابن عرفة: هذا تخليط لأن الأمر بالكتب ابتداء إنّما هو للعدل في نفسه وإمضاء كتب الصبّي والعبد والمسخوط إنّما هو بعد الوقوع، والآية إنّما جاءت فيمن يؤمر بكتبها وفرّق بين الأمر في كتبها عند العدل في نفسه وبين إمضائها إذا كتبها غير العدل. قوله تعالى: {فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً...}. قال ابن عطية: السّفيه الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء (منها). ابن عرفة: هذا هو السفيه عند الفقهاء. قال: ومن كان بهذه الصّفة لا يخلو من حجر أب أو وصي أو قاض. قوله تعالى: {فَلْيُمْلِلْ...}. قوله تعالى: {بِٱلْعَدْلِ...}. كان بعضهم يقول: الذي يظهر أن يكون بالعدل متعلقا بوليه ( لا بيملل) لأن إملاء الوصي إذا كان بغير العدل فالمشهور (يجرحونه) ولا يشهدون له فينبغي أن الوصي إذا أتى ليرهن على المحجور ويعمر ذمته ألاّ يشهدوا له إلا إذا تبين لهم في ذلك وجه المصلحة، وأما تعلقه بدين (وكان) أكثر الأوصياء لا يعدلون فلا يقبل إلا إملاء الوصي الدين ولذلك كان ابن الغماز يقول: جميع من رأيت من الأوصياء يتصرفون بغير الصواب إلا فلانا (أو فلانا) ويعيُّنهما. قوله تعالى: {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ...}. قال ابن عرفة: مذهبنا أن العبد لايستشهد (ابتداء) فإن شهد قبلت شهادته. والآية دالة على أنّه لا يشهد الرّجل والمرأة إلاّ عند عدم الرّجلين مع أنه إذا تعارضت بينتان إحداهما رجل وامرأتان والأخرى رجلان فإنّهما متكافئتان لكن هنا شيء وهو أنّ الأصوليين ذكروا الخلاف فيما إذا تعارض أمران في صورة أو تساويا فيها وثبت لأحدهما الرّجحان على الآخر في غيرها من الصور فهل يرجح الأرجح أم لا؟ فقولان فإن قلنا بالتّساوي فلا سؤال، وإن قلنا بتقديم الأرجح فيرد السؤال، لم جعلهما مالك متكافِئَتين ولم يقدم الأرجح قال ابن العربي: واحتجّ بهذا أبو حنيفة على أنّه لا يقضي بالشاهد واليمين. ورده ابن عرفة بوجهين: الأول: أن الآية سيقت لبيان ما يستقل به الحكم في الشهادة لا لبيان كل ما يوجب الحكم. الثاني: أن هذه حالة التحمل وهو في حالة مأمور بأن يشهد رجلين أو رجلاً وامرأتين وإنما اليمين حالة الأداء والحكم بالحق. قوله تعالى: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ...}. متعلق بـ "اسْتَشْهِدُوا". وأبطل أبو حيان تعلقه بـ "امرأتين" أو بـ "رجلين" لئلا يلزم عليه المفهوم وهو إطلاق الحكم في الفريق الآخر وهما الرّجلان مرضيان كانا أو غير (مرضيين). (وأجاب ابن عرفة: بأن قوله: "مِن رِّجَالِكُمْ" "وشَهِيدَينِ" بالإضافة، والمبالغة تفيد كونهما مرضيين). قوله تعالى: {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ...}. قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إنه تعليل للمجموع (وإرادة) أن تذكر إحداهما الآخرى إذا ضلت. قال ابن عطية: قال بعض المكيين "فَرَجُلٌ وامْرَأَتَانِ" بهمز الألف ساكنة. قال ابن جني: لا نظير لتسكين الهمزة المتحركة وإنّما خففوا الهمزة فقرب من الساكن ثم بالغوا في التخفيف فصارت الهمزة ألفا ساكنة ثم أدخلوا (الهمزة على الألف) ساكنة (ومنه) قراءة ابن كثير "وكشفت عن سَأْقَيْهَا". قال ابن عرفة: وقع تسكين (الهمزة) المتحركة (في القرآن) في ثلاثة مواضع: أحدها "وَجِئْتُكَ مِن سَبَأَ بِنَبَإٍ يَقِينٍ". قرأها أبو عمرو والبزي بفتح الهمزة. وروي عن قنبل إسكان الهمزة إجراء للوصل مجرى الوقف، قوله تعالى: "مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاّ دابَةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ". وقرأها نافع وأبو عمروا بالألف من غير همزة وابن ذكوان بهمزة ساكنة والباقون بهمزة مفتوحة. والثالث قوله عز وجلّ في سورة فاطر: "وَمَكْرُ السَّيّءِ" قرأ حمزة بسكون الهمزة إجراء للوصل مجرى الوقف والباقون بتحريكها. قلت: وموضع رابع وهو "فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ". روى فيه عن أبي عمرو الاختلاس وروي عنه الإسكان. قال ابن عطية: وقرأ حمزة "إِن تَضِلّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرُ" جعل (إن) شرطا والشرط وجوابه رفع لأنه صفة للمرأتين، وارتفع "تذكرُ" كما ارتفع قوله تعالى "وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ". هذا قول سيبويه وفي هذا نظر. قوله تعالى: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ...}. قال بن عرفة: قالوا: إن النهي تارة يكون للحاضر، وتارة يكون للغائب، فأمّا بالنسبة إلى القديم فلا فرق بينهما، وأما في المحدثات فقد يكون النهي في الغيبة أقوى وأشد منه في الحضرة، لأنك قد تنهي الشخص الحاضر عن فعل شيء بين يديك وتكون بحيث لو سمعت عنه أنه يفعله في غيبتك لا تزجره ولا تنهاه. فهذا الأمر فيه أخف من شيء تزجره على فعله في الغيبة والحضرة فإن النهي في هذا أشد. ولا يؤخذ من الآية أنّ الأمر بالشيء ليس هو نهيا عن ضده لأن "اسْتَشْهِدُوا" أمرٌ للمتعاقدين "وَلاَ يَأْبَ" نهي للشاهدين. قوله تعالى: {وَلاَ تَسْئَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ...}. السآمة (بمعنى) الكسل، وقدم الصغير خشية التهاون به والتفريط فيه كقول الزّمخشري في {أية : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا}تفسير : وقوله {أية : مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ}.تفسير : وقوله {أية : فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}.تفسير : مع أن العداوة تنفي أخذ الدية ويوجب (التعارف) بها فلذلك قدمت الدّية. والضمير في قوله "تَكْتُبُوهُ" (إما عائد على الحق أو على الدّين، أو على الكتب. ((قال بعضهم: وإن عاد الضمير على الكتاب فـ "أَوْ" للتخيير، وإن عاد على الحق أو الدين فـ "أَوْ" (للتفصيل). قوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ...}. ابن عرفة: هذا دليل على أنّ الأمر المقدم الندب لا للوجوب. والصواب أنّ المراد الإشهاد أقسط عند الله (والكتاب) أقوم للشهادة فيكون لفّا ونشرا، أي أعدل وأقرب لقيام الشهادة. و"أَقْسَطُ" قيل من الرباعي وهو شذوذ. قال الزمخشري: من قاسط على النسب أي ذو قسط، أو جار على مذهب سيبويه في بنائها من أفعل. ورده أبو حيان: بأن سيبويه لم ينص بناء أفعل التفضيل من أفعل بل قال: فعل التعجب ينبني من فعل وأفعل. قالوا: وأفعل التفضيل ينبني مما بني به فعل التعجب. قال ابن عرفة: فظاهره أنه لم يحك بناء وهي من أفعل. وقال ابن خروف: رأيت في النسخ المشرقية أنّه يبنى من فَعَلَ وفَعُلَ وأفْعَلَ زاد في النسخ الرياحية إلا أنّ بناءه من أفعل قليل. وقد نص على صحة بناء التعجب من أفعل مبني منهما. وقول ابن عطية: انظر هل يكون من قَسُط بالضم غير صحيح لأنه لم يحك فيه (أحد) قسُط. وقول الزمخشري: إنه يجوز على مذهب سيبويه صحيح على ما قاله ابن خروف، ولا يحتاج إلى جعله على طريق النّسب إلاّ لو لم يثبت فيه الرّباعي. قوله تعالى: {وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ...}. ابن عرفة: إن أريد بالرّيبة مطلق الاحتمال فيكون فيه منح الشّهادة بالمفهوم لأنه ظنّي فلا (ينتفي) فيه الاحتمال. وقد قدمنا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يشهد بها على القطع. الثاني: أنّه لا يشهد. الثالث: أنّه يشهد بها بالفهم على نحو ما تحملها. قال ابن عرفة: وإن أريد بالريبة الشك فلا يكون فيه دليل على ما قلنا. قوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً...}. قال ابن عرفة: إن أراد بالأول الدّين وبهذا الحاضر / فيكون حينئذ استثناء منقطعا وإن (أراد) بالأول مطلق المعاملة فهو متصل. فإن قلت: هل في الآية دليل لمن يقول::إنّ الاستثناء من الإثبات ليس بنفي كالاستدلال بقول الله تعالى {أية : فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ}تفسير : لقول الله تعالى {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} وإلا لما كان له فائدة. (فالجواب) أنّ الأول تناول الكتب والإشهاد، فلو لم تذكر هذه الزيادة لأدّى إلى إهمال الإشهاد والكتب. فأفادت هذه الزيادة رفع الجناح عن الكتب في الحاضر وبقاء الأمر في الإشهاد فيها من غير كتب. أبو حيان: وقيل الاستثناء متصل راجع (لقوله) "وَلا تَسْئَمُوا". وقَدّر أبو البقاء معنى الاتصال في الاستثناء لأنه أمر بالاستشهاد في كل معاملة، واستثنى منه التجارة الحاضرة. والتقدير: إلاّ في حال الحضور للتجارة. قال الصفاقسي: وفي هذا التقدير نظر. انتهى. قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ...}. هذه تضمنت الإشهاد من غير كتب فلا تناقض ((في قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} لأن تلك إنّما اقتضت رفع الجناح عن عدم الكتب و (بقي) الإشهاد مطلوبا)). قوله تعالى: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ...}. يحتمل أن يكون أصله يضارِرُ مبينا للفاعل أو يضارَرُ مبينا للمفعول. قال ابن عرفة: ويصح حمله على الأمرين معا على القول بجواز تعميم اللفظ المشترك في مفهوميه معا، كما قالوا في الجور والقرء ونحوه. قيل لابن عرفة: هذان لفظان وذلك إنما هو (في) اللّفظ الواحد كذا قال الفخر؟ فقال ابن عرفة: قد قال سيبويه في المشترك إنهما لفظان دالاّن على معنيين. ذكره في باب المستقيم والإحالة في (وجدت). وقال ابن التلمساني في شرح المعالم الفقهية في المسألة الخامسة من الباب الثالث في قوله {أية : وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ}:تفسير : إنّه يحتمل أن يكون مضافا للفاعل والمفعول معا، ثم رده بأنه إذا (عمّمنا) في الأمرين يلزم أن يكون مرفوعا ومنصوبا في حالة واحدة وذلك جمع بين النقيضين. فإن قلت: لم عبر في "شهيد" بلفظ المبالغة دون "كاتب". قلت: إنّ ذلك فيمن برّز وبلغ إلى درجة العدالة. واختلف (الناس) في جواز أخذ الأجرة على الشهادة والمعروف المنع. وبعضهم أجازها إذا كان منقطعا عن أسبابه إليها. وقيل: إن كان له من المعرفة (ما) يفتقر بها إليه في النظر في الوثيقة ليصححها فقها وكتابة باعتبار سلامتها من اللّحن المخل فيجوز له أخذ الأجرة وإلاّ فلا. وقال الحافظ أبو عمرو عثمان بن الصلاح في علوم الحديث ما نصه: من أخذ على التحديث أجرا فقال (إسحاق) بن ابراهيم وأحمد ابن حنبل وأبو حاتم الرازي في ذلك مانع من قبول روايته فلا يؤخذ منه. وترخص أبو نعيم الفضل بن (دكين) وعلي بن عبدالعزيز (المكي) وآخرون فأجازوا أخذ العوض عن التحديث وشبهوها بأخذ الأجرة على إقرائهم القرآن على أنّ في هذا من حيث العرف خرما للمروءة والظّن (السّوء) بفاعله إلاّ أنْ يقترن ذلك بما ينفيه كما كان أبو الحسن السّعودي (وأفتى به) الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أنّ أصحاب الحديث كانوا يمنعونه عن الكسب لعياله. انتهى. ذكره في النوع الثالث والعشرين (في إكمال عياض في كتاب الطب في أحاديث الرقى. أجاز الإمام مالك وأحمد بن حنبل والشافعي وأبو ثور وأبو إسحاق أخذ الأجرة على الرّقية والطب وعلى تعليم القرآن. ومنع الإمام أبو حنيفة وأصحابه الأجرة على تعليم القرآن وأجازوا الأجرة على الرقية). قال ابن عرفة: (فحاصله) أنه إن كان انقطاعه لذلك يشغله عن معاشه وكان فقيرا محتاجا لما يتعيش به ولم يكن عنده من المال ما يستغني به عن طلب المعاش فيجوز له أخذ الأجرة وإلاّ فلا. وحكى أبو العباس أحمد بن حلولو عن والده أنّ القاضي أبا محمد عبد الله اللّخمي بعث له صهره سيدي أَبَو علي بن قداح بزير لبن فشربه ثم سمع أنه من عند شاهد يأخّذ الأجرة على الشهادة، فتقيأه، ثم لما صار هو شاهدا كان يأخذ في الشهادة قدر الدينار كل يوم، وما ذلك إلا لأنّه كان يأخذ ذلك من وجهه، والشاهد الأول لم يكن يأخذ ذلك من وجهه. قوله تعالى: {وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ...}. الفسق في اللّغة مطلق الخروج عن الحدّ وفي الشّرع هو تعدّي الحدود الشرعية. قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ...}. قال ابن عرفة: هذا دليل على ثبوت اشتراط العلم في الكاتب والشاهد. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. اختلفوا في لفظ (شيء) هل يصدق على المعدوم أو لا؟ وقال الشيخ القرافي في تأليفه على الأربعين لابن الخطيب: إن ذلك الخلاف إنما هو في كونه محكوما به لا في كونه متعلق الحكم كقولك: المعدوم شيء. وأما مثل {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فهو متعلق الحكم. قال ابن عرفة: إنما الخلاف مطلقا، وما ذكروا هذا إلا في اسم الفاعل المشتق وأما في هذا فقد ذكره الآمدي في أبكار الأفكار مطلقا. ابن عرفة: والآية حجة بأنّ المعدوم ليس بشيء وهو مذهب أهل السنة.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {أن يمل} هو بسكون الهاء: قتيبة والحلواني عن قالون. الباقون بالضم على الأصل {أن تضل} بكسر الهمزة على الشرط: حمزة والمفضل. الباقون بالفتح على أنها ناصبة {فتذكر} بالتشديد والرفع: حمزة وجبلة {فتذكر} بالرفع، ومن الإذكار: أبو زيد عن المفضل {فتذكر} من الإذكار وبالنصب: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وقتيبة. الباقون {فتذكر} بالتشديد والنصب. {تجارة حاضرة} بالنصب فيهما: عاصم./ الباقون بالرفع فيهما. {فرهن} بضم الراء والهاء: ابن كثير وأبو عمرو. الباقون {فرهان}. الوقوف: {فاكتبوه} ط، للعدول. {بالعدل} ص، لعطف المتفقين {فليكتب} ج {شيئا} ط. {بالعدل} ط، {من رجالكم} ج للشرط مع فاء التعقيب {الأخرى} ط {دعوا} ط للعدول {أجله} ط {ألا تكتبوها} ط لابتداء الأمر. {تبايعتم} ص لعطف المتفقين {ولا شهيد} ط {بكم} ط {واتقوا الله} ط ه، {ويعلمكم الله} ط {عليم} ه، {مقبوضة} ط لابتداء شرط واستئناف معنى آخر {ربه} ط للعدول {الشهادة} ط {قلبه} ط {عليم} ه. التفسير: الحكم الثالث المداينة. وسبب النظم أن الحكمين المتقدمين وهما الإنفاق وترك الربا كانا سببين لنقصان المال، فأرشد الله تعالى في هذه الآية بكمال رأفته إلى كيفية حفظ المال الحلال وصونه عن التلف والبوار ورعاية وجوه الاحتياط، فإن مصالح المعاش والمعاد متوقفة على ذلك، ولهذه الدقيقة بالغ في الوصاية وأطنب. عن ابن عباس أن المراد به السلم وقال: لما حرم الربا أباح السلم وأنزل فيه أطول آية. ولهذا قال بعض العلماء: لا لذة ولا منفعة يتوصل إليها بالطريق الحرام إلا وجعل الله سبحانه وتعالى لتحصيل مثلها طريقاً حلالاً وسبيلاً مشروعاً. والتداين تفاعل من الدين. يقال: داينت الرجل إذا عاملته بدين معطياً أو آخذاً. والمراد إذا تعاملتم بما فيه دين. وذلك أن البياعات على أربعة أوجه: أحدها بيع العين بالعين وذلك ليس بمداينة البتة. والثاني بيع الدين بالدين وهو باطل فيبقى ههنا بيعان: بيع العين بالدين وهو ما إذا باع شيئاً بثمن مؤجل، وبيع الدين بالعين وهو المسمى بالسلم وكلاهم داخلان تحت الآية. وأما القرض فلا يدخل فيه وإنه غير الدين لغة فإن الدين يجوز فيه الأجل، والقرض لا يجوز فيه الأجل. والفائدة في قوله: {بدين} تخليصه من التداين بمعنى المجازاة، أو التأكيد مثل {أية : ولا طائر يطير بجناحيه} تفسير : [الأنعام: 38] أو ليشمل أي دين كان صغيراً أو كبيراً سلماً أو غيره. وفي الكشاف: فائدته رجوع الضمير إليه في قوله:{فاكتبوه} إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن. ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال فإنه كالمطابقة، ودلالة تداينتم على ذلك كالتضمن. وقيل: ليكون المعنى تدايناً يحصل فيه دين واحد فيخرج بيع الدين بالدين. وإنما لم يقل كلما تداينتم ليكون نصاً في العموم لأن الكلية تفهم من بيان العلة في قوله: {ذلكم أقسط عند الله} فإن العلة قائمة في الكل فيكون الحكم حاصلاً في الكل، أو نقول: العلة هي التداين والعلة لا ينفك عنها معلوها فتكون القضية كلية كما في قوله: {أية : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} تفسير : [المائدة: 6] والأجل مدة الشيء ومنه أجل الإنسان لمدة عمره./ وفائدة قوله {مسمى} أن يعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوماً كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام. وأنه لو قال إلى الحصاد أو إلى قدوم الحاج لم يجز لعدم التسمية. ثم إنه تعالى أمر في المداينة بشيئين: الكتبة والاستشهاد ليكون كلا المتداينين أوثق وآمن من النسيان والتفاوت والتخالف في مقدار الدين وفي انقضاء الأجل وفي سائر ما تشارطا عليه. وهذا الأمر قيل للوجوب وهو مذهب عطاء وابن جريج والنخعي، وجمهور المجتهدين على أنه للندب لإجماع المسلمين قديماً وحديثاً على البيع بالأثمان المؤجلة من غير كتبة ولا إشهاد، ولأن في إيجابهما حرجاً وتضييقاً. وقيل: كانا واجبين فنسخا بقوله: {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته} وهذا مذهب الحسن والشعبي والحكم بن عتيبة. أما المخاطب بقوله: {فاكتبوه} فليس كل أحد لوجود أميين كثيرين في الدنيا، بل من له استئهال لكتبه ولهذا قال: {وليكتب بينكم كاتب} وليس ذلك أيضاً على الإطلاق ولكنه يجب أن يكون الكاتب متصفاً بالعدل فيكتب بحيث لا يزيد في الدين ولا ينقص عنه ولا يخص أحدهما بالاحتياط دون الآخر، ويحترز عن الألفاظ المجملة التي يقع النزاع في المراد منها. وهذا بالحقيقة أمر للمتداينين بتخير الكاتب وأن لا يستكتبوا إلا فقيهاً أديباً ديناً. قال بعض الفقهاء: العدل أن يكون ما يكتبه متفقاً عليه بين المجتهدين ولا يكون بحيث يجد قاض من قضاة المسلمين سبيلاً إلى إبطاله {ولا يأب كاتب} ولا يمتنع أحد من الكتاب وهو معنى التنكير في كاتب {أن يكتب} وقوله {كما علمه الله} إما أن يكون متعلقاً بما قبله فالتقدير: ولا يأب كاتب أن يكتب مثل ما علمه الله تعالى فيقع قوله بعد ذلك {فليكتب} تأكيداً للأول أي فليكتب تلك الكتابة التي علمه الله تعالى إياها أو بما بعده فيكون الأول نهياً عن الامتناع مطلقاً، والثاني أمراً بالكتابة المقيدة والمطلق لا دلالة له على المقيد، فلا يكون الثاني تأكيداً للأول وإنما يكون بياناً له. ثم النهي عن الامتناع عن الكتابة لكل كاتب إنما هو على سبيل الإرشاد والأولى تحصيلاً لحاجة المسلم وشكراً لما علمه الله من كتابة الوثائق فهو كقوله: {أية : وأحسن كما أحسن الله إليك} تفسير : [القصص: 77] وقيل: إنه على سبيل الإيجاب ولكنه نسخ بقوله {ولا يضار كاتب ولا شهيد}. وعن الشعبي أنه فرض كفاية فإن لم يجد إلا كاتباً واحداً وجبت الكتابة عليه، وإن وجد أشخاصاً فالواجب كتابة أحدهم. وقيل: متعلق الإيجاب هو أن يكتب كما علمه الله يعني أنه بتقدير أن يكتب، فالواجب أن يكتب كما علمه الله وأن لا يخل بشرط من الشروط كيلا يضيع مال المسلم بإهماله. واعلم أن الكتابة بعد حصول الكاتب العارف بشروط الصكوك والسجلات لا تتم إلا بإملاء من عليه الحق ليدخل في جملة إملائه اعترافه بمقدار الحق وصفته وأجله إلى غير ذلك، فلهذا قال سبحانه {وليملل الذي عليه الحق} والإملال والإملاء لغتان: قال الفراء: أمللت عليه الكتاب لغة/ الحجاز وبني أسد، وأمليت لغة بني تميم وقيس، وقد نطق القرآن بهما. قال: {أية : فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} تفسير : [الفرقان: 5]. {وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً} أمر أن لهذا المملي الذي عليه الحق بأن يقر بتمام المال الذي عليه ولا ينقص منه شيئاً. والبخس النقص {فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً} محجوراً عليه لتبذيره وجهله بالتصرف وضعف عقله {أو ضعيفاً} صبياً أو شيخاً مختلاً {أو لا يستطيع أن يمل هو} أو غير مستطيع للإملاء بنفسه لعيّ به أو خرس {فليملل وليه بالعدل} والمراد بولي الذي عليه الحق الذي يلي أمره ويقوم بمصالحه من وصي إن كان سفيهاً أو صبياً، أو وكيل إن كان غير مستطيع، أو ترجمان يمل عنه وهو يصدقه. وفائدة توكيد المتصل بالمنفصل في قوله: {أن يمل هو} أنه غير مستطيع بنفسه ولكن بغيره وهو الذي يترجم عنه. وعن ابن عباس ومقاتل والربيع أن الضمير في {وليه} عائد إلى الدين أي الذي له الدين ليمل. قيل: وفيه بعد لأن قول المدعي كيف يقبل؟ ولو كان قوله معتبراً فأي حاجة إلى الكتابة والإشهاد؟ ثم المقصود من الكتابة هو الاستشهاد ليتمكن بالشهود من التوصل إلى تحصيل الحق إن جحد فلهذا قال تعالى: {واستشهدوا} أي أشهدوا. والإشهاد والاستشهاد بمعنى، لأن معنى استشهدته سألته أن يشهد شهيدين أي شاهدين "فعيل" بمعنى "فاعل". وإطلاق الشهيد على من سيكون شهيداً تنزيل لما يشارف منزلة الكائن. ومعنى قوله {من رجالكم} أي من رجال أهل ملتكم وهم المسلمون. وقيل يعني الأحرار، وقيل من رجالكم الذين تعدّونهم للشهادة من أهل العدالة {فإن لم يكونا} أي الشهيدان رجلين {فرجل وامرأتان} أي فليكن أو فليشهد أو فالشاهد رجل وامرأتان أو فرجل وامرأتان يشهدون جميع هذه التقديرات جائز حسن ذكره علي بن عيسى {ممن ترضون من الشهداء} وفيه دليل على أنه ليس كل أحد صالحاً للشهادة. والفقهاء قالوا شرائط قبول الشهادة أن يكون حراً بالغاً عاقلاً مسلماً عدلاً عالماً بما يشهد به لا يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه ولا يدفع مضرة عنها، ولا يكون معروفاً بكثرة الغلط ولا بترك المروءة ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة. وعن علي عليه السلام: ولا يجوز شهادة العبد في شيء وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، وذلك لأنه تعالى قال {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} والإجماع منعقد على أن العبد لا يجب عليه الذهاب بل يحرم عليه ذلك إذا لم يأذن له السيد، فيعلم منه أن العبد لا يجوز أن يكون شاهداً. وعند شريح وابن سيرين وأحمد: تجوز شهادة العبد قالوا: لأن العقل والعدالة والدين لا يختلف بالحرية والرق. وعند أبي حنيفة يجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض على اختلاف الملل {ان تضل} أن لا تهتدي إحداهما للشهادة بأن/ تنساها لغلبة البرد والرطوبة على أمزجتهن أو إحدى النفسين، فإن الإنسان لا يخلو من النسيان {فتذكر إحداهما الأخرى} وانتصابه على أنه مفعول له أي إرادة أن تضل. قال في الكشاف: فإن قلت: كيف يكون ضلالها مراداً لله؟ قلت: لما كان الضلال سبباً للإذكار والإذكار مسبباً عنه وهم ينزلون كل واحد من السبب والمسبب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما، كانت إرادة الضلال المسبب عنه الإذكار إرادة للإذكار، فكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت ونظيره قولهم "أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، وأعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه". وفي التفسير الكبير أن ههنا غرضين: أحدهما حصول الإشهاد وذلك لا يتأتى إلا بتذكير إحدى المرأتين. والثاني بيان تفضيل الرجل على المرأة حتى يبين أن إقامة المرأتين مقام الرجل الواحد هو العدل في القضية وذلك لا يتأتّى إلا بضلال إحدى المرأتين، فلهذا صار كل من الغرضين صحيحاً ولا محذور. ومن قرأ بكسر "إن" على الشرط والجزاء فلا إشكال. وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال {فتذكر إحداهما} معناه فتجعل إحداهما الأخرى ذكراً يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر ولا يخفى ما فيه من التعسف. واعلم أن الشهادة خبر قاطع ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : على مثل الشمس فاشهد أو فدع "تفسير : وقد يقام الظن المؤكد فيه مقام اليقين ضرورة. وقول الشاهد الواحد لا يكفي للحكم به إلا في هلال رمضان كما مر، ولا يحتاج إلى أزيد من اثنين إلا في الزنا لقوله تعالى: {أية : ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} تفسير : [النور: 4] وقال: {أية : فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} تفسير : [النساء: 15] ولا يعتبر فيه شهادة النساء. عن الزهري أنه قال مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود وغير هلال رمضان والزنا إما عقوبة أو غيرها. فإن كان عقوبة فلا يثبت إلا برجلين لما مر من حديث الزهري يستوي فيه حق الله تعالى كحد الشرب وقطع الطريق، وحق العباد كالقصاص والقذف، وأما غير العقوبات فما ليس بمالي. ولا يقصد به المال إن كان مما يطلع عليه الرجال غالباً كالنكاح والرجعة والطلاق والعتاق والإسلام والردة والبلوغ والولاء وانقضاء العدة وجرح الشهود وتعديلهم والعفو عن القصاص، فكل ذلك لا يثبت إلا برجلين أيضاً. وإن كان ممن يختص بمعرفته النساء غالباً فتقبل فيه شهادتهن على انفرادهن لما روي عن الزهري أنه قال: مضت السنة أن تجوز شهادة النساء في كل شيء لا يليه غيرهن وذلك كالولادة والبكارة والثيابة والرتق والقرن والحيض والرضاع وعيب المرأة من برص وغيره تحت الإزار، ولا يثبت شيء من ذلك بأقل من أربع نسوة تنزيلاً لاثنتين منهن منزلة رجل. وما يثبت بهن يثبت برجل وامرأتين وبرجلين بالطريق الأولى. وأما ما هو مال أو يقصد به المال كالأعيان/ والديون والعقود المالية من البيع والإقالة والرد بالعيب والإجارة والوصية بالمال والحوالة والضمان والصلح والقرض، فيثبت بشهادة رجل وامرأتين ثبوتها بشهادة رجلين ونص القرآن منزل على هذا القسم والذي قبله. وجوز الشافعي القضاء بالشاهد واليمين لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين وأنكره أبو حنيفة {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} "ما" زائدة مبهمة أي إذا دعوا فقيل: أي إلى أداء الشهادة عند احتياج صاحب الحق إليها. وقيل: إلى تحمل الشهادة وهو قول قتادة واختاره القفال قال: كما أمر الكاتب أن لا يأبى الكتابة، أمر الشاهد أن لا يأبى تحمل الشهادة وقيل: أمر بالتحمل إذا لم يوجد غيره. وحمله الزجاج على مجموع الأمرين: التحمل أولاً والأداء ثانياً. والقول الأول أصح لأنه أطلق عليهم لفظ الشهداء. والأصل في الإطلاق الحقيقة وتسميتهم قبل التحمل شهداء مجاز لا يعدل إليه إلا لضرورة. وأيضاً التحمل غير واجب على الكل بخلاف الأداء بعد التحمل. وأيضاً الأمر بالإشهاد يتضمن الأمر بتحمل الشهادة، فكان صرف قوله {ولا يأب الشهداء} إلى الأمر بالأداء أولى ليفيد فائدة جديدة وهي أن الشاهد إن كان متعيناً وجب عليه أداء الشهادة، وإن كان فيهم كثرة كان الأداء فرضاً على الكفاية. {ولا تسأموا} لا تضجروا ولا تملوا أن تكتبوه أي الدين أو الحق لتقدم ذكرهما على أي حال كان الحق صغيراً أو كبيراً مما جرت العادة بكتبته لا كالحبة والقيراط، فإن القليل من المال ربما أفضى إلى نزاع كثير. وإنما نهى عن السآمة لأنها من الكسل والكسل صفة المنافق. وأيضا من كثرت مدايناته فاحتاج أن يكتب لكل دين صغير أو كبير كتاباً فربما مل كثرة الكتب فاقتضى المقام ترغيبه وإلهابه. ويجوز أن يكون الضمير للكتاب، وأن تكتبوه مختصراً أو مشبعاً، ولا يخلوا بكتابته إلى أجله إلى وقته الذي اتفقا على تسميته {ذلكم} الكتب أو ذلكم الذي أمرتكم به من الكتب والإشهاد {أقسط} أعدل {عند الله وأقوم للشهادة} أعون على إقامة الشهادة وهما إما من أقسط وأقام فيكون محمولاً على قولهم "أفلس من ابن المذلق" وإما من قويم وقاسط بمعنى ذو قسط على طريقة النسب وإلا فالقاسط الجائر. ولا يصح ذلك المعنى ههنا يقال: قسط إذا جار، وأقسط أي عدل {وأدنى ألا ترتابوا} أقرب من انتفاء الريب. رتب الله تعالى على الكتبة والإشهاد ثلاث فوائد: الأولى: تتعلق بالدين لأنه إذا كان مكتوباً كان إلى اليقين أقرب وعن الجهل أبعد فيكون أعدل عند الله. والثانية تتعلق بالدنيا وهو كونه أبلغ في الاستقامة التي هي ضد الاعوجاج وأعون للحفظ والذكر. والثالثة أنه يدفع الضرر عن نفسه بأن لا يضل في أمره ولا يتردد، وعن غيره بأن لا/ ينسبه إلى الكذب والخيانة فلا يقع في الغيبة والجهالة. فما أحسن هذه الفوائد وما أدخلها في الضبط والترتيب {إلا أن تكون تجارة حاضرة} قيل: هو راجع إلى قوله {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} إن البيع بالدين قد يكون إلى أجل قريب وقد يكون إلى أجل بعيد، فاستثنى عن المداينة ما يكون أجله قريباً. ويحتمل أن يكون استثناء من قوله: {ولا تسأموا أن تكتبوه} وقد يقال: إنه استثناء منقطع والتقدير: لكنه إذا كانت التجارة حاضرة فليس عليكم جناح. فيكون كلاماً مستأنفاً على سبيل الإضراب عن الأول. والتجارة تصرف في المال لطلب الربح. فسواء كانت المبايعة بدين أو بعين فالتجارة حاضرة. فإذاً المراد بالتجارة ههنا ما يتجر فيه من الأبدال. ومعنى إدارتها بينهم تعاطيهم إياها يداً بيد. والمعنى إلا أن تتبايعوا بيعاً ناجزاً يداً بيد. ومن قرأ {تجارة} بالرفع فعلى "كان" التامة أو الناقصة والخبر {تديرونها} ومن قرأ بالنصب فالتقدير إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كبيت الكتاب. شعر : بني أسد هل تعلمون بلاءنا إذا كان يوماً ذا كواكب أشنعا تفسير : أي إذا كان اليوم يوماً. واليوم الأشنع هو الذي ارتفع شره وعلا. وذو كواكب أي شديد. ويقال في التهديد: لأرينك الكواكب ظهراً. وقال الزجاج: تقديره إلا أن تكون المداينة تجارة أي يكون ديناً قريب الأجل. {فليس عليكم جناح ألا تكتبوها} ومعنى رفع الجناح عدم الضرر لا عدم الإثم إلا لزم أن تكون الكتابة المذكورة أولاً واجبة، وقد أثبتنا خلاف ذلك. وإنما رخص تعالى في هذا النوع من التجارة لكثرة جريانها فيما بين الناس. فتكليفهم الكتابة والإشهاد في كل لحظة حرج عليهم مع أن خوف التجاحد في مثله قليل. {وأشهدوا إذا تبايعتم} هذا التبايع كأنه لما رفع عنهم الكتابة في التجارة الحاضرة، كرر الأمر بالإشهاد ليعلم أن حكمه باق فيها لأن الإشهاد بلا كتابة تخفُّ مؤنته. ويحتمل أن يكون أمراً بالإشهاد مطلقاً ناجزاً كان التبايع أو كالئاً لأنه أحوط. عن الحسن: إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد. وعن الضحاك: هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل. {ولا يضار كاتب ولا شهيد} يحتمل أن يكون مبنياً للفاعل فيكون أصله لا يضارر بكسر الراء وبه قرأ عمر وعليه أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة ومعناه: نهى الكاتب أن يزيد أو ينقص والشاهدين أن يحرفا أو يتركا الإجابة إلى ما يطلب منهما ولهذا قال: {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} فإن التحريف في الكتابة والشهادة فسق وإثم. وعن ابن مسعود وعطاء ومجاهد أن التقدير لا يضارر بفتح الراء وبه قرأ ابن عباس، وأنه نهي للمتداينين عن الضرار بالكاتب والشهيد كأن يعجلا عن مهم ويلزا، أولا يعطى الكاتب حقه من الجعل، أو يحمل الشهيد/ مؤنة مجيئة من بلد. {وإن تفعلوا} ما نهيتكم عنه من الضرار أو كل ما نهيتكم عنه من فعل معصية أو ترك طاعة ليكون عاماً {فإنه} فإن الضرار أو ارتكاب المنهي {فسوق بكم} خروج عن أمر الله وطاعته. ومعنى {بكم} أي ملتصق بكم. {واتقوا الله} في أوامره ونواهيه {ويعلمكم الله} ما فيه صلاح الدارين {والله بكل شيء} من مصالح عباد {عليم}. واعلم أنه سبحانه جعل البياعات في هذا المقام على ثلاثة أقسام: بيع بكتاب وشهود، وبيع برهان مقبوضة، وبيع بالأمانة. ولما بين القسم الأول شرع في الثاني وقال {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة} واتفق الفقهاء على أن الارتهان لا يختص بالسفر ولا بحالة عدم وجدان الكاتب، كيف وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رهن درعه في غير سفر، ولكنه وردت الآية على الغالب، فإن الغالب أن لا يوجد الكاتب في السفر ولا يوجد أدوات الكتابة ولهذا قال ابن عباس: أرأيت إن وجدت الكاتب ولم تجد الصحيفة والدواة وقرأ {ولم تجدوا كاتباً} ونظيره قوله {أية : فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم} تفسير : [النساء: 101] وليس الخوف من شرط جواز القصر. وكان مجاهد والضحاك يذهبان إلى أن الرهن لا يجوز في غير السفر أخذاً بظاهر الآية، ولا يعمل بقولهما اليوم. وأصل الرهن من الدوام. رهن الشيء إذا دام وثبت. ونعمة راهنة أي دائمة ثابتة والرهن مصدر جعل اسماً وزال عنه عمل الفعل. فإذا قلت رهنت عنده رهناً لم يكن انتصابه انتصاب المصدر ولكن انتصاب المفعول به كما تقول: رهنت ثوباً. ولهذا جمع الأسماء. وله جمعان: رهن بضمتين كسقف في سقف، ورهان مثل كباش في كبش. وقيل: إن أحدهما جمع الآخر. وفي الكلام حذف تقديره فرهن مقبوضة بدل من الشاهدين، أو فعليه رهن، أو فالوثيقة، أو الذي يستوثق به رهن. ويعلم من قوله: {مقبوضة} أن الرهن لا بد في لزومه من القبض، والمراد باللزوم أن لا يكون للراهن الرجوع عن الرهن ولا للمرتهن عن الارتهان. وقبض المرهون المشاع إنما يحصل بقبض الكل وقبل القبض يصح الرهن ولكن لا يلزم. وأما صورة القبض فقبض العقار إنما يحصل بتخلية الراهن أو وكيله بينه وبين المرتهن أو وكيله وتمكينه منه بتسليم المفتاح فيما له مفتاح. وقبض المنقول يحصل بالنقل من موضعه إلى موضع لا يختص بالراهن كالشارع والمسجد وملك المرتهن، وإن كان المنقول مقدراً فلا بد من التقدير أيضاً بوزن أو كيل أو ذرع. ولو نقل من بيت من دار الراهن إلى بيت آخر بإذنه، أو وضعه الراهن بين يدي المرتهن إذا امتنع من قبضه، حصل القبض. ثم إنه تعالى ذكر بيع الأمانة فقال {فإن أمن بعضكم بعضاً} فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به وثقته بأنه لا يجحد الحق ولا ينكره {فليؤد الذي اؤتمن أمانته} فليكن المديون عند ظن الدائن به. وسمى/ الدين أمانة وإن كان مضموناً لائتمانه عليه بترك الارتهان منه والحاصل أنه مجاز مستعار. وذلك أنه لما اشترك هذا الدين مع الأمانة الشرعية في وصف وجود الأمانة اللغوية أطلق أحدهما على الآخر. والائتمان افتعال من الأمن {وليتق الله ربه} حتى لا يدور في خلده جحود واختيان. وفي الآية قول آخر وهو أنها خطاب للمرتهن بأن يؤدي الرهن عند استيفاء المال فإنها أمانة في يده. والصحيح هو الأول. ومن الناس من قال: هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على وجوب الكتبة والإشهاد وأخذ الرهن. والحق أن تلك الأوامر محمولة على الإرشاد رعاية وجوه الاحتياط، وهذه الآية محمولة على الرخصة. وعن ابن عباس أنه قال: في آية المداينة نسخ. ثم قال: {لا تكتموا الشهادة} وفيه وجوه: الأول عن القفال: أنه تعالى لما أباح ترك الكتبة والإشهاد والرهن عند اعتقاد كون المديون أميناً، ثم كان من الجائز أن يكون هذا الظن خطأ وأن يخرج المديون جاحداً للحق، وكان من الممكن أن يكون بعض الناس مطلعاً على أحوالهم، ندب الله ذلك الإنسان أن يشهد لصاحب الحق بحقه، سواء عرف صاحب الحق تلك الشهادة أم لا، وشدد فيه بأن جعله إثم القلب لو تركه. وعلى هذا يمكن أن يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد "تفسير : وقيل: المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك الواقعة. وقيل: المراد بالكتمان الامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها، فإن في ذلك إبطال حق المسلم، وحرمه مال المسلم كحرمة دمه، فلهذا بالغ في الوعيد وقال {ومن يكتمها فإنه اثم قلبه} والآثم الفاجر، والآثم مرتفع بأن و{قلبه} فاعله. ويجوز أن يكون {قلبه} مبتدأ و{آثم} خبره مقدماً عليه، والجملة خبر "إن". وفائدة ذكر القلب والشخص بجملته آثم لا قلبه وحده، هو أن أفعال الجوارح تابعة لأفعال القلوب ومتولدة مما يحدث في القلب من الدواعي والصوارف، وإسناد الفعل إلى القلب الذي هو محل الاقتراف ومعدن الاكتساب أبلغ كما يقال عند التوكيد: هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب "تفسير : . وزعم كثير من المتكلمين أن الفاعل والعارف والمأمور والمنهي/ هو القلب، {والله بما تعملون عليم} فيه تحذير للكاتم وتهديد له. عن ابن عباس: "حديث : أكبر الكبائر الإشراك بالله لقوله تعالى: {فقد حرم الله عليه الجنة} وشهادة الزور وكتمان الشهادة ".تفسير : التأويل: إنه تعالى كما أمر العباد أن يكتبوا كتاب المبايعة فيما بينهم ويستشهدوا عليه العدول، فقد كتب كتاب مبايعة جرت بينه وبين عباده في الميثاق {أية : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}تفسير : [التوبة: 111] إلى قوله: {أية : واستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به} تفسير : [التوبة: 111] وأشهد الملائكة الكرام {أية : وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين} تفسير : [الانفطار: 10، 11] وإنه تعالى كما أمركم أن لا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً أمرالملائكة أن يكتبوا معاملاتكم الصغيرة والكبيرة، ثم عند خروجكم من الدنيا يجعلون ذلك في أعناقكم {أية : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} تفسير : [الإسراء: 13] ثم نودي من سرادقات الجلال: يا قوي الظلم ضعيف الحال {أية : اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} تفسير : [الإسراء: 14] ثم إن الكتاب يكتبون عليه في صباحه ومسائه، وما يكتبون إلا من إملائه وإنه بالقليل والكثير مما يملي يخاطب، وبالنقير وبالقطمير على ما يميل عن الحق يعاتب، فليحاسب نفسه قبل أن يحاسب، فعليه أن يملي الحق للحق. فإن كان الذي عليه حق للحق سفيهاً جاهلاً بإملاء الحق للحق لاشتغاله بالباطل، أو ضعيفاً عاجراً مغلوباً بغلبات نفسه، أو لا يستطيع أن يمل هو لكونه ممنوعاً بالعواتق والعلائق لا قدرة له على إملاء ما ينفعه ولا يضره، ولا قوة له في إنهاء ما لا يحزنه ويسره، {فليملل وليه بالعدل} فإن لكل قوم ولياً يخرجهم من الأحزان إلى السرور، ومن الأسجان إلى القصور، ومن الأشجان إلى الحبور، ومن العجز والفتور إلى القوة والحضور. {أية : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} تفسير : [البقرة: 257] و{استشهدوا شهيدين} استصحبوا من أرباب القلوب اثنين من رجالكم الذين هم بالنسبة إليكم رجال وأنتم نساء {فإن لم يكونا رجلين} أرباب القلوب {فرجل} منهم {وامرأتان} أي رجلان من أهل الصلاح ليكونا بمثابة رجل من أهل الولاية في فائدة الصحبة {ممن ترضون من الشهداء} ممن يصلح أن يكون من شهداء الله كما قال: " حديث : أنتم شهداء الله في أرضه " تفسير : {أن تضل إحداهما} عن جادة الاستقامة في بادية النفس المملوءة من شياطين الهوى {فتذكر إحداهما الأخرى} فالرفيق ثم الطريق. واعلم أن أهل الدين طائفتان: الواقفون والسائرون. والمراد بالواقف من وقف في عالم الصورة ولم يفتح له باب إلى عالم المعنى كالفرخ المحبوس في قشر البيضة فيكون شربه من عالم المعاملات البدنية ولا سبيل له إلى عالم القلب ومعاملاته فهو محبوس في سجن الجسد وعليه موكلان من الكرام يكتبان عليه من أعماله الظاهرة بالنقير والقطمير {أية : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} تفسير : [ق: 18] وأما السائر فلا يقف في محل ولا ينزل في منزل يسافر من عالم الصورة إلى عالم المعنى، ومن مضيق الأجساد إلى متسع الأرواح وهم صنفان: سيار وطيار. فالسيار من يسير بقدمي الشرع والعقل على جادة الطريقة، الطيار من يطير بجناحي العشق والهمة في فضاء الحقيقة وفي رجله جلجلة الشريعة. فالإشارة في قوله: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً} إلى السيار الذي تخلص من سجن الجسد وقيد الحواس وزحمة التوكيل، فلم يوجد له كاتب يكتب عليه كما قال بعضهم: ما كتب عليّ صاحب الشمال منذ عشرين سنة، وقال بعضهم: كاشف لي صاحب اليمين وقال لي: أمل علي شيئاً من معاملات قلبك لأكتبه فإني أريد أن أتقرب به إلى الله. قال: فقلت له: حسبك الفرائض. فالحبس والقيد والتوكيل لمن لم يؤد حق صاحب الحق أو يكون هارباً منه. فأما الذي آناء الليل وأطراف النهار يغدو ويروح في طلب غريمه وما يبرح في حريمه فلا يحتاج إلى التوكيل والتقييد، فالذي هو موكل على الهارب يكون وكيلاً وحفيظ للطالب {أية : له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} تفسير : [الرعد: 11] وللسائرين رهان مقبوضة عند الله، رهان وأية رهان، قلوب ليس فيها غير الله قبض، وأي قبض؟ مقبوضة بين أصبعين من أصابع الرحمن. أما الطيار الذي هو عاشق مفقود القلب، مغلوب العقل، مجذوب السر، فلا يطالب بالرهن فإنه مبطوش ببطشه الشديد. شعر : مستهام ضاق مذهبه في هوى من عز مطلبه كل أمر في الهوى عجب وخلاصي منه أعجبه تفسير : وإنما يحتاج إلى الرهن المتهم بالخيانة لا المتعين للأمانة، فلم يوجد في السموات والأرض ولا في الدنيا والآخرة أمين يؤتمن لتحمل أعباء أمانته إلا العاشق المسكين. لما نظر إليها كان فراش تلك الشمعة عشقها فطار فيها وأتى بحملها، فلما حملها واستحسن منه ما تفرد به من أصحابه جاءت له من الحضرة ألقاب فنسب في البداية إلى الإفساد وسفك الدماء {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}تفسير : [البقرة: 30] ولقب في النهاية بالظلم والجهل {أية : إنه كان ظلوماً جهولاً}تفسير : [الأحزاب: 72] هذا أمر عجيب ونقش غريب، من لم يطع في حمل الأمانة وأتى نسب إلى المكانة والطاعة والأمانة مكين مطاع ثم أمين. ومن/ أطاع في حمل الأمانة وأتى نسب إلى الظلم والجهل والفساد والخيانة، نعم إنما يكون ذلك لوجهين: أحدهما أن الذلة والمسكنة وقعت في قسم العاشق كما أن العزة والعظمة وقعت في طرف المعشوق بل جمال عزة المعشوق، لا يظهر إلا في مرآه ذلة العاشق. وثانيهما أن من له كمال عزة الأمانة يلزم كمال ذلة المؤتمن في الظاهر بصلاح كتمان أمر الأمانة. وقد يختص غير المؤتمن بحسن الثناء عليه ليكون عزته في الظاهر وذلته في الحقيقة يدلك على حقيقة حفظ السر خطاب، {أية : اسجدوا لآدم} تفسير : [البقرة: 34] وعتاب {أية : إني أعلم ما لا تعلمون} تفسير : [البقرة: 30] {فإن أمن بعضكم بعضاً} كما اخترتك من بين الخليقة واصطفيتك على البرية بحمل الأمانة {فليؤد الذي اؤتمن أمانته} ولا تكتموا الشهادة، أشهدتكم على أنفسكم يوم الميثاق بإقرار قبول الأمانة فقلتم: بلى شهدنا. فاليوم أطالبكم بأداء حقها فأدوها لي ملفوفة بلفاف التقوى "الإيمان عريان ولباسه التقوى" وكتمان الشهادة أن يكون شهودك مع غير شواهد ربك، وهذا من نتائج خيانة قلبك في أمانة ربك، فلا يشاهد قلبك إلا شواهد ربك، ولا يؤدي سرك حقيقة أمانة ربك إلا إلى ربك بربك لربك.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ...} الآية. قال ابن عبَّاس: هذه الآية نزلَتْ في السَّلَمِ خاصَّة، قال: * ع *: معناه أنَّ سَلَمَ أهْلِ المدينة كانَ سَبَبَ الآيةِ، ثم هِيَ تتناوَلُ جميعَ المدايَنَات؛ إجماعاً، ووصفُهُ الأَجَلَ بـــ {مُّسَمًّى } - دليلٌ علَىٰ أنَّ الجهالة لا تجوزُ، وقال جمهورُ العلماء: الأمر بالكَتب ندْبٌ إِلى حفظ الأموال، وإِزالة الرّيب، وإِذا كان الغريمُ تقيًّا، فما يضرُّه الكَتْب، وإِن كان غير ذلك، فالكتب ثقافٌ في دَيْنِهِ وحَاجَة صاحبِ الحقِّ، قال بعضهم: إِن أشهدتَّ، فحَزْمٌ، وإِن ٱئتمنْتَ، ففي حِلٍّ وَسَعةٍ. * ع *: وهذا هو القول الصحيحُ، ثم علم تعالَىٰ أنه سيقع الاِئتمانُ، فقال: إِن وقع ذلك، {أية : فَلْيُؤَدِّ... }تفسير : [البقرة:283] الآية، فهذه وصيَّة للذِينَ علَيْهم الدُّيون. واختلف في قوله تعالى: {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ }. فقال عطاءٌ، والشَّعْبِيُّ: واجبٌ على الكاتِبِ أنْ يكْتُبَ، إِذا لم يوجَدْ سواه، وقال السُّدِّيُّ: هو واجبٌ مع الفَرَاغ. وقوله: {بِٱلْعَدْلِ }: معناه: بالحَقِّ، ثم نهى اللَّه سبحانه الكُتَّابَ عن الإباءَة، وحكى المَهْدَوِيُّ عن الرَّبِيعِ، والضَّحَّاك؛ أنَّ قوله تعالى: {وَلاَ يَأْبَ } منسوخٌ بقوله: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ }، قال * ع *: أما إذا أمكن الكتاب، فلَيْسَ يجبُ الكَتْب علَىٰ معيَّن، بل له الاِمتناع، إِلا إِذا ٱستأجره، وأمَّا إِذا عدم الكاتبُ، فيتوجَّه وجوبُ النَّدْب حينئِذٍ على الكَاتِبِ. وقوله تعالى: {وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ...} الاية: أَمَرَ اللَّه تعالى الَّذي علَيْه الحقُّ بالإِملال؛ لأنَّ الشهادة، إِنما تكونُ بحَسَب إِقراره، وإِذا كتبت الوثيقةُ، وأقر بها، فهي كإمْلاله، والبَخْسُ: النقْصُ بنوعٍ من المخادَعَة، والمُدَافعة، وهؤلاءِ الذين أُمِرُوا بالإِملال هم المالكُون لأنفسهم، إِذا حَضَرُوا. ثم ذكر تعالى ثلاثةَ أنواعٍ تقَعُ نوازلُهُمْ في كلِّ زمانٍ، فقال: «فَإن كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحقُّ سَفِيهاً»، والسفيهُ: الهَلْهَل الرأي في المالِ، الذي لا يحسنُ الأخذ لنَفْسِهِ ولا الإِعطاء منْها؛ مشبَّه بالثوْبِ السَّفِيهِ، وهو الخفيفُ النَّسْجِ، والسَّفَهُ: الخِفَّة، وهذه الصفة في الشريعةِ لا تخلُو من حجر أبٍ، أو وصيٍّ وذلك هو وليُّه، ثم قال: {أَوْ ضَعِيفًا }، والضعيفُ: هو المدخُولُ في عَقْلِهِ، وهذا أيضاً قد يكونُ وليُّه أَباً أو وصيًّا، والذي لا يستطيعُ أن يُمِلَّ هو الصغيرُ، ووليُّه وصيُّه أو أبوه، والغائبُ عن موضعِ الإشهاد لمرضٍ أو لغيرِ ذلك مِنَ الأعذار، ووليُّه وكيلُهُ، وأمَّا الأخْرَسُ، فيسوغُ أنْ يكون من الضعفاء، والأوْلَىٰ أنه ممَّن لا يستطيعُ. وقوله: {بِٱلْعَدْلِ }: معناه: بالحَقِّ، وقَصْدِ الصواب. وقوله تعالى: {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ...} الآية: الاستشهادُ: طلبُ الشهادةِ، وعبَّر ببناءِ مبالغة في «شَهِيدَيْنِ»؛ دلالةً على مَنْ قد شهد، وتكرَّر ذلك منه؛ فكأنه إِشارة إِلى العدالة، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»: والصحيحُ أنَّ الأمر بالاستشهادِ محمولٌ على الندب. اهـ. وقوله تعالى: {مِن رِّجَالِكُمْ}: نصٌّ في رفضِ الكفارِ، والصِّبْيَانِ، والنِّساء، وأما العبيدُ، فاللفظ يتناولهم. واختلف العلماء فيهم، وقولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، وجمهورِ العلماءِ: أنَّ شهادتهم لا تجوزُ، وغلبوا نقْضَ الرِّقِّ. وٱسْمُ كان الضميرُ الذي في قوله: {يَكُونَا }، والمعنَىٰ؛ في قول الجمهور: فإِن لم يكن المستشْهَدُ رجلَيْنِ، وقال قومٌ: بلْ المعنَىٰ: فإِن لم يوجَدْ رجلانِ. ولا يجوز ٱستشهادُ المَرْأَتَيْنِ إِلا مع عَدَم الرجال، قال: * ع *: وهذا قول ضعيفٌ؛ ولفظ الآية لا يعطيه، بل الظاهرُ منه قولُ الجمهور. وقوله: {فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ }، أي: فليشهدْ أو فليكُنْ رجُلٌ وامرأتان. وقوله تعالى: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَاءِ}: رفعٌ في موضع الصفةِ؛ لقوله: {فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ}، وهذا الخطابُ لجميعِ الناسِ، لكن المتلبِّس بهذه القصَّة هم الحُكَّام، وهذا كثيرٌ في كتاب اللَّه يعمُّ الخطابُ فيما يتلبَّس به البعْض. وفي قوله: {مِمَّن تَرْضَوْنَ}: دليلٌ على أنَّ في الشهود من لا يُرْضَىٰ؛ فيجيء من ذلك، أنَّ الناس ليسوا بمحمولِينَ عَلَى العَدَالة؛ حتى تَثْبُتَ لهم. وقوله تعالى: {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا...} الآيةَ: «أنْ» مفعولٌ من أجله، و الشهادةُ لم تقع؛ لأَنْ تَضِلَّ إحْدَاهما، وإِنما وقع إِشهاد ٱمرأتَيْن؛ لأنّ تُذَكِّر إِحداهما، إِنْ ضلَّت الأخرَىٰ، قال سيبوَيْهِ، وهذا كما تقول: أعْدَدتُّ هذه الخَشَبَةَ؛ أنْ يميلَ الحَائِطُ، فأدعمه. * ع *: ولما كانتِ النفوسُ مستشرفةً إِلى معرفة أسباب الحوادِثِ، قدم في هذه العبارة ذكْرَ سبب الأمر المقْصُود إِلَىٰ أنْ يخبر به، وهذا مِنْ أبْرَعِ الفَصَاحَةِ؛ إِذ لو قال لكَ رجُلٌ: أعْدَدْتُّ هذه الخشبةَ؛ أنْ أدعم بها هذا الحائطَ، لقال السامعُ: ولِمَ تدعم حائطاً قائماً، فيجب ذكر السبب، فيقال: إِذا مَالَ، فجاء في كلامِهِمْ تقديمُ السَّبَبِ أخْصَرَ من هذه المحاورة، قال أبو عبيد: ومعنى: {تَضِلَّ } تنسَىٰ. * ع *: والضَّلال عن الشهادة: إِنما هو نسيانُ جزءٍ منها، وذكْرُ جزء، ويبقَى المرء بَيْن ذلك حيرانَ ضَالاًّ. وقوله تعالى: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ...} الآية: قال قتادة وغيره: معنى الآيةِ: إِذا دُعُوا أنْ يشهدوا، وقال الحسن بن أبي الحسن: الآيةُ جمعت أمرَيْن: لا تأب إِذا دُعِيتَ إلَىٰ تحصيل الشهادةِ، ولا إِذا دُعِيتَ إِلى أدائها وقاله ابن عباس، وقال مجاهد: معنى الآيةِ لا تأبَ، إِذا دُعِيتَ إِلى أداء شهادة قد حصَلَتْ عندك، وأسند النَّقَّاشُ إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّه فسر الآية بهذا. * ت *: وهذا هو الحقيقة في الآيةِ، وأما تسمية الشيْءِ بِما يَئُولُ إِليه، فمجازٌ، والشاهد حقيقةً من حصَلَتْ له الشهادة، قال مجاهد: فأما إِذا دُعِيتَ أوَّلاً، فإِن شئْت؛ فٱذهب، وإِن شئت، فلا تذهب»، وقاله جماعة، قال: * ع *: والآية كما قال الحَسَنُ جمعتْ أمرَيْنِ، والمسلمون مندوبون إِلى معونة إِخوانهم، فإِذا كانت الفُسْحَة لكَثْرة الشهودِ والأَمْنِ مِنْ تعطُّل الحق، فالمدعُّو مندوبٌ، وإِن خِيفَ تَلَفُ الحقِّ بتأخُّر الشاهد، وجب عليه القيام بها؛ سِيَمَا إِن كانت محصَّلةً، ودُعِيَ لأدائها، فهذه آكَدُ؛ لأنها قِلاَدَةٌ في العُنُق وأمانةٌ تقتضي الأداء. * م *: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَاءُ}، قال أبو البقاءِ: مفعولُ «يأب» محذوفٌ، أي: ولا يأب الشهداءُ إِقامةَ الشهادةِ أو تحمُّل الشهادةِ، «وإِذا»: ظرفٌ لـــ «يَأْبَ»، ويحتمل أنْ يكون ظرفاً للمفعول المحذوفِ. اهـــ. وَ {تَسْـئَمُواْ }: معناه تَملُّوا، وقدَّم الصغير؛ ٱهتماماً به، و {أَقْسَطُ }: معناه أعدلُ، و {أَقْوَمُ }، أي: أشدُّ إقامةً، وقيل: أقْوَمُ، من: قَامَ؛ بمعنى: ٱعْتَدَلَ، و {أَدْنَىٰ }: معناه: أقربُ، و {تَرْتَابُواْ }: معناه: تَشُكُّوا. قال ابنُ هِشَامٍ: {إِلَى أَجَلِهِ }: لا يصحُّ تعلُّقه بـــ «تَكْتُبُوهُ»؛ لاِقتضائه ٱستمرار الكتابة إِلى أجل الدَّيْن، وإِنما هو حالٌ، أي: مستقِرًّا في الذِّمَّة إِلى أجله. اهـــ من «المُغْنِي». وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً...} الآية: لما علمَ اللَّه سبحانه مشَقَّة الكتْب عليهم، نصَّ علَىٰ ترك ذلك، ورَفْعِ الجُنَاح فيه، في كلِّ مبايعة بنَقْد، وذلك في الأغلَبِ، إِنما هو في قليلٍ كالطَّعام ونحوه، لا في كثير؛ كالأملاك ونحوها، وقال السُّدِّيُّ، والضَّحَّاك: هذا فيما كان يداً بيدٍ، تأخذ وتُعْطي. وقوله تعالى: {تُدِيرُونَهَا }: يقتضي التقابُضَ والبينونَةَ في المقبوضِ. وقوله تعالى: {وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ }، ٱختلف، هَلْ ذلك على الوجوب، أوْ على النذب؟ والوجوبُ في ذلك قَلِقٌ؛ أمَّا في الدقائق، فصعب شاقٌّ، وأما ما كَثُر، فربَّما يقصد التاجر الاِستِئْلافَ بتَرْك الإِشهاد إِلى غير ذلك من المصالِحِ، فلا يُشْهِد، ويدخل ذلك كله في الٱئتمان، ويبقَى الأمر في الإِشهاد نَدْباً؛ لما فيه من المصلحة في الأغلب، وحكى المهدويُّ عن قومٍ؛ أنهم قالوا: {وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } منسوخٌ بقوله تعالَىٰ: {أية : فَإِنْ أَمِنَ...} تفسير : [البقرة:283] الآية: وذكره مكِّيٌّ عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ. واختلف النَّاس في معنى قوله تعالى: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}، أي: كٱختلافهم في قوله تعالى: {أية : لاَ تُضَارَّ وٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا}تفسير : [البقرة:233]، هل الفعلُ مسند إِلى الفاعل، فأصله: «وَلاَ يُضَارُ كَاتِبٌ ولاَ شَهِيدٌ»؛ بكسر الراء، وقيل: مسندٌ إِلى المفعول الذي لم يسمَّ فعله، فأصله: «وَلاَ يُضَارَرُ»؛ بفتحها. * ع *: ووجوه المضارَّة لا تنحصرُ، وفكُّ الفعْلِ هي لغةُ الحجازِ، والإِدغامُ لغة تَمِيمٍ. وقوله: {وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ }؛ أيْ: وإِنْ تفعلوا المضارَّة، وقوله: {بِكُمْ }، أي: حَالٌّ بِكُمْ. وباقي الآية موعظةٌ وتهديدٌ، واللَّه المستعانُ لا ربَّ غيره، وقيل: معنى الآية الوعْدُ؛ لأنَّ من ٱتقَىٰ عُلِّمَ الخَيْرَ وأُلْهِمَهُ. * ت *: وفي «العتبية» مِنْ سماع ٱبْنِ القَاسِمِ، قال: سَمِعْتُ مالكاً يقولُ: سَمِعْتُ أنَّه يقالُ: ما زَهِدَ عَبْدٌ، وٱتَّقَى اللَّهَ إِلا أنْطَقَهُ اللَّهُ بالحكْمَة. اهـــ. والمراد بهذا العلْمِ العلْمُ النافعُ الَّذي يُورِثُ الخشيةَ؛ قال أبو عُمَرَ بنُ عبْدِ البَرِّ: رُوِّينَا عنْ مَسْروقٍ، قال: «كَفَىٰ بالمَرْءِ عَلْماً أنْ يخشَى اللَّهَ، وكفى بالمَرْءِ جهلاً أنْ يُعْجَب بعلْمه»، أبو عمر: إِنما أعرفه بعَمَلِهِ. اهـ من كتاب «فضل العلْمِ».

