Verse. 291 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

لِلہِ مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَمَا فِي الْاَرْضِ۝۰ۭ وَاِنْ تُبْدُوْا مَا فِيْۗ اَنْفُسِكُمْ اَوْ تُخْفُوْہُ يُحَاسِبْكُمْ بِہِ اؙ۝۰ۭ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَّشَاۗءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَّشَاۗءُ۝۰ۭ وَاللہُ عَلٰي كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ۝۲۸۴
Lillahi ma fee alssamawati wama fee alardi wain tubdoo ma fee anfusikum aw tukhfoohu yuhasibkum bihi Allahu fayaghfiru liman yashao wayuAAaththibu man yashao waAllahu AAala kulli shayin qadeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا» تظهروا «ما في أنفسكم» من السوء والعزم عليه «أو تخفوه» تسروه «يحاسبكم» يخبركم «به الله» يوم القيامة «فيغفرْ لمن يشاء» المغفرة له «ويعذبْ من يشاء» تعذيبه والفعلان بالجزم عطف على جواب الشرط والرفع أي فهو «والله على كل شيء قدير» ومنه محاسبتكم وجزاؤكم.

284

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجوه الأول: قال الأصم: إنه تعالى لما جمع في هذه السورة أشياء كثيرة من علم الأصول، وهو دليل التوحيد والنبوّة، وأشياء كثيرة من علم الأصول ببيان الشرائع والتكاليف، وهي في الصلاة، والزكاة، والقصاص، والصوم، والحج، والجهاد، والحيض، والطلاق، والعدة، والصداق، والخلع، والإيلاء، والرضاع، والبيع، والربا، وكيفية المداينة ختم الله تعالى هذه السورة بهذه الآية على سبيل التهديد. وأقول إنه قد ثبت أن الصفات التي هي كمالات حقيقية ليست إلا القدرة والعلم، فعبّر سبحانه عن كمال القدرة بقوله {للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ملكا وملكاً، وعبر عن كمال العلم المحيط بالكليات والجزئيات بقوله {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ } وإذا حصل كمال القدرة والعلم، فكان كل من في السمٰوات والأرض عبيداً مربوبين وجدوا بتخليقه وتكوينه كان ذلك غاية الوعد للمطيعين، ونهاية الوعيد للمذنبين، فلهذا السبب ختم الله هذه السورة بهذه الآية. والوجه الثاني: في كيفية النظم، قال أبو مسلم: إنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة {أية : وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } تفسير : [البقرة: 283] ذكر عقيبه ما يجري مجرى الدليل العقلي فقال: {للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ومعنى هذا الملك أن هذه الأشياء لما كانت محدثة فقد وجدت بتخليقه وتكوينه وإبداعه ومن كان فاعلاً لهذه الأفعال المحكمة المتقنة العجيبة الغريبة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع العظيمة لا بد وأن يكون عالماً بها إذ من المحال صدور الفعل المحكم المتقن عن الجاهل به، فكان الله تعالى احتج بخلقه السمٰوات والأرض مع ما فيهما من وجوه الإحكام والإتقان على كونه تعالى عالماً بها محيطاً بأجزائها وجزئياتها. الوجه الثالث: في كيفية النظم، قال القاضي: إنه تعالى لما أمر بهذه الوثائق أعني الكتبة والإشهاد والرهن، فكان المقصود من الأمر بها صيانة الأموال، والاحتياط في حفظها بيّن الله تعالى أنه إنما المقصود لمنفعة ترجع إلى الخلق لا لمنفعة تعود إليه سبحانه منها فإنه له ملك السمٰوات والأرض. الوجه الرابع: قال الشعبي وعكرمة ومجاهد: إنه تعالى لما نهى عن كتمان الشهادة وأوعد عليه بيّن أنه له ملك السمٰوات والأرض فيجازي على الكتمان والإظهار. المسألة الثانية: احتج الأصحاب بقوله {للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } على أن فعل العبد خلق الله تعالى، لأنه من جملة ما في السمٰوات والأرض بدليل صحة الاستثناء، واللام في قوله {لِلَّهِ } ليس لام الغرض، فإنه ليس غرض الفاسق من فسقه طاعة الله، فلا بد وأن يكون المراد منه لام الملك والتخليق. المسألة الثالثة: احتج الأصحاب بهذه الآية على أن المعدوم ليس بشيء لأن من جملة ما في السمٰوات والأرض حقائق الأشياء وماهياتها فهي لا بد وأن تكون تحت قدرة الله سبحانه وتعالى وإنما تكون الحقائق والماهيات تحت قدرته لو كان قادراً على تحقيق تلك الحقائق، وتكوين تلك الماهيات، فإذا كان كذلك كانت قدرة الله تعالى مكونة للذوات، ومحققة للحقاق، فكان القول بأن المعدوم شيءً باطلاً. ثم قال تعالى: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ } يروى عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمٰن بن عوف ومعاذ وناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله كلفنا من العمل ما لا نطيق إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه، وإن له الدنيا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : فلعلّكم تقولون كما قال بنو إسرائيل سمعنا وعصينا قولوا: سمعنا وأطعنا تفسير : ، فقالوا سمعنا وأطعنا، واشتد ذلك عليهم فمكثوا في ذلك حولاً فأنزل الله تعالى: {أية : لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } تفسير : [البقرة: 286] فنسخت هذه الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثوا به أنفسهم مالم يعملوا أو يتكلموا به». تفسير : واعلم أن محل البحث في هذه الآية أن قوله {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ } يتناول حديث النفس، والخواطر الفاسدة التي ترد على القلب، ولا يتمكن من دفعها، فالمؤاخذة بها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق، والعلماء أجابوا عنه من وجوه: الوجه الأول: أن الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين، فمنها ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود، ومنها ما لا يكون كذلك بل تكون أموراً خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن النفس، فالقسم الأول: يكون مؤاخذاً به، والثاني: لا يكون مؤاخذاً به، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } تفسير : [البقرة: 225] وقال في آخر هذه السورة {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ } تفسير : [البقرة: 286] وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } تفسير : [النور: 19] هذا هو الجواب المعتمد. والوجه الثاني: أن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل، فهو في محل العفو وقوله {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ } فالمراد منه أنه يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهراً وإما على سبيل الخفية وأما ما وجد في القلب من العزائم والإرادات ولم يتصل بالعمل فكل ذلك في محل العفو وهذا الجواب ضعيف، لأن أكثر المؤاخذات إنما تكون بأفعال القلوب ألا ترى أن اعتقاد الكفر والبدع ليس إلا من أعمال القلوب: وأعظم أنواع العقاب مرتب عليه، وأيضاً فأفعال الجوارح إذا خلت عن أفعال القلوب لا يترتب عليها عقاب كأفعال النائم والساهي فثبت ضعف هذا الجواب. والوجه الثالث في الجواب: أن الله تعالى يؤاخذه بها لكن مؤاخذتها هي الغموم والهموم في الدنيا، روى الضحاك عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه بغم يبتليه به في الدنيا أو حزن أو أذى، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب عليه، وروت أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه. فإن قيل: المؤاخذة كيف تحصل في الدنيا مع قوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ } تفسير : [غافر: 17]. قلنا: هذا خاص فيكون مقدماً على ذلك العام. الوجه الرابع في الجواب: أنه تعالى قال: {يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ } ولم يقل: يؤاخذكم به الله وقد ذكرنا في معنى كونه حسيباً ومحاسباً وجوهاً كثيرة، وذكرنا أن من جملة تفاسيره كونه تعالى عالماً بها، فرجع معنى هذه الآية إلى كونه تعالى عالماً بكل ما في الضمائر والسرائر، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن الله تعالى إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان في نفوسهم، فالمؤمن يخبره ثم يعفو عنه، وأهل الذنوب يخبرهم بما أخفوا من التكذيب والذنب. الوجه الخامس في الجواب: أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } فيكون الغفران نصيباً لمن كان كارهاً لورود تلك الخواطر، والعذاب يكون نصيباً لمن يكون مصراً على تلك الخواطر مستحسناً لها. الوجه السادس: قال بعضهم: المراد بهذه الآية كتمان الشهادة، وهو ضعيف، لأن اللفظ عام، وإن كان واراه عقيب تلك القضية لا يلزم قصره عليه. الوجه السابع في الجواب: ما روينا عن بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بقوله {أية : لا يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } تفسير : [البقرة: 286] وهذا أيضاً ضعيف لوجوه أحدها: أن هذا النسخ إنما يصح لو قلنا: أنهم كانوا قبل هذا النسخ مأمورين بالاحتراز عن تلك الخواطر التي كانوا عاجزين عن دفعها، وذلك باطل، لأن التكليف قط ما ورد إلا بما في القدرة، ولذلك قال عليه السلام: «حديث : بعثت بالحنيفية السهلة السمحة»تفسير : والثاني: أن النسخ إنما يحتاج إليه لو دلت الآية على حصول العقاب على تلك الخواطر، وقد بينا أن الآية لا تدل على ذلك والثالث: أن نسخ الخبر لا يجوز إنما الجائز هو نسخ الأوامر والنواهي. واعلم أن الناس اختلافاً في أن الخبر هل ينسخ أم لا؟ وقد ذكرنا في أصول الفقه، والله أعلم. ثم قال: {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الأصحاب قد احتجوا بهذه الآية على جواز غفران ذنوب أصحاب الكبائر وذلك لأن المؤمن المطيع مقطوع بأنه يثاب ولا يعاقب، والكافر مقطوع بأنه يعاقب ولا يثاب، وقوله {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } رفع للقطع واحد من الأمرين، فلم يبق إلا أن يكون ذلك نصيباً للمؤمن يرثه المذنب بأعماله. المسألة الثانية: قرأ عاصم وابن عامر {فَيَغْفِرُ، يُعَذّبُ } برفع الراء والباء، وأما الباقون فبالجزم أما الرفع فعلى الاستئناف، والتقدير: فهو يغفر، وأما الجزم فبالعطف على يحاسبكم ونقل عن أبي عمرو أنه أدغم الراء في اللام في قوله {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } قال صاحب «الكشاف»: إنه لحن ونسبته إلى أبي عمرو كذب، وكيف يليق مثل هذا اللحن بأعلم الناس بالعربية. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } وقد بيّن بقوله {للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } أنه كامل الملك والملكوت، وبين بقوله {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ } أنه كامل العلم والإحاطة، ثم بيّن بقوله {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } أنه كامل القدرة مستولي على كل الممكنات بالقهر والقدرة والتكوين والإعدام ولا كمال أعلى وأعظم من حصول الكمال في هذه الصفات والموصوف بهذه الكمالات يجب على كل عاقل أن يكون عبداً منقاداً له، خاضعاً لأوامره ونواهيه محترزاً عن سخطه ونواهيه، وبالله التوفيق.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تقدّم معناه. قوله تعالىٰ: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ} فيه مسألتان: الأُولىٰ ـ اختلف الناس في معنى قوله تعالىٰ: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ} على أقوال خمسة: الأوّل ـ أنها منسوخةٌ؛ قاله ابن عباس وابن مسعود وعائشة وأبو هريرة والشعبي وعطاء ومحمد بن سِيرين ومحمد بن كعب وموسى بن عُبَيْدَة وجماعة من الصحابة والتابعين، وأنه بقي هذا التكليف حَوْلاً حتى أنزل الله الفرج بقوله: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}. (وهو قول ابن مسعود وعائشة وعطاء ومحمد بن سيرين ومحمد بن كعب وغيرهم) وفي صحيح مسلم حديث : عن ٱبن عباس قال: لما نزلت {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ} قال: دخل قلوبَهم منها شيءٌ لم يدخل قلوبَهم مِن شيء؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «قولوا سمعنا وأطعنا وسلّمنا» تفسير : قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالىٰ: «لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا» [قال: «قد فعلت»] رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَىٰ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [قال: قد فعلت»] رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَطَاقَةَ لَنَا بِهِ واعْفُ عَنَّا وَٱغْفرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا (فَانْصُرْنَا عَلَىٰ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [قال: «قد فعلت»]: في رواية فلما فعلوا ذلك نسخها الله ثم أنزل تعالىٰ: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} وسيأتي. الثاني ـ قال ٱبن عباس وعِكرمة والشعبي ومجاهد: إنها مُحكْمَةٌ مخصوصة، وهي في معنى الشهادة التي نهى عن كَتْمها، ثم أعلم في هذه الآية أن الكاتم لها المخفي ما في نفسه محاسب. الثالث ـ أن الآية فيما يطرأ على النفوس من الشك واليقين؛ وقاله مجاهد أيضاً. الرابع ـ أنها محكمة عامّة غير منسوخة، والله مُحاسِب خلقه على ما عملوامن عمل وعلى ما لم يعملوه مما ثبت في نفوسهم وأضمروه ونووه وأرادوه؛ فيغفر للمؤمنين ويأخذ به أهل الكفر والنفاق؛ ذكره الطبريّ عن قوم، وأدخل عن ابن عباس ما يشبه هذا. روي عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: لم تنسخ، ولكن إذا جمع الله الخلائق يقول: «إني أخبركم بما أكننتم في أنفسكم» فأما المؤمنون فيخبرهم ثم يغفر لهم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب؛ فذلك قوله: {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} وهو قوله عزّ وجلّ: {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} تفسير : [البقرة: 225] من الشك والنفاق. وقال الضّحاك: يعلمه الله يوم القيامة بما كان يسره ليعلم أنه لم يخف عليه. وفي الخبر: «إن الله تعالىٰ يقول يوم القيامة هذا يومٌ تُبلىٰ فيه السرائر وتخرج الضمائر وأن كُتَّابي لم يكتبوا إلاَّ ما ظهر من أعمالكم وأنا المطّلع على ما لم يطلعوا عليه ولم يُخْبُروه ولا كتبوه فأنا أخبركم بذلك وأُحاسبكم عليه فأغفر لمن أشاء وأعذب من أشاء» فيغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين، وهذا أصح ما في الباب، يدل عليه حديث النَّجْوَىٰ على ما يأتي بيانه، (لا يُقال): فقد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تجاوز لأمّتِي عما حدّثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به»تفسير : . فإنا نقول: ذلك محمول على أحكام الدنيا؛ مثل الطلاق والعتاق والبيع التي لا يلزمه حكمها ما لم يتكلم به، والذي ذكر في الآية فيما يؤاخذ العبد به بينه وبين الله تعالىٰ في الآخرة. وقال الحسن: الآية محكمة ليست بمنسوخة. قال الطبريّ: وقال آخرون نحو هذا المعنى الذي ذكر عن ابن عباس؛ إلاَّ أنهم قالوا: إن العذاب الذي يكون جزاء لما خَطَر في النفوس وصحِبه الفكر إنما هو بمصائب الدنيا وآلامها وسائر مكارهها. ثم أسند عن عائشة نحو هذا المعنى؛ وهو (القول الخامس): ورجح الطبريّ أن الآية محكمة غير منسوخة: قال ابن عطية: وهذا هو الصواب، وذلك أن قوله تعالىٰ: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} معناه مما هو في وُسعكم وتحت كسبكم، وذلك استصحاب المعتقَد والفكر؛ فلما كان اللفظ مما يمكن أن تدخل فيه الخواطر أشْفَق الصحابة والنبيّ صلى الله عليه وسلم، فبيّن الله لهم ما أراد بالآية الأُخرىٰ، وخصصها ونص على حكمه أنه لا يكلّف نفساً إلاَّ وسعها، والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوسع، بل هي أمر غالب وليست مما يكتسب؛ فكان في هذا البيان فرَجُهم وكشف كُرَبهم، وباقي الآية محكمة لا نسخ فيها: ومما يدفع أمر النسخ أن الآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ؛ فإن ذهب ذاهب إلى تقدير النسخ فإنما يترتب له في الحكم الذي لحق الصحابة حين فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لهم: «قولوا سمعنا وأطعنا» يجيء منه الأمر بأن يثبتوا على هذا ويلتزموه وينتظروا لطف الله في الغفران. فإذا قُرّر هذا الحكم فصحيح وقوع النسخ فيه، وتشبه الآية حينئذ قوله تعالىٰ: {أية : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ}تفسير : [الأنفال: 65] فهذا لفظه الخبر ولكن معناه التَزِموا هذا واثْبتُوا عليه واصْبِروا بحَسَبِه، ثم نسخ بعد ذلك. وأجمع الناس فيما علمت على أن هذه الآية في الجهاد منسوخة بصبر المائة للمائتين. قال ابن عطية: وهذه الآية في«البقرة» أشبه شيء بها. وقيل: في الكلام إضمار وتقييد، تقديره يحاسبكم به الله إن شاء؛ وعلى هذا فلا نسخ. وقال النحاس: ومن أحسن ما قيل في الآية وأشبه بالظاهر قول ابن عباس: إنها عامّة، ثم أدخل حديث ابن عمر في النّجْوى، أخرجه البخاريّ ومسلم وغيرهما، واللفظ لمسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يُدْنَى المؤمن (يوم القيامة) من ربِّه جلّ وعزّ حتى يضع عليه كنَفَه فيُقَرِّرُه بذنوبه فيقول هل تعرف فيقول (أيّ) ربِّ أعرف قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيُعْطى صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله»تفسير : . وقد قيل: إنها نزلت في الذين يتوَلّون الكافرين من المؤمنين، أي وإن تعلنوا ما في أنفسكم أيها المؤمنون من ولاية الكفار أو تسروها يحاسبكم به الله؛ قاله الواقديّ ومقاتل. واستدلوا بقوله تعالىٰ في (آل عمران) {أية : قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ}تفسير : ـ من ولاية الكفار ـ {أية : يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 29] يدلّ عليه ما قبله من قوله: {أية : لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 28.] قلت: وهذا فيه بعدٌ؛ لأن سياق الآية لا يقتضيه، وإنما ذلك بيّن في «آل عمران» والله أعلم. وقد قال سفيان بن عيينة: بلغني أن الأنبياء عليهم السَّلام كانوا يأتون قومهم بهذه الآية {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ}. قوله تعالىٰ: {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} قرأ ٱبن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي «فَيَغْفِرْ ـ وَيُعَذِّبْ» بالجزم عطف على الجواب. وقرأ ٱبن عامر وعاصم بالرفع فيهما على القطع، أي فهو يغفُر ويعذبُ. وروي عن ابن عباس والأعرج وأبي العالية وعاصم الجحدرِيّ بالنصب فيهما على إضمار «أن». وحقيقته أنه عطف على المعنى؛ كما في قوله تعالىٰ: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} وقد تقدم. والعطف على اللفظ أجود للمشاكلة؛ كما قال الشاعر: شعر : ومتى مايَعِ منك كلاماً يَتَكَلّم فيُجِبْك بعقْلِ تفسير : قال النحاس: وروي عن طلحة بن مُصَرِّف «يحاسبكم به الله يغفر» بغير فاء على البدل. ابن عطية: وبها قرأ الجُعْفِيّ وخلاّد. ورُوي أنها كذلك في مصحف ابن مسعود. قال ابن جنِّي: هي على البدل من «يحاسبكم» وهي تفسير المحاسبة؛ وهذا كقول الشاعر:شعر : رُوَيْداً بَنِي شَيْبَانَ بَعْضَ وعِيدِكم تُلاقُوا غَداً خِيلي على سَفَوانِ تُلاقُوا جياداً لا تَحِيد عن الوَغَىٰ إذا ما غَدَتْ فِي المأزَق المْتَدَاني تفسير : فهذا على البدل. وكرر الشاعر الفعل؛ لأن الفائدة فيما يليه من القول. قال النحاس: وأجود من الجزم لو كان بلا فاءٍ الرفعُ، يكون في موضع الحال؛ كما قال الشاعر:شعر : مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُوا إلىٰ ضَوْء نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِندَهَا خَيْرُ مُوقِدِ

البيضاوي

تفسير : {للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} خلقاً وملكاً. {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} يعني ما فيها من السوء والعزم عليه لترتب المغفرة والعذاب عليه. {يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ} يوم القيامة. وهو حجة على من أنكر الحساب كالمعتزلة والروافض. {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء} مغفرته. {وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء} تعذيبه، وهو صريح في نفي وجوب التعذيب. وقد رفعهما ابن عامر وعاصم ويعقوب على الاستئناف، وجزمهما الباقون عطفاً على جواب الشرط، ومن جزم بغير فاء جعلهما بدلاً منه بدل البعض من الكل أو الاشتمال كقوله:شعر : مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بنَا فِي دِيَارِنَا تجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأَجَّجَا تفسير : وإدغام الراء في اللام لحن إذ الراء لا تدغم إلا في مثلها. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} فيقدر على الإِحياء والمحاسبة.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر، وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما قال تعالى: {أية : قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [آل عمران: 29] وقال: {أية : يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى}تفسير : [طه: 7] والآيات في ذلك كثيرة جداً، وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم وهو المحاسبة على ذلك، ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة رضي الله عنهم، وخافوا منها، ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثني أبو عبد الرحمن، يعني: العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جثوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق؛ الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير»تفسير : فلما أقر بها القوم، وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها: {أية : ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [البقرة: 285] فلما فعلوا ذلك، نسخها الله، فأنزل الله: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} تفسير : [البقرة: 286] إلى آخره. ورواه مسلم منفرداً به من حديث يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه عن أبي هريرة، فذكر مثله، ولفظه: فلما فعلوا ذلك، نسخها الله، فأنزل الله: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا}تفسير : [البقرة: 286] قال: نعم، {أية : رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا}تفسير : [البقرة: 286] قال: نعم {أية : رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}تفسير : [البقرة: 286] قال: نعم {أية : وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَـٰنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} تفسير : [البقرة: 286] قال: نعم. (حديث ابن عباس في ذلك) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن آدم بن سليمان، سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ} قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا»تفسير : فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله: {أية : ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [البقرة: 285] إلى قوله: {أية : فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ}تفسير : [البقرة: 286] وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شبية وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع به، وزاد: {أية : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا}تفسير : [البقرة: 286] قال: قد فعلت {أية : رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا}تفسير : [البقرة: 286] قال: قد فعلت {أية : رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}تفسير : [البقرة: 286] قال: قد فعلت {أية : وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَـٰنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ}تفسير : [البقرة: 286] قال: قد فعلت. (طريق أخرى) عن ابن عباس. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: دخلت على ابن عباس، فقلت: يا أبا عباس كنت عند ابن عمر، فقرأ هذه الآية، فبكى، قال: أية آية؟ قلت: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} قال ابن عباس: إن هذه الآية حين أنزلت، غمت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غماً شديداً، وغاظتهم غيظاً شديداً، وقالوا: يا رسول الله هلكنا، إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : قولوا: سمعنا وأطعنا»تفسير : فقالوا: سمعنا وأطعنا، قال: فنسختها هذه الآية: {أية : ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 285] إلى {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ}تفسير : [البقرة: 286] فتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال. (طريق أخرى) عنه. قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة، سمعه يحدث: أنه بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية: {لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} الآية، فقال: والله لئن واخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه، قال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما قال ابن عمر وما فعل حين تلاها، فقال ابن عباس: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر، فأنزل الله بعدها: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}تفسير : [البقرة: 286] إلى آخر السورة. قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله عز وجل أن للنفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت في القول والفعل. (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، أن أباه قرأ: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ} فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه ابن عباس، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد صنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة: 286] فهذه طرق صحيحة عن ابن عباس، وقد ثبت عن ابن عمر كما ثبت عن ابن عباس، قال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة عن خالد الحذاء، عن مروان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحسبه ابن عمر {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} قال: نسختها الآية التي بعدها، وهكذا روي عن عليّ وابن مسعود وكعب الأحبار والشعبي والنخعي ومحمد بن كعب القرظي وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة، أنها منسوخة بالتي بعدها، وقد ثبت بما رواه الجماعة في كتبهم الستة من طريق قتادة، عن زرارة بن أبي أوفى عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تكلم، أو تعمل».تفسير : وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : قال الله: إذا همّ عبدي بسيئة، فلا تكتبوها عليه، فإن عملها، فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة، فلم يعملها، فاكتبوها حسنة، فإن عملها، فاكتبوها عشراً»تفسير : لفظ مسلم، وهو في أفراده من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله: إذا هم عبدي بحسنة، ولم يعملها، كتبتها له حسنة، فإن عملها، كتبتها له عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة، فلم يعملها، لم أكتبها عليه، فإن عملها، كتبتها سيئة واحدة»تفسير : . وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة، فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها، فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة، فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإن عملها، فأنا أكتبها له بمثلها»تفسير : . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : قالت الملائكة: رب إن عبدك، يريد أن يعمل سيئة، وهو أبصر به، فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، وإنما تركها من جراي»تفسير : . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم«حديث : إذا أحسن أحد إسلامه، فإن له بكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله عز وجل»تفسير : تفرد به مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق بهذا السياق واللفظ، وبعضه في صحيح البخاري. وقال مسلم أيضاً: حدثنا أبو كريب، حدثنا خالد الأحمر، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من همّ بحسنة، فلم يعملها، كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة، فعملها، كتبت له عشراً إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة، فلم يعملها، لم تكتب له، وإن عملها، كتبت»تفسير : تفرد به مسلم دون غيره من أصحاب الكتب. وقال مسلم أيضاً: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا عبد الوارث عن الجعد أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء العطاردي عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تعالى، قال: «حديث : إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة، فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بحسنة فلم يعملها، كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها، فعملها، كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة، وإن همّ بها فعملها، كتبها الله عنده سيئة واحدة»تفسير : ثم رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان في هذا الإسناد بمعنى حديث عبد الوارث،. زاد: «حديث : ومحاها الله، ولا يهلك على الله إلا هالك»تفسير : وفي حديث سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه، فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: «حديث : وقد وجدتموه؟»تفسير : قالوا: نعم، قال: «حديث : ذاك صريح الإيمان»تفسير : لفظ مسلم، وهو عند مسلم أيضاً من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم به، وروى مسلم أيضاً من حديث مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة، قال: «حديث : تلك صريح الإيمان».تفسير : وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ} فإنها لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون، فيخبرهم، ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله: {يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ} يقول: يخبركم، وأما أهل الشك والريب، فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، وهو قوله: {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} وهو قوله: {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}تفسير : [البقرة: 225] أي: من الشك والنفاق. وقد روى العوفي والضحاك عنه قريباً من هذا. وروى ابن جرير عن مجاهد والضحاك نحوه، وعن الحسن البصري أنه قال: هي محكمة لم تنسخ، واختار ابن جرير ذلك، واحتج على أنه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة، وأنه تعالى قد يحاسب ويغفر، وقد يحاسب ويعاقب، بالحديث الذي رواه عند هذه الآية قائلاً: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد بن هشام (ح) وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا هشام، قالا جميعاً في حديثهما: عن قتادة، عن صفوان بن محرز، قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر، وهو يطوف، إذ عرض له رجل، فقال: يابن عمر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يدنو المؤمن من ربه عز وجل حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول له: هل تعرف كذا؟ فيقول: رب أعرف ـ مرتين ـ حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، قال: فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه، وأما الكفار والمنافقون، فينادى بهم على رؤوس الأشهاد: {أية : هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ}تفسير : [هود: 18] وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة عن قتادة به، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أمية، قال: سألت عائشة عن هذه الآية: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ} فقالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، فقالت: هذه مبايعة الله العبد وما يصيبه من الحمى والنكبة، والبضاعة يضعها في يد كمه فيفقدها، فيفزع لها، ثم يجدها في ضبنه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير، وكذا رواه الترمذي وابن جرير من طريق حماد بن سلمة به، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديثه. (قلت): وشيخه علي بن زيد بن جدعان ضعيف، يغرب في رواياته، وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه أم محمد أمية بنت عبد الله، عن عائشة، وليس لها عنها في الكتب سواه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ } تظهروا {مَا فِي أَنفُسِكُمْ } من السوء والعزم عليه {أَوْ تُخْفُوهْ } تسرّوه {يُحَاسِبْكُم } يخبركم {بِهِ ٱللَّهُ } يوم القيامة {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ } المغفرة له {وَيُعَذّبُ مَن يَشَاءُ } تعذيبه، والفعلان بالجزم عطف على جواب الشرط والرفع أي فهو {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } ومنه محاسبتكم وجزاؤكم.

الشوكاني

تفسير : قوله: {للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ } قد تقدّم تفسيره. قوله: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ } إلى آخر الآية، ظاهره أن الله يحاسب العباد على ما أضمرته أنفسهم، أو أظهرته من الأمور التي يحاسب عليها، فيغفر لمن يشاء منهم ما يغفره منها، ويعذب من يشاء منهم بما أسرَّ، أو أظهر منها، هذا معنى الآية على مقتضى اللغة العربية. وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية على أقوال: الأول: أنها، وإن كانت عامة، فهي: مخصوصة بكتمان الشهادة، وأن الكاتم للشهادة يحاسب على كتمه، سواء أظهر للناس أنه كاتم للشهادة، أو لم يظهر. وقد روى هذا عن ابن عباس، وعكرمة، والشعبي ومجاهد، وهو: مردود بما في الآية من عموم اللفظ، ولا يصلح ما تقدم قبل هذه الآية من النهي عن كتم الشهادة أن تكون مختصة به. والقول الثاني أن ما في الآية مختص بما يطرأ على النفوس من الأمور التي هي بين الشك، واليقين، قاله مجاهد، وهو أيضاً: تخصيص بلا مخصِّص. والقول الثالث: أنها محكمة عامة، ولكن العذاب على ما في النفس يختص بالكفار، والمنافقين. حكاه الطبري عن قوم، وهو أيضاً: تخصيص بلا مخصِّص، فإن قوله: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } لا يختص ببعض معين إلا بدليل. والقول الرابع: أن هذه الآية منسوخة، قاله ابن مسعود، وعائشة، وأبو هريرة، والشعبي، وعطاء، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن كعب، وموسى بن عبيدة، وهو مرويّ، عن ابن عباس، وجماعة من الصحابة، والتابعين، وهذا هو الحق لما سيأتي من التصريح بنسخها، ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله غفر لهذه الأمة ما حدثت به أنفسها»تفسير : قوله: {يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ } قدم الجار، والمجرور على الفاعل لإظهار العناية به، وقدم الإبداء على الإخفاء؛ لأن الأصل في الأمور التي يحاسب عليها هو الأعمال البادية، وأما تقديم الإخفاء في قوله سبحانه: {أية : قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ }تفسير : [آل عمران: 29] فلكون العلم يتعلق بالأعمال الخافية، والبادية على السوية. وقدم المغفرة على التعذيب؛ لكون رحمته سبقت غضبه، وجملة قوله: {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } مستأنفة، أي: فهو يغفر، وهي متضمنة لتفصيل ما أجمل في قوله: {يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ } وهذا على قراءة ابن عامر، وعاصم. وأما على قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وحمزة، والكسائي بجزم الراء، والباء، فالفاء عاطفة لما بعدها على المجزوم قبلها، وهو: جواب الشرط، أعني قوله: {يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ }. وقرأ ابن عباس، والأعرج، وأبو العالية، وعاصم الجحدري بنصب الراء، والباء في قوله: {فَيَغْفِرُ} {وَيُعَذّبَ} على إضمار أن عطفاً على المعنى. وقرأ طلحة بن مصرف يغفر بغير فاء على البدل، وبه قرأ الجعفي، وخلاد. وقد أخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلاْرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ} الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جثوا على الركب، فقالوا: يا رسول الله كُلِّفْنا من الأعمال ما نطيق الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزل الله عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أتريدون أن تقولوا، كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا، وعصينا، بل قولوا:{سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} " تفسير : فلما اقترأها القوم، وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها: {آمنَ ;لرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ} الآية، فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل: {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} إلى آخرها. وأخرج أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي، عن ابن عباس مرفوعاً نحوه، وزاد، فأنزل{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال: قد فعلت: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} قال: قد فعلت: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قال: قد فعلت:{وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا} الآية، قال: قد فعلت. وقد رويت هذه القصة، عن ابن عباس من طرق. وأخرج البخاري، والبيهقي عن مروان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحسبه ابن عمر: {إِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } قال: نسختها الآية التي بعدها. وأخرج عبد بن حميد، والترمذي، عن علي نحوه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، والطبراني، عن ابن مسعود، نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عائشة نحوه أيضاً. وبمجموع ما تقدم يظهر لك ضعف ما أخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: نزلت في كتمان الشهادة، فإنها لو كانت كذلك لم يشتد الأمر على الصحابة. وعلى كل حال، فبعد هذه الأحاديث المصرّحة بالنسخ، والناسخ لم يبق مجال لمخالفتها، ومما يؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين، والسنن الأربع من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم، أو تعمل به»تفسير : وأخرج ابن جرير، عن عائشة قالت: كل عبدٍ همَّ بسوءٍ، ومعصيةٍ، وحدَّث نفسه به حاسبه الله في الدنيا يخاف، ويحزن ويشتدُّ همُّه لا يناله من ذلك شيئاً، كما هم بالسوء، ولم يعمل منه بشيء. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، عنها نحوه، والأحاديث المتقدمة المصرِّحة بالنسخ تدفعه. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: إن الله يقول يوم القيامة: إن كتَّابي لم يكتبوا من أعمالكم إلا ما ظهر منها، فأمَّا ما أسررتم في أنفسكم، فأنا أحاسبكم به اليوم، فأغفر لمن شئت، وأعذب من شئت، وهو مدفوع بما تقدم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {للهِ مَا فِي السَّمَواتِ وما في الأرض} في إضافة ذلك إلى الله تعالى قولان: أحدهما: أنه إضافة تمليك تقديره: الله يملك ما في السماوات وما في الأرض. والثاني: معناه تدبير ما في السماوات وما في الأرض. {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ} إبداءُ ما في النفس هو العمل بما أضمروه، وهو مُؤَاخَذ به ومُحَاسَب عليه، وأما إخفاؤه فهو ما أضمره وحدّث به نفسه ولم يعمل به. وفيما أراد به قولان: أحدهما: أن المراد به كتمان الشهادة خاصة، قاله ابن عباس، وعكرمة، والشعبي. والثاني: أنه عام في جميع ما حدَّث به نفسه من سوء، أو أضمر من معصية، وهو قول الجمهور. واختلف في هذه الآية، هل حكمها ثابت في المؤاخذة بما أضمره وحدَّث به نفسه؟ أو منسوخ؟ على قولين: أحدهما: أن حكمها ثابت في المؤاخذة بما أضمره، واختلف فيه من قال بثبوته على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن حكمها ثابت على العموم فيما أضمره الإِنسان فيؤاخِذ به من يشاء، ويغفر لمن يشاء، قاله ابن عمر، والحسن. والثاني: حكمها ثابت في مؤاخذة الإِنسان بما أضمره وإن لم يفعله، إلا أنَّ الله يغفره للمسلمين ويؤاخذ به الكافرين والمنافقين، قاله الضحاك، والربيع، ويكون {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} محمولاً على المسلمين، {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} محمولاً على الكافرين والمنافقين. والثالث: أنها ثابتة الحكم على العموم في مؤاخذته المسلمين بما حدث لهم في الدنيا من المصائب والأمور التي يحزنون لها، ومؤاخذة الكافرين والمنافقين بعذاب الآخرة، وهذا قول عائشة رضي الله عنها. والقول الثاني: أن حكم الآية في المؤاخذة بما أضمره الإنسان وحدث به نفسه وإن لم يفعله منسوخ. واختلف من قال بنسخها فيما نسخت به على قولين: أحدهما: بما رواه العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة قال: انزل الله {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُم أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ} فاشتد ذلك على القوم فقالوا: يا رسول الله إنا لمؤاخذون بما نُحَدِّثُ به أنفسنا، هلكنا، فأنزل الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} وهو أيضاً قول ابن مسعود. والثاني: أنها نسخت بما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ} دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها من شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا". تفسير : قال: فألقى الله الإيِمان في قلوبهم، قال: فأنزل الله: {ءَامَنَ الرَّسُولُ} الآية. فقرأ: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأَنَا}. فقال تعالى: قد فعلت. {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا}. قال: قد فعلت {ربنا ولا تحملنا ما لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}. قال: قد فعلت. {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}. قال: قد فعلت. والذي أقوله فيما أضمره وحدّث به نفسه ولم يفعله إنه مُؤَاخَذ بمأثم الاعتقاد دون الفعل، إلا أن يكون كَفُّه عن الفعل ندماً، فالندم توبة تمحص عنه مأثم الاعتقاد. قوله عز وجل: {ءَامَنَ الرَّسُولُ} إلى قوله: {وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ} أما إيمان الرسول فيكون بأمرين: تحمُّل الرسالة، وإِبْلاَغ الأمة، وأما إيمان المؤمنين فيكون بالتصديق والعمل. {كُلٌّ ءَامَنَ باللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}. والإِيمان بالله يكون بأمرين: بتوحيده، وقبول ما أنزل على رسوله. وفي الإِيمان بالملائكة وجهان: أحدهما: الإِيمان بأنهم رسل الله إلى أنبيائه. والثاني: الإِيمان بأن كل نفس منهم رقيب وشهيد. {وَكُتُبِهِ} قراءة الجمهور وقرأ حمزة: {وكِتَابِهِ} فمن قرأ {وَكُتُبِهِ} فالمراد به جميع ما أنزل الله منها على أنبيائه. ومن قرأ: {وَكِتَابِهِ} ففيه وجهان: أحدهما: أنه عنى القرآن خاصة. والثاني: أنه أراد الجنس، فيكون معناه بمعنى الأول وأنه أراد جميع الكتب والإِيمان بها والاعتراف بنزولها من الله على أنبيائه. وفي لزوم العمل بما فيها ما لم يرد نسخ قولان: ثم فيما تقدم ذكره من إيمان الرسول والمؤمنين - وإن خرج مخرج الخبر- قولان: أحدهما: أن المراد به مدحهم بما أخبر من إيمانهم. والثاني: أن المراد به أنه يقتدي بهم مَنْ سواهم. ثم قال تعالى: {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} يعني في أن يؤمن ببعضهم دون بعض، كما فعل أهل الكتاب، فيلزم التسوية بينهم في التصديق، وفي لزوم التسوية في التزام شرائعهم ما قدمناه من القولين، وجعل هذا حكاية عن قولهم وما تقدمه خبراً عن حالهم ليجمع لهم بين قول وعمل وماض ومستقبل. {وَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} أي سمعنا قوله وأطعنا أمره. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن يراد بالسماع القبول، وبالطاعة العمل. {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} معناه نسألك غفرانك، فلذلك جاء به منصوباً. {وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} يعني إلى جزائك. ويحتمل وجهاً ثانياً: يريد به إلى لقائك لتقدم اللقاء على الجزاء.

ابن عطية

تفسير : المعنى جميع ما في السموات وما في الأرض ملك الله وطاعة، لأنه الموجد المخترع لا رب غيره، وعبر بــ {ما} وإن كان ثم من يعقل لأن الغالب إنما هو جماد، ويقل من يعقل من حيث قلت أجناسه، إذ هي ثلاثة: ملائكة، وإنس، وجن، وأجناس الغير كثيرة. وقوله تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} معناه أن الأمر سواء، لا تنفع فيه المواراة والكتم، بل يعلمه ويحاسب عليه، وقوله: {في أنفسكم} تقتضي قوة اللفظ أنه ما تقرر في النفس واعتقد واستصحبت الفكرة فيه، وأما الخواطر التي لا يمكن دفعها فليست في النفس إلا على تجوز. واختلف الناس في معنى هذه الآية، فقال ابن عباس وعكرمة والشعبي هي في معنى الشهادة التي نهي عن كتمها، ثم أعلم في هذه الآية أن الكاتم لها المخفي في نفسه محاسب، وقال ابن عباس أيضاً وأبو هريرة والشعبي وجماعة من الصحابة والتابعين إن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا هلكنا يا رسول الله إن حوسبنا بخواطر نفوسنا، وشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم لكنه قال لهم أتريدون أن تقولوا كما قالت بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا؟! بل قولوا سمعنا وأطعنا، فقالوها، فأنزل الله بعد ذلك {أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} تفسير : [البقرة: 286]، فكشف عنهم الكربة ونسخ الله بهذه الآية تلك، هذا معنى الحديث المروي، لأنه تطرق من جهات، واختلفت عباراته واستثبتت عبارة هؤلاء القائلين بلفظة النسخ في هذه النازلة. وقال سعيد ابن مرجانة جئت عبد الله بن عمر فتلا هذه الآية، {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} ثم قال: والله لئن أخذنا بهذه الآية لنهلكن، ثم بكى حتى سالت دموعه، وسمع نشيجه، قال ابن مرجانة فقمت حتى جئت ابن عباس فأخبرته بما قال ابن عمر وبما فعل، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، لقد وجد المسلمون منها حين نزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر فأنزل الله {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} الآية فنسخت الوسوسة، وثبت القول والفعل، وقال الطبري وقال آخرون هذه الآية محكمة غير منسوخة، والله تعالى يحاسب خلقه على ما عملوا من عمل وعلى ما لم يعملوه مما ثبت في نفوسهم فأضمروه ونووه وأرادوه، فيغفر للمؤمنين ويأخذ به أهل الكفر والنفاق، ثم أدخل عن ابن عباس ما يشبه هذا المعنى، وقال مجاهد الآية فيما يطرأ على النفوس من الشك واليقين، وقال الحسن الآية محكمة ليست بمنسوخة، قال الطبري وقال آخرون نحو هذا المعنى الذي ذكر عن ابن عباس، إلا أنهم قالوا إن العذاب الذي يكون جزاء لما خطر في النفس وصحبه الفكر هو بمصائب الدنيا وآلامها وسائر مكارهها، ثم أسند عن عائشة رضي الله عنها نحو هذا المعنى، ورجح الطبري أن الآية محكمة غير منسوخة. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصواب، وذلك أن قوله تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} معناه مما هو في وسعكم وتحت كسبكم، وذلك استصحاب المعتقد والفكر فيه، فلما كان اللفظ مما يمكن أن تدخل فيه الخواطر أشفق الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم، فبيّن الله تعالى لهم ما أراد بالآية الأولى وخصصها، ونص على حكمه أنه {أية : لا يكلف نفساً إلا وسعها} تفسير : [البقرة: 286]، والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوسع، بل هو أمر غالب، وليست مما يكسب ولا يكتسب، وكان في هذا البيان فرحهم وكشف كربهم، وباقي الآية محكمة لا نسخ فيها. ومما يدفع أمر النسخ أن الآية خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ، فإن ذهب ذاهب إلى تقرير النسخ فإنما يترتب له في الحكم الذي لحق الصحابة حين فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم: "قولوا سمعنا وأطعنا" يجيء منه الأمر بأن يبنوا على هذا ويلتزموه وينتظروا لطف الله في الغفران، فإذا قرر هذا الحكم فصحيح وقوع النسخ فيه، وتشبه الآية حينئذ قوله عز وجل {أية : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} تفسير : [الأنفال: 65] فهذا لفظ الخبر ولكن معناه: التزموا هذا وابنوا عليه واصبروا بحسبه، ثم نسخ ذلك بعد ذلك. وأجمع الناس فيما علمت على أن هذه الآية في الجهاد منسوخة بصبر المائة للمائتين، وهذه الآية في البقرة أشبه شيء بها، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي "فيغفرْ"، و "ويعذبْ"، جزماً، وقرأ ابن عامر وعاصم "فيغفرُ" و "ويعذبُ" رفعاً، فوجه الجزم أنه أتبعه ما قبله ولم يقطعه، وهكذا تحسن المشاكلة في كلامهم، ووجه الرفع أنه قطعه من الأول، وقطعه على أحد وجهين، إما أن تجعل الفعل خبراً لمبتدأ محذوف فيرتفع الفعل لوقوعه موقع خبر المبتدأ، وإما أن تعطف جملة من فعل وفاعل على ما تقدمها، وقرأ ابن عباس والأعرج وأبو حيوة "فيغفرَ" و "يعذبَ" بالنصب على إضمار "أن"، وهو معطوف على المعنى كما في قوله: {أية : فيضاعفه} تفسير : [البقرة: 11] وقرأ الجعفي وخلاد وطلحة بن مصرف يغفر بغير فاء، وروي أنها كذلك في مصحف ابن مسعود، قال ابن جني هي على البدل من يحاسبكم فهي تفسير المحاسبة، وهذا كقول الشاعر: [الطويل] شعر : رويداً بني شيبانَ بعضَ وعيدِكُمْ تُلاقُوا غداً خيلي عَلى سَفَوَانِ تلاقوا جياداً لا تحيدُ عن الوغَى إذا ما غَدَتْ في المأزقِ المتدانِ تفسير : فهذا على البدل، وكرر الشاعر الفعل لأن الفائدة فيما يليه من القول. وقوله تعالى: {ويعذب من يشاء} يعني من العصاة الذين ينفذ عليهم الوعيد، قال النقاش يغفر لمن يشاء، أي لمن ينزع عنه، {ويعذب من يشاء} أي من أقام عليه، وقال سفيان الثوري يغفر لمن يشاء العظيم ويعذب من يشاء على الصغير. قال القاضي أبو محمد: وتعلق بهذه قوم ممن قال بجواز تكليف ما لا يطاق، وقال إن الله قد كلفهم أمر الخواطر، وذلك مما لا يطاق. قال القاضي أبو محمد: وهذا غير بين، وإنما كان أمر الخواطر تأويلاً تأوله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت تكليفاً إلا على الوجه ذكرنا من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم إياهم على ذلك. ومسألة تكليف ما لا يطاق، نتكلم عليها فيما بعد إن شاء الله تعالى. ولما ذكر المغفرة والتعذيب بحسب مشيئته تعالى أعقب ذلك بذكر القدرة على جميع الأشياء، إذ ما ذكر جزء منها.

ابن عبد السلام

تفسير : {لِّلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ} له تدبير ذلك، أو ملكه {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} كتمان الشهادة، أو ما حَدَّث به نفسه من سوء أو معصية، فنسخت بقوله تعالى {رَبَّنَا لا تُوَاخِذْنَآ} إلى {الْكَافِرِينَ}، أو هي محكمة فيؤاخذ الإنسان بما أضمره إلا أن [الله] يغفره للمؤمن فيؤاخذ به الكافر، أو هي عامة في المؤاخذة بما أضمره، أو هي عامة ومؤاخذة المسلم بمصائب الدنيا.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {لله ما في السموات وما في الأرض} ملكاً وأهلها له عبيد وهو مالكهم {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} وهذا يتناول حديث النفس والخواطر الفاسدة التي ترد على القلب ولا يتمكن من دفعها، والمؤاخذة بها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق: وأجيب عن هذا بأن الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين فمنها ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إظهاره إلى الوجود، فهذا مما يؤاخذ الإنسان به. والقسم الثاني ما يخطر بالبال ولا يمكن دفعه عن نفسه لكن يكره ولا يعزم على فعله ولا إظهار إلى الوجود فهذا معفو عنه بدليل قوله تعالى: {أية : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}تفسير : [البقرة: 286]. وقال قوم: إن هذه الآية خاصة ثم اختلفوا في وجه تخصيصها فقال بعضهم: هي متصلة بالآية التي قبلها وإنما نزلت في كتمان الشهادة ومعنى الآية {وإن تبدوا ما في أنفسكم} أيها الشهود من كتمان الشهادة أي تخفوه أي تخفوا الكتمان يحاسبكم به الله وهذا ضعيف، لأن اللفظ هام وإن كان وارداً عقيب قضية فلم يلزم صرفه إليها. وقال بعضهم: إن الآية نزلت فيمن يتولى الكافرين من المؤمنين والمعنى: وإن تبدوا أي تظهروا ما في أنفسكم يعني من ولاية الكفار أو تخفوه فلا تظهروه يحاسبكم به الله. وذهب أكثر العلماء إلى أن الآية عامة ثم اختلفوا فقال قوم: هي منسوخة بالآية التي بعدها ويدل عليه ما روي عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {لله ما في السموات وما في الأرض، وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} الآية. اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قوم سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" تفسير : فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى في أثرها: {أية : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير}تفسير : [البقرة: 286] فلما فعلوا ذلك نسخها الله عز وجل فأنزل الله: {أية : لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}تفسير : [البقرة: 286] قال نعم: {أية : ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} تفسير : [البقرة: 286] قال نعم ربنا: {أية : ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} تفسير : [البقرة: 286] قال نعم: {أية : واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} تفسير : [البقرة: 286] قال نعم أخرجه مسلم وله عن ابن عباس نحوه وفيه قد فعلت بدل نعم (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يعملوا به أو يتكلموا به وفي رواية ما وسوست به صدورها" تفسير : وقال قوم: إن الآية غير منسوخة لأن النسخ لا يرد إلاّ على الأمر والنهي ولا يرد على الإخبار. وقول الله تعالى: {يحاسبكم به الله} خبر فلا يرد عليه النسخ ثم اختلفوا في تأويلها فقال قوم: قد أثبت الله تعالى للقلب كسباً فقال: بما كسبت قلوبكم وليس لله عبد أسر عملاً أو أعلنه من حركة جارحة أو همة قلب إلاّ يعلمه الله ثم يخبره به ويحاسبه عليه ثم يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وقال آخرون في معنى الاية: إن الله تعالى يحاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالكم وأخفوه وعاقبهم عليه غير أن معاقبتهم على ما أخفوه أخف مما لم يعملوا به وهو ما يحدث لهم في الدنيا من النوائب والمصائب والأمور التي يحزنون عليها وهذا قول عائشة عن أمية إنها سألت عائشة عن قول الله عز وجل: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} وعن قوله {من يعمل سوءاً يجز به} فقالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة حتى البضاعة يضعها في يد قميصه فيفقدها فيفزع لها، حتى أن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير" تفسير : أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. وله عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عليه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة"تفسير : . وقال قوم في معنى الآية وإن تبدوا ما في أنفسكم يعني مما عزمتم عليه أو تخفوه أي ولا تبدوه وأنتم عازمون عليه يحاسبكم به الله. فأما حديث النفس مما لم تعزموا عليه فإن ذلك مما لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها ولا يؤاخذ به. قال عبدالله بن المبارك: قلت لسفيان: أيؤاخذ العبد بالهمة؟ فقال: إذا كانت عزماً أخذ بها وقيل معنى المحاسبة الإخبار والتعريف فيرجع معنى هذه المحاسبة إلى كونه تعالى عالماً بكل ما في الضمائر والسرائر مما ظهر وخفي ومعنى الآية: وإن تبدوا ما في أنفسكم فتعملوا به أو تخفوه مما أضمرتم ونويتم يحاسبكم به الله أي يخبركم به ويعرفكم إياه، ثم يغفر للمؤمنين إظهاراً لفضله ويعذب الكافرين إظهاراً لعدله. يروى عن ابن عباس ويدل عليه أنه قال: يحاسبكم به الله ولم يقل: يؤاخذكم به لأن المحاسبة غير المؤاخذة ويدل عليه أيضاً ما روي عن صفوان بن محرز المازني قال: بينما ابن عمر يطوف إذ عرض له رجل فقال: يا أبا عبدالرحمن أخبرني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في النجوى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يدني المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه تعرف ذنب كذا وكذا فيقول: أعرف رب أعرف مرتين فيقول الله: سترتها عليك في الدينا وأنا أغفرها لك اليوم ثم تطوى صحيفة حسابه، وأما الآخرون وهم الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين" تفسير : أخرجاه في الصحيحين. وقوله تعالى: {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} قال ابن عباس: يغفر لمن يشاء الذنب العظيم ويعذب من يشاء على الذنب الصغير لا يسأل عما يفعل وهم يسألون {والله على كل شيء قدير} يعني أنه تعالى قادر على كل شيء كامل القدرة فيغفر للمؤمنين فضلاً ويعذب الكافرين عدلاً.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {لِّلَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ...}. احتجوا بها على أنّ أعمال العباد مخلوقة لله لأنّها (مما) في السماوات وما في الأرض. واحتجّوا بها على أن السّماء بسيطة إذ لو كانت كروية لكانت الأرض (مما) فيها ولم يكن لقوله: {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} فَائِدَة؟ وأجيب: بأن ذكرها بالمطابقة أولى من ذكرها بالتضمّن والالتزام، لأنها مشاهدة مرئية، ومذهب (المتقدمين أنها بسيطة ومذهب) المتأخرين أنها كروية. قال الغزالي في النّهاية ولا ينبني على ذلك الكفر ولا إيمان. قوله تعالى: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ...}. من إقامة المسبب مقام سببه لأن المحاسبة (عليه) متسبّبة عن العلم به أي يعلمه الله فيحاسبكم عليه، وما في النّفس إن كان وسوسة وترددا من غير جزم فلا خلاف في عدم المؤاخذة به (وإن كان على سبيل الجزم والمواطأة عليه فإما أن يكون له أثر في الخارج أو لا. فإن كان قاصرا على نفس الإنسان ولا أثر له في الخارج كالإيمان والكفر خلاف في المؤاخذة، وإن كان له أثر في الخارج فإن تمّ بإثره فلا خلاف في المؤاخذة)، كمن يعزم على السرقة ويسرق أو على القتل ويقتل، وإن عزم عليه في نفسه ورجع عن فعله في الخارج فإن كان اختيارا لغير مانع فلا خلاف في عدم المؤاخذة به، بل ذكروا أنه يؤجر على ذلك كما في بعض طرق الحديث (إن) تركها (مأجور)، وإن رجع عنه لمانع منه ففي المؤاخذة به قولان. هذا محصول ما ذكره القاضي أبو الفضل عياض في الإكمال: "حديث : إذا هم العبد بسيئة فلم يعملها"تفسير : الحديث ذكره مسلم في كتاب الإيمان. قال ابن عرفة: والكفر خارج من هذا لقول الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ }. تفسير : وحكى ابن عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما وجماعة أنها لما نزلت قال الصحابة: "هلكنا إن حوسبنا بخواطرنا". فأنزل الله {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}تفسير : فمنهم من جعلها ناسخة. وضعفه ابن عطية لأنه خبر فلا ينسخ. قال لكن ورد أنهم "حديث : لما قالوا: هلكنا، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم قولوا: "سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا"تفسير : فقالُوا فنزلت {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً} فصح النسخ وتشبه الآية حيئنذ قول الله تعالى في الأنفال: {أية : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ}.تفسير : ثم نسخت بصبر المائة للمائتين. قال ابن عرفة: آية الأنفال ليس فيها إلا النسخ لأنّه رفع كلّ الحكم (وآيَتُنَا) هذه تحتمل النسخ والتخصيص كما قال بعضهم. قال ابن عرفة: ونظير الآية ما خرج مسلم في كتاب الإيمان عن علقمة عن عبد الله قال: لما نزلت {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ}تفسير : شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (وقالوا أيّنا لم يظلم نفسه) فقال لهم عليه الصلاة والسلام: "حديث : ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه: {يَٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ". تفسير : قال ابن عرفة: وذكر الفقهاء الخلاف إذا شهد شاهدان لرجل بشيء مظروف في شيء وماتا أو غابا هل يكون له الظرف (أم لا)؟ قالوا: إن كان الظرف من ضرورياته لا يمكن أن يجعل إلا فيه كالزيت والخل فهو له بما / فيه باتفاق. وإن لم يكن من ضرورياته كجبّة في صندوق أو في (صرّ) ففي كون الظرف له خلاف. وذكره ابن الحاجب في كتاب الإقرار قال فيه ما نصه: وثوب في صندوق أو منديل ففي لزوم ظرفه قولان بخلاف زيت في جرة، وجبة وبطانتها، وخاتم وفصه، أي يقبل قوله. قال ابن عرفة: والآية حجة لمن يقول شهادتهما بالمظروف يستلزم الظرف لأن كون {لِّلَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} يستلزم أن السماوات نفسها له. قَال ابن عرفة: الآية حجة أيضا لمن يقول: إن الطلاق بالنية (لا) يلزم عندنا وفيه خلاف والمشهور أنه غير لازم. قوله تعالى: {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ...}. قال الزمخشري: وقرىء فَيَغْفِرْ (بالجزم) في جواب الشرط. ورده أبو حيان بأن النحويين نصّوا على أن الفاء إنما تنصب في الأجوبة الثمانية ولم يعدوا منها الشرطية. فجعله معطوفا على مصدر مقدر فيكون من عطف الفعل على الاسم الملفوظ به. ونص الشلوبين على أنّ قول (النحويين) الأجوبة الثمانية ليس على ظاهره بل مرادهم كل ما ليس واجبا أعني ما ليس بخبر فيدخل فيه الشرط. وتحامل الزمخشري هنا (وأساء الأدب) على السوسي من طريق أبي عمرو وخّطأه كما خطّأ (الصيمري) في تبصرته (والزّجاج) وكذا خطأ ابن عامر في قراءته {أية : وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ}تفسير : ولكن تخطئته هنا لأبي عمرو من طريق السوسي أشنع. قال ابن عطية: هنا عن النقاش: فيغفر لمن يشاء (أي) لمن (ينزع) عنه، ويعذب من يشاء أي من أقام عليه. قال ابن عرفة: وهذا نحو ما قال الزمخشري، وفيه إيهام الاعتزال. قلت: لأنه يوهم أنّ المعاصي لا تغفر إلا بالتوبة ومذهب أهل السنّة أنه يجوز أن يغفر له وإن لم يتب (منها) إلاّ الكفر. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. قال ابن عرفة: لفظ (شيء) يطلق على المعدوم والموجود فأفاد أنّه على كل شيء مما في السموات والأرض ومما هو خارج (عنهما) قدير. قال (والفضاء الذي بين السماء والأرض تقول إنّه عامر وإنه خارج عنها وهي مسألة الخَلاء والملاء) ونقول: تناولت الآية الأمر الحالي والماضي ونفي المستقبل غير داخل فيها فلذلك قال: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ليدخل المستقبل.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {فيغفر لمن يشاء} بإدغام الراء في اللام: أبو عمرو. وجملة أهل العلم على الإخفاء لا على الإدغام التام {فيغفر} و{يعذب} برفع الراء والباء: يزيد وابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب. وقرأ حمزة غير أبي عمرو والحلواني عن قالون وابن مجاهد وأبو عون وأبو ربيعة عن البزي وخلف لنفسه يعذب من بالإظهار، أبو عمرو يدغم {ويعذب من يشاء} كل القرآن. {وكتابه} حمزة وعلي وخلف الباقون {وكتبه} جمعاً لا يفرق بياء الغيبة يعقوب. الباقون بالنون {أخطأنا} مثل {أية : فادارأتم} تفسير : [البقرة: 72]. الوقوف: {وما في الأرض} ط {به الله} ط لمن قرأ {فيغفر} بالرفع على الاستئناف/ أي فهو يغفر، ومن جزم العطف لم يقف. {من يشاء} ط. {قدير} ه {والمؤمنون} ه، لمن لم يقف على من ربه. {المصير} ه، {وسعها} ط {ما اكتسبت} ط {أو أخطأنا} ج {من قبلنا} ج لأن النداء للابتداء ولكن الواو لعطف السؤال على السؤال {لنا به} ج {واعف عنه} وقفة {واغفر لنا} كذلك {واحمنا} كذلك للتفصيل بين أنواع المقاصد والاعتراف بأن أطماعنا غير واحد {الكافرين} ه. التفسير: إنه تعالى لما جمع في هذه السورة أشياء كثيرة من علم الأصول وهي دلائل التوحيد والنبوة والمعاد وأشياء كثيرة من بيان الشرائع والتكاليف كالصلاة والزكاة والقصاص والصوم والحج والجهاد والحيض والطلاق والعدة والصداق والخلع والإيلاء والإرضاع والبيع والربا والمداينة، ختم السورة بكلام دل على كماله ملكه وهو قوله:{لله ما في السموات وما في الأرض} وعلى كمال علمه وهو قوله {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} وعلى كمال قدرته وهو قوله {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} وفي ذلك غاية الوعد للمطيعين ونهاية الوعيد للمذنبين. وعن أبي مسلم أنه لما قال: والله بما تعملون عليم. ذكر عليه دليلاً عقلياً فإن من كان فاعلاً لهذه الأفعال المحكمة المتقنة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع الفاخرة لا بد أن يكون محيطاً بأجزائها وجزئياتها. وقيل: لما أمر بالوثائق من الكتبة والأشهاد والرهن، ذكر ما علم منه أن المقصود يرجع إلى الخلق وأنه منزه على الانتفاع به. وقال الشعبي وعكرمة ومجاهد: إنه لما أوعد على كتمان الشهادة ذكر أن له ما في السموات وما في الأرض فيجازي على الكتمان والإظهار. عن ابن عباس وأبي هريرة واللفظ له: "حديث : لما نزل {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والصدقة. وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله عزّ وجل: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: نعم {ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} قال: نعم، {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال نعم {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} قال نعم. "تفسير : واعلم أن العلماء اتفقوا على أن الأمور التي تخطر بالبال مما يكرهها الإنسان ولا يمكنه إزالتها عن النفس، لا يؤاخذ بها لأنها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق، وأما الخواطر التي يوطن الإنسان نفسه عليها ويعزم على إدخالها في الوجود فقد قيل: إنه يؤاخذ بها لقوله تعالى: {أية : ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} تفسير : [البقرة: 225] وكما يؤاخذ باعتقاد الكفر والبدع وأنه من أفعال القلوب، ثم قال بعضهم: إنما يؤاخذ بها الدنيا لما روى الضحاك عن عائشة أنها قالت: ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه. نعم يبتليه في الدنيا أو حزن أو أذى، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب. وروت أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه. وقيل: إن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل فإنه في محل العفو لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال بعد نزول قوله {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} " حديث : إن الله تجاوز لأمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا "تفسير : وقيل: معنى قوله {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} أن يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهراً وإما على سبيل الخفية، وعلى هذا فلا حاجة الى التزام النسخ. وكذا لو قيل: إن معنى كونه حسيباً ومحاسباً كونه عالماً بما في الضمائر والسرائر فيغفر لمن يشاء وإن كان من أصحاب الكبائر لعموم اللفظ. وعند المعتزلة لمن استوجب المغفرة بالتوبة وهو تخصيص من غير دليل {ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} مستولِ على كل الممكنات بالقهر والغلبة والإيجاد والإعدام. فعلى كل عاقل أن يكون له عبداً منقاداً خاضعاً لأوامره ومراضيه، محترزاً عن مساخطه ومناهيه ليستحق المدح والثناء بقوله {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون} فإن كمال الربوبية في الواجب يستلزم كمال العبودية في الممكن، وكمال العبودية في الممكن يستتبع كمال الرحمة عليه وذلك قوله: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} إلى آخر السورة. أو نقول: إنه بدأ السورة بذكر المتقين الذين يؤمنون بالغيب، فبيّن في آخرها أن الذين مدحتهم في أول السورة هم أمة محمد {والمؤمنون كل آمن بالله} ثم قال ههنا {وقالوا سمعنا وأطعنا} كما قال هناك {أية : ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} تفسير : [البقرة: 3] وقال ههنا {غفرانك ربنا وإليك المصير} كما قال هنالك {أية : وبالآخرة هم يوقنون} تفسير : [البقرة:4 ] ثم حكى عنهم كيفية تضرعهم إلى ربهم بقوله: {ربنا لا تؤاخذنا} إلى آخر السورة كما قال هناك {أية : أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} تفسير : [البقرة:/ 5] أو نقول: إنه سبحانه لما ذكر في هذه السورة أنواع الشرائع والأحكام، بيّن أن الرسول اعترف لمعجزة دلت على صدق الملك أن ذلك وحي من الله وصل إليه، وأن الذي أخبره بذلك ملك مبعوث من قبل الله معصوم من التحريف وليس بشيطان مضل. ثم ذكر عقيبه إيمان المؤمنين بذلك لمعجزات أظهرها الله تعالى على يد الرسول حتى استدلت الأمة بها على أنه صادق في دعواه وهو المرتبة المتأخرة. ومن تأمل في نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بسبب فصاحة ألفاظه وبلاغة معانيه، فهو أيضا معجز بحسب ترتيبه ونظم مبانيه. ولعل الذين قالوا إنه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك. ثم ههنا احتمالان: أحدهما أن يكون تمام الكلام عند قوله: {المؤمنون} فيكون المعنى {آمن الرسول... والمؤمنون... بما أنزل إليه من ربه} ثم ابتدأ بقول {كل آمن} فيكون الضمير الذي التنوين نائب عنه في كل عائداً إلى الرسول والمؤمنين أي كلهم آمن بل كل واحد ممن تقدم ذكره من الرسول والمؤمنين آمن، ولهذا وحد. ومثل هذا الضمير يجوز أن يفرد بمعنى كل واحد، ويجوز أن يجمع كقوله {أية : وكل أتوه داخرين} تفسير : [النمل: 87] وهذا الاحتمال يشعر بأنه صلى الله عليه وسلم ما كان مؤمناً بربه ثم آمن، فيحمل عدم الإيمان على وقت الاستدلال وذلك أنه عرف بما ظهر من المعجزات على يد جبريل عليه السلام أن هذا القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام منزل من عند الله تعالى وليس من باب إلقاء الشياطين ولا من نوع السحر والكهانة والشعبذة. والاحتمال الثاني أن يتم الكلام عند قوله {من ربه} ثم ابتدأ من قوله {والمؤمنون كل آمن بالله} وفي هذا الاحتمال إشعار بأن الذي حدث هو إيمانه بالشرائع التي نزلت عليه كما قال {أية : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} تفسير : [الشورى: 52] أما الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله على الإجمال فقد كان حاصلاً منذ خلق من أول الأمر بل كان نبياً وآدم بين الماء والطين، كما أن عيسى خلق كامل العقل حتى قال في المهد {أية : إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً} تفسير : [مريم: 30] وعلى هذا فإنما خص الرسول بذلك لأن الذي أنزل إليه من ربه قد يكون متلواً يسمعه الغير ويعرفه فيمكنه أن يؤمن به، وقد يكون وحياً لا يعلمه سواه. فيكون هو صلى الله عليه وسلم مختصاً بالإيمان به ولا يتمكن الغير من الإيمان به. واعلم أن الآية دلت على أن معرفة هذه المراتب الأربع من ضروريات الإيمان: المرتبة الأولى هي الإيمان بالله سبحانه فإن صدق المبلغ والرسول يتوقف على وجود المبلغ والمرسل. والثانية الإيمان بالملائكة فإنهم وسائط بين الله وبين البشر. {أية : ينزل الملائكة بالروح/ من أمره على من يشاء من عباده} تفسير : [النحل: 2] {أية : علمه شديد القوى} تفسير : [النجم: 5]. والثالثة الكتب فإنه الوحي الذي يتلقفه الملك ويوصله إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فمثال الملك في عالم الصورة جرم القمر، ومثال الوحي نور القمر. فكما أن القمر يستفيد من نور الشمس ويوصله إلينا فكذا الملك يأخذ الوحي من الله تعالى ويلقيه على الأنبياء فلا جرم وقع الرسل في المرتبة الرابعة. وهذا الترتيب مما تقتضيه حكمة عالم التكليف والوسائط وإلا فمقام لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل معلوم لنبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا سر تطلع منه على أسرار أخرى إن كنت من أهلها، ثم الإيمان بالله عبارة عن الإيمان بوجوده وبصفاته وبأفعاله بأحكامه وبأسمائه. أما الإيمان بوجوده فهو أن تعلم أن وراء المتحيزات موجوداً خالقاً لها، وعلى هذا التقدير فالمجسم لا يكون مقراً بوجود الإله تعالى فيكون الخلاف معهم في ذات الله تعالى. وأما الفلاسفة والمعتزلة فالخلاف معهم في الصفات لا في الذات، لأنهم مقرون بوجود موجود غير متحيز ولا حال في المتحيز، وأما الإيمان بصفاته فالصفات إما ثبوتية أو سلبية أو إضافية. وقد عرفت في تفسير البسملة ما يصح وصفه تعالى بها وما لا يصح، وكذا في تفسير آية الكرسي. وأما الإيمان بأفعاله فأن تعلم أن كل ما سواه فإنما حصل بتخليقه وتكوينه حتى الأفعال التي تسمى اختيارية للحيوانات، وذلك أن مشيئة الإنسان محدثة منتهية إلى الله سبحانه فهو مضطر في صورة مختار. وقد حققنا هذه المسألة في تفسير قوله {أية : ختم الله على قلوبهم} تفسير : [البقرة: 7] وأما الإيمان بأحكامه فإن تعلم أنها غير معللة بغرض وإن كان يترتب عليها الفوائد، وأن تعلم أن المقصود من شرعها منافع عائدة إلى العباد لا إلى الله فإنه منزه عن جلب المنافع ودفع المضار، وأن تعلم أن له الإلزام والحكم في الدنيا كيف شاء وأراد، وأن تعلم أنه لا يجب على الحق بسبب الأعمال شيء، وأنه في الآخرة يغفر لمن يشاء بفضله ويعذب من يشاء بعدله ولا يقبح منه شيء، لأن الكل ملكه وملكه. وأما الإيمان بأسمائه فهي الأسماء الواردة في كتب الله المنزلة وفي كلمات أنيبائه المرسلة، وقد مر في تفسير البسملة فهذا هو الإشارة إلى معاقد الإيمان بالله. وأما الايمان بالملائكة فهو الإيمان بوجودها. فأما البحث عن أنها روحانية محضة، أو جسمانية محضة، أو مركبة من القسمين، وبتقدير كونها جسمانية فلطيفة أو كثيفة، وإن كانت لطيفة فنورانية أو هوائية فذاك مقام العلماء الراسخين في العلوم القرآنية والبُرهانية ويدخل في الإيمان بالملائكة اعتقاد أنهم معصومون، وأن لذتهم بذكر الله، وحياتهم بمعرفته وطاعته، وأنهم وسائط بين الله وبين البشر، وبهم وصلت الكتب إلى الأنبياء، ولكل طائفة منهم مقام معلوم وجزء مقسوم من أقسام هذا العالم. وأما الإيمان بالكتب/ فإن تعلم أن كلها وحي من عند الله وليس لأحد من المخلوقات أن يلقي فيها شيئاً من ضلالاتهم ولا سيما في القرآن العظيم. وإن من قال: إن ترتيب القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان، فقد أخرج القرآن عن كونه حجة وطرق إليه التغيير والتحريف. وأن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه، ومحكمه يكشف عن متشابهه. وأما الإيمان بالرسل فإن تعلم كونهم معصومين عن الذنوب في باب الاعتقاد في أمر التبيلغ وفي الفتيا وفي الأخلاق وفي الأفعال كما مر في قصة آدم، وأن تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل ممن ليس بني خلافاً لبعض الصوفية، وأن بعض الأنبياء أفضل من بعض كما قال تعالى: {أية : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} تفسير : [البقرة: 253] وأما فضلهم على الملائكة فقد قال بعضهم: إن الأنبياء أفضل من الملائكة. وقال كثير من العلماء: إن الملائكة السماوية أفضل منهم وإنهم أفضل من الملائكة الأرضية. وقد مر تحقيق ذلك في قصة آدم أيضاً. وأن تعلم أن شرعهم وإن صار منسوخاً إلا أن نبوتهم لم تصر منسوخة. وإنهم الآن أنبياء ورسل كما كانوا، وناقش بعض المتكلمين في ذلك. فهذه إشارة إلى أصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله. وأما من قرأ {وكتابه} على الوحدة فإما أن يراد به القرآن، ثم الإيمان به يتضمن الإيمان بمجموع الكتب والرسل. وإما أن يراد به جنس الكتب السماوية فإن اسم الجنس المضاف قد يفيد العموم كقوله: {أية : وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها} تفسير : [إبراهيم: 34] وقال {أية : احل لكم ليلة الصيام الرفث} تفسير : [البقرة: 187] وهذا الإحلال شائع في جميع الصيام. قال العلماء: قراءة الجمع أولى لمشاكلة ما قبله وما بعده. وقيل: قراءة الإفراد أولى لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع. ومن هنا قال ابن عباس: الكتاب أكثر من الكتب. ومن قرأ {لا نفرق} بالنون فلا بد من إضمار أي يقولون لا نفرق. ومن قرأ بالياء على أن الفعل لكل فلا حاجة إلى الإضمار، ثم إن الجملة خبر أو حال واحد في معنى الجمع. أي بين كل منهم وبين آخر منهم، فإن النكرة في سياق النفي تعم ولذلك صلحت لدخول "بين" عليها. وليس المراد بعدم التفريق عدم التفضيل لقوله تعالى: {أية : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} تفسير : [البقرة: 253] بل المراد عدم التفريق في الإيمان بهم وفي اعتقاد بنوتهم لظهور المعجزات على أيديهم حسب دعاويهم. والغرض منه تزييف معتقد اليهود والنصارى الذين يقرون بنبوة موسى وعيسى دون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وعن أبي مسلم: لا نفرق ما جمعوا كقوله {أية : واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} تفسير : [آل عمران: 103] واعلم أن قوله {آمن الرسول} إلى قوله {بين أحد من رسله} إشارة إلى استكمال القوة النظرية بهذه المعارف الشريفة {وقالوا سمعنا وأطعنا} إشارة إلى استكمال القوة العملية بالأعمال/ الفاضلة الكاملة. أو نقول: إن للإنسان إياماً ثلاثة الأمس والبحث عنه يسمى معرفة المبدأ، واليوم والبحث عنه يسمى بالوسط، والغد والفحص عنه يسمى بعلم المعاد. فقوله: {آمن الرسول} إلى قوله {من رسله} إشارة إلى معرفة المبدأ {وقالوا سمعنا وأطعنا} إشارة إلى الوسط و{غفرانك ربنا وإليك المصير} علم المعاد ومثله في آخر سورة هود {أية : ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله} تفسير : [هود: 123] وهو معرفة المبدأ لأن الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة. وقوله: {أية : ولله غيب السموات والأرض} تفسير : [هود: 123] فيه بيان كمال العلم، وقوله {أية : وإليه يرجع الأمر} تفسير : فيه كمال القدرة. وأما علم الوسط وهو علم ما يجب أن يشتغل به اليوم فبدايته الاشتغال بالعبودية وهو قوله: {أية : فاعبده} تفسير : [هود: 123] ونهايته قطع النظر عن الأسباب، وتفويض الأمور كلها إلى مسبب الأسباب وهو قوله {أية : وتوكل عليه}تفسير : [هود: 123] وأما علم المعاد فقوله: {أية : وما ربك بغافل عما تعملون} تفسير : [هود: 123] أي ليومك غد سيصل إليك فيه نتائج أعمالك ومثله {أية : سبحان ربك رب العزة عما يصفون}تفسير : [الصافات: 180] وهو معرفة المبدأ {أية : وسلام على المرسلين} تفسير : [الصافات: 181] وفيه إشارة إلى عالم الوسط {أية : والحمد لله رب العالمين} تفسير : [الصافات: 182] إشارة إلى علم المعاد كقوله {أية : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} تفسير : [يونس: 10] والوقوف على هذه الأسرار إنما يكون بجذبة من ضيق عالم الأسرار إلى فسحة عالم الأنوار. أو نقول {والمؤمنون كل آمن بالله} إشارة إلى الأحكام العقليات {وقالوا سمعنا وأطعنا} إشارة إلى الأحكام السمعيات. قال الواحدي: أي سمعنا قوله وأطعنا أمره. وقيل: حذف المفعول صورة. ومعنى ههنا أولى ليفيد أنه ليس في الوجود قول يجب سمعه إلا قوله، ولا أمر تجب إطاعته إلا أمره. والسماع ههنا بمعنى القبول أي سمعناه بآذان عقولنا وعرفنا صحته وتيقنا أن كل تكليف ورد على لسان الملائكة والأنبياء عليهم السلام، فهو حق صحيح واجب قبوله، ثم قال {وأطعنا} فدل هذا على أنه كما صح اعتقادهم في هذه التكاليف فهم ما أخلوا بشيء منها، فجمع الله تعالى بهذين اللفظين كل ما يتعلق بأبواب التكاليف علماً وعملاً. {غفرانك} مصدر منصوب بإضمار فعله أي اغفر. ويقال: غفرانك اللهم لا كفرانك. من قوله {أية : وما يفعلوا من خير فلن يكفروه} تفسير : [آل عمران: 115] أي لن تعدموا جزاءه. وفي الكشاف: أي نستغفرك ولا نكفرك. وقيل: معناه نسألك غفرانك فيكون مفعولاً به. والأشهر أنه مصدر حذف فعله وجوباً لكثرة الاستعمال وللاستغناء به عن فعله نحو: سقياً ورعياً. وههنا سؤال وهو أن القوم لما قبلوا التكليف وعملوا به فأي حاجة بهم إلى طلب المغفرة؟ والجواب لعلهم خافوا أن يكون قد فرط منهم تقصير فيما يأتون/ ويذرون، أو لعلهم كانوا يرتقون في درجات العبودية فيستغفرون مما قد خلفوها، ومن ههنا قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد حمل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وإني لأستغفر الله في اليوم سعبين مرة "تفسير : على مثل هذا. ولأن جميع الطاعات في جنب مواجب حقوق الإلهية جنايات وتقصير وقصور، ولهذا حكى عن أهل الجنة {أية : دعواهم فيها سبحانك اللهم} تفسير : [يونس: 10] أي أنت منزه عن تسبيحنا وتقديسنا {أية : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} تفسير : [يونس: 10] أي كل الحمد له، وإن كنا لا نقدر على فهم ذلك الحمد بعقولنا ولا على ذكره بألسنتنا. ثم إن طلب هذا الغفران مقرون بأمرين: أحدهما بالإضافة إليه، والثاني بقوله: {ربنا} أما القيد الأول فمعناه أطلب المغفرة منك وأنت الكامل في هذه الصفة والمطموع من الكامل في صفة أن يعطي عطية كاملة، وما ذاك إلا بأن يغفر جميع الذنوب ويبدّلها حسنات. أو تكون الإضافة إشارة إلى ما ورد في الحديث: " حديث : إن لله تعالى مائة جزء من الرحمة قسم جزءاً منها على الملائكة والجن والإنس وجميع الحيوانات فبها يتراحمون ويتعاطفون. وأخر تسعة وتسعين جزءاً ليوم القيامة "تفسير : أو لعل العبد يقول: كل صفة من صفاتك فإنما يظهر أثرها في محل معين. فلولا الوجود بعد العدم لما ظهرت آثار قدرتك، ولولا الترتيب العجيب والتأليف الأنيق لما ظهرت آثار علمك، ولولا جرم العبد وجنايته وعجزه وحاجته لم يظهر آثار مغفرتك ورأفتك. فأنا أطلب الغفران الذي لا يمكن ظهوره إلا في حقي وفي حق أمثالي من المذنبين. وأما القيد الثاني فمعناه ربيتني إذ أوجدتني مع أنك لو لم تربني في ذلك الوقت لم أتضرر به لأني كنت أبقى في العدم، والآن لو لم تربني أتضرر به فأسألك أن لا تهملني. أو ربيتني حين لم أذكرك بالتوحيد فكيف يليق بكرمك أن لا تربيني وقد أفنيت عمري في توحيدك؟ أو ربيتني في الماضي فاجعل تربيتك لي في الماضي شفيعاً إليك في أن تربيني في المستقبل، أو ربيتني فيما مضى فأتمم هذه التربية فيما يستقبل فإن إتمام المعروف خير من ابتدائه، {وإليك المصير} حيث لا حكم إلا حكمك ولا يشفع أحد إلا بإذنك. وفيه اعتراف بأنه تعالى عالم بالجزئيات قادر على كل الممكنات، له المحيا وله الممات. قوله سبحانه {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} إن قلنا إنه من تمام كلام المؤمنين فوجه النظم أنهم قالوا: كيف لا نسمع ولا نطيع وإنه تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا. وإن قلنا إنه من كلام الله تعالى مستأنفاً فالوجه أنهم لما قالوا سمعنا وأطعنا ثم طلبوا المغفرة، دل ذلك على أنه لا يصدر عنهم زلة إلا على سبيل السهو والنسيان، فلا جرم خفف الله تعالى عنهم إجابة لدعائهم. والوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه كالصلوات الخمس وصوم رمضان والحج، فإنه كان من إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج أكثر من حجة. ولكنه تعالى ما جعل في الدين من حرج لكمال رحمته وشمول رأفته. واعلم أن المعتزلة عولوا في نفي تكليف ما لا يطاق على هذه الآية، ثم استنبطوا منها أصلين: الأول أن العبد موجد لأفعال نفسه إذ لو كان بتخليق الله تعالى لم يكن للعبد قدرة على دفعها لضعف قدرته، ولا على فعلها إذ الموجود لا يوجد. ثانياً، فتكليف العبد بالفعل يكون تكليف ما لا يطاق. الثاني أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لكان المأمور بالإيمان غير قادر عليه، فيلزم تكليف ما لا يطاق. أما الأشاعرة فقالوا: تكليف من مات على الكفر كأبي لهب مع العلم بعدم إيمانه تكليف بالجمع بين النقيضين. والجواب أن العلم بعدم الإيمان ليس تكليفاً بعدم الإيمان حتى يلزم التكليف بالنقيضين، والتكليف بأمر ممكن لذاته ممتنع لغيره غير التكليف بأمر مستحيل لذاته الذي هو محل النزاع. لكن الأشعري لما كانت حجته قوية عنده خصص الآية بأنها إنما وردت في التكاليف الممكنة، إذ التكليف بالممتنع ليس تكليفاً بالحقيقة وإنما هو إعلام وإشعار بأنه خلق من أهل النار. على أنه لو جعلت من قول المؤمنين لم يبق فيها حجة، ويحتمل أن يقال: لما حكاه عنهم في معرض المدح وجب أن يكونوا صادقين فيه {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} قال الواحدي: إن الكسب والاكتساب واحد. قال تعالى: {أية : ولا تكسب كل نفس إلا عليها} تفسير : [الأنعام: 164] وقيل: الاكتساب أخص لأن الكسب لنفسه ولغيره، والاكتساب ما يكتسب لنفسه خاصة. وقيل: في الاكتساب مزيد اعتمال وتصرف لهذا خص بجانب الشر دلالة على أن العبد لا يؤاخذ من السيئات إلا بما عقد الهمة عليه وربط القلب به بخلاف الخير فإنه يثاب عليه كيفما صدر عنه. قالت المعتزلة: في الآية دليل على أن الخير والشر كلاهما مضاف إلى العبد، ولو كانا بتخليق الله تعالى لبطلت هذه الإضافة وجرى صدور أفعاله منه مجرى لونه وطوله وشكله مما لا قدرة له عليه ألبتة، ولانتفت فائدة التكليف وقد سبق تحقيق المسألة مراراً، وكذا تفسير الكسب وبيان المذاهب فيه في تفسير وبيان المذاهب فيه في تفسير قوله {أية : تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم} تفسير : [البقرة: 134]. واحتج الأصحاب بالآية على فساد القول بالمخاطبة لأنه تعالى بيّن أن لها/ ثواب ما كسبت وعليها عقاب ما اكتسبت، وهذا صريح في أن الاستحقاقين يجتمعان، وأنه لا يلزم من طرّو أحدهما زوال الآخر. وقال الجبائي: تقدير الآية لها ما كسبت من ثواب العمل الصالح إذا لم يبطله، وعليها ما اكتسبت إذا لم يكفر بالتوبة وإنما أضمرنا هذا الشرط لأن الثواب منفعة دائمة والعقاب مضرة دائمة، والجمع بينهما محال. واحتج كثير من المتكلمين بالآية في أن الله تعالى لا يعذب الأطفال بذنوب آبائهم، والفقهاء تمسكوا بها في إثبات أن الأصل في الأملاك البقاء والاستمرار. وفرعوا عليه مسائل منها: أن المضمونات لا تملك بأداء الضمان، لأن المقتضى لبقاء الملك قائم وهو قوله {لها ما كسبت} والعارض الموجود إما الغصب وإما الضمان وهما لا يوجبان زوال الملك بدليل أم الولد والمدبر. ومنها أنه لا شفعة للجار لأن المقتضي لبقاء الملك قائم وهو قوله {لها ما كسبت} عدلنا عن الدليل في الشريك لكثرة تضرره بالشركة فيبقى في الجار على الأصل. ومنها أن القطع لا يسقط الضمان لوجود المقتضي، والقطع لا يوجب زوال الملك بدليل أن المسروق متى كان باقياً وجب رده على المالك. ومنها أن منكري وجوب الزكاة احتجوا به، والجواب أن دلائل وجوب الزكاة أخص والخاص مقدم على العام. ثم إنه تعالى حكى عن المؤمنين أربعة أنواع من الدعاء: الأول {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} ومعنى لا تؤاخذنا لا تعاقبنا. وقد يكون فاعل بمعنى فعل نحو: سافرت وعاقبت اللص. وقيل: معنى المشاركة ههنا أن الناسي قد أمكن من نفسه وطرّق السبيل إليها بفعله فصار من يعاقبه بذنبه كالمعين لنفسه في إيذاء نفسه. وفي التفسير الكبير: إن الله يأخذ المذنب بالذنب والمذنب يأخذ ربه بالعفو والكرم أي يتمسك عند الخوف من عذابه برحمته، وهذا معنى المؤاخذة بين العبد والرب. والمراد بالنسيان إما الترك وهو أن يترك الفعل لتأويل فاسد كما أن الخطأ هو أنه يفعل الفعل لتأويل فاسد ومنه قوله تعالى: {أية : نسوا الله فنسيهم} تفسير : [التوبة: 67] أي تركوا العمل لله فترك أن يثيبهم، وإما ضد الذكر. وأورد عليه أن النسيان والخطأ متجاوز عنهما في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "تفسير : فما معنى الدعاء؟ والجواب من وجوه: الأول أن النسيان منه ما يعذر صاحبه فيه ومنه ما لا يعذر. فمن رأى دماً في ثوبه وأخر إزالته إلى أن نسي فصلى وهو على ثوبه عد مقصراً إذا كان يلزمه المبادرة إلى إزالته. وكذا إذا تغافل عن تعاهد القرآن حتى نسي فإنه يكون ملوماً بخلاف ما لو واظب على القراة ومع/ ذلك نسي فإنه يكون معذوراً. وروي "حديث : أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يذكر حاجته شد خيطاً في أصبعه"تفسير : فثبت أن الناسي قد لا يكون معذوراً وذلك إذا ترك التحفظ وأعرض عن أسباب التذكر، وإذا كان كذلك صح طلب غفرانه بالدعاء. والحاصل أنه ذكر النسيان والخطأ والمراد بهما ما هما مسببان عنهما من التفريط والإغفال. الثاني أن هذا على سبيل الفرض والتقدير وذلك أنهم كانوا متقين لله حق تقاته، فما كان يصدر عنهم ما لا ينبغي إلا على وجه الخطأ والنسيان، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إيذاناً ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به فكأنه قيل: إن كان النسيان مما يجوز المؤاخذة به فلا تؤاخذنا به. الثالث أن العلم بأن النسيان مغفور لا يمنع من حسن طلبه بالدعاء، فربما يدعو الإنسان بما يعلم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله إما لاستدامته وإما لاعتداد تلك النعمة أو لغير ذلك كقوله {أية : قل رب احكم بالحق} تفسير : [الأنبياء: 112] {أية : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} تفسير : [آل عمران: 194] وقالت الملائكة: {أية : فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك} تفسير : [غافر: 7]. الرابع أن مؤاخذة الناسي غير ممتنعة عقلاً وإنما عرف عدم المؤاخذة بالآية والحديث، فلما كان ذلك جائزاً في العقل حسن طلب المغفرة منه بالدعاء. وقد يتمسك به من يجوّز تكليف ما لا يطاق فيقول الناسي غير قادر على الاحتراز عن الفعل، فلولا أنه جائز من الله تعالى عقلاً لما أرشد الله تعالى إلى طلب ترك المؤاخذة عليه. وقد يستدل به على حصول العفو لأهل الكبائر قالوا: إن النسيان والخطأ لا بد أن يفسرا بما فيه العمد والقصد إلى فعل ما لا ينبغي. إذ لو فسرا بما لا عمد فيه فالمؤاخذة على ذلك قبيحة عند الخصم، وما يقبح من الله فعله يمتنع طلب تركه بالدعاء. وإذا فسرا بما ذكرنا وقد أمر الله المسلمين أن أن يدعوه بترك المؤاخذة عل تعمد المعصية دل ذلك على أنه يعطيهم هذا المطلوب فيكون العفو لصاحب الكبيرة مرجواً. النوع الثاني: من الدعاء {ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} الإصر الثقل والشدة ثم يسمى العهد إصراً لأنه ثقيل. والإصر العطف لأن من عطفت عليه ثقل على قلبك ما يصل إليه من المكاره. يقال: ما تأصرني على فلان آصرة أي ما تعطفني عليه قرابة ولا منة، والمعنى لا تشدد علينا في التكاليف كما شدّدت على من قبلنا من الهيود، قال المفسرون: إن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها، وكان عذابهم معجلاً في الدنيا. فأجاب الله تعالى دعاءهم كما قال: {أية : ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} تفسير : [الأعراف: 157] وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : رفع عن أمتي المسخ والخسف والغرق " تفسير : وإنما طلبوا هذا التخفيف لأن التشديد مظنة التقصير والتقصير موجب العقوبة. وقيل: معناه لا تحمل علينا عهداً أو ميثاقاً يشبه ميثاق من قبلنا في الغلظ والشدة وهو قريب من الأول. قال بعض العلماء: اليهود لما كانت الفظاظة/ وغلظ القلب غالبة عليهم كانت مصالحهم في التكاليف الشديدة الشاقة، وهذه الأمة الرقة وكرم الخلق غالبة عليهم فكانت مصلحتهم في التخفيف وترك التغليظ. وأما أن اليهود لما خصت بغلظ الطبع وهذه الأمة باللطافة والكرم فليس إلينا أن نعلم تفاصيل جميع الكائنات وما لا يدرك كله لا يترك كله. النوع الثالث: الدعاء {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} ومن الأصحاب من تمسك به في جواز تكليف ما لا يطاق إذ لو لم يكن جائزاً لما حسن طلب تركه بالدعاء. وأجاب المعتزلة عنه بأن معنى قوله: {لا طاقة لنا} أي ما يشق فعله لا الذي لا قدرة لنا عليه. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المملوك: "حديث : له طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق " تفسير : أي لا يشق عليه. وزيف بأن معناه ومعنى الآية المتقدمة يكون حينئذٍ واحداً فعدلوا عن ذلك وقالوا: المراد منه العذاب أي لا تحملنا عذابك الذي لا نطيق احتماله. سلمنا أنهم سألوا الله تعالى أن لا يكلفهم ما لا قدرة لهم عليه، لكن ذلك لا يدل على جواز أن يفعل خلاف ذلك كما أن قوله {رب احكم بالحق} لا يدل على جواز أن يحكم بباطل. وكذا قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم {أية : ولا تخزني يوم يبعثون} تفسير : [الشعراء: 87] لا يدل على أن خزي الأنبياء جائز. قيل: لم خص التكليف الشاق بالحمل والتكليف الذي لا قدرة عليه بالتحميل؟ وأجيب بأن الحاصل فيما لا يطاق هو التحميل دون الحمل. قيل: لما طلب أن لا يكلفه بالفعل الشاق كان من لوازمه أن لا يكلفه بما لا يطاق فكان المناسب طرح هذا الدعاء لا أقل من عكس الترتيب. والجواب على تفسير المعتزلة ظاهر أي لا تحملنا عذابك فإنهم طلبوا الإعفاء عن التكليفات الشاقة التي كلفها من قبلهم، ثم عما نزل عليهم من العقوبات على تفريطهم في المحافظة عليها. وأما على تفسير الأشاعرة فهو أنهم سألوا أن لا يكلفهم تكليفاً شاقاً مقيداً وهو التكليف بما كلف من قبلهم. ثم سألوا أن لا يكلفهم التكليف الشاق الذي لا قدرة لهم عليه مطلقاً سواء كلف بذلك من قبلهم أم لا. وقيل: الأول طلب ترك التشديد في مقام القيام بظاهر الشريعة، والثاني طلب ذلك في مقام الحقيقة وهو مقام الاشتغال بمعرفة الله وخدمته وطاعته وشكر نعمه أي لا تطلب مني حمداً يليق بجلالك ولا شكراً يليق بآلائك ونعمائك، ولا معرفة تليق بقدس عظمتك وكمالك. وأما الفائدة في حكاية هذه الأدعية بصيغة الجمع في {لا تؤاخذنا} {ولا تحمل علينا} فذلك أنه إذا اجتمعت النفوس والهمم على كل شيء كان حصوله أرجى. النوع الرابع من الدعاء {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا} وإنما حذف النداء وهو قوله "ربنا" ههنا لأن النداء يشعر بالبعد. فترك النداء يؤذن بأن العبد إذا واظب على التضرع والدعاء نال مقام القربة والزلفى من الله. والفرق بين العفو والمغفرة والرحمة أن العفو إسقاط العذاب، والمغفرة أن يستر عليه بعد ذلك جرمه صوناً له عن عذاب التخجيل والفضيحة فإن الخلاص من عذاب النار إنما يطيب إذا حصل عقيبة الخلاص من عذاب الفضيحة. فالأول هو العذاب الجسماني والثاني هو العذاب الروحاني. وبعد التخلص منهما أقبل على طلب الثواب وهو أيضاً قسمان: جسماني هو نعيم الجنة وطيباتها وهو قوله {وارحمنا} وروحاني هو إقبال العبد بكليته على مولاه وهو قوله {أنت مولانا} ففيه الاعتراف بأنه سبحانه هو المتولي لكل نعمة ينالونها، وهو المعطي لكل مكرمة يفوزون بها، وأنهم بمنزلة الطفل الذي لا تتم مصلحته إلا بتدبير قيمه، والعبد الذي لا ينتظم شمل مهماته إلا بإصلاح مولاه. وبهذا الاعتراف يحق الوصول إلى الحق "من عرف نفسه" أي بالإمكان والنقصان "عرف ربه" أي بالوجوب والتمام. ثم إذا وصل إلى الحق أعرض بالكلية عما سواه وهو قوله {فانصرنا على القوم الكافرين} أعنا على قهر كل من خالفك وناواك وعلى غلبة القوى الجسمانية الداعية إلى ما سواك. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها فإن تعلمها بركة وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة قيل: وما البطلة؟ قال: السحرة "تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم " حديث : من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم " حديث : أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن نبي قبلي " تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم " حديث : أنزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل "تفسير : وروى الواحدي عن مقاتل بن سليمان "حديث : أنه لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء أعطي خواتيم سورة البقرة فقالت الملائكة له: إن الله عز وجل أكرمك بحسن الثناء بقوله {آمن الرسول} فاسأله وارغب إليه. فعلّمه جبريل عليه السلام كيف يدعو فقال النبي صلى الله عليه وسلم {غفرانك ربنا} فقال الله: قد غفرت لكم. فقال:{لا تؤاخذنا} فقال الله: لا أؤاخذكم. فقال: لا تحمل علينا إصراً. فقال: لا أشدد عليكم. فقال: لا تحملنا ما لا طاقة لنا به. فقال: لا أحملكم ذلك. فقال: {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا} فقال الله: قد عفوت عنكم/ وغفرت لكم وانصركم على القوم الكافرين"تفسير : . وفي بعض الروايات أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يذكر هذه الدعوات والملائكة كانوا يقولون آمين. التأويل: الإنسان مركب من عالمي الأمر والخلق. له روح نوراني من عالم الأمر والملكوت، وله نفس ظلمانية من عالم الخلق والملك، ولكل منهما نزاع وشوق إلى عالمه. فغاية بعثة الأنبياء تزكية النفوس عن ظلمة أوصافها وتحليتها بأنوار الأرواح، وحاصل تسويل الشيطان عكس هذه القضية وإليه الإشارة في قوله {إن تبدوا ما في أنفسكم} مودع من أنوار الأخلاق الروحانية في الظاهر بأعمال الشريعة في الباطن بأحوال الحقيقة {أو تخفوه} بإبراز ظلمات الأوصاف النفسية في الظاهر بمخالفات الشريعة، وفي الباطن بموافقات الطبيعة {يحاسبكم به الله} بطهارة النفس لقبول أنوار الروح أو بتلوث الروح لقبول ظلمات النفس {فيغفر لمن يشاء} فينور نفسه بأنوار الروح وروحه بأنوار الحق {ويعذب من يشاء} فيعاقب نفسه بنار دركات السعير وروحه بنار فرقة العلي الكبير {والله على كل شيء} من إظهار اللطف والقهر على تركيب عالمي الأمر والخلق {قدير} لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى وبلغ المقصد الأعلى {أية : ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى} تفسير : [النجم: 9] أكرم بالسلام قبل الكلام فقيل: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فأجاب صلى الله عليه وسلم بقوله: " حديث : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" تفسير : . فقيل له {آمن الرسول} عياناً {بما أنزل إليه من ربه} فقال من كمال رأفته بأمته {والمؤمنون كل آمن بالله} إلى قوله {سمعنا وأطعنا} فقال الله تعالى: ما يطلبون مني في جزاء السمع والطاعة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم {غفرانك ربنا وإليك المصير} ما يطلبون إلا أن تسترهم بسربال فضلك ويكون مصيرهم إليك لا إلى غيرك كما كان مصيري إليك لا إلى من سواك. قال الله في جوابه {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} إنك في مقام لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولهذا قال لك جبريل: لو دنوت أنملة لاحترقت. وإن الأنبياء والمرسلين الذين اصطفيناهم على العالمين وكل طائفة منهم في سماء واقفون حبستهم رحمتي كيلا تحرقهم سبحات وجهي وسطوات قهري، فكيف أكلف أمتك المذنبة المرحومة بهذا المصير وأنا بضعف حالهم بصير؟ وإنما بلغت هذا المقام حتى جاوزت الرسل الكرام أن اتخذتك حبيباً قبل أن أخلقك وخلقت الكائنات لمحبتك ولأن أمتك أكرم الأمم، ولهم بسبب شفاعتك اختصاص بمحبتي إياهم ما داموا في متابعتك فقل لهم {أية : إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} تفسير : [آل عمران: 31] فبقدر ما كسبت أمتك من أنوار متابعتك تستحق المصير إلى حضرة جلالنا وشواهد جمالنا، وعلى قدر ما اكتسبت بالتواني عن ظل متابعتك تستأهل المصير إلى دركات السعير. فتارة/ أسكره لذة هذا الخطاب وأخرى أقحمته سطوة هذا العتاب. فقال {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} أي لا تعاقب أمتي إن نسيت عهدك الذي عاهدتهم أن يحبوك ولا يحبوا غيرك، أو أخطأت طريق طلبك ولكن ما أخطأت طريق عبوديتك فلم يعبدوا غيرك وأنت قلت: {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} تفسير : [النساء: 48] {ربنا ولا تحمل علينا إصراً} بأن تجعلنا أسرى النفس الأمارة فنعبد عجل الهوى ونار الشهوات كما عبد الذين من قبلنا {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا} بالصبر عن شهود جمالك {واعف عنا} حجب أنانيتنا {واغفر لنا} بشواهد هويتك {وارحمنا} برفع البينونة من بيننا {أنت مولانا} وولينا في رفع وجودنا وناصرنا في نيل مقصودنا {فانصرنا على القوم الكافرين} بجذبات عنايتك وأعنا في المصير إليك على قمع كفار الأثنينية التي تمنعنا من وحدتك. شعر : بيني وبينك إنيَّ يزاحمني فارفع بجودك إنّي من البين

ابن عادل

تفسير : في كيفية النَّظم وجوه: الأول: قال الأَصمّ: إنه تعالى لمَّا جمع في هذه السُّورة أشياءَ كثيرةً مِنْ علم الأُصُول: من دلائل التَّوحيدِ، والنُّبوةِ، والمعادِ، وبيان الشَّرائِع، والتكاليف؛ كالصلاةِ والزكاةِ، والصومِ، والحجِّ، والقِصَاصِ، والجهادِ، والحيضِ، والطَّلاَقِ، والعِدَّةِ، والصَّدَاقِ، والخُلعِ، والإِيلاءِ، والرَّضَاعةِ، والبيع، والرِّبَا، وكيفيَّةِ المُداينةِ - ختم هذه السورة بهذه الآية على سبيل التَّهديد. قال ابن الخطيب: لمَّا كان أكملُ الصفاتِ هو العلم والقدرة عبَّرَ عن كمالِ قُدْرته بقول {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} مِلكاً ومُلْكاً، وعبَّرَ عن كمال علمه، وإِحاطته بالكُلِّيَّاتِ، والجُزْئِيَّاتِ بقوله: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللهُ}، وإذا اختصَّ بكمال العلم، والقُدرة، فكل من في السموات والأرض عبيدٌ مربوبون له، وجدوا بتخليقه، وتكوينه، وهذا غاية الوعدِ للمطيعين، ونهايةُ الوعيد للمذنبين، ولهذا ختم السورة بهذه. الثاني: قال أبو مسلم: إنه تعالى لمَّا نزَّل في آخر الآية المتقدِّمة: "إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عليمٌ"، ذكر عقيبهُ ما يجرِي مجرى الدليل العقلي فقال: {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ومعنى هذا الملك أَنَّ هذه الأشياء لمَّا كانت محدثةً، فقد وجدت بتكوينه؛ وإبداعه، ومن أتقن هذه الأفعال العجيبة الغريبة المشتمِلة على الحِكم المُتكاثرة؛ والمنافع العظيمة، فلا شَكَّ أَنَّ ذلك مِنْ أعظم الأَدِلَّة على كونه عالماً مُحيطاً بأجزائها. الثالث: قال القاضي: إنه تعالى لمَّا أمر بهذه الوثائِق - أعني الكتابة، والإِشهادَ، والرهنَ، وكان المقصودُ من الأَمر بها صيانة الأَموالِ، والاحتياط في حفظها - بيَّن تعالى أن المقصودَ من ذلك إنما يرجع لمنفعة الخلقِ، لا لمنفعةٍ تعُودُ إليه سبحانه، فإنَّ له مُلْكَ السَّموات، والأَرضِ. الرابع: قال الشعبيُّ، وعكرمةُ، ومجاهدٌ: إنه تعالى لما نهى عن كِتمان الشهادة، وأَوعد عليه، بيَّن أَنَّ له مُلك السمواتِ، والأَرضِ؛ فيجازِي على الكِتْمانِ، والإِظهارِ. فصلٌ في بيان سبب النُّزُول قال مقاتلٌ: نزلت فيمن يتولَّى الكافرين من المؤمنين، يعني: وإن تُعْلِنُوا ما في أَنفُسِكُم من ولاية الكُفَّار، أو تُسِّروه، يُحَاسِبكُم به الله، كما ذكر في سورة آل عمران {أية : لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ}تفسير : [آل عمران:28]، إلى أن قال: {أية : قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللهُ}تفسير : [آل عمران:29]. وذهب الأَكثرُون إلى أنَّها عامَّةٌ. فصلٌ رُوِي عن ابن عبَّاسٍ؛ أنه قال: لمَّا نزلت هذه الآية، حديث : جاء أبو بكرٍ وعمرُ، وعبدُ الرَّحمن بن عوف، ومعاذ، وناسٌ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثم بركُوا على الرَّكبِ، فقالوا: يا رسُول اللهِ، كُلِّفنا من الأَعمالِ ما نُطيقُ؛ الصلاةُ، والصِّيامُ، والجِهَادُ، والصَّدَقَةُ، وقد أُنزِلت عليك هذه الآيةُ ولا نُطِيقُهَا، إنَّ أَحدنا ليُحدِّثُ نفسهُ بما لا يحبّ أن يثبتَ في قلبهِ وإنَّ له الدُّنيا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْل الكِتابينِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بل قولوا: "سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ" تفسير : فَلمَّا قرأها القومُ، ذلَّتْ بهم أَنفُسُهُم، فأنزل الله في إثرها {أية : ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَاآمَنَ بِٱللهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [البقرة:285] فمكَثُوا في ذلك حولاً، واشتدَّ ذلك عليهم، فأَنزل اللهُ - تعالى - {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}تفسير : [البقرة:286] فَنَسَخَتْ هذه الآية، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثُوا بِهِ أَنْفُسَهُم مَا لَمْ يَعْمَلُوا أَوْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ ". تفسير : قال ابن مسعود، وابن عبَّاسٍ، وابن عمر: هذه الآية منسوخةٌ، وإليه ذهب محمَّد بن كعبٍ القرظِيّ؛ ويدُلُّ عليه ما رَوَى أَبو هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: قال: "حديث : إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ ". تفسير : وقال آخرون: الآية من باب الخبر، والنَّسخُ لا يتطرَّق إلى الأخبارِ، إنما يرِدُ على الأمرِ والنَّهي، وقوله: {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللهُ} خبر، وهؤلاء ذكرُوا في الآيةِ وجُوهاً: الأول: أن الخواطر الواردة على النَّفس قسمان: منها: ما يعزمُ على فعله وإيجاده، فيكون مؤاخذاً به؛ لقوله - تعالى -: {أية : لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}تفسير : [البقرة:225]، وقال بعد هذه الآية: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ}تفسير : [البقرة:286]، وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}تفسير : [النور:19]. ومنها: ما يخطر بالبالِ مع أَنَّ الإنسان يكرهُهَا ولا يمكنه دفعها، فهذا لا يُؤاخذُ به. الثاني: أن كُلَّ ما كان في القلب ممَّا لا يدخُل في العملِ؛ فإنه في محلِّ العفوِ. وقوله: {إِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} فالمرادُ منه أن يوجد ذلك العمل، إمَّا ظاهراً وإمَّا خُفيَةً، وأمَّا ما يُوجدُ في القلبِ من العزائم والإراداتِ، ولم تتَّصِل بعمل، فذلك في محلِّ العفو. قال ابن الخطيب: وهذا ضعيفٌ؛ لأن أكثر المُؤاخذاتِ إنَّما تكون بأفعالِ القُلُوبِ؛ ألا ترى أنَّ اعتقادَ الكُفْرِ والبدَع إِلاَّ مِنْ أَعمال القُلُوبِ، وأعظم أَنواع العِقَابِ مُتَرتِّبٌ عليه. وأيضاً: فأفعالُ الجوارح إذا خلت عن أفعال القُلُوبِ، لا يترتَّب عليها عقابٌ؛ كأفعال النَّائِمِ والسَّاهي. الثالث: قال الحسن: كُلُّ من أسرَّ عملاً أو أَعْلَنهُ من حركةٍ من جوارحه، أو همّةٍ في قلبه، إِلاَّ يُخْبرُه الله به ويُحاسبُه عليه، ثم يغفِر ما يشاءُ ويُعذِّب من يشاء؛ لأن الله - تعالى - أَثبت للقلبِ كسباً؛ فقال: {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}تفسير : [البقرة:225]. الرابع: أن الله - تعالى - يُحاسِبُ خلقهُ بجميع ما أَبدوا من أعمالهم أو أخفوهُ، ويُعاقِبُهُم عليه، غير أنَّ معاقبَتَهُ على ما أَخفوهُ ممَّا يعملُوه هو ما يحدث لهم في الدُّنيا من الهَمِّ والغَمِّ والمصائِبِ، والأُمُور التي يحزنزن عليها. روى الضَّحَّاك حديث : عن عائشة - رضي الله عنها -: قالت: سألت رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ما حدَّث العبد به نفسهُ من شرٍّ كانت مُحاسبةُ الله - تعالى - عليه، فقال: يا عائشة، هذه مُعاتَبةُ الله - عزّ وجلّ - العبد بما يُصيبُهُ من الحُمَّى والنّكبة، حتَّى الشَّوكة والبضاعة يضعُهَا في كُمِّهِ فيفقدها فيرُوعُ لها فيجِدُها في ضِبْنه حتَّى إنَّ المؤمن ليخرُجُ من ذُنُوبه؛ كما يخرج التِّبرُ الأحمرُ من الكِير. تفسير : وعن أنس بن مالكٍ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حديث : إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِه الخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ في الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِه الشَّرَّ أَمْسَك عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوافِيَهُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ". تفسير : فإن قيل: كيف تحصل المُؤَاخذةُ في الدُّنيا مع قوله: {أية : ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ}تفسير : [غافر:17]. قلنا: هذا خاصٌّ، فيُقدَّمُ على ذلك العامِّ. الخامس: أنه - تعالى - قال: "يُحَاسِبْكُم" ولم يَقُل "يُؤَاخِذْكُم" وقد ذكرنا في معنى كونه حسيباً ومُحَاسباً وجوهاً كثيرة، ومن جملتها كونه عالماً بها، فيرجعُ معنى الآية إلى كونه عالماً بكُلِّ ما في الضَّمائر والسَّرائر. والمرادُ من المُحاسبة: الإِخبار والتَّعريفُ. ومعنى الآية: وَإِنْ تُبْدُوا مَافِي أَنْفُسِكُمْ فتعملُوا به أَوْ تُخْفُوهُ ممَّا أضمرتم ونويتم، يحاسبكم به الله، ويُخبركم به، ويُعرفكم إيَّاه ثم يغفر للمؤمنين إظهاراً لفضله، ويعذِّب الكافرين إظهاراً لعدلِهِ. وهذا معنى قول الضَّحَّاك، ويُروَى عن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -؛ يدلُّ عليه أَنَّهُ قال: {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللهُ} ولم يَقُلْ: "يُؤَاخِذْكُمْ"، والمُحاسبةُ غير المُؤَاخذة. ورُوِي عن ابن عبَّاسٍ أنه - تعالى - إذا جمع الخلائق يُخْبَرهم بما كان في نفوسهم، فالمُؤْمِنُ يُخبِرهُ ويعفو عنه، وأهل الذُّنُوب يُخبرهم بما أَخفوا من التَّكذِيب والذَّنب روى صفوان بن محرز قال: كُنتُ آخِذاً بيد عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - فأتاهُ رجلٌ، فقال: كيف سمعتَ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في النَّجوى؟ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إِنَّ اللهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ يَسْتُرُه من النَّاسِ، فيقُولُ: أي عَبْدِي، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا وَكَذَا؟ فيقولُ: نَعَمْ أي ربِّ، ثم يقُول: أي رَبِّ، حتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى في نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ، قال: فَإِنِّي قد سترتُها عليك في الدُّنيا وقد غَفَرْتُهَا اليَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ [بِيَمِينِهِ]، وأَمَّا الكافِرُ والمُنَافِقُ فَيقُولُ الأَشهادُ هؤلاءِ الَّذِين كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ". تفسير : السادس: أنه - تعالى - قال: {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} فيكون الغُفرانُ لمن كان كارِهاً لورُودِ تلك الخواطِرِ، والعَذَابُ إن كان مُصِرّاً على تِلك الخواطِرِ مستحسِناً لها. السابع: المراد كتمان الشَّهادة؛ وهذا ضعيفٌ، لعُموم اللَّفظ. قوله تعالى: "فَيَغْفِرُ": قرأ ابن عامر وعاصمٌ برفع "يَغْفِرُ" و "يُعَذِّبُ"، والباقون من السبعةِ بالجزم، وقرأ ابن عباس والأعرجُ وأبو حيوة: "فَيَغْفِرَ" بالنصب. فأمَّا الرفعُ: فيجوزُ أَنْ يكونَ رفعُه على الاستئنافِ، وفيه احتمالان: أحدهما: أن يكونَ خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: فهو يَغْفِرُ. والثاني: أنَّ هذه جملةٌ فعليةٌ من فعلٍ وفاعلٍ، عُطِفت على ما قبلها. وأمَّا الجزمُ فللعطفِ على الجزاءِ المجزوم. وأمَّا النصبُ: فبإضمار "أَنْ"، وتكونُ هي وما في حَيِّزها بتأويلِ مصدرٍ معطوف على المصدر المتوهَّم من الفعلِ قبل ذلك، تقديره: تكنْ محاسبةُ، فغفرانٌ، وعذابٌ. وقد رُوي قولُ النابغة بالأوجه الثلاثة، وهو: [الوافر] شعر : 1302 - فَإِنْ يَهْلِكْ أَبُو قَابُوسَ يَهْلِكْ رَبيعُ النَّاسِ وَالبَلَدُ الحَرَامُ ونَأْخُذْ بَعْدَهُ بِذِنَابِ عَيْشٍ أَجَبَّ الظَّهْر لَيْسَ لَهُ سَنَامُ تفسير : بجزم: "نَأْخُذْ" عطفاً على "يَهْلِكْ رَبِيعُ" ونصبه ورفعِه، على ما ذُكِرَ في "فَيَغْفِرْ" وهذه [قاعدة مطَّرِدة، وهي أنه إذا وقع بعد جزاء الشرط فعلٌ بعد فاءٍ أو واوٍ جاز فيه هذه] الأوجُهُ الثلاثةُ، وإن توسَّطَ بين الشرطِ والجزاءِ، جاز جزمه ونصبه وامتنع رفعه، نحو: إِنْ تَأْتِنِي فَتَزُرْنِي أَوُ فَتَزُورَنِي، أَوْ وَتَزُرْني أَوْ تَزُورَنِي. وقرأ الجعفي وطلحة بن مصرِّف وخلاَّد: "يَغْفِرْ" بإسقاط الفاء، وهي كذلك في مصحف عبد الله، وهي بدلٌ من الجواب؛ كقوله تعالى: {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ}تفسير : [الفرقان:68-69]. وقال أبو الفتح: "وهي على البدلِ من "يُحاسِبْكُمْ"، فهي تفسيرٌ للمحَاسَبَة" قال أبو حيان: "وليس بتفسيرٍ، بل هما مترتِّبان على المُحَاسَبَةِ". وقال الزمخشريُّ: "ومعنى هذا البدلِ التفصيلُ لجملة، الحساب؛ لأنَّ التفصيلَ أوضحُ من المفصَّل، فهو جارٍ مجرى بدل البعض من الكلِّ أو بدل الاشتمال؛ كقولك: "ضَرَبْتُ زَيْداً رَأْسَهُ" و "أَحْيَيْتُ زَيْداً عَقْلَهُ"، وهذا البدلُ واقعٌ في الأفعالِ وقوعَه في الأسماءِ؛ لحاجةِ القبلتينِ إلى البيان". قال أبو حيان: وفيه بعضُ مناقشةٍ: أمَّا الأولُ؛ فقوله: "معنَى هذا البدلِ التفصيلُ لجملةِ الحسابِ"، ولس العذابُ والغفرانُ تفصيلاً لجملةِ الحسابِ؛ لأنَّ الحِسَابَ إنما هو تعدادُ حسناتِه وسيئاتِه وحصرُها، بحيث لا يَشُذُّ شيءٌ منها، والغفرانُ والعذابُ مترتِّبان على المُحاسَبَة، فليست المحاسبةُ مفصَّلةً بالغفرانِ والعذابِ. وأمَّا ثانياً؛ فلقوله بعد أَنْ ذكر بدل البعض من الكل وبدل الاشتمال: "وهذا البدلُ واقعٌ في الأفعالِ وقوعَه في الأسماءِ لحاجةِ القبيلَين إلى البيان"، أمَّا بدلُ الاشتمال، فهو يمكن، وقد جاءَ؛ لأنَّ الفعلَ يدُلُّ على الجنسِ، وتحته أنواعٌ يشتملُ عليها، ولذلك إذا وقع عليه النفيُ، انتفَتْ جميعُ أنواعه، وأمَّا بدلُ البعضِ من الكلِّ، فلا يمكنُ في الفعل إذ الفعلُ لا يقبلُ التجزُّؤَ؛ فلا يقال في الفعلِ له كلٌّ وبعضٌ، إلا بمجازٍ بعيدٍ، فليس كالاسم في ذلك، ولذلك يستحِيلُ وجودُ [بدل] البعضِ من الكلِّ في حق الله تعالى؛ إذ الباري لا يتقسَّم ولا يتبعَّض. قال شهاب الدين: ولا أدري ما المانعُ من كونِ المغفرة والعذابِ تفسيراً، أو تفصيلاً للحساب، والحسابُ نتيجتُه ذلك، وعبارةُ الزمخشريِّ هي بمعنى عبارة ابن جنِّي، وأمَّا قوله: "إِنَّ بدلَ البعضِ من الكلِّ في الفعْلِ متعذِّرٌ، إذ لا يتحقَّق فيه تجزُّؤٌ"، فليس بظاهرٍ؛ لأنََّ الكليةَ والبعضيةَ صادقتان على الجنس ونوعه، فإنَّ الجنسَ كلٌّ، والنوعَ بعضٌ، وأمَّا قياسُه على الباري تعالى، فلا أدري ما الجامع بينهما؟ وكان في كلام الزمخشريُّ ما هو أولى بالاعتراض عليه. فإنه قال: وقرأ الأعمش: "يَغْفِر" بغير فاءٍ مجزوماً على البدلِ من "يُحَاسِبْكُمْ"؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1303- مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأَجَّجَا تفسير : وهذا فيه نظرٌ؛ لأنه لا يطابق ما ذكره بعد ذلك؛ كما تقدَّم حكايتُه عنه؛ لأن البيت قد أُبدِلَ فيه من فعلِ الشرط، لا من جوابِه، والآية الكريمة قد أُبْدِلَ فيها من نفسِ الجواب، ولكنَّ الجامعَ بينهما كونُ الثاني بدلاً مِمَّا قبلَه وبياناً له. وقرأ أبو عمرو بإدغام الراء في اللام، والباقون بإظهارها، وأظهر الباء قبل الميم هنا ابن كثير بخلافٍ [عنه]، وورشٌ عن نافع، والباقون بالإِدغام، وقد طَعَن قومٌ على قراءةِ أبي عمرٍو؛ لأنَّ إدغام الراءِ في اللام عندهم ضعيفٌ. قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: "كيف يَقْرأ الجَازِمُ"؟ قلت: يُظْهِر الراءَ، ويُدْغِم الباء، ومُدْغِمُ الراءِ في اللام لاحِنٌ مخطىءٌ خطأً فاحِشاً، وراويه عن أبي عمرٍو مخطىءٌ مرتين؛ لأنه يَلْحَنُ وينسُبُ إلى أعلمِ الناس بالعربية ما يُؤذِنُ بجهلٍ عظيم، والسببُ في هذه الروايات قِلَّةُ ضبطِ الرواة، وسبب قلةِ الضبطِ قلةُ الدراية، ولا يَضْبطُ نحو هذا إلا أهلُ النَّحو" قال شهاب الدين. وهذا من أبي القاسم غيرُ مرضيٍّ؛ إذ القُرَّاء معتنُونَ بهذا الشأن؛ لأنهم تَلقَّوا عن شيوخهم الحرفَ [بعد الحَرْفِ]، فكيف يقلُّ ضبطُهُم؟ وهو أمرٌ يُدْرَكُ بالحسِّ السمعيِّ، والمانعُ من إدغام الراءِ في اللام والنونِ هو تكريرُ الراءِ وقوتُها، والأقوى لا يدغم في الأضعَف، وهذا مَذهبُ البصريِّين: الخليل وسيبويه ومَنْ تبعهما، وأجاز ذلك الفراءُ والكسائيُّ والرُّؤاسيُّ ويعقوبُ الحضرميُّ ورأسُ البصريِّين أبو عمرو، وليس قوله: "إن هذه الرواية غلطٌ علَيْه" بمُسَلَّمٍ، ثم ذكر أبو حيان نقولاً عن القراء كثيرةً، وهي منصوصة في كتبهم، فلم أرَ لذكرها هنا فائدةً؛ فإنَّ مجموعها مُلَخَّصٌ فيما ذكرته، [وكيف] يقال: إنَّ الراوي ذلك عن أبي عمرو مخطىءٌ مرتين، ومن جملة رُواتِهِ اليزيديُّ إمامُ النَّحو واللغةِ، وكان يُنازعُ الكسائيُّ رئاسته، ومحلُّهُ مشهُور بين أهلِ هذا الشَّأْن. روى طاوُس عن ابنِ عبَّاس: "فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ" الذَّنب العَظِيم "ويُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ على الذَّنْبِ الصَّغِير، لا يُسْأَلَ عمَّا يَفْعَل وهُمْ يُسْأَلُون، واللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير". قوله: {وَٱللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قد بيَّن بقوله تعالى: {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أنه كامل الملك والمَلَكُوتِ، وبيَّن بقوله: {إِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللّهُ} أنه كامل العِلْمِ والإحاطةِ، ثم بيَّن بقوله: {وَٱللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أنه كامِل القُدْرة، مُسْتَولٍ على كل المُمكِنَات بالقَهرِ والقُدرة والتَّكوين والإِعدام، ومن كان موصوفاً بهذه الصِّفات، يجبُ على كُلِّ عاقِلٍ أن يكون عَبْداً له مُنْقَاداً خاضِعاً لأوامرهِ ونواهِيهِ.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله ‏{‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في الشهادة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق مقسم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها‏.‏ وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال ‏حديث : ‏لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير‏} ‏ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جثوا على الركب، فقالوا‏:‏ يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا‏؟‏ بل قولوا ‏{‏سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} [‏البقرة: 285‏]‏ فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها {آمن الرسول} ‏[‏البقرة : 285‏] الآية‏.‏ فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} [‏البقرة: 286‏] إلى آخرها‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال‏:‏ حديث : لما نزلت هذه الآية ‏ {‏إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله‏}‏ دخل في قلوبهم منه شيء لم يدخل من شيء فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏؟‏ ‏‏ فقال: قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا. فألقى الله الإِيمان في قلوبهم، فأنزل الله {آمن الرسول‏.‏‏.‏‏.} ‏[‏البقرة: 285‏] الآية {‏لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}‏ ‏[‏البقرة: 286‏] قال‏:‏ قد فعلت ‏{‏ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا‏} قال‏:‏ قد فعلت ‏{‏ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به‏} قال‏:‏ قد فعلت ‏{‏واعف عنا واغفر لنا وارحمنا‏.‏‏.‏‏.‏‏} الآية قال‏:‏ قد فعلت‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق وأحمد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال‏:‏ دخلت على ابن عباس فقلت‏:‏ كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى‏.‏ قال‏:‏ أية آية‏؟‏ قلت ‏{وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه‏} ‏ قال ابن عباس‏:‏ ‏"حديث : إن هذه الآية حين أنزلت غمت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غماً شديداً وغاظتهم غيظاً شديداً، وقالوا‏:‏ يا رسول الله هلكنا إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا‏؟‏ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"قولوا سمعنا وأطعنا". قال‏:‏ فنسختها هذه الآية {آمن الرسول} ‏[‏البقرة: 285‏] إلى ‏{‏وعليها ما اكتسبت‏} فتجوّز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال‏‏‏‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير والطبراني والبيهقي في الشعب عن سعيد بن مرجانة‏.‏ أنه بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية ‏ {‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ فقال‏:‏ والله لئن آخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكى حتى سمع نشيجه، قال ابن مرجانة‏:‏ فقمت حتى أتيت ابن عباس فذكرت له ما قال ابن عمر وما فعل حين تلاها‏.‏ فقال ابن عباس‏:‏ يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر، فأنزل الله بعدها {أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها‏} ‏تفسير : [‏البقرة: 286‏]‏ إلى آخر السورة قال ابن عباس‏:‏ فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت من القول والعمل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والنحاس في ناسخه والحاكم وصححه عن سالم أن أباه قرأ ‏ {‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله‏}‏ فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه ابن عباس فقال‏:‏ يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها ‏{‏لا يكلف الله نفساً إلا وسعها‏}.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد عن نافع قال‏:‏ لقلما أتى ابن عمر على هذه الآية إلا بكى ‏ {‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه‏} ‏ إلى آخر الآية‏.‏ ويقول‏:‏ إن هذا لاحصاء شديد‏. وأخرج البخاري والبيهقي في الشعب عن مروان الأصغر عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحسبه ابن عمر ‏ {‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه‏} ‏ قال‏:‏ نسختها الآية التي بعدها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والترمذي عن علي قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية ‏{‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ أحزنتنا قلنا‏:‏ أيحدث أحدنا نفسه فيحاسب به لا ندري ما يغفر منه ولا ما لا يغفر منه‏؟‏‏!‏ فنزلت هذه الآية بعدها فنسختها ‏{‏لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت‏}‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني عن ابن مسعود في الآية قال‏:‏ كانت المحاسبة قبل أن تنزل ‏{‏لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت‏} فلما نزلت نسخت الآية التي كانت قبلها‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق قتادة عن عائشة أم المؤمنين في الآية قال‏:‏ نسختها ‏{‏لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت‏}‏.‏ وأخرج سفيان وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر عن أبي هريرة ‏‏‏ حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم وتعمل به‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي قال ‏"‏ما بعث الله من نبي ولا أرسل من رسول أنزل عليهم الكتاب إلا أنزل عليه هذه الآية ‏{‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير‏}‏ فكانت الأمم تأبى على أنبيائها ورسلها، ويقولون‏:‏ نؤاخذ بما نحدث به أنفسنا ولم تعمله جوارحنا‏؟‏‏!‏ فيكفرون ويضلون، فلما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم اشتد على المسلمين ما اشتد على الأمم قبلهم، فقالوا‏:‏ يا رسول الله أنؤاخذ بما نحدث به أنفسنا ولم تعمله جوارحنا‏؟‏ قال‏:‏ نعم، فاسمعوا وأطيعوا واطلبوا إلى ربكم، فذلك قوله ‏{أية : ‏آمن الرسول‏} تفسير : ‏[‏البقرة: 285‏] الآية‏.‏ فوضع الله عنهم حديث النفس إلا ما عملت الجوارح، لها ما كسبت من خير وعليها ما اكتسبت من شر ‏{‏أية : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا‏}‏تفسير : ‏[‏البقرة: 286‏]‏ قال‏:‏ فوضع عنهم الخطأ والنسيان ‏{‏ربنا ولا تحمل علينا إصرا‏.‏‏.‏‏.‏‏} الآية‏.‏ قال‏:‏ فلم يكلفوا ما لم يطيقوا، ولم يحمل عليهم الإِصر الذي جعل على الأمم قبلهم، وعفا عنهم وغفر لهم ونصرهم‏"‏‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله ‏{‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه‏} ‏ فذلك سرائرك وعلانيتك ‏{‏يحاسبكم به الله‏}‏ فإنها لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول‏:‏ إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم تطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم وهو قوله ‏{‏يحاسبكم به الله‏}‏ يقول‏:‏ يخبركم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب وهو قوله ‏{أية : ‏ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم‏}‏ تفسير : ‏[‏البقرة: 225‏]‏. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس عن مجاهد في قوله ‏ {‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه‏}‏ قال‏:‏ من اليقين والشك‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه‏} ‏ فذلك سر عملك وعلانيته ‏ {‏يحاسبكم به الله‏} ‏ فما من عبد مؤمن يسر في نفسه خيراً ليعمل به فإن عمل به كتبت له عشر حسنات، وإن هو لم يقدر له أن يعمل كتب له به حسنة من أجل أنه مؤمن، والله رضي سر المؤمنين وعلانيتهم، وان كان سوءاً حدث به نفسه اطلع الله عليه أخبره الله به يوم تبلى السرائر، فإن هو لم يعمل به لم يؤاخذه الله به حتى يعمل به، فإن هو عمل به تجاوز الله عنه كما قال ‏{أية : ‏أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم‏}تفسير : ‏[‏الأحقاف: 16‏]‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس قال ‏{‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله‏}‏ نسخت فقال ‏{‏أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها‏}‏ تفسير : ‏[‏البقرة: 286‏]‏.‏ وأخرج الطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله‏} ‏ قال‏:‏ لما نزلت اشتد ذلك على المسلمين وشق عليهم فنسخها الله، فانزل الله ‏{أية : ‏لا يكلف الله نفساً إلا وسعها‏}تفسير : ‏ ‏[‏البقرة: 286‏]. وأخرج الطبراني في مسند الشاميين عن ابن عباس قال‏:‏ لما نزلت ‏ {‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه‏.‏‏.‏‏.‏‏} الآية أتى أبو بكر، وعمر، ومعاذ بن جبل، وسعد بن زرارة، رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ ما نزل علينا آية أشد من هذه‏. وأخرج ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ إن الله يقول يوم القيامة‏:‏ إن كتابي لم يكتبوا من أعمالكم إلا ما ظهر منها، فأما ما أسررتم في أنفسكم فأنا أحاسبكم به اليوم، فأغفر لمن شئت وأعذب من شئت. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في الآية قال‏:‏ هي محكمة لم ينسخها شيء يعرفه الله يوم القيامة إنك أخفيت في صدرك كذا وكذا ولا يؤاخذه‏. وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أمية، أنها سألت عائشة عن قول الله تعالى ‏ {‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله‏}‏ وعن قوله ‏{أية : ‏من يعمل سوءاً يجز به‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 123‏]‏ فقالت‏:‏ ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ هذه معاتبة الله العبد فيما يصيبه من الحمى والنكبة، حتى البضاعة يضعها في يد قميصه فيفقدها فيفزع لها ثم يجدها في ضبينه، حتى إن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير من طريق الضحاك عن عائشة في قوله ‏ {‏وإن تبدوا ما في أنفسكم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قالت‏:‏ هو الرجل يهم بالمعصية ولا يعملها، فيرسل عليه من الغم والحزن بقدر ما كان هم من المعصية، فتلك محاسبته‏. وأخرج ابن جرير عن عائشة قالت‏:‏ كل عبد هم بسوء ومعصية وحدث به نفسه حاسبه الله به في الدنيا، يخاف ويحزن ويشتد همه لا يناله من ذلك شيء، كما هم بالسوء ولم يعمل منه شيئاً‏. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏ {‏فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء‏} ‏ بالرفع فيهما‏.‏ وأخرج عن الأعمش‏:‏ انه قرأ بجزمهما‏.‏ وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش‏.‏ أنه قال‏:‏ في قراءة ابن مسعود ‏(‏يحاسبكم به الله يغفر لمن يشاء) بغير فاء‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏فيغفر لمن يشاء‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ يغفر لمن يشاء الكبير من الذنوب، ويعذب من يشاء على الصغير‏.

ابو السعود

تفسير : {للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} من الأمور الداخلة في حقيقتهما والخارجة عنهما المتمكنةِ فيهما من أُولي العلم وغيرِهم، أي كلُّها له تعالى خَلْقاً ومُلكاً وتصرُّفاً لا شِركةَ لغيره في شيء منها بوجه من الوجوه {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ} من السوء والعزمِ عليه بأن تُظهروه للناس بالقول أو بالفعل أو بهما {أَوْ تُخْفُوهْ} بأن تكتُموه منهم ولا تُظهروه بأحد الوجهين، ولا يندرج فيه ما لا يخلو عنه البشرُ من الوساوس وأحاديث النفس التي لا عقدَ ولا عزيمة فيها إذ التكليفُ بحسب الوُسع {يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ} يومَ القيامة وهو حجةٌ على منكري الحساب من المعتزلة والروافض، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على الفاعل للاعتناء به، وأما تقديمُ الإبداء على الإخفاء على عكس ما في قوله عز وجل: {أية : قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران، الآية 29] فلِما أن المعلَّق بما في أنفسهم هٰهنا هو المحاسبة، والأصلُ فيها الأعمالُ البادية، وأما العلمُ فتعلُّقه بها كتعلقه بالأعمال الخافية، كيف لا وعلمُه سبحانه بمعلوماته متعالٍ عن أن يكون بطريق حصول الصور، بل وجودُ كل شيءٍ في نفسه في أيّ طور كان علمٌ بالنسبة إليه تعالى وفي هذا لا يختلف الحالُ بـين الأشياء البارزةِ والكامنة خلا أن مرتبة الإخفاءِ متقدمةٌ على مرتبة الإبداء إذ ما من شيء يُبدىٰ إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمَرٌ في النفس فتعلقُ علمِه تعالى بحالته الأولى متقدمٌ على تعلّقه بحالته الثانية وقد مر في تفسير قوله تعالى: {أية : أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُون}تفسير : [البقرة، الآية 77]. {فَيَغْفِرُ} بالرفع على الاستئناف أي فهو يغفرُ بفضله {لِمَن يَشَاء} أي يغفر له {وَيُعَذّبَ} بعدله {مَن يَشَآء} أي يعذبه حسبما تقتضيه مشيئته المبنيةُ على الحِكَم والمصالِح، وتقديمُ المغفرةِ على التعذيب لتقدّم رحمته على غضبه، وقرىء بجزم الفعلين عطفاً على جواب الشرط، وقرىء بالجزم من غير فاء على أنهما بدلٌ من الجواب بدلَ البعضِ أو الاشتمالِ، ونظيره الجزمُ على البدلية من الشرط في قوله: [الطويل] شعر : متى تأتِنا تُلمِمْ بنا في ديارنا تجدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تأججا تفسير : وإدغام الراء في اللام لحنٌ {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} تذيـيلٌ مقرِّر لمضمون ما قبله، فإن كمالَ قدرته تعالى على جميع الأشياءِ مُوجِبٌ لقدرته سبحانه على ما ذُكر من المحاسبة وما فُرِّع عليه من المغفرة والتعذيب.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}. قال ابن عطاء: لله الكونان هو مبدعهما من غير شىء، فمن اشتغل بهما اشتغل بلا شىء عن كل شىء. قال جعفر: لله ما فى السماوات وما فى الأرض، من اشتغل بهما قطعاه عن الله، ومن أقبل على الله وتركهما ملّكهُما الله إياه. قوله تعالى: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} [الآية: 284]. من الأفعال الظاهرة والأحوال الباطنة يحاسبكم به الله أى: يثيبكم عليه. قال جعفر: "وإن تبدوا ما فى أنفسكم" الإسلام أو تخفوه الإيمان. قال الواسطى رحمة الله عليه: إن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه من إرادة الكون أو المكوّن يحاسبكم به الله أى بإرادتكم، فيغفر لمن يشاء لمن أراد الجنة ونعيمها، ويُعذّبُ من يشاء من آثر الدنيا على الآخرة. وقال على بن سهل البوشنجى: إن تبدوا ما فى أنفسكم من الأعمال، أو تخفوه من الأحوال، يحاسبكم به اللهُ العارف على أحواله والزاهد على أفعاله.

القشيري

تفسير : من المعاني والدعاوى، ويقال من القصود والرغائب، وفنون الحوائج والمطالب. ويقال ما "تبديه": العبادة، "وما تخفيه" الإرادة. ويقال ما "تخفيه": الخطرات و "ما تبديه": "العبارات". ويقال ما "تخفيه": السكنات والحركات. ويقال الإشارة فيه إلى استدامة المراقبة واستصحاب المحاسبة، فلا تغفل خطرة ولا تحمل وقتك نَفَساً.

البقلي

تفسير : {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} اى لله خزائن ملكوت الكونين واسرار غيب العالمين لا يكشفها الا لخواص احبته قال ابن عطا الكونان هو مبديهما من غير شئ فمن اشتغل بها قطعاه عن الله ومن اقبل على الله وتركهما ملكهما الله تعالى اياه {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ} اى ان يظهروا ما فى قلوبكم من حقائق المكاشفات والمخاطبات ليقتدى به اهل الارادة وتخفوه عجائب الغيب التى ترى عيون الارواح القدسية تورعا لئلا نفتتن بها اقوام من ضعفاء المؤمنين لقلة فهمهم يرينكم الله تمكين المظاهر بما اظهرتهم حتى لا تفتنوا بدقائق الرياء والسمعة وبيقين الباطن بما اخفيتم من الخلق اخلاصا وصدقا لتذُقوا حلاوة صفاء الاخلاص فى كتمان الاسرار وايضا ان تبدوا فى الظاهر من شره الاحساس متابعة الوسواس او تحقوه ما تحدث به انفسكم فى باطنكم من اطباء القلوب وحراس الغيوب يجازيهم بفتنة النفس والشيطان والغفلة والشهوة {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} لمن يدفع خطرات الباطن ترغيبا {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} لمن يتبع هواه بدخوله فى الزلات تهذيبا وقال جعفر ان تبدوا ما فى انفسكم الاسلام او تخفوه قال الايمان وقال الواسطى ان بتدوا ما فى انفسكم تخفوه من رادة الكونين ولامكنون يحاسبكم به الله اى بارادتكم فيغفر لمن يشاء لمن اراد الجنة ونعيمها ويعذب من يشاء من اثر الدنيا على الاخرة وقال على بن سهل ان بتدوا ما فى انفكسم من الاعمال وتخفوه من الاحوال يحاسبكم به الله العارف على احواله والزاهد على افعاله.

اسماعيل حقي

تفسير : {لله ما فى السموات وما فى الأرض} من الامور الداخلة فى حقيقتهما والخارجة عنهما المتمكنة فيهما من اولى العلم وغيره أى كلها له تعالى خلقا وملكا وتصرفا لا شركة لغيره فى شىء منها بوجه من الوجوه فلا تعبدوا احدا سواه ولا تعصوه فيما يأمركم وينهاكم {وإن تبدوا} اى تظهروا {ما فى أنفسكم} اى فى قلوبكم من السوء والعزم عليه وذلك بالقول او بالفعل {أو تخفوه} اى تكتموه عن الناس ولا تظهروه باحد الوجهين ككتمان الشهادة وموالاة المشركين وغيرهما من المناهى ولا يندرج فيه ما لا يخلو عنه البشر من الوساوس واحاديث النفس التى لا عقد ولا عزيمة فيها اذ التكليف بحسب الوسع ودفع ذلك مما ليس فى وسعه {يحاسبكم به الله} اى يجازيكم به يوم القيامة وهو حجة على منكرى الحساب من المعتزلة والروافض {فيغفر} اى فهو يغفر بفضله {لمن يشاء} ان يغفر له وان كان ذنبه كبيرا {ويعذب} بعدله {من يشاء} ان يعذبه وان كان ذنبه حقيرا حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح ويعذب الكفار لا محالة لانه لا يغفر الشرك وتقديم المغفرة على التعذيب لتقدم رحمته على غضبه {والله على كل شىء قدير} فكمال قدرته تعالى على جميع الاشياء موجب لقدرته سبحانه على ما ذكر من المحاسبة وما فرع عليه من المغفرة والتعذيب. قال فى التيسير دل ظاهر قوله او تخفوه على المؤاخذة بما يكون من القلب وجملته ان عزم الكفر كفر وحضرة الذنوب من غير عزم مغفورة وعزم الذنوب اذا ندم عليه ورجع عنه واستغفر منه مغفور فاما الهم بالسيئة ثم يمتنع عنه بمانع لا باختياره وهو ثابت على ذلك فانه لا يعاقب على ذلك عقوبة فعله يعنى بالعزم على الزنى لا يعاقب عقوبة الزنى وهل يعاقب على الخاطر عقوبة عزم الزنى قيل هو معفو عنه لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الله عفا لامتى عما حدثت به انفسها ما لم يعمل او يتكلم ". تفسير : واكثرهم على ان الحديث فى الحضرة دون العزمة وان المؤاخذة فى العزمة ثابتة وكذا قال الامام ابو منصور رحمه الله انتهى ما فى التيسير. وربما يكون للانسان شركة فى الاثم مثل القتل والزنى وغيرهما اذا رضى به من عامله واشتد حرصه على فعله وفى الحديث "حديث : من حضر معصية فكرهها فكأنما غاب عنها ومن غاب عنها فرضيها كان كمن حضرها ". تفسير : وفى حديث آخر "حديث : من احب قوما على اعمالهم حشر فى زمرتهم ". تفسير : اى جماعتهم "حديث : وحوسب يوم القيامة بحسابهم وان لم يعمل باعمالهم ". تفسير : فعلى العاقل ان يرفع عن قلبه الخواطر الفاسدة ولا يجالس الجماعة الفاسقة كيلا يحشر فى زمرتهم شعر : كر نشيند فرشته باديو وحشت آموزد وخيانت وريو ازبدان نيكويى نياموزى نه كند كرك بوستين دوزى تفسير : والاشارة فى الآية ان الله يطالب العباد بالاستدامة المراقبة واستصحاب المحاسبة لئلا يغفلوا عن حفظ حركات الظاهر وضبط خطرات الباطن فيقعوا فى آفة ترك ادب من آداب العبودية فيهلكوا بسطوات الالوهية. واعلم ان الانسان مركب من عالمى الامر والخلق فله روح نورانى من عالم الامر وهو الملكوت الاعلى وله نفس ظلمانية سفلية من عالم الخلق ولكل واحدة منهما ميل الى عالمها فقصد الروح الى جوار رب العالمين وقربه وقصد النفس الى اسفل السافلين وغاية البعد عن الحق فبعث النبى صلى الله عليه وسلم ليزكى النفوس عن ظلمة اوصافها لتستحق بها جوار رب العالمين فتزكيتها فى اخفاء ظلمة اوصافها بابداء انوار اخلاق الروح عليها فى تحليتها بها فهذا مقام الاولياء مع الله يخرجهم من الظلمات الى النور وبعث الشيطان الى اوليائه وهم اعداء الله ليخرج ارواحهم من النور الروحانى الى الظلمات النفسانية باخفاء انوار اخلاقها فى ابداء ظلمات اخلاق النفس عليها لتستحق بها دركة اسفل السافلين. فمعنى الآية فى التحقيق {إن تبدوا ما فى أنفسكم} مودع من ظلمات الاوصاف النفسانية فى الظاهر بمخالفات الشريعة وفى الباطن بموافقات الطبيعة {أو تخفوه} بتصرفات الطريقة فى موافقات الشريعة ومخالفات الطبيعة {يحاسبكم به الله} بطهارة النفس لقبول انوار الروح واخلاقه او بتلوث الروح لقبول ظلمات النفس واخلاقها {فيغفر لمن يشاء} فينور نفسه بانوار الروح وروحه بانوار الحق {ويعذب من يشاء} فيعاقب نفسه بنار دركات السعير وروحه بنار فرقة العلى الكبير {والله على كل شىء} من اظهار اللطف والقهر على تركيب عالمى الخلق والامر {قدير} كذا فى تأويلات الكامل نجم الدين دايه قدس سره.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: من قرأ {فيغفر}؛ بالجزم، فعلى العطف على الجواب، ومن قرأ بالرفع فعلى الاستئناف، أي: فهو يغفرُ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {لله ما في السماوات وما في الأرض} خلقاً وملكاً وعبيداً، يتصرف فيهم كيف شاء؛ يرحم من يشاء بفضله، ويعذب من يشاء بعدله، {وإن تبدوا} أي: تظهروا {ما في أنفسكم} من السوء والعزم عليه، {أو تخفوه} في قلوبكم، {يحاسبكم به الله} يوم القيامة؛ {فيغفر لمن يشاء} مغفرته، {ويعذب من يشاء} تعذيبه، {والله على كل شيء قدير} لا يعجزه عذاب أحد ولا مغفرته. وعبَّرالحق تعالى بالمحاسبة دون المؤاخذة، فلم يقل: يؤاخذكم به الله؛ لأن المحاسبة أعم، فتصدق بتقرير الذنوب دون المؤاخذة بها، لقوله - عليه الصلاة والسلام:"حديث : يدنو المؤمن من ربه حتى يضع كنفه عيه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف كذا؟ فيقول: يا رب، أعرف، فيوقفه على ذنبه ذنباً، ذنباً فيقول الله تعالى: أنا الذي سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم"تفسير : . فلله الفضل والمنّة، وله الحمد والشكر. الإشارة: {وإن تبدوا ما في أنفسكم} من الخواطر الردية والطوارق الشيطانية، أو تخفوه في قلوبكم، حتى يحول بينكم وبين شهود محبوبكم، {يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء} فيمحو ظلمته من قلبه؛ بإلهام التوبة والمبادرة إلى اليقظة، {ويعذب من يشاء} بتركه مع ظلمة تلك الأغيار، وخوضه في بحار تلك الأكدار، فما منع القلوب من مشاهدة الأنوار إلا اشتغالها بظلمة الأغيار، فرّغْ قلبك من الأغيار تملأه بالمعارف والأسرار، فإن أردت أن تكون عين العين، فامح من قلبك نقطة الغين، وهي نقطة السوى، ولله درّ القائل: شعر : إِنْ تَلاشَى الكونُ عن عَيْنِ كشْفِي شاهَدَ السرُّ غَيْبَه في بَيَاني فاطْرح الكونَ عن عِيانِكَ وامْحُ نقطةَ الغَيْنِ إنْ أردتَ تَرَاني تفسير : واعلم أن الخواطر أربعة: ملكي ورباني ونفساني وشيطاني، فالملكي والرباني لا يأمران إلا بالخير، والنفساني والشيطاني لا يأمران إلا بالشر، وقد يأمران بالخير إذا كان فيه دسيسة إلى الشر، والفرق بين النفساني والشيطاني: أن الخاطر النفساني ثابت لا يزول بتعوذ ولا غيره، إلا بسابق العناية، بخلاف الشيطاني: فإنه يزول بذكر الله، ويرجع مع الغفلة عن الله. والله تعالى أعلم. ولمَّا نزل قوله تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم...} الآية. شق ذلك على الصحابة - رضي الله عنهم - فجاء الصدِّيقُ والفاروق وعبدُ الرحمن ومعاذ، وناسُ من الأنصار، فَجَثَوْا على الرُّكَب، وقالوا: يا رسول الله، ما نزلت علينا آيةٌ أشدُّ من هذه الآية وأنا إن أخذنا بما نُحَدِّثُ به أنفَسنا هَلَكْنَا! فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"حديث : هكذا نزلت"تفسير : . فقالوا: كُلِّفنا من العمل ما لا نطيق، فقال - عليه الصلاة والسلام:"حديث : فلعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} [البقرة: 93]، قولوا: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}[البقرة: 285]تفسير : ، فقالوا: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}، وذَلَّتْ بها أَلْسِنَتُهُمْ، فأَنْزَلَ اللّهُ التخفيف، وحكى ما وقع لهم من الإيمان والإذعان.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} بالرفع عاصم، وابن عامر على الاستئناف في قول المبرد. ويجوز أن يكون محمولا على تأويل {يحاسبكم} لأنه لو دخلته الفاء كان رفعاً، فيكون فيه على هذا معنى الجواب. وقرأ الباقون على الجزم: عطفاً على {يحاسبكم} وهو جواب الشرط، وكان يجوز أن يقرأ فيغفر بالنصب على مصدر الفعل الأول وتقديره إن يكن محاسبة، فيغفر لمن يشاء. وروي ذلك عن أبن عباس. المعنى: واللام في قوله: {لله} لام الملك ومعناه ان لله تصريف السماوات والأرض وتدبيرهما لقدرته على ذلك وليس لأحد منعه منه وإنما ذكر قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} لأن المعنى فيه كتمان الشهادة. ويحتمل أن يريد جميع الاحكام التي تقدمت في السورة. خوفهم الله من العمل بخلافها. وقال قوم هذه الآية منسوخة بقوله: {أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}تفسير : ورووا في ذلك خبراً ضعيفاً، وهذا لا يجوز لأمرين: أحدهما - أن الاخبار التي لا تتضمن معنى الأمر والنهي والاباحة لا يجوز نسخها، وهذا خبر محض خال من ذلك. الثاني - لا يجوز تكليف نفس ما ليس في وسعها على وجه، فينسخ. ويجوز أن تكون الآية الثانية بينت الاولى وأزالت توهم من صرف ذلك إلى غير وجهه، فلم يضبط الرواية فيه، وظن أن ما يخطر للنفس أو تحدث نفسه به مما لا يتعلق بتكليفه فان الله يؤاخذه به. والأمر بخلاف ذلك، وإنما المراد بالآية ما يتناوله الأمر والنهي من الاعتقادات والارادات وغير ذلك مما هو مستور عنا. فأما ما لا يدخل في التكليف فخارج عنه لدلالة العقل. ولقوله (ع) تجوز لهذه الأمة عن نسيانها وما حدثت به أنفسها. وقوله: {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} معناه ممن يستحق العقاب بأنه إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه. وذلك يقوّي جواز العفو عقلاً، وإنما يقطع على عقاب بعض العصاة لدليل، وهم الكفار - عندنا - فأما من عداهم فلا دليل يقطع به على أنهم معاقبون لا محالة. والآيات التي يستدلون بها نبين الوجه فيها إذا انتهينا إليها إن شاء الله.

الجنابذي

تفسير : {لِلَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} مستأنف فى مقام التّعليل لاحاطة علمه {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} ومنه ابداء الشّهادة ولكن لا اختصاص له بها بل يجرى فى كلّ ما فى النّفوس من العقائد والنيّات والارادات بل يجرى بوجه فى مكمونات النّفوس الّتى لا شعور لصاحبها بها وابداء تلك المكمونات بظهورها على صاحبها وشعورهم بها {أَوْ تُخْفُوهُ} ومنه كتمان الشّهادة ويجرى فى كلّ خطرة وخيال ونيّة وارادة وشأن بل فى المكمونات الّتى لا شعور لصاحبيها بها ممّا بقى فى النّفوس قواها واستعداداتها ولم تصر بالفعل بعدُ حتّى يستشعر بها صاحبوها فانّها بمضمون اخرجت الارض اثقالها ويومئذ تحدّث اخبارها يوم القيامة يظهر جميع المكمونات ولا يعزب عنه تعالى شيءٌ منها {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ} وما ورد فى الاخبار من عدم المؤاخذة على عزم المعاصى او على الخطرات او على الوسوسة انّما هو بحسب المؤاخذة الدّنيويّة والعقوبات الاخرويّة ولا ينافى ذلك المحاسبة وعدم ارتفاع الدّرجة، وما ورد فى جواب من ذكر الخطرات من عدم استواء ريح الطيّب وريح المنتن يدلّ على انّ فيها محاسبة ما، وعن رسول الله (ص): "حديث : وضع عن أمّتى تسع خصالٍ: الخطاء، والنّسيان، وما لا يعلمون، وما يطيقون، وما اضطرّوا اليه، وما استكرهوا عليه، والطّيرة، والوسوسة فى التفكّر فى الخلق، والحسد ما لم يظهر بلسانٍ او يدٍ"تفسير : {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} قرئ بالرّفع وبالجزم مع الفاء وبدونه {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آمَنَ ٱلرَّسُولُ} ابتداء كلامٍ بل ابتداء آيةٍ منقطعةٍ عمّا قبلها كما سيجيء {بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} وهذا تبجيل وتنصيص من الله على محمّد (ص) بايمانه {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} عطف على الرّسول او ابتداء كلام كما سيجيء {كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ} من المقرّبين والصّافّات صفاً والمدبّرات امراً واولى الاجنحة والرّكّع والسّجّد ارضيّين كانوا ام سماويّين {وَكُتُبِهِ} من الكتاب المبين والكتاب المحفوظ وكتاب المحو والاثبات العلمىّ والعينىّ {وَرُسُلِهِ} من الملائكة ومن البشر فى الكبير والصّغير {لاَ نُفَرِّقُ} اى قائلين وقرئ (لا يفرّق) بالياء حملاً على لفظ كلّ ولا يفرّقون حملاً على معناه {بَيْنَ أَحَدٍ} اضافة بين الى احدٍ امّا لعمومه لوقوعه فى سياق النّفى او لتقدير غيره معه اى بين احدٍ وغيره {مِّن رُّسُلِهِ} والمقصود عدم التّفريق فى التّصديق لا فى التّفصيل {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ} اغفر او نطلب غفرانك {رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} اظهار لاقرارهم بالمعاد بعد اظهار اقرارهم بالمبدأ.

الأعقم

تفسير : {لله ما في السموات وما في الأرض} اختلفوا في الآية فالذي رواه ابن عباس أنها منسوخة، "حديث : وروي انها لما نزلت جاء عدة من الصحابة وقالوا: يا رسول الله ما نزلت آية اشد علينا من هذه الآية وان احدنا يحدث نفسه بما لا يفعله فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "فهكذا نزلت" قالوا: هلكنا يا نبي الله"تفسير : ، وروي انهم لما قالوا هلكنا قال: "حديث : فتقولوا كما قال بنو اسرائيل سمعنا وعصينا او تقولوا سمعنا وأطعنا" تفسير : ومكثوا حولاً نزل قوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً الا وسعها} فنسخت ما قبلها واما الذي اشار اليه في الكشاف وهو الذي صححه الحاكم ان الآية محكمة قال: والوجه في ذلك ان الله تعالى يؤاخذ بأفعال القلوب التي تجرد العزم عليها والله أعلم {فيغفر لمن يشاء} لمن استوجب المغفرة بالتوبة {ويعذب من يشاء} من استوجب العقوبة بالاصرار، وروي انها لما انزلت {آمن الرسول} الخ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : حقَّ له ان يؤمن" تفسير : يعني محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) صدَّق {والمؤمنون} يعني اصحابه، وقيل: هو عام {كل آمن بالله} هذا راجع الى الرسول والمؤمنين أي كلهم {آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} المذكورين أي يؤمنون بجميع الانبياء انهم مبعوثون وأنهم معصومون {لا نفرق بين احد من رسله} يعني انا نصدق بجميعهم ولا نكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، قوله تعالى: {وقالوا سمعنا وأطعنا} يعني الرسول والمؤمنين سمعنا كتابك، وقيل: قبلناه {وأطعنا} ما امرتنا {غفرانك ربنا} أي قالوا: غفرانك اللهم ربنا هب لنا غفرانك {واليك المصير} أي إلى حكمك المصير والمرجع، وقوله: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} أي إلاّ ماهم له في وسعهم مستطيعون {لها ما كسبت} اي لكل نفس جزاء ما عملت من الخير والعمل الصالح {وعليها ما اكتسبت} أي وزر ما عملت من المعاصي، قال جارالله: فان قلتَ: لم خص الخير بالكسب والشر بالاكتساب؟ قلت: بالاكتساب اعتمالٌ، فلمَّا كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمارة به كانت في تحصيله اعمل وأجد فجعلت لذلك مكتسبةً فيه، ولما لم تكن كذلك في الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال، قوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا} أي قالوا ربنا لا تؤاخذنا بالنسيان والخطأ ان فرط منا {ولا تحمل علينا إصراً} يعني ثقلاً، يعني لا تشدد الأمر علينا {كما حملته} شددته على الذين من قبلنا يعني اليهود {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} نحو ما كلفت به بنو اسرائيل من أن يقتلوا أنفسهم، وقيل: المراد به الميثاق {واعف عنا واغفر لنا} أي اعف عن صغائر ذنوبنا واغفر كبائرها {وارحمنا} في الدنيا بالرزق وفي الآخرة بالجنة {أنت مولانا} سيدنا وناصرنا ونحن عبيدك {فانصرنا على القوم الكافرين} بالحجة والغلبة، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أوتيت خواتم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن نبي قبلي" تفسير : وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أنزل الله تعالى آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمان بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة، من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل" تفسير : اللهم اغفر لنا وارحمنا يا أرحم الراحمين.

اطفيش

تفسير : {للّهِ مَا فِى السَّماواتِ وما فِى الأرْضِ}: لأنه خلقه وملكه. {وإنْ تُبْدُوا}: تظهروا. {مَا فى أنْفُسِكُم أوْ تُخْفُوه}: من العزم على الذنب بعمل الجوارح له، أو نطق اللسان له، ويدل على أن المراد الذنب قوله: {يُحاسِبْكُم بهِ اللّهُ فيَغْفِرُ لمَنْ يَشاء}: المغفرة له بألاَّ يصر. {ويُعذِّبُ مَنْ يَشاءُ}: تعذيبه بأن يصر، وأما ما خطر فى النفس من المعصية ونفاه صاحبه، أو كان يتردد فيه ولم يعزم عليه، فلا ذنب فيه، ورحمة الله سبقت غضبه، وطرف التردد إلى الترك بغلب طرف التردد إلى الفعل، وبسطت ذلك فى شرح النيل، ولا دليل فى الآية على جواز المغفرة لصاحب الكبيرة الميت بلا توبة منها، كما زعم غيرنا لحديث: "هلك المصرون" وقيل ليس المراد بالتعذيب تعذيب الآخرة، بل تعذيب الدنيا بالمصائب على ما عزم عليه، ولم يعمله، سئلت عائشة رضى الله عنها عن هذه الآية وعن قوله عز وجل: {أية : من يعمل سوءاً يجز به} تفسير : فقالت: ما سألنى عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم "هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة، حتى البضاعة يضعها فى جيب قميصه فيقعدها فيفزع لها، حتى إن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج البر الأحمر من الكير"، وعن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أراد الله بعبده الخير عجل لهُ العقوبة فى الدنيا، وإذا أراد به الشر أمسكها عنه حتى يوافيه يوم القيامة"تفسير : ، وقيل: إن الآية فى المحاسبة فى الآخرة على مجرد العزم بحساب الفاعل، فالعازم كالفاعل، سواءُ ثم نسخ قال أبو هريرة: حديث : لما نزلت [الآية] اشتدت على أصحاب رسول الله وبركوا على الركب، وقالوا: أى رسول الله كلفنا من الأعمال ما لا نطيق من الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت هذه الآية ولا نطيقها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم: {سمعنا وعصينا} بل قولوا: {سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير"، فذلوا لها وأذعنوا، فنزل: {آمن الرسول} إلى قوله:{وإليك المصير} فأنزل الله نسخها بقوله: {لا يكلف الله} إلى قوله: {أو أخطأنا}، فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم" فنزل: {ولا تحمل علينا} إلى قوله: {من قبلنا} فقال: "نعم" فنزل قوله: {ربنا ولا تحملنا} إلى قوله: {فانصرنا على القوم الكافرين}تفسير : ، وروى ابن عباس مثل ذلك، لكنه يقول: قد فعلت بدل قوله: نعم، وكذا قال ابن مسعود بالنسخ، قلت: النسخ لا يدخل الأخبار فمراد أبى هريرة بالنسخ أنزل ما فيه السهولة وتبيين ما قيله به، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "أتريدون أن تقولوا"، فجواب لهم على ظاهر قولهم، وانتظار للبيان بعد، فبين الله ربنا له، وقيل المراد من الآية الإخبار بأن الله يخبرهم فى الآخرة بما كتموا وما أظهروا، وأن الله لا يخفى عليه شئ وأنه يغفر ذنوب من يشاء، ويعاقب من يشاء، وهو المروى عن ابن عباس، ويدل له أنه قال: سيحاسبكم، ولم يقل يؤاخذكم فإن الإنسان يحاسب ليظهر له فضل الله عليه فى العفو، وقيل: الآية نزلت فى كتمان الشهادة، فالمراد ما فى أنفسكم من كتمان، وأما غيرها فمعلوم بالقياس على ذلك، وبالآى الآخر والأولى حمل اللفظ على عمومه، ولو كان سبب نزولها عامة، هو الكتمان، وقيل أيضا نزلت فيمن يتولى من المؤمنين الكافر، فالمراد ما فى أنفسكم من ولاية الكفار، والأولى ما تقدم، وتلا الآية عبد الله ابن عمر فقال: لئن أخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكى حتى سمع نشيجه، فذكر لابن عباس فقال: يغفر الله لأبى عبد الرحمن فقد وجد المسلمون منها مثل ما وجد، فنزل:{أية : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}؛تفسير : وقرأ الأعمش بإسقاط فاء فيغفر فيكون يغفر بدلا من يحاسب، فإما بدل كل إن أريد بالمحاسبة الجزاء فإن نفس الغفران والتعذيب هو نفس الحساب بمعنى الجزاء، وإما بدل اشتمال إن أريد تعديد الحسنات والسيئات؛ وقرأ ابن عامر ويعقوب وعاصم، فيغفر بالفاء والرفع على الاستئناف أو على العطف، على أن الشرطية وما بعدها، ولا يصح ما روى عن ابن عمر ومن إدغام راء يغفر فى لام لمن، لأنه الحسن. {وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَئءٍ قَدِيرٌ}: فهو يحيى الموتى ويحاسبهم ويجازيهم، فمن هو قادر على كل شئ حقيق بأن تتمثل أوامره، وتجتنب زواجره، ولذلك عقب ما تقدم بهذا، وفى كتاب الزجاج: لما ذكر الله فى هذه السورة فرض الصلاة والزكاة، وأمر الطلاق والإيلاء، والجهاد، يعنى وغير ذلك ختم السورة بذكر تصديق النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بجميع ذلك إذ قال: {آمَنَ الرَّسُولُ..}.

اطفيش

تفسير : {لِّلهِ مَا فِى السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى الأَرْضِ} داخل فيهن أو خارج، سمة ملكه دليل على سعة علمه {وَإِن تُبْدُواْ} بقول أو فعل {مَا فِى أَنْفُسِكُمْ} قلوبكم {أَوْ تُخْفُوهُ} من سوء يفعل بالقلب كالكفر وبغض الإسلام وأهله والحسد والكبر وكتمان الشهادة وسائر المعاصى، أو يعزم على اعتقاده بعد، أو على فعله بالجوارح، والمراد بالإخفاء إبقاؤه غير مظهر، وليس المراد مجرد ما يخطر فى القلب لقوله {يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ} يخبركم الله بعدده وكيفيته يوم القيامة، وأنكرت المعتزلة والروافض الحساب، ويرد عليهم القرآن والسنة، وتأويلهم تكلف {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} المغفرة له، وهو من تاب {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} تعذيبه، وهو المصر، بخلاف ما يخطر بالبال، فإنه لا مغفرة معه ولا تعذيب به، لأنه ضرورى وغير ذنب، لا تكلف عليه، لأنه لا يطاق، لا يكلف الله نفسها إلا وسعها، بل لا عمل له فيه، فكيف يحاسب على ما لم يعمل، وإنما ذلك كإنسان يتكلم وأنت تسمع، بل تكره وتنهاه، وأن تكره الميل إليه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله عفا عن أمتى ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم"تفسير : ، وإنما ذلك على كبيرة القلب، أو العزم على المعصية والتصميم عليها، لا على مجرد الخطور، ولا على ميل الطبع، وقد قيل، يكتب الاهتمام سيئة لا كبيرة. وقيل مجرد كبيرة لا نفس ما اهتم به. فإن هذا لأمم قبلنا، يهتم أحدهم بالزنا فيكتب عليه الزنا، وقال بعض الحنفية: لا عقاب عليه ما لم يظهره بالعمل، وأما ما هو كبيرة فى القلب تفعل فيه كما مر، فكفر فى نفسه، إذا فعلها فى نفسه كالفكر فى نفسه، وقدم المغفرة لسعة رحمته وسبقها على غضبه {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} ودخل فى العموم المحاسبة والعذاب والمغفرة، قال ابن عباس فى الآية، يغفر لمن يشاء الذنب العظيم، ويعذب من يشاء على الذنب الحقير، لا يسأل عما يفعل.

الالوسي

تفسير : / {لّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} من الأمور الداخلة في حقيقتهما والخارجة عنهما كيف كانت أي كلها ملك له تعالى ومختصة به فله أن يلزم من شاء من مملوكاته بما شاء من تكليفاته وليس لأحد أن يقول المال مالي أتصرف به كيف شئت، ومن الناس من جعل هذه الجملة كالدليل لما قبلها {وَإِن تُبْدُواْ} أي تظهروا للناس {مَا فِي أَنفُسِكُمْ} أي ما حصل فيها حصولاً أصلياً بحيث يوجب اتصافها به كالملكات الرديئة والأخلاق الذميمة كالحسد والكبر والعجب والكفران وكتمان الشهادة {أَوْ تُخْفُوهْ} بأن لا تظهروه. {يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ} أي يجازيكم به يوم القيامة، وأما تصور المعاصي والأخلاق الذميمة فهو لعدم إيجابه اتصاف النفس به لا يعاقب عليه ما لم يوجد في الأعيان، وإلى هذا الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم»تفسير : أي إن الله تعالى لا يعاقب أمتي على تصور المعصية وإنما يعاقب على عملها، فلا منافاة بين الحديث والآية خلافاً لمن توهم ذلك ووقع في حيص بيص لدفعه. ولا يشكل على هذا أنهم قالوا: إذا وصل التصور إلى حد التصميم والعزم يؤاخذ به لقوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } تفسير : [البقرة: 225] لأنا نقول: المؤاخذة بالحقيقة على تصميم العزم على إيقاع المعصية في الأعيان وهو أيضاً من الكيفيات النفسانية التي تلحق بالملكات ولا كذلك سائر ما يحدث في النفس ونظمه بعضهم بقوله:شعر : مراتب القصد خمس هاجس ذكروا فخاطر فحديث النفس فاستمعا يليه هم فعزم كلها رفعت سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا تفسير : فالآية على ما قررنا محكمة، وادعى بعضهم أنها منسوخة محتجاً بما أخرجه أحمد ومسلم عن أبـي هريرة قال: «حديث : لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ} الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جثوا على الركب فقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصوم والجهاد والصدقة وقد أنزل الله تعالى عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» تفسير : فلما اقترأها القوم وزلت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى في إثرها {أية : ءآمن ٱلرَّسُولُ} تفسير : [البقرة: 285] الآية فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل سبحانه {أية : لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}تفسير : [البقرة: 286] الخ، وصح مثل ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وابن مسعود وعائشة رضي الله تعالى عنهم، وأخرج البخاري عن مروان الأصغر عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ [قال] أحسبه ابن عمر {إِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} قال: نسختها الآية التي بعدها، وعلى هذا لا يحتاج إلى التوفيق بين الآية وذلك الحديث الصحيح بوجه، ويكون الحديث إخباراً عما كان بعد النسخ. واستشكل ذلك بأن النسخ مختص بالإنشاء ولا يجري في الخبر والآية الكريمة من القسم الثاني ومن هنا قال الطبرسي وأخطأ أن الروايات في النسخ كلها ضعيفة، وأجيب بأن النسخ لم يتوجه إلى مدلول الخبر نفسه سواء قلنا إنه مما يتغير كإيمان زيد وكفر عمرو أم لا كوجود الصانع وحدوث العالم بل إن النهي المفهوم منه كما يدل عليه قول الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلفنا من الأعمال ما نطيق وقد أنزل الله تعالى عليك هذه الآية ولا نطيقها» فإن ذلك صريح في أنهم فهموا من الآية تكليفاً، والحكم الشرعي المفهوم من/ الخبر يجوز نسخه بالاتفاق كما يدل عليه كلام العضد وغيره. وبعض من ادعى أن الآية محكمة وتوقف في قبول هذا الجواب ذهب إلى أن المراد من النسخ البيان وإيضاح المراد مجازاً كما مرت الإشارة إليه عند قوله تعالى: {أية : فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ }تفسير : [البقرة: 109] كأنه قيل: كيف يحمل {مَا فِي أَنفُسِكُمْ} على ما يعم الوساوس الضرورية وهو يستلزم التكليف بما ليس في الوسع والله لا يكلف نفساً إلا وسعها، واعترض هذا بأنه على بعده يستلزم أنه صلى الله عليه وسلم أقر الصحابة على ما فهموه وهو بمعزل عن مراد الله تعالى ولم يبينه لهم مع ما هم فيه من الاضطراب والوجل الذي جثوا بسببه على الركب حتى نزلت الآية الأخرى، ويمكن أن يجاب على بعد بأنه لا محذور في هذا اللازم ويلتزم بأنه من قبيل إقراره صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين فسر الرؤيا بين يديه عليه الصلاة والسلام وقال: «حديث : أخطأت أم أصبت يا رسول الله؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: أصبت بعضها وأخطأت بعضها» تفسير : ولم يبين له فيما أصاب وفيما أخطأ لأمر ما، ولعله هنا ابتلاؤهم وأن يمحص ما في صدورهم وهذا على العلات أولى من حمل النسخ على التخصيص لاستلزامه مع ما فيه وقوع التكليف بما لا يطاق كما لا يخفى، وقيل: معنى الآية إن تعلنوا ما في أنفسكم من السوء، أو لم تعلنوه بأن تأتوا به خفية يعاقبكم الله تعالى عليه، ويؤول إلى قولنا أن تدخلوا الأعمال السيئة في الوجود ظاهراً أو خفية يحاسبكم بها الله تعالى أو إن تظهروا ما في أنفسكم من كتمان الشهادة بأن تقولوا لرب الشهادة عندنا شهادة ولكن نكتمها ولا نؤديها لك عند الحكام، أو تخفوه بأن تقولوا له ليس في علمنا خبر ما تريد أن نشهد به وأنتم كاذبون في ذلك ـ يحاسبكم به الله ـ وأيد هذا بما أخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبـي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في الآية الكريمة قال: نزلت في الشهادة، وقيل: الآية على ظاهرها، و {مَا فِي أَنفُسِكُمْ} على عمومه الشامل لجميع الخواطر إلا أن معنى {يُحَاسِبْكُم} يخبركم به الله تعالى يوم القيامة، وقد عدوا من جملة معنى الحسيب العليم، وجميع هذه الأقوال لا تخلوا عن نظر فتدبر. وارجع إلى ذهنك فلا إخالك تجد فوق ما ذكرناه أو مثله في كتاب. وتقديم الجار والمجرور على الفاعل للاعتناء به، وأما تقديم الإبداء على الإخفاء على عكس ما في قوله تعالى: {أية : قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 29] فلما قيل: إن المعلق ـ بما في أنفسهم ـ هنا المحاسبة والأصل فيها الأعمال البادية، وأما العلم فتعلقه بها كتعلقه بالأعمال الخافية ولا يختلف الحال عليه تعالى بين الأشياء البارزة والكامنة بل لا كامن بالنسبة إليه سبحانه خلا أن مرتبة الإخفاء متقدمة على مرتبة الإبداء [إذ] ما من شيء يبدو إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمر في النفس فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلق علمه بحالته الثانية. {فَيَغْفِرُ} بالرفع على الاستئناف أي فهو يغفر بفضله {لِمَن يَشَاء} أن يغفر له من عباده {وَيُعَذِّبُ} بعَدْلِهِ. {مَن يَشَآء} أن يعذبه من عباده، وتقديم المغفرة على التعذيب لتقدم رحمته على غضبه، وقرأ غير ابن عامر وعاصم ويعقوب بجزم الفعلين عطفاً على جواب الشرط، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بنصبهما بإضمار ـ أن ـ وتكون هي وما في حيزها بتأويل مصدر معطوف على المصدر المتوهم من الفعل السابق، والتقدير تكن محاسبة فغفران وعذاب، ومن القواعد المطردة أنه إذا وقع بعد جزاء الشرط فعل بعد واو أو فاء جاء فيه الأوجه الثلاثة وقد أشار لها ابن مالك:شعر : والفعل من بعد الجزا إن يقترن بالفاء أو الواو بتثليث قمن تفسير : / وقرأ ابن مسعود ـ يغفر ويعذب ـ بالجزم بغير فاء ـ ووجهه عند القائل بجواز تعدد الجزاء كالخبر ظاهر ـ وأما عند غيره فالجزم على أنهما بدل من {يُحَاسِبْكُم} بدل البعض من الكل أو الاشتمال، فإن كلاً من المغفرة والتعذيب بعض من الحساب المدلول عليه ـ بيحاسبكم ـ ومطلق الحساب جامع لهما فإن اعتبر جمعه لهما على طريق اشتمال الكل على الأجزاء يكون بدل البعض من الكل وإن اعتبر على طريق الشمول كشمول الكلي لأفراده يكون بدل اشتمال كذا قيل، وقيل: إن أريد بيحاسبكم معناه الحقيقي فالبدل بدل اشتمال ـ كأحب زيداً علمه ـ وإن أريد به المجازاة فالبدل بدل بعض ـ كضربت زيداً رأسه ـ وقيل: غير ذلك، وذهب أبو حيان إلى تعين الاشتمال قال: ووقوعه في الأفعال صحيح لأن الفعل يدل على جنس تحته أنواع يشتمل عليها ولذلك إذا وقع عليه النفي انتفت جميع أنواع ذلك الجنس، وأما بدل البعض من الكل فلا يمكن في الفعل إذ الفعل لا يقبل التجزي فلا يقال فيه له كل وبعض إلا بمجاز بعيد، واعترضه الحلبـي بأنه ليس بظاهر لأن الكلية والبعضية صادقتان على الجنس ونوعه فإن الجنس كل والنوع بعض فالصحيح وقوع النوعين في الفعل وقد قيل بهما في قوله:شعر : متى تأتنا ـ تلمم ـ بنا في ديارنا تجد خير نار عندها خير موقد تفسير : فإنهم جعلوا الإلمام بدلاً من الإتيان إما بدل بعض لأنه إتيان لا توقف فيه فهو بعضه أو اشتمال لأنه نزول خفيف، وروي عن أبـي عمرو إدغام الراء في اللام، وطعن الزمخشري ـ على عادته في الطعن ـ في القراآت السبع إذا لم تكن على قواعد العربية ومن قواعدهم أن الراء لا تدغم إلا في الراء لما فيها من التكرار الفائت بالإدغام في اللام وقد يجاب بأن القراآت السبع متواترة والنقل بالمتواتر إثبات علمي، وقول النحاة نفي ظني ولو سلم عدم التواتر فأقل الأمر أن تثبت لغة بنقل العدول وترجح بكونه إثباتاً، ونقل إدغام الراء في اللام عن أبـي عمرو من الشهرة والوضوح بحيث لا مدفع له ـ وممن روى ذلك عنه ـ أبو محمد اليزيدي وهو إمام في النحو إمام في القراآت إمام في اللغات، ووجهه من حيث التعليل ما بينهما من شدة التقارب حتى كأنهما مثلان بدليل لزوم إدغام اللام في الراء في اللغة الفصيحة إلا أنه لمح تكرار الراء فلم يجعل إدغامه في اللام لازماً على أن منع إدغام الراء في اللام مذهب البصريين، وقد أجازه الكوفيون وحكوه سماعاً، منهم الكسائي، والفراء، وأبو جعفر الرؤاسي، ولسان العرب ليس محصوراً فيما نقله البصريون فقط، والقراء من الكوفيين ليسوا بمنحطين عن قراء البصرة وقد أجازوه عن العرب فوجب قبوله والرجوع فيه إلى علمهم ونقلهم إذ من علم حجة على من لم يعلم. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} تذييل مقرر لمضمون ما قبله فإن كمال قدرته تعالى على جميع الأشياء موجب لقدرته على ما ذكر من المحاسبة وما فرع عليه من المغفرة والتعذيب، وفي الآية دليل لأهل السنة في نفي وجوب التعذيب حيث علق بالمشيئة واحتمال أن تلك المشيئة واجبة كمن يشاء صلاة الفرض فإنه لا يقتضي عدم الوجوب خلاف الظاهر.

ابن عاشور

تفسير : تعليل واستدلال على مضمون جملة {والله بما تعملون عليم} وعلى ما تقدم آنفاً من نحو: { أية : الله بكل شيء عليم } تفسير : [آل عمران: 176] { أية : واللَّه بما تعملون عليم } تفسير : [البقرة: 283] {أية : واللَّه بما تعملون بصير}تفسير : [الممتحنة: 3] { أية : واللَّه بما تعملون خبير } تفسير : [البقرة: 234] فإذا كان ذلك تعريضاً بالوعد والوعيد، فقد جاء هذا الكلام تصريحاً واستدلالاً عليه، فجملة {وإن تبدوا ما في أنفسكم} إلى آخرها هي محطُّ التصريح، وهي المقصود بالكلام، وهي معطوفة على جملة { أية : ولا تكتموا الشهادة}تفسير : [البقرة: 283] إلى {أية : والله بما تعملون عليم } تفسير : [البقرة: 283] وجملةُ {لله ما في السموات وما في الأرض} هي موقع الاستدلال، وهي اعتراض بين الجملتين المتعاطفتين، أو علة لجملة {والله بما تعملون عليم} باعتبار إرادة الوعيد والوعد، فالمعنى: إنّكم عبيدُه فلا يفوته عملَكُم والجزاء عليه. وعلى هذا الوجه تكون جملة «وإن تبدوا ما في أنفسكم» معطوفة على جملة {لله ما في السموات وما في الأرض} عطف جملة على جملة، والمعنى: إنكم عبيدُه، وهو محاسبكم، ونظيرُها في المعنى قوله تعالى: { أية : وأسِرُّوا قولكم أو اجهروا به إنّه عليم بذات الصدور ألا يَعْلَمُ من خلق } تفسير : [الملك: 13، 14] ولا يخالف بينهما إلاّ أسلوب نظم الكلام. ومعنى الاستدلال هنا: إنّ الناس قد علموا أنّ الله ربّ السموات والأرض، وخالق الخلق، فإذا كان في السموات والأرض لِلَّه، مخلوقاً له، لزم أن يكون جميع ذلك معلوماً له لأنَّه مكوِّن ضمائرِهم وخواطرهم، وعموم علمه تعالى بأحوال مخلوقاته من تمام معنى الخالقية والربوبية؛ لأنّه لو خفي عليه شيء لكان العبد في حالة اختفاء حاله عن علم الله مستقلاً عن خالقه. ومالكيةُ الله تعالى أتَمّ أنواع الملك على الحَقيقة كسائر الصفات الثابتة لله تعالى، فهي الصفات على الحقيقة من الوجود الواجب إلى ما اقتضاه وجوبُ الوجود من صفات الكمال. فقوله: {لله ما في السموات وما في الأرض} تمهيد لقوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} الآية. وعُطف قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم} بالواو دون الفاء للدلالة على أنّ الحكم الذي تضمَّنه مقصود بالذات، وأنّ ما قبله كالتمهيد له. ويجوز أن يكون قوله: {وإن تبدوا} عطفاً على قوله: { أية : والله بما تعملون عليم } تفسير : [البقرة: 283] ويكون قوله: {لله ما في السموات وما في الأرض} اعتراضاً بينهما. وإبداء ما في النفس: إظهاره، وهو إعلانه بالقول، فيما سبيله القول، وبالعمل فيما يترتّب عليه عمل؛ وإخفاؤه بخلاف ذلك، وعطف {أو تخفوه} للترقّي في الحساب عليه، فقد جاء على مقتضى الظاهر في عطف الأقوى على الأضعف، وفي الغرض المسوق له الكلام في سياق الإثبات. وما في النفي يعمّ الخير والشر. والمحاسبة مشتقّة من الحُسبان وهو العدّ، فمعنى يحاسبكم في أصل اللغة: يعُدُّه عليكم، إلاّ أنّه شاع إطلاقه على لازم المعنى وهو المؤاخذة والمجازاة كما حكى الله تعالى: {أية : إن حسابهم إلا على ربي} تفسير : [الشعراء: 113] وشاع هذا في اصطلاح الشرع، ويوضّحه هنا قوله: {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء}. وقد أجمل الله تعالى هنا الأحوال المغفورة وغير المغفورة: ليكون المؤمنون بين الخوف والرجاء، فلا يقصّروا في اتّباع الخيرات النفيسة والعملية، إلاّ أنّه أثبت غفراناً وتعذيباً بوجه الإجمال على كلَ ممَّا نُبديه وما نخفيه. وللعلماء في معنى هذه الآية، والجمع بينها وبين قوله صلى الله عليه وسلم « حديث : مَنْ هَمّ بسيئة فلم يعملها كتُبت له حسنة » تفسير : . وقوله: « حديث : إن الله تجاوز لأمَّتِي عمّا حدثتْها به أنفُسها » تفسير : وأحسن كلام فيه ما يأتلف من كلامي المازري وعياض، في شرحيهما «لصحيح مسلم»: وهو ــــــ مع زيادة بيان ــــــ أنّ ما يخطر في النفس إن كان مجرّد خاطرِ وتردّد من غير عزم فلا خلاف في عدم المؤاخذة به، إذ لا طاقة للمكلّف بصرفه عنه، وهو مورد حديث التجاوز للأمة عمّا حدّثت به أنفسها، وإن كان قد جاش في النفس عَزم، فإما أن يكون من الخواطر التي تترتّب عليها أفعال بدنية أوْ لا، فإن كان من الخواطر التي لا تترتَّب عليها أفعال: مثل الإيمان، والكفر، والحسد، فلا خلاف في المؤاخذة به؛ لأنَّ مما يدخل في طوق المكلّف أن يصرفه عن نفسه، وإن كان من الخواطر التي تترتّب عليها آثار في الخارج، فإن حصلت الآثار فقد خرج من أحوال الخواطر إلى الأفعال كمن يعزم على السرقة فيسرق، وإن عزم عليه ورجع عن فعله اختياراً لغير مانع منعه، فلا خلاف في عدم المؤاخذة به وهو مورد حديث « حديث : من همّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنةً » تفسير : وإن رجع لمانعٍ قهره على الرجوع ففي المؤاخذة به قولان. أي إنّ قوله تعالى: {يحاسبكم به الله} محمول على معنى يجازيكم وأنّه مُجمل تُبَيّنه موارد الثواب والعقاب في أدلة شرعية كثيرة، وإنّ من سمَّى ذلك نسخاً من السلف فإنّما جرى على تسميةٍ سبقتْ ضَبطَ المصطلحات الأصولية فأطلق النّسخ على معنى البيان وذلك كثير في عبارات المتقدّمين وهذه الأحاديث، وما دلّت عليه دلائل قواعد الشريعة، هي البيان لمن يشاء في قوله تعالى: {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء}. وفي «صحيح البخاري» عن ابن عباس «أنّ هذه الآية نُسِخت بالتي بعدها» أي بقوله: { أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } تفسير : [البقرة: 286] كما سيأتي هنالك. وقد تبيّن بهذا أنّ المشيئة هنا مترتّبة على أحوال المُبْدَى والمُحْفَى، كما هو بيّن. وقرأ الجمهور: فيَغفرْ ويعذّب بالجزم، عطفاً على يحاسِبْكم، وقرأه ابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: بالرفع على الاستئناف بتقدير فهو يغفر، وهم وجهان فصيحان، ويجوز النصب ولم يقرأ به إلا في الشاذ. وقوله: {والله على كل شيء قدير} تذييل لما دلّ على عموم العلم، بما يدلّ على عموم القدرة.

القطان

تفسير : جاءت هذا الآية متممة لقوله تعالى: {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} لأن كل شيء له، وهو خالقه، فهو العليم به، له ما في السموات وما في الارض، وان تُظهروا أيها المؤمنون ما في قلوبكم او تكتموه عن الناس يجازكُم به الله يوم القيامة، فهو {أية : يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ}تفسير : [غافر:19] والمعوَّل عليه في مرضاته تزكية النفوس وتطهير السرائر. روى الامام أحمد ومسلم والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ} اشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله، فأتوا النبي وقالوا: لقد كُلِّفنا من الاعمال ما نطيق كالصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أُنزلت هذه الآية ولا نطيقها. فقال النبي: "حديث : قولوا سمعنا وأطعنا وسلَّمنا"تفسير : . فألقى الله الإيمان في قلوبهم وأنزل {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا...} الآية. فكانت الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين به. وصار الأمر الى ان قضى الله تعالى ان للنفس ما اكتسبت من "القول والعمل". وهذا هو نهج الاسلام الصحيح العادل. {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} يغفر بفضله لمن يشاء أن يغفر له، ويعذب من يشاء، وهو تعالى على كل شيء قدير. قراءات: قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} برفع يغفر ويعذب كما هو هنا: وجزمهما الباقون عطفاً على جواب الشرط.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاواتِ} (284) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ أنَّهُ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، لا شَرِيكَ لَهُ فِي شَيءٍ مِنْهُنَّ، وَأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى مَا فِيهِنَّ، لاَ تَخْفَى عَليهِ السَّرَائِرُ وَلاَ الظَّوَاهِرُ، وَأنَّهُ سَيُحَاسِبُ عِبَادَهُ عَلَى مَا فَعَلُوهُ، وَمَا أَخْفَوْهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : استهلت الآية بتقديم "لله" على ما في السماوات والأرض، والحق سبحانه يقول: {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [البقرة: 284] ذلك هو الظرف الكائنة فيه المخلوقات، السماوات والأرض لم يدع أحد أنها له، لكن قد يوجد في السماوات أو في الأرض أشياء يدعي ملكيتها المخلوقون، فإذا ما نظرنا إلى خيرات الأرض فإننا نجدها مملوكة في بعض الأحيان لأناس بما ملكهم الله، والبشر الذين صعدوا إلى السماء وأداروا في جوها ما أداروا من أقمار صناعية ومراكب فضائية فمن الممكن أن يعلنوا ملكيتهم لهذه الأقمار وتلك المراكب. ويلفتنا الحق سبحانه هنا بقوله: {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [البقرة: 284] وهو يوضح لنا: إنه إن كان في ظاهر الأمر أن الله قد أعطى ملكية السببية لخلقه فهو لم يعط هذه الملكية إلا عَرَضاً يؤخذ منهم، فإما أن يزولوا عنه فيموتوا، وإما أن يزول عنهم فيؤخذ منهم عن بيع أو هبة أو غصب أو نهب. وكلمة "لله" تفيد الاختصاص، وتفيد القصر، فكل ما في الوجود أمره إلى الله، ولا يدعي أحد بسببية ما آتاه الله أنه يملك شيئاً لماذا؟ لأن المالك من البشر لا يملك نفسه أن يدوم. نحن لم نر واحداً لم تنله الأغيار، وما دامت الأغيار تنال كل إنسان فعلينا أن نعلم أن الله يريد من خلقه أن يتعاطفوا، وأن يتكاملوا، ويريد الله من خلقه أن يتعاونوا، والحق لا يفعل ذلك لأن الأمر خرج من يده - والعياذ بالله - لا، إن الله يبلغنا: أنا لي ما في السماوات وما في الأرض، وأستطيع أن أجعل المسألة دولاً بين الناس. ولذلك نقول للذين يَصلون إلى المرتبة العالية في الغنى، أو الجاه، أو أي مجال، لهؤلاء نقول: احذر حين تتم لك النعمة، لماذا؟ لأن النعمة إن تمت لك علواً وغنىً وعافيةً وأولاداً، أنت من الأغيار، وما دامت قد تمت وصارت إلى النهاية وأنت لا شك من الأغيار، فإن النعمة تتغير إلى الأقل. فإذا ما صعد إنسان إلى القمة وهو متغير فلا بد له أن ينزل عن هذه القمة، ولذا يقول الشاعر: شعر : إذا تـم شـيء بـدا نقـصـه تـرقـب زوالاً إذا قـيـل تـم تفسير : والتاريخ يحمل لنا قصة المرأة العربية التي دخلت على الخليفة وقالت له: أتم الله عليك نعمته. وسمعها الجالسون حول الخليفة ففرحوا، وأعلنوا سرورهم، لكن الخليفة قال لهم: والله ما فهمتم ما تقول، إنها تقول: أتم الله عليك نعمته، فإنها إن تمت تزول؛ لأن الأغيار تلاحق الخلق. وهكذا فهم الخليفة مقصد المرأة. والشاعر يقول: شعر : نفـسي التي تمـلك الأشـياء ذاهبة فكـيف آسـى على شيء لها ذهـباً تفسير : إن النفس المالكة هي نفسها ذاهبة؛ فكيف يحزن على شيء له ضاع منه؟ والحق سبحانه يطلب منا أن نكون دائماً على ذكر من قضية واضحة هي: أن الكون كله لله، والبشر جميعاً بذواتهم ونفوسهم وما ظهر منها وما بطن لا يخفى على الله، والحق سبحانه لا يحاسبنا على مقتضى ما علم فحسب، بل يحاسبنا على ما تم تسجيله علينا. إن كل إنسان يقرأ كتابه بنفسه .. فسبحانه يقول: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}تفسير : [الإسراء: 13-14]. والحساب معناه أن للإنسان رصيداً، وعليه أيضاً رصيد. والحق سبحانه وتعالى يفسر لنا (له وعليه) بالميزان كما نعرف في موازين الأشياء عندنا وهو سبحانه يقول: {أية : وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ}تفسير : [الأعراف: 8-9]. إن حساب الحق دقيق عادل، فالذين ثقلت كفة أعمالهم الحسنة هم الذين يفوزون بالفردوس، والذين باعوا أنفسهم للشيطان وهوى النفس تثقل كفة أعمالهم السيئة، فصاروا من أصحاب النار. إذن نحن أمام نوعين من البشر، هؤلاء الذين ثقلت كفة الخير في ميزان الحساب، وهؤلاء الذين ثقلت كفة السيئات والشرور في ميزان الحساب. فماذا عن الذين تساوت الكفتان في أعمالهم. استوت حسناتهم مع سيئاتهم؟ إنهم أصحاب الأعراف، الذين ينالون المغفرة من الله؛ لأن مغفرة الله وهو الرحمن الرحيم قد سبقت غضبه جل وعلا. ولو لم يجيء أمر أصحاب الأعراف في القرآن لقال واحد: لقد قال الله لنا خبر الذين ثقلت موازينهم، وأخبار الذين خفت موازين الخير عندهم، ولم يقل لنا خبر الذين تساوت شرورهم مع حسناتهم. لكن الحليم الخبير قد أوضح لنا خبر كل أمر وأوضح لنا أن المغفرة تسبق الغضب عنده، لذلك فالحساب لا يكتفي الحق فيه بالعلم فقط، ولكن بالتسجيل الواضح الدقيق، لذلك يطمئننا الحق سبحانه فيقول: {أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}تفسير : [الفرقان: 70]. إن الحق يطمئننا على أن ما نصنعه من خير نجده في كفة الميزان، ويطمئننا أيضاً على أنه - سبحانه - سيجازينا على ما أصابنا من شر الأشرار وأننا سنأخذ من حسناتهم لتضاف إلى ميزاننا، إذن فالطمأنينة جاءت من طرفين: طمأننا الحق على ما فعلناه من خير، فلا يُنسى أنه يدخل في حسابنا، وطمأننا أيضاً على ما أصابنا من شر الأشرار وسيأخذ الحق من حسناتهم ليضيفها لنا. ونحن نجد في الكون كثيراً من الناس قد يحبهم الله لخصلة من خصال الخير فيهم، وقد تكون هذه الخصلة الخيرة خفيّة فلا يراها أحد، لكن الله الذي لا تخفى عليه خافية يرى هذه الخصلة في الإنسان، ويحبه الله من أجلها، ويرى الحق أن حسنات هذا الرجل قليلة، فيجعل بعض الخلق يصيبون هذا الرجل بشرورهم وسيئاتهم حتى يأخذ من حسنات هؤلاء ليزيد في حسنات هذا الرجل. ومعنى {تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 284] أي تصيروا الوجدانيات إلى نزوعيات عملية، ولكن هل معنى {أَوْ تُخْفُوهُ} [البقرة: 284] هو ألا تصيروا الوجدانيات النفسية إلى نزوعيات عملية؟ لا، فليس لكل شيء نزوع عملي، ومثال ذلك الحب؛ إن الإنسان قد يحب، ولا يجد القدرة على النزوع ليعلن بهذا النزوع أنه محترق في حبه، وكذلك الذي يحقد قد لا يجد القدرة على النزوع ليعلن بهذا النزوع عن حقده، إذن فهناك أعمال تستقر في القلوب، فهل يؤاخذ الله بما استقر في النفوس؟ إن هذه المسألة تحتاج إلى دقة بالغة؛ لأننا وجدنا بعضاً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وقفوا فيها موقفاً أبكى بعضهم، هذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حينما سمع هذه الآية قال: لئن آخذنا الله على ما أخفينا في نفوسنا لنهلكن. وبكى حتى سُمع نشيجه بالبكاء. وبلغ ذلك الأمر ابن عباس فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد وجد إخوانُه المسلمون مثلما وجد من هذه الآية. فأنزل الله بعدها {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة: 286] إلى آخر السورة. ولنعلم أن نوازع النفس كثيرة؛ فهناك شيء اسمه "هاجس" وهناك شيء آخر اسمه "خاطر" وهناك ما يسمى "حديث نفس"، وهناك "هم" وهناك "عزم"، إنها خمس حالات، والأربع الأولى من هذه الحالات ليس فيها شيء، إنما الأخيرة التي يكون فيها القصد واضحاً يجب أن نتنبه لها ولنتناول كل حالة بالتفصيل. إن الهاجس هو الخطرة التي تخطر دفعة واحدة، أما الخاطر فهو يخطر .. أي يسير في النفس قليلاً، وأما حديث النفس فإن النفس تظل تتردد فيه، وأما الهم فهو استجماع الوسائل، وسؤال النفس عن كل الوسائل التي ينفذ بها الإنسان رغباته، أما العزم (القصد) فهو الوصول إلى النهاية والبدء في تنفيذ الأمر. والقصد هو الذي يُعني به قوله تعالى: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ} [البقرة: 284] وقد وجدنا كثيراً من العلماء قد وقفوا عند هذا القول وتساءل بعض من العلماء: هل الآية التي جاءت بعد ذلك والتي يقول فيها: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة: 286] هل هي نسخ للآية السابقة عليها؟ ولكن نحن نعرف أن الآية هي خبر، والأخبار لا تنسخ إنما الأحكام هي التي يتم نسخها، وعلى ذلك يكون القصد والعزم على تنفيذ الأمر هو المعنى بقوله الحق: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ} [البقرة: 284] فهذا هو الذي يحاسبنا الله عليه. وعندما يقول الحق سبحانه: {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} [البقرة: 284] فمن هم؟ لقد بين الله من يشاء المغفرة لهم، إنهم الذين تابوا، وهم الذين أنابوا إلى الله، هم الذين قال فيهم الحق:{أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}تفسير : [الفرقان: 70]. وتبديل المغفرة حسنة مسألة يجب أن يقف عندها الإنسان المكلف من الله وقفة ليرى فضل الله، لأن الذي صنع سيئة ثم آلمته، فكما آلمته السيئة التي ارتكبها وحزن منها، فإن الله يكتب له حسنة. ولكن الذي لم يصنع سيئة لا تفزعه هذه، وبعض العارفين يقول: رُبَّ معصية أورثت ذُلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عِزّاً واستكباراً. إنك لتجد الخير الشائع في الوجود كله ربما كان من أصحاب الإسراف على أنفسهم في شيء ما قد اقترفوه وتابوا عنه ولكنه لا يزال يؤرقهم. يكون الواحد منهم قوياً في كل شيء، إلا أنه ضعيف أمام مسألة واحدة، وضعفه أمام هذه المسألة الواحدة جعله يعصي الله بها وهو يحاول جاهداً في النواحي التي ليس ضعيفاً فيها أن يزيد كثيراً في حسناته، حتى يمحو ويُذهب الله هذه بهذه. فالخير الشائع في الوجود ربما كان من أصحاب السيئات الذين أسرفوا على أنفسهم في ناحية من النواحي، فيشاء الله سبحانه وتعالى أن يجعلهم متجهين إلى نواحٍ من الخير قائلين: ربما هذه تحمل تلك. لكن الذي يظل رتيباً هكذا لا تلذعه معصية ربما تظل المسائل فاترة في نفسه. ولذلك يجب أن ننظر إلى الذين أسرفوا على أنفسهم لا في زاوية واحدة، ولكن في زوايا متعددة، ونتأدب أمامهم وندعو الله أن يعفيهم مما نعرفه عنهم، وأن يبارك لهم فيما قدموه؛ ليزيل الله عنهم أوزار ما فعلوا. وبعض العلماء يرى في قوله الحق: {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} [البقرة: 284] أن الله قد جعل المغفرة أمراً متعلقاً بالعابد لله، فإن شئت أن يغفر الله لك فأكثر من الحسنات حتى يبدل الله سيئاتك إلى حسنات. وإن شئت أن تعذب - وهذا أمر لا يشاؤه أحد - فلا تصنع الحسنات. وهذه المسألة تجعلنا نعرف أن الحق سبحانه وتعالى حين يطلب منا الإيمان به فإنه يُملكنا الزمام. وبمجرد إيماننا به فنحن نتلقى منه زمام الاختيار، والدليل واضح في الحديث القدسي: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله - عز وجل -: "حديث : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني. إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ هم خيرٌ منهم وان تقرب مني شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلىّ ذراعاً، تقربت منه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيتُه هَرْوَلَةً ". تفسير : إذن فبمجرد إيمانك ملكك الله الزمام، فإن أردت أن يتقرب الله إليك ذراعاً، فتقرب أنت إليه شبراً، فالزمام في يدك. وإن شئت أن يتقرب الله منك باعاً، فتقرب أنت ذراعاً. وإن شئت أنت أن يأتي ربك إليك مهرولاً - جرياً - فأت إليه مشياً. فبمجرد أن يراك الله وأنت تقبل وتتجه إليه، كأنه يقول لك: لا .. استرح أنت، أنا الذي آتي إليك. ولذلك قلنا من قبل في مسألة الصلاة حين تؤمن - أيها العبد - بالله وبعد ذلك ينادي المؤذن للصلاة، فتذهب أنت إلى الصلاة، صحيح أنت تذهب إلى الصلاة المفروضة، لكن هل منعك الله أن تقف بين يديه في أية لحظة؟. لقد طلب الله منك أن تحضر بين يديه خمس مرات في اليوم، وبعد ذلك ترك الباب مفتوحاً لك - أيها المؤمن - فالله لا يمل حتى يمل العبد. والإنسان في حياته العادية - ولله المثل الأعلى - إذا أراد أن يقابل عظيماً من العظماء فإن الإنسان يطلب الميعاد، فإما أن يقبل العظيم من البشر لقاء من يطلب الميعاد أو يرفض. وإذا قبل العظيم من البشر لقاء من يطلب الميعاد، فإن العظيم من البشر يحدد الزمن، ويحدد المكان، وربما طلب العظيم من البشر أن يعرف سبب وموضوع المقابلة. لكن الله يترك الباب مفتوحاً أمام العبد المؤمن، يلقى الله عنده في أي شيء، وفي أي وقت، وفي أي مكان، وفي أي زمان. شعر : حسب نفسي عزاً بأنِّيَ عبد يحتفِي بي بلا مواعيد ربُّ هو في قدسه الأعز ولكن أنا ألقى متى وأين أحبُّ تفسير : الزمام إذن في يد من؟. إن الزمام في يد العبد المؤمن. لذلك فالذين قالوا في فَهْم {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} [البقرة: 284] إن البشر في أيديهم أمر المغفرة لهم، فإن شاء البشر أن يغفر الله لهم فإنهم يفعلون أسباب المغفرة، ويتوبون إلى الله، ويكثرون من الحسنات، ومن يريد أن يتعذب فليظل سادراً في غيه في فعل السيئات. ثم بعد ذلك يقول الله عز وجل: {آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: ناسب ختم هذه السورة الكريمة بهذه الآيات لأنها اشتملت على تكاليف كثيرة في الصلاة والزكاة والقصاص والصوم والحج والجهاد والطلاق والعدة وأحكام الربا والبيع والدين الخ فناسب تكليفه إِيانا بهذه الشرائع أن يذكر أنه تعالى مالك لما في السماوات وما في الأرض فهو يكلف من يشاء بما يشاء، والجزاء على الأعمال إِنما يكون في الدار الآخرة، فختم هذه السورة بهذه الآيات على سبيل الوعيد والتهديد.. اللغَة: {إِصْراً} الإِصر في اللغة: الثقل والشدة قال النابغة: شعر : يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم والحامل الإِصر عنهم بعد ما عرفوا تفسير : وسميت التكاليف الشاقة إِصراً لأنها تثقل كاهل صاحبها كما يسمى العهد إصراً لأنه ثقيل. {طَاقَةَ} الطاقة: القدرة على الشيء من أطاق الشيء وهو مصدر جاء على غير قياس الفعل {ٱعْفُ عَنَّا}، العفو: الصفح عن الذنب {وَٱغْفِرْ لَنَا} الغفران: ستر الذنب ومحوه. سَبَبُ النّزول: لما نزل قوله تعالى {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ} الآية، اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله فقالوا: كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} قولوا {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} (فلما قرأها القوم وجرت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى {آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} ونسخها الله تعالى فأنزل {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ}تفسير : الآية). التفسِير: {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي هو سبحانه المالك لما في السماوات والأرض المطّلع على ما فيهن {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ} أي إِن أظهرتم ما في أنفسكم من السوء أو أسررتموه فإِن الله يعلمه ويحاسبكم عليه {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي يعفو عمن يشاء ويعاقب من يشاء وهو القادر على كل شيء الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون {آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} أي صدّق محمد صلى الله عليه وسلم بما أنزل الله إِليه من القرآن والوحى وكذلك المؤمنون {كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} أي الجميع من النبي والأتباع صدَّق بوحدانية الله، وآمن بملائكته وكتبه ورسله {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} أي لا نؤمن بالبعض ونكفر بالبعض كما فعل اليهود والنصارى بل نؤمن بجميع رسل الله دون تفريق {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} أي أجبنا دعوتك وأطعنا أمرك فنسألك يا ألله المغفرة لما اقترفناه من الذنوب وإِليك وحدك يا ألله المرجع والمآب. {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي لا يكلف المولى تعالى أحداً فوق طاقته {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} أي لكل نفس جزاء ما قدمت من خير، وجزاء ما اقترفت من شرّ {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} أي قولوا ذلك في دعائكم والمعنى لا تعذبنا يا ألله بما يصدر عنا بسبب النسيان أو الخطأ {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} أي ولا تكلفنا بالتكاليف الشاقة التي نعجز عنها كما كلفت بها من قبلنا من الأمم كقتل النفس في التوبة وقرض موضع النجاسة {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} أي لا تحمّلنا ما لا قدرة لنا عليه من التكاليف والبلاء {وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ} أي امحُ عنا ذنوبنا واستر سيئاتنا فلا تفضحنا يوم الحشر الأكبر وارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء {أَنتَ مَوْلاَنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} أي أنت يا ألله ناصرنا ومتولي أمورنا فلا تخذلنا، وانصرنا على أعدائنا وأعداء دينك من القوم الكافرين، الذين جحدوا دينك وأنكروا وحدانيتك وكذبوا برسالة نبيك صلى الله عليه وسلم. روي أنه عليه السلام لما دعا بهذه الدعوات قيل له عند كل دعوة: قد فعلتُ. البَلاَغَة: 1- تضمنت الآية من أنواع الفصاحة وضروب البلاغة أشياء منها "الطباق" في قوله {وَإِن تُبْدُواْ... أَوْ تُخْفُوهُ} وبين "يغفر" و "يعذب" ومنها الطباق المعنوي بين {كَسَبَتْ} و {ٱكْتَسَبَتْ} لأن كسب في الخير واكتسب في الشر. 2- ومنها الجناس ويسمى جناس الاشتقاق في قوله {آمَنَ... وَٱلْمُؤْمِنُونَ}. 3- ومنها الإِطناب في قوله {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}. 4- ومنها الإِيجاز بالحذف في قوله {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} أي آمنوا بالله ورسله ومواضع أخرى. فَائِدَة: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كفتاه" تفسير : أخرجه البخاري وفي رواية لمسلم حديث : أن ملكاً نزل من السماء فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: "أبشرْ بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبيٌ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفاً منهما إِلا أوتيتَه" .

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن محاسبة ما يبدوا من الضمائر وما تخفي في السرائر، بقوله تعالى: {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [البقرة: 284]، الإشارة فيها: أن الله تعالى يطالب العباد باستدامة المراقبة واستصحاب المحاسبة؛ لئلا يغفلوا عن حفظ الحركات الظاهرة وضبط خطرات الباطن، فبقوا في آفة ترك آداب العبودية فيهلكوا بسطوات قهر الإلوهية، ففي بداية الآية نية العباد على مالكيه وملكية في السماوات والأرض بقوله تعالى: {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [البقرة: 284]، مُلكاً ومِلكاً، ثم خصهم على رعاية آداب العبودية على بساط الملوك، ووعدهم عليها وأوعدهم بقوله تعالى: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} [البقرة: 284]. واعلم أن الإنسان مركب من عالم الأمور والخلق، فله روح نوراني علوي من عالم الأمر وهو الملكوت الأعلى، وله نفس ظلمانية سفلية من عالم الخلق، ولكل واحد منها نزاع وشوق وحيل إلى عالمه، فقصد الروح وميله راغبه، وشوقه أبداً إلى عالمه، وهو جوار رب العالمين وقربه، وميل النفس وقصدها إلى عالمها، وهي أسفل السافلين وغاية البعد عن الحق، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليزكي النفوس عن ظلمة أوصافها وسوء أخلاقها، ويحيلها بحلية أنوار الأرواح بإبداء أنوار أخلاق الروح عليها في تحليتها بها، فهذا مقام الأولياء مع الله، {أية : يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [البقرة: 257]، وبعث الشياطين إلى أوليائه وهم أعداء الله؛ ليخرج أرواحهم من النور الروحاني إلى الظلمات النفسانية، في إخفاء أنوار خالقها في إبداء أخلاق النفس عليها، استحق بها دركة أسفل السافلين وغاية البعد عن الحق؛ فمعنى الآية في التحقيق: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 284]، مودع من أنوار أخلاق الروحانية في الظاهر بأعمال الشريعة، وفي الباطن بموافقات الطبيعة، أو تخفوه بتصرفات الطبيعة في موافقات الشريعة، ومخالفات الطريقة {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ} [البقرة: 284]، بطهارة النفس بقبول أنوار الروح أخلاقه، أو بتلوث الروح بقول ظلمات النفس وأخلاقها، {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} [البقرة: 284]، فينور نفسه بأنوار الروح وروحه بأنوار الحق، {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} [البقرة: 284]، فيعاقب نفقسه بنار دركات السعير ونوره بنار فرقة العلي الكبير، {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} [البقرة: 284]، من إظهار اللطف والقهر على تركيب عالمي الخلق والأمر {قَدِيرٌ} [البقرة: 284]. ثم أخبر عن كمال لطفه بالعباد لهم على السبيل الرشاد بقوله تعالى: {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} [البقرة: 285]، والإشارة في الآيتين: أن الله تعالى إنما قال: {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} [البقرة: 285]، وما قال آمن بالله، وقال: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ} [البقرة: 285]، أو يظهر الفرق بين الرسول والمؤمنين، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل المعراج كان يؤمن بالله، {بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة: 285]؛ أي: بعد ما آمنوا بما أنزل قالوا: سمعنا وأطعنا ما أمرتنا، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أحوال إيمان المؤمنين في تلك الحالة؛ لأن ما بدأ به من الكلام في ذلك المقام إن أكرم بالسلام، ولهذا كان يقول: السلام قبل الكلام، فلما سمع السلام عليك إيها النبي رحمه الله وبركاته، فأجاب بقوله: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ففي المرتبة الثانية لما أوحى إليه، {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} [البقرة: 285]، فبدأ بذكر المؤمنين وعرض أحوالهم بالإيمان والسمع والطاعة ليت، استحقاقهم السلام والرحمة فرحمهم الله عليهم، وقال: وما يطلبون مني بجزاء الإيمان والسمع والطاعة حتى أجار بهم به قال النبي صلى الله عليه وسلم: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} [البقرة: 285]؛ يعني: ما يطلبون منك شيئاً دونك إلا مغفرتك؛ لتسترهم عنهم بسريان صفة {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} [البقرة: 285]، ويكون مصيرهم مرجعهم إليك لا إلى الدارين؛ يعني: كما كان مصيري إليك يكون مصيرهم في متابعتي إليك، فقال الله في جوابه {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286]؛ يعني: ليس لهم استعداد منازل هذا المقام معك، فكيف أكفلهم بشيء لا وسع لهم به؟ فإنك في مقام معي لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، فكيف بهم؟ ألم تر أن جبريل عليه السلام حين أردت أن أترحم عليه؛ ليوافي موافقتكم وتبعية مرافقتك بساط قرب خطوة فقلت له: تقدم، فقال: ونوة أنملة لاحترقت، وإن الأنبياء والمرسلين اصطفيناهم على العالمين، كل طائفة منهم واقفين إما سبقتهم رحمتي، ثمة كي لا تحرقهم سبحات وجهي ويمحقهم سطوات قهري، فكيف أكلف في أسماء أمتك المذنبة المرحومة بهذا المصير وأنا بضعيف حالهم بصير، ولكن الذي ملك هذا المقام حتى جاوزت الأنبياء والرسل الكرام ووطأت موطأ ما وطأ أحد قبلك؛ إني خلقتك وخلقت الكون لمجيئك؛ لولاك لما خلقت الكون وإنك مخصوص بهذا المقام المحمود، وإن أمتك أكرم الأمم عليَّ لمحبتك، وأحبهم إليَّ ولهم سبب شفاعتك اختصاص بكرامة محبتي إياهم في ظل متابعتك، فقل لهم: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران: 31]، فإن على قدره ما اكتسب أمتك من أنوار متابعتك تستحق نيل محبتي، فبقدر جريان عدم محبتي لهم بكون مصيرهم إلى حضرة جلاله. {لَهَا مَا كَسَبَتْ} [البقرة: 286]، من شواهد جمالنا، وعلى قدر ما كسبت بالثواني في ظل متابعتك والتقصير في مشايعتك، ونقض عهد مبايعتك تستحق المصير إلى السعير، {وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286]، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الجواب فتارة أكسرته لذة هذا الخطاب وأخرى أخذته سطوات هذا العتاب، قال {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]؛ يعني: لا تعاقب أمتي إن نسيت عهدك التي عاهدتم في الميثاق على أن يعبدوك ولا يعبدوا غيرك، ويطلبوك ولا يطلبوا غيرك، ويحبوك ولا يحبوا غيرك، وأخطأت طريق طلبك وطلبوا غيرك، وطريق محبتك فأحبوا غيرك، ولكن ما أخطأت طريق عبوديتك فما عبدوا غيرك ولا أشركوا بعبادتك، وأنت قلت: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [النساء: 48]، {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} [البقرة: 286]، بأن تكلنا إلى أنفسنا قبضتي أسير النفس الأمارة بالسوء، أو محبوسي الأشخاص من مقتدى الخواص، فتعبد عجل الهوى والنار الشهوات، كما عبد الذين من قبلنا، {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286]، وبالصبر عن شهود جمالك وأرجاء أستار جلالك على أبواب وصالك، {وَٱعْفُ عَنَّا} [البقرة: 286]، شواهد هويتك {وَٱغْفِرْ لَنَا} [البقرة: 286]، برفع البينونة من بيننا {وَٱرْحَمْنَآ} [البقرة: 286]، بجذبات {أَنتَ مَوْلَٰـنَا} [البقرة: 286]، بجذبات {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} [البقرة: 286]، أخرجنا عنا إليك، وأعنا في المصير إليك على قمع كفار الإثنينية، التي تمنعنا من وحدتك بيني وبينك إني يزاحمني، فارفع بجودك إني من البين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا إخبار من الله أنه له ما في السماوات وما في الأرض، الجميع خلقهم ورزقهم ودبرهم لمصالحهم الدينية والدنيوية، فكانوا ملكا له وعبيدا، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وهو ربهم ومالكهم الذي يتصرف فيهم بحكمته وعدله وإحسانه، وقد أمرهم ونهاهم وسيحاسبهم على ما أسروه وأعلنوه، { فيغفر لمن يشاء } وهو لمن أتى بأسباب المغفرة، ويعذب من يشاء بذنبه الذي لم يحصل له ما يكفره { والله على كل شيء قدير } لا يعجزه شيء، بل كل الخلق طوع قهره ومشيئته وتقديره وجزائه.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} [284] 79- أنا محمود بن غَيْلان، أنا وكيع، نا سفيان، عن آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ} دخل قلوبهم منها شيء لم يدخله من شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : قولو سمعنا، وأطعنا، وسلمنا" فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله عز وجل {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} [286] قال: قد فعلت، {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} قال: قد فعلت { رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَٰـنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} قال: قد فعلت .

همام الصنعاني

تفسير : 361- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ}: [الآية: 284]، قال: نسخها قوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ}: [الآية: 286]. 366- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، قال: سمعت الزهري يقول: إنَّ ابن عمر قَرَأَ: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ}: [الآية: 284] فبكى وقال: إننا لمؤاخذون بما نُحَدِّث به أنفسنا! فبكى حتى سمع نشيجه، فقام رجل من عنده، فأتى ابن عباس فذكر له ذلك فقال: يرحم الله ابن عمر لقد وجد المسلمون نحواً مما وجد حتى نزلت بعدها: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ}: [الآية: 286]. 367- عبد الرزاق قال: سمعت هشاماً يحدث عن الحسن في قوله تعالى: {إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا}: [الآية: 286] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تَجوَّز الله لهذه الأمة عنِ الخطأ والنسيان وما أُكرِهُوا عليه ". 368تفسير : - عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا}: [الآية: 286]، قال: بلغني أن الله "تجاوز لهذه الأمة عن نسيانها وماحدثت به أنفسها". 369- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً}: [الآية: 286]، قال: لا تحمل علينا عهداً وميثاقاً، {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا}، يقول: كما غُلِّظ على الذين من قبلنا. 370- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن صاحب له، عن أبي قلابة، قال: إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السماوات والأرض بأَلْفَيْ سنة، ثم وضعه على عرشه أو قال: في عرضه، وكان خواتم البقرة من ذلك الكتاب، قال: ومن قرأ خاتمة البقرة لم يدخل الشيطان بيته ثلاثاً. 371- عبد الرزاق، قال معمر: وأخبرني من سمع الحسن يقول: كان مما منَّ الله تبارك وتعالى على نَبِيَّه أنه قال: وأعطيتك خواتم سورة البقرة، وهي من كنوز عرشي. 372- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن عاصم بن بهدلة، عن علقمة بن قيس، قال: من قرأ خواتم سورة البقرة في ليلة أَجْزَأَت عنه قيام تلك الليلة. 373- عبد الرزاق، قال: حدثني الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ في ليلة بالآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه ". 374تفسير : - عبد الرزاق، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: كنت عند ابن عمر، فقرأ: {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} [الآية: 284] إلى قوله تعالى: {قَدِيرٌ} فبكى، قال: وانطلقت حتى أتيت على ابن عباس، فقلت: [يابن عباس] كنت عند ابن عمر آنفاً، فقرأ هذه الآية، فبكى، قال: آية آية؟، قال: قلت: {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} إلى {قَدِيرٌ} قال: فضحك ابن عباس، وقال يرحم الله ابن عمر، أو ما يدري فيما أُنْزِلَتء وكيف أُنْزِلَت؟ إنَّ هذه الآية حين أُنْزِلَت غمَّت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غمّاً شديداً، وغاظتهم غيظاً شديداً، وقالوا: يا رسول الله هلكنا، إنما كنانؤخذ بما تَكَلَّمْنا، فأما ما يعقل قلوبنا ليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: سمعنا وأطعنا، فقالوا: سمعنا وأطعنا، قال فنسخها هذه الآية: {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ} [الآية: 285] إلى: {وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ}: [الآية: 286]، قال: فتجوز لهم عن حديث النفس وأُخِذُوا بالأعمال.