Verse. 290 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاِنْ كُنْتُمْ عَلٰي سَفَرٍ وَّلَمْ تَجِدُوْا كَاتِبًا فَرِھٰنٌ مَّقْبُوْضَۃٌ۝۰ۭ فَاِنْ اَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ اَمَانَــتَہٗ وَلْيَتَّقِ اللہَ رَبَّہٗ۝۰ۭ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّہَادَۃَ۝۰ۭ وَمَنْ يَّكْتُمْہَا فَاِنَّہٗۗ اٰثِمٌ قَلْبُہٗ۝۰ۭ وَ اللہُ بِمَا تَعْمَلُوْنَ عَلِيْمٌ۝۲۸۳ۧ
Wain kuntum AAala safarin walam tajidoo katiban farihanun maqboodatun fain amina baAAdukum baAAdan falyuaddi allathee itumina amanatahu walyattaqi Allaha rabbahu wala taktumoo alshshahadata waman yaktumha fainnahu athimun qalbuhu waAllahu bima taAAmaloona AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن كنتم على سفر» أي مسافرين وتداينتم «ولم تجدوا كاتبا فَرِهاَنٌ» وفي قراءة فَرهُنٌ جمع رهن «مقبوضة» تستوثقون بها وبينت السنة جواز الرهن في الحضر ووجود الكاتب فالتقيد بما ذكر لأن التوثيق فيه أشد وأفاد قوله مقبوضة اشتراط القبض في الرهن والاكتفاء به من المرتهن ووكيله «فإن أمن بعضكم بعضا» أي الدائن المدين على حقه فلم يرتهن «فليؤد الذي أؤتمن» أي المدين «أمانته» دينه «وليتق الله ربَّه» في أدائه «ولا تكتموا الشهادة» إذا دُعيتم لإقامتها «ومن يكتمها فإنه آثم قلبه» خص بالذكر لأنه محل الشهادة ولأنه إذا أثم تبعه غيره فيعاقب عليه معاقبة الآثمين «والله بما تعلمون عليم» لا يخفَى عليه شيء منه.

283

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أنه تعالى جعل البياعات في هذه الآية على ثلاثة أقسام: بيع بكتاب وشهود، وبيع برهان مقبوضة، وبيع الأمانة، ولما أمر في آخر الآية المتقدمة بالكتبة والإشهاد، واعلم أنه ربما تعذر ذلك في السفر إما بأن لا يوجد الكاتب، أو إن وجد لكنه لا توجد آلات الكتابة ذكر نوعاً آخر من الاستيثاق وهو أخذ الرهن فهذا وجه النظم وهذا أبلغ في الاحتياط من الكتبة والإشهاد ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكرنا اشتقاق في السفر في قوله تعالى: {أية : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } تفسير : [البقرة: 184] ونعيده هٰهنا قال أهل اللغة: تركيب هذه الحروف للظهور والكشف فالسفر هو الكتاب، لأنه يبين الشيء ويوضحه، وسمي السفر سفراً، لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، أي يكشف، أو لأنه لما خرج من الكن إلى الصحراء فقد انكشف للناس، أو لأنه لما خرج إلى الصحراء، فقد صارت أرض البيت منكشفة خالية، وأسفر الصبح إذا ظهر، وأسفرت المرأة عن وجهها، أي كشفت وسفرت عن القوم أسفر سفارة إذا كشفت ما في قلوبهم، وسفرت أسفر إذا كنست، والسفر الكنس، وذلك لأنك إذا كنست، فقد أظهرت ما كان تحت الغبار والسفر من الورق ما سفر به الريح، ويقال لبقية بياض النهار بعد مغيب الشمس سفر لوضوحه والله أعلم. المسألة الثانية: أصل الرهن من الدوام، يقال: رهن الشيء إذا دام وثبت، ونعمة راهنة أي دائمة ثابتة. إذا عرفت أصل المعنى فنقول: أصل الرهن مصدر. يقال: رهنت عند الرجل أرهنه رهناً إذا وضعت عنده، قال الشاعر:شعر : يراهنني فيرهنني بنيه وأرهنه بني بما أقول تفسير : إذا عرفت هذا فنقول: إن المصادر قد تنقل فتجعل أسماء ويزول عنها عمل الفعل، فإذا قال: رهنت عند زيد رهناً لم يكن انتصابه انتصاب المصدر، لكن انتصاب المفعول به كما تقول: رهنت عند زيد ثوباً، ولما جعل اسماً بهذا الطريق جمع كما تجعل الأسماء وله جمعان: رهن ورهان، ومما جاء على رهن قول الأعشى:شعر : آليت لا أعطيه من أبنائنا رهناً فيفسدهم كمن قد أفسدا تفسير : وقال بعيث:شعر : بانت سعاد وأمسى دونها عدن وغلقت عندها من قبلك الرهن تفسير : ونظيره قولنا: رهن ورهن، سقف وسقف، ونشر ونشر، وخلق وخلق، قال الزجاج: فعل وفعلى قليل، وزعم الفرّاء أن الرهن جمعه رهان، ثم الرهان جمعه رهن فيكون رهن جمع الجمع وهو كقولهم ثمار وثمر، ومن الناس من عكس هذا فقال: الرهن جمعه رهن، والرهن جمعه رهان، واعلم أنهما لما تعارضا تساقطا لا سيما وسيبويه لا يرى جمع الجمع مطرداً، فوجب أن لا يقال به إلا عند الاتفاق، وأما أن الرهان جمع رهن فهو قياس ظاهر، مثل نعل ونعال، وكبش وكباش وكعب وكعاب، وكلب وكلاب. المسألة الثالثة: قرأ ابن كثير أبو عمرو {فرهن} بضم الراء والهاء، وروي عنهما أيضاً {فرهن} برفع الراء وإسكان الهاء والباقون {فرهان} قال أبو عمرو: لا أعرف الرهان إلا في الخيل، فقرأت {فرهن } للفصل بين الرهان في الخيل وبين جمع الرهن، وأما قراءة أبي عمرو بضم الراء وسكون الهاء، فقال الأخفش: إنها قبيحة لأن فعلاً لا يجمع على فعل إلا قليلاً شاذاً كما يقال: سقف وسقف تارة بضم القاف وأخرى بتسكينها، وقلب للنخل ولحد ولحد وبسط وبسط وفرس ورد، وخيل ورد. المسأل الرابعة: في الآية حذف فإن شئنا جعلناه مبتدأ وأضمرنا الخبر، والتقدير: فرهن مقبوضة بدل من الشاهدين، أو ما يقوم مقامهما، أو فعليه رهن مقبوضة، وإن شئنا جعلناه خبراً وأضمرنا المبتدأ، والتقدير: فالوثيقة رهن مقبوضة. المسألة الخامسة: اتفقت الفقهاء اليوم على أن الرهن في السفر والحضر سواء في حال وجود الكاتب وعدمه، وكان مجاهد يذهب إلى أن الرهن لا يجوز إلا في السفر أخذاً بظاهر الآية، ولا يعمل بقوله اليوم وإنما تقيدت الآية بذكر السفر على سبيل الغالب، كقوله {أية : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ } تفسير : [النساء: 101] وليس الخوف من شرط جواز القصر. المسألة السادسة: مسائل الرهن كثيرة، واحتج من قال بأن رهن المشاع لا يجوز بأن الآية دلّت على أن الرهن يجب أن يكون مقبوضاً والعقل أيضاً يدل عليه لأن المقصود من الرهن استيثاق جانب صاحب الحق بمنع الجحود، وذلك لا يحصل إلا بالقبض والمشاع لا يمكن أن يكون مقبوضاً فوجب ألا يصح رهن المشاع. ثم قال تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُ } واعلم أن هذا هو القسم الثالث من البياعات المذكورة في الآية، وهو بيع الأمانة، أعني ما لا يكون فيه كتابة ولا شهود ولا يكون فيه رهن، وفيه مسائل: المسألة الأولى: أمن فلان غيره إذا لم يكن خائفاً منه، قال تعالى: {أية : هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ } تفسير : [يوسف: 64] فقوله {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } أي لم يخف خيانته وجحوده {فَلْيُؤَدّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُ } أي فليؤد المديون الذي كان أميناً ومؤتمناً في ظن الدائن، فلا يخلف ظنه في أداء أمانته وحقه إليه، يقال: أمنته وائتمنته فهو مأمون ومؤتمن. ثم قال: {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ } أي هذا المديون يجب أن يتقي الله ولا يجحد، لأن الدائن لما عامله المعاملة الحسنة حيث عول على أمانته ولم يطالبه بالوثائق من الكتابة والإشهاد والرهن فينبغي لهذا المديون أن يتقي الله ويعامله بالمعاملة الحسنة في أن لا ينكر ذلك الحق، وفي أن يؤديه إليه عند حلول الأجل، وفي الآية قول آخر، وهو أنه خطاب للمرتهن بأن يؤدي الرهن عند استيفاء المال فإنه أمانة في يده، والوجه هو الأول. المسألة الثانية: من الناس من قال: هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على وجوب الكتابة والإشهاد وأخذ الرهن، واعلم أن التزام وقوع النسخ من غير دليل يلجىء إليه خطأ، بل تلك الأوامر محمولة على الإرشاد ورعاية الاحتياط، وهذه الآية محمولة على الرخصة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ليس في آية المداينة نسخ، ثم قال: {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ } وفي التأويل وجوه: الوجه الأول: قال القفال رحمه الله: إنه تعالى لما أباح ترك الكتابة والإشهاد والرهن عند اعتقاد كون المديون أميناً، ثم كان من الجائز في هذا المديون أن يخلف هذا الظن، وأن يخرج خائناً جاحداً للحق، إلا أنه من الجائز أن يكون بعض الناس مطلعاً على أحوالهم، فههنا ندب الله تعالى ذلك الإنسان إلى أن يسعى في إحياء ذلك الحق، وأن يشهد لصاحب الحق بحقه، ومنعه من كتمان تلك الشهادة سواء عرف صاحب الحق تلك الشهادة، أو لم يعرف وشدد فيه بأن جعله آثم القلب لو تركها، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر يدل على صحة هذا التأويل، وهو قوله «حديث : خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد». تفسير : الوجه الثاني: في تأويل أن يكون المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك الواقعة، ونظيره قوله تعالى: {أية : أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَــٰقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ قُلْ ءأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ ممنْ كتمَ شِهَادةً عندَه من الله } تفسير : [البقرة: 140] والمراد الجحود وإنكار العلم. الوجه الثالث: في كتمان الشهادة والامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها، وقد تقدم ذلك في قوله {أية : وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ } تفسير : [البقرة: 282] وذلك لأنه متى امتنع عن إقامة الشهادة فقد بطل حقه، وكان هو بالامتناع من الشهادة كالمبطل لحقه، وحرمة مال المسلم كحرمة دمه، فهذا بالغ في الوعيد. ثم قال: {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الآثم الفاجر، روي أن عمر كان يعلم أعرابياً {أية : إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ } تفسير : [الدخان: 43، 44] فكان يقول: طعام اليتيم، فقال له عمر: طعام الفاجر. فهذا يدل على أن الآثم بمعنى الفجور. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: آثم خبر إن وقلبه رفع بآثم على الفاعلية كأنه قيل فإنه يأثم قلبه وقرىء {قَلْبَهُ } بالفتح كقوله {أية : سَفِهَ نَفْسَهُ } تفسير : [البقرة: 130] وقرأ ابن أبي عبلة {آثمٌ قَلْبُهُ} أي جعله آثماً. المسألة الثالثة: اعلم أن كثيراً من المتكلمين قالوا. إن الفاعل والعارف والمأمور والمنهي هو القلب، وقد استقصينا هذه المسألة في سورة الشعراء في تفسير قوله تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [الشعراء: 193، 194] وذكرنا طرفاً منه في تفسير قوله {أية : قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [البقرة: 97] وهؤلاء يتمسكون بهذه الآية ويقولون: إنه تعالى أضاف الآثم إلى القلب فلولا أن القلب هو الفاعل وإلا لما كان آثماً. وأجاب من خالف في هذا القول بأن إضافة الفعل إلى جزء من أجزاء البدن إنما يكون لأجل أن أعظم أسباب الإعانة على ذلك الفعل إنما يحصل من ذلك العضو، فيقال: هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي، ويقال: فلان خبيث الفرج ومن المعلوم أن أفعال الجوارح تابعة لأفعال القلوب ومتولدة مما يحدث في القلوب من الدواعي والصوارف، فلما كان الأمر كذلك فلهذا السبب أضيف الآثم ههنا إلى القلب. ثم قال عزّ وجلّ: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } وهو تحذير من الإقدام على هذا الكتمان، لأن المكلف إذا علم أنه لا يعزب عن علم الله ضمير قلبه كان خائفاً حذراً من مخالفة أمر الله تعالى، فإنه يعلم أنه تعالى يحاسبه على كل تلك الأفعال، ويجازيه عليها إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً.

القرطبي

تفسير : . فيه أربع وعشرون مسألة: الأُولىٰ ـ لمّا ذكر الله تعالىٰ النَّدْب إلى الإشهاد والكتْب لمصلحة حفظ الأموال والأدّيَان، عقّب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتْب، وجعل لها الرهن، ونص من أحوال العذر على السفر الذي هو غالب الأعذار، لا سيما في ذلك الوقت لكثرة الغزو، ويدخل في ذلك بالمعنى كلُّ عذر. فرُبّ وقت يتعذّر فيه الكاتب في الحضر كأوقات أشغال الناس وبالليل، وأيضاً فالخوف على خراب ذمّة الغريم عذرٌ يوجب طلب الرهن. وقدحديث : رهن النبيّ صلى الله عليه وسلم دِرْعَه عند يهودي طلب منه سلَف الشعير فقال: إنما يريد محمد أن يذهب بمالي. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «كذب إنِّي لأمينٌ في الأرض أمينٌ في السماء ولو ائتمنني لأدّيت ٱذهبوا إليه بدرعي» فمات ودِرعه مرهونة صلى الله عليه وسلم، تفسير : على ما يأتي بيانه آنِفاً. الثانية ـ قال جمهور من العلماء: الرّهْنُ في السفر بنص التنزيل، وفي الحضر ثابت بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا صحيح. وقد بيّنا جوازه في الحضر من الآية بالمعنى، إذْ قد تترتّب الأعذار في الحضر، ولم يُروَ عن أحدٍ منعُه في الحضر سوى مجاهد والضحاك وداود، متمسِّكين بالآية. ولا حجة فيها؛ لأن هذا الكلام وإن كان خرج مخرج الشرط فالمراد به غالب الأحوال. وليس كون الرهن في الآية في السفر مما يحظر في غيره. وفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً إلى أجلٍ ورهنه دِرعاً له من حديد. وأخرجه النسائي من حديث ابن عباس قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودِرْعُه مرهونةٌ عند يهوديّ بِثلاثين صاعاً من شعير لأهله. الثالثة ـ قوله تعالى: {وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً} قرأ الجمهور «كاتباً» بمعنى رجل يكتب. وقرأ ابن عباس وأُبيّ ومجاهد والضحاك وعِكرِمة وأبو العالية «ولم تَجِدوا كتاباً». قال أبو بكر الأنباري: فسّره مجاهد فقال: معناه فإن لم تجدوا مِداداً يعني في الأسفار. وروي عن ابن عباس «كُتَّاباً». قال النحاس: هذه القراءة شاذّة والعامّة على خلافها، وقلّما يخرج شيء عن قراءة العامة إلا وفيه مَطْعَن؛ ونسَق الكلام على كاتب؛ قال الله عز وجل قبل هذا: {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ} وكُتَّابٌ يقتضي جماعةً. قال ابن عطية: كُتَّاباً يحسُن من حيث لكل نازلة كاتب، فقيل للجماعة: ولم تجدوا كتاباً. وحكى المهدوِيّ عن أبي العالية أنه قرأ «كُتُباً» وهذا جمع كِتاب من حيث النوازل مختلفة. وأمّا قراءة أُبيّ وابنِ عباس «كُتَّاباً» فقال النحاس ومكيّ: هو جمع كاتب كقائم وقِيام. مكي: المعنى وإن عدِمتِ الدواة والقلم والصحيفة. ونفْيُ وجود الكاتب يكون بعدم أي آلة ٱتّفَق، ونَفْي الكاتب أيضاً يقتضي نفي الكتاب؛ فالقراءتان حسنتان إلا من جهة خط المصحف. الرابعة ـ قوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} وقرأ أبو عمرو وابن كثير «فَرُهُنٌ» بضم الراء والهاء، وروي عنهما تخفيف الهاء. وقال الطبريّ: تأوّل قوم أن «رُهُناً» بضم الراء والهاء جمع رِهان، فهو جمعُ جمعٍ، وحكاه الزجاج عن الفرّاء. وقال المهدوِي: «فرهان» إبتداء والخبر محذوف، والمعنى فرهان مقبوضة يكفى من ذلك. قال النحاس: وقرأ عاصم بن أبي النَّجُود «فَرُهْنٌ» بإسكان الهاء، ويروى عن أهل مكة. والباب في هذا «رِهَانٌ»؛ كما يقال: بغل وبِغَال، وكبْش وكِباش؛ ورُهُنٌ سبيله أن يكون جمعَ رِهان؛ مثل كِتاب وكُتُب. وقيل: هو جمع رَهْن؛ مثل سَقْف وسُقُف، وحَلْق وحُلُق، وفَرْش وفُرُش، ونَشْر ونُشُر، وشبهه. «ورُهْن» بإسكان الهاء سبيله أن تكون الضمة حذفت لثقلها. وقيل: هو جمع رهن؛ مثل سَهْم حَشْرٌ، أي دقيق، وسِهام حَشْرٌ. والأوّل أولى؛ لأن الأوّل ليس بنعت وهذا نعت. وقال أبو علي الفارسي: وتكسير «رَهْنٌ» على أقل العدد لم أعلمه جاء، فلو جاء كان قياسه أفْعُلا ككلب وأكْلُب؛ وكأنهم استغنوا بالقليل عن الكثير، كما استغنى ببناء الكثير عن بناء القليل في قولهم: ثلاثة شُسُوع، وقد استغنى ببناء القليل عن الكثير في رَسَن وأَرْسَان؛ فرَهْن يجمع على بناءين وهما فُعُل وفِعَال. الأخفش: فَعْل على فُعُل قبيح وهو قليل شاذّ، قال: وقد يكون «رُهُن» جمعاً للرهان، كأنه يجمع رَهْن على رِهَان، ثم يجمع رِهان على رُهُن؛ مثل فِراش وفُرُش. الخامسة ـ معنى الرَّهْن: احتباس العين وثيقةً بالحق ليُسْتَوْفَى الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغرِيم؛ هكذا حدّه العلماء، وهو في كلام العرب بمعنى الدوام والاستمرار. وقال ابن سِيَده: ورهنه أي أدامه؛ ومِن رهن بمعنى دام قوْلُ الشاعر:شعر : الخُبْزُ واللَّحْمُ لهن راهِنٌ وقَهْوَةٌ رَاوُوقها ساكِبُ تفسير : قال الجوهري: ورَهَن الشيءُ رَهْناً أي دام. وأرهنتُ لهم الطعامَ والشراب أدمته لهم، وهو طعام راهن. والراهن: الثابت، والراهن: المهزول من الإبل والناس؛ قال:شعر : إمّا تَرَيْ جِسْمِيَ خَلاًّ قد رَهَن هَزْلاً وما مَجْدُ الرجالِ في السِّمَنْ تفسير : قال ابن عطية: ويقال في معنى الرهن الذي هو الوَثيقَةُ من الرَّهْن: أرْهنْتُ إرهاناً؛ حكاه بعضهم. وقال أبو عليّ: أرْهنتُ في المُغَالاة، وأما في القرض والبيع فرهنتُ. وقال أبو زيد: أرهنت في السلعة إرهاناً: غاليت بها؛ وهو في الغلاء خاصة. قال:شعر : عِيدِيـةً أُرهِنَـتْ فيـها الدَّنَانيـرُ تفسير : يصف ناقة. والعِيدُ بطن من مَهْرة وإبِلُ مَهْرة موصوفة بالنجابة. وقال الزجاج: يقال في الرهن: رَهَنْت وأرهنت؛ وقاله ابن الأعرابي والأخفش. قال عبد الله بن همام السّلُولي:شعر : فلمّا خَشِيتُ أظَافِيرَهُمْ نَجَوْتُ وأرْهَنْتُهم مالكا تفسير : قال ثَعْلَب: الرواة كلهم على أرهنتهم، على أنه يجوز رهَنْتُه وأرْهَنْتُه، إلا الأصمعي فإنه رواه وأَرْهَنُهُم، على أنه عطفَ بفعل مستقبل على فعل ماض، وشبّهه بقولهم: قمتُ وأصُكّ وجهَه، وهو مذهب حسَنٌ؛ لأن الواو واو الحال؛ فجعل أصُكّ حالاً للفعل الأوّل على معنى قمت صاكا وجهه، أي تركتُه مقيماً عندهم؛ لأنه لا يقال: أرْهَنْت الشيء، وإنما يقال: رهَنْتُه. وتقول: رهنت لساني بكذا، ولا يقال فيه: أرهنت. وقال ابن السِّكّيت: أرهنت فيها بمعنى أسلفت. والمرتَهِن: الذي يأخذ الرّهن. والشيء مرهون ورَهِين، والأُنثى رَهِينة. وراهنت فلاناً على كذا مُراهنةً: خاطرته. وأرهنت به ولدي إرهاناً: أخطرتهم به خَطَراً. والرِهَّينَةُ واحدة الرهائن؛ كله عن الجوهريّ. ابن عطية: ويقال بلا خلاف في البيع والقرض: رهنتُ رهْناً، ثم سُمّي بهذا المصدر الشيءُ المدفوع تقول: رهنت رهناً؛ كما تقول رهنت ثوباً. السادسة ـ قال أبو علي: ولما كان الرهن بمعنى الثبوت، والدوام فمن ثَمّ بطل الرهن عند الفقهاء إذا خرج من يد المرتهن إلى الراهن بوجه من الوجوه؛ لأنه فارق ما جُعل (باختيار المرتهن) له. قلت ـ هذا هو المعتمد عندنا في أن الرهن متى رجع إلى الراهن باختيار المرتهن بطل الرهْن؛ وقاله أبو حنيفة، غير أنه قال: إن رجع بعارية أو وديعة لم يبطل. وقال الشافعيّ: إن رجوعه إلى يَدِ الراهن مطلقاً لا يبطل حكم القبض المتقدّم؛ ودليلنا {فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ}، فإذا خرج عن يد القابض لم يصدق ذلك اللفظ عليه لغةً، فلا يصدق عليه حكماً، وهذا واضح. السابعة ـ إذا رهنَه قولاً ولم يقبضه فعلاً لم يوجب ذلك حكما؛ لقوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ}. قال الشافعي: لم يجعل الله الحكم إلاّ برهن موصوف بالقبض، فإذا عُدمت الصفة وجبَ أن يعدم الحكم، وهذا ظاهر جِدّاً. وقالت المالكية: يلزم الرهن بالعقد ويجبر الراهن على دفع الرهن ليحوزه المرتهن؛ لقوله تعالى: {أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} تفسير : [المائدة: 1] وهذا عَقْدٌ، وقوله {أية : بِالْعَهْدِ}تفسير : [الإسراء: 34] وهذا عهد. وقوله عليه السلام: «حديث : المؤمنون عند شروطهم»تفسير : وهذا شرط، فالقبض عندنا شرطٌ في كمال فائدته. وعندهما شرط في لزومه وصحته. الثامنة ـ قوله تعالى: {مَّقْبُوضَةٌ} يقتضي بينونة المرتهن بالرهن. وأجمع الناس على صحة قبض المرتهن، وكذلك على قبض وكِيله. وٱختلفوا في قبض عَدْل يوضع الرهن على يديه، فقال مالك وجميع أصحابه وجمهور العلماء: قبض العَدْل قبضٌ. وقال ابن أبي ليلى وقتادة والحكَم وعطاء: ليس بقبض، ولا يكون مقبوضاً إلا إذا كان عند المرتَهِن، ورأُوا ذلك تعبُّداً. وقول الجمهور أصح من جهة المعنى؛ لأنه إذا صار عند العدل صار مقبوضاً لغة وحقيقة؛ لأن العدل نائب عن صاحب الحق وبمنزلة الوكيل؛ وهذا ظاهر. التاسعة ـ ولو وُضع الرهنُ على يديّ عَدْل فضاع لم يضمن المرتهن ولا الموضوع على يده؛ لأن المرتهن لم يكن في يده شيء يضمنه. والموضوع على يده أمينٌ والأمين غير ضامن. العاشرة ـ لما قال تعالى: {مَّقْبُوضَةٌ} قال علماؤنا: فيه ما يقتضي بظاهره ومطلقه جواز رهن المُشَاع. خلافاً لأبي حنيفة وأصحابه، لا يجوز عندهم أن يرهنه ثُلْثَ دار ولا نصفاً من عَبْد ولا سيفٍ، ثم قالوا: إذا كان لرجلين على رجل مالٌ هما فيه شريكان فرهنهما بذلك أرضاً فهو جائز إذا قبضاها. قال ابن المنذر: وهذا إجازة رهن المشَاع؛ لأن كل واحد منهما مرتهن نصف دار. قال ابن المنذر: رهن المشاع جائز كما يجوز بيعه. الحادية عشرة ـ ورهن ما في الذِّمّة جائز عند علمائنا؛ لأنه مقبوض خلافاً لمن منع ذلك؛ ومثاله رجلان تعاملا لأحدهما على الآخر ديْن فرهنه دينه الذي عليه. قال ابن خُوَيْزمَنْدَاد: وكل عرض جاز بيعه جاز رهنه، ولهذه العلة جوّزنا رهن ما في الذمة؛ لأن بيعه جائز، ولأنه مال تقع الوَثِيقَة به فجاز أن يكون رهناً، قياساً على سلعة موجودة. وقال من منع ذلك: لأنه لا يتحقق إقْباضُه والقبض شرط في لزوم الرهن؛ لأنه لا بدّ أن يستوفى الحق منه عند المحل، ويكون الاستيفاء من ماليّته لا من عينه ولا يتصوّر ذلك في الدّيْن. الثانية عشرة ـ روى البخاريّ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الظَّهْرُ يُركب بنفقته إذا كان مرهوناً ولبن الدرّ يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً وعلى الذي يركب ويشرب النفقة»تفسير : . وأخرجه أبو داود وقال بدل «يشرب» في الموضعين: «يحلب». قال الخطّابيّ: هذا كلام مُبْهم ليس في نفس اللفظ بيانُ مَن يركب ويحلب، هل الراهن أو المرتهِن أو العدل الموضوع على يده الرهن؟. قلت: قد جاء ذلك مبيَّنا مفسَّراً في حديثين، وبسببهما اختلف العلماء في ذلك؛ فروى الدارقطنيّ من حديث أبي هريرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدَّرّ يشرب وعلى الذي يشرب نفقته»تفسير : . أخرجه عن أحمد بن عليّ بن العلاء حدّثنا زياد بن أيوب حدّثنا هشيم حدّثنا زكريا عن الشعبي عن أبي هريرة. وهو قول أحمد وإسحاق: أن المرتهن ينتفع من الرهن بالحلب والركوب بقدر النفقة. وقال أبو ثور: إذا كان الرّاهِن ينفق عليه لم ينتفع به المرتَهِن. وإن كان الراهن لا ينفق عليه وتركه في يد المرتهن فأنفق عليه فله ركوبه واستخدامُ العبد. وقاله الأوزاعيّ والليث. الحديث الثاني خرّجه الدارقطنيّ أيضاً، وفي إسناده مقال ويأتي بيانه ـ من حديث إسماعيل بن عياش عن ابن أبي ذِئب عن الزهريّ عن المَقْبُريّ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يَغْلَق الرهنُ ولصاحبه غُنْمه وعليه غُرْمه»تفسير : . وهو قول الشافعي والشعبيّ وابن سِيرين، وهو قول مالك وأصحابه. قال الشافعي: منفعة الرهن للراهن، ونفقته عليه، والمرتهن لا ينتفع بشيء من الرهن خَلاَ الإحفاظ للوثيقة. قال الخطابي: وهو أولى الأقوال وأصحها، بدليل قوله عليه السلام: «حديث : لا يغلق الرهن مِن صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه»تفسير : . (قال الخطابي: وقوله: «من صاحبه أي لصاحبه»). والعرب تضع «مِن» موضع اللاّم؛ كقولهم:شعر : أمِـنْ أُمِّ أَوْفَـى دِمْنَـةٌ لـمْ تُكَلَّـمِ تفسير : قلت: قد جاء صريحاً «لصاحبه» فلا حاجة للتأويل. وقال الطحاوي: كان ذلك وقتَ كون الرِّبا مباحاً، ولم يُنْه عن قرض جَرَّ منفعة، ولا عن أخذ الشيء بالشيء وإن كانا غير متساويين، ثم حرّم الربا بعد ذلك. وقد أجمعت الأُمَّة على أن الأمَة المرهونة لا يجوز للراهن أن يطأها؛ فكذلك لا يجوز له خدمتها. وقد قال الشعبيّ: لا ينتفع من الرهن بشيء. فهذا الشعبي روى الحديث وأفتى بخلافه، ولا يجوز عنده ذلك إلا وهو مَنْسُوخ. وقال ابن عبد البر وقد أجمعوا أن لبن الرهن وظهره للراهن. ولا يخلو من أن يكون احتلابُ المرتَهِن له بإذن الراهن أو بغير إذنه؛ فإن كان بغير إذنه ففي حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يحتلبنّ أحد ماشية أحد إلا بإذنه»تفسير : ما يردّه ويقضي بنسخه. وإن كان بإذنه ففي الأُصول المجتمع عليها في تحريم المجهول والغَرَر وبيع ما ليس عندك وبيع ما لم يُخْلق، ما يردّه أيضاً؛ فإنّ ذلك كان قبل نزول تحريم الرِّبا. والله أعلم. وقال ابن خويز منداد: ولو شرط المرتهن الانتفاع بالرهن فلذلك حالتان: إن كان من قرض لم يجز، وإن كان من بيع أو إجَارَة جاز؛ لأنه يصير بائعاً للسلعة بالثمن المذكور ومنافع الرهن مدّة معلومة فكأنه بيع وإجارة، وأما في القرض فلأنه يصير قرضاً جرّ منفعةً؛ ولأن موضوع القرض أن يكون قُرْبَةً، فإذا دخله نفع صار زيادة في الجنس وذلك رِبا. الثالثة عشرة ـ لا يجوز غلق الرهن، وهو أن يشترط المرتهن أنه له بحقه إن لم يأته به عند أجله. وكان هذا من فعل الجاهلية فأبطله النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : لا يغلقُ الرهن» تفسير : هكذا قيّدناه برفع القاف على الخبر، أي ليس يغلق الرهن. تقول: أغلقت الباب فهو مُغْلَقٌ. وغَلَقَ الرهنُ في يد مرتهنه إذا لم يُفْتَكّ؛ قال الشاعر:شعر : أجارَتَنا مَنْ يجتمع يَتَفَرّقِ ومَنْ يكُ رهْنا للحوادث يُغْلَقِ تفسير : وقال زهير:شعر : وفارَقَتْك بِرَهْن لا فِكَاك له يوم الوَداع فأمْسَى الرّهْنُ قدْ غَلِقَا تفسير : الرابعة عشرة ـ روى الدارقطنيّ من حديث سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يغلق الرهنُ له غنمه وعليه غرمه»تفسير : . زياد بن سعد أحد الحفاظ الثقات، وهذا إسناد حسن. وأخرجه مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب مرسلاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغلق الرهن». قال أبو عمر: وهكذا رواه كل من روى الموطأ عن مالك فيما علمت؛ إلا مَعْن بن عيسى فإنه وصله، ومَعْنٌ ثقة؛ إلا أني أخشى أن يكون الخطأ فيه من علي بن عبد الحميد الغضائري عن مجاهد بن موسى عن مَعْن بن عيسى. وزاد فيه أبو عبد الله عمروس عن الأبْهرِي بإسناده: «له غنمه وعليه غرمه». وهذه اللفظة قد اختلف الرواة في رفعها؛ فرفعها ابن أبي ذِئب ومَعْمَر وغيرهما. ورواه ابن وهب وقال: قال يونس قال ابن شهاب: وكان سعيد بن المسيب يقول: الرهن ممن رهنه، له غنمه وعليه غرمه؛ فأخبر ابن شهاب أن هذا من قول سعيد لا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. إلا أن مَعْمَرا ذكره عن ابن شهاب مرفوعاً، ومَعْمَر أثبت الناس في ابن شهاب. وتابعه على رفعه يحيى بن أبي أنَيْسة ويحيى ليس بالقوِيّ. وأصل هذا الحديث عند أهل العلم بالنقل مُرسلٌ، وإن كان قد وصل من جهات كثيرة فإنهم يعلِّلونها. وهو مع هذا حديث لا يرفعه أحد منهم وإن اختلفوا في تأويله ومعناه. ورواه الدارقطنيّ أيضاً عن إسماعيل بن عياش عن ٱبن أبي ذِئب عن الزهريّ عن سعيد عن أبي هريرة مرفوعاً. قال أبو عمر: لم يسمعه إسماعيل من ٱبن أبي ذئب وإنما سمعه من عَبَّاد بن كثير عن ابن أبي ذئب، وعبَّاد عندهم ضعيف لا يُحتج به. وإسماعيل عندهم أيضاً غير مقبول الحديث إذا حدّث عن غير أهل بلده؛ فإذا حدّث عن الشاميين فحديثه مستقيم، وإذا حدّث عن المَدنيين وغيرهم ففي حديثه خطأ كثير واضطراب. الخامسة عشرة ـ نَماء الرهن داخل معه إن كان لا يتميز كالسِّمَن، أو كان نَسْلاً كالولادة والنتاج؛ وفي معناه فَسِيل النخل، وما عدا ذلك من غلّة وثمرة ولبن وصوف فلا يدخل فيه إلا أن يشترطه. والفرق بينهما أن الأولاد تبع في الزكاة للأُمهات، وليس كذلك الأصواف والألبان وثمر الأشجار؛ لأنها ليست تبعاً للأُمهات في الزكاة ولا هي في صُوَرها ولا في معناها ولا تقوم معها، فلها حكم نفسها لا حكم الأصل خلاف الولد والنتاج. والله أعلم بصواب ذلك. السادسة عشرة ـ ورَهْنُ مَن أحاط الديْن بماله جائز ما لم يُفلِس، ويكون المرتَهِن أحق بالرهن من الغرماء؛ قاله مالك وجماعة من الناس. وروي عن مالك خلاف هذا ـ وقاله عبد العزيز بن أبي سَلَمة ـ أن الغرماء يدخلون معه في ذلك وليس بشيء؛ لأن من لم يُحجر عليه فتصرفاته صحيحة في كل أحواله من بيع وشراء، والغرماء عاملوه على أنه يبيع ويشتري ويَقْضِي، لم يختلف قول مالك في هذا الباب، فكذلك الرهن. والله أعلم. السابعة عشرة ـ قوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً} الآية. شَرْطٌ رُبط به وصية الذي عليه الحق بالأداء وترك المطل. يعني إن كان الذي عليه الحق أمِيناً عند صاحب الحق وثِقةً فلْيُؤَدِّ له ما عليه ائتمن. وقوله {فَلْيُؤَدِّ} من الأداء مَهْمُوز، (وهو جواب الشرط) ويجوز تخفيف همزه فتقلب الهمزة واواً ولا تقلب ألفاً ولا تجعل بَيْن بَيْن؛ لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحاً. وهو أمر معناه الوجوب، بقرينة الإجماع على وجوب أداء الديون، وثبوت حكم الحاكم به وجبره الغرماء عليه، وبقرينة الأحاديث الصِّحاح في تحريم مال الغير. الثامنة عشرة ـ قوله تعالى: {أَمَانَتَهُ} الأمانة مصدر سمى به الشيء الَّذي في الذمة، وأضافها إلى الذي عليه الدين من حيث لها إليه نسبة؛ كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ}تفسير : [النساء: 5]. التاسعة عشرة ـ قوله تعالى: {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ} أي في ألاّ يكتم من الحق شيئاً. وقوله: {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَادَةَ} تفسير لقوله: «وَلاَ يُضَارر» بكسر العين. نهى الشاهد عن أن يضر بكتمان الشهادة، وهو نهي على الوجوب بعدة قرائن منها الوعيد. وموضع النهي هو حيث يخاف الشاهد ضياع حق. وقال ابن عباس: على الشاهد أن يشهد حيثما استشهد، ويخبر حيثما استخبر، قال: ولا تقل أخبر بها عند الأمير بل أخبر بها لعله يرجع ويرعَوِي. وقرأ أبو عبد الرحمن «ولا يكتموا» بالياء، جعله نهياً للغائب. الموفية عشرين ـ إذا كان على الحق شهود تعيّن عليهم أداؤها على الكفاية، فإن أدّاها اثنان وٱجتزأ الحاكم بهما سقط الفرض عن الباقين، وإن لم يجتزأ بها تعيّن المشي إليه حتى يقع الإثبات. وهذا يعلم بدعاء صاحبها، فإذا قال له: أحيي حقي بأداء ما عندك لي من الشهادة تعين ذلك عليه. الحادية والعشرون ـ قوله تعالى: {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} خص القلب بالذكر إذ الكتم من أفعاله، وإذ هو المُضْغَة التي بصلاحها يصلح الجسد كله كما قال عليه السلام؛ فعبر بالبعض عن الجملة، وقد تقدّم. (في أوّل السورة) وقال الكيا: لما عزم على ألاّ يؤدّيها وترك أداءها باللسان رجع المأثم إلى الوجهين جميعاً. فقوله: {آثِمٌ قَلْبُهُ} مجاز، وهو آكد من الحقيقة في الدّلالة على الوعيد، وهو من بديع البيان ولطيف الإعراب عن المعاني. يقال: إثْمُ القلب سبب مَسخه، والله تعالى إذا مسخ قلباً جعله منافقاً وطبع عليه، نعوذ بالله منه (وقد تقدم في أول السورة). و «قلبه» رفع بـ «آثم» و «آثم» خبر «إنّ»، وإن شئت رفعت آثماً بالابتداء، و «قلبه» فاعل يسدّ مسد الخبر والجملة خبر إن. وإن شئت رفعت آثماً على أنه خبر الابتداء تنوي به التأخير. وإن شئت كان «قَلْبُهُ» بدلاً من «آثِمٌ» بدل البعض من الكل. وإن شئت كان بدلاً من المضمر الذي في «آثم». وتعرّضت هنا ثلاث مسائل تَتِمّة أربع وعشرين. الأُولى ـ ٱعلم أن الذي أمر الله تعالى به من الشهادة والكتابة لمراعاة صلاح ذات البَيْن ونفى التنازع المؤدّي إلى فساد ذات البَيْن؛ لئلا يسوّل له الشيطان جحود الحق وتجاوز ما حدّ له الشرع، أو ترك الاقتصار على المقدار المستحق؛ ولأجله حرّم الشرع البياعات المجهولة التي اعتيادها يؤدّي إلى الاختلاف وفساد ذات البين وإيقاع التضاغُن والتباين. فمن ذلك ما حرمه الله من الميْسِر والقِمار وشرب الخمر بقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} الآية. فمن تأدّب بأدب الله في أوامره وزواجره حاز صلاح الدنيا والدِّين؛ قال الله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} تفسير : [النساء: 66] الآية. الثانية ـ روى البخاريّ عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله»تفسير : . وروى النسائيّ: عن ميمونة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم أنها استدانت، فقيل: يا أُم المؤمنين، تستدينين وليس عندك وفاء؟ قالت: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من أخذ دينا وهو يريد أن يؤدّيه أعانه الله عليه»تفسير : . وروى الطحاويّ وأبو جعفر الطبريّ والحارث بن أبي أُسامة في مسنده عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «لا تُخيفوا الأنفس بعد أَمْنِها» قالوا: يا رسول الله، وما ذاك؟ قال: «الدّينْ»تفسير : . وروى البخاريّ عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في دعاء ذكره: «حديث : اللهم أني أعوذ بك من الهَمّ والحَزَن والعَجْز والكَسَل والجُبْن والبُخْل وضَلَع الدَّيْن وغَلَبة الرّجال»تفسير : . قال العلماء: ضَلَع الدّيْن هو الذي لا يجد دائنه من حيث يؤدّيه. وهو مأخوذ من قول العرب: حِمْل مُضْلِع أي ثقيل، ودابة مُضْلِع لا تقوى على الحَمْل؛ قاله صاحب العَيْن. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : الدَّيْن شيْن الدِّين»تفسير : . وروي عنه أنه قال: «حديث : الديْن هَمٌّ بالليل ومَذَلَّةً بالنهار»تفسير : . قال علماؤنا: وإنما كان شَيْنا ومذَلّة لما فيه من شغل القلب والبال والهَمِّ اللازم في قضائه، والتذلّل للغريم عند لقائه، وتحمّل مِنَّته بالتأخير إلى حين أوانه. وربّما يَعد من نفسه القضاء فيُخلف، أو يحدِّث الغريم بسببه فيكذب، أو يحلف له فيحنث؛ إلى غير ذلك. ولهذا كان عليه السَّلام يتعوّذ من المأثم والمَغْرَم، وهو الديْن. فقيل له: يا رسول الله، ما أكثر ما تتعوّذ من المغرم؟ فقال: «حديث : إن الرجل إذا غَرِم حدّث فكذِب ووعد فأخلف»تفسير : . وأيضاً فربما قد مات ولم يقضِ الدين فيرتهن به؛ كما قال عليه السَّلام: «حديث : نَسْمَة المؤمن مرتهنة في قبره بدَيْنه حتى يُقضى عنه»تفسير : . وكل هذه الأسباب مَشائن في الدِّين تذهب جماله وتنقص كماله. والله أعلم. الثالثة ـ لما أمر الله تعالىٰ بالكتْب والإشهاد وأخذ الرّهان كان ذلك نَصّاً قاطعاً على مراعاة حفظ الأموال وتنميتها، ورداً على الجَهَلة المتصوّفة ورِعَاعها الذين لا يرون ذلك، فيخرجون عن جميع أموالهم ولا يتركون كفاية لأنفسهم وعيالهم؛ ثم إذا احتاج وافتقر عياله فهو إما أن يتعرّض لِمَنن الإخوان أو لصدقاتهم، أو أن يأخذ من أرباب الدنيا وظلَمَتهم، وهذا الفعل مذموم مَنْهِي عنه. قال أبو الفرج الجَوْزِيّ: ولست أعجب من المتزهِّدين الذين فعلوا هذا مع قِلَّة علمهم، إنما أتعجّب من أقوام لهم عِلم وعقل كيف حَثّوا على هذا، وأمروا به مع مضادته للشرع والعقل. فذكر المُحَاسِبيّ في هذا كلاماً كثيراً، وشيّده أبو حامد الطُّوسِيّ ونصره. والحارث عندي أعذر من أبي حامد؛ لأن أبا حامد كان أفقه، غير أن دخوله في التصوّف أوجب عليه نصرة ما دخل فيه. قال المحاسِبي في كلام طويل له: ولقد بلغني أنه: لما توفي عبد الرّحمٰن بن عَوْف قال ناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما نخاف على عبد الرّحمٰن فيما ترك. فقال كَعْب: سبحان الله! وما تخافون على عبد الرّحمٰن؟ كَسَب طَيِّباً وأنفق طيباً وترك طيباً. فبلغ ذلك أبا ذَرٍّ فخرج مُعْضَباً يريد كعباً، فمرّ بلَحْي بعير فأخذه بيده، ثم ٱنطلق يطلب كعباً؛ فقيل لكعب: إن أبا ذَرٍّ يطلبك. فخرج هارباً حتى دخل على عثمان يستغيث به وأخبره الخبر. فأقْبَلَ أبو ذرّ يقصّ الأثر في طلب كَعْب حتى ٱنتهى إلى دار عثمان، فلما دخل قام كعب فجلس خلف عثمان هارباً من أبي ذرّ، فقال له أبو ذرّ: يٱبن اليهودية، تزعم ألاّ بأس بما تركه عبد الرّحمن! لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: «حديث : الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة إلاَّ من قال هكذا وهكذا»تفسير : . قال المحاسبي: فهذا عبد الرّحمن مع فضله يوقف في عَرْصَة (يوم) القيامة بسبب ما كسبه من حلال؛ للتّعفف وصنائع المعروف فيمنع السعي إلى الجنة مع الفقراء وصار يَحبُو في آثارهم حَبْواً، إلى غير ذلك من كلامه. ذكره أبو حامد وشيّده وقوّاه: بحديث ثعلبة، وأنه أعطِي المال فمنع الزكاة. قال أبو حامد: فمن راقب أحوال الأنبياء والأولياء وأقوالهم لم يشك في أن فقد المال أفضل من وجوده، وإن صرف إلى الخيرات؛ إذْ أقل ما فيه اشتغال الهِمّة بإصلاحه عن ذكر الله. فينبغي للمريد أن يخرج عن ماله حتى لا يبقى له إلاَّ قدر ضرورته، فما بقي له درهمٌ يلتفت إليه قلبه فهو محجوب عن الله تعالىٰ. قال الجوزِيّ: وهذا كله خلاف الشرع والعقل، وسوءُ فهم المراد بالمال، وقد شرفه الله وعظّم قدره وأمر بحفظه، إذّ جعله قُواماً للآدميّ وما جعل قِوَاماً للآدميّ الشريف فهو شريف؛ فقال تعالىٰ: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً} [النساء: 5]. ونهى جلّ وعزّ أن يسلم المال إلى غير رشيد فقال: {أية : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}تفسير : [النساء: 6]. حديث : ونهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، قال لسعد: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون الناس»تفسير : . وقال: «حديث : ما نفعني مال كمال أبي بكر»تفسير : . وقال لعمرو بن العاص: «حديث : نِعم المال الصالح للرجل الصالح»تفسير : . ودعا لأنس، وكان في آخر دعائه: «حديث : اللَّهُمَّ أكثر ماله وولده وبارك له فيه». حديث : وقال كعب: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله. فقال: «أمسِك عليك بعض مالك فهو خير لك»تفسير : . قال الجوزِيّ: هذه الأحاديث مُخرّجة في الصحاح، وهي على خلاف ما تعتقده المتصوّفة من أن إكثار المال حجاب وعقوبة، وأن حبسه ينافي التوَكّل، ولا ينكر أنه يخاف من فتنته، وأن خلقاً كثيراً اجتنبوه لخوف ذلك، وأن جمعه من وجهه ليعزّ، وأن سلامة القلب من الإفتتان به تَقل، واشتغال القلب مع وجوده بذكر الآخرة يندر؛ فلهذا خيف فتنته. فأما كسب المال فإن من اقتصر على كسب البُلْغَة من حلها فذلك أمر لا بدّ منه، وأما من قصد جمعه والاستكثار منه من الحلال نُظِر في مقصوده؛ فإن قصد نفس المفاخرة والمباهاة فبئس المقصود، وإن قصد إعفاف نفسه وعائلته، وادّخر لحوادث زمانه وزمانهم، وقصد التوسعة على الإخوان وإغناء الفقراء وفعل المصالح أُثِيب على قصده، وكان جمعه بهذه النية أفضل من كثير من الطاعات. وقد كانت نيات خلق كثير من الصحابة في جمع المال سليمةً لحسن مقاصدهم بجمعه؛ فحرصوا عليه وسألوا زيادته. حديث : ولما أقطع النبيّ صلى الله عليه وسلم الزّبِير حُضْر فرسه أجْرَىٰ الفرس حتى قام ثم رمي سوطه، فقال: «أعطوه حيث بلغ سوطه»تفسير : . وكان سعد بن عبادة يقول في دعائه: اللَّهُمَّ وسع عليّ. وقال إخوة يوسف: {أية : وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ}تفسير : [يوسف: 65]. وقال شعيب لموسىٰ: {أية : فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ} تفسير : [القصص: 27]. وإن أيّوبَ لما عوفِي نُثِرَ عليه رِجْلٌ من جَراد مِن ذهب؛ فأخذ يَحْثِي في ثوبه ويستكثر منه، فقيل له: أما شَبِعْتَ؟ فقال: يا رب فقير يشبع من فضلك؟ وهذا أمر مَرْكُوز في الطباع. وأما كلام المحاسبي فخطأ يدل على الجهل بالعلم، وما ذكره من حديث كَعْب وأبي ذَرّ فمحال، من وضع الجهّال وخفيت عدم صحته عنه للُحُوقه بالقوم. وقد روى بعض هذا وإن كان طريقه لا يثبت؛ لأنّ في سنده ابن لَهِيعَة وهو مطعون فيه. قال يحيىٰ: لا يحتج بحديثه. والصحيح في التاريخ أن أبا ذرّ توفي سنة خمس وعشرين، وعبد الرّحمٰن بن عوف توفي سنة اثنتين وثلاثين، فقد عاش بعد أبي ذرّ سبعَ سنين. ثم لفظ ما ذكروه من حديثهم يدل على أن حديثهم موضوع، ثم كيف تقول الصحابة: إنا نخاف على عبد الرّحمٰن! أو ليس الإجماع منعقداً على إباحة (جمع) المال من حِلِّه، فما وجه الخوف مع الإباحة؟ أوَ يأذن الشرع في شيء ثم يعاقب عليه؟ هذا قلة فهم وفقه. ثم أينكر أبو ذرّ على عبد الرّحمٰن، وعبد الرّحمٰن خير من أبي ذرّ بما لا يتقارب؟ ثم تعلقه بعبد الرّحمٰن وحده دليل على أنه لم (يَسْبرُ) سيرَ الصحابة؛ فإنه قد خلّف طلحة ثلاثمائة بُهار في كل بُهار ثلاثة قناطير. والبُهار الحِمل. وكان مال الزبير خمسين ألفاً ومائتي ألف. وخلف ابن مسعود تسعين ألفاً. وأكثر الصحابة كسبوا الأموال وخلّفوها ولم ينكر أحد منهم على أحد. وأما قوله: «إن عبد الرّحمٰن يَحْبُوا حَبْواً يوم القيامة» فهذا دليل على أنه ما عرف الحديث، وأعوذ بالله أن يحبو عبد الرّحمٰن في القيامة؛ أفَتَرَىٰ من سبَق وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ومن أهل بَدْر والشُّورَى يحبو؟ ثم الحديث يرويه عُمارة بن زَاذَان؛ وقال البخاريّ: ربما اضطرب حديثه. وقال أحمد: يروى عن أنس أحاديث مناكير، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، وقال الدارقطني: ضعيف. وقوله: «تركُ المال الحلال أفضلُ من جمعه» ليس كذلك، ومتى صَحّ القصد فجمعه أفضل بلا خلاف عند العلماء. وكان سعيد بن المسيب يقول: لا خير فيمن لا يطلب المال؛ يقضي به دَيْنَه ويصون به عِرضه؛ فإن مات تركه ميراثاً لمن بعده. وخلف ابن المسيب أربعمائة دينار، وخلف سفيان الثوري مائتين، وكان يقول المال في هذا الزمان سلاح. وما زال السلف يمدحون المال ويجمعونه للنوائب وإعانة الفقراء؛ وإنما تحاماه قوم منهم إيثاراً للتشاغل بالعبادات، وجمع الهمّ فقنعوا باليسير. فلو قال هذا القائل: إن التقليل منه أولىٰ قرب الأمر ولكنه زاحم به مرتبة الإثم. قلت: ومما يدل على حفظ الأموال ومراعاتها إباحة القتال دونها وعليها؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قتل دون ماله فهو شهيد»تفسير : . وسيأتي بيانه في «المائدة» إن شاء الله تعالىٰ.