ابن عادل

تفسير : في كيفية النظم وجهان: الأول: أنَّ تعالى لمَّا ذكر الإنفاق في سبيل الله، وهو يوجب تنقيص المال، وذكر الرِّبا، وهو - أيضاً - سبب تنقيص المال، وختم هذين الحكمين بالتهديد بقوله {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللهِ}تفسير : [البقرة:281] والتقوى تسدُّ على الإنسان أكثر أبواب المكاسب، والمنافع - أتبع ذلك بأن ندبه إلى كيفية حفظ المال الحلال، وصونه عن الفساد، فإن القدرة على الإنفاق في سبيل الله، وعلى ترك الرِّبا، وعلى ملازمة التقوى، لا يتم إلاَّ عند حصول المال؛ فلأجل هذا بالغ في الوصيَّة بحفظ المال، ونظيره {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللهُ لَكُمْ قِيَاماً}تفسير : [النساء:5] فحثَّ على الاحتياط في أمر الأموال؛ لكونها سبباً لمصالح المعاش والمعاد. قال القفَّال - رحمه الله تعالى - ويدلُّ على ذلك: أنَّ ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار، وفي هذه الآية بسطٌ شديدٌ؛ ألاَّ ترى أنَّه قال تعالى {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ}، ثم قال ثانياً: {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ}، ثم قال ثالثاً: {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللهُ}، فكان هذا كالتِّكرار لقوله: {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ}؛ لأنَّ العدل هو ما علَّمه الله، ثم قال رابعاً: "فَلْيَكْتُبْ" وهذا إعادةٌ للأمر الأول؛ ثم قال خامساً: {وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ} وفي قوله: {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ} كفاية عن قوله: {وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ}؛ لأنَّ الكاتب بالعدل إنَّما يكتب ما يملُّ عليه، ثم قال سادساً: {وَلْيَتَّقِ ٱللهَ رَبَّهُ}، وهذا تأكيدٌ، ثم قال سابعاً: {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً}، وهذا كالمستفاد من قوله: {وَلْيَتَّقِ ٱللهَ رَبَّهُ}، ثم قال ثامناً: {وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ}، وهو أيضاً تأكيد لما مضى، ثم قال تاسعاً: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ}، فذكر هذه الفوائد الثلاثة لتلك التَّأكيدات السَّالفة، وكلُّ ذلك يدلُّ على المبالغة في التَّوصية بحفظ المال الحلال، وصونه عن الهلاك؛ ليتمكن الإنسان بواسطته من الإنفاق في سبيل الله، والإعراض عن مساخط الله: من الرِّبا، وغيره، والمواظبة على تقوى الله. الوجه الثاني: قال بعض المفسرين: إنَّ المراد بهذه المداينة "السَّلَمُ" فإن الله تبارك وتعالى لما منع من الرِّبا في الآية المتقدِّمة؛ أذن في السَّلم في هذه الآية، مع أنَّ جميع المنافع المطلوبة من الرِّبا حاصلة في السَّلم، وبهذا قال بعض العلماء: لا لذَّة، ولا منفعة يوصل إليها بالطَّريق الحرام، إلا والله - صلى الله عليه وسلم - سبحانه وتعالى - وضع لتحصيل تلك اللَّذَّة طريقاً حلالاً، وسبيلاً مشروعاً. فصل قال سعيد بن المسيَّب: بلغني أنَّ أحدث القرآن بالعرش آية الدَّين. التداين تفاعل من الدَّين كتبايع من البيع، ومعناه: داين بعضكم بعضاً، وتداينتم: تبايعتم بدين. يقال: داينت الرجل أي: عاملته بدينٍ، وسواء كنت معطياً، أم آخذاً؛ قال رؤبة: [الرجز] شعر : 1277- دَايَنْتُ أَرْوَى وَالدُّيُونُ تُقْضَى فَمَطلَتْ بَعْضاً وَأَدَّتْ بَعْضَا تفسير : ويقال: دنت الرجل: إذا بعته بدينٍ، وأدنته أنا: أخذت منه بدين ففرَّقوا بين فعل وأفعل. قال ابن الخطيب: قال أهل اللغة القرض غير الدين؛ لأنَّ القرض أن يقرض الرجل الإنسان دراهم أو دنانير أو حباً أو تمراً وما أشبه ذلك، ولا يجوز فيه الأجل، والدَّين يجوز فيه الأجل ويقال من الدّين: ادَّان إذا باع سلعته بثمن إلى أجلٍ، ودان يدين إذا أقرض ودان إذا استقرض؛ وأنشد الأحمر: [الطويل] شعر : 1278- نَدِينُ وَيَقْضِي اللهُ عنَّا وَقَدْ نَرَى مَصَارعَ قَوْمٍ لاَ يَدِينُونَ ضُيَّعِ تفسير : فصل في بيان إباحة السلف قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: لما حرم الله تعالى الرِّبا؛ أباح السَّلف، وقال: أشهد أن السَّلف المضمون إلى أجل مسمّى، قد أحلَّه الله في كتابه، وأذن فيه ثمَّ قال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ}. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: نزلت في السَّلف؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة وهم يسلفون الثِّمار السَّنتين، والثَّلاث؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : مَنْ أَسْلَفَ؛ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ". تفسير : وقال آخرون: المراد القرض، وهو ضعيف؛ لأن القرض لا يشترط فيه الأجل والآية فيها اشتراط الأجل، وقال أكثر المفسِّرين البياعات على أربعة أوجه: أحدها: بيع العين بالعين، وذلك ليس بمداينة ألبتة. والثاني: بيع الدَّين بالدَّين، وهو باطلٌ، فلا يدخل تحت الآية. بقي قسمان، وهما بيع العين بالدَّين، وهو بيع الشَّيء بثمن مؤجَّل، وبيع الدَّين بالعين، وهو المسمَّى بـ "السّلم" وكلاهما داخلان تحت هذه الآية الكريمة. فإن قيل: المداينة: مفاعلة، وحقيقتها أن يحصل من كلّ واحدٍ منهما دين، وذلك هو بيع الدَّين بالدَّين، وهو باطلٌ بالاتفاق. فالجواب: أنَّ المراد من "تَدَايَنْتُمْ": تعاملتم، والتَّقدير تعاملتم بما فيه دين. فإن قيل: قوله "تَدَايَنْتُمْ" يدلُّ على الدّين، فما الفائد في قوله: "بِدَيْنٍ". فالجواب من وجوه: أحدها: قال ابن الأنباريّ: التَّداين يكون لمعنيين: أحدهما: التَّداين بالمال؛ والتَّداين بمعنى المجازاة من قولهم: "كَمَا تَدِينُ تُدَانُ" فذكر الدين لتخصيص أحد المعنيين. الثاني: قال الزَّمخشريُّ: وإنَّما ذكر الدَّين؛ ليرجع الضمير إليه في قوله تبارك وتعالى {فَٱكْتُبُوهُ} إذ لو لم يذكر، لوجب أن يقال: فاكتبوا الدُّين. الثالث: ذكره ليدلّ به على العموم، أي: أي دين كان من قليلٍ، أو كثيرٍ من قرضٍ، أو سلمٍ، أو بيع دين إلى أجل. الرابع: أنَّه تبارك وتعالى ذكره للتَّأكيد كقوله تبارك وتعالى {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ}تفسير : [الحجر:30] وقوله: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}تفسير : [الأنعام:38]. الخامس: قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: إنَّ المداينة مفاعلة، وهي تتناول بيع الدَّين بالدَّين وهو باطلٌ، فلو قال إذا تداينتم لبقي النص مقصوراً على بيع الدين بالدين وهو باطل فلما قال: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} كان المعنى: إذا تداينتم تدايناً يحصل فيه دين واحد وحينئذٍ يخرج عن بيع الدّين بالدين، ويبقى بيع العين بالدّين أو بيع الدّين بالعين، فإن الحاصل في كلِّ واحدٍ منهما دين واحد لا غير. فإن قيل: إن كلمة "إذَا" لا تفيد العموم، والمراد من الآية العموم؛ لأن المعنى كلَّما تداينتم بدين فاكتبوه فلم عدل عن كلما وقال: {إِذَا تَدَايَنتُم}. فالجواب: أنَّ كلمة "إِذَا"، وإن كانت لا تقتضي العموم إلا أنَّها لا تمنع من العموم، وهاهنا قام الدَّليل على أنَّ المراد هو العموم؛ لأنه تعالى بين العلَّة في الأمر بالكتابة في آخر الآية، وهي قوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ} والمعنى إذا وقعت المعاملة بالدّين، ولم يكتب فالظَّاهر أنه تنسى الكيفيَّة فربَّما توهم الزِّيادة، فطلب الزِّيادة ظلماً، وربَّما توهم النُّقصان، فترك حقَّه من غير حمد ولا أجر، فأمَّا إذا كتب كيفيَّة الواقعة أمن من هذه المحذورات، فلمَّا دلَّ النَّصُّ على أن هذا هو العلَّة، وهي قائمةٌ في الكلّ كان الحكم أيضاً حاصلاً في الكلِّ. قوله تعالى: {إِلَىٰ أَجَلٍ}: متعلِّق بتداينتم، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه صفة لدين، و {مُّسَمًّى} صفة لدين، فيكون قد قدَّم الصفة المؤولة على الصَّريحة، وهو ضعيفٌ، فكان الوجه الأول أوجه. والأجل: في اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره، وأجل الدّين لوقت معيَّن في المستقبل، وأصله من التَّأخير يقال: أجل الشَّيء بأجل أجولاً إذا تأخَّر، والآجل: نقيض العاجل. فإن قيل: المداينة لا تكون إلا مؤجلة، فما فائدة ذكر المداينة؟ فالجواب: إنَّما ذكر الأجل ليمكنه أن يصفه بقوله "مُّسَمًّى" والفائدة في قوله "مُّسَمًّى" ليعلم أنَّ من حقّ الأجل أن يكون [معلوماً] كالتَّوقيت بالسَّنة، والأشهر، والأيَّام، فلو قال إلى الحصاد، أو إلى الدياس، أو إلى رجوع قدوم الحاج؛ لم يجز لعدم التَّسمية. وألف "مُسَمًّى" منقلبةٌ عن ياءٍ، تلك الياء منقلبةٌ عن واو؛ لأنه من التَّسمية، وقد تقدَّم أنَّ المادَّة من سما يسمو. فصل والأجل يلزم في الثَّمن في البيع، وفي السّلم بحيث لا يكون لصاحب الحقّ الطلب قبل محله، وفي القرض، لا يلزم الأجل عن أكثر أهل العلم. قال القرطبي: شروط السّلم تسعة، ستّة في المسلم فيه، وثلاثة في رأس مال السّلم. أمَّا السِّتَّة التي في المسلم فيه فأن يكون في الذِّمَّة، وأن يكون موصوفاً، وأن يكون الأجل معلوماً، وأن يكون مؤجّلاً، وأن يكون عام الوجود عند الأجل، وأمَّا الثلاثة التي في رأس مال السلم، فأن يكون معلوم الجنس، معلوم المقدار، وأن يكون نقداً. قوله: {فَٱكْتُبُوهُ} الضَّمير يعود على "بِدَيْنٍ". فصل أمر الله تعالى في المداينة بأمرين: أحدهما: الكتابة بقوله: {فَٱكْتُبُوهُ}. الثاني: الإشهاد. بقوله: {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ}، وفائدة الكتابة والإشهاد أنَّ دخول الأجل تتأخّر فيه المطالبة، ويتخلَّله النِّسيان ويدخله الجحد، فالكتابة سبب لحفظ المال من الجانبين، لأنَّ صاحب الدّين إذا علم أنَّ حقّه مقيّد بالكتابة، والإشهاد تحذر من طلب زيادة، ومن تقديم المطالبة قبل حلول الأجل، والمديون يحذر من الجحد، ويأخذ قبل حلول الدّين في تحصيل المال ليتمكن من أدائه وقت الحلول. فصل القائلون بأن ظاهر الأمر النَّدب، لا إشكال عليهم، واختلف القائلون بأن ظاهر الأمر الوجوب، فقال عطاء، وابن جريج والنَّخعي بوجوب الكتابة، وهو اختيار محمد بن جرير الطَّبري، قال النَّخعي: يشهد، ولو على دُسْتَجةِ بَقْلٍ. وقال جمهور الفقهاء: هذا أمر ندب؛ لأنّا نرى جمهور المسلمين في جميع ديار المسلمين يبيعون بالأثمان المؤجَّلة من غير كتابة، ولا إشهاد، وذلك إجماعٌ على عدم وجوبها، ولأنَّ في إيجابها حرجٌ شديدٌ، ومشقَّة عظيمةٌ. وقال تعالى: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}تفسير : [الحج:78]. وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : بُعِثْتُ بالحنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ ". تفسير : وقال الحسن، والشَّعبيُّ، والحكم بن عتيبة: كانا واجبين ثمّ نسخا بقوله: {أية : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ}تفسير : [البقرة:283]. وقال التيمي: سألت الحسن عنها فقال: إن شاء أشهد، وإن شاء لم يشهد، ألا تسمع قوله تعالى: {أية : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً}تفسير : [البقرة:283]. فصل لما أمر الله تعالى بكتابة هذه المداينة؛ اعتبر في الكتابة شرطين: الأوَّل: أن يكون الكاتب عدلاً لقوله: {وَلْيَكْتُبْ بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ} وذلك أنَّ قوله تعالى: {فَٱكْتُبُوهُ} ظاهره يقتضي أنَّه يجب على كلِّ أحدٍ أن يكتب، لكن ذلك غير ممكنٍ، فقد يكون ذلك الإنسان غير كاتب، فصار معنى قوله: {فَٱكْتُبُوهُ}، أي: لا بدَّ من حصول هذه الكتابة وهو كقوله تعالى: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا}تفسير : [المائدة:38] فإن ظاهره، وإن كان يقتضي خطاب الكلّ بهذا الفعل، إلاَّ أنَّا علمنا أنَّ المقصود منه أنَّه لا بدَّ من حصول قطع اليد من إنسان واحد، إمَّا الإمام، أو نائبه أو المولى، فكذا هاهنا. ويؤكِّد هذا قوله تعالى: {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ} فإنَّه يدلُّ على أنَّ المقصود حصول الكتابة من أيّ سخصٍ كان. قوله: {بِٱلْعَدْلِ} فيه أوجهٌ: أحدها: أن يكون الجارُّ متعلّقاً بالفعل قبله. قال أبو البقاء: "بالعَدْلِ متعلِّق بقوله: فليكتب، أي: ليكتب بالحقِّ، فيجوز أن يكون حالاً، أي: ليكتب عادلاً، ويجوز أن يكون مفعولاً به أي: بسبب العدل". قوله أولاً: "بالعدلِ مُتَعَلِّقٌ بقوله فَلْيَكْتُب" يريد التعلق المعنوي؛ لأنَّه قد جوَّز فيه بعد ذلك أن يكون حالاً، وإذا كان حالاً تعلَّق بمحذوف لا بنفس الفعل. وقوله: "ويجوزُ أن يكون مفعولاً" يعني فتتعلق الباء حينئذٍ بنفس الفعل. والثاني: أن يتعلَّق بـ "كَاتِب". قال الزَّمخشريُّ: "مُتَعَلِّقٌ بكاتب صفةً له، أي: كاتبٌ مأمونٌ على ما يَكْتُب"، وهو كما تقدَّم في تأويل قول أبي البقاء. وقال ابن عطيَّة: "والبَاءُ متعلِّقةٌ بقوله: "ولْيَكْتُبْ"، وليست متعلِّقة بقوله "كَاتِبٌ"؛ لأنه كان يلزم ألاَّ يكتب وثيقةً إلا العدل في نفسه، وقد يكتبها الصّبيُّ والعبد". الثالث: أن تكون الباء زائدةٌ، تقديره: فليكتب بينكم كاتب بالعدل. فصل في معنى العدل في تفسير العدل وجوه: أحدها: أن يكتب بحيث لا يزيد، ولا ينقص عنه، ويكتب بحيث يصلح أن يكون حجَّة له عن الحاجة إليه. وثانيها: لا يخصّ أحدهما بالاحتياط له دون الآخر، بل يكتبه بحيث يكون كل واحد من الخصمين آمناً من تمكن الآخر من إبطال حقّه. وثالثها: قال بعض الفقهاء: العدل أن يكون ما يكتبه متّفقاً عليه بين أهل العلم، بحيث لا يجد قاضٍ من قضاة المسلمين سبيلاً إلى إبطاله على قول بعض المجتهدين. ورابعها: أن يحترز عن الألفاظ المجملة المتنازع في المراد بها، فهذه الأمور لا يمكن رعايتها إلاَّ إذا كان الكاتب فقيهاً عارفاً بمذاهب المجتهدين، أديباً مميّزاً بين الألفاظ المتشابهة. قوله: {ولا يأب كاتب} وهذا ظاهره نهي الكاتب عن الامتناع عن الكتابة وإيجاب الكتابة على كل من كان كاتباً، وهذا على سبيل الإرشاد، والمعنى: أنَّ الله تعالى لمَّا علمه الكتابة وشرفه بمعرفة أحكام الشَّريعة، فالأولى أن يكتب تحصيلاً لمهمّ أخيه المسلم شكراً لتلك النِّعمة، فهو كقوله تعالى: {أية : وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللهُ إِلَيْكَ}تفسير : [القصص:77]. وقال الشعبي: هو فرض كفاية، فإن لم يوجد من يكتب غيره وجب عليه الكتابة، وإن وجد غيره؛ وجبت الكتابة على واحد منهم. وقيل: كانت الكتابة واجبة على الكاتب، ثمَّ نسخت بقوله تعالى: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}. وقيل: متعلِّق الإيجاب، هو أن يكتب كما علمه الله، يعني: أنَّه بتقدير أنه يكتب، فالواجب أن يكتب كما علَّمه الله، ولا يخلّ بشرط من الشّرائط، ولا يدرج فيه قيداً يُخلّ بمقصود الإنسان. قوله: {أَنْ يَكْتُبَ} مفعولٌ به، أي: لا يأب الكتابة. قوله: {كَمَا عَلَّمَهُ ٱللهُ} يجوز أن يتعلَّق بقوله: {أَنْ يَكْتُبَ} على أنه نعتٌ لمصدر محذوف، أو حالٌ من ضمير المصدر على رأي سيبويه، والتقدير: أن يكتب كتابةً مثل ما علَّمه الله، أو أن يكتبه أي: الكتب مثل ما علَّمه الله. ويجوز أن يتعلَّق بقوله: "فَلْيَكْتُبْ" بعده. قال أبو حيَّان: "والظّاهر تعلُّق الكاف بقوله: فَلْيَكْتُبْ" قال شهاب الدين رحمه الله تعالى: وهو قلق لأجل الفاء، ولأجل أنه لو كان متعلِّقاً بقوله: "فَلْيَكْتُبْ"، لكان النَّظم: فليكتب كما علمه الله، ولا يحتاج إلى تقديم ما هو متأخرٌ في المعنى. وقال الزَّمخشريُّ - بعد أن ذكر تعلُّقه بأن يكتب، وبـ "فَلْيَكْتُبْ" - "فإِنْ قلت: أيُّ فرقٍ بين الوجهين؟ قلت: إن علَّقته بأن يكتب فقد نهى عن الامتناع من الكتابة المقيَّدة، ثم قيل [له]: فليكتب تلك الكتابة لا يعدل عنها، وإن علَّقته بقوله: "فَلْيَكْتُبْ" فقد نهى عن الامتناع من الكتابة على سبيل الإطلاق، ثم أمر بها مقيّدةً". فيكون التقدير: فلا يأب كاتبٌ أن يكتب، وهاهنا تمَّ الكلام، ثم قال بعده: {كَمَا عَلَّمَهُ ٱللهُ فَلْيَكْتُبْ}، فيكون الأول أمراً بالكتابة مطلقاً، ثم أردفه بالأمر بالكتابة التي علمه الله إيَّاها. ويجوز أن تكون متعلقةً بقوله: لا يأب، وتكون الكاف حينئذٍ للتعليل. قال ابن عطيّة - رحمه الله -: "ويحتمل أن يكون "كما" متعلّقاً بما في قوله "ولا يأْبَ" من المعنى، أي: كما أنعم الله عليه بعلم الكتابة، فلا يأب هو، وليفضل كما أفضل عليه". قال أبو حيَّان: "وهو خلاف الظاهر، وتكون الكاف في هذا القول للتعليل" قال شهاب الدين رحمه الله: وعلى القول بكونها متعلقةً بقوله: "فليكتب" يجوز أن تكون للتعليل أيضاً، أي: فلأجل ما علَّمه الله فليكتب. وقرأ العامة: "فَلْيَكْتُبْ" بتسكين اللام كقوله: "كَتْف" في كتِف، إجراءً للمنفصل مجرى المتّصل. وقد قرأ الحسن بكسرها وهو الأصل. قوله: "ولْيُمْلِل" أمرٌ من أملَّ يملُّ، فلمَّا سكن الثاني جزماً جرى فيه لغتان: الفكُّ وهو لغة الحجاز وبني أسد، والإدغام وهو لغة تميم، وقيس، ونزل القرآن باللُّغتين. قال تعالى في اللغة الثانية: {أية : فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}تفسير : [الفرقان:5] وكذا إذا سكن وقفاً نحو: أملل عليه وأملَّ، وهذا مطَّرد في كل مضاعفٍ، وسيأتي تحقيق هذا إن شاء الله تعالى عند قراءتَيْ: "مَنْ يَرْتَدِدْ، ويرتدَّ". وقرئ هنا شاذّاً: "وَلْيُمِلَّ" بالإدغام، ويقال: أملَّ يملُّ إملالاً، وأملى، يملي إملاءً؛ ومن الأولى قوله: [الطويل] شعر : 1279- أَلاَ يَا دِيَارَ الحَيِّ بِالسَّبُعَانِ أَمَلَّ عَلَيْهَا بِالبِلَى المَلَوانِ تفسير : ويقال: أمللت وأمليت، فقيل: هما لغتان، وقيل: الياء بدلٌ من أحد المثلين، وأصل المادتين: الإعادة مرة بعد أخرى. و "الحَقُّ" يجوز أن يكون مبتدأٌ، و "عَلَيْهِ" خبر مقدمٌ، ويجوز أن يكون فاعلاً بالجارِّ قبله لاعتماده على الموصول، والموصول هو فاعل "يُمْلِل" ومفعوله محذوف، أي: وليملل الديَّان الكاتب ما عليه من الحقِّ، فحذف المفعولين للعلم بهما. ويتعدَّى بـ "عَلَى" إلى أحدهما فيقال: أمللت عليه كذا، ومنه الآية الكريمة. فصل اعلم أنَّ الكتابة، وإن وجب أن يختار لها العالم بكيفية كتب الشُّروط والسِّجلات، لكن ذلك لا يتمّ إلاَّ بإملاء من عليه الحق؛ فيدخل في جملة إملائه اعترافه بالحقّ في قدره، وجنسه وصفته، وأجله، وغير ذلك. ثم قال: {وَلْيَتَّقِ ٱللهَ رَبَّهُ} بأن يقرّ بمبلغ المال، {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً}، أي: لا ينقص منه شيئاً. قوله: {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً} يجوز في "منه" وجهان: أحدهما: أن يكون متعلقاً بيبخس، و "مِنْ" لابتداء الغاية، والضمير في "منه" للحقِّ. والثاني: أنَّها متعلقة بمحذوف؛ لأنها في الأصل صفةٌ للنكرة، فلمَّا قُدِّمت على النكرة نصبت حالاً. و "شَيئاً": إمَّا مفعول به، وإمَّا مصدرٌ. والبخس: النَّقص، يقال منه، بخس زيدٌ عمراً حقَّه يبخسه بخساً، وأصله من: بخست عينه، فاستعير منه بَخْسُ الحق، كما قالوا: "عَوَرْتُ حَقَّه" استعارة من عور العين. ويقال: بخصه بالصَّاد. والتباخس في البيع: التناقص، لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتبايعين ينقص الآخر حقَّه. قوله: {فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ} إدخال حرف "أو" بين هذه الألفاظ الثلاثة يقتضي تغايرها؛ لأنَّ معناه: أنَّ الذي عليه الحقّ كان متَّصفاً بإحدى هذه الصِّفات الثلاثة {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ} وإذا ثبت تغايرها وجب حمل السَّفيه على الضعيف الرَّأي النَّاقص العقل من البالغين الذين لا يحسنون الأخذ لأنفسهم، ولا الإعطاء منها أخذاً من الثَّوب السَّفيه وهو خفيف النَّسج، والبذيء اللسان يسمى سفيهاً، لأنَّه لا يكاد أن تتفق البذاءة إلاَّ في جهَّال النَّاس، وأصحاب العقول الخفيفة، والعرب تسمي الضعيف العقل سفيهاً؛ قال الشاعر: [السريع] شعر : 1280- نَخَافُ أَنْ تَسْفَهَ أَحْلاَمُنَا وَيَجْهَل الدَّهْرُ مَعَ الحَالِمِ تفسير : والضَّعيف على الصَّغير، والمجنون، والشَّيخ الخرف وهو الذين فقدوا العقل بالكلية، "والَّذِي لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُملّ" من يضعف لسانه عن الإملاء لخرسٍ، أو لجهله بما عليه، وله. فهؤلاء لا يصحُّ منهم الإملاء، ولا الإقراء، فلا بدَّ ممَّن يقوم مقامهم. فقال تعالى: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ}. قيل: الضُّعف بضم الضَّاد في البدن، وبفتحها في الرأي. وقيل: هما لغتان. قال القرطبيُّ: والأول أصحُّ. قوله: {أَن يُمِلَّ هُوَ} أن، وما في حيِّزها في محل نصب مفعولاً به، أي: لا يستطيع الإملال، و "هو" تأكيدٌ للضمير المستتر. وفائدة التوكيد به رفع المجاز الذي كان يحتمله إسناد الفعل إلى الضمير، والتَّنصيص على أنه غير مستطيع بنفسه، قاله أبو حيان. وقرئ بإسكان هاء: "هو" وهي قراءة ضعيفة؛ لأنَّ هذا الضمير كلمةٌ مستقلةٌ منفصلة عما قبلها. ومن سكَّنها أجرى المنفصل مجرى المتصل، وقد تقدَّم هذا في أول هذه السورة، قال أبو حيَّان - رحمه الله -: "وهذا أشذُّ من قراءة من قرأ: {أية : ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [القصص:61]. قال شهاب الدين: فجعل هذه القراءة شاذةً وهذه أشذُّ منها، وليس بجيد، فإنَّها قراءة متواترة قرأ بها نافع بن أبي نعيم قارئ أهل المدينة فيما رواه عنه قالون، وهو أضبط رواته لحرفه، وقرأ بها الكسائي أيضاً وهو رئيس النحاة. والهاء في "وليُّه" للذي عليه الحقُّ، إذا كان متصفاً بإحدى الصِّفات الثلاث؛ لأن وليَّه هو الَّذي يُقر عليه بالدَّين كما يقرُّ بسائر أُموره، وقال ابن عبَّاس، ومقاتلٌ والرَّبيعُ: المراد بوليِّه: وَلِيُّ الدَّين وهذا بعيدٌ؛ لأَنَّ قول المُدّعي لا يقبل، فإِن اعتبرنا قوله، فأيُّ حاجة إلى الكتابة، والإشهاد؟ وقوله: "بالعدْلِ" تقدَّم نظيره. فصلٌ واعلم أَنَّ المقصود من الكتابة: هو الاستشهادُ؛ لكي يتمكَّن صاحب الحقّ بالشُّهود إلى تحصيل حقّه عند الجحود. وقوله: "فاسْتَشْهِدُوا" يجوز أن تكون السِّين على بابها من الطَّلبِ، أي: اطلبُوا شهيدَين، ويجوزُ أن يكونَ استفعل بمعنى أفعل، نحو: اسْتَعْجَلَ بمعنى أَعجَل، واستيقن بمعن أَيقَنَ فيكون "اسْتَشْهِدُوا" بمعنى شهدوا، يقال أشهدت الرَّجُل واشتشهدته بمعنى واحدٍ، والشَّهيدان: هما الشَّاهدانِ، فعيلٌ بمعنى فاعلٍ. وفي قوله: "شَهِيدَيْن" تنبيهٌ على أَنَّهُ ينبغي أن يكون الشَّاهد ممَّن تتكرَّرُ منه الشَّهادةُ، حيث أَتَى بصيغة المبالغة. قوله: "مِنْ رِجَالِكُمْ" يجوزُ أن يتعلَّق باستشهدوا، وتكونُ "مِنْ" لابتداء الغاية، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوفٍ، على أَنَّهُ صفةٌ لشهيدين، و "مِنْ" تبعيضيةٌ. فصلٌ في المراد بقوله: {مِّن رِّجَالِكُمْ} ثلاثة أقوال: أحدها: قال أكثر العلماء: المراد الأَحرارُ المسلمون. الثاني: قال شريحٌ، وابن سيرين: المراد المسلمون؛ فيدخل العبيد. الثالث: من رجالكم الَّذين تعدونهم للشَّهادة، بسبب العدالة. حجَّةُ شريح، وابن سيرين: عمومُ الآية؛ ولأَنَّ العدالة لا تختلف بالحريَّة والرِّقِّ، واحتَجَّ الآخرونَ بقوله تعالى: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ}، وهذا يقتضي: أَنَّ الشَّاهد؛ يجب عليه الذَّهاب إلى موضع أدَاءِ الشَّهادة، ويحرمُ عليه الامتناعُ والإِجماعُ على أَنَّ العبد لا يجبُ عليه الذَّهابُ، فلا يكونُ شاهداً، وهذا مذهبُ الشَّافعي، وأبي حنيفة. والجواب عن قوله: {مِّن رِّجَالِكُمْ}، أي: الذين تعدُّونهم لأداء الشَّهادة، كما قدَّمناهُ. قوله: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ}، جوَّزوا في "كَانَ" هذه أَنْ تكون النَّاقصة، وأَنْ تكون التامة، وبالإِعرابين يختلفُ المعنى: فإنْ كانت ناقصةً فالألفُ اسمها، وهي عائدةٌ على الشَّهيدين أي: فإن لم يكنِ الشّاهدان رجُلَين، والمعنى على هذا: إن أغفَل ذلك صاحبُ الحقّ، أو قصد أَنْ لا يُشهد رجلين لغرض له، وإن كانت تامّةً فيكون "رجلين" نصباً على الحالِ المؤكِّدة كقوله: {أية : فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ}تفسير : [النساء:176]، ويكون المعنى على هذا أنه لا يعدل إلى ما ذكر إلا عند عدمِ الرِّجال. والألفُ في "يَكُونَا" عائدةٌ على "شَهِيدَيْنِ"، تفيدُ الرجولية. فصلٌ قال القرافيُّ: العلماءُ يقولون: إِذَا ورد النَّصُّ بصيغة "أو" فهو للتَّخيير، كقوله تعالى: {أية : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ}تفسير : [المائدة:89]، وإن ورد النَّصُّ بصيغة الشَّرط كقوله: {أية : فَمَنْ لَمْ يَجدْ}تفسير : [البقرة:196] الآية فهو على التَّرتيب، وهذا غير صحيح لهذه الآية؛ لأَنَّ قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ} يقتضي على قولهم أَلاَّ يجوز استشهادُ رجُلٍ وامرأتين إِلاَّ عند عدم الرَّجلين، وقد أَجمعت الأُمَّة على جواز ذلك، عند وجود الرَّجلين، وأَنَّ عدمهما ليس بشرطٍ، واستفدنا من هذه الآية سؤالين عظيمين. الأول: أَنَّ الصِّيغة لا تقتضي التَّرتيب. الثاني: أَنَّهُ لا يلزمُ من عدم الشَّرط عدم المشروط، وهو خلافُ الإِجماع، وهو هناك كذلك. قولنا: إذا لم يكن العدد زوجاً، فهو فردٌ، وإِنْ لم يكن فرداً، فهو زوج مع أَنَّهُ لا تتوقَّف زوجيّته على عدم الفرديَّة، ولا فرديته على عدمِ الزَّوجيَّة. بل هو واجبُ الثُّبوت في نفسه، وجد الآخر أم لا، وإذا تقرَّر هذا، فالمُرادُ من الآية: انحصارُ الحُجَّة التَّامَّة من الشَّهادة، بعد الرَّجلين في الرَّجل، والمرأتين، فإِنَّه لا حُجَّة تامَّةٌ من الشَّهادة في الشَّريعة، إِلاَّ الرَّجُلين، والرَّجُلَ، والمرأتين، هذا هو المجمع عليه من البيِّنة الكامِلة، في الأَموال، فإذا فرض عدم إحداهما، قبل الحصر في الأُخرى، وقد وضح أَنَّ الشَّرط كما يستعملُ في الترتيب؛ كذلك يُسْتعملُ في الحصر، والكل حقيقة لغوية، فضابطُ ما يتوقَّف فيه المشروطُ على الشَّرطِ، هو الَّذي لا يراد به الحصرُ، فمتى أُريد به الحصرُ فلا يدلُّ على التَّرتيب، بل لا بُدَّ من قرينة. قوله: {فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ} يجوزُ أن يرتفع ما بعد الفاءِ على الابتداءِ، والخبرُ محذوفٌ تقديره: فرجلٌ، وامرأتان، يكفُون في الشَّهادة، أو مُجزِئون، ونحوه. وقيل: هو خبرٌ والمبتدأُ محذوفٌ تقديره: فالشَّاهدُ رجلٌ، وامرأتان وقيل: مرفوعٌ بفعلٍ مقدَّرٍ تقديره: فيكفي رجُلٌ، أي: شهادةُ رجلٍ، فحُذِف المضافُ للعلم به، وأُقيم المضافُ إليه مقامه. وقيل: تقدير الفعلِ فَلْيَشْهَدْ رجلٌ، وهو أحسنُ، إذ لا يُحوج إلى حذفِ مُضافٍ، وهو تقديرُ الزَّمخشريِّ. وقيل: هو مرفوعٌ بكان النَّاقصة، والتَّقدير: فليكن مِمَّن يشهدون رجلٌ وامرأتان، وقيل: بل بالتَّامَّةِ وهو أَولى؛ لأنَّ فيه حذف فعلٍ فقط بقي فاعلُهُ، وفي تقدير النَّاقصة حذفُها مع خبرها، وقد عُرِفَ ما فيه، وقيل: هو مرفوعٌ على ما لم يسمَّ فاعلُهُ، تقديرُهُ: فليُسْتَشْهَد رجلٌ. قال أبو البقاء: "وَلَوْ كَانَ قَدْ قُرئ بالنَّصب لكان التَّقديرُ: فَاسْتَشْهِدُوا" وهو كلامٌ حسنٌ. وقرئ: "وَامْرَأَتَانِ" بسكون الهمزة التي هي لامُ الكلمة، وفيها تخريجان. أحدهما: أنه أَبْدَل الهمزة ألفاً، وليس قياسُ تخفيفها ذلك، بل بَيْنَ بين، ولمَّا أبدلها ألفاً همزها كما هَمزتِ العربُ نحو: العأْلَمِ، والخَأْتَمِ؛ وقوله: [الرجز] شعر : 1281- وَخِنْدفٌ هَامَةُ هَذَا العَأْلَمِ تفسير : وقد تقدَّم تحقيقه في سورة الفاتحة، وسيأتي له مزيدُ بيانٍ إِنْ شاء اللهُ - تعالى - في قراءة ابن ذكوان: "مِنْسَأْتَه" في سبأ. وقال أبو البقاء في تقرير هذا الوجهِ، ونحا إلى القياس فقال: ووجهُهُ أنه خفَّفَ الهمزة - يعني بينَ بينَ - فقَرُبَتْ من الألف، والمُقَرَّبة من الألفِ في حكمها؛ ولذلك لا يُبْتَدأُ بها، فلمَّا صارت كالألف، قَلَبها همزةً ساكنةً كما قالوا: خَأْتم وعَأْلم. والثاني: أن يكُونَ قد استثقَلَ تواليَ الحركاتِ، والهمزةُ حرفٌ يُشبِهُ حرف العلة فتُستثقل عليها الحركة فسُكِّنت لذلك. قال أبو حيَّان رحمه الله: ويمكنُ أنه سكَّنها تخفيفاً لتوالي كثرةِ الحركاتِ؛ وقد جاء تخفيفُ نظيرِ هذه الهمزةِ في قول الشَّاعر: [الطويل] شعر : 1282- يَقُولُونَ جَهْلاً لَيْسَ لِلشَّيْخِ عَيِّلٌ لَعَمْرِي لَقَدْ أَعْيَلْتُ وَأْنَ رَقُوبُ تفسير : يريدُ: وَأَنَا رَقوب، فسكِّنَ همزةَ "أَنَا" بعد الواوِ، وحذف ألف "أنا" وصلاً على القاعدة. قال شهاب الدين: قد نصَّ ابنُ جني على أن هذا الوجهَ لا يجوزُ فقال: "ولا يَجُوزُ أن يكونَ سَكَّنَ الهمزة؛ لأنَّ المفتوح لا يُسَكَّنُ لخفةِ الفَتْحَةِ" وهذا من أبى الفتح محمولٌ على الغالب، وإلا فقد تقدَّم لنا في قراءة الحسنِ "مَا بَقِي مِنَ الرِّبَا"، وقبل ذلك أيضاً الكلامُ على هذه المسألةِ، وورودُ ذلك في ألفاظٍ نظماً ونثراً، حتَّى في الحروفِ الصَّحيحة السَّهلةِ، فكيف بحرفٍ ثقيلٍ يُشْبِه السُّفلَة؟ قوله: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ} فيه أوجهٌ: أحدها: أنه في محلِّ رفعٍ نعتاً لرجُلٍ وامرأتين. والثاني: أنه في محلِّ نصب؛ لأنه نعتٌ لشهيدين. واستضعف أبو حيّان هذين الوجهين قال: "لأنَّ الوصفَ يُشْعِر اختصاصَه بالموصوفِ، فيكون قد انتفى هذا الوصفُ عن شَهِيدَيْنِ"، واستضعفَ الثَّاني أبو البقاء رحمه الله تعالى قال: للوصف الواقعِ بينهما. الوجه الثالث: أنه بدلٌ من قوله: "من رجالكم" بتكريرِ العاملِ، والتقدير: "وَاستَشْهِدوا شَهِيدَيْن مِمَّن تَرْضَوْن"، ولم يذكر أبو البقاء تضعيفه. وكان ينبغي أن يُضعِّفَه بما ضَعَّف وجهَ الصّفة، وهو للفصلِ بينهما، وضعَّفه أبو حيّان بأنَّ البدلَ يُؤْذِنُ أيضاً بالاختصاص بالشَّهيدين الرَّجلين فَيَعْرَى عنه رجلٌ وامرأتان قال شهاب الدين: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ هذا من بَدَلِ البَعْض إن أخذنا "رِجَالكُمْ" على العموم، أو الكلِّ من الكلِّ إن أخذناهم على الخصوصِ، وعلى كلا التّقديرين، فلا ينفي ذلك عمَّا عداه، وأمّا في الوصف فمسلَّمٌ؛ لأنَّ لها مفهوماً على المختارِ. الرابع: أن يتعلَّقَ باستشهِدوا، أي: استشهدوا مِمَّنْ ترضَوْن. قال أبو حيان: "ويكون قيداً في الجميعِ، ولذلك جاء مُتَأخّراً بعد الجميعِ". قوله: {مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ} يجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أَنَّهُ حالٌ من العائدِ المحذوفِ، والتَّقديرُ: مِمَّن تَرْضَونَه حال كونه بعض الشُّهداءِ. ويجوزُ أن يكونَ بدلاً مِنْ "مِنْ" بإعادةِ العامل، كما تقدَّم في نفسِ {مِمَّن تَرْضَوْنَ}، فيكونُ هذا بدلاً مِنْ بدلٍ على أحدِ القَوْلينِ في كلِّ منهما. فصلٌ قوله {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ} كقوله تعالى في الطلاق: {أية : وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ}تفسير : [الطلاق:2] وهذه الآية تدلُّ على أَنَّهُ ليس كلُّ أحدٍ يكونُ شاهداً، والفقهاءُ شرطوا في الشَّاهد الَّذي تقبلُ شهادته عشرة شروطٍ: أَنْ يكونَ حُرّاً بالغاً، مسلماً عدلاً، عالماً بما شهد به؛ ولا يجر بتلك الشَّهادة منفعة إلى نفسه، ولا يدفع بها مضرَّة عن نفسه، ولا يكون معروفاً بكثرة الغلطِ، ولا بترك المُروءةِ، ولا يكُونُ بينه وبين من يشهد عليه عداوة. وقيل: سبعة: الإِسلامُ، والحريَّةُ، والعقلُ، والبُلُوغُ، والعدالةُ، والمروءةُ وانتفاء التُّهمة. قوله: {أَنْ تَضِلَّ} قرأ حمزة بكسر "إِنْ" على أنَّها شرطيَّةٌ والباقون بفتحها، على أنَّها المصدريةُ النَّاصبةُ، فأمَّا القراءة الأولى، فجوابُ الشَّرط فيها قوله "فتذكِّرُ"، وذلك أَنَّ حمزة رحمه الله يقرأ: "فَتُذَكِّرُ" بتشديدِ الكافِ ورفعِ الراءِ؛ فصَحَّ أن تكونَ الفاءُ، وما في حيِّزها جواباً للشَّرط، ورَفَعَ الفعل؛ لأَنَّهُ على إضمارِ مبتدأ، أي: فهي تُذَكِّر، وعلى هذه القراءة فجملة الشَّرطِ والجزاءِ هل لها محلٌّ من الإِعراب أم لا؟ فقال ابن عطيَّة: إِنَّ محلَّها الرَّفْعُ صفةً "لامْرَأَتَيْن"، وكان قد تقدَّم أنَّ قوله: "مِمَّنْ تَرْضَوْنَ" صفةٌ لقوله "فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَان" قال أبو حيان - رحمه الله -: "فَصَارَ نظيرَ جَاءَني رجُلٌ، وامرأتان عُقَلاَءُ حُبْلَيَان" وفي جواز مثل هذا التّركيب نظرٌ، بل الَّذي تقتضيه الأَقيسة تقديمُ "حُبْلَيَان" على "عُقَلاَء"؛ وأمَّا إذا قيل بأنَّ "ممَّنْ تَرْضَوْن" بدلٌ من رِجَالِكُم، أو مُتعلِّقٌ باستشهِدُوا، فيتعذَّر جعلُه صفةً لامرأتين للزومِ الفصل بين الصِّفة، والموصوفِ بأجنبيّ. قال شهاب الدين - رحمه الله -: وابن عطيَّة لم يَبْتَدِعْ هذا الإِعرابَ، بل سبقه إليه الواحديُّ فإنه قال: وموضعُ الشَّرط وجوابُه رفعٌ بكونهما، وصفاً للمذكورين وهما "امْرَأَتَانِ" في قوله: "فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ" لأنَّ الشَّرطَ والجزاءَ يُوصَفُ بهما، كما يُوصَف بهما في قوله: {أية : ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ}تفسير : [الحج:41]. والظاهرُ أنَّ هذه الجملةَ الشَّرطية مستأنفةٌ للإِخبار بهذا الحُكْم، وهي جوابٌ لسؤالٍ مقدَّر، كأَنَّ قائلاً قال: ما بالُ امرأتين جُعِلَتا بمنزلةِ رجل؟ فأُجيب بهذه الجملة. وأمَّا القراءةُ الثَّانيةُ؛ فـ "أَنْ" فيها مصدريَّة ناصبة للفعل بعدها، والفتحةُ فيه حركةُ إعرابٍ، بخلافها في قراءةِ حمزة، فإنها فتحةُ التقاءِ ساكنين، إذ اللامُ الأولى ساكنةٌ للإِدغام في الثَّانية، مُسَكَّنةٌ للجزم، ولا يُمكنُ إدغامٌ في ساكنٍ، فحرَّكنا الثَّانية بالفتحة هرباً من التقائِهما، وكانتِ الحركةُ فتحةٌ؛ لأَنَّها أَخَفُّ الحركاتِ، وأَنْ وما في حيِّزها في محلِّ نصبٍ، أو جرٍّ بعد حذفِ حرفِ الجَرّ، وهي لامُ العِلَّة، والتَّقديرُ: لأن تَضِلَّ، أو إرادة أَنْ تَضِلَّ. وفي متعلَّقِ هذا الجارِّ ثلاثةُ أوجه: أحدها: أَنَّهُ فِعلٌ مضمرٌ دلَّ عليه الكلامُ السَّابق، إذا التَّقديرُ: فاسْتَشْهِدُوا رَجُلاً وامرأتين لئلا تَضِلَّ إِحداهما، ودلَّ على هذا الفعلِ قوله: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ}، قاله الواحديُّ ولا حاجة إليه؛ لأَنَّ الرَّافع لرجُلٍ وامرأتين مُغنٍ عن تقدير شيءٍ آخر، وكذلك الخبرُ المقدَّرُ لقولك: "فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ" إذ تقديرُ الأول: فَلْيَشهد رجلٌ، وتقديرُ الثاني: فرجلٌ وامرأتان يشهدُون؛ لأَنْ تَضِلَّ، وهذان التَّقديران هما الوجهُ الثَّاني والثَّالث من الثَّلاثةِ المذكورة. فإن قيل هل جُعِل ضلالُ إِحداهما علَّةً لتطلُّب الإِشهاد أو مراداً لله تعالى، على حسبِ التقديرين المذكورين أولاً؟ وقد أَجابَ سيبويه رحمه الله وغيرُه بأن الضلالَ لمَّا كان سبباً للإِذكار، والإِذكارُ مُسبِّباً عنه، وهم يُنَزِّلون كلَّ واحدٍ من السببِ والمُسَبَّب منزلةَ الآخرِ لالتباسهما، واتِّصالهما كانت إرادةُ الضَّلال المُسَبَّب عنه الإِذكارُ إرادةً للإِذكار. فكأنه قيل: إرادة أَنْ تُذَكِّر إِحداهما الأخرى إِنْ ضَلَّتْ، ونظيرُه قولُهم: "أَعْدَدْتُ الخشبةَ أَنْ يميلَ الحائِطُ فأدعمَه، وأعدْدتُ السَّلاح أن يجيء عدوٌّ فأدفعَه" فليس إعدادُك الخشبة؛ لأَنْ يميلَ الحائطُ، ولا إعدادُك السلاح لأن يجيء العدو وإنما للإدغام إذا مال، وللدفع إذا جاء العدو، وهذا مِمَّا يعودُ إليه المعنى ويُهجَرُ فيه جانبُ اللفظ. وقد ذهب الجرجانيُّ في هذه الآيةِ الكريمة إلى أَنَّ التقدير: مخافةَ أَنْ تَضِلَّ؛ وأنشد قول عمروٍ: [الوافر] شعر : 1283-............................ فَعَجَّلْنَا القِرَى أَنْ تَشْتِمُونَا تفسير : أي: "مخافَةَ أَنْ تَشْتِمونا" وهذا صحيحٌ لو اقتصر عليه مِنْ غير أَنْ يُعْطَفَ عليه قوله "فَتُذَكِّرَ"؛ لأنه كان التَّقديرُ: فاستشهدوا رجلاً وامرأتين، مخافةَ أَنْ تضلَّ إحداهما، ولكنَّ عطفَ قوله: "فَتُذَكِّر" يُفسده، إذا يصيرُ التقديرُ: مخافةَ أَنْ تُذكّرَ إحداهما الأخرى، [وإذكارُ إحداهما الأخرى] ليس مخوفاً منه، بَلْ هو المقصودُ، وقال أبو جعفرٍ: "سمعتُ عليّ بن سليمان يحكي عن أبي العباس أَنَّ التقديرَ كراهةَ أَنْ تَضِلَّ" قال أبو جعفر رحمه الله تعالى: "وهو غلطٌ إذ يصير المعنى: كراهةَ أَنْ تُذَكِّرَ إحداهما الأخرى". وذهب الفرَّاء إلى أَن تقدير الآيةِ الكريمة: "كي تذكِّر إِحْدَاهُمَا الأخرى إِنْ ضَلَّت"، فلمَّا قُدِّم الجزاءُ اتَّصَل بما قبلَه ففُتِحَتْ "أَنْ"، قال: ومثلُه من الكلام: "إنه ليعجبُني أَنْ يسأل السَّائلُ فيُعْطى" معناه: إنه ليعجبني أَنْ يُعْطَى السَّائلُ إن سَأَلَ؛ لأَنَّه إنما يُعجِبُ الإِعطاءُ لا السؤالُ، فلمَّا قدَّموا السُّؤالَ على العطيَّة أصحبوه أن المفتوحة لينكشِفَ المعنى، فعنده "أنْ" في "أَنْ تَضِلَّ" للجزاءِ، إِلاَّ أَنَّهُ قُدِّم وفُتِح، وأصله التأخير. وردَّ البصريُّون هذا القول أبلغَ ردٍّ. قال الزّجَّاج: "لَسْتُ أدري لِمَ صارَ الجَزَاءُ [إذا تقدَّم] وهو في مكانهِ وغير مكانه يوجب فتح أن". وقال الفارسيُّ: ما ذكره الفرَّاءُ دَعوى لا دلالةَ عليها، والقياسُ يُفْسِدها، أَلاَ ترى أنَّا نَجِدُ الحرفَ العامل، إذا تغيَّرت حركته؛ لم يُوْجِبْ ذلك تغيُّراً في عملِهِ ولا معناه، كما روى أبو الحسن من فتح اللام الجارَّةِ مع المُظْهر عن يونس، وأبي عُبيدة، وخلف الأَحمرِ، فكما أنَّ هذه اللامَ لمَّا فُتِحَتْ لم يتغيَّر من عملها ومعناها شيءٌ، كذلك "إنْ" الجزائيّة ينبغي، إذا فُتِحت أَلاَّ يتغيَّر عملُها ولا معناها، ومِمَّا يُبْعِدُه أيضاً أنَّا نجدُ الحرفَ العاملَ لا يتغيَّر عملُه بالتقديم و [لا] بالتأخيرِ، تقول "مَرَرْتُ بِزَيْدٍ" وتقول: "بزيدٍ مَرَرْتُ" فلم يتغيَّر عملُ الباءِ بتقديمها من تأخيرٍ. وأجاب ابن الخطيب فقال هاهنا غرضان: أحدهما: حُصُولُ الإِشهاد وهذا لا يتأَتَّى إِلاَّ بتذكير إحدى المرأتين. والثاني: بيانُ تفضيل الرَّجُل على المرأة حتّى يبين أَنَّ إقامة المرأتين مقامَ الرَّجُل الواحد هو العدلُ في القضيَّة، وذلك لا يتأتى إِلاَّ بضلالِ إحدى المرأتين، وإذا كان كُلّ واحد من هذين أعني الإِشهاد، وبيان فضل الرَّجُل على المرأةِ مقصود، فلا سبيلَ إلى ذلك إِلاَّ بإِضلال أَحدهما وتذكر الأخرى، لا جرم صار هذان الأمران مطلُوبين. فصل لَمَّا كان النّسيان غالباً على طباع النِّساءِ لِكثرةِ البَرْدِ والرُّطوبة في أمزجتهنَّ؛ أقيمت المرأتان مقام الرَّجل الواحد؛ لأن اجتماع المرأَتين على النِّسيان أبعد في العقل من صُدُورِ النّسيان عن المرأة الواحدة؛ لأَنَّ إحداهما إذا نسيت؛ ذكَّرتها الأخرى، والمراد بالضَّلال هنا النِّسيان قال أبو عُبيدةَ: الضلال عن الشَّهادة إِنَّما هو نسيانها. قوله: "فَتُذَكِّرَ" وقرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرو: "فَتُذَكِرَ" بتخفيفِ الكافِ، ونصب الرَّاءِ من أَذْكَرْتهُ أي: جَعلُه ذاكراً للشَّيءِ بعد نسيانه، فإِنَّ المراد بالضَّلالِ هنا النسيانُ كقوله تعالى: {أية : قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ}تفسير : [الشعراء:20] وقال في ذلك الفرزدق: [الكامل] شعر : 1284- وَلَقَدْ ضَلَلْتَ أَبَاكَ يَدْعُو دَارِماً كَضَلاَلِ مُلْتَمِسٍ طَريقَ وَبَارِ تفسير : فالهمزةُ في "أَذْكَرْتُهُ" للنقلِ والتَّعدية، والفِعلُ قبلها متعدٍّ لواحدٍ؛ فلا بُدَّ من آخر، وليس في الآية مفعولٌ واحدٌ، فلا بُدَّ من اعتقادِ حذفِ الثَّاني، والتقديرُ فتُذْكر إحداهما الأُخرى الشَّهادة بعد نِسيانها إن نَسِيَتْهَا هذا مشهورٌ قول المفسِّرين. وقد شَذَّ بعضهم قال: مَعْنَى فَتُذَكِرَ إحداهما الأُخرى أي: فتجعلها ذكراً، أي: تُصَيِّرُ حكمها حكم الذَّكر في قبولِ الشَّهادة وروى الأَصمعيُّ عن أبي عمرو بن العلاء قال: "فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى بالتَّشديد فهو من طريقِ التَّذكير بعد النِّسيان، تقولُ لها: هَلْ تَذْكُرين إذ شهدنا كذا يومَ كذا في مكان كذا على فلانٍ، أو فلانة، ومَنْ قرأ "فَتُذكِرَ" بالتَّخفيف فقال: إذا شهدت المرأةُ، ثم جاءَتِ الأخرى؛ فشهِدَت معها، فقد أَذْكَرَتْها لقيامِها مقامَ ذَكَر" ولم يَرْتَضِ المفسِّرون وأهلُ اللِّسان هذا من أبي عمرو، بل لم يُصحِّحوا رواية ذلك عنه لمعرفتهم بمكانتهِ في العلمِ، ورَدُّوه على قائِلِه من وجوهٍ: منها: أنَّ الفصاحةَ تقتضي مقابلة الضَّلالِ المرادِ به النّسيانُ بالإِذكار والتَّذكير، ولا تناسُبَ في المقابلة بما نقل عنه. ومنها: أنَّ النِّساء لو بَلَغْنَ ما بلغْنَ من العددِ لا بدَّ معهنَّ مِنْ رجلٍ، هكذا ذكروا، وينبغي أن يكونَ ذلك فيما يُقْبَلُ فيه الرجلُ مع المرأَتين، وإلاَّ فقد نجدُ النِّساء يَتَمَحَّضْنَ في شهاداتٍ من غيرِ انْضِمام رجلٍ إِليهنَّ. ومنها: أَنَّها لَوْ صَيَّرتها ذكراً؛ لكان ينبغي أن يكونَ ذلك في سائرِ الأحكامِ، ولا يُقتصَرُ به على ما فيه ماليّةٌ وفيه نظرٌ أيضاً، إذ هو مشتركُ الإِلزامِ لأنه يقال: وكذا إذا فسَّرتموه بالتَّذكير بعد النِّسيان لم يَعُمَّ الأحكامَ كلَّها، فما أُجيبَ به فهو جوابُهم أيضاً. وقال الزمخشريُّ: "ومِنْ بِدَع التَّفَاسِير: [فَتُذَكِّرَ] فتجعلَ إحداهما الأخرى ذكَراً، يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلةِ الذَّكَر" انتهى. ولم يجعل هذا القول مختصاً بقراءةٍ دونَ أُخرى. وأمَّا نصبُ الرَّاء؛ فنسقٌ على "أَنْ تَضِلَّ"؛ لأَنَّهما يَقْرآن: "أَنْ تَضِلَّ" بأن النَّاصبةِ، وقرأ الباقون بتشديد الكافِ من "ذَكَّرْتُه" بمعنى جعلتُه ذاكِراً أيضاً، وقد تقدَّم أَنَّ حمزة وحده هو الَّذي يرفع الرَّاءَ. وخرج من مجموع الكلمتين أنَّ القُرَّاءَ على ثلاثِ مراتبَ: فحمزةُ وحدَه: بكسرِ "إِنْ" ويشدد الكافِ ويرفع الرَّاء، وابن كثير: بفتح "أنْ" ويخفف الكاف وينصب الرَّاء، والباقون كذلك، إِلاّ أنهم يُشَدِّدون الكافَ. والمفعولُ الثَّاني محذوفٌ أيضاً في هذه القراءة كما في قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وفَعَّل وأَفْعَل هنا بمعنى: أَكْرَمْتُه وكَرَّمته، وفرَّحته وأَفْرَحته. قالوا: والتَّشديد في هذا اللَّفظ أكثرُ استعمالاً مِنَ التَّخفيف، وعليه قوله: [المتقارب] شعر : 1285- عَلَى أَنَّنِي بَعْدَ مَا قَدْ مَضَى ثَلاَثُونَ لِلْهَجْرِ حَوْلاً كمِيلاَ يُذَكِّرُنِيك حَنِينُ العَجُولِ ونَوْحُ الحَمَامَةِ تَدْعُو هَدِيلاَ تفسير : وقرأ عيسى بن عمرو والجحدريُّ: "تُضَلَّ" مبنيّاً للمفعول، وعن الجحدريّ أيضاً: "تُضِلَّ" بضمِّ التَّاء، وكسر الضَّاد من أضلَّ كذا، أي: أضاعهُ، فالمفعول محذوفٌ أي: تُضِلَّ الشَّهادة. وقرأ حميد بن عبد الرحمن ومجاهدٌ: "فَتَذْكُر" برفع الرَّاءِ، وتخفيف الكافِ، وزيدُ بن أسلمَ "فتُذاكِرُ" من المذاكرة. وقوله: إحداهما" فاعل، "والأخرى" مفعولٌ، وهذا مِمَّا يجبُ تقديمُ الفاعلِ فيه لخفاءِ الإِعراب، والمعنى نحو: ضَرَب مُوسَى عِيسَى. قال أبو البقاء: فـ "إحداهما" فاعلٌ، و "الأخرى" مفعول، ويصحُّ العكسُ، إلا أنه يمتنع على ظاهرِ قول النَّحويّين في الإِعراب، لأَنَّهُ إذا لم يظهر الإعرابُ في الفاعلِ والمفعولِ، وجَبَ تقديمُ الفاعل فيما يُخاف فيه اللَّبسُ، فعلى هذا إذا أُمِنَ اللَّبْسُ جاز تقديم المفعولِ كقولك: "كَسَرَ العَصَا مُوسَى"، وهذه الآيةُ من هذا القبيلِ، لأنَّ النِّسيان، والإِذكارَ لا يتعيَّنُ في واحدةٍ منهما، بل ذلك على الإِبهامِ، وقد عُلِم بقوله: "فَتُذَكِّرَ" أنَّ الَّتي تُذَكِّر هي الذَّاكرةُ، والتي تُذَكَّر هي النَّاسية، كما علم من لفظ "كَسَر" مَنْ يصحُّ منه الكَسْرُ، فعلى هذا يجوز أن يُجْعل "إِحْدَاهُما" فاعلاً، و "الأُخْرَى" مفعولاً وبالعكس انتهى. ولمَّا أبهم الفاعل في قوله: "أَنْ تَضِلَّ إحداهما" أَبْهَمَ أيضاً في قوله: "فَتُذَكِّرَ إحداهما"؛ لأنَّ كلاًّ من المَرْأَتين يجوزُ [عليها ما يجوزُ] على صاحبتها من الإِضلالِ، والإِذكارِ، والمعنى: إن ضلَّت هذه أَذْكَرَتْها هذه، فَدَخَلَ الكلامَ معنى العموم. قال أبو البقاء: فإنْ قيل: لِمَ لَمْ يَقُلْ: "فَتُذَكِّرَها الأُخرَى"؟ قيل فيه وجهان: أحدهما: أَنَّهُ أَعاد الظَّاهر، ليدلَّ على الإِبهام في الذِّكر والنّسيان، ولو أَضمرَ لتعَيَّن عودُه على المذكور. والثاني: أنه وضع الظَّاهر موضع المضمرِ، تقديره: "فَتُذَكِّرهَا" وهذا يَدُلُّ على أن "إحداهما" الثانية مفعولٌ مقدمٌ، ولا يجوزُ أن يكونَ فاعلاً في هذا الوجه؛ لأنَّ المُضَمرَ هو المُظْهَرُ بعينه، والمُظْهَرُ الأول فاعل "تضِلَّ"، فلو جعل الضَّمير لذلك المظهر؛ لكانت النَّاسيةُ حقاً هي المُذَكِّرَة، وهو مُحالٌ قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى -: وقد يتبادرُ إلى الذهن أنَّ الوجهين راجعان لوجهٍ واحدٍ قبل التأمُّل؛ لأنَّ قوله: "أَعادَ الظَّاهِرَ" قريبٌ من قوله: "وَضَعَ الظاهرَ مَوْضِعَ المضمر". و "إِحْدَى" تأنيثُ "الواحِد" قال الفارسيُّ: أَنَّثُوه على غيره بنائِه، وفي هذا نظرٌ، بل هو تأنيثُ "أحَد" يقابُلونها به في: أحد عشرَ وإحدى عشرة وأحدٍ وعشرين وإحدى وعشرين، وتُجْمَعُ "إِحْدَى" على "إِحَد" نحو: كِسْرَة وكِسَر. قال أبو العباس: "جَعَلُوا الألفَ في الإِحْدَى بمنزلةِ التاء في "الكِسْرَة"، فقالوا في جمعها: "إِحَد"؛ كما قالُوا: كِسْرَة وكِسَر؛ كما جعلوا مثلها في الكُبْرَى والكُبَر، والعُلْيا والعُلَى، فكما جعلوا هذه كظُلمة، وظُلَم جعلوا الأولَ كسِدْرَة وسِدَر" قال: "وكَمَا جعلوا الألف المقصُورة بمنزلةِ التَّاءِ فيما ذُكِر؛ وجعلوا الممدودةَ أيضاً بمنزلتها في قولهم "قَاصِعَاء وقَوَاصع" و "دَامَّاء ودَوَامّ"، يعني: أنَّ فاعلة نحو: ضارِبَة تُجمع على ضَوارِب، كذا فاعِلاَء؛ نحو: قاصِعَاء، ورَاهِطَاء تُجْمَعُ على فَوَاعِل؛ وأنشد ابن الأعرابيّ على إحدى وإِحَد قول الشاعر: [الرجز] شعر : 1286- حَتَّى اسْتَثَارُوا بِيَ إِحْدَى الإِحَدِ لَيْثاً هِزَبْراً ذَا سِلاَحٍ مُعْتدِي تفسير : قال: يقال: هو إحدى الإِحَدِ، وأَحَدُ الأَحَدَيْنِ، وواحدُ الآحادِ، كما يقال: واحدٌ لا مثل له، وأنشد البيت. واعلَم أنَّ "إِحْدَى" لا تُستعمل إلا مُضَافَةً إلى غيرها؛ فيقال: إِحْدَى الإِحَدِ وإِحْدَاهُما، ولا يقال: جاءَتْني إِحْدى، ولا رأيتُ إِحْدَى، وهذا بخلافِ مذكَّرها. و "الأُخرى" تأنيث "آخرَ" الذي هو: أَفْعَلُ التَّفضيل، وتكونُ بمعنى آخِرة؛ كقوله تعالى: {أية : قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ}تفسير : [الأعراف:38]، ويُجْمَعُ كلٌّ منهما على "أُخَر"، ولكنَّ جمع الأُولَى ممتنعٌ من الصَّرفِ، وفي علَّته خلافٌ، وجمعُ الثانية منصرفٌ، وبينهما فرقٌ يأتي إيضاحه إن شاء اللهُ تعالى في الأَعراف. فصلٌ أجمع الفقهاءُ على أنَّ شهادة النِّساء جائزةٌ مع الرِّجال في الأموال، حتى يثبت برجُل وامرأتين، واختلفوا في غير الأموال، فقال سُفيانُ الثَّوريُّ وأصحابُ الرَّأي: تجوز شهادتُهُنَّ مع الرِّجال في غير العُقُوباتِ. وذهب جماعةٌ إلى أَنّ غير المال، لا يثبُتُ إِلاَّ برجلين عدلين وذهب الشَّافعيُّ، وأحمدُ إلى: أنّ ما يطلع عليه النِّساءُ غالباً كالولادة والرّضاع، والثُّيوبة والبكارةِ ونحوها يَثْبُتُ بشهادة رجلٌ وامرأتين، وبشهادة أربع نسوةٍ. وعن أحمد: يثبت بشهادةِ امرأة عدلٍ، واتَّفَقُوا على أن شهادة النّساء لا تجوز في العُقُوباتِ. فصلٌ قال القُرطبيُّ: لما جعل اللهُ تعالى شهادة امرأتين بَدَلَ شهادة رجل؛ وجب أن يكون حكمهما حُكْمُه، فكما له أن يحلف مع الشَّاهد عندنا، وعند الشَّافعي، كذلك يجبُ أن يحلف مع شهادةِ امرأتين بمُطْلق هذه العِوضيَّة، وخالف في هذا أبُو حنيفة، وأصحابُهُ، فلم يروا اليمين مع الشَّاهد. قالوا: لأَنَّ اللهَ تعالى قسم الشَّهادة، وعددها، ولم يذكر الشَّاهد مع اليمين، فلا يجوزُ القضاءُ به؛ لأَنَّهُ يكُونُ قسماً ثالثاً على ما قسَّمه الله، وهذه زيادةٌ على النَّصِّ، فيكون نسخاً، وهذا قولُ الثَّوري، والأوزاعي والحكم بن عُتَيْبَة وطائفة. قال بعضهم: الحكم باليمين مع الشَّاهد منسوخٌ بالقرآن، وزعم عطاءٌ أنَّ أوَّل من قضى به عبد الملك بن مروان. وقال الحكم: القضاء باليمين والشَّاهد بدعةٌ، وهو كلُّه غلط، وليس في قوله تعالى: {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ} الآية ما يرد به قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باليمين، والشاهد؛ ولا أنَّه لا يتوصل إلى الحقوق إلاَّ بما ذكر فيها لا غير، فإنَّ ذلك يبطل بنكول المطلوب ويمين الطَّالب، فإن ذلك يستحقّ به المال إجماعاً، وليس هو في الآية، مع أنَّ الخلفاء الأربعة: قضوا بالشَّاهد واليمين، وقضى به أُبيُّ بن كعبٍ، ومعاوية وشريحٌ وعمر بن عبد العزيز، وكتب به إلى عمَّاله، وإياس بن معاوية، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو الزّناد وربيعة. قال مالك: أترى هؤلاء تنقض أحكامهم، ويحكم ببدعتهم مع ما روى ابن عباس أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -: قضى بالشَّاهد مع اليمين. قوله: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ} مفعوله محذوفٌ لفهم المعنى، أي: لا يأبون إقامة الشهادة، وقيل: المحذوف مجرور لأن "أبى" بمعنى امتنع، فيتعدَّى تعديته أي من إقامة الشهادة. قوله: {إِذَا مَا دُعُواْ} ظرفٌ لـ "يَأْبَ" أي: لا يمتنعون في وقت [دَعْوَتهم] لأدائها، أو لإقامتها، ويجوز أن تكون [متمحضةً للظرف، ويجوز أن تكون] شرطيةً والجواب محذوفٌ أي: إذا دُعُوا فلا يأبوا. فصل في الآية وجوه: أحدها: أنَّ هذا نهيٌ للشَّاهد عن الامتناع عن أداء الشَّهادة عند احتياج صاحب الحقّ إليها. الثاني: أراد إذا دُعُوا لتحمل الشَّهادة على الإطلاق، وهو قول قتادة، واختيار القفَّال، قال كما أمر الكاتب ألاَّ يأب الكتابة، كذلك أمر الشَّاهد ألاَّ يأب من تحمل الشَّهادة، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يتعلَّق بالآخر وفي عدمها ضياع الحقوق، وسمَّاهم شهداء على معنى أنهم يكونون شهداء، وهو أمر إيجابٍ عند بعضهم. الثالث: المراد تحمّل الشَّهادة إذا لم يوجد غيره، فهو مخير، وهو قول الحسن. الرابع: قال الزَّجَّاج، وهو مروي عن الحسن أيضاً، وهو قول مجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبيرٍ: المراد مجموع الأمرين التحمُّل أولاً، والأداء ثانياً. قال الشعبي: الشَّاهد بالخيار ما لم يشهد وقال قومٌ: هو أمر ندب، وهو مخيّر في جميع الأحوال. قال القرطبيُّ: قد يؤخذ من هذه الآية دليلٌ على أنَّه يجوز للإمام أن يقيم للنَّاس شهوداً، ويجعل لهم من بيت المال كفايتهم، فلا يكون لهم شغلٌ إلاَّ تحمل حفظ حقوق النَّاس، وإن لم يكن ذلك؛ ضاعت الحقوق وبطلت. فصل قال القرطبيُّ: دلَّت هذه الآية على أنَّ الشَّاهد يمشي إلى الحكم، وهذا أمر بُني الشَّرع عليه، وعمل به في كلّ مكان وزمان، وفهمته كلُّ أمَّةٍ. وإذا ثبت هذا فالعبد خارجٌ عن جملة الشُّهداء، فيخص عموم قوله: "مِنْ رِجَالِكُمْ" لأنَّه لا يمكنه أن يجيب؛ لأنَّه لا استقلال له بنفسه، فلا يصحُّ له أن يأتي فانحطّ عن منصب الشَّهادة، كما انحطَّ عن منصب الولاية، وكما انحطَّ عن فرض الجمعة وعن الجهاد والحجّ. قوله: {وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ} والسَّأم والسآمة: الملل من الشَّيء والضَّجر منه. قوله: {أَن تَكْتُبُوهُ} مفعولٌ به إن شئت جعلته مع الفعل مصدراً تقديره: "ولا تَسْأَمُوا كِتَابَتَه"، وإن شئت بنزع الخافض والنَّاصب له "تَسْأَموا"؛ لأنه يتعدَّى بنفسه قال: [الطويل] شعر : 1287- سَئِمْتُ تَكَالِيف الحَيَاةِ ومَنْ يَعِشْ ثَمَانِينَ حَوْلاً لاَ أَبَا لَكَ يَسْأَمِ تفسير : وقيل: بل يتعدَّى بحرف الجرّ، والأصل: من أن تكتبوه، فحذف حرف الجرِّ للعلم به، فيجري الخلاف المشهور في "أَنْ" بعد حذفه، ويدلُّ على تعدِّيه بـ "مِنْ" قوله: [الكامل] شعر : 1288- وَلَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الحَيَاةِ وَطُولِهَا وَسُؤَالِ هَذَا النَّاسِ كَيْفَ لَبِيدُ تفسير : والهاء: في "تَكْتبوه" يجوز أن تكون للدَّين في أوَّل الآية، وأن تكون للحقّ في قوله: {فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ}، وهو أقرب مذكورٍ، والمراد به "الدَّيْن" وقيل: يعود على الكتاب المفهوم من "تَكْتبوه" قاله الزَّمخشريُّ. و {صَغِيراً أَو كَبِيرا} حالٌ، أي: على أيّ حالٍ كان الدَّين قليلاً أو كثيراً، وعلى أيِّ حالٍ كان الكتاب مختصراً، أو مشبعاً، وجوَّز السَّجاونديُّ انتصابه على خبر "كان" مضمرةً، وهذا لا حاجة تدعو إليه، وليس من مواضع إضمارها. وقرأ السُّلميُّ: "وَلاَ يَسْأَمُوا أَنْ يَكْتبُوهُ" بالياء من تحت فيهما. والفاعل على هذه القراءة ضمير الشُّهداء، ويجوز أن يكون من باب الالتفات، فيعود: إمَّا على المتعاملين وإمَّا على الكتَّاب. فصل والمقصود من الآية الكريمة الحثُّ على الكتابة قلَّ المال، أو كثر، فإنَّ النِّزاع في المال القليل ربَّما أدَّى إلى فسادٍ عظيم، ولجاج شديد. فإن قيل: هل تدخل الحبة والقيراط في هذا الأمر؟ فالجواب: لا، لعدم جريان العادة به. قوله: "إِلَىٰ أَجَلِهِ" فيه ثلاثة أوجهٍ: أظهرها: أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ، أي: أن تكتبوه مستقرّاً في الذّمَّة إلى أجل حلوله. والثاني: أنه متعلِّقٌ بتكتبوه، قاله أبو البقاء. وردَّه أبو حيان فقال: "متعلقٌ بمحذوفٍ لا بـ "تَكْتُبُوهُ" لعدم استمرار الكتابة إلى أجل الدَّين، إذ ينقضي في زمن يسير، فليس نظير: سِرْتُ إلى الكُوفَةِ". والثالث: أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من الهاء، قاله أبو البقاء. قوله: "ذَلِكم" مشارٌ به لأقرب مذكورٍ وهو الكتب. وقال القفَّال: إليه وإلى الإشهاد. وقيل: إلى جميع ما ذكر وهو أحسن. و "أَقْسَطُ" قيل: هو من أقسط إذا عدل، ولا يكون من قسط، [لأن قسط] بمعنى جار، وأقسط بمعنى عدل، فتكون الهمزة للسَّلب، إلا أنه يلزم بناء أفعل من الرباعي، وهو شاذٌّ. قال الزَّمخشريُّ: "فإن قلتَ ممَّ بني أفعلا التّفضيل - أعني أقسط وأقوم؟ - قلت: يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيَّين من "أَقْسَطَ"، و "أَقَامَ" وأن يكون "أَقْسَط" من قاسط على طريقة النَّسب بمعنى: ذي قسطٍ؛ و "أَقْوَم" من قويم". قال أبو حيَّان رحمه الله: لم ينصَّ سيبويه على أنَّ أفعل التّفضيل يبنى من "أَفْعل"، إنَّما يؤخذ ذلك بالاستدلال، فإنَّه نصَّ في أوائل كتابه على أنَّ "أَفْعَل" للتعجب يكون من فَعَلَ وفَعِلَ وفَعُلَ وأَفْعَلَ، فظاهر هذا أن "أَفْعَل" للتعجب يبنى منه أفعل للتَّفضيل، فما جاز في التَّعجب جاز [في] التَّفضيل، وما شذَّ فيه شذَّ فيه. وقد اختلف النَّحويُّون في بناء التَّعجُّب، وأفعل التَّفضيل من أفعل على ثلاثة مذاهب: الجواز مطلقاً، والمنع مطلقاً، والتفضيل بين أن تكون الهمزة للنَّقل، فيمتنع، أو لا فيجوز، وعليه يؤوَّل الكلام، أي: كلام سيبويه، حيث قال: "إنه يبنى من أفعل"، أي: الذي همزته لغير التَّعدية. ومن منع مطلقاً قال: "لم يَقُلْ سيبويه، وأفعل بصيغة الماضي" إنَّما قالها أفعل بصيغة الأمر، فالتبس على السَّامع، يعني: أنه يكون فعل التّعجب على أفعل، بناؤه من فَعَلَ، وفَعِل، وفَعُل، وعلى أَفْعِلْ. ولهذه المذاهب موضع هو أليق بالكلام عليها. ونقل ابن عطيَّة أنه مأخوذٌ من "قَسُطَ" بضمِّ السِّين نحو: "أَكْرَمَ" من "كَرُم". وقيل: هو من القسط بالكسر وهو العدل، وهو مصدر لم يشتقَّ منه فعلٌ، وليس من الإقساط؛ لأنَّ أفعل لا يبنى من "الإِفْعَالِ". وهذا كله بناء منهم على أنَّ الثلاثيَّ بمعنى الجور والرُّباعيَّ بمعنى العدل. ويحكى أنَّ سعيد بن جبيرٍ لمَّا سأله الظَّالم [الحجَّاج] بن يوسف: ما تقول فيَّ؟ فقال: "أقولُ إنّك قَاسِطٌ عَادِلٌ"، فلم يفطن له إلا هو، فقال: إنه جعلني جائراً كافراً، وتلا قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً}تفسير : [الجن:15] {أية : ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}تفسير : [الأنعام:1]. وأمَّا إذا جعلناه مشتركاً بين عدل، وبين جار فالأمر واضحٌ قال ابن القطَّاع: "قَسَط، قُسُوطاً، وقِسْطاً: جار وعَدَل ضِدٌّ". وحكى ابن السِّيد في كتاب: "الاقْتِضَابِ" له عن ابن السَّكِّيت في كتاب: "الأَضْدَادِ" عن أبي عبيدة: "قَسَطَ: جارَ، وقَسَط، [عَدَل]، وأقْسطَ بالألفِ عَدَلَ لا غير". وقال أبو القاسم الرَّاغب الأصبهاني: "القِسْطُ أَنْ يأخذ قسط غيره، وذلك جورٌ، والإقساط أن يعطي قسطَ غيره، وذلك إنصافٌ، ولذلك يقول: قَسَط إذا جَارَ، وأقْسَط إذا عَدَل". والقسط: اسم، والإقساط مصدر يقال: أقسط فلانٌ في الحكم يقسط إقساطاً، إذا عدل، فهو مقسطٌ. قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ}تفسير : [المائدة:42] ويقال: هو قاسط إذا جار فقال تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً}تفسير : [الجن:15] {أية : ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}تفسير : [الأنعام:1]، وأمَّا إذا جعلناه مشتركاً بين عدل وبين جار فالأمر واضحٌ. قال ابن القطَّاع: قَسَطَ قُسُوطاً، وقسطاً: جَارَ، وعَدَلَ ضدٌّ، وسيأتي لهذا مزيد بيانٍ في سورة النساء إن شاء الله تعالى. قوله: {عِندَ ٱللهِ} ظرفٌ منصوبٌ بـ "أَقْسَط"، أي في حكمه. وقوله: "وَأَقْوَمُ" إنَّما صحَّت الواو فيه؛ لأنه أفعل تفضيل، وأفعل التَّفضيل يصحُّ حملاً على فعل التَّعجُّب، وصحَّ فعل التَّعجُّب لجريانه مجرى الأسماء لجموده وعدم تصرُّفه. و "وَأَقْومُ" يجوز أن يكون من "أَقَامَ" الرُّباعي المتعدِّي؛ لكنَّه حذف الهمزة الزَّائدة، ثمَّ أتى بهمزة [أفعل] كقوله تعالى: {أية : أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ}تفسير : [الكهف:12] فيكون المعنى: أثبت لإقامتكم الشهادة، ويجوز أن يكون من "قام" اللازم ويكون المعنى: ذلك أثبت لقيام الشَّهادة، وقامت الشهادة: ثبتت، قاله أبو البقاء. قوله: "لِلشَّهَادَةِ" متعلِّقٌ بـ "أَقْوَم"، وهو مفعولٌ في المعنى، واللاَّم زائدةٌ ولا يجوز حذفها ونصب مجرورها بعد أفعل التَّفضيل إلاَّ لضرورة؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1289-....................... وَأَضْرَبَ مِنَّا بِالسُّيُوفِ القَوَانِسَا تفسير : وقد قيل: "إن "القَوانسَ" منصوبٌ بمضمر يدلُّ عليه أفعل التَّفضيل، هذا معنى كلام أبي حيّان، وهو ماشٍ على أنّ "أَقْوَم" من أقام المتعدّي، وأمَّا إذا جعلته من "قَام" بمعنى ثبت فاللاَّم غير زائدة. قوله: {أَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ}، أي: أقرب، وحرف الجرّ محذوفٌ، فقيل: هو اللاَّم أي: أدنى لئلاَّ ترتابوا، وقيل هو "إلَى" وقيل: هو "من"، أي: أدنى إلى ألاّ ترتابوا، وأدنى من ألا ترتابوا. وفي تقديرهم: "مِنْ" نظرٌ، إذ المعنى لا يساعد عليه. و "تَرْتَابُوا": تفتعلوا من الرِّيبة، والأصل: "تَرْتَيِبُوا"، فقلبت الياء ألفاً لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها. والمفضَّل عليه محذوفٌ لفهم المعنى، أي: أقسط وأقوم، وأدنى لكذا من عدم الكتب، وحسَّن الحذف كون أفعل خبراً للمبتدأ بخلاف كونه صفةً، أو حالاً. وقرأ السُّلميُّ: "ألاّ يَرْتَابُوا" بياء الغيبة كقراءة: "وَلاَ يَسْأَمُوا أَنْ يكتبُوهُ" وتقدَّم توجيهه. فصل في فوائد الإشهاد والكتابة اعلم أنَّ الكتابة، والاستشهاد تشتمل على ثلاث فوائد: الأولى: قوله: {أَقْسَطُ عِندَ ٱللهِ}، أي: أعدل عند الله وأقرب إلى الحقّ. والثانية: قوله: {أَقْومُ لِلشَّهَادَةِ}، أي: أبلغ في استقامته التي هي ضد الاعوجاج؛ لأنَّ المنتصب القائم ضدّ المنحني المعوج، وإنَّما كانت أقوم للشَّهادة؛ لأنها سبب للحفظ والذكر، فكانت أقرب إلى الاستقامة. والفرق بين الفائدة الأولى والثانية أن الأولى تتعلّق بتحصيل مرضاة الله، والثانية تتعلّق بتحصيل مصلحة الدُّنيا، ولهذا قدمت الأولى عليها؛ لأن تقديم مصلحة الدّين على مصلحة الدُّنيا واجب. الفائدة الثالثة: قوله: {وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ} يعني أقرب إلى زوال الشَّكِّ والارتياب عن قلوب المتداينين، فالفائدة الأولى إشارة إلى تحصيل مصلحة الدِّين. والثَّانية: إشارة إلى تحصيل مصلحة الدُّنيا. والثالثة: إشارة إلى دفع الضَّرر عن النَّفس وعن الغير، أمَّا عن النَّفس فلأنه يبقى في الفكران، أنَّ هذا الأمر كيف كان، وهذا الذي قلت: هل كان صدقاً، أو كذباً، أمَّا عن الغير، فلأنّ ذلك الغير ربَّما نسبه إلى الكذب، فيقع في عقاب الغيبة. قوله: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً} في هذا الاستثناء قولان: أحدهما: أنه متَّصل قال أبو البقاء: "والجُمْلَةُ المستثناة في موضع نصبٍ؛ لأنَّه استثناءٌ [من الجنس] لأنه أمرٌ بالاستشهاد في كلِّ معاملةٍ، فالمستثنى منها التجارة الحاضرة، والتَّقدير: إلاَّ في حال حضور التِّجارة". والثاني: أنَّه منقطع، قال مكي بن أبي طالبٍ: و "أَنْ" في موضع نصبٍ على الاستثناء المنقطع" وهذا هو الظَّاهر، كأنه قيل: لكنّ التّجارة الحاضرة، فإنَّه يجوز عدم الاستشهاد والكتب فيها. وقرأ عاصم هنا "تِجَارَةً" بالنَّصب، وكذلك "حَاضِرَةً"؛ لأنها صفتها، ووافقه الأخوان، والباقون قرءوا بالرَّفع فيهما. فالرَّفع فيه وجهان: أحدهما: أنها التامة، أي: إلا أن تحدث، أو تقع تجارة، وعلى هذا فتكون "تُدِيرونها" في محلِّ رفع صفةً لتجارة أيضاً، وجاء هنا على الفصيح، حيث قدَّم الوصف الصريح على المؤول. والثاني: أن تكون النَّاقصة، واسمها "تِجَارَةٌ" والخبر هو الجملة من قوله: "تُدِيرُونَهَا" كأنه قيل: إلا أنَّ تكون تجارةٌ حاضرةٌ مدارةٌ، وسوَّغ مجيء اسم كان نكرةً وَصْفُه، وهذا مذهب الفراء و [تابعه] آخرون. وأمَّا قراءة عاصمٍ، فاسمها مضمرٌ فيها، فقيل: تقديره: إلا أن تكون المعاملة، أو المبايعة، أو التجارة. وقدَّره الزَّجاج إلاَّ أن تكون المداينة، وهو أحسن. وقال الفارسيُّ: "ولا يجوز أن يكون [التَّداينُ] اسم كان؛ لأنَّ التَّداين معنًى، والتّجارة الحاضرة يراد بها العين، وحكم الاسم أن يكون الخبر في المعنى، والتَّداين حقٌّ في ذمة المستدين، للمدين المطالبة به، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون اسم كان لاختلاف التَّداين، والتّجارة الحاضرة" وهذا الرد لا يظهر على الزجاج، لأنَّ التِّجارة أيضاً مصدرٌ، فهي معنًى من المعاني لا عينٌ من الأعيان، وأيضاً فإنَّ من باع ثوباً بدرهم في الذِّمَّة بشرط أن يؤدى الدّرهم في هذه السَّاعة، كان مداينة، وتجارةً حاضرة. وقال الفارسيُّ أيضاً: ولا يَجُوزُ أيضاً أن يكون اسمها "الحَقُّ" الذي في قوله: {فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ} للمعنى الذي ذكرنا في التَّداين، لأنَّ ذلك الحقَّ دينٌ، وإذا لم يجز هذا لم يخل اسم كان من أحد شيئين: أحدهما: أنَّ هذه الأشياء التي اقتضت من الإشهاد، والارتهان قد علم من فحواها التبايُع، فأضمر التَّبايع لدلالة الحال عليه كما أضمر لدلالة الحال فيما حكى سيبويه رحمه الله: "إذا كَانَ غَداً فَأتني"؛ وينشد على هذا: [الطويل] شعر : 1290- أَعَيْنَيَّ هَلاَّ تَبْكِيَانِ عِفَاقَا إِذَا كَانَ طَعْناً بَيْنَهُمْ وَعِنَاقَا تفسير : أي: إذا كان الأمر. والثاني: أن يكون أضمر التِّجارة؛ كأنه قيل: إلاَّ أن تكون التِّجارة تجارةً؛ ومثله ما أنشده الفرَّاء رحمه الله: [الطويل] شعر : 1291- فدًى لِبَنِي ذُهْلِ بنِ شَيْبَانَ نَاقَتِي إِذَا كَانَ يَوْماً ذَا كَوَاكِبَ أَشْهَبَا تفسير : وأنشد الزمخشريُّ: [الطويل] شعر : 1292- بَنِي أَسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاَءَنَا إِذَا كَانَ يَوْماً ذَا كَوَاكِبَ أَشْنَعَا تفسير : أي: إذا كان اليوم يوماً، و "بَيْنَكُم" ظرفٌ لتديرونها. قوله: "فَلَيْسَ" قال أبو البقاء: "دَخَلَتِ الفَاءُ في "فَلَيْسَ" إيذاناً بتعلُّق ما بعدها بما قبلها" قال شهاب الدين رحمه الله تعالى: هي عاطفةٌ هذه الجملة على الجملة من قوله: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً} إلى آخرها، والسَّببيَّة فيها واضحةٌ أي: بسببٍ عن ذلك رفع الجناح في عدم الكتابة. وقوله: "أَنْ لا تَكْتبوها" أي: "في أن لا"، فحذف حرف الجر فبقي في موضع "أَنْ" الوجهان. فصل التِّجارة عبارةٌ عن التَّصرُّف في المال سواء كان حاضراً أو في الذِّمَّة لطلب الرِّبح، يقال: تجر الرَّجل يتجر تجارةً، فهو تاجرٌ. قال النَّوويُّ في "التَّهْذِيبِ": "ويقال: اتَّجر يتَّجر تجراً، وتجارةً فهو تاجرٌ، والجمع تجار كصاحب، وصحاب، ويقال أيضاً: تجَّار بتشديد الجيم كفاجرٍ، وفجَّارٍ". وقال في "المُهَذَّبِ" في آخر "بَابِ زَكَاةِ الزَّرْعِ" يجب العشر والخراج، ولا يمنع أحدهما الآخر كأجرة المتجر، وزكاة التجارة، فالمتجر بفتح الميم، وإسكان التَّاء، وفتح الجيم، والمراد به المخزون وصرَّح به صاحب "المُهَذَّبِ" في كتابه "الخِلاَفُ" فقال: كأجرة المخزون، وكذا ذكره غيره من أصحابنا. فصل وسواء كانت المبايعة بدينٍ، أو بعينٍ، فالتِّجارة تجارةٌ حاضرةٌ فقوله: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً} لا يمكن حمله على ظاهره، بل المراد من التِّجارة ما يتجر فيه من الأبدال، ومعنى إدارتها بينهم معاملتهم فيها يداً بيدٍ، ومعنى نفي الجناح، أي: لا مضرّة عليكم في ترك الكتابة، ولم يرد نفي الإثم، لأنَّه لو أراد الإثم؛ لكانت الكتابة المذكورة واجبة عليهم، ويأثم صاحب الحقّ بتركها، وقد ثبت خلافه، وبيان أنَّه لا مضرَّة عليهم في تركها؛ لأنَّ التِّجارة الحاضرة تقع كثيراً، فلو تكلَّفوا فيها الكتابة، والإشهاد؛ يشقُّ عليهم، وأيضاً فإنَّ كلَّ واحدٍ من المتعاملين إذا أخذ حقَّه من صاحبه في المجلس؛ لم يكن هناك خوف التَّجاحد، فلا حاجة إلى الكتابة، والإشهاد. قوله: "وَأَشْهِدُوۤاْ": هذا أمر إرشاد إلى طريق الاحتياط. قال أكثر المفسِّرين: إنَّ الكتابة، وإن رفعت عنهم في التِّجارة الحاضرة؛ فلا يرفع الإشهاد؛ لأن الإشهاد بلا كتابة تخف مؤنته. قوله: {إِذَا تَبَايَعْتُمْ} يجوز أن تكون شرطيةً، وجوابها: إمَّا متقدّم عند قومٍ، وإمَّا محذوف لدلالة ما تقدَّم عليه تقديره: إذا تبايعتم فأشهدوا، ويجوز أن تكون ظرفاً محضاً، أي: افعلوا الشَّهادة وقت التبايع. قوله: "وَلاَ يُضَآرَّ" العامَّة على فتح الرَّاء جزماً، ولا ناهيةٌ، وفتح الفعل لما تقدَّم في قراءة حمزة: "إِن تَضِلَّ". ثمَّ هذا الفعل يحتمل أن يكون مبنيّاً للفاعل، والأصل: "يُضَارِرْ" بكسر الرَّاء الأولى، فيكون "كَاتِب"، و "شَهِيد" فاعلين نهيا عن مضارَّة المكتوب له، والمشهود له، نهي الكاتب عن زيادة حرف يبطل به حقّاً أو نقصانه، ونهي الشَّاهد عن كتم الشَّهادة، واختاره الزجاج، ورجَّحه بأنَّ الله تعالى قال: {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ}، ولا شكَّ أنَّ هذا من الكاتب والشَّاهد فسقٌ، ولا يحسن أن يكون إبرام الكاتب والشهيد والإلحاح عليهما فسقاً. لأنَّ اسم الفسق بمن يحرف الكتابة، وبمن يمتنع عن الشَّهادة؛ حتّى يبطل الحقّ بالكليّة أولى منه بمن أضرّ الكاتب والشَّهيد؛ ولأنه تبارك وتعالى قال فيمن يمتنع عن أداء الشَّهادة "{أية : وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}تفسير : [البقرة:283] والإثم والفسق متقاربان وهذا في التَّفسير منقول عن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - ومجاهد وطاوس، والحسن وقتادة. ونقل الدَّاني عن ابن عمر، وابن عبَّاس، ومجاهد، وابن أبي إسحاق أنهم قرءوا الرَّاء الأولى بالكسر، حين فكُّوا. ويحتمل أن يكون الفعل فيها مبنيّاً للمفعول، والمعنى: أنَّ أحداً لا يُضَارِرُ الكاتب ولا الشَّاهد، ورجَّح هذا بأنه لو كان النَّهي متوجِّهاً للكاتب والشّهيد لقال: "وإِنْ تفعلا فإنه فسوقٌ بكما"، ولأنَّ السياق من أول الآيات إنما هو للمكتوب له والمشهود له بأن يودّهما ويمنعهما من مهمَّاتها، وإذا كان خطاباً للذين يقدمون على المداينة، فالمنهيُّون عن الضِّرار هم، وهذا قول ابن عباس وعطاء ومجاهد وابن مسعود. ونقل الداني أيضاً عن ابن عمر وابن عباس ومجاهد أنهم قرءوا الراء الأولى بالفتح. فالآية عندهم محتملةٌ للوجهين ففسروا وقرءوا بهذا المعنى تارةً وبالآخر أخرى. وقرأ أبو جعفر، وعمرو بن عبيدٍ: "ولا يُضارّ" بتشديد الرّاء ساكنةً وصلاً، وفيها ضعفٌ من حيث الجمع بين ثلاث سواكن، لكنَّه لمَّا كانت الألف حرف مدٍّ؛ قام مدُّها مقام حركةٍ، والتقاء السَّاكنين مغتفرٌ في الوقف، ثم أجري الوصل مجرى الوقف في ذلك. وقرأ عكرمة: "ولا يُضَارِرْ كَاتِباً وَلاَ شَهِيداً" بالفكِّ، وكسرِ الراءِ الأولى، والفاعلُ ضميرُ صاحب الحق، ونَصْب "كاتباً"، و "شهيداً" على المَفْعُول به، أي: لا يضارِرْ صَاحِبُ حقٍّ كاتباً ولا شهيداً بأن يُجبِرَهُ ويُبْرِمَه بالكِتَابَة والشهادةِ؛ أو بأَنْ يحمِلَه على ما لا يَجُوز. وقرأ ابن محيصن: "ولا يُضارُّ" برفع الرَّاء، وهو نفيٌ فيكون الخبر بمعنى النهي كقوله: {أية : فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ}تفسير : [البقرة:197]. وقرأ عكرمة في رواية مقسم: "ولا يُضارِّ" بكسر الرَّاء مشدَّدةً على أصل التقاء الساكنين. وقد تقدَّم تحقيقُ هذه عند قوله: {أية : لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا}تفسير : [البقرة:233]. قوله: {وَإِن تَفْعَلُواْ}، أي: تفعلوا شيئاً ممَّا نهى الله عنه، فحذف المفعول به للعلم به. والضّمير في "فإنَّهُ" يعود على الامتناع، أو الإضرار. و "بِكُمْ" متعلّقٌ بمحذوفٍ، فقدَّره أبو البقاء: "لاحِقٌ بِكُم"، وينبغي أن يقدَّر كوناً مطلقاً؛ لأنه صفةٌ لـ "فُسُوق"، أي: فسوق مستقرٌّ بكم، أي: ملتبسٌ بكم ولاحق بكم. قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللهَ}، يعني: فيما حذَّر منه هاهنا، وهو المضارة، أو يكون عاماً، أي: اتَّقوا الله في جميع أوامره، ونواهيه. قوله: {وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللهُ} يجوز في هذه الجملة الاستئناف - وهو الظّاهر - ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل في "اتَّقوا" قال أبو البقاء: "تقديره: واتقوا الله مضموناً لكم التَّعليم، أو الهداية، ويجوز أن تكون حالاً مقدَّرة". قال شهاب الدين: وفي هذين الوجهين نظرٌ، لأنَّ المضارع المثبت لا تباشره واو الحال، فإن ورد ما ظاهره ذلك يؤوَّل، لكن لا ضرورة تدعو إليه ههنا. فصل المعنى: يعلمكم ما يكون إرشاداً، أو احتياطاً في أمر الدُّنيا، كما يعلِّمكم ما يكون إرشاداً في أمر الدِّين، {وَٱللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، أي: عالم بجميع مصالح الدُّنيا، والآخرة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير بسند صحيح عن سعيد بن المسيب‏:‏ أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين‏.‏ وأخرج أبو عبيد في فضائله عن ابن شهاب قال‏:‏ آخر القرآن عهداً بالعرش آية الربا وآية الدين‏.‏ وأخرج الطيالسي وأبو يعلى وابن سعد وأحمد وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال‏:‏ لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن أوّل من جحد آدم أن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلاً يزهر قال‏:‏ أي رب من هذا‏؟‏ قال‏:‏ هذا ابنك داود‏.‏ قال‏:‏ أي رب كم عمره‏؟‏ قال‏:‏ ستون عاماً قال‏:‏ رب زد في عمره‏.‏ فقال‏:‏ لا إلا أن أزيده من عمرك‏.‏ وكان عمر آدم ألف سنة، فزاده أربعين عاماً، فكتب عليه بذلك كتاباً وأشهد عليه الملائكة، فلما احتضر آدم وأتته الملائكة لتقبضه قال‏:‏ إنه قد بقي من عمري أربعون عاماً‏.‏ فقيل له‏:‏ إنك قد وهبتها لابنك داود‏.‏ قال‏:‏ ما فعلت‏.‏ فأبرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة، فكمل الله لآدم ألف سنة، وأكمل لداود مائة عام‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أجله وأذن فيه، ثم قرأ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في السلم في الحنطة في كيل معلوم إلى أجل معلوم‏. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏حديث : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال "من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم‏ ". تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ لا سلف إلى العطاء، ولا إلى الحصاد، ولا إلى الأندر ‏، ولا إلى العصير، واضرب له أجلا‏ً.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ أمر بالشهادة عند المداينة لكيلا يدخل في ذلك جحود ولا نسيان، فمن لم يشهد على ذلك فقد عصى، ولا يأب الشهداء يعني من احتيج إليه من المسلمين يشهد على شهادة، أو كانت عنده شهادة فلا يحل له أن يأبى إذا ما دعي، ثم قال بعد هذا ‏ {‏ولا يضار كاتب ولا شهيد‏}‏ والضرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غني‏:‏ إن الله قد أمرك أن لا تأبى إذا دعيت فيضاره بذلك وهو مكتف بغيره، فنهاه الله عن ذلك وقال ‏{‏وإن تفعلوا فإنه فسوق‏} ‏ يعني معصية‏.‏ قال‏:‏ ومن الكبائر كتمان الشهادة‏.‏ قال‏:‏ لأن الله تعالى يقول ‏{أية : ‏ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} تفسير : ‏[‏البقرة: 283‏]‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏كاتب بالعدل‏}‏ قال‏:‏ يعدل بينهما في كتابه، لا يزاد على المطلوب ولا ينقص من حق الطالب‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏ولا يأب كاتب‏}‏ قال‏:‏ واجب على الكاتب أن يكتب‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي ‏ {‏ولا يأب كاتب‏}‏ قال‏:‏ إن كان فارغاً‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ‏{‏ولا يأب كاتب‏} ‏ قال‏:‏ ذلك أن الكتاب في ذلك الزمان كانوا قليلا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال ‏ {‏ولا يأب كاتب‏}‏ قال‏:‏ كانت الكتاب يومئذ قليلا‏ً.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك ‏{‏ولا يأب كاتب‏} ‏ قال‏:‏ كانت عزيمة فنسختها ‏ {‏ولا يضار كاتب ولا شهيد‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ‏{‏كما علمه الله‏} ‏ قال‏:‏ كما أمره الله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ‏ {‏كما علمه الله‏} ‏ قال‏:‏ كما علمه الكتابة وترك غيره ‏ {‏وليملل الذي عليه الحق‏}‏ يعني المطلوب‏.‏ يقول‏:‏ ليمل ما عليه من الحق على الكاتب ‏ {‏ولا يبخس منه شيئا‏ً} ‏ يقول‏:‏ لا ينقص من حق الطالب شيئاً ‏{‏فإن كان الذي عليه الحق‏}‏ يعني المطلوب ‏ {‏سفيهاً أو ضعيفا‏ً} ‏ يعني عاجزاً أو أخرس أو رجلاً به حمق ‏ {‏أو لا يستطيع‏} ‏ يعني لا يحسن ‏{‏أن يمل هو‏} ‏ قال‏:‏ أن يمل ما عليه ‏{‏فليملل وليه‏}‏ ولي الحق حقه ‏{‏بالعدل‏} ‏ يعني الطالب ولا يزداد شيئاً ‏ {‏واستشهدوا‏} ‏ يعني على حقكم ‏{‏شهيدين من رجالكم‏}‏ يعني المسلمين الأحرار ‏{‏فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان‏.‏‏.‏‏.‏ أن تضل إحداهما‏}‏ يقول‏:‏ أن تنسى إحدى المرأتين الشهادة ‏{‏فتذكر إحداهما الأخرى‏} ‏ يعني تذكرها التي حفظت شهادتها ‏{‏ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا‏}‏ قال‏:‏ الذي معه الشهادة ‏{‏ولا تسأموا‏}‏ يقول‏:‏ لا تملوا ‏ {‏أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً‏} ‏ يعني. أن تكتبوا صغير الحق وكبيره قليله وكثيره {‏إلى أجله‏} ‏ لأن الكتاب أحصى للأجل والمال ‏{‏ذلكم‏} ‏ يعني الكتاب ‏ {‏أقسط عند الله‏} ‏ يعني أعدل ‏ {‏وأقوم‏} ‏ يعني أصوب ‏ {‏للشهادة وأدنى‏} ‏ يقول‏:‏ وأجدر ‏{‏أن لا ترتابوا‏}‏ أن لا تشكوا في الحق والأجل والشهادة إذا كان مكتوباً، ثم استثنى فقال ‏ {‏إلا أن تكون تجارة حاضرة‏} ‏ يعني يداً بيد ‏ {‏تديرونها بينكم‏} ‏ يعني ليس فيها أجل ‏ {‏فليس عليكم جناح‏}‏ يعني حرج ‏ {‏أن لا تكتبوها‏} ‏ يعني التجارة الحاضرة ‏ {‏وأشهدوا إذا تبايعتم‏} ‏ يعني اشهدوا على حقكم إذا كان فيه أجل أو لم يكن فاشهدوا على حقكم على كل حال ‏ {‏وإن تفعلوا‏} ‏ يعني أن تضاروا الكاتب أو الشاهد وما نهيتم عنه ‏{‏فإنه فسوق بكم‏}‏ ثم خوفهم فقال ‏ {‏واتقوا الله‏} ‏ ولا تعصوه فيها ‏ {‏والله بكل شيء عليم‏} ‏ يعني من أعمالكم‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً‏} ‏ قال‏:‏ هو الجاهل بالإِملاء ‏{‏أو ضعيفا‏ً}‏ قال‏:‏ هو الأحمق‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي والضحاك في قوله ‏ {‏سفيهاً‏}‏ قالا‏:‏ هو الصبي الصغير‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ‏ {‏فليملل وليه‏} ‏ قال‏:‏ صاحب الدين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن ‏{‏فليملل وليه‏}‏ قال‏:‏ ولي اليتيم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك ‏{‏فليملل وليه‏} ‏ قال‏:‏ ولي السفيه أو الضعيف‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق مجاهد عن ابن عمر في قوله ‏ {‏واستشهدوا شهيدين‏}‏ قال‏:‏ كان إذا باع بالنقد أشهد ولم يكتب قال مجاهد‏:‏ وإذا باع بالنسيئة كتب وأشهد‏. وأخرج سفيان وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن مجاهد في قوله ‏ {‏واستشهدوا شهيدين من رجالكم‏}‏ قال‏:‏ من الأحرار‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن داود بن أبي هند قال‏:‏ سألت مجاهداً عن الظهار من الأمة فقال‏:‏ ليس بشيء‏.‏ قلت‏:‏ أليس يقول الله ‏{أية : ‏الذين يظاهرون من نسائهم‏} تفسير : ‏[‏المجادلة: 3‏]‏ أفلسن من النساء‏؟‏ فقال‏:‏ والله تعالى يقول ‏ {‏واستشهدوا شهيدين من رجالكم‏}‏ أفتجوز شهادة العبيد‏؟‏‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن الزهري أنه سئل عن شهادة النساء فقال‏:‏ تجوز فيما ذكر الله من الدين، ولا تجوز في غير ذلك‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مكحول قال‏:‏ لا تجوز شهادة النساء إلا في الدين‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك قال‏:‏ لا تجوز شهادة أربع نسوة مكان رجلين في الحقوق، ولا تجوز شهادتهن إلا معهن رجل، ولا تجوز شهادة رجل وامرأة، لأن الله يقول ‏ {‏فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر قال‏:‏ لا تجوز شهادة النساء وحدهن إلا على ما لا يطلع عليه إلا هن من عورات النساء، وما أشبه ذلك من حملهن وحيضهن‏.‏ وأخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن‏!‏ قالت امرأة‏:‏ يا رسول الله ما نقصان العقل والدين‏؟‏ قال: أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ولا تصلي، وتفطر رمضان فهذا نقصان الدين ‏". تفسير : وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله ‏{‏فمن ترضون من الشهداء‏} ‏ قال‏:‏ عدول‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن أبي مليكة قال‏:‏ كتبت إلى ابن عباس أسأله عن شهادة الصبيان‏؟‏ فكتب إلي‏:‏ إن الله يقول ‏{‏ممن ترضون من الشهداء‏} ‏ فليسوا ممن نرضى، لا تجوز‏.‏ ‏ وأخرج الشافعي والبيهقي عن مجاهد في قوله ‏ {‏ممن ترضون من الشهداء‏}‏ قال‏:‏ عدلان حران مسلمان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن، أنه كان يقرأها ‏ {‏فتذكر إحداهما الأخرى‏} ‏ مثقلة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد‏.‏ أنه كان يقرأها ‏ {‏فتذكر إحداهما الأخرى‏}‏ مخففة. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال‏:‏ في قراءة ابن مسعود (‏أن تضل إحداهما فتذكرها إحداهما الأخرى‏)‏.‏ وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا‏} ‏ يقول‏:‏ من احتيج إليه من المسلمين قد شهد على شهادة أو كانت عنده شهادة فلا يحل له أن يأبى إذا ما دعي، ثم قال بعد هذا ‏{‏ولا يضار كاتب ولا شهيد‏}‏ والأضرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غني‏:‏ إن الله قد أمرك أن لا تأبى إذا ما دعيت فيضاره بذلك، وهو مكتف بذلك، فنهاه الله وقال {‏وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم‏} ‏ يعني بالفسوق المعصية‏. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله ‏{‏ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا‏} ‏ قال‏:‏ إذا كانت عندهم شهادة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع قال‏:‏ كان الرجل يطوف في القوم الكثير يدعوهم ليشهدوا فلا يتبعه أحد منهم، فأنزل الله ‏ {‏ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏{‏ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا‏}‏ قال‏:‏ كان الرجل يطوف في الحي العظيم فيه القوم فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتبعه أحد منهم، فأنزل الله هذه الآية‏.‏ وأخرج سفيان وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏{‏ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا‏} ‏ قال‏:‏ إذا كانت عندك شهادة فأقمها، فأما إذا دعيت لتشهد فإن شئت فاذهب وإن شئت فلا تذهب‏. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ‏ {‏ولا يأب الشهداء‏}‏ قال‏:‏ وهو الذي عنده الشهادة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال‏:‏ جمعت أمرين‏.‏ لا تأب إذا كانت عندك شهادة أن تشهد، ولا تأب إذا دعيت إلى شهادة‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن عائشة في قوله ‏ {‏أقسط عند الله‏} ‏ قالت‏:‏ أعدل‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن الحسن في قوله ‏{‏وأشهدوا إذا تبايعتم‏} ‏ قال‏:‏ نسختها ‏{أية : ‏فإن أمن بعضكم بعضاً‏} ‏تفسير : [‏البقرة: 283‏]‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن جابر بن زيد‏.‏ أنه اشترى سوطاً فاشهد وقال‏:‏ قال الله ‏{‏وأشهدوا إذا تبايعتم‏}‏ ‏.‏ وأخرج النحاس في ناسخه عن إبراهيم في الآية قال‏:‏ أشهد إذا بعت وإذا اشتريت ولو دستجة بقل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ‏ {‏وأشهدوا إذا تبايعتم‏}‏ قال‏:‏ أشهدوا ولو دستجة من بقل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ‏{‏ولا يضار كاتب ولا شهيد‏} ‏ قال‏:‏ يأتي الرجل الرجلين فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة فيقولان‏:‏ إنا على حاجة‏.‏ فيقول‏:‏ إنكما قد أمرتما أن تجيبا فليس له أن يضارهما‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏ {‏ولا يضار كاتب ولا شهيد‏}‏ يقول‏:‏ إنه يكون للكاتب والشاهد حاجة ليس منها بد فيقول‏:‏ خلوا سبيله‏. وأخرج سفيان وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عكرمة قال‏:‏ كان عمر بن الخطاب يقرأها (‏ولا يضارر كاتب ولا شهيد) يعني بالبناء للمفعول‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ ‏(و لا يضارر)‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد، أنه كان يقرأ ‏(ولا يضارر كاتب ولا شهيد‏) وأنه كان يقول في تأويلها‏:‏ ينطلق الذي له الحق فيدعو كاتبه وشاهده إلى أن يشهد، ولعله يكون في شغل أو حاجة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن طاوس ‏{‏ولا يضار كاتب‏} ‏ فيكتب ما لم يمل عليه ‏ {‏ولا شهيد‏} فيشهد ما لم يستشهد‏. وأخرج ابن جرير والبيهقي عن الحسن ‏{‏ولا يضار كاتب‏} ‏ فيزيد شيئاً أو يحرف ‏ {‏ولا شهيد‏}‏ لا يكتم الشهادة ولا يشهد إلا بحق‏. وأخرج ابن جرير عن الربيع قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية ‏{‏ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله‏} ‏ كان أحدهم يجيء إلى الكاتب فيقول‏:‏ اكتب لي‏.‏ فيقول‏:‏ إني مشغول أو لي حاجة فانطلق إلى غيري، فيلزمه ويقول‏:‏ إنك قد أمرت أن تكتب لي فلا يدعه ويضاره بذلك وهو يجد غيره، فأنزل الله ‏ {‏ولا يضار كاتب ولا شهيد‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك ‏{‏وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم‏}‏ ويقول‏:‏ إن تفعلوا غير الذي أمركم به ‏ {‏واتقوا الله ويعلمكم الله‏} ‏ قال‏:‏ هذا تعليم علمكموه فخذوا به‏.‏ وأخرج أبو يعقوب البغدادي في كتاب رواية الكبار عن الصغار عن سفيان قال‏:‏ من عمل بما يعلم وفق لما لا يعلم‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الترمذي عن يزيد بن سلمة الجعفي أنه قال ‏حديث : ‏يا رسول الله إني سمعت منك حديثاً كثيراً أخاف أن ينسيني أوّله آخره، فحدثني بكلمة تكون جماعاً قال‏:‏ اتق الله فيما تعلم‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏من معادن التقوى تعلمك إلى ما علمت ما لم تعلم والنقص والتقصير فيما علمت قلة الزيادة فيه، وإنما يزهد الرجل في علم ما لم يعلم قلة الانتفاع بما قد علم‏ ".‏‏ تفسير : وأخرج الدارمي عن عبد الله بن عمر‏.‏ أن عمر بن الخطاب قال لعبد الله بن سلام‏:‏ من أرباب العلم‏؟‏ قال‏:‏ الذين يعملون بما يعلمون‏.‏ قال‏:‏ فما ينفي العلم من صدور الرجال‏؟‏ قال‏:‏ الطمع‏.‏ وأخرج البيهقي في الشعب عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ تعلموا الصمت، ثم تعلموا الحلم، ثم تعلموا العلم، ثم تعلموا العمل به، ثم انشروا‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن زياد بن جدير قال‏:‏ ما فقه قوم لم يبلغوا التقى‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال‏:‏ يقول الله عز وجل ‏"‏إذا علمت أن الغالب على عبدي التمسك بطاعتي مننت عليه بالاشتغال بي والانقطاع إلي‏َّ"‏‏.‏ وأخرج أبو الشيخ من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : العلم حياة الإِسلام وعماد الإِيمان، ومن علم علماً أنمى الله له أجره إلى يوم القيامة، ومن تعلم علماً فعمل به فإن حقاً على الله أن يعلمه ما لم يكن يعلم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج هناد عن الضحاك قال‏:‏ ثلاثة لا يسمع الله تعالى لهم دعاء:‏ رجل معه امرأة زناء كلما قضى شهوته منها قال‏:‏ رب اغفر لي‏.‏ فيقول الرب تبارك وتعالى‏:‏ تحول عنها وأنا أغفر لك وإلا فلا، ورجل باع بيعاً إلى أجل مسمى ولم يشهد ولم يكتب فكافره الرجل بما له فيقول‏:‏ يا رب كافرني فلان بمالي‏.‏ فيقول الرب لا آجرك ولا أجيبك، إني أمرتك بالكتاب والشهود فعصيتني، ورجل يأكل مال قوم وهو ينظر إليهم ويقول‏:‏ يا رب اغفر لي ما آكل من مالهم فيقول الرب تعالى‏:‏ رد إليهم مالهم وإلا فلا‏.

