٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
285
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجوه الأول: وهو أنه تعالى لما بيّن في الآية المتقدمة كمال الملك، وكمال العلم، وكمال القدرة لله تعالى، وذلك يوجب كمال صفات الربوبية أتبع ذلك بأن بين كون المؤمنين في نهاية الانقياد والطاعة والخضوع لله تعالى، وذلك هو كمال العبودية وإذا ظهر لنا كمال الربوبية، وقد ظهر منا كمال العبودية، فالمرجو من عميم فضله وإحسانه أن يظهر يوم القيامة في حقنا كمال العناية والرحمة والإحسان اللّهم حقق هذا الأمل. الوجه الثاني في النظم: أنه تعالى لما قال: {أية : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّه } تفسير : [البقرة: 284] بين أنه لا يخفى عليه من سرنا وجهرنا وباطننا وظاهرنا شيء ألبتة، ثم إنه تعالى ذكر عقيب ذلك ما يجري مجرى المدح لنا والثناء علينا، فقال: {آمن ٱلرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ } كأنه بفضله يقول عبدي أنا وإن كنت أعلم جميع أحوالك، فلا أظهر من أحوالك، ولا أذكر منها إلا ما يكون مدحاً لك وثناء عليك، حتى تعلم أني كما أنا الكامل في الملك والعلم والقدرة، فأنا الكامل في الجود والرحمة، وفي إظهار الحسنات، وفي الستر على السيئات. الوجه الثالث: أنه بدأ في السورة بمدح المتقين الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، وبيّن في آخر السورة أن الذين مدحهم في أول السورة هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } وهذا هو المراد بقوله في أول السورة {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [البقرة: 3]. ثم قال ههنا {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } وهو المراد بقوله في أول السورة {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ }. ثم قال ههنا {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } وهو المراد بقوله في أول السورة {أية : وَبِٱلأْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } تفسير : [البقرة: 4] ثم حكى عنهم ههنا كيفية تضرعهم إلى ربهم في قولهم {أية : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } تفسير : [البقرة: 286] إلى آخر السورة وهو المراد بقوله في أول السورة {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } تفسير : [البقرة: 5] فانظر كيف حصلت الموافقة بين أول السورة وآخرها. والوجه الرابع: وهو أن الرسول إذا جاءه الملك من عند الله، وقال له: إن الله بعثك رسولاً إلى الخلق، فههنا الرسول لا يمكنه أن يعرف صدق ذلك الملك إلا بمعجزة يظهرها الله تعالى على صدق ذلك الملك في دعواه ولولا ذلك المعجز لجوز الرسول أن يكون ذلك المخبر شيطاناً ضالاً مضلاً، وذلك الملك أيضاً إذا سمع كلام الله تعالى افتقر إلى معجز يدل على أن المسموع هو كلام الله تعالى لا غير، وهذه المراتب معتبرة أولها: قيام المعجز على أن المسموع كلام الله لا غيره، فيعرف الملك بواسطة ذلك المعجز أنه سمع كلام الله تعالى وثانيها: قيام المعجزة عند النبي صلى الله عليه وسلم على أن ذلك الملك صادق في دعواه، وأنه ملك بعثه الله تعالى وليس بشيطان وثالثها: أن تقوم المعجزة على يد الرسول عند الأمة حتى تستدل الأمة بها على أن الرسول صادق في دعواه فإذن لما لم يعرف الرسول كونه رسولاً من عند الله لا تتمكن الأمة من أن يعرفوا ذلك، فلما ذكر الله تعالى في هذه السورة أنواع الشرائع وأقسام الأحكام، قال: {آمن ٱلرَّسُولُ } فبيّن أن الرسول عرف أن ذلك وحي من الله تعالى وصف إليه، وأن الذي أخبره بذلك ملك مبعوث من قبل الله تعالى معصوم من التحريف، وليس بشيطان مضل، ثم ذكر إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، وهو المرتبة المتقدمة، وذكر عقيبه إيمان المؤمنين بذلك وهو المرتبة المتأخرة، فقال: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِٱللَّهِ } ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه، فهو أيضاً معجز بحسب ترتيبه ونظم آياته ولعلّ الذين قالوا: إنه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك إلا أني رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير متنبهين لهذه الأمور، وليس الأمر في هذا الباب كما قيل:شعر : والنجم تستصغر الأبصار رؤيته والذنب للطرف لا للنجم في الصغر تفسير : ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، ويعلمنا ما ينفعنا به بفضله ورحمته. المسألة الثانية: قوله تعالى: {آمن ٱلرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ} فالمعنى أنه عرف بالدلائل القاهرة والمعجزات الباهرة أن هذا القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام نزل من عند الله تعالى، وليس ذلك من باب إلقاء الشياطين، ولا من نوع السحر والكهانة والشعبذة، وإنما عرف الرسول لأنه صلى الله عليه وسلم ذلك بما ظهر من المعجزات القاهرة على يد جبريل عليه السلام. فأما قوله {وَٱلْمُؤْمِنُونَ } ففيه احتمالان أحدهما: أن يتم الكلام عند قوله {وَٱلْمُؤْمِنُونَ } فيكون المعنى: آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه من ربه، ثم ابتدأ بعد ذلك بقوله {كُلٌّ ءامَنَ بِٱللَّهِ } والمعنى: كل واحد من المذكورين فيما تقدم، وهم الرسول والمؤمنون آمن بالله. الاحتمال الثاني: أن يتم الكلام عند قوله {بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ } ثم يبتدىء من قوله {وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِٱللَّهِ } ويكون المعنى أن الرسول آمن بكل ما أنزل إليه من ربه، وأما المؤمنون فإنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، فالوجه الأول يشعر بأنه عليه الصلاة والسلام ما كان مؤمناً بربه، ثم صار مؤمناً به، ويحتمل عدم الإيمان على وقت الاستدلال، وعلى الوجه الثاني يشعر اللفظ بأن الذي حدث هو إيمانه بالشرائع التي أنزلت عليه، كما قال: {أية : مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ } تفسير : [الشورى: 52] وأما الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله على الإجمال، فقد كان حاصلاً منذ خلقه الله من أول الأمر، وكيف يستبعد ذلك مع أن عيسى عليه السلام حين انفصل عن أمه قال: إني عبد الله آتاني الكتاب، فإذا لم يبعد أن عيسى عليه السلام رسولاً من عند الله حين كان طفلاً، فكيف يستبعد أن يقال: إن محمداً صلى الله عليه وسلم كان عارفاً بربه من أول ما خلق كامل العقل. المسألة الثالثة: دلّت الآية على أن الرسول آمن بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، وإنما خص الرسول بذلك، لأن الذي أنزل إليه من ربه قد يكون كلاماً متلواً يسمه الغير ويعرفه ويمكنه أن يؤمن به، وقد يكون وحياً لا يعلمه سواه، فيكون هو صلى الله عليه وسلم مختصاً بالإيمان به، ولا يتمكن غيره من الإيمان به، فلهذا السبب كان الرسول مختصاً في باب الإيمان بما لا يمكن حصوله في غيره. ثم قال الله تعالى: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذه الآية دلّت على أن معرفة هذه المراتب الأربعة من ضرورات الإيمان. فالمرتبة الأولى: هي الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وذلك لأنه ما لم يثبت أن للعالم صانعاً قادراً على جميع المقدورات، عالماً بجميع المعلومات، غنياً عن كل الحاجات، لا يمكن معرفة صدق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكانت معرفة الله تعالى هي الأصل، فلذلك قدم الله تعالى هذه المرتبة في الذكر. والمرتبة الثانية: أنه سبحانه وتعالى إنما يوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بواسطة الملائكة، فقال: {أية : يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } تفسير : [النحل: 2] وقال: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ } تفسير : [الشورى: 51] وقال: {أية : فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [البقرة: 97] وقال: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [الشعراء: 193، 194] وقال: {أية : عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ } تفسير : [النجم: 5] فإذا ثبت أن وحي الله تعالى إنما يصل إلى البشر بواسطة الملائكة فالملائكة يكونون كالواسطة بين الله تعالى وبين البشر، فلهذا السبب جعل ذكر الملائكة في المرتبة الثانية، ولهذا السر قال أيضاً: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } تفسير : [آل عمران: 18]. والمرتبة الثالثة: الكتب، وهو الوحي الذي يتلقفه الملك من الله تعالى ويوصله إلى البشر وذلك في ضرب المثال يجري مجرى استنارة سطح القمر من نور الشمس فذات الملك كالقمر وذات الوحي كاستنارة القمر فكما أن ذات القمر مقدمة في الرتبة على استنارته فكذلك ذات الملك متقدم على حصول ذلك الوحي المعبر عنه بهذه الكتب، فلهذا السبب كانت الكتب متأخرة في الرتبة عن الملائكة، فلا جرم أخر الله تعالى ذكر الكتب عن ذكر الملائكة. والمرتبة الرابعة: الرسل، وهم الذين يقتبسون أنوار الوحي من الملائكة، فيكونون متأخرين في الدرجة عن الكتب فلهذا السبب جعل الله تعالى ذكر الرسل في المرتبة الرابعة، واعلم أن ترتيب هذه المراتب الأربعة على هذا الوجه أسرار غامضة، وحكماً عظيمة لا يحسن إيداعها في الكتب والقدر الذي ذكرناه كاف في التشريف. المسألة الثانية: المراد بالإيمان بالله عبارة عن الإيمان بوجوده، وبصفاته، وبأفعاله، وبأحكامه، وبأسمائه. أما الإيمان بوجوده، فهو أن يعلم أن وراء المتحيزات موجوداً خالقاً لها، وعلى هذا التقدير فالمجسم لا يكون مقراً بوجود الإلٰه تعالى لأنه لا يثبت ما وراء المتحيزات شيئاً آخر فيكون اختلافه معنا في إثبات ذات الله تعالى أما الفلاسفة والمعتزلة فإنهم مقرون بإثبات موجود سوى المتحيزات موجد لها، فيكون الخلاف معهم لا في الذات بل في الصفات. وأما الإيمان بصفاته، فالصفات إما سلبية، وإما ثبوتية. فأما السلبية: فهي أن يعلم أنه فرد منزّه عن جميع جهات التركيب، فإن كل مركب مفتقر إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره، فهو مركب، فهو مفتقر إلى غيره ممكن لذاته، فإذن كل مركب فهو ممكن لذاته، وكل ما ليس ممكناً لذاته، بل كان واجباً لذاته امتنع أن يكون مركباً بوجه من الوجوه، بل كان فرداً مطلقاً، وإذا كان فرداً في ذاته لزم أن لا يكون متحيزاً، ولا جسماً، ولا جوهراً، ولا في مكان، ولا حالاً، ولا في محل، ولا متغيراً، ولا محتاجاً بوجه من الوجوه ألبتة. وأما الصفات الثبوتية: فبأن يعلم أن الموجب لذاته نسبته إلى بعض الممكنات كنسبته إلى البواقي، فلما رأينا أن هذه المخلوقات وقعت على وجه يمكن وقوعها على خلاف تلك الأحوال، علمنا أن المؤثر فيها قادر مختار لا موجب بالذات، ثم يستدل بما في أفعاله من الإحكام والإتقان على كمال علمه، فحينئذ يعرفه قادراً عالماً حياً سميعاً بصيراً موصوفاً منعوتاً بالجلال وصفات الكمال، وقد استقصينا ذلك في تفسير قوله {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } تفسير : [البقرة: 255]. وأما الإيمان بأفعاله، فبأن تعلم أن كل ما سواه فهو ممكن محدث، وتعلم ببديهة عقلك أن الممكن المحدث لا يوجد بذاته، بل لا بد له من موجد يوجده وهو القديم، وهذا الدليل يحملك على أن تجزم بأن كل ما سواه فإنما حصل بتخليقه وإيجاده وتكوينه إلا أنه وقع في البين عقدة وهي الحوادث التي هي الأفعال الاختيارية للحيوانات، فالحكم الأول وهو أنها ممكنة محدثة فلا بد من إسنادها إلى واجب الوجود مطرد فيها. فإن قلت: إني أجد من نفسي أني إن شئت أن أتحرك تحركت، وإن شئت أن لا أتحرك لم أتحرك فكانت حركاتي وسكناتي بي لا بغيري. فنقول: قد علقت حركتك بمشيئتك لحركتك، وسكونك بمشيئتك لسكونك، فقبل حصول مشيئة الحركة لا تتحرك وقبل حصول مشيئة السكون لا تسكن، وعند حصول مشيئة الحركة لا بد وأن تتحرك. إذا ثبت هذا فنقول: هذه المشيئة كيف حدثت فإن حدوثها إما أن يكون لا بمحدث أصلاً أو يكون بمحدث، ثم ذلك المحدث إما أن يكون هو العبد أو الله تعالى، فإن حدثت لا بمحدث فقد لزم نفي الصانع، وإن كان محدثها هو العبد افتقر في إحداثها إلى مشيئة أخرى ولزم التسلسل، فثبت أن محدثها هو الله سبحانه وتعالى. إذا ثبت هذا فنقول: لا اختيار للإنسان في حدوث تلك المشيئة، وبعد حدوثها فلا اختيار له في ترتب الفعل عليها إلا بالمشيئة به، ولا حصول الفعل بعد المشيئة، فالإنسان مضطر في صورة مختار، فهذا كلام قاهر قوي، وفي معارضته إشكالان أحدهما: كيف يليق بكمال حكمة الله تعالى إيجاد هذه القبائح والفواحش من الكفر والفسق والثاني: أنه لو كان الكل بتخليقه فكيف توجه الأمر والنهي، والمدح والذم، والثواب والعقاب على العبد، فهذا هو الحرف المعول عليه من جانب الخصم، إلا أنه وارد عليه أيضاً في العلم على ما قررناه في مواضع عدة. وأما المرتبة الرابعة في الإيمان بالله: فهي معرفة أحكامه، ويجب أن يعلم في أحكامه أموراً أربعة أحدها: أنها غير معللة بعلة أصلاً، لأن كل ما كان معللاً بعلة كان صاحبه ناقصاً بذاته، كاملاً بغيره، وذلك على الحق سبحانه محال وثانيها: أن يعلم أن المقصود من شرعها منفعة عائدة إلى العبد لا إلى الحق، فإنه منزّه عن جلب المنافع، ودفع المضار وثالثها: أن يعلم أن له الإلزام والحكم في الدنيا كيف شاء وأراد ورابعها: أنه يعلم أنه لا يجب لأحد على الحق بسبب أعماله وأفعاله شيء، وأنه سبحانه في الآخرة يغفر لمن يشاء بفضله ويعذب من يشاء بعدله، وأنه لا يقبح منه شيء، ولا يجب عليه شيء، لأن الكل ملكه وملكه، والمملوك المجازى لا حق له على المالك المجازي، فكيف المملوك الحقيقي مع المالك الحقيقي. وأما الرتبة الخامسة في الإيمان بالله: فمعرفة أسمائه قال في الأعراف {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الأعراف: 180] وقال في بني إسرائيل {أية : أَيّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الإسراء: 110] وقال في طه {أية : ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [طه: 8] وقال في آخر الحشر {أية : لَهُ ٱلاْسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ يُسَبّحُ لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الحشر: 24] والأسماء الحسنى هي الأسماء الواردة في كتب الله المنزّلة على ألسنة أنبيائه المعصومين، وهذه الإشارة إلى معاقد الإيمان بالله. وأما الإيمان بالملائكة، فهو من أربعة أوجه أولها: الإيمان بوجودها، والبحث عن أنها روحانية محضة، أو جسمانية، أو مركبة من القسمين، وبتقدير كونها جسمانية فهي أجسام لطيفة أو كثيفة، فإن كانت لطيفة فهي أجسام نورانية، أو هوائية، وإن كانت كذلك فكيف يمكن أن تكون مع لطافة أجسامها بالغة في القوة إلى الغاية القصوى، فذاك مقام العلماء الراسخين في علوم الحكمة القرآنية والبرهانية. والمرتبة الثانية في الإيمان بالملائكة: العلم بأنهم معصومون مطهرون {أية : يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } تفسير : [النحل: 50] {أية : لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } تفسير : [الأنبياء: 19] فإن لذتهم بذكر الله، وأنسهم بعبادة الله، وكما أن حياة كل واحد منا بنفسه الذي هو عبارة عن استنشاق الهواء، فكذلك حياتهم بذكر الله تعالى ومعرفته وطاعته. والمرتبة الثالثة: أنهم وسائط بين الله وبين البشر، فكل قسم منهم متوكل على قسم من أقسام هذا العالم، كما قال سبحانه: {أية : وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا فَٱلزجِرٰتِ زَجْراً } تفسير : [الصافات: 1، 2] وقال: {أية : وَٱلذٰرِيَـٰتِ ذَرْواً فَٱلْحَـٰمِلَـٰتِ وِقْراً } تفسير : [الذاريات: 1، 2] وقال: {أية : وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً * فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً } تفسير : [المرسلات: 1، 2] وقال: {أية : وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقاً * وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطاً } تفسير : [النازعات: 1، 2] ولقد ذكرنا في تفسير هذه الآيات أسراراً مخفية، إذا طالعها الراسخون في العلم وقفوا عليها. والمرتبة الرابعة: أن كتب الله المنزلة إنما وصلت إلى الأنبياء بواسطة الملائكة، قال الله تعالى: {أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَـٰعٍ ثَمَّ أَمِينٍ } تفسير : [التكوير: 19، 20، 21] فهذه المراتب لا بد منها في حصول الإيمان بالملائكة، فكلما كان غوص العقل في هذه المراتب أشد كان إيمانه بالملائكة أتم. وأما الإيمان بالكتب: فلا بد فيه من أمور أربعة أولها: أن يعلم أن هذه الكتب وحي من الله تعالى إلى رسوله، وأنها ليست من باب الكهانة، ولا من باب السحر، ولا من باب إلقاء الشياطين والأرواح الخبيثة وثانيها: أن يعلم أن الوحي بهذه الكتب وإن كان من قبل الملائكة المطهرين، فالله تعالى لم يمكن أحداً من الشياطين من إلقاء شيء من ضلالاتهم في أثناء هذا الوحي الطاهر، وعند هذا يعلم أن من قال: إن الشيطان ألقى قوله: تلك الغرانيق العلا في أثناء الوحي، فقد قال قولاً عظيماً، وطرق الطعن والتهمة إلى القرآن. والمرتبة الثالثة: أن هذا القرآن لم يغير ولم يحرف، ودخل فيه فساد قول من قال: إن ترتيب القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان رضي الله عنه، فإن من قال ذلك أخرج القرآن عن كونه حجة. والمرتبة الرابعة: أن يعلم أن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه، وأن محكمه يكشف عن متشابهه. وأما الإيمان بالرسل: فلا بد فيه من أمور أربعة: المرتبة الأولى: أن يعلم كونهم معصومين من الذنوب، وقد أحكمنا هذه المسألة في تفسير قوله {أية : فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } تفسير : [البقرة: 36] وجميع الآيات التي يتمسك بها المخالفون قد ذكرنا وجه تأويلاتها في هذا التفسير بعون الله سبحانه وتعالى. والمرتبة الثانية: من مراتب الإيمان بهم: أن يعلم أن النبي أفضل ممن ليس بنبي، ومن الصوفية من ينازع في هذا الباب. المرتبة الثالثة: قال بعضهم: أنهم أفضل من الملائكة، وقال كثير من العلماء: إن الملائكة السماوية أفضل منهم، وهم أفضل من الملائكة الأرضية، وقد ذكرنا هذه المسألة في تفسير قوله {أية : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ } تفسير : [البقرة: 34] ولأرباب المكاشفات في هذه المسألة مباحثات غامضة. المرتبة الرابعة: أن يعلم أن بعضهم أفضل من البعض، وقد بينا ذلك في تفسير قوله تعالى: {أية : تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } تفسير : [البقرة: 253] ومنهم من أنكر ذلك وتمسك بقوله تعالى له في هذه الآية {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } [البقرة: 285]. وأجاب العلماء عنه بأن المقصود من هذا الكلام شيء آخر، وهو أن الطريق إلى إثبات نبوّة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا كانوا حاضرين هو ظهور المعجزة على وفق دعاويهم، فإذا كان هذا هو الطريق، وجب في حق كل من ظهرت المعجزة على وفق دعواه أن يكون صادقاً، وإن لم يصح هذا الطريق وجب أن لا يدل في حق أحد منهم على صحة رسالته، فأما أن يدل على رسالة البعض دون البعض فقول فاسد متناقض، والغرض منه تزييف طريقة اليهود والنصارى الذين يقرون بنبوّة موسى وعيسى، ويكذبون بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا هو المقصود من قوله تعالى: {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } لا ما ذكرتم من أنه لا يجوز أن يكون بعضهم أفضل من البعض فهذا هو الإشارة إلى أصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله. المسألة الثالثة: قرأ حمزة {وكتابه} على الواحد، والباقون {كتبه} على الجمع، أما الأول ففيه وجهان أحدهما: أن المراد هو القرآن ثم الإيمان به ويتضمن الإيمان بجميع الكتب والرسل والثاني: على معنى الجنس فيوافق معنى الجمع، ونظيره قوله تعالى: {أية : فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِ } تفسير : [البقرة: 213]. فإن قيل: اسم الجنس إنما يفيد العموم إذا كان مقروناً بالألف واللام، وهذه مضافة. قلنا: قد جاء المضاف من الأسماء ونعني به الكثرة، قال الله تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [إبراهيم: 34] وقال الله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ } تفسير : [البقرة: 187] وهذا الإحلال شائع في جميع الصيام قال العلماء: والقراءة بالجمع أفضل لمشاكلة ما قبله وما بعده من لفظ الجمع ولأن أكثر القراءة عليه، واعلم أن القراء أجمعوا في قوله {وَرُسُلِهِ } على ضم السين، وعن أبي عمرو سكونها، وعن نافع {وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } مخففين، وحجة الجمهور أن أصل الكلمة على فعل بضم العين، وحجة أبي عمرو هي أن لا تتوالى أربع متحركات، لأنهم كرهوا ذلك، ولهذا لم تتوال هذه الحركات في شعر إلا أن يكون مزاحفاً، وأجاب الأولون أن ذلك مكروه في الكلمة الواحدة أما في الكلمتين فلا بدليل أن الإدغام غير لازم في وجعل ذلك مع أنه قد توالى فيه خمس متحركات، والكلمة إذا اتصل بها ضمير فهي كلمتان لا كلمة واحدة. المسألة الرابعة: قوله {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } فيه محذوف، والتقدير: يقولون لا نفرق بين أحد من رسله كقوله {أية : وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ } تفسير : [الأنعام: 93] معناه يقولون: أخرجوا وقال: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [الزمر: 3] أي قالوا هذا. المسألة الخامسة: قرأ أبو عمرو {يُفْرَقُ } بالياء على أن الفعل لكل، وقرأ عبد الله {لا يَفْرَقُونَ }. المسألة السادسة: أحد في معنى الجمع، كقوله {أية : فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ } تفسير : [الحاقة: 47] والتقدير: لا نفرق بين جميع رسله، هذا هو الذي قالوه، وعندي أنه لا يجوز أن يكون أحد ههنا في معنى الجمع، لأنه يصير التقدير: لا نفرق بين جميع رسله، وهذا لا ينافي كونهم مفرقين بين بعض الرسل والمقصود بالنفي هو هذا، لأن اليهود والنصارى ما كانوا يفرقون بين كل الرسل، بل بين البعض وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فثبت أن التأويل الذي ذكروه باطل، بل معنى الآية: لا نفرق بين أحد من الرسل، وبين غيره في النبوّة، فإذا فسرنا بهذا حصل المقصود من الكلام، والله أعلم. ثم قال الله تعالى: {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ }. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الكلام في نظم هذه الآية من وجوه الأول: وهو أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، واستكمال القوة النظرية بالعلم، واستكمال القوة العملية بفعل الخيرات، والقوة النظرية أشرف من القوة العملية، والقرآن مملوء من ذكرهما بشرط أن تكون القوة النظرية مقدمة على العملية قال عن إبراهيم {أية : رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [الشعراء: 83] فالحكم كمال القوة النظرية {وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } كمال القوة العملية، وقد أطنبنا في شواهد هذا المعنى من القرآن فيما تقدم من هذا الكتاب. إذا عرفت هذا فنقول: الأمر في هذه الآية أيضاً كذلك، فقوله {كُلٌّ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } إشارة إلى استكمال القوة النظرية بهذه المعارف الشريفة وقوله {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } إشارة إلى استكمال القوة العملية الإنسانية بهذه الأعمال الفاضلة الكاملة، ومن وقف على هذه النكتة علم اشتمال القرآن على أسرار عجيبة غفل عنها الأكثرون. والوجه الثاني: من النظم في هذه الآية أن للإنسان أياماً ثلاثة: الأمس والبحث عنه يسمى بمعرفة المبدأ واليوم الحاضر، والبحث عنه يسمى بعلم الوسط، والغد والبحث عنه يسمى بعلم المعاد والقرآن مشتمل على رعاية هذه المراتب الثلاثة قال في آخر سورة هود {أية : وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ } تفسير : [هود: 123] وذلك إشارة إلى معرفة المبدأ ولما كانت الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة، لا جرم ذكرها في هذه الآية، وقوله {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } إشارة إلى كمال العلم، وقوله {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ } إشارة إلى كمال القدرة، فهذا هو الإشارة إلى علم المبدأ، وأما علم الوسط وهو علم ما يجب اليوم أن يشتغل به، فله أيضاً مرتبتان: البداية والنهاية أما البداية فالاشتغال بالعبودية، وأما النهاية فقطع النظر عن الأسباب، وتفويض الأمور كلها إلى مسبب الأسباب، وذلك هو المسمى بالتوكل، فذكر هذين المقامين، فقال: {أية : فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } تفسير : [هود: 123] وأما علم المعاد فهو قوله {أية : وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأنعام: 132] أي فيومك غداً سيصل فيه نتائج أعمالك إليك، فقد اشتملت هذه الآية على كمال ما يبحث عنه في هذه المراتب الثلاثة، ونظيرها أيضاً قوله سبحانه وتعالى: {أية : سُبْحَـٰنَ رَبّكَ رَبّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ } تفسير : [الصافات: 180] وهو إشارة إلى علم المبدأ، ثم قال: {أية : وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [الصافات: 181] وهو إشارة إلى علم الوسط، ثم قال: {أية : وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الصافات: 182] وهو إشارة إلى علم المعاد على ما قال في صفة أهل الجنة {أية : وآخر دعواهم أن الحمدلله رب العالمين } تفسير : [يونس: 100]. إذا عرفت هذا فنقول: تعريف هذه المراتب الثلاثة مذكور في آخر سورة البقرة، فقوله {آمنَ ٱلرَّسُولُ } إلى قوله {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } إشارة إلى معرفة المبدأ، وقوله {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } إشارة إلى علم الوسط، وهو معرفة الأحوال التي يجب أن يكون الإنسان عالماً مشتغلاً بها، ما دام يكون في هذه الحياة الدنيا، وقوله {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } إشارة إلى علم المعاد، والوقوف على هذه الأسرار ينور القلب ويجذبه من ضيق عالم الأجسام إلى فسحة عالم الأفلاك، وأنوار بهجة السمٰوات. الوجه الثالث في النظم: أن المطالب قسمان أحدهما: البحث عن حقائق الموجودات والثاني: البحث عن أحكام الأفعال في الوجوب والجواز والحظر، أما القسم الأول فمستفاد من العقل والثاني مستفاد من السمع والقسم الأول هو المراد بقوله {وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ } والقسم الثاني هو المراد بقوله {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}. المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله قوله {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } أي سمعنا قوله وأطعنا أمره، إلا أنه حذف المفعول، لأن في الكلام دليلاً عليه من حيث مدحوا به. وأقول: هذا من الباب الذي ذكره عبد القاهر النحوي رحمه الله أن حذف المفعول فيه ظاهراً وتقديراً أولى لأنك إذا جعلت التقدير: سمعنا قوله، وأطعنا أمره، فإذن ههنا قول آخر غير قوله، وأمر آخر يطاع سوى أمره، فإذا لم يقدر فيه ذلك المفعول أفاد أنه ليس في الوجود قول يجب سمعه إلا قوله وليس في الوجود أمر يقال في مقابلته: أطعنا إلا أمره فكان حذف المفعول صورة ومعنى في هذا الموضع أولى. المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى لما وصف إيمان هؤلاء المؤمنين وصفهم بعد ذلك بأنهم يقولون: سمعنا وأطعنا، فقوله {سَمِعْنَا } ليس المراد منه السماع الظاهر، لأن ذلك لا يفيد المدح، بل المراد أنا سمعناه بآذان عقولنا، أي عقلناه وعلمنا صحته، وتيقنا أن كل تكليف ورد على لسان الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلينا فهو حق صحيح واجب القبول والسمع بمعنى القبول والفهم وارد في القرآن، قال الله تعالى: {أية : إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } تفسير : [قۤ: 37] والمعنى: لمن سمع الذكرى بفهم حاضر، وعكسه قوله تعالى: {أية : كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْراً } تفسير : [لقمان: 7] ثم قال بعد ذلك {وَأَطَعْنَا } فدل هذا على أنه كما صح اعتقادهم في هذه التكاليف فهم ما أخلوا بشيء منها فجمع الله تعالى بهذين اللفظين كل ما يتعلق بأبواب التكليف علماً وعملاً. ثم حكي عنهم بعد ذلك أنهم قالوا {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية سؤال، وهو أن القوم لما قبلوا التكاليف وعملوا بها، فأي حاجة بهم إلى طلبهم المغفرة. والجواب من وجوه الأول: أنهم وإن بذلوا مجهودهم في أداء هذه التكاليف إلا أنهم كانوا خائفين من تقصير يصدر عنهم، فلما جوزوا ذلك قالوا {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا } ومعناه أنهم يلتمسون من قبله الغفران فيما يخافون من تقصيرهم فيما يأتون ويذرون والثاني: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة» تفسير : فذكروا لهذا الحديث تأويلات من جملتها أنه عليه الصلاة والسلام كان في الترقي في درجات العبودية فكان كلما ترقى من مقام إلى مقام أعلى من الأول رأى الأول حقيراً، فكان يستغفر الله منه، فحمل طلب الغفران في القرآن في هذه الآية على هذا الوجه أيضاً غير مستبعد والثالث: أن جميع الطاعات في مقابلة حقوق إلٰهيته جنايات، وكل أنواع المعارف الحاصلة عند الخلق في مقابلة أنوار كبريائه تقصير وقصور وجهل، ولذلك قال: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } تفسير : [الأنعام: 91] وإذا كان كذلك فالعبد في أي مقام كان من مقام العبودية، وإن كان عالماً جداً إذا قوبل ذلك بجلال كبرياء الله تعالى صار عين التقصير الذي يجب الاستغفار منه، وهذا هو السر في قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ } تفسير : [محمد: 19] فإن مقامات عبوديته وإن كانت عالية إلا أنه كان ينكشف له في درجات مكاشفاته أنها بالنسبة إلى ما يليق بالحضرة الصمدية عن التقصير، فكان يستغفر منها، وكذلك حكي عن أهل الجنة كلامهم فقال {أية : وآخر دعواهم أن الحمدلله رب العالمين } تفسير : [يونس: 10] فسبحانك اللّهم إشارة إلى التنزيه. ثم إنه قال: {أية : دَعْوٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } تفسير : [يونس: 10] يعني أن كل الحمد لله وإن كنا لا نقدر على فهم ذلك الحمد بعقولنا ولا على ذكره بألسنتنا. المسألة الثانية: قوله {غُفْرَانَكَ } تقديره: اغفر غفرانك، ويستغني بالمصدر عن الفعل في الدعاء نحو سقياً ورعياً، قال الفرّاء: هو مصدر وقع موقع الأمر فنصب، ومثله الصلاة الصلاة، والأسد الأسد، وهذا أولى من قول من قال: نسألك غفرانك لأن هذه الصيغة لما كانت موضوعة لهذا المعنى ابتداء كانت أدل عليه، ونظيره قولك: حمداً حمداً، وشكراً شكراً، أي أحمد حمداً، وأشكر شكراً. المسألة الثالثة: أن طلب هذا الغفران مقرون بأمرين أحدهما: بالإضافة إليه، وهو قوله {غُفْرَانَكَ } والثاني: أردفه بقوله {رَبَّنَا } وهذان القيدان يتضمنان فوائد إحداها: أنت الكامل في هذه الصفة، فأنت غافر الذنب، وأنت غفور {أية : وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ } تفسير : [الكهف: 58] {أية : وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } تفسير : [البروج: 14] وأنت الغفار {أية : ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} تفسير : [نوح: 10] يعني أنه ليست غفاريته من هذا الوقت، بل كانت قبل هذا الوقت غفار الذنوب، فهذه الغفارية كالحرفة له، فقوله ههنا {غُفْرَانَكَ } يعني أطلب الغفران منك وأنت الكامل في هذه الصفة، والمطموع من الكامل في صفة أن يعطي عطية كاملة، فقوله {غُفْرَانَكَ } طلب لغفران كامل، وما ذاك إلا بأن يغفر جميع الذنوب بفضله ورحمته، ويبدلها بالحسنات، كما قال: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ } تفسير : [الفرقان: 70] وثانيها: روي في الحديث الصحيح «حديث : إن لله مائة جزء من الرحمة قسم جزءاً واحداً منها على الملائكة والجن والإنس وجميع الحيوانات، فيها يتراحمون، وادخر تسعة وتسعين جزءاً ليوم القيامة»تفسير : فأظن أن المراد من قوله {غُفْرَانَكَ } هو ذلك الغفران الكبير، كان العبد يقول: هب أن جرمي كبير لكن غفرانك أعظم من جرمي وثالثها: كأن العبد يقول: كل صفة من صفات جلالك وإلٰهيتك، فإنما يظهر أثرها في محل معين، فلولا الوجود بعد العدم لما ظهرت آثار قدرتك، ولولا الترتيب العجيب والتأليف الأنيق لما ظهرت آثار علمك، فكذا لولا جرم العبد وجنايته، وعجزه وحاجته، لما ظهرت آثار غفرانك، فقوله {غُفْرَانَكَ } معناه طلب الغفران الذي لا يمكن ظهور أثره إلا في حقي، وفي حق أمثالي من المجرمين. وأما القيد الثاني: وهو قوله {رَبَّنَا } ففيه فوائد أولها: ربيتني حين ما لم أذكرك بالتوحيد، فكيف يليق بكرمك أن لا تريني عندما أفنيت عمري في توحيدك وثانيها: ربيتني حين كنت معدوماً، ولو لم تربني في ذلك الوقت لما تضررت به، لأني كنت أبقى حينئذ في العدم، وأما الآن فلو لم تربني وقعت في الضرر الشديد، فأسألك أن لا تهملي وثالثها: ربيتني في الماضي فاجعل لي في الماضي شفيعي إليك في أن تربيني في المستقبل ورابعها: ربيتني في الماضي فإتمام المعروف خير من ابتدائه، فتمم هذه التربية بفضلك ورحمتك. ثم قال الله تعالى: {وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } وفيه فائدتان إحداهما: بيان أنهم كما أقروا بالمبدأ فكذلك أقروا بالمعاد، لأن الإيمان بالمبدأ أصل الإيمان بالمعاد، فإن من أقر أن الله عالم بالجزئيات، وقادر على كل الممكنات، لا بد وأن يقر بالمعاد والثانية: بيان أن العبد متى علم أنه لا بد من المصير إليه، والذهاب إلى حيث لا حكم إلا حكم الله، ولا يستطيع أحد أن يشفع إلا بإذن الله، كان إخلاصه في الطاعات أتم، واحترازه عن السيئات أكمل، وهٰهنا آخر ما شرح الله تعالى من إيمان المؤمنين.