البيضاوي

تفسير : {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ} أي مسافرين. {وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَـٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ} فالذي يستوثق به رهان، أو فعليكم رهان، أو فليؤخذ رهان. وليس هذا التعليق لاشتراط السفر في الإِرتهان كما ظنه مجاهد والضحاك رحمهما الله تعالى لأنه عليه السلام رهن درعه في المدينة من يهودي على عشرين صاعاً من شعير أخذه لأهله، بل لإِقامة التوثق للإِرتهان مقام التوثق بالكتابة في السفر الذي هو مظنة إعوازها. والجمهور على اعتبار القبض فيه غير مالك. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «فرهن» كسقف وكلاهما جمع رهن بمعنى مرهون: وقرىء بإسكان الهاء على التخفيف. {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا} أي بعض الدائنين بعض المديونين واستغنى بأمانته عن الارتهان. {فَلْيُؤَدّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُ} أي دينه سماه أمانة لائتمانه عليه بترك الارتهان به. وقرىء «الذي ايتمن» بقلب الهمزة ياء، و «الذي أتمن» بإدغام الياء في التاء وهو خطأ لأن المنقلبة عن الهمزة في حكمها فلا تدغم. {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ} في الخيانة وإنكار الحق وفيه مبالغات. {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ} أيها الشهود، أو المدينون والشهادة شهادتهم على أنفسهم. {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ} أي يأثم قلبه أو قلبه يأثم. والجملة خبر إن وإسناد الإِثم إلى القلب لأن الكتمان مقترفه ونظيره: العين زانية والأذن زانية. أو للمبالغة فإنه رئيس الأعضاء وأفعاله أعظم الأفعال، وكأنه قيل: تمكن الإِثم في نفسه وأخذ أشرف أجزائه، وفاق سائر ذنوبه. وقرىء {قَلْبَهُ} بالنصب كحسن وجهه. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} تهديد.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ} أي: مسافرين، وتداينتم إلى أجل مسمى {وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا} يكتب لكم، قال ابن عباس: أو وجدوه ولم يجدوا قرطاساً أو دواة أو قلماً، فرهان مقبوضة، أي: فليكن بدل الكتابة رهان مقبوضة، أي: في يد صاحب الحق، وقد استدل بقوله: {فَرِهَـٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ} على أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض؛ كما هو مذهب الشافعي والجمهور، واستدل بها آخرون على أنه لابد أن يكون الرهن مقبوضاً في يد المرتهن، وهو رواية عن الإمام أحمد، وذهب إليه طائفة، واستدل آخرون من السلف بهذه الآية، على أنه لا يكون الرهن مشروعاً إلا في السفر، قاله مجاهد وغيره، وقد ثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقاً من شعير، رهنها قوتاً لأهله، وفي رواية: من يهود المدينة. وفي رواية الشافعي: عند أبي الشحم اليهودي، وتقرير هذه المسائل في كتاب الأحكام الكبير، ولله الحمد والمنة، وبه المستعان. وقوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُ} روى ابن أبي حاتم بإسناد جيد عن أبي سعيد الخدري أنه قال: هذه نسخت ما قبلها. وقال الشعبي: إذا ائتمن بعضكم بعضاً فلا بأس أن لا تكتبوا، أولا تشهدوا: وقوله: {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ} يعني المؤتمن؛ كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من رواية قتادة، عن الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : على اليد ما أخذت حتى تؤديه».تفسير : قوله: {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ} أي: لا تخفوها وتغلوها، ولا تظهروها. قال ابن عباس وغيره: شهادة الزور من أكبر الكبائر، وكتمانها كذلك، ولهذا قال: {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ} قال السدي: يعني: فاجر قلبه، وهذه كقوله تعالى: {أية : وَلاَ نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلأَثِمِينَ}تفسير : [المائدة: 106] وقال تعالى: {أية : يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءِ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} تفسير : [النساء: 135] وهكذا قال ههنا: {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ } أي مسافرين وتداينتم {وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَٰنٌ } وفي قراءة «فَرِهَان» جمع (رهن) {مَّقْبُوضَةٌ } تستوثقون بها وبينت السنة جواز الرهن في الحضر ووجود الكاتب فالتقيد بما ذكر لأن التوثيق فيه أشدّ وأفاد قوله: «مقبوضة» اشتراط القبض في الرهن والاكتفاء به من المرتهن ووكيله {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } أي الدائن المدين على حقه فلم يرتهن {فَلْيُؤَدّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ } أي المدين {أَمَٰنَتَهُ } دَيْنَه {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ } في أدائه {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ } إذا دُعيتم لإقامتها {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ } خص بالذكر لأنه محل الشهادة ولأنه إذا أثم تبعه غيره فيعاقب عليه معاقبة الآثمين {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } لا يخفى عليه شيء منه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: فرُهُن، وقرأ الباقون فرِهَانٌ, وفيها قولان: أحدهما: أن الرُّهُن في الأموال، والرِّهَان في الخيل. والثاني: أن الرِّهَان جمع، والرُهُن جمع الجمع مثل ثمار وثمر، قاله الكسائي، والفراء. وفي قوله: {مَّقْبُوضَةٌ} وجهان: أحدهما: أن القبض من تمام الرهن، وهو قبل القبض غير تام، قاله الشافعي، وأبو حنيفة. والثاني: لأنه من لوازم الرهن، وهو قبل القبض التام، قاله مالك. وليس السفر شرطاً في جواز الرهن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رَهَنَ دِرْعَه عند أبي الشحم اليهودي بالمدينة وهي حَضَرٌ، ولا عَدَمُ الكاتب والشاهد شرطاً فيه لأنه زيادة وثيقة. {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً} يعني بغير كاتب ولا شاهد ولا رهن. {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} يعني في أداء الحق وترك المُطْل به. {وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} في ألا يكتم من الحق شيئاً. {وَلاَ تَكْتُمُوا الشِّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ} فيه تأويلان: أحدهما: معناه فاجر قلبه، قاله السدي. والثاني: مكتسب لإِثم الشهادة.

ابن عطية

تفسير : لما ذكر الله تعالى الندب إلى الإشهاد والكتب لمصلحة حفظ الأموال والأديان عقب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتب وجعل لها الرهن ونص من أحوال العذر على السفر الذي هو الغالب من الأعذار لا سيما في ذلك الوقت لكثرة الغزو، ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر، فرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر كأوقات أشغال الناس وبالليل، وأيضاً فالخوف على خراب ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن. وقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي طلب منه سلف الشعير، فقال: إنما يريد محمد أن يذهب بمالي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : كذب إني لأمين في الأرض أمين في السماء، ولو ائتمنني لأديت، اذهبوا إليه بدرعي ". تفسير : وقد قال جمهور من العلماء الرهن في السفر ثابت في القرآن، وفي الحضر ثابت في الحديث. قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن، إلا أنه لم يمعن فيه النظر لفظ السفر في الآية، وإذا كان السفر في الآية مثالاً من الأعذار فالرهن في الحضر موجود في الآية بالمعنى، إذ قد تترتب الأعذار في الحضر، وذهب الضحاك ومجاهد إلى أن الرهن والائتمان إنما هو السفر، وأما في الحضر فلا ينبغي شيء من ذلك، وضعف الطبري قولهما في الرهن بحسب الحديث الثابت الذي ذكرته، وقوي قولهما في الائتمان، والصحيح ضعف القول في الفصلين بل يقع الائتمان في الحضر كثيراً ويحسن، وقرأ جمهور القراء "كاتباً" بمعنى رجل يكتب، وقرأ أبي بن كعب وابن عباس "كتاباً" بكسر الكاف وتخفيف التاء وألف بعدها وهو مصدر، قال مكي: وقيل هو جمع كاتب كقائم وقيام. قال القاضي أبو محمد: ومثله صاحب وصحاب، وقرأ بذلك مجاهد وأبو العالية وقالا: المعنى وإن عدمت الدواة والقلم أو الصحيفة، ونفي وجود الكتاب يكون بعدم أي آلة اتفق من الآلة، فنفي الكتاب يعمها، ونفي الكاتب أيضاً يقتضي نفي الكتاب فالقراءتان حسنتان إلا من جهة خط المصحف، وروي عن ابن عباس أنه قرأ "كُتاباً" بضم الكاف على جمع كاتب، وهذا يحسن من حيث لكل نازلة كاتب، فقيل للجماعة ولم تجدوا كتاباً، وهذا هو الجنس الذي تدل عليه قراءة من قرأ "كاتباً"، وحكى المهدوي عن أبي العالية أنه قرأ "كتباً" وهذا جمع كتاب من حيث النوازل مختلفة، وهذا هو الجنس الذي تدل عليه قراءة من قرأ "كتباً". وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وجمهور من العلماء "فرهان"، وقرأ أبو عمرو وابن كثير "فرُهُن" بضم الراء والهاء، وروي عنهما تخفيف الهاء. وقد قرأ بكل واحدة جماعة غيرهما. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: رهن الشيء في كلام العرب معناه: دام واستمر، يقال أرهن لهم الشراب وغيره قال ابن سيده: ورهنه أي أدامه، ومن رهن بمعنى دام قول الشاعر: [السريع] شعر : اللحمُ والخبزُ لَهمْ راهِنٌ وقهوةٌ راووقُها ساكِبُ تفسير : أي دائم قال أبو علي ولما كان الرهن بمعنى الثبوت والدوام فمن ثم بطل الرهن عند الفقهاء إذا خرج من يد المرتهن إلى يد الراهن بوجه من الوجوه لأنه فارق ما جعل له، ويقال أرهن في السلعة إذا غالى فيها، حتى أخذها بكثير الثمن، ومنه قول الشاعر في وصف ناقة: [البسيط] شعر : يطوي ابن سلمى بها من راكب بُعُداً عيديةً أُرْهنَتْ فيها الدَّنَانِيرُ تفسير : العيد بطن من مهرة، وإبل مهرة موصوفة بالنجابة، ويقال في معنى الرهن الذي هو التوثقة من الحق: أرهنت إرهاناً فيما حكى بعضهم، وقال أبو علي يقال: أرهنت في المغالاة، وأما في القرض والبيع فرهنت. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويقال بلا خلاف في البيع والقرض: رهنت رهناً، ثم سمي بهذا المصدر الشيء المدفوع، ونقل إلى التسمية، ولذلك كسر في الجمع كما تكسر الأسماء وكما تكسر المصادر التي يسمى بها وصار فعله ينصبه نصب المفعول به لا نصب المصدر، تقول: رهنت رهناً فذلك كما تقول رهنت ثوباً، لا كما تقول: رهنت الثوب رهناً وضربت ضرباً، قال أبو علي: وقد يقال في هذا المعنى أرهنت، وفعلت فيه أكثر، ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : يراهِنُني ويُرْهِنُني بنيه وَأُرْهِنُه بنيَّ بِمَا أَقُولُ تفسير : وقال الأعشى: [الكامل] شعر : حتّى يُقِيدَكَ مِنْ بنِيهِ رَهِينَةً نَعْشٌ ويُرْهِنَكَ السِّماكَ الفَرْقَدا تفسير : فهذه رويت من رهن وأما أرهن فمنه قول همام بن مرة: [المتقارب] شعر : ولمّا خَشِيتُ أَظافِرَهُمْ نَجَوْتُ وأَرْهنْتُهُمْ مَالِكا تفسير : قال الزجّاج يقال في الرهن رهنت وأرهنت، وقاله ابن الأعرابي، ويقال رهنت لساني بكذا ولا يقال فيه أرهنت. قال القاضي أبو محمد: فمن قرأ "فرِهَان" فهو جمع رَهْن، كــ"كبْش" و "كِباش"، و"كَعْب" وكِعاب، ونَعْل ونِعَال، وَبَغْل وبِغَال، ومن قرأ "فُرُهُنٌ" بضم الراء والهاء فهو جمع رَهْن، كـــ"سقف وسقف، وأسد وأُسْد، إذ فَعْل وفُعُل يتقاربان في أحكامهما، ومن قرأ "فرهْن" بسكون الهاء فهو تخفيف رهن، وهي لغة في هذا الباب كله، كتف وفخذ وعضد وغير ذلك، قال أبو علي: وتكسير رهن على أقل العدد لم أعلمه جاء، ولو جاء لكان قياسه أفعل ككلب وأكلب، وكأنهم استغنوا بالكثير عن القليل في قولهم: ثلاثة شسوع، وكما استغني ببناء القليل عن بناء الكثير في رسن وأرسان، فرهن يجمع على بناءين من أبنية الجموع وهما فعل وفعال، فمما جاء على "فُعْل" قول الأعشى: [الكامل] شعر : آليتُ لا أُعْطيهِ مِنْ أبنائِنا رَهْناً فَيُفْسِدهُمْ كَمَنْ قَدْ أَفْسَدا تفسير : قال الطبري: تأول قوم أن "رُهُناً" بضم الراء والهاء جمع رهان، فهو جمع جمع، وحكاه الزجّاج عن الفرّاء، ووجه أبو علي قياساً يقتضي أن يكون رهاناً جمع رهن بأن يقال يجمع فعل على فعال كما جمعوا فعالاً على فعائل في قول ذي الرمة: [الطويل] شعر : وَقَرَّبْنَ بالزرْقِ الْجَمَائِلَ بَعْدَما تَقَوَّبَ عَنْ غِرْبَانِ أوراكِها الْخَطَر تفسير : ثم ضعف أبو علي هذا القياس وقال إن سيبويه لا يرى جمع الجمع مطرداً فينبغي أن لا يقدم عليه حتى يرد سماعاً. وقوله عز وجل: {مقبوضة} يقتضي بينونة المرتهن بالرهن، وأجمع الناس على صحة قبض المرتهن، وكذلك على قبض وكيله فيما علمت. واختلفوا في قبض عدل يوضع الرهن على يديه، فقال مالك وجميع أصحابه وجمهور العلماء قبض العدل قبض، وقال الحكم بن عتيبة وأبو الخطاب قتادة بن دعامة وغيرهما: ليس قبض العدل بقبض، وقول الجمهور أصح من جهة المعنى في الرهن. وقوله تعالى: {فإن أمن} الآية، شرط ربط به وصية الذي عليه الحق بالأداء، وقوله {فليُؤد} أمر بمعنى الوجوب بقرينة الإجماع على وجوب أداء الديون وثبوت حكم الحاكم به وجبره الغرماء عليه، وبقرينة الأحاديث الصحاح في تحريم مال الغير، وقوله {أمانته} مصدر سمي به الشيء الذي في الذمة، وأضافها إلى الذي عليه الدين من حيث لها إليه نسبة، ويحتمل أن يريد بالأمانة نفس المصدر، كأنه قال: فليحفظ مروءته، فيجيء التقدير: فليؤد ذا أمانته، وقرأ عاصم فيما روى عنه أبو بكر الذي أؤتمن برفع الألف ويشير بالضم إلى الهمزة، قال أحمد بن موسى وهذه الترجمة غلط، وقرأ الباقون بالذال مكسورة وبعدها همزة ساكنة بغير إشمام، وهذا هو الصواب الذي لا يجوز غيره، وروى سليم عن حمزة إشمام الهمزة الضم، وهذا خطأ أيضاً لا يجوز، وصوّب أبو علي هذا القول كله الذي لأحمد بن موسى واحتج له، وقرأ ابن محيصن "الذي ايتمن" بياء ساكنة مكان الهمزة، وكذلك ما كان مثله. وقوله تعالى: {ولا تكتموا الشهادة} نهي على الوجوب بعدة قرائن، منها الوعيد وموضع النهي هو حيث يخاف الشاهد ضياع حق، وقال ابن عباس على الشاهد أن يشهد حيثما استشهد ويخبر حيثما استخبر، قال ولا تقل أخبر بها عند الأمير بل أخبره بها لعله يرجع ويرعوي. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا عندي بحسب قرينة حال الشاهد والمشهود فيه والنازلة، لا سيما مع فساد الزمن وأرذال الناس ونفاق الحيلة وأعراض الدنيا عند الحكام، فرب شهادة إن صرح بها في غير موضع النفوذ كانت سبباً لتخدم باطلاً ينطمس به الحق، و {آثم} معناه قد تعلق به الحكم اللاحق عن المعصية في كتمان الشهادة، وإعرابه أنه خبر"إن"، و {قلبه} فاعل بـــ {آثم}، ويجوز أن يكون ابتداء و {قلبه} فاعل يسد مسد الخبر، والجملة خبر إن، ويجوز أن يكون {قلبه} بدلاً على بدل البعض من الكل. وخص الله تعالى ذكر القلب إذ الكتم من أفعاله، وإذ هو المضغة التي بصلاحها يصلح الجسد كما قال عليه السلام، وقرأ ابن أبي عبلة "فإنه آثم قلبَه" بنصب الباء، قال مكي هو على التفسير ثم ضعفه من أجل أنه معرفة. وفي قوله تعالى: {والله بما تعملون عليم} توعد وإن كان لفظها يعم الوعيد والوعد.

ابن عبد السلام

تفسير : {ءَاثِمٌ قَلْبُهُ} فاجر، أو مكتسب لإثم الكتمان.

النسفي

تفسير : {وَإِن كُنتُمْ } أيها المتداينون {عَلَىٰ سَفَرٍ } مسافرين {وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَـٰنٌ } «فرهان»: مكي وأبو عمرو أي فالذي يستوثق به رهن وكلاهما جمع رهن كسقف وسقف وبغل وبغال، ورهن في الأصل مصدر سمي به ثم كسر تكسير الأسماء. ولما كان السفر مظنة لأعواز الكتب والإشهاد، أمر على سبيل الإرشاد إلى حفظ المال من كان على سفر بأن يقيم التوثق بالارتهان مقام التوثق بالكتب والإشهاد لا أن السفر شرط تجويز الارتهان. وقوله {مَّقْبُوضَةٌ } يدل على اشتراط القبض لا كما زعم مالك أن الرهن يصح بالإيجاب والقبول بدون القبض {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين بحسن ظنه به فلم يتوثق بالكتابة والشهود والرهن {فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُ } دينه. وائتمن افتعل من الأمن وهو حث للمديون على أن يكون عند ظن الدائن وأمنه منه وائتمانه له، وأن يؤدي إليه الحق الذي ائتمنه عليه فلم يرتهن منه. وسمي الدين أمانة وهو مضمون لائتمانه عليه بترك الارتهان منه {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ } في إنكار حقه {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ } هذا خطاب للشهود {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ } ارتفع «قلبه» بـ «آثم» على الفاعلية كأنه قيل: فإنه يأثم قلبه، أو بالابتداء و«آثم» خبره مقدم والجملة خبر «إن». وإنما أسند إلى القلب وحده والجملة هي الآثمة لا القلب وحده، لأن كتمان الشهادة أن يضمرها في القلب ولا يتكلم بها، فلما كان إثماً مقترفاً مكتسباً بالقلب أسند إليه لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ كما تقول «هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي»، ولأن القلب رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه وملك أشرف مكان منه، ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح، ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر وهما من أفعال القلوب، وإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أكبر الكبائر الإشراك بالله وشهادة الزور وكتمان الشهادة {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } من كتمان الشهادة وإظهارها {عَلِيمٌ } لا يخفى عليه شيء. {للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } خلقاً وملكاً {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } يعني من السوء {يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ } يكافئكم ويجازيكم ولا تدخل الوساوس وحديث النفس فيما يخفيه الإنسان، لأن ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه ولكن ما اعتقده وعزم عليه، والحاصل أن عزم الكفر كفر وخطرة الذنوب من غير عزم معفوة، وعزم الذنوب إذا ندم عليه ورجع عنه واستغفر منه مغفور. فأما إذا هم بسيئة وهو ثابت على ذلك إلا أنه منع عنه بمانع ليس باختياره فإنه لا يعاقب على ذلك عقوبة فعله أي بالعزم على الزنا لا يعاقب عقوبة الزنا، وهل يعاقب عقوبة عزم الزنا؟ قيل: لا لقوله عليه السلام:«حديث : إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به»تفسير : والجمهور على أن الحديث في الخطرة دون العزم وأن المؤاخذة في العزم ثابتة وإليه مال الشيخ أبو منصور وشمس الأئمة الحلواني رحمهما الله، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ }تفسير : [النور: 19]. الآية. وعن عائشة رضي الله عنها: ما هم العبد بالمعصية من غير عمل يعاقب على ذلك بما يلحقه من الهم والحزن في الدنيا. وفي أكثر التفاسير أنه لما نزلت هذه الآية جزعت الصحابة رضي الله عنهم وقالوا: أنؤاخذ بكل ما حدثت به أنفسنا فنزل قوله «آمن الرسول» إلى قوله «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت» فتعلق ذلك بالكسب دون العزم. وفي بعضها أنها نسخت بهذه الآية، والمحققون على أن النسخ يكون في الأحكام لا في الأخبار {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} برفعهما: شامي وعاصم أي فهو يغفر ويعذب، ويجزمهما: غيرهم عطفاً على جواب الشرط، وبالإدغام: أبو عمرو، وكذا في الإشارة والبشارة. وقال صاحب الكشاف: مدغم الراء في اللام لاحن مخطىء، لأن الراء حرف مكرر فيصير بمنزلة المضاعف، ولا يجوز إدغام المضاعف، ورواية عن أبي عمر مخطىء مرتين لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس في العربية ما يؤذن بجهل عظيم {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ} من المغفرة والتعذيب وغيرهما {قَدِيرٌ } قادر. {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} إن عطف «المؤمنون» على «الرسول» كان الضمير الذي التنوين نائب عنه في {كُلٌّ } راجعاً إلى «الرسول» «والمؤمنون» أي كلهم {ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} ووقف عليه، وإن كان مبتدأ كان عليه «كل» مبتدأ ثانياً والتقدير كل منهم و«آمن» خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر الأول، وكان الضمير للمؤمنين ووحد ضمير «كل» في «آمن» على معنى كل واحد منهم آمن. و«كتابه»: حمزة وعلي يعني القرآن أو الجنس {لاَ نُفَرِّقُ} أي يقولون لا نفرق بل نؤمن بالكل {بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ } «أحد» في معنى الجمع ولذا دخل عليه «بين» وهو لا يدخل إلا على اسم يدل على أكثر من واحد. تقول المال بين القوم ولا تقول المال بين زيد. {وَقَالُواْ سَمِعْنَا } أجبنا قولك {وَأَطَعْنَا } أمرك {غُفْرَانَكَ } أي اغفر لنا غفرانك فهو منصوب بفعل مضمر {رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } المرجـع، وفيه إقرار بالبعث والجزاء. والآية تدل على بطلان الاستثناء في الإيمان وعلى بقاء الإيمان لمرتكب الكبائر. {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا } محكي عنهم أو مستأنف {إِلاَّ وُسْعَهَا } إلا طاقتها وقدرتها لأن التكليف لا يرد إلا بفعل يقدر عليه المكلف، كذا في شرح التأويلات. وقال صاحب الكشاف: الوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى غاية الطاقة والمجهود، فقد كان في طاقة الإنسان أن يصلي أكثر من الخمس ويصوم أكثر من الشهر ويحج أكثر من حجة {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ } ينفعها ما كسبت من خير ويضرها ما اكتسبت من شر، وخص الخير بالكسب والشر بالاكتساب لأن الافتعال للانكماش والنفس تنكمش في الشر وتتكلف للخير {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا } تركنا أمراً من أوامرك سهواً {أَوْ أَخْطَأْنَا } ودل هذا على جواز المؤاخذة في النسيان والخطأ خلافاً للمعتزلة لإمكان التحرز عنهما في الجملة ولولا جواز المؤاخذة بهما لم يكن للسؤال معنى {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } عبأ يأصر حامله أي يحبسه مكانه لثقله استعير للتكليف الشاق من نحو قتل الأنفس وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب وغير ذلك {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا } كاليهود {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } من العقوبات النازلة بمن قبلنا {وَٱعْفُ عَنَّا } امح سيئاتنا {وَٱغْفِرْ لَنَا } واستر ذنوبنا وليس بتكرار فالأول للكبائر والثاني للصغائر {وَٱرْحَمْنَا } بتثقيل ميزاننا مع إفلاسنا، والأول من المسخ والثاني من الخسف والثالث من الغرق {أَنتَ مَوْلَـٰنَا } سيدنا ونحن عبيدك أو ناصرنا أو متولي أمورنا {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } فمن حق المولى أن ينصر عبيده في الحديث« حديث : من قرأ آمن الرسول إلى آخره في ليلة كفتاه»تفسير : وفيه«حديث : من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل»تفسير : ويجوز أن يقال: قرأت سورة البقرة أو قرأت البقرة لما روي عن علي رضي الله عنه: خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش. وقال بعضهم: يكره ذلك بل يقال قرأت السورة التي تذكر فيها البقرة، والله أعلم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وإن كنتم على سفر} أي في سفر {ولم تجدوا كاتباً} يعني ولم تجدوا آلات الكتابة {فرهن} جمع رهن وقرئ فرهان {مقبوضة} يعني فارتهنوا ممن تدينونه رهوناً مقبوضة لتكون وثيقة لكم بأموالكم، وأصل الرهن الدوام يقال: رهن الشيء إذا دام وثبت، والرهن ما وضع عند الإنسان مما ينوب مناب ما أخذ منه ديناً. فإن قلت: لم شرط الارتهان في السفر مع عدم الكاتب ولا يختص به سفر دون حضر وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي على طعام أخذه إلى أجل، ولم يكن ذلك في سفر ولا عند عدم كاتب. قلت ليس الغرض تجويز الارتهان في السفر خاصة دون الحضر، ولكن لما كان السفر مظنة لإعواز الكاتب. والإشهاد أمر الله تعالى به على سبيل الإرشاد إلى حفظ الأموال لمن كان على سفر بأن يقيم التوثيق بالارتهان مقام الكتابة والإشهاد. واتفق العلماء على جواز الرهن في الحضر والسفر جميعاً ومع وجود الكاتب وعدمه. وقال مجاهد: لا يجوز إلاّ في السفر عند عدم الكاتب لظاهر الآية وأجاب الجمهور عن ظاهر الآية أن الكلام إنما خرج على الأغلب لا على سبيل الشرط. واتفق العلماء على أن الرهن لا يتم إلاّ بالقبض وهو وقوله تعالى: {فرهان مقبوضة} يعني ارتهنوا واقبضوا، لأن المقصود من الرهن هو استيثاق جانب صاحب الحق وذلك لا يتم إلاّ بالقبض فلو رهن ولم يسلم لم يجبر الراهن على التسليم، فإذا سلم الرهن لزم من جهته حتى لا يجوز له أن يسترجعه ما دام شيء من الحق باقياً قوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضاً} يعني فإن كان الذي عليه الحق أميناً عند صاحب الحق ولم يرتهن منه شيئاً لحسن ظنه به {فليؤد الذي ائتمن أمانته} يعني فليؤد المديون الذي عليه الحق الذي كان أميناً في ظن الدائن الذي هو صاحب الحق أمانته يعني حقه سمي الدين أمانة وإن كان مضموناً لائتمانه عليه حيث أمن من جحوده فلم يكتب ولم يشهد عليه ولم يأخذ منه رهناً حث المديون على أن يكون عند ظن الدائن الذي ائتمنه وأن يؤدي إليه حقه الذي ائتمنه عليه ولم يرتهن منه عليه شيئاً ثم زاد ذلك تأكيداً بقوله: {وليتق الله ربه} أي المديون في أداء الحق عند حلول الأجل من غير مماطلة ولا جحود بل يعامله المعاملة الحسنة كا أحسن ظنه فيه، ثم رجع إلى خطاب الشهود فقال تعالى: {ولا تكتموا الشهادة} يعني إذا دعيتم إلى إقامتها وأدائها وذلك لأن الشاهد متى امتنع من إقامة الشهادة وكتمها فقد أبطل بذلك حق صاحب الحق فلهذا نهى عن كتمان الشهادة وبالغ في الوعيد عليه فقال تعالى: {ومن يكتمها} يعني الشهادة {فإنه آثم قلبه} أي فاجر قلبه والآثم الفاجر، وإنما أضيف الإثم إلى القلب لأن الأفعال من الدواعي والصوارف إنما تحدث في القلب فلما كان الأمر كذلك أضيف الإثم إلى القلب قيل: ما أوعد الله على شيء كإيعاده عن كتمان الشهادة فإنه تعالى قال {فإنه آثم قلبه} وأراد به مسخ القلب نعوذ بالله من ذلك {والله بما تعملون عليم} يعني من بيان الشهادة وكتمانها ففيه وعيد وتحذير لمن كتم ولم يظهرها.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ...}. ابن عرفة: مفهوم الآية ملغى بنصّ السّنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه في الحضر. وأيضا فهو مفهوم خرج مخرج الغالب لأن السفر مظنة لعدم وجدان الكاتب أو هو شيء من الأدلة غالبا بخلاف الحضر. قال ابن عطية: أجمع الناس على صحة قبض المرتهن وعلى قبض وكيله. واختلفوا في قبض عدل فجعله الإمام مالك قبضا. قال ابن عرفة: إذا لم يكن من جهة الراهن. وقال الحكم بن عيينة وقتادة: ليس بقبض. قال ابن عرفة: إذا قبض المرتهن الرهن ولم يزل حائزا له كان أحق به لا خلاف. وإن كان قبضه بالشهادة ثم أذن المرتهن للراهن في التصرف فيه فتصرف فيه الراهن بطل الحوز بلا خلاف، وإن أذن المرتهن للراهن في التصرف فيه فلم يتصرف فيه ولم يزل بيد المرتهن فظاهر كتاب الرهن في المدونة أنه مبطل للحوز. وظاهر كتاب حريم البير منها أنه غير مبطل (بناء) على أن الحوز شرط في لزوم الرهن أو في استحقاق الرهن. قوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ...}. ظاهره جواز إعطاء الدين وجواز أخذه من غير رهن فتكون ناسخة لما قبلها لأن عمومها يقتضي اشتراط أخذ الرهن فيه. قوله تعالى: {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَادَةَ...}. راجع لحالة (الأداء). قوله تعالى: {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ...}. قال الزمخشري: لم قال {آثِمٌ قَلْبُهُ} فخصص الإثم بالقلب وهلا علقه بجميع الجسد؟ وأجاب بأربعة أوجه: الأول: أنه تحقيق لوقوع الإثم ثم لأن كتمان الشهادة من فعل القلب وإثمها مقترن بالقلب فلذلك أسند إليه. للثاني: أنّ القلب الأصلُ لحديث "حديث : إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ". تفسير : الثالث: أنّ القلب أصل واللّسان ترجمان له. الرابع: أن أفعال القلب أعظم من أفعال الجوارح وإثمه أعظم من إثمها. قال ابن عرفة: ومنهم من كان يجيب بأن القلب يستوي فيه الفعل والترك وليس بينهما تفاوت إذ لا أثر (للترك) فيه بالنّسبة إلى الفعل بخلاف الجوارح فإنّ الفعل يمتاز عن التّرك (بالبديهة) وكتمان الشهادة ترك فلو أسند للجوارح لما حسن (ترتب) الإثم عليه فلذلك أسند للقلب الذي هما فيه مستويان.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ...} الآية: لما ذكر اللَّه تعالى الندْبَ إِلى الإِشهاد، والكتْبِ؛ لمصلحة حفظ الأموال والأديان ـــ عقَّب ذلك بذكْر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل بدلها الرهْنَ، ونصَّ على السفر؛ إِذ هو الغالب من الأعذار، ويدخل في ذلك بالمعنَىٰ كلُّ عذر. قال: * ع *: رَهَنَ الشَّيْءَ؛ في كلام العرب معناه: دَامَ، وٱستمرَّ، قيل: ولما كان الرهنُ بمعنى الثبوتِ، والدوامِ، فمِنْ ثَمَّ بطَل الرهْنُ؛ عند الفقهاء: إِذا خرج مِنْ يد المرتَهِن إِلى يد الراهِنِ؛ لأنه فَارَقَ ما جُعِلَ له. وقوله تعالى: {مَّقْبُوضَةٌ }: هي بينونةُ المرتَهَنِ بالرَّهْن. وأجمع الناس علَىٰ صحَّة قَبْض المرتَهَن؛ وكذلك علَىٰ قبض وكيله؛ فيما علمتُ. واختلفوا في قَبْض عدلٍ يوضَعُ الرهْنُ على يدَيْه. فقال مالك، وجميعُ أصحابه، وجمهور العلماء: قَبْض العَدْل قبضٌ. وقال الحَكَم بن عُتَيْبَةَ، وغيره: ليس بقَبْض. وقولُ الجمهورِ أصحُّ؛ من جهة المعنى في الرهن. وقوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا }: شرطٌ ربَطَ به وصيَّةَ الذي علَيْه الحقُّ بالأداء. قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: قوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا }: معناه: إن أسقط الكَتْبَ، والإِشهادَ، والرَّهْنَ، وعوَّل على أمانة المعامَلِ، فليؤدِّ الأمانةَ، وليتَّقِ اللَّه ربَّه؛ وهذا يبيِّن أنَّ الإِشهاد ليس بواجبٍ؛ إِذ لو كان واجباً، لما جاز إِسقاطه، ثم قال: وجملة الأمر أنَّ الإِشهاد حزْم، والاِئتمانَ ثقةٌ باللَّه تعالَىٰ من الدائنِ، ومروءةٌ من المِدْيَان، ثم ذكر الحديثَ الصحيحَ في قصَّة الرَّجُل من بني إِسرائيل الذي استسْلَفَ ألْفَ دينارٍ، وكيف تَعَامَلاَ علَىٰ الٱئتمانِ، ثم قال ابنُ العربيِّ: وقد رُوِيَ عن أبي سعيد الخدريِّ؛ أنه قرأ هذه الآية، فقال: هذا نسخ لكلِّ ما تقدَّم، يعني: من الأمر بالكَتْب، والإِشهاد، والرهن. اهـــ. وقوله: {فَلْيُؤَدِّ }: أمر بمعنى الوجوبِ، وقوله: {أَمَـٰنَتَهُ }: مصْدَرٌ سُمِّيَ به الشيْء الذي في الذمَّة. وقوله تعالى: {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ...} الآية: نهي فيه تهديدٌ ووعيدٌ، وخص تعالَىٰ ذكْر القَلْب؛ إذ الكَتْم من أفعاله، وإِذ هو البُضْعَةُ التي بصلاحها يصْلُحُ الجَسَدُ كُلُّه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم، وفي قوله تعالى: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } توعُّدٌ، وإِنْ كَانَ لفظُها يعمُّ الوعيدَ والوَعْدَ. وروى البَزَّارُ في «مسنده»، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : مَنْ مَشَىٰ إِلَىٰ غَرِيمِهِ بِحَقِّهِ، صَلَّتْ عَلَيْهِ دَوَابُّ الأَرْضِ، وَنُونُ المَاءِ، ونَبَتَتْ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ شَجَرَةٌ، تُغْرَسُ فِي الجَنَّةِ، وَذَنْبُهُ يُغْفَرُ»تفسير : اهـــ من «الكوكب الدري». قوله تعالى: {للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ...} الآية: المعنَىٰ: جميعُ ما في السمواتِ، وما في الأرض مِلْكٌ له سُبْحَانَهُ. وقوله تعالى: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ...} الآية: قوله: {مَا فِي أَنفُسِكُمْ } يقتضي قوَّةُ اللفظ أنَّه ما تقرَّر في النفْسِ، وٱستصحبتِ الفكْرةَ فيه، وأما الخواطر التي لا يُمْكِنُ دفْعُها، فليسَتْ في النفْسِ، إِلا علَىٰ تجوُّز. وٱختلف في معنى هذه الآية. فقال عِكْرِمَةُ وغيره: هي في معنى الشهادةِ التي نُهِيَ عن كتمها، فلفظ الآية؛ علَىٰ هذا التأويل: العمومُ، ومعناه الخصوصُ؛ وكذا نقل الثعلبيُّ. وقال ابن عبَّاس: وأبو هريرة، وجماعةٌ من الصَّحابة والتابعين: إِن هذه الآية، لَمَّا نزلَتْ، شَقَّ ذلك على الصَّحابة، وقالوا: هَلَكْنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ حُوسِبْنَا بِخَوَاطِرِ نُفُوسِنَا، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لكِنَّهُ قَالَ لَهُمْ: «حديث : أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا، كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا فَقَالُوهَا: فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:286]؛ ونَسَخ بِهَذِهِ تِلْكَ»تفسير : هذا معنى الحديثِ الصحيحِ، وله طرقٌ من جهاتٍ، واختلفتْ عباراته، وتعاضَدَتْ عبارةُ هؤلاء القائلين بلفظة النَّسْخِ في هذه النازلةِ. وقال ابن عبَّاس: لما شقَّ ذلك علَيْهم، فأنزل اللَّه تعالَىٰ: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا...} الآية، فنسختِ الوسوسةُ، وثَبَتَ القوْلُ، والفعْلُ. وقال آخرون: هذه الآيةُ محكمةٌ غير منْسُوخةٍ، واللَّه محاسِبٌ خلقه علَىٰ ما عملوه، وأضمروه، وأرادوه، ويَغْفِرُ للمؤمنين، ويأخذ به أهل الكفر والنفاق؛ ورجَّح الطبريُّ أنَّ الآية محكَمَةٌ غير منْسُوخة. * ع *: وهذا هو الصوابُ، وإِنَّما هي مخصَّصة، وذلك أنَّ قوله تعالى: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ }: معناه: بما هو في وُسْعكم، وتحْتَ كَسْبِكُم، وذلك استصحابُ المعتقد، والفِكْر فيه، فلما كان اللفظ ممَّا يمكنُ أنْ تدخل فيه الخواطرُ، أشفَقَ الصحابةُ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم فبيَّن اللَّه تعالَىٰ لهم ما أراد بالآيةِ الأولَىٰ، وخصَّصَها، ونصَّ على حُكْمِهِ؛ أنه لا يكلِّف نفْساً إِلا وسْعَهَا، والخواطرُ ليْسَتْ هي، ولا دفعُهَا في الوُسْع، بل هي أمر غالبٌ، وليست مما يُكْسَبُ، ولا يُكْتَسَبُ، وكان في هذا البيان فَرَحُهُمْ، وكَشْفُ كربهم، وتأتي الآية محكمةً لا نَسْخَ فيها، وممَّا يدفع أمر النَّسْخ؛ أن الآية خَبَرٌ، والأخبار يدخُلُها النَّسْخُ، فإن ذهب ذاهبٌ إِلى تقرير النَّسْخِ، فإِنما يترتَّب له في الحُكْم الذي لَحِقَ الصحابة، حِينَ فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم لهم: «قولُوا سَمِعْنَا وأطعنا»، يجيء منْه: الأمر بأن يبنُوا علَىٰ هذا، ويلتزموه، وينتظروا لُطْفَ اللَّه في الغُفْران، فإِذا قرّر هذا الحكم، فصحيحٌ وقوعُ النَّسْخ فيه، وتشبه الآية حينئذٍ قوله تعالَى: {أية : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ }،تفسير : [الأنفال:65]، فهذا لفظه الخَبَرُ، ولكنَّ معناه: ٱلتزموا هذا، وٱبنُوا عليه، واصبروا بحَسَبِهِ، ثم نسخ ذلك بَعْد ذلك، فهذه الآية في البقرة أشبهُ شَيْء بها. وقوله تعالى: {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ}، يعني: من العصاةِ، وتعلَّق قومٌ بهذه الآية ممَّن قال بجوازِ تكْليفِ ما لا يُطَاقُ، وقالوا: إِن اللَّه قد كلَّفهم أمْرَ الخواطرِ، وذلك مما لا يِطَاق، قال: * ع *: وهذا غير بيِّن، وإِنما كان أمر الخواطر تأويلاً أوَّله أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولم يثبتْ تكليفاً إِلا على الوَجْه الذي ذكَرْناه من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم، إِنَّهُ علَىٰ ذلك، قال الشيخ الوليُّ العارفُ باللَّه ٱبْنُ أبي جَمْرَةَ: والخواطرُ عندهم ستَّةٌ يعني عند العلماءِ العارفينَ باللَّه: أولُها الهَمَّة، ثم اللَّمَّة، ثم الخَطْرة؛ وهذه الثلاثُ عندهم غَيرْ مُؤاخذٍ بها، ثم نِيَّة، ثمَّ إرادَةٌ، ثم عَزِيمَةٌ، وهذه الثلاثُ مؤَاخذ بها. اهـ. وقوله تعالى: {آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ...} الآية: سببُ هذه الآية أنَّه لما نزلَتْ: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ}، وأشفق منها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم تقرَّر الأمر على أنْ قالوا:«سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا»، ورجعوا إِلى التضرُّع والاِستكانةِ، مدَحَهم اللَّه تعالَىٰ، وأثنَىٰ عليهم في هذه الآيةِ، وقدَّم ذلك بين يدَيْ رِفْقِهِ بهم، فجمع لهم تعالَى التشْريفِ بالمَدْحِ، والثناءِ، ورفع المشقَّة في أمر الخواطرِ، وهذه ثمرة الطَّاعَة والانقطاعِ إِلى اللَّه تعالَىٰ، لا كما قالتْ بنو إِسرائيل: {أية : سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } تفسير : [البقرة:93]؛ فأعقبهم ضدَّ ذلك، وهذه ثمرة العصيان، أعاذنا اللَّه من نِقَمِهِ. و {آمَنَ} معناه: صدَّق، والرسولُ: محمَّد صلى الله عليه وسلم، و {مَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ }: القُرآن، وسائرُ ما أوحى اللَّه إِلَيْه من جملة ذلك، وكُلُّ لفظة تصلح للإِحاطة، وهي كذلك هُنَا، والإِيمانُ باللَّه: هو التصديقُ به، أي: بوجودِهِ وصفاتِهِ، ورفْضُ كلِّ معبود سواه، والإِيمان بملائكته: هو اعتقادُهم أنهم عبادُ لِلَّهِ مكْرَمُون، لا يعصُون اللَّه ما أمرهم، ويَفْعَلُون ما يُؤْمَرون، والإِيمان بكتبه: هو التصديقُ بكلِّ ما أَنْزَلَ سبحانه علَىٰ أنبيائه. وقرأ الجمهور: {لاَ نُفَرِّقُ }؛ بالنون. والمعنَىٰ: يقولون: لا نفرِّق. ومعنَىٰ هذه الآية: أن المؤمنين ليسوا كاليَهُودِ والنصارَىٰ؛ في أنَّهم يؤمنون ببَعْضٍ، ويكفرون ببعض. وقوله تعالى: {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا }: مدح يقتضي الحضَّ على هذه المقالة، وأنْ يكون المؤمنُ يمتثلُها غَابِرَ الدَّهْر، والطاعةُ: قبولُ الأوامرِ، و {غُفْرَانَكَ }: مصدرٌ، والعاملُ فيه فَعْلٌ، تقديره: نَطْلُبُ أوْ نَسْأَلُ غُفْرَانَكَ. * ت *: وزاد أبو حَيَّان، قال: وجوَّز بعضُهم الرفْعَ فيه، علَىٰ أنْ يكون مبتدأً، أيْ: غفرانُكَ بُغْيَتُنَا. اهـــ. {وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ }: إِقرار بالبعثِ، والوقوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ سبحانه، وروي أنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، لما أنزلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَجَّلَ الثَّنَاءَ عَلَيْكَ، وَعَلَىٰ أُمَّتِكَ، فَسَلْ تُعْطَهْ، فَسَأَلَ إِلَىٰ آخِرِ السُّورَةِ.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ}. قال أهل اللُّغة (س ف ر) تركيب هذه الحروف للظُّهور، والكشف، والسفر هو الكتاب؛ لأنه يبيِّن الشيء ويوضحه، وسمي السِّفر سفراً؛ لأنَّه يسفر عن أخلاق الرِّجال، أي: يكشف، أو لأنه لمّا خرج من الكن إلى الصَّحراء فقد انكشف للنَّاس؛ أو لأنه لمَّا خرج إلى الصَّحراء فقد صارت أرض البيت منكشفةً خاليةً، وأسفر الصُّبح: إذا ظهر، وأسفرت المرأة عن وجهها: إذا كشفته، وسفرت عن القوم أسفر سفارة، أي: كشفت ما في قلوبهم، وسفرت أُسفر، أي: كنست، والسَّفر: الكنس، وذلك لأنك إذا كنست، فقد أظهرت ما كان تحت الغبار، والسّفر من الورق ما سفر به الرِّيح، ويقال لبقية بياض النَّهار بعد مغيب الشَّمس سفر لوضوحه. فصل في بيان وجه النَّظم اعلم أنَّه تعالى جعل البياعات في هذه الآية على ثلاثة أقسام: بيع بكتاب وشهود، وبيع برهن مقبوضة، وبيع بالأمانة، ولما أمر في آخر الآية المتقدّمة بالكتاب، والإشهاد، وأعلم أنَّه ربما تعذَّر ذلك في السَّفر إمَّا ألاَّ يوجد الكاتب، أو إن وجد لكنَّه لا توجد آلات الكتابة، ذكر نوعاً آخر من الاستيثاق وهو أخذ الرَّهن، فهذا وجه النَّظم، وهذا أبلغ في الاحتياط من الكتابة والإشهاد. قوله: {وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً} في هذه الجملة ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنَّها عطفٌ على فعل الشَّرط، أي: "وَإِنْ كُنْتُم"، "وَلَمْ تَجِدُواْ" فتكون في محلِّ جزمٍ لعطفها على المجزوم تقديراً. والثاني: أن تكون معطوفةً على خبر "كان"، أي: وإن كنتم لم تجدوا كاتباً. والثالث: أن تكون الواو للحال، والجملة بعدها نصب على الحال، فهي على هذين الوجهين الأخيرين في محلّ نصبٍ. والعامة على "كاتباً" اسم فاعل. وقرأ أُبي ومجاهدٌ، وأبو العالية: "كِتاباً"، وفيه وجهان: أحدهما: أنَّه مصدرٌ أي ذا كتابة. والثاني: أنه جمع كاتبٍ، كصاحبٍ وصحابٍ. ونقل الزمخشريُّ هذه القراءة عن أُبيّ وابن عبَّاسٍ فقط، وقال: "وَقَالَ ابْنُ عباس: أرأيت إن وَجَدْتَ الكاتب، ولم تجد الصَّحيفة والدَّواة". وقرأ ابن عباس والضَّحَّاك: "كُتَّاباً" على الجمع [اعتباراً] بأنَّ كلَّ نازلةٍ لها كاتبٌ. وقرأ أبو العالية: "كُتُباً" جمع كتاب، اعتباراً بالنَّوازل، قال شهاب الدين: قول ابن عباس: "أَرَأَيْتَ إِنْ وَجَدْتَ الكَاتِبَ... إلخ" ترجيحٌ للقراءة المرويَّة عنه واستبعادٌ لقراءة غيره "كاتباً"، يعني أن المراد الكتاب لا الكاتب. قوله: "فَرِهَانٌ" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مرفوعٌ بفعلٍ محذوفٍ، أي: فيكفي عن ذلك رهنٌ مقبوضةٌ. الثاني: أنه مبتدأ والخبر محذوفٌ، أي: فرهن مقبوضة تكفي. الثالث: أنَّه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فالوثيقة، أو فالقائم مقام ذلك رهن مقبوضةٌ. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرٍو: "فَرُهُنٌ" بضم الرَّاء، والهاء، والباقون "فَرِهَانٌ" بكسر الرَّاء وألف بعد الهاء، روي عن ابن كثير، وأبي عمرو تسكين الهاء في رواية. فأمَّا قراءة ابن كثير، فجمع رهن، وفَعْلٌ يجمع على فُعُلٍ نحو: سَقْف وسُقُف. ووقع في أبي البقاء بعد قوله: "وسَقْف وسُقُف. وأسَد وأُسُد، وهو وهمٌ" ولكنَّهم قالوا: إنَّ فعلاً جمع فعل قليل، وقد أورد منه الأخفش ألفاظاً منها: رَهْن ورُهُن، ولَحْد القبر، ولُحُد، وقَلْب النَّخلة، وقُلُب، ورجلٌ ثَطٌّ وقومٌ ثُطٌّ، وفرس وَرْدٌ، وخيلٌ وُرُدٌّ، وسَهمٌ حَشْرٌ وَسِهَامٌ حُشُرٌ. وأنشد أبو عمرو حجةً لقراءته قول قعنب: [البسيط] شعر : 1293- بَانَتُ سُعَادُ وأَمْسَى دُونَها عَدَنُ وَغَلِقَتْ عِنْدَهَا مِنْ قَبْلِكَ الرُّهُنُ تفسير : وقال أبو عمرو: "وإنما قرأت فرُهُن للفصل بين الرهان في الخيل وبين جمع "رَهْن" في غيرها" ومعنى هذا الكلام أنما اخترت هذه القراءة على قراءة "رهَان"؛ لأنه لا يجوز له أن يفعل ذلك كما ذكر دون اتِّباع روايةٍ. واختار الزَّجَّاج قراءته هذه قال: "وَهَذِه القِرَاءَة وافَقَت المصحف، وما وافق المصحف وصحَّ معناه، وقرأ به القرَّاء فهو المختار". قال شهاب الدين: إن الرسم الكريم "فرهن" دون ألفٍ بعد الهاء، مع أنَّ الزَّجَّاج يقول: "إنَّ فُعُلاً جمع فَعْلٍ قليلٌ"، وحكي عن أبي عمرو أنه قال: "لا أَعْرِفُ الرِّهان إلا في الخيل لا غيرُ". وقال يونس: "الرَّهْنُ والرِّهان: عربيان، والرُّهُن في الرَّهْنِ أكثر، والرِّهان في الخيل أكثر" وأنشدوا أيضاً على رَهْنٍ ورُهُن قوله: [الكامل] شعر : 1294- آلَيْتُ لاَ نُعْطِيهِ مِنْ أَبْنَائِنَا رُهُناً فيُفْسِدُهُمْ كَمَنْ قَدُ أَفْسَدَا تفسير : وقيل: إنَّ رُهُناً جمع رهان، ورهان جمع رَهْن، فهو جمع الجمع، كما قالوا في ثمار جمع ثمر، وثُمر جمع ثمار، وإليه ذهب الفراء وشيخه، ولكنَّ جمع الجمع غير مطرَّدٍ عند سيبويه وجماهير أتباعه. وأمَّا قراءة الباقين "رِهان"، فرهان جمع "رَهْن" وفعل وفعال مطردٌ كثير نحو: كَعْب، وكِعَاب، وكَلْب وكِلاَب، ومَنْ سَكَّن ضمة الهاء في "رُهُن" فللتخفيف وهي لغةٌ، يقولون: سُقْفٌ في سُقُف جمع سَقْفٍ. والرَّهنُ في الأصل مصدر رهنت، يقال: رهنت زيداً ثوباً أرهنه رهناً أي: دفعته إليه رهناً عنده، قال: [الوافر] شعر : 1295- يُرَاهِنُنِي فَيَرْهَنُنِي بَنِيهِ وأَرْهَنُهُ بَنِيَّ بِمَا أَقُولُ تفسير : وأرهنت زيداً ثوباً، أي: دفعته إليه ليرهنه، ففرَّقوا بين فعل وأفعل. وعند الفرَّاء رهنته وأرهنته بمعنى، واحتجَّ بقول همَّامٍ السَّلوليِّ: [المتقارب] شعر : 1296- فَلَمَّا خَشِيتُ أَظَافِيرَهُمْ نَجَوْتُ وَأَرْهَنْتُهُمْ مَالِكَا تفسير : وأنكر الأصمعيُّ هذه الرِّواية، وقال إِنَّما الرِّواية: "وَأَرْهَنُهُمْ مَالِكَا" والواو للحال؛ كقولهم: "قَمْتُ وأَصُكُّ عَيْنَهُ" وهو على إضمار مبتدأ. وقيل: أرْهَنَ في السِّلعة إذا غالى فيها حتّى أخذها بكثير الثَّمن، ومنه قوله: [البسيط] شعر : 1297- يَطْوِي ابنُ سَلْمَى بِهَا مِنْ رَاكِبٍ بُعْداً عِيديَّةً أُرْهِنَتْ فِيهَا الدَّنَانيِرُ تفسير : ويقال: رَهنتُ لساني بكذا، ولا يُقال فيه "أَرْهَنْتُ" ثم أُطْلق الرَّهنُ على المرهون من باب إطلاق المصدرِ على اسم المفعول كقوله تعالى: {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللهِ}تفسير : [لقمان:11]، و "درهَمٌ ضَرْبُ الأَمِير"، فإذا قلت: "رَهَنْتُ زيداً ثوباً رَهْناً" فرهناً هنا مصدرٌ فقط، وإذا قلت "رهنْتُ زيداً رَهْناً" فهو هنا مفعولٌ به؛ لأن المراد به المرهونُ، ويُحتملُ أن يكونَ هنا "رَهْناً" مصدراً مؤكداً أيضاً، ولم يذكرِ المفعول الثَّاني اقتصاراً كقوله: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ}تفسير : [الضحى:4]. و "رَهْن" مِمَّا استغني فيه بجمعِ كثرته عن جمع قلَّته، وذلك أنَّ قياسه في القلةِ أفعل كفلس، وأفلسُ، فاستُغنيَ برَهن ورِهان عن أرَهُن. وأصل الرَّهن: الثُّبوت والاستقرارُ يقال: رهن الشَّيءُ، فهو راهنٌ إذا دام واستقر، ونعمةٌ راهنةٌ، أي: دائمة ثابتة، وأنشد ابن السَِّكِّيت: [البسيط] شعر : 1298- لاَ يَسَفِيقُونَ مِنْهَا وَهْيَ رَاهِنَةٌ إِلاَّ بهَاتِ وَإِنْ نَهِلُوا تفسير : ويقال: "طَعَامٌ رَاهِنٌ" أي: مُقيمٌ دائمٌ؛ قال: [البسيط] شعر : 1299- الخُبْزُ واللَّحْمُ لَهُمْ رَاهِنٌ ....................... تفسير : أي: دائمٌ مستقرٌّ، ومنه سُمِّي المرهونُ "رَهْناً" لدوامِه واستقراره عند المُرتهِن. فصل في إثبات الرهن في الحضر والسفر جمهورُ الفُقهاء على أَنَّ الرهن في الحضرِ، والسَّفر سواءٌ، وفي حال وجود الكاتب، وعدمهِ، وذهب مجاهِدٌ: إلى أَنَّ الرهنَ لا يجوزُ إِلاَّ في السقر؛ لظاهر الآية، ولا عمل عليه، وإِنَّما قيدت الآيةُ بالسفر؛ لأَنَّ الغالبَ في السفرِ عدمُ الكاتِب؛ فهو كقوله: {أية : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ}تفسير : [النساء:101] وليس الخوفُ من شرط جواز القصرِ؛ ويدلُّ عليه ما رُوِيَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ رهن دِرْعَهُ عند أَبِي الشَّحم اليهوديِّ ولم يكن ذلك في سفرٍ. قوله: "فَإِنْ أَمِنَ" قرأ أُبي فيما نقله عنه الزَّمخشريُّ "أُومِنَ" مبنيّاً للمفعول، قال الزَّمخشريُّ: أي: "أَمِنَه الناسُ وَوَصَفُوا المَدْيُونَ بالأمانةِ والوفاءِ" قلت: وعلامَ تنتصبُ بَعْضاً؟ والظاهرُ نصبه بإسقاطِ الخافض على حذف مضافٍ، أي: فإن أُومِنَ بعضُكم على متاعٍ بعضٍ، أو على دينِ بعضٍ. وفي حرف أُبيّ: "فَإِن اؤْتُمِنَ" يعني: وإن كان الذي عليه الحقُّ أَمِيناً عند صاحب الحقِّ؛ فلم يرتهن منه شيئاً؛ لحسن ظنه به. قوله: {فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} إذا وُقِفَ على الَّذِي، وابتُدىءَ بما بعدها قيل: "اوتُمِنَ" بهمزةٍ مضمومةٍ، بعدها واوٌ ساكنةٌ، وذلك لأنَّ أصله اؤْتُمِنَ؛ مثل اقتُدر بهمزتين: الأُولى للوصل، والثَّانية فاءُ الكلمة، ووقعت الثانيةُ ساكنةً بعد أُخرى مثلها مضمومةً؛ فوجب قَلْبُ الثانية لمُجانس حركة الأُولى، فقلت: اوتُمِنَ؛ فأمَّا في الدَّرج، فتذهبُ همزةُ الوصل؛ فتعودُ الهمزةُ إلى حالها؛ لزوالِ موجب قلبها واواً، بل تُقلبُ ياءً صريحةً في الوصلِ؛ في رواية ورشٍ. ورُوي عن عاصم: "الَّذِي اؤْتُمِنَ" برفع الأَلف ويُشير بالضَّمَّةِ إلى الهمزةِ، قال ابن مجاهدٍ: "وهذه الترجمةُ غلطٌ" ورَوَى سليم عن حمزة إشمامَ الهمزةِ الضَّمَّ، وفي الإِشارة، والإِشمام المذكُورَين نظرٌ. وقرأ عاصمٌ أيضاً في شاذِّه: "الَّذِي اتُّمِنَ" بإِدغام الياء المبدلة من الهمزة في تاءِ الافتعال، قال الزمخشريُّ: قياساً على: "اتَّسَرَ" في الافتعال من اليُسْر، وليس بصحيح؛ لأَنَّ الياءَ منقلبةٌ عن الهمزةِ، فهي في حُكمِ الهمزةِ، واتَّزر عامِّيٌّ، وكذلك "رُيَّا" في "رُؤْيَا". قال أبو حيَّان: وَمَا ذَكَرهُ الزمخشريُّ فيه: أَنَّهُ ليس بصحيح، وأَنَّ "اتَّزَرَ" عامِّيٌّ - يعني أنه مِنْ إِحداث العامَّةِ لا أصلَ له في اللغة - قد ذكره غيره أنَّ بعضهم أَبدلَ، وأدْغَمَ: "اتَّمَنَ واتَّزَرَ" وأنَّ ذلك لغةٌ رديئةٌ، وكذلك "رُيَّا" في رُؤْيَا، فهذا التشبيهُ إمَّا أَنْ يعودَ على قوله: "واتَّزَرَ عَامِّيٌّ"، فيكون إدغام "رُيَّا" عَامِّيًّا، وإمَّا أن يعود إلى قوله "فَلَيْسَ بِصَحِيح" أي: وكذلك إدغامُ "رُيَّا" ليس بصحيحٍ، وقد حكى الكِسائيُّ الإدغام في "رُيَّا". وقوله: "أَمَانَتَهُ" يجوزُ أن تكونَ الأمانةُ بمعنى الشَّيءِ المُؤْتَمَنِ عليه؛ فينتصبَ انتصابَ المفعولِ به بقوله: "فَلْيُؤَدِّ" ويجوزُ أَنْ تكونَ مصدراً على أصلها، وتكونَ على حذفِ مضافٍ، أي: فليؤدِّ دين أَمانتهِ، ولا جائزٌ أن تكونَ منصوبة على مصدرِ اؤْتمنَ، والضَّمير في "أَمَانَتَهُ" يُحْتَمَلُ أَنْ يعودَ على صاحب الحقِّ، وأَنْ يعودَ على {ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ}. فصلٌ هذا هو القِسْمُ الثّالث مِنَ البياعاتِ المذكورة في الآية، وهو بيعُ الأمانة، أعني: ما لا يكون فيه كتابةٌ، ولا شهودٌ، ولا يكونَ فيه رهنٌ. يقال: "أَمِنَ فُلاَنٌ غَيْرَهُ" إذا لم يخف منه. قال تعالى: {أية : هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ}تفسير : [يوسف:64] فقوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً} أي: لم يخف خيانتهُ وجحودَه للحقِّ {فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} أي: فليؤدِّ المديونُ الذي كان أميناً، ومؤتمناً في ظنِّ الدَّائن - أمانتَهُ، أي: حقَّهُ، كأنه يقولُ: أَيّها المديُونُ، أنتَ أمينٌ، ومُؤْتمن في ظنِّ الدَّائِن، فلا تخلف ظنَّه، وأدِّ إليه أمانتَهُ، وحقه، يقال: أَمِنتُه، أو ائْتَمَنْتُه، فهو مأمونٌ، ومُؤْتَمَنٌ، {وَلْيَتَّقِ ٱللهَ رَبَّهُ} أي: يتق اللهَ، ولا يجحدُ، لأن الدَّائن لمَّا عامله المعاملة الحسنة؛ حينئذٍ عَوَّل على أَمانته، ولم يُطَالبه بالوثائق من الكتابة، والإِشهاد، والرهنِ؛ فينبغي لهذا المديُون أنْ يتَّقِي الله، ويعامله أَحسنَ معاملة، بأن لا يُنكر الحقَّ، ويؤديه إليه عند حلول الأَجل. وقيل: إنه خطابٌ للمرتَهِن بأن يُؤَدِّي الرهنَ عند استيفاءِ المالِ، فإنه أمانةٌ في يده. فصلٌ قال بعضهم: هذه الآيةُ ناسخةٌ للآياتِ المتقدمةِ الدالَّةِ على وجوب الكتابة، والإِشهادِ، وأخذ الرهن. واعلم أَنَّ التزام وقُوع النسخِ من غير دليلٍ يُلجئُ إليه خطأٌ. [بل] تلك الأَوامِرُ محمولةٌ على الإِرشاد، ورعاية الاحتياط، وهذه الآيةُ محمولةٌ على الرخصة. وعن ابن عباسٍ، أنه قال: ليس في آية المداينة نسخٌ. قوله: {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَادَةَ} وفيه وجوهٌ: الأول: قال القفَّال - رحمه اللهُ -: إنه تعالى لما أباحَ تركَ الكتابةِ والإِشهادِ، والرهنِ عند اعتقادِ أمانة المديونِ، ثم كان من الجائز أَنْ يكون المديونُ خائِناً جاحداً للحقِّ، وكان من الجائزِ أيضاً أن يكون بعضُ الناسِ مُطّلعاً على أحوالهم، فهاهنا ندب اللهُ ذلك المطلع إلى أن يسعى في إحياء ذلك الحق، وأن يشهد لصاحب الحق بحقه، ومنعه من كتمانِ الشَّهادةِ سواء عرف صاحبُ الحق تلك الشهادة، أم لا، وشدَّد فيه بأن جعله آثِمَ القلبِ بكتمانها. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : خَيْرُ الشُّهُودِ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ ". تفسير : الثاني: أَنَّ المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك الواقعة، ونظيره قوله تعالى: {أية : أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللهُ}تفسير : [البقرة:140] والمرادُ الجُحودُ وإنكارُ العِلْمِ. الثالث: كِتمانُ الشهادة: هو الامتناع مِنْ أدَائها عند الحاجة إلى إقامتها، كما تقدَّمَ في قوله: {أية : وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ}تفسير : [البقرة:282]؛ لأنه متى امتنع عن إقامة الشهادة صار كالمبطل لحقه، وحُرمة مال المسلم كحُرمةِ دمه، فلهذا بالغَ في وعيده. وقرأ أَبُو عَبدِ الرحْمَن "وَلاَ يَكْتُمُوا" بياءِ الغيبةِ؛ لأن قَبْلَهُ غَيْباً وهم مَنْ ذُكر في قوله: "كَاتِبٌ ولا شهيد". قوله: {فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} في هذا الضمير وجهان: أحدهما: أنه ضميرُ الشأنِ، والجملةُ بعدَه مفسِّرٌ له. والثاني: أنه ضميرُ "مَنْ" في قوله: "ومَنْ يَكْتُمْهَا" وهذا هو الظاهرُ. وأمَّا "آثِمٌ قَلْبُهُ" ففيه أوجهٌ: أظهرها: أنَّ الضميرَ في "إِنَّهُ" ضميرُ "مَنْ" و "آثِمٌ" خبرُ "إِنَّ"، و "قَلْبُهُ" فاعلٌ بـ "آثِمٌ"، نحو قولك: "زَيْدٌ إِنَّهُ قَائِمٌ أَبُوهُ"، وعَمَلُ اسم الفاعل هنا واضحٌ؛ لوجودِ شروطِ الإِعمال، ولا يجيءُ هذا الوجهُ على القولِ بأنَّ الضميرَ ضميرُ الشأنِ؛ لأنَّ ضميرَ الشأن لا يُفَسَّر إلا بجملةٍ، واسمُ الفاعلِ مع فاعله عند البصريِّين مفردٌ، والكوفيُّون يُجيزون ذلك. الثاني: أن يكون "آثِمٌ" خبراً مقدَّماً، و "قَلْبُهُ" مبتدأٌ مؤخراً، والجملةُ خبرَ "إِنَّ"، ذكره الزمخشريُّ وأبو البقاء وغيرهما وهذا لا يجوزُ على أصول الكوفيِّين؛ لأنه لا يعودُ عندهم الضَّميرُ المرفوعُ على متأخِّرٍ لفظاً، و "آثِمٌ" قد تحمَّل ضميراً، لأنه وقع خبراً؛ وعلى هذا الوجه: فيجوزُ أن تكونَ الهاءُ ضميرَ الشأن، وأَنْ تكونَ ضميرَ "مَنْ". والثالث: أن يكونَ "آثِمٌ" خبرَ "إِنَّ"، وفيه ضميرٌ يعودُ على ما تعودُ عليه الهاء في "إِنَّهُ"، و "قَلْبُهُ" بدلٌ من ذلك الضمير المستترِ بدلُ بعضٍ من كُلٍّ. الرابع: [أن يكونَ] "آثمٌ" مبتدأً، و "قَلْبُهُ" فاعلٌ سدَّ مسدَّ الخبر، والجملةُ خبرُ "إِنَّ"، قاله ابن عطية، وهو لا يجوزُ عند البصريِّين؛ لأنَّه لا يعملُ عندهم اسمُ الفاعل، إلا إذا اعتمد على نفي، أو استفهام؛ نحو: ما قائِمٌ أَبَوَاكَ، وهَلْ قائِمٌ أَخَوَاكَ؟ وَمَا قَائِمٌ قَوْمُكَ، وَهَلْ ضَارِبٌ إِخْوَتُكَ؟ وإنما يجوزُ هذا عند الفراءِ من الكوفيين، والأخفشِ من البصريِّين؛ إذ يجيزانِ: قائمٌ الزَّيدانِ، وقائِمٌ الزَّيدُونَ، فكذلك في الآية الكريمة. وقرأ ابن عبلة: "قَلْبَهُ" بالنصب، نسبها إليه ابن عطيَّة. وفي نصبه ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنه بدلٌ من اسم "إِنَّ" بدلُ بعض من كلٍّ، ولا محذورَ في الفصلِ [بالخبر - وهو آثِمٌ - بين البدلِ والمبدلِ منه، كما لا محذورَ في الفصل] به بين النعتِ والمنعوتِ، نحو: زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ العَاقِلُ مع أنَّ العاملَ في النعت والمنعوت واحدٌ؛ بخلافِ البدلِ والمبدلِ منه؛ فإنَّ الصحيحَ أنَّ العاملَ في البدلِ غيرُ العاملِ في المُبدلِ منه. الثاني: أنه منصوبٌ على التشبيه بالمفعولِ به؛ كقولك: "مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنٍ وَجْهَهُ"، وفي هذا الوجه خلافٌ مشهورٌ: فمذهب الكوفيين: الجواز مُطْلَقاً، أعني نظماً ونَثْراً. ومذهبُ المبرد المنع مطلقاً، ومذهب سيبويه: منعه في النثر، وجوازه في الشعرِ، وأنشد الكسائي على ذلك: [الرجز] شعر : 1300- أَنْعَتُهَا إِنِّيَ مِنْ نُعَّاتِهَا مُدَارَةَ الأَخْفَافِ مُجْمَرَّاتِهَا غُلْبَ الرِّقَابِ وَعَفْرْنِيَّاتِهَا كُومَ الذُّرَى وَادِقَةً سُرَّاتِهَا تفسير : ووجه ضعفه عند سيبويه في النثر تكرار الضمير. الثالث: أنه منصوبٌ على التمييز حكاه مكيٌّ وغيره؛ وضعَّفوه بأنَّ التمييز لا يكونُ إلا نكرةً، وهذا عند البصريِّين، وأمَّا الكوفيون فلا يَشْتَرطون تنكيرَه، ومنه عندهم: {أية : إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ}تفسير : [البقرة:130] و {أية : بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا}تفسير : [القصص:58]؛ وأنشدوا قوله: [الوافر] شعر : 1301- إِلَى رُدُحٍ مِنَ الشِّيزَى مِلاَءٍ لُبَابَ البُرِّ يُلْبَكُ بِالشِّهَادِ تفسير : وقرأ ابن أبي عبلة - فيما نقل عنه الزمخشريُّ - "أَثَّمَ قَلْبَهُ" جعل "أَثَمَّ" فعلاً ماضياً مشدَّد العين، وفاعله مستترٌ فيه، و "قَلْبَهُ" مفعول به، أي: جعل قلبه آثِماً، أي: أَثِمَ هو؛ لأنه عَبَّر بالقلبِ عن ذاتِه كلِّها؛ لأنه أشرفُ عضوٍ فيها. وهو، وإِنْ كان بلفظِ الإِفراد، فالمرادُ به الجمعُ، ولذلك اعتبر معناه في قراءة أبي عبد الرحمن، فجمع في قوله: "وَلاَ يَكْتُمُوا". وقد اشتملَتْ هذه الآياتُ على أنواع من البديع: منها: التجنيسُ المغايرُ في "تَدَايَنْتُم بِدَيْنٍ"، ونظائره، والمماثلُ في قوله: {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا}، والطباقُ في "تَضِلَّ" و "تُذَكِّرَ" و "صَغِيراً وكَبِيراً"، وقرأ السُّلمِيُّ أيضاً: "واللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ" بالغَيبة؛ جرياً على قراءته بالغَيْبَة. و "الآثم": الفاجرُ رُوِيَ أَنَّ عمر كان يُعلِّمُ أَعرابيّاً {أية : إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ}تفسير : [الدخان:43، 44] فكان يقول: "طَعَامُ اليَتِيم" فقال له عُمرُ: طعام الفاجِرِ، وهذا يدلُّ على أَنَّ الإِثم يكون بمعنى الفجورِ. قيل: ما وعد اللهُ على شيءٍ كإيعاده على كتمان الشهادة؛ قال: {فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} وأراد به مسخ القلب؛ نعوذُ بالله من ذلك. وقوله: {وَٱللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} تحذيرٌ من الإِقدامِ على الكِتمانِ؛ لأنَّ المكلَّفَ إذا علم أَنَّ الله تعالى لا يعزُبُ عن عِلْمِه ضميرُ قلبه، كان خائِفاً حذراً من مُخالفة أَمرِ اللهِ تعالى.

البقاعي

تفسير : ولما كان التقدير: هذا إذا كنتم حضوراً يسهل عليكم إحضار الكاتب والشاهد، عطف عليه قوله: {وإن كنتم} ولما كان الإنسان في السفر يكون مستجمع القوى كامل الآلات تام الأهبة عبر بأداة الاستعلاء فقال: {على سفر} يعوز مثله إحضار كاتب {ولم تجدوا كاتباً فرهان} أي فيغنيكم عن الكتب رهن يكون بدلاً عنه، وقرىء: فرهان، وكلاهما جمع رهن - بالفتح والإسكان، وهو التوثقة بالشيء مما يعادله بوجه ما. وأشار بأن بدليتها لا تفيد إلا بما وصفها من قوله: {مقبوضة} أي بيد رب الدين وثيقة لدينه. ولما كان التقدير: هذا إن تخوفتم من المداين، عطف عليه قوله: {فإن أمن} ولما كان الائتمان تارة يكون من الدائن وتارة يكون من الراهن قال: {بعضكم بعضاً} أي فلم تفعلوا شيئاً من ذلك {فليؤد} أي يعط، من الأداء وهو الإتيان بالشيء لميقاته. ولما كان المراد التذكير بالإحسان بالائتمان ليشكر ولم يتعلق غرض بكونه من محسن معين بني للمفعول قوله: {الذي اؤتمن} من الائتمان وهو طلب الأمانة وهو إيداع الشيء لحفيظته حتى يعاد إلى المؤتمن - قاله الحرالي: {أمانته} وهو الدين الذي ترك المؤتمن التوثق به من المدين إحساناً إليه وحسن ظن به، وكذا إن كان الائتمان من جهة الراهن {وليتق الله} المستجمع لصفات العظمة {ربه} أي الذي رباه في نعمه وصانه من بأسه ونقمه وعطّف عليه قلب من أعطاه وائتمنه ليؤدي الحق على الصفة التي أخذه بها فلا يخن في شيء مما اؤتمن عليه. ولما كانت الكتابة لأجل إقامة الشهادة وكانت الأنفس مجبولة على الشح مؤسسة على حب الاستئثار فيحصل بسبب ذلك مخاصمات ويشتد عنها المشاحنات وربما كان بعض المخاصمين ممن يخشى أمره ويرجى بره فيحمل ذلك الشهود على السكوت قال سبحانه وتعالى: {ولا تكتموا الشهادة} أي سواء كان صاحب الحق يعلمها أو لا. ولما نهى أتبع النهي التهديد فقال: {ومن يكتمها فإنه آثم} ولما كان محلها القلب الذي هو عمدة البدن قال: {قلبه} ومن أثم قلبه فسد، ومن فسد قلبه فسد كله، لأن القلب قوام البدن، إذا فسد فسد سائر الجسد. ولما كان التقدير: فإن الله سبحانه وتعالى عالم بأنه كتم وكان للشهداء جهات تنصرف بها الشهادة عن وجه الإقامة عطف عليه قوله - ليشمل التهديد تلك الأعمال بإحاطة العلم: {والله} أي المحيط بجميع صفات الكمال. ولما كان الإنسان هو المقصود الأعظم من سائر الأكوان فكانت أحواله مضبوطة بأنواع من الضبط كأن العلم البليغ مقصور عليه فلذلك قدم قوله: {بما تعملون} أي كله وإن دق سواء كان فعل القلب وحده أو لا {عليم *} قال الحرالي: فأنهى أمر ما بين الحق والخلق ممثولاً وأمر ما بين الخلق والخلق مثلاً - انتهى. ولما أخبر عن سعة علمه دل عليه بسعة ملكه المستلزم لسعة قدرته ليدل ذلك على جميع الكمال لأنه قد ثبت كما قال الأصبهاني إن الصفات التي هي كمالات حقيقة ليست إلا القدرة والعلم المحيط فقال واعداً للمطيع متوعداً للعاصي مصرحاً بأن أفعال العباد وغيرها مخلوق له: - وقال الحرالي: ولما كان أول السورة إظهار كتاب التقدير في الذكر الأول كان ختمها إبداء أثر ذلك الكتاب الأول في الأعمال والجزاء التي هي الغاية في ابتداء أمر التقدير فوقع الختم بأنه سلب الخلق ما في أيديهم مما أبدوه وما أخفوه من أهل السماوات و الأرض؛ انتهى - فقال: {لله} أي الملك الأعظم. ولما كانت ما ترد لمن يغفل وكان أغلب الموجودات والجمادات عبر بها فقال: {ما في السماوات} أي كله على علوها واتساعها من ملك وغيره {وما في الأرض} مما تنفقونه وغيره من عاقل وغيره، يأمر فيهما ومنهما بما يشاء وينهى عما يشاء ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء ويضاعف لمن يشاء. ولما كان التقدير: فهو يعلم جميع ما فيهما من كتمانكم وغيره ويتصرف فيه بما يريد، عطف عليه محذراً من يكتم الشهادة أو يضمر سوءاً غيرها أو يظهره قوله تعالى: {وإن تبدوا} أي تظهروا {ما في أنفسكم} من شهادة أو غيرها {أو تخفوه} مما وطنتموه في النفس وعزمتم عليه وليس هو من الخواطر التي كرهتموها ولم تعزموا عليها. قال الحرالي: من الإخفاء وهو تغييب الشيء وأن لا يجعل عليه علم يهتدي إليه من جهته {يحاسبكم} من المحاسبة مفاعلة من الحساب والحسب، وهو استيفاء الأعداد فيما للمرء وعليه من الأعمال الظاهرة والباطنة يعني ليجازي بها {به الله} أي بذكره لكم وأنتم تعلمون ما له من صفات الكمال. قال الحرالي: وفي ضمن هذا الخطاب لأولي الفهم إنباء بأن الله سبحانه وتعالى إذا عاجل العبد بالحساب بحكم ما يفهمه ترتيب الحساب على وقوع العمل حيث لم يكن فيحاسبكم مثلاً فقد أعظم اللطف به، لأن من حوسب بعمله عاجلاً في الدنيا خف جزاؤه عليه حيث يكفر عنه بالشوكة يشاكها حتى بالقلم يسقط من يد الكاتب، فيكفر عن المؤمن بكل ما يلحقه في دنياه حتى يموت على طهارة من ذنوبه وفراغ من حسابه كالذي يتعاهد بدنه وثوبه بالتنظيف فلا يتسخ ولا يدرن ولا يزال نظيفاً - انتهى وفيه تصرف. ولما كان حقيقة المحاسبة ذكر الشيء والجزاء عليه وكان المراد بها هنا العرض وهو الذكر فقط بدلالة التضمن دل عليه بقوله مقدماً الترجئة معادلة لما أفهمه صدر الآية من التخويف: {فيغفر لمن يشاء} أي فلا يجازيه على ذلك كبيرة كان أو لا {ويعذب من يشاء} بتكفير أو جزاء. ولما أخبر سبحانه وتعالى بهذا أنه مطلق التصرف ختم الكلام دلالة على ذلك بقوله مصرحاً بما لزم تمام علمه من كمال قدرته: {والله} أي الذي لا أمر لأحد معه {على كل شيء قدير} أي ليس هو كملوك الدنيا يحال بينهم وبين بعض ما يريدون بالشفاعة وغيرها. قال الحرالي: فسلب بهذه الآية القدرة عن جميع الخلق - انتهى. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية خاصة بأمر الشهادة، وقال الأكثرون: هي عامة كما فهمها الصحابة رضوان الله سبحانه وتعالى عليهم في الوسوسة وحديث النفس المعزوم عليه وغيره ثم خففت بما بعدها، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: "حديث : لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {لله ما في السماوات} الآية إلى {قدير} اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا: يا رسول الله! كُلّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: {سمعنا وعصينا} [البقرة: 93]، قولوا: {سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} قالوا: {سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير}. فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها {آمن الرسول بما أنزل إليه} إلى {المصير} فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى وأنزل {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} إلى {أو أخطأنا} قال: نعم" تفسير : قال البغوي: وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما: قد فعلت، واستمر إلى آخر السورة كلما قرؤوا جملة قال: نعم. فقد تبين من هذا تناسب هذه الآيات، وأما مناسبتها لأول السورة رداً للمقطع على المطلع فهو أنه لما ابتدأ السورة بوصف المؤمنين بالكتاب الذي لا ريب فيه على الوجه الذي تقدم ختمها بذلك بعد تفصيل الإنفاق الذي وصفهم به أولها على وجه يتصل بما قبله من الأوامر والنواهي والاتصاف بأوصاف الكمال أشد اتصال، وجعل رأسهم الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام تعظيماً للمدح وترغيباً في ذلك الوصف فأخبر بإيمانهم بما أنزل إليه بخصوصه وبجميع الكتب وجميع الرسل وبقولهم الدال على كمال الرغبة وغاية الضراعة والخضوع فقال استئنافاً لجواب من كأنه قال: ما فعل من أنزلت عليه هذه الأوامر والنواهي وغيرها؟ {آمن الرسول} أي بما ظهر له من المعجزة القائمة على أن الآتي إليه بهذا الوحي ملك من عند الله سبحانه وتعالى كما آمن الملك به بما ظهر له من المعجزة الدالة على أن الذي أتى به كلام الله أمره الله سبحانه وتعالى بإنزاله فعرفه إشارة إلى أنه أكمل الرسل في هذا الوصف باعتبار إرساله إلى جميع الخلائق الذين هم لله سبحانه وتعالى، وأنه الجامع لما تفرق فيهم من الكمال، وأنه المخصوص بما لم يعطه أحد منهم من المزايا والأفضال {بما أنزل إليه} أي من أن الله سبحانه وتعالى يحاسب بما ذكر وغير ذلك مما أمر بتبليغه ومما اختص هو به ورغب في الإيمان بما آمن به بقوله: {من ربه} أي المحسن إليه بجليل التربية المزكي له بجميل التزكية فهو لا ينزل إليه إلا ما هو غاية في الخير ومنه ما حصل له في دنياه من المشقة. قال الحرالي: فقبل الرسول هذا الحساب الأول العاجل الميسر ليستوفي أمره منه وحظه في دنياه، قال صلى الله عليه وسلم لما قالت له فاطمة رضي الله تعالى عنها عند موته: واكرباه!: "حديث : لا كرب على أبيك بعد اليوم"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو نعيم في الحلية عن أنس رضي الله تعالى عنه "حديث : ما أوذي أحد في الله ما أوذيت" تفسير : فنال حظه من حكمة ربه في دنياه حتى كان يوعك كما يوعك عشرة رجال، وما شبع من خبز بر ثلاثاً تباعاً عاجلاً حتى لقي الله؛ وكذلك المؤمن لا راحة له دون لقاء ربه ولا سجن عليه بعد خروجه من دنياه، "الحمى حظ كل مؤمن من النار" انتهى. ولما أخبر عن الرأس أخبر عمن يليه فقال: {والمؤمنون} معبراً بالوصف الدال على الرسوخ أي آمنوا بما ظهر لهم من المعجزة التي أثبتت أنه كلام الله سبحانه وتعالى بما دلت على أن الآتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما أجمل فصل فقال مبتدئاً: {كل} أي منهم. قال الحرالي: فجمعهم في كلية كأن قلوبهم قلب واحد لم يختلفوا، لأن القبول واحد والرد يقع مختلفاً - انتهى. ثم أخبر عن ذلك المبتدأ بقوله: {آمن بالله} أي لما يستحقه من ذلك لذاته لما له من الإحاطة بالكمال {وملائكته} الذين منهم النازلون بالكتب، لأن الإيمان بالمنزل يستلزم ذلك {وكتبه} أي كلها {ورسله} كلهم، من البشر كانوا أو من الملائكة، فإن فيما أنزل إليه صلى الله عليه وسلم الإخبار بذلك. قال الحرالي: انقياداً لامتثال من البشر. ولما كان في الناس من يؤمن ببعض الأنبياء ويكفر ببعض قال مؤكداً لما أفهمته صيغة الجمع المضاف من الاستغراق أي قالوا: {لا نفرق} كما فعل أهل الكتاب وعبر بما يشمل الاثنين فما فوقهما فقال: {بين أحد} أي واحد وغيره {من رسله} أي لا نجعل أحداً منهم على صفة الفرقة البليغة من صاحبه في ذلك بل نؤمن بكل واحد منهم، والذي دل على تقدير "قالوا" دون غيره أنه لما أكمل قولهم في القوة النظرية الكفيلة باعتقاد المبدأ أتبعه قولهم في القوة العملية الكائنة في الوسط عطفاً عليها: {وقالوا سمعنا} أي بآذان عقولنا كل ما يمكن أن يسمع عنك وعلمناه وأذعنا له {وأطعنا} أي لكل ما فيه من أمرك. قال الحرالي: فشاركوا أهل الكتاب في طليعة الإباء وخالفوهم في معاجلة التوبة والإقرار بالسمع والطاعة فكان لهؤلاء ما للتائب وعلى أولئك ما على المصر - انتهى. ولما كان الإنسان محل الزلل والنقصان أشاروا إلى ذلك تواضعاً منهم كما هو الأولى بهم لمقام الألوهية فقالوا مع طاعتهم معترفين بالمعاد: {غفرانك} أي اغفر لنا أو نسألك غفرانك الذي يليق إضافته إليك لما له من الكمال والشرف والجلال ما قصرنا فيه ولا تؤاخذنا به فإنك إن فعلت ذلك هلكنا، والحاصل أنهم طلبوا أن يعاملهم بما هو أهله لا بما هم أهله فجرى بما جراهم عليه في قوله: {فيغفر لمن يشاء}. قال الحرالي: فهذا القول من الرسول صلى الله عليه وسلم كشف عيان، ومن المؤمنين نشء إيمان، ومن القائلين للسمع والطاعة قول إذعان، فهو شامل للجميع كل على رتبته - انتهى. وزادوا تملقاً بقولهم: {ربنا} ذاكرين وصف الإحسان في مقام طلب الغفران. قال الحرالي: وهو خطاب قرب من حيث لم يظهر فيه أداة نداء، ولم يجر الله سبحانه وتعالى على ألسنة المؤمنين في كتابه العزيز نداء بُعد قط؛ والغفران فعلان صيغة مبالغة تعطي الملء ليكون غفراً للظاهر والباطن وهو مصدر محيط المعنى نازل منزلة الاستغفار الجامع لما أحاط به الظاهر والباطن مما أودعته الأنفس التي هي مظهر حكمة الله سبحانه وتعالى التي وقع فيها مجموع الغفران والعذاب {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} ففي ضمنه بشرى بتعيين القائلين المذعنين ومن تبعهم بالقول لحال المغفرة، لأن هذه الخواتيم مقبولة من العبد بمنزلة الفاتحة لاجتماعهما في كونهما من الكنز الذي تحت العرش، وعلى ما ورد من قوله: "حمدني عبدي - إلى أن قال: ولعبدي ما سأل" وعلى ما ورد في دعاء هذا الختم في قوله: "قد فعلت قد فعلت" وبما ابتدأ تعالى به آية هذا الحساب وختمها به من سلب الأمر أولاً وسلب القدرة عما سواه آخراً، وكان في الابتداء والختم إقامة عذر القائلين، فوجب لهم تحقق الغفران كما كان لأبيهم آدم حيث تلقى الكلمات من ربه - انتهى. ولما كان التقدير بما أرشد إليه {ربنا}: فإنه منك مبدأنا، عطف عليه قوله حثاً على الاجتهاد في كل ما أمر به ونهى عنه على وجه الإخلاص: {وإليك} أي لا إلى غيرك {المصير} أي مطلقاً لنا ولغيرنا. وقال ابن الزبير: ولما بين سبحانه وتعالى أن الكتاب هو الصراط المستقيم ذكر افتراق الأمم كما يشاء وأحوال الزائغين والمتنكبين تحذيراً من حالهم ونهياً عن مرتكبهم وحصل قبيل النزول بجملته وانحصار التاركين وأعقب بذكر ملتزمات المتقين وما ينبغي لهم امتثاله والأخذ به من الأوامر والأحكام والحدود وأعقب ذلك بأن المرء يجب أن ينطوي على ذلك ويسلم الأمر لمالكه فقال سبحانه وتعالى: {آمن الرسول بما أنزل} فأعلم أن هذا إيمان الرسول ومن كان معه على إيمانه وأنهم قالوا: {سمعنا وأطعنا} لا كقول بني إسرائيل. {أية : سمعنا وعصينا} تفسير : [البقرة: 93] وأنه أثابهم على إيمانهم رفع الإصر والمشقة والمؤاخذة بالخطأ والنسيان فقال: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}، فحصل من هذه السورة بأسرها بيان الصراط المستقيم على الاستيفاء والكمال أخذاً وتركاً وبيان شرف من أخذ به وسوء حال من تنكب عنه. وكان العباد لما علموا {أية : اهدنا الصراط المستقيم} تفسير : [الفاتحة: 6] - إلى آخر السورة قيل لهم: عليكم بالكتاب - إجابة لسؤالهم؛ ثم بين لهم حال من سلك ما طلبوا فكان قيل لهم: أهل الصراط المستقيم وسالكوه هم الذين بيّن شأنهم وأمرهم، والمغضوب عليهم من المتنكبين هم اليهود الذين بين أمرهم وشأنهم، والضالون هم النصارى الذين بيّن أمرهم وشأنهم؛ فيجب على من رغب في سلوك الصراط المستقيم أن يحذر ما أصاب هؤلاء مما نبه عليه وأن يأخذ نفسه بكذا وكذا وأن ينسحب إيمانه على كل ذلك، وأن يسلم الأمر لله الذي تطلب منه الهداية، ويتضرع إليه بأن لا يؤاخذه بما يثمره الخطأ والنسيان، وأن لا يحمله ما ليس في وسعه، وأن يعفو عنه - إلى آخر السورة؛ انتهى. ولما مُنّوا بالإيمان في سؤال الغفران عللوا السؤال بقولهم: {لا يكلف الله} أي الملك الأعظم الرحيم الأكرم الذي له جميع صفات الكمال {نفساً إلا وسعها} أي ما تسعه وتطيقه ولا تعجز عنه، وذلك هو الممكن لذاته الذي يتعلق اختيار العبد بفعله، ولم يخبر الله تعالى بأنه لا يقع لا المحال لذاته ولا الممكن لذاته سواء كان مما لا مدخل للإنسان في اختياره كالنوم أو كان له مدخل فيه وقد تعلق العلم الأزلي بعدم وقوعه وأخبر سبحانه وتعالى بعدم وقوعه معيناً لصاحبه، فهذا لا يقع التكليف به ويجوز التكليف به؛ وهذا الكلام من جملة دعائهم على وجه الثناء طلباً للوفاء بما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم عنه سبحانه وتعالى خوفاً من أن يكلفوا بما لله سبحانه وتعالى كما دلت عليه الآية وقول المؤمنين عند نزولها وجواب النبي صلى الله عليه وسلم لهم أن يكلف به من المؤاخذة بالوساوس التي لا يقع العزم عليها لأنه مما تخفيه النفوس ولا طاقة على دفعه فهو من باب: شعر : إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرضه الثناء تفسير : ولعل العدول عن الخطاب إلى الغيبة بذكر الاسم الأعظم من باب التملق بأن له من صفات العظمة ما يقتضي العفو عن ضعفهم ومن صفات الحلم والرحمة والرأفة ما يرفه عنهم ويحتمل أن يكون ذلك من قول الله سبحانه وتعالى جزاء لهم على قولهم {سمعنا وأطعنا} - الآية، فأفادهم بذلك أنه لا يحاسبهم بحديث النفس الذي لا عزم فيه؛ فانتفى ما شق عليهم من قوله {وإن تبدوا ما في أنفسكم} - الآية، بخلاف ما أفاد بني إسرائيل قولهم {أية : سمعنا وعصينا} تفسير : [البقرة: 93] من الآصار في الدنيا والآخرة، فيكون حينئذ استئنافاً جواباً لمن كأنه قال: هل أجاب دعاءهم؟ ويكون شرح قوله أول السورة: {أية : أولئك على هدى من ربهم} تفسير : [البقرة: 5] ويؤيد هذا الاحتمال اتباعه لحكم ما في الوسع على طريق الاستئناف أو الاستفتاح بقوله: {لها} أي خاصاً بها {ما كسبت} وذكر الفعل مجرداً في الخير إيماء إلى أنه يكفي في الاعتداد به مجرد وقوعه ولو مع الكسل بل ومجرد نيته. قال الحرالي: وصيغة فعل مجردة تعرب عن أدنى الكسب فلذلك من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة - انتهى. {وعليها} أي بخصوصها {ما اكتسبت} فشرط في الشر صيغة الافتعال الدالة على الاعتمال إشارة إلى أن من طبع النفس الميل إلى الهوى بكليتها وإلى أن الإثم لا يكتب إلاّ مع التصميم والعزم القوي الذي إن كان عنه عمل ظاهر كان بجد ونشاط ورغبة وانبساط، فلذلك من همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وربما جاءت العبارة بخلاف ذلك لمعنى في ذلك السياق اقتضاه المقام. ولما بشرهم بذلك عرفهم مواقع نعمه في دعاء رتبه على الأخف فالأخف على سبيل التعلي إعلاماً بأنه لم يؤاخذهم بما اجترحوه نسياناً ولا بما قارفوه خطأ ولا حمل عليهم ثقلاً بل جعل شريعتهم حنيفية سمحاً ولا حملهم فوق طاقتهم مع أن له جميع ذلك، وأنه عفا عن عقابهم ثم سترهم فلم يخجلهم بذكر سيئاتهم، ثم رحمهم بأن أحلهم محل القرب فجعلهم أهلاً للخلافة؛ فلاح بذلك أنه يعلي أمرهم على كل أمر ويظهر دينهم على كل دين، إذ كان سبحانه وتعالى هو الداعي عنهم، وليكون الدعاء كله محمولاً على الإصابة ومشمولاً بالإجابة فقال سبحانه وتعالى: {ربنا لا تؤاخذنا} أي لا تفعل معنا فعل من يناظر خصماً فهو يناقشه على كل صغير وكبير {إن نسينآ} أي ففعلنا ما نهيتنا عنه {أو أخطأنا} أي فعلناه ذاكرين له لكنا لم نتعمد سوءاً. قال الحرالي: والخطأ هو الزلل عن الحد عن غير تعمد بل مع عزم الإصابة أو ودّ أن لا يخطىء، وفي إجرائه من كلام الله سبحانه وتعالى على لسان عباده قبوله - انتهى. وإعادة ربنا في صدر كل جملة من هذا الطراز كما تقدمت الإشارة إليه في التذكير بعظم المقام في حسن التربية ولطف الإحسان والرأفة. ولما كان ذلك قد يكون فإن له أن يكلف بما يشاء مع تحميل ما تعظم مشقته من التكاليف فإنه لا يسأل عما يفعل قال: {ربنا ولا تحمل علينا إصراً} أي ثقلاً. قال الحرالي: هو العهد الثقيل أي الذي في تحمله أشد المشقة - انتهى. ثم عظم المنة بقوله: {كما حملته على الذين من قبلنا} إشارة إلى أنه كان حمل على من سبق من الأحكام ما يهدّ الأركان تأكيداً لما يحمل على الشكر على تخفيف ذلك عنا، وأصل الإصر العاطف، أصره الشيء يأصره: عطفه، ويلزمه الثقل لأن الغصن إذا ثقل مال وانعطف وهو المقصود هنا؛ وتلك الآصار المشار إليها كثيرة جداً، منها ما في السفر الثاني من التوراة في القربان أنه ينضح من دك الذبيحة على زوايا المذبح، ثم قال: ومن تقرب بذبح ثور أو غيره في مكان غير باب قبة الزمان بيت الرب يعاقب ذلك الرجل عقوبة من قتل قتيلاً لأنه سفك دماً ويهلك ذلك الرجل من شعبه، ومن أكل دماً نزل به الغضب وهلك لأن أنفس البهائم هي الدم، وإنما أمروا أن يقربوه على المذبح لغفران خطاياهم وتطهير أنفسهم لأنه إنما يغفر للنفس بالدم، ومن قرب قرباناً أكل منه يوم ذبحه وثانيه، وما بقي في الثالث أحرق بالنار، ومن أكل منه هلك من شعبه؛ ومن ذلك في ذوي العاهات أن من برص من الآدميين يجلس وحده ولا يختلط مع الناس ويكون سكنه خارجاً من محلة بني إسرائيل - حتى ذكر البرص في الثياب والبيوت وغيرها، فما برص من الجلود والثياب يقطع موضع البرص منه، فإن ظهر فيه بعد القطع أحرق كله بالنار، وإن ظهر في بيت برص يهدم وتجمع حجارته وخشبه وترابه خارجاً من القرية ويحرق بالنار؛ وكذا مرض السلس فيه تشديدات كثيرة، منها أن من جلس على ثوب عليه مسلوس يغسل ثيابه ويستحم بالماء ويكون نجساً إلى الليل - ونحو هذا؛ ثم قال: وكلم الرب موسى وقال له: هذه سنة الأبرص الذي يتطهر: يقدم إلى الكاهن ويخرجه خارجاً من العسكر وينظر الحبر إن كانت ضربة البرص قد برأت وتطهر منها يأمر الحبر فيقدم، ويؤتى بعصفورين حيين زكيين، وعود من خشب الأرز، وعهنة حمراء - وعد أشياء أخرى؛ وقرباناً على كيفية مخصوصة صعبة على عين ماء، ويغسل ثيابه وبدنه، ويحلق شعر رأسه ولحيته وحاجبيه وكل شعر جسده، وأنه يمكث خارجاً من بيته سبعة أيام، وفي اليوم الثامن يأتي بقربان آخر فيقرب على كيفية مخصوصة، وينضح الكاهن من دمه على ثياب وبدن هذا الذي تطهر من البرص، وكذا من زيت قربانه، ويصب بقيته على رأسه. وكذا في مرض السلس إذا برأ المسلوس يمكث سبعة أيام، ثم يتطهر ويغسل ثيابه، ويقرب قرباناً في باب قبة الزمان. وقال: وأي رجل أمذى أو خرج منه منيه يغسل جسده كله بالماء، ويكون نجساً إلى الليل؛ ومن دنا من الحائض يكون نجساً إلى الليل وأي ثوب أو فراش وقعت عليه جنابة يغسل بالماء ويكون نجساً إلى الليل وأي ثوب رقدت عليه وهي حائض كان نجساً، ومن دنا من فراشها يغسل ثيابه ويستحم بالماء ويكون نجساً إلى الليل، وكذا المستحاضة. وفيه أيضاً: وكلم الرب موسى وقال له: كلم بني إسرائيل وقل لهم: المرأة إذا حبلت وولدت ذكراً تكون نجسة سبعة أيام كما تكون في أيام حيضها، وفي اليوم الثامن يختن الصبي، وتكون نجسة وتجلس مكانها ثلاثة وثلاثين يوماً، لا تدنو من شيء مقدس، ولا تدخل بيت الله سبحانه وتعالى لأن الصلاة محرمة عليها حتى تتم أيام تطهيرها؛ فإن ولدت جارية تكون مثل نجاستها في أيام حيضها أربعة عشر يوماً وتجلس مكانها على الدم الزكي ستة وستين يوماً، فإذا كملت أيام تطهيرها ابناً ولدت أو بنتاً تجيء بحمل حول - فذكر قرباناً في قبة الزمان على يد الكاهن لتطهر مما كان يجري منها من الدم. ومن الآصار ما في السفر الثاني أيضاً من أنهم إذا حصدوا أرضاً أو قطفوا كرماً حرم عليهم الاستقصاء وأمروا أن يتركوا للمساكين، ثم قال: ولا تلتقطوا ما ينتثر من زيتونكم بل دعوه للمساكين والذين يقبلون إليّ لأني أنا الله ربكم، ثم قال: فإذا دخلتم الأرض وغرستم فيها كل شجر يثمر ثماراً تؤكل فدعوها ثلاث سنين ولا تأكلوا من ثمارها، فإذا كان في السنة الرابعة صيروا جميع ثمار شجركم حرمة للرب ومجداً لإكرامه، وفي السنة الخامسة كلوا ثمارها فإنها تنمو وتزداد لكم غلاتها، أنا الله ربكم! وقال في أواخر السفر الخامس وهو آخر أسفارها: لا تحيفوا على المسكين واليتيم والساكن بينكم في القضاء، ولا تأخذوا ثوب الأرملة رهناً، واذكروا أنكم كنتم عبيداً بأرض مصر وأنقذكم الرب من هناك، لذلك آمركم وأقول لكم إنه واجب عليكم أن تفعلوا مثل هذا الفعل، وإذا حصدتم حقل أرضكم ونسيتم حزمة لا ترجعوا في طلب أخذها بل تكون للساكن ولليتيم والأرملة، ليبارك الله ربكم في جميع أعمال أيديكم؛ وإذا نثرتم زيتونكم فلا تطلبوا ما نسيتم في حقلكم بل يكون لليتيم والساكن والأرملة؛ وإذا قطعتم كرومكم لا تستقصوا ما فيها بل دعوها ما يعيش به الساكن واليتيم والأرملة؛ واذكروا أنكم كنتم عبيداً بأرض مصر، لذلك آمركم أن تفعلوا هذا الفعل - وأما ما على النصارى من ذلك فسيأتي كثير منه إن شاء الله تعالى في المائدة عند قوله تعالى {أية : وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه} تفسير : [المائدة: 47]. ولما دعوا بما تضمن الإيمان بما نزل إليهم مما حمل من كان قبلهم من الثقل أتبعوه ما يدل على اعتقادهم أن ذلك عدل منه في القضاء، وأنه له أن يفعل فوق ذلك فيكلف بما ليس في الوسع، لأنه المالك التام المِلك والمَلِك المنفرد بالمُلك، وسألوا التخفيف برفع ذلك فقالوا: {ربنا ولا} وعبر بالتفعيل لما فيه بما يفهم من العلاج من مناسبة التكليف بما لا يطاق فقال: {تحملنا ما لا طاقة} أي قدرة {لنا به}. ولما كان الإنسان قد يتعمد الذنب لشهوة تدعوه إليه وغرض يحمله عليه أتبعوا ذلك دعاء عاماً فقالوا: {واعف عنا} أي ارفع عنا عقاب الذنوب كلها {واغفر لنا} أي ولا تذكرها لنا أصلاً، فالأول العفو عن عقاب الجسم، والثاني العفو عن عذاب الروح. وقال الحرالي: ولما كان قد يلحق من يعفى عنه ويغفر له قصور في الرتبة عن منال الحظ من الرحمة ألحق تعالى المعفو عنه المغفور له بالمرحوم ابتداء بقوله: {وارحمنا} أي حتى يستوي المذنب التائب والذي لم يذنب قط في منال الرحمة. ولما ضاعف لهم تعالى عفوه ومغفرته ورحمته أنهاهم بذلك إلى محل الخلافة العاصمة {أية : لا عاصم اليوم من أمر الله إلاّ من رحم} تفسير : [هود: 43] فلما صاروا خلفاء تحقق منهم الجهاد لأعداء الله والقيام بأمر الله ومنابذة من تولى غير الله، فتحقق أنه لا بد أن يشاققهم أعداء وينابذوهم، فعلمهم الذي رحمهم سبحانه إسناد أمرهم بالولاية إليه قائلاً عنهم: {أنت مولانا} والمولى هو الولي اللازم الولاية القائم بها الدائم عليها لمن تولاه بإسناد أمره إليه فيما ليس هو بمستطيع لها - انتهى بالمعنى. وكان حقيقته الفاعل لثمرة الولاية وهي القرب والإقبال، وذلك أنهم لما سألوا العفو عن عذاب الجسم والروح سألوا ثوابهما، فثواب الجسم الجنة وثواب الروح لذة الشهود وذلك ثمرة الولاية وهي الإقبال على الولي بالكلية، ثم جعل ختام توجه المؤمنين إلى ربهم الدعاء بثمرة الولاية فقال: {فانصرنا} باللسان والسنان، وأشار إلى قوة المخالفين حثاً على تصحيح الالتجاء والصدق في الرغبة بقوله: {على القوم} وأشار إلى أن الأدلة عليه سبحانه في غاية الظهور لكل عاقل بقوله: {الكافرين} أي الساترين للأدلة الدالة لهم على ربهم المذكورين أول السورة، فتضمن ذلك وجوب قتالهم وأنهم أعدى الأعداء، وأن قوله تعالى {أية : لا إكراه في الدّين} تفسير : [البقرة: 256] ليس ناهياً عن ذلك وإنما هو إشارة إلى أن الدّين صار في الوضوح إلى حد لا يتصور فيه إكراه بل ينبغي لكل عاقل أن يدخل فيه بغاية الرغبة فضلاً عن الإحواج إلى إرهاب، فمن نصح نفسه دخل فيه بما دله عليه عقله، ومن أبى أدخل فيه قهراً بنصيحة الله التي هي الضرب بالحسام ونافذ السهام. ولما كان الختم بذلك مشيراً إلى أنه تعالى لما ضاعف لهم عفوه عن الذنب فلا يعاقب عليه ومغفرته له بحيث يجعله كأن لم يكن فلا يذكره أصلاً ولا يعاقب عليه ورحمته في إيصال المذنب المعفو عنه المغفور له إلى المنازل العالية أنهاهم إلى رتبة الخلافة في القيام بأمره والجهاد لأعدائه وإن جل أمرهم وأعنى حصرهم كان منبهاً على أن بداية هذه الصورة هداية وخاتمتها خلافة، فاستوفت تبيين أمر النبوة إلى حد ظهور الخلافة فكانت سناماً للقرآن، وكان جماع ما في القرآن منضماً إلى معانيها إما لما صرحت به أو لما ألاحته وأفهمه إفصاح من إفصاحها كما تنضم هي مع سائر القرآن إلى سورة الفاتحة فتكون أماً للجميع - أفاد ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي. وقد بان بذكر المنزل والإيمان به والنصرة على الكفار بعد تفصيل أمر النفقة والمال الذي ينفق منه رد مقطعها على مطلعها وآخرها على أولها، ومن الجوامع العظيمة في أمرها وشمول معناها المبين لعلو قدرها ما قال الحرالي إنه لما كان منزل هذا القرآن المختص بخاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين منزلاً حروفاً محيطة المعاني مخاطباً بها النبي والأئمة وتفصيل آيات مخاطباً به عامة الأمة انتظمت هذه السورة صنفي الخطابين فافتتحت بالم حروفاً منبئة عن إحاطة بما تضمنته معانيها من إحاطة القائم من معنى الألف وإحاطة المقام من معنى الميم وإحاطة الوصلة من معنى اللام؛ ولما كانت الإحاطة في ثلاث رتب إحاطة إلهية قيومية وإحاطة كتابية وإحاطة تفصيلية كانت الإحاطة الخاصة بهذه الأحرف التي افتتحت بها هذه السورة إحاطة كتابية متوسطة، فوقع الافتتاح فيما وقع عليه أمر القرآن في تلاوته في الأرض بالرتبة المتوسطة من حيث هي أقرب للطرفين وأيسر للاطلاع على الأعلى والقيام بالأدنى، فكان ما كان في القرآن من {أية : الم تلك آيات الكتاب الحكيم} تفسير : [لقمان: 26] ونحوه تفصيل إحاطة من إحاطة الكتاب التي أنزلت فيها سورة البقرة، فكانت مشتملة على إحاطات الكتب الأربعة: كتاب التقدير الذي كتبه الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق الخلائق بما شاء الله من أمد وعدد، ورد "حديث : أن الله كتب الكتاب وقضى القضية وعرشه على الماء"تفسير : ، و "حديث : أن الله سبحانه وتعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف عام" تفسير : وأنه قدر الأرزاق قبل أن يخلق الصور بألفي عام - وكثير من ذلك مما ورد في الأخبار؛ وفي مقابلة هذا الكتاب السابق بالتقدير الكتاب اللاحق بالجزاء الذي كتبه الله سبحانه وتعالى ويكتبه أثر تمام الإبداء باستبقاء الأعمال البادية على أيدي الخلق الذين ينالهم النعيم والجحيم والأمن والروع والكشف والحجاب؛ وهذا الكتاب الآخر مطابق للكيان الأول، ويبين بتطرقهما كتاب الأحكام المتضمن لأمر الدين والدعوة الذي وقعت فيه الهداية والفتنة، ثم كتاب الأعمال الذي كتبه الله سبحانه وتعالى في ذوات المكلفين من أفعالهم وأحوال أنفسهم وما كتب في قلوبهم من إيمان أو طبع علهيا أو ختم عليها بفجور أو طغيان؛ فتطابقت الأوائل والأواخر واختلف كتاب الأحكام وكتاب الأعمال بما أبداه الله سبحانه وتعالى من وراء حجاب من معنى الهدى والفتنة والإقدام والإحجام، فتضمنت سورة البقرة إحاطات جميع هذه الكتب واستوفت كتاب الأقدار بما في صدرها من تبيين أمر المؤمنين والكافرين والمنافقين، وكتاب الأفعال كما ذكر سبحانه وتعالى أمر الختم على الكافرين والمرض في قلوب المنافقين، وما يفصل في جميع السورة من أحكام الدين وما يذكر معها مما يناسبها من الجزاء من ابتداء الإيمان إلى غاية الإيقان الذي انتهى إليه معنى السورة فيما بين الحق والخلق من أمر الدين، وفيما بين الخلق والخلق من المعاملات والمقاومات، وفيما بين المرء ونفسه من الأيمان والعهود، إلى حد ختمها بما يكون من الحق للخلق في استخلاف الخلفاء الذين ختم بذكرهم هذه السورة الذين قالوا: {غفرانك ربنا} إلى انتهائها؛ ولما كان مقصود هذه السورة الإحاطة الكتابية كان ذلك إفصاحها ومعظم آياتها وكانت الإحاطة الإلهية القيومية إلاحتها ونور آياتها، فكان ذلك في آية الكرسي تصريحاً وفي سائر آيها الإحة بحسب قرب الإحاطة الكتابية من الإحاطة الإلهية، وفي بدء سابق أو ختم لاحق أو حكمة جامعة، فلذلك انتظم بالسورة التي ذكرت فيها البقرة السورة التي يذكر فيها آل عمران، لما نزل في سورة آل عمران من الإحاطة الإلهية حتى كان في مفتتحها اسم الله الأعظم، فكان ما في البقرة إفصاحاً في سورة آل عمران إلاحة، وكان ما في البقرة إلاحة في سورة آل عمران إفصاحاً، إلا ما اطلع في كل واحدة منهما من تصريح الأخرى؛ فلذلك هما سورتان مرتبطتان وغيايتان وغمامتان تظلان صاحبهما يوم القيامة، وبما هما من الذكر الأول وبينهما من ظاهر التفاوت ما بين الإحاطة الكتابية وبين الإحاطة الإلهية فلذلك كانت سورة البقرة سناماً له والسنام أعلى ما في الحيوان المنكب وأجمله جملة وهو البعير، وكانت سورة آل عمران تاج القرآن والتاج هو أعلى ما في المخلوقات من الخلق القائم المستخلف في الأرض ظاهره وفي جميع المكون إحاطته؛ فوقع انتظام هاتين السورتين على نحو من انتظام الآي يتصل الإفصاح في الآية بإلاحة سابقتها كما تقدم التنبيه عليه في مواضع - انتهى. وسر ترتيب سورة السنام على هذا النظام أنه لما افتتحها سبحانه وتعالى بتصنيف الناس الذين هم للدين كالقوائم الحاملة لذي السنام فاستوى وقام ابتداء المقصود بذكر أقرب السنام إلى أفهام أهل القيام فقال مخاطباً لجميع الأصناف التي قدمها {أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم}تفسير : [البقرة: 21] واستمر إلى أن بان الأمر غاية البيان فأخذ يذكر مننه سبحانه على الناس المأمورين بالعبادة بما أنعم عليهم من خلق جميع ما في الوجود لهم بما أكرم به أباهم آدم عليه الصلاة والسلام، ثم خص العرب ومن تبعهم ببيان المنة عليهم في مجادلة بني إسرائيل وتبكيتهم، وهو سبحانه وتعالى يؤكد كل قليل أمر الربوبية والتوحيد بالعبادة من غير ذكر شيء من الأحكام إلا ما انسلخ منه بنو إسرائيل، فذكره على وجه الامتنان به على العرب وتبكيت بني إسرائيل بتركه لا على أنه مقصود بالذات، فلما تزكوا فترقوا فتأهلوا لأنواع المعارف قال معلياً لهم من مصاعد الربوبية إلى معارج الإلهية {أية : وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو}تفسير : [البقرة: 163] فلما تسنموا هذا الشرف لقنهم العبادات المزكية ونقاهم أرواحها المصفية فذكر أمهات الأعمال أصولاً وفروعاً الدعائم الخمس والحظيرة وما تبع ذلك من الحدود في المآكل والمشارب والمناكح وغير ذلك من المصالح فتهيؤوا بها وأنها المواردات الغر من ذي الجلال فقال مرقياً لهم إلى غيب حضرته الشماء ذاكراً مسمى جميع الأسماء {أية : الله لا إله إلا هو الحي القيوم} تفسير : [البقرة: 255] ولما كان الواصل إلى أعلى مقام الحرية لا بد عند القوم من رجوعه إلى ربقة العبودية ذكر لهم بعض الأعمال اللائقة بهم، فحث على أشياء أكثرها من وادي الإحسان الذي هو مقام أولي العرفان، فذكر مثل النفقة التي هي أحد مباني السورة عقب ما ذكر مقام الطمأنينة إيذاناً بأن ذلك شأن المطمئن، ورغب فيها إشارة إلى أنه لا مطمع في الوصول إلا بالانسلاخ من الدنيا كلها، وأكثر من الحث على طيب المطعم الذي لا بقاء بحال من الأحوال بدونه، ونهى عن الربا أشد نهي إشارة إلى التقنع بأقل الكفاف ونهياً عن مطلق الزيادة للخواص وعن كل حرام للعوام، وأرشد إلى آداب الدين الموجب للثقة بما عند الله المقتضي بصدق التوكل المثمر للعون من الله سبحانه وتعالى والإرشاد إلى ذلك، توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو متلبس به؛ وبنى سبحانه وتعالى كل ثلث من هذه الأثلاث على مقدمة في تثبيت أمره وتوجه بخاتمة في التحذير من التهاون به، وزاد الثالث لكونه الختام وبه بركة التمام أن أكد عليهم بعد خاتمته في الإيمان بجميع ما في السورة، وختم بالإشارة إلى أن عمدة ذلك الجهاد الذي لذوي الغي والعناد، والاعتماد فيه على مالك الملك وملك العباد، وذلك هو طريق أهل الرشاد، والهداية والسداد والله سبحانه وتعالى هو الموفق للصواب.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف من طرق عن ابن عباس أنه قرأ(‏ولم تجدوا كتاباً) وقال‏:‏ قد يوجد الكاتب ولا يوجد القلم ولا الدواة ولا الصحيفة، والكتاب يجمع ذلك كله قال‏:‏ وكذلك كانت قراءة أبي‏. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه كان يقرأ ‏{‏فإن لم تجدوا كتاباً‏}‏ قال‏:‏ يوجد الكاتب ولا توجد الدواة ولا الصحيفة‏.‏ وأخرج ابن الأنباري عن الضحاك‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن الأنباري عن عكرمة أنه قرأها ‏(‏فإن لم تجدوا كتاباً‏)‏.‏ وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن الأنباري عن مجاهد أنه قرأها (‏فإن لم تجدوا كتابا‏ً)‏ قال‏:‏ مداداً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه كان يقرأها ‏{‏فإن لم تجدوا كتاباً‏}‏ وقال‏:‏ الكتاب كثير لم يكن حواء من العرب إلا كان فيهم كاتب، ولكن كانوا لا يقدرون على القرطاس والقلم والدواة‏. وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس أنه كان يقرأ ‏(‏ولم تجدوا كتاباً) بضم الكاف وتشديد التاء‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن زيد بن ثابت قال‏:‏ أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏فرهن مقبوضة)‏ بغير ألف‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن حميد الأعرج وإبراهيم أنهما قرآ ‏(فرهن مقبوضة‏)‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن وأبي الرجاء أنهما قرآ ‏ {‏فرهان مقبوضة‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله ‏{‏وإن كنتم على سفر‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ من كان على سفر فبايع بيعاً إلى أجل فلم يجد كاتباً فرخص له في الرهان المقبوضة، وليس له أن وجد كاتباً أن يرتهن‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة‏}‏ قال‏:‏ لا يكون الرهان إلا في السفر‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن عائشة قالت ‏"‏اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً من يهودي بنسيئة ورهنه درعاً له من حديد‏"‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏{‏وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا‏ً}‏ يعني لم تقدروا على كتابة الدين في السفر ‏ {‏فرهان مقبوضة‏}‏ يقول‏:‏ فليرتهن الذي له الحق من المطلوب ‏{‏فإن أمن بعضكم بعضا‏ً} ‏ يقول‏:‏ فإن كان الذي عليه الحق أميناً عند صاحب الحق فلم يرتهن لثقته وحسن ظنه ‏{‏فليؤد الذي ائتمن أمانته‏}‏ يقول‏:‏ ليؤد الحق الذي عليه إلى صاحبه، وخوّف الله الذي عليه الحق فقال ‏ {‏وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة‏} ‏ يعني عند الحكام يقول‏:‏ من أشهد على حق فليقمها على وجهها كيف كانت ‏ {‏ومن يكتمها‏} ‏ يعني الشهادة ولا يشهد بها إذا دعي لها ‏{‏فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم‏} ‏ يعني من كتمان الشهادة وإقامتها‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال‏:‏ لا يكون الرهن إلا مقبوضاً يقبضه الذي له المال ثم قرأ ‏ {‏فرهان مقبوضة‏}‏ ‏.‏ وأخرج البخاري في التاريخ الكبير وأبو داود والنحاس معاً في الناسخ وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه بسند جيد عن أبي سعيد الخدري‏.‏ أنه قرأ هذه الآية {‏يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين‏}‏ حتى إذا بلغ ‏ {‏فإن أمن بعضكم بعضاً‏}‏ قال‏:‏ هذه نسخت ما قبلها‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي عن الشعبي قال‏:‏ لا بأس إذا أمنته أن لا تكتب ولا تشهد لقوله ‏{‏فإن أمن بعضكم بعضا‏ً}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع ‏ {‏ولا تكتموا الشهادة‏} ‏ قال‏:‏ لا يحل لأحد أن يكتم شهادة هي عنده، وإن كانت على نفسه أو الوالدين أو الأقربين‏. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ‏{‏آثم قلبه‏} ‏ قال‏:‏ فاجر قلبه‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ} أي مسافرين أو متوجهين إليه {وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا} في المداينة، وقرىء كِتاباً وكُتُباً وكتاباً {فَرِهَـٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ} أي فالذي يُستوثق به أو فعليكم أو فليؤخَذ أو فالمشروعُ رهانٌ مقبوضة، وليس هذا التعليقُ لاشتراط السفر في شرعية الارتهان كما حسِبه مجاهدٌ والضحاكُ لأنه صلى الله عليه وسلم "رهَن دِرْعه في المدينة من يهودي بعشرين صاعاً من شعير أخذه لأهله" بل لإقامة التوثقِ بالارتهان مُقام التوثق بالكتابة في السفر الذي هو مِظنةُ إعوازِها وإنما لم يتعرّض لحال الشاهد لما أنه في حكم الكاتب توثقاً وإعوازاً، والجمهورُ على وجوب القبض في تمام الرهن غيرَ مالك وقرىء فرُهُنٌ كسُقُف وكلاهما جمع رَهْن بمعنى مرهون وقرىء بسكون الهاء تخفيفاً {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا} أي بعضُ الدائنين بعضَ المديونين لحسن ظنه به واستغنى بأمانته عن الارتهان، وقرىء أُومن بعضُكم أي آمنه الناسُ ووصفوه بالأمانة قيل: فيكون انتصابُ بعضاً حينئذ على نزع الخافض أي على متاع بعض {فَلْيُؤَدّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ} وهو المديون وإنما عبر عنه بذلك العنوان لتعينه طريقاً للإعلام ولحمله على الأداء {أَمَـٰنَتَهُ} أي دينه وإنما سمّي أمانة لائتمانه عليه بترك الارتهان به وقرىء ايتُمِن بقلب الهمزة ياء وقرىء بإدغام الياء في التاء وهو خطأ لأن المنقلبة من الهمزة لا تدغم لأنها في حكمها {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ} في رعاية حقوق الأمانة وفي الجمع بـين عنوان الألوهية وصفة الربوبـية من التأكيد والتحذير ما لا يخفى. {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ} أيها الشهود أو المديونون أي شهادتكم على أنفسكم عند المعاملة {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ} آثم خبر إن وقلبُه مرتفعٌ به على الفاعلية كأنه قيل: يأثم قلبه أو مرتفع بالابتداء وآثمٌ خبرٌ مقدّمٌ والجملة خبرُ إن وإسنادُ الإثم إلى القلبِ لأن الكِتمان مما اقترفه، ونظيرُه نسبةُ الزنا إلى العين والأذن، أو للمبالغة لأنه رئيسُ الأعضاء وأفعالُه أعظمُ الأفعال كأنه قيل: تمكّن الإثمُ في نفسه وملك أشرفَ مكان فيه وفاق سائر ذنوبه. عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما إن أكبرَ الكبائر الإشراكُ بالله لقوله تعالى: {أية : فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ } تفسير : [المائدة، الآية 72] وشهادةُ الزور وكتمانُ الشهادة. وقرىء قلبَه بالنصب كما في سفهِ نفسَه وقرىء أثمَ قلبه أي جعله آثماً {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} فيجازيكم به إن خيراً فخيرٌ وإن شرًّا فشر.

البقلي

تفسير : {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} اى لا تكتموا ما اشهدكم الله من مقام اهل الولاية بان تخملوا ذكرهم حسدا عليهم ومن يكتمها يعنى ما خصهم الله به فانه اثم قلبه اي جزاء كتمانه قساوة قلبه واثم القلب الحسد باهل الولاية وجزاء الحسد الطبع والختم نعود بالله.

اسماعيل حقي

تفسير : {وإن كنتم على سفر} اى مسافرين اى متوجهين اليه ومقبلين {ولم تجدوا كاتبا} فى المداينة بان لا يحسن الكتابة او لا توجد الصحيفة او الدواة والقلم ولم يتعرض لحال الشاهد لما انه فى حكم الكاتب توثقا واعوازا {فرهان} جمع رهن اى فالتوثق رهن {مقبوضة} اى مسلمة الى المرتهن ولا بد من القبض حتى لو رهن ولم يسلم لا يجبر الراهن على التسليم وانما شرط السفر فى الارتهان مع ان الارتهان لا يختص به سفر دون حضر لان السفر لما كان مظنة عدم الكتب باعواز الكاتب والشاهد امر بالارتهان ليقوم مقامهما تأكيدا وتوثيقا لحفظ المال فالكلام خرج على الاعم الاغلب لا على سبيل الشرط وقد رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه فى المدينة من يهودى بعشرين صاعا من شعير واخذه لاهله {فإن أمن بعضكم بعضا} اى بعض الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به واستغنى بامانته عن الارتهان فلم يطلب منه الرهن {فليؤد الذى اؤتُمِنَ} وهو المديون والائتمان الوثوق بامانة الرجل وانما عبر عنه بذلك العنوان لتعينه طريقا للاعلام ولحمله على الاداء {أمانته} اى فليقض المطلوب الامين ما فى ذمته من الدين من غير رهن منه وسمى الدين امانة لتعلقه بالذمة كتعلق الامانة {وليتق الله ربه} فى رعاية حقوق الامانة واداء الدين من غير مطل {ولا تكتموا الشهادة} ايها الشهود اذا دعيتم الى الحاكم لادائها على وجهها {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} فاعل آثم كأنه قيل فانه يأثم قلبه. فان قلت هلا اقتصر على قوله فانه آثم وما فائدة ذكر القلب والجملة هى الآثمة لا القلب وحده. قلت كتمان الشهادة هو ان يضمرها ولا يتكلم بها فلما كان الاثم مقترفا بالقلب اسند اليه لان اسناد الفعل الى الجارحة التى يعمل بها ابلغ الاتراك تقول اذا اردت التوكيد هذا مما ابصرته عينى ومما سمعته اذنى ومما عرفه قلبى ولان القلب هو رأس الاعضاء والمضغة التى ان صلحت صلح الجسد كله وان فسدت فسد الجسد كله فكأنه قيل فقد تمكن الاثم فى اصل نفسه وملك اشرف مكان منه ولئلا يظن ان كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط وليعلم ان القلب اصل متعلقه ومعدن اقترافه واللسان ترجمان عنه ولان افعال القلوب اعظم من افعال سائر الجوارح وهى لها كالاصول التى تتشعب منها ألا ترى ان اصل الحسنات والسيآت الايمان والكفر وهما من افعال القلوب فاذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بانه من معاظم الذنوب وعن ابن عباس رضى الله عنهما اكبر الكبائر الاشراك بالله لقوله تعالى فقد حرم الله عليه الجنة وشهادة الزور وكتمان الشهادة {والله بما تعملون عليم} فيجازيكم به ان خيرا فخير وان شرا فشر وكتمان الشهادة وشهادة الزور من الاعمال التى تجر صاحبها الى النار فانهما من علامات سنخ القلب قال تعالى {فإنه آثم قلبه} والمراد سنخ القلب ونعوذ بالله من ذلك وهما اسهل وقوعا بين الناس والحوامل عليهما كثيرة كالعداوة وغيرها. واعلم ان اهل الدين طائفتان الواقفون والسائرون. فالواقف من لزم عتبة الصورة ولم يفتح له باب الى عالم المعنى فهو كالفرخ المحبوس فى قشر البيضة فيكون مشربه من عالم المعاملات البدنية فلا سبيل له الى عالم القلب ومعاملاته فهو محبوس فى سجن الجسد وعليه موكلان من الكرام الكاتبين يكتبان عليه اعماله الظاهرة بالنقير والقطمير. والسائر من لم يقم ولم ينزل فى منزل فهو مسافر من عالم الصورة الى عالم المعنى ومن مضيق الاجساد الى متسع الارواح وهم صنفان صنف سيار وصنف طيار. فالسيار من يسير بقدم الشرع والعقل على جادة الطريقة. والطيار من يطير بجناحى العشق والهمة فى فضاء الحقيقة وفى رجله جلجلة الشريعة فالاشارة فى قوله {وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا} الى السيار الذى تخلص من سجن الجسد وقيد الحواس وزحمة التوكيل فلم يجد له كاتبا يكتب عليه كما قال بعضهم ما كتب على صاحب الشمال منذ عشرين سنة وقال بعضهم كاشف لى صاحب اليمين وقال لى أمل على شيأ من معاملات قلبك لاكتبه فانى اريد ان اتقرب به الى الله قال فقلت له حسبك الفرائض فالحبس والقيد والتوكيل لمن لم يؤد حق صاحب الحق او يكون هاربا منه فيحبس ويقيد ويوكل عليه فاما الذى آناء الليل واطراف النهار يغدو ويروح فى طلب غريمه وما برح فى حريمه فلا يحتاج الى التوكيل والتقييد فقوله {ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} اشارة الى السيار الذى له قلب فيرهنه عند الله تعالى فالرهان هى القلوب التى ليس فيها غير الله المقبوضة بين اصبعين من اصابع الرحمن فاما الطيار الذى هو عاشق مفقود القلب مسلوب العقل مجذوب السير فلا يطالب بالرهن فانه مبطوش ببطشه الشديد شعر : مستهام ضاق مذهبه فى هوى من عز مطلبه كل امر فى الهوى عجب وخلاصى منه اعجبه تفسير : فلم يوجد فى السموات والارض ولا فى الدنيا والآخرة امين يؤتمن لحمل اعباء امانته الا العاشق المسكين.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {فرهان}: خبر، أو مبتدأ، أي: فالمستوثق به رهان، أو فعليه رهان. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإن كنتم على} جناح {سفر} أي: مسافرين، {ولم تجدوا كاتباً} يكتب شهادة البيع أو الدين، فالمستوثق به عروضاً من الإشهاد: {رهان مقبوضة}. وليس السفر شرطاً في سحة الارتهان، لأنه عليه الصلاة والسلام:"حديث : رَهَنَ دِرْعَه عند يهودي بالمدينة في شَعِير"تفسير : لكنّ لمّا كان السفر مَظنَّة إعواز الكتاب، ذكره الحق تعالى حكماً للغالب. والجمهور على اعتبار القبض فيه، فإن لم يقبض حتى حصل المانع، فلا يختص به في دينه، {فإن أمن بعضكم بعضاً} واستغنى بأمانته عن الارتهان، لوثوقه بأمانته فداينه بلا رهن، {فليؤد الذي أؤتمن أمانته} أي: دينه، وسماه أمانة؛ لائتمانه عليه بلا ارتهان ولا إشهاد، {وليتق الله ربه} في أداء دينه وعدم إنكاره. {ولا تكتموا الشهادة} أيها الشهود، أو أهل الدين، أي: شهادتهم على أنفسهم، {ومن يكتمها} منكم بأن يمتنع من أداء ما تحمل من الشهادة، أو من أداء ما عليه من الدين، {فإنه آثم قلبه} حيث كتم ما علمه به، لأن الكتمان من عمل القلوب فتعلق الإثم به، ونظيره: "العين زانية وزناها النظر"، أو أسنده إلى القلب، مبالغة؛ لأنه رئيس الأعضاء، فإذا أثم قلبه فقد أثم كله، وكأنه قد تمكن الإثم منه فأخذ أشرف أجزائه، وفاق سائر ذنوبه، ثم هدد الكاتمين فقال: {والله بما تعملون عليم}؛ لا يخفى عليه ما تبدون وما تكتمون، رُوِيَ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : من كَتَمَ شهادةً إذا دُعِي - كَان كَمَنْ شَهِدَ بالزُّور ". تفسير : الإشارة: كما أمر الله تعالى بتقييد الديون الدنيوية، والاعتناء بشأنها، أمر بتقييد العلوم اللدنية والوردات القدسية والاغتباط بأمرها، بل هي أولى؛ لدوام ثمراتها وخلود نتائجها، فإن الحكمة ترد على القلب من عالم القدس عظيمة كالجبل، فإن أهملتها ولم تبادر إلى تقييدها، رجعت كالجمل، فإن أخرتها رجعت كالطير، ثم كالبيضة، ثم تمتحي من القلب، وفي هذا المعنى قيل: شعر : العلمُ صيدٌ والكتابةُ قَيْدُه قَيِّدْ صُيودَك بالحِبَالِ المُوثِقَهْ وَمِنَ الجَهَالة أن تصِيدَ حمامةً وتتركُها بَيْنَ الأوانِس مطلقهْ تفسير : فإن لم يسحن الكتابة، فليملله على من يُحسنها، ولا يبخس منه شيئاً، بل يمُليه على ما ورد في قلبه، فإن كان ضعيف العبارة، فليملل عنه من يحسنها بالعدل، من غير زيادة ولا نقصان في المعنى، وليُشهد عليها رجال أهل الفن وهم العارفون، فإن لم يكونوا، فمن حضر من الفقراء المتمكنين؛ لئلا يكون في تلك الحكمة شيء من الخلل؛ لنقصان صاحبها، أو: وليُشْهِد على ذلك الوارد عدلين، وهما الكتاب والسنّة، فإن كان موافقاً لهما، قُبل، وإلا رُدَّ. قال الجنيد رضي الله عنه: إن النكتةَ لتقع في قلبي فلا أقبلها إلا بشهادة عَدْلَين: الكتاب والسنّة. هـ. وإن كنتم مستعجلين، ولم تجدوا كاتباً، فارتهنوها في قلوب بعضكم بعضاً، حتى تُقيد. ومن كتم الواردات عن شيخه أو إخوانه، فقد أثم قلبه؛ لأنه نوع من الخيانة في طريق التربية. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : القراءة واللغة: قرأ أبو عمرو وابن كثير "فرهن" على وزن فعل. الباقون {فرهان} على فعال. الرهن مصدر رهنت الشيء أرهنه رهناً وأرهنته إرهاناً. والأول أفصح. قال الشاعر في أرهنت: شعر : فلما خشيت أظافيره نجوت وأرهنته مالكا تفسير : وقال الأزهري: شعر : أرهنت في الشيء إذا سلفت فيه. تفسير : قال الشاعر: شعر : عيدّية أرهنت فيها الدنانير تفسير : وأرهنتة إرتهاناً وتراهنوا تراهناً. وراهنه مراهنة واسترهنه استرهاناً. والانسان رهين عمله. وكل شيء يحتبس غيره فهو رهينة ومرتهنة. وأصل الباب الرهن: حبس الشيء بما عليه وواحد الرهن رهان. وهو جمع الجمع نحو ثمار وثمر في قول الكسائي، والفراء. وقال أبو عبيدة: واحده رهن نحو سَقف وسُقف. وقيل لا يعرف في الاسماء فَعل وفُعل غير هذين. وزاد بعضهم قَلب النخلة وقُلب. فأما {رهان} فهو جمع رهن، وهو على القياس نحو حبل وحبال، وفعل وفعال، وكبش وكباش، وإنما اختار أبو عمرو: فرهن لأنه موافق لخط المصحف، ولغلبة الاستعمال في الرهان في الخيل، واختاره الزجاج أيضاً. ومن اختار {رهان} فلاطراده في باب الجمع. وكل حسن. وارتفع {فرهن} بأنه خبر ابتداء محذوف تقديره فالوثيقة رهن ويجوز فعليه ورهن. ولو قرىء "فرهناً" بالنصب بمعنى فارتهنوا رهناً جاز في العربية، ولكن لم يقرأ به أحد. وشاهد الرهن قول قعب بن أم صاحب: شعر : بانت سعاد وأمسى دونها عدن وغلقت عندها من قبلك الرهن تفسير : المعنى: ومن شرط صحة الرهن أن يكون مقبوضاً لقوله: {فرهان مقبوضة} فان لم يقبض لم ينعقد الرهن. ومسائل الرهن. ذكرناها في النهاية والمبسوط مستوفاة فلا فائدة للتطويل بذكرها ها هنا. ويجوز أخذ الرهن في الحضر مع وجود الكاتب، لما روي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) اشترى طعاماً نساء ورهن فيه درعاً. وقوله (ع) لا يغلق الرهن. معناه أن يقول الراهن إن جئتك بفكاكه إلى شهر وإلا فهو لك بالدين. وهذا باطل بلا خلاف. وقوله: {ولا تكتموا الشهادة} يعني بعد تحملها {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} إنما أضاف إلى القلب مجازاً، لأنه محل الكتمان، وإلا فالآثم هو الحي. وقوله: {فإن أمن بعضكم بعضاً} معناه ان أتمنه فلم يقبض منه رهناً {فليؤد الذي اؤتمن أمانته} يعني الذي عليه الدين {وليتق الله ربه} أن يظلمه أو يخونه {والله بما تعملون عليم} بما تسرونه وتكتمونه. ودل قوله: {فإن أمن بعضكم بعضاً} على أن الاشهاد والكتابة في المداينة ليس بواجب، وإنما هو على جهة الاحتياط. وقد روي عن ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما {فإن لم تجدوا كتاباً} يعني ما تكتبون فيه من طرس أو غيره. والمشهور هو الاول الذي حكيناه عن قراء أهل الامصار، وحكي عن بعضهم أنه قرأ {فإنه آثم قلبه} بالنصب فان صح فهو من قولهم: سفهت نفسك وأثمت قلبك.

الجنابذي

تفسير : {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ} يعنى حين التّداين {وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً} يكتب لكم وثيقة {فَرِهَانٌ} فالوثيقة رهان او يقدّر ما يناسب المقام مثل المأخوذ ومثله وقرئ (رهن) بضمّتين (ورهن) بضمّ الرّاء واسكان العين والجميع جمع الرهن {مَّقْبُوضَةٌ} وقد اتّفق الاماميّون على انّ شرط اللّزوم فى الرّهن القبض {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً} فى السّفر او مطلقاً فى التّداين بترك الكتابة وترك الرّهان او فى اعطاء الرّهان او فى مطلق الامانات {فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ} اى المدين او مطلق الامين {أَمَانَتَهُ} دينه سمّاه امانة لائتمان الدّائن المديون عليه او مطلق الامانة {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ} فى الخيانة والخديعة {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَادَةَ} خاطب الشّهود {وَمَن يَكْتُمْهَا} من غير داعٍ شرعىٍّ مبيح لكتمانها {فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} وفى نسبة الاثم الى القلب مبالغة فى الاثم فانّ الاثم من النّفس يظهر على الاعضاء وامّا القلب المقابل للنّفس فانّه بريءٌ من الاثم، والقلب بمعنى النّفس وان كان منشأً للاثم لكن لا ينسب الاثم اليه بل الى الشّخص او الى اعضائه، وفى نسبته الى القلب ايهام انّ الاثم سرى من اعضائه الى نفسه، ومنها الى قلبه البريء من الاثم، وعن النّبىّ (ص) انّه نهى عن كتمان الشّهادة وقال: "حديث : من كتمها اطعمه الله لحمه على رؤس الخلائق"تفسير : وهو قول الله عزّ وجلّ: {ولا تكتموا الشّهادة ومن يكتمها فانّه آثمٌ قلبه} {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من اداء الامانة والخيانة فيها واداء الشّهادة وكتمانها {عَلِيمٌ} وعد ووعيد.

الهواري

تفسير : قال: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ}. ذكروا أن شريحاً والحسن قالا: الرهن بما فيه. ذكروا عن علي بن أبي طالب قال: يتراددان الزيادة والنقصان. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : الرهن لا يغلق من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه . تفسير : ذكروا عن جابر بن زيد وأبي عبيدة أنهما قالا: إن كان بأقل مما فيه فهو بما فيه، وإن كان بأكثر مما فيه فإنه يرد الفضل. قوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً} يعني فإن كان الذي عليه الحق أميناً عند صاحب الحق، فلم يرتهن منه في السفر لثقته به وحسن ظنه بوفاء الذي عليه، قال: {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} أي ليؤد الحق الذي عليه إلى صاحبه {وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ}. وكان الحسن يقول: نسخت هذه الشهادة، أو قال: الكتابَ والشهادة. قوله: {وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} أي عند الحاكم، إذا دعي إليها فليُقِمها على وجهها. {وَمَن يَكْتُمْهَا} فلا يشهد إذا دعي إليها {فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي من كتمان الشهادة وإقامتها {عَلِيمٌ}. ذكر الحسن قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا يمنعَنَّ أحدَكم مخافةُ الناسِ أن يقول الحق إذا شهده أو علمه . تفسير : ذكروا عن الحسن عن النبي عليه السلام مثل ذلك. قال الحسن: أما والله ما هو بالرجل يوانب السلطان. ولكن الرجل تكون عنده الشهادة فيشهد بها. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسْأَلَهَا . تفسير : قوله: {لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فِيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. قال بعض المفسّرين: نزلت هذه الآية فجهدتهم، وكبرت عليهم، فأنزل الله بعدها آية فيها يسر وتخفيف وعافية، فنسختها: (أية : لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا)تفسير : [البقرة:286]. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن الله تجاوز لأمتي عمَّا حدثت به أنفسَها ما لم تعمل أو تتكلم به . تفسير : وتفسير مجاهد: {وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ}، أي: من اليقين أو الشك.

اطفيش

تفسير : {وإن كُنتُم عَلى سَفَرٍ}: أى مسافرين، لأن من كان فى سفر صح أن يقال إنه على سفر تشبيها له بمن كان فوق جسم ممتد، ويجوز كون على بمعنى فى، ويقدر مضاف أى على أرض سفر أو موضع سفر، والخطاب لمن تداينوا، أو يجوز أن يقدر: وإن كنتم على سفر وتداينتم، ويدخل فى ذلك بالمعنى كل عذر. {وَلَم تَجِدُوا كَاتِباً}: من يكتب إما بالذات بأن لم يوجد إلا من لا يعرف أن يكتب، وإما بأن لم يوجد آلة الكتابة. وقرأ ابن عباس وأبى: كتابا بكسر الكاف وتخفيف التاء قال ابن عباس أرأيت إن وجدت الكاتب ولم تجد الصحيفة والدوات؟ وقرأ أبو العالية كتبا بضم الكاف والتاء وجمع كتاب لكم متداينين بكتاب، قرأ الحسن كتاب بضم الكاف وتشديد التاء جمع كاتب. {فَرهانٌ مَّقْبوضَةٌ}: فالذى يستوثق به رهان مقبوضة أو فعليكم رهان مقبوضة بأن تأخذوها يا من لهم الدين وتمكنوهم منها يا من عليهم الدين، وفتؤخذ رهان مقبوضة، أو فرهان مقبوضة بيستوثق بها، وأصل الرهن الدوام، يقال رهن شئ أى ذات وثبت قال الفقهاء: إذا خرج الرهن من يد المرتهن إلى يد الراهن بطل، لأنه فارق ما جعل له، ورهان: جمع رهن بمعنى المال المرهون، ككعب وكعاب، وبغل وبغال، وثمر وثمار، وقرأ ابن كثير وأبو عمر فرهن بضم الراء والهاء تخفيفا، وكلاهما جمع رهن بمعنى مال مرهون، قال مجاهد والضحاك، لا يجوز الرهن إلا فى السفر وإلا مقبوضا لظاهر الآية، ويرد قولهما: إنهُ صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند يهودى فى غير السفر، وهذا دليل الجمهور على جواز الرهن فى الحضر، والحديث مبوط فى شرح النيل، وإنما علق الرهن فى الآية بالسفر لأنه مظنة لفقد الكاتب، والشهود، وتليق الحكم بناء على الغالب كثير كأنه قيل: إن فاتكم التوفيق فى السفر بالكتابة لم يفتكم الرهن، والجمهور على اشتراط القبض فى الرهن، وإجازه مالك بالإيجاب والقبول بدون القبض، وجاز بغبض وكيل المرتهن، وقبض المسلط، وعلى شرط القبض، فقيل إن وقع بلا قبض يطل، وقيل يجبر الراهن على إقباضه للمرتهن، وقال الحكم ابن عينية: لا يصح قبض الوكيل وذلك أن يوكل على القبض، وأما أن يوكل على المداينة ولارتهان فجائز قبضه إجماعاً. {فَإنْ أمنَ بَعْضُكم بَعضْاً}: إن أمن الذى له الحق من عليه الحق ولم يرتهن منه شيئاً لحسن ظنه به، أو لم يكتب أيضاً ولم يشهد. {فَلْيؤدِّ الَّذِى اؤتُمِنَ أمانَتهُ}: الذى اؤتمن هو من عليه الحق، والأمانة هى ذلك الحق، سمى آخذ الدين مؤتمنا مع أنهُ مضمون فى ذمته، لأنه قد أمنه من له الدين ولم يخف حجوده حتى إنه لم يشهد عليه به، ولم يكتبه ولم يرتهن منهُ، ولذلك سمى الدين أمانة، وأضاف الأمانة إلى الدين أؤثمن لأنها عنده وفى ذمته، والواو فى اؤتمن فى الخط تقرأ فى الوصل ياء ساكنة سكونا ميتا، وتمد به ذال الذى، وتحذف لالتقاء الساكنين، وهذه الياء التى تمد بها الدال هى بدل من الهمزة التى هى فاء الكملة، وهى همزة أمن، وكتبت الواو لأنه لو بدأ بما بعد الذى لقلبت تلك الهمزة واوا هذا ما يناسب تقرير مذهبنا معشر المغاربة فى التلاوة وهو ما حقيقته من كتب أبى عمرو والدانى وابن بر وغيرهما، والشمارقة من قرائهم يقرءون الذى أوتمن بهمزة ساكنة بين همزة الوصل والتاء ويوصلونها بالذال لفظا، ويحذفون ياء الذى لفظا، وبعضهم يقرأ كما نقرأ وقرأ الذى اتمن بتشديد التاء قلبا للهمزة التى هى فاء الكلمة، وتاء أو إدغامها فى التاء، فقال القاضى إنه خطاء لأن الياء المنقلبة عن الهمزة فى حكم الهمزة فلا تقلبت تاء، أعنى إنما تقلب الياء تاء وتدغم فى اء الافتعال إذا ابدلت عن واو، وهى فاء الكلمة، أو عن ياء كذلك كالتعد والتسر من الوعد واليسر، قلت ولعله صح ذلك عند قارئه من الشاذ، كما قال ابن مالك: وشذ فى ذى الهمز نحوا تزرء ومن حفظ حجة، والحوطة عند القاضى، لأنه لو صح ذلك عند قارئه شاذا ما الداعى إلى قراءته به، ولو قرأ به فى رواية، فما الداعى إلى العدول عن القراءة الفصحى، بل قال فى الكشاف اتزر عامى ونسب تلك القراءة إلى عاصم. {وليْتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ}: فيقضى ما عليه من الدين بلا حجود ولا مما طلة عند حلول الأجل، بل بإحسان ودعاء كما أحسن إليه إذ لم يرتهن منهُ، ولم يشهد عليه فانظر كيف أكد الله عز وجل الأداء بأن ذكر المديان باسم المؤتمن إذا حسن إليه صاحب الدين ولم يشدد عليه برهن وشهادة وكتابه، فكيف يقصر فى القضاء مع هذا الإحسان، وبأن حذره بقولهِ وليتق الله من عقوبة التقصير فى القضاء، وبأن ذكر لفظ الجلالة فى هذا التحذير الجامع لصفات القهر والعظمة والجلال وبأن أبدل منه لفظ ربه تذكيراً له لأن عصيان مربيه بأنواع التربية فى غاية الوقاعة، قال ابن العربى: روى أن أبا سعيد قرأ هذه الآية فقال: هذا نسخ لكل ما تقدم من الكتب والإشهاد والرهن، وعن ابن عباس: ليس فى آية المداينة نسخ، ثم رجع الكلام إلى خطاب الشهود بقوله: {ولا تكْتُموا الشَّهادَةَ}: إذا دعاكم صاحب الحق لأدائها، لأن كتمها إبطال لحقه، وهذا أولى من أن يقال إن الخطاب لمن عليهِ الحق نهى عن أن يترك الإقرار على نفسه، والشهادة عليها، لأن الشهادة قد ذكرت قبل هذا على أصلها فليجمل ما هنا عليه، ولو كان الحمل على القرار أيضا جائز، كما سمى الإقرار شهادة فى قوله تعالى:{أية : كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم}تفسير : وقوله {أية : وأشهدهم على أنفسهم}تفسير : ونحو ذلك. {وَمَنْ يَكْتُمْها}: أى الشهادة. {فإنَّهُ آثمٌ قلْبُهُ} والهاء فى أنه عائد إلى من يكتمها، وآثم خبر إن، وقلبه فاعل آثم أو بدل من المستتر فيهِ على أنا فيه ضمير، أو يجوز أن يكون قلبه مبتدأ وآثم خبره، ويجوز أن تكون الهاء ضمير الشأن، وآثم خبر مقدما، وقلبه متبدأ مؤخر، والجملة خبر إن، والإثم هنا ذنب كبير، وأسنده إلى القلب فقط مع أن الإثم الإنسان الكاتم كله فقط، لأن القلب محل الكتمان وهو من الإسناد إلى الجارحة العاملة، ولأنه هو رئيس الأعضاء، وإذا أثم تبعه الأعضاء فى الإثم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهى القلب"تفسير : وفى إسناده لرئيس الأعضاء تعظيم له فى باب العقاب، قيل أوعد الله على شئ كإيعاده على كتمان الشهادة إذ نسب الإثم للقلب وأراد به مسخ القلب فهو ذنب يفوق سائر ذنوبه"، لأنه آخذ لشرف أعضائه، قال ابن عباس رضى الله عنهما: أكبر الكبائر الإشتراك بالله، لقوله:{أية : فقد حرم الله عليهِ الجنة}،تفسير : وشهادة الزور، وكتمان الشهادة. وقرئ بنصب قلبه على التشبيه بالمفعول به، ومن أجاز تعريف التميز أجاز كونه تمييزا وقرأ ابن أبى عبلة أثم قبله بهمزمة مفتوحة وتشديد الثاء مفتوحة، وفتح الميم ونصب قلبه على المفعولية أى صير قلبه آثما. {وَالله بِما تَعْملُونَ}: من إقامة الشهادة وكتمها وغير ذلك. {عَلِيمٌ}: فهو مجازيكم لا يخفى عنه علمكم، ولا تعجزونه، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مشى إلى غريمه بحقه صلت عليه دواب البر، ونون الماء، ونبتت له لكل خطوة شجرة تغرس فى الجنة، وذنبه يغفر"تفسير : قال الحسن: سمعت أبا سعيد الخدرى يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يقول بالحق إذا شهده أو علمه"تفسير : ، قال الحسن: ما هو والله بالرجل يأبى السلطان فيأمره وينهاه، ولكن الرجل تكون عنده الشهادة فيشهد بها.

اطفيش

تفسير : {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ} فى سفر فعلى، استعارة تبعية لفى، لشبه التمكن فى السفر بالركوب على الدابة للتمكن {وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً} يكتب لكم دينا عقد فى السفر {فَرِهَٰنٌ} جمع رهن، بمعنى مرهون {مَّقْبُوضَةٌ} تستوثقون بها، أو فالمستوثق به رهان، أو فعليكم رهان، أو فلتعقد رهان، ومعنى مقبوضة أنها على القبض أولا حين عقدها، أو تعقد، وإذا شئتم فبضتموها، وبهذا أقول، وبه قال مالك، ويجبر على تسليمه إلى المرتهن، وإن وصل يده فرده إلى الراهن، ولو على وجه الحفظ والأمانة بطل، وقال الجمهور، إنه لا بد من القبض، وإلا لم يختص به عن الغرماء، ولا يجد قبضه إن لم يقبضه عند العقد، ولنا أنها سميت رهانا قبل القبض، فذكر أنها مقبوضة بعد، وذلك لتوثق السفر بالقبض، وقال مقبوضة ولم يقل تقبضونها، لأنه أظهر فى شمول القبض، قبض المرتهن أو نائبه، والرهن جائز فى الحضر أيضا، خلافا لمجاهد، إذ خصه بالسفر، تبعا للآية. ولم يتعبر الكتابة، لأنه تكون فيما صح، فالرهن صح ولو لم يوجد فيه كاتب مجاراة وجمودا منه على لفظ الآية، وهو خطأ، ولا سيما حيث اشترط لصحته عدم وجود الكاتب، كما جاء فى البخارى ومسلم والترمذى وأبى داود والنسائى وابن ماجه، وأنه صلى الله عليه وسلم رهن ردعه فى المدينة على عشرين صاعا من يهودى، وفى البخارى على ثلاثين صاعا، وخص السفر بالذكر لأنه مظنة فقد الكاتب وآلاته، والشهادة كالكتابة توثقا وإعوازا، فاكتفى عن ذكرها وذكر الكتابة {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضَكُم} وهو صاحب الحق {بَعْضاً} وهو من عليه الحق ألا يخونه فلم يرتهن منه {فَلْيُؤَدِّ الَّذِى اؤْتُمِنَ} جعل مأمونا، وهو من عليه الحق، ولم يعط رهنا {أَمَٰنَتَهُ} أى الحق الذى عليه، سماه أمانة لعدم التوثق عليه بالرهن، كأنه أمانة {وَلْيَتَّقِ اللهُ رَبَّهُ} لا ينكره ولا بعضهن ولا يماطله، بل يجازيه بالوفاء الحسن على جعله أمينا، ولم يكلفه الرهن، وقيل، المعنى، إن أمن بعض الدائنين بعض المدينين بحس الظن فى سفر أو حضر فلم يتوثق منه برهن ولا كتابة ولا شهادة، وجمع بين لفظ الألوهية ولفظ الربوبية لمزيد التأكيد فى التحذير عن أموال الناس {وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَٰدَةَ} إذا دعيتم لأدائها، خطاب للشهود فى أى حق، مبايعة، حضرا وسفرا وغيرها، ويضعف أن يجعل الخطاب لهم، ولمن عليهم الحق، أو لمن عليهم الحق، وشهادة من عليهم الحق إقرارهم على أنفسهم، وفى القرآن تسمية إقرار المرء على نفسه شهادة فى مواضع، وهو حقيقة، وقيل مجاز، وإنما تكون مجازا فى كلام الفقهاء عرفيا، ولا يتبادر هنا أنها بمعنى الإقرار بما عليه {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ} أى الكاتم {ءَاثِمٌ قَلْبُهُ} أى اثم قلبه، أو أن الشأن قلب الكاتم آثم، وقد علمت أن الهاء للكاتم أو للشأن، وإذا كانت للكاتم فآثم خبر أن، وقلبه فاعل آثم، أو فى آثم ضميره، وقلب بدل الضمير، بدل بعض، أو آثم خبر مقدم وقلبه مبتدأ، والجملة خبر إن، وإذا جعل الهاء للشأن فآثم خبر مقدم وقلبه مبتدأ، والجملة خبر إن، والوصف ومرفوعه الظاهر على الفاعلية ليسا جملة فلا يفسر بهما ضمير الشأن، ولو جعل مبتدأ مستغنيا عن الخبر بمرفوع، وقيل، هو جملة مع مرفوعه المغنى عن خبره، وهو الحق، إلا أنه شهر، لهذا تقدم النفى أو الاستفهام، وأسند الإثم للقلب، لأنه محل الكتم، وإسناد الفعل إلى جارحته أبلغ، كما تقول فى التأكيد، هذا مما أبصرته عينى، ومما سمعته أذنى، وعرفه قلبى، ولأن القلب إذا أثم تبعه غيره كما فى الحديث، أنه إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، وجاء، أنه إذا أثم العبد حدث فى قلبه نكتة سوداء، وكلما أذنب حدثت نكتة سوداء حتى يسود كله {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} فيعاقب الشاهد الكاتم بذلك الحق كله، كأنه فى ذمته، كما يعاقب الذى هو فى ذمته.

الالوسي

تفسير : {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ} أي مسافرين ففيه استعارة تبعية حيث شبه تمكنهم في السفر بتمكن الراكب من مركوبه {وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا} يكتب لكم حسبما بين قبل، والجملة عطف على فعل الشرط أو حال. وقرأ أبو العالية (كتباً)، والحسن وابن عباس ـ كتاباً جمع كات {فَرِهَـٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ} أي فالذي يستوثق به أو فعليكم أو فليؤخذ أو فالمشروع رهان وهو جمع رهن وهو في الأصل مصدر ثم أطلق على المرهون من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول ـ وليس هذا التعليق لاشتراط السفر وعدم الكاتب في شرعية الارتهان لأن النبـي صلى الله عليه وسلم رهن درعه في المدينة من يهودي على ثلاثين صاعاً من شعير كما في البخاري ـ بل لإقامة التوثق بالارتهان مقام التوثق بالكتبة في السفر الذي هو مظنة إعوازها، وأخذ مجاهد بظاهر الآية فذهب إلى أن الرهن لا يجوز إلا في السفر وكذا الضحاك فذهب إلى أنه لا يجوز في السفر إلا عند فقد الكاتب، وإنما لم يتعرض لحال الشاهد لما أنه في حكم الكاتب توثقاً وإعوازاً، والجمهور على وجوب القبض في تمام الرهن، وذهب مالك إلى أنه يتم بالإيجاب والقبول ويلزم الراهن بالعقد تسليمه ويشترط عنده بقاؤه في يد المرتهن حتى لو عاد إلى يد الراهن بأن أودعه المرتهن إياه أو أعاده له إعادة مطلقة فقد خرج من الرهن فلو قام الغرماء وهو بيد الراهن على أحد هذين الوجهين مثلاً كان أسوة للغرماء فيه وكأنه إنما ذهب إلى ذلك لما في الرهن من اقتضاء الدوام أنشد أبو علي:شعر : فالخبز واللحم لهن راهن وقهوة راووقها ساكب تفسير : وفي التعبير ـ بمقبوضة ـ دون تقبضونها إيماءاً إلى الاكتفاء بقبض الوكيل ولا يتوقف على قبض المرتهن نفسه وقرىء ـ فرهن ـ كسقف وهو جمع رهن أيضاً، وقرىء بسكون الهاء تخفيفاً. {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا} أي بعض الدائنين بعض المديونين بحسن ظنه سفراً أو حضراً فلم يتوثق بالكتابة والشهود والرهن، وقرأ أبـيّ ـ فإن أومن ـ أي آمنه الناس ووصفوا المديون بالأمانة والوفاء والاستغناء عن التوثق من مثله، و {بَعْضًا} على هذا منصوب بنزع الخافض ـ كما قيل ـ {فَلْيُؤَدّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ} وهو المديون وعبر عنه بذلك العنوان لتعينه طريقاً للإعلام ولحمله على الأداء. {أَمَـٰنَتَهُ} أي دينه، والضمير لرب الدين أو للمديون باعتبار أنه عليه، والأمانة مصدر أطلق على الدين الذي في الذمة وإنما سمي أمانة وهو مضمون لائتمانه عليه بترك الإرتهان به./ وقرىء ـ الذيتمن ـ بقلب الهمزة ياءاً، وعن عاصم أنه قرأ ـ الذتمن ـ بإدغام الياء في التاء، وقيل: هو خطأ لأن المنقلبة عن الهمزة في حكمها فلا يدغم، ورد بأنه مسموع في كلام العرب، وقد نقل ابن مالك جوازه لأنه قال: إنه مقصور على السماع، ومنه قراءة ابن محيصن ـ اتمن ـ ونقل الصاغاني أن القول بجوازه مذهب الكوفيين، وورد مثله في كلام أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وهي من الفصحاء المشهود لهم، ففي البخاري عنها "حديث : كان صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر" تفسير : فالمخطىء مخطىء {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ} في الخيانة وإنكار الحق، وفي الجمع بين عنوان الألوهية وصفة الربوبية من التأكيد والتحذير ما لا يخفى، وقد أمر سبحانه ـ بالتقوى ـ عند الوفاء حسبما أمر بها عند الإقرار تعظيماً لحقوق العباد وتحذيراً عما يوجب وقوع الفساد. {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ} أي لا تخفوها بالامتناع عن أدائها إذا دعيتم إليها وهو خطاب للشهود المؤمنين كما روي عن سعيد بن جبير وغيره وجعله خطاباً للمديونين على معنى لا تكتموا شهادتكم على أنفسكم بأن تقروا بالحق عند المعاملة، أو لا تحتالوا بإبطال شهادة الشهود عليكم بالجرح ونحوه عند المرافعة خلاف الظاهر المأثور عن السلف الصالح، وقرىء (يكتموا) على الغيبة. {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ} الضمير في (إنه) راجع إلى {مِنْ} وهو الظاهر، وقيل: إنه ضمير الشأن والجملة بعده مفسرة له، و (آثم) خبر (إن) وقلبه فاعل له لاعتماده ولا يجىء هذا على القول بأن الضمير للشأن لأنه لا يفسر إلا بالجملة والوصف مع مرفوعه ليس بجملة عند البصري، والكوفي يجيز ذلك، وقيل: إنه خبر مقدم وقلبه مبتدأ مؤخر، والجملة خبر (إن) وعليه يجوز أن يكون الضمير للشأن وأن يكون ـ لمن ـ وقيل: (آثم) خبر (إن) وفيه ضمير عائد إلى ما عاد إليه ضمير ـ إنه ـ وقلبه بدل من ذلك الضمير بدل بعض من كل، وقيل: (آثم) مبتدأ وقلبه فاعل سد مسد الخبر، والجملة خبر (إن)، وهذا جائز عند الفراء من الكوفيين والأخفش من البصريين وجمهور النحاة لا يجوزونه وأضاف الآثم إلى القلب مع أنه لو قيل: (فإنه آثم) لتم المعنى مع الاختصار، لأن الآثم بالكتمان وهو مما يقع بالقلب وإسناد الفعل بالجارحة التي يعمل بها أبلغ، ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبـي؟ ولأن الإثم وإن كان منسوباً إلى جملة الشخص لكنه اعتبر الإسناد إلى هذا الجزء المخصوص متجوزاً به عن الكل لأنه أشرف الأجزاء ورئيسها، وفعله أعظم من أفعال سائر الجوارح، فيكون في الكلام تنبيه على أن الكتمان من أعظم الذنوب، وقيل: أسند الإثم إلى القلب لئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط وليعلم أن القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه، وقيل: للإشارة إلى أن أثر الكتمان يظهر في قلبه كما جاء في الخبر «حديث : إذا أذنب العبد يحدث في قلبه نكتة سوداء وكلما أذنب زاد ذلك حتى يسود ذلك بتمامه»تفسير : ، أو للإشارة إلى أنه يفسد قلبه فيفسد بدنه كله، فقد ورد «حديث : إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» تفسير : والكل ليس بشيء كما لا يخفى، وقرىء (قلبه) بالنصب على التشبيه بالمفعول به. و (آثم) صفة مشبهة، وجوز أبو حيان كونه بدلاً من اسم إن بدل بعض من كل، وبعضهم كونه تمييزاً واستبعده أبو البقاء، وقرأ ابن أبـي عبلة {ءاثِمٌ قَلْبُهُ} أي جعله آثماً. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من كتمان الشهادة وأدائها على وجهها وغير ذلك {عَلِيمٌ} فيجازيكم بذلك إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

ابن عاشور

تفسير : هذا معطوف على قوله: { أية : إذا تداينتم بدَين } تفسير : [البقرة: 282] الآية، فجميع ما تقدّم حكم في الحضر والمُكنة، فإن كانوا على سفر ولم يتمكّنوا من الكتابة لعدم وجود من يكتب ويشهد فقد شُرع لهم حكم آخر وهو الرهن، وهذا آخر الأقسام المتوقّعة في صور المعاملة، وهي حالة السفر غالباً، ويلحق بها ما يماثل السفر في هاته الحالة. والرهان جمع رهن - ويجمع أيضاً على رُهُن بضم الراء وضم الهاء - وقد قرأه جمهور العشرة: بكسر الراء وفتح الهاء، وقرأه ابن كثير، وأبو عَمْرو: بضم الراء وضم الهاء، وجمْعُه باعتبار تعدّد المخاطبين بهذا الحكم. والرهن هنا اسم للشيء المرهون تسميةً للمفعول بالمصدر كالخلْق. ومعنى الرهن أن يجعل شيء من متاع المدين بيد الدائن توثقة له في دينه. وأصل الرهن في كلام العرب يدل على الحَبس قال تعالى: { أية : كل نفس ما كسبت رهينة } تفسير : [المدثر: 38] فالمرهون محبوس بيد الدائن إلى أن يستوفي دينه قال زهير: شعر : وفارقْتَك برهن لا فَكَاكَ لَه يومَ الوَدَاعِ فأمسَى الرهن قد غَلِقَا تفسير : والرهن شائع عند العرب: فقد كانوا يرهنون في الحمالات والدَيات إلى أن يقع دفعها، فربّما رهنوا أبناءهم، وربّما رهنوا واحداً من صناديدهم، قال الأعشى يَذْكر أنّ كِسْرى رام أخذ رهائن من أبنائهم: شعر : آلَيْتُ لا أُعْطِيه من أبنائنا رُهُنا فنفسدَهم كمَن قد أفْسَدا تفسير : وقال عبد الله بن هَمَّام السلولي: شعر : فلمّا خَشِيتُ أظَافِيرَهم نَجَوْت وأرْهَنْتُهُم مَالِكَا تفسير : ومن حديث كعب بن الأشْرَفِ أنّه قال لعبد الرحمان بن عَوْف: ارْهَنُوني أبْنَاءَكم. ومعنى فرِهانٌ: أي فرهان تعَوّض بها الكتابة. ووصفُها بمقبوضة إمّا لمجرّد الكشف، لأنّ الرهان لا تكون إلاّ مقبوضة، وإمّا للاحتراز عن الرهن للتوثقة في الديون في الحضر فيؤخَذ مِن الإذن في الرهن أنّه مباح فلذلك إذا سأله ربّ الدين أجيبَ إليه فدلّت الآية على أنّ الرهن توثقة في الدين. والآية دالة على مشروعية الرهن في السفر بصريحها. وأمّا مشروعية الرهن في الحضر فلأنّ تعليقه هنا على حال السفر ليس تعليقاً بمعنى التقييد بل هو تعليق بمعنى الفرض والتقدير، إذا لم يوجد الشاهد في السفر، فلا مفهوم للشرط لوروده مورد بيان حالة خاصة لا للاحتراز، ولا تعتبر مفاهيم القيود إلاّ إذا سيقت مساق الاحتراز، ولذا لم يعتدّوا بها إذا خرجت مخرج الغالب. ولا مفهوم له في الانتقال عن الشهادة أيضاً؛ إذ قد علم من الآية أنّ الرهن معاملة لهم، فلذلك أحيلوا عليها عند الضرورة على معنى الإرشاد والتنبيه. وقد أخذ مجاهد، والضحّاك، وداود الظاهري، بظاهر الآية من تقييد الرهن بحال السفر، مع أنّ السنّة أثبتت وقوع الرهن من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه في الحضَر. والآية دليل على أنّ القبض من متمّمات الرّهن شرعاً، ولم يختلف العلماء في ذلك، وإنّما اختلفوا في الأحكام الناشئة عن ترك القبض، فقال الشافعي: القبض شرط في صحة الرهن، لظاهر الآية، فلو لم يقارن عقدة الرهن قبض فسدت العقدة عنده، وقال محمد بن الحسن، صاحب أبي حنيفة: لا يجوز الرهن بدون قبض، وتردّد المتأخّرون من الحنفية في مفاد هذه العبارة؛ فقال جماعة: هو عنده شرط في الصحة كقول الشافعي، وقال جماعة: هو شرط في اللزوم قريباً من قول مالك، واتفق الجميع على أنّ للراهن أن يرجع بعد عقد الرهن إذا لم يقع الحوز، وذهب مالك إلى أنّ القبض شرط في اللزوم، لأنّ الرهن عقد يثبت بالصيغة كالبيع، والقبضُ من لوازمه، فلذلك يُجبر الراهن على تحويز المرتهن إلاّ أنّه إذا مات الراهن أو أفلس قبل التحويز كان المرتهن أسوةَ الغرماء؛ إذ ليس له ما يؤثره على بقية الغرماء، والآية تشهد لهذا لأنّ الله جعل القبض وصفاً للرهن، فعلم أنّ ماهية الرهن قد تحقّقت بدون القبض. وأهل تونس يكتفون في رهن الرباع والعقار برهن رسوم التملّك، ويعدّون ذلك في رهن الدين حوزاً. وفي الآية دليل واضح على بطلان الانتفاع؛ لأنّ الله تعالى جعل الرهن عوضاً عن الشهادة في التوثّق فلا وجه للانتفاع، واشتراط الانتفاع بالرهن يخرجه عن كونه توثّقاً إلى ماهية البيع. {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ}. متفرّع على جميع ما تقدّم من أحكام الدين: أي إنْ أمِنَ كلّ من المتداينين الآخر أي وثق بعضكم بأمانة بعض فلم يطالبه بإشهاد ولا رهن، فالبعض - المرفوع - هو الدائن، والبعض - المنصوب - هو المدين وهو الذي ائتُمن. والأمانة مصدر آمنه إذا جعله آمناً. والأمن اطمئنان النفس وسلامتها ممّا تخافه، وأطلقت الأمانة على الشيء المؤمَّن عليه، من إطلاق المصدر على المفعول. وإضافة أمانته تشبه إضافة المصدر إلى مفعوله. وسيجيء ذكر الأمانة بمعنى صفةِ الأمين عندَ قوله تعالى: { أية : وأنا لكم ناصح أمين } تفسير : في سورة الأعراف (68). وقد أطلق هنا اسم الأمانة على الدَّين في الذمّة وعلى الرهن لتعظيم ذلك الحق لأنّ اسم الأمانات له مهابَة في النفوس، فذلك تحذير من عدم الوفاء به؛ لأنّه لما سمّي أمانة فعدم أدائه ينعكس خِيانة؛ لأنّها ضدّها، وفي الحديث: أدِّ الأمَانَة إلى من ائتَمنك ولا تَخن من خانك. والأداء: الدفع والتوفية، وردّ الشيء أو رَدُّ مثله فيما لا تقصد أعيانه، ومنه أداء الأمانة وأداء الدّين أي عدم جحده قال تعالى: { أية : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } تفسير : [النساء: 58]. والمعنى: إذا ظننتم أنّكم في غُنية عن التوثّق في ديونكم بأنّكم أمناء عند بعضكم، فأعْطُوا الأمانَة حَقَّها. وقد علمتَ ممّا تقدم عند قوله تعالى: {فاكتبوه} أنّ آية {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي أؤتمن أمانته} تعتبر تكميلاً لطلب الكتابة والإشهادِ طلَبَ ندب واستحباب عند الذين حملوا الأمر في قوله تعالى: {فاكتبوه} على معنى الندب والاستحباب، وهم الجمهور. ومعنى كونها تكميلاً لذلك الطلب أنّها بيّنت أنّ الكتابة والإشهاد بين المتداينين، مقصود بهما حسن التعامل بينهما، فإن بدَا لهما أن يأخذا بهما فنعمَّا، وإن اكتفيا بما يعلمانه من أمانٍ بينهما فلهما تركهما. وأتبع هذا البيان بوصاية كلا المتعاملين بأن يؤدّيا الأمانة ويتّقيا الله. وتقدم أيضاً أنّ الذين قالوا بأنّ الكتابة والإشهاد على الديون كان واجباً ثم نسخ وجوبه، ادّعوا أنّ ناسخه هو قوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضاً} الآية، وهو قول الشعبي، وابن جريج، وجابر بن زيد، والربيع بن سليمان، ونسب إلى أبي سعيد الخدري. ومحمل قولهم وقولِ أبي سعيد - إن صحّ ذلك عنه - أنّهم عنّوا بالنسخ تخصيص عموم الأحوال والأزمنة. وتسميةُ مثل ذلك نسخاً تسمية قديمة. أمّا الذين يرون وجوب الكتابة والإشهاد بالديون حكمَا مُحْكَما، ومنهم الطبري، فقصروا آية {فإن أمن بعضكم بعضاً} الآية على كونها تكملةً لصورة الرهن في السفر خاصة، كما صرّح به الطبري ولم يأت بكلام واضح في ذلك ولكنّه جمجم الكلام وطَوَاه. ولَوْ أنّهم قالوا: إنّ هذه الآية تعني حالةَ تعذّر وجود الرهن في حالة السفر، أي فلم يبق إلاّ أن يأمن بعضكم فالتقدير: فإن لم تجدوا رهناً وأمن بعضكم بعضاً إلى آخره لكان له وجه، ويُفهم منه أنّه إن لم يأمنه لا يداينه، ولكن طُوى هذا ترغيباً للناس في المواساة والاتِّسام بالأمانة. وهؤلاء الفرق الثلاثة كلّهم يجعلون هذه الآية مقصورة على بيان حالة ترك التوثّق في الديون. وأظهر ممّا قالوه عندي: أنّ هذه الآية تشريع مستقلّ يعم جميع الأحوال المتعلّقة بالديون: من إشهاد، ورهنٍ، ووفاءٍ بالدّين، والمتعلّقةِ بالتبايع، ولهذه النكتة أبهم المؤتمنون بكلمة {بعض} ليشمَل الائتمان من كلا الجانبين: الذي من قبل ربّ الدين، والذي من قبل المدين. فربّ الدين يأتمن المدين إذا لم ير حاجة إلى الإشهاد عليه، ولم يطالبه بإعطاء الرهن في السفر ولا في الحضر. والمدين يأتمن الدائنَ إذا سَلَّم له رهناً أغلى ثمناً بكثير من قيمة الدين المرتهَن فيه، والغالب أنّ الرهان تكون أوْفَرَ قيمة من الديون التي أرهنت لأجلها، فأمر كلّ جانب مؤتمنٍ أن يؤدّي أمانته، فأداءُ المدين أمانته بدفع الدين، دون مطل، ولا جحود، وأداء الدائن أمانته إذا أعطي رهناً متجاوزَ القيمةِ على الدّين أن يردّ الرهن ولا يجحده غير مكترث بالدّين؛ لأنّ الرهن أوفر منه، ولا ينقص شيئاً من الرهن. ولفظ الأمانة مستعمل في معنيين: معنى الصفة التي يتَّصف بها الأمين، ومعنى الشيء المؤمَّن. فيؤخذ من هذا التفسير إبطال غلَق الرهن: وهو أن يصير الشيء المرهون ملكاً لربّ الدّين، إذا لم يدفع الدينَ عند الأجل، قال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : لا يَغْلق الرهنُ » تفسير : وقد كان غَلق الرهن من أعمال أهل الجاهلية، قال زهير: شعر : وفارقَتْكَ برَهْنٍ لا فَكَاكَ له عند الوَداع فأمسى الرهن قد غَلِقا تفسير : ومعنى {أمن بعضكم بعضاً} أن يقول كلا المتعاملين للآخر: لا حاجة لنا بالإشهاد ونحن يأمن بعضنا بعضاً، وذلك كي لا ينتقض المقصد الذي أشرنا إليه فيما مضى من دفع مظنّة اتّهام أحد المتداينين الآخر. وزيد في التحذير بقوله: {وليتق الله ربه}، وذِكر اسم الجلالة فيه مع إمكان الاستغناء بقوله: «وليتّق ربّه» لإدخال الرّوع في ضمير السامع وتربية المهابة. وقوله: {الذي أؤتمن} وقع فيه ياء هي المدة في آخر (الذي) ووقع بعده همزتان أولاهما وصلية وهي همزة الافتعال، والثانية قطعية أصلية، فقرأه الجمهور بكسر ذال الذي وبهمزة ساكنة بعد كسرة الذال؛ لأنّ همزة الوصل سقطت في الدرَج فبقيت الهمزة على سكونها؛ إذ الداعي لقلب الهمزة الثانية مدّا قد زال، وهو الهمزة الأولى، ففي هذه القراءة تصحيح للهمزة؛ إذ لا داعي للإعلال. وقرأه ورش عن نافع، وأبو عمرو، وأبو جعفر: الّذِيتُمن بياء بعد ذال الذي، ثم فوقية مضمومة: اعتباراً بأنّ الهمزة الأصلية قد انقلبت واواً بعد همزة الافتعال الوصلية؛ لأنّ الشأن ضم همزة الوصل مجانسة لحركة تاء الافتعال عند البناء للمجهول، فلمّا حذفت همزة الوصل في الدرج بقيت الهمزة الثانية واواً بعد كسرة ذال (الذي) فقلبت الواو ياء ففي هذه القراءة قلبان. وقرأه أبو بكر عن عاصم: الذي اوتمن بقلب الهمزة واواً تبعاً للضمة مشيراً بها إلى الهمزة. وهذا الاختلاف راجع إلى وجه الأداء فلا مخالفة فيه لرسم المصحف. {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}. وصاية ثانية للشهداء تجمع الشهادات في جميع الأحوال؛ فإنّه أمر أن يكتب الشاهد بالعدل، ثم نُهي عن الامتناع من الكتابة بين المتداينين، وأعقَب ذلك بالنهي عن كتمان الشهادة كلّها. فكان هذا النهي - بعمومه - بمنزلة التذييل لأحكام الشهادة في الدّين. واعلم أنّ قوله تعالى: {ولا تكتموا الشهادة} نهي، وأنّ مقتضى النهي إفادة التكرار عند جمهور علماء الأصول: أي تكرارِ الانكفاف عن فعل المنهيّ في أوقات عُروضِ فعله، ولولا إفادته التكرار لَما تحقّقت معصية، وأنّ التكرار الذي يقتضيه النهي تكرار يستغرق الأزمنة التي يعرض فيها داعٍ لِفعل المنهيّ عنه، فلذلك كان حقّاً على من تحمّل شهادة بحقّ ألاّ يكتمه عند عروض إعلانه: بأن يبلغه إلى من ينتفع به، أو يقضِي به، كلّما ظهر الداعي إلى الاستظهار به، أو قبلَ ذلك إذا خشي الشاهد تلاشي ما في علمه: بغيبة أو طُرُوِّ نسيان، أو عروض موت، بحسب ما يتوقّع الشاهد أنّه حافظٌ للحقّ الذي في علمه، على مقدار طاقته واجتهاده. وإذ قد علمتَ - آنفاً - أنّ الله أنبأنا بأنّ مراده إقامة الشهادة على وجهها بقوله: { أية : وأقوم للشهادة } تفسير : [البقرة: 282]، وأنّه حرّض الشاهد على الحضور للإشهاد إذا طُلب بقوله: { أية : ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } تفسير : [البقرة: 282] فعُلم من ذلك كلّه الاهتمام بإظهار الشهادة إظهاراً للحق. ويؤيّد هذا المعنى ويزيده بياناً: قول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : ألاَ أخْبِرُكُم بخَيْر الشهداءِ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألَها » تفسير : رواه مالك في «الموطّأ»، ورواه عنه مسلم والأربعة. فهذا وجه تفسير الآية تظاهرَ فيه الأثر والنظرُ. ولكن روى في «الصحيح» عن أبي هريرة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : خيرُ أمَّتِي القرنُ الذي بُعِثْتُ فيهم ثم الذين يلونهم ــــــ قالها ثانية وشكّ أبو هريرة في الثالثة ــــــ ثم يخلف قوم يشهدون قبل أن يستشهدوا » تفسير : الحديثَ. وهو مسوق مساق ذَمِّ مَن وصفهم بأنّهم يشهدون قبل أن يُستشهدوا، وأنّ ذمّهم من أجل تلك الصفة. وقد اختلف العلماء في محمله؛ قال عياض: حمله قوم على ظاهره من ذمّ من يَشهد قبل أن تطلب منه الشهادة، والجمهور على خلافه وأنّ ذلك غير قادح، وحملوا ما في الحديث على ما إذا شهِد كاذباً، وإلاّ فقد جاء في «الصحيح»: « حديث : خير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسْألَها » تفسير : . وأقول: روى مسلم عن عِمران بن حُصَين: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إنّ خيركم قرني ثم الذين يلونهم - قالها مرتين أو ثلاثاً - ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون » تفسير : الحديث. والظاهرّ أنّ ما رواه أبو هريرة وما رواه عِمران بن حصين حديث واحد، سمعه كِلاَهما، واختلفت عبارتهما في حكايته فيكون لفظ عمران بن حصين مبيّناً لفظ أبي هريرة أنّ معنى قوله: قبل أن يستشهدوا دُونَ أن يستشهدوا، أي دون أن يستشهدهم مُشهد، أي أن يحمِلوا شهادة أي يشهدون بما لا يعلمون، وهو الذي عناه المازري بقوله: وحملوا ما في الحديث - أي حديث أبي هريرة ــــــ على ما إذا شهد كاذباً. فهذا طريق للجمع بين الروايتين، وهي ترجع إلى حمل المجمل على المبيّن. وقال النووي: تأوّلَه بعض العلماء بأنّ ذم الشهادة قبل أن يُسألها الشاهد هو في الشهادة بحقوق الناس بخلاف ما فيه حق اللَّه قال النووي: «وهذا الجمع هو مذهب أصحابنا» وهذه طريقة ترجع إلى إعمال كل من الحديثين في باب، بتأويل كلّ من الحديثين على غير ظاهره؛ لئلا يلغَى أحدهما. قلت: وبنى عليه الشافعية فرعا بردّ الشهادة التي يؤدّيها الشاهد قبل أن يُسألها، ذكره الغزالي في «الوجيز»، والذي نقل ابن مرزوق في «شرح مُختصر خليل عن الوجيز» «الحرص على الشهادة بالمبادرة قبلَ الدعوى لا تقبل، وبعد الدعوى وقبل الاستشهاد وجهان فإن لم تقبل فهل يصير مجروحاً وجهان». فأما المالكية فقد اختلفَ كلامهم. فالذي ذهب إليه عياض وابن مرزوق أنّ أداء الشاهد شهادته قبل أن يسألها مقبول لحديث «الموطأ» «خَيْر الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها» ونقل الباجي عن مالك: «أنّ معنى الحديث أن يكون عند الشاهد شهادة لرجل لا يعلم بها، فيخبره بها، ويؤدّيها له عند الحاكم» فإنّ مالكاً ذكره في «الموطأ» ولم يذيّله بما يقتضي أنّه لا عمل عليه - وتبعَ الباجي ابنُ مرزوق في «شرحه لمختصر خليل»، وادّعى أنَّه لا يعرف في المذهب ما يخالفه والذي ذهب إليه ابن الحاجب، وخليلٌ، وشارحو مختصرَيْهما: أنّ أداء الشهادة قبل أن يطلب من الشاهد أداؤُها مانع من قبولها: قال ابن الحاجب «وفي الأداء يُبدأ به دونَ طلب فيما تمحّض من حق الآدمي قادِحة» وقال خليل ــــــ عاطفاً على موانع قبول الشهادة ــــــ: «أوْ رَفَع قبل الطلب في مَحْض حقّ الآدمي». وكذلك ابن راشد القفصي في كتابه «الفائِق في الأحكام والوثائق» ونسبه النووي في «شرحه على صحيح مسلم لمالك»، وحمله على أنّ المستند متّحد وهو إعمال حديث أبي هريرة ولعلّه أخذ نسْبة ذلك لمالك من كلام ابن الحاجب المتقدّم. وادّعى ابن مرزوق أنّ ابن الحاجب تبع ابن شاس إذ قال: «فإن بادر بها من غير طلب لم يقبل» وأنّ ابن شاس أخذه من كلام الغزالي قال: «والذي تقتضيه نصوص المذهب أنّه إنْ رفعها قبل الطلب لم يقدح ذلك فيها بل إن لم يكن فعله مندوباً فلا أقلّ من أن لا تُردّ» واعتضد بكلام الباجي في شرح حديث: خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها. وقد سلكوا في تعليل المسألة مسلكين: مسلك يرجع إلى الجمع بين الحديثين، وهو مسلك الشافعية، ومسلك إعمال قاعدة رَدّ الشهادةِ بتهمة الحرص على العمل بشهادته وأنّه ريبة. وقوله: {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} زيادة في التحذير. والإثمُ: الذنب والفجور. والقلب اسم للإدراك والانفعالات النفسية والنَوايا. وأسد الإثم إلى القلب وإنّما الآثم الكاتم لأنّ القلب - أي حركات العقل - يسبّب ارتكاب الإثم: فإنّ كتمان الشهادة إصْرار قلبي على معصية، ومثله قوله تعالى: {أية : سحروا أعين الناس}تفسير : [الأعراف: 116] وإنّما سحَروا الناس بواسطة مرئيات وتخيّلات وقول الأعشى: شعر : كذلكَ فافعل ما حييتَ إذا شَتَوْا وأقْدِمْ إذَا ما أعْيُنُ الناسسِ تَفْرق تفسير : لأنْ الفرَق ينشأ عن رؤية الأهوال. وقوله: {والله بما تعملون عليم} تهديد، كناية عن المجازاة بمثل الصنيع؛ لأنّ القادر لا يحُول بينه وبين المؤاخذة إلاّ الجهل فإذا كان عليماً أقام قسطاس الجزاء.

الواحدي

تفسير : {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً...} الآية، أمر الله تعالى عند عدم الكاتب بأخذ الرَّهن ليكون وثيقةً بالأموال، وذلك قوله: {فَرِهَانٌ مقبوضة} أَيْ: فالوثيقةُ رهنٌ مقبوضةٌ {فإن أَمن بعضكم بعضاً} أَيْ: لم يخف خيانته وجحوده الحقَّ {فليؤدّ الذي اؤتمن} أَيْ: أُمن عليه {أمانته وليتق الله ربه} بأداء الأمانة {ولا تكتموا الشهادة} إذا دُعيتم لإِقامتها {ومن يكتمها فإنه آثمٌ} فاجرٌ {قلبه}. {لله ما في السموات وما في الأرض} ملكاً، فهو مالك أعيانه {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} حديث : لمَّا نزل هذا جاء ناس من الصَّحابة إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: كُلِّفنا من العمل ما لا نطيق، إن أحدنا ليحدِّث نفسه بما لا يحبُّ أن يثبت في قلبه، فنحن نحاسب بذلك؟ فقال النبيُّ: فلعلَّكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا، وقولوا: سمعنا وأطعنا فقالوا: سمعنا وأطعناتفسير : ، فأنزل الله تعالى الفرج بقوله: {لا يكلِّف الله نفساً إلاَّ وسعها} فنسخت هذه الآية ما قبلها، وقيل: إنَّ هذا في كتمان الشَّهادة وإقامتها، ومعنى قوله: {يحاسبكم به الله} يخبركم به ويُعرِّفكم إيَّاه. {آمن الرسول...} الآية، لمَّا ذكر الله تعالى في هذه السُّورة الأحكام والحدود، وقصص الأنبياء وآيات قدرته، ختم السورة بذكر تصديق نبيِّه عليه السَّلام والمؤمنين بجميع ذلك، {لا نفرق بين أحد} أَيْ: يقولون: لا نفرِّق بين أحد من رسله كما فعل أهل الكتاب، آمنوا ببعض الرُّسل وكفروا ببعض، بل نجمع بينهم في الإِيمان بهم {وقالوا سمعنا} قوله {وأطعنا} أمره {غفرانك} أَيْ: اغفر غفرانك. {لا يكلف الله نفساً إلاَّ وسعها} ذكرنا أنَّ هذه الآية نسخت ما شكاه المؤمنون من المحاسبة بالوسوسة وحديث النَّفس {لها ما كسبت} [من العمل بالطاعة] {وعليها ما اكتسبت} [من العمل بالإثم] أَيْ: لا يُؤَاخَذ أحدٌ بذنب غيره {ربنا لا تؤاخذنا} أَيْ: قولوا ذلك على التَّعليم للدُّعاء، ومعناه: لا تعاقبنا إن نسينا. كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئاً ممَّا شرع لهم عُجِّلت لهم العقوبة بذلك، فأمر الله نبيَّه والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك {أو أَخْطأْنا} تركنا الصَّواب: {ربنا ولا تحمل علينا إصراً} أَيْ: ثقلاً، والمعنى: لا تحمل علينا أمراً يثقل {كما حملته على الذين من قبلنا} نحو ما أُمر به بنو إسرائيل من الأثقال التي كانت عليهم {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} أَيْ: لا تعذِّبنا بالنَّار {أنت مولانا} [ناصرنا] والذي تلي علينا أمورنا {فانصرنا على القوم الكافرين} في إقامة حجَّتنا وغلبتنا إيَّاهم في حربه، وسائر أمورهم حتى يظهر ديننا على الدِّين كلِّه كما وعدتنا.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 283- وإذا كنتم فى سفر فلم تجدوا من يكتب لكم الدين، فليكن ضمان الدين رهناً يأخذه الدائن من المدين. وإذا أودع أحدكم عند آخر وديعة تكون أمانة عنده، وقد اعتمد على أمانته، فليؤد المؤتمن الأمانة عند طلبها، وليخشَ اللهُ الذي رباه وتولاه بالعناية حتى لا يقطع عنه نعمته في الدنيا والآخرة. وليتق عقوبة الله له إن خان الأمانة أو غش فى الشهادة. ولا تكتموا الشهادة عند طلبها، ومن يكتمها فهو آثم خبيث القلب، والله بما تعملون عليم، سيجزيكم عليه بحسب ما تستحقون. 284- واعلموا أن لله ما فى السموات وما فى الأرض قد أحاط به قدرة وعلما، وسواء أظهرتم ما فى أنفسكم أو أخفيتموه فإن الله عليم خبير، سيحاسبكم عليه يوم القيامة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وهو تعالى على كل شئ قدير. 285- إن ما أُنزل إلى الرسول - محمد - هو الحق من عند الله، وقد آمن به وآمن معه المؤمنون كل منهم آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهم يسوُّون بين رسل الله فى الإيمان بهم وتعظيمهم قائلين: لا نفرق بين أحد من رسله، وأكدوا إيمانهم القلبى بقولهم اللسانى متجهين إلى الله فى خطابهم: ربنا سمعنا تنزيلك المحكم واستجبنا لما فيه، فامنحنا اللهم مغفرتك، وإليك - وحدك - المصير والمرجع.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: السفر: الخروج من الدار والبلد ظاهراً بعيداً بمسافة أربعة برد فأكثر. ولم تجدوا كاتبا: من يكتب لكم، أو لم تجدوا أدوات الكتابة من دواة وقلم. فرهان مقبوضة: فاعتاضوا عن الكتابة الرهن فليضع المدين رهناً لدى الدائن. فإن أمن بعضكم بعضا: فلا حاجة الى الرهن. فليؤد المؤتمن أمانته: أي فليعط الدين الذي أوتمن عليه حيث تعذَّرت الكتابة ولم يأخذ دائنه منه رهناً على دينه. آثم قلبه: لأن الكتمان من عمل القلب فنسب الإِثم إلى القلب. وإن تبدوا: تظهروا. معنى الآيتين: لما أمر تعالى بالإشهاد والكتابة في البيوع والسَّلَم والقروض في الآيات السَّابقة أمر هنا - عند تعذّر الكتابة لعدم وجود كاتب أو أدوات الكتابة وذلك في السفر - أمر بالاستعاضة عن الكتابة بالرهن وذلك بأن يضع المدين رهناً لدى دائنه عوضا عن الكتابة يستوثق به دينه هذا في حال عدم ائتمانه، والخوف منه، وأمّا إن أمن بعضهم بعضا فلا بأس بعدم الارتهان فقال تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ..} والرهان جمع رهن. وقال {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً} (فلم تأخذوا رهاناً) {فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ} في ذلك. ثم نهى تعالى نهياً جازماً الشهودّ عن كِتْمان شهادتهم فقال: {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ..} وبينّ تعالى عِظَم هذا الذنب فقال: {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ...} وأَعلم أنه عليم بما يعملونه فيجازيهم بعلمه، وهو تهديد ووعيد منه سبحانه وتعالى لكاتمي الشهادة والقائلين بالزور فيها. هذا معنى الآية الأولى [283] أما الآية الثانية [284] فإنه تعالى قد أخبر بأن له جميع ما في السماوات وجميع ما في الأرض خلَقْا ومِلْكا وتصرفاً، وبناءً على ذلك فإن من يبدي ما في نفسه من خير أو شر أو يخفه يحاسب به، ثم هو تعالى بعد الحساب يغفر لمن يشاء من أهل الإِيمان والتقوى، ويعذب من يشاء من أهل الشرك والمعاصي، له كامل التصرف، لأنّ الجميع خلقه وملكه وعبيده. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- جواز أخذ الرهن في السفر والحضر توثيقا من الدائن لدينه. 2- جواز ترك أخذ الرهن إن حصل الأمن من سداد الدين وعدم الخوف منه. 3- حرمة كتمان الشهادة والقول بالزور فيها وأن ذلك من أكبر الكبائر كما في الصحيح. 4- محاسبة العبد بما يخفي في نفسه من الشك والشرك والنفاق وغير ذلك من بغض أولياء الله وحب لأعدائه، ومؤاخذته بذلك، والعفو عن الهمّ بالخطيئة والذنب دون الشك والشرك والحب والبغض من المؤمن الصادق الإِيمان للحديث الصحيح الذي أخرجه الستة: "حديث : إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل ".

د. أسعد حومد

تفسير : {فَرِهَانٌ} {أَمَانَتَهُ} {ٱلشَّهَادَةَْ} {آثِمٌ} (283) - فَإِنْ كُنْتُمْ مُسَافِرِينَ وَتَدايَنْتُمْ بِدِينٍ إلى أجَلٍ مُعَيَّنٍ (مُسَمَّى)، وَلَمْ تَجِدُوا مَنْ يَكْتُبُ، أَوْ لَمْ تَجِدُوا أَدَواتِ الكِتَابَةِ، فَلْيَكُنْ مَقَامَ الكِتَابَةِ رَهْنٌ يُسَلِّمُهُ المَدِينُ إلى صَاحِبِ الحَقِّ، فَإذَا وَثِقَ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ فَلاَ بَأسَ فِي ألاَّ تَكْتُبُوا، أوْ ألاَّ تُشْهِدُوا شَاهِدِينَ، وَلْيَتَّقِ المُؤْمِنُ الله رَبَّهُ، وَعَلَيْكُمْ أنْ لاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ، وَأنْ لاَ تَمْتَنِعُوا عَنْ أدَائِهَا، إذا دُعِيتُم إلى أدَائِها، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَكُونُ آثِمَ القَلْبِ، وَقَدِ ارْتَكَبَ إثْماً وَذَنْباً. وَلاَ يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ أعْمَالِكُمْ شَيءٌ.

الثعلبي

تفسير : {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً}. قرأ ابن عباس وأبو العالية ومجاهد: كتاباً، وقالوا: ربّما وجد الكاتب ولم يجد المداد ولا الصحيفة، وقالوا: لم تكن [قبيلة] من العرب إلاّ كان فيهم كاتب ولكن كانوا لا يقدرون على القلم والدواة. وقرأ الضحاك: كُتّاباً على جمع الكاتب. وقرأ الباقون: كاتباً على الواحد وهو الأنسب مع المصحف. {فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ}. قرأ ابن عباس وإبراهيم وزر بن حبيش ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: فرهن بضم الراء والهاء. وقرأ عكرمة والمنهال وعبد الوارث: فرُهن بضم الراء وجزم الهاء، وقرأ الباقون: فرهان وهو جمع الرهن، ذلك [نحو] فعل وفعال، وحبل وحبال وكبش وكباش، وكعب وكعّاب. والرهن جمع الرهان: جمع الجمع، قاله الفراء والكسائي. وقال غيرهما وأبو عبيدة: هو جمع الرهن. قالوا: ولم نجد فعلاً يجمع على فُعَل إلاّ ثمانية أحرف: خَلق وخُلق، وسَقف وسُقف، وقَلب وقُلب، [وجَد وجُد بمعنى الحظ، وثط وثُط، وورد ووُرد،] ونَسر ونُسر. ورَهن ورهن. قال الأخطل وعمرو بن أبي عوف: [...] به حتّى يغادره العقبان والنسُر. وأنشد الفراء: شعر : حتّى إذا بلّت حلاقيم الحلق أهوى لأدنى فقرة على شفق تفسير : وقال أبو عمرو: وإنّما قرأنا (فرُهُن) ليكون قرفاً [بينها وبين] رهان الخيل، وأنشد لقعنب ابن أم الصاحب: شعر : بانت سعاد وأمسى دونها عدن وغلّقت عندها من قلبك الرهن تفسير : أي وحب لها. والتخفيف والتثقيل في الرهن لغتان مثل كُتبّ وكتب ورسلّ ورسل. ومعنى الآية: وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً الآن للكتابة فارتهنوا ممن تداينونه رهوناً ليكون وثيقة لكم بأموالكم. وأجمعوا: إن الرهن لا يصح إلاّ بالقبض، وقال مجاهد: ليس الرهن إلاّ في السفر عند عدم الكاتب. وأجاز غيره في جميع الأحوال. ورهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه عند يهوديّ. {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً}. مدني. حرف أُبيّ، {فَإِنْ أَمِنَ}. يعني: فإن كان الذي عليه الحق أميناً عند صاحب الحق فلم يرتهن منه شيئاً لثقته وحسن ظنّه {فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ}. أفتعل من الأمانة، وهي الثقة كتبت همزتها واواً لاضمام ماقبلها {أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ}. في أداء الحق. ثم رجع إلى خطاب الشهود فقال: {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَادَةَ}. إذا دُعيتم إلى إقامتها، وقرأ السلمي: ولا يكتموا بالياء ومثله يعملون. ثم ذكر وعيد كتمان الشهادة فقال عزّ مَنْ قائل: {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}. فاجر قلبه وهو ابتداء وخبر. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: فإنّه أثم قلبه على وزن أفعل أي جعل قلبه أثماً. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}. من بيان الشهادة وكتمانها. روى مكحول عن أبي بردة عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنْ كتم الشهادة إذا دُعي، كان كمن شهد بالزور ". تفسير : {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}. الآية. اختلف العلماء في هذه الآية، فقال قوم: هي خاصة. ثم اختلفوا في وجه خصوصهاً، فقال بعضهم: نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها يعني: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ}. أيّها الشهود من كتمان الشهادة {أَوْ تُخْفُوهُ}. الكتمان {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ}. وهو قول الشعبي وعكرمة ورواية مجاهد ومقسم عن ابن عباس، يدلّ عليه قوله فيما قبله: {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَادَةَ}. وقال بعضهم: نزلت هذه الآية فيمن يتولّى الكافرين من المؤمنين. يعني: وإن تعلنوا ما في أنفسكم من ولاية الكفّار أو تستروه يُحاسبكم الله. وهو قول مقاتل والواقدي. يدلّ عليه قوله في آل عمران: [{أية : قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ} تفسير : . من ولاية الكفّار {أية : يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ}]تفسير : [29] يدلّ عليه ماقبله. وقال آخرون: هذه الآية عامّة. ثم اختلفوا في وجه عمومها، فقال بعضهم: هي منسوخة. روت الرواية بألفاظ مختلفة. قال: لمّا نزلت هذه الآية "حديث : جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وناس من الأنصار إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فجثوا على الركب وقالوا: يارسول الله والله ما نزلت آية أشد علينا من هذه الآية وإنّا لا نسر أن يكون لأحدنا الدنيا وما فيها وإنّا لمأخوذون ما نحدّث به أنفسنا هلكنا والله، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم "هكذا نزلت". قالوا: هكلنا وكُلّفنا من العمل ما لا نطيق. قال: "فلعلّكم تقولون كما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا". واشتد ذلك عليهم فمكثوا بذلك حولا، فأنزل الله عزّ وجلّ الفرج والراحة بقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} . فنسخت الآية ماقبلها. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم إنّ الله عزّ وجلّ قد تجاوز لأمّتي ما حدّثوا به أنفسهم مالم يعملوا أو يتكلّموا به"تفسير : . وهذا قول ابن مسعود وأبي هريرة وعائشة وابن عباس برواية سعيد بن جبير وعطاء، ومن التابعين وأتباعهم محمد بن سيرين ومحمد بن كعب وموسى بن عبيدة وقتادة والكلبي وشيبة. قال سعيد بن مرجانة: بينما نحن جلوس عند عبد الله بن عمر إذ تلا هذه الآية {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ}. فقال ابن عمر: إن أخذنا الله بها لنهلكن، ثم بكا حتى سُمع. قال ابن مرجانة: فذكرت ذلك لابن عباس فقال: يغفر الله لأبي عبد الرحمن فقد وجد المسلمون منها حين نزلت مثل ما وجد فأنزل الله {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}. وكانت الوسوسة ممّا لا طاقة للمسلمين بها، فصار الأمر إلى القول والفعل به فنسخت تلك الآية. وقال بعضهم: هذه الآية محكمة غير منسوخة، لأن النسخ والأخبار غير جائز إلاّ في خبر فيه أمر أو نهي أو شرط. ثم اختلفوا في وجه تأويلها فقال قوم من أهل المعاني: قد اثبت الله عزّ وجلّ للقلب كسبا فقال: {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225]. وكلّ عامل مأخوذ بكسبه ومجازى على عمله، [فلا تظنّ] الله عزّ وجلّ بتارك عبداً يوم القيامة أسرّ أمراً أو أعلنه من حركة في جوارحه أو [همسة] في قلبه دون أن يعرّفه إياه ويخبرهُ به، ثم يغفر ما شاء لمن يشاء ويعذّب مَنْ شاء بما يشاء. معنى الآية: وإن تظهروا مافي أنفسكم من [المعاصي] فتعملوه أي تضمروا إرادتها في أنفسكم فتخفوها يخبركم به ويحاسبكم عليه، ثم يغفر لمن يشاء ويعذّب مَنْ يشاء. وهذا معنى قول الحسن، والربيع، وقيس بن أبي حازم، ورواية الضحاك عن ابن عباس، يدلّ عليه قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} تفسير : [الإسراء: 36]. وقال آخرون: معنى الآية إن الله تعالى يُحاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالهم وأخفوه، ويعاقبهم عليه غير أن معاقبته إيّاهم على ما أخفوه ممّا لم يعملوها، بما يحدث في الدنيا من النوائب والمصائب والأمور التي يحزنون عليها ويألمون بها، وهذا قول عائشة، روي بأنّها سُئلت عن هذه الآية فقالت:" حديث : ما سألت عنها أحد فقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عائشة هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه من الحمّى والنكبة حتّى الشوكة والبضاعة يضعها في [جيبه] فيفقدها فيفرغ لها فيجدها في جيبه، حتّى أن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكيس ". تفسير : يدلّ عليه قوله {أية : مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} تفسير : [النساء: 123] يعني في الدنيا. وقال مجاهد: في رواية منصور وابن أبي جريج قال: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ}. يعني من اليقين والشك. وقال جعفر بن محمد: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ}. يعني الإسلام {أَوْ تُخْفُوهُ}. يعني الإيمان. وقال بعضهم: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ}. يعني مافي قلوبكم ممّا عرفتم وعقدتم عليه {أَوْ تُخْفُوهُ}. فلا تبدوه وأنتم مجمعون وعازمون عليه، يحاسبكم به الله، فأمّا ما حدّثتم به أنفسكم ممّا لم تعزموا عليه فإن ذلك ممّا لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها ولا يؤاخذ به. ودليل هذا التأويل قوله: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225]. وعن عبد بن المبارك قال: قلت لسفيان: ليؤاخذ العبد بالهمّة، قال: إذا كان عزما أخذ بها. وعن عمرو بن جرير قال: خرجت وأنا شاب لأمر هممت به، فمررت بأبي طالب القاص والناس مجتمعون عليه وكان أوّل شيء تكلّم به أن قال: أيّها الهامّ بالمعصية علمت أن خالق الهمّة مطّلع على همّتك، قال: فخررت والله مغشيّاً عليّ، فما أفقت إلاّ عن توبة. وعن إسماعيل بن أبي خالد قال: أصابت بني اسرائيل مجاعة فمرّ رجل على رمل فقال: (وددت) أن هذا الرمل دقيق لي فأطعمه بني إسرائيل، فأُعطي على نيّته. وعن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه قال:" حديث : كان رجل يطوف على العلماء، يقول: مَنْ يدلّني على عمل لا أزال منه عاملاً لله عزّ وجلّ فإنّي أحب أن لا تأتي عليّ ساعة من الليل والنهار إلاّ وأنا عامل، فقيل له: قد وجدت حاجتك فأعمل الخير ما استطعت، فإذا فترت أو تركته فهمّ بعمله إنّ الهامّ بعمل الخير كعامله. وهذا يعني قول النبيّ صلى الله عليه وسلم "نيّة المؤمن خير من عمله" لأن العمل ينقطع والنيّة لا تنقطع ". تفسير : وقال محمد بن علي: معنى الآية: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ}. من الأعمال الظاهرة {أَوْ تُخْفُوهُ} من الأحوال الباطنة، يحاسبكم به الله العابد على أفعاله والعارف على أحواله. وقال بعضهم: إنّ الله يقول يوم القيامة: [يوم] تُبلى السرائر وتخرج الضمائر، وأن كتّابي لم يكتبوا من أعمالكم إلاّ ما ظهر منها، وأنا مطّلع على سرائركم مالم يعلموه ولم يكتبوه فأنا أخبركم بذلك وأحاسبكم عليه لتعلموا أنّه لا يعزب عنّي مثقال ذرة من أعمالكم ثم أغفر لمَنْ شئت وأُعذّب مَنْ شئت. فأمّا المؤمنون فيخبرهم بذلك ويغفر لهم ولا يؤاخذهم بذلك إظهاراً لفضله، وأمّا الكافرون فيخبرهم بها ويعاقبهم عليها إظهاراً لعدله. فمعنى الآية: وإن تبدوا ما في أنفسكم فتعملوا به أو تخفوه ممّا أضمرتم وأسررتم وأردتم، يُحاسبكم به الله ويخبركم ويعرّفكم إياه، فيغفر للمؤمنين ويعذّب الكافرين. وهذا معنى قول الضحاك والربيع ورواية العوفي والوالبي عن ابن عباس، يدلّ عليه قوله: {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ}. ولم يقل: يؤاخذكم، والمحاسبة غير المعاقبة، والحساب ثابت والعقاب ساقط، وممّا يُويّد هذا حديث النجوى وهو ما روى قتادة عن صفوان بن محرز قال:" حديث : بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمرو اذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى، فقال: سمعت نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يقول: يدنو المؤمن من ربّه حتّى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول: هل أذنبت ببعض كذا، فيقول: ربّ أعرف، فيوقفه على ذنوبه ذنباً ذنباً، فيقول الله: أنا الذي سترتها عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم لم يُطلع على ذلك مَلَكاً مقرّباً ولا نبيّاً مرسلاً. وأمّا الكفّار والمنافقون فينادون على رؤوس الأشهاد هؤلاء الذين كذّبوا على ربّهم ألا لعنة الله على الظالمين ". تفسير : الأعمش عن معرور بن سويد عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يُؤتى الرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، فيعرض عليه، فيقال: عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا وهو يقرّ ولا ينكر ويخبأ عنه كبار ذنوبه وهو منها مشفق فيقول: اعطوه مكان كلّ سيّئة عملها حسنة، فيقول: إنّ لي ذنوباً ما أراها هاهنا ". تفسير : قال: قال أبو ذر: فلقد رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم ضحك حتّى بدت نواجذه. وقال الحسين بن مسلم: يحاسب الله عزّ وجلّ المؤمنين يوم القيامة بالمنّة والفضل، والكافرين بالحجّة والعدل. {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ}. رفعهما أبو جعفر وابن عامر وابن محيصن والحسن وعاصم ويعقوب وأختاره أبو حاتم، ونصبها ابن عباس، وجزمها الباقون فالجزم على النسق والرفع على الإبتداء أي فهو يغفر، والنصب على الصرف، وقيل: على إضمار (أن) الخفيفة. وروى طاووس عن ابن عباس: {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ}. الذنب العظيم {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ}. على الذنب الصغير {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 23]. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ}. الآية. روى طلحة بن مصرف عن مرّة عن عبد الله قال: لمّا أسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى، فأعطى لنا الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك [بالله] من أمّته شيئاً إلاّ المقحمات. وعن علقمة بن قيس عن عقبة بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أنزل الله عزّ وجلّ آيتين من كنوز العرش كتبهما الرحمن عزّ وجلّ قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة من (يقولها) بعد العشاء الآخرة مرّتين أجزأتا عنه قيام الليل: {آمَنَ ٱلرَّسُولُ}. إلى آخر السورة ". تفسير : وروى أبو قلابة عن أبي الأشعث الهمداني عن النعمان بن بشير عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله تعالى كتب كتاباً قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام أنزل فيه آيتين فختم بهما سورة البقرة، فلا يقرآن في دار فيقربها شيطان ثلاث ليال ". تفسير : وروى عبد الرحمن عن ابن زيد عن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنْ قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفياه ". تفسير : موسى بن حذيفة عن ابن المنكدر قال: حدّثنا حديثاً رفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : في آخر سورة البقرة آيات أنهنّ قرآن وأنّهن دعاء وأنّهن يرضين الرحمن" تفسير : وفي الحديث:" حديث : أنّه قيل للنبيّ صلى الله عليه وسلم إن بيت ثابت بن أويس بن شمّاس يزهر الليلة كالمصابيح، قال: "لعلّه يقرأ سورة البقرة"، فسئل ثابت فقال: قرأت سورة البقرة ". تفسير : {آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ}، قيل: إن هذه الآية نزلت "حديث : حين شقّ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوعدهم الله عزّ وجلّ به من محاسبتهم على ما أخفته نفوسهم، فشكوا ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: "لعلّكم تقولون سمعنا وعصينا كما قالت بنو اسرائيل؟" فقالوا: بل نقول سمعنا وأطعنا، فأنزل الله عزّ وجلّ ثناءً عليهم وإخباراً عنهم: {آمَنَ ٱلرَّسُولُ}" تفسير : أي صدّق {بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ}. من ربّه قال قتادة: "حديث : لمّا أنزلت {آمَنَ ٱلرَّسُولُ}، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم «وحق له أن يؤمن ". تفسير : {وَٱلْمُؤْمِنُونَ}. وفي قراءة عليّ وعبد الله: وآمن المؤمنون {كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ}. وحّد الفعل على لفظ كلّ، المعنى: كلّ واحد منهم آمن، فلو قال: آمنوا، لجاز لأن (كلّ) قد تجيء في الجمع والتوحيد، فالتوحيد قوله عزّ وجلّ: {أية : كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} تفسير : [النور: 41] والجمع قوله {أية : كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} تفسير : [الأنبياء: 93] {أية : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} تفسير : [النمل: 87]. {وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ} [قرأ] ابن عباس وعكرمة ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف و{وكتابه}. على الواحد بالألف. وقرأ الباقون: (كتبه) بالجمع، وهو ظاهر كقوله: {وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ}. والتوحيد وجهان: أحداهما: إنّهم أرادوا القرآن خاصّة، والآخر: إنّهم أرادوا جميع الكتب. يقول العرب: كثر اللبن وكثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، يريدون الألبان والدراهم والدنانيير. يدلّ عليه قوله: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ} [البقرة: 213]. {وَرُسُلِهِ}. جمع رسول. وقرأ الحسن وابن سلمة بسكون السين لكثرة الحركات، وكذلك روى العباس عن ابن عمرو، وروى عن نافع {وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}. مخفّفين، الباقون بالاشباع فيها على الأصل. {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}. نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، وفي مصحف عبد الله لا نفرّقن. قرأ جرير بن عبد الله وسعيد بن جبير وأبو زرعة بن عمرو بن جرير ويحيى بن يعمر والجحدري وابن أبي إسحاق ويعقوب: لا يفرّق بالياء على معنى لا نفرّق الكلّ، فيجوز أن يكون خبراً عن الرسول. وقرأ الباقون بالنون على إضمار القول تقديره: وقالوا لا نفرّق كقوله تعالى: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم} تفسير : [الرعد: 23-24] وقوله: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ} تفسير : [آل عمران: 106] يعني فيقال لهم: أكفرتم. وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} تفسير : [السجدة: 12] أي يقولون: ربّنا. {أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ} تفسير : [الزمر: 3] أي يقولون: ما نعبدهم. وما يقتضي شيئين فصاعداً، وإنّما قال (بين أحد) ولم يقل آحاد لأن الآحد يكون للواحد والجميع. قال الله {أية : فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} تفسير : [الحاقة: 47]. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أحلّت الغنائم لأحد سود الرؤوس غيركم ". تفسير : قال رؤبة: شعر : ماذا (أمور) الناس ديكت دوكاً لا يرهبون أحداً رواكاً تفسير : {وَقَالُواْ سَمِعْنَا}. قولك {وَأَطَعْنَا}. أمرك خلاف قول اليهود. وروى حكيم بن جابر أن جبرائيل عليه السلام أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم حين نزلت {آمَنَ ٱلرَّسُولُ}. فقال: إن الله عزّ وجلّ قد منَّ عليك وعلى أمّتك فاسأل تعطى، فسأل رسول الله عزّ وجلّ فقال: غفرانك. {غُفْرَانَكَ}. وهو نصب على المصدر أي أغفر غفرانك، مثل قولنا: سبحانك أي نسبّحك سبحانك. وقيل معناه: نسألك غفرانك. {رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ * لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}. ظاهر الآية قضاء الحوائج، وفيها إضمار السؤال والحاجة، كأنّه قال لهم: تكلّفنا إلاّ وسعنا، فأجاب الله فقال: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}. والوسع: اسم لما يسع الإنسان وما [يشقّ] عليه. وقيل: [يشق] ويجهد. وقرأ إبراهيم ابن أبي عبلة الشامي: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}. بفتح الواو وكسر السين على الفعل، يريد: إلاّ وسعها أمره، أو أراد إلاّ ما وسعها فحذف (ما). واختلفوا في تأويله، فقال ابن عطاء والسدي وأكثر المفسّرين: أراد به حديث النفس، وذلك أنّ الله تعالى لمّا أنزل: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ}. جاء المؤمنون [عامة] وقالوا: يارسول الله هذا لنتوب من عمل الجوارح، فكيف نتوب من الوسوسة وكيف نمتنع من حديث النفس؟ فأنزل الله: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}. أي طاقتها، وكان حديث النفس مما لم يطيقوا. قال ابن عباس في رواية آخرى: [...] المؤمنون خاصّة وسّع الله عليهم أمر دينهم. ولم يكلّفهم إلاّ ماهم له مستطيعون، فقال: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ} [البقرة: 185]، وقال: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [الحج: 78]، وقال: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} تفسير : [التغابن: 16]. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن نافع السجري بهراة قال: سمعت أبا يزيد حاتم بن محبوب الشامي قال: سمعت عبد الجبّار بن العلاء العطّار يقول: سُئل سفيان بن عيينة عن قوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}. فقال: إلاّ يسرها لا عسرها، ولم يكلّفها طاقتها ولو كلّفها طاقتها لبلغ المجهود منها. قال الثعلبي: وهذا قول حسن لأنّ الوسع ما دون الطاقة، فقال بعض أهل الكلام: يعني إلاّ ما يسعها ويحل لها، كقول القائل: ما يسعك هذا الأمر؟ أي ما يحلّ الله لك؟ فبيّن الله تعالى أن ما كلّف عباده فقد وسعه لهم والله أعلم. {لَهَا مَا كَسَبَتْ}. أي للنفس ما عملت من الخير والعمل الصالح، لها أجره وثوابه {وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ}. من الشرّ بالعمل السيء عليها وزره. {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا}. لا تعاقبنا. قال أهل المعاني: وإنّما خرج على لفظ المفاعلة وهو فعل واحد؛ لأنّ المسيء قد أمكر وَطَرَق السبيل إليها وكأنّه أعان عليه مَنْ يعاقبه بذنبه ويأخذه به فشاركه في أخذه {إِن نَّسِينَآ}. جعله بعضهم من النسيان الذي هو السهو. قال الكلبي: كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئاً ممّا أُمروا به وأخطأوا، عجّلت لهم العقوبة فيحرّم عليهم شيء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب، فأمر الله تعالى نبيّه والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك. وقال بعضهم: هو من النسيان الذي هو الترك والإغفال. قال الله تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تفسير : [التوبة: 67]. والأوّل أجود. {أَوْ أَخْطَأْنَا}. جعله بعضهم من القصد والعمد، يقال: خطيء فلان إذا تعمّد يخطأ خطأً وخطأ. قال الله: {أية : إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} تفسير : [الإسراء: 31]. وأنشد [أمية بن أبي الصلت]: شعر : عبادك يخطئون وأنت ربٌّ يكفّيك المنايا والحتوم تفسير : وجعله الآخرون من الخطأ الذي هو الجهل والسهو وهو الأصح؛ لأن ما كان عمداً من الذنب غير معفو عنه، بل هو في مشيئة الله تعالى مالم يكن كفراً. قال عطاء: {إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا}. يعني إن جهلنا أو تعمّدنا له. وقال ابن زيد: إن نسينا شيئاً ممّا أفترضته علينا، أو أخطأنا شيئاً ممّا حرّمته علينا. وقال الزهري: سمع عمر رجلاً يقول: اللّهمّ [اغفر] لي خطاياي، فقال: إن الخطايا مغفور ولكن قل: اللّهمّ أغفر لي عمدي. قال النبطي: وحدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن شنبة قال: حدّثنا عبد الله بن المصفّى السكري قال: حدّثنا محمد بن المصلّى المحمدي، قال: حدّثنا الوليد قال: حدّثنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رُفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما أُكرهوا عليه ". تفسير : {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً}. قال بعضهم: يعني عهداً وعقداً وميثاقاً لا نطيق ذلك ولا نستطيع القيام به فتعذبنا بنقصه {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا}. يعني اليهود فلم يقوموا به فأهلكتهم وعذّبتهم، هذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل والسدي والكلبي وابن جريج والفراء، ورواية عطيّة وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس، يدلّ عليه قوله: {أية : وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي} تفسير : [آل عمران: 81] أي عهدي. وقال بعضهم: الأصر: الثقل، أي لا تشقق علينا ولا تشدد ولا تغلظ الأصر علينا كما شددت على مَنْ كان قبلنا من اليهود، وذلك أن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداء ربح أموالهم في الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها، ومن أصاب منهم ذنباً أصبح وذنبه مكتوب على بابه، ونحوها من الأثقال (والأغلال) التي كانت عليهم. وهذا معنى قول عثمان بن عطاء ومالك بن أنس وأبي عبيدة والمؤرخ والقتيبي وابن الأنباري يدلّ عليه قوله: {أية : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الأعراف: 157]. وقال ابن زيد: معناه: لا تحمل علينا ذنباً ليس فيه توبة ولا كفّارة وإلاّ يفعل في هذه كلّها العقد والأحكام، ويقال للشيء الذي تعقد به الأشياء: الأصر، ويقال: بينه وبين فلان أصرة رحم، وما تأصرني، أي ما [يعطفني عليه عهد ولا قرابة]. وقال: أنشدني أبو القاسم السدوسي، قال: أنشدني السميع بن محمد الهاشمي، قال: أنشدنا أبو الحسن العبسي، قال: أنشدنا العباس بن محمد الدوري الشافعي: شعر : إذا لم تكن لأمرىء نعمةٌ لدي ولا بيننا آصره [ولا لي] في ودّه حاصل ولا نفع في الدنيا ولا الآخرة وأفنيت عمري على بابه فتلك إذاً صفقة خاسرة تفسير : {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}. أي لا تكلّفنا من الأعمال مالا نطيق، هذا قول قتادة والضحاك والسدي وابن زيد. وقال بعضهم: هو حديث النفس والوسوسة. وعن أبي ثوبان عن أبيه عن مكحول في قوله تعالى: {وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}. قال [...] وعن أبي القاسم عن مالك الشامي أن أبا إدريس الحولاني كان يأتي أصحابه ويقول: اللّهمّ أعذني و[...] جرف إلى جهنم. سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم في قوله تعالى {وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}. قال: المشقة. وعن أبي القاسم عبد الله بن يحيى بن عبيد قال: سمعت أبا القاسم عبد الله بن أحمد قال: سمعت محمد بن عبد الوهاب {وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}. قال: يعني العشق. قال خباب: حضرت مجلس ذي النون المصري في فسطاطه، فتكلّم ذلك اليوم في محبّة الله فمات أحد عشر نفساً في المجلس، فصاح لا يحل من المزيد بر فقال: يا أبا القيس ذكرت محبة الله فاذكر محبّة المخلوقين، فتأوّه ذو النون تأوّها شديداً ومدّ يده إلى وجهه ووقف منتصباً وقال له: خلقت قلوبهم واستعبرت عيونهم وتألّفوا السهاد، وفارقوا الرقاد فليلهم طويل نومهم وقليل أحزانهم لا تعد وهمومهم لا تعقد، أمورهم عسيرة ودموعهم غزيرة باكية عيونهم قريحة جفونهم. (عاداهم) الرفاق والأهل والجيران. وقال يحيى: لو تركت العقوبة بيداي يوم القيامة ما عذّبت العشّاق؛ لأن ذنوبهم اضطراراً لا اختياراً. قال ابن جريج: هو مسخ القردة والخنازير، وقال بعضهم: هو شماتة الأعداء. وروى عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب بن منبّه قال: قيل لأيّوب عليه السلام: ما كان أشق عليك في طول بلائك؟ قال: شماتة الأعداء. وأنشد ابن الأعرابي: شعر : كلّ المصائب قد تمرّ على الفتى فتهون غير شماتة الحُسّاد إنّ المصائب تنقضي أيامها وشماتة الأعداء بالمرصاد تفسير : وقيل: هو القطيعة والفرقة نعوذ بالله منها. وقيل: قطع الأوصال أيسر من قطع الوصال، وقال النظّام: لو كان للبين صورة لما [راع] الذنوب ولهدّ الجبال ولجمر الغضا أقل من [...] ولو عذّب الله سبحانه أهل النار بالفراق لاستراحوا إلى [حرّ العذاب]. {وَٱعْفُ عَنَّا}. أي تجاوز واصفح عن تقصيرنا وذنوبنا. {وَٱغْفِرْ لَنَا}. واستر علينا ذنوبنا وتجاوز عنها ولا [تعاقبنا] {وَٱرْحَمْنَآ}. فإنا لا ننال العمل لطاعتك ولا ترك معصيتك إلاّ برحمتك، وقيل: واعف عنّا من المسخ، واغفر لنا عن السيئات، وارحمنا من القذف. وقيل: واعف عنّا، من الأفعال، واغفر لنا من الأقوال، وأرحمنا من العقود والأضمان. وقيل: واعف عنّا الصغائر، وأغفر لنا الكبائر، وأرحمنا بتثقيل الميزان مع إفلاسنا. وقيل: وأعف عنّا في سكرات الموت، وأغفر لنا في ظلمة القبر، وارحمنا في ظلمة القبر. {أَنتَ مَوْلاَنَا}. أي ناصرنا وحافظنا ووليّنا ووال بنا {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ}. عطاء عن سعيد عن ابن عباس في قول الله تعالى: {آمَنَ ٱلرَّسُولُ}. إلى قوله: {وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ}. قال: قد غفرت لكم {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا}. قال: لا أواخذكم {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً}. قال: لا أحمل عليكم. {وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}. قال: لا أُحمّلكم {وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ}. قال: قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم ونصرتكم على القوم الكافرين. وروى سفيان عن أبي إسحاق عن رجل عن معاذ بن جبل أنّه كان إذا ختم البقرة قال: آمين. يتلوه سورة آل عمران. والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد خير الأوّلين والآخرين وعلى آله الطيّبين الطاهرين أجمعين وسلّم. قال مسروق: نعم كنز الصعلوك سورة البقرة وآل عمران يقرأهما من آخر الليل. وقال وهب بن منّبه: من قراء ليلة الجمعة سورة البقرة وآل عمران كان له نور مابين عجيباً إلى غريباً وعجيباً الأرض السابعة وغريباً العرش. وقال مسروق: مَنْ قرأ سورة البقرة في ليلة توّج بها. وفي الحديث السورة التي يذكر فيها البقرة فسطاط القرآن. سؤال: فإنّ قيل: أيجوز أن يحمّل الله أحداً مالا يطيق؟. قال الزجاج: قيل له: إن أردت ماليس في قدرته، فهو محال، وإن أردت ما يثقل عليه، فلله تعالى أن يفعل من ذلك ما شاء لأن الذي كلّفه بني اسرائيل من قتل أنفسهم ثقل عليهم. وهذا كقولك: ما أُطيق كلام فلان، فليس المعنى ليس في قدرتك ولكن معناه أن يثقل عليك. فإن قيل: هل يجوز على العادل أن يكلّف فوق الوسع؟. قيل: قد أخبر عن سعته ورحمته وعطفه على خلقه كما نفى الظلم عن نفسه، وإن كان لا يتوهّم منه الظلم بحال. وقال قوم: لو كلّف فوق الوسع لكان له؛ لأن الخلق خلقه والأمر أمره، ولكنّه أخبر أنّه لا يفعله والسلام.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والسفر كما نعلم هو خروج عن رتابة الحياة في الموطن، ورتابة الحياة في الموطن تجعل الإنسان يعلم تمام العلم مقومات حياته، لكن السفر يخرج الإنسان عن رتابة الحياة فلا يتمكن من كثير من الأشياء التي يتمكن بها في الإقامة. فهب أنك مسافر، واضطررت إلى أن تستدين، ولا يوجد كاتب ولا يوجد شهيد، فماذا يكون الموقف؟ ها هو ذا الحق يوضح لك: {فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283]. إذن فلم يترك الله مسألة الديْن حتى في السفر فلم يشرِّع فقط للإقامة، ولكن الحق قد شرَّع أيضاً للسفر {فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283] وهكذا الكتابة، والشهادة في الإقامة والرهان المقبوضة في السفر هدفها حماية الإنسان أمام ظروف ضغط المجتمع. ولكن هل يمنع الحق سبحانه وتعالى طموحية الإيثار؟ هل يمنع الحق سبحانه وتعالى رجولية التعامل؟ هل يمنع الحق سبحانه وتعالى المروءات من أن تتغلغل في الناس؟ لا. إنه الحق سبحانه يقول: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ..} [البقرة: 283] إنه الطموح الإيماني، لم يَسُدّ الله مسألة المروءة والإيثار في التعامل. إن كتابة الديْن والإشهاد والرهن ليس إلزاماً لأن الله قال: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283]. وأيضاً قد نفهم أن الذي اؤتمن هو المدين، وهنا نقول: لا، إن الأمر مختلف، فهنا رهان، وذلك معناه وجود مسألتين، المسألة الأولى هي "الديْن"، والمسألة الثانية هي "الرهان المقبوضة" وهي مقابل الديْن. فواحد مأمون على الرهن في يده. والآخر مأمون على الديْن. ولهذا يكون القول الحكيم مقصوداً به من بيده الرهن، ومن بيده الدَّيْن ومعنى ذلك أن يؤدي مَن معه الرهن أمانته، وأن يؤدي الآخر ديْنه. وحين نرتقي إلى هذا المستوى في التعامل فإن وازع الإنسان ليس في التوثيق الخارج عن ذات النفس، ولكنه التوثيق الإيماني بالنفس، ولكن أنضمن أن يوجد التوثيق الإيماني عند كل الناس؟. أنضمن الظروف؟. نحن لا نضمن الظروف، فقد توجد الأمانة الإيمانية وقت التحمل والأخذ، ولا نضمن أن توجد الأمانة الإيمانية وقت الأداء فقد يأتي واحد ويقول لك: إن عندي مائة جنيه وخذها أمانة عندك. ومعنى "أمانة" أنه لا يوجد صك، ولا شهود، وتكون الذمة هي الحكم، فإن شئت أقررت بهذه الجنيهات المائة، وإن شئت أنكرتها. إن الرجل الذي يفعل معك ذلك إنما يطلب منك توثيق المائة جنيه في الذمة الإيمانية، ومن الجائز أن تقول له لحظة أن يفعل معك ذلك: نعم سأحتفظ لك بالمائة جنيه بمنتهى الأمانة. وتكون نيتك أن تؤديها له ساعة أن يطلبها، ولكنك لا تضمن ظروف الحياة بالنسبة لك، وأنت كإنسان من الأغيار. ومن الجائز أن تضغط عليك الحياة ضغطاً يجعلك تماطل معه في أداء الأمانة، أو يجعلك تنكرها، فتقول لمن ائتمنك: ابعد عني؛ أنا لا أملك نفسي في وقت الأداء، وإن ملكت نفسي وقت التحمل. والأمانة هي القضية العامة في الكون، وإن كانت خاصة الآن بالنسبة للآية الكريمة التي نحن بصددها والحق - سبحانه - يعرضها بعمومها على الكون كله فيقول - جل شأنه -: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72]. إن الكون كله أشفق على نفسه من تحمل الأمانة وهذا يعني أن الأمانة سوف تكون عرضة للتصرف والاختيار، ولا كائن في الكون قد ضمن لنفسه القدرة على الوفاء وقت الأداء. لقد أعلنت الكائنات قولها فأبين تحمُّل الأمانة وكأنها قالت: إنّا يا ربنا نريد أن نكون مسخرين مقهورين لا اختيار لنا؛ ولذلك نجد الكون كله يؤدي مهمته كما أرادها الله، ما عدا الإنسان، أي أنه الذي قبل بما له من عقل وتفكير أن يتحمل أمانة الاختيار، وبلسان حاله أو بلسان مقاله قال: إنني قادر على تحمل الأمانة؛ لأني أستطيع الاختيار بين البدائل. وهنا نُذَكِّر الإنسان: إنك قد تكون قوياً لحظة التحمل، ولكن ماذا عن حالك وقت الأداء؟ لذلك قال الله عن الإنسان: {أية : وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72] لقد ظلم الإنسان نفسه حيث حمل الأمانة ولم يف بها فلذلك فهو ظلوم. وهو جهول لأنه قَدّر وقت التحمل، ولم يقدّر وقت الأداء، أو ضمنها ثم خاس وخالف ما عاهد نفسه على أدائها. إذن فالإنسان وإن كان واثقاً أنه سيؤدي الأمانة إلاّ أنه عرضة للأغيار، لذلك قال الحق سبحانه: {أية : وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 282] فالكتابة فرصة ليحمي الإنسان نفسه من الضعف وقت الأداء، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يوثق الأمر توثيقاً لا يجعلك أيها العبد خاضعاً لذمتك الإيمانية فقط، ولكنّك تكون خاضعاً للتوثيق الخارج عن إيمانيتك أيضاً، وذلك يكون بكتاب الدَّيْنِ صغيراً أو كبيراً إلى أجله. ويقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَادَةَ} [البقرة: 283] وهذه الكلمة "ولا تكتموا" إنما هي أداء معبر، لأن كلمة "شهادة" تعني الشيء الذي شهدته، فما دمت قد شهدت شيئاً فهو واقع، والواقع لا يتغير أبداً، ولذلك فالإنسان الذي يحكي لك حكاية صدق لا يختلف قوله في هذه الحكاية حتى وإن رواها ألف مرة؛ لأنه يستوحي واقعاً. لكن الكذّاب يستوحي غير واقع، فيقول كلمة، وينسى أنه كذب من قبل فيكذب كذبة أخرى؛ لأنه لا يستوحي واقعاً. فكلمة الشهادة هي عن أمر مشهود واقع، وما دام الأمر مشهوداً وواقعاً، فإنه يلح على نفس من يراه أن يخرج، فإياك أن تكبته بالكتم؛ لأن كلمة "الكتم" يعني أن شيئاً يحاول أن يخرج وأنت تحاول كتمانه، لذلك يقول الحق: {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَادَةَ} [البقرة: 283] فكأن الطبيعة الإيمانية الفطرية تلح على صاحبها لتنطقه بما كان مشهوداً له لأنه واقع. لذلك يأتي الأمر من الحق؛ {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُه} [البقرة: 283]. وقد يسأل الإنسان: هل الكتم هنا صفة للقلب أو للإنسان الذي لم يقل الشهادة؟. إن الشاعر يقول: شعر : إن الكـلام لفـي الفـؤاد وإنـما جعـل اللسـان على الفؤاد دليلاً تفسير : وساعة يؤكد الله شيئاً فهو يأتي بالجارحة التي لها علاقة بهذا الصدد، فتقول: أنا رأيته بعيني وسمعته بأذني، وأعطيته بيدي ومشيت له برجلي. إنّك تذْكر الجارحة التي لها دخل في هذه المسألة. وعندما يقول الحق: {فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُه} [البقرة: 283] إنّ كل الجوارح تخضع للقلب: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [البقرة: 283] أي أن كتمك للحقيقة لن يغير من واقع علم الله شيئاً، وحينما تنتهي مسألة المداينة والتوثيق فيها وظروفها سواء كانت في الموطن العادي أو في أثناء السفر فإن الله يضمن للإنسان المتحرك في الحياة حركة شريفة وطاهرة. فإن لم تكن هذه فالمصالح تتوقف، ويصيبها العطل، فالذي لا يقدر على الحركة فماذا يصنع في الحياة؟. إن قلبه يمتلئ بالحقد على الواجد، وحين يمتلئ قلبه بالحقد على الواجد فإنه يكره النعمة عنده، وحين يكره المعدم النعمة عند أخيه الواجد، فالنعمة نفسها تكره أن تذهب إلى من كره النعمة عند أخيه. إنها مسائل قد رتبها الحق سبحانه بعضها متعلق بالبعض الآخر. إن النعمة تحب المُنعَم عليه - بضم الميم وفتح العين - أكثر من حب المنعِم عليه للنعمة وتذهب إلى من أنعم الله عليه بها بعشق، فمن كره النعمة عند منعَم عليه فالنعمة تستعصي عليه حتى كأنها تقول له: لن تنال مني خيراً. وليجربها كل إنسان. أحبب النعمة عند سواك فستجد نعمة الكل في خدمتك، إنك إنْ أحببت النعمة عند غيرك فإنها تأتي إليك لتخدمك. وأيضاً فعلى المؤمن أن يعرف أن بعض النعم ليست وليدة كد وجهد، قد تكون النعمة مجرد فضل من الله، يفضل به بعض خلقه، فحين تكرهها أنت عند المنعم عليه تكون قد اعترضت على قدر الله في النعمة. وحين تعترض على قدر الله في النعمة فإن الحق - سبحانه - لا يجعلك تنتفع منها بشيء. فإن رأيت قريباً حبس نعمته عن أقاربه فاعلم أنهم يكرهون النعمة عنده. ولو أحبوها لسعت النعمة إليهم. إن المنهج الإلهي يريد أن يجعل الناس كتلة متكافلة متكاملة بحيث إذا رأيت أنا النعمة عندك ونلت منها، أحببتها عندك، وحين أحب النعمة عندك فإن العطاء يجيء من هذه النعمة إليّ، ولا تجد فارقاً بين واجد ومعدم. إنك لا تجد فارقاً بين واجد ومعدم إلا في مجتمع لا يؤدي حكم الله في شيء. لقد قلنا ذلك في مجال اضطرار الإنسان إلى الربا لأنه لم يجد من يقرضه قرضاً حسناً، ولم يجد من يؤدي فرض الله له من الزكاة لتسع حاجته فاضطر أن يأخذ بالربا، وبذلك يدخل المجتمع الربوي في حرب مع الله، وهل لأحد جَلَدٌ، على أن يدخل في حرب مع الله؟ لا. والمجتمع الربوي يدخل في حرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم - الربا وقال في حجة الوداع:"حديث : إن كل ربا موضوع ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون قضى الله أنه لا ربا وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله ". تفسير : وتلك سمة سمو التشريع السماوي، إن التشريع البشري يحمي به صاحبه أقاربه من التقنين، لكن التشريع السماوي يفرض تطبيقاته أولاً على الأقارب. وكان الأسوة في ذلك سيدنا عمر بن الخطاب، فساعة يريد عمر أن يضع التشريع فإنه يجمع أهله وأقاربه ويقول: - سأقوم بعمل كذا وكذا فوالذي نفسي بيده من خالفني في شيء من هذا لأجعلنَّه نكالاً للمسلمين. ويعلنها عمر أمام الناس، ولماذا أعلن عمر ذلك؟؛ لأن كثيراً من الناس يجعلون أولياء الأمور، وقد لا يكون أولياء الأمور على دراية بذلك؛ فقد نجد واحداً يدخل على قوم على أساس أنه فلان بن فلان، وبالرعب يقضي هذا الإنسان مصالحه عند الناس برغم أنف الناس. وقد يكون ولي الأمر لا يعرف عن مثل هذا التصرف شيئاً. لكن حين يعلن ولي الأمر على الناس ولأقاربه أنه لا تفرقة أبداً فيما يقنن وأن القانون سائر على نفسه وعلى أهله فمن استغل اسماً لولي الأمر أو اصطنع شيئاً فالتبعة على من فعل له وعليه، وبذلك تستقيم الأمور. لكن أن تظهر الحقائق في استغلال أقارب الحكام بعد انتهاء فترات حكم الحكام، فهنا نقول: ولماذا لم نعرف كل شيء من البداية؟. وأين كانت الحقائق في وقتها؟. إن الحاكم المسلم عليه أن يعلن للمحكومين أن القوانين إنما تُطبق عليه أولاً وعلى من يعول. هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع"حديث : وربَا الجاهلية موضوع، وأول رِبَا أضع رِبَانا، رِبَا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله ". تفسير : وفي معركة بدر، أخرج الرسول صلى الله عليه وسلم أهل بيته ليحاربوا؛ لأنه لو لم يخرج أحداً من أَهل بيتهِ لقال واحد من الكفار: إنه يحمي أهل بيته، ولو أن أجر الاستشهاد هو الجنة فلماذا يقدم الأباعد ولا يقدم أحبابه للقتال؟ لكن هاهو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم أقاربه وأحبابه، فهو العارف من ربه بأمر الشهادة وكيف أنها تقصر على الإنسان متاعب الحياة وتدخل الجنة. هكذا كانت المحاباة في صدر الإسلام، إنها محاباة في الباقي، ولم تكن كمحاباة الحمقى في الفاني. وحين يعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ويضرب على أيدي المرابين فهذه هي الحرب التي يجب أن تقوم، حرب من الله المالك القادر على المحاربة، أما الضعاف الذين لا يستطيعون القتال فهم لا يحاربون؛ لأنهم أمام خالقهم وقاهرهم فلا يقدرون على حربه ولذلك يجب أن تتنبه الدولة إلى مثل هذه الأمور وتقنن تقنيناً إسلامياً وبعد ذلك إذا لم تتسع الزكاة المفروضة إلى ما يقوم بأود المحتاجين فلتفرض الدولة ما تشاء لتفي بحاجة المحتاجين. والحق سبحانه وتعالى بعد أن أوضح الأمر عقيدة في قوله: {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} تفسير : [البقرة: 255]، وتقنيناً للعقيدة في قوله: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} تفسير : [البقرة: 256]، وحماية للعقيدة بأمره سبحانه المؤمنين أن يقاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا، وبعد ذلك تكلم الحق عن حماية حركة الاقتصاد في الإنفاق أولاً في سبيل الله، والإنفاق على المحتاجين. يقول سبحانه بعد ذلك: {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ...}.

الأندلسي

تفسير : {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ} الآية مفهوم الشرط يقتضي أخذ الرهن في السفر وعدم الكاتب أقام تعالى التوثق بالرهن مقام الكتابة والشهادة. وقرىء فرهان جمع رهن ورهن بضمتين كسقف وسقف وبسكون الهاء والفاء جواب الشرط أي فالمستوثق به رهن، وثم محذوف أي وإن كنتم على سفر وتبايعتم أو تداينتم. وفي قوله: مقبوضة، اشتراط القبض ولا يدل على أنه يتولى القبض بل لو قبض بنفسه أو بوكيله ويكون متقوماً يصح بيعه وشراؤه ويتهيأ فيه القبض ولو بالتخلية فيما التخلية قبض مثله. {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً} أي إن وثق رب الدين بأمانة الغريم فدفع إليه ماله بغير كتاب ولا إشهاد ولا رهن. {فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} الضمير في أمانته عائد على الذين أؤتمن، والأمانة مصدر أطلق على الشيء الذي في اليد أو بقي على مصدريته على حذف مضاف أي دين أمانته. والأمر في فليؤد للوجوب. وقرىء أؤتمن بهمزة ساكنة وبإِبدالها ياء كهمزة يد للكسرة قبلها. وقرىء الذي تمن بإِدغام التاء المبدلة من الياء في تاء افتعل وهي لغة رديئة. قال الزمخشري: وليس بصحيح لأن الياء منقلبة عن الهمزة فهي في حكم الهمزة واتزر عامي وكذلك ريا من رؤيا. "انتهى". وما ذكر الزمخشري فيه أنه ليس بصحيح وان اتزر عامي يعني أنه من إحداث العامة لا أصل له في اللغة، وقد قدمنا أن ذلك لغة رديئة. وأما قوله: وكذلك ريا من رؤيا فهذا التشبيه إما أن يعود إلى قوله واتزر عامي فيكون إدغام ريا عامّياً وإما أن يعود إلى قوله: فليس بصحيح، أي وكذلك إدغام ريا ليس بصحيح. وقد حكى الادغام في ريا الكسائي. {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ} أي في أداء ما أئتمنه رب المال وجمع بين الذات والوصف. {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ} هذا نهي تحريم. {وَمَن يَكْتُمْهَا} الآية الكتم من معاصي القلب والشهادة علم بالقلب فلذلك علق الإِثم به وعنه يترجم اللسان وقلبه فاعل باثم. (وقال) ابن عطية: ويجوز أن يكون يعني آثم ابتداء وقلبه فاعل يسد مسد الخبر، والجملة خبر إنّ "انتهى". وهذا لا يصح على مذهب سيبويه وجمهور البصريين لأن اسم الفاعل لم يعتمد على أداة نفي ولا أداة استفهام، نحو: أقائم الزيدان، وأقائم الزيدون، وما قائم الزيدان، وما قائم الزيدون. لكنه يجوز على مذهب أبي الحسن إذ يجيز قائم الزيدان فيرفع الزيدان باسم الفاعل دون اعتماد على أداة نفي ولا استفهام (قال) ابن عطية: ويجوز أن يكون قلبه بدلاً على بدل البعض من الكل يعني أنه يكون بدلاً من الضمير المرفوع المستكن في آثم، والإِعراب الأول هو الوجه. وجوز الزمخشري أن يكون آثم خبراً مقدماً وقلبه مبتدأ والجملة في موضع خبر إنّ، وهذا الوجه لا يجيزه الكوفيون. وقرىء قلبُه بالنصب ونسبها ابن عطية إلى ابن أبي عبلة بدلاً من اسم انّ. قال ابن عطية: قال مكي: هو على التفسير يغني التمييز ثم ضعّفه من أجل أنه معرفة. والكوفيون يجيزون مجيء التمييز معرفة وقد خرّجه بعضهم على أنه منصوب على التشبيه بالمفعول به نحو قولهم: مررت برجل حسن وجهه. ومثله ما أنشد الكسائي: شعر : من نعاتها مدارة الاخفاف محمراتها غلب الدفاريّ وعفريناتِها كوم الذرى وأدقه سراتها تفسير : وهذا التخريج هو على مذهب الكوفيين جائز، وعلى مذهب المبرد ممنوع، وعلى مذهب سيبويه جائز في الشعر لا في الكلام. ويجوز أن ينتصب على البدل من اسم انّ وقد تقدم ويكون بدل بعض من كل ولا مبالاة بالفضل بين البدل والمبدل منه بالخبر لأن ذلك جائز فقد فصلوا بالخبر بين الصفة والموصوف نحو: زيد منطلق العاقل نص عليه سيبويه مع أن العامل في النعت والمنعوت واحد فأحرى في البدل لأن الأصح ان العامل فيه هو غير العامل في المبدل منه. وقرىء أثّم فعلاً ماضياً وقلبه نصباً على المفعولية. {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ} الآية ناسب ختم هذه السورة بهذا لأنها اشتملت على تكاليف كثيرة، فذكر تعالى إن له ملك السماوات والأرض فهو يكلف من يشاء بما شاء، ولما كانت التكاليف محل اعتقادها الأنفس قال: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ} فصفة الملك تقتضي القدرة الباهرة والمحاسبة تقتضي العلم المحيط بالأشياء جليلها وحقيرها وكني بالمحاسبة عن الجزاء. {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} بدأ بأثر الرحمة وهي المغفرة. وقرىء فيغفر برفع الراء على القطع، أي فهو يغفر وبالجزم عطف على يحاسبكم وبالنصب على إضمار أن فينسبك من ذلك مصدر مرفوعٍ معطوف على مصدر متوهم أي تكن محاسبة فغفران. وقرىء بغير فاء مجزوماً وخرّج على البدل من يحاسبكم. وفيه نظر. وقال الزمخشري: ومعنى هذا البدل التفضيل لجملة الحساب لأن التفصيل أوضح من المفصل فهو جار مجري بدل البعض من الكل أو بدل الاشتمال كقولك: ضربت زيداً رأسه، وأحب زيداً عقله. وهذا البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان. "انتهى". وفيه بعض مناقشة اما أولاً فلقوله ومعنى هذا البدل التفصيل لجملة الحساب ليس الغفران والعذاب تفصيلاً لجملة الحساب، إنما هو تعداد حسناته وسيئاته وحصرها بحيث لا يشذ شيء منها. والغفران والعذاب مترتبان على المحاسبة فليست المحاسبة تفصّل إلى الغفران والعذاب، وأما ثانياً فلقوله بعد أن ذكر بدل البعض والكل وبدل الإِشتمال وهذا البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان. أما بدل الإِشتمال فهو يمكن وقد جاء لان الفعل بما هو يدل على الجنس يكون تحته أنواع يشتمل عليها ولذلك إذا وقع عليه النفي انتفت جميع أنواع ذلك الجنس وأما بدل البعض من الكل فلا يمكن في الفعل إذ الفعل لا يقبل التجزي، فلا يقال في الفعل له كل وبعض، إلا بمجاز بعيد فليس كالإِسم في ذلك، ولذلك يستحيل وجود بدل البعض من الكل بالنسبة لله تعالى إذ الباري تعالى واحد فلا ينقسم ولا يتبعض. قال الزمخشري: وقد ذكر قراءة الجزم فإِن قلت كيف يقرأ الجازم؟ قلت: يظهر الراء ويدغم الباء، ومدغم الراء في اللام لا من مخطىء خطأ فاحشاً ورواية عن أبي عمر ومخطىء مرتين لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة والسبب في قلة الضبط قلة الدراية، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو. "انتهى". وذلك على عادته في الطعن على القراء وأما ما ذكره من أن مدغم الراء في اللام لا من مخطىء خطأ فاحشاً إلى آخره، فهذه مسألة اختلف فيها النحويون فذهب الخليل وسيبويه وأصحابه إلى أنه لا يجوز إدغام الراء في اللام من أجل التكرير الذي فيها ولا في النون. قال أبو سعيد: ولا نعلم أحداً خالفه إلا يعقوب الحضرميّ وإلا ما روي عن أبي عمر وانه كان يدغم الراء في اللام متحركة متحركاً ما قبلها نحو: يغفر لمن يشاء العمر لكيلا واستغفر لهم الرسول، فإِن سكن ما قبل الراء أدغمها في اللام في موضع الضم والكسر نحو الأنهار لهم والنار ليجزي فإِن انفتحت وسكن ما قبلها حرف مد ولين أو غيره ولم يدغم نحو من مصر لامرأته والأبرار لفي ولن تبور ليوفيهم والحمير لتركبوها فإِن سكنت الراء أدغمها في اللام بلا خلاف عنه إلا ما روي أحمد بن جبير بلا خلاف عنه وعن اليزيدي عنه أنه أظهرها وذلك إذا قرأ بإِظهار المثلين والمتقاربين المتحركين لا غير على أن المعمول في مذهبه في الوجهين جميعاً على الإِدغام نحو: ويغفر لكم. "انتهى". وأجاز ذلك الكسائي والفراء وحكياه سماعاً ووافقهما على سماعه رواية وأجازه أبو جعفر الرواسي وهو إمام من أئمة اللغة والعربية من الكوفيين وقد وافقتهم أبو عمر وعلى الإِدغام رواية وإجازة كما ذكرناه وذلك من رواية الوليد بن حسان وللإِدغام وجه من القياس ذكرناه في كتاب "التكميل لشرح التسهيل" من تأليفنا وقد اعتمد بعض أصحابنا على أن ما روي عن القراء من الادغام الذي منعه البصريون بكون ذلك إخفاء لا إدغاماً وهذا لا يجوز أن يعتقد في القراء أنهم غلطوا. وما فرقوا بين الإِخفاء والإِدغام وعقد هذا الرجل باباً قال فيه: هذا باب يذكر فيه ما أدغمته القراء مما ذكر أنه لا يجوز إدغامه وهذا لا ينبغي فإِن لسان العرب. ليس محصوراً فيما نقله البصريون فقط والقراآت لا تجيء على ما علمه البصريون ونقلوه دون غيرهم بل القراء من الكوفيين يكادون يكونون مثل قراء البصرة، وقد اتفق على نقل إدغام الراء من اللام كبير البصريين ورأسهم أبو عمرو بن العلاء ويعقوب الحضرمي وكبراء أهل الكوفة الرواسي والكسائي والفراء وأجازوه ورووه عن العرب فوجب قبوله والرجوع فيه الى علمهم ونقلهم؛ إذ من علم حجة على من لم يعلم. (وأما) قول الزمخشري: ان راوي ذلك عن أبي عمرو مخطىء مرتين فقد تبين أن ذلك صواب والذي روى ذلك عنه الرواة ومنهم أبو محمد اليزيدي وهو إمام النحو إمام في القرآت إمام في اللغة.

الجيلاني

تفسير : {وَإِن كُنتُمْ} أيها المتداينون {عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ} أي: فعليكم في أمثال هذه المعاملة رهن مقبوض من الديون إلى أجل مسمى {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم} أيها الدائنون {بَعْضاً} من المدينون بلا ارتهان اعتماداً على أمانته {فَلْيُؤَدِّ} المديون {ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ} اعتماداً {أَمَانَتَهُ} اي: دينه عند انقضاء أجله المسمى {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ} في الإنكار والخيانة والبخص والمماطلة {وَلاَ تَكْتُمُواْ} أيها المؤمنون {ٱلشَّهَٰدَةَ} الحاضرة الحاصلة عندكم، المتعلقة بحقوق الناس سواء كنتم من المستشهدين أو الشاهدين على أنفسكم، المعترفين بما في ذمتكم من حقوق الغير {وَمَن يَكْتُمْهَا} إنكاراً وعناداً {فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} أي: يأثم قلبه، ومن كان إثمه من قلبه لا يرجى منه الفلاح والفوز بالنجاح {وَ} المحيط بحيلكم ومخايلكم {ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الإنكار والخيانة وكتمان الشهادة {عَلِيمٌ} [البقرة: 283] ينتقم منكم بكل ما جرى في نفوسكم منها. {للَّهِ} الواحد الأحد الحي، الحقيق بالحقية، القيوم المتفرد بالقيومية، الدائم الظاهر بالديمومية مظاهر {ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ} من الأسماء الذاتية والصفات الفعلية {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي: الطبيعة العدمية القابلة لمظهرية آثار الصفات الذاتية، المحدثة المظهر للكائنات الكونية والكيانية، والواردات الغيبية والواضحات العينية {وَ} بعدما ظهر ما ظهر وما بطن {إِن تُبْدُواْ} تظهروا أيها الأظلال والعكوس {مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} من الأنانية والأصالة في الوجود والاستقلال بالآثار {أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ} الجامع بجميع الأسماء، المحيط بجميع الأشياء، بل الأشياء كلها مستهلكة في وجوده، فانية في ذاته {فَيَغْفِرُ} يستر ذنب الأنانية ومعصية الغيرية {لِمَن يَشَآءُ} من عباده بفضله وجوده {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} بقهره وطرده إرادة واختياراً؛ إظهاراً لقدرته وقلعاً لشوكته {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} مما شاء ويشاء {قَدِيرٌ} [البقرة: 284] بالقدرة الأزلية الأبدية المتصرف مطلقاً في جميع ما كان ويكون، لا يعزب عن حضوره ذرة، ولا يشغله فترة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: إن كنتم مسافرين { ولم تجدوا كاتبا } يكتب بينكم ويحصل به التوثق { فرهان مقبوضة } أي: يقبضها صاحب الحق وتكون وثيقة عنده حتى يأتيه حقه، ودل هذا على أن الرهن غير المقبوضة لا يحصل منها التوثق، ودل أيضا على أن الراهن والمرتهن لو اختلفا في قدر ما رهنت به، كان القول قول المرتهن، ووجه ذلك أن الله جعل الرهن عوضا عن الكتابة في توثق صاحب الحق، فلولا أن قول المرتهن مقبول في قدر الذي رهنت به لم يحصل المعنى المقصود، ولما كان المقصود بالرهن التوثق جاز حضرا وسفرا، وإنما نص الله على السفر، لأنه في مظنة الحاجة إليه لعدم الكاتب فيه، هذا كله إذا كان صاحب الحق يحب أن يتوثق لحقه، فما كان صاحب الحق آمنا من غريمه وأحب أن يعامله من دون رهن فعلى من عليه الحق أن يؤدي إليه كاملا غير ظالم له ولا باخس حقه { وليتق الله ربه } في أداء الحق ويجازي من أحسن به الظن بالإحسان { ولا تكتموا الشهادة } لأن الحق مبني عليها لا يثبت بدونها، فكتمها من أعظم الذنوب، لأنه يترك ما وجب عليه من الخبر الصدق ويخبر بضده وهو الكذب، ويترتب على ذلك فوات حق من له الحق، ولهذا قال تعالى: { ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم } وقد اشتملت هذه الأحكام الحسنة التي أرشد الله عباده إليها على حكم عظيمة ومصالح عميمة دلت على أن الخلق لو اهتدوا بإرشاد الله لصلحت دنياهم مع صلاح دينهم، لاشتمالها على العدل والمصلحة، وحفظ الحقوق وقطع المشاجرات والمنازعات، وانتظام أمر المعاش، فلله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه لا نحصي ثناء عليه.

همام الصنعاني

تفسير : 363- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر والثوري، وابن عيينة عن ابن شبرمة، عن الشعبي في قوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً}: [الآية: 283]، قال: لا بأس به إذا أمنته ألا تكتب ولا تشهد، {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً} قال ابن عيينة عن ابن شبرمة، قال الشعبي: إلى هذا انتهى {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً} قال: لا بأس إذا أمنته أن لا تكتب ولا تشهد.