ابو السعود

تفسير : {يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} شروعٌ في بـيان حال المُداينة الواقعةِ في تضاعيف المعاوضات الجاريةِ فيما بـينهم ببـيع السلعِ بالنقود بعد بـيانِ حال الربا، أي إذا داين بعضُكم بعضاً وعامله نسيئةً معْطِياً أو آخذاً، وفائدةُ ذكرِ الدين دفعُ توهُّمِ كونِ التدايُن بمعنى المُجازاة أو التنبـيهُ على تنوعه إلى الحالِّ والمؤجّل وأنه الباعثُ على الكتابة، وتعيـينُ المرجع للضمير المنصوب المتصل بالأمر {إِلَىٰ أَجَلٍ} متعلقٌ بتداينتم أو بمحذوف وقع صفةً لدَيْنٍ {مُّسَمًّى} بالأيام أو الأشهرُ ونظائرِهما مما يفيد العِلمَ ويرْفَعُ الجهالة لا بالحصاد والدّياس ونحوِهما مما لا يرفعها {فَٱكْتُبُوهُ} أي الدَّين بأجله لأنه أوثقُ وأرفعُ للنزاع، والجمهورُ على استحبابه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن المرادَ به السَّلَم وقال: «لما حرم الله الربا أباح في السَّلَف» {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ} بـيان لكيفية الكتابةِ المأمورِ بها وتعيـينٌ لمن يتولاها إثرَ الأمرِ بها إجمالاً، وحذفُ المفعول إما لتعيُّنه أو للقصد إلى إيقاع نفسِ الفعلِ أي ليَفعلِ الكتابةَ، وقوله تعالى: {بَيْنِكُمْ} [البقرة، الآية: 282] للإيذان بأن الكاتبَ ينبغي أن يتوسّط بـين المتداينين ويكتُبَ كلامَهما ولا يكتفيَ بكلام أحدِهما، وقولُه تعالى: {بِٱلْعَدْلِ} متعلق بمحذوف هو صفةٌ لكاتب أي كاتبٌ كائنٌ بالعدل أي وليكن المتصدِّي للكتابة من شأنه أن يكتُبَ بالسوية من غير مَيل إلى أحد الجانبـين لا يزيد ولا ينقُص، وهو أمرٌ للمتداينين باختيار كاتبٍ فقيهٍ ديِّن حتى يجيء كتابُه موثوقاً به معدّلاً بالشرع، ويجوز أن يكون حالاً منه أي ملتبساً بالعدل، وقيل: متعلقٌ بالفعل أي وليكتبْ بالحق {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ} أي ولا يمتنعْ أحدٌ من الكُتاب {أَن يَكْتُبَ} كتابَ الدين {كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ} على طريقة ما علّمه من كَتْبه الوثائقَ أو كما بـينه بقوله تعالى: {بِٱلْعَدْلِ} أو لا يأب أن ينفعَ الناسَ بكتابته كما نفعه الله تعالى بتعليمِ الكتابة كقوله تعالى: {أية : وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ } تفسير : [القصص، الآية: 77] {فَلْيَكْتُبْ} تلك الكتابةَ المُعْلمة، أَمَر بها بعد النهي عن إبائها تأكيداً لها، ويجوز أن تتعلقَ الكافُ بالأمر على أن يكون النهيُ عن الامتناع منها مطلقةً ثم الأمرُ بها مقيدة. {وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ} الإملال هو الإملاءُ أي وليكن المُمْلي مَنْ عليه الحقُّ لأنه المشهودُ عليه فلا بد أن يكون هو المُقِرَّ {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ} جُمع ما بـين الاسمِ الجليلِ والنعتِ الجميل للمبالغة في التحذير، أي وليتقِ المُمْلي دون الكاتِب كما قيل لقوله تعالى: {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ} أي من الحق الذي يْمليه على الكاتب {شَيْئاً} فإنه الذي يُتوقع منه البخسُ خاصة، وأما الكاتبُ فيُتوقع منه الزيادةُ كما يُتوقع منه النقصُ، فلو أُريد نهيُه لنَهىٰ عن كليهما، وقد فَعل ذلك حيث أمَر بالعدل، وإنما شُدِّد في تكليف المُمْلي حيث جُمع فيه بـين الأمر بالاتقاء والنهي عن البخس لما فيه من الدواعي إلى المنهيِّ عنه، فإن الإنسان مجبولٌ على دفع الضرر عن نفسه وتخفيفِ ما في ذمته بما أمكن {فَإن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ} صَرَّح بذلك في موضع الإضمار لزيادة الكشفِ والبـيان لا لأن الأمرَ والنهيَ لغيره {سَفِيهًا} ناقصَ العقلِ مبذّراً مجازفاً {أَوْ ضَعِيفًا} صبـياً أو شيخاً مختلاً {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ} أي غيرَ مستطيعٍ للإملاء بنفسه لخرَسٍ أو عَيَ أو جهلٍ أو غير ذلك من العوارض {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ} أي الذي يلي أمرَه ويقوم مقامه من قيِّم أو وكيل أو مترجم {بِٱلْعَدْلِ} أي من غير نقص ولا زيادة. لم يكلَّف بعين ما كُلف به من عليه الحقُّ لأنه يُتوقع منه الزيادةُ كما يتوقع منه البخس {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ} أي اطلُبوهما ليتحملا الشهادةَ على ما جرى بـينكم من المداينة، وتسميتُهما شهيدين لتنزيل المُشارف منزلةَ الكائن {مّن رّجَالِكُمْ} متعلق باستشهدوا، ومن ابتدائية أو بمحذوف وقع صفةً لشهيدين، ومن تبعيضية أي شهيدين كائنين من رجال المسلمين الأحرار إذ الكلامُ في معاملاتهم، فإن خطاباتِ الشرعِ لا تنتظمُ العبـيدَ بطريق العبارة كما بُـيِّن في موضعه، وأما إذا كانت المداينةُ بـين الكفَرَة أو كان من عليه الحقُّ كافراً فيجوز استشهادُ الكافر عندنا. {فَإِن لَّمْ يَكُونَا} أي الشهيدان جميعاً على طريقة نفي الشمولِ لا شُمولِ النفي {رَّجُلَيْنِ} إما لإعوازهما أو لسببٍ آخرَ من الأسباب {فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ} أي فليشهد رجلٌ وامرأتانِ يكفُون، وهذا فيما عدا الحدودَ والقصاصَ عندنا، وفي الأموال خاصة عند الشافعي {مِمَّن تَرْضَوْنَ} متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لرجل وامرأتان أي كائنون مرضيّـين عندكم، وتخصيصُهم بالوصف المذكور مع تحقق اعتباره في كل شهيد لقلة اتصافِ النساء به، وقيل: نعتٌ لشهيدين أي كائنين ممن ترضَوْن، ورُد بأنه يلزم الفصلُ بـينهما بالأجنبـي، وقيل: بدل من رجالكم بتكرير العامل، ورد بما ذكر من الفصل، وقيل: متعلق بقوله تعالى: {وَٱسْتَشْهِدُواْ} [البقرة، الآية: 282] فيلزم الفصل بـين اشتراط المرأتين وبـين تعليله وقوله عز وجل: {مِنَ ٱلشُّهَدَاء} متعلق بمحذوف وقع حالاً من الضمير المحذوف الراجعِ إلى الموصول أي ممن ترضَوْنهم كائنين من بعض الشهداء لعلمكم بعد التهم وثقتِكم بهم، وإدراجُ النساء في الشهداء بطريق التغليب {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ} تعليلٌ لاعتبار العدد في النساء، والعلةُ في الحقيقة هي التذكيرُ ولكنَّ الضلالَ لما كان سبباً له نُزّل منزلتَه كما في قولك: أعددتُ السلاحَ أن يجيء عدو فأدفعَه، كأنه قيل: لأجل أن تذكّر إحداهما الأخرى إن ضلت عن الشهادة بأن نسيتها، ولعل إيثارَ ما عليه النظم الكريم على أن يقال: أن تضل إحداهما فتذكرَها الأخرى لتأكيد الإبهام والمبالغة في الاحتراز عن توهم اختصاصِ الضلال بإحداهما بعينها، والتذكيرِ بالأخرى، وقرىء فتُذْكِرَ من الإذكار وقرىء فتذاكِرَ وقرىء إنْ تضلَّ على الشرط فتذكرُ بالرفع كقوله تعالى: {أية : وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ } تفسير : [المائدة، الآية 95] {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ} لأداء الشهادة أو لتحمُّلها، وتسميتُهم شهداءَ قبل التحمل لما مرَّ من تنزيل المُشارف منزلةَ الواقع وما مزيدة. عن قتادة أنه كان الرجل يطوف في الحِواء العظيم فيه القوم فلا يتبعُه منهم أحد فنزلت. {وَلاَ تسأموا} أي لا تَملُّوا من كثرة مدايناتِكم {أَن تَكْتُبُوهُ} الدينَ أو الحقَّ أو الكتابَ وقيل: كنّىٰ به عن الكسل الذي هو صفةُ المنافق كما ورد في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ} تفسير : [النساء، الآية 142] وقد قال النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يقولُ المؤمن كسِلْتُ» تفسير : {صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا} حال من الضمير أي حالَ كونه صغيراً أو كبـيراً أي قليلاً أو كثيراً أو مجملاً أو مفصّلاً {إِلَى أَجَلِهِ} متعلقٌ بمحذوف وقعَ حالاً من الهاء في تكتبوه أي مستقراً في الذمة إلى وقت حلولِه {ذٰلِكُمْ} الذي أقر به المديونُ إشارةً إلى ما أُمر به من الكَتْب، والخطابُ للمؤمنين {أَقْسَطُ} أي أعدل {عَندَ ٱللَّهِ} أي في حكمه تعالى {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ} أي أثبتُ لها وأعونُ على إقامتها وهما مبنيان من أقسطَ وأقامَ فإنه قياسيٌّ عند سيبويه أو من قاسط بمعنى ذي قِسط وقويم، وإنما صحت الواو في أقوم كما صحت في التعجب لجموده {وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ} وأقرب إلى انتفاء رَيبكم في جنس الدَّين وقدرِه وأجله وشهودِه ونحو ذلك {إِلا أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} استثناءٌ منقطع من الأمر بالكتابة أي لكنْ وقتَ كونِ تدايُنِكم أو تجارتكم تجارةً حاضرةً بحضور البدلين تُديرونها بـينكم بتعاطيهما يداً بـيد {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن لا تَكْتُبُوهَا} أي فلا بأسَ بألا تكتبوها لبُعده عن التنازع والنسيان، وقرىء برفع تجارةٌ على أنها اسم كان وحاضرةٌ صفتُها وتديرونها خبرُها أو على أنها تامة. {وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} هذا التبايُعَ أو مطلقاً لأنه أحوطُ، والأوامرُ الواردةُ في الآية الكريمة للندب عند الجمهور وقيل: للوجوب ثم اختلف في أحكامها ونسخها {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} نهيٌ عن المضارة محتمل للبناءين كما ينبىء عنه قراءةُ من قرأ ولا يضارِرْ بالكسر والفتح وهو نهيهما عن ترك الإجابة والتغيـيرِ والتحريفِ في الكتابة والشهادة، أو نهيُ الطالب عن الضرار بهما بأن يُعْجِلَهما عن مَهمّتهما أو يكلفَهما الخروجَ عما حُدّ لهما، أو لا يعطيَ الكاتبَ جُعلَه وقرىء بالرفع على أنه نفي في معنى النهي {وَإِن تَفْعَلُواْ} ما نُهيتم عنه من الضرار {فَإِنَّهُ} أي فعملُكم ذلك {فُسُوقٌ بِكُمْ} أي خروجٌ عن الطاعة ملتبس بكم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في مخالفة أوامرِه ونواهيه التي من جملتها نهيُه عن المضارة {وَيُعَلّمُكُمُ ٱللَّهُ} أحكامه المتضمنة لمصالحكم {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} فلا يكاد يخفى عليه حالُكم وهو مجازيكم بذلك، كُرر لفظ الجلالة في الجمل الثلاث لإدخال الروعة وتربـية المهابةِ وللتنبـيه على استقلال كلَ منها بمعنى على حياله فإن الأولى حثٌّ على التقوى والثانية وعدٌ بالإنعام والثالثة تعظيمٌ لشأنه تعالى.

القشيري

تفسير : أمَرَ الله سبحانه الخلْقَ بالقيام بالصدق، وعلَّمَهم كيفية معاملاتهم فيما بينهم، والأخذ بالاحتياط والاستشهاد لئلا يُجْرِيَ - بعضُهم على بعض - حيفاً، وذلك من مقتضى رحمته سبحانه عليهم، وموجب رِفقِه بهم كيلا يتخاصموا. فأمر بتحصين الحقوق بالكتابة والإشهاد، وأمر الشهود بالتحمل ثم بالإقامة. ومن شرع اليومَ ما يقطع الخصومة بينهم فبالحري أن يجري ما يرفع في الآخرة آثار الخصومة بينهم، وفي الخبر المنقول: "حديث : تواهبوا فيما بينكم فقد وهبت منكم مالي عليكم، فإن الكريم إذا قدر غفر ". تفسير : وفيما شرع من الدَيْن رِفْق بأرباب الحاجات، لأن الحاجة تمس فيحمله الحال على الاحتيال، ويضيق به الصدر عن الاحتمال، ويمنعه حفظ التجمل عن الكدية والسؤال، فأذِنَ له في الاستدانة ليَجْبُرَ أمرهَ في الحال، وينتظرَ فضل الله في المآل، وقد وعد على الإدانة الثوابَ الكثير، وذلك من لطفه تعالى.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين} اى اذا داين بعضكم بعضا وعامله نسيئة معطيا وآخذا كما تقول بايعته اذا بعته او باعك وفائدة ذكر الدين دفع توهم كون التداين بمعنى المجازاة والتنبيه على تنوعه الى الحال والمؤجل وانه الباعث على الكتب وتعيين المرجع للضمير المنصوب المتصل بالامر وهو فاكتبوه {إلى أجل} متعلق بتداينتم {مسمى} بالايام او الاشهر او السنة وغيرها مما يفيد العلم ويرفع الجهالة لا بالحاصد والدياس وقدوم الحاج مما لا يرفعها {فاكتبوه} اى الدين باجله لانه اوثق وادفع للنزاع والجمهور على استحبابه {وليكتب بينكم كاتب} بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين لمن يتولاها اثر الامر بها اجمالا وقوله بينكم للايذان بان الكاتب ينبغى ان يتوسط بين المتداينين ويكتب كلامهما ولا يكتفى بكلام احدهما {بالعدل} اى كاتب كائن بالعدل اى وليكن المتصدى للكتابة من شأنه ان يكتب بالتسوية من غير ميل الى احد الجانبين لا يزيد ولا ينقص وهو امر للمتداينين باختيار كاتب فقيه دين يجئ كتابه موثقا به معدلا بالشرع {ولا يأب كاتب} اى لا يمتنع احد من الكتاب {أن يكتب} كتاب الدين {كما علمه الله} على طريقة ما علمه الله من كتب الوثائق {فليكتب} تلك الكتابة المعلمة امر بها بعد النهى عن ابائها تأكيدا لها {وليملل الذى عليه الحق} الاملال هو الاملاء وهو القاء المعنى على الكاتب للكتابة اى ليكن المملل اى مورد المعنى على الكاتب من عليه الحق اى الدين لانه المشهود عليه فلا بد ان يكون هو المقر {وليتق الله ربه} جمع بين الاسم الجليل والنعت الجميل للمبالغة فى التحذير اى وليتق المملى دون الكاتب كما قيل لقوله تعالى {ولا يبخس منه} اى من الحق الذى يمليه على الكاتب {شيئا} فانه هو الذى يتوقع منه البخس خاصة. واما الكاتب فيتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه البخس وانما شدد فى تكليف المملى حيث جمع فيه بين الامر بالاتقاء والنهى عن البخس لما فيه من الدواعى الى المنهى عنه فان الانسان مجبول على دفع الضرر عن نفسه وتخفيف ما فى ذمته {فإن كان الذى عليه الحق سفيها} ناقص العقل مبذرا مجازفا {أو ضعيفا} صبيا او شيخا مختلا {أو لا يستطيع أن يمل هو} اى غير مستطيع للاملاء بنفسه لخرس او عى او جهل او غير ذلك من العوارض {فليملل وليه} اى الذى يلى امره ويقوم مقامه من قيم او وكيل او مترجم {بالعدل} اى من غير نقص ولا زيادة {واستشهدوا شهيدين} اى اطلبوهما ليتحملا الشهادة على ما جرى بينكما من المداينة وتسميتهما شهيدين لتنزيل المشارف منزلة الكائن {من رجالكم} متعلق باستشهدوا اى من اهل دينكم يعنى من الاحرار البالغين المسلمين اذ الكلام فى معملاتهم فان خطابات الشرع لا تنتظم العبيد بطريق العبارة واما اذا كانت المداينة بين الكفرة او كان من عليه الحق كافرا فيجوز استشهاد الكافر عندنا {فإن لم يكونا} اى الشهيدان جميعا على طريقة نفى الشمول لا شمول النفى {رجلين} اما لاعوازهما او لسبب آخر من الاسباب {فرجل وامرأتان} اى فليشهد رجل وامرأتان وشهادة النساء مع الرجال فى الاموال جائزة بالاجماع دون الحدود والقصاص فلا بد فيهما من الرجال {ممن ترضون} متعلق بمحذوف وقع صفة لرجل وامرأتان اى كائنون مرضيين عندكم وتخصيصهم بالوصف المذكور مع تحقق اعتباره فى كل شهيد لقلة اتصاف النساء به {من الشهداء} متعلق بمحذوف وقع حالا من الضمير المحذوف الراجع الى الموصول اى ممن ترضونهم كائنين من بعض الشهداء لعلمكم بعدالتهم وثقتكم بهم وادراج النساء فى الشهداء بطريق التغليب {أن تضل إحداهما} اى احدى المرأتين الشاهدتين {فتذكر إحداهما الأخرى} وهذا تعليل لاعتبار العدد فى النساء والعلة فى الحقيقة هى التذكير ولكن الضلال لما كان سببا له نزل منزلته كما فى قولك اعددت السلاح ان يجيئ عدو فادفعه فالاعداد للدفع لا لمجيئ العدو لكن قدم عليه المجيئ لانه سببه كأنه قيل لاجل ان تذكر احداهما الاخرى ان ضلت الشهادة بأن نسيت ثم حث الشهداء على اقامة الشهادة بقوله {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} لاداء الشهادة او لتحملها وما مزيدة {ولا تسأموا} اى لا تملوا من كثرة مدايناتكم {أن تكتبوه} اى من ان تكتبوا الدين او الحق او الكتاب {صغيرا أو كبيرا} حال من الضمير اى حال كونه صغيرا او كبيرا اى قليلا او كثيرا او مجملا او مفصلا {إلى أجله} متعلق بمحذوف وقع حالا من الهاء فى تكتبوه اى مستقرا فى الذمة الى وقت حلوله الذى اقر به المديون {ذلكم} اى كتب الحق الى اجله ايها المؤمنون {أقسط} اى اعدل {عند الله} اى فى حكمه تعالى {وأقوم للشهادة} اى اثبت لها واعون على اقامتها {وأدنى ألاَّ ترتابوا} اى اقرب الى انتفاء ريبكم فى جنس الدين وقدره واجله وشهوده ونحو ذلك {إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم} استثناء منقطع من الامر بالكتابة اى لكن وقت كون تداينكم او تجارتكم تجارة حاضرة بحضور البدلين تديرونها بينكم بتعاطيها يدا بيد {فليس عليكم جناح ألاَّ تكتبوها} اى فلا بأس بان لا تكتبوها لبعده عن التنازع والنسيان {وأشهدوا إذا تبايعتم} اى هذا التبايع او مطلقا لانه احوط. والاوامر الواردة فى الآية الكريمة للندب عند الجمهور {ولا يضار} يحتمل البناء على الفاعل وعلى المفعول فعلى الاول نهى للكاتب عن ترك الاجابة الى ما يطلب منه وعن التحريف والزيادة والنقصان اى لا يمتنع {كاتب} عن الكتابة المقصودة {ولا شهيد} اى ولا يمتنع الشاهد عن اقامة الشهادة المعلومة وعلى الثانى النهى عن الضرار بالكاتب والشاهد اى لا يوصل احد مضرة للكاتب والشهيد اذا كانا مشغولين بما يهمهما ويوجد غيرهما فلا يضاران بابطال شغلهما وقد يكون اضرار الكاتب والشهيد بان لا يعطى حقهما من الجعل فيكون النهى عن ذلك {وإن تفعلوا} ما نهيتم عنه من الضرار {فإنه} اى فعلكم ذلك {فسوق بكم} اى خروج عن الطاعة ملتبس بكم {واتقوا الله} فى مخالفة اوامره ونواهيه التى من جملتها نهيه عن المضارة {ويعلمكم الله} احكامه المتضمنة لمصالحكم {والله بكل شىء عليم} فلا يخفى عليه حالكم وهو مجازيكم بذلك. ثم هذه الآية اطول آية فى القرآن وابسطها شرحا وابينها وابلغها وجوها يعلم بذلك ان مراعاة حقوق الخلق واجبة والاحتياط على الاموال التى بها امور الدين والدنيا لازم فمن سعى بالحق فقد نجا والا فقد غوى شعر : كسى راكه سعى قدم بيشتر بدركاه حق منزلش بيشتر تفسير : والله تعالى من كمال رحمته على عباده علمهم كيفية معاملاتهم فيما بينهم لئلا يجرى من بعضهم على بعض حيف ولئلا يتخاصموا ويتنازعوا فيحقد بعضهم على بعض فامر بتحصين الحقوق بالكتابة والاشهاد وامر الشهود بالتحمل ثم بالاقامة وامر الكاتب ان يكتب كما علمه الله بالعدل وراعى فى ذلك دقائق كثيرة كما ذكرها. فيشير بهذه المعانى الى ثلاثة احوال. اولها حال الله تعالى مع عباده فيظهر من آثار الطافه معهم انه تعالى كيف يرفق بهم ويعلمهم كيفية معاملاتهم الدنيوية حتى لا يكونوا فى خسران من امر دنياهم ولا يكون فيما بينهم عداوة وخصومة تؤدى الى تنغيص عيشهم فى الدنيا وعقوبة فى الآخرة فيستدلوا بها على ان تكاليف الشرع التى امروا بها ايضا من كمال مرحمته استعملهم بها ليفيض بها عليهم سجال نعمه كقوله تعالى {أية : ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم} تفسير : [المائدة: 6] الآية. وثانيها حال العباد مع الله ليعلموا برعاية هذه الدقائق للامور الدنيوية الفانية ان للامور الاخروية الباقية فيما بينهم وبين الله ايضا دقائق كثيرة والعباد بها محاسبون وعلى مثقال ذرة من خيرها مثابون وعلى مثقال ذرة من شرها معاقبون وانها بالرعاية اولى واحرى من امور الدنيا وان الله تعالى كما امر العباد ان يكتبوا كتاب المبايعة فيما بينهم ويستهشدوا عليهم العدول وقد كتب كتاب مبايعة جرت بينه وبين عبادة فى الميثاق فان الله تعالى اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة وعلى هذا عاهدهم واشهد الملائكة الكرام عليه ثم رقم فى الكتاب ان ياقوتة من الجنة وديعة وهى الحجر الاسود. وثالثها حال العباد فيما بينهم فليعتبر كل واحد منهم من ملاطفات الحق معهم وليتخلق باخلاق الحق فى مخالفتهم وليتوسل الى الله بحسن مرافقتهم وليحفظ حدود الله فى مخالفتهم وموافقتهم وليتمسك بعروة محبتهم فى الله وجذبتهم لله ونصحهم بالله ليحرز فى رفقتهم صراطا مستقيما ويفوز من زمرتهم فوزا عظيما ففى جميع الاحوال كونوا مع الله كما قال {واتقوا الله ويعلمكم الله} اى اتقوا فى الاحوال الثلاثة كما يعلمكم الله بالعبارات والاشارات {والله بكل شىء} تعملونه فى جميع الاحوال من الاقوال والافعال {عليم} يعلم مضمون ضمائركم ومكنون سرائركم فيجازيكم على حسن معاملتكم بقدر خلوصكم وصفاء نياتكم وصدق طوياتكم فطوبى لمن صفى قلبه عن سفساف الاخلاق وعزم الى عالم السر والاطلاق واحسن المعاملة مع الله فى جميع الحالات ووصل الى الدرجات العاليات شعر : حقائق سراييست آراسته هوا وهوس كرد برخاسته نه بينى كه جايى كه برخاست كرد نه بيند نظر كرجه بيناست مرد تفسير : يعنى ان عالم الغيب كالبيت المزين والهوى كالنقع المثار فما دام لم يترك المرء هواه لا يرى ما يهواه فان الحجاب اذا توسط بين الرائى والمرئى يمنع من الرؤية فارفع الموانع من البين وتشرف بوصول العين.

ابن عجيبة

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ... } يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين} أي: داين بعضكم بعضاً في بيع أو سف، {إلى أجل مسمى} أي: معلوم بالأيام أو الأشهر، لا بالحصاد أو قدوم الحاج، ألا في السَّلمَ، {فاكتبوه}؛ لأنه أوثق وأدفع للنزاع. والجمهور: أن الأمر للاستحباب، {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} لا يزيد ولا ينقص، ولا بد أن يكون عدلاً حتى يجيء مكتوبه موثوقاً به، {ولا يأب كاتب أن يكتب} أي: ولا يمتنع كاتب من الكتابة {كما علمه الله فليكتب} أي: فليكتب كما علمه الله من كتابه الوثائق، أو: لا يأب أن ينفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها. {وليملل الذي عليه الحق} أي: وليكن المُملي مَنْ عليه الحق؛ لأنه المُقر للشهود، يقال: أملل وأملي، إذا ذكر ما عنده أو ما عليه، {وليتق الله ربه} أي: المملي أو الكاتب، {ولا يبخس منه شيئاً} أي: ولا ينقص من الحق الذي عليه شيئاً في الإملاء أو في الكتابة {فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً}: ناقص العقل مُبذراً، {أو ضعيفاً} شيخاً مخبلاً، أو صبيّاً صغيراً، {أو لا يستطيع أن يمل هو}، لخرس أو جهل باللغة، {فليملل} عنه {وليه بالعدل}، من وَصِيٍّ أو وكيل، {واستشهدوا} على معاملتكم {شهيدين من رجالكم} المسلمين، {فإن لم يكونا رجلين}، بأن تعذر إحضارهما، {فرجل وأمراتان} فأكثر، تقوم مقام رجلين {ممن ترضون من الشهداء} لعلمكم بِعَادالَتِهِمْ، وإنما شرط تعدد النساء لأجل {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} أي: إن ضلت إحداهما الشهادة، ونسيتها، ذكرتها الأخرى؛ لأنها ناقصة عقل ودين. ثم حذَّر الشهود من الامتناع عن تحمل الشهادة أو أدائها، فقال: {... وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} قلت: السَّأَمُ هو: الملَلُ، و {لا يضار} يحتمل أن يكون مبنيّاً للفاعل، وأصله: يضارر بالكسر، أو للمفعول، فيكون الأصح بالفتح. يقول الحقّ جلّ جلاله: ولا يمتنع {الشهداء} من تحمل الشهادة إذا دعوا إليها، حيث تعيَّنت عليهم، وسُموا شهداء باعتبار المآل، وإنما تتعين إذا لم يوجد غيرهم. أو: من أدائها حيث لا ضرر، {ولا تسأموا أن تكتبوه} أي: ولا تملوا من كتابة الحق إذا تكرر {صغيراً} كان {أو كبيراً}، فقيدوا ذلك {إلى أجله}، {ذلكم أقسط عند الله} أي: ذلك الكتاب والتقييد للحقوق، أكثر قسطاً عند الله؛ لأنه أدفع للنزاع وأحفظ للحقوق، {وأقوم للشهادة} أي: أثبتُ لها وأعون على أدائها، {وأدنى ألا ترتابوا} أي: وأقرب لعدم الريب والشك في جنس الدين وقَدْره وأجلَه، لأنه إذا كتب جنسه وقدره وأجله لم يبق لأحد شك في ذلك، {إلا أن تكون تجارة حاضرة} لا أجَل فيها، {تديرونها بينكم} أي: تتعاملون فيها نقداً، {فليس عليكم جُنَاحٌ ألا تكتبوها}؛ لقلة النزاع فيها، {وأشهدوا إذا تبايعتم} مطلقاً بدين أو نقد؛ لأنه أحوط، خوفاً من الإنكار، والأوامر في هذه الآية للاستحباب عند الأكثر. {ولا يضار كاتب ولا شهيد} بالتحريف والتغيير في الكتابة والشهادة، على البناء للفاعل، أو: ولا يضارا بأن يُعْجلا عن مهم، أو يكلفا الأداء من شقة بعيدة، أو يمنع من أجرته، {وإن تفعلوا} ذلك الضرار وما نهيتهم عنه {فإنه فسوق بكم} أي: خروج بكم عن حد الاستقامة، {واتقوا الله} في مخالفة أمره ونهيه، {ويعلمكم الله} العلوم اللدنية {والله بكل شيء عليم}؛ فلا يخفى عليه من اتقى الله ممن عصاه. وكرر لفظ الجلالة في الجمل الثلاث، لاستقلالها، فإن الأُولى حثٌّ على التقوى والثانية وعدٌ بتعليم العلم، والثالثة تعظيم لشأنه، ولأنه أدخل في التعظيم من الكناية. قاله البيضاوي. وأدخل الواو في جوابه الأمر ليقتضي أن تعليمه سبحانه لأهل التقوى ليس هو مسبباً عن التقوى، بل هو بمحض الفضل والكرم، والتقوى إنما هي طريق موصل لذلك الكرم، لا سبب فيه "جَلَّ حُكْمُ الأزل أن يُضَافَ إلى العلل". والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ حمزة وحده {أن تضل إحداهما} بكسرالالف. الباقون بفتحها. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو {فتذكر} بالتخفيف والنصب. وقرأ حمزة بالتشديد، والرفع. وقرأ {تجارة حاضرة} بالنصب عاصم. الباقون بالرفع. المعنى: قوله: {إذا تداينتم} معناه تعاملتم بدين. وإنما قال: {بدين} وإن كان تداينتم أفاده لأمرين: أحدهما - أنه على وجه التأكيد كما تقول ضربته ضرباً. والثاني - أن تداينتم يكون بمعنى تجازيتم من الدين الذي هو الجزاء فاذا قال: بدين اختص بالدين خاصة {إلى أجل مسمى} معناه معلوم وقوله: {فاكتبوه} ظاهره الأمر بالكتابة. واختلفوا في مقتضاه، فقال أبو سعيد الخدري، والشعبي، والحسن: هو مندوب إليه. وقال الربيع، وكعب: هو على الفرض. والاول أصح، لاجماع أهل عصرنا على ذلك. ولقوله تعالى {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته} ومفهومه فان أمنه فيما له أن يأمنه. وقال ابن عباس: هذه الآية في السَّلم خاصة. وقال غيره: حكمها في كل دين من سلم أو تأخير ثمن في بيع. وهو الأقوى لآية العموم. فأما القرض فلا مدخل له فيه لأنه لا يجوز مؤجلا وقوله: {ولا يأب كاتب} ظاهره النهي عن الامتناع من الكتابة، والنهي يقتضي تحريم الامتناع. وقال عامر الشعبي هو فرض على الكفاية كالجهاد، وهواختيار الرماني، والجبائي وجوز الجبائي أن يأخذ الكاتب والشاهد الأجرة على ذلك. وعندنا لا يجوز ذلك. والورق الذي يكتب فيه على صاحب الدين دون من عليه الدين. ويكون الكتاب في يده لأنه له. وقال السدي واجب على الكاتب في حال فراغه. وقال مجاهد وعطا هو واجب إذا أمر. وقال الضحاك نسختها قوله: {ولا يضار كاتب ولا شهيد}. وقوله: {أن يكتب كما علمه الله فليكتب} يعني الكاتب {وليملل الذي عليه الحق} أمر لمن عليه الحق بالاملال وهو الاملاء بمعنى تقول أمليت عليه وأمللت عليه بمعنى واحد. وقوله: {وليتق الله ربه} معناه لا يملل إلا الحق الذي عليه والاملال المراد به الندب لأنه لو أملأ غيره وأشهد هو كان جائزاً بلا خلاف. وقوله: {ولا يبخس منه شيئاً} أي لا ينقص منه شيئاً والبخس النقص ظلماً. وقد بخسه حقه يبخسه بخساً إذا نقصه ظلماً ومنه قوله تعالى {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} أي لا تنقصوهم ظالمين لهم ومنه قوله {وشروه بثمن بخس} أي ناقص عن حقه والبخس فقأ العين لأنه إدخال نقص على صاحبها وتباخس القوم في البيع إذا تعاتبوا وقوله: {فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً} قال مجاهد السفيه: الجاهل. وقال السدي الصغير وأصل السفه الخفة ومن ذلك قول الشاعر: شعر : مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مرّ الرياح النواسم تفسير : أي استخفتها الرياح وقال الشاعر: شعر : نخاف أن يسفه أحلامنا فنحمل الدهر مع الخامل تفسير : أي تخف أحلامنا فالسفيه الجاهل، لأنه خفيف العقل بنقصه. وقوله: {أو ضعيفاً} قال مجاهد والشعبي: هو الاحمق. وقال الطبري: هو العاجز عن الاملاء بالعي أو بالخرس {أو لا يستطيع أن يمل} قال ابن عباس: هو العي الاخرس. وقيل: المجنون. والهاء في قوله {وليه} عائدة إلى السفيه - في قول الضحاك، وابن زيد - الذي يقوم مقامه. وقال الربيع: ترجع إلى ولي الحق. والاول أقوى. وإذا أشهد الولي على نفسه فلا يلزمه المال في ذمته بل يلزم ذلك في مال المولى عليه. وقوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} يعني من رجال الأحرار المسلمين دون الكفار والعبيد - في قول مجاهد - والحرية ليست عندنا شرطاً في قبول الشهادة وإنما الاسلام شرط من العدالة. وبه قال شريح والبتى، وأبو ثور، ومثله قوله: {أية : وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم}تفسير : وقوله: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} يحتمل رفعه أربعة أوجه: أحدها - فليكن رجل وامرأتان. الثاني - فليشهد رجل وامرأتان. الثالث - فالشاهد رجل وامرأتان. الرابع - فرجل وامرأتان يشهدون وكل ذلك حسن. وكان يجوز أن ينصب رجلا وامرأتين بمعنى واستشهدوا رجلا وامرأتين. وقوله: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} يحتمل وجهين: أحدهما - قال الربيع والسدي والضحاك وأكثر المفسرين إنه من الذكر الذي هو ضد النسيان. وقال سفيان بن عيينة: هو من الذكر. ومعناه أن تجعلها كذكر من الرجال. ومعنى أن تضل لأن تضل أو من أجل أن. فان قيل لم قال {إن تضل} وإنما الاشهاد، للاذكار لا للضلال قيل عنه جوابان: أحدهما - قال سيبويه أنه لما كان الضلال سبب الاذكار قدّم لذلك وجاز لتعلق كل واحد منهما بالآخر في حكم واحد فصار بمنزلة ما وقع الاشهاد للمرأتين من أجل الضلال، كما وقع من أجل الاذكار وكثيراً في السبب والمسبب أن يحمل كل واحد منهما على الآخر، ومثله أعددت الخشبة أن تميل الحائط فأدعمه وإنما أعددته في الحقيقة للدعم ولكن حمل عليه الميل لأنه سببه. الثاني - قال الفراء إنه بمعنى الجزاء على أن تذكر احداهما الأخرى إن ضلت إلا أنه لما قدمت (أن) اتصلت بما قبلها من العامل فانفتحت. ومثله يعجبنى أن سأل السائل فيعطى. وإنما يعجبك الاعطاء دون المسألة. ومثله قوله: {أية : ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا} تفسير : ومعناه ولولا أن يقولوا أن اصابهم مصيبة، وإنما قدّم وأخر. قال الرماني قول سيبويه في هذا أقوى لما في الثاني من الدعوى لاخراج الجزاء إلى المصدر لغير فائدة. وأنكر بعضهم قراءة حمزة {إن تضل} - بكسر الهمزة - وقال الرماني: لا معنى لهذا الانكار، لأن عليها إجماع الأمة وتسليم القراءة بها ولها وجه صحيح في العربية. وقال أبو علي الفارسي إن حمزة جعل إن للجزاء، والفاء في قوله {فتذكر} جواب الجزاء، ويكون موضع جوابه رفعاً بكونها وصفاً للمنكرين وهما المرأتان في الآي وقوله: {فرجل وامرأتان} خبر ابتداء محذوف، وتقديره فمن يشهد رجل وامرأتان، وانفتحت اللام في هذه القراءة لالتقاء الساكنين، وموضعهما الجزم ولو كسرت، لكان جائزاً وقال قوم: غلط سفيان بن عيينة في تأويله، لأن احداهما إذا نسيت لم تجعلها الأخرى ذكراً وهذا ليس بشيء، لأن المعنى تذكرها تصير معها بمنزلة الذكر لأن بعدهما من النسيان إذا اجتمعا بمنزلة بعد الذكر، فان قيل: فلم قال {فتذكر إحداهما الأخرى} فكرر لفظ إحداهما، ولو قال فتذكرها الأخرى لقام مقامه مع اختصاره. قيل قال الحسين بن علي المغربي: إن تضل إحداهما يعني إحدى الشهادتين أي تضيع بالنسيان فتذكر أحدى المرأتين الأخرى، لئلا يتكرر لفظ إحداهما بلا معنى ويؤيد ذلك أنه يسمى ناسي الشهادة ضالاً. ويجوز أن يقال: ضلت الشهادة إذا ضاعت كما قال تعالى: {أية : قالوا ضلوا عنا}تفسير : أي ضاعوا منا ويحتمل أن يكون إنما كرر لئلا يفصل بين الفعل والفاعل بالمفعول فان ذلك مكروه غير جيد، فعلى هذا يكون احداهما الفاعلة والاخرى مفعولا بها. وقوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} قيل في معنى ما دعوا إليه ثلاثة أقوال: أحدها - لاثبات الشهادة في الكتاب وتحملها ذهب إليه ابن عباس، وقتادة، والربيع. الثاني - قال مجاهد، وعامر، وعطا ذلك إذا دعوا لاقامتها. الثالث - في رواية عن ابن عباس، والحسن، وأبي عبد الله (ع) لاقامتها وإثباتها. وهو أعم فائدة. وقال الطبري: لا يجوز إلا إذا دعوا لاقامتها، لأن قيل أن يشهدوا لا يوصفون بأنهم شهداء. وهذا باطل لأنه تعالى قال: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} فسماهما شاهدين قبل إقامة الشهادة. اللغة: وقوله: {ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله} فالسأم: الملل، سئم يسأم سأماً إذا مل من الشيء وضجر منه قال زهير: شعر : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبالك ويسأم تفسير : والصغير: خلاف الكبير صغر الشيء يصغر صغراً، وصغره تصغيراً واستصغره إستصغاراً وتصاغر تصاغراً. وصغر يصغر صغراً وصغاراً: إذا رضي بالضيم، لأنه رضي باستصغاره. تصاغرت إليه نفسه ذلاً ومهانة. والاصغار حنين الناقة الحفيض والاكبار حنينها الكبير. والهاء في قوله: {أجله} يحتمل أن تكون عائدة إلى أجل الدين. وهو الاقوى. والثاني إلى أجل الشاهد. أي الوقت الذي تجوز فيه الشهادة. وقوله: {ذلكم أقسط عند الله} معناه أعدل والقسط: العدل تقول: أقسط إقساطاً، فهو مقسط إذا عدل ومنه قوله: {إن الله يحب المقسطين} والقسط: الحصة تقول أخذ فلان قسطه أي حصته. وقد تقسطوا الشيء بينهم أي اقتسموه على القسط أي على العدل. وكل مقدار قسط لأنه عدل غيره بالمساواة له. والقسوط: الجور لأنه عدول عن الحق قسط يقسط قسطاً، فهو قاسط إذا جاز عن الحق. وقوله تعالى: {أية : وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً}تفسير : والرجل القسطاء: التي في ساقها أعوجاج لعدوله عن الاستقامة. المعنى: وقوله: {وأقوم للشهادة} معناه أصح لها مأخوذ من الاستقامة. وقوله: {وأدنى ألا ترتابوا} أي أقرب ألا تشكوا بأن ينكر من عليه الحق. وقيل: بالا ترتابوا بالشاهد أن يضل، وقوله: {إلا أن تكون تجارة حاضرة} فمن رفع احتمل رفعه أمرين: أحدهما - أن تكون (كان) تامة بمعنى وقع، فيكون اسم كان، ويحتمل أن تكون ناقصة ويكون اسمها والخبر تديرونها. ومن نصب معناه أن تكون التبايع تجارة أو التجارة تجارة. وقوله: {واشهدوا إذا تبايعتم} قال الضحاك: الاشهاد: فرض في التبايع وبه قال أصحاب الطاهر واختاره الطبري. وقال الحسن، والشعبي ذو ندب. وهو الصحيح وبه قال جميع الفقهاء. وقوله {ولا يضار} أصله يضار - بكسر الراء - عند الحسن، وقتادة، وعطا، وابن زيد، وقيل: المضارة وهو أن يشهد الشاهد بما لم يستشهد فيه، ويكتب الكاتب بما لم يمل عليه. ذهب إليه الحسن، وطاووس، وهو الاقوى. بدلالة قوله {وإن تفعلوا} يعني المضارة {فإنه فسوق بكم} أي معصية في قول ابن عباس، ومجاهد، والضحاك. ومن دعا الشاهد وهو مشغول، فتأخر لا يكون فاسقاً بلا خلاف. وقال ابن مسعود، ومجاهد - بفتح الراء - ومعناه لا يدعى الكاتب، والشاهد، وهو مشغول على وجه الاضرار به. ومعنى قوله: {صغيراً أو كبيراً} معناه هو في العادة صغير جرت العادة بكتب مثله. ولا يريد بذلك ما قدره حبة أو قيراط، لأن ذلك لم تجر العادة بكتب مثله، والاشهاد عليه وليس في الآية ما يدل على أنه لا يجوز الحكم بالشاهد واليمين، لأن الحكم بالشاهد والمرأتين أو بالشاهدين لا يمنع من قيام الدلالة على جواب الحكم بالشاهد مع اليمين. ولا يكون ذلك نسخاً لذلك، لأنه ليس بمناف للمذكور في الآية والحكم بالشاهد والمرأتين يختص بما يكون مالا أو المقصد به المال فأما الحدود التي هي حق الله وحقوق الآدميين وما يوجب القصاص. فلا يحكم فيها بشهادة رجل وامرأتين، وكذلك عندنا في الشاهد، واليمين حكم الشاهد والمرأتين سواء. وقد بسطنا مسائل الشهادات، وفروعها، وما يقبل منها وما لا يقبل وأحكام شهادة النساء والعبيد وغير ذلك في كتابينا النهاية، والمبسوط، فلا معنى للتطويل بذكرها ها هنا. وقوله: {واتقو الله} معناه اتقوا معاصية وعقابه. وقوله: "ويعلمكم الله" معناه يعلمكم ما فيه صلاح دينكم ودنياكم وما ينبغي لكم فعله، وما يحرم عليكم. والله عليم بذلك وبما سواه من المعلومات فلذلك، قال {بكل شيء عليم}. الاعراب: وقال أبو علي الفارسي {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} لا يكون متعلقاً بقوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} {أن تضل إحداهما} ولكن يتعلق بأن يفعل مضمر دل عليه هذا الكلام، لأن قوله: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} يدل على قولك واستشهدوا رجلاً وامرأتين، فتعلق (ان) إنما هو بهذا الفعل المدلول عليه. قال ويجوز أن تتعلق (ان) باحد ثلاثة أشياء. أحدها - المضمر الذي دل عليه قوله: {واستشهدوا شهيدين}. الثاني - الفعل الذي هو فليشهد رجل وأمرأتان. الثالث - الفعل الذي هو خبر المبتدأ، وتقديره فرجل وامرأتان يشهدون، فيكون يشهدون خبر المبتدأ. قال وقوله: {ممن ترضون من الشهداء} فيه ذكر يعود إلى الموصوفين الذين هم {فرجل وامرأتان}، ولا يجوز أن يكون فيه ذكر لشهيدين المتقدم ذكرهما لاختلاف إعراب الموصوفين ألا ترى أن شهيدين منصوبان، ورجل وامرأتان اعرابهم الرفع، فاذا كان كذلك علمت أن الوصف الذي هو ظرف إنما هو وصف لقوله: "فرجل وامرأتان" دون من تقدم ذكرهما من الشاهدين, والشرط وجزاؤه وصف للمرأتين، لأن الشرط، والجزاء جملة يوصف بها كما يوصل بها في قوله: {أية : الذين إن مكناهم}تفسير : الآية. اللغة: وأما إحدى فهو مؤنث الواحد والواحد الذي مؤنثه إحدى إنما هو اسم وليس. بوصف ولذلك جاء احدى على بناء لا يكون للصفات أبداً كما كان الذي هو مذكره كذلك وقال أحمد بن يحيى قالوا: هو إحدى الاحد، وواحد الأحدين وواحد الآحاد وأنشد: شعر : عدّونى الثعلب فيما عدّوا حتى استثاروا في أحدى الأحد ليثاً هزبرا ذا سلاح معتدى تفسير : المعنى: وقوله: {إلا أن تكون تجارة حاضرة} استثناء من جملة ما أمر الله بكتابته والاشهاد عليه عند التبايع فاستثنى منه يداً بيد فانه لا يحتاج إلى الكتابة ولا الاشهاد عليه، والأول يحتاج إليه على خلاف، في كونه ندباً أو وجوباً كما ذكرناه. وقيل في البقرة خمسمائة حكم وفي هذه الآية أربعة عشر حكماً أولها قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} والثاني - {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} الثالث - {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علّمه الله} والرابع - {وليملل الذي عليه الحق} وهو أقداره إذا أملاه. الخامس - {وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً}. أي لا يخون، ولا ينقصه. السادس - {فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو} أي لا يحسن {فليملل وليه بالعدل} السابع - {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} والثامن - {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} التاسع - {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} والعاشر - {ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله} أي لا تضجروا. والحادي عشر - {ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها} الثاني عشر - {وأشهدوا إذا تبايعتم} الثالث عشر - {ولا يضار كاتب ولا شهيد} الرابع عشر - {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} وقال قوم: فيها إحدى وعشرون حكماً: {إذا تداينتم} حكم {فاكتبوه} حكم {ولا يبخس} حكم {فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً} حكم {أو ضعيفاً} حكم {أو لا يستطيع} حكم {فليملل وليه} حكم {بالعدل} حكم {واستشهدوا شهيدين} حكم {فرجل وامرأتان} حكم {ممن ترضون من الشهداء} حكم {ولا يأب الشهداء} حكم {ولا تسأموا} حكم {إلا أن تكون تجارة حاضرة} حكم {وأشهدوا إذا تبايعتم} حكم {ولا يضار كاتب} حكم {ولا شهيد} حكم.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} بالايمان العامّ والبيعة النّبويّة وقبول الدّعوة الظّاهرة فانّ الاحكام الشرعيّة القالبيّة كلّها متوجّهة الى المسلمين بالبيعة العامّة {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} تداين القوم دان بعض واستدان آخر، او دان كلّ من الآخر، او تعاملوا بنسيئةٍ يعنى اذا دان بعض منكم واستدان آخر، او اذا وقع منكم معاملة بنسيئة وعلى هذا فالامر بالكتابة عامّ للدائن والمدين ولغيرهم، امّا للدّاين والمدين فلرفع التّخالف والاشتباه، وامّا لغيرهم فللاعانة على البرّ والتّقوى، وذكر الدّين امّا للامتياز عن التّداين بمعنى المجازاة، او لكون التّداين بمعنى مطلق المعاملة، او لبناء الكلام على التّجريد والدّين خاصّ بالقرض المؤجّل او هو بمعنى مطلق القرض فقوله تعالى {إِلَىٰ أَجَلٍ} امّا للتّأكيد، او مبنىٍّ على التّجريد، او على اعتبار كون الدّين بمعنى مطلق القرض {مُّسَمًّى} معيّن {فَٱكْتُبُوهُ} ليكون ابعد من الاشتباه والاختلاف واضبط لقدر الدّين ومدّته {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ} الباء للآلة والعدل صفة للقلم المقدّر اى بالقلم العدل فانّه ينسب الاعوجاج والاستقامة الى القلم والظّرف متعلّق بكاتب او بليكتب، او الباء للآلة، والعدل بمعنى استواء الميل الى الطّرفين او بمعنى حفظ الحقوق، او الباء للملابسة، والظّرف مستقرّ صفة لكاتب {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ} احد من الكاتبين {أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ} اى كتابة مثل كتابة علّمها الله وهى الكتابة بالعدل او كتابة تماثل تعليم الله الكتابة له، او مطلق تعليم الله له يعنى يكون تعليم الله نصب العين فى الكتابة حتّى يكون الكتابة شكراً لتعليمه وهذا المعنى يفيد التعليل فيكون المعنى: ولا يأب كاتب ان يكتب لاجل تعليم الله {فَلْيَكْتُبْ} وللاهتمام بالكتابة أكّدها بالامر بها اربع مرّات {وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ} لانّه المقرّ المشهود عليه {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ} فى تلقين ما يضرّ بصاحب الحقّ {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ} لا ينقص من الحقّ او ممّا املى {شَيْئاً فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً} محجوراً عليه {أَوْ ضَعِيفاً} غير محجور عليه لكن لا يميز بين الالفاظ الّتى هى عليه وله كما ينبغى {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ} تأكيد للمستتر وفائدته نفى الاستطاعة عنه نفسه لا عمّن يقوم مقامه {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ} اى ولىّ الّذى عليه الحقّ او ولىّ الحقّ {بِٱلْعَدْلِ وَٱسْتَشْهِدُواْ} ادب آخر للمعاشرة والمعاملة فانّه اذا كانت المعاملة والمداينة بالاستشهاد، لم يقع اشتباه واختلاف بين المعاملين {شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ} بالغين مسلمين حرّين، امّا البلوغ فيستفاد من مفهوم الرّجل، وامّا الاسلام فيستفاد من اضافة الرّجل، وكذا الحرّيّة هكذا فسّر الآية، ونسب الى تفسير الامام (ع): لكن اذا تحمّل العبد الشّهادة فشهادته مسموعة اذا كان مسلماً {فَإِن لَّمْ يَكُونَا} اى الشّاهدان {رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ} اى فليكن رجل {وَٱمْرَأَتَانِ} شهداء او فليشهد رجل او فالشّاهد رجل وامرأتان {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ} يعنى ممّن ترضون دينه بان يكون على دينكم، وصلاحه بان يكون عادلاً مأموناً، وبصيرته بالامور بان لا يكون ممّن يخدع {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} علّة لاعتبار امرأتين مقام رجل واحد {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ} وكيفيّة شهادات الرّجال والنّساء بالانفراد او بالانضمام ومحلّها ومقبولها ومردودها واعتبار عدد الشّهود مذكورة فى الكتب الفقهيّة {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ} اى من كان اهلاً ليحمل الشّهادة {إِذَا مَا دُعُواْ} لتحملها او من كان متحمّلاً اذا دعوا لادائها، او المراد بالشّهداء معنى اعمّ منهما، وقد اشير فى الاخبار الى كلّ منهما، وفى بعضها انّ المراد اذا دعوا للتحمّل، وامّا حرمة الاباء عن الاداء فتستفاد من قوله: {ومن يكتمها فانّه آثم قلبه} {وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ} ايّها المتداينون والشّهداء والكتّاب {أَن تَكْتُبُوهُ} اى الدّين او الحقّ او الكتاب نهى المتداينين عن السّأمة لانّ الكتابة حقّهم، ونهى الشّهداء والكتّاب لان الكتابة من المعاونة على البرّ والتّقوى {صَغِيراً} كان {أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ} متعلّق بمحذوفٍ حال عن الحقّ اى موقّتاً الى اجله فيكون اشارة الى تعيين الحقّ ومدّته فى الكتابة، او متعلّق بقوله تكتبوه اى لا تسأموا ان تكتبوه من جميع علاماته ومعيّناته الى اجله او متعلّق بلا تسأموا اى لا تسأموا من اوّل وقوعه الى اجله من الكتابة {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} اى ابعد من الافراط بأخذ الوثيقة باضعاف الحقّ مع الكتاب ومن التّفريط باهمال الكتابة والاشهاد {وَأَقْومُ} من قام المرأة بمعنى كفى امورها اى اكفى {لِلشَّهَادَةِ} من تذكّر دقائقها وقدر الحقّ ومدّته وغير ذلك {وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً} استثناء مفرّغ من قوله تعالى: {فاكتبوه} اى فاكتبوا الدّين فى كلّ حال الاّ ان تكون التّجارة تجارة {حَاضِرَةً} على قراءة نصب {تجارة} وتقدير اسم تكون ضميراً راجعاً الى التّجارة المذكورة بالتضمّن، او الاّ ان تكون تجارة حاضرة {تُدِيرُونَهَا} على قراءة الرّفع وتقدير تجارة فاعل تكون تامّاً او اسمه ناقصاً وكون تديرونها خبره، ويجوز ان يكون عامل المستثنى محذوفاً جواباً لسؤالٍ تقديره كلّ تجارة تكتب الاّ ان تكون التّجارة تجارة حاضرة تديرونها {بَيْنَكُمْ} وتوصيف التّجارة بالحضور وبالادارة من قبيل الوصف بحال المتعلّق اى حاضراً ما به التّجارة وتديرون ما به التّجارة، او المراد بالتّجارة ما به التّجارة ومعنى الادارة ان يأخذ البائع الثّمن من المشترى والمشترى المبيع من البائع {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} وهذا يدلّ على انّ الاوامر السّابقة كانت للوجوب {وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} فانّه ادفع للنّزاع وامنع لمكر الماكرين {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} نهى محتمل لبناء الفاعل ولبناء المفعول والمعنى لا يضرّ الكاتب ولا الشّهيد بالدّائن ولا بالمديون اولا يضرّ الدّائن ولا المديون بالكاتب والشّهيد حين الدّعاء للكتابة او تحمّل الشّهادة او ادائها بتعطيل وقت الكتاب والشّهود عن معيشتهم من غير جعل وعلى هذا لم يكن الجعالة على الكتابة والشّهادة اذا كانتا ممّا يستحقّا عليهما جعالة حراماً، او بتعطيل ايديهم عن اشغالهم الّتى يتضرّرون بتركها {وَإِن تَفْعَلُواْ} المضارّة عوقبتم {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فى المضارّة او فى جملة أوامره ونواهيه {وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ} امثال هذه الواو ممّا لا يمكن جعلها واو العطف لعدم ما تعطف عليه فى الكلام؛ او لعدم ارادة معنى العطف منها، ولا جعلها بمعنى مع لعدم انتصاب المضارع بعدها جعلوها واو الاستئناف مثل لنبيّن لكم ونقرّ فى الارحام، ومثل لا تأكل السّمك وتشرب اللّبن، على رفع تشرب والمقصود من جعلها للاستئناف انّها ليست من حيث اللّفظ مرتبطة بسابقتها لا انّها من حيث المعنى منقطعة عمّا قبلها فانّ المعنى فى مثل لا تأكل السّمك وتشرب اللّبن على النّهى عن الجمع بين أكل السّمك وشرب اللّبن سواء كان تشرب بالرّفع او بالنّصب وهذا المعنى لا يستفاد الاّ اذا كانت الواو بمعنى مع لكن لم يقدّر بعدها ان اذا كان ما بعدها مرفوعاً كما يقدّر فى صورة النّصب ومثلها الواو هاهنا فانّ هذه العبارة تفيد ترتّب العلم على التّقوى سواء قيل اتّقوا الله يعلّمكم الله ام ويعلّمكم الله بالنّصب او بالرّفع فالواو تفيد هاهنا معنى المعيّة الّتى هى نحو معيّة الغاية للمغيّا، ولمّا لم يكن ما بعدها منصوباً على نحو الواو الّتى بمعنى مع قالوا انّها للاستئناف مثل حتّى الدّاخلة على المضارع المرفوع فانّه يقال انّها للاستئناف مع انّها مربوطة بما قبلها، ولمّا كان التّقوى بجميع مراتبها ادباراً عن النّفس الّتى هى معدن الجهل واقبالاً على العقل الّذى هو باب العلم كانت مستلزمة للعلم وازدياده كما فى قوله تعالى: {أية : إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً}تفسير : [ الأنفال: 29] وقوله: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2- 3] تفسير : {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فيعلم منكم المضارّة والتّقوى؛ ترهيب وترغيب، قيل فى سورة البقرة خمسمائة حكم، وفى هذه الآية خاصّة خمسة عشر حكماً.

الأعقم

تفسير : {يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} يعني اذا داين بعضكم بعضاً والمعنى اذا عامل بعضكم بعضاً بدين مؤجل {فاكتبوه} أي فاكتبوا الدين لئلا يقع فيه نسيان أو جحود والامر للندب، وقيل: للوجوب، وقيل: كانت الكناية والاشهاد واجباً فنسخ بقوله فان أمن بعضكم بعضاً والوجه هو الاول ان الامر للندب وفي الحديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ان الله مع صاحب الدين حتى يقضي دينه ما لم يكن فيما يكره الله تعالى" تفسير : وكانت عائشة تأمر من يتديَّن لها وتقول: أحب ان الله لا يزال معي، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : اياكم والدين فانه هم بالليل مذلة بالنهار" تفسير : وفي الحديث: "حديث : رأيت على باب الجنة مكتوباً القرض بثمانية عشر والصدقة بعشر قلت: يا جبريل ما بال القرض أعظم أجراً من الصدقة؟ قال: لأن صاحب القرض لا يأتيك الا محتاجاً وربما وقعت الصدقة في غير اهلها" تفسير : {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} يعني وليكتب كتاب المداينة والمبيع كاتب بالعدل بالحق لا يزيد فيه ولا ينقص ولا يكتب شيئاً يضر بأحدهما {ولا يأب كاتب} اي لا يمتنع كاتب {أن يكتب كما علمه الله} اي مثل ما علمه الله قيل: الكتابة واجبة على الكفاية أي فرض كفاية {فليكتب وليملل الذي عليه الحق} يعني المطلوب المديون يقر على نفسه بلسانه {وليتق الله ربه} أي يتقي مخالفة امره {ولا يبخس منه شيئاً} أي لا ينقص، ثم بيّن تعالى حال من لا يصح منه الاملاء فقال: {فإن كان الذي عليه الحق} يعني المديون {سفيهاً} أي جاهلاً بالاملاء، وقيل: صغيراً، وقيل: عاجزاً {او ضعيفاً} قيل: مريضاً، وقيل: شيخاً خرفاً {أو لا يستطيع أن يملّ هو} أي لا يقدر على الاملاء بخرس او عجَمه، وقيل: السَّفيه المجنون، والضعيفُ الصغير، ومن لا يستطيعُ الاخرس، قوله: {فليملل وليه بالعدل} أي ولي السَّفيه يملي بما عليه فيقوم مقامه، وقيل: ولي الحق لانه اعلم بدينه {واستشهدوا} اي واطلبوا ان يشهد لكم {شهيدان} على الدين {من رجالكم} يعني من رجال المؤمنين والحريَّة وَالبلوغ شرط مع الإسلام عند عامة العلماء وعن علي (عليه السلام): "لا تجوز شهادة العبد في شيء" قوله: {فان لم يكونا رجلين فرجل وامرتان} اي فليشهد رجلان وامرأتان {ان تضل احداهما} أي لا يهتدي بان ينسَى مِن ضَل الطريق، قوله: {فتذكر احداهما الاخرى} هو من الذكر اي تذكرها الشهادة، قوله تعالى: {ولا يأب الشهداء} أي لا يمتنعوا {اذا ما دعوا} ليقيموا الشهادة، وقيل: يستشهدوا، قوله تعالى: {ولا تسأموا} كني بالسَّأَم عن الكسل {ان تكتبوه صغيراً او كبيراً إلى اجله} يعني على أي حال كان الحق من صغير وكبير ويجوز ان يكون الضمير للكتاب إلى اجله أي إلى اجل الدَّين الذي اتفق الغريمان على تسميته {ذلكم} اشارة إلى ان تكتبوه {أقسط} واعدل {وأقوم للشهادة} اي اعون على اقامة الشهادة، قوله: {وأدنى ألا ترتابوا} أي واقرب الا تشكوا، قوله: {الا ان تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم} تعاطيكم اياها يداً بيَد، قوله تعالى: {فليس عليكم جناح الا تكتبوها} يعني فلا بأس الا تكتبوها لانه لا يتوهم فيه مما يتوهم في الدين، قوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} امروا بالاشهاد على السامع مُطلقاً لأنه احوط، وعن الحسن: ان شاء اشهد وان شاء لم يشهد، قوله تعالى: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} المعنى نهى الكاتب والشاهد عن التحريف والزيادة والنقصان {وان تفعلوا} أي وان تضاروا فإن الضرر {فسوق بكم}، {وان كنتم على سفر} اي مسافرين {ولم تجدوا كاتباً} يكتب الكتاب والشهود {فرهان مقبوضَة} فالوثيقة هو ان يأخذ ممن داينه رهناً مقبوضاً {فان أمن بعضكم بعضاً} يعني الذي له الحق يأتمن من عليه الدين فلا يرتهن ولا يكتب ولا يشهد {فليؤد} خطاب للمديون يعني فليؤدّ المؤتمن أمانته، وقيل: خطاب للمرتهن يؤدّي الرهن عند ان يستوفي حقه لأنه أمانة والأول الوجه {وليتق الله ربه} يعني يتقي مخالفة امره {ولا تكتموا الشهادة} خطاب يعود الى الشهود والمعنى لا تكتموا الشهادة اذا طلبتم اقامتها {فإنّه آثم قلبه} يعني فاجر عاصي وانما قال قلبُه لان القلب رئيس الاعضاء وهو المضغة التي ان صلحت صلح البدن الجسد وان فسدت فسد، وعن ابن عباس (رضي الله عنه): اكبر الكبائر الاشراك بالله وشهادة الزور وكتمان الشهادة.

اطفيش

تفسير : {يَا أيُّها الَّذِينَ آمنُوا إذَا تَدَايْنتُم بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمىًّ}، أى إذا عامل بعضكم بعضا بدين، والمفاعلة على بابها، لأن المتبايعين بالدين كل منهما له ملابسة بالدين، هذا يعطيه وذاك يأخذه، وكلاهما عاقد، وليس المراد كل منهما باع دينا للآخر، لأن بيع الدين بالدين باطل، وكذلك لا يدخل فى الآية بيع يد بيد، لأنه لا دين فيه بقى بيع العين بالدين وهو بيع الشئ بالثمن مؤجلا، وبيع العين بالدين وهو السلم، وهما داخلان تحتهما، وكذلك لا يدخل فيه القرض، لأنه لا أجل فيه، وقيل بجواز الأجل فيه، وقيل بوجوبه، والبحث مذكور فى الفروع، وقال الفخر: إن القرض لا يسمى دينا، وإنما قال بدين مع أن قوله تعالى: {تداينتم}، يكفى عنه ليرجع إليه الضمير فى قوله فاكتبوه، إذا لو لم يذكر لقيل فاكتبوا الدين، فيفوت بعض الحسن فى الكلام، ولأنه أظهر فى تنويع الدين إلى مؤجل وغيره، ولئلا يتوهم عند ذكر تداينتم المجازاة، ولو كان لفظ دين أيضاً يستعمل بمعنى الجزاء، لكن يتبادر منه بعد لفظ تداينتم ما يترتب فى الذمة لا الجزاء، ولا يقال لو لم يذكر فقيل فاكتبوه لدل عليه تداينتم كقوله تعالى:{أية : اعدلوا}تفسير : هو أقرب للتقوى، لأنا نقول مصدر تداين لفظ التداين فلا يناسب أن يقال اكتبوا التداين، وكذا لا يعود الضمير للأجل، وذلك أن المراد الإفصاح بكتب كمية الدين لأجله وغير ذلك يصح بتكلف، وخرج بالأجل، والمسمى بمعنى المعين باسمه الذى لا خفاء فيه كعدد الأيام والأسابيع والشهور والسنين غير المعين مما فيه خفاء، كالحصاد والجذاذ والقيظ، وقدوم الحاج، وقال ابن عباس نزلت فى السلم لأنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون فى الثمار سنتين والثلاث فقال: "حديث : من أسلم فليسلم فى كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم"تفسير : وقال ابن عباس لما حرم الله الربا أباح السلم وقال، أشهد أن الله أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم فى كتابه، وأنزل فيه أطول آية. ولعله يريد أن سبب النزول السلم واللفظ عام للدين كله. {فاكْتُبوهُ}: بأجله المسمى وببدئه، لئلا يأخذ صاحب الحق أكثر من حقه، ويعطى من عليه أكثر مما لزمه بعمد ومغالطة، أو نسيان وتوهم، أو يأخذ هذا قبل أجله، ويعطى هذا قبل الأجل الذى عليه، أو يؤخر من عليه عن الأجل، وإنما الذى ينبغى أن يعلم الأمر على الحقيقة، ثم يزيد المعطى أكثر مما عليه بقصد الثواب، أو ينقص له صاحب الحق كذلك، أو يؤخر له فى الأجل، وإن جهل الأجل بطل البيع، وقيل يكون حالا والأمر بالكتابة على الندب عند الجمهور، وقالوا: إنا نرى جمهور المسلمين فى جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتبه ولا إشهاد، وذلك إجماع على عدم وجوبهما، فذلك ندب فى حفظ المال وإزالة الريبة، فإن كان الغريم ثقة لم يضره الكتب بل يكون له أعون فى الحياة وبعد الممات إن لم يقبضه، وإلا فقيد له وإن أشهدت وكتبت فحزم وإن ائتمنت ففى حل وسعة، وقال عطاء وابن جريح والنخعى والطبرى: الكتابة والإشهاد واجبان. وقال الحسن والشعبى وابن عينية: كانت الكتابة والإشهاد والرهن فرضا ثم نسخ بقوله تعالى: (فإن أمن بعضكم بعضاً أؤتمن أمانته)، وكذلك يؤمر بالكتابة إذا كان الدين بلا أجل لوجود علة النسيان والإنكار فيه، ويدل لهذا أنهُ استثنى البيع يدا بيد فى قوله: {إلا أن تكون تجارة} الآية. {وَلْيَكْتُب بَّيْنكُم كاتِبٌ بالعَدْلِ}: بالحق لا يزيد فى المال والأجل، ولا ينقص، وهو كاتب يعرف العربية ففيه يجئ كتابة صحيحا موثوقا به شرعا فى اللفظ والمعنى، والآية نص فى إجزاء كتابة كاتب واحد معتديه، يكتب الأمر كما هو بالأجل والشهود والتاريخ يتوثق فى جنب الذى له الحق والذى عليه، ولا يحمل ولا يبهم ولا يجب أن يكتب كاتب آخر أيضاً مثله مثل ما كتب سواه أو باختصار فى كتاب آخر أو تحته كتابته وإن فعل ذلك أشد وثوقا. {ولا يأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما علَّمهُ اللّهُ} أى لا يأب من يكتب، أى لا يمتنع من الكتابة، ويجوز ألا يقدر فيكون أن يكتب مفعولا لأن أبى يتعدد، ويلزم ألا يمنع كتبه عن طالب إيقاع علمه الله من العدل، والعبارة الجيدة والخط البين أى إن وافق طالبا للكتابة فليكتب له بعدل، وتجويد العبارة والخط، فمتعلق النهى عن الإباء ألا يكتب على غير ذلك، أى إن وافق للكتابة فلا يمتنع من العدل والتجويد فى كتابته، ويجور أن يكون متعلقة أن يمتنع عن الكتب أصلا عن التجديد والعدل، ويجوز أن يكون متعلقة ترك الكتابة، أى لا بد أن يكتب إذا طلب وينفع الطالب بكتابته كما نفعه الله بتعليم الكتابة وغيرها كقوله تعالى:{أية : وأحْسنْ كما أحْسنَ الله إليك}،تفسير : وليست الآية إيجابا على الكاتب أو ندبا له أن يكتب بلا أجرة، بل أوجب عليه أو ندب لهُ أن يكتب فقط سواء بأجرة أو بدونها، كما يوهمه قول بعض إنه إذا أمكن الكتاب لم يجب على معين، بل له الامتناع إلا إذا استأجره وأنه إذا عدم الكاتب سواه وجب عليه، قال عطاء والشعبى: واجب على الكاتب أن يكتب إذا لم يوجد سواه فهو فرض كفاية، وقال السدى واجب مع الفراغ، وقيل فرض عين على من طلب الكتابة، وكذا الخلاف فى تحمل الشهادة، وقال الضحاك والربيع بن أنس:{ولا يأب كاتب} منسوخ بقوله: {ولا يضار كاتب ولا شهيد}، أى نسخ الوجوب عنهما، والكاف يتعلق بيكتب، ويجوز تعليقه بيكتب من قوله:. {فَلْيَكتُبْ}: وعلى تعليقه بيكتب قبله تكون الفاء عاطفة، فيكون قوله {ليكتب} توكيدا أى فليكتب تلك الكتابة المأمور بها، وعلى تعليقه بيكتب بعده تكون الفاء للتوكيد، أو فى جواب أما أى أما كما علمه الله فليكتب، فيكون أولا نهى عن ترك الكتابة مطلقا، ثم أمر بإيقاعها مقيدة وما مصدرية، أى كتعليم الله إياه أو اسم أى كالتعليم الذى علمه الله، أو كالكتابة التى علمه الله إياها، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تقوم الساعة حتى يفيض المال ويظهر العلم ويكثر التجار"تفسير : قال الحسن: لقد أتى على الناس زمان وما يقال إلا تاجر بنى فلان وكاتب بنى فلان ما يكون فى الحى إلا تاجر واحد وكاتب واحد. {ولْيُملِلِ الَّذى عليْهِ الحقُّ}: أى ليلق الذى عليه الحق بلسانه على الشهود، والكاتب ما عليه لفلان وأجله وجنسه وصفته، فالإملال الإقرار، والفعل أمل بتشديد اللام وفيه لغة أخرى، وهى أملى بألف بعد اللام يملى بياء بعدها إملاء ومنها فهى تملى عليه، وقيل الألف فى أملى والياء فى يملى بدل من اللام الآخرة فى أمل بالتشديد، وفيه بحث لأن ذلك معتاد فى الكلمة المجتمع فيها ثلاثة أمثال فى آخرها كتقضض البازى وتسرى الأمة فيقال تقضى وتسرى، والوجه أن يقر للشهود وللكاتب ثم يكتب أو يقر لهم، ثم يودون للكاتب أو يقر للكاتب، ثم يكتب ثم الشهود فيأتون للكاتب فيشهدوا فيكتب شهادتهم أو يقرأ عليهم بحضرة المقر فينعم بها، فيكتب شهادتهم، وليملل مفعول به واحد هو محذوف وتعدى للآخر بعلى لأنه بمعنى ألقى، أى ألقى الحق الذى عليه لك بلسانه على الكاتب والشهود. وقيل له مفعولان هكذا أى يملل من عليه الحق كاتب ما عليه من الحق أى يعلمه إياه. {وليتَّقِ الله ربَّه}: أى ليحذر المل أو الكاتب الله ربه فى إملائه أو كتابته لا يعصى فى ذلك، ومن المعصية أن يقر على اسم غيره أو يقر باسم من ليس الحق له، أو ينقص من الحق شيئا، أو يكتب الكاتب كذلك، كما قال تخصيصا بعد تعميم. {ولا يَبْخَسْ}: أى لا ينقص من عيله الحق شيئا أو الكاتب. {مِنْهُ شَيئاً}: أى من الحق الذى عليه، والحق شامل لكون الأجل هو كذا لا أكثر منه مثلا، وكون الدين عددا من كذا، ونحو ذلك من جميع ما يمل به من، وقرئ شيئا بياء مخففة وحذف الهمزة، وقرئ بقلب الهمزة ياء وإدغام. الياء فيها، وهذه القراءة مطردة فى شئ فى جميع القرآن مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا. {فإنْ كانَ الَّذِى عَليّهِ الحقُّ سَفِيهاً}: ناقص العقل بالغ غير رشيذ مستحقا للحجر عليه لتبذيره كما فسره به أصحابنا، وهو أول قولين فى الديوان، وبه قال الشافعى وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبى حنيفة، يرون الحجر على المبذر بسفه المفسد لماله ودينه فيقوم وليه مقامه ويبطل تصرفه، وقال أبو حنيفة يحجر عليه فيصح إقراره وعقوده وتجارته، لأن السفه هو وضع الأشياء فى مواضعها موجود فى الكفار يبذرون ويعصون ولا تحجير عليهم، والجواب أن الآية أفادت الحجر بجعل السفية كالصبى فى الإملال عليه وأنه لا تحجير على الكفار لأنهم على غير الملة، لأن ذلك السفه ديانة وقد يحجر عليهم ألا يظهروا بيع الخمر والخنزير. {أوْ ضَعِيفاً}: عن الإملال لكونه صبيا أو شيخا مختلا، وقيل السفيه الطفل الصغير والضعيف الشيخ الكبير، وقيل الضعيف ضعيف العقل بجنون وبلاهه، وقيل المرأة الضعيفة والأحمق الذى لا يحسن أن يمل. {أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُملَّ هُوَ}: لخرس أو جهل باللغة أو جنون، قيل أو لعمى أو حبس أو غيبة لا يمكن بها الحضور، أو لجهل بماله وما عليه. {فَلْيُملِلْ وليُّهُ بالعَدْلِ}: أى متولى أمره كأب وجد وعم وأخ ووصى على نحو صبى ومجنون وأخرس، وكمعتقه وكترجمان ووكيل وقائم على صبى أو مجنون أو أخرس، وكملتقطه ومن أسلم هو على يده وكزوجها وذلك دليل جر بأن النيابة فى الإقرار، وبه قال أبو يوسف مطلقا، وأجازه وأبو حنيفة ومحمد عند القاضى، ومنعه الشافعى مطلقا، وإنما يظهر الجواز للقائم والوكيل والترجمان إذا صدقه المقر عنه قبل الإقرار أو بعده، أو قال كلما قال عنى فهو جائز علىّ، وعن ابن عباس: أراد بالولى صاحب الدين إن عجز الذى عليه الحق عن الإملال فليملل صاحب الحق، لأنه أعلم بحقه ويصدقه من عليه الحق، والعدل الصدق والحق، وإن أمل بين يديه ولم يصدقه ولم يكذبه بل سكت فليس جايزاً عليه إلا إن أقر أنهُ حضر ليقر بما عليه، وقيل جائز عليه. {واسْتَشْهِدُوا}: السين والتاء للطلب، ويجوز أن يكون لموافقة أفعل كأجعل وأيقن، واستجعل واستيقن. {شَهِيدَيْنِ}: لمَ يقل شاهدين للمبالغة فى تصحيح الشهادة وعدالة الشاهد. {مِنْ رِجَالِكُم}: أى واطلبوا رجلين أن يشهدا على الدين، بأن يسمعا ممن عليه الدين أو ممن يمليا عنهُ فيؤديان الشهادة لمن يكتبها، ولا يكتبها إلا بإذنهما، وقيل يكتبها إذا أدياها إليه وهو الصحيح، وإن حضر رجلان وسمعا وحققا الأمر ولم يحضرهما المتعاقدان للشهادة ولم يقولا لهما اشهدا فهل يشهدان، وتكتب شهادتهما ويحكم بها؟ قيل: لا وهى شهادة السماع، وقيل نعم، وجه الأول، إنهما لم يستشهدا، والله يقول: {واستشهدوا شهيدين} ووجه الثانى أنه قد حصل المراد من الاستشهاد، فكأنهما قد استشهدا، كما رخص بعضهم أن يكتب شهادة الشاهدين من رآهما استشهدا ولو لم يقولا كتبها إذا تحقق عنده أنهما قد فهما، ومعنى من رجالكم من الرجال المنتسبين إليكم بالإسلام، ولا تجوز شهادة مشرك ولو كتابيا إلا على مثله أو على من دونه من المشركين، هذا ما عندنا، وعند أبى حنيفة، وقال غيره: لا تكتب شهادة مشرك على مشرك، وحكم صبى المشركين فى شهادة المشركين عليه أوله حكم المشرك، وكذا يستفاد اشتراط الحرية من قوله: {رجالكم} أى المنتسبين إليكم بالمماثلة فى الدين والحرية، ويؤيده قوله تعالى: {ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا} لأن العبد يجب عليه أن يأبى إذا دعى لشئ حتى يأذن له مولاه، وكذا الصبى لا يشهد لأنه ضعيف لا يمل بنفسه، فكيف يشهد ولقوله: {من رجالكم}، وأجاز شريح رحمهُ الله شهادة العبيد العدول فى دينهم، لأن عدالتهم تمنعهم من الكذب، وكذا قال ابن سيرين وعثمان الليثى، وكان على بن أبى طالب لا يجيز شهادة العبد فى شئ. {فَإنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ}: أى فإن لم يكن الشاهدان رجلين بأن لم يوجد رجلان ممن تصح شهادته أو وجد أو عدل عن أحدهما لأمر مّا فالألف فى يكونا للشاهدين. {فَرَجلٌ وامْرأتَانِ}: أى فليشهد رجل وامرأتان، فهو فاعل لمحذوف، أو فالمشهد رجل وامرأتان فهو خبر لمحذوف، أو فرجل وامرأتان يشهدون فهو مبتدأ محذوف الخبر، وعليه فالمسوغ الوقوع بعد فاء الجواب، وشهادة النساء مع الرجال جائزة فى الأموال إجماعا، ولا تجوز فى الحدود ولو دون القتل، وقال سفيان الثورى وأصحاب الرأى: تجوز فى سائر الحقوق غير العقوبات، وأجازها الشافعى فيما يختص بالنساء غالبا كالولادة والرضاع والبكارة والثيابة، فقد يتزوج امرأة ويطلقها أو يفارقها فيشهد هو وامرأتان على أنها بكر أو ثيب، وتجوز شهادتها فى النكاح أو العتق والطلاق والرجعة والفداء والظهار وغير ذلك، فهى جائزة عندنا وعند أبى حنيفة فى الأموال والحقوق كلها إلا فى الحدود، وخصها الشافعى فى الأموال وما مر عنه آنفا. {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهداءِ}: للشهداء بأن يكون حرا الواحدا بالغاً عاقلا عدلا فى دينه، ذا مروءة لا يجريها فى مال نفعا لنفسه أو لولده أو عبده، ولا يدفع بها ضراً عن نفسه وألا يكون معروفا بكثرة الغلط والسهو وألا يكون عدوا للمشهود عليه ظاهر السعى فى الانتقام منه، والكافر يكذب على الله فكيف لا يكذب على غيره، فكيف تجوز شهادته، وأجيزت على الكافر على حد ما مر، وسئل ابن عباس عن شهادة الصبى فقال: ليس ممن ترضون من الشهداء، ولا تقبل شهادة المقارف للكبائر والمصرّ على الصغائر، وتجوز القرابة فى الشهادة إلا الأب فى المال لولده، وقال قومنا لا تجوز أيضا من ولد لوالده، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يجوز شهادة ذى الظنة وذى الجنة وذى الجنة"تفسير : الظنة التهمة، والجنة من يرق للمشهود له حتى يخاف عليه، ومن الكذب، ويروى الإحنة أى الحقد لم يحقد على المحقود عليه، والجنة الجنون، قال شريح: لا أجيز شهادة الخصم ولا الشريك ولا دافع المغرم، ولا شهادة الأجير لمن استأجره فى تلك الصنعة بعينها، وعن عائشة رضى الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تجوز شهادة خائن، ولا مجلود فى حد، ولا ذى غمر على أخيه، ولا مجرب شهادة، ولا القانع لأهل البيت، ولا ظنبن فى ولاء، ولا فى قرابة"تفسير : والغمر الحقد، والقانع السائل المستطعم لأهل بيت لا يشهد لهم، وقيل المنقطع إليهم يخدمهم، وقوله: {ممن ترضون من الشهداء}، تنازعه استشهدوا، والفعل المقدر فيه قوله: {فرجل وامرأتان}، وإن لم يقدر ما يصلح للتنازع علق باستشهدوا، وقدر مثله لقوله: {فرجل وامرأتان}، يكون نعتا له أو متعلقا بما يقدر أو بالعكس، فقوله: {ممن ترضون من الشهداء}، عائد إلى قوله: {فاستشهدوا شهيدين من رجالكم}، وإلى قوله: {فرجل وامرأتان}، ويرجح للأخير إما على التنازع أو غيره قوله. {أن تَضِلَّ إحْدَاهُما فَتُذكِّر إحْدَاهما الأخْرَى}: علة للمحذوف فى قوله: {فرجل وامرأتان} والتقدير مثلا فالمستشهد امرأتان لأجل أن تضل إحداهما فى شهادتها كمن فى الطريق بأن تنساها أو تزيد أو نقتص منها أو تبدل فتذكرها الأخرى، ومحط التعليل قوله: {فتذكر} وأما قوله: {أن تضل} فتمهيد كأنه قيل فتذكر إحداهما الأخرى لضلالتهما فى الشهادة، وذلك من التمهيد بالسبب، لأن التذكير سبب عن الضلالة، والضلالة الغيبة عن الشئ، فمن أخطأ فى الشهادة فقد ضل، ومن التمهيد بالسبب قولك أعددت الخشبة لأن يميل الحائط فادعمه، وبه مثل سيبوبه للآية، وأعددت السلاح لأن يجيئ العدو فادفعه، فالعلة فى الحقيقة الدفع والإدعام، والآية دالة على ما صرح به حديث: "إن النساء ناقصات عقل إذا قيمت اثنتان مقام واحد، لقلة ضبطهن لتذكر من لم تنس من نسيت بأن تقول لها مثلا: حضرنا مجلس كذا وتحملنا شهادة كذا ومعنى تذكر نصيرها ذاكرة، أى غير ناسية وهو التفكير، وقال سفيان ابن عيينة معناه تصيّرها ذاكرا فى المعنى ضد الأنثى ويرده عطفه على تضل، لأن تصيرها إياها ذكرا لا يختص بما إذا ضلت، ولأنها لا تصير وحدها ذاكراً، بل مع الأخرى كما هو مراده، واللفظ لا يتبادر منه ذلك، وهذا واقع لم تنس أو نسيت، وأن الأصل ألا يشتق الفعل من الجامد غير المصدر، وقد يجاب عن غير هذا بأن تذكر على تفسيره نصب فى جواب أمر أو محذوف، أى فليشهد أو ليستشهد رجل وامرأتان، فتذكر إحداهما الأخرى، وقرئ: ببناء تضل للمفعول، وقرأ حمزة، أن تضل إحداهما فتذكر بكسر همزة إن على الشرط، فتكون فتحة لام تضل للتخلص من التقاء الساكنين، ورفع تذكر والفاء على هذا فى جواب الشرط، فيكون تذكر إحداهما جواباً مع قد محذوفة دلت عليها الفاء، أى فقد تذكر، وقرأ ابن كثير وأبو عمر ويعقوت بفتح أن، ونصب ما بعد الفاء وإسكان الذال، وتخفيف الكاف بالتعدية بالهمزة من اذكره إذكارا، كما عداه الجمهور وحمزة بالتشديد، وقيل التذكير ذكر أسباب التذكير لها، والإذكار تصيرها ذاكرة، وعلى الأول وهو قراءة الجمهور وحمزة قد تذكرها ولا تتذكر. {وَلاَ يَأبَ الشّهَداءُ إذا ما دُعُوا}: أى لا يمتنع الشهداء عن تحمل الشهادة إذا ما دعوا لتحملها، فمعنى الشهداء من يتأهل للشهادة قاله قتادة أو يمتنع الشهداء عن أداء الشهادة بعد تحملها، قاله مجاهد. قال النعاش وهو تفسيره صلى الله عليه وسلم، أولا يمتنع من تأهل الشهادة عن تحملها إذا لم يتحملها، ولا عن أدائها إذا تحملها، قاله ابن عباس والحسن، والمتحمل لها يصح أن يقال فيه متأهل غايته أنه قد دخل فيما هو لهُ أهل، وقد يقال الراجح حمل لفظ الشهداء على من تحملوا الشهادة، والمعنى لا يأبوا عن أدائها، وهذا حقيقة، وأما حمله على من تأهل للشهادة فمجازو والحقيقة أولى، وأيضا هذا المجاز من مجاز الأول، وشرط مجاز الأول أن يكون متحقق الوقوع بعد مثل:{أية : إنك ميت وإنهم ميتون}تفسير : أو يترجح الوقوع كتسمية العصير للخمر خمراً، وما هنا ليس كذلك إذ المعنى ليس لا يأب من لا بد أن يكون شهيداً بعد، ولا من يترجح أن يكون شهيدا، وقد يقال بالغ فى الأمن بتحملها فسماه، باسم متحملها أو لوح لهم للمبالغة بأنهم لا بد أن يكونوا حامليها أو شهيد للنسب، فإنه قدير دله فعيل أى لا يأب المنتسبون للشهادة بتأهلهم لها، وقد يرجح حمل لفظ الشهداء على المتأهل للشهادة بطريق المجاز أو النسب، ليناسب قوله {ولا يأب كاتب أن يكتب}، فإن معناه أمره بأن يكتب، وليكن المعنى هنا أمرهم بأن يشهدوا إلا بأن يؤدوا، أو مفعول يأب يقدر بعن، أى لا يأب الشهداء عن تحمل الشهادة، أو عن أدائها، أو بمن أو منصوبا بدونهما، وما لفظ أكد به عموم وقت إذا قيل كان الرجل يأتى المجلس العظيم يطلب من يشهد فلا يتبعه منهم أحد فنزلت الآية. {وَلاَ تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبوهُ صَغِيراً أوْ كَبِيراً إلىَ أجَلِهِ}: نهى لأصحاب الحقوق عن أن يملوا كتابة حقوقهم، ولو كانت شيئاً قليلاً، فإن النزاع فى المال القليل أو الحق الحقير ربما أدى إلى فساد عظيم، وجناح شديد، وأيضا تضييع القليل إسراف، وذلك أن صاحب الحق قد يكسل عن كتابته لقلته وهو أنه عنده أو لكونه كسلانا، وقد تكثر حقوقه فيمل الكتابة للكثرة، فنهى عن ذلك، والسامة الملل، ومصدر تكتب مفعول تسأم تضميناً لتسأموا معنى تكرهوا، أو على تقدير من، أو عن أى لا تضعفوا عن أن تكتبوه، أو من أن تكتبوه، والهاء للدين أو الحق أو الكتابة، وقيل المعنى لا تكسلوا عن أن تكتبوه، لأن حقيقة السآمة هنا لا تعم لأنها بعد الشروع فى الفعل الممتد الطويل، فلا يقال لمن لم يشرع سئم فتسأموا كناية عن الكسل، وإنما عدل إلى الكناية به لأن الكسل صفة المنافقين،{أية : وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى}،تفسير : قالى صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يقل المؤمن كسلت"تفسير : ، والجواب أنه لا تختص السآمة بالشروع، بل يجوز استعمالها فى شئ لكثرة ارتكاب مثلة، ومعنى صغر الدين أو الحق وكبره قلته وكثرته، وإذا أعيدت الهاء للكتاب، فمعنى صغر الكتاب وكبره كونه قليل الألفاظ أو كثيرها، وأجل الدين أو الحق أو الكتاب وقت حلوله، وإلى أجله حال من الهاء فى تكتبوه، أى مستقرا فى الذمة إلى أجله لا متعلق بتكتبوه، لأن الكتابة لا تتسم إلى أجل الدين، قال ابن هشام وقرئ بالتحتية فى تسأموا وتكتبوه. {ذَلِكُم}: الإشارة لمصدر تكتب وهو الكتب بفتح الكاف وإسكان التاء، كأنهُ قيل ذلكم الكتب. {أقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ}: أعدلُ أى أكثر قسطا وهو العدل. {وأقْوَمُ للشَّهادَةِ}: أعون على إقامتها، لأن يذكرها بالقراءة لها من الكتاب الذى كتبت فيفى، لا يقال قسط بمعنى عدل، بل بمعنى جاز، وقام بمعنى أثبت غيره، فأقسط اسم تفضيل من أقسط بالهمزة بمعنى سلب القسط وهو الجور، وأقوم اسم تفضيل من أقام بالهمزة التى للتعدية أى صيره ثابتاً، وذلك غير مقيس، وأجاز سيبويه قياسه، وقيل إن كانت الهمزة لغير التعدية وذلك أولى من أن يقال بنى اسم التفضيل مما لا فعل له وهو قاسط بمعنى ذى قسط، أى عدل وقويم بمعنى مستقيم، ولم تنقل فتحة واو أقوم لقافه فتقلب الفاء لتحركها فى الأصل، وانفتاح ما قبلها فى الحال لجمود اسم التفضيل كفعل التعجب. {وأدْنَى ألاَّ تَرْتابُوا}: أى أقرب إلى أن ترتابوا، أى إلى ألا تشكوا فى قدر الحق، الحق أو جنسه أو صفته أو أجله أو فى الشهادة أو الشهود لو لم تكتبوا، وبعض قدر أدنى فى ألا ترتابوا. {إلاَّ أنّ تَكُونَ}: تثبت ولا خبر له. {تجَارةً}: فاعل تكون. {حَاضِرةً}: يدا بيد. {تُدِيرُونَها بَيْنَكم}: بالقبض فى المجلس، فالجملة نعت ثان لتجارة أو حال منها أو من ضميرها فى حاضرة، وفى الجملة توكيد، لأن القبض أفاده لفظ حاضرة، ويجوز أن يكون حاضرة بمعى مطلق حضور التصرف فى المال لطلب الربح، وهذا التصرف تجر حاضر ولو غاب الثمن أو الثمن، فيكون يديرونها حينئذ قيد مخصص، ومعناه تقبضونها فى المجلس وتقبضون الثمن فيه أيضاً، وتسمية نقل السلعة مثلا من ملك صاحبها إلى مشتريها ولو لم ترجع إليه بواسطة أو بها إدارة استعمال للمقيد فى المطلق، ويجوز أن تكون جملة {تديرونها} خبرا لتكون وتجارة اسمها، وقرأ عاصم ينصب تجارة على أنهُ خبر تكون واسمها ضمير مستتر عائد إلى التجارة التى دل عليها المقام، ولفظ تجارة، أى إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة، والاستثناء منقطع عائد إلى قوله: {ولا تسأموا أن تكتبوه}. {فَلَيْسَ عَليْكُم جُناحٌ}: ضرر أو إثم. {ألاَّ تَكْتُبوها}: أى فى ألا تكتبوها، لأنه لا يتجاحدون إذا قبض كل واحد ما هو حق له من الآخر لئلا يشق عليهم ذلك. قال الضحَّاك والسدى: الآية فيما كان يدا بيد تأخذ وتعطى كما قلنا. {وأشْهِدُوا} على المبايعة من تجزئ شهادته. {إذَا تَبايَعْتُمُ}: هذا التبايع الحاضر ندبا أو وجوبا خلاف فاقبل هذا نفى للحرج فى ترك كتابة التجارة الحاضرة، وهذا فى الأمر بالإشهاد عليها، لأنه أخف مؤنة وأكثر احتياطا، وقيل المراد بالمبايعة هنا مطلق البيع نقداً وعاجلا أو آجلا فيما قل وأكثر، والجمهور من الأمة على أن الأمر فى هذا الآيات للندب، والنهى للتنزيه لا للوجوب، والتحريم قبل قوله: {وأشهدوا إذا تبايعتم} منسوخ بقوله:{أية : فإن أمن بعضكم بعضا}تفسير : الإية، ونسب لأبى سعيد الخدرى، وقال الشعبى والنخعى وجماعة من التابعين: غير منسوخ، قالوا: نرى أن نشهد ولو على جوزة بقل، وذلك أنهم قالوا الأمر والنهى فى ذلك للوجوب والتحريم، ونسب للجمهور أنهما فى ذلك للندب والتنزيه، فلم ينسخا، وعن الحسن إن شاء شهد وإن شاء لم يشهد، وعن الضحاك: عزيمة من الله ولو على باقة يقل، وكان بن عمر إذا اشترى بنقد أو نسيئة أشهد. {ولا يُضَارّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ}: بالقهر على الكتاب أو الشهادة مطلقا أو فى وقت يتيسر له كالليل، ووقت القيلولة والمرض والصلاة، وشدة البول أو الغائط عليه، واشتغاله بما لا بد منه، ككتب ما يفوت أو بعد إعطائه أجره، أو بدعائه إلى أن يشهد أو يكتب ما اعتقد كراهته أو حرمته أو رأيه، أو أن يكتب شهادة من تجوز شهادته أو يحصل له ضرر أو لغيره بكتابته، أو شهادته، لا يلح عليه صاحب الحق فيقول: إن الله أمر كما أن تحبيبانى، ولا أجرة لمن يحمل الشهادة إلا من بعيد على حملها، وقيل له: أن يأخذها والأصل يضار بفتح الراء الأولى وإسكال الثانية كما قرأ به بن عباس رضى الله عنهما على الجزم، ولا ناهية سكنت الأولى تخفيفاً، وفتحت الثانية للتخلص من التقاء الساكنين، وكان بالفتح تخفيفا والفعل مبنى للمفعول، ويجوز أن يكون المعنى لا يضر شاهد ولا كاتب من له الحق أو عليه للامتناع من الكتابة والشهادة مع إمكانهما وتيسرهما وعدم حرمة أو كراهة ما يكتب أو يشهد عليه، أو بالنقص من حقه، أو تأخير الأجل وبإثباته، ولم يعقد عليه أو إزالته، وقد عقد عليه أو تقديمه أو بزيادة على الحق، وعلى هذا فالأصل يضارر بكسر الأولى وإسكان الثانية كما قرأ به عمر رضى الله عنه، وهو مبنى للفاعل، وأدغمت الأولى فيها وفتحت تخليصا من التقاء الساكين، وتخفيفا، وتقدم الكلام فى قوله تعالى:{أية : ولا تضار والدة بولدها}،تفسير : وصيغة المفاعلة بين الاثنين فى الآية لموافقة المجرد أو للمبالغة، لكن المبالغة عائدة إلى النهى، وقرأ الحسن: ولا تضار بكسر الراء والتشديد، وهو محتمل للبناء للفاعل والمفعول كقراءة الجمهور، إلا أنه كسر على أصل التخلص. {وإِنْ تَفْعَلُوا}: ما ذكر من المضارة أو ما نهيتهم عنه مطلقا فى الآيات السابقة، وهو قول من قال إن الإشهاد والكتابة والمطاوعة الكتابة والشهادة واجبات. {فإنَّهُ}: أى فعليكم والضرر. {فُسُوقٌ}: أى خروج عما حده الله تبارك وتعالى وعز وجل. {بِكمُ}: أى منكم أو الباء للالصاق وهو متعلق بمحذوف نعت لفسوق، أى ثابت معكم جزاءه لا يفارقكم، أو صادر منكم ولاحق بكم من الشيطان والنفس. {واتَّقُوا اللّهَ}: أى عقابه بترك المعصية. {ويُعلِّمُكمُ اللّهُ}: علم الشريعة لتتوصلوا به إلى مصالح دنياكم وأخراكم، والجملة مستأنفة، ومن جاز أن يكون الحال جملة فعلية فعلها مضارع مثبت مجرد، وقد مقرونة، فواو الحال أجاز أن تكون هذه الجملة حالا مقدرة. {واللّهُ بِكلِّ شَىءٍ عَليمٌ}: من جملة ذلك علمه مصالحكم وتعليمه إياكم علم الشريعة، وعلمه بأن التقوى من أسباب العلم كما قال يوسف: {مما علمنى ربّى إنى تركت ملة} الآية وعن ابن القاسم صاحب مالك فى المسائل التى سمعها منه فى عتبة الدار: سمعت مالك يقول: ما زهد عبد واتقى الله إلا أنطقه الله بالحكمة، وقال أبو عمر وابن عبد البر: روينا عن مسروق]: كفى بالمرء علما أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعلمه. قال أبو عمرو: وإنما أعرفه بعلمه. ومقتضى الظاهر: (واتقوا الله ويعلمكم الله وهو بكل شئ عليم)، ولكن أظهر للتعظيم، ولكون كل جملة من الجمل الثلاث مستقلة، الأولى فى الأمر بالتقوى، والثانية فى الوعد بالإنعام، والثالثة فى تعظيم شأنه سبحانه وتعالى، والتهديد على أنه لا تخفى عنه طاعة المطيع ومعصية العاصى.

اطفيش

تفسير : {يَٰآيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنْتُمْ} تعاملتم، وهو شامل للآخذ والمعطى فإنه يجب أو يتأكد عليهما معا التوثق لئلا يضيع مال المعطى وليقضى ورثة الآخذ إن مات، أو هو أو نائبه دينه فلا يهلك، ولكن إذا استوثق صاحب الحق بالكتابة والإشهاد كفاه، وينبغى له مع ذلك أن يكتب، ويقدم فى ذلك لورثته ووصيته {بِدَيْنٍ} أى دين، كان قليلا أو كثيراً، هذا تأكيدا فى الكتابة، ويبعد توهم المجازاة مع السياق قد لا ينتبه إليه إلا الفطن، وقيل ذكر لترجع إليه الهاء، ولو لم يذكر لقيل، فاكتبوا الدين، فلا يكون الكلام بليغا، ولو قيل مع عدم ذكر بدين فاكتبوه لكان من باب: اعدلوا هو أقرب، لكن الدين ليس بمعنى المصدر، بل أحد العوضين، وقيل، ذكر البيان أن البيع آجل وعاجل، وهو شامل لمطلق البيع، وللبيع بالسلم إلا الفرض فلا يؤجل على الصحيح، كما بسطته فى الفروع، وصح الفرض، وبطل الأجل إن كان لغرض المقرض، وإن كان لغرض المستقرض لم يفسد، واستحب الوفاء أو وجب، وذلك أن الأجل زيادة كزيادة الربا، كما أنه لو أقرضه وشرط أحدهما مكانا مخصوصا لكان ربا، لأن شرط المكان منفعة لأحدهما، ورخص فيه بعضهم مثل القرض فى تونس وشرط الوفاء فى مضاب، وأجاز مالك القرض إلى أجل {إِلّى أَجَلٍ} متعلق بتداينتم، أو يكون خاص نعت، أى مؤخرا أو مؤجل إلى أجل {مُّسَمًّى} معلوم، إرشادا إلى أنه لا يكون الأجل إلا معلوما، وأن من الشأن ألا يكون منهما، لا أجل معلوم إذا صاروا إلى التأجيل، ليرتفع النزاع لو كان إلى مجهول، كالحصاد وقدوم الحاج، والفراغ من نسج الثوب، ويلحق بالأجل البيع بالعاجل غير العقد، قياسا جليا لإمكان النسيان والإنكار فيه، كما فى الأجل المسمى إذا لم يكتب، وقوله بعد، استشهدوا، وإن كان لأجل مجهول بطل البيع على التصحيح، والبسط فى الفروع {فَاكْتُبُوهُ} أى الدين كما، وجنسا، وكيفا، وأجلا، والأمر للوجوب بلا كفر إن لم يكتب، وقال بعض الفقهاء بكفره إن ضاع لعدم الكتابة، وقيل هذا الأمر للندب، لقوله، فإن أمن بعضكم بعضا الخ، وعليه جمهور الأمة، لأن الدين لترفيه الناس، فلو وجب لكان ضيقا لا ترفيها، ولا سيما مع كثرة وقوع التداين، ومع كثرة وقوع الدين القليل مما يكون السعى فى كتابته أو أجرتها أكثر منه أو مساويا أو أقل بقليل، إلا السلم فيجب فيه الإشهاد والكتابة إجماعا، إلا شاذا، وعن ابن عباس، لما حرم الله الربا أَباح السلف، وصرحوا بأنه يكفى الإشهاد بلا كتابة، والواضح أن الآية أَوجبت الكتابة أَو أَكدتها، لأن الشهود قد ينسون وقد يموتون وقد يصيرون إلى حالا لا يؤدون الشهادة معها، كجنو وخوف وحال لا تقبل كردة، ولو كان الإشهاد يكفى، وكتب الدين عبارة عن كتب ما يدل عليه من الألفاظ، لأنه ما فى الذمة من جسم المال. فذلك مجاز عقلى للدالية والمدلولية {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ} ما تداينتم به {كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} معروف مقدم لذلك بعينه، أو يوصف معروف الخط فكتابة الواحد تجزى بلا شرط أن يكتب ثان أسفل كتابته، ومعنى العدل السوية، لا بالنقص ولا بالزيادة فى الدين، ولا فى الأجل، فهو كاتب فقيه دين يكون بينهما، مقبلا لشأنهما معا، لا مائلا لأحدهما، ولا يكتفى بأحدهما، والباء متعلق بيكتب أو بكاتب، أو بمحذوف نعت لكاتب {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ} فى الجملة أو بالصلوح لأن يكتب، أو من جعل لذلك، وهو تقى، يعرف كيف يكتب وما يحل كتبه وما يحرم كتبه، أما كاتب غير تقى يكتب لئلا تبطل كتابته لفسقه، فيضيع مال الناس، وإن كتب ورضيا به ولم يكتب ما يحل، وعدل فى كتبه وقد عرفا حاله فلا ضمان عليه، وكذا من لا يعرف ما يحرم كتبه، أو كيف يكتب فلا يكتب {أَنْ يَكْتُبَ} بالفعل، وقوله، كاتب هو بالقوة فلا تحصيل حاصل، والمراد أن يكتب ما أملى عليه مما ليس حراما {كمَا عَلَّمَهُ اللهُ} الكتابة. أى لا يأب لتعليم الله إياه، فهو يكتب شكراً لتعليم الله الكتابة له، وأحسن كما أحسن الله إليك، وبهذا القصد يكون شاكرا، ولو أخذ الأجرة، أو أن يكتب كتبا مثل الكَتْب الذى علمه الله، أى طبقا للقاعدة التى علمه الله فى الكتابة، والكتابة فرض كفاية، للأم الأمر فى الموضعين، ولا الناهية، وقيل، ذلك ندب: وقيل، وجب ثم نسخ الوجوب، ويجوز، قيل عود قوله كما علمه الله إلى قوله ليكتب وإلى {فَلْيَكْتُبْ} على أن الفاصلة للتأكيد ولو كانت شبيهة بفاء الجزاء، والأصل خلاف هذا، وكيف يصح تقديم معمول ما بعد العاطف وهو الفاء على العاطف، قيل، والأولى ألا يعود إليه أمر الله بالكتب بعد النهى عن الإباء تأكيدا، وإذا عاد إلى فليكتب كان النهى عن الإباء مطلقا والأثر مقيدا بأن يكون الكتب كما علمه الله، قلت، لا إشكال، لأن المراد فليكتب بالعدل، لأن الكلام مبنى عليه، كما أن المراد، ولا يأب كاتب أن يكتب إذا كان بالعدل {وَلْيُمْلِلِ} يلق على الكاتب {الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ} الدين، لأنه المشهود عليه، فيقر للكاتب والشهود {وَلْيَتَّقِ} الذى عليه الحق، أو الكاتب، والأول أولى، كقوله تعالى: ولا يبخس منه شيئا، لأن المتبادر أن البخس ممن عليه الحق، وأما الكاتب فالبخس والزيادة ممكنان منه على حد سواء، ولأن قوله بالعدل كاف فى حق الكاتب {اللهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ} لا ينقص {مِنْهُ} أى من الحق الذى عليه، متعلق بيبخس، أو بمحذوف حال، هى قوله {شَيْئاً فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً} مبذرا لنقص عقله بكبر أو قلة عقل، أو لجنون، أو صبيا {أَوْ ضَعِيفاً} لأنه صبى أو شيخ كبير السن، أو لمرض أو علة {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ} لخرس أو عدم إفصاح أو لجهل باللغة أو غير ذلك، وذكر هو ليكون أشد مناسبة لقوله {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ} ولى أمر، من أب أو صبى، أو خليفة، أو بوكالة أو ترجمة، ووجه الوكالة أن يكون هو فاعلا، لأن هذا ليس من المواضع التى يبرز فيها الضمير بل تأكيد المستتر {بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ} بالعدل متعلق بيملل، اطلبوا تحمل الشهادة واشهدوا، بمبالغة على الحق الذى هو الدين {شَهِيدَيْنِ} من يصلحان للشهادة ممن ترضون من الشهداء، بدليل ذكره، وقوله، {وأشهدوا ذوى عدل}، والأحاديث {مِن رِّجَالِكُمْ} أى من المسلمين البلغ الأحرار العقلاء، لا من غير رجالكم، وهو المشركون والعبيد والأطفال والمجانين؛ ومذهبنا مذهب الحنفية جواز شهادة المشرك على المشرك، لمسلم أو لمشرك، لا على المسلم، خلافا للشافعية، وأجاز أبو حنيفة شهادة المشرك على المشرك فى الطلاق والبيع ونحوهما لا الحدود والقصاص، وهو مذهبنا، وذلك أن الخطاب للبلغ الأحرار الموحدين، ومعنى رجالكم من جنسكم، إذ لا يخاطب الطفل، مع أن إطلاق الرجل عليه مجاز وتغليب إذا أطلق، والعبد كالبهيمة ولا عقد له ولا ولاية بإذن سيده، والمشرك أبعد من أن يكون منا، فإنه صلى الله عليه وسلم يقول، الفاسق والمشرك ليسا منا، والمسلمون البلغ العقلاء هم الرجال الأكملون، والمجنون كالطفل أو دونه، وأجازت الإمامية من الشيعة شهادة العبد المسلم البالغ العدل، وهو قول شريح وابن سيرين وأبى ثور وعثمان البتى، وهو مردود {فَإِن لَّمْ يَكُونَا} الألف لمن يشهدان، أى، فإن لم يكن من يشهد، وأنى بألف الاثنين لتتنية الخبر وهو قوله {رَجُلَيْنِ} والمراد لم يقصد إشهادهما ولو كانا موجودين متيسرين، إذ لا يشترط لشهادة الرجل والمرأتين فقد الرجلين أو تعسرهما، أو فإن لم يكن الشاهدان رجلين بطريق رفع الإيجاب الكلى، لا السلب الكلى {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} أى يكفون، أو فالشاهد رجل وامرأتان، أو، فليكن رجل وامرأتان شهودان ويكن له خبر، أو فليكن رجل وامرأتان ويكن لا خبر له، أو فليشهد رجل وامرأتان بالبناء للفاعل من الثلاثى، أو فليشهد رجل وامرأتان بالبناء للمفعول من الرباعى، أو فليستشهد رجل وامرأتان بالبناء له، واللام للأمر فى ذلك كله، أو فرجل وامرأتان يشهدون كذلك، أو يستشهدون {مِمَّن تَرْضُونَ} أيها المؤمنون، أو أيها الحكام {مِنَ الشُّهَدَآءِ} دينا وعدالة، ولو كانوا مخالفين فيما يقطع فيه العذر، مما لا يجوز الاختلاف فيه، إذا كانوا ورعين وليس خلافهم يتضمن شركا، كالمجسمة والرافضة القائلين بأن عليا نبى، ولا يجوز شهادة النساء فى الحدود والقصاص عندنا وعند الحنفية، وأجاز الشافعى فى الأموال مع الرجال، لا فى غيرها كعقد النكاح، وقال مالك، لا تجوز فى الحدود والقصاص والولاء والإحصان، وجازت الواحدة العدلة فيما لا يباشر الرجل، وقيل، عدلتان، وقيل ثلاث، كالولادة والبكارة والاستهلال، واقتصر على ذكر الرضى هنا مع أنه فى الرجلين أيضا لقلقة اتصاف النساء به غالبا، إذ الغالب عليهن عدم العدالة وقلة الديانة والجهل، وممن ترضون نعت لرجل وامرأتان، ويجوز أن يقدر، وهؤلاء الشهود ممن ترضون، الرجلان والرجل والمرأتان، وهو حسن، لأنه عم الشرط فى الكل، ولك أن تقدر لقوله، فاستشهدوا مثل هذا، أى فاستشهدوا شهيدين من رجالكم ممن ترضون، وليس تعليقه باستشهدوا مغنيا عن مراعاته فى قوله، فرجل وامرأتان، وكذا جعله نعتا لشهيدين، ولكن فيه الفضل، ولكن إذا جعل نعتا لهن أو علق باستشهدوا عُلم اشتراط الرضى للرجل والمرأتين من باب أولى {أَن تَضِلَّ} أى تعددت المرأة لاحتمال أن تضل، أو حكمنا بذلك إرادة أن تضل {إِحْدَٰهُمَا} الشهادة أَو ما زاغت عنه منها، أَو إحداهما هى الذاكرة {الأُخْرَى} أَى الضالة عنها، ودخلت لام التعليل على تضل، لأن الضلال سبب التذكير وملزومه، ومن شأن العرب إذا كان للعلة علة أَن يقدموا علة العلة ويعطفوا العلة عليها، فتحصل العلتان بعبارة واحدة، فإن النسيان لا يكون سببا لاعتبار العدد فى شهادة امرأَتين لكنه سبب للسبب فنزل منزلته، وجعل ذلك الضلال سببا له مجازاً، فإن التذكير إنما يكون بسبب الضلال، وهو النسيان، وكأنه قيل: أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت، وذلك بناء على أن سبب السبب ليس سبباً حقيقيا، ومن ذلك أعددت السلام أن يجىء عدو فأدفعه، فإن مجىء العدو ليس سبباً لإعداد السلاح، بل لدفع الأعداء المسبب عن مجيئهم، وأعددت الخشبة أن يميل الجدار فأدعمه بها، فالأدعام علة فى إعداد بها إذا مال، والميل علة الإدعام، ولم تقصد بإعداد الخشبة ميل الحائط، بل المعنى لأدعم بها إذا مال، والمعول على المعنى دون اللفظ، وذكر ذلك فىالنساء لسرعة النسيان إليهن، لكثرة الرطوبة فى أمزجتهن، ويجوز أن تقدر اللام قبل أن تضل، للاستحقاق لا للتعليل {وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَآءُ} عن الإجابة {إِذَا مَا دُعُواْ} لتحمل الشهادة، أو لأدائها، وهو أولى، لأن تسميتهم شهداء حقيقة حينئذ بخلاف الأول، فإن تسميتهم شهدا مجاز لعلاقة المشارفة والسببية، لأن دعاءهم لتحملها سبب لكونهم شهداء بها. روى أنها نزلت حين كان الرجل يطوف فى القول الكثير يدعوهم إلى تحمل الشهادة فلا يجد، فهذا يناسب أن المراد من يتحملها لا من يؤديها، وتحمل الشهادة وأداؤها فرض كفاية على الرجال والنساء، فإن وجد غير المدعو لم تلزمه إن قبل غيره، وإلا، أو لم يوجد سواء كانت فرض عين عليه، وكذا غيره، وقد يقال المدعو لأدائها تسميته شاهدا مجاز للمشارفة، والأوْل، إنما يكون حقيقة إذا أداها، فيكون المدعو لتحملها شاهدا بتوسط وقوع تحمله لها المؤدى إلى أدائها {وَلاَ تَسْئَمُواْ} تملوا لمؤنة الذهاب إلى الكتب وأجرته، وكثرة المداينة، وقد قيل: كنى بالسأم عن الكسل، لأنه من صفة المنافق، كما قال صلى الله عليه وسلم: حديث : لا يقل المؤمن كسلتتفسير : ، قيل: وإنما يقول، ثقلت {أَن تَكْتُبُوهُ} الدين أو الحق، أو ما دعيتم إليه، أو ما شهدتم عليه، أو المكتوب، لأنه مذكور ضمنا، والماصدق واحد، والخطاب لأصحاب الحقوق ومن عليه الحق والشهود، وسماهم كتابا لأنهم أسباب الكتب، والمصدر مفعول به لتسأموا بمعنى تملوا، أو على تقدير الجارّ له على معنى لا تكسلوا، أى لا تكسلوا عن أن تكتبوه {صَغِيراً أَوْ كَبِيراً} ذلك الدين، أو كتباً قليل الألفاظ، أو كثيرها، وقدم الصغير لأنه مما يتهاون به، فقدم التحذير عن تركه بلا كتب وفيه الترقى من الأدنى إلا الأعلى، وهو حال من الهاء، ومن العجيب جعله خبراً لكان تقدر بلا داع {إِلَى أَجَلِهِِ} مستقر فى الذمة إلى حلول وقته، فهو حال لا متعلق بتكتب، لأن إيقاع الكتابة غير متكرر إلى الأجل {ذَٰلِكُمْ} أى الكتب المذكور فى قوله أن تكتبوه، وهذا أولى من أن تجعل الإشارة إلى الإشهاد، ورجح أن الإشارة إلى جميع ما ذكر، والخطاب للمؤمنين أو الحكام {أَقْسِطْ عِنْدَ اللهِ} أى ذلكم العدل، فأقسط خارج عن التفضيل إلى معنى الصفة المشبهة، إذ لا قسط فى ترك الكتب، أو هو على بابه لكن فى الإشهاد بلا كتب نوع توثق، والكتب أفضل منه، أو الكتب فى حسنه أبلغ من الترك فى سوئه، وهذه الأوجه أيضا فى قوله {وَأَقْوَمُ} صحت الواو ولم تقلب ألفا فيقال: وأقام بفتح الهمزة وضم الميم لأنها صحت فى مثل أفعل التفضيل، وهو فعل التعجب، نحو ما أقومه، وكذا تصح الباء فيه لأنه تصح فى فعل التعجب {لِلشَّهَٰدَةِ} أشد إعانة على إقامتها، لأنه يذكر ما ينسى، وهما اسما تفضيل من أقسط وأقام الرباعى سماعا عند الجمهور، وقاسه سيبويه والكوفيون من الرباعى بزيادة همزة، بل لنا أن نقول جاء قسط بمعنى عدل، وقاسط بمعنى عادل، وقسط بمعنى العدل، ولا يختص بالجسور، كما صح قام منهما من الثلاثى، أى أشد قياماً للشهادة، تقول، فلان قويم، بمعى ذا استقامة، أو من قسط بضم السين بمعنى صار ذا قسط، أى عدل {وَأَدْنَى} أقرب {أَلاّ تَرْتَابُواْ} إلى أن لا ترتابوا، أى ألا تشكوا فى جنس الدين وعدده وأجله وشهوده وما عقدتم عليه من الأحوال، أو أدنى من ألا ترتابوا، وليست بمن التفضيلية أو أدنى لأن ترتابوا، وذلك كما تقول، قربت من زيد وقربت لزيد، أو فى ألا ترتابوا، أى قريب فى شأن انتفاء الارتياب {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَٰرَةً} تصرف فى المال بالعقد لقصد الربح {حَاضِرَةً تُدِيرُنَهَا} تعاطونها {بَيْنَكُمْ} يدا بيد، والإدارة تتصور فى المال، فإسناد الحضور والإدارة إلى التجارة مجاز عقلى، ولا مانع من جعل التجارة بمعنى اسم مفعول، أى متجر به، بفتح الجيم، وحضور المال غير إدارته، فتدير تأسيس لا تأكيد، والاستثناء منقطع، أى لكن التجارة الحاضرة لا يشترط الكتب والإشهاد فيها، أو متصل أى اكتبوها كل حال، إلا حال كون التجارة حاضرة، كذا يقولون بالتفريغ فى الإثبات، وليس المشهور، ولكن المعنى صحيح {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} لا ذنب عليكم فى انتفاء كَتْبِكموها، لأنه قد أخذ كل واحد حقه فلا جحود ولا نسيان، واليد دليل الملك فلا يلزم الكتب، وإن كتب فحسن، لأن الآية رخصت ألا يكتب رفعا للمشقة. ولم توجب ألا يكتب، إذ ربما عرفه الناس للآخر، إذا كان مما له علامة فيدعى عليه السرعة أو نحوها، فيصار إلى البينة واليمين، وذكر الكتابة ذكر للإشهاد ولأنها مع الإشهاد، فكأنه قيل، ألا تكتبوها ولا تشهدوا عليها {وَأَشْهِدُواْ} على المتجر به المعبر عنه بتجارة، أو على التصرف فيه بالبيع {إِذَا تَبَايَعْتُمْ} يدا بيد، وهذا عند الجمهور ندب لثواب الآخرة، أو أمر إرشاد لنفع الدنيا فما مر نفى للوجوب، وهذا استحباب، ويجوز أن يراد هنا مطلق البيع يدا بيد، أو عاجلا أو آجلا، وقيل الإشهاد واجب فى مطلق البيع، غير منسوخ، وقيل وجوبا منسوخا {وَلاَ يُضَآرَّ} مجزوم بسكون مقدر منع من ظهوره حركة التخلص من التقاء الساكنين، وهى الفتحة للتخفيف {كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} أى لا يضران غيرهما، فالراء المدغمة عن كسر كما فكها عمر وكسرها، وذلك بزيادة أو نقص أو تحريف أو تأخير الأجل أو تقديمه أو بالامتناع عن الكتابة أو الشهادة، أو أدائها، أو طلب أجرة عظيمة، أو لا يضرهما غيرهما، فهى عن فتح كما فكها ابن عباس وفتحها، وذلك بتكليفهما ما لا يليق فى الكتابة أو الشهادة، ومنع أجرتهما أو تقليل عن عنائهما، أو يعجلان عن مهم لما نزل، ولا يأب كاتب. الخ، كان أحدهم يجىء إلى الكاتب فيقول، اكتب لى، فيقول، إنى مشعول، أو لى حاجة فانطلق إلى غيريى فيلزمه، فيقول، إنك أمرت أن تكتب، فيضره بالمكث والإلحاح وقد وجد غيره، فنزل، ولا يضاو، ومعنى حمل بعضهم العبارة على المعنيين، أن الله أنزلها محتملة، وهو حسن، وإنما يستحقها الشاهد إذا كان لا يجد قوته، أو قوت عياله إن تفرغ لتحملها أو أدائها. أو يجد ذلك لكن يخرج الأميال أو يراد إعادتها حيث تجوز الإعادة {وَإِن تَفْعَلُواْ} ما نهيتم عنه مطلقا أو الضرار أو الخطاب للطالبين، أو للكاتب والشاهد لعمومهما بالتنكير بعد النهى، ولتعدد الوقائع، أو المجموع، وهو أولى {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} فإن الفعل لذلك خروج عن الطاعة لا حق بكم، أو متعلق بكم، أو منكم أى صادر منكم أو فسق فيكم حتى أنتم ظرف له {وَاتَّقُواْ اللهَ} فى أمره ونهيه عن الضراء وغيره، {وَيُعَلِّمُكُمْ الله} مصالح أموركم بإنزال الآيات، عطف إخبار على إنشاء، أو الجملة حال، ويقدر، وقد يعلمكم الله بقد التحقيقية، أو وأنتم يعلمكم الله، ولا تثبت عندى واو الاستئناف، إذ لا معنى لها، ولا يصح أن تكون حرف هجاء {وَاللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} ذكر لفظ الجلالة ثلاث مرات، الأول، حث على التقوى لتربية المهابة، وللتنبيه على استقلال الجمل الثلاث كل على حدة، والثانية وعد بإنزال الآيات زيادة على ما فى السورة، وهو من أجل النعمن والثالثة تعظيم شأنه وتهديد لمن خالفه ووعد لمن أطاعه، وأود الله المحافظة على المال لينفق منه فى سبيل الله، ولئلا يفعل الحرامَ كالربا، وليتفرغ إلى الطاعة، ويستغنى عن الناس بتسعة، بقوله عز وعلا فاكتبوه، وليكتب بينكم كاتب بالعدل، ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب، وليملل وليتق الله ربه، ولا يبخس منه شيئا، ولا تسأموا... الخ، ذلكم أقسط عند الله... الخ، وزاد خسمة فذلك أربعة عشر، الرهن، وليتق الله ربه، ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها... الخ والله بما تعملون عليم.

الالوسي

تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} بالله تعالى وبما جاء منه {إِذَا تَدَايَنتُم} أي تعاملتم وداين بعضكم بعضاً {بِدَيْنٍ} فائدة ذكره تخليص المشترك ودفع الإيهام نصراً لأن (تداينتم) يجيء بمعنى تعاملتم بدين، وبمعنى تجازيتم، ولا يرد عليه أن السياق يرفعه لأن الكلام في النصوصية على أن السياق قد لا يتنبه له إلا الفطن، وقيل: ذكر ليرجع إليه الضمير إذ لولاه لقيل: فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن عند ذي الذوق العارف بأساليب الكلام، واعترض بأن التداين يدل عليه فيكون من باب {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ} تفسير : [المائدة: 8] وأجيب بأن الدين لا يراد به المصدر بل هو أحد العوضين ولا دلالة للتداين عليه إلا من حيث السياق ولا يكتفي به في معرض البيان لا سيما وهو ملبس، وقيل: ذكر لأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل، وحال لما في التنكير من الشيوع والتبعيض لما خص بالغاية ولو لم يذكر لاحتمل أن الدين لا يكون إلا كذلك {إِلَىٰ أَجَلٍ} أي وقت وهو متعلق بتداينتم، ويجوز أن يكون صفة للدين أي مؤخر أو مؤجل إلى أجل {مُّسَمًّى} بالأيام أو الأشهر، أو نظائرهما مما يفيد العلم ويرفع الجهالة لا بنحو الحصاد لئلا يعود على موضوعه بالنقض {فَٱكْتُبُوهُ} أي الدين بأجله لأنه أرفق وأوثق؛ والجمهور على استحبابه لقوله سبحانه: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا} والآية عند بعض ظاهرة في أن كل دين حكمه ذلك، وابن عباس يخص الدين بالسلم فقد أخرج البخاري عنه أنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله تعالى أجله وأذن فيه ـ ثم قرأ الآية ـ واستدل الإمام مالك بها على جواز تأجيل القرض. {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ} بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين من يتولاها إثر الأمر بها إجمالاً، ومفعول ـ يكتب ـ محذوف ثقة بانفهامه أو للقصد إلى إيقاع نفس الفعل والتقييد بالظرف للإيذان بأنه ينبغي للكاتب أن لا ينفرد به أحد المتعاملين دفعاً للتهمة والجار متعلق بمحذوف وقع صفة للكاتب ـ أي ليكن الكاتب من شأنه التسوية وعدم الميل إلى أحد الجانبين بزيادة أو نقص ـ ويجوز أن يكون ظرفاً لغواً متعلقاً ـ بكاتب ـ أو بفعله، والمراد أمر المتداينين على طريق الكناية بكتابة عدل فقيه دين حتى يكون ما يكتبه موثوقاً به متفقاً عليه بين أهل العلم، فالكلام ـ كما قال الطيبـي ـ مسوق لمعنى، ومدمج فيه آخر بإشارة النص ـ وهو اشتراط الفقاهة في الكاتب لأنه لا يقدر على التسوية في الأمور/ الخطرة إلا من كان فقيهاً ـ ولهذا استدل بعضهم بالآية على أنه لا يكتب الوثائق إلا عارف بها عدل مأمون، ومن لم يكن كذلك يجب على الإمام أو نائبه منعه لئلا يقع الفساد ويكثر النزاع والله لا يحسب المفسدين. {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ} أي لا يمتنع أحد من الكتاب الموصوفين بما ذكر {أَن يَكْتُبَ} بين المتداينين كتاب الدين {كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ} أي لأجل ما علمه الله تعالى من كتابة الوثائق وتفضل به عليه وهو متعلق ـ بيكتب ـ والكلام على حد ـ {أية : وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} تفسير : تعالى {أية : إِلَيْكَ} تفسير : [القصص: 77] ـ أي ـ لا يأب أن يتفضل على الناس بكتابته لأجل أن الله تعالى تفضل عليه وميزه ـ ويجوز أن يتعلق الكاف ـ بأن يكتب ـ على أنه نعت لمصدر محذوف أو حال من ضمير المصدر على رأي سيبويه، والتقدير أن يكتب كتابة مثل ما علمه الله تعالى أو أن يكتبه أي الكتب مثل ما علمه الله تعالى وبينه له بقوله سبحانه: {بِٱلْعَدْلِ} وجوز أن يتعلق بقوله تعالى: {فَلْيَكْتُبْ} والفاء غير مانعة كما في {أية : وَرَبَّكَ فَكَبّرْ}تفسير : [المدثر: 3] لأنها صلة في المعنى، والأمر بالكتابة بعد النهي عن الأداء منها على الأوّل للتأكيد، واحتيج إليه لأن النهي عن الشيء ليس أمراً بضده صريحاً على الأصح فأكده بذكره صريحاً اعتناءاً بشأن الكتابة، ومن هذا ذهب بعضهم إلى أن الأمر للوجوب ومن فروض الكفاية ولكن الأمر لما كان لنا لا علينا صرف عن ذلك لئلا يعود ما تقدم في مسألة جهالة الأجل، وأما على الوجه الثاني: فلا تأكيد وإنما هو أمر بالكتابة المقيدة بعد النهي عن الامتناع من المطلقة وهذا لا يفيد التأكيد لأن النهي عن الامتناع عن المطلق لا يدل على الأمر بالمقيد ليكون ذكره بعده تأكيداً، وادعاه بعضهم لأنه إذا كان الامتناع عن مطلق الكتابة منهياً فلأن يكون الامتناع عن الكتابة الشرعية منهياً بطريق الأولى، والنهي عن الامتناع عن الكتابة الشرعية أمر بها فيكون الأمر بالكتابة - الشرعية صريحاً للتوكيد، وأيضاً إذا ورد مطلق ومقيد والحادثة واحدة يحمل المطلق على المقيد سواء تقدم المطلق أو تأخر فكما حمل الأمر بمطلق الكتابة في الوجه الأول على الكتابة المقيدة ليفيد التأكيد، فلم لم يحمل النهي عن الامتناع عن مطلق الكتابة على الكتابة المقيدة للتأكيد، وهل التفرقة بين الأمرين إلا تحكم بحت كما لا يخفى؟! و(ما) قيل: إما مصدرية أو كافة ـ وجوز أن تكون موصولة أو موصوفة ـ وعليهما فالضمير لها، وعلى الأولين للكاتب؛ وقدر بعضهم على كل تقدير المفعول الثاني لعلم كتابة الوثائق فافهم. {وَلْيُمْلِلِ} من الإملال بمعنى الإلقاء على الكاتب ما يكتبه وفعله أمللت، وقد يبدل أحد المضاعفين ياءاً ويتبعه المصدر فيه وتبدل همزة لتطرفها بعد ألف زائدة فيقال: إملاءاً فهو والإملال بمعنى، أي: وليكن الملقى على الكاتب ما يكتبه من الدين {ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ} وهو المطلوب لأنه المشهود عليه فلا بد أن يكون هو المقر لا غيره وانفهام الحصر من تعليق الحكم بالوصف فإن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية والأصل عدم علة أخرى {وَلْيَتَّقِ} أي الذي عليه الحق {ٱللَّهَ رَبَّهُ} جمع بين الاسم الجليل والوصف الجميل مبالغة في الحث على التقوى بذكر ما يشعر بالجلال والجمال {وَلاَ يَبْخَسْ} أي لا ينقص {مِنْهُ} أي من الحق الذي يمليه على الكاتب {شَيْئاً} وإن كان حقيراً، وقرىء (شياً) بطرح الهمزة (وشيّاً) بالتشديد. وهذا هو التفسير المأثور عن سعيد بن جبير، وقيل: يجوز أن يرجع ضمير ـ يتق ـ للكاتب وليس بشيء لأن ضمير (يبخس) لمن عليه الحق إذ هو الذي يتوقع منه البخس خاصة، وأما الكاتب فيتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه النقص فلو أريد نهيه لنهى/ عن كليهما، وقد فعل ذلك حيث أمر بالعدل وإرجاع كل منهما لكل منهما تفكيك لا يدل عليه دليل، وإنما شدد في تكليف المملي حيث جمع فيه بين الأمر بالاتقاء والنهي عن البخس لما فيه من الدواعي إلى المنهي عنه فإن الإنسان مجبول على دفع الضرر عنه ما أمكن، وفي {مِنْهُ} وجهان: أحدهما: أن يكون متعلقاً بيبخس و ـ من ـ لابتداء الغاية، وثانيهما: أن يكون متعلقاً بمحذوف لأنه في الأصل صفة للنكرة فلما قدمت عليه نصبت حالاً، و {شَيْئاً} إما مفعول به وإما مصدر. {فَإن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ} صرح بذلك في موضع الإضمار لزيادة الكشف لا لأن الأمر والنهي لغيره، وعليه متعلق بمحذوف أي وجب و (الحق) فاعل، وجوز أن يكون {عَلَيْهِ } خبراً مقدماً و {ٱلْحَقّ} مبتدءاً مؤخراً فتكون الجملة اسمية، وعلى التقديرين لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول {سَفِيهًا} أي عاجزاً أحمق قاله ابن زيد، أو جاهلاً بالإملال قاله مجاهد، أو مبذراً لماله ومفسداً لدينه قاله الشافعي {أَوْ ضَعِيفًا} أي صبياً، أو شيخاً خرفاً {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ} جملة معطوفة على مفرد هو خبر (كان) لتأويلها بالمفرد أي ـ أو غير مستطيع للإملاء بنفسه لخرس ـ كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو لما هو أعم منه ومن الجهل باللغة وسائر العوارض المانعة، والضمير البارز توكيد للضمير المستتر في ـ أن يمل ـ وفائدة التوكيد به رفع المجاز الذي كان يحتمله إسناد الفعل إلى الضمير والتنصيص على أنه غير مستطيع بنفسه، وقيل: إن الضمير فاعل ـ ليمل ـ وتغيير الأسلوب اعتناءاً بشأن النفي، ولا يخفى حسن الإدغام هنا والفك فيما تقدم، ومثله الفك في قوله تعالى: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ} أي متولي أمره وإن لم يكن خصوص الولي الشرعي فيشمل القيم والوكيل والمترجم، والإقرار عن الغير في مثل هذه الصورة مقبول وفرق بينه وبين الإقرار على الغير فاعرفه {بِٱلْعَدْلِ} بين صاحب الحق والمولى عليه فلا يزيد ولا ينقص ولم يكلف بعين ما كلف به من غير الحق لأنه يتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه البخس. واستدل بعضهم ـ بالآية على أنه لا يجوز أن يكون الوصي ذمياً ولا فاسقاً وأنه يجوز أن يكون عبداً أو امرأة لأنه لم يشترط في الأولياء إلا العدالة ذكره ابن الفرس ـ وليس بشيء كما لا يخفى. ومن الناس من استدل بقوله سبحانه: {فَلْيَكْتُبْ} {وَلاَ يَأْبَ} على وجوب الكتابة، وإلى ذلك ذهب الشعبـي والجبائي والرماني إلا أنهم قالوا: إنها واجبة على الكفاية ـ وإليه يميل كلام الحسن ـ وقال مجاهد والضحاك: واجب عليه أن يكتب إذا أمر، وقيل: هي مندوبة، وروي عن الضحاك أنها كانت واجبة ثم نسخ ذلك. {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ} أي اطلبوهما ليتحملا الشهادة على ما جرى بينكما، وجوز أن تكون السين والتاء زائدتين أي اشهدوا؛ وفي اختيار صيغة المبالغة إيماء إلى طلب من تكررت منه الشهادة فهو عالم بموقعها مقتدر على أدائها وكأن فيه رمزاً إلى العدالة لأنه لا يتكرر ذلك من الشخص عند الحكام إلا وهو مقبول عندهم ولعله لم يقل رجلين لذلك، والأمر للندب أو للوجوب على الخلاف في ذلك {مّن رّجَالِكُمْ} متعلق باستشهدوا ـ و {مِنْ} لابتداء الغاية أو بمحذوف على أنه صفة لشهيدين، و {مِنْ} تبعيضية والخطاب للمؤمنين المصدر بهم الآية، وفي ذكر الرجال مضافاً إلى ضمير المخاطبين دلالة على اشتراط الإسلام والبلوغ والذكورة في الشاهدين والحرية لأن المتبادر من الرجال الكاملون والأرقاء بمنزلة البهائم، وأيضاً خطابات الشرع لا تنتظم العبيد بطريق العبارة كما بين في محله، وذهب الإمامية إلى عدم اشتراط الحرية في قبول الشهادة وإنما/ الشرط فيه عندهم الإسلام والعدالة، وإلى ذلك ذهب شريح وابن سيرين وأبو ثور وعثمان البتي وهو خلاف المروي عن علي كرم الله تعالى وجهه ـ فإنه لم يجوز شهادة العبد في شيء ولم تتعرض الآية لشهادة الكفار بعضهم على بعض، وأجاز ذلك قياساً الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وإن اختلفت مللهم. {فَإِن لَّمْ يَكُونَا} أي الشهيدان {رَّجُلَيْنِ} أي لم يقصد إشهادهما ولو كانا موجودين والحكم من قبيل نفي العموم لا عموم النفي وإلا لم يصح قوله تعالى: {فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ} أي فإن لم يكونا رجلين مجتمعين فليشهد رجل وامرأتان، أو فرجل وامرأتان يشهدون أو يكفون، أو فالشاهد رجل وامرأتان أو فليستشهد رجل وامرأتان، أو فليكن رجل وامرأتان شهوداً، وإن جعلت ـ يكن ـ تامة استغنى عن تقدير شهود، وكفاية الرجل والمرأتين في الشهادة فيما عدا الحدود والقصاص عندنا، وعند الشافعي في الأموال خاصة لا في غيرها كعقد النكاح، وقال مالك: لا تجوز شهادة أولئك في الحدود ولا القصاص ولا الولاء ولا الإحصان، وتجوز في الوكالة والوصية إذا لم يكن فيها عتق، وأما قبول شهادة النساء مفردات فقد قالوا به في الولادة والبكارة والاستهلال وما يجري مجرى ذلك مما بين في الكتب الفقهية، وقرىء ـ وامرأتان ـ بهمزة ساكنة، ولعل ذلك لاجتماع المتحركات. {مِمَّن تَرْضَوْنَ} متعلق بمحذوف وقع صفة لرجل وامرأتان أي كائنون ممن ترضونهم والتصريح بذلك هنا مع تحقق اعتباره في كل شهيد لقلة اتصاف النساء به فلا يرد ما في «البحر» من أن جعله صفة للمذكور يشعر بانتفاء هذا الوصف عن شهيدين، وقيل: هو صفة لشهيدين ـ وضعف بالفصل الواقع بينهما، وقيل: بدل من ـ رجالكم ـ بتكرير العامل وضعف بالفصل أيضاً، واختار أبو حيان تعلقه ـ باستشهدوا ـ ليكون قيداً في الجميع ويلزمه الفصل بين اشتراط المرأتين وتعليله ـ وهو كما ترى ـ والخطاب للمؤمنين، وقيل: للحكام ولم يقل من المرضيين لإفهامه اشتراط كونهم كذلك في نفس الأمر ولا طريق لنا إلى معرفته فإن لنا الظاهر والله تعالى يتولى السرائر {مِنَ ٱلشُّهَدَاء} متعلق بمحذوف على أنه حال من العائد المحذوف أي ممن ترضونهم حال كونهم كائنين بعض الشهداء لعلمكم بعدالتهم وإدراج النساء في الجمع بطريق التغليب. {أَن تَضِلَّ أَحْدَهُمَا فَتُذَكّرَ أَحَدُهُمَا ٱللأخْرَىٰ} بيان لحكمة مشروعية الحكم واشتراط العدد في النساء أي شرع ذلك إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت إحداهما لما أن النسيان غالب على طبع النساء لكثرة الرطوبة في أمزجتهن، وقدرت الإرادة لما أن قيد الطلب يجب أن يكون فعلاً للآمر وباعثاً عليه وليس هو هنا إلا إرادة الله تعالى للقطع بأن الضلال والتذكير بعده ليس هو الباعث على الأمر بل إرادة ذلك، واعترض بأن النسيان وعدم الاهتداء للشهادة لا ينبغي أن يكون مراد الله تعالى بالإرادة الشرعية سيما وقد أمر بالاستشهاد، وأجيب بأن الإرادة لم تتعلق بالضلال نفسه أعني عدم الاهتداء للشهادة بل بالضلال المرتب عليه الإذكار، ومن قواعدهم أن القيد هو مصب الغرض فصار كأنه علق الإرادة بالإذكار المسبب عن الضلال والمرتب عليه فيؤول التعليل إلى ما ذكرنا، وهذا أولى مما ذهب إليه البعض في الجواب من أن المراد من الضلال الإذكار لأن الضلال سبب للإذكار فأطلق السبب وأريد المسبب لظهور أنه لا يبقى على ظاهره معنى لقوله تعالى: {فَتُذَكّرَ} قيل: والنكتة في إيثار {أَن تَضِلَّ} الخ على ـ أن تذكر إن ضلت ـ الإيماء إلى شدة الاهتمام بشأن الإذكار بحيث صار/ ما هو مكروه كأنه مطلوب لأجله من حيث كونه مفضياً إليه، و (إحداهما) الثانية يجوز أن تكون فاعل ـ تذكر ـ وليس من وضع المظهر موضع المضمر إذ ليست المذكرة هي الناسية، ويجوز أن تكون مفعولاً لتذكر ـ والأخرى ـ فاعل وليس من قبيل ضرب موسى عيسى ـ كما وهم ـ حتى يتعين الأول بل من قبيل ـ أرضعت الصغرى الكبرى ـ لأن سبق إحداهما بعنوان نسبة الضلال رافع للضلال والسبب في تقديم المفعول على الفاعل التنبيه على الاهتمام بتذكير الضال ولهذا ـ كما قيل ـ عدل عن الضمير إلى الظاهر لأن التقديم حينئذٍ لا ينبه على الاهتمام كما ينبه عليه تقديم المفعول الظاهر الذي لو أخر لم يلزم شيء سوى وضعه موضعه الأصلي. وذكر غير واحد أن العدول عن ـ فتذكرها ـ الأخرى ـ وهي قراءة ابن مسعود كما رواه الأعمش ـ إلى ما في النظم الكريم لتأكيد الإبهام والمبالغة في الاحتراز عن توهم اختصاص الضلال ـ بإحداهما ـ بعينها والتذكير بالأخرى، وأبعد الحسين بن علي المغربـي في هذا المقام فجعل ضمير (إحداهما) الأولى راجعاً إلى الشهادتين، وضمير (إحداهما) الأخرى إلى المرأتين فالمعنى ـ أن تضل إحدى الشهادتين أي تضيع بالنسيان فتذكر إحدى المرأتين الأخرى منهما ـ وأيده الطبرسي بأنه لا يسمى ناسي الشهادة ضالاً وإنما يقال: ضلت الشهادة إذا ضاعت كما قال سبحانه: {أية : ضَـلُّواْ عَنَّا} تفسير : [الأعراف: 37] أي ضاعوا منا، وعليه يكون الكلام عارياً عن شائبة توهم الإضمار في مقام الإظهار رأساً وليس بشيء إذ لا يكون لإحداهما أخرى في الكلام مع حصول التفكيك وعدم الانتظام، وما ذكر في التأييد ينبـىء عن قلة الاطلاع على اللغة. ففي «نهاية ابن الأثير» وغيرها إطلاق الضال على الناسي، وقد روي ذلك في الآية عن سعيد بن جبير والضحاك والربيع والسدي وغيرهم، ويقرب هذا في الغرابة مما قيل: إنه من بدع التفسير وهو ما حكي عن ابن عيينة أن معنى {فَتُذَكّرَ} الخ فتجعل إحداهما الأخرى ذكراً يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر فإن فيه قصوراً من جهة المعنى واللفظ لأن التذكير في مقابلة النسيان معنى مكشوف وغرض بين، ورعاية العدد لأن النسوة محل النسيان كذلك ولأن جعلها ذكراً مجاز عن إقامتها مقام الذكر ثم تجوز ثانياً لأنهما القائمتان مقامه فلم تجعل إحداهما الأخرى قائمة مقامه ـ وبعد التجوز ليس على ظاهره ـ لأن الاحتياج إلى اقتران ذكر البتة معهما. وقوله سبحانه: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ} ينبئان عن قصورهما عن ذلك أيضاً ـ والتزام توجيه مثل ذلك، وعرضه في سوق القبول ـ لا يعد فضلاً بل هو عند أرباب الذوق عين الفضول، ولقد رأيت في «طراز المجالس» أن الخفاجي سأل قاضي القضاة شهاب الدين الغزنوي عن سر تكرار ـ إحدى ـ معرضاً بما ذكره المغربـي فقال:شعر : يا رأس أهل العلوم السادة البرره ومن نداه على كل الورى نشره ما سر تكرار ـ إحدى ـ دون تذكرها في آية لذوي الأشهاد في البقره وظاهر الحال إيجاز الضمير على تكرار (إحداهما) لو أنه ذكره وحمل الإحدى على نفس الشهادة في أولاهما ليس مرضياً لدى المهره فغص بفكرك لاستخراج جوهره من بحر علمك ثم ابعث لنا درره تفسير : فأجاب القاضيشعر : يا من فوائده بالعلم منتشره ومن فضائله في الكون مشتهره يا من تفرد في كشف العلوم لقد وافى سؤالك والأسرار مستتره (تضل إحداهما) فالقول محتمل كليهما فهي للإظهار مفتقره ولو أتى بضمير كان مقتضيا تعيين واحدة للحكم معتبره ومن رددتم عليه الحل فهو كما أشرتم ليس مرضياً لمن سبره هذا الذي سمح الذهن الكليل به والله أعلم في الفحوى بما ذكره تفسير : وقرىء {أَن تَضِلَّ} بالبناء للمفعول والتأنيث، وقرىء ـ فتذاكر ـ وقرأ ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو والحسن ـ فتذكر ـ بسكون الذال وكسر الكاف، وحمزة {أَن تَضِلَّ} على الشرط فتذكر بالرفع وعلى ذلك فالفعل مجزوم والفتح لالتقاء الساكنين، والفاء في الجزاء قيل: لتقدير المبتدأ وهو ضمير القصة أو الشهادة، وقيل: لا تقدير لأن الجزاء إذا كان مضارعاً مثبتاً يجوز فيه الفاء وتركه، وقيل: الأوجه أن يقدر المبتدأ ضمير ـ الذاكرة ـ و (إحداهما) بدل عنه أو عن الضمير في (تذكر) وقال بعض المحققين: الأوجه من هذا كله تقدير ضمير التثنية أي فهما ـ تذكر إحداهما الأخرى ـ وعليه كلام كثير من المعربين، والقائلون عن ذلك تفرقوا أيدي سبا لما رأوا تنظير الزمخشري قراءة الرفع بقوله تعالى: {أية : وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} تفسير : [المائدة: 95] ولم يتفطنوا بأن ذلك إنما هو من جهة تقدير ضمير بعد الفاء بحسب ما يقتضيه المقام لا من جهة خصوص الضمير إفراداً وتثنية والله تعالى الملهم للرشاد فتدبر. {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ} لأداء الشهادة أو لتحملها ـ وهو المروي عن ابن عباس والحسن رضي الله تعالى عنهم ـ وخص ذلك مجاهد وابن جبير بالأول وهو الظاهر لعدم احتياجه إلى ارتكاب المجاز إلا أن المروي عن الربيع أن الآية نزلت حين كان الرجل يطوف في القوم الكثير فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتبعه أحد منهم فإن ظاهره يستدعي القول بمجاز المشارفة، و {مَا} صلة وهي قاعدة مطردة بعد {إِذَا}. {وَلاَ تَسْـئَمُواْ} أي تملوا أو تضجروا، ومنه قول زهير:شعر : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم تفسير : {أَن تَكْتُبُوهُ} أي الدين أو (الحق) ـ أو الكتاب المشعر به الفعل والمنسبك مفعول به ـ لتسأموا ـ ويتعدى بنفسه، وقيل: يتعدى بحرف الجر وحذف للعلم به، وقيل: المراد من ـ السأم ـ الكسل إلا أنه كنى به عنه لأنه وقع في القرآن صفة للمنافقين كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ }تفسير : [النساء: 142] ولذا وقع في الحديث: «حديث : لا يقول المؤمن كسلت وإنما يقول ثقلت» تفسير : وقرىء ـ ولا يسأموا ـ أن يكتبوه بالياء فيهما {صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا} حالان من الضمير أي على كل حال قليلاً أو كثيراً مجملاً أو مفصلاً، وقيل: منصوبان على أنهما خبرا كان المضمرة وقدم الصغير على الكبير اهتماماً به وانتقالاً من الأدنى إلى الأعلى {إِلَى أَجَلِهِ} حال من الهاء في ـ تكتبوه ـ أي مستقراً في ذمة المدين إلى وقت حلوله الذي أقر به وليس متعلقاً بتكتبوه لعدم استمرار الكتابة إلى الأجل إذ هي مما ينقضي في زمن يسير. {ذٰلِكُمْ} أي الكتب ـ وهو الأقرب ـ أو الإشهاد ـ وهو الأبعد ـ أو جميع ما ذكر ـ وهو الأحسن ـ والخطاب للمؤمنين {أَقْسَطُ } أي أعدل {عَندَ ٱللَّهِ} أي في حكمه سبحانه. {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ} أثبت لها وأعون على إقامتها وأدائها وهما مبنيان من أقسط وأقام على رأي سيبويه فإنه يجيز بناء أفعل من الأفعال من غير شذوذ، وقيل: من قاسط بمعنى ذي قسط وقويم، وقال أبو حيان: قسط يكون بمعنى جار وعدل، وأقسط/ بمعنى عدل لا غير حكاه ابن القطاع ـ وعليه لا حاجة إلى رأي سيبويه في أقسط ـ وقيل: هو من قسط بوزن كرم بمعنى صار ذا قسط أي عدل، وإنما صحت الواو في أقوم ولم يقل أقام لأنها لم تقلب في فعل التعجب نحو ما أقومه لجموده إذ هو لا يتصرف وأفعل التفضيل يناسبه معنى فحمل عليه {وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ} أي أقرب إلى انتفاء ريبكم وشككم في جنس الدين وقدره وأجله ونحو ذلك، قيل: وهذا حكمة خلق اللوح المحفوظ، والكرام الكاتبين مع أنه الغني الكامل عن كل شيء تعليماً للعباد وإرشاداً للحكام، وحرف الجر مقدر هنا ـ وهو إلى كما سمعت ـ وقيل: اللام، وقيل: من، وقيل في، ولكل وجهة. {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} استثناء منقطع من الأمر بالكتابة فقوله تعالى: {فَلْيَكْتُبْ بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ} إلى هنا جملة معترضة بين المستثنى والمستثنى منه أي لكن وقت كون تداينكم أو تجارتكم تجارة حاضرة بحضور البدلين تديرونها بينكم بتعاطيها يداً بيد ـ كذا قيل ـ. وفي «الدر المصون» يجوز أن يكون استثناءاً متصلاً من الاستشهاد فيكون قد أمر بالاستشهاد في كل حال إلا في حال حضور التجارة، وقيل: إنه استثناء من هذا وذاك وهو منقطع أيضاً أي لكن التجارة الحاضرة يجوز فيها عدم الاستشهاد والكتابة؛ وقيل: غير ذلك ـ ولعل الأول أولى ـ ونصب عاصم (تجارة) على أنها خبر (تكون) واسمها مستتر فيها يعود إلى التجارة ـ كما قال الفراء ـ وعود الضمير في مثل ذلك على متأخر لفظاً ورتبة جار في فصيح الكلام، وقال بعضهم: يعود إلى المداينة والمعاملة المفهومة من الكلام، وعليه فالتجارة مصدر لئلا يلزم الإخبار عن المعنى بالعين، ورفعها الباقون على أنها اسم {تَكُونُ} والخبر جملة {تُدِيرُونَهَا} ويجوز أن تكون {تَكُونُ} تامة فجملة {تُدِيرُونَهَا} صفة. {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} أي فلا مضرة عليكم أو لا إثم في عدم كتابتكم لها لبعد ذلك عن التنازع والنسيان، أو لأن في تكليفكم الكتابة حينئذٍ مشقة جداً وإدخال الفاء للإيذان بتعلق ما بعدها بما قبلها. {وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} أي هذا التبايع المذكور أو مطلقاً {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} نهي عن المضارة ـ والفعل يحتمل البناء للفاعل والبناء للمفعول ـ والدليل عليه قراءة عمر رضي الله تعالى عنه ـ ولا يضارر ـ بالفك والكسر، وقراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالفك والفتح ـ والمعنى على الأول: ـ نهي الكاتب والشاهد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما وعن التحريف والزيادة والنقصان، وعلى الثاني: النهي عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم أو لا يُعطى الكاتب حقه من الجعل أو يحمل الشاهد مؤونة المجىء من بلد، ويؤيد هذا المعنى ما أخرجه ابن جرير عن الربيع قال: لما نزلت هذه الآية {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ} الخ كان أحدهم يجىء إلى الكاتب فيقول: اكتب لي فيقول: إني مشغول أو لي حاجة فانطلق إلى غيري فيلزمه ويقول: إنك قد أمرت أن تكتب لي فلا يدعه ويضاره بذلك، وهو يجد غيره فأنزل الله تعالى: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} وحمل بعضهم الصيغة على المعنيين وليس بشيء كما لا يخفى، وقرأ الحسن ـ ولا يضار ـ بالكسر. وقرىء بالرفع على أنه نفي بمعنى النهي. {وَإِن تَفْعَلُواْ} ما نهيتم عنه من الضرار أو منه ومن غيره وبعيد وقوعه منكم {فَإِنَّهُ} أي ذلك الفعل {فُسُوقٌ بِكُمْ} أي خروج عن طاعة متلبس بكم، وجوز كون الباء للظرفية، قيل: وهو أبلغ إذ جعلوا محلاً للفسق {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فيما أمركم به ونهاكم عنه {وَيُعَلّمُكُمُ ٱللَّهُ} أحكامه المتضمنة لمصالحكم {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} فلا يخفى عليه حالكم وهو مجازيكم بذلك فإن قيل: كيف كرر سبحانه الاسم الجليل في الجمل الثلاث وقد استكرهوا مثل قوله:شعر : فما للنوى جذ النوى قطع النوى تفسير : حتى قيل: سلط الله تعالى عليه شاة تأكل نواه؟ أجيب بأن التكرير منه المستحسن ومنه المستقبح، فالمستحسن كل تكرير يقع على طريق التعظيم أو التحقير في جمل متواليات كل جملة منها مستقلة بنفسها، والمستقبح هو أن يكون التكرير في جملة واحدة أو في جمل بمعنى ولم يكن فيه التعظيم والتحقير، وما في البيت من القسم الثاني لأن ـ جذ النوى قطع النوى ـ فيه بمعنى واحد وما في الآية درة تاج القسم الأول لأن {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} حث على تقوى الله تعالى {وَيُعَلّمُكُمُ ٱللَّهُ} وعد بإنعامه سبحانه {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} تعظيم لشأنه عز شأنه، ومن هنا علمت وجه العطف فيها من اختلافها في الظاهر خبراً وإنشاءاً، ومن الناس من جوز كون الجملة الوسطى حالاً من فاعل {ٱتَّقُوْاْ} أي اتقوا الله مضموناً لكم التعليم، ويجوز أن تكون حالاً مقدرة، والأولى ما قدمنا لقلة اقتران الفعل المضارع المثبت الواقع حالاً بالواو.

سيد قطب

تفسير : هذه الأحكام الخاصة بالدين والتجارة والرهن تكملة للأحكام السابقة في درسي الصدقة والربا. فقد استبعد التعامل الربوي في الدرس السابق والديون الربوية والبيوع الربوية.. أما هنا فالحديث عن القرض الحسن بلا ربا ولا فائدة، وعن المعاملات التجارية الحاضرة المبرأة من الربا.. وإن الإنسان ليقف في عجب وفي إعجاب أمام التعبير التشريعي في القرآن - حيث تتجلى الدقة العجيبة في الصياغة القانونية حتى ما يبدل لفظ بلفظ، ولا تقدم فقرة عن موضعها أو تؤخر. وحيث لا تطغى هذه الدقة المطلقة في الصياغة القانونية على جمال التعبير وطلاوته. وحيث يربط التشريع بالوجدان الديني ربطاً لطيف المدخل عميق الإيحاء قوي التأثير، دون الإخلال بترابط النص من ناحية الدلالة القانونية. وحيث يلحظ كل المؤثرات المحتملة في موقف طرفي التعاقد وموقف الشهود والكتاب، فينفي هذه المؤثرات كلها ويحتاط لكل احتمال من احتمالاتها. وحيث لا ينتقل من نقطة إلى نقطة إلا وقد استوفى النقطة التشريعية بحيث لا يعود إليها إلا حيث يقع ارتباط بينها وبين نقطة جديدة يقتضي الإشارة إلى الرابطة بينهما... إن الإعجاز في صياغة آيات التشريع هنا لهو الإعجاز في صياغة آيات الإيحاء والتوجيه. بل هو أوضح وأقوى. لأن الغرض هنا دقيق يحرفه لفظ واحد، ولا ينوب فيه لفظ عن لفظ. ولولا الإعجاز ما حقق الدقة التشريعية المطلقة والجمال الفني المطلق على هذا النحو الفريد. ذلك كله فوق سبق التشريع الإسلامي بهذه المبادىء للتشريع المدني والتجاري بحوالي عشرة قرون، كما يعترف الفقهاء المحدثون! {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه}.. هذا هو المبدأ العام الذي يريد تقريره. فالكتابة أمر مفروض بالنص، غير متروك للاختيار في حالة الدين إلى أجل. لحكمة سيأتي بيانها في نهاية النص. {وليكتب بينكم كاتب بالعدل}.. وهذا تعيين للشخص الذي يقوم بكتابة الدين فهو كاتب. وليس أحد المتعاقدين. وحكمة استدعاء ثالث - ليس أحد الطرفين في التعاقد - هي الاحتياط والحيدة المطلقة. وهذا الكاتب مأمور أن يكتب بالعدل، فلا يميل مع أحد الطرفين، ولا ينقص أو يزيد في النصوص.. {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله}.. فالتكليف هنا من الله - بالقياس إلى الكاتب - كي لا يتأخر ولا يأبى ولا يثقل العمل على نفسه. فتلك فريضة من الله بنص التشريع، حسابه فيها على الله. وهي وفاء لفضل الله عليه إذ علمه كيف يكتب.. {فليكتب} كما علمه الله. وهنا يكون الشارع قد انتهى من تقرير مبدأ الكتابة في الدين إلى أجل. ومن تعيين من يتولى الكتابة. ومن تكليفه بأن يكتب. ومع التكليف ذلك التذكير اللطيف بنعمة الله عليه، وذلك الإيحاء بأن يلتزم العدل.. وهنا ينتقل إلى فقرة تالية يبين فيها كيف يكتب.. {وليملل الذي عليه الحق. وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً. فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل}.. إن المدين - الذي عليه الحق - هو الذي يملي على الكاتب اعترافه بالدين، ومقدار الدين، وشرطه وأجله.. ذلك خيفة أن يقع الغبن على المدين لو أملى الدائن، فزاد في الدين، أو قرب الأجل، أو ذكر شروطاً معينة في مصلحته. والمدين في موقف ضعيف قد لا يملك معه إعلان المعارضة رغبة في إتمام الصفقة لحاجته إليها، فيقع عليه الغبن. فإذا كان المدين هو الذي يملي لم يمل إلا ما يريد الارتباط به عن طيب خاطر. ثم ليكون إقراره بالدين أقوى وأثبت، وهو الذي يملي.. وفي الوقت ذاته يناشد ضمير المدين - وهو يملي - أن يتقي الله ربه ولا يبخس شيئاً من الدين الذي يقر به ولا من سائر أركان الإقرار الأخرى.. فإن كان المدين سفيهاً لا يحسن تدبير أموره. أو ضعيفاً - أي صغيراً أو ضعيف العقل - أو لا يستطيع أن يمل هو إما لعي أو جهل أو آفة في لسانه أو لأي سبب من الأسباب المختلفة الحسية أو العقلية.. فليملل ولي أمره القيم عليه.. {بالعدل}.. والعدل يذكر هنا لزيادة الدقة. فربما تهاون الولي - ولو قليلاً - لأن الدين لا يخصه شخصياً. كي تتوافر الضمانات كلها لسلامة التعاقد. وبهذا ينتهي الكلام عن الكتابة من جميع نواحيها، فينتقل الشارع إلى نقطة أخرى في العقد، نقطة الشهادة: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم. فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان - ممن ترضون من الشهداء - أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى}.. إنه لا بد من شاهدين على العقد - {ممن ترضون من الشهداء} - والرضى يشمل معنيين: الأول أن يكون الشاهدان عدلين مرضيين في الجماعة. والثاني أن يرضى بشهادتهما طرفا التعاقد.. ولكن ظروفاً معينة قد لا تجعل وجود شاهدين أمراً ميسوراً. فهنا ييسر التشريع فيستدعي النساء للشهادة، وهو إنما دعا الرجال لأنهم هم الذين يزاولون الأعمال عادة في المجتمع المسلم السوي، الذي لا تحتاج المرأة فيه أن تعمل لتعيش، فتجور بذلك على أمومتها وأنوثتها وواجبها في رعاية أثمن الأرصدة الإنسانية وهي الطفولة الناشئة الممثلة لجيل المستقبل، في مقابل لقيمات أو دريهمات تنالها من العمل، كما تضطر إلى ذلك المرأة في المجتمع النكد المنحرف الذي نعيش فيه اليوم! فأما حين لا يوجد رجلان فليكن رجل واحد وامرأتان.. ولكن لماذا امرأتان؟ إن النص لا يدعنا نحدس! ففي مجال التشريع يكون كل نص محدداً واضحاً معللاً: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى}.. والضلال هنا ينشأ من أسباب كثيرة. فقد ينشأ من قلة خبرة المرأة بموضوع التعاقد، مما يجعلها لا تستوعب كل دقائقه وملابساته ومن ثم لا يكون من الوضوح في عقلها بحيث تؤدي عنه شهادة دقيقة عند الاقتضاء، فتذكرها الأخرى بالتعاون معاً على تذكر ملابسات الموضوع كله. وقد ينشأ من طبيعة المرأة الانفعالية. فإن وظيفة الأمومة العضوية البيولوجية تستدعي مقابلا نفسياً في المرأة حتماً. تستدعي أن تكون المرأة شديدة الاستجابة الوجدانية الانفعالية لتلبية مطالب طفلها بسرعة وحيوية لا ترجع فيهما إلى التفكير البطيء.. وذلك من فضل الله على المرأة وعلى الطفولة.. وهذه الطبيعة لا تتجزأ، فالمرأة شخصية موحدة هذا طابعها - حين تكون امرأة سوية - بينما الشهادة على التعاقد في مثل هذه المعاملات في حاجة إلى تجرد كبير من الانفعال، ووقوف عند الوقائع بلا تأثر ولا إيحاء. ووجود امرأتين فيه ضمانة أن تذكر إحداهما الأخرى - إذا انحرفت مع أي انفعال - فتتذكر وتفيء إلى الوقائع المجردة. وكما وجه الخطاب في أول النص إلى الكتاب ألا يأبوا الكتابة، يوجهه هنا إلى الشهداء ألا يأبوا الشهادة: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا}.. فتلبية الدعوة للشهادة إذن فريضة وليست تطوعاً. فهي وسيلة لإقامة العدل وإحقاق الحق. والله هو الذي يفرضها كي يلبيها الشهداء عن طواعية تلبية وجدانية، بدون تضرر أو تلكؤ. وبدون تفضل كذلك على المتعاقدين أو على أحدهما، إذا كانت الدعوة من كليهما أو من أحدهما. وهنا ينتهي الكلام عن الشهادة، فينتقل الشارع إلى غرض آخر. غرض عام للتشريع. يؤكد ضرورة الكتابة - كبر الدين أم صغر - ويعالج ما قد يخطر للنفس من استثقال الكتابة وتكاليفها بحجة أن الدين صغير لا يستحق، أو أنه لا ضرورة للكتابة بين صاحبيه لملابسة من الملابسات كالتجمل والحياء أو الكسل وقلة المبالاة! ثم يعلل تشديده في وجوب الكتابة تعليلاً وجدانياً وتعليلاً عملياً: {ولا تسأموا أن تكتبوه - صغيراً أو كبيراً - إلى أجله. ذلكم أقسط عند الله، وأقوم للشهادة، وأدنى ألا ترتابوا}. لا تسأموا.. فهو إدراك لانفعالات النفس الإنسانية حين تحس أن تكاليف العمل أضخم من قيمته.. {ذلكم أقسط عند الله}.. أعدل وأفضل. وهو إيحاء وجداني بأن الله يحب هذا ويؤثره. {وأقوم للشهادة}. فالشهادة على شيء مكتوب أقوم من الشهادة الشفوية التي تعتمد على الذاكرة وحدها. وشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أقوم كذلك للشهادة وأصح من شهادة الواحد، أو الواحد والواحدة. {وأدنى ألا ترتابوا}: أقرب لعدم الريبة. الريبة في صحة البيانات التي تضمنها العقد، أو الريبة في أنفسكم وفي سواكم إذا ترك الأمر بلا قيد. وهكذا تتكشف حكمة هذه الإجراءات كلها؛ ويقتنع المتعاملون بضرورة هذا التشريع، ودقة أهدافه، وصحة إجراءاته. إنها الصحة والدقة والثقة والطمأنينة. ذلك شأن الدين المسمى إلى أجل. أما التجارة الحاضرة فإن بيوعها مستثناة من قيد الكتابة. وتكفي فيها شهادة الشهود تيسيراً للعمليات التجارية التي يعرقلها التعقيد، والتي تتم في سرعة، وتتكرر في أوقات قصيرة، ذلك أن الإسلام وهو يشرع للحياة كلها قد راعى كل ملابساتها؛ وكان شريعة عملية واقعية لا تعقيد فيها، ولا تعويق لجريان الحياة في مجراها: {إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم، فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم}. وظاهر النص أن الإعفاء من الكتابة رخصة لا جناح فيها. أما الإشهاد فموجَب. وقد وردت بعض الروايات بأن الإشهاد كذلك للندب لا للوجوب. ولكن الأرجح هو ذاك. والآن - وقد انتهى تشريع الدين المسمى، والتجارة الحاضرة، والتقى كلاهما عند شرطي الكتابة والشهادة - على الوجوب وعلى الرخصة - فإنه يقرر حقوق الكتاب والشهداء كما قرر واجباتهم من قبل.. لقد أوجب عليهم ألا يأبوا الكتابة أو الشهادة. فالآن يوجب لهم الحماية والرعاية ليتوازن الحق والواجب في أداء التكاليف العامة. {ولا يضار كاتب ولا شهيد. وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم. واتقوا الله ويعلمكم الله. والله بكل شيء عليم}. لا يقع ضرر على كاتب أو شهيد، بسبب أدائه لواجبه الذي فرضه الله عليه. وإذا وقع فإنه يكون خروجاً منكم عن شريعة الله ومخالفة عن طريقه. وهو احتياط لا بد منه. لأن الكتاب والشهداء معرضون لسخط أحد الفريقين المتعاقدين في أحيان كثيرة. فلا بد من تمتعهم بالضمانات التي تطمئنهم على أنفسهم، وتشجعهم على أداء واجبهم بالذمة والأمانة والنشاط في أداء الواجبات، والحيدة في جميع الأحوال. ثم - وعلى عادة القرآن في إيقاظ الضمير، واستجاشة الشعور كلما هم بالتكليف، ليستمد التكليف دفعته من داخل النفس، لا من مجرد ضغط النص - يدعو المؤمنين إلى تقوى الله في النهاية؛ ويذكرهم بأن الله هو المتفضل عليهم، وهو الذي يعلمهم ويرشدهم، وأن تقواه تفتح قلوبهم للمعرفة وتهيىء أرواحهم للتعليم، ليقوموا بحق هذا الإنعام بالطاعة والرضى والإذعان: {واتقوا الله. ويعلمكم الله. والله بكل شىء عليم}. ثم يعود المشرع إلى تكملة في أحكام الدين، آخرها في النص لأنها ذات ظروف خاصة، فلم يذكرها هناك في النص العام.. ذلك حين يكون الدائن والمدين على سفر فلا يجدان كاتباً. فتيسيراً للتعامل، مع ضمان الوفاء، رخص الشارع في التعاقد الشفوي بلا كتابة مع تسليم رهن مقبوض للدائن ضامن للدين: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة}. وهنا يستجيش الشارع ضمائر المؤمنين للأمانة والوفاء بدافع من تقوى الله. فهذا هو الضمان الأخير لتنفيذ التشريع كله، ولرد الأموال والرهائن إلى أصحابها، والمحافظة الكاملة عليها: {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه}. والمدين مؤتمن على الدين، والدائن مؤتمن على الرهن؛ وكلاهما مدعو لأداء ما اؤتمن عليه باسم تقوى الله ربه. والرب هو الراعي والمربي والسيد والحاكم والقاضي. وكل هذه المعاني ذات إيحاء في موقف التعامل والائتمان والأداء.. وفي بعض الآراء أن هذه الآية نسخت آية الكتابة في حالة الإئتمان. ونحن لا نرى هذا، فالكتابة واجبة في الدين إلا في حالة السفر. والإئتمان خاص بهذه الحالة. والدائن والمدين كلاهما - في هذه الحالة - مؤتمن. وفي ظل هذه الاستجاشة إلى التقوى، يتم الحديث عن الشهادة - عند التقاضي في هذه المرة لا عند التعاقد - لأنها أمانة في عنق الشاهد وقلبه: {ولا تكتموا الشهادة. ومن يكتمها فإنه آثم قلبه}. ويتكئ التعبير هنا على القلب. فينسب إليه الإثم. تنسيقاً بين الإضمار للإثم، والكتمان للشهادة. فكلاهما عمل يتم في أعماق القلب. ويعقب عليه بتهديد ملفوف. فليس هناك خاف على الله. {والله بما تعملون عليم}. وهو يجزي عليه بمقتضى علمه الذي يكشف الإثم الكامن في القلوب! ثم يستمر السياق في توكيد هذه الإشارة، واستجاشة القلب للخوف من مالك السماوات والأرض وما فيهما، العليم بمكنونات الضمائر خفيت أم ظهرت، المجازي عليها، المتصرف في مصائر العباد بما يشاء من الرحمة والعذاب، القدير على كل شيء تتعلق به مشيئته بلا تعقيب! {لله ما في السماوات وما في الأرض. وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، والله على كل شيء قدير}.. وهكذا يعقب على التشريع المدني البحت بهذا التوجيه الوجداني البحت؛ ويربط بين التشريعات للحياة وخالق الحياة، بذلك الرباط الوثيق، المؤلف من الخوف والرجاء في مالك الأرض والسماء. فيضيف إلى ضمانات التشريع القانونية ضمانات القلب الوجدانية.. وهي الضمان الوثيق المميز لشرائع الإسلام في قلوب المسلمين في المجتمع المسلم.. وهي والتشريع في الإسلام متكاملان. فالإسلام يصنع القلوب التي يشرع لها؛ ويصنع المجتمع الذي يقنن له. صنعة إلهية متكاملة متناسقة. تربية وتشريع. وتقوى وسلطان.. ومنهج للإنسان من صنع خالق الإنسان. فأنى تذهب شرائع الأرض. وقوانين الأرض، ومناهج الأرض، أنى تذهب نظرة إنسان قاصر، محدود العمر، محدود المعرفة، محدود الرؤية، يتقلب هواه هنا وهناك، فلا يستقر على حال، ولا يكاد يجتمع اثنان منه على رأي، ولا على رؤية، ولا على إدراك؟ وأنى تذهب البشرية شاردة عن ربها. ربها الذي خلق، والذي يعلم من خلق، والذي يعلم ما يصلح لخلقه، في كل حالة وفي كل آن؟ ألا إنها الشقوة للبشرية في هذا الشرود عن منهج الله وشرعه. الشقوة التي بدأت في الغرب هرباً من الكنيسة الطاغية الباغية هناك؛ ومن إلهها الذي كانت تزعم أنها تنطق باسمه وتحرم على الناس أن يتفكروا وأن يتدبروا؛ وتفرض عليهم باسمه الإتاوات الباهظة والاستبداد المنفر.. فلما هم الناس أن يتخلصوا من هذا الكابوس، تخلصوا من الكنيسة وسلطانها. ولكنهم لم يقفوا عند حد الاعتدال، فتخلصوا كذلك من إله الكنيسة وسلطانه! ثم تخلصوا من كل دين يقودهم في حياتهم الأرضية بمنهج الله.. وكانت الشقوة وكان البلاء!! فأما نحن - نحن الذين نزعم الإسلام - فما بالنا؟ ما بالنا نشرد عن الله ومنهجه وشريعته وقانونه؟ ما بالنا وديننا السمح القويم لم يفرض علينا إلا كل ما يرفع عنا الأغلال، ويحط عنا الأثقال ويفيض علينا الرحمة والهدى واليسر والاستقامة على الطريق المؤدي إليه وإلى الرقي والفلاح؟!

ابن عاشور

تفسير : لما اهتم القرآن بنظام أحوال المسلمين في أموالهم فابتدأ بما به قوام عامّتهم من مواساة الفقير وإغاثة الملهوف، ووضّح ذلك بما فيه عبرة للمعتبر، ثم عطف عليه التحذير من مضايقة المحتاجين إلى المواساة مضايقة الربا مع ما في تلك المعاملات من المفاسد، ثلّث ببيان التوثّقات المالية من الإشهاد، وما يقوم مقامه وهو الرهن والائتمان. وإنّ تحديد التوثّق في المعاملات من أعظم وسائل بثّ الثقة بين المتعاملين، وذلك من شأنه تكثير عقود المعاملات ودوران دولاب التموّل. والجملة استئناف ابتدائي، والمناسبة في الانتقال ظاهرة عقب الكلام على غرمَاء أهل الربا. والتداين من أعظم أسباب رواج المعاملات لأنّ المقتدر على تنمية المال قد يعوزه المال فيضطرّ إلى التداين ليظهر مواهبه في التجارة أو الصناعة أو الزراعة، ولأنّ المترفّه قد ينضب المال من بين يديه وله قِبل به بعد حين، فإذا لم يتداين اختلّ نظام ماله، فشرّع الله تعالى للناس بَقاء التداين المتعارف بينهم كيلا يظنّوا أنّ تحريم الربا والرجوع بالمتعاملين إلى رؤوس أموالهم إبطال للتداين كلّه. وأفاد ذلك التشريعَ بوضعه في تشريع آخر مكمّل له وهو التوثّق له بالكتابة والإشهاد. والخطاب موجّه للمؤمنين أي لمجموعهم، والمقصود منه خصوص المتداينين، والأخصّ بالخطاب هو المدين لأنّ من حق عليه أن يجعل دائنه مطمئن البال على ماله. فعلى المستقرِض أن يطلب الكتابة وإن لم يسألها الدائن، ويؤخذ هذا مما حكاه الله في سورة القَصص عن موسى وشعيب، إذ استأجرَ شعيبٌ موسى. فلما تراوضا على الإجارة وتعيين أجلها قال موسى: «واللَّهُ على ما نَقول وكيل»، فذلك إشهاد على نفسه لمؤاجره دون أن يسألَه شعيب ذلك. والتداين تفاعل، وأطلق هنا ــــــ مع أنّ الفعل صادر من جهة واحدة وهي جهة المُسَلِّف ــــــ لأنّك تقول ادّان منه فَدانَه، فالمفاعلة منظور فيها إلى المخاطبين هم مجموع الأمة؛ لأنّ في المجموع دائناً ومديناً، فصار المجموع مشتملاً على جانبين. ولك أن تجعل المفاعلة على غير بابها كما تقول تَداينت من زيد. وزيادة قيد {بدين} إما لِمجرد الإطناب، كما يقولون رأيتُه بعيني ولمَسته بيدي، وإما ليكون معاداً للضمير في قوله فاكتبوه، ولولا ذكره لقال فاكتبوا الدّين فلم يكن النظم بذلك الحسن، ولأنّه أبين لتنويع الدين إلى مؤجّل وحالّ، قاله في «الكشاف». وقال الطيبي عن صاحب الفرائد: يمكن أن يظنّ استعمال التداين مجازاً في الوعد كقول رؤبة: شعر : داينتُ أرْوَى والديونُ تُقضَى فمطَلَتْ بعضاً وأدّت بعضاً تفسير : فذكر قوله «بدين» دفعاً لتوهم المجاز. والدين في كلام العرب العوض المؤخّر قال شاعرهم: شعر : وعدَتْنَا بدرهمَيْنَا طِلاء وشِواءً معجّلا غيرَ دَيْن تفسير : وقوله: {إلى أجل مسمى} طلب تعيين الآجال للديون لئلاّ يقعوا في الخصومات والتداعي في المرادات، فأدمج تشريع التأجيل في أثناء تشريع التسجيل. والأجل مدة من الزمان محدودة النهاية مجعولة ظرفاً لعمل غير مطلوب فيه المبادرة، لرغبة تمام ذلك العمل عند انتهاء تلك المدة أو في أثنائها. والأجل اسم وليس بمصدر، والمصدر التأجيل، وهو إعطاء الأجل. ولما فيه من معنى التوسعة في العمل أطلق الأجل على التأخير، وقد تقدم في قوله تعالى: { أية : فإذا بلغن أجلهن } تفسير : [البقرة: 234] وقوله: { أية : حتى يبلغ الكتاب أجله } تفسير : [البقرة: 235]. والمُسمّى حقيقته المميّز باسم يميّزه عمّا يشابهه في جنسه أو نوعه، فمنه أسماء الأعلام وأسماء الأجناس، والمسمّى هنا مستعار للمعيّن المحدود، وإنّما يقصد تحديده بنهاية من الأزمان المعلومة عند الناس، فشبه ذلك بالتحديد بوضع الاسم بجامع التعيين؛ إذ لا يمكن تمييزه عن أمثاله إلاّ بذلك، فأطق عليه لفظ التسمية، ومنه قول الفقهاء المَهر المسمى. فالمعنى أجل معيّن بنهايته. والدين لا يكون إلاّ إلى أجل، فالمقصود من وصف الدين بهذا الوصف، هو وصف أجلٍ بمسمّى إدماجاً للأمر بتعيين الأجل. وقوله: {بدين إلى أجل مسمى} يعمّ كل دين: من قرض أو من بيع أو غير ذلك. وعن ابن عباس أنّها نزلت في السلَم ــــــ يعني بيعَ الثمار ونحوها من المثليات في ذمة البائع إذا كان ذا ذمة إلى أجللٍ ــــــ وكان السلَم من معاملات أهل المدينة. ومعنى كلامه أنّ بيع السلم سبب نزول الآية، ومن المقرر في الأصول أنّ السبب الخاص لا يخصّص العموم. والأمر في «فاكتبوه» قيل للاستحباب، وهو قول الجمهور ومالكٍ وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، وعليه فيكون قوله: { أية : فإن أمن بعضكم بعضاً } تفسير : [البقرة: 283] تكميلاً لمعنى الاستحباب. وقيل الأمر للوجوب، قاله ابن جريج والشعبي وعطاء والنخعي، وروي عن أبي سعيد الخدري، وهو قول داوود، واختاره الطبَري. ولعلّ القائلين بوجوب الإشهاد الآتي عند قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} قائلون بوجوب الكتابة، وعليه فقوله: { أية : فإن أمن بعضكم بعضاً } تفسير : [البقرة: 283] تخصيص لعموم أزمنة الوجوب لأنّ الأمر للتكرار، لا سيما مع التعليق بالشرط، وسمّاه الأقدمون في عباراتهم نسخاً. والقصد من الأمر بالكتابة التوثّق للحقوق وقطع أسباب الخصومات، وتنظيم معاملات الأمة، وإمكان الاطّلاع على العقود الفاسدة. والأرجح أنّ الأمر للوجوب فإنّه الأصل في الأمر، وقد تأكّد بهذه المؤكّدات، وأنّ قوله: {فإن أمن بعضكم بعضاً} الآية رخصة خاصة بحالة الائتمان بين المتعاقدين كما سيأتي ــــــ فإنّ حالة الائتمان حالة سالمة من تطرّق التناكر والخصام ــــــ لأنّ الله تعالى أراد من الأمة قطع أسباب التهارج والفوضى فأوجب عليهم التوثّق في مقامات المشاحنة، لئلاّ يتساهلوا ابتداء ثم يفضوا إلى المنازعة في العاقبة، ويظهر لي أنّ في الوجوب نفياً للحرج عن الدائن إذا طلب من مدينه الكتب حتى لا يَعُد المدينُ ذلك من سوء الظنّ به، فإنّ في القوانين معذرة للمتعاملين. وقال ابن عطية: «الصحيح عدم الوجوب لأنّ للمرء أن يهب هذا الحق ويتركه بإجماع، فكيف يجب عليه أن يكتبه، وإنّما هو ندب للاحتياط». وهذا كلام قد يروج في بادىء الرأي ولكنّه مردود بأنّ مقام التوثّق غير مقام التبرّع. ومقصد الشريعة تنبيه أصحاب الحقوق حتى لا يتساهلوا ثم يندموا وليس المقصود إبطال ائتمان بعضهم بعضاً، كما أنّ من مقاصدها دفع موجدة الغريم من توثّق دائنه إذا علم أنّه بأمر من الله ومن مقاصدها قطع أسباب الخصام. وقوله: {فاكتبوه} يشمل حالتين: الأولى حالة كتابة المتداينين بخطّيهما أو خطّ أحدهما ويسلّمه للآخر إذا كانا يحسنانِ الكتابة معاً، لأنّ جهل أحدهما بها ينفي ثقته بكتابة الآخر. والثانية حالة كتابة ثالث يتوسّط بينهما. فيكتب ما تعاقدا عليه ويشهد عليه شاهدان ويسلمه بيد صاحب الحق إذا كانا لا يحسنان الكتابة أو أحدهما، وهذه غالب أحوال العرب عند نزول الآية. فكانت الأميّة بينهم فاشية، وإنّما كانت الكتابة في الأنبار والحِيرة وبعض جهات اليمن وفيمن يتعلّمها قليلاً من مكة والمدينة. وقوله: {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} أمر للمتداينِين بأن يوسّطوا كاتباً يكتب بينهم لأنّ غالب حالهم جهل الكتابة. فعل الأمر به إلى الكاتب مبالغة في أمر المتعاقدين بالاستكتاب. والعرب تعمد إلى المقصود فتنزّله منزلة الوسيلة مبالغة في حصوله كقولهم في الأمر ليكن ولدُك مهذّباً، وفي النهي لا تنس ما أوصيتُك، ولا أعرِفَنَّك تفعلُ كذا. فمتعلِّق فعل الطلب هو ظرف بينكم وليس هذا أمراً للكاتب، وأما أمر الكاتب فهو قوله: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب}. وقوله: {بالعدل} أي بالحق، وليس العدل هنا بمعنى العدالة التي يوصف بها الشاهد فيقال رجل عدل لأنّ وجود الباء يصرف عن ذلك، ونظيره قوله الآتي: {فليملل وليه بالعدل}. ولذلك قصر المفسرون قوله: {فاكتبوه} على أن يكتبه كاتب غير المتداينين لأنّه الغالب، ولتعقيبه بقوله: وليكتب بينكم كاتب بالعدل، فإنّه كالبيان لكيفية فاكتبوه، على أنّ كتابة المتعاقدين إن كانا يحسنانها تؤخذ بلحن الخطاب أو فحواه. ولذلك كانت الآية حجة عند جمهور العلماء لصحة الاحتجاج بالخط، فإنّ استكتاب الكاتب إنّما ينفع بقراءة خطه. وقوله: {ولا يأب كاتب أن يكتب} نهي لمن تطْلب منه الكتابة بين المتداينين عن الامتناع منها إذا دُعي إليها، فهذا حكم آخر وليس تأكيداً لقوله: {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} لما علمت آنفاً من كون ذلك حكماً موجّهاً للمتداينين. وهذا النهي قد اختلف في مقتضاه فقيل نهي تحريم، فالذي يدعى لأن يكتب بين المتداينين يحرم عليه الامتناع. وعليه فالإجابة للكتابة فرض عين، وهو قول الربيع ومجاهد وعطاء والطبري، وهو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه. وقيل: إنّما تجب الإجابة وجوباً عينياً إذا لم يكن في الموضع إلاّ كاتب واحد، فإن كان غيره فهو واجب على الكفاية وهو قول الحسن، ومعناه أنّه موكول إلى ديانتهم لأنّهم إذا تمالؤوا على الامتناع أثموا جميعاً، ولو قيل: إنّه واجب على الكفاية على من يعرف الكتابة من أهل مكان المتداينين، وإنّه يتعيّن بتعيين طالب التوثق أحدَهم لكان وجيهاً، والأحق بطلب التوثّق هو المستقرض كما تقدم آنفاً. وقيل: إنّما يجب على الكاتب في حال فراغه، قاله السُّدي. وقيل: هو منسوخ بقوله: {ولا يضارّ كاتب ولا شهيد} وهو قول الضحاك، وروي عن عطاء، وفي هذا نظر لأنّ الحضور للكتابة بين المتداينين ليس من الإضرار إلاّ في أحوال نادرة كبُعد مكان المتداينين من مكان الكاتب. وعن الشعبي وابن جريج وابن زيد أنّه منسوخ بقوله تعالى ــــــ بعد هذا ــــــ { أية : فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي ائتمن أمانته } تفسير : [البقرة: 283] وسيأتي لنا إبطال ذلك. وعلى هذا الخلاف يختلف في جواز الأجر على الكتابة بين المتداينين، لأنّها إن كانت واجبة فلا أجر عليها، وإلاّ فالأجر جائز. ويلحق بالتداين جميع المعاملات التي يطلب فيها التوثّق بالكتابة والإشهاد، وسيأتي الكلام على حكم أداء الشهادة عند قوله تعالى: {ولا يضارّ كاتب ولا شهيد}. وقوله: {كما علمه الله} أي كتابة تشابه الذي علّمه الله أن يكتبها، والمراد بالمشابهة المطابقة لا المقاربة، فهي مثل قوله: { أية : فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به } تفسير : [البقرة: 137]، فالكاف في موضع المفعول المطلق لأنّها صفة لمصدر محذوف. و (ما) موصولة. ومعنى ما علّمه الله أنّه يكتب ما يعتقده ولا يجحف أو يوارب، لأنّ الله ما علم إلاّ الحق وهو المستقرّ في فطرة الإنسان، وإنّما ينصرف الناس عنه بالهوى فيبدّلون ويغيّرون وليس ذلك التبديل بالذي علّمهم الله تعالى، وهذا يشير إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : واستفتِ نفسَك وإن أفْتَاكَ الناس » تفسير : . ويجوز أن تكون الكاف لمقابلة الشيء بمكافئه والعوضضِ بمعوضه، أي أن يكتب كتابة تكافىء تعليم الله إياه الكتابة، بأن ينفع الناس بها شكراً على تيسير الله له أسباب علمها، وإنّما يحصل هذا الشكر بأن يكتب ما فيه حفظ الحق ولا يقصر ولا يدلّس، وينشأ عن هذا المعنى من التشبيه معنى التعليل كما في قوله تعالى: { أية : وأحسن كما أحسن الله إليك } تفسير : [القصص: 77] وقوله: { أية : واذكروه كما هداكم } تفسير : [البقرة: 198]. والكاف على هذا إما نائبة عن المفعول المطلق أو صفة لمفعول به محذوف على تأويل مصدر فِعل أنْ يَكْتُب بالمكتوب، و (ما) على هذا الوجه مصدرية، وعلى كلا الوجهين فهو متعلق بقوله: {أن يكتب}، وجوّز صاحب «الكشاف» تعليقه بقوله فليكتب فهو وجه في تفسير الآية. وقوله: {فليكتب} تفريع على قوله: {ولا يأب كاتب}، وهو تصريح بمقتضى النهي وتكرير للأمر في قوله: {فاكتبوه}، فهو يفيد تأكيدَ الأمر وتأكيدَ النهي أيضاً، وإنّما أعيد ليُرتَّب عليه قولُه: {وليملل الذي عليه الحق} لبعد الأمر الأول بما وَلِيَه، ومثله قوله تعالى: { أية : اتخذوه } تفسير : [الأعراف: 148] بعد قوله: { أية : واتخذ قوم موسى من بعده من حليّهم عجلاً جسداً } تفسير : [الأعراف: 148] الآية. وقوله: {وليُملل الذي عليه الحق} أمَلّ وأمْلَى لغتان: فالأولى لغة أهل الحجاز وبني أسد، والثانية لغة تميم، وقد جاء القرآن بهما قال تعالى: {وليملل الذي عليه الحق} وقال: { أية : فهي تملى عليه بكرة وأصيلا } تفسير : [الفرقان: 5]، قالوا والأصل هو أمللّ ثم أبدلت اللاّم ياء لأنّها أخف؛ أي عكسَ ما فعلوا في قولهم تقضّي البازي إذْ أصله تَقَضـض. ومعنى اللفظين أن يلقي كلاماً على سامعه ليكتبه عنه، هكذا فسره في «اللِّسَان» و«القاموس». وهو مقصور في التفسير أحسب أنّه نشأ عن حصر نظرهم في هذه الآية الواردة في غرض الكتابة، وإلاّ فإن قوله تعالى في سورة الفرقان (5): { أية : فهي تملى عليه بكرة وأصيلا } تفسير : تشهد بأنّ الإملاء والإملال يكونان لغرض الكتابة ولغرض الرواية والنقل كما في آية الفرقان، ولغرض الحفظ كما يقال مَلّ المؤدب على الصبي للحفظ، وهي طريقة تحفيظ العميان. فتحرير العبارة أن يفسر هذان اللفظان بإلقاء كلامٍ ليُكتب عنه أو ليُروى أو ليُحفظ، والحق هنا ما حقَّ أي ثبت للدائن. وفي هذا الأمر عبرة للشهود فإنّ منهم من يكتبون في شروط الحُبُس ونحوه ما لم يملله عليهم المشهود عليه إلاّ إذا كان قد فوّض إلى الشاهد الإحاطة بما فيه توثقه لحقّه أو أوقفه عليه قبل عقده على السدارة. والضميران في قوله: {وليتق}، وقوله: {ولا يبخس منه} يحتمل أن يعودا إلى الذي عليه الحق لأنّه أقرب مذكور من الضميرين، أي لا يُنقصْ ربّ الدين شيئاً حينَ الإملاء، قاله سعيد بن جبير، وهو على هذا أمر للمدين بأن يقرّ بجميع الدين ولا يغبن الدائن. وعندي أنّ هذا بعيد إذ لا فائدة بهذه الوصاية؛ فلو أخفى المدين شيئاً أو غبن لأنكر عليه ربُّ الديْن لأنّ الكتابة يحضرها كلاهما لقوله تعالى: {وليكتب بينكم}. ويحتمل أن يعود الضميران إلى {كاتب} بقرينة أنّ هذا النهي أشدّ تعلّقاً بالكاتب؛ فإنّه الذي قد يغفل عن بعض ما وقع إملاؤه عليه. والضمير في قوله: {منه} عائد إلى الحق وهو حق لكِلاَ المتداينين، فإذا بخس منه شيئاً أضرّ بأحدهما لا محالة، وهذا إيجاز بديع. والبخْس فسره أهل اللغة بالنقص ويظهر أنّه أخصّ من النقص، فهو نقص بإخفاء. وأقربُ الألفاظ إلى معناه الغبن، قال ابن العربي في الأحكام في سورة الأعراف: «البخس في لسان العرب هو النقص بالتعْييب والتزهِيدِ، أو المخادعة عن القيمة، أو الاحتيال في التزيّد في الكيل أو النقصان منه» أي عن غفلة من صاحب الحق، وهذا هو المناسب في معنى الآية لأنّ المراد النهي عن النقص من الحق عن غفلة من صاحبه، ولذلك نُهي الشاهد أو المدين أو الدائن، وسيجيء في سورة الأعراف عند قوله تعالى: { أية : ولا تبخسوا الناس أشياءهم } تفسير : [الأعراف: 85]. وقوله: {فإن كان عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً} السفيه هو مختلّ العقل، وتقدم بيانه عند قوله تعالى: { أية : سيقول السفهاء من الناس } تفسير : [البقرة: 142]. والضعيف الصغير، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : وله ذرية ضعفاء } تفسير : [البقرة: 266]. والذي لا يستطيع أن يملّ هو العاجز كمن به بَكَم وعمًى وصمَمٌ جميعاً. ووجه تأكيد الضمير المسْتتر في فعل يُملّ بالضمير البارز هو التمهيد لقوله: {فليملل} لئلا يتوهّم الناس أنّ عجزه يسقط عنه واجب الإشهاد عليه بما يستدينه، وكان الأولياء قبل الإسلام وفي صدره كبراء القرابة. والولي من له ولاية على السفيه والضعيف ومن لا يستطيع أن يملّ كالأب والوصيّ وعرفاء القبيلة، وفي حديث وفد هوازن: قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : لِيَرْفَعْ إلَيّ عُرفَاؤُكم أمْرُكم » تفسير : ، وكان ذلك في صدر الإسلام وفي الحقوق القَبَلِيَّةِ. ومعنى {بالعدل} أي بالحق. وهذا دليل على أنّ إقرار الوصي والمقدّم في حق المولّى عليه ماضٍ إذا ظهر سببه، وإنّما لم يعمل به المتأخّرون من الفقهاء سدّاً للذريعة خشية التواطؤ على إضاعة أموال الضعفاء. {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ}. عطف على {فاكتبوه}، وهو غيره وليس بياناً له إذ لو كان بياناً لما اقترن بالواو. فالمأمور به المتداينون شيآن: الكتابة، والإشهاد عليها. والمقصود من الكتابة ضبط صيغة التعاقد وشروطه وتذكر ذلك خشية النسيان. ومن أجل ذلك سمّاها الفقهاء ذُكْر الحق، وتسمّى عَقداً قال الحارث بن حلزة: شعر : حذر الجور والتطاخي وهل ينـ ـقض ما في المهارق الأهواء تفسير : قال تعالى: { أية : وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة } تفسير : [البقرة: 283]، فلم يجعل بين فقدان الكاتب وبين الرهن درجة وهي الشهادة بلا كتابة لأنّ قوله: { أية : ولم تجدوا كاتباً } تفسير : [البقرة: 283] صار في معنى ولم تجدوا شهادة، ولأجل هذا يجوز أن يكون الكاتب أحد الشاهدين. وإنّما جعَل القرآن كاتباً وشاهدين لندرة الجمع بين معرفة الكتابة وأهلية الشهادة. {واستشهدوا} بمعنى أشهدوا، فالسين والتاء فيه لمجرد التأكيد، ولك أن تجعلهما للطلب أي اطلبوا شهادة شاهدين، فيكون تكليفاً بالسعي للإشهاد وهو التكليف المتعلّق بصاحب الحق. ويكون قوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} تكليفاً لمن يَطلب منه صاحبُ الحق أن يَشهد عليهما ألاّ يمتنع. والشهادة حقيقتها الحضور والمشاهدة، والمراد بها هنا حضور خاص وهو حضور لأجل الاطّلاع على التداين، وهذا إطلاق معروف للشهادة على حضورٍ لمشاهدة تعاقدٍ بين متعاقدَيْن أو لسماعِ عقد من عاقد واحد مثل الطلاق والحُبس. وتطلق الشهادة أيضاً على الخبر الذي يخبر به صاحبه عن أمر حصل لقصد الاحتجاج به لمن يزعمه، والاحتجاج به على من ينكره، وهذا هو الوارد في قوله: { أية : ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } تفسير : [النور: 4]. وجَعَل المأمورَ به طلب الإشهاد لأنّه الذي في قدرة المكلّف وقد فهم السامع أنّ الغرض من طلب الإشهاد حصوله. ولهذا أمَرَ المستشهَدَ ــــــ بفتح الهاء ــــــ بعد ذلك بالامتثال فقال: {ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا}. والأمر في قوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} قيل للوجوب، وهو قول جمهور السلف، وقيل للندب، وهو قول جمهور الفقهاء المتأخرين: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وسيأتي عند قوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم}. وقوله: {من رجالكم} أي من رجال المسلمين، فحصل به شرطان: أنّهم رجال، وأنّهم ممّن يشملهم الضمير. وضمير جماعة المخاطبين مراد به المسلمون لقوله في طالعة هذه الأحكام {يأيها الذين آمنوا}. وأما الصبيّ فلم يعتبره الشرع لضعف عقله عن الإحاطة بمواقع الإشهاد ومداخل التهم. والرجل في أصل اللغة يفيد وصف الذكورة فخرجت الإناث، ويفيد البلوغ فخرج الصبيان، والضمير المضاف إليه أفاد وصف الإسلام. فأما الأنثى فيذكر حكمها بعد هذا، وأما الكافر فلأنّ اختلاف الدِّين يوجب التباعد في الأحوال والمعاشرات والآداب فلا تمكن الإحاطة بأحوال العدول والمرتابين من الفريقين، كيف وقد اشترط في تزكية المسلمين شدة المخالطة، ولأنّه قد عرف من غالب أهل الملل استخفاف المخالف في الدين بحقوق مخالفه، وذلك من تخليط الحقوق والجهل بواجبات الدين الإسلامي. فإنّ الأديان السالفة لم تتعرّض لاحترام حقوق المخالفين، فتوَهَم أَتْباعهم دحضها. وقد حكى الله عنهم أنّهم قالوا: «ليس علينا في الأمّيين سبيل». وهذه نصوص التوراة في مواضع كثيرة تنهى عن أشياء أو تأمر بأشياء وتخصّها ببني إسرائيل، وتسوغ مخالفة ذلك مع الغريب، ولم نر في دين من الأديان التصريحَ بالتسوية في الحقوق سوى دين الإسلام، فكيف نعتدّ بشهادة هؤلاء الذين يرون المسلمين مارقين عن دين الحق مناوئين لهم، ويرمون بذلك نبيئهم فمن دونه، فماذا يرجَى من هؤلاء أن يقولوا الحق لهم أو عليهم والنصْرانية تابعة لأحكام التوراة. على أنّ تجافي أهل الأديان أمر كان كالجبليّ فهذا الإسلام مع أمره المسلمين بالعدل مع أهل الذمة لا نرى منهم امتثالاً فيما يأمرهم به في شأنهم. وفي القرآن إيماء إلى هذه العلة «ذلك بأنّهم قالوا ليس علينا في الأمّيين سبيل». وفي «البخاري»، في حديث أبي قلابة في مجلس عمر بن عبد العزيز. وما روي عن سهل بن أبي حَثْمة الأنصاري: أنّ نفراً من قومه ذهبوا إلى خيبر فتفرّقوا بها، فوجدوا أحدهم قتيلاً، فقالوا للذين وجد فيهم القتيل أنتم قتلتم صاحبنا، قالوا ما قتلنا، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكَوْا إليه، فقال لهم: « حديث : تأتون بالبيّنة على من قتله » تفسير : ، قالوا: «ما لنا بيّنة»، قال: « حديث : فتحلف لكم يهودُ خمسين يميناً » تفسير : ، قالوا: «ما يُبالُون أن يقتلونا أجمعين ثم يحلفون»، فكرِه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُبطل دمَه ووَدَاه من مال الصدقة. فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم قولَ الأنصار في اليهود: إنّهم ما يبالون أن يقتلوا كل القوم ثم يحلفون. فإن قلت: كيف اعتدتّ الشريعة بيمين المدّعى عليه من الكفار، قلت: اعتدّت بها لأنّها أقصى ما يمكن في دفع الدعوى، فرأتْها الشريعة خيراً من إهمال الدعوى من أصلها. ولأجل هذا اتّفق علماء الإسلام على عدم قبول شهادة أهل الكتاب بين المسلمين في غير الوصية في السفر، واختلفوا في الإشهاد على الوصية في السفر، فقال ابن عباس ومجاهد وأبو موسى الأشعري وشريح بقبول شهادة غير المسلمين في الوصية في السفر، وقضى به أبو موسى الأشعري مدّة قضائه في الكُوفة، وهو قول أحمدَ وسفيانَ الثوري وجماعة من العلماء، وقال الجمهور: لا تجوز شهادة غير المسلمين على المسلمين ورأوا أنّ ما في آية الوصية منسوخ، وهو قول زيد بن أسلم ومالك وأبي حنيفة والشافعي، واختلفوا في شهادة بعضهم على بعض عند قاضي المسلمين فأجازها أبو حنيفة ناظراً في ذلك إلى انتفاء تهمة تساهلهم بحقوق المسلمين، وخالَفه الجمهور، والوجه أنّه يتعذّر لقاضي المسلمين معرفة أمانة بعضهم مع بعض وصدق أخبارهم كما قدمناه آنفاً. وظاهر الآية قبول شهادة العبد العدل وهو قول شريح وعثمان البَتِّي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وعن مجاهد: المراد الأحرار، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، والذي يظهر لي أنّ تخصيص العبيد من عموم الآية بالعرف وبالقياس، أما العرف فلأنّ غالب استعمال لفظ الرجل والرجال ألاّ يرد مُطلقاً إلاّ مراداً به الأحرار، يقولون: رجال القبيلة ورجال الحي، قال محكان التميمي: شعر : يا رَبَّةَ البيتِ قُومي غيرَ صاغِرة ضُمي إليكِ رِجَالَ الحَيِّ والغُرَبا تفسير : وأما القياس فلعدم الاعتداد بهم في المُجتمع لأنّ حالة الرقّ تقطعهم عن غير شؤون مالكيهم فلا يضبطون أحوال المعاملات غالباً؛ ولأنّهم ينشؤون على عدم العناية بالمروءة، فترك اعتبار شهادة العبد معلُول للمظنّة وفي النفس عدم انثلاج لِهذا التعليل. واشتُرط العددُ في الشاهد ولم يكتف بشهادة عدل واحد لأنّ الشهادة لما تعلّقت بحق معيّن لمعيّن اتّهم الشاهد باحتمال أن يتوسّل إليه الظالم الطالب لحق مزعوم فيحمله على تحريف الشهادة، فاحتيج إلى حيطة تدفع التهمة فاشترط فيه الإسلام وكفى به وازعاً، والعدالة لأنّها تزع من حيث الدين والمروءة، وزِيد انضمام ثانٍ إليه لاستبعاد أن يتواطأ كلا الشاهدين على الزور. فثبت بهذه الآية أنّ التعدّد شرط في الشهادة من حيث هي، بخلاف الرواية لانتفاء التهمة فيها إذ لا تتعلق بحقّ معيّن، ولهذا لو روَى راوٍ حديثاً هو حجة في قضية للراوي فيها حق لَمَا قُبلت روايتُه، وقد كلف عُمَرُ أبا موسى الأشعريّ أن يأتي بشاهد معه على أنّ رسول الله قال: « حديث : إذا استأذن أحدكم ثلاثاً ولم يؤذن له فليرجع » تفسير : إذ كان ذلك في ادّعاء أبي موسى أنّه لما لم يأذنْ له عُمَر في الثالثة رجَع، فشهد له أبو سعيد الخدْري في ملأ من الأنصار. والعدد هو اثنان في المعاملات المالية كما هنا. وقوله: {فإن لم يكونا رجلين} أي لم يكن الشاهدينِ رجلين، أي بحيث لم يحضر المعاملة رجلان بل حضر رجل واحد، فرجل وامرأتان يشهدان. فقوله: {فرجل وامرأتان} جواب الشرط، وهو جزء جملة حُذف خبرها لأنّ المقدر أنسب بالخبرية ــــــ ودليل المحذوف قوله: {واستشهدوا} ــــــ وقد فهم المحذوف فكيفما قدّرْتَه ساغ لك. وجيء في الآية بكان الناقصة مع التمكّن من أن يقال فإن لم يكنْ رجلان لئلاّ يتوهم منه أنّ شهادة المرأتين لا تقبل إلاّ عند تعذّر الرجلين كما توهّمه قوم، وهو خلاف قول الجمهور لأنّ مقصود الشارع التوسعة على المتعاملين. وفيه مرمى آخر وهو تعويدهم بإدخال المرأة في شؤون الحياة إذ كانت في الجاهلية لا تشترك في هذه الشؤون، فجعل الله المرأتين مقام الرجل الواحد وعلّل ذلك بقوله: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى}، وهذه حيطة أخرى من تحريف الشهادة وهي خشية الاشتباه والنسيانِ لأنّ المرأة أضعف من الرجل بأصل الجبلّة بحسب الغالب، والضلال هنا بمعنى النسيان. وقوله: {أن تضل} قرأه الجمهور بفتح همزة أنْ على أنّه محذوف منه لام التعليل كما هو الغالب في الكلام العربي مع أنْ، والتعليل في هذا الكلام ينصرف إلى ما يحتاج فيه إلى أن يُعلّل لقصد إقناع المكلّفين، إذ لا نجد في هذه الجملة حكماً قد لا تطمئنّ إليه النفوس إلاّ جعْلَ عوضِ الرجل الواحد بامرأتين اثنتين فصُرح بتعليله. واللام المقدرة قبل أنْ متعلقة بالخبر المحذوف في جملة جواب الشرط إذ التقدير فرجل وامرأتان يشهدان أو فليشهد رجل وامرأتان، وقرأوه بنصب {فتذكّر} عطفاً على {أن تضلّ}، وقرأه حمزة بكسر الهمزة على اعتبار إنْ شرطية وتضلّ فعل الشرط، وبرفع تذكرُ على أنّه خبر مبتدأ محذوف بعد الفاء لأنّ الفاء تؤذن بأنّ ما بعدها غير مجزوم والتقدير فهي تذكّرها الأخرى على نحو قوله تعالى: { أية : ومن عاد فينتقم الله منه } تفسير : [المائدة: 95]. ولما كان «أن تضلّ» في معنى لضلال إحداهما صارت العلّة في الظاهر هي الضلال، وليس كذلك بل العلّة هي ما يترتّب على الضلال من إضاعة المشهود به، فتفرّع عليه قوله: {فتذكر إحداهما الأخرى} لأنّ فتذكّر معطوف على تضلّ بفاء التعقيب فهو من تكملته، والعبرة بآخر الكلام كما قدمناه في قوله تعالى: { أية : أيودّ أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب } تفسير : [البقرة: 266]، ونظيره كما في «الكشاف» أن تقول: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعِّمَه، وأعددت السلاح أن يجيءَ عدوّ فأدْفَعَه. وفي هذا الاستعمال عدول عن الظاهر وهو أن يقال: أن تذكر إحداهما الأخرى عند نسيانها. ووجَّهه صاحب «الكشاف» بأنّ فيه دلالة على الاهتمام بشأن التذكير حتى صار المتكلم يعلّل بأسبابه المفضية إليه لأجل تحصيله. وادّعى ابن الحاجب في أماليه على هذه الآية بالقاهرة سنة ست عشرة وستمائة: أنّ من شأن لغة العرب إذا ذكروا علة ــــــ وكان للعلة علة ــــــ قَدّموا ذكر علة العلة وجعلوا العلة معطوفة عليها بالفاء لتحصل الدلالتان معاً بعبارة واحدة. ومثَّله بالمثال الذي مثَّل به «الكشاف»، وظاهر كلامه أنّ ذلك مُلتزم ولم أره لِغيره. والذي أراه أنّ سبب العدول في مثله أنّ العلة تارة تكون بسيطة كقولك: فعلت كذا إكراماً لك، وتارة تكون مركّبة من دفع ضُر وجلب نَفْع بدفعِه. فهنالك يأتي المتكلم في تعليله بما يدل على الأمرين في صورة علة واحدة إيجازاً في الكلام كما في الآية والمثالين. لأنّ المقصود من التعدد خشية حصول النسيان للمرأة المنفردة، فلذا أخِذ بقولها حَقُّ المشهود عليه وقُصد تذكير المرأة الثانية إياها، وهذا أحسن مما ذكره صاحب «الكشاف». وفي قوله: {فتذكر إحداهما الأخرى} إظهار في مقام الإضمار لأنّ مقتضى الظاهر أن يقول فتذكّرها الأخرى، وذلك أن الإحدى والأخرى وصفان مبهمان لا يتعيّن شخص المقصود بهما، فكيفما وضعتَهما في موضعي الفاعل والمفعول كان المعنى واحداً، فلو أضمر للإحدى ضمير المفعول لكان المعاد واضحاً سواء كان قوله أحداهما ـــ المظهر ـــ فاعلاً أو مفعولاً به، فلا يظنّ أن كَون لفظ إحداهما المظهر في الآية فاعلاً ينافي كونه إظهاراً في مقام الإضمار لأنّه لو أضمر لكان الضمير مفعولاً، والمفعول غير الفاعل كما قد ظنّه التفتازاني لأنّ المنظور إليه في اعتبار الإظهار في مقام الإضمار هو تأتي الإضمار مع اتّحاد المعنى. وهو موجود في الآية كما لا يخفى. ثم نكتة الإظهار هنا قد تحيّرت فيها أفكار المفسرين ولم يتعرّض لها المتقدمون، قال التفتازاني في «شرح الكشاف»: «ومما ينبغي أن يتعرض له وجه تكرير لفظ إحداهما، ولا خفاء في أنّه ليس من وضع المظهر موضع المضمر إذ ليست المذكِّرة هي الناسية إلاّ أن يجعل إحداهما الثانية في موقع المفعول، ولا يجوز ذلك لتقديم المفعول في موضع الإلباس، ويصح أن يقال: فتذكرها الأخرى، فلا بد للعدول من نكتة». وقال العصام في «حاشية البيضاوي» «نكتة التكرير أنّه كان فصل التركيب أن تذكّر إحداهما الأخرى إن ضلّت، فلما قدّم إن ضلّت وأبرز في معرض العلّة لم يصح الإضمار (أي لعدم تقدم إمعاد) ولم يصح أن تضلّ الأخرى لأنّه لا يحسن قبل ذكر إحداهما (أي لأنّ الأخرى لا يكون وصفاً إلاّ في مقابلة وصف مقابل مذكور) فأبدل بإحداهما (أي أبدل موقع لفظ لأخرى بلفظ إحداهما) ولم يغيّر ما هو أصل العلّة عن هيأته لأنّه كأن لم يقدم عليه، {أن تضلّ إحداهما} يعني فهذا وجه الإظهار. وقال الخفاجي في «حاشية التفسير» «قالوا: إنّ النكتة الإبهام لأنّ كل واحدة من المرأتين يجوز عليها ما يجوز على صاحبتها من الضلال والتذكير، فدخل الكلام في معنى العموم» يعني أنّه أظهر لئلاّ يتوهم أنّ إحدى المرأتين لا تكون إلاّ مذكِّرة الأخرى، فلا تكون شاهدة بالأصالة. وأصل هذا الجواب لشهاب الدين الغزنوي عصري الخفاجي عن سؤال وجّهه إليه الخفاجي، وهذا السؤال: شعر : يا رأس أهل العلوم السادةِ البرره ومَن نداه على كل الورى نَشَره ما سِرُّ تَكْرَار إحدَى دون تُذْكِرُها في آية لذوي الأشهاد في البقره وظاهر الحال إيجاز الضمير على تكرار إحداهما لو أنّه ذكره وحَمل الإحدى على نفس الشهادة في أولاهما ليس مرضياً لدى المهره فغُص بفكرك لاستخراج جوهره من بحر علمك ثم ابعث لنا درره تفسير : فأجاب الغزنوي: شعر : يا من فوائده بالعلم منتشره ومَن فضائله في الكون مشتهره تَضلَّ إحداهما فالقولُ محتمل كِلَيهما فهي للإظهار مفتقره ولو أتى بضمير كان مقتضيا تعيين واحدة للحكم معتبره ومن رَدَدْتُم عليه الحَلّ فهو كما أشرتُم ليس مرضيا لمن سبَره هذا الذي سمح الذهن الكليل به واللَّهُ أعلم في الفحوى بما ذكره تفسير : وقد أشار السؤال والجواب إلى ردّ على جواب لأبي القاسم المغربي في تفسيره؛ إذ جعل إحداهما الأولَ مراداً به إحدى الشهادتين، وجعل تضلّ بمعنى تتلف بالنسيان، وجعل إحداهما الثاني مراداً به إحدى المرأتين. ولما اختلف المدلول لم يبق إظهار في مقام الإضمار، وهو تكلّف وتشتيت للضمائر لا دليل عليه، فينزّه تخريج كلام الله عليه، وهو الذي عناه الغزنوي بقوله: «ومن رَدَدْتُم عليه الحَلّ إلخ». والذي أراه أنّ هذا الإظهار في مقام الإضمار لنكتة هي قصد استقلال الجملة بمدلولها كيلا تحتاج إلى كلام آخر فيه مَعاد الضمير لَو أضمر، وذلك يرشّح الجملة لأن تَجري مَجرى المثل. وكأنّ المراد هنا الإيماء إلى أنّ كلتا الجملتين علّة لمشروعية تعدّد المرأة في الشهادة، فالمرأة معرضة لتطرق النسيان إليها وقلة ضبط ما يهم ضبطه، والتعدد مظنّة لاختلاف مواد النقص والخلل، فعسى ألا تنسى إحداهما ما نسيته الأخرى. فقوله أن تضلّ تعليل لعدم الاكتفاء بالواحدة، وقوله: {فتذكر إحداهما الأخرى} تعليل لإشهاد امرأة ثانية حتى لا تبطل شهادة الأولى من أصلها. {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ}. عُطف {ولا يأب} على {واستشهدوا شهيدين} لأنّه لما أمر المتعاقدين باستشهاد شاهدين نَهى من يُطلب إشهاده عن أن يأبَى، ليتم المطلوب وهو الإشهاد. وإنما جيء في خطاب المتعاقدين بصيغة الأمر وجيء في خطاب الشهداء بصيغة النهي اهتماماً بما فيه التفريط. فإنّ المتعَاقدين يظنّ بهما إهمال الإشهاد فأمرا به، والشهود يظنّ بهم الامتناع فنهوا عنه، وكل يستلزم ضدّه. وتسمية المدعوِّينَ شهداء باعتبار الأوّل القريبِ، وهو المشارفة، وكأنَّ في ذلك نكتة عظيمة: وهي الإيماء إلى أنّهم بمجرّد دعوتهم إلى الإشهاد، قد تعيّنت عليهم الإجابة، فصاروا شهداء. وحذف معمول دُعوا إمّا لظهوره من قوله ــــــ قبله ــــــ {واستشهدوا شهيدين} أي إذا ما دعوا إلى الشهادة أي التحمّل، وهذا قول قتادة، والربيع بن سليمان، ونقل عن ابن عباس، فالنهي عن الإباية عند الدعاء إلى الشهادة حاصل بالأوْلى، ويجوز أن يكون حذف المعمول لقصد العموم، أي إذا ما دعوا للتحمّل والأداء معاً؛ قاله الحسن، وابن عباس، وقال مجاهد: إذا ما دعوا إلى الأداء خاصة، ولعلّ الذي حمله على ذلك هو قوله: {الشهداء} لأنّهم لا يكونون شهداء حقيقة إلاّ بعد التحمّل، ويبعده أنّ الله تعالى قال ــــــ بعد هذا ــــــ { أية : ولا تكتموا الشهادة } تفسير : [البقرة: 283] وذلك نهي عن الإباية عند الدعوة للأداء. والذي يظهر أنّ حذف المتعلِّق بفعل {دعوا} لإفادة شمول ما يُدعَون لأجله في التعاقد: من تحمّل، عند قصد الإشهاد، ومن أداء، عند الاحتياج إلى البيّنة. قال ابن الحاجب: «والتحمّل حيث يفتقر إليه فرض كفاية والأداء من نحو البريدين ــــــ إن كانا اثنين ــــــ فرضُ عين، ولا تحِلُّ إحالته على اليمين». والقول في مقتضى النهي هنا كالقول في قوله: {ولا يأب كاتب} ويظهر أنّ التحمّل يتعيّن بالتعيين من الإمام، أو بما يعينه، وكان الشأن أن يكون فرض عين إلاّ لِضرورة فينتقل المتعاقدان لآخر، وأما الأداء ففرض عين إن كان لا مضرة فيه على الشاهد في بدنه، أو ماله، وعند أبي حنيفة الأداء فرض كفاية إلاّ إذا تعيَّن عليه: بأن لا يوجد بَدَلُه، وإنّما يجب بشرط عدالة القاضي، وقرب المكان: بأن يرجع الشاهد إلى منزله في يومه، وعِلْمِه بأنّه تقبل شهادته، وطلب المدّعي. وفي هذه التعليقات ردّ بالشهادة إلى مختلف اجتهادات الشهود، وذلك باب من التأويلات لا ينبغي فتحه. قال القرطبي: «يؤخذ من هذه الآية أنّه يجوز للإمام أن يقيم للناس شهوداً، ويجعل لهم كفايتهم من بيت المال، فلا يكون لهم شغل إلاّ تحمل حقوق الناس حفظاً لها». قلت: وقد أحسن. قضاة تونس المتقدّمون، وأمراؤها، في تعيين شهود مُنتصبين للشهادة بين الناس، يؤخذون ممّن يقبلهم القضاة ويعرفونهم بالعدالة، وكذلك كان الأمر في الأندلس، وذلك من حسن النظر للأمة، ولم يكن ذلك متّبعاً في بلاد المشرق، بل كانوا يكتفون بشهرة عدالة بعض الفقهاء وضبطهم للشروط وكَتب الوثائق فيعتمدهم القضاة، ويكلون إليهم ما يجري في النوازِل من كتابة الدعوى والأحكام، وكان ممّا يعدّ في ترجمة بعض العلماء أن يقال: كان مقبولاً عند القاضي فلان. {وَلاَ تَسْـأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ}. تعميم في أكوان أو أحوال الديون المأمور بكتابتها، فالصغير والكبير هنا مَجازان في الحقير والجليل. والمعاملات الصغيرة أكثر من الكبيرة، فلذلك نُهوا عن السآمة هنا. والسآمة: الملل من تكرير فعلٍ مَّا. والخطاب للمتداينين أصالة، ويستتبع ذلك خطاب الكاتب: لأنّ المتداينين إذا دعواه للكتابة وجب عليه أن يكتب. والنهي عنها نهي عن أثرها، وهو ترك الكتابة، لأنّ السآمة تحصل للنفس من غير اختيار، فلا ينهى عنها في ذاتها، وقيل السآمة هنا كناية عن الكسل والتهاون. وانتصب صغيراً أو كبيراً على الحال من الضمير المنصوب بتكتبوه، أو على حذف كانَ مع اسمها. وتقديم الصغير على الكبير هنا، مع أنّ مقتضى الظاهر العكس، كتقديم السِنة على النوم في قوله تعالى: { أية : لا تأخذه سنة ولا نوم } تفسير : [البقرة: 255] لأنّه قصد هنا إلى التنصيص على العموم لدفع ما يطرأ من التوهّمات في قلة الاعتناء بالصغير، وهو أكثر، أو اعتقاد عدم وجوب كتابة الكبير، لو اقتصر في اللفظ على الصغير. وجملة {إلى أجله} حال من الضمير المنصوب بتكتبوه، أي مُغيَّى الدّينُ إلى أجله الذي تعاقدا عليه، والمراد التغيية في الكتابة. {ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ}. تصريح بالعلة لتشريع الأمر بالكتابة: بأنّ الكتابة فيها زيادة التوثّق، وهو أقسط أي أشدّ قسطاً، أي عدلاً، لأنّه أحفظ للحق، وأقوم للشهادة، أي أعون على إقامتها، وأقرب إلى نفي الريبة والشك، فهذه ثلاث علل، ويستخرج منها أنّ المقصد الشرعي أن تكون الشهادة في الحقوق بيّنة، واضحة، بعيدة عن الاحتمالات، والتوهّمات. واسم الإشارة عائد إلى جميع ما تقدم باعتبار أنّه مذكور، فلذلك أشير إليه باسم إشارة الواحد. وفي الآية حجّة لجواز تعليل الحكم الشرعي بعلل متعدّدة وهذا لا ينبغي الاختلاف فيه. واشتقاق {أقْسَطُ} من أقْسَطَ بمعنى عدل، وهو رباعي، وليس من قَسَط لأنّه بمعنى جَار، وكذا اشتقاق {أقْوَمُ} من أقام الشهادةَ إذا أظهرها جارٍ على قول سيبويه بجواز صوغ التفضيل والتعجّب من الرباعي المهموز، سواء كانت الهمزة للتعدية نحو أعطى أم لغير التعدية نحو أفْرط. وجوّز صاحب «الكشّاف» أن يكون أقسط مشتقاً من قاسط بمعنى ذي قسط أي صيغةِ نسب وهو مشكل، إذ ليس لهذه الزنة فعل. واستشكل أيضاً بأنّ صوغه من الجامد أشدّ من صوغه من الرباعي. والجواب عندي أنّ النسبَ هنا لما كان إلى المصدر شابَه المشتق: إذ المصدر أصل الاشتقاق، وأن يكون أقوم مشتقاً من قام الذي هو محوّل إلى وزن فَعُلَ ــــــ بضم العين ــــــ الدال على السجيّة، الذي يجيء منه قويم صفة مشبّهة. {إِلاَ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا}. استثناء من عموم الأحوال أو الأكوان في قوله: {صغيراً أو كبيراً}. وهو استثناء؛ قيل منقطع، لأنّ التجارة الحاضرة ليست من الدين في شيء، والتقدير: إلاّ كونَ تجارةٍ حاضرة. والحاضرة الناجزة، التي لا تأخير فيها، إذ الحاضر، والعاجل، والناجز: مترادفة. والدين، والأجل، والنّسيئة: مترادفة. وقوله: {تديرونها بينكم} بيان لجملةِ {أن تكون تجارة حاضرة} بل البيان في مثل هذا، أقرب منه في قول الشاعر ممّا أنشده ابن الأعرابي في نوادره، وقال العيني: ينسب إلى الفرزدق: شعر : إلى الله أشكُو بالمدينةِ حاجة وبالشَّام أخرى كيفَ يلتقيان تفسير : إذ جعل صاحب «الكشاف» كيفَ يلتقيان بياناً لحاجةٍ وأخرى، أو تجعل {تديرونها} صفة ثانية لتجارة في معنى البيان، ولعلّ فائدة ذكره الإيماءُ إلى تعليل الرخصة في ترك الكتابة، لأنّ إدارتها أغنت عن الكتابة. وقيل: الاستثناء متّصل، والمراد بالتجارة الحاضرة المؤجّلة إلى أجل قريب، فهي من جملة الديون، رخص فيها ترك الكتابة بها، وهذا بعيد. وقوله: {فليس عليكم جناح ألا تكتبوها} تصريح بمفهوم الاستثناء، مع ما في زيادة قوله: {جُناح} من الإشارة إلى أنّ هذا الحكم رخصة، لأنّ رفع الجناح مؤذن بأنّ الكتابة أولى وأحسن. وقرأ الجمهور تجارةٌ بالرفع: على أنّ تكونَ تامة، وقرأه عاصم بالنصب: على أنّ تكونَ ناقصة، وأنّ في فعل تكون ضميراً مستتراً عائداً على ما يفيده خبر كان، أي إلاّ أن تكون التجارةُ تجارةً حاضرة، كما في قول عَمّرو بن شاس -أنشده سيبويه -: شعر : بنِي أسد هل تعلمون بلاءَنَا إذَا كان يوماً ذَا كَوَاكِبَ أشْنَعا تفسير : تقديره إذا كان اليومُ يوماً ذا كواكب، وقوله: {ألا} أصله أن لا فرسم مدغماً. {وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ}. تشريع للإشهاد عند البيع ولو بغير دين إذا كان البيع غيرَ تجارة حاضرة، وهذا إكمال لصور المعاملة: فإنّها إمّا تداين، أو آيل إليه كالبيع بدين، وإمّا تناجز في تجارة، وإمّا تناجز في غير تجارة كبيع العقار والعروض في غير التجر. وقيل: المراد بتبايعتم التجارة، فتكون الرخصة في ترك الكتابة مع بقاء الإشهاد بدون كتابة، وهذا بعيد جداً، لأنّ الكتابة ما شُرعت إلاّ لأجل الإشهاد والتوثّق. وقوله تعالى: {وأشهدوا} أمر: قيل هو للوجوب، وهذا قول أبي موسى الأشعري، وابن عمر، وأبي سعيد الخُدْري، وسعيد بن المسيّب، ومجاهد، والضحّاك، وعطاء، وابن جريج، والنخعي، وجابر بن زيد، وداوود الظاهري، والطبري. وقد أشهد النبي صلى الله عليه وسلم على بيع عبد باعه للعَدّاء بن خالد بن هوذة، وكتَب في ذلك «باسم الله الرحمان الرحيم، هذا ما اشترى العَدّاء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله اشترى منه عبداً لا داءَ ولا غائلة ولا خِبثة بيعَ المُسلم للمُسلم» وقيل: هو للندب وذهب إليه من السلف الحسن، والشعبي، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وتمسّكوا بالسنّة: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم باع ولم يُشهد، قاله ابن العربي، وجوابه: أنّ ذلك في مواضع الائتمان، وسيجيء قوله تعالى: { أية : فإن أمن بعضكم بعضاً } تفسير : [البقرة: 283] الآية وقد تقدم ما لابن عطية في توجيه عدم الوجوب ورَدُّنا له عند قوله تعالى: {فاكتبوه}. {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ}. نهي عن المضارّة وهي تحتمل أن يكون الكاتب والشهيد مصدراً للإضرار، أو أن يكون المكتوب له والمشهود له مصدراً للإضرار: لأن يضارّ يحتمل البناء للمعلوم وللمجهول، ولعلّ اختيار هذه المادة هنا مقصود، لاحتمالها حكمين، ليكون الكلام موجّهاً فيحمل على كلا معنييه لعدم تنافيهما، وهذا من وجه الإعجاز. والمضارّة: إدخال الضرّ بأن يوقع المتعاقدان الشاهدين والكاتب في الحَرج والخسارة، أو ما يجر إلى العقوبة، وأن يوقع الشاهدان أحدَ المتعاقدين في إضاعة حق أو تعب في الإجابة إلى الشهادة. وقد أخذ فقهاؤنا من هاته الآية أحكاماً كثيرة تتفرّع عن الإضرار: منها ركوب الشاهد من المسافة البعيدة، ومنها ترك استفساره بعد المدة الطويلة التي هي مظنّة النسيان، ومنها استفساره استفساراً يوقعه في الاضطراب، ويؤخذ منها أنّه ينبغي لولاة الأمور جعل جانب من مال بيت المال لدفع مصاريف انتقال الشهود وإقامتهم في غير بلدهم وتعويض ما سينالهم من ذلك الانتقالِ من الخسائر المالية في إضاعة عائلاتهم، إعانة على إقامة العدل بقدر الطاقة والسعة. وقوله تعالى: {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} حذف مفعول تفعلوا وهو معلوم، لأنّه الإضرارُ المستفاد من لا يضارّ مثلُ «اعدلوا هو أقرب» والفسوق: الإثم العظيم، قال تعالى: { أية : بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } تفسير : [الحجرات: 11]. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. أمر بالتّقوى لأنّها مِلاك الخير، وبها يكون ترك الفسوق. وقوله: {ويعلمكم الله} تذكير بنعمة الإسلام، الذي أخرجهم من الجهالة إلى العلم بالشريعة، ونظام العالم، وهو أكبر العلوم وأنفعها، ووعدٌ بدوام ذلك لأنّه جيء فيه بالمضارع، وفي عطفه على الأمر بالتقوى إيماء إلى أنّ التقوى سبب إفاضة العلوم، حتى قيل: إنّ الواو فيه للتعليل أي ليعلّمكم. وجعله بعضهم من معاني الواو، وليس بصحيح. وإظهار اسم الجلالة في الجمل الثلاث: لقصد التنويه بكلّ جملة منها حتى تكون مستقلّة الدلالةِ، غيرَ محتاجة إلى غيرها المشتمل على معادِ ضميرها، حتى إذا سمع السامع كلّ واحدة منها حصل له علم مستقلّ، وقد لا يسمع إحداها فلا يضرّه ذلك في فهم أخراها، ونظير هذا الإظهار قول الحماسي: شعر : اللُّؤْمُ أكْرَمُ من وَبْرٍ ووالدِهِ واللؤمُ أكرَمُ من وَبْرٍ ومَا وَلَدا واللؤم داءٌ لوَبْرٍ يُقْتَلُونَ به لا يُقْتَلُونَ بدَاءٍ غيرِه أبدا تفسير : فإنّه لما قصد التشنيع بالقبيلة ومَنْ وَلَدَها، ومَا ولدته، أظهر اللّؤم في الجمل الثلاث ولما كانت الجملة الرابعة كالتأكيد للثالثة لم يظهر اسم اللؤم بها. هذا، ولإظهار اسم الجلالة نكتة أخرى وهي التهويل. وللتكرير مواقع يحسن فيها، ومواقع لا يحسن فيها، قال الشيخ في «دلائل الإعجاز»، في الخاتمة التي ذكر فيها أنّ الذوق قد يدرك أشياء لا يُهتدى لأسبابها، وأنّ بعض الأئمة قد يعرض له الخطأ في التأويل: «ومن ذلك ما حكي عن الصاحب أنّه قال: كان الأستاذ ابن العميد يختار من شعر ابن الرومي وينقط على ما يختاره، قال الصاحب فدفع إليّ القصيدة التي أولها: شعر : أتَحْتَ ضلوعي جمرةٌ تتوقّد على ما مضى أم حسْرة تتجدّد تفسير : وقال لي: تأمّلها، فتأمَّلتها فوجدته قد ترك خير بيت فيها لم ينقِّط عليه وهو قوله: شعر : بجَهْلٍ كجهل السيفِ والسيفُ منتضًى وحِلْممٍ كحلم السيف والسيفُ مُغْمَدُ تفسير : فقلت: لِمَ تركَ الأستاذُ هذا البيت؟ فقال: لعلّ القلم تجاوزه، ثم رآني من بعد فاعتذر بعذر كان شرّاً من تركه؛ فقال: إنّما تركته لأنّه أعادَ السيف أربع مرات، قال الصاحب: لو لم يعده لفسد البيت، قال الشيخ عبد القاهر: والأمر كما قال الصاحب ــــــ ثم قال ــــــ قاله أبو يعقوب: إنّ الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والتكشيف لأجل ذلك كان لإعادة اللفظ في قوله تعالى: { أية : وبالحق أنزلته وبالحق نزل } تفسير : [الإسراء: 105] وقوله: { أية : قل هو الله أحد، الله الصمد } تفسير : [الصمد: 1، 2] عَمَل لولاه لم يكن. وقال الراغب: قد استكرهوا التكرير في قوله: شعر : فما للنَّوى جُذّ النَّوى قُطِع النَّوَى تفسير : حتى قيل: لو سلّط بعير على هذا البيت لرَعى ما فيه من النَّوى، ثم قال: إنّ التكرير المستحسن هو تكرير يقع على طريق التعظيم، أو التحقير، في جمل متواليات كلّ جملة منها مستقلة بنفسها، والمستقبح هو أن يكون التكرير في جملة واحدة أو في جمل في معنى، ولم يكن فيه معنى التعظيم والتحقير، فالراغب موافق للأستاذ ابن العميد، وعبدُ القاهر موافقٌ للصاحب بن عباد، قال المرزوقي في شرح الحماسة عند قول يحيى بن زياد: شعر : لَمَّا رَأيتُ الشيبَ لاح بياضُه بمَفرِقِ رأسي قُلتُ للشيب مرحبا تفسير : «كان الواجب أن يقول: قلت له مرحباً، لكنّهم يكرّرون الأعلام وأسماءَ الأجناس كثيراً والقصد بالتكرير التفخيم». واعلم أنّه ليس التكرير بمقصور على التعظيم بل مقامه كلّ مقام يراد منه تسجيل انتساب الفعل إلى صاحب الاسم المكرّر، كما تقدّم في بيتي الحماسة: «اللؤم أكرم من وبر» إلخ. وقد وقع التكرير متعاقباً في قوله تعالى في سورة آل عمران (78): { أية : وإن منهم لفريقاً يلون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون }.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ}. ظاهر هذه الآية الكريمة أن كتابة الدين واجبة. لأن الأمر من الله يدل على الوجوب - ولكنه أشار إلى أنه أمر إرشاد لا إيجاب بقوله: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283] لأن الرهن لا يجب إجماعاً وهو بدل من الكتابة عند تعذرها في الآية فلو كانت الكتابة واجبة لكان بدلها واجباً. وصرح بعدم الوجوب بقوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283] فالتحقيق أن الأمر في قوله: {فَٱكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] للندب والإرشاد. لأن لرب الدين أن يهبه ويتركه إجماعاً، فالندب إلى الكتابة فيه إنما هو على جهة الحيطة للناس قاله القرطبي. وقال بعضهم: إن أشهدت فحزم، وإن ائتمنت ففي حل وسعة ابن عطية، وهذا القول هو الصحيح قاله القرطبي أيضاً. وقال الشعبي: كانوا يرون أن قوله: {فَإِنْ أَمِنَ} [البقرة: 283] الآية ناسخ لأمره بالكتب، وحكى نحوه ابن جريج، وقاله ابن زيد، وروي عن أبي سعيد الخدري وذهب الربيع إلى أن ذلك واجب بهذه الألفاظ ثم خففه الله تعالى بقوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً} [البقرة: 283] وتمسك جماعة بظاهر الأمر في قوله {فَٱكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] فقالوا: إن كتب الدين واجب فرض بهذه الآية بيعاً كان أو فرضاً. لئلا يقع فيه نسيان أو جحود وهو اختيار ابن جرير الطبري في تفسيره. وقال ابن جريج: من أدان فليكتب ومن باع فليشهد اهـ من القرطبي وسيأتي له زيادة بيان إن شاء الله قريباً. تنبيه: أخذ بعض العلماء من قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ} [البقرة: 283] الآية. أن الرهن لا يكون مشروعاً إلا في السفر كما قاله مجاهد والضحاك وداود والتحقيق جوازه في الحضر. وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير. وفي الصحيحين أنها درع من حديد. وروى البخاري وأحمد والنسائي وابن ماجه عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم رهن درعاً عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيراً لأهله. ولأحمد والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس مثل حديث عائشة فدل الحديث الصحيح على أن قوله: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ} [البقرة: 283] لا مفهوم مخالفة له. لأنه جرى على المر الغالب، إذ الغالب أن الكاتب لا يتعذر في الحضر وإنما يتعذر غالباً في السفر، والجري على الغالب من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كما ذكرناه في هذا الكتاب مراراً والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}. ظاهر هذا الأمر الوجوب أيضاً فيجب على من باع أن يشهد وبهذا قال أبو موسى الأشعري: وابن عمر والضحاك وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد ومجاهد وداود بن علي وابنه أبو بكر وعطاء وإبراهيم قاله القرطبي وانتصر له ابن جرير الطبري غاية الانتصار وصرح بأن من لم يشهد مخالف لكتاب الله وجمهور العلماء على أن الإشهاد على المبايعة وكتابة الدين أمر مندوب إليه لا واجب ويدل لذلك قوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً} الآية. وقال ابن العربي المالكي: إن هذا قول الكافة قال: وهو الصحيح ولم يحك عن أحد ممن قال بالوجوب إلا الضحاك قال: وقد باع النَّبي صلى الله عليه وسلم وكتب قال: ونسخة كتابه بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى منه عبداً أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم للمسلم. وقد باع ولم يشهد واشترى ورهن درعه عند يهودي ولم يشهد، ولو كان الإشهاد أمراً واجباً لوجب مع الرهن لخوف المنازعة اهـ. قال القرطبي بعد أن ساق كلام ابن العربي هذا ما نصه قلت: وقد ذكرنا الوجوب عن غير الضحاك وحديث العداء هذا أخرجه الدارقطني وأبو داود وكان إسلامه بعد الفتح وحنين، وهو القائل: قاتلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلم يظهرنا الله ولم ينصرنا. ثم أسلم فحسن إسلامه. ذكره أبو عمر وذكر حديثه هذا. وقال في آخره: قال الأصمعي: سألت سعيد بن أبي عروبة عن الغائلة فقال: الإباق والسرقة والزنا وسألته عن الخبثة فقال: بيع أهل عهد المسلمين. وقال الإمام أبو محمد بن عطية: والوجوب في ذلك قلق أما في الوثائق فصعب شاق وأما ما كثر فربما يقصد التاجر الاستئلاف بترك الإشهاد. وقد يكون عادة في بعض البلاد. وقد يستحي من العالم والرجل الكبير الموقر فلا يشهد عليه فيدخل ذلك كله في الائتمان ويبقى الأمر بالإشهاد ندباً لما فيه من المصلحة في الأغلب ما لم يقع عذر يمنع منه كما ذكرنا، وحكى المهدوي والنحاس ومكي عن قوم أنهم قالوا: {وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] منسوخ بقوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً} [البقرة: 283] وأسنده النحاس عن أبي سعيد الخدري وأنه تلا {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ} البقرة: 282] إلى قوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283] قال: نسخت هذه الآية ما قبلها. قال النحاس: وهذا قول الحسن والحكم وعبد الرحمن بن زيد. قال الطبري: وهذا لا معنى له. لأن هذا حكم غير الأول وإنما هذا حكم من لم يجد كاتباً. قال الله عز وجل: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً} [البقرة: 283] أي: فلم يطالبه برهن - {فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283] قال: ولو جاز أن يكون هذا ناسخاً للأول، لجاز أن يكون قوله عز وجل {أية : وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ} تفسير : [النساء: 43] الآية. ناسخاً لقوله عز وجل {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} تفسير : [المائدة:6] الآية. ولجاز أن يكون قوله عز وجل {أية : فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ}تفسير : [النساء:92] ناسخاً لقوله عز وجل {أية : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} تفسير : [النساء: 92]. وقال بعض العلماء: إن قوله تعالى {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً} [البقرة: 283] لم يتبين بآخر نزوله عن صدر الآية المشتملة على الأمر بالإشهاد بل وردا معاً ولا يجوز أن يرد الناسخ والمنسوخ معاً جميعاً في حالة واحدة، قال: وقد روي عن ابن عباس أنه قال لما قيل له إن آية الدين منسوخة قال: لا والله إن آية الدين محكمة ليس فيها نسخ، قال: والإشهاد إنما جعل للطمأنينة وذلك أن الله تعالى جعل لتوثيق الدين طرقاً منها الكتاب ومنها الرهن ومنها الإشهاد ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الوجوب فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد، وما زال الناس يتبايعون حضراً وسفراً وبراً وبحراً وسهلاً وجبلاً من غير إشهاد مع علم الناس بذلك من غير نكير. ولو وجب الإشهاد ما تركوا النكير على تاركه، قلت: هذا كله استدلال حسن وأحسن منه ما جاء من صريح السنة في ترك الإشهاد وهو ما أخرجه الدارقطني عن طارق بن عبد الله المحاربي رضي الله عنه قال: أقبلنا في ركب من الربذة وجنوب الربذة حتى نزلنا قريباً من المدينة ومعنا ظعينة لنا، فبينما نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان فسلم فرددنا عليه فقال: من أين القوم؟ فقلنا: من الربذة وجنوب الربذة قال: ومعنا جمل أحمر فقال: تبيعوني جملكم هذا؟ فقلنا: نعم قال: بكم؟ قلنا: بكذا وكذا صاعاً من تمر. قال: فما استوضعنا شيئاً وقال: قد أخذته، ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة فتوارى عنا فتلاومنا بيننا وقلنا: أعطيتم جملكم من لا تعرفونه، فقالت الظعينة: لا تلاوموا فقد رأيت وجه رجل ما كان ليخفركم. ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه فلما كان العشاء أتانا رجل، فقال السلام عليكم أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم وإنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا وتكتالوا حتى تستوفوا قال: فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا حتى استوفينا. وذكر الحديث الزهري عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه وهو من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرساً من أعرابي الحديث. وفيه فطفق الأعرابي يقول: هلم شاهداً يشهد أني بعتك قال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك بعته، فأقبل النَّبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال: بم تشهد؟ قال: بتصديقك يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين. أخرجه النسائي، وغيره اهـ من القرطبي بلفظه. قال مقيده - عفا الله عنه - وفميا نقلنا الدلالة الواضحة على أن الإشهاد والكتابة مندوب إليهما لا فرضان واجبان كما قاله ابن جرير وغيره، ولم يبين الله تعالى في هذه الآية أعني: قوله جلا وعلا {وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] وقوله: {أية : وَأَشْهِدُوۤاْ ذَوَى عَدْلٍ مِّنْكُمْ} تفسير : [الطلاق: 2]. وقد تقرر في الأصول أن المطلق يحمل على المقيد كما بيناه في غير هذا الموضع.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 282- يا أيها الذين آمنوا إذا داين بعضكم بعضا بَدْينٍ مؤجل إلى أجل، ينبغى أن يكون الأجل معلوماً، فاكتبوه حفظاً للحقوق تفادياً للنزاع، وعلى الكاتب أن يكون عادلا فى كتابته، ولا يمتنع عن الكتابة، شكراً لله الذى علمه ما لم يكن يعلم، فليكتب ذلك الدين حسب اعتراف المدين وعلى المدين أن يخشى ربه فلا ينقص من الدين شيئاً، فإن كان المدين لا يحسن التصرف ولا يقدر الأمور تقديراً حسناً، أو كان ضعيفاً لصغر أو مرض أو شيخوخة، أو كان لا يستطيع الإملاء لخرس أو عقدة لسان أو جهل بلغة الوثيقة، فَلْيُنِبْ عنه وليه الذى عينه الشرع أو الحاكم، أو اختاره هو فى إملاء الدين على الكاتب بالعدل التام. وأشهدوا على ذلك الدين شاهدين من رجالكم، فإن لم يوجدا فليشهد رجل وامرأتان تشهدان معاً لتؤديا الشهادة معاً عند الإنكار، حتى إذا نسيت إحداهما ذكرتها الأخرى، ولا يجوز الامتناع عن أداء الشهادة إذا ما طُلب الشهود، ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً كان أو كبيراً ما دام مؤجلا لأن ذلك أعدل فى شريعة الله وأقوى فى الدلالة على صحة الشهادة، وأقرب إلى درء الشكوك بينكم، إلا إذا كان التعامل على سبيل التجارة الحاضرة، تتعاملون بها بينكم، فلا مانع من ترك الكتابة إذ لا ضرورة إليها. ويطلب منكم أن تشهدوا على المبايعة حسماً للنزاع، وتفادوا أن يلحق أى ضرر بكاتب أو شاهد، فذلك خروج على طاعة الله، وخافوا الله واستحضروا هيبته فى أوامره ونواهيه، فإن ذلك يلزم قلوبكم الإنصاف والعدالة، والله يبين ما لكم وما عليكم، وهو بكل شئ - من أعمالكم وغيرها - عليم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: تداينتم: داين بعضكم بعضا في شراء أو بيع أو سَلّم أو قرض. إلى أجل مسمى: وقت محدد بالأيام أو الشهور أو الأعوام. بالعدل: بلا زيادة ولا نقصان ولا غش أو احتيال بل بالحق والإِنصاف. ولا يأب: لا يمتنع الذي يحسن الكتابة أن يكتب. وليملل الذي عليه الحق: لأن إملاءه اعتراف منه وإقرار بالذي عليه من الحق. ولا يبخس منه شيئا: لا ينقص من الدين الذي عليه شيء ولو قل كفلس وليذكره كله. سفيهاً أو ضعيفاً: السفيه: الذي لا يحسن التصرفات المالية، والضعيف: العاجز عن الإِملاء كالأخرس، أو الشيخ الهرم. وليّه: من يلي أمره ويتولى شؤونه لعجزه وقصوره. من رجالكم: أي المسلمين الأحرار دون العبيد والكفار. أن تضل إحداهما: تنسى أو تخطىء لقصر إدراكها. ولا تسأموا: لا تضجروا أو تملّوا من الكتابة ولو كان الدين صغيراً مبلغه. أقسط عند الله: أعدل في حكم الله وشرعه. وأقوم للشهادة: أثبت لها وأكثر تقريراً لأن الكتابة لا تنسى والشهادة تنسى أو يموت الشاهد أو يغيب. وأدنى أن لا ترتابوا: أقرب أن لا تشكوّا بخلاف الشهادة بدون كتابة. تديرونها بينكم: أي تتعاطونها، البائع يعطي البضاعة والمشتري يعطي النقود فلا حاجة إلى كتابتها ولا حرج أو إثم يترتب عليها. وأشهدوا إذا تبايعتم: إذا باع أحدٌ أحداً داراً أو بستاناً أو حيواناً يشهد على ذلك البيع. ولا يضار كاتب ولا شهيد: بأن يكلف مالا يقدر عليه بأن يُدْعى ليشهد في مكان بعيد يشق عليه أو يطلب إليه أن يكتب زوراً أو يشهد به. فسوق بكم: أي خروج عن طاعة ربكم لاحق بكم إثمه وعليكم تبعته يوم القيامة. اتقوا الله: في أوامره فافعلوها، وفي نواهيه فاتركوها، وكما علمكم هذا يعلمكم كل ما تحتاجون فاحمدوه بألسنتكم واشكروه بأعمالكم، وسيجزيكم بها وهو بكل شيء عليم. معنى الآية الكريمة: لما حث تعالى على الصدقات، وحرم الربا، ودعا إلى العفو على المعسر، والتصدّق عليه بإسقاط الدين الأمر الذي قد يتبادر الى الذهن أنّ المال لا شأن له ولا قيمة في الحياة فجاءت هذه الآية، آية الدين الكريمة لتعطي للمال حقَّه، وترفع من شأنه فإنه قوام الحياة فقررت واجب الحفاظ عليه، وذلك بكتابة الديون، والإِشهاد عليها بمن ترضى عدالتهم، وكون الشهود رجلين مسلمين حرّين، فإن انعدم رجل من الاثنين قامت إمرأتان مقامه، واستحث الله تعالى من يحسن الكتابة أن يكتب إذا كان في سعة من أمره، وحرم على الشهود إذا ما دُعوا لأداء الشهادة أن يتخَّلْوا عنها، وحرم على المتداينين أن لا يكتبوا ديونهم ولو كانت صغيرة قليلة فقال تعالى: {وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ} ورخص تعالى رحمةً منه في عدم كتابة التجارة الحاضرة التي يدفع فيها السلعة في المجلس، ويقبض الثمن فيه فقال: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا..} وأمر بالإِشهاد عل البيع فقال: {وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ..} ونهى عن الإِضرار بالكاتب، أو الشهيد، بأن يلزم الكاتب أن يكتب إذا كان في شغله، أو الشاهد بأن يطلب منه أن يشهد وهو كذلك في شغله، أو أن يُدْعى إلى مسافات بعيدة تشُقْ عليه إذ أمره تطوع، وفعل خير لا غير فليطلب كاتب وشاهد غيرهما إذا تعذر ذلك منهما لانشغالهما. وحذَّر من كتمان الشهادة أو الحيف والجَوْر في الكتابة، والإِضرار بالكاتب والشهيد فقال: {وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ..} وأكَّد ذلك بأمره بتقواه فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ..} بامتثال أمره، ونهيه لتَكْمُلُوا وتسعدوا وكما علمكم هذا العلم النافع ما زال يعلمكم وهو بكل شيء عليم. هذا معنى الآية الكريمة: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ..}. هداية الآية من هداية الآية: 1- وجوب كتابة الديون سواءٌ كانت بيعاً، أو شراء، أو سلفاً، أو قرضاً هذا ما قرره ابن جرير، ورد القول بالإرشاد والندب. 2- رعاية النعمة بشكرها لقوله تعالى للكاتب: كما علمه الله فليكتب إذ علمه الكتابة وحرم غيره منها. 3- جواز النيابة في الإِملاء لعجز عنه، وعدم قدرته عليه. 4- وجوب العدل والإِنصاف في كل شيء لا سيما في كتابة الديون المستحقة المؤجلة. 5-وجوب الإِشهاد على الكتابة لتأكّدها به، وعدم نسيان قدْر الدّين وأجله. 6- شهود المال لا يَقِلُّون عن رجلين عدلين من الأحرار المسلمين لا غير، والمرأتان المسلمتان اللتان فرض شهادتهما تقومان مقام الرجل الواحد. 7- الحرص على كتابة الديون والعزم على ذلك ولو كان الدين صغيراً تافهاً. 8- الرخصة في عدم كتابة التجارة الحاضرة السلعة والثمن المدارة بين البائع والمشتري. 9- وجوب الإِشهاد على بيع العقارات والمزارع والمصانع مما هو ذو بال. 10- حرمة الإِضرار بالكاتب والشهيد. 11- تقوى الله تعالى تسبب العلم، وتُكْسِب المعرفة بإذن الله تعالى.

القطان

تفسير : أجل مسمى: موعد محدد. وليملل: الاملال والاملاء واحد، أملّ وأملى بمعنى واحد. لا يبخس: لا ينقص. السفيه: ضعيف الرأي. الضعيف: الصبي الصغير، أو الشيخ الهرم. شهيدين: شاهدين. لا تسأموا: لا تملوا وتضجروا, أقسط: أعدل. رهان: جمع رهن. يا أيها الذين آمنوا اذا داين بعضكم بعضاً بدين مؤجل الى وقت معلوم فيجب عليكم ان تكتبوه حفظاً للحقوق، وتفاديا للنزاع. وعلى الكاتب ان يكون عادلاً في كتابته، ولا يجوز له ان يمتنع عن الكتابة كما علّمه الله. اذن لقد شرط الله في الكاتب العدالة، كما شرط فيه ان يكون عالما بأحكام الفقه وكتابة الدَّين, وعليه ان يكتب حسب اعتراف المدين. وعلى المدين ان يتقي الله ولا يُنقص من الدين شيئا. فان كان المدين لا يقدّر الأمور تقديراً حسنا، أو ضعيفا لصغر سنه أو مرض شيخوخة، أو لا يستطيع الإملاء لخرسٍ أو جهل بلغةِ الوثيقة ـ فعلى من يتولى أموره (من وكيل أو قيم أو مترجم) ان يملي بالعدل بلا زيادة ولا نقصان. واشهدوا على ذلك الدَّين من رجالكم، فان لم تجدوا شاهدَين، فاشهدوا رجلاً وامرأتين عدولاً، حتى اذا نسيت احداهما ذكّرتها الاخرى. ولا يجوز الامتناع عن أداء الشهادة اذا ما طُلب من الشهود. ولا تتكاسلوا عن كتابة الدين قليلا كان أو كثيراً، ولا من ان تبيّنوا أجله المعيّن.. فالكتابة المستوفية الشروط أحفظ لحقوق الناس، وأحرى باقامة العدل بين المتعاملين منكم، وأعونُ على اقامة الشهادة. ان هذا أقرب الى درء الشكوك بينكم. اما في حال تجارة حاضرة تدار بين المتعاملين فلا حرج في ترك الكتابة، اذ لا يترتب عليه شيء من التنازع والتخاصم. وأشهدوا في التبايع في التجارة الحاضرة حسماً للنزاع. وتفادوا ان يلحق ضرر بكاتب أو شاهد، فذلك خروج على طاعة الله. واتقوا الله في جميع ما أمركم الله به ونهاكم عنه، فهو سبحانه يعلّمكم ما فيه صلاح حالكم في الدارّين، وهو العليم بكل شيء. وإن كنتم مسافرين، ولم تجدوا من يحسن الكتابة فليكن ضمان الدَّين شيئاً من الرهن يأخذه الدائن من المدين. فان كان الدائن يأمن المدين فلم يأخذ منه رهناً لحسن ظنه به ـ فليؤدِّ الذي اؤتمن أمانته ويؤكّد حسن ظن الدائن. واذا دُعيتم الى الشهادة فلا تكتموها، ان ذلك إثم كبير، والله مطلع عليكم وهو خير الشاهدين. هذه آية الدَّين قد قررت مبادىء الإثبات: الكتابة، وأن القضاء لا يكون بأقل من شاهدين عدلين أو رجل وامرأتين، وأنه يختص بالكتابة كاتب عدل، ووجوب الإشهاد على الكتابة، وأنه يستغنى عن ذلك اذا كانت المعاملات متبادلة في ساعتها غير مؤجلة، ووجوب الولاية على من لا يحسنون التصرف، وانه عند السفر يغني الرهن المقبوض عن الكتابة. قراءات: قرأ حمزة "إن تضل" ان شرطية جازمة "فتذكر" وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب "فتذكر" من اذكر الرباعي. وقرأ عاصم "تجارة" بالنصب والباقون بالرفع. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "فرُهُن"جمع رهن.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُوۤاْ} {ْإِحْدَاهُمَا} {تَسْأَمُوۤاْ} {لِلشَّهَادَةِ} {تِجَارَةً} (282) - يُرْشِدُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ إذا تَعَامَلُوا بِمُعَامَلات مُؤَجَّلَةٍ فَإنَّ عَلَيهِمْ أنْ يَكْتُبُوها، لِيَكُونَ ذَلِكَ أحْفَظَ لِمِقْدارِهَا وَمِيقَاتِهَا، وَأضْبَطَ لِلشَّهَادَةِ فِيها، وَلْيَكْتُبْ بَيْنَهُمْ كَاتِبٌ بِالقْسِطِ وَالحَقِّ (بِالعدْلِ)، وَلاَ يَجُرْ فِي كِتَابَتِهِ عَلَى أحدٍ، وَلاَ يَكْتُبْ إلاّ مَا اتَّفَقُوا عَلَيهِ مِنْ دُونِ زِيادةٍ وَلاَ نُقْصَانٍ. وَعَلَى مَنْ يَعْرِفُ الكِتَابَةَ أنْ لاَ يَمْتَنِعَ عَنِ الكِتَابَةِ إذا مَا سُئِلَ الكِتَابَةَ لِلنَّاسِ، وَلاَ ضَرَرَ عَلَيهِ فِي ذَلِكَ، فَكَمَا عَلَّمَهُ اللهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ فَلْيَتَصَدَّقْ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لاَ يُحْسِنُ الكِتَابَةَ. وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: (حديث : مَنْ كَتَمَ عِلْماً يَعْلَمُهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ ). تفسير : وَلْيُمْلِلِ الذِي عَليهِ الدَّيْنُ عَلَى الكَاتِبِ مُقِرّاً بِمَا فِي ذِمَّتِهِ مِنَ الدَّيْنِ، لِيَكُونَ إمْلاَلُهُ حُجَّةً عَليهِ تَحْفَظُهَا الكِتَابَةُ، وَلْيَتَّقِ اللهَ فِي ذَلِكَ، وَلاَ يَكْتُمْ مِنْهُ شَيْئاً وَلاَ يُنْقِصْ (لاَ يَبْخَسْ). أمَّا إذا كَانَ المَدِينُ سَفِيهاً مَحْجُوراً عَلَيهِ لِتَبْذِيرِهِ، أوْ كَانَ ضَعِيفاً أيْ صَغِيراً أوْ مَجْنُوناً، أوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أنْ يُقَرِّرَ وَيُمْلِيَ عَلَى الكَاتِبِ لِعِيٍّ أوْ لِجَهْلٍ ... فَلْيَتَوَلَّ ذَلِكَ وَلِيُّهُ بِالعَدْلِ. وَاسْتَشْهِدُوا شَاهِدَينِ زِيَادَةً فِي الاسْتِيثَاقِ: رَجُلَينِ أوْ رَجُلاً وامْرَأتينِ مِنَ الشُّهُودِ العُدُولِ الذِينَ تَرْضَوْنَ شَهَادَتَهُمْ. وَإذَا دُعِيَ الشُّهُودُ لأَِدَاءِ الشَّهَادَةِ فَعَلَيْهِمْ ألاَّ يَمْتَنِعُوا. وَيَحُثُّ اللهُ المُؤْمِنينَ عَلَى عَدَمِ إهْمَالِ الكِتَابَةِ فِي الدَّين، صَغِيراً كَانَ أوْ كَبِيراً، لأنَّ ذَلِكَ أعْدَلُ عِنْدَ اللهِ (أَقْسَطُ) وَأَثْبَتُ لِلشَّهَادَةِ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ حِينَ يَضَعُ خَطَّهُ عَلَى السَّنَدِ ثُمَّ يَرَاهُ فَيَذْكُرُ الشَّهَادَةَ، وَهُوَ أقرَبُ إلى عَدَمِ الرِّيِبَةِ إذْ تَرْجِعُونَ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلى الكِتَابَةِ وَمَا جَاءَ فِيهَا. أمَّا إذا كَانَ البَيْعُ بِالحَاضِرِ يَداً بِيَدٍ (تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا) فَلاَ بأسَ فِي تَرْكِ الكِتَابَةِ، لاِنْتِفَاءِ المَحْذُورِ في تَرْكِهَا. وَلاَ يَجُوزُ أنْ يَلْحَقَ ضَرَرٌ بَالكَاتِبِ أوْ بِالشَّاهِدِ لِمَا يَقُومَانِ بِهِ. وَمَنْ يُخَالِفْ أمْرَ اللهِ فِيمَا أمَرَ بِهِ مِنْ عَدَمِ إيذَاءِ الكَاتِبِ وَالشَّاهِدِ فَإِنَّ ذَلِكَ فِسْقٌ وَخُرُوجٌ عَنْ شَرْعِ اللهِ. وَاتَّقُوا اللهَ وَراقِبُوهُ، واللهُ يُعَلِّمُكُمْ وَاجِبَاتِكُمْ، وَيُرْشِدُكُمْ إلى خَيْرِكُمْ، وَاللهُ علِيمٌ بِكُلِّ شَيءٍ. وَلْيُمْلِلْ - وَلْيُمْلِ وَلْيُقِرَّ. لاَ يَبْخَسْ مِنْهُ - لاَ يُنْقِصْ مِنْهُ. أنْ يُمِلَّ - أنْ يُمْلِيَ بِنَفْسِهِ وَيُقِرَّ. لاَ يَأبَ - لاَ يَمْتَنِعْ. لاَ تَسْأمُوا - لاَ تَملُّوا وَلاَ تَضْجَرُوا. أقْوَمُ للشَّهَادَةِ - أَثْبَتُ لَهَا وَأعْونُ عَلَى أَدَائِها. أدْنَى - أقْرَبُ.

الثعلبي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم} قال ابن عباس: لمّا حرّم الله الربا، أباح السلم، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم} أي داين بعضكم بعضاً، والدين ما كان مؤجّلاً والعين ما كان حاضراً، يقال: دان فلاناً يدينه، إذا أعطاه الدين فهو دائن، والمعطا مدين ومديون. قوله {إِذَا تَدَايَنتُم} يدخل فيه الدين والنسيئة والسلم وما كان مؤجّلاً من الحقوق. فإنّما قال{بِدَيْنٍ}: والمداينة لا تكون إلاّ بدين لأنّ المداينة قد [تكون] مجازاة وتكون معاطاة فأبان ذلك وقيّده بقوله {بِدَيْنٍ}. وقيل: هو بمعنى التأكيد كقوله: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 38] وقوله: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} تفسير : [الحجر: 30]. {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي وقت معلوم {فَٱكْتُبُوهُ} أي اكتبوا الذي تداينتم به بيعاً كان أو قرضاً لئلاّ يقع فيه جحود ولا نسيان ولا تدافع. واختلفوا في هذا الكتابة، هل هي واجبة أم لا؟ فقال بعضهم: فرض واجب، قال ابن جريج: مَنْ أدان فليكتب، ومَنْ باع فليُشهِد. وهذا القول اختيار محمد بن جرير الطبري، يدلّ عليه ما روى الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ثلاثة يدعون الله فلا يُستجاب لهم: رجل كانت عنده امرأة سيئة الخلق فلم يطلّقها. ورجل كان له دين فلم يشهد، ورجل أعطى سفيهاً مالاً، وقد قال الله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5] ". تفسير : قال قوم: هو أمر استحباب وتخيير فإن كتب فحسن وإن ترك فلا بأس. كقوله: {أية : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ} تفسير : [المائدة: 2]. وقوله: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الجمعة: 10]. هو اختيار الفراء. وقال آخرون: كان كتاب الدين والإشهاد والرهن فرضاً ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283] وهو قول الشعبي. ثم بيّن كيفيّة الكتابة فقال عزّ مَنْ قائل: {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ} وقرأ الحسن وليكتب بكسر اللام، وهذه اللام، لام الأمر ولا يؤمر بها غير الغائب، وهي إذا كانت مفردة فليس فيها إلاّ الحركة، فإذا كانت قبلها واو أو فاء أو ثم، فأكثر العرب على تسكينها طلباً للخفّة ومنهم مَنْ يكسرها على الأصل. ومعنى الآية: وليكتب كتاب الدين بيع البائع والمشتري والطالب والمطلوب كاتب بالعدل أي بالحق والإنصاف فلا يزيد فيه ولا ينقص منه ولا يقدّم الأجل ولا يؤخّره ولا يكتب به شيئاً يبطل به حقّاً لأحدهما لا يعلمه هو. {وَلاَ يَأْبَ} ولا يمتنع {كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ} وذلك إنّ الكتّاب كانوا قليلاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. واختلف العلماء في وجوب الكتابة على الكاتب والشهادة على الشاهد، فقال مجاهد والربيع: واجب على الكاتب أن يكتب إذ أمر. وقال الحسن: ذلك في الموضع الذي لا يقدر فيه على كاتب غيره فيضر صاحب الدين إن امتنع، فإذا كان كذلك فهو فريضة، وإن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام به غيره. وقال الضحاك: كانت هذه عزيمة واجبة على الكاتب والشاهد فنسخها قوله: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}. السدي: هو واجب عليه في حال فراغه. {وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ}. المديون والمطلوب يقرّ على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه، والإملال والاملاء لغتان فصيحتان جاء بهما القرآن. قال الله تعالى: {أية : فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} تفسير : [الفرقان: 5]. أصل الإملال: إعادة الشيء مرّة بعد مرّة والإلحاح عليه. قال الشاعر: شعر : ألاّ يا ديار الحيّ بالسبعان أملّ عليها بالبلى الملوان تفسير : ثم خوّفه فقال: {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً}. أي لا ينقص من الحقّ الذي عليه شيئاً، يقال: بخسه حقّه وبخسه إذا أنقصه ونظائرها في القرآن كثيرة. {فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ}. يعني وإن كان المطلوب الذي عليه المال {سَفِيهاً}. جاهلاً بالمال. قاله مجاهد، وقال الضحاك والسدي: طفلاً صغيراً {أَوْ ضَعِيفاً}. أو شيخاً كبيراً. السدي وابن زيد: يعني عاجزاً أحمق {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ}. لخرس أو عيّ أو غيبة أو عجمة أو زمانةِ أو حبس لا يمكنه حضور الكتاب أو جهل ماله عليه {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ}. أي قيّمه ووارثه. ابن عبّاس والربيع ومقاتل: يعني فليملل وليّ الحق وصاحب الدين لأنّه أعلم بدينه {بِٱلْعَدْلِ} بالصدق والحق والإنصاف {وَٱسْتَشْهِدُواْ}. هذا السين للسؤال والطلب {شَهِيدَيْنِ}. شاهدين {مِّن رِّجَالِكُمْ}. يعني الأحرار البالغين دون العبيد والصبيان ودون أحرار الكفّار. وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وسفيان وأكثر الفقهاء. وأجاز شريح وابن سيرين بشهادة العبد وهو قول أنس بن مالك. وأجاز بعضهم شهادتهم في الشيء التافه. {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ}. يعني فإنّ لم يكن الشاهدان رجلين {فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ}. أو فليشهد رجل وامرتان. وأجمع الفقهاء على أنّ شهادة النساء جائزة مع الرجال في الأموال، واختلفوا في غير الأموال. وكان مالك والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأحمد لا يجيزونها إلاّ في الأموال. وكان أبو حنيفة وسفيان وأصحابهما يجيزون شهادتين مع الرجل في كلّ شيء ما عدا الحدود والقصاص. {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ}. يعني مَنْ كان مرضيّاً في ديانته وأمانته وكفائته. قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: مَنْ أظهر لنا خيراً ظننا به خيراً فأجبناه عليه ومَنْ أظهر لنا شرّاً ظننا به شرّاً وأبغضناه عليه، وإذا حمد الرجل جاره وقرائبه ورفيقه فلا تشكّوا في صلاحه. وقال إبراهيم النخعي: العدل: مَنْ لم يظهر منه ريبة. وقال الشعبي: العدل: مَنْ لم يطعن عليه في بطن ولا فرج. وقال الحسن: هو مَنْ لم يعلم له خزية. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود حدا ولا ذي غمر على أخيه ولا مجرّب عليه شهادة زور ولا التابع مع أهل البيت يعني الخادم لهم [ولا الظنين في ولاء ولا قرابة] ". تفسير : وجملة القول فيمن تقبل شهادته: أن تجتمع فيه عشر خصال: يكون حرّاً بالغاً مسلماً عدلاً عالماً بما يشهد به ولا يجز بشهادته إلى نفسه منفعة ولا يدفع عن نفسه مضرّة ولا يكون معروفاً بكثرة الغلط ولا يترك المروءة ولا يكون عنده لين [ولا] يشهد عليه عبده، فإذا اجتمعت فيه هذه الخصال كان مقبول القول جائز الشهادة. وتقبل شهادة النساء على الإنفراد لا رجل معهن في أربع مواضع: عيوب النساء وهو ما يكون عيباً في موضع هي عورة منها في الحرّة في جميع بدنها إلاّ وجهها وكفّيها، ومن الأمة مابين سرّتها إلى ركبتها وفي الرضاع، وفي الولادة، وفي الاستهلال. ولا خلاف في ذلك كلّه إلاّ في الرضاع. وان أبا حنيفة ذهب إلى أنّ شهادة النساء على الإنفراد لا تقبل فيه حتّى يشهد رجلان أو رجل وامرأتان. وأمّا صفة الشهادة فروى طاووس عن ابن عباس قال:" حديث : سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال: "ترى الشمس"؟ قال: نعم، قال: على مثلها فاشهد أو دع" تفسير : وعن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جدّه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أكرموا الشهود فإنّ الله عزّ وجلّ يستخرج بهم الحقوق ويدفع بهم الظلم ". تفسير : خارجة بن نور عن عبد الرحمن بن عبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ حبس ذِكْرُ حَقَ بعدما تقبض مافيه ثلاثا فعليه قيراط من الأثم ". تفسير : {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ}. قرأ الأعمش وحمزة: «أن» بكسر الألف (فتذكر) رفعاً، ومعناه الجزاء والابتداء، وموضع (تضل) جزم للجزاء إلاّ أنّه لا يتبيّن في التضعيف (فتذكّر) رفع لأن ما بعد فاء الجزاء مبتدأ. وقرأت العامّة بنصب الألف، فالفاء على الإتصال بالكلام الأوّل وموضع (أن) نصب بنزع حرف الصفة يعني لأنّ، و(تضل) محلّه نصب بأن (فتذكّر) مسوّق عليه. ومعنى الآية: فرجل وامرأتان كي تذكّر إحداهما الاخرى إنّ ضلّت. وهذا من المقدّم والمؤخّر، كقولك: إنّه ليعجبني أن يسأل فيعطى، يعني: يعجبني أن تعطي السائل إذا سأل؛ لأن العطاء تعجّب لا السؤال. قال الله: {أية : وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} تفسير : [القصص: 47] الآية. ومعناه: لولا أن يقولوا إذا أصابتهم مصيبة: هلاّ أرسلت إلينا رسولاً. ومعنى قوله (أن تضلّ): أي تنسى، كقوله: {أية : لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} تفسير : [طه: 52]. وقوله: {أية : قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ} تفسير : [الشعراء: 20] و {أية : حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ فَسِيرُواْ} تفسير : [النحل: 36] وذهاب قول العرب: ضلّ الماء في اللبن، وقال الله: {أية : وَقَالُوۤاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [السجدة: 10] وقرأ عاصم الجحدري: أن تضلّ أحداهما بضمّ التاء وفتح الضاد على المجهول، وقرأ زيد بن أسلم: فتذكّر من المذاكرة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وأبو حاتم وقتيبة: فتذكر خفيفه، وقرأ الباقون مشدداً. وذكّر وأذكر بمعنى واحد كما يقال: نزّل وأنزل وكرّمَ وأكرم، وهما معها الذكر الذي هو (ضد) النسيان قال الشاعر: شعر : تذكرنيه الشمس عند طلوعها وتعرض ذكراه إذا غربها أفل تفسير : قال أبو عبيد: حُدثت عن سفيان بن عينية أنّه قال: هو من الذكر، يعني أنّها إذا شهدت مع أُخرى صارت شهادتهما كشهادة الذَكَر. قلت: هذا القول لا يعجبني لأنّه معطوف على النسيان والله أعلم. {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ}. قال بعضهم: هذا في محمل الشهادة وهو أمر إيجاب. قال قتادة والربيع: كان الرجل يطوف في الحيّ العظيم فيه القوم فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتّبعه أحد منهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال الشعبي: هو مخيّر في تحمّل الشهادة إذا وجد غيره، فإن شاء شهد وإن شاء لم يشهد، فإذا لم يوجد غيره فترك إلاّ ما فرض عليه. وقال بعضهم: هذا أمر ندب وهو مخيّر في جميع الأحوال إن شاء شهد وإن شاء لم يشهد. وهو قول عطاء وعطيّة. وقال أبو بحريّة: قلت للحسن: أُدعى إلى الشهادة وأنا كاره، قال: فلا تجب ولا تشهد إن شئت. وقال مغيرة: قلت لإبراهيم: إنّي أُدعى إلى الشهادة وإنّي أخاف أن أنسى، قال: فلا تشهد أن تحب. وقال بعضهم: هذا في إقامة الشهادة وأدائها، ومعنى الآية: ولايأب الشهداء إذا مادعوا لإقامة الشهادة إذا كانوا قد شهدوا قبل ذلك. وهو قول مجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والسدي، وروى سفيان عن جابر عن عامر قال الشاهد بالخيار مالم يشهد. وقال الحسن والسدي هذه الآية في الأمرين جميعاً في التحمّل والاقامة إذا كان فارغاً. {وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ}. ولا تملّوا يقال: سئمت أسأم سأماً وسأمة، قال زهير: شعر : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أباً لك يسأم تفسير : وقال لبيد: شعر : ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس كيف لبيد تفسير : وأن في محلّ النصب من وجهين: إن شئت جعلته مع الفعل مصدراً وأُوقعت السآمة عليه، تقديره: ولا تسأموا كتابته، وإن شئت نصبت بنزع حروف الصفة، تقديره: ولا تسأموا من أن تكتبوه، والهاء راجع إلى الحق. وقرأ السلمي: ولا يسأموا بالياء. {صَغِيراً}. كان الحقّ {أَو كَبِيراً}. قليلاً كان المال أو كثيراً، وانتصاب الصغير والكبير من وجهين: أحدهما على الحال والقطع من الهاء، والثاني أن تجعله خبراً لكان وأضمر، يعني: ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً كان الحق أو كبيراً. {إِلَىٰ أَجَلِهِ}. إلى محلّ الحق {ذَلِكُمْ}. الكتاب {أَقْسَطُ}. أعدل {عِندَ ٱللَّهِ}. لأنّه أمر به، واتباع أمره أعدل من تركه {وَأَقْومُ}. وأصوب {لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ}. وأحرى وأقرب إلى {أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ}. تشكّوا في الشهادة ومبلغ الحق والأجل إذا كان مكتوباً، نظير قوله: {أية : ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ} تفسير : [المائدة: 108] وهو أفعل من الدنو، ثم استثنى فقال: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً}. قرأها عاصم بالنصب على خبر كان وأضمر الاسم، مجازه: إلاّ أن تكون التجارة تجارة، والمبايعة تجارة. وأنشد الفراء: شعر : لله قومي أي قوم بحرة إذا كان يوماً ذا كواكب أشنعا تفسير : أي إذا كان اليوم يوماً. وأنشد أيضاً: شعر : أعينيّ هل تبكيان عفاقاً إذا كان طعناً بينهم وعناقاً تفسير : أراد إذا كان الأمر. وقرأ الباقون بالرفع على وجهين: أحدهما: أن يكون معنى الكون الوقوع، أراد: إلاّ أن تقع تجارة، وحينئذ لا خبر له. والثاني: أن يجعل الاسم في التجارة والخبر في الفعل، وهو قوله تعالى: {تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} تقديره: إلاّ أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم، ومعنى الآية: إلاّ أن تكون تجارة حاضرة يداً بيد تديرونها بينكم ليس فيها أجل ولا نسيئة. {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا}. يعني التجارة {وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ}. قال الضحاك: هو عزم من الله عزّ وجلّ، والاشهاد واجب في صغير الحق وكبيره نقده ونسأه ولو على باقة بقل وهو أختيار محمد بن جرير. وقال أبو سعيد الخدري: الأمر فيه إلى الامانة. قال الله فإن أمن بعضكم بعضاً. وقال الآخرون: هو أمر ندب إن شاء أشهد وإن لم يشاء لم يشهد ثم قال: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}. هو نهي الغائب، وأصله يُضارر فأُدغمت الراء في الراء ونصبت لحق التضعيف لإجتماع الساكنين، والفتح أخفّ الحركات فحركت إليه. وأما تفسير الآية، فأجراها بعضهم على الفعل المعروف، وقال: أصله يضارر بكسر الراء وجعل الفاعل الكاتب والشهيد، معناه: ولا [يضار] كاتب فيكتب مالم يملل عليه يزيد أو ينقص أو يُحرّف، ولا شهيد فيشهد مالم يشهد عليه أو يمتنع من إقامة الشهادة، وهذا قول طاووس والحسن وقتادة وابن زيد. وأجراه آخرون على الفعل المجهول وجعلوا الكاتب والشهيد مفعولين وقالوا: أصله لا يضار. ومعنى الآية: هو أن الرجل يدعوا الكاتب أو الشهيد وهما على حاجة مهمّة فيقولان: إنا مشغولان فاطلب غيرنا، فيقول الذي يدعوه: إن الله أمر كما أن تجيبا في الكتابة والشهادة ويلحّ عليهما ويشغلهما عن حاجتهما فنهى الله عزّ وجلّ [عن مُضارتهما] وأمر أن يطالب غيرهما. وقال الربيع بن أنس: لما نزلت هذه الآية {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ} {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ}. كان أحدهما يجيء إلى الكاتب فيقول له: أكتب، فيقول: إنّي مشغول، أو لي حاجة فانطلق إلى غيري، فيُلزمه ويقول: إنّك قد أُمرت بالكتابة، فلا يدعه فيضاره بذلك وهو يجد غيره. وكذلك يفعل مع الشاهد، فأنزل الله تعالى: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}. ودليل هذا التأويل قراءة عمر وأُبيّ وابن مسعود ومجاهد: ولا يضارر كاتب ولا شهيد باظهار التضعيف على وجه مالم يمنع [ولا يضار]. وقرأ أبو جعفر: ولا يضار، مجزوماً مخفّفاً القى راء واحدة اصلاً، وقرأ الحسن ولا يضارّ بكسر الراء مشدّداً. {وَإِن تَفْعَلُواْ}. ما نهيتكم عنه من الضراء {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ}. خروج عن الأمر {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إنها أطول آية في آيات القرآن ويستهلها الله بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} [البقرة: 282] وهذا الاستهلال كما نعرف يوحي بأن ما يأتي بعد هذا الاستهلال من حكم، يكون الإيمان هو حيثية ذلك الحكم، فما دمت قد آمنت بالله فأنت تطبق ما كلفك به؛ لأن الله لم يكلف كافراً، فالإنسان - كما قلنا سابقاً - حر في أن يُقبل على الإيمان بالله أو لا يُقبل. فإن أقبل الإنسان بالإيمان فليستقبل كل حكم من الله بالتزام. ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - إن الإنسان حين يكون مريضاً، هو حر في أن يذهب إلى الطبيب أو لا يذهب، ولكن حين يذهب الإنسان إلى الطبيب ويكتب له الدواء فالإنسان لا يسأل الطبيب وهو مخلوق مثله: لماذا كتبت هذه العقاقير؟. إن الطبيب يمكن أن يرد: إنك كنت حراً في أن تأتي إليّ أو لا تأتي، لكن ما دمت قد جئت إلى فاسمع الكلام ونفذه. والطبيب لا يشرح التفاعلات والمعادلات، لا، إن الطبيب يشخص المرض، ويكتب الدواء. فما بالنا إذا أقبلنا على الخالق الأعلى بالإيمان؟ إننا ننفذ أوامره سبحانه، والله لا يأمر المؤمن إلا عن حكمة، وقد تتجلى للمؤمن بعد ذلك آثار الحكمة ويزداد المؤمن ثقة في إيمانه بالله. يقول الحق: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] وعندما نتأمل قول الحق: "تداينتم" نجد فيها "دَيْن"، وهناك "دِين"، ومن معنى الدِّين الجزاء، ومن معنى الدِّين منهج السماء، وأما الدَّيْن فهو الاقتراض إلى موعد يسدد فيه. هكذا نجد ثلاثة معان واضحة: الدِّين: وهو يوم الجزاء، والدين وهو المنهج السماوي، والدَّيْن: هو المال المقترض. والله يريد من قوله: {تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} [البقرة: 282] أن يزيل اللبس في معنيين، ويبقى معنى واحداً وهو الاقتراض فقال: "بِدَيْنٍ" فالتفاعل هنا في مسألة الدَّيْن لا في الجزاء ولا في المنهج، والحق يحدد الدَّيْن بأجل مُسمّى. وقد أراد الله بكلمة "مُسمّى" مزيداً من التحديد، فهناك فرق بين أجل لزمن، وبين أجل لحدث يحدث، فإذا قلت: الأجل عندي مقدم الحجيج. فهذا حدث في زمن، ومقدم الحجيج لا يضمنه أحد، فقد تتأخر الطائرة، أو يصاب بعض من الحجيج بمرض فيتم حجز الباقين في الحجر الصحي. أما إذا قلت: الأجل عندي شهران أو ثلاثة أشهر فهذا يعني أن الأجل هو الزمن نفسه، لذلك لا يصح أن يؤجل أحد دينه إلى شيء يحدث في الزمن؛ لأنه من الجائز ألا يحدث ذلك الشيء في هذا الزمن. إن التداين بديْن إلى أجل مُسمى يقتضي تحديد الزمن، والحق يوضح لنا: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] وكلمة "فاكتبوه" هي رفع لحرج الأحباء من الأحباء. إنه تشريع سماوي، فلا تأخذ أحد الأريحية، فيقول لصاحبه: "نحن أصحاب"، إنه تشريع سماوي يقول لك: اكتب الديْن، ولا تقل: "نحن أصدقاء" فقد يموت واحد منكما فإن لم تكتب الديْن حرجاً فماذا يفعل الأبناء، أو الأرامل، أو الورثة؟. إذن فإلزام الحق بكتابة الديْن هو تنفيذ لأمر من الله يحقق رفع الحرج بين الأحباء. ويظن كثير من الناس أن الله يريد بالكتابة حماية الدائن. لا، إن المقصود بذلك والمهم هو حماية المدين، لأن المدين إن علم أن الديْن عليه موثق حرص أن يعمل ليؤدي ديْنه، أما إذا كان الديْن غير موثق فيمن الجائز أن يكسل عن العمل وعن سداد الديْن. وبذلك يحصل هو وأسرته على حاجته مرة واحدة، ثم يضن المجتمع الغني على المجتمع الفقير فلا يقرضه؛ ويأخذون عجز ذلك الإنسان عن السداد ذريعة لذلك، ويقع هذا الإنسان الذي لم يؤد دينه في دائرة تحمل الوزر المضاعف، لأنه ضيّق باب القرض الحسن. إن الله يريد أن يسير دولاب الحياة الاقتصادية عند من لا يملك، لأن من يملك يستطيع أن يسيّر حياته، أما من لا يملك فهو المحتاج. ولذلك فهناك مثل في الريف المصري يقول: من يأخذ ويعطي يصير المال ماله. إنه يقترض ويسدد، لذلك يثق فيه كل الناس، ويرونه أميناً ويرونه مُجداً، ويرونه مخلصاً، ويعرفون عنه أنه إذا أخذ وفّى، فكل المال يصبح ماله. إذن فالله - سبحانه - بكتابة الديْن يريد حماية حركة الحياة عند غير الواجد؛ لأن الواجد في غير حاجة إلى القرض. لذلك جاء الأمر من الحق سبحانه: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]. ومن الذي يكتب الديْن؟. انظر الدقة: لا أنت أيها الدائن الذي تكتب، ولا أنت أيها المدين، ولكن لابد أن يأتي كاتب غير الاثنين، فلا مصلحة لهذا الثالث من عملية الدين {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ} [البقرة: 282]. وفي ذلك إيضاح بأن الإنسان الذي يعرف الكتابة إن طُلب منه أن يكتب ديْناً ألا يمتنع عن ذلك، لماذا؟ لأن الآية - آية الديْن - قد نزلت وكانت الكتابة عند العرب قليلة، كان هناك عدد قليل فقط هم الذين يعرفون الكتابة، فكان هناك طلب شديد على من يعرف الكتابة. ولكن إن لم يُطْلَب أحد من الذين يعرفون الكتابة أن يكتب الديْن فماذا يفعل؟. إن الحق يأمره بأن يتطوع، وفي ذلك يأتي الأمر الواضح "فليكتب"؛ لأن الإنسان إذا ما كان هناك أمر يقتضي منه أن يعمل، والظرف لا يحتمل تجربة، فالشرع يلزمه أن يندب نفسه للعمل. هب أنكم في زورق وبعد ذلك جاءت عاصفة، وأغرقت الذي يمسك بدفة الزورق، أو هو غير قادر على إدارة الدفة، هنا يجب أن يتقدم من يعرف ليدير الدفة، إنه يندب نفسه للعمل، فلا مجال للتجربة. والحق سبحانه وتعالى حين عرض قضية الجدب في قصة سيدنا يوسف قال: {أية : تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ}تفسير : [يوسف: 47-48]. وقال سيدنا يوسف: {أية : قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}تفسير : [يوسف: 55]. إن المسألة جدب فلا تحتمل التجربة، وهو كفء لهذه المهمة، يملك موهبة الحفظ والعلم، فيندب نفسه للعمل. كذلك هنا {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ} [البقرة: 282] إذا طُلب منه وإن لم يطلب منه وتعين "فليكتب". وهذه علة الأمرين الاثنين، وما دامت الكتابة للتوثيق في الدَّيْن؛ فمن الضعيف؟ إنه المدين، والكتابة حجة عليه للدائن، لذلك يحدد الله الذي يملل: الذي عليه الديْن، أي يملي الصيغة التي تكون حجة عليه {وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ} [البقرة: 282] ولماذا لا يملي الدائن؟ لأن المدين عادة في مركز الضعف، فلعل الدائن عندما تأتي لحظة كتابة ميعاد السداد فقد يقلل هذا الميعاد، وقد يخجل المدين أن يتكلم ويصمت؛ لأنه في مركز الضعف. ويختار الله الذي في مركز الضعف ليملي صيغة الديْن، يملي على راحته، ويضمن ألا يُؤخذ بسيف الحاجة في أن موضع من المواضع. لكن ماذا نفعل عندما يكون الذي عليه الديْن سفيها أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو؟ إن الحق يضع القواعد {فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ} [البقرة: 282] والسفيه هو البالغ مبلغ الرجال إلا أنه لا يمتلك أهلية التصرف. والضيف هو الذي لا يملك القدرة التي تُبلغه أن يكون ناضجاً النضج العقلي للتعامل، كأن يكون طفلاً صغيراً، أو شيخاً بلغ من الكبر حتى صار لا يعلم من بعد علمه شيئاً، أو لا يستطيع أن يمل. أي أخرس فيقوم بالإملاء الولي أو القيمّ أو الوصيّ. ويأتي التوثيق الزائد: بقوله - تعالى -: {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ} [البقرة: 282]. ولننظر إلى الدقة في التوثيق عندما يقول الحق: "واستشهدوا" نستشهد ونكتب، لأنه سبحانه يريد بهذا التوثيق أن يؤمّن الحياة الاقتصادية عند غير الواجد؛ لأن الحاجة عندما تكون مؤمَّنَة عند غير الواجد فالدولاب يمشي وتسير حركة الحياة الاقتصادية؛ لأن الواجد هو القليل، وغير الواجد هو الكثير، فكل فكر جاد ومفيد يحتاج إلى مائة إنسان ينفذون التخطيط. إن الجيب الواجد الذي يصرف يحتاج إلى مائة لينفذوا، ولهذا تكون الجمهرة من الذين لا يجدون، وذلك حتى يسير نظام الحياة؛ لأن الله لا يريد أن يكون نظام الحياة تفضلاً من الخلق على الخلق، إنما يريد الله نظام الحياة نظاماً ضرورياً؛ فالعامل الذي لا يعول أسرة قد لا يخرج إلى العمل، لذلك فالحق يربط خروج العامل بحاجته. إنه يحتاج إلى الطعام ورعاية نفسه وأسرته فيخرج اضطراراً إلى العمل، وبتكرار الأمر يعشق عمله، وحين يعشق العمل فهو يحب العمل في ذاته. وبذلك ينتقل من الحاجة إلى العمل، إلى حب العمل في ذاته، وإذا ما أحب العمل في ذاته، فعجلة الحياة تسير. والحق سبحانه حين يحدد الشهود بهذا القول: {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ} [البقرة: 282]. ولماذا قال الحق: "شهيدين" ولم يقل "شاهدان"؟ لأن مطلق شاهد قد يكون زوراً، لذلك جاء الحق بصيغة المبالغة. كأنه شاهد عرفه الناس بعدالة الشهادة حتى صار شهيداً. إنه إنسان تكررت منه الشهادة العادلة؛ واستأمنه الناس على ذلك، وهذا دليل على أنه شهيد. وإن لم يكن هناك شهيدان من الرجال فالحق يحدد لنا {فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ} [البقرة: 282]. إن الحق سبحانه وتعالى قد طلب منا على قدر طاقتنا أي من نرضى نحن عنهم، وعلل الحق مجيء المرأتين في مقابل رجل بما يلي: {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ} [البقرة: 282]؛ لأن الشهادة هي احتكاك بمجتمع لتشهد فيه وتعرف ما يحدث. والمرأة بعيدة عن كل ذلك غالباً. أن الأصل في المرأة ألا علاقة لها بمثل هذه الأعمال، وليس لها شأن بهذه العمليات، فإذا ما اضطرت الأمور إلى شهادة المرأة فلتكن الشهادة لرجل وامرأتين؛ لأن الأصل في فكر المرأة أنه غير مشغول بالمجتمع الاقتصادي الذي يحيط بها، فقد تضل أو تنسى إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، وتتدارس كلتاهما هذا الموقف، لأنه ليس من واجب المرأة الاحتكاك بجمهرة الناس وبخاصة ما يتصل بالأعمال. وبعد ذلك يقول الحق: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} [البقرة: 282] فكما قال الحق عن الكاتب ألا يمتنع عن توثيق الديْن، كذلك الشهادة على هذا الديْن. وكيف تكون الشهادة، هل هي في الأداء أو التحمل؟ إن هنا مرحلتين: مرحلة تحمل، ومرحلة أداء. وعندما نطلب من واحد قائلين: تعال اشهد على هذا الديْن. فليس له أن يمتنع، وهذا هو التحمل. وبعدما وثقنا الديْن، وسنطلب هذا الشاهد أمام القاضي، والوقوف أمام القاضي هو الأداء. وهكذا لا يأبى الشهداء إذا ما دعوا تحملاً أو أداءً. لكن الحق سبحانه وتعالى يعلم أن كل نفس بشرية لها مجال حركتها في الوجود، ويجب ألا تطغى حركة حدث على حدث، فالشاهد حين يُستدعى - بضم الياء - ليتحمل أولاً أو ليؤدي ثانياً ينبغي ألاّ تتعطل مصالحه؛ إن مصالحه ستتعطل؛ لأنه عادل، ولأنه شهيد، لذلك يضع الله لذلك الأمر حداً فيقول: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} [البقرة: 282]. إذن فالشهادة هنا تتطلب أن نحترم ظروف الشاهد. فإن كان عند الشاهد عمل أو امتحان أو صفقة أو غير ذلك، فلنا أن نقول للشاهد: إما أن تتعين في التحمل حيث لا يوجد من يوثق به ويطمأن إليه أما في الأداء فأنت مضطر. إن الشاهد يمكنه أن يذهب إلى أمره الضروري الذي يجب أن يفعله، فلا يطغى حدث على حدث، لذلك علينا أن نبحث عن شاهد له قدرة السيطرة على عمله بدرجة ما. وإن لم نجد غيره، فماذا يكون الموقف؟ لقد قال الحق: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} [البقرة: 282] إذن فعلينا أن نبحث له عن "جُعْل" يعوض عليه ما فاته، فلا نلزمه أن يعطل عمله وإلا كانت عدالته وَبالاً عليه، لأن كل إنسان يُطلب للشهادة تتعطل أعماله ومصالحه. والله لا يحمي الدائن والمدين ليضر الكاتب أو الشهيد. وقوله الحق لكلمة: "يضار" فمن الممكن أن تأتي الكلمة على وجهين في اللغة، فمرة تأتي "يضار" بمعنى أن الضرر يأتي من الكاتب أو الشهيد، ومرة أخرى تأتي كلمة "يضار" بمعنى أنّ الضرر يقع على الكاتب أو الشهيد. فاللفظ واحد، ولكن حالة اللفظ بين الإدغام الذي هو عليه حسب قواعد اللغة وبين فكه هي التي تُبَيِّنُ لنا اتجاه المعنى. فإن قلنا: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} [البقرة: 282] - بكسر الراء -، فالمعنى في هذه الحالة هو أن يقع الضرر من الكاتب فيكتب غير الحق، أو أن يقع الضرر من الشهيد فيشهد بغير العدل. وإن قلنا: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} [البقرة: 282] - بفتح الراء - فالمنهي عنه هو أن يقع الضرر على الكاتب أو الشهيد من الذين تؤدي الكتابة غرضاً لهم، وتؤدي الشهادة واجباً بالنسبة لهم؛ ليضمن الدائن دَيْنه، وليستوثق أن أداءه محتم. والكاتب والشهيد شخصان لهما في الحياة حركة، ولكل منهما عمل يقوم به ليؤدي مطلوبات الحياة، فإذا عُلِمَ - بضم العين وكسر اللام وفتح الميم - أنه كاتب أو شهد بأنه عادل، عند ذلك يتم استدعاؤه في كل وقت من أصحاب المصلحة في المداينة، وربّما تعطلت مصالح الكاتب أو الشهيد. ويريد الله أن يضمن لذلك الكاتب أو الشهيد ما يبقى على مصلحته. ولذلك أخذت القوانين الوضعية من القرآن الكريم هذا المبدأ، فهي إن استدعت شاهداً من مكان ليشهد في قضية فإنّها تقوم له بالنفقة ذهاباً وبالنفقة إياباً، وإن اقتضى الأمر أن يبيت فله حق المبيت وذلك حتى لا يضار، وهو يؤدي الشهادة، وحتى لا يتعطل الشاهد عن عمله أو أن يصرف من جيبه. ويريد الحق سبحانه وتعالى أيضاً أن يضمن مصالح الجميع لا مصلحة جماعة على حساب جماعة. ويقول الحق في هذه "المضارة": {وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ..} [البقرة: 282] أي وإن تفعلوا الضرر من هذا أو من ذاك فإنه فسوق بكم، إنه سبحانه يحذر أن يقع الضرر من الكاتب أو الشهيد، أو أن يقع الضرر على الكاتب أو الشهيد. ففعل الضرر فسوق، أي خروج عن الطاعة. والأصل في "الفسق" هو خروج الرطبة من قشرتها، فالبلح حين يرطب تكون القشرة قد خلعت عن الأصل من البلحة، فتخرج الثمرة من القشرة فيقال: "فسقت الرطبة". ومنها أخذ معنى الفسوق وهو الخروج عن طاعة الله في كل ما أمر. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [البقرة: 282] وعلمنا من قبل معنى كلمة "التقوى" حين يقول الله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [البقرة: 282] أو يقول سبحانه: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} تفسير : [آل عمران: 131] {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 281]، وكل هذه المعاني مبنية على الوقاية من صفات جلال الله، وجبروته، وقهره، وإذا قلنا: "اتقوا النار" فالنار من جنود صفات القهر لله، فـ "اتقوا الله" هي بعينها "اتقوا النار" هي بعينها "اتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله". ويقول الحق سبحانه: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 282]. وهنا مبدأ إيماني يجب أن نأخذه في كل تكليف من الله؛ فإن التكاليف إن جاءت من بشر لبشر، فأنت لا تنفذ التكليف من البشر إلا إن أقنعك بحكمته وعلته؛ لأن التكليف يأتي من مساوٍ لك، ولا توجد عقلية أكبر من عقلية، وقد تقول لمن يكلفك: ولماذا أكون تبعاً لك وأنت لا تكون تبعاً لي؟ إنك إذا أردت أن تكلفني بأمر من الأمور وأنت مساو لي في الإنسانية والبشرية وعدم العصمة فلا بد أن تقنعني بحكمة التكليف. أما إن كان التكليف من أعلى وهو الحق سبحانه وهو الله الذي آمنا بقدرته وعلمه وحكمته وتنزهه عن الغرض العائد عليه فالمؤمن في هذه الحالة يأخذ الأمر قبل أن يبحث في الحكمة؛ لأن الحكمة في هذا الأمر أنه صادر من الله، وحين ينفذ المؤمن التكليف الصادر من الله فسيعلم سر هذه الحكمة فيما بعد؛ فأسرار الحكم عند الله تأتي للمؤمن بعد أن يقبل على تنفيذ التكاليف الإيمانية. إن الحق سبحانه - على سبيل المثال - لا يقنع العبد بأسرار الصوم، ولكن إن صام العبد المؤمن كما قال الله، وعند ممارسة المؤمن لعبادة الصوم سيجد أثر حكمة الصوم في نفسه بما لا يمكن إقناعه به أولاً. إن المؤمن حين يفعل التكليف الإيماني فإن الله يعلمه حكمة التكليف. ولنا في قوله سبحانه الدليل الواضح: {أية : يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الأنفال: 29]. إن الله سبحانه يَعِدُ عباده المؤمنين أنهم عندما يتقونه فإنه يجعل لهم دلائل تبين لهم الحق من الباطل ويستر عنهم السيئات ويغفر لهم. لماذا؟ لأن الله الذي يعلمنا هو الحق سبحانه العليم بكل شيء. وعلم الله ذاتي، أما علم الإنسان فقد يكون أثراً من ضغط الأحداث عليه فيفكر الإنسان في تقنين شيء يخرجه مما يكون فيه من شر، ولكن علم العليم الأعلى سابق على ذلك لأنه علم ذاتي. وفيما سبق علمنا أن الله سبحانه وتعالى قد أعطى الديْن هذه العناية ليضمن للحياة حركتها الطاهرة، حركتها السليمة؛ لأن المعدم لا وسيلة له في حركة الحياة إلا أمور ثلاثة، الأمر الأول: الرِّفْدُ أي عطاء تطوعي يستعين به على حركة الحياة. والأمر الثاني: الفرض الذي فرضه الله في الزكاة. والأمر الثالث: القرض الذي شرعه. فعندما لا يجد المؤمن المعدم الرِّفْدَ أو الفرض فماذا يكون بعد ذلك؟ إنه القرض. إذن فالقرض هو المفزَع الثالث للحركة الاقتصادية عند المعدمين. وعرفنا أن القرض عند الله يفوق ويعلو الصدقة في الثواب؛ لأن الصدقة حين تتصدق بها تكون قد خرجت من نفسك من أول الأمر فلا مشغولية لذهنك بعد ذلك، ولكن القرض نفسك تكون متعلقة به؛ لأنك لا تزال مالكاً له، وكلما صبرت عليه أخذت ثواباً من الله على كل صبرة تصبرها على المدين. وعرفنا كذلك أن الحق سبحانه قد استوثق لعملية الديْن استيثاقاً يجب أن نفهمه من وجهيه، الوجه الأول: أنه يحفظ بذلك ثمرة حركة المتحرك في الحياة وهي أن يتمول، أي أن يكون عنده مال؛ فإن لم نَحْم له ثمرة حركته في الحياة استهان بالحركة، وإذا استهان بالحركة تَعطلت مصالح كثيرة؛ لأن حركة المتحرك في الحياة تنفع بشراً كثيرين قصد المتحرك ذلك أو لم يقصد، وضربنا المثل بمن يريد بناء عمارة، وعنده مال، فيسلط الله عليه خاطراً من خواطره مصداقاً لقوله الحق: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ..}تفسير : [المدثر: 31]. فيقول: ولماذا أكنز المال؟ ولماذا لا أبني عمارة أستفيد من إيجارها؟. وبذلك لا يتناقص المال بل يزيد. وليس في بال ذلك الرجل أن ينفعَ أحداً. إن باله مشغول بأن ينفع نفسه، لكن حركته وإن لم يقصد نفعَ الغير ستنفع الغير .. فالذي يحفر الأرض سيأخذ أجراً لذلك، والذي يضرب الطوب سيأخذ أجراً لذلك، وكل من يشترك في عمل لإقامة هذا البنيان من بناء أو إدخال كهرباء أو توصيل مياه أو تحسين وتجميل كل واحد من هؤلاء سيأخذ أجره، وبذلك يستفيد الجميع وإن لم يقصد المتحرك في الحياة. إذن فالحق يريد أن يحمي حركة المتحرك في الحياة لأنه لو لم يحم الله ثمرة حركته في الحياة؛ لاكتفى المتحرك في حركته بما يقوته ويقوت من يقول، ويبقى الضعيف في الحياة؛ فمن ذا يعوله؟. إذن لابد أن نضمن للمتحرك ماله حتى يتشجع على الحركة إن الله الذي وهب الناس أرزاقهم، عندما يطلب من القوي المتحرك أن يعطي أخاه الضعيف المحتاج قرضاً، لا يقول الله: "أقرض المحتاج"، ولكنه جل وعلا يقول: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ..}تفسير : [البقرة: 245]. إن الله سبحانه وتعالى قد احترم حركة الإنسان المتحرك في الحياة وجعل المال مال المتحرك، فلا يقول الله للمتحرك: أعط المحتاج من المال الذي وهبتك إياه. لا، إنه مال المتحرك، ويقول الله للمتحرك: أقرضني لأن أخاك في حاجة إليه، كما نقول للتقريب لا للتشبيه - ولله المثل الأعلى - أنت تأخذ من حصالة ابنك لمصلحة أخيه، وتعد ابنك الذي أخذت من حصالته أنك سوف تعطيه الكثير. والمال الذي أخذته من حصالة ابنك قرضاً أنت الذي أعطيته له أولاً. إذن فالله يريد أن يحمي حركة الحياة، وإن لم نحم حركة الحياة، لا يكون كل إنساناً آمناً على ثمرة حركته، فستفسد الحياة كلها ويستشري الضغن والحقد والذي يقول الله سبحانه وتعالى: {أية : وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ}تفسير : [محمد: 36-37]. وساعة يتفشى الضغن في المجتمع فلا فائدة في هذا المجتمع أبداً. إذن فالحق حين يوثق الديْن يريد أن يحمي حركة المتحرك؛ لأن الناس تختلف فيما بينها في الحركات الطموحية. ولا توجد الحركات الطموحية في كل الناس، بل توجد في بعضهم، فلنستغل حركة الطموح عند بعض الناس؛ لأنهم سيفيدون المجتمع: قصدوا ذلك أو لم يقصدوا. وبعد ذلك يريد الحق سبحانه وتعالى أن يحمي أيضاً الإنسان من نفسه؛ لأنه إذا علم أن الديْن الذي عليه موثق، ولا وسيلة لإنكاره حاول جاهداً أن يتحرك في الحياة ليؤديه. وحين يتحرك الإنسان ليؤدي عن نفسه الديْن فإن ذلك يزيد الحركة في الحياة، ويزداد النفع. وهكذا نرى أن الله أراد بالتوثيق للديْن حماية المدين من نفسه؛ لأن المدين قد تطرأ عليه ظروف فيماطل، وإذا ما ماطل فلن تكون الخسارة فيه وحده، ولكنه سيصبح أسوة عند جميع الناس وسيقول كل من عنده مال: لا أعطي أحداً شيئاً لأن فلاناً الغني مثلي قد أعطى فلاناً الفقير وماطله وأكله، وعند ذلك تتوقف حركة الحياة ولكن إذا كان الدَّيْنُ موثقاً ومكتوباً فإن المدين يكون حريصاً على أدائه. والله يريد أن يضمن لحركة الحياة دواماً واستمراراً شريفاً نظيفاً. ولذلك نجد في آية الدَّيْنِ أن كلمة "الكتابة" ومادتها "الكاف والتاء والباء" تتكرر أكثر من مرة بل مرات كثيرة. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282]. وهذا التكرار في هذه الآية لعملية الكتابة يؤصل العلاقة بين الناس؛ فالكتابة هي عمدة التوثيق، وهي التي لا تغش، لأنك إن سجلت شيئاً على ورقة فلن تأتي الورقة لتنكر ما كتبته أنت فيها، ولكن الأمر في الشهادة قد يختلف، فمن الجائز أن يخضع الشاهد لتأثير ما فينكر الحقيقة، ولذلك فإن الحق يعطينا قضية إيمانية جديدة حين يقول: "أن يكتب كما علمه الله" أي أن يكتب الكاتب على وفق ما علمه الله، فكأنه لابد أن يكون فقيهاً عالماً بأمور الكتابة، أو "كما علمه الله" أي أنّ الله أحسن إليه وعلمه الكتابة دون غيره، فكما أحسن الله إليه بتعلم الكتابة فليحسن ولْيُعَدِّ أثر الكتابة إلى الغير. وليست المسألة مسألة كتابة فقط، إنما ذلك يشمل ويضم كل شيء أو موهبة خص الله بها فرداً من الناس من مواهب الله على خلقه؛ فالمؤمن هو من يعمل على أن يعدي أثر النعمة والموهبة إلى الغير. وعليك أن تعدي أثر مواهب الغير إليك فتنفع بها سواك، وبذلك يشيع الخير ويعم النفع لأنك إن أخذت موهبة فستأخذ موهبة واحدة تكفيك في زاوية واحدة من زوايا حياتك، وعندما تعديها للجميع وتنقلها إليهم فيعدي الجميع مواهبهم المجتمعية لمصلحتك، فأيهما أكسب؟ حين تعدي وتنقل موهبتك إلى الناس، تكون أنت الأكثر كسباً؛ لأن الجميع يعدون وينقلون مواهبهم إليك. وإذا أتقنت صنعتك للناس فالصنعة التي في يدك واحدة، وعندما تتقنها فإن الله يسلط جنود الخواطر على كل من يصنع لك شيئاً أن يتقنه، كما أتقنْت أنت لسواك. وبعد ذلك يعلمنا الحق سبحانه شدة الحرص على التوثيق فيقول: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى الربا وبيَّن ما فيه من قباحة وشناعة، لأنه زيادة مقتطعة من عرق المدين ولحمه وهو كسب خبيث يمقته الإِسلام ويحرمه، أعقبه بذكر القرض الحسن بلا فائدة وذكر الأحكام الخاصة بالدين والتجارة والرهن، وكلها طرق شريفة لتنمية المال وزيادته بما فيه صلاح الفرد والمجتمع، وآية الدين أطول آيات القرآن على الإِطلاق مما يدل على عناية الإِسلام بالنظم الاقتصادية. اللغَة: {وَلْيُمْلِلِ} من الإِملاء وهو أنْ يُلقي عليه ما يكتبه يقال: أملَّ وأملى {يَبْخَسْ} البخس: النقص {تَسْأَمُوۤا} السأم والسآمة: الملل من الشيء والضجر منه {أَقْسَطُ} القِسط: بكسر القاف العَدْل يقال: أقسط الرجل إِذا عدل، وبفتح القاف الجورُ يقال: قسط أي جار ومنه {أية : وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} تفسير : [الجن: 15] {تَضِلَّ} قال أبو عبيد: معنى تضل أي تنسى والضلال عن الشهادة نسيان جزءٍ منها {أَدْنَىٰ} أقرب {تَرْتَابُوۤاْ} تشكوا من الريب بمعنى الشك {فَرِهَانٌ} جمع رهن وهو ما يدفع إلى الدائن توثيقاً للدين. التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ} أي إِذا تعاملتم بدينٍ مؤجل فاكتبوه، وهذا إِرشاد منه تعالى لعباده بكتابة المعاملات المؤجلة ليكون ذلك أحفظ وأوثق لمقدارها وميقاتها {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ} أي وليكتب لكم كاتب عادل مأمون لا يجور على أحد الطرفين {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ} أي ولا يمتنع أحد من الكتابة بالعدل كما علّمه الله {فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ} أي وليمل على الكاتب ويلقي عليه المدينُ وهو الذي عليه الحق لأنه المقر المشهود عليه {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً} أي وليخشَ الله ربّ العالمين ولا ينقص من الحق شيئاً {فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً} أي إِن كان المدين ناقص العقل مبذراً أو كان صبياً أو شيخاً هرماً {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ} أي لا يستطيع الإِملاء بنفسه لعيٍّ أو خرسٍ أو عُجْمة فليملل قيِّمه أو وكيله بالعدل من غير نقصٍ أو زيادة {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ} أي اطلبوا مع الكتابة أن يشهد لكم شاهدان من المسلمين زيادة في التوثقة {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ} أي فإِن لم يكن الشاهدان رجلين، فليشهد رجلٌ وامرأتان ممن يُوثق بدينهم وعدالتهم {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ} أي تنسى إحدى المرأتين الشهادة فتذكّرها الأخرى، وهذا علةٌ لوجوب الأثنتين لنقص الضبط فيهن {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} أي ولا يمتنع الشهداء عن أداء الشهادة أو تحملها إِذا طلب منهم ذلك {وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ} أي لا تملّوا أن تكتبوا الدين صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً أو كثيراً إِلى وقت حلول ميعاده {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ} أي ما أمرناكم به من كتابة الدين أعدل في حكمه تعالى، وأثبت للشهادة لئلا تنسى، وأقرب أن لا تشكّوا في قدر الدَّيْن والأجل {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} أي إِلا إِذا كان البيع حاضراً يداً بيد والثمن مقبوضاً {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} أي فلا بأس بعدم كتابتها لانتفاء المحذور {وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} أي أشهدوا على حقكم مطلقاً سواءً كان البيع ناجزاً أو بالدين لأنه أبعد عن النزاع والاختلاف {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} أي لا يضر صاحبُ الحق الكُتَّاب والشهود {وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} أي إِن فعلتم ما نهيتم عنه فقد فسقتم بخروجكم عن طاعة الله {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ} أي خافوا الله وراقبوه يمنحكم العلم النافع الذي به سعادة الدارين {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي عالم بالمصالح والعواقب فلا يخفى عليه شيء من الأشياء {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} أي إِن كنتم مسافرين وتداينتم إِلى أجلٍ مسمى ولم تجدوا من يكتب لكم، فليكن بدل الكتابة رهانٌ مقبوضة يقبضها صاحب الحق وثيقةً لدينه {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ} أي فإِن أمن الدائن المدين فاستغنى عن الرهن ثقة بأمانة صاحبه فليدفع ذاك المؤتمن الدين الذي عليه وليتق الله في رعاية حقوق الأمانة {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} أي إِذا دعيتم إِلى أداء شهادة فلا تكتموها فإِن كتمانها إِثم كبير، يجعل القلب آثماً وصاحبه فاجراً، وخُصّ القلب بالذكر لأنه سلطان الأعضاء، إِذا صلح صلح الجسد كله وإِذا فسد فسد الجسد كله {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} أي لا يخفى عليه شيء من أعمال وأفعال العباد. البَلاَغَة: 1- في الآية من ضروب الفصاحة "الجناس المغاير" في قوله {تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} وفي {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ} وفي {ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} وفي {وَيُعَلِّمُكُمُ...وعَلِيمٌ}. 2- الطباق في قوله {صَغِيراً أَو كَبِيراً} وفي {أَن تَضِلَّ...فَتُذَكِّرَ} لأن الضلال هنا بمعنى النسيان. 3- وفي الآية أيضاً الإِطناب في قوله {فَٱكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ} وفي {وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ .. فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ} وفي {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ}. 4- الإِيجاز بالحذف وذلك كثير وقد ذكر أمثلته صاحب البحر المحيط. 5- كرر لفظ الجلالة في الجمل الثلاث {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} {وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ} {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} لإِدخال الروعة وتربية المهابة في النفوس. 6- {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ} جمع ما بين الإِسم الجليل والنعت الجميل مبالغة في التحذير. فَائِدَة: العلم نوعان: كسبيٌّ ووهبيٌّ، أما الأول فيكون تحصيله بالاجتهاد والمثابرة والمذاكرة، وأما الثاني فطريقه تقوى الله والعمل الصالح كما قال تعالى {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ} وهذا العلم يسمى العلم اللُّدَني {وآتيناه من لدنَّا علماً} وهو العلم النافع الذي يهبه الله لمن شاء من عباده المتقين وإِليه أشار الإِمام الشافعي بقوله: شعر : شكوتُ إِلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إِلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يُهدى لعاصي

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {أَدْنَىٰ} معناه أَقربُ و: {أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ} معناه لا تَشُكُوا. تفسير : وقولهُ تعالى: {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} معناه مَعْصِيةٌ بِكُمْ.

الجيلاني

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} مقتضى إيمانكم المحافظة على الحدود خصوصاً {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} أي: يعطي بعضكم بعضاً مبلغاً، ويأخذه أن يؤديه له {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} مقدر معلوم بتقدير الأيام والشهور والأعوام لا بوقت الحصاد وقدوم الحاج وغير ذلك {فَٱكْتُبُوهُ} لئلا يقع بينكم العداوة البغضاء المؤدية إلى النزاع والمراء، المنافية للإيمان والتوحيد {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ} على الوجه الذي وقع بلا زيادة ولا نقصان، والحاصل أن تكتب المراضاة التي جرت بينكم حين الإعطاء والأخذ بلا تفاوت حتى تتذكروا به لدى الحاجة {وَلاَ يَأْبَ} لا يمتنع {كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ} أي: لا يوجز إيجازاً مخلاً منقصاً، ولا يطنب إطناباً مملاً مزيداً؛ لئلا يؤدي إلى النزاع والمناكرة عند الأداء {فَلْيَكْتُبْ} الكاتب العادل. {وَلْيُمْلِلِ} على الكاتب المديون {ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ} لأنه المعترف بالأداء {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ} حين الإملاء عن فوت شيء من الحقوق {وَلاَ} خصوصاً {يَبْخَسْ} لا ينقص {مِنْهُ شَيْئاً} هذا التخصيص بعدما دل عليه الكلام السابق؛ لزيادة التأكيد والاهتمام في الاجتناب عن حق الغير {فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً} ناقص العقل من اهل التبذير {أَوْ ضَعِيفاً} في الرأي والقوة كالصبي والهرم {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ} هو بنفسه {أَن يُمِلَّ هُوَ} لخرس أو لجهل باللغة {فَلْيُمْلِلْ} لأجله {وَلِيُّهُ} أي: من يولي أمره شرعاً {بِٱلْعَدْلِ} برعاية الجانبين بلا ازدياد ولا تبخيس. {وَ} مع ذلك {ٱسْتَشْهِدُواْ} على دينكم ومراضاتكم من الجانبين {شَهِيدَيْنِ} حاضرين في مجلس المراضاة {ِّن رِّجَالِكُمْ} لكمال عقلهم ودينهم {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ} أي: فعلكيم أن تستشهدوا بدل الرجلين برجل وامرأتين دفعاً للحرج، هذا مخصوص بالأموال دون الحدود والقصاص؛ لقلة عقلهن وضعف تأملهن {مِمَّن تَرْضَوْنَ} أنتم أيها العاملون {مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ} الذين ثبت عندكم عدالتهم وديانتهم، وإنما خص هذا العدد لأجل {أَن تَضِلَّ} تنسى {إِحْدَاهُمَا} بمرور الزمان {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا} الذاكرة {ٱلأُخْرَىٰ} الناسية؛ لئلا يبطل حقوق المسلمين. {وَلاَ يَأْبَ} لا يمتنع {ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} لأداء الشهادة أو تحملها مع الاستشهاد والإشهاد {وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ} أي: الكتاب الشامل على مراضاتكم ومعاملاتكم المؤجلة {صَغِيراً} كان الحق {أَو كَبِيراً إِلَىٰ} وقت حلول {أَجَلِهِ} المسمى عند الأخذ {ذَلِكُمْ} أي: الكتاب على الوجه المذكور {أَقْسَطُ} أعدل معاملاتكم {عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْومُ} أعون {لِلشَّهَٰدَةِ} أي: لأدائها {وَأَدْنَىٰ} أقربُ الطرق وأحفظُها في أن {أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ} فيما جرى بينكم من المعاملة نسيئة، فعليكم أن تحافظوا عليها ولا تجاوزوا عنها {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا} تداولونها {بَيْنَكُمْ} يداً بيدٍ {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} ذنب {أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} لمبعدها من التنازع {وَأَشْهِدُوۤاْ} إن لم تكتبوا {إِذَا تَبَايَعْتُمْ} احتياطاً؛ إذ البشر لا يخلو من الضرر والإضرار {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} هذه الصيغة تحتمل البنائين وكلاهما مراد. أمَّا بناء الفاعل، فلا بد أن يضرهم الكاتب المعاملين بترك الإجابة والحضور عند المملي، والزيادة والنقصان في المكتوب وغير ذلك، والشاهد المدعو إلى التحميل والأداء بترك الإجابة والتهاون والإنكار وغير ذلك. أمَّا بناء المفعول، فلا بد ألاَّ يضر الكاتب بمنع أجرته واستعجاله عن مصالحه كذا الشاهد. {وَإِن تَفْعَلُواْ} أشياء مما نهي عنه {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} خروج عن حدود الله لاحق به ضره {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} عن مخالفة حدوده وأحكامه {وَ} خصوصاً بعدما {يُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ} المدبر لمصالحكم ما ينبغي لكم ويليق بحالكم {وَٱللَّهُ} المتجلي بصفة الجمال والجلال {بِكُلِّ شَيْءٍ} صدر عنكم {عَلِيمٌ} [البقرة: 282] يجازيكم على مقتضى علمه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن إباحة السلم بعد تحريم الربا بالفضل والكرم بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ} [البقرة: 282]، والإشارة فيها: أن الله عز وجل من كمال رأفته ورحمته على عباده علمهم كيفية معاملاتهم فيما بينهم، والأخذ بالاحتياط والاستظهار؛ لئلا يجري من بعضهم على بعض حيف؛ ولئلا يتخاصموا ويتنازعوا فيحقد بعضهم على بعض، فأمر بتحصين الحقوق بالكتابة والإشهاد، وأمر الشهود بالتحمل ثم بالإقامة، وأمر الكاتب أن يكتب علمه الله بالعدل ورعى في ذلك دقائق كثيرة كما ذكرها، فيشير بهذه المعاني إلى ثلاثة أحوال: أولها: حال الله مع عباده، فيظهر آثار ألطافه معهم وغاية عنايته في حقهم أنه تبارك وتعالى كيف يرفق بهم ويعلمهم كيفية معاملاتهم الدنيوية، حتى لا يكونوا في خسران من أمر ديناهم، ولا يكون فيها بينهم عداوة وحقد وخصومة تودي إلى تنقيص عينهم في الدنيا، ووبال عقوبة في الآخرة، فيلستدلوا بها أن تكاليف الشرع التي أمروا بها أيضاً من كمال عاطفته ورحمته واستعملهم بها؛ ليفيض عليهم سجال نعمه ويسبغ عليهم ظلال كرمه، كقوله: {أية : مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ}تفسير : [المائدة: 6]. وثانيها: حال العباد مع الله تعالى؛ ليعلموا هذه الدقائق للأمور الدنيوية الفانية فيما بينهم أن للأمور الدنيوية الفانية فيما بينهم، إن للأمور الأخروية الباقية فيما بينهم، وبين الله تعالى أيضاً دقائق أ كثر منها وأدق، والعباد بها محاسبون وعلى مثقال ذرة من خير مثابون، وعلى مثقال ذرة من شرها معاقبون، وأنها بالرعاية أحرى وأولى، وأخروي من أمور الدنيا، وأن الله تعالى كما أمر العباد أن يكتبوا كتاب المبايعة فيما بينهم ويستشهدوا عليهم العدول، كذلك كتب كتاب مبايعة جرت بينه وبين عباده في الميثاق، {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ}تفسير : [التوبة: 111]، وعلى هذا عاهدهم وأشهد الملائكة الكرام عليه، ثم رقم في الكتاب أن ياقتوتة من الجنة وديعة وهي الحجر الأسود. ثم قال تعالى: {أية : وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ}تفسير : [التوبة: 111]، واليوم أنتم مطالبون بالثمن، فإن تسلموا إليه بالتمام فقد سلم إليكم المبيع، وإن حوسبتم غداً وبقي عليكم مثقال ذرة من الثمن، فتحبسون في سجن السجين حتى تخرجوا من عهدته، وإن الله تعالى أمركم أن {وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ} [البقرة: 282]، أن تكتبوا معاملاتكم الصغيرة والكبيرة، ثم عند خروجكم من الدنيا يجعلونه في أعناقكم، فتبعثون يوم القيامة، {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً}تفسير : [الإسراء: 13]، ثم نودي من سرادقات الجلال: يا قوي الظلم ضعيف الحال، إقرأ كتابكم {أية : كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}تفسير : [الإسراء: 14]. {أية : فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}تفسير : [الكهف: 49]، فما بال العالمين مع الله تعالى ينامون غافلين عن الله، وقد أسكرتهم مشارب الآمال حتى نسوا قرب الآجال، فرحم الله امرؤ تنبه عن نوم غفلته، ويعلم أن الكتاب بأمر الله يكتبون عليه في صباحه ومسائه، وما يكتبون الآن إملائه وأنه بالقليل والكثير فيما علا يخاطب، وبالنقير والقمطير على ما يميل عن الحق يعاتب فيحاسب نفسه قبل أن يحاسب، ويعرف على نفسه ما هو حق الحق فيمليه على كاتبه بلسان صدق من غير ثوان وفتور ولا نقصان، وقصوركما أشير إليه في إملاء ما عليه {ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً} [البقرة: 282]، فعليه أن على الحق بالحق كما على الحق للحق. {فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ} [البقرة: 282]؛ أي حق الحق {سَفِيهاً} [البقرة: 282]؛ أي: جاهلاً بإملاء الحق للحق من اشتغاله بالباطل {أَوْ ضَعِيفاً} [البقرة: 282]؛ أي: عاجزاً مغلوباً بغلبات سفاهة نفسه {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ} [البقرة: 282]؛ أي: ممنوع بالموانع، معوق بالعوائق، ومغلوب بالعلائق، لا قدرة له على إملاء ما ينفعه ولا يضره، ولا قوة له في إنهاء ما لا يجوز، وبشره {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ} [البقرة: 282]؛ أي: فليرجع إلى وليه وليشك إليه ما يسره ويحزنه مما لديه، ويستعين به على إملاء ما له وعليه، فإن لكل قوم ولياً يخرجهم من الأحزان إلى السرور، ومن الأسجان إلى القصور، {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [البقرة: 257]، ومن الأشجان إلى الحبور، ومن العجز والفتور إلى القوة والحضور. {بِٱلْعَدْلِ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ} [البقرة: 282]؛ أي: استصبحوا من أرباب القلوب، {أية : لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}تفسير : [ق: 37] من الذين هم بالنسبة رجالكم وأنتم نساؤهم، {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ} [البقرة: 282] من أرباب القلوب {فَرَجُلٌ} [البقرة: 282] منهم، {وَٱمْرَأَتَانِ} [البقرة: 282]؛ يعني: رجلين منكم وإن لم يكونا من الرجال البالغين، ليكون صلاحية الرجلين من أهل الصلاح، بمثابة قوة رجل من أهل الولاية في بدء الصحبة {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ} [البقرة: 282]؛ يعني: أن يكون من شهداء الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنتم شهداء الله في أرضه"،تفسير : {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} [البقرة: 282]، وطريق الحق عن جادة الاستقامة. {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} [البقرة: 282]، فإن {أية : ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الذاريات: 55]، كما قيل الرفيق ثم الطريق، فإن بادية النفس مملوءة من أعراب الهوى والشياطين، ولا تسلك إلا في حضارة من ركب هواه، ويقر الشيطان من ظلالهم أعلام الإسلام، وسلاطين الدين، وأئمة الهدى، ومن في هذا الشأن بهم يقتدى؛ لأنهم جروا على ترك الدنيا وعبروا عن الدرجات العلا وما زاغ بصرهم بنعيم جنة المأوى وما طغى، فكوشفوا بحقائق آيات ربهم الكبرى وصاروا أئمة الهدى وقادة الطلاب إلى المولي، كما قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}تفسير : [السجدة: 24]. أما الحال الثالث: فهو حال العباد فيما بينهم، فليعبر كل واحد منهم من ملاطفات الحق معهم؛ ليتخلق بأخلاق الحق في مخالفتهم؛ وليتوسل إلى الله بحسن مرافقتهم؛ وليحفظ حدود الله في موافقتهم ومخالفتهم؛ وليتمسك بعروة محبتهم في الله وخدمتهم الله وصحبتهم إلى الله، ويصحبهم بالله؛ ليجوزوا في رفقتهم {أية : صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً}تفسير : [النساء: 68] ويفوز من زمرتهم فوزاً عظيماً، وفي جميع الأحوال كونوا مع الله، كما قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 282]؛ أي: اتقوا الله في الأحوال الثلاثة، كما يعلمكم بالعبادات والإشارات {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ} [البقرة: 282]، تعلمون في جميع الأحوال من الأقوال والأفعال، {عَلِيمٌ} [البقرة: 282]، يعلم مضمون ضمائركم ومكنون سرائركم فيجازيكم على حسن معاملاتكم بقدر خلوصكم، وصفاء نياتكم، وصدق طواياتكم. ثم أخبر عن الوثيقة في القروض بالرهن المقبوض بقوله: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283]، والإشارة في الآيتين: أن أهل الدين طائفتان: الواقفون والسائرون، والواقف: من لزم عتبة الصورة ولم يفتح له باب عالم المعنى فهو: كالفرخ المحبوس في قشر البيضة، فيكون مشربه من عالم المعاملات البدينة، فلا سبيل له إلى عالم القلب ومعاملاته، فهو محبوس في سجن الجسد وعليه الموكلان من الكرام الكاتبين، يكتبان عليه من أعمال الظاهرة بالسعير والقمطير، {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}تفسير : [ق: 18]، والسائرين: من لا نعيم في محل ولا ينزل في منزل فهو يسافر من عالم الصورة إلى عالم المعنى، من مضيق الأجساد إلى متسع الأرواح، وهم صنفان: صنف سيار، وصنف طيار، فالسائر: من يسير يقتدي الشرع والعقل على جادة الطريقة، والطيار: من يطير بجناحي العتيق والهمة في قضاء الحقيقة ورجليه خلخال الشريعة والطريقة. والإشارة في قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً} [البقرة: 283]، إلى السيار الذي تخلص من سجن الجسد وقيد الحواس ورحمة التوكيل، فلم يوجد له كاتباً يكتب عليه قال بعضهم: ما كتب على صاحب الشمال منذ عشرين سنة، وقال بعضهم: كاشف لي اليمين، وقال لي: أملي على شيئاً من معاملات قلبك لأكتبه، فإني أريد أن أتقرب إلى الله، قال: فقلت له: حسبك الفرائض، فالحبس والقيد والتوكيل لمن لم يرد حق صاحب الحق، أو يكون هارباً منه فيحبس ويقيد ويوكل عليه، فأما الذي آناء والليل وأطراف النهار ويغدوا أو يروح في طلب غريمه، وما يبرح في حريمه فلا يحتاج إلى التوكيل والتقييد، فالذي هو كل على الهارب يكون للطاب وكيلاً وحفيظاً {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الرعد: 11]، فافهم جدّاً. فيما يكتب على السائرين إلى الله كاتبهم ولهم رهان مقبوضة عند الله، رهان وأي رهان، فأرهان قلوب ليس فيها غير الله، وقبض وأي قبض، فمقبوضة بين أصبعين من أصابع الرحمان، فالإشارة في قوله تعالى: {وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283]، إلى اليسار الذي له قلب فرهنه، فأما الطيار الذي هو عاشق مفقود القلب، مسلوب العقل، مجذوب السير، فلا يطالب بالرهن فإنه مبطوش يبطشه الشديد. شعر : مستهامٌ ضاق مذهبهُ في هوى من عز مطلبه كل أمري في الهوى عجبُ وخلاصي منه أعجبهُ تفسير : وإنما يحتاج إلى الرهن المتهم بالخيانة لا المتعين للأمانة، فلم يوجد في السماوات والأرض ولا في الدنيا والآخرة أمين يؤتمن الحمل أعباء أمانته؛ إلا العاشق المسكين، فإنها لم عرضت على الخليقة فنظر إليها الجلي من ليس بعاشق أشفق منها وحار فيها وأبى إن يحملها، والعاشق المسكين لما نظر إلى فراش تلك الشمعة تعشق بها وطار فيها، وأتى أن يحملها واستحسن منه ما تفرد به من أصحابه زيدت له من الحضرة ألقاب، فإنه قد نسب في البداية إلى {أية : مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}تفسير : [البقرة: 30]، فلقب في النهاية، {أية : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72]. هذا أمر عجيب ونقش غريب، أنه من لم يطمع في حمل الأمانة، وأبى فنسب إلى المكان والطاعة والأمانة، ويقال له: مكين مطاع، ثم أمين، ومن أطاع فينسب إلى الظلم والجهل والفساد والخيانة نعم، إنما يكون ذلك بوجهين: أحدهما: أن الذلة والمسكنة وقعت في قسم العاشق، كما أن العزة والعظمة وقعت في قسم المعشوق؛ بل جمال عزة المعشوق لا يظهر كماله إلا في مرآة ذلة العاشق. وثايها: إن من كمال العزة الأمانة، يلزم كمال ذلة المؤتمن في الظاهر واستهتاره بتهمة الظلم والخيانة؛ لكتمان صلاح أمر الأمانة، لا ينسب إلى غير المؤمن بحسن الثناء عليه بهمة الأمانة، فيأتمنون عزته في الظاهر ذلته في الحقيقة بذلك على حقيقة هذا السر خطاب: {أية : ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ}تفسير : [البقرة: 34]، وعتاب: {أية : إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 30]؛ يعني: لظاهر حالكم وحاله، ولحقيقة نشأتكم وشأنه سر مخفي، إني عالم به في الحقيقة غير ما تعلمون في الظاهر، فلما أمرتم بسجوده لو كنتم أصحاب الكياسة لعرفتموه بالفراسة، أنه المستحق لخلافتنا والمستعد لأمنتنا، ولاستحقاقه بالخلافة خاطبناكم أن {أية : ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ}تفسير : [البقرة: 34]، ولاستعداده بالأمانة طالبناه، {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ} [البقرة: 283]؛ يعني: لما اخترتك من بين الخليقة واصطفيتك على تحمل الأمانة، فليؤد الذي أؤتمن الأمانة إلى أهلها، كما صرح به وقال {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا}تفسير : [النساء: 58]. ثم أشار إلى كيفية أداء الأمانة إلى أهلها بقوله تعالى: {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ} [البقرة: 283]، التي أشهدتكم على أنفسكم عند قبول حقيقة الأمانة، وكتمان الشهادة أن يكون شهودك من غير شواهد ربك، وهذا من نتائج حياة قلبك في أمانة ربك؛ فلهذا قال تعالى: {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283]، فمهما يكون اتقاء قلبك في حفظ أمانة ربك، فلا يشاهد قلبك إلا شواهد ربك، ولا يؤذي شرك حقيقة أمانتك إلا إلى ربك، فافهم جدّاً، واجتهد لعلك تؤدي بعض حقوقها فتكون في زمرتهم، إن لم تكن من حملتهم {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 283]، في حفظ الأمانة وأداء حقوقها {عَلِيمٌ} [البقرة: 283].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه آية الدين، وهي أطول آيات القرآن، وقد اشتملت على أحكام عظيمة جليلة المنفعة والمقدار، أحدها: أنه تجوز جميع أنواع المداينات من سلم وغيره، لأن الله أخبر عن المداينة التي عليها المؤمنون إخبار مقرر لها ذاكرا أحكامها، وذلك يدل على الجواز، الثاني والثالث أنه لا بد للسلم من أجل وأنه لا بد أن يكون معينا معلوما فلا يصح حالا ولا إلى أجل مجهول، الرابع: الأمر بكتابة جميع عقود المداينات إما وجوبا وإما استحبابا لشدة الحاجة إلى كتابتها، لأنها بدون الكتابة يدخلها من الغلط والنسيان والمنازعة والمشاجرة شر عظيم، الخامس: أمر الكاتب أن يكتب، السادس: أن يكون عدلا في نفسه لأجل اعتبار كتابته، لأن الفاسق لا يعتبر قوله ولا كتابته، السابع أنه يجب عليه العدل بينهما، فلا يميل لأحدهما لقرابة أو صداقة أو غير ذلك، الثامن: أن يكون الكاتب عارفا بكتابة الوثائق وما يلزم فيها كل واحد منهما، وما يحصل به التوثق، لأنه لا سبيل إلى العدل إلا بذلك، وهذا مأخوذ من قوله: { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } التاسع: أنه إذا وجدت وثيقة بخط المعروف بالعدالة المذكورة يعمل بها، ولو كان هو والشهود قد ماتوا، العاشر: قوله: { ولا يأب كاتب أن يكتب } أي: لا يمتنع من منَّ الله عليه بتعليمه الكتابة أن يكتب بين المتداينين، فكما أحسن الله إليه بتعليمه، فليحسن إلى عباد الله المحتاجين إلى كتابته، ولا يمتنع من الكتابة لهم، الحادي عشر: أمر الكاتب أن لا يكتب إلا ما أملاه من عليه الحق، الثاني عشر: أن الذي يملي من المتعاقدين من عليه الدين، الثالث عشر: أمره أن يبين جميع الحق الذي عليه ولا يبخس منه شيئا، الرابع عشر: أن إقرار الإنسان على نفسه مقبول، لأن الله أمر من عليه الحق أن يمل على الكاتب، فإذا كتب إقراره بذلك ثبت موجبه ومضمونه، وهو ما أقر به على نفسه، ولو ادعى بعد ذلك غلطا أو سهوا، الخامس عشر: أن من عليه حقا من الحقوق التي البينة (1) على مقدارها وصفتها من كثرة وقلة وتعجيل وتأجيل، أن قوله هو المقبول دون قول من له الحق، لأنه تعالى لم ينهه عن بخس الحق الذي عليه، إلا أن قوله مقبول على ما يقوله من مقدار الحق وصفته، السادس عشر: أنه يحرم على من عليه حق من الحقوق أن يبخس وينقص شيئا من مقداره، أو طيبه وحسنه، أو أجله أو غير ذلك من توابعه ولواحقه، السابع عشر: أن من لا يقدر على إملاء الحق لصغره أو سفهه أو خرسه، أو نحو ذلك، فإنه ينوب وليه منابه في الإملاء والإقرار، الثامن عشر: أنه يلزم الولي من العدل ما يلزم من عليه الحق من العدل، وعدم البخس لقوله { بالعدل } التاسع عشر: أنه يشترط عدالة الولي، لأن الإملاء بالعدل المذكور لا يكون من فاسق، العشرون: ثبوت الولاية في الأموال، الحادي والعشرون: أن الحق يكون على الصغير والسفيه والمجنون والضعيف، لا على وليهم، الثاني والعشرون: أن إقرار الصغير والسفيه والمجنون والمعتوه ونحوهم وتصرفهم غير صحيح، لأن الله جعل الإملاء لوليهم، ولم يجعل لهم منه شيئا لطفا بهم ورحمة، خوفا من تلاف أموالهم، الثالث والعشرون: صحة تصرف الولي في مال من ذكر، الرابع والعشرون: فيه مشروعية كون الإنسان يتعلم الأمور التي يتوثق بها المتداينون كل واحد من صاحبه، لأن المقصود من ذلك التوثق والعدل، وما لا يتم المشروع إلا به فهو مشروع، الخامس والعشرون: أن تعلم الكتابة مشروع، بل هو فرض كفاية، لأن الله أمر بكتابة الديون وغيرها، ولا يحصل ذلك إلا بالتعلم، السادس والعشرون: أنه مأمور بالإشهاد على العقود، وذلك على وجه الندب، لأن المقصود من ذلك الإرشاد إلى ما يحفظ الحقوق، فهو عائد لمصلحة المكلفين، نعم إن كان [ ص 119 ] المتصرف ولي يتيم أو وقف ونحو ذلك مما يجب حفظه تعين أن يكون الإشهاد الذي به يحفظ الحق واجبا، السابع والعشرون: أن نصاب الشهادة في الأموال ونحوها رجلان أو رجل وامرأتان، ودلت السنة أيضا أنه يقبل الشاهد مع يمين المدعي، الثامن والعشرون: أن شهادة الصبيان غير مقبولة لمفهوم لفظ الرجل، التاسع والعشرون: أن شهادة النساء منفردات في الأموال ونحوها لا تقبل، لأن الله لم يقبلهن إلا مع الرجل، وقد يقال إن الله أقام المرأتين مقام رجل للحكمة التي ذكرها وهي موجودة سواء كن مع رجل أو منفردات والله أعلم. الثلاثون: أن شهادة العبد البالغ مقبولة كشهادة الحر لعموم قوله: { فاستشهدوا شهيدين من رجالكم } والعبد البالغ من رجالنا، الحادي والثلاثون: أن شهادة الكفار ذكورا كانوا أو نساء غير مقبولة، لأنهم ليسوا منا، ولأن مبنى الشهادة على العدالة وهو غير عدل، الثاني والثلاثون: فيه فضيلة الرجل على المرأة، وأن الواحد في مقابلة المرأتين لقوة حفظه ونقص حفظها، الثالث والثلاثون: أن من نسي شهادته ثم ذكرها فذكر فشهادته مقبولة لقوله: { فتذكر إحداهما الأخرى } الرابع والثلاثون: يؤخذ من المعنى أن الشاهد إذا خاف نسيان شهادته في الحقوق الواجبة وجب عليه كتابتها، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والخامس والثلاثون: أنه يجب على الشاهد إذا دعي للشهادة وهو غير معذور، لا يجوز له أن يأبى لقوله: { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } السادس والثلاثون: أن من لم يتصف بصفة الشهداء المقبولة شهادتهم، لم يجب عليه الإجابة لعدم الفائدة بها ولأنه ليس من الشهداء، السابع والثلاثون: النهي عن السآمة والضجر من كتابة الديون كلها من صغير وكبير وصفة الأجل وجميع ما احتوى عليه العقد من الشروط والقيود، الثامن والثلاثون: بيان الحكمة في مشروعية الكتابة والإشهاد في العقود، وأنه { أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا } فإنها متضمنة للعدل الذي به قوام العباد والبلاد، والشهادة المقترنة بالكتابة تكون أقوم وأكمل وأبعد من الشك والريب والتنازع والتشاجر، التاسع والثلاثون: يؤخذ من ذلك أن من اشتبه وشك في شهادته لم يجز له الإقدام عليها بل لا بد من اليقين، الأربعون: قوله: { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها } فيه الرخصة في ترك الكتابة إذا كانت التجارة حاضرا بحاضر، لعدم شدة الحاجة إلى الكتابة، الحادي والأربعون: أنه وإن رخص في ترك الكتابة في التجارة الحاضرة، فإنه يشرع الإشهاد لقوله: { وأشهدوا إذا تبايعتم } الثاني والأربعون: النهي عن مضارة الكاتب بأن يدعى وقت اشتغال وحصول مشقة عليه، الثالث والأربعون: النهي عن مضارة الشهيد أيضا بأن يدعى إلى تحمل الشهادة أو أدائها في مرض أو شغل يشق عليه، أو غير ذلك هذا على جعل قوله: { ولا يضار كاتب ولا شهيد } مبنيا للمجهول، وأما على جعلها مبنيا للفاعل ففيه نهي الشاهد والكاتب أن يضارا صاحب الحق بالامتناع أو طلب أجرة شاقة ونحو ذلك، وهذان هما الرابع والأربعون والخامس والأربعون والسادس والأربعون أن ارتكاب هذه المحرمات من خصال الفسق لقوله: { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } السابع والأربعون أن الأوصاف كالفسق والإيمان والنفاق والعداوة والولاية ونحو ذلك تتجزأ في الإنسان، فتكون فيه مادة فسق وغيرها، وكذلك مادة إيمان وكفر لقوله: { فإنه فسوق بكم } ولم يقل فأنتم فاسقون أو فُسّاق. الثامن والأربعون: - وحقه أن يتقدم على ما هنا لتقدم موضعه- اشتراط العدالة في الشاهد لقوله: { ممن ترضون من الشهداء } التاسع والأربعون: أن العدالة يشترط فيها العرف في كل مكان وزمان، فكل من كان مرضيا معتبرا عند الناس قبلت شهادته، الخمسون: يؤخذ منها عدم قبول شهادة المجهول حتى يزكى، فهذه الأحكام مما يستنبط من هذه الآية الكريمة على حسب الحال الحاضرة والفهم القاصر، ولله في كلامه حكم وأسرار يخص بها من يشاء من عباده.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 133 : 14 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ} قال، من الأحرار. [الآية 282]. 134 : 15 - سفين عن ليث عن مجاهد في قوله {وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} قال، كان بن عمر إذا باع بنقد، أشهد ولم يكتب. [الآية 282]. 135 : 17 - سفين عن ليث قال، قال مجاهد، إذا بعت بنسيئة، فأشهد واكتب. [الآية 282]. 136 : 19 - سفين عن اسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي في قوله جل وعز {وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} قال، إن شاء أشهد، وإن شاء لم يشهد. قال، وقرأ {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً} [الآية 283].

همام الصنعاني

تفسير : 354- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ}: [الآية: 282]، قال: لا تَأْبَ أَنْ تَشْهَدَ إذا دُعيتَ إلى شهادة. 355- عبد الرزاق، قال معمر: وكان الحسن يقول مثل ذلك ويقول: جَمَعَتُ الأمرين، لا تأب إن كانت عندك شهادة أن تشهد بها، ولا تأب إذا دُعيتَ إلى شهادة. 356- عبد الرزاق قال: حدثنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ}: [الآية: 282] فقال: إذا كانوا قد شهدوا، قال: وقال جابر الجعفي عن مجاهد: الشاهد بالخيار ما لم يشهد. 357- عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن جريج، عن عطاء ومجاهد في قوله تعالى: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}: [الآية: 282]، قال: واجب على الكاتب أن يكتب، {وَلاَ شَهِيدٌ}، قال: إذا كان شهد قبل هذا. 358- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} [الآية: 282]، قال: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ} فيكتب ما لم يمل عليه، {وَلاَ شَهِيدٌ} يقول: فيشهد بما لم يشهد عليه. 359- عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن جريج، عن عطاء في قوله تعالى: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}: [الآية: 282]، يقول: أن يؤديا ما قِبَلهما. 360- عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن عُيَيْنة، عن عمرو، عن عِكْرِمة قال: كان عمر يقرأ: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}. 362- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله تعالى: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}: [الآية: 282]، إذا دُعِيَ الرجل فقال: لي حاجة.