القرطبي
تفسير : فيه إحدى عشرة مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ}. (روي عن الحسن ومجاهد والضحاك: أن هذه الآية كانت في قصة المعراج، وهكذا روي في بعض الروايات عن ابن عباس، وقال بعضهم: جميع القرآن نزل به جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم إلا هذه الآية فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم: هو الذي سمع ليلة المعراج، وقال بعضهم: لم يكن ذلك في قصة المعراج؛ لأن ليلة المعراج كانت بمكة وهذه السورة كلها مدنية، فأما من قال: إنها كانت ليلة المعراج قال: لما صعد النبيّ صلى الله عليه وسلم وبلغ في السموات في مكان مرتفع ومعه جبريل حتى جاوز سدرة المنتهى فقال له جبريل: إني لم أجاوز هذا الموضع ولم يؤمر بالمجاوزة أحد هذا الموضع غيرك فجاوز النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الموضع الذي شاء الله، فأشار إليه جبريل بأن سلم على ربك، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: التّحيّاتُ لله والصلواتُ والطيِّبات. قال الله تعالى: السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته، فأراد النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يكون لأُمته حَظٌّ في السلام فقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقال جبريل وأهل السموات كلهم: أشهد أن لا إلۤه إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. قال الله تعالى: {آمَنَ ٱلرَّسُولُ} على معنى الشكر أي صدق الرسول {بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} فأراد النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يشارك أُمته في الكرامة والفضيلة فقال: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} يعني يقولون آمنا بجميع الرسل ولا نكفر بأحد منهم ولا نفرّق بينهم كما فرّقت اليهود والنصارى، فقال له ربه كيف قبولهم بآي الذي أنزلتها؟ وهو قوله: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم {قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} يعني المرجع. فقال الله تعالى عند ذلك {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} يعني طاقتها ويقال: إلاَّ دُون طاقتها. {لَهَا مَا كَسَبَتْ} من الخير {وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} من الشر، فقال جبريل عند ذلك: سل تُعْطَه، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ} يعني إن جهلنا {أَوْ أَخْطَأْنَا} يعني إن تعمدنا، ويقال: إن عملنا بالنسيان والخَطَأ. فقال له جبريل: قد أعطيت ذلك قد رفع عن أُمتك الخطأ والنسيان. فسل شيئاً آخر فقال: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً} يعني ثقلاً {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} وهو أنه حرّم عليهم الطيِّبات بظلمهم، وكانوا إذا أذنبوا بالليل وجدوا ذلك مكتوباً على بابهم، وكانت الصلوات عليهم خمسين، فخفّف الله عن هذه الأُمة وحَطّ عنهم بعد ما فرض خمسين صلاة. ثم قال: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} يقول: لا تثقلنا من العمل ما لا نطيق فتعذبنا، ويقال: ما تشق علينا؛ لأنهم لو أمروا بخمسين صلاة لكانوا يطيقون ذلك ولكنه يشق عليهم ولا يطيقون الإدامة عليه {وَٱعْفُ عَنَّا} من ذلك كله {وَٱغْفِرْ لَنَا} وتجاوز عنا، ويقال: {وَٱعْفُ عَنَّا} من المسخ {وَٱغْفِرْ لَنَا} من الخسف {وَٱرْحَمْنَآ} من القذف؛ لأن الأُمم الماضية بعضهم أصابهم المسخ وبعضهم أصابهم الخسف وبعضهم القذف ثم قال: {أَنتَ مَوْلاَنَا} يعني ولينا وحافظنا {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} فاستجيبت دعوته. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : نصرت بالرعب مسيرة شهر»تفسير : ويقال إن الغُزَاة: إذا خرجوا من ديارهم بالنية الخالصة وضربوا بالطبل وقع الرعب والهيبة في قلوب الكفار مسيرة شهر في شهر، علموا بخروجهم أو لم يعلموا، ثم إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما رجع أوحى الله هذه الآيات؛ ليعلم أُمّته بذلك. ولهذه الآية تفسير آخر؛ قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة وبيّن أحكام الحج وحكم الحيض والطلاق والإيلاء وأقاصيص الأنبياء وبين حكم الربا، ذكر تعظيمه سبحانه بقوله سبحانه وتعالى: {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ثم ذكر تصديق نبيه صلى الله عليه وسلم ثم ذكر تصديق المؤمنين بجميع ذلك فقال: {آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} أي صدّق الرسول بجميع هذه الأشياء التي جرى ذكرها وكذلك المؤمنون كلهم صدّقوا بالله وملائكته وكتبه ورسله. حديث : وقيل سبب نزولها الآية التي قبلها وهي {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فإنه لما أنزل هذا على النبيّ صلى الله عليه وسلم اشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بَرَكُوا على الرُّكَب فقالوا: أي رسول الله، كُلِّفنا من الأعمال ما نُطيق: الصلاة والصيام والجهاد (والصدقة)، وقد أنزل الله عليك هذه الآية ولا نُطيقها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» فقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما ٱقترأها القوم ذَلّت بها ألسنتُهم فأنزل الله في إثرها: {آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ}. فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل الله عز وجل: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} قال: «نعم» {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} قال: «نعم» {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قال: «نعم» {وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} قال: «نعم»تفسير : . أخرجه مسلم عن أبي هريرة. قال علماؤنا: قوله في الرواية الأُولى «قد فعلت» وهنا قال: «نعم» دليل على نقل الحديث بالمعنى، وقد تقدّم. ولما تقرّر الأمر على أن قالوا: سمعنا وأطعنا، مدحهم الله وأثنى عليهم في هذه الآية، ورفع المشقَّةَ في أمر الخواطر عنهم؛ وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى؛ كما جرى لبني إسرائيل ضدُّ ذلك من ذمّهم وتحميلهم المشقّات من الذّلّة والمسكنة والانْجِلاء إذ قالوا: سمعنا وعصينا؛ وهذه ثمرة العصيان والتمرّد على الله تعالى، أعاذنا الله من نِقَمِه بمنّه وكرمه. وفي الحديث حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قيل له: إن بيت ثابت بن قيس بن شماس يزهَر كل ليلة بمصابيح. قال: «فلعله يقرأ سورة البقرة» فسُئِل ثابت قال: قرأت من سورة البقرة {آمَنَ ٱلرَّسُولُ} نزلت حين شقّ على أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم ما توعدهم الله تعالى به من محاسبتهم على ما أخفته نفوسهم، فشكوا ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «فلعلكم تقولون سمعنا وعصينا كما قالت بنو إسرائيل» قالوا: بل سمعنا وأطعنا؛ فأنزل الله تعالى ثناء عليهم {آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} فقال صلى الله عليه وسلم: «وحق لهم أن يؤمنوا».تفسير : الثانية ـ قوله تعالى: {آمَنَ} أي صدّق، وقد تقدّم. والذي أُنزل هو القرآن. وقرأ ابن مسعود «وآمن المؤمنون كل آمن بالله» على اللفظ، ويجوز في غير القرآن «آمنوا» على المعنى. وقرأ نافع وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر {وَكُتُبِهِ} على الجمع. وقرءوا في «التحريم» كتابه، على التوحيد. وقرأ أبو عمرو هنا وفي «التحريم» «وَكُتُبِهِ» على الجمع. وقرأ حمزة والكِسائيّ «وكتابه» على التوحيد فيهما. فمن جمع أراد جمع كتاب، ومن أفرد أراد المصدر الذي يجمع كل مكتوب كان نزوله من عند الله. ويجوز في قراءة من وَحّد أن يراد به الجمع، يكون الكتاب إسماً للجنس فتستوي القراءتان؛ قال الله تعالى: {أية : فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ}تفسير : [البقرة: 213]. قرأت الجماعة «وَرُسُلِه» بضم السين، وكذلك «رسُلنا ورُسلكم ورُسلك»؛ إلا أبا عمرو فروي عنه تخفيف «رسْلنا ورسْلكم»، وروي عنه في «رسلك» التثقيل والتخفيف. قال أبو عليّ: من قرأ «رسلك» بالتثقيل فذلك أصل الكلمة، ومن خفف فكما يخفف في الآحاد؛ مثل عُنْق وطُنْب. وإذا خفف في الآحاد فذلك أحرى في الجمع الذي هو أثقل؛ وقال معناه مكيّ. وقرأ جمهور الناس «لاَ نُفَرِّقُ» بالنون، والمعنى يقولون لا نفرق؛ فحذَف القول، وحَذْف القول كثير؛ قال الله تعالى: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ.سَلاَمٌ عَلَيْكُم} تفسير : [الرعد: 23،24]: أي يقولون سلام عليكم. وقال: {أية : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً}تفسير : [آل عمران: 191] أي يقولون ربنا، وما كان مثله. وقرأ سعيد بن جبير ويحيى بن يَعْمر وأبو زُرْعة بن عمرو بن جرير ويعقوب «لا يفرق» بالياء، وهذا على لفظ كل. قال هارون: وهي في حرف ابن مسعود «لا يفرقون». وقال «بَيْنَ أَحَدٍ» على الإفراد ولم يقل آحاد؛ لأن الأحدَ يتناول الواحد والجميع؛ كما قال تعالى: {أية : فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}تفسير : [الحاقة: 47] فـ «حاجزين» صفة لأحد؛ لأن معناه الجمع. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أحلت الغنائم لأحد سود الرؤوس غيركم» تفسير : وقال رؤبة:شعر : إذا أُمورُ الناس دِينَتْ دينكا لا يرهَبون أحَداً منْ دونكا تفسير : ومعنى هذه الآية: أن المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. الثالثة ـ قوله تعالى: {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} فيه حذف، أي سمعنا سماع قابلين. وقيل: سمع بمعنى قَبِل؛ كما يقال: سمع الله لمن حمده، فلا يكون فيه حذف. وعلى الجملة فهذا القول يقتضي المدح لقائله. والطاعة قبول الأمر. وقوله {غُفْرَانَكَ} مصدر كالكفران والخسران، والعامل فيه فعل مقدّر، تقديره: اغفر غفرانك؛ قاله الزجاج. وغيره: نطلب أو أسأل غفرانك. {وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} إقرار بالبعث والوقوف بين يدي الله تعالى. وروي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه هذه الآية قال له جبريل: «إن الله قد أحل الثناء عليك وعلى أُمتك فسل تُعْطَه» فسأل إلى آخر السورة. الرابعة ـ قوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} التكليف هو الأمر بما يشق عليه. وتكلَّفت الأمر تجشَّمْته؛ حكاه الجوهريّ. والوُسْع: الطاقة والجِدَة. وهذا خَبَرٌ جَزْمٌ. نصّ الله تعالى على أنه لا يكلف العباد من وقت نزول الآية عبادة من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهي في وُسع المكلَّف وفي مقتضى إدراكه وبِنْيَته؛ وبهذا انكشفت الكُرْبَةَ عن المسلمين في تأوّلهم أمر الخواطر. وفي معنى هذه الآية ما حكاه أبو هريرة رضي الله عنه قال: ما ودِدت أن أحداً ولدتني أُمّه إلا جعفر بن أبي طالب، فإني تبعته يوماً وأنا جائع فلما بلغ منزله لم يجد فيه سوى نِحْى سَمْن قد بقي فيه أَثَارة فشقّه بين أيدينا، فجعلنا نلعق ما فيه من السمن والرُّبِّ وهو يقول:شعر : ما كلّف اللَّه نفساً فَوْقَ طاقتها ولا تَجُود يَدٌ إلاّ بما تَجِدُ تفسير : الخامسة ـ اختلف الناس في جَواز تكليف ما لا يطاق في الأحكام التي هي في الدنيا، بعد اتفاقهم على أنه ليس واقعاً في الشرع، وأن هذه الآية آذنت بعدمه؛ قال أبو الحسن الأشعريّ وجماعة من المتكلمين: تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً، ولا يخرم ذلك شيئاً من عقائد الشرع، ويكون ذلك أمَارَةً على تعذيب المكلَّف وقطعاً به، وينظر إلى هذا تكليف المصوِّر أن يعقد شعيرة. واختلف القائلون بجوازه هل وقع في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو لا؟ فقالت فرقة: وقع في نازلة أبي لَهَب، لأنه كلَّفه بالإيمان بجملة الشريعة، ومن جملتها أنه لا يؤمن؛ لأنه حكم عليه بتَبِّ اليَدَيْن وصُليْ النار، وذلك مُؤْذِن بأنه لا يؤمن؛ فقد كلّفه بأن يؤمن بأنه لا يؤمن. وقالت فرقة: لم يقع قَطُّ. وقد حكى الإجماع على ذلك. وقوله تعالى: {أية : سَيَصْلَىٰ نَاراً}تفسير : [المسد: 3] معناه إن وَافَى؛ حكاه ابن عطية. «وَيُكَلِّفُ» يتعدّى إلى مفعولين أحدهما محذوف؛ تقديره عبادة أو شيئاً. فالله سبحانه بلطفه وإنعامه علينا وإن كان قد كلّفنا بما يشق ويثقل كثبوت الواحد للعشرة، وهجرة الإنسان وخروجه من وطنه ومفارقة أهله ووطنه وعادته، لكنه لم يكلِّفنا بالمشقات المثقّلة ولا بالأُمور المؤلمة؛ كما كلف مَن قَبلَنا بقتل أنفسهم وفرض موضع البول من ثيابهم وجلودهم، بل سهّل ورَفَق ووضع عنا الإصْرَ والأغْلال التي وضعها على من كان قبلَنا. فللَّه الحمد والمنّة، والفضلُ والنّعمة. السادسة ـ قوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} يريد من الحسنات والسيئات. قاله السدي. وجماعة المفسرين لا خلاف بينهم في ذلك؛ قاله ٱبن عطية. وهو مِثل قوله: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}تفسير : [الإسراء: 15 وفاطر: 18] {أية : وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا}تفسير : [الأنعام: 164]. والخواطر ونحوها ليست من كسب الإنسان. وجاءت العبارة في الحسنات بـ «لَهَا» من حيث هي مما يفرَح المرء بكسبه ويسر بها، فتضاف إلى مِلْكه. وجاءت في السيئات بـ «عَلَيْهَا» من حيث هي أثقال وأوزار ومتحمَّلات صعبة؛ وهذا كما تقول: لي مال وعليّ دَيْنٌ. وكرر فعل الكسب فخالف بين التصريف حُسْناً لِنَمَط الكلام؛ كما قال: {أية : فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً}تفسير : [الطارق: 17]. قال ابن عطية: ويظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما تكتسب دون تكلُّف، إذْ كاسبها على جادّة أمر الله تعالى ورَسْم شرعه؛ والسيئات تكتسب ببناء المبالغة، إذْ كاسبها يتكلّف في أمرها خرق حجاب نهى الله تعالى ويتخطّاه إليها؛ فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازاً، لهذا المعنى. السابعة ـ في هذه الآية دليل على صِحّة إطلاق أئمتنا على أفعال العباد كَسْباً وَاكْتِساباً؛ ولذلك لم يطلقوا على ذلك لا خَلَق ولا خَالِق؛ خلافاً لمن أطلق ذلك من مُجْترِئَة المبتدعة. ومن أطلق من أئمتنا ذلك على العبد، وأنه فاعل فبالمجاز المحْضِ. وقال المَهْدَوِيّ وغيره: وقيل معنى الآية لا يؤاخذ أحد بذنب أحد. قال ابن عطية: وهذا صحيح في نفسه ولكن من غير هذه الآية. الثامنة ـ قال الكيا الطبريّ: قوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} يستدل به على أن من قتل غيره بمثقّل أو بخَنْق أو تغريق فعليه ضمانة قصاصاً أو دِية؛ خلافاً لمن جعل دِيته على العاقلة، وذلك يخالف الظاهر، ويدل على أن سقوط القصاص عن الأب لا يقتضي سقوطه عن شريكه. ويدل على وجوب الحدّ على العاقلة إذا مكّنَتْ مجنوناً من نفسها. وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ: «ذكر علماؤنا هذه الآية في أن القَوَد واجب على شريك الأب خلافاً لأبي حنيفة، وعلى شريك الخاطىء خلافاً للشافعي وأبي حنيفة؛ لأن كل واحد منهما قد اكتسب القتل. وقالوا: إن اشتراك من لا يجب عليه القصاص مع من يجب عليه القصاص لا يكون شُبْهَةً في دَرْء ما يُدْرَأ بالشّبهة». التاسعة ـ قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} المعنى: أعف عن إثْم ما يقع منا على هذين الوجهين أو أحدهما؛ كقوله عليه السلام: «حديث : رفع عن أُمتى الخطأ والنسيان وما استكرِهوا عليه»تفسير : أي إثم ذلك. وهذا لم يختلف فيه أن الإثم مرفوع، وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام، هل ذلك مرفوع لا يلزم منه شيء أو يلزم أحكام ذلك كله؟ اختلف فيه. والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع، فقسم لا يسقط باتفاق كالغرامات والديات والصلوات المفروضات. وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنّطق بكلمة الكفر. وقسم ثالث يختلف فيه كمن أكل ناسياً في رمضان أو حنِث ساهياً، وما كان مثله مما يقع خطأ ونسياناً؛ ويعرف ذلك في الفروع. العاشرة ـ قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً} أي ثِقْلاً. قال مالك والربيع: الإصر الأمر الغليظ الصعب. وقال سعيد بن جبير: الإصر شدة العمل، وما غلظ على بني إسرائيل من البول ونحوه. قال الضحاك: كانوا يحملون أُموراً شِداداً؛ وهذا نحو قول مالك والربيع؛ ومنه قول النابغة:شعر : يا مانِع الضّيْم أن يَغْشى سَراتَهم والحامل الإصِر عنهم بعدما عرفوا تفسير : عطاء: الإصر المسخ قِردةً وخنازير؛ وقاله ابن زيد أيضاً. وعنه أيضاً أنه الذنب الذي ليس فيه توبة ولا كفارة. والإصْر في اللغة العَهْد؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي}تفسير : [آل عمران: 81]. والإصر: الضيق والذنب والثّقل. والإصار: الحبل الذي تربط به الأحمال ونحوها؛ يقال: أَصر يأصِر أَصْراً حبسه. والإصْر (بكسر الهمزة) من ذلك قال الجوهريّ: والموضع مأْصِر ومأْصَر والجمع مآصر، والعامة تقول معاصر. قال ابن خُوَيْزَمَنْدَاد: ويمكن أن يستدل بهذا الظاهر في كل عبادة ٱدعى الخصم تثقيلها؛ فهو نحو قوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [الحج: 78]، وكقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : الدِّين يُسْرٌ فَيَسِّروا ولا تُعَسِّروا»تفسير : . اللهم شق على من شَقَّ على أُمة محمد صلى الله عليه وسلم. قلت: ونحوه قال الكِيا الطبريّ قال: يحتج به في نفي الحرج والضيق المنافي ظاهره للحِنيفيّة السَّمْحة، وهذا بيِّن. الحادية عشرة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قال قتادة: معناه لا تشدّد علينا كما شدّدت على مَن كان قبلنا. الضحاك: لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق؛ وقال نحوه ابن زيد. ابن جُرَيْج: لا تمسخنا قردة ولا خنازير. وقال سلام بن سابور: الذي لا طاقة لنا به: الغُلْمَة؛ وحكاه النقاش عن مجاهد وعطاء. وروي أن أبا الدرداء كان يقول في دعائه: وأعوذ بك من غُلْمَة ليس لها عدّة. وقال السدي: هو التغليظ والأغْلاَل التي كانت على بني إسرائيل. قوله تعالى: {وَٱعْفُ عَنَّا} أي عن ذنوبنا. عفوت عن ذنبه إذا تركته ولم تعاقبه. {وَٱغْفِرْ لَنَا} أي استر على ذنوبنا. والغفر: الستر. {وَٱرْحَمْنَآ} أي تفضل برحمة مبتدئاً منك علينا. {أَنتَ مَوْلاَنَا} أي ولِينا وناصرنا. وخرج هذا مخرج التعليم للخلق كيف يدعون. روي عن معاذ بن جبل أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال: آمين. قال ابن عطية: هذا يُظَنّ به أنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان ذلك فكمال، وإن كان بقياس على سورة الحمد من حيث هنالك دعاء وهنا دعاء فحسن. وقال علي بن أبي طالب: ما أظن أحداً عقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما. قلت: قد روى مسلم في هذا المعنى عن أبي مسعود الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة «البقرة» في ليلة كَفَتاه»تفسير : . قيل: من قيام الليل؛ كما روي عن ابن عمر قال : سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أُنزل الله عليّ آيتين من كنوز الجنة ختم بهما سورة البقرة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألف عام من قرأهما بعد العشاء مرتين أجزأتاه من قيام الليل {آمَنَ ٱلرَّسُولُ} إلى آخر البقرة»تفسير : . وقيل: كفتاه من شر الشيطان فلا يكون له عليه سلطان. وأسند أبو عمرو الدّانيّ عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : إن الله جل وعز كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام فأنزل منه هذه الثلاث آيات التي ختم بهن البقرة من قرأهن في بيته لم يقرب الشيطان بيته ثلاث ليال»تفسير : وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« حديث : أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن نبي قبلي» تفسير : وهذا صحيح وقد تقدم في الفاتحة نزول الملك بها مع الفاتحة. والحمد لله.
البيضاوي
تفسير : {آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ} شهادة وتنصيص من الله تعالى على صحة إيمانه والإِعتداد به، وإنه جازم في أمره غير شاك فيه. {وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} لا يخلو من أن يعطف {ٱلْمُؤْمِنُونَ} على {ٱلرَّسُولَ}، فيكون الضمير الذي ينوب عنه التنوين راجعاً إلى {ٱلرَّسُولَ} {وَٱلْمُؤْمِنِينَ}، أو يجعل مبتدأ فيكون الضمير للمؤمنين. وباعتباره يصح وقوع كل بخبره خبر المبتدأ، ويكون إفراد الرسول بالحكم إما لتعظيمه أو لأن إيمانه عن مشاهدة وعيان، وإيمانهم عن نظر واستدلال. وقرأ حمزة والكسائي: «وكتابه» يعني القرآن، أو الجنس. والفرق بينه وبين الجمع أنه شائع في وحدان الجنس والجمع في جموعه ولذلك قيل: الكتاب أكثر من الكتب. {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ} أي يقولون لا تفرق. وقرأ يعقوب لا يفرق بالياء على أن الفعل لـ {كُلٌّ}. وقرىء «لا يفرقون» حملاً على معناه كقوله تعالى: {أية : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دٰخِرِينَ }تفسير : [النمل: 87] واحد في معنى الجمع لوقوعه في سياق النفي كقوله تعالى: {أية : فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ }تفسير : [الحاقة: 47] ولذلك دخل عليه بين، والمراد نفي الفرق بالتصديق والتكذيب {وَقَالُواْ سَمِعْنَا} أجبنا. {وَأَطَعْنَا} أمرك. {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} اغفر لنا غفرانك، أو نطلب غفرانك. {وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} المرجع بعد الموت وهو إقرار منهم بالبعث.
ابن كثير
تفسير : ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الآيتين الكريمتين نفعنا الله بهما (الحديث الأول) قال البخاري: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا شعبة عن سليمان، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن أبي مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قرأ الآيتين»تفسير : وحدثنا أبو نعيم: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة، كفتاه»تفسير : وقد أخرجه بقية الجماعة عن طريق سليمان بن مهران الأعمش بإسناده مثله، وهو في الصحيحين من طريق الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن عنه به، وهو في الصحيحين أيضاً عن عبد الرحمن، عن علقمة، عن أبي مسعود، قال عبد الرحمن: ثم لقيت أبا مسعود فحدثني به، وهكذا رواه أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، عن علقمة، عن أبي مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلته كفتاه».تفسير : (الحديث الثاني) قال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا شيبان، عن منصور، عن ربعي، عن خرشة بن الحر، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطهن نبي قبلي»تفسير : وقد رواه ابن مردويه من حديث الأشجعي، عن الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن زيد بن ظبيان، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش».تفسير : (الحديث الثالث) قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا مالك بن مغول (ح) وحدثنا ابن نمير وزهير بن حرب، جميعاً عن عبد الله بن نمير، وألفاظهم متقاربة، قال ابن نمير: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن مغول عن الزبير بن عدي، عن طلحة، عن مرة، عن عبد الله، قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها، فيقبض منها، قال: {أية : إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ} تفسير : [النجم: 16] قال: فراش من ذهب، قال: أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئاً المقحمات. (الحديث الرابع) قال أحمد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، حدثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة؛ فإني أعطيتهما من كنز تحت العرش»تفسير : هذا إسناد حسن، ولم يخرجوه في كتبهم. (الحديث الخامس) قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، أخبرنا مسدّد، أخبرنا أبو عوانة عن أبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فضلنا على الناس بثلاث: أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش، لم يعطها أحد قبلي، ولا يعطاها أحد بعدي»تفسير : ثم رواه من حديث نعيم بن أبي هند عن ربعي عن حذيفة بنحوه. (الحديث السادس) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع، أنبأنا إسماعيل بن الفضل، أخبرنا محمد بن بزيع، أخبرنا جعفر بن عون، عن مالك بن مغول، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: لا أرى أحداً عقل الإسلام ينام حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، فإنها كنز أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم من تحت العرش. ورواه وكيع في تفسيره عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمير بن عمرو الخارفي، عن علي، قال: ما أرى أحداً يعقل، بلغه الإسلام، ينام حتى يقرأ آية الكرسي، وخواتيم سورة البقرة؛ فإنها من كنز تحت العرش. (الحديث السابع) قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا بندار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن أشعث بن عبد الرحمن الحرمي، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرأ بهن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان»تفسير : ثم قال: هذا حديث غريب، وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث حماد بن سلمة به، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. (الحديث الثامن) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد ابن مدين، أخبرنا الحسن بن الجهم، أخبرنا إسماعيل بن عمرو، أخبرنا ابن أبي مريم، حدثني يوسف بن أبي الحجاج، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ سورة البقرة وآية الكرسي ضحك، وقال: «حديث : إنهما من كنز الرحمن تحت العرش»تفسير : وإذا قرأ: {أية : مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} تفسير : [النساء: 123] {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ} تفسير : [النجم: 39 - 41] استرجع، واستكان. (الحديث التاسع) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد بن كوفي، حدثنا أحمد بن يحيى بن حمزة، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن أبي حميد، عن أبي مليح، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله: حديث : أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش، والمفصل نافلة.تفسير : (الحديث العاشر) قد تقدم في فضائل الفاتحة من رواية عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل، إذ سمع نقيضاً فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفاً منهما إلا أوتيته. رواه مسلم والنسائي، وهذا لفظه. فقوله {آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} إخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت عليه هذه الآية: «حديث : ويحق له أن يؤمن»تفسير : وقد روى الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو النضر الفقيه، حدثنا معاذ بن نجدة القرشي، حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا أبو عقيل، عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس بن مالك، قال: لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : حق له أن يؤمن»تفسير : ، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقوله: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} عطف على الرسول، ثم أخبر عن الجميع فقال: {كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، ولا رب سواه. ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارّون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله، حتى نسخ الجميع بشرع محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين، وقوله: {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} أي: سمعنا قولك يا ربنا، وفهمناه، وقمنا به، وامتثلنا العمل بمقتضاه، {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} سؤال للغفر والرحمة واللطف؛ قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله: {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} ـ إلى قوله ـ {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} قال: قد غفرت لكم {وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} أي: إليك المرجع والمآب يوم الحساب. قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن بيان، عن حكيم، ابن جابر، قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} قال جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تعطه، فسأل: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} إلى آخر هذه الآية، وقوله: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} أي: لا يكلف أحداً فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه، ورأفته بهم، وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة في قوله: {أية : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ}تفسير : [البقرة: 284] أي: هو وإن حاسب وسأل، لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما مالا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها، فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان، وقوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} أي: من خير {وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} أي: من شر، وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف. ثم قال تعالى مرشداً عباده إلى سؤاله، وقد تكفل لهم بالإجابة كما أرشدهم وعلمهم أن يقولوا: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} أي: إن تركنا فرضاً على جهة النسيان، أو فعلنا حراماً كذلك، أو أخطأنا، أي: الصواب في العمل؛ جهلاً منا بوجهه الشرعي. وقد تقدم في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، قال: «حديث : قال الله: نعم»تفسير : ولحديث ابن عباس، قال الله: «حديث : قد فعلت»تفسير : . وروى ابن ماجه في سننه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي عمرو الأوزاعي، عن عطاء؛ قال ابن ماجه في روايته: عن ابن عباس، وقال الطبراني وابن حبان: عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»تفسير : وقد روي من طريق آخر، وأعله أحمد وأبو حاتم، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن شهر، عن أم الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ والنسيان، والاستكراه»تفسير : قال أبو بكر: فذكرت ذلك للحسن، فقال: أجل، أما تقرأ بذلك قرآناً: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا}. وقوله: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} أي: لا تكلفنا من الأعمال الشاقة، وإن أطقناها؛ كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، التي بعثت نبيك محمداً صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيفي السهل السمح، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله: نعم»تفسير : وعن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله: قد فعلت»تفسير : . وجاء الحديث من طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : بعثت بالحنيفية السمحة».تفسير : وقوله: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} أي من التكليف والمصائب والبلاء، لا تبتلنا بما لا قبل لنا به، وقد قال مكحول في قوله: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قال: العزبة والغلمة، رواه ابن أبي حاتم، قال الله: نعم، وفي الحديث الآخر: قال الله: قد فعلت. وقوله: {وَٱعْفُ عَنَّا} أي: فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا {وَٱغْفِرْ لَنَا} أي: فيما بيننا وبين عبادك، فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة {وَٱرْحَمْنَآ} أي: فيما يستقبل، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده، فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه، فلا يوقعه في نظيره. وقد تقدم في الحديث أن الله قال: نعم، وفي الحديث الآخر: قال الله: قد فعلت. وقوله: {أَنتَ مَوْلَـٰنَا} أي: أنت ولينا وناصرنا، وعليك توكلنا، وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول لنا ولا قوة إلا بك، {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي: الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك ورسالة نبيك، وعبدوا غيرك، وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدينا والآخرة، قال الله: نعم. وفي الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس، قال الله: قد فعلت. وقال ابن جرير: حدثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن أبي إسحاق أن معاذاً رضي الله عنه، كان إذا فرغ من هذه السورة: {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} قال: آمين. ورواه وكيع عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن رجل، عن معاذ بن جبل، أنه كان إذا ختم البقرة قال: آمين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ءَامَنَ } صدّق {ٱلرَّسُولَ } محمد صلى الله عليه وسلم {بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ } من القرآن {وَٱلْمُؤْمِنُونَ } عطف عليه {كُلٌّ } تنوينه عوض من المضاف إليه {ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ } بالجمع والإفراد[وكتابه] {وَرُسُلِهِ } يقولون {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل اليهود والنصارى {وَقَالُواْ سَمِعْنَا } أي ما أُمْرِنَا به سماع قبول {وَأَطَعْنَا } نسألك {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } المرجع بالبعث، ولما نزلت الآية قبلها شكا المؤمنون من الوسوسة وشق عليهم المحاسبة بها فنزل:
الشوكاني
تفسير : قوله: {بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ } أي: بِجَمِيع ما أنزل الله: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ } عطف على الرسول، وقوله: {كُلٌّ} أي: من الرسول والمؤمنين {آمن بالله} ويجوز أن يكون قوله: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ } مبتدأ. وقوله: {كُلٌّ } مبتدأ ثان. وقوله: {آمن بالله} خبر المبتدأ الثاني، وهو وخبره خبر المبتدأ الأوّل. وأفرد الضمير في قوله: {آمن بالله} مع رجوعه إلى كل المؤمنين، لما أن المراد بيان إيمان كل فرد منهم من غير اعتبار الاجتماع، كما اعتبر ذلك في قوله تعالى: {أية : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دٰخِرِينَ }تفسير : [النمل: 87]. قال الزجاج لما ذكر الله سبحانه في هذه السورة فرض الصلاة، والزكاة، وبين أحكام الحج، وحكم الحيض، والطلاق، والإيلاء، وأقاصيص الأنبياء، وبين حكم الربا، ذكر تعظيمه سبحانه بقوله:{للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلاْرْضِ} ثم ذكر تصديق نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر تصديق المؤمنين بجميع ذلك، فقال {آمن ٱلرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ } أي: صدّق الرسول بجميع هذه الأشياء التي جرى ذكرها، وكذلك المؤمنون كلهم صدّقوا بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وقيل: سبب نزولها الآية التي قبلها. وقد تقدّم بيان ذلك. قوله: {وَمَلَـئِكَتِهِ} أي: من حيث كونهم عباده المكرّمين المتوسطين بينه، وبين أنبيائه في إنزال كتبه، وقوله: {وَكُتُبِهِ } لأنها المشتملة على الشرائع التي تَعبَّد بها عباده. وقوله: {وَرُسُلِهِ } لأنهم المبلغون لعباده ما نُزَّل إليهم. وقرأ نافع، وابن كثير، وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر، وكتبه بالجمع. وقرءوا في التحريم، و"كتابه". وقرأ ابن عباس هنا، و"كتابه"، وكذلك قرأ حمزة، والكسائي، وروى عنه أنه قال: الكتاب أكثر من الكتب. وبينه صاحب الكشاف، فقال: لأنه إذا أريد بالواحد الجنس، والجنسية قائمة في وجدان الجنس كلها لم يخرج منه شيء، وأما الجمع، فلا يدخل تحته إلا ما فيه الجنسية من الجموع. انتهى. ومن أراد تحقيق المقام، فليرجع إلى شرح التلخيص المطوّل عند قول صاحب التلخيص «واستغراق المفرد أشمل». وقرأ الجمهور {ورسُله} بضم السين. وقرأ أبو عمرو، بتخفيف السين. وقرأ الجمهور {لا نفرّق} بالنون. والمعنى: يقولون: لا نفرق. وقرأ سعيد بن جبير، ويحيى بن يعمر، وأبو زرعة، وابن عمر، وابن جرير، ويعقوب «لا يفرق» بالياء التحتية. وقوله: {بَيْنَ أَحَدٍ } ولم يقل بين آحاد، لأن الأحد يتناول الواحد، والجمع، كما في قوله تعالى: {أية : فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ }تفسير : [الحاقة: 47] فوصفه بقوله: {حَـٰجِزِينَ } لكونه في معنى الجمع، وهذه الجملة يجوز أن تكون في محل نصب على الحال، وأن تكون خبراً آخر لقوله: {كُلٌّ }. وقوله: {مِن رُسُلِهِ } أظهر في محل الإضمار للاحتراز عن توهم اندراج الملائكة في الحكم، أو الإشعار بعلة عدم التفريق بينهم. وقوله: {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } هو: معطوف على قوله: {آمن} وهو: وإن كان للمفرد، وهذا للجماعة، فهو جائز نظراً إلى جانب المعنى، أي: أدركناه بأسماعنا، وفهمناه، وأطعنا ما فيه؛ وقيل: معنى سمعنا: أجبنا دعوتك. قوله: {غُفْرَانَكَ } مصدر منصوب بفعل مقدّر، أي: اغفر غفرانك. قاله الزجاج، وغيره، وقدّم السمع، والطاعة على طلب المغفرة؛ لكون الوسيلة تتقدّم على المتوسل إليه. قوله: {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } التكليف هو: الأمر بما فيه مشقة، وكُلفة، والوُسْع: الطاقة، والوسع: ما يسع الإنسان، ولا يضيق عليه، وهذه جملة مستقلة جاءت عقب قوله سبحانه {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ}الآية لكشف كربة المسلمين، ودفع المشقة عليهم في التكليف بما في الأنفس، وهي كقوله سبحانه {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} قوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ } فيه ترغيب، وترهيب، أي: لها ثواب ما كسبت من الخير، وعليها وزر ما اكتسبت من الشرّ، وتقدّم "لها"، و"عليها" على الفعلين، ليفيد أن ذلك لها لا لغيرها، وعليها لا على غيرها، وهذا مبنيّ على أن كسب للخير فقط، واكتسب للشرّ فقط، كما قاله صاحب الكشاف، وغيره، وقيل: كل واحد من الفعلين يصدق على الأمرين، وإنما كرّر الفعل، وخالف بين التصريفين تحسيناً للنظم، كما في قوله تعالى: {أية : فَمَهّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } تفسير : [الطارق: 17]. قوله: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } أي: لا تؤاخذنا بإثم ما يصدر منا من هذين الأمرين. وقد استشكل هذا الدعاء جماعة من المفسرين، وغيرهم قائلين إن الخطأ، والنسيان مغفوران غير مؤاخذ بهما، فما معنى الدعاء بذلك، فإنه من تحصيل الحاصل؟ وأجيب عن ذلك بأن المراد: طلب عدم المؤاخذة بما صدر عنهم من الأسباب المؤدية إلى النسيان، والخطأ من التفريط، وعدم المبالاة، لا من نفس النسيان، والخطأ، فإنه لا مؤاخذة بهما، كما يفيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان»تفسير : وسيأتي مخرّجه. وقيل: إنه يجوز للإنسان أن يدعو بحصول ما هو حاصل له قبل الدعاء لقصد استدامته. وقيل: إنه وإن ثبت شرعاً أنه لا مؤاخذة بهما، فلا امتناع في المؤاخذة بهما عقلاً، وقيل: لأنهم كانوا على جانب عظيم من التقوى. بحيث لا يصدر عنهم الذنب تعمداً، وإنما يصدر عنهم خطأ، أو نسياناً، فكأنه وصفهم بالدعاء بذلك إيذاناً بنزاهة ساحتهم، عما يؤاخذون به، كأنه قيل: إن كان النسيان، والخطأ مما يؤاخذ به، فما منهم سبب مؤاخذة إلا الخطأ، والنسيان. قال القرطبي: وهذا لم يختلف فيه أن الإثم مرفوع، وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام هل ذلك مرفوع، ولا يلزم منه شيء، أو يلزم أحكام ذلك كله؟ اختلف فيه، والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع، فقسم لا يسقط باتفاق كالغرامات، والديات، والصلوات المفروضات، وقسم يسقط باتفاق كالقصاص، والنطق بكلمة الكفر، وقسم ثالث مختلف فيه كمن أكل ناسياً في رمضان، أو حنث ساهياً، وما كان مثله مما يقع خطأ، ونسياناً، ويعرف ذلك في الفروع. قوله: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا } عطف على الجملة التي قبله، وتكرير النداء للإيذان بمزيد التضرّع، واللُّجأ إلى الله سبحانه. والإصر: العبء الثقيل الذي يأصر صاحبه، أي: يحبسه مكانه لا يستقل به لثقله. والمراد به هنا: التكليف الشاق، والأمر الغليظ الصعب. وقيل: الإصر: شدّة العمل، وما غلظ على بني إسرائيل من قتل الأنفس، وقطع موضع النجاسة، ومنه قول النابغة:شعر : يا مانِعَ الضَّيْمِ أَنْ تَغْشَى سَرَاتَهم والحَامِل الإصر عَنْهمُ بَعْدَ مَا غَرقُوا تفسير : وقيل: الإصر: المسخ قردة، وخنازير. وقيل: العهد، ومنه قوله تعالى: {أية : وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِى } تفسير : [آل عمران:81] وهذا الخلاف يرجع إلى بيان ما هو الإصر الذي كان على من قبلنا، لا إلى معنى الإصر في لغة العرب، فإنه ما تقدّم ذكره بلا نزاع، والإصار: الحبل الذي تربط به الأحمال، ونحوها، يقال أصر يأصر إصراً: حبس، والإصر بكسر الهمزة من ذلك. قال الجوهري: والموضع مأصر، والجمع مآصر، والعامة تقول معاصر. ومعنى الآية: أنهم طلبوا من الله سبحانه أن لا يُحَمَّلهم مَنْ ثقل التكاليف ما حمَّل الأمم قبلهم. وقوله: {كَمَا حَمَلْتَهُ } صفة مصدر محذوف، أي: حملاً مثل حملك إياه على من قبلنا، أو صفة لـ {إصراً}، أي: إصراً مثل الإصر الذي حملته على من قبلنا. قوله: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } هو أيضاً عطف على ما قبله، وتكرير النداء للنكتة المذكورة قبل هذا. والمعنى: لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق وقيل: هو عبارة عن إنزال العقوبات، كأنه قال: لا تنزل علينا العقوبات بتفريطنا في المحافظة على تلك التكاليف الشاقة التي كَلَّفْتَ بها مَنْ قبلنا. وقيل: المراد به: الشاق الذي لا يكاد يستطاع من التكاليف. قال في الكشاف: وهذا تقرير لقوله: {وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا }. قوله: {وَٱعْفُ عَنَّا } أي: عن ذنوبنا، يقال عفوت عن ذنبه: إذا تركته، ولم تعاقبه عليه {وَٱغْفِرْ لَنَا } أي: استر على ذنوبنا. والغفر: الستر {وَٱرْحَمْنَا } أي: تفضل برحمة منك علينا {أَنتَ مَوْلَـٰنَا } أي: ولينا، وناصرنا، وخرج هذا مخرج التعليم كيف يدعون؟ وقيل: معناه: أنت سيدنا، ونحن عبيدك {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } فإن من حق المولى أن ينصر عبيده، والمراد عامة الكفرة، وفيه إشارة إلى إعلاء كلمة الله في الجهاد في سبيله. وقد قدّمنا في شرح الآية التي قبل هذه أعني قوله: {إِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ} إلخ، أنه ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قال عقب كل دعوة من هذه الدعوات: قد فعلت، فكان ذلك دليلاً على أنه سبحانه لم يؤاخذهم بشيء من الخطأ، والنسيان، ولا حمل، عليهم شيئاً من الإصر الذي حمله على من قبلهم، ولا حملهم ما لا طاقة لهم به، وعفا عنهم، وغفر لهم، ورحمهم، ونصرهم على القوم الكافرين، والحمد لله رب العالمين. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حبان {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } لا نكفر بما جاءت به الرسل، ولا نفرّق بين أحد منهم، ولا نكذب به: {وَقَالُواْ سَمِعْنَا } للقرآن الذي جاء من الله {وَأَطَعْنَا }، أقرّوا لله أن يطيعوه في أمره ونهيه. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا } قال: قد غفرت لكم {وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } قال: إليك المرجع، والمآب يوم يقوم الحساب. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن حكيم بن جابر قال: لما نزلت: {آمن الرسول} الآية، قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أحسن الثناء عليك، وعلى أمتك، فسل تعطه، فقال: {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } حتى ختم السورة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } قال: هم المؤمنون وسع الله عليهم أمر دينهم، فقال: {أية : مَّا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } تفسير : [الحج: 78]. وقال: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } تفسير : [البقرة: 185] وقال: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } تفسير : [التغابن: 16] وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في قوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ } قال: من العمل. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {إِلاَّ وُسْعَهَا } قال: إلا طاقتها. وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك، نحوه. وقد أخرج ابن ماجه، وابن المنذر، وابن حبان في صحيحه، والطبراني، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» تفسير : وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي ذرّ مرفوعاً، والطبراني من حديث ثوبان، ومن حديث ابن عمر، ومن حديث عقبة بن عامر. وأخرجه البيهقي أيضاً من حديثه. وأخرجه ابن عديّ في الكامل، وأبو نعيم من حديث أبي بكرة. وأخرجه ابن أبي حاتم من حديث أمّ الدرداء. وأخرجه سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، من حديث الحسن مرسلاً، وأخرجه عبد بن حميد، من حديث الشعبي مرسلاً. وفي أسانيد هذه الأحاديث مقال، ولكنها يقوّي بعضها بعضاً، فلا تقصر عن رتبة الحسن لغيره. وقد تقدّم حديث: «إن الله قال قد فعلت» وهو في الصحيح وهو يشهد لهذه الأحاديث. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {إِصْرًا } قال: عهداً. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج مثله. وأخرج أيضاً عن عطاء بن أبي رباح في قوله: {وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } قال: لا تمسخنا قردة، وخنازير. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في الآية؛ أن الإصر: الذنب الذي ليس فيه توبة، ولا كفارة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الفضيل في الآية قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا أذنب قيل له: توبتك أن تقتل نفسك، فيقتل نفسه، فوضعت الآصار عن هذه الأمة. وأخرج عبد بن حميد، عن عطاء قال: لما نزلت هذه الآيات: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا } إلخ، كلما قالها جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : آمين رب العالمين. تفسير : وأخرج أبو عبيد، عن ميسرة أن جبريل لقن النبي صلى الله عليه وسلم خاتمة البقرة آمين. وأخرج أبو عبيد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن معاذ بن جبل أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال: آمين. وأخرج أبو عبيد عن جبير بن نفير: أنه كان يقول: آمين آمين. وأخرج عبد بن حميد، عن أبي ذرّ قال: هي للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك في هذه الآية قال: سألها نبيّ الله ربه، فأعطاه إياها، فكانت للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة. وقد ثبت عند الشيخين، وأهل السنن، وغيرهم، عن ابي مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه»تفسير : وأخرج أبو عبيد، والدارمي، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي، عن النعمان بن بشير؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال، فيقربها شيطان»تفسير : وأخرج أحمد، والنسائي، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب بسند صحيح، عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : أعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطها نبيّ قبلي»تفسير : . وأخرج أحمد، والبيهقي، عن أبي ذرّ مرفوعاً، نحوه. وأخرج أبو عبيد، وأحمد، ومحمد بن نصر، عن عقبة بن عامر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : اقرءوا هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة: { آمن ٱلرَّسُولُ} إلى خاتمتها، فإن الله اصطفى بها محمداً»تفسير : وإسناده حسن. وأخرج مسلم، عن ابن مسعود قال: لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى، وأعطى ثلاثاً، أعطى الصلوات الخمس، وأعطى خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئاً المقحمات. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، عن أبي ذرّ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش، فتعلموهما، وعلموهما نساءكم، وأبناءكم، فإنهما صلاة، وقرآن، ودعاء»تفسير : . وأخرج الديلمي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اثنان هما قرآن، وهما يشفيان، وهما مما يحبهما الله الآيتان من آخر البقرة»تفسير : . وأخرج الطبراني بسند جيد، عن شدّاد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، لا يقرآن في دار ثلاث ليال، فيقربها شيطان» تفسير : وأخرج ابن عدي، عن ابن مسعود الأنصاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنزل الله آيتين من كنوز الجنة، كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة، من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل»تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ آخر سورة البقرة، أو آية الكرسي ضحك وقال: حديث : إنهما من كنز تحت العرش. تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعطيت فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش» تفسير : وأخرج مسلم، والنسائي، واللفظ له، عن ابن عباس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل إذ سمع نقيضاً، فرفع جبريل بصره فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبيّ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفاً منهما إلا أوتيته. فهذه ثلاثة عشر حديثاً في فضل هاتين الآيتين مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روى في فضلهما من غير المرفوع، عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وأبي مسعود، وكعب الأحبار، والحسن، وأبي قلابة، وفي قول النبيّ صلى الله عليه وسلم ما يغني عن غيره.
ابن عطية
تفسير : سبب هذه الآية أنه لما نزلت {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} الآية التي قبلها. وأشفق منها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، ثم تقرر الأمر على أن {قالوا سمعنا وأطعنا}، فرجعوا إلى التضرع والاستكانة، مدحهم الله وأثنى عليهم في هذه الآية، وقدم ذلك بين يدي رفقه بهم وكشفه لذلك الكرب الذي أوجبه تأولهم فجمع لهم تعالى التشريف بالمدح والثناء ورفع المشقة في أمر الخواطر، وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى كما جرى لبني إسرائيل ضد ذلك من ذمهم وتحميلهم المشقات من المذلة والمسكنة والجلاء إذ قالوا سمعنا وعصينا، وهذه ثمرة العصيان والتمرد على الله عاذنا الله من نقمه، و {آمن} معناه صدق، و {الرسول} محمد صلى الله عليه وسلم، و {بما أنزل إليه من ربه} هو القرآن وسائر ما أوحي إليه، من جملة ذلك هذه الآية التي تأولوها شديدة الحكم، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه قال: ويحق له أن يؤمن، وقرأ ابن مسعود "وآمن المؤمنون"، و {كل} لفظة تصلح للإحاطة، وقد تستعمل غير محيطة على جهة التشبيه بالإحاطة والقرينة تبين ذلك في كل كلام، ولما وردت هنا بعد قوله {والمؤمنون} دل ذلك على إحاطتها بمن ذكر. والإيمان بالله هو التصديق به وبصفاته ورفض الأصنام وكل معبود سواه. والإيمان بملائكته هو اعتقادهم عباداً لله، ورفض معتقدات الجاهلية فيهم. والإيمان بكتبه هو التصديق بكل ما أنزل على الأنبياء الذين تضمن ذكرهم كتاب الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، أو ما أخبر هو به، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر "وكتبه" على الجمع، وقرؤوا في التحريم و"كتابه" على التوحيد، وقرأ أبو عمرو هنا وفي التحريم "وكتبه" على الجمع، وقرأ حمزة والكسائي " وكتابه" على التوحيد فيهما، وروى حفص عن عاصم ها هنا وفي التحريم "وكتبه" مثل أبي عمرو، وروى خارجة عن نافع مثل ذلك، وبكل قراءة من هذه قرأ جمهور من العلماء، فمن جمع أراد جمع كتاب، ومن أفرد أراد المصدر الذي يجمع كل مكتوب كان نزوله من عند الله تعالى، هذا قول بعضهم وقد وجهه أبو علي وهو كما قالوا: نسج اليمن، وقال أبو علي في صدر كلامه: أما الإفراد في قول من قرأ "وكتابه" فليس كما تفرد المصادر وإن أريد بها الكثير، كقوله تعالى: {أية : وادعوا ثبوراً كثيراً} تفسير : [الفرقان: 14] ونحو ذلك، ولكن كما تفرد الأسماء التي يراد بها الكثرة، كقولهم: كثر الدينار والدرهم ونحو ذلك، فإن قلت هذه الأسماء التي يراد بها الكثرة إنما تجيء مفردة وهذه مضافة، قيل وقد جاء في المضاف ما يعني به الكثرة ففي التنزيل {أية : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} تفسير : [إبراهيم:34] وفي الحديث منعت العراق درهمها وقفيزها، فهذا يراد به الكثير كما يراد بما فيه لام التعريف، ومنه قول ابن الرقاع: شعر : يَدَعُ الْحَيَّ بالعشيِّ رَعَاهَا وَهُم عَنْ رَغِيفِهِمْ أَغْنِيَاءُ تفسير : ومجيء أسماء الأجناس معرفة بالألف واللام أكثر من مجيئها مضافة، وقرأت الجماعة "ورسُله" بضم السين، وكذلك "رسُلنا" و "رسُلكم" و "رسُلك" إلا أبا عمرو فروي عنه تخفيف "رسلنا" و "رسلكم"، وروي عنه في "رسلك" التثقيل والتخفيف، قال أبو علي من قرأ " على رسلك" بالتثقيل فذلك أصل الكلمة، ومن خفف فكما يخفف في الآحاد مثل عنق وطنب، فإذا خفف في الآحاد فذلك أحرى في الجمع الذي هو أثقل، وقرأ يحيى بن يعمر "وكتْبه ورسْله" بسكون التاء والسين، وقرأ ابن مسعود "وكتابه ولقائه ورسله"، وقرأ جمهور الناس "لا نفرق" بالنون، والمعنى يقولون لا نفرق، وقرأ سعيد ابن جبير ويحيي بن يعمر وأبو زرعة بن عمر بن جرير ويعقوب "لا يفرق" بالياء، وهذا على لفظ {كل}، قال هارون وهي في حرف ابن مسعود "لا يفرقون"، ومعنى هذه الآية أن المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. وقوله تعالى: {وقالوا سمعنا وأطعنا} مدح يقتضي الحض على هذه المقالة وأن يكون المؤمن يمتثلها غابر الدهر، والطاعة قبول الأوامر، و {غفرانك} مصدر كالكفران والخسران، ونصبه على جهة نصب المصادر، والعامل فيه فعل مقدر، قال الزجّاج تقديره اغفر غفرانك، وقال غيره نطلب ونسأل غفرانك، {وإليك المصير} إقرار بالبعث والوقوف بين يدي الله تعالى. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال له جبريل يا محمد إن الله قد أجل الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تعطه، فسأل إلى آخر السورة.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَكُتُبِهِ} القرآن، أو جنس الكتب. {لا نُفَرّقُ} لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض. {غُفْرَانَكَ} نسألك غفرانك، وإلى جزائك المصير.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل من شيء فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون} الآية {أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} تفسير : [البقرة: 286] قال: قد فعلت ربنا {أية : ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} تفسير : [البقرة: 286] قال: قد فعلت ربنا {أية : ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} تفسير : [البقرة: 286] قال قد فعلت أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن. قال الزجاج: لما ذكر الله في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة والصوم والحج والطلاق والإيلاء والحيض والجهاد وأقاصيص الأنبياء وما ذكر من كلام الحكماء ختم السورة بذكر تصديق نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بجميع ذلك ومعنى آمن الرسول صدق الرسول يعني محمداً صلى الله عليه وسلم والمعنى صدق الرسول أن هذا القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام منزل من عند الله عز وجل: {والمؤمنون} أي وصدق المؤمنون بذلك أيضاً {كل} أي كل واحد من المؤمنين {آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} فهذه أربع مراتب من أصول الإيمان وضرورياته، فأما الإيمان بالله فهو أن يؤمن بأن الله واحد أحد لا شريك له ولا نظير له ويؤمن بجميع أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأنه حي عالم قادر على كل شيء، وأما الإيمان بالملائكة فهو أن يؤمن بوجودهم وأنهم معصومون مطهرون وأنهم السفرة الكرام البررة وأنهم الوسائط بين الله تعالى وبين رسله. وأما الإيمان بكتبه فهو أن يؤمن بأن الكتب المنزلة من عند الله هي وحي الله إلى رسله، وأنها حق وصدق من عند الله بغير شك ولا ارتياب، وأن القرآن لم يحرف ولم يبدل ولم يغير، وأنه مشتمل على المحكم والمتشابه، وأن محكمه يكشف عن متشابهه. وأما الإيمان بالرسل فهو أن يؤمن بأنهم رسل الله إلى عباده وأمناؤه على وحيه، وأنهم معصومون وأنهم أفضل الخلق، وان بعضهم أفضل من بعض وقد أنكر بعضهم ذلك وتمسك بقوله تعالى: {لا نفرق بين أحد من رسله}. وأجيب عنه بأن المقصود من هذا الكلام شيء آخر وهو إثبات نبوة الأنبياء والرد على اليهود والنصارى الذين يقرون بنبوة موسى وعيسى وينكرون بنوة محمد صلى الله عليه وسلم وقد ثبت بالنص الصريح تفضيل بعض الأنبياء على بعض بقوله: {أية : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} تفسير : [البقرة: 253] ومعنى قوله: {لا نفرق بين أحد من رسله} فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى بل نؤمن بجميع رسله، وفي الآية إضمار تقديره وقالوا: يعني المؤمنين لا نفرق بين أحد من رسله {وقالوا سمعنا وأطعنا} يعني سمعنا قولك وأطعنا أمرك، والمعنى قال المؤمنون: سمعنا قول ربنا فيما أمرنا به، وأطعناه فيما ألزمنا من فرائضه، واستعبدنا به من طاعته، وسلمنا له فيما أمرنا به ونهانا عنه، {غفرانك ربنا} أي نسألك غفرانك ربنا، أو يكون المعنى اغفر لنا غفرانك ربنا {وإليك المصير} يعني قالوا، إليك يا ربنا مرجعنا ومعادنا فاغفر ذنوبنا. روى البغوي بغير سند عن حكيم بن جابر: "أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل قد أثنى عليك وعلى أمتك فسل تعطه". قال بتلقين الله تعالى غفرانك ربنا وإليك المصير.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ...}. ذكر ابن عطية سبب نزول الآية أنها لما نزلت {أية : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ}تفسير : ... الآية شق ذلك على المؤمنين ثم قالوا {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}. فَمَدحهم الله وأثنى عليهم ورفع عنهم المشقة بقوله تعالى: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا }. تفسير : قال ابن عرفة: وضم الإخبار عنهم بالإيمان في هذه الآية إلى هذا السبب يقتضي استلزام الإيمان للعمل الصالح، قال: وفيها سؤال وهو أن الفاعل مخبر عنه بفعله وتقرر أنه لا يجوز (قام) القائم، ولا ضرب الضارب، إذ لا فائدة فيه، فلو قيل: "آمن الرسول والصحابة لأفاد، فكيف قال (آمَنَ) المؤمنون؟ والجواب: أنّه يفيد إذا (قيد بشيء) كقولك قام: في الدّار القائم، وهنا أفاد تقيده وهو قوله {بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ}. انتهى. فإن قلت: لم ذكر الرسول ومعلوم أنه آمن؟ قلت: إنه ذكر مع المؤمنين تشريفا لهم وتعظيما إذ لا ينظم الجوهر النفيس إلا (مع) نفيس مثله. قال ابن عرفة: قال ابن عطية: و"كل" لفظة تصلح للإحاطة والقرينة تبين ذلك. انتهى. قال ابن عرفة: وظاهر أنّها ليست نصّا في العموم خلافا للأصوليين فإنهم ذكروها في ألفاظ العموم وتقدم للنحويين التفريق بين رفعها ونصبها في قوله: شعر : قد أصبحت أم الخيار تدعي عليّ ذنبا كله لم أصنع تفسير : فقالوا: رفعها أعم. قلت: إنما أراد ابن عطية قولهم: كل الصيد في جوف الفراء. ورأيت رجلا كل (الرجل) وقولهم: أكلت شاة كل شاة. قوله تعالى: {وَمَلاۤئِكَتِهِ...}. قال ابن عرفة: لا بد في الإيمان بالملائكة من استحضار أنّهم أجسام متحيزة (منتقلة) كبني آدم. ولذلك قال أبو عمران الفارسي في المسألة المنقولة عنه في الكفار: إنّهم ما عرفوا (الله) قط ولا آمنوا به خلافا للغزالي من أهل السنة (فإنه) قال في الملائكة إنهم أجسام لطيفة لا متحيزة ولا قائمة بالمتحيز ونحا في هذا منحى الفلاسفة. قيل لابن عرفة: إنّ (المقترح) توقف فيهم؟ فقال: إنما توقف في إثبات الجوهر (الفرد) وهو شيء لا متحيز ولا قائم بالمتحيز ولم يتوقف في الملائكة. قوله تعالى: {وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ...}. قال الزمخشري: قرأ ابن عباس: "وَكِتَابِهِ" يريد القرآن وعنه الكتاب أكثر من الكتب. فإن قلت: كيف يكون الكتاب أكثر من الكتب؟ قلت: لأنه إذا أريد بالواحد الجنس والجنسية قائمة في وحدان (الجنس) كلها لم يخرج منها شيء، وأما الجمع فلا يدخل تحته (إلاّ ما فيه الجنسية من المجموع. وقدره الطيبي بأن المفرد إذا أريد به الجنس يدخل تحته) المجموع والأشخاص بخلاف الجمع فإنه لا يتناول إلا المفردات فقط. قيل لابن عرفة: قد اختلفوا في المفرد المحلى بالألف واللاّم (هل يفيد العموم، واتفقوا على أنّ الجمع يفيد العموم لا سيما المحلى بالألف واللاّم)؟ فقال: (ما كلامنا) إلا فيما ثبت فيه العموم من مفرد أو جمع، فالمفرد الذي يثبت فيه العموم (أعم من الجمع الذي يثبت فيه العموم). وكلام أبي حيان في هذا الموضع غير صحيح وكذلك كلام الطيبي. قال: وقد ذكر القرافي في الخلاف في دَلاَلة العام على أفراده هل هي تضمن أو التزام ونص على / أن المفرد الذي أريد به العموم دال على أفراده ومسمياته وذلك كان أعم من الجمع. قيل لابن عرفة: لعل دلالته على العموم بقرينة حالية؟ فقال: إذا تعارض صرف الدلالة للفظ أو لقرينة فصرفها للفظ أولى. انتهى. قلت: لأن دلالة الجمع على أفراده من باب دلالة اللفظ على جزء مسماه ودلالة المفرد من باب دلالة اللفظ على تمام مسماه لأنه يدل على هذا المسمى وحده وعلى هذا بدلا عنه. قال ابن عرفة: ودلالة المطابقة حقيقة ودلالة التضمن والالتزام مجاز. فإن قلت: ليس الكتب في الآية معرفا بالألف واللاّم (بل مضافا)؟ قلت: الإضافة عاقبة الألف واللاّم. ولذلك قال ابن التلمساني شارح المعالم في المسألة الثانية من الباب الثالث: إن من ألفاظ العموم صيغ الجموع المعرفة بلام الجنس أو بالإضافة. ابن عرفة: وفائدة هذا الترتيب في الآية ما يقولونه: وهو التركيب والتحليل لأنّك إن بدأت من أول قلت: الله الأول، والملائكة يتلقون الوحي منه، والوحي في ثالث رتبة، لأنّه ملقى ومتلقى كقولك: أعطيت زيدا درهما، فالدرهم معطى ومأخوذ، فهو مفعول بكل اعتبار، وزيد فاعل ومفعول فالرسل في الرتبة الرابعة. وإن بدأت من أسفل قلت: الرسل المباشرون لنا والقرآن هو الذي يقع به المباشرة وهو منزل عليهم ثم من أنزله من عنده. قوله تعالى: {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ...}. فإن قلت: كيف هذا مع قوله {أية : تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ }؟ تفسير : قلت: إذا أسند الحكم إلى الشيء فإنما يسند إليه باعتبار (وصفه) المناسب له وقد قال: "من رسله" فما التفريق بينهم إلا في وصف الرسالة أي لا نؤمن ببعضهم ونترك بعضهم بل نؤمن بالجميع. قال الله تعالى {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ }.
ابن عادل
تفسير : في كيفية النَّظم وجوهٌ: الأول: لما بيَّن في الآيةِ المتقدِّمة كمال المُلْكِ والعلم والقُدرةِ له - تعالى -، وأنَّ ذلك يوجب كمال صفة الرُّبُوبيَّة، أَتْبَع ذلك ببيان كون المؤمن في نهاية الانقياد والطَّاعة والخُضُوع لله - تعالى -، وذلك هو كمالُ العُبُوديَّة. الثاني: أنه - تعالى - لَمَّا قال: {أية : إِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللهُ}تفسير : [البقرة:284] وبيَّن أنه لا يخفى عليه من سِرِّنا وجهرنا شيءٌ أَلبتَّة، ذكر عقيب ذلك ما يَجْرِي مُجْرَى المَدْحِ لنا؛ فقال: {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} كأنَّهُ بفضله يقول: عبدي، أنا وإن كُنْتُ أعلم جميع أحوالِك، فلا أَذكُرُ مِنها إِلاَّ ما يكون مدحاً لك، حتى تَعْلَمَ أَنِّي الكامِلُ في العِلم والقُدْرَة، فأنا كامِلٌ في الجُودِ والرَّحْمَةِ، وفي إِظهارِ الحسناتِ، وفي السَّتْرِ على السَّيِّئَاتِ. الثالث: أنه بَدَأَ السُّورة بمدح المُتَّقين {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَٰوةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}تفسير : [البقرة:3] بيَّن في آخر السُّورة أنَّ الَّذِين مدحهُم في أوَّل السُّورة هم أُمَّةُ محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - فقال: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} وهذا هو المراد بقوله في أَوَّل السُّورة: {أية : يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}تفسير : [البقرة:3]، ثم قال هَهُنا {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة:285]. وهو المراد بقوله في أَوَّل السُّورة: {أية : وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَٰوةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}تفسير : [البقرة:3]، ثم قال هَهُنا {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} وهو المراد بقوله أَوَّل السُّورة: {أية : وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}تفسير : [البقرة:4] ثم حكى عنهم هَهُنَا كيفيَّة تضرُّعِهِمِ في قولهم: {أية : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ...}تفسير : [البقرة:286] إلى آخر السُّورَة، وهو المراد بقوله أَوَّل السورة: {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}تفسير : [البقرة:5]. فصلٌ في بيان سبب النُّزُول قال القرطبيُّ: سبب نزول هذه الآية: الآيةُ الَّتِي قبلها، وهو قوله: {أية : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللهُ}تفسير : [البقرة:284] حديث : فإنه لمَّا نزل هذا على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم اشتدَّ ذلك على أصحابِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فَأَتَوا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثم بَرَكُوا على الرُّكب، فقالوا: أي رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذْ كُلِّفْنَا من الأَعمالِ ما نُطِيق؛ الصَّلاة والصِّيام والجِهَادُ، وقد أُنزِل عليكَ هذه الآيةُ ولا نُطِيقُهَا، فقال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الكِتَابَيْنِ من قَبْلِكُمْ: سَمِعنَا وعَصَيْنَا، بل قولُوا: سَمِعْنَا وأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ" فلما قَرَأَها القومُ وذَلَّت بها أنْفُسُهْم، أَنزَل اللهُ في إِثرها {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} إلى قوله: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} فلما فعلُوا ذلك، نسخَها اللهُ، فأنزلَ اللهُ {لاَ يُكَلِّفُ ٱللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ}[البقرة:286] قال: نعم، {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} قال: نعم {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قال: نعم {وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} قال: نعم تفسير : أخرجهُ مسلمٌ، عن أبي هُرَيرة - رضي الله عنه - فصلٌ معنى قوله: {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ}: أنه عَرَفَ بالدَّلائل القاهرة؛ أن هذا القُرْآن وجُملة ما فيه من الشَّرائع والأَحكامِ مُنزَّلٌ من عِندِ الله - تعالى -، وليس من إلقاء الشَّيَاطين ولا السِّحر والكهانة، بل بما ظَهر من المُعجزات على يد جبريل - عليه الصَّلاة والسَّلام -. وقوله: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} فيه احتمالان: أحدهما: أَنَّهُ يَتِمُّ الكلامُ عند قوله - تعالى - {وَٱلْمُؤْمِنُونَ}، فيكُونُ المعنى: آمَن الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ بما أُنزِل إِلَيهم من ربِّهم، ثم ابتدأ [بعد] ذلك بقوله: {كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللهِ} والمعنى: كُلُّ أحَدٍ من المذكُورين وهم الرَّسُول والمُؤْمِنُون آمَنَ بالله. والاحتمال الثَّاني: أن يتمَّ الكلامُ عند قوله: {بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} ثم يَبْتَدِىءُ {ٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللهِ} ويكون المعنى: أن الرَّسول آمَنَ بكُلِّ ما أُنزلَ إليه من ربِّه، وأمَّا المُؤْمِنُونَ فإِنَّهم آمَنُوا بالله ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ. فالوجه الأول يشعر بأنه - عليه السَّلام - ما كان مؤمناً بِرَبِّه، ثم صار مُؤْمِناً به، ويَحْتمِلُ عدم الإِيمان إلى وقت الاستدلالِ. وعلى الوجه الثاني يُشْعِر اللَّفْظُ بأنَّ الَّذِي حدث هو إيمانُهُ بالشَّرائع التي نَزَلَتْ عليه؛ كما قال - تعالى - {أية : مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ}تفسير : [الشورى:52] فأمَّا الإِيمانُ بالله ومَلاَئِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ على الإِجمال، فقد كان حاصلاً منذُ خُلِقَ من أَوَّل الأَمْرِ، وكيف يُسْتَبْعَدُ ذلك مع أَنَّ عيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - حين انفصَلَ عن أُمِّهِ، قال {أية : إِنِّي عَبْدُ ٱللهِ ءَاتَانِيَ ٱلْكِتَابَ}تفسير : [مريم:30] فإذا لم يَبْعُد أن يكُونَ عيسى رسولاً من عند اللهِ حين كان طِفْلاً، فكيف يُستبعد أن يقال: إن محمَّداً كان عارفاً بربِّه من أَوَّل [مَا] خُلِقَ كامل العقلِ. فصلٌ دلَّت الآية على أنَّ الرَّسُول آمَنَ بما أُنزِل إليه من رَبِّه، والمؤْمِنُون آمَنُوا بالله ومَلاَئِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، وإنما خُصَّ الرَّسُول - عليه الصَّلاة والسَّلام - بذلك؛ لأنَّ الذي أُنزِل إليه من رَبِّه قد يكُونُ كلاماً مَتْلُوّاً يسمعهُ الغير ويعرِفُه، فيمكنُه أن يؤمن به، وقد يكون وحياً لا يعلمُه سواه فيكونُ - عليه الصَّلاة والسَّلام - مُختصّاً بالإيمان به، ولا يتمكَّنُ غيره من الإِيمان به، فلهذا السَّبب كان الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - مختصّاً في باب الإيمان بما لا يمكن حصوله في غيره. قوله تعالى: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ}: يجوزُ فيه وجهان: أحدهما: أنه مرفوعٌ بالفاعلية عطفاً على "الرَّسُول" - عليه الصَّلاة والسَّلام - فيكونُ الوقفُ هنا، ويدُلُّ على صحَّةِ هذه قراءةُ عليّ بن أبي طالب - كرم الله وجهه -: "وَآمَنَ المُؤْمِنُونَ"، فأَظْهَرَ الفعلَ، ويكون قوله: "كُلٌّ آمَنَ" جملةً من مبتدأ وخبر يدُلُّ على أنَّ جميع مَنْ تقدَّم ذكره آمَنَ بما ذكر. والثاني: أن يكون "المُؤْمِنُونَ" مبتدأٌ، و "كلٌّ" مبتدأ ثانٍ، و "آمَنَ" خبرٌ عن "كُلّ" وهذا المبتدأ وخبرُه خبرُ الأوَّل؛ وعلى هذا فلا بُدَّ من رابطٍ بين هذه الجملةِ وبين ما أخبر بها عنه، وهو محذوفٌ، تقديرُه: "كُلٌّ مِنْهُمْ" وهو كقولهم: "السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَم"، تقديرُه: مَنَوَانِ مِنْهُ، قال الزمخشريُّ: "والمؤمنُونَ إن عُطِفَ على الرسول، كان الضّميرُ الذي التنوينُ نائبٌ عنه في "كُلّ" راجعاً إلى "الرَّسُول" - صلى الله عليه وسلم - و "المُؤْمِنُونَ" أي: كلُّهم آمَنَ بالله ومَلاَئِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ من المذكورين. ووُقِفَ عليه، وإن كان مبتدأً كان الضميرُ للمؤمنين". فإن قيل: هل يجوزُ أَنْ يكون "المُؤْمِنُونَ" مبتدأ، و "كُلٌّ" تأكيد له، و "آمَنَ" [خبر هذا] المبتدأ؟ فالجوابُ: أنَّ ذلك لا يجوزُ؛ لأنهم نَصُّوا على أَنَّ "كُلاًّ" وأخواتها لا تقعُ تأكيداً للمعارف، إلا مضافةٌ لفظاً لضميرِ الأولِ، ولذلك ردُّوا قولَ مَنْ قال: إِنَّ كُلاًّ في قراءة مَنْ قَرَأَ: {إِنَّا كُلاًّ فِيهَآ} [غافر:48] تأكيدٌ لاسم "إِنَّ" وقرأ الأَخَوان هنا "وَكِتَابِهِ" بالإِفراد، والباقون بالجمعِ، وفي سورة التحريم [آية12] قرأ أبو عمرو وحفصٌ عن عاصم بالجَمْع، والباقون بالإفراد، فتلخّصَ من ذلك أنَّ الأخوين يَقْرَآن بالإِفراد في الموضعين، [وأنَّ أبا عمرو وحفصاً يقْرآن بالجمعِ في الموضعَيْن]، وأنَّ نافعاً وابن كثير وابن عامر وأبا بكر عن عاصمٍ قَرَءُوا بالجمع هنا، وبالإِفرادِ في التحريم. فأمَّا الإِفرادُ، فإنه يُراد به الجنسُ، لا كتابٌ واحدٌ بعينه، وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنه -: "الكتَابُ أكثرُ من الكُتُب" قال الزمخشريُّ: فإنْ قلت: كيف يكون الواحدُ أكثرَ من الجمعِ؟ قلت: لأنه إذا أُريد بالواحدِ الجنسُ، والجنسيةُ قائمةٌ في وحداتِ الجنس كُلِّها، لَمْ يَخْرُج منه شيءٌ، وأمَّا الجمعُ، فلا يَدْخُل تحته إلاَّ ما فيه الجنسية من الجُمُوع. قال أبو حيان: "وليس كما ذكر؛ لأنَّ الجمعَ متى أُضيفَ، أو دَخَلَتْه الألفُ واللامُ [الجنسية]، صارَ عامّاً، ودلالةُ العامِّ دلالةٌ على كلِّ فردٍ فردٍ، فلو قال: "أَعْتَقْتُ عَبِيدِي"، لشمل ذلك كلَّ عَبْدٍ له، ودلالةُ الجمعِ أظهرُ في العموم من الواحدِ، إلاَّ بقرينةٍ لفظيَّةٍ، كأَنْ يُسْتَثْنَى منه أو يوصفَ بالجمع؛ نحو: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}تفسير : [العصر:2-3] "أَهْلَكَ النَّاسَ الدِّينَارُ الصُّفْرُ والدِّرْهَمُ البِيضُ" أو قرينةٍ معنويةٍ؛ نحو: "نِيَّة المُؤْمِنِ أَبْلَغُ مِنْ عَمَلِهِ" وأقصى حالِهِ: أن يكونَ مثل الجمعِ العامِّ، إذا أريد به العموم". قال شهاب الدِّين: للناس خلافٌ في الجمع المحلَّى بأَلْ أو المضافِ: هل عمومُه بالنسبةِ إلى مراتبِ الجموعِ، أم إلى أعمَّ من ذلك، وتحقيقُه في علم الأُصُول. وقال الفارسيُّ: هذا الإِفرادُ ليس كإفراد المصادر، وإن أريدَ بها الكثيرُ؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً}تفسير : [الفرقان:14] ولكنه كما تُفْرَدُ الأسماءُ التي يُرَاد بها الكثرةُ، نحو: كَثُرَ الدِّينَارُ والدِّرهمُ، ومجيئها بالألف واللام أكثرُ من مجيئها مضافةً، ومن الإِضافةِ: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللهِ لاَ تُحْصُوهَا}تفسير : [إبراهيم:34] وفي الحديث: "حديث : مَنَعَتِ العِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا"تفسير : يُراد به الكثيرُ، كما يُراد بما فيه لامُ التعريف. قال أبو حيان: "انتهى ملخصاً، ومعناه أنَّ المفرد المحلَّى بالألفِ واللام يعُمُّ أكثر من المفرد المُضافِ". قال شهاب الدين: وليس في كلامه ما يدُلُّ على ذلك ألبتةَ، إنما فيه أنَّ مجيئها في الكلامِ معرَّفةً بأَلْ أكثرُ من مجيئها مضافةً، وليس فيه تَعَرُّضٌ لكثرةِ عمومٍ ولا قِلَّتِهِ. وقيل: المرادُ بالكتابِ هنا القرآن؛ فيكونُ المرادُ الإِفراد الحقيقيَّ. وأمَّا الجمعُ، فلإِرادةِ كلِّ كتابٍ؛ إذْ لا فرق بين كتابٍ وكتابٍ، وأيضاً؛ فإنَّ فيه مناسبةً لَما قبلَه وما بعدَه من الجمعِ. ومَنْ قرأ بالتَّوحيد في التحريم، فإنما أراد به الإِنجيل؛ كإرادة القرآن هنا، ويجوزُ أن يُرادَ به أيضاً الجِنْسُ، وقد حَمَلَ على لفظ "كُلّ" في قوله: "آمَنَ" فَأَفْرد الضمير، وعلى معناه، فجمع في قوله: "وَقَالُوا سَمِعْنَا"، قال الزمخشريّ: ووحَّد ضمير "كُلّ" في "آمَنَ" على معنى: كُلُّ واحدٍ منهم آمَنَ، وكان يجوزُ أن يُجْمَعَ؛ كقوله تعالى: {أية : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ}تفسير : [النمل:87]. وقرأ يحيى بن يعمر - ورُويت عن نافع - "وكُتْبِهِ وَرُسْلِهِ" بإسكان العين فيهما، ورُوي عن الحسن وأبي عمرو تسكين سين "رُسْلِهِ". فصلٌ دلَّت هذه الآية الكريمة على أنَّ معرفة هذه المراتب الأربع من ضرورات الإيمان: فالمرتبة الأولى: هي الإيمانُ بالله - سبحانه - بأنَّهُ الصَّانع القادِرُ العالِمُ بجميع المعلومات، الغنيُّ عن كُلِّ الحاجات. والمرتبة الثانية: الإِيمانُ بالملائكة؛ لأَنَّه - سبحانه - إنَّما يُوحِي إلى الأَنبياء - عليهم الصَّلاة والسَّلام - بواسطة الملائكة، قال: {أية : يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ}تفسير : [النحل:2]، وقال: {أية : فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ}تفسير : [الشورى:51] وقال: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ}تفسير : [الشعراء:193-194]، وقال: {أية : عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ}تفسير : [النجم:5]، وإذا ثبت أنَّ وحي اللهِ إنَّما يصلُ إلى البشر بواسطة الملائكة، فالملائكة واسطةٌ بين اللهِ وبيْن البشرِ؛ فلهذا السَّبب ذكر الملائكة في المرتبة الثانية، ولهذا قال: {أية : شَهِدَ ٱللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلآئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ}تفسير : [آل عمران:18]. والمرتبة الثالثة: الكُتُب؛ وهو الوَحْي الذي يتلقَّاهُ الملك من اللهِ - تعالى -، ويُوصِلُه إلى البشر، فلمَّا كان الوَحْيُ هو الَّذِي يتلقَّاهُ المَلَكُ من اللهِ؛ فلهذا السَّبَب جُعِلَ في المرتبة الثالثة. المرتبة الرابعة: الرسُلُ؛ وهم الَّذِين يأخذُون الوَحْيَ من الملائكة، فيكونون متأخِّرين عن الكتب؛ فلهذا جعلُوا في المرتبة الرابعة. قوله: "لاَ نُفَرِّقُ" هذه الجملة منصوبةٌ بقولٍ محذوف، تقديره: "يقولون: لا نُفَرِّقُ"، ويجوز أن يكون التقدير: "يَقُولُ" يعني يجوز أن يراعى لفظ "كُلّ" تارةً، ومعناها أخرى في ذلك القول المقدَّر، فمن قدَّر "يَقُولُونَ"، راعى معناها ومن قدَّر "يَقُولُ"، راعى لفظها، وهذا القول المضمر في محلِّ نصبٍ على الحال، ويجوز أن يكون في محلِّ رفعٍ؛ لأنه خبر بعد خبر، قاله الحوفيُّ. والعامَّة على "لاَ نُفَرِّقُ" بنون الجمع. وقرأ ابن جبير وابن يعمر وأبو زرعة ويعقوب - ورويت عن أبي عمرو أيضاً - "لا يُفَرِّقُ" بياء الغيبة؛ حملاً على لفظ "كُلّ"، وروى هارون أنَّ في مصحف عبد الله "لا يُفَرِّقُونَ" بالجمع؛ حملاً على معنى "كُلّ"؛ وعلى هاتين القراءتين، فلا حاجة إلى إضمار قولٍ، بل الجملة المنفية بنفسها: إمَّا في محلِّ نصب على الحال، وإمَّا في محلّ رفعٍ خبراً ثانياً؛ كما تقدَّم في ذلك القول المضمر. قوله: "بَيْنَ أَحَدٍ" متعلِّقٌ بالتفريق، وأضيف "بَيْنَ" إلى أحد، وهو مفرد، وإن كان يقتضي إضافته إلى متعدد؛ نحو: "بَيْنَ الزَّيْدَيْنِ" أو "بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو"، ولا يجوز "بَيْنَ زَيْدٍ"، ويسكت - إمَّا لأنَّ "أَحَداً" في معنى العموم، وهو "أَحَد" الذي لا يستعمل إلا في الجحد، ويراد به العموم؛ فكأَنَّه قيل: لا نفرِّق بين الجميع من الرسل، قال الزمخشريُّ: كقوله: {أية : فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}تفسير : [الحاقة:47]، ولذلك دخل عليه "بَيْنَ" وقال الواحدي: و "بَيْنَ" تقتضي شيئين فصاعداً، وإنما جاز ذلك مع "أَحَدٍ"، وهو واحدٌ في اللفظ؛ لأنَّّ "أَحَداً" يجوز أن يؤدَّى عن الجميعِ؛ قال الله تعالى: {أية : فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}تفسير : [الحاقة:47] وفي الحديث: "حديث : مَا أُحِلَّت الغَنَائِمُ لأَحَدٍ سُودِ الرُّءُوسِ غَيْركُمْ" تفسير : ، يعني: فوصفه بالجمع؛ لأنَّ المراد به جمعٌ، قال: وإنَّما جاز ذلك؛ لأنَّ "أَحَداً" ليس كرجلٍ يجوز أن يثنَّى ويجمع، وقولك: "مَا يَفْعَلُ هَذَا أَحَدٌ"، تريد ما يفعله الناس كلُّهم، فلما كان "أَحَد" يؤدَّى عن الجميع، جاز أن يستعمل معه لفظ "بَيْنَ"، وإن كان لا يجوز أن تقول: "لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْهُمْ". قال شهاب الدين: وقد ردَّ بعضهم هذا التأويل؛ فقال: وقِيلَ إنَّ "أَحَداً" بمعنى "جميع"، والتقدير: "بَيْنَ جَمِيعِ رُسُلِهِ" ويبعد عندي هذا التقدير، لأنه لا ينافي كونهم مفرِّقين بين بعض الرسل، والمقصود بالنفي هو هذا؛ لأن اليهود والنصارى ما كانوا يفرّقون بين كلِّ الرسل، بل البعض، وهو محمَّد - صلى الله عليه وسلم -؛ فثبت أنَّ التأويل الذي ذكروه باطلٌ، بل معنى الآية: لا نُفَرِّقُ بين أحدٍ من رسله، وبين غيره في النبوَّة. فصل قال شهاب الدين: وهذا وإن كان في نفسه صحيحاً، إلا أنَّ القائلين بكون "أَحَد" بمعنى "جميع"، وإنما يريدون في العموم المصحِّح لإضافة "بَيْنَ" إليه؛ ولذلك ينظِّرونه بقوله تعالى: {أية : فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ}تفسير : [الحاقة:47]، وبقوله: [الرجز] شعر : 1304- إِذَا أُمُورُ النَّاسِ دِيكَتْ دَوْكَا لاَ يَرْهَبُونَ أَحَداً رَأَوْكَا تفسير : فقال: "رَأَوْكَ"؛ اعتباراً بمعنى الجميع المفهوم من "أَحَد". وإمَّا لأن ثمَّ معطوفاً محذوفاً؛ لدلالة المعنى عليه، والتقدير: "لاَ نُفَرِّقُ بين أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، وبَيْنَ أَحَدٍ" وعلى هذا: فأحد هنا ليس الملازم للجحد، ولا همزته أصليةٌ، بل هو "أَحَد" الذي بمعنى واحد، وهمزته بدلٌ من الواو، وحذف المعطوف كثيرٌ جدّاً، نحو: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ}تفسير : [النحل:81] أي: والبرد، وقوله: [الطويل] شعر : 1305- فَمَا كَانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جَاءَ سَالِماً أَبُو حُجُرٍ إِلاَّ لَيَالٍ قَلاَئِلُ تفسير : أي: بين الخير وبيني. و "مِنْ رُسُلِهِ" في محلِّ جرٍّ؛ لأنه صفةٌ لـ "أَحَد"، و "قَالُوا" عطفٌ على "آمَنَ"، وقد تقدَّم أنه حمل على معنى "كُلّ". فصل قال الواحديُّ - رحمه الله -: قوله: "سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا" أي: سمعنا قوله، وأطعنا أمره، إلاَّ أنه حذف المفعول. قال ابن الخطيب: وحذف المفعول في هذا الباب ظاهراً وتقديراً، أولى؛ لأنَّك إذا جعلت التَّقدير: سمعنا قوله وأطعنا أمره، أفاد أن ههنا قول آخر غير قوله، وأمر آخر يطاع سوى أمره، فأمَّا إذا لم يقدَّر فيه ذلك المفعول، أفاد أنَّه ليس في الوجود قول يجب سمعه إلاَّ قوله، وليس في الوجود أمر يقال في مقابلته أطعنا إلاَّ أمره، فكان حذف المفعول صورةً ومعنًى في هذا الموضع أولى. فصل لما وصفهم بقوله: "سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا"، علمنا أنه ليس المراد منه السَّماع الظَّاهر؛ لأن ذلك لا يفيد المدح، بل المراد: عقلناه وعلمنا صحَّته، وتيقَّنا أنَّ كل تكليف ورد على لسان الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - إلينا، فهو حقٌّ صحيحٌ واجبٌ قبوله وسمعه، والسَّمع بمعنى القبول والفهم واردٌ في القرآن؛ قال تعالى: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}تفسير : [ق:37]، والمعنى: لمن سمع الذِّكرى بفهم حاضرٍ، وعكسه قوله تعالى: {أية : كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً}تفسير : [لقمان:7]، وقولهم بعد ذلك: "وَأَطَعْنَا" فدلَّ على أنَّهم ما أَخلُّوا بشيءٍ من التَّكاليف، فجمع تعالى بهذين اللَّفظين كلَّ ما يتعلَّق بأحوال التَّكاليف علماً وعملاً. قوله: "غُفْرَانَكَ" منصوبٌ: إمَّا على المصدرية، قال الزمخشريُّ: "منصوبٌ بإضمار فعله، يقال: "غُفْرَانَكَ، لاَ كُفْرَانَكَ" أي: نستغفرك ولا نكفرك، فقدَّره جملةً خبريةً، وهذا ليس مذهب سيبويه - رحمه الله -، إنما مذهبه تقدير ذلك بجملةٍ طلبية؛ كأنه قيل: "اغْفِرْ غُفْرَانَكَ" ويستغنى بالمصدر عن الفعل نحو: "سقياً ورعياً" ونقل ابن عطيَّة هذا قولاً عن الزَّجَّاج، والظاهر أنَّ هذا من المصادر اللازم إضمار عاملها؛ لنيابتها عنه، وقد اضطرب فيها كلام ابن عصفور، فعدَّها تارةً مع ما يلزم فيه إضمار الناصب؛ نحو: "سُبْحَانَ اللهِ، [ورَيْحَانَهُ"]، و "غُفْرَانَكَ لاَ كُفْرَانَكَ"، وتارةً مع ما يجوز إظهار عامله، والطلب في هذا الباب أكثر، وقد تقدَّم في أول الفاتحة نحو من هذا. وقال الفرَّاء: هو مصدرٌ وقع موقع الأمر، فنصب وهو أولى من قول من يقول: "نَسْأَلك غُفْرَانَكَ" لأن هذه الصِّيغة لما كانت موضوعة لهذا المعنى، فقد كانت أدلَّ عليه؛ ونظيره: حمداً وشكراً، أي: أحْمَدُ حَمْداً وأشْكُر شُكْراً. فإن قيل: إن القوم لما قبلوا التَّكاليف، وعملوا بها، فأيُّ حاجةٍ لهم إلى طلب المغفرة؟ فالجواب من وجهين: الأول: أنَّهم وإن بذلوا جهدهم في أداء التَّكاليف، فهم خائفون من صدور تقصيرٍ، فلمَّا جوَّزوا ذلك، طلبوا المغفرة للخوف من التَّقصير. الثاني: قال - صلى الله عليه وسلم - "حديث : [إِنَّهُ لَيُغَانُ] عَلَى قَلْبِي، حَتّى أَنِّي أَسْتَغْفِرُ اللهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّة"تفسير : ، وذكروا لهذا الحديث تأويلات؛ من جملتها: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان يترَقَّى في جملة العبوديَّة، فكان كلما ترقَّى عن مقام إلى مقام أعلى من الأوَّل، رأى الأوَّل حقيراً، فيستغفر الله منه؛ فكذلك طَلَبُ الغفران في هذه الآية. والمصير: اسم مصدر من صار يصير: أي: رجع، وقد تقدَّم في قوله: {أية : ٱلْمَحِيضِ}تفسير : [البقرة:222] أنَّ في المفعل من الفعل المتعلِّ [العين] بالياء ثلاثة مذاهب، وهي: جريانه مجرى الصحيح، فيبنى اسم المصدر منه على مفعل بالفتح، والزمانُ والمكان بالكسر، نحو: ضَرَبَ يَضْرِب مَضْرِباً، أو يُكْسَرُ مطلقاً، أو يُقْتَصَرُ فيه على السَّماع، فلا يتعدَّى، وهو أعدلها، ويطلق المصير على المِعَى، ويجمع على مصران، كرغيفَ ورغفان، ويجمع مصران على مصارين. فصل في قوله - تبارك وتعالى -: {وَإِلَيْكَ المَصِيرُ} فائدتان: إحداهما: أنَّهم كما أقرُّوا بالمبدإ؛ فكذلك أقرُّوا بالمعاد؛ لأن الإيمان بالمبدإ أصل الإيمان بالمعاد. والثانية: أن العبد متى علم أنَّه لا بدَّ من المصير إليه، والذهاب إلى حيث لا حكم إلاَّ حكم الله - تعالى -، ولا يستطيع أحدٌ [أن] يشفع إلاَّ بإذن الله، كان إخلاصه في الطَّاعات أتمَّ، واحترازه عن السَّيِّئات أكمل.
السيوطي
تفسير : أخرج سعيد بن منصور وعبد حميد عن مجاهد قال "حديث : لما نزلت {وإن تبدوا ما في أنفسكم...} [البقرة: 284] الآية. شق ذلك عليهم قالوا: يا رسول الله إنا لنحدث أنفسنا بشيء ما يسرنا أن يطلع عليه أحد من الخلائق، وإن لنا كذا وكذا. قال: أو قد لقيتم هذا؟ ذلك صريح الإِيمان، فأنزل الله {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه...} الآيتين ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من طريق يحيى بن أبي كثير عن أنس قال:"حديث : لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} قال النبي صلى الله عليه وسلم "وحق له أن يؤمن". قال: الذهبي منقطع بين يحيى وأنس ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: حديث : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا نزلت هذه الآية قال "وحق له أن يؤمن". قلت هذا شاهد لحديث أنس ". تفسير : وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن علي بن أبي طالب. أنه قرأ (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه وآمن المؤمنون). وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس. أنه كان يقرأ (كل آمن بالله وملائكته وكتابه). وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت هذه الآية قال المؤمنون: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان لا نفرق بين أحد من رسله، لا نكفر بما جاءت به الرسل، ولا نفرق بين أحد منهم، ولا نكذب به {وقالوا سمعنا} للقرآن الذي جاء من الله {وأطعنا} اقروا الله أن يطيعوه في أمره ونهيه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن يحيى بن عمير. أنه كان يقرأ (لا يفرق بين أحد من رسله) يقول: كل آمن، وكل لا يفرق. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {غفرانك ربنا} قال: قد غفرت لكم {وإليك المصير} قال: إليك المرجع والمآب يوم يقوم الحساب. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن حكيم بن جابر قال: لما نزلت {آمن الرسول} قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه. فسأل {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} حتى ختم السورة بمسألة محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} قال: هم المؤمنون، وسع الله عليهم أمر دينهم فقال {أية : وما جعل عليكم في الدين من حرج}تفسير : [الحج: 78] وقال {أية : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}تفسير : [البقرة:185] وقال {أية : فاتقوا الله ما استطعتم}تفسير : [التغابن: 19]. وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن عمران بن حصين قال: كانت لي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال "حديث : صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} قال: من العمل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق الزهري عن ابن عباس قال: لما نزلت ضج المؤمنون منها ضجة، وقالوا: يا رسول الله: هذا نتوب من عمل اليد والرجل واللسان كيف نتوب من الوسوسة؟ كيف نمتنع منها؟ فجاء جبريل بهذه الآية {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} إنكم لا تستطيعون أن تمتنعوا من الوسوسة. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {إلا وسعها} قال: إلا طاقتها. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك {إلا وسعها} قال: إلا ما تطيق. وأخرج سفيان والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تكلم به ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي بكر الهذلي عن شهر عن أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ، والنسيان، والاستكراه. قال أبو بكر: فذكرت ذلك للحسن فقال: أجل، اما تقرأ بذلك قرآنا {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} ". تفسير : وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن حبان والطبراني والدارقطني والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه ". تفسير : وأخرج ابن ماجة عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : وضع الله عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه ". تفسير : وأخرج ابن عدي في الكامل وأبو نعيم في التاريخ عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رفع الله عن هذه الأمة الخطأ، والنسيان، والأمر يكرهون عليه ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : تجوّز لهذه الأمة الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ، والنسيان، والإِكراه ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تجاوز الله لابن آدم عما أخطأ، وعما نسي، وعما أكره وعما غلب عليه ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن السدي قال: إن هذه الآية حين نزلت {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال له جبريل: إن الله قد فعل ذلك يا محمد. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إصراً} قال: عهداً. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {ولا تحمل علينا إصراً} قال: عهداً. وأخرج الطستي عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} قال: عهداً كما حملته على اليهود، فمسختهم قردة وخنازير. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت أبا طالب وهو يقول: شعر : أفي كل عام واحد وصحيفة يشد بها أمر وثيق وأيصره تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن جريج {ولا تحمل علينا إصراً} قال: عهداً لا نطيقه ولا نستطيع القيام به {كما حملته على الذين من قبلنا} اليهود والنصارى فلم يقوموا به فأهلكتهم {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال: مسخ القردة والخنازير. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} قال: كم من تشديد كان على من كان قبلنا {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال: كم من تخفيف ويسر وعافية في هذه الأمة. وأخرج ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح {ولا تحمل علينا إصراً} قال: لا تمسخنا قردة وخنازير. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله {ولا تحمل علينا إصراً} يقول: التشديد الذي شدد به على من كان من أهل الكتاب. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عبد الرحمن بن حسنة حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم البول يتبعه بالمقراضين. وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت حديث : دخلت على امرأة من اليهود فقالت: إن عذاب القبر من البول. قلت: كذبت. قالت: بلى. قالت: إنه ليقرض منه الجلد والثوب، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: لا تحمل علينا ذنباً ليس فيه توبة ولا كفارة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الفضيل في قوله {ولا تحمل علينا إصراً} قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا أذنب قيل له: توبتك أن تقتل نفسك فيقتل نفسه، فوضعت الاصار عن هذه الأمة. وأخرج ابن جرير عن الضحاك {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال: لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق. وأخرج ابن جرير عن السدي {ما لا طاقة لنا به} من التغليظ والأغلال التي كانت عليهم من التحريم. وأخرج ابن جرير عن سلام بن سابور {ما لا طاقة لنا به} قال: الغلمة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول {ما لا طاقة لنا به} قال: الغربة والغلمة والانعاظ. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد {واعف عنا} إن قصرنا عن شيء مما أمرتنا به {واغفر لنا} إن انتهكنا شيئاً مما نهيتنا عنه {وارحمنا} يقول: لا ننال العمل بما أمرتنا به، ولا ترك ما نهيتنا عنه إلا برحمتك. قال: ولم ينج أحد إلا برحمته. وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإِيمان عن الضحاك قال: جاء بها جبريل ومعه من الملائكة ما شاء الله {آمن الرسول} إلى قوله {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا} قال: ذلك لك، وهكذا عقب كل كلمة. وأخرج سفيان بن عيينة وعبد بن حميد عن الضحاك قال "أقرأ جبريل النبي آخر سورة البقرة، فلما حفظها قال: اقرأها. فقرأها، فجعل كلما مر بحرف قال: ذلك لك حتى فرغ منها". وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال:حديث : لما نزلت هذه الآيات {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} فكلما قالها جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: آمين رب العالمين ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن أبي ذر قال: هي للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في هذه الآية قال: كان عليه الصلاة والسلام فسألها نبي الله ربه، فاعطاه اياها، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وأخرج أبو عبيد عن أبي ميسرة "أن جبريل لقن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خاتمة البقرة: آمين". وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر عن معاذ بن جبل. أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة {وانصرنا على القوم الكافرين} قال: آمين. وأخرج أبو عبيد عن جبير بن نغير. أنه كان إذا قرأ خاتمة البقرة يقول: آمين، آمين. وأخرج ابن السني والبيهقي في الشعب عن حذيفة قال حديث : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ سورة البقرة، فلما ختمها قال: اللهم ربنا ولك الحمد عشراً أو سبع مرات ". تفسير : وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وأحمد والدارمي والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن الضريس والبيهقي في سننه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه . تفسير : وأخرج أبو عبيد والدارمي والترمذي والنسائي وابن الضريس ومحمد بن نصر وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن النعمان بن بشير حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو عبيد ومحمد بن نصر عن عقبة بن عامر حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اقرأوا هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة، فإن ربي أعطانيهما من تحت العرش ". تفسير : وأخرج الطبراني عن عقبة بن عامر قال: ترددوا في الآيتين من آخر سورة البقرة {آمن الرسول} إلى خاتمتها، فإن الله اصطفى بها محمداً. وأخرج أحمد والنسائي والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن حذيفة حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: أعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطها نبي قبلي ". تفسير : أخرج إسحاق بن راهويه وأحمد والبيهقي في الشعب عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطهن نبي قبلي ". تفسير : وأخرج مسلم عن ابن مسعود قال "لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى، فأعطي ثلاثاً: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئاً من أمته المقحمات". وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي ذر حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش، فتعلموهما وعلموهما نساءكم وأبناءكم، فإنهما صلاة وقرآن ودعاء . تفسير : وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وجعفر الفريابي في الذكر عن محمد بن المنكدر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أواخر سورة البقرة "حديث : إنهن قرآن، وإنهن دعاء، وإنهن يدخلن الجنة، وإنهن يرضين الرحمن ". تفسير : وأخرج الديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : آيتان هما قرآن، وهما يشفيان، وهما مما يحبهما الله، الآيتان من آخر البقرة ". تفسير : وأخرج الطبراني بسند جيد عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، لا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان ". تفسير : وأخرج مسدد عن عمر قال: ما كنت أرى أحداً يعقل ينام حتى يقرأ الآيات الأواخر من سورة البقرة، فإنهن من كنز تحت العرش. وأخرج الدارمي ومحمد بن نصر وابن الضريس وابن مردويه عن علي قال: ما كنت أرى أن أحداً يعقل ينام حتى يقرأ هؤلاء الآيات الثلاث من آخر سورة البقرة، وإنهن لمن كنز تحت العرش. وأخرج الفريابي وأبو عبيد والطبراني ومحمد بن نصر عن ابن مسعود قال: أنزلت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: من قرأ في ليلة آخر سورة البقرة فقد أكثر وأطاب. وأخرج الخطيب في تلخيص المتشابه عن ابن مسعود قال: من قرأ الثلاث الأواخر من سورة البقرة فقد أكثر وأطاب. وأخرج ابن عدي عن ابن مسعود الأنصاري حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي عام، من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل ". تفسير : وأخرج ابن الضريس عن ابن مسعود البدري قال: من قرأ خاتمة سورة البقرة في ليلة أجزأت عنه قيام ليلة، وقال: أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش. وأخرج أبو يعلى عن ابن عباس قال "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر، في الركعة الأولى {آمن الرسول} حتى ختمها، وفي الثانية من آل عمران {أية : قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء..} تفسير : [آل عمران: 64] الآية". وأخرج أبو عبيد عن كعب أن محمداً صلى الله عليه وسلم أعطي أربع آيات لم يعطهن موسى، وإن موسى أعطي آية لم يعطها محمد صلى الله عليه وسلم. قال: والآيات التي أعطيهن محمد {لله ما في السماوات وما في الأرض} حتى ختم البقرة، فتلك ثلاث آيات، وآية الكرسي حتى تنقضي، والآية التي أعطيها موسى اللهم لا تولج الشيطان في قلوبنا وخلصنا منه، من أجل أن لك الملكوت والأيد والسلطان والملك والحمد والأرض والسماء والدهر الداهر أبداً أبداً، آمين آمين. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن، أنه كان إذا قرأ آخر البقرة قال: يا لك نعمة، يا لك نعمة. وأخرج ابن جرير في تهذيب الآثار عن أيوب. إن أبا قلابة كتب إليه بدعاء الكرب وأمره أن يعلمه ابنه. لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع ورب الأرض ورب العرش الكريم، سبحانك يا رحمن ما شئت أن يكون كان وما لم تشـأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بالله، أعوذ بالذي يمسك السموات السبع ومن فيهن أن يقعن على الأرض من شر ما خلق ومن شر ما برأ، وأعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر السامة، والهامة، ومن الشر كله في الدنيا والآخرة، ثم يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة.
ابو السعود
تفسير : {آمَنَ لرَّسُولُ} لمّا ذُكر في فاتحة السورة الكريمة أن ما أُنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من الكتاب العظيم الشأنِ هدىً للمتّصفين بما فُصِّل هناك من الصفات الفاضلةِ التي من جملتها الإيمانُ به وبما أنزل قبله من الكتب الإلهيةِ، وأنهم حائزون لأثَرَتي الهدى والفلاح من غير تعيـينٍ لهم بخصوصهم، ولا تصريحٍ بتحقق اتصافِهم بها إذ ليس فيما يُذكر في حيز الصلةِ حُكمٌ بالفعل وعُقّب ذلك ببـيان حال من كَفر به من المجاهرين والمنافقين ثم شَرَح في تضاعيفها من فنون الشرائع والأحكام والمواعظِ والحِكَم وأخبارِ الأمم السالفة وغيرِ ذلك ممَّا تقتضي الحكمةُ شرحَه عُيِّن في خاتمتها المتّصفون بها وحُكم باتصافهم بها على طريق الشهادة لهم من جهته عز وجل بكمال الإيمان وحسنِ الطاعةِ، وذكرُه صلى الله عليه وسلم بطريق الغيبة مع ذكره هناك بطريق الخطاب لما أن حقَّ الشهادة الباقية على مر الدهور ألا يخاطَبَ بها المشهودُ له، ولم يتعرض هٰهنا لبـيان فوزهم بمطالبهم التي من جملتها ما حُكيَ عنهم من الدعوات الآتية إيذاناً بأنه أمرٌ محقق غنيٌّ عن التصريح به لا سيما بعدما نُص عليه فيما سلف، وإيرادُه عليه السلام بعنوان الرسالة المنبئة عن كونه عليه السلام صاحبَ كتابٍ مجيد وشرع جديد ــ تمهيدٌ لما يعقُبه من قوله تعالى: {بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ} ومزيدُ توضيحٍ لاندراجه في الرسل المؤمَنِ بهم عليهم السلام، والمرادُ بما أنزل إليه {مّن رَّبّهِ} إيماناً تفصيلياً متعلّقاً بجميع ما فيه من الشرائع والأحكامِ والقصصِ والمواعظ وأحوالِ الرسل والكتُب، وغير ذلك من حيث إنه منزلٌ منه تعالى، وأما الإيمانُ بحقية أحكامِه وصدقِ أخباره ونحوُ ذلك فمن فروع الإيمان به من الحيثية المذكورة، وفي هذا الإجمال إجلالٌ لمحلِّه عليه الصلاة والسلام وإشعارٌ بأن تعلّقَ إيمانِه بتفاصيلِ ما أنزل إليه وإحاطته بجميع ما انطوى عليه من الظهور بحيث لا حاجة إلى ذكره أصلاً وكذا في التعرض لعنوان الربوبـية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام تشريفٌ له وتنبـيهٌ على أن إنزاله إليه تربـية وتكميلٌ له عليه السلام. {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} أي الفريقُ المعروفون بهذا الاسم فاللاَّم عهدية لا موصولة لإفضائها إلى خلو الكلام عن الجدوى وهو مبتدأ، وقوله عز وجل: {كُلٌّ} مبتدأ ثانٍ، وقوله تعالى: {آمن} خبرُه والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الأول، والرابطُ بـينهما الضمير الذي ناب منابَه التنوين، وتوحيدُ الضمير في آمن مع رجوعه إلى كل المؤمنين لما أن المرادَ بـيانُ إيمانِ كل فردِ منهم من غير اعتبار الاجتماعِ كما اعتُبر ذلك في قوله تعالى: {أية : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دٰخِرِينَ} تفسير : [النمل، الآية 87] وتغيـيرُ سبْكِ النظم الكريمِ عما قبلَه لتأكيد الإشعارِ بما بـين إيمانهِ على السلام المبنيِّ على المشاهدة والعِيان وبـين إيمانِهم الناشىءِ عن الحجة والبرهانِ من التفاوت البـيِّن والاختلاف الجليِّ كأنهما متخالفان من كل وجهٍ حتى في هيئة التركيب الدالِّ عليهما، وما فيه من تكرير الإسناد لما في الحُكم بإيمان كلِّ واحدٍ منهم على الوجه الآتي من نوعِ خفاءٍ مُحوِجٍ إلى التقوية والتأكيد، أي كلُّ واحد منهم آمن {بِٱللَّهِ} وحده من غير شريكٍ له في الألوهية والمعبودية {وَمَلَـئِكَتُهُ} أي من حيث إنهم عبادٌ مُكْرمون له تعالى من شأنهم التوسطُ بـينه تعالى وبـين الرسل بإنزال الكتب وإلقاءِ الوحي، فإن مدارَ الإيمان بهم ليس من خصوصيات ذواتِهم في أنفسهم بل هو من إضافتهم إليه تعالى من الحيثية المذكورة كما يلُوح به الترتيبُ في النظم. {وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} أي من حيث مجيئُهما من عنده تعالى لإرشاد الخلقِ إلى ما شرَع لهم من الدين بالأوامر والنواهي لكن لا على الإطلاق بل على أن كلَّ واحدٍ من تلك الكُتُب منْزلٌ منه تعالى إلى رسول معيّنٍ من أولئك الرسلِ عليهم الصلاة والسلام حسبما فُصل في قوله تعالى: {أية : قُولُواْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ...} تفسير : [البقرة، الآية 136] ولا على أن مناطَ الإيمان خصوصيةُ ذلك الكتاب أو ذلك الرسولِ بل على أن الإيمانَ بالكل مندرِجٌ في الإيمان بالكتاب المُنْزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومستنِدٌ إليه لِما تُليَ من الآية الكريمة ولا على أن أحكامَ الكتبِ السالفة وشرائعَها باقيةٌ بالكلية ولا على أن الباقيَ منها معتبرٌ بالإضافة إليها بل على أن أحكامَ كلِّ واحد منها كانت حقةً ثابتة إلى ورود كتابٍ آخرَ ناسخٍ له وأن ما لم يُنسَخْ منها إلى الآن من الشرائع والأحكام ثابتةٌ من حيث إنها من أحكام هذا الكتاب المَصونِ عن النسخ إلى يوم القيامة، وإنما لم يُذكر هٰهنا الإيمانُ باليوم الآخر كما ذكر في قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأخِرِ وَٱلْمَلَـئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيّينَ } تفسير : [البقرة، الآية 177] لاندراجه في الإيمان بكتُبه وقرىء وكتابِه على أن المرادَ به القرآنُ أو جنسُ الكتاب كما في قوله تعالى: {أية : فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ }تفسير : [البقرة، الآية 4]. والفرقُ بـينه وبـين الجمع أنه شائعٌ في أفراد الجنس والجمعِ في جموعه، ولذلك قيل: الكتابُ أكثرَ من الكتب، وهذا نوعُ تفصيلٍ لما أُجمل في قوله تعالى: {بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ} اقتُصر عليه إيذاناً بكفايته في الإيمان الإجمالي المتحقِّق في كل فردٍ من أفراد المؤمنين من غير نفيٍ لزيادةٍ، ضرورةَ اختلاف طبقاتهم وتفاوتِ إيمانهم بالأمور المذكورة في مراتب التفصيل تفاوتاً فاحشاً فإن الإجمالَ في الحكاية لا يوجب الإجمالَ في المحكيِّ، كيف لا وقد أُجمل في حكاية إيمانه عليه السلام بما أُنزل إليه من ربه مع بداهة كونهِ متعلِّقاً بتفاصيلِ ما فيه من الجلائل والدقائق، ثم إن الأمورَ المذكورةَ حيث كانت من الأمور الغيبـية التي لا يُوقف عليها إلا من جهة العليم الخبـير كان الإيمانُ بها مِصداقاً لما ذُكر في صدر السورة الكريمة من الإيمان بالغيب وأما الإيمان بكتُبه تعالى، فإشارة إلى ما في قوله تعالى: {أية : يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } تفسير : [البقرة، الآية 4] هذا هو اللائقُ بشأن التنزيل والحقيقُ بمقداره الجليل، وقد جُوّز أن يكون قوله تعالى: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} [البقرة، الآية 285] معطوفاً على {ٱلرَّسُولُ} [البقرة، الآية 285] فيوقف عليه، والضميرُ الذي عُوّض عنه التنوينُ راجعٌ إلى المعطوفَيْن معاً كأنه قيل: آمن الرسولُ والمؤمنون بما أُنزل إليه من ربه، ثم فُصِّل وقيل: كلُّ واحدٍ من الرسل والمؤمنين آمن بالله الخ، خلا أنه قُدّم المؤمَنُ به على المعطوف اعتناءً بشأنه وإيذاناً بأصالته عليه السلام في الإيمان به، ولا يخفى أنه ــ مع خلوّه عما في الوجه الأول من كمالِ وإجلالِ شأنهِ عليه السلام وتفخيمِ إيمانه ــ مخلٌّ بجزالة النظمِ الكريم لأنه إنْ حُمل كلٌّ من الإيمانين على ما يليق بشأنه عليه الصلاة والسلام من حيث الذاتُ ومن حيث التعلقُ بالتفاصيل استحالَ إسنادُهما إلى غيره عليه الصلاة والسلام وضاع التكريرُ، وإن حُملا على ما يليق بشأن آحادِ الأمةِ كان ذلك حطاً لرتبته العليةِ عليه السلام، وأما حملُهما على ما يليق بكل واحدٍ ممن نُسبا إليه من الآحاد ذاتاً وتعلقاً - بأن يُحمَلا بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم على الإيمان العياني المتعلقِ بجميع التفصيل وبالنسبة إلى آحاد الأمةِ على الإيمان المكتسَب من جهته عليه السلام اللائقِ بحالهم في الإجمال والتفصيل - فاعتسافٌ بـيّن ينبغي تنزيهُ ساحةِ التنزيل عن أمثاله، وقوله تعالى: {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ} في حيز النصب بقولٍ مقدرٍ على صيغة الجمع رعايةً لجانب المعنى، منصوبٌ على أنه حال من ضمير آمن، أو مرفوعٌ على أنه خبرٌ آخرُ (لكلٌّ) أي يقولون لا نفرّق بـينهم بأن نؤمنَ ببعض منهم ونكفُرَ بآخَرين بل نؤمنُ بصحة رسالةِ كلِّ واحدٍ منهم. قيّدوا به إيمانَهم تحقيقاً للحق وتخطِئةً لأهل الكتابـين حيث أجمعوا على الكفر بالرسول صلى الله عليه وسلم واستقلت اليهودُ بالكفر بعيسى عليه السلام أيضاً على أن مقصودَهم الأصليَّ إبرازُ إيمانهم بما كفروا به من رسالته عليه السلام لا إظهارُ موافقتهم لهم فيما آمنوا به، وهذا كما ترى صريحٌ في أن القائلين آحادُ المؤمنين خاصة إذ لا يمكن أن يسند إليه عليه السلام أن يقول: لا أفرق بـين أحدٍ من رسله وهو يريد به إظهارَ إيمانه برسالة نفسِه وتصديقَه في دعواها، وعدمُ التعرُّضِ لنفي التفريق بـين الكتُب لاستلزام المذكور إياه وإنما لم يُعكَسْ مع تحقق التلازم من الطرفين لما أن الأصلَ في تفريق المفرِّقين هو الرسلُ، وكفرُهم بالكتب متفرِّع على كفرهم بهم، وقرىء بالياء على إسناد الفعل إلى كل، وقرىء لا يفرِّقون حملاً على المعنى كما في قوله تعالى: {أية : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دٰخِرِينَ} تفسير : [النحل، الآية 87] فالجملة نفسُها حال من الضمير المذكور، وقيل: خبرٌ ثان لكلٌّ كما قيل في القول المقدر فلا بد من اعتبار الكلية بعد النفي دون العكس إذ المرادُ شمولُ النفي لا نفيُ الشمول، والكلام في همزة (أحدٍ) وفي دخول (بـين) عليه قد مر تفصيله عند قوله تعالى: {أية : لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} تفسير : [البقرة، الآية 136] وفيه من الدلالة صريحاً على تحقق عدم التفريقِ بـين كل فردٍ فرد منهم وبـين مَن عداه كائناً مَنْ كان ما ليس في أن يقال: لا نفرِّق بـين رسله، وإيثارُ إظهارِ الرسلِ على الإضمار الواقعِ مثلُه في قوله تعالى: {أية : وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} تفسير : [البقرة، الآية: 136] إما للاحتراز عن توهم اندراج الملائكةِ في الحُكم، أو للإشعار بعلة عدمِ التفريقِ، أو للإيماء إلى عنوانه، لأن المعتبرَ عدمُ التفريق من حيث الرسالةُ دون سائرِ الحيثيات الخاصة {وَقَالُواْ} عطفٌ على آمن، وصيغةُ الجمعِ باعتبار جانب المعنى وهو حكايةٌ لامتثالهم بالأوامر إثرَ حكايةِ إيمانِهم {سَمِعْنَا} أي فهمنا ما جاءنا من الحق وتيقنا بصحته {وَأَطَعْنَا} ما فيه من الأوامر والنواهي وقيل سمِعنا: أجبنا دعوتك وأطعنا أمرَك {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} أي اغفِرْ لنا غفرانك أو نسألك غُفرانك ذنوبنا المتقدمة أو ما لا يخلو عنه البشرُ من التقصير في مراعاة حقوقِك، وتقديمُ ذكرِ السمعِ والطاعةِ على طلب الغفران لما أن تقديمَ الوسيلةِ على المسؤول أدعى إلى الإجابة والقبول، والتعرضُ لعنوان الربوبـية مع الإضافة إليهم للمبالغة في التضرُّع والجُؤار. {وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} أي الرجوعُ بالموت والبعث لا إلى غيرك، وهو تذيـيلٌ لما قبله مقرِّرٌ للحاجة إلى المغفرة لما أن الرجوعَ للحساب والجزاء.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ} [الآية: 285]. قال ابن عطاء: إن النبى صلى الله عليه وسلم: معدنُ سرِّ الحقِّ، فإذا أظهره للعام أوقعه على شرائطه قوله {آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ} وإذا أخفاه أخبر عنه بقوله { أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ } تفسير : [النجم: 10] وهو مستغرقُ أوقاته فى انتظار ما يظهر عليه من الزيادات على روحه وسرِّه وفؤاده وقلبه وشخصه، ألا تراهُ كيف يغنيه عن صفاته بقوله: { أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ } تفسير : [الزمر: 30] عن صفاتك بحياتك بنا بإظهار صفاتنا عليك { أية : وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ } تفسير : [الزمر: 30] عاجزون عن بلوغ درك صفاتك، فإيمان رسول الله صلى الله عليه وسلم إيمان مكاشفة ومشاهدة وإيمان المؤمنين إيمانٌ بالوسائط والعلائق. وقيل فى قوله: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ} حكمًا وتسمية ولا المؤمن موجودٌ ولا الإيمان ظاهرٌ.
القشيري
تفسير : هذه شهادة الحق - سبحانه - لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم وعلى آله - بالإيمان، وذلك أتمُّ له من إخباره عن نفسه بشهادته. ويقال آمن الخَلْق كلُّهم من حيث البرهان وآمن الرسول - عليه السلام - من حيث العيان. ويقال آمن الخَلْق بالوسائط وآمن محمد - صلى الله عليه وسلم - بغير واسطة. ويقال هذا خطاب الحق معه ليلة المعراج على جهة تعظيم القَدْر فقال: {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ}، ولم يقل آمَنتَ، كما تقول لعظيم الشأن من الناس: قال الشيخ، وأنت تريد قلتَ. ويقال: {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}، ولكن شتان بين إيمان وإيمان، الكلُّ آمنوا استدلالاً، وأنت يا محمد آمنتَ وصالاً.
البقلي
تفسير : {آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} ان الله تعالى قد سن باطن رسوله صلى الله عليه وسلم من شوائب النفسانية وهخطرات الشيطانية وكحل عين سكره بنور الملكوت حتى قبل بالصدق والاخلاص ما كشف له من عجائب الجبروت وراى بمصابيح القرأن اسرار الازلُ والابد ما جرى فى بطنان الغيب وغيب الغيب روية عيان وامن بها ايمان المشاهدة والعرفان كما قال تعالى ما كذب الفواد ما راى {وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ} المؤمنون على قسمين منهم العارفون والصادقون والمشاهدون والمقربون والمكاشفون والمخلصون والمحسنون والراضون والمتوكلون والمحبون والمريدون والمرادون كل اشد وابعض ما شاهد الرسول عليه السلام ولولا ذلك لم يشربوا بذل الارواح ومجاهدة الاشباح لكن للنبى صلى الله عليه وسلم مشاهدة الصصرف خاصة له بلا زحمة الخطرات ولهم شاهدة اليقين بواسائط الالتباس ممتحنين بالوسواس والقسم الثانى من المؤمنين هم الذين امنوا ايمان الفطرة بارشاد العلم والعقل والبيان والبرهان واصل هذه الاشكال الهام وفرها اسباب وايضا استقام النبى صلى الله عليه وسلم عند صدمة سلطان الالوهة وتمكن فها عائن من جلال ذات القديم جل جلاله بنعت صرف المشاهدة واليقين والمؤمنون يريهم الله بعض انوار غيبة فأموا بما ادركو به قال الاستاد من الرسول صلوات الله عليه وسلامه من حيث البرهان ويقال من الخلق بالوسائط وامن محمد صلى الله الله عليه وسلم بغير واسطة ويقال هذا خطاب الحق سبحانه وتعالى معه ليلة المعراج على جهة تعظيم القدر فقال أمن الرسول ولم يقل امت كما يقول العظيم الشان من الناس قال الشيخ وانت تريد قلته وقال ابن عطا ان النبى صلى الله عليه وسلم معدت سر الحق اظهره للعام اوفقه على شريطة قوله أمن الرسول واذا اخفاه اخبره عنه بقوله فاوحى الى عبده ما اوحى وهو مستغرق اوقاته فى انتظار ما يظهر عليه الحق من الزيادات على روحه وسره وفواده وقلبه وشخص الا تراه كيف نعينه عن صفاته وقوله انك ميت عن صافتك ليحوتك بناء وباظاهر صفاتنا عليك وانهم ميتون عاجزون عن بلوغ درك صفاتك وايمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ايمان مكاشفة ومشاهدة وايمان المؤمنين ايمان بالوسائط والعلائق وقيل فى قوله والمؤمنون كل امن بالله حكما وتمسيه ولا المؤمن موجود واولا الايمان ظاهر وقال فارس امن الرسل بما انزل اليه من ربه قال ايمان حقيقة ومشاهدة والمؤمنون كل امن بالله ايمان احكم ومتابعة.
اسماعيل حقي
تفسير : {آمن الرسول} اى صدق النبى عليه السلام {بما أنزل} اى بكل ما انزل {إليه من ربه} من آيات القرآن ايمانا تفصيليا متعلقا بجميع ما فيه من الشرائع والاحكام والقصص والمواعظ واحوال الرسل والكتب وغير ذلك من حيث انه منزل منه تعالى. والايمان بحقيقة احكامه وصدق اخباره ونحو ذلك من فروع الايمان به من الحيثية المذكورة ولم يرد به حدوث الايمان فيه بعد ان لم يكن كذلك لانه كان مؤمنا بالله وبوحدانيته قبل الرسالة منه ولا يجوز ان يوصف بغير ذلك لكن اراد به الايمان بالقرآن فانه قبل انزال القرآن اليه لم يكن عليه الايمان به وهو معنى قوله {أية : ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان} تفسير : [الشورى: 52]. اى ولا الايمان بالكتاب فانه قال {أية : وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب} تفسير : [القصص: 86]. {والمؤمنون} اى الفريق المعروفون بهذا الاسم وهو مبتدأ {كل} مبتدأ ثان {آمن} خبره والجملة خبر للمبتدأ الاول والرابط بينهما الضمير الذى ناب منابه التنوين وتوحيد الضمير فى آمن مع رجوعه الى كل المؤمنين لما ان المراد بيان ايمان كل فرد منهم من غير اعتبار الاجتماع وتغيير سبك النظم عما قبله لتأكيد الاشعار بما بين ايمانه صلى الله عليه وسلم المبنى على المشاهدة والعيان وبين ايمانهم الناشىء عن الحجة والبرهان من التفاوت البين والاختلاف الجلى كأنهما متخالفان من كل وجه حتى فى الهيئة الدالة عليهما اى كل واحد منهم آمن {بالله} وحده من غير شريك له فى الالوهية والمعبودية هذا ايمان اثبات وتوحيد {وملائكته} اى من حيث انهم عباد مكرمون له تعالى من شأنهم التوسط بينه تعالى وبين الرسل بانزال الكتب والقاء الوحى وهذا ايمان تصديق انهما من عند الله وتحليل ما احله وتحريم ما حرمه {وكتبه ورسله} اى من الحيثية المذكورة وهذا ايمان اتباع واطاعة ولم يذكر الايمان باليوم الآخر لاندراجه فى الايمان بكتبه. وهذا على تقدير ان يوقف على قوله تعالى من ربه ويجعل والمؤمنون كلاما ابتدائيا واختاره ابو السعود العمادى. ويجوز ان يكون قوله والمؤمنون معطوفا على الرسول فيوقف عليه والضمير الذى عوض عنه التنوين راجع الى المعطوفين معا كأنه قيل آمن الرسول والمؤمنون بما انزل اليه من ربه ثم فصل ذلك. وقيل كل واحد من الرسول والمؤمنون آمن بالله خلا انه قدم المؤمن به على المعطوف اعتناء بشأنه وايذانا باصالته صلى الله عليه وسلم فى الايمان به واختار الكواشى هذا الوجه حيث قال والاختيار الوقف على المؤمنون وهو حسن ليكون المؤمنون داخلين فيما دخل النبى صلى الله عليه وسلم فيه اى الايمان {لا نفرق} اى يقول الرسول والمؤمنون لا نميز {بين أحد من رسله} بان نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما قال اليهود والنصارى. واحد ههنا بمعنى الجمع اى الآحاد فلذلك اضيف اليه بين لانه لا يضاف الا الى المتعدد والاحد وضع لنفى ما يذكر معه من العدد والواحد اسم لمفتتح العدد والواحد الذى لا نظير له والوحيد الذى لا نصير له {وقالوا} عطف على آمن وصيغة الجمع باعتبار المعنى وهو حكاية لامتثالهم الاوامر اثر حكاية ايمانهم {سمعنا} اى فهمنا ما جاءنا من الحق وتيقنا بصحته {واطعنا} ما فيه من الاوامر والنواهى. قيل لما نزلت هذه الآية قال جبرائيل عليه السلام للرسول صلى الله عليه وسلم ان الله قد أثنى عليك وعلى امتك فسل تعط فقال الرسول عليه السلام {غفرانك ربنا} اى اغفر لنا غفرانك كما قال {أية : فضرب الرقاب} تفسير : [محمد: 4]. اى فاضربوا او نسألك غفرانك ذنوبنا المتقدمة او ما لا يخلو عنه البشر من التقصير فى مراعاة حقوقك وهذا الوجه اولى لئلا يتكرر الدعاء بقوله فى آخر السورة واغفر لنا وتقديم ذكر السمع والطاعة على طلب الغفران لما ان تقديم الوسيلة على المسئول ادعى الى الاجابة والقبول {وإليك المصير} اى الرجوع بالموت والبعث لا الى غيرك. قال القاشانى {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} اى صدقه بقبوله والتخلق به كما قالت عائشة رضى الله عنها كان خلقه القرآن ومجرد قراءة القرآن بغير علم لا يفيد. قال فى تفسير الحنفى مثاله ان السلطان اذا وهب لاحد من مماليكه امارة واعطاه رياسة او نيابة وكتب له توقيعا ان يطيعه اهل البلد كلها فاذا جاء الى البلد وقعد على المملكة واطاعه الخلق ثم ان السلطان كتب له كتابا وامر له فيه ان يبنى له قصرا او دارا واسعة حتى لو حضر السلطان وجاء الى تلك المدينة ينزل فى تلك الدار او القصر فوصل الكتاب اليه وهو لا يبنى ما امر به فى الكتاب لكنه يقرأه كل يوم فلو حضر السلطان ولم يجد ما امره به حاضرا هل يستحق ذلك الامير خلعه من السلطان او ثناء اولا بل ظاهره انه يستحق الضرب والشتم والحبس وكذلك القرآن انما هو مثل هو ذلك المنشور قد امر الله فيه لعبيده ان يعمروا أركان الدين كما قال لداود عليه السلام [فرغ الى بيتا اسكنه]. وبين لهم بما يكون عمارة الدين فقال الله تعالى {أية : اقيموا الصلوة وآتو الزكوة} تفسير : [البقرة: 110] {أية : كتب عليكم الصيام} تفسير : [البقرة: 183] {أية : ولله على الناس حج البيت} تفسير : [آل عمران: 97]. فصارت قراءة القرآن كقراءة منشور السلطان ولا تحصل الجنة بمجرد القرآن لانه قال {أية : جزاء بما كانوا يعملون}تفسير : [الأحقاف: 14] كما قيل. "مراد از نزول قرآن تحصيل سيرت خوبست نه ترتيل سوره مكتوب بتجويد". ثم فى قوله {غفرانك ربنا} اشارة الى ان من نتائج الايمان وآثار العبودية ان يرى العبد نفسه اهلا لكل شر ومولاه اهلا لكل خير فينسب كل ما يستحسنه لسيده مستعملا حسن الادب معه فى كل اوقاته وذلك بان يحمده على ما دق وجل ويستغفره من تقصيره فى شكره له عليه ويتبرأ من حوله وقوته له فى ذلك كله وبحسب هذا يكون شعاره الحمد لله استغفر الله لا حول ولا قوة الا بالله فى جميع اوقاته وهو الذكر المنجى من عذاب الله فى الدنيا والآخرة المقرب للفتح لمن لازمه. واعلم انك لا تصل الى التحقيق الا بمراقبة الاوقات باحكامها من التوبة والاستغفار عند العصيان وشهود المنة فى الطاعة ووجود الرضى فى النية ووجود الشكر فى النعمة ولن تصل الى ذلك الا بتعلق قلبك بصلاح قلبك واتهام نفسك حتى فى خروج نفسك وتصل الى هذا باحد أربعة اوجه. نور يقذفه الله فى قلبك بلا واسطة. أو علم متسع فى عقل كامل. او فكرة سالمة من الشواغل. او صحبة شيخ او اخ هذه حاله. وقد قال الشيخ ابو مدين قدس سره الشيخ من هذبك باخلاقه وادبك باطراقه وانار باطنك باشراقه الشيخ من جمعك فى حضوره وحفظك فى مغيبه فاعمل ايها العبد على تخليص نفسك من عالم جسمك حتى تخرج عن دائرة رسمك وتصل الى تحقيق فهمك وعلمك شعر : از هشتىء خويش تاتوغافل مشوى هر كز بمراد خويش واصل نشوى از بحر ظهور تا بساحل نشوى در مذهب اهل عشق كامل نشوى
ابن عجيبة
تفسير : قلت: من قرأ: {لا نفرق} بالنون، فعلى حذف القول، أي: قالوا: لا نفرق، ومن قرأ بالياء فيرجع إلى الكل، أي: لا يفرق كل واحد منهم بين أحد من رسله، و {بين}: من الظروف النسبية، لا تقع إلا بين شيئين أو أشياء، تقول: جلست بين زيد وعمرو، وبين رجلين، أو رجال، ولا تقول بين زيد فقط، وإنما أضيف هنا إلى أحد لأنه في معنى الجماعة، أي: لا نفرق بين آحاد منهم كقوله عليه الصلاة والسلام:"حديث : ما أُحلَّت الغنائم لأحدٍ، سُودِ الرؤوس، غيركم"تفسير : . و {غفرانك}: مفعول مطلق، أي: اغفر لنا غفرانك. أو: نطلب غفرانك، فيكون مفعولاً به. يقول الحقّ جلّ جلاله: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} إيمان تحقيق وشهود {والمؤمنون} كل على قدر إيقان، {كل} واحد منهم {آمن بالله} على ما يليبق به من شهود وعيان، أو دليل وبرهان، وآمن بملائكته وأنهم عباد مكرمون{أية : لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}تفسير : [التّحْريم: 6]، {وكتبه} وأنها كلام الله، مشتملة على أمر وني ووعد ووعيد وقصص وأخبار، وما عرف منها؛ كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وجب الإيمان به بعينه، وما لم يعرف وجب الإيمان به في الجملة، {ورسله} وأنهم بشر متصفون بالكمالات، منزّهون عن النقائص، كما يليق بحالهم، حال كون الرسول والمؤمنون قائلين {لا نفرق بين أحد من رسله} أو: {لا يفرق} كل منهم بين أحد من رسله؛ بأن يصدقوا بالبعض، دون البعض كما فرقت اليهود والنصارى، {وقالوا} أي المؤمنين {سمعنا وأطعنا} أي: سمعنا قولك وأطعنا أمرك، نطلب {غفرانك} يا ربنا {وإليك المصير} بالبعث والنشور، وهذا إقرار منهم بالبعث الذي هو من تمام أركان الإيمان. فلمّا تحقق إيمانُهم، وتيقن إذعانُهم، خفَّف الله عنهم بقوله: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} أي: إلا ما في طاقتها وتسعه قدرتها. وهذا يدل على عدم وقوع التكليف بالمحال ولا يدل على امتناعه. أما المحال العادي فجائز التكليف به، وأما المحال العقلي فيمتنع. إذ لا يتصور وقوعه، وإذا كلف الله عباده بما يطيقونه، فكل نفس {لها ما كسبت} من الخير فتوفى أجره على التمام، {وعليها ما اكتسبت} من الشر، فترى جزاءه، إلا أن يعفو ذو الجلال والإكرام. وعبر في جانب الخير بالكسب، وفي جانب الشر بالاكتساب، تعليماً للأدب في نسبة الخير إلى الله، والشر إلى العبد، فتأمله. ثم قالوا في تمام دعائهم: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}، أي: لا تؤاخذنا بما أدى إلى نسيان أو خطأ من تفريط أو قلة مبالاة، وفي الحديث: "حديث : إنّ الله رفعَ عن أمتي الْخَطأَ والنِّسْيَانَ وما حدثتْ به نفسَها"تفسير : . ويجوز أن يراد نفس الخطأ والنسيان؛ إذ لا تمتنع المؤاخذة بهما عقلاً، فإن الذنوب كالسموم، فكما أن تناول السم ويؤدي إلى الهلاك، وإن كان خطأ - فتعاطي الذنوب لا يبعد أن يفضي إلى العقاب، وإن لم يكن عزيمة، لكنه تعالى وعد التجاوز عنه رحمة وفضلاً. ويجوز أن يدعو به الإنسان، استدامة واعتداداً بالنعمة فيه. ويؤيد ذلك مفهوم قوله - عليه الصلاة والسلام -:"حديث : رُفع عن أُمَّتِي الْخَطأ والنِّسْيَانْ"تفسير : . أي: فإن غير هذه الأمة كانوا يؤاخذون به، فدلّ على عدم امتناعه. قاله البيضاوي. ثم قالوا: {ربنا ولا تحمل علينا إصراً} أي: عهداً ثقيلاً يأصر ظهورنا، أي: يثقله، فتعذبنا بتركه وعدم حمله، {كما حملته على الذين من قبلنا} مثل اليهود في تكليفهم بقتل الأنفس في التوبة، وقطع موضع النجاسة، وغير ذلك من التكاليف الشاقة، {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} من التكاليف التي لا تسعها طاقتنا، وهذا يدل على جواز التكليف بما لا يطاق عادة، وإلا لما سئل التخلص منه، {واعف عنا} أي: امح ذنوبنا، {واغفر لنا} أي: استر عيوبنا، {وارحمنا} أي: تعطف علينا. {اعف عنا} الصغائر، {واغفر لنا} الكبائر، {وارحمنا} عند الشدائد والحسرات، {أنت مولانا} أي: سيدنا وناصرنا، {فانصرنا على القوم الكافرين}؛ فإن من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء. قال البيضاوي: (رُوِيَ أنه عليه الصلاة والسلام - لمّا دعا بهذه الدعوات قيل له: فعلتُ): وعنه عليه الصلاة والسلام: "حديث : أُنْزِلَ آيتان من كُنوز الجنة، كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفَيْ سنة، من قرأهما بعد العشاء الأخيرة أجْزَأتَاه عن قيام الليل"تفسير : . وعنه عليه الصلاة والسلام:"حديث : من قرأ الآيَتينِ مِنْ آخِر سُورَةِ الْبَقَرةِ في لَيْلَة كَفَتَاهُ"تفسير : . وهو يَرُدُّ قول من استكره أن يقال سورة البقرة، وقال: ينبغي أن يقال السورة التي يذكر فيها البقرة، كما قال - عليه الصلاة والسلام -:"حديث : السورةُ التي يُذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها؛ فإنَّ تعلُّمها بَرَكَة، وَتَرْكَهَا حَسْرَة، ولن يَسْتَطِيعها البَطَلَةُ. قيل: وما البطلة؟ قال: السحرة ". تفسير : الإشارة: يُفهم من سر الآية أن من شق عليه أمر من الأمور، أو عسرت عليه حاجة، أو نزلت به شدة أبو بلية، فليرجع إلى الله، ولينطرح بين يدي مولاه، وليعتقد أن الأمور كلها بيده؛ فإن الله تعالى لا يخليه من معونته ورفده، فيخفف عنه ما نزل به، أو يقويه على حمله، فإن الصحابة - رضي الله عنهم - لما شق عليهم المحاسبة على الخواطر سلَّموا وأذعنوا لأمر مولاهم، فأنزل عليهم التخفيف، وأسقط عنهم في ذلك التكليف، وكل من رجع في أموره كلها إلى الله قضيت حوائجه كلها بالله. "من علامات النُّجْحِ في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات". وقوله تعالى: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}، قيل: هو الحب لله، فلا يسأل العبد من مولاه من حبه إلا ما يطيقه، وتأمل قضية الرجل الذي سأل سيدنا موسى عليه السلام أن يرزقه الله حبه، فلما سأل ربه موسى عليه السلام هام ذلك الرجل، وشق ثيابه، وتمزقت أوصاله حتى مات. فناجى موسى رضي الله عنه ربه في شأنه، فقال: يا موسى، ألف رجل كلهم سألوني ما سأل ذلك الرجل، فقسمت جزءاً من محبتي بينهم، فنابه ذلك. الجزء. أو كما قال سبحانه. وقال بعض الصالحين: حضرتُ مجلس ذي النون، في فسطاط مصر، فَحَزَرْت في مجلسه سبعين ألفاً، فتكلم ذلك اليوم في محبته تعالى فمات أحدَ عشرَ رجلاً في المجلس، فصاح رجل من المريدين فقال: يا أبا الفيض، ذكرْتَ محبة الله تعالى فاذكر محبة المخلوقين، فتأوّه ذو النون تأوّهاً شديداً، ومدّ يده إلى قميصه، وشقه اثنتين، وقال: آه! غلقت رهونهم، واستعبرت عيونهم، وحالفوا السُّهَاد، وفارقوا الرُّقاد، فليلُهم طويل، ونومهم قليل، أحزانهم لا تُنْفذ. وهموهم لا تفقد، أمورهم عسيرة، ودموعهم غزيرة، باكية عيونهم، قريحة جفونهم، عاداهم الزمان والأهل والجيران. قلت: هذه حالة العباد والزهاد، أُولي الجد والاجتهاد، غلب عليهم الخوف المزعج، أو الشوق المقلق، وأما العارفون الواصلون؛ فقد زال عنهم هذا التعب، وأفضوا إلى الراحة بعد النصب، قد وصلوا إلى مشاهدة الحبيب، ومناجاة القريب، فعبادتهم قلبية، وأعمالهم باطنية، بين فكرة ونظرة، مع العكوف في الحضرة، قد سكن شوقهم وزال قلقهم، قد شربوا ورووا، وسكروا وصحوا، لا تحركهم الأحوال، ولا تهيجهم الأقوال، بل هم كالجبال الرواسي، نفعنا الله بذكرهم، وجعلنا من حزرهم. آمين. قوله تعالى: {واعف عنا}، قال الورتجبي: أي: {واعف عنا} قلة المعرفة بك، {واغفر لنا} التقصير في عبادتك، {وارحمنا} بمواصلتك ومشاهدتك. هـ. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ حمزة والكسائي وخلف "وكتابه": الباقون "وكتبه" على الجمع فمن وحّد احتمل وجهين: أحدهما - أن يكون أراد به القرآن لا غير. والثاني - أن يكون أراد جنس الكتاب، فيوافق قراءة من قرأ على الجمع في المعنى. وقرأ يعقوب {لا يفرق} بالياء رداً على الرسول حسب. الباقون بالنون رداً على الرسول والمؤمنين وهذا أليق بسياق الآية. المعنى والاعراب: وقوله: {لا نفرق بين أحد من رسله} معناه يقولون ذلك على الحكاية كما قال {أية : والملائكة باسطوا أيديهم اخرجوا}تفسير : أي يقولون اخرجوا. والمعنى إنا لا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعض، كما فعل اليهود، والنصارى. وقوله: {سمعنا وأطعنا} تقديره سمعنا قوله وأطعنا أمره وقبلنا ما سمعنا، لأن من لا يقبل ما يسمع يقال له أصم كما قال تعالى {أية : صم بكم عمي فهم لا يعقلون}تفسير : وإنما حذف لدلالة الكلام عليه لأنهم مدحوا به، وكان اعترافاً منهم بما يلزمهم مثل ما قبله. وقوله: {غفرانك} نصب على أنه نزل من الفعل المأخوذ منه كأنه قيل: اللهم اغفر لنا غفرانك فاستغنى بالمصدر عن الفعل في الدعاء فصار بدلا منه معاقباً له. وقال بعضهم معناه نسألك غفرانك والاول أقوى، لأنه على الفعل الذي أخذ منه أولى من حيث كان يدل عليه بالتضمين نحو (حمداً وشكراً) أي أحمد حمداً، وأشكر شكراً. وأجاز الزجاج والفراء غفرانك بالرفع بمعنى غفرانك بغيتنا وأنشد الزجاج: شعر : ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى مصارع مظلوم مجراً ومسحبا وتدفن منه الصالحات وإن يسىء يكن ما أساء النار في رأس كبكبا تفسير : وقوله: {وإليك المصير} معناه وإلى جزائك المصير فجعل مصيرهم إلى جزائه مصيراً إليه كقول ابراهيم: {أية : إني ذاهب إلى ربي سيهدين}تفسير : ومعناه إلى ثواب ربي أو إلى ما أمرني به ربي.
فرات الكوفي
تفسير : {أمَنَ الرَسولُ بِما أُنْزِلَ إليه مِنْ رَبّهِ وَالمُؤمِنون285} فرات قال: حدثني عبيد بن كثير قال: حدثنا محمد بن الجنيد قال: حدثنا يحيى بن يعلى عن إسرائيل عن جابر بن يزيد: عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : لما أسري بي إلى السماء قال لي العزيز: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} قلت: {والمؤمنون} قال: صدقت يا محمد عليك السلام مَنْ خلّفت لأمتك من بعدك؟ قلت: خيرها لأهلها، قال: علي بن أبي طالب؟ قلت: نعم يا ربّ. قال: يا محمد إني أطلعت إلى الأرض إطلاعةً فاخترتك منها واشتققت لك إسماً من أسمائي، لا أذكر في مكان إلاّ ذكرت معي فأنا المحمود [ر: محمود] وأنت محمد، ثم أطلعت الثانية [إطلاعة. ر] فاخترت منها علياً واشتققت له اسماً من أسمائي فأنا [أ، ب: أنا] الأعلى وهو علي. يا محمد خلقتك وخلقت علياً وفاطمة والحسن والحسين أشباح نور من نوري، وعرضت ولايتكم [ب: ولايتك] على السماوات [أ: السماء] وأهلها وعلى الأرضين ومن فيهن فمن قبل ولايتكم كان عندي من الأظفرين [ب: المؤمنين. ب (خ ل): المقربين] ومن جحدها كان عندي من الكفار [الضالين. ب (خ ل)]. يا محمد لو أنّ عبداً عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن البالي ثم أتاني جاحداً لولايتكم ما غفرت له حتى بولايتكم . تفسير : فرات قال: حدثنا جعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي قال: حدثنا الحسن بن الحسين قال: حدثنا يحيى بن يعلى عن إسرائيل عن جابر بن يزيد: عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : لما أسرى بي إلى السماء قال لي العزيز {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} قلت: {والمؤمنون} قال: صدقت يا محمد عليك السلام من خلّفت لأمتك من بعدك؟ قلت: خيرها لأهلها، قال: علي بن أبي طالب؟ قلت: نعم يا رب. قال: يا محمد إني أطلعت على [أ، ب: إلى] الأرض إطلاعة فاخترتك منها واشتققت لك اسماً من أسمائي لا أذكر في مكان إلاّ ذكرت معي فأنا محمود [ب: محمود. أ: أحمد] وأنت محمد، ثم أطلعت الثانية [ثانياً. أ] [اطلاعه. ر، أ] فاخترت علياً واشتققت له اسماً من أسمائي فأنا الأعلى وهو علي. يا محمد [إنى. ب] خلقتك [وخلقت. ر، ب] علياً وفاطمة والحسن والحسين [والأئمة من ولده] أشباح نور من نوري وعرضت ولايتكم على السماوات وأهلها وعلى الأرضين ومن فيهن فمن [أ: من] قبل ولايتكم كان عندي من المقربين ومن جحدها كان عندي من الكفار [الضالين. ب]. يا محمد لو أنّ عبداً عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن البالي ثم أتاني جاحداً لولايتكم ما غفرت له حتى يقرّ بولايتكم. يا محمد تحب أن تراهم؟ قلت: نعم يا رب، قال: التفت عن يمين العرش فالتفت فإذا أنا بالأشباح [ب: بأشباح] علي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة كلهم حتى بلغ المهدي صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين في ضحضاحٍ من نور قيام يصلون والمهدي [في. ب، ر] وسطهم كأنه كوكبٌ دري فقال لي: يا محمد هؤلاء الحجج و [هذا] هو الثائر من عترتك فوعزتي وجلالي إنه الحجة [أ: حجة] واجبة لأوليائي منتقم [من. ب، ر] أعدائي . تفسير : فرات قال: حدثني محمد بن زيد الثقفي قال: حدثنا أبو نصر ر [ب، أ: يعرب] بن أبي مسعود الأصفهاني. [حيلولة] قال: حدثنا جعفر بن أحمد قال: حدثنا الحسن بن إسماعيل عن علي بن محمد الكوفي عن موسى بن عبد الله الموصلي عن أبي فزار [ب: فزات]: عن حذيفة بن اليمان قال: دخلت عائشة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقبل فاطمة عليها السلام وقالت: يا رسول الله أتقبلها وهي ذات بعل؟ فقال لها: حديث : أما والله لو عرفتِ ودي لها لازددت لها ودّاً، إنه لما عرج بي إلى السماء الرابعة أذّن جبرئيل عليه السلام وأقام ميكائيل ثم قال لي: أذن. قلت: أؤذن [ب: ادن. قلت: ادن] وأنت حاضر؟ فقال: نعم إن الله عز وجلّ فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين وفُضِّلت أنت خاصة يا محمد. فدنوت فصليت بأهل السماء الرابعة فلما صرت إلى السماء السادسة إذا أنا بملكٍ من نور على سريرٍ من نور وحوله صفٌّ من الملائكة فسلمت عليه فردّ عليّ السلام وهو متّكيءٌ فأوحى الله تعالى إليه: أيها الملك سلّم عليك حبيبي وخيرتي من خلقي فرددت عليه السلام وأنت متكئ؟ فوعزتي وجلالي لتقومن ولتسلمن [ب: لتسلم] عليه ولا تقعد إلى يوم القيامة فقام الملك وعانقني ثم قال: ما أكرمك على رب العالمين فلمّا صرت إلى الحجب نوديت: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} فألهمت وقلت: {والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} ثم أخذ جبرئيل عليه السلام بيدي فأدخلني الجنة وأنا مسرورٌ فإذا أنا بشجرة من نور مكللة بالنور في أصلها ملكان يطويان الحلي والحلل إلى يوم القيامة، ثم تقدمت أمامي فإذا أنا بتفاح لم أر تفاحاً [هو. ر، أ] أعظم منه فأخذت واحدة ففلقتها فخرجت عليّ منها حوراً كأن أجناحها [أ: أجنانها. ب: أحفانها] مقاديم أجنحة النسور فقلت: لمن أنتِ؟ فبكت وقالت: لابنك [ب، أ. (خ ل): لابن بنتك] المقتول [ظلماً. أ، ر] الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما [أ: عليهم] السلام ثم تقدمت أمامي فإذا أنا برطب ألين من الزبد وأحلى من العسل فأخذت رطبة فأكلتها وأنا أشتهيها فتحولت الرطبة نطفة في صلبي فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة [أ: فاطمة] [ففاطمة. ب] حوراء إنسية، فإذا [أنا. أ] اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة عليها السلام .
الهواري
تفسير : قوله: {ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ}. قال الحسن: هذا دعاء أمر الله رسوله والمؤمنين أن يدعوا به. ذكر بعضهم أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي سنة، فوضعه تحت العرش، فأنزل الله منه آيتين ختم بها سورة البقرة، لا تقرآن في بيت فيقربه الشيطان ثلاث ليال: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه}... إلى آخر السورة . تفسير : ذكروا عن الحسن قال: كان فيما منّ الله به على النبي عليه السلام: ألم أعلمك خواتم سورة البقرة؟. قوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي إلا طاقتها. وهذا في حديث النفس. {لَهَا مَا كَسَبَتْ} أي من خير {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} أي من شر. قوله: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا} هذا فيما يتخوّف فيه العبد المأثم، أن ينسى أن يعمل بما أمر به، أو ينسى فيعمل بما نُهي عنه. {أَوْ أَخْطَأْنَا} هذا فيما يتخوّف فيه العبد المأثم، أن يخطىء فيكون منه أمر يخاف فيه المأثم لم يتعمّده، فوضع الله ذلك عنه، كقوله: (أية : وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) تفسير : [البقرة:225] أي: ما تعمّدت فيه المأثم. قوله: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} يعني ما كان شدِّدَ به على بني إسرائيل، والإِصر العهد، فيما كانوا نهوا عنه. وهذا دعاء أمر الله المؤمنين أن يدعوا به. وقد وضع الله عن المؤمنين ما كان شدّد على بني إسرائيل. فقال: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} أي يجدونه مكتوباً عند أهل الكتاب في كتابهم (أية : يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ) تفسير : [الأعراف:157] وقال: (أية : وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ) تفسير : [الأنعام:155] أي اتبعوا ما أحل فيه {وَاتَّقُوا} أي ما حرّم فيه. وكان من ذلك الإِصر ما حرّم عليهم من الشحوم، وكل ذي ظفر وأمر السبت، وكل ما عهد إليهم ألا يفعلوه مما أحلّ لنا. قوله: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} وهو الوسوسة في تفسير ابن عباس. ذكروا عن الحسن "حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني لأحدث نفسي بالشيء ما يسرّني أني تكلّمت به وأن لي الدنيا. قال: ذلك محض الإِيمان ". تفسير : قوله: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الكَافِرِينَ}. قال الحسن: هذا دعاء أمر الله به النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في هاتين الآيتين: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ}... إلى آخر السورة. وقد أخبر الله النبي عليه السلام أنه قد غفر له.
اطفيش
تفسير : {آمَنَ الرَّسُولُ}: صدق محمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله إلى الناس كلهم تصديقا جازما. {بِما أنزِلَ إليْهِ مِن رَّبِّه}: وهو القرآن، وما أوحى فى أمر الدين أو غيره، لم يشك صلى الله عليه وسلم فى أنه من الله تعالى، شهد الله له بذلك، وكذا للمؤمنين كما قال: {والمؤمِنُونَ}: معطوف على الرسول، ويدل لهذا قراءة على بن أبى طالب: وآمن المؤمنون، فالوقف على المؤمنين. {كُّلٌّ آمَنَ بِاللّهِ ومَلاَئِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ}: أى كل واحد من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ ومن أجاد المؤمنين صدق بذلك، أو يقدر كلهم آمن بالله إلخ: ذكر إيمان النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين مرتين تأكيداً للترغيب فى إيمانهم، وإلا فمن آمن بالقرآن فقد آمن بذلك كله، لأنه مذكور فيه، ويجوز أن يكون المؤمنون مبتدأ خبره {كل آمن} أى كلهم أو كل واحد منهم آمن، فكل مبتدأ وآمن خبره، والجملة خبر المؤمنون. فالوقف على قوله: {من ربه}، وعلى هذا فيكون {آمن الرسول} بالحكم بإيمانه لتعظيمه، ولأن إيمانه عن مشاهدة وإيمانهم عن نظر واستدلال، فإنه كما تذكر الخاص بعد العام لمزيته، كذلك قبله لمزيته، وذلك أيضا موجود فى عطف المؤمنين، لأن الرسول مؤمن بلا تقدم، كفروا أى إيمان، وقرأ حمزة والكسائى وابن عباس. وكتابه بكسر الكاف وفتح التاء بعدها ألف، والإضافة فيه لتعريف العهد الذكرى، على أن المراد به القرآن المذكور بقوله: {بما أنزل إليه} أو لاستغراق أداة الجنس فيشمل القرآن وغيره من كتب الله كلها وهو أبلغ من استغراق الجميع، لجواز خروج الفرد أو فردين فصاعدا عنه فى سائر كلام العرب، ولذلك قال ابن عباس: الكتاب أكثر من الكتب، وعلله فى الكشاف بأن استغراق الجمع إنما يقتضى استيعاب الجموع، ومعنى الإيمان بالله التصديق بأنه موجود لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شئ، وأنه المستحق للعبادة، ومعنى الإيمان بالملائكة: أن يؤمن بوجودهم وأنهم نوع من الخلق غير الجن والإنس، ومعنى الإيمان بكتبه: أن يؤمن بأنها حق منه تعالى، ومعنى الإيمان بالرسل: أن يؤمن بالله تعالى أرسلهم بالحق، ومن زاد تفصيلا فى ذلك كله أو بعضه فقد ازداد علما، وقامت عليه الحجة، ولو لم يخطر بباله أن الله يشبه شيئاً، وإلا لم يشبهه عذر إن علم أنه ليس من جنس الخلق حتى يخطر بباله، أو يسأل أو يذكر ذلك بحضرنه وجب عليه أن يعلم أنه لا يشبه شيئاً، ولا يشبهه شئ، وقرأ أبو عمرو: رسله ورسلنا ورسلكم ورسلهم، وسبلنا وسبلهم بإسكان الباء والسين إذا أضيف ذلك حيث وقو، والباقون بالضم، وكذلك فى كتبه ونحوه. {لا نُفرِّقُ بيْنَ أحَدٍ مِنْ رُسُلهِ}: لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، فالمراد نفى التفريق بينهم بالإيمان ببعض والكفر ببعض، لا نفى التفريق بتفضيل بعض على بعض، فلا دليل فيه على أنه لا يجوز تفضيل بعض الأنبياء على بعض، كما زعم بعض، وجملة لا نفرق مفعول لقوله محذوف، وهذا القول حال من ضمير آمن: أى قائلا أو قائلين أو يقول أو يقولون، لا نفرق الإفراد باعتبار لفظ كل كما اعتبر فى آمن، والجمع باعتبار المعنى؛ ويجوز أن يكون القول مستأنفا فيقدر جملة، يقول أو يقولون، وأن يكون خبراً بعد خبر، فيجوز فيه الإفراد والجمع، والإفراد والجملة، وقرأ عبد الله بن مسعود: لا يفرقون بالتحتية وواو الجماعة والنون حملا على معنى كل. وقرأ يعقوب: لا يفرق بالتحنية، والإفراد مراعاه للفظ كل، ومن مراعاة المعنى:{أية : وكل أتوه داخرين}،تفسير : وإن قلت لا يضاف بين إلا لمتعدد. قلت: نعم لكن أحد فى معنى الجمع لكونه فى سياق النفى، كأنه قبل لا نفرق بين متعدد من جملة رسله، كما يعتبر الكافر رسولين فيؤمن بهذا ويكفر بذاك، أو ثلاثة فيؤمن باثنين ويكفر بواحد، أو بعكس أو نحو ذلك، و{من رسله} تبعيض، نعت لأحد، ويجوز أن يراد بأحد جميع الرسل، فيكون من للبيان وذلك أيضا نعت، ومن كون أحد بمعنى الجمع قوله عز وجل:{أية : فما منكم من أحد عنه حاجزين}تفسير : كما يأتى إن شاء الله تعالى فى محله بدليل جميع حاجز، وقرأ أبو عمرو بإسكان سين رسله فى الموضعين، وتاء كتبه. {وقالُوا سَمِعْنا وأَطَعْنا}: أى سمعنا سماع قبول دعائك إيانا إلى القرآن وما يقول محمد رسولك، صلى الله عليه وسلم، وذلك إجمال منهم بأن يقولوا لا نخرج عنهما، وأطعنا أمرك فى كل مسألة على حدة، وهذا تفصيل كما تقول لأبيك قل لى آخذ كلامك فكان يقول وتفعل. {غُفْرانَك رَبَّنا}: أغفر لنا غفرانا يا ربنا ذنوبنا، فحذف الفعل وجزباً، وناب عند المصدر، وأضيف للفاعل، ويجوز أن يكون العامل محذوفا وما ذكر باق على أصله، أى اغفر لنا غفرانك، أى الغفران العظيم اللائق بك، ويجوز أن يكون مفعولا به لمحذوف، أى سألناك غفرانك وأعطنا غفرانك. {وإلَيْكَ المَصِيرُ}: بالموت أو بالبعث أو بهما، وهو أولى لكونه الواقع إقراراً بعد إقرار بالذنب، رغبة فى أن تغفر ذنوبهم إذ بعثوا، والمصير مصدر ميمى بمعنى الصيرورة، ولما نزلت هذه الآية قال جبريل عليه السلام للنبى صلى الله عليه وسلم: يا محمد إن الله قد أجل الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه فسأل إلى آخر السورة.
اطفيش
تفسير : {ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} قرآنا أو وحيا غيره فى هذه السورة أو غيرها {وَالمُؤْمِنُونَ} عطف على الرسول، فيكون المراد بقوله {كُلٌّ} كل من المؤمنين والرسول، فيدخل الرسول فى الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل، ويدل لذلك قراءة على، وءامن المؤمنون، ولكن شهر أن آمن الرسول آيتان، ولزم على ذلك أنه ثلاث، ويجاب بأن الآيات توقيفية، ويقوى أيضا بأن عطفه على الرسول أعظم له، إذ تبعوه، ذكر فى صدر السورة الإيمان على طريق الخطاب بالكاف، أولئك على هدى من ربهم، وهنا بطريق الغيبة لأن حق الشهادة الباقية على مرور الدهور فى حياة المشهود له وبعد حياته ألا تكون بالخطاب، ولو جعلنا المؤمنون مبتدأ لم يدخل الرسول فى ذلك الإيمان المذكور فى قوله كل {ءَامَنَ بِاللهِ} أنه لا شريك له، وأنه منزه عن صفات الخلق {وَمَلَٰئِكَتِهِ} بأنهم موجودون، لا يعصون الله، وأنهم وسائط بين الله وخلقه بالكتب وسائر الوحى، كما ذكرهم، بين ذكر الله والكتب والرسل، كما قال {وَكُتُبِهِ} ولم يذكر اليوم الآخر لذكره فى قوله، لكن البر، والثوانى يختصر فيها، وأيضا هو مذكور فى قوله، وإليك المصير {وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ} قائلين لا نفرق {بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} فى الإيمان كما آمنت اليهود ببعض، وكفرت ببعض، وكذا النصارى، كقوله، نؤمن ببعض ونكفر ببعض، وأما فى الفضل فجائز، تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، وصح إضافة بين إلى أحد بلا عطف على أحد مع أنها لا تضاف إلا لمتعدد، لأن معناه جماعة هنا، فإنه يستعمل لواحد فصاعدا، أو المذكر والمؤنث، أى لا نفرق بين جماعة من رسله، كقوله تعالى، فما منكم من أحد عنه حاجزين، أى من جماعة، وقوله: لستن كأحد من النساء. أى كجماعة، وإنما لم أقل بعموم أحد لأنه نكرة فى سياق النفى، لأنه لم يسمع الجمع فى سائر النكرات فى سياقه، فإنه لم يسمع لا نفرق بين رجل، ولا ما جاء رجل راكبون، وأيضا لم يتسلط النفى على أحد بالذات، بل بتوسط الإضافة مع أنه لم يتسلط أيضا على المضاف بالذات، بل على متعلقه، وعدم التفريق بين الرسل عدم تفريق بين الكتب أيضا فكفى عن ذكره، والعكس يصح أيضا، إلا أنه لم يعكس لأن الرسل أهل للكتب من حيث إنهم الجاءون بها والمدعون لها، ولا يجوز أن يقدر بين أحد وأحد {وَقَالُواْ سَمِعْنَا} ما قلت، سماع تدبر، ترتب عليه القبول {وَأَطَعْنَا} امتثلنا، ويقال، الطاعة أخص من السمع، لأنها القبول عن طوع، وينظر فيه بأن الطوع قد يكون إذعانا للقهر لا باختيار {غُفْرَانَكَ} أى اغفر لنا غفرانا، فناب غفرانا عن اغفر، وأضيف لضمير اغفر، أو نسألك غفرانك {رَبَّنَا} يتعلق بغفرانك {وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} المرجع بالبعث للجزاء، وهذا إقرار بالبعث، أغنى من أن يقول هناك ورسله واليوم الآخر، وأخره إلى هنا ليذكره عقب ما عليه الجزاء من السمع والطاعة، وعقب الغفران الذى يطهر يوم الجزاء والعلم عند الله، ولما نزل: {وإن تبدوا ما فى أنفسكم...} الخ شكا الؤمنون المؤاخذة بالوسوسة وشق عليهم المحاسبة فنزل قوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} ونزل قبها، آمن الرسول. إلى... المصير، وهو آية ليدفعوا الوسوسة بمضمونها والعمل بها. أى إلا ما تسعه قدرته بالغة غايتها، أو دون غايتها، بمعنى أن المكلف به تارة يبلغ غاية الطاقة وتارة دونها، وهو الأكثر، فإنا نقدر على أكثر من خمس الصلوات، ومن شهر رمضان ومن الحج؛ ومن قدر الزكاة، وهكذا كقوله: "أية : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" تفسير : [البقرة: 185] رحمة منه تعالى ولا تطيق النفس رفع الهاجس ولا الخاطر بعده، ولا حديث النفس بعد الخاطر، ولا الهم الشىء بعد حديثها، وإن تبدوا ما فى أنفسكم يشملهن لفظه، ولو أن المراد فيه العزم بعد الهم، فأخبرهم الله بأن المحاسبة على العزم، لأنه هو الذى للنفس طاقة على تركه، والأربعة قبله ضرورية، وذلك دليل على أن لا تكليف بالمحال، وهو ولو كان غير واقع لكنه جائز، وقيل: واقع، وفائدته القبول، والتهيؤ، ثم يظهر أنه لا يكلف به بعد أن تهيأ، وقيل: كما جاء فى قصة نبى، فإن أمر بأكل أول ما يظهر له جبل فعزم على أكله؛ فلما قرب منه ازداد صغراً حت وصله، فوجده لقمة عسل، وإما أن يقع ويبقى فلا، ولا خلاف فى جواز التكليف بالممتنع لغيره، كتعلق علم الله بخلافه كتكليف من علم الله أنه لا يؤمن بالإيمان، وذلك أولى من أن يقال: "المعنى لا يكلف الله نفسها إلا غاية طاقتها" ثم نسخ بقوله: "أية : يريد الله بكم اليسر" تفسير : [البقرة: 185] على أنه نزل بعد هذا وتلى قبله، ولا دليل على ثبوت هذا، وأولى من أن يقال قوله: ما فى أنفسكم على عمومه، ثم نسخ بقوله تعالى "لا يكلف الله نفساً"... الخ، فلا يكلف الله إلى آخره بيان لما فى أنفسكم ولا نسخ. روى لما نزل، وإن تبدوا... الخ جاءوا، فقالوا: كلفنا الصلاة والصوم والزكاة والجهاد وأطعنا، ولا طاقة لنا بما فى النفس وجثوا على ركبهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتقولون كأهل الكتاب سمعنا وعصينا"تفسير : ، وقولوا: سمعنا وأطعنا فنزل، آمن الرسول، قلت: ولعل معنى النسخ فى ذلك بيان أن ذلك غير مراد بالتكليف، ثم والله رأيته لبعض المحققين ممن تقدم، والتكليف إلزام ما فيه الكلفة أى المشقة، والوسع ما تسعه قدرة الإنسان أو ما يسهل عليه من المقدور وهو ما دون مدى طاقته {لَهَا مَا كَسَبَتْ} من خير تثاب عليه، وما كسب لها ميتة أو حية فى هذه الأمة {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} من الشر، تعاقب عليه، وهكذا اللام للخير، وعلى للضر عند الإطلاق، ويعكس لدليل، كقوله تعالى: ولهم اللعنة، فهى للاستحقاق، وعليهم صلوات من ربهم ورحمة، أو يستعملان كذلك عند التقارب كالآية، وكقوله تعالى: "أية : من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها" تفسير : [الجاثية: 15] والاكتساب افتعال، ومن معانيه المبالغة، فإن النفس تنجبذ إلى الشر اللائق بها أكثر مما تنجبذ إلى الخير لثله عليها، أو أصل الشر أن يكون صعبا للعقاب عليه ولخسته بالنهى عنه، فكأنه لا يرتكب إلا بعلاج، وليس عليها وزر غيرها، إلا ما يلحقها بسنها سيئة {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ} هذا إلى آخر السورة من جملة ما يحكى بقوله تعالى: وقالوا، وقوله تعالى: "لا يكلف الله" إلى: ما اكتسبت معترض، لا كما قيل: إن قوله تعالى: لا يكلف الخ. من مقولهم أيضا، وما ذكرته من دخول قوله تعالى "ربنا لا تؤاخذنا" فى جملة مقولهم أولى من تقدير، يقولون ربنا لا تؤاخذنا، وأولى من قول الحسن: قولوا ربنا لا تؤاخذنا... الخ، والمعنى: لا تؤاخذنا بما يورث النسيان والخطأ من قلة المبالاة وترك التحفظ وغيرهما، مما يدخل تحت وسعنا وقدرتنا، وأما نفس النسيان والخطأ فمر فوعان كما فى الحديث، أعنى رفع العقاب عليهما، فذلك مجاز بطريق ذكر المسبب فى قوله {إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} وهو النسيان والخطأ وإرادة السبب، وهو قلة المبالاة وما ذكر معها، ومثل ذلك أن ترى نجسا فى ثوبك أو بدنك قبل وقت الصلاة فتتركه، فتنى فلا يحسن ذلك، إذ لولا التأخير لم يقع ذلك، وقيل: المراد بالنسيان الشرك، وقيل الخطأ المعصية، ويجوز إبقاء الكلام على ظاهره، بأن يكون الأصل المؤاخذة على النسيان والخطأ كالسم يهلك من لم يتعمده كما تعمده، فتجاوز الله عنهما، دعوا فأجاب الله لهم من لدن آدم، فكرروا الدعاء، أو أمرهم الله أن يدعوا تذكيراً للنعمة واعترافا. والمؤاخذة عليها غير ممتنعة عقلا، مع أنا لا نعتبر التحسين والتقبيح العقليين فى التكليف، ويضعف أن يقال هذا الدعاء أول الإسلام، إذ لا دليل عليه، ويضعف أن يقال المراد الدعاء بدوام عدم المؤاخذة على النسيان، والْخطأ، حتى مات صلى الله عليه وسلم، ولم تزل عليه المؤاخذة بهما، فانقطع الدعاء بدوام عدمها، أو تدام تعبداً، والمفاعلة فى تؤاخذنا ليست على بابها، بل كالمسافرة، أو على بابها، بأن يعتبر أن المعصية كالمحاربة لله {رَبَّنَا} تأكيد للأول، أو ربنا استجب لنا {وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} عطف على تؤاخذنا، أو على استجب المقدر، والإصر الأمر الثقيل يأصر حامله، أى يحبسه فى مكة لثقله، والذين من قبلنا بنو إسرائيل، كانت عليهم تكاليف شاقة، كالتكليف بقرض موضع النجس غير العورة فى بعض وفى بعض الأزمة من أجسادهم وثيابهم، وقتل النفس فى التوبة فى عبادة العجل، وفى غيرهم، فى بعض الأشخاص، يكتب الله على باب أحدهم توبتك من ذنب كذا أن تقتل نفسك، وخمسين صلاة فى اليوم والليلة، وكربع المال زكاة، وقال بعض محشى الكشاف يقطعون الموضع النجس من ثيابهم ومن الجلود التى يلبسونها، كالخف والقرق لا من أجسادهم، لأنه يؤدى إلى نجس آخر، هو الدم، وليس المراد فى الآية ما أصابهم من مسخ وقذف كما قيل، لأنه لا تكليف فيه، والكلام فى التكليف {رَبَّنَا} تأكيد أو يقدر، ربنا ارحمنا {وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} من التكليف، فهو تأكيد، أو البلاء والعقوبات فلا تأكيد، ويستدل بهذا على جواز التكليف بما لا يطاق لكنه غير واقع كما دل عليه، لا يكلف الهل نفساً إلا وسعها، ومر كلام فيه، والمعتزلة لم يقولوا بجوازه فضلا عن وقوعه {وَاعْفُ عَنّا} أى امح ذنوبنا ولا تؤاخذنا {وَاغْفِرْ لَنَا} عيوبنا، أى استرها، فلا تفتضح بها، أو بذنوبنا دنيا ولا أخرى، فبعد عدم المؤاخذة يمكن الافتضاح، وبإعطاء كتبنا فى أيماننا، وبالجنة، وقيل اعف عن أفعالنا، واغفر أقوالنا وارحمنا بثقل الميزان {أَنتَ مَوْلَٰنَا} سيدنا ونحن عبيدك، ومتولى أمورنا دنيا وأخرى {فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَٰفِرِينَ} أى لأن من حق السيد أن ينصر عبيده ورعيته، ولذلك كان بفاء السببية، والنصر على كل كافر، محارب أو غير محارب، لأن من شأنهم حب المضرة لأهل الإسلام والذل، ولا بعد فى شموله كفرة الجن، لأنهم يضرون الأبدن ويحبون المضرة والذل للمسلمين كما يحبونها لغير المسلمين، روى مسلم، حديث : لما نزلت هذه الآية، أى لا يكلف الله نفساً إلى آخر السورة وقرأها صلى الله عليه وسلم قيل له عقب كل كلمة، قد فعلت... تفسير : اهـ، وكذا رواه ابن جرير الطبرى لكن مرسلا، وهن سبع، فبعد غفرانك قد غفرت لكم، وبعد، لاتؤاخذنا الخ لا أؤاخذكم، وهكذا، كما جاء عن ابن عباس بالتصريح بمعنى فعلت. وروى مسلم عن أبى مسعود الأنصارى عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فى ليلة كفتاه عن قيام الليل"تفسير : ، وكذا عن ابن عمر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أنزل الله آيتين من كنوز الجنة، ختم بهما سورة البقرة، من قرأها بعد العشاء مرتين أجزأتاه عن قيام الليل، آمن الرسول إلى آخر السورة"تفسير : . وعن حذيفة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله عز وجل كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق بألفى عام، فأنزل منه هذه الآيات الثلاث التى ختم بهن سورة البقرة، من قرأهن فى نفسه لم يقرب الشيطان بيته ثلاث ليال "تفسير : . لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
الالوسي
تفسير : {ءامَنَ ٱلرَّسُولُ} قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى عز وجل في هذه السورة الجليلة الشأن الواضحة البرهان فرض الصلاة الزكاة، والطلاق، والحيض، والإيلاء، والجهاد، وقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والدين، والربا ختمها بهذا تعظيماً لنبيه صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وتأكيداً وفذلكة لجميع ذلك المذكور من قبل، وقد شهد سبحانه وتعالى هنا لمن تقدم في صدر السورة بكمال الإيمان وحسن الطاعة واتصافهم بذلك بالفعل وذكره صلى الله عليه وسلم بطريق الغيبة مع ذكره هناك/ بطريق الخطاب لما أن حق الشهادة الباقية على مر الدهور أن لا يخاطب بها المشهود له ولم يتعرض سبحانه هٰهنا لبيان فوزهم بمطالبهم التي من جملتها ما حكى عنهم من الدعوات الآتية إيذاناً بأنه أمر محقق غني عن التصريح لا سيما بعد ما نص عليه فيما سلف وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة دون تعرض لاسمه الشريف تعظيم له وتمهيد لما يذكر بعده. أخرج الحاكم والبيهقي عن أنس قال: «حديث : لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم {ءامَنَ ٱلرَّسُولُ} قال عليه الصلاة والسلام: «وحق له أن يؤمن» تفسير : وفي رواية عبد بن حميد عن قتادة وهي شاهد لحديث أنس ـ «فينجبر انقطاعه ويحق له أن يؤمن». {بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ} من الأحكام المذكورة في هذه السورة وغيرها والمراد إيمانه بذلك إيماناً تفصيلياً، وأجمله إجلالاً لمحله صلى الله عليه وسلم وإشعاراً بأن تعلق إيمانه عليه الصلاة والسلام بتفاصيل ما أنزل إليه وإحاطته بجميع ما انطوى عليه مما لا يكتنه كنهه ولا تصل الأفكار وإن حلقت إليه قد بلغ من الظهور إلى حيث استغنى عن ذكره واكتفى عن بيانه، وفي تقديم الانتهاء على الإبتداء مع التعرض لعنوان الربوبية والإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى من التعظيم لقدره الشريف والتنويه برفعة محله المنيف {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} يجوز أن يكون معطوفاً على الرسول مرفوعاً بالفاعلية فيوقف عليه، ويدل عليه ما أخرجه أبو داود في «المصاحف» عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ ـ وآمن المؤمنون ـ وعليه يكون قوله تعالى: {كُلٌّ ءامَنَ} جملة مستأنفة من مبتدأ وخبر؛ وسوغ الابتداء بالنكرة كونها في تقدير الإضافة ويجوز أن يكون مبتدأ، و {كُلٌّ} مبتدأ ثان، و {ءَامَنَ} خبره، والجملة خبر الأول والرابط مقدر ولا يجوز كون {كُلٌّ} تأكيداً لأنهم صرحوا بأنه لا يكون تأكيداً للمعرفة إلا إذا أضيف لفظاً إلى ضميرها ـ ورجح الوجه الأول ـ بأنه أقضى لحق البلاغة وأولى في التلقي بالقبول لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حينئذ يكون أصلاً في حكم الإيمان بما أنزل الله والمؤمنون تابعون له ويا فخرهم بذلك، ويلزم على الوجه في الثاني أن حكم المؤمنين أقوى من حكم الرسول صلى الله عليه وسلم لكون جملتهم إسمية ومؤكدة، وعورض بأن في الثاني إيذاناً بتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيداً للإشعار بما بين إيمانه صلى الله عليه وسلم المبني على المشاهدة والعيان وبين إيمان سائر المؤمنين الناشيء عن الحجة والبرهان من التفاوت البين والفرق الواضح كأنهما مختلفان من كل وجه حتى في هيئة التركيب؛ ويلزم على الأول: أنه إن حمل كل من الإيمانين على ما يليق بشأنه صلى الله عليه وسلم من حيث الذات ومن حيث التعلق استحال إسنادهما إلى غيره عليه الصلاة والسلام وضاع التكرير، وإن حمل على ما يليق بشأن آحاد الأمة كان ذلك حطاً لرتبته العلية وإذا حملا على ما يليق بكل واحد مما نسبا إليه ذاتاً وتعلقاً بأن يحملا بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم على الإيمان العياني المتعلق بجميع التفاصيل وبالنسبة إلى آحاد الأمة على الإيمان المكتسب من مشكاته صلى الله عليه وسلم واللائق بحالهم من الإجمال والتفصيل كان اعتسافاً بيناً ينزه عنه التنزيل والشبهة التي ظنت معارضة مدفوعة بأن الإتيان بالجملة الاسمية مع تكرار الإسناد المقوي للحكم لما في الحكم بإيمان كل واحد منهم على الوجه الآتي من نوع خفاء محوج لذلك، وتوحيد الضمير في {ءَامَنَ} مع رجوعه إلى كل المؤمنين لما أن المراد بيان إيمان كل فرد فرد منهم من غير اعتبار الاجتماع كما اعتبر في قوله تعالى: {أية : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دٰخِرِينَ } تفسير : [النمل: 87] وهو أبعد عن التقليد الذي هو إن لم يجرح خدش أي كل واحد/ منهم على حياله ـ آمن ـ. {بِٱللَّهِ} أي صدق به وبصفاته ونفى التشبيه عنه وتنزيهه عما لا يليق بكبريائه من نحو الشريك في الألوهية والربوبية وغير ذلك {وَمَلَٰـئِكَتُهُ} من حيث إنهم معصومون مطهرون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون من شأنهم التوسط بينه تعالى وبين الرسل بإنزال الكتب وإلقاء الوحي ولهذا ذكروا في النظم قبل قوله تعالى: {وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} أي من حيث مجيئهما منه تعالى على وجه يليق بشأن كل منهما ويلزم الإيمان التفصيلي فيما علم تفصيلاً من كل من ذلك والإجمالي فيما علم إجمالاً وإنما لم يذكر هٰهنا الإيمان باليوم الآخر كما ذكر في قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءامَنَ } تفسير : [البقرة: 177] الخ لاندراجه في الإيمان بكتبه والثواني كثيراً ما يختصر فيها. وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ وكتابه ـ بالإفراد فيحتمل أن يراد به القرآن بحمل الإضافة على العهد أو يراد الجنس فلا يختص به والفرق بينه وبين الجمع ـ على ما ذهب إليه إمام الحرمين، والزمخشري ـ وروي عن الإمام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ أن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع لأن المفرد يتناول جميع الآحاد ابتداءاً فلا يخرج عنه شيء منه قليلاً أو كثيراً بخلاف الجمع فإنه يستغرق الجموع أولاً وبالذات ثم يسري إلى الآحاد ـ وهذا المبحث من معضلات علم المعاني ـ وقد فرغ من تحقيقه هناك. {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ} في حيز النصب بقول مقدر مسند إلى ضمير {كُلٌّ} مراعى فيه اللفظ فيفرد أو المعنى فيجمع ـ ولعله أولى ـ والجملة منصوبة المحل على أنها حال من ضمير {ءامنَ} أو مرفوعة على أنها خبر آخر ـ لكل ـ أي يقولون، أو يقول: لا نفرق بين رسل الله تعالى بأن نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل أهل الكتابين بل نؤمن بهم جميعاً ونصدق بصحة رسالة كل واحد منهم وقيدوا إيمانهم بذلك تحقيقاً للحق وتنصيصاً على مخالفة أولئك المفرقين من الفريقين بإظهار الإيمان بما كفروا به فلعنة الله على الكافرين. ومن هنا يعلم أن القائلين هم آحاد المؤمنين خاصة إذ يبعد أن يسند إليه صلى الله عليه وسلم أن يقول لا أفرق بين أحد من رسله وهو يريد إظهار إيمانه برسالة نفسه وتصديقه في دعواها، ومن اعتبر إدراج الرسول في {كُلٌّ} واستبعد هذا قال بالتغليب هٰهنا، ومن لم يستبعد إذ كان صلى الله عليه وسلم يأتي بكلمة الشهادة كما يأتي بها سائر الناس أو يبدل العلم فيها بضمير المتكلم لم يحتج إلى القول بالتغليب، وعدم التعرض لنفي التفريق بين الكتب لاستلزام المذكور إياه وإنما لم يعكس مع تحقق التلازم لما أن الأصل في تفريق المفرقين هو الرسل وكفرهم بالكتب متفرع على كفرهم بهم وإيثار إظهار الرسل على الإضمار الواقع مثله في قوله تعالى: {أية : وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } تفسير : [البقرة: 136] إما للاحتراز عن توهم اندراج الملائكة ولو على بعد في الحكم وهو وإن لم يكن فيه بأس إلا أنه ليس في التعرض له كثير جدوى إذ لا مزاحم في الظاهر، وإن كان فقليل أو للإشعار بعلة عدم التفريق أو للإيماء إلى عنوانه لأن المعتبر عدم التفريق من حيث الرسالة دون سائر الحيثيات. وقرأ يعقوب، وأبو عمرو في رواية عنه ـ لا يفرق ـ بالياء على لفظ {كُلٌّ} وقرىء لا يفرقون حملاً على معناه، والجملة نفسها حينئذ حال أو خبر على نحو ما تقدم في القول المقدر ولا حاجة إليه هنا، والكلام على {أَحَدٌ} وإدخال {بَيْنَ} عليه قد سبق في تفسير قوله تعالى: {أية : لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } تفسير : [البقرة: 136]. {وَقَالُواْ} عطف على {ءَامَنَ} والجمع باعتبار المعنى وهو حكاية لامتثالهم الأوامر والنواهي إثر حكاية إيمانهم {سَمِعْنَا} أي أجبنا وهو المعنى/ العرفي للسمع {وَأَطَعْنَا} وقبلنا عن طوع ما دعوتنا إليه في الأوامر والنوهي، وقيل: (سمعنا) ما جاءنا من الحق وتيقناً بصحته، و (أطعنا) ما فيه من الأمر والنهي {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} أي اغفر غفرانك ما ينقص حظوظنا لديك، أو نسألك غفرانك ذلك، فغفران مصدر إما مفعول مطلق أو مفعول به ـ ولعل الأول أولى ـ لما في الثاني من تقدير الفعل الخاص المحوج إلى اعتبار القرينة وتقديم ذكر السمع على الطاعة لتقدم العام على الخاص، أو لأن التكليف طريقه السمع والطاعة بعده وتقديم ذكرهما على طلب الغفران لما أن تقدم الوسيلة على المسؤول أقرب إلى الإجابة والقبول، والتعرض لعنوان الربوبية قد تقدم سره غير مرة {وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} أي الرجوع بالموت والبعث وهو مصدر ميمي، والجملة قيل: معطوفة على مقدر أي فمنك المبدأ وإليك المصير وهي تذييل لما قبله مقرر للحاجة إلى المغفرة وفيها إقرار بالمعاد الذي لم يصرح به قبل.
سيد قطب
تفسير : هذا ختام السورة الكبيرة.. الكبيرة بحجمها التعبيري إذ هي أطول سور القرآن، والكبيرة بموضوعاتها التي تمثل قطاعاً ضخماً رحيباً من قواعد التصور الإيماني، وصفة الجماعة المسلمة، ومنهجها، وتكاليفها، وموقفها في الأرض، ودورها في الوجود؛ وموقف أعدائها المناهضين لها، وطبيعتهم، وطبيعة وسائلهم في حربها؛ ووسيلتها هي في دفع غائلتهم عنها من جهة، وتوقي مصيرهم المنكود من جهة أخرى.. كما شرحت السورة طبيعة دور الإنسان في الأرض، وفطرته، ومزالق خطاه، ممثلة في تاريخ البشرية وقصصها الواقعي.. إلى آخر ما سبق تفصيله في أثناء استعراض نصوصها الطويلة. هذا ختام السورة الكبيرة.. في آيتين اثنتين.. ولكنهما تمثلان بذاتهما تلخيصاً وافياً لأعظم قطاعات السورة. يصلح ختاماً لها. ختاماً متناسقاً مع موضوعاتها وجوها وأهدافها. لقد بدأت السورة بقوله تعالى: {أية : ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه، هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون}.. تفسير : وورد في ثناياها إشارات إلى هذه الحقيقة، وبخاصة حقيقة الإيمان بالرسل جميعاً.. وها هي ذي تختم بقوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون. كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. لا نفرق بين أحد من رسله...} وهو ختام يتناسق مع البدء كأنهما دفتا كتاب! وقد حوت السورة الكثير من تكاليف الأمة المسلمة، وتشريعاتها في شتى شؤون الحياة.. كما ورد فيها الكثير عن نكول بني إسرائيل عن تكاليفهم وتشريعاتهم.. وفي ختامها يجيء هذا النص المفصح عن الحد الفاصل بين النهوض بالتكاليف والنكول عنها، المبين أن الله - سبحانه - لا يريد إعنات هذه الأمة ولا إثقالها، وأنه كذلك لا يحابيها - كما زعمت يهود عن ربها - ولا يتركها سدى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}.. وقد تضمنت السورة بعض قصص بني إسرائيل؛ وما أنعم الله عليهم به من فضل وما قابلوا به هذا الفضل من جحود؛ وما كلفهم من كفارات بلغ بعضها حد القتل: {أية : فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم}.. تفسير : وفي ختامها يرد ذلك الدعاء الخاشع من المؤمنين: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا. ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به. وأعف عنا واغفر لنا وارحمنا...}. وقد فرض في السورة على المؤمنين القتال؛ وأمروا بالجهاد والإنفاق في سبيل الله لدفع الكفر والكافرين.. وهي تختم بالتجاء المؤمنين إلى ربهم يستمدون منه العون على ما كلفهم، والنصر على عدوهم: {أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين}. إنه الختام الذي يلخص ويشير ويتناسق مع خط السورة الأصيل.. وفي هاتين الآيتين كل كلمة لها موضعها، ولها دورها، ولها دلالتها الضخمة. وهي قائمة في العبارة لتمثيل ما وراءها - وهو كبير - من حقائق العقيدة.. من طبيعة الإيمان في هذا الدين وخصائصه وجوانبه. ومن حال المؤمنين به مع ربهم، وتصورهم لما يريده - سبحانه - بهم، وبالتكاليف التي يفرضها عليهم. ومن التجائهم إلى كنفه واستسلامهم لمشيئته وارتكانهم إلى عونه.. نعم.. كل كلمة لها دورها الضخم. بصورة عجيبة. عجيبة حتى في نفس من عاش في ظلال القرآن، وعرف شيئاً من أسرار التعبير فيه؛ وطالع هذه الأسرار في كل آية من آياته! فلننظر في هذه النصوص بشيء من التفصيل: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون. كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. لا نفرق بين أحد من رسله. وقالوا: سمعنا وأطعنا. غفرانك ربنا وإليك المصير}.. إنها صورة للمؤمنين، للجماعة المختارة التي تمثلت فيها حقيقة الإيمان فعلاً. ولكل جماعة تتمثل فيها هذه الحقيقة الضخمة.. ومن ثم كرمها الله - سبحانه - وهو يجمعها - في حقيقة الإيمان الرفيعة - مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو تكريم تدرك الجماعة المؤمنة حقيقته؛ لأنها تدرك حقيقة الرسول الكبيرة؛ وتعرف أي مرتقى رفعها الله إليه عنده، وهو يجمع بينها وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - في صفة واحدة، في آية واحدة، من كلامه الجليل: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون}.. وإيمان الرسول بما أنزل إليه من ربه هو إيمان التلقي المباشر. تلقي قلبه النقي للوحي العلي. واتصاله المباشر بالحقيقة المباشرة. الحقيقة التي تتمثل في كيانه بذاتها من غير كد ولا محاولة؛ وبلا أداة أو واسطة. وهي درجة من الإيمان لا مجال لوصفها فلا يصفها إلا من ذاقها، ولا يدركها من الوصف - على حقيقتها - إلا من ذاقها كذلك! فهذا الإيمان - إيمان الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يكرم الله عباده المؤمنين فيجمعهم في الوصف مع الرسول الكريم. على فارق ما بين مذاقه في كيان الرسول - صلى الله عليه وسلم - بطبيعة الحال وكيان أيٍّ سواه ممن لم يتلق الحقيقة المباشرة من مولاه. فما هي طبيعة هذا الإيمان وحدوده؟ {كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. لا نفرق بين أحد من رسله. وقالوا: سمعنا وأطعنا. غفرانك ربنا وإليك المصير}.. إنه الإيمان الشامل الذي جاء به هذا الدين. الإيمان الذي يليق بهذه الأمة الوارثة لدين الله، القائمة على دعوته في الأرض إلى يوم القيامة، الضاربة الجذور في أعماق الزمان، السائرة في موكب الدعوة وموكب الرسول وموكب الإيمان الممتد في شعاب التاريخ البشري، الإيمان الذي يتمثل البشرية كلها منذ نشأتها إلى نهايتها صفين اثنين: صف المؤمنين وصف الكافرين. حزب الله وحزب الشيطان. فليس هنالك صف ثالث على مدار الزمان. {كل آمن بالله}.. والإيمان بالله في الإسلام قاعدة التصور. وقاعدة المنهج الذي يحكم الحياة. وقاعدة الخلق وقاعدة الاقتصاد. وقاعدة كل حركة يتحركها المؤمن هنا أو هناك. الإيمان بالله معناه إفراده - سبحانه - بالألوهية والربوبية والعبادة. ومن ثم إفراده بالسيادة على ضمير الإنسان وسلوكه في كل أمر من أمور الحياة. ليس هناك شركاء - إذن - في الألوهية أو الربوبية. فلا شريك له في الخلق. ولا شريك له في تصريف الأمور. ولا يتدخل في تصريفه للكون والحياة أحد. ولا يرزق الناس معه أحد. ولا يضر أو ينفع غيره أحد. ولا يتم شيء في هذا الوجود صغيراً كان أو كبيراً إلا ما يأذن به ويرضاه. وليس هناك شركاء في العبادة يتجه إليهم الناس. لا عبادة الشعائر ولا عبادة الخضوع والدينونة. فلا عبادة إلا لله. ولا طاعة إلا لله ولمن يعمل بأمره وشرعه، فيتلقى سلطانه من هذا المصدر الذي لا سلطان إلا منه. فالسيادة على ضمائر الناس وعلى سلوكهم لله وحده بحكم هذا الإيمان. ومن ثم فالتشريع وقواعد الخلق، ونظم الاجتماع والاقتصاد لا تتلقى إلا من صاحب السيادة الواحد الأحد.. من الله.. فهذا هو معنى الإيمان بالله.. ومن ثم ينطلق الإنسان حراً إزاء كل من عدا الله، طليقاً من كل قيد إلا من الحدود التي شرعها الله، عزيزاً على كل أحد إلا بسلطان من الله. {وملائكته}.. والإيمان بملائكة الله طرف من الإيمان بالغيب، الذي تحدثنا عن قيمته في حياة الإنسان في مطلع السورة - في الجزء الأول من الظلال - وهو يخرج الإنسان من نطاق الحواس المضروب على الحيوان؛ ويطلقه يتلقى المعرفة مما وراء هذا النطاق الحيواني؛ وبذلك يعلن "إنسانيته" بخصائصها المميزة.. ذلك بينما هو يلبي فطرة الإنسان وشوقه إلى المجاهيل التي لا تحيط بها حواسه، ولكنه يحس وجودها بفطرته. فإذا لم تلب هذه الأشواق الفطرية بحقائق الغيب - كما منحها الله له - اشتطت وراء الأساطير والخرافات لتشبع هذه الجوعة؛ أو أصيب الكيان الإنساني بالخلخلة والاضطراب. والإيمان بالملائكة: إيمان بحقيقة غيبية، لا سبيل للإدراك البشري أن يعرفها بذاته، بوسائله الحسية والعقلية المهيأة له.. بينما كيانه مفطور على الشوق إلى معرفة شيء من تلك الحقائق الغيبية. ومن ثم شاءت رحمة الله بالإنسان - وهو فاطره وهو العليم بتكوينه وأشواقه وما يصلح له ويصلحه - أن يمده بطرف من الحقائق الغيبية هذه، ويعينه على تمثلها - ولو كانت أدواته الذاتية قاصرة عن الوصول إليها - وبذلك يريحه من العناء ومن تبديد الطاقة في محاولة الوصول إلى تلك الحقائق التي لا يصلح كيانه وفطرته بدون معرفتها، ولا يطمئن باله ولا يقر قراره قبل الحصول عليها! بدليل أن الذين أرادوا أن يتمردوا على فطرتهم، فينفوا حقائق الغيب من حياتهم، استبدت ببعضهم خرافات وأوهام مضحكة؛ أو اضطربت عقولهم وأعصابهم وامتلأت بالعقد والانحرافات! وفضلاً على ذلك كله فإن الإيمان بحقيقة الملائكة - شأنه شأن الإيمان بالحقائق الغيبية المستيقنة التي جاءت من عند الله - يوسع آفاق الشعور الإنساني بالوجود، فلا تنكمش صورة الكون في تصور المؤمن حتى تقتصر على ما تدركه حواسه - وهو ضئيل - كما أنه يؤنس قلبه بهذه الأرواح المؤمنة من حوله؛ تشاركه إيمانه بربه، وتستغفر له، وتكون في عونه على الخير - بإذن الله - وهو شعور لطيف ندي مؤنس ولا شك.. ثم هنالك المعرفة: المعرفة بهذه الحقيقة وهي في ذاتها فضل يمنحه الله للمؤمنين به وبملائكته.. {وكتبه ورسله}.. {لا نفرِّق بين أحد من رسله}.. والإيمان بكتب الله ورسله بدون تفرقة بين أحد من رسله هو المقتضى الطبيعي الذي ينبثق من الإيمان بالله في الصورة التي يرسمها الإسلام. فالإيمان بالله يقتضي الاعتقاد بصحة كل ما جاء من عند الله، وصدق كل الرسل الذين يبعثهم الله، ووحدة الأصل الذي تقوم عليه رسالتهم، وتتضمنه الكتب التي نزلت عليهم.. ومن ثم لا تقوم التفرقة بين الرسل في ضمير المسلم. فكلهم جاء من عند الله بالإسلام في صورة من صوره المناسبة لحال القوم الذين أرسل إليهم؛ حتى انتهى الأمر إلى خاتم النبيين - محمد - صلى الله عليه وسلم - فجاء بالصورة الأخيرة للدين الواحد، لدعوة البشرية كلها إلى يوم القيامة. وهكذا تتلقى الأمة المسلمة تراث الرسالة كله؛ وتقوم على دين الله في الأرض، وهي الوارثة له كله؛ ويشعر المسلمون - من ثم - بضخامة دورهم في هذه الأرض إلى يوم القيامة. فهم الحراس على أعز رصيد عرفته البشرية في تاريخها الطويل. وهم المختارون لحمل راية الله - وراية الله وحدها - في الأرض، يواجهون بها رايات الجاهلية المختلفة الشارات، من قومية ووطنية وجنسية وعنصرية وصهيونية وصليبية واستعمارية وإلحادية.. إلى آخر شارات الجاهلية التي يرفعها الجاهليون في الأرض، على اختلاف الأسماء والمصطلحات واختلاف الزمان والمكان. إن رصيد الإيمان الذي تقوم الأمة المسلمة حارسة عليه في الأرض، ووارثة له منذ أقدم الرسالات، هو أكرم رصيد وأقومه في حياة البشرية. إنه رصيد من الهدى والنور، ومن الثقة والطمأنينة، ومن الرضى والسعادة، ومن المعرفة واليقين.. وما يخلو قلب بشري من هذا الرصيد حتى يجتاحه القلق والظلام، وتعمره الوساوس والشكوك، ويستبد به الأسى والشقاء. ثم يروح بتخبط في ظلماء طاخية، لا يعرف أين يضع قدميه في التيه الكئيب! وصرخات القلوب التي حرمت هذا الزاد، وحرمت هذا الأنس، وحرمت هذا النور، صرخات موجعة في جميع العصور.. هذا إذا كان في هذه القلوب حساسية وحيوية ورغبة في المعرفة ولهفة على اليقين. فأما القلوب البليدة الميتة الجاسية الغليظة، فقد لا تحس هذه اللهفة ولا يؤرقها الشوق إلى المعرفة.. ومن ثم تمضي في الأرض كالبهيمة تأكل وتستمتع كما تأكل الأنعام وتستمتع. وقد تنطح وترفس كالبهيمة، أو تفترس وتنهش كالوحش؛ وتزاول الطغيان والجبروت والبغي والبطش، وتنشر الفساد في الأرض.. ثم تمضي ملعونة من الله ملعونة من الناس! والمجتمعات المحرومة من تلك النعمة مجتمعات بائسة - ولو غرقت في الرغد المادي - خاوية - ولو تراكم فيها الإنتاج - قلقة - ولو توافرت لها الحريات والأمن والسلام الخارجي - وأمامنا في أمم الأرض شواهد على هذه الظاهرة لا ينكرها إلا مراوغ يتنكر للحس والعيان! والمؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله، يتوجهون إلى ربهم بالطاعة والتسليم، ويعرفون أنهم صائرون إليه، فيطلبون مغفرته من التقصير: {وقالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا، وإليك المصير}. ويتجلى في هذه الكلمات أثر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله. يتجلى في السمع والطاعة، السمع لكل ما جاءهم من عند الله، والطاعة لكل ما أمر به الله. فهو إفراد الله بالسيادة كما ذكرنا من قبل، والتلقي منه في كل أمر. فلا إسلام بلا طاعة لأمر الله، وإنفاذ لنهجه في الحياة. ولا إيمان حيث يعرض الناس عن أمر الله في الكبيرة والصغيرة من شؤون حياتهم؛ أو حيث لا ينفذون شريعته، أو حيث يتلقون تصوراتهم عن الخلق والسلوك والاجتماع والاقتصاد والسياسة من مصدر غير مصدره. فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل. ومع السمع والطاعة.. الشعور بالتقصير والعجز عن توفية آلاء الله حق شكرها؛ وفرائض الله حق أدائها. والالتجاء إلى رحمة الله لتتدارك تقصيرهم وعجزهم بسماحتها: {غفرانك ربنا}.. ولكن طلب الغفران إنما يجيء بعد تقديم الاستسلام وإعلان السمع والطاعة ابتداء بلا عناد أو نكران.. وإنما يعقبه كذلك اليقين بأن المصير إلى الله. المصير إليه في الدنيا والآخرة. المصير إليه في كل أمر وكل عمل. فلا ملجأ من الله إلا إليه؛ ولا عاصم من قدره، ولا مرد لقضائه ولا نجوة من عقابه إلا برحمته وغفرانه: {وإليك المصير}. وهذا القول يتضمن الإيمان باليوم الآخر - كما رأينا - والإيمان باليوم الآخر هو أحد مقتضيات الإيمان بالله وفق التصور الإسلامي الذي يقوم على أساس أن الله خلق الإنسان ليستخلفه في الأرض بعهد منه وشرط، يتناول كل صغيرة وكبيرة من نشاطه في هذه الأرض؛ وأنه خلقه واستخلفه ليبتليه في حياته الدنيا، ثم ينال جزاءه بعد نهاية الابتلاء.. فاليوم الآخر والجزاء فيه حتمية من حتميات الإيمان وفق التصور الإسلامي.. وهذا الإيمان على هذا النحو هو الذي يكيف ضمير المسلم وسلوكه، وتقديره للقيم والنتائج في هذه العاجلة. فهو يمضي في طريق الطاعة، وتحقيق الخير، والقيام على الحق والاتجاه إلى البر سواء كانت ثمرة ذلك - في الأرض - راحة له أم تعباً. كسباً له أم خسارة. نصراً له أم هزيمة. وجداناً له أو حرماناً. حياة له أو استشهاداً. لأن جزاءه هناك في الدار الآخرة بعد نجاحه في الابتلاء، واجتيازه للامتحان.. لا يزحزحه عن الطاعة والحق والخير والبر أن تقف له الدنيا كلها بالمعارضة والأذى والشر والقتل.. فهو إنما يتعامل مع الله؛ وينفذ عهده وشرطه؛ وينتظر الجزاء هناك! إنها الوحدة الكبرى. طابع العقيدة الإسلامية. ترسمه هذه الآية القصيرة: الإيمان بالله وملائكته. والإيمان بجميع كتبه ورسله، بلا تفريق بين الرسل، والسمع والطاعة، والإنابة إلى الله. واليقين بيوم الحساب. إنه الإسلام. العقيدة اللائقة بأن تكون ختام العقائد، وآخر الرسالات. العقيدة التي تصور موكب الإيمان الواصب من مبتدى الخليقة إلى منتهاها. وخط الهداية المتصل الموصول بأيدي رسل الله جميعاً. المتدرج بالبشرية في مراقي الصعود. الكاشف لها عن الناموس الواحد بقدر ما تطيق: حتى يجيء الإسلام، فيعلن وحدة الناموس كاملة، ويدع للعقل البشري التفصيل والتطبيق. ثم هي العقيدة التي تعترف بالإنسان إنساناً لا حيواناً ولا حجراً، ولا ملكاً ولا شيطاناً. تعترف به كما هو. بما فيه من ضعف وما فيه من قوة، وتأخذه وحدة شاملة مؤلفة من جسد ذي نوازع، وعقل ذي تقدير، وروح ذي أشواق.. وتفرض عليه من التكاليف ما يطيق؛ وتراعي التنسيق بين التكليف والطاقة بلا مشقة ولا إعنات؛ وتلبي كل حاجات الجسد والعقل والروح في تناسق يمثل الفطرة.. ثم تحمل الإنسان - بعد ذلك - تبعة اختياره للطريق الذي يختار: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}. وهكذا يتصور المسلم رحمة ربه وعدله في التكاليف التي يفرضها الله عليه في خلافته للأرض؛ وفي ابتلائه في أثناء الخلافة؛ وفي جزائه على عمله في نهاية المطاف. ويطمئن إلى رحمة الله وعدله في هذا كله؛ فلا يتبرم بتكاليفه، ولا يضيق بها صدراً، ولا يستثقلها كذلك، وهو يؤمن أن الله الذي فرضها عليه أعلم بحقيقة طاقته، ولو لم تكن في طاقته ما فرضها عليه. ومن شأن هذا التصور - فضلاً عما يسكبه في القلب من راحة وطمأنينة وأنس - أن يستجيش عزيمة المؤمن للنهوض بتكاليفه، وهو يحس أنها داخلة في طوقه؛ ولو لم تكن داخلة في طوقه ما كتبها الله عليه؛ فإذا ضعف مرة أو تعب مرة أو ثقل العبء عليه، أدرك أنه الضعف لا فداحة العبء! واستجاش عزيمته ونفض الضعف عن نفسه وهمّ همة جديدة للوفاء، ما دام داخلاً في مقدروه! وهو إيحاء كريم لاستنهاض الهمة كلما ضعفت على طول الطريق! فهي التربية كذلك لروح المؤمن وهمته وإرادته؛ فوق تزويد تصوره بحقيقة إرادة الله به في كل ما يكلفه. ثم الشطر الثاني من هذا التصور: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}. فردية التبعة، فلا تنال نفس إلا ما كسبت؛ ولا تحمل نفس إلا ما اكتسبت.. فردية التبعة، ورجعة كل إنسان إلى ربه بصحيفته الخاصة، وما قيد فيها له أو عليه. فلا يحيل على أحد، ولا ينتظر عون أحد.. ورجعة الناس إلى ربهم فرادى من شأنها - حين يستيقنها القلب - أن تجعل كل فرد وحدة إيجابية لا تنزل عن حق الله فيها لأحد من عباده إلا بالحق. وتقف كل إنسان مدافعاً عن حق الله فيه تجاه كل إغراء، وكل طغيان، وكل إضلال، وكل إفساد، فهو مسؤول عن نفسه هذه وعن حق الله فيها - وحق الله فيها هو طاعته في كل ما أمر به وفي كل ما نهى عنه، وعبوديتها له وحده شعوراً وسلوكاً - فإذا فرط في هذا الحق لأحد من العبيد تحت الإغراء والإضلال، أو تحت القهر والطغيان - إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان - فما أحد من تلك العبيد بدافع عنه يوم القيامة ولا شافع له؛ وما أحد من تلك العبيد بحامل عنه شيئاً من وزره ولا ناصر له من الله واليوم الآخر.. ومن ثم يستأسد كل إنسان في الدفع عن نفسه والدفاع عن حق الله فيها، ما دام هو الذي سيلقى جزاءه مفرداً وحيداً! ولا خوف من هذه الفردية - في هذا المقام - فمن مقتضيات الإيمان أن ينهض كل فرد في الجماعة بحق الجماعة عليه، بوصفه طرفاً من حق الله في نفسه. فهو مأمور أن يتكافل مع الجماعة في ماله وكسبه، وفي جهده ونصحه، وفي إحقاق الحق في المجتمع وإزهاق الباطل، وفي تثبيت الخير والبر وإزاحة الشر والنكر.. وكل أولئك يحسب له أو عليه في صحيفته يوم يلقى الله فرداً فيتلقى هنالك جزاءه! وكأنما سمع المؤمنون هذه الحقيقة وأدركوها.. فها هو ذا ينطلق من قلوبهم دعاء خافق واجف، يذكره النص القرآني بطريقة القرآن التصويرية؛ فكأنما نحن أمام مشهد الدعاء، وصفوف المؤمنين قائمة تردده في خشوع؛ عقب إعلان حقيقة التكاليف وحقيقة الجزاء: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا. ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به. واعف عنا، واغفر لنا، وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين}.. وهو دعاء يصور حال المؤمنين مع ربهم؛ وإدراكهم لضعفهم وعجزهم، وحاجتهم إلى رحمته وعفوه، وإلى مدده وعونه؛ وإلصاق ظهورهم إلى ركنه، والتجائهم إلى كنفه، وانتسابهم إليه وتجردهم من كل من عداه؛ واستعدادهم للجهاد في سبيله واستمدادهم النصر منه.. كل أولئك في نغمة وادعة واجفة تصور بإيقاعاتها وجيب القلب ورفرفة الروح.. {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}. فدائرة الخطأ والنسيان هي التي تحكم تصرف المسلم حين ينتابه الضعف البشري الذي لا حيلة له فيه. وفي مجالها يتوجه إلى ربه يطلب العفو والسماح. وليس هو التبجح إذن بالخطيئة أو الإعراض ابتداء عن الأمر، أو التعالي عن الطاعة والتسليم؛ أو الزيغ عن عمد وقصد.. ليس في شيء من هذا يكون حال المؤمن مع ربه؛ وليس في شيء من هذا يطمع في عفوه أو سماحته.. إلا أن يتوب ويرجع إلى الله وينيب.. وقد استجاب الله لدعاء عباده المؤمنين في هذا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". تفسير : {ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا}.. وهو دعاء ينبعث من وراثة الأمة المسلمة لتراث الرسالة كله، ومعرفتهم - كما علمهم ربهم في هذا القرآن - بما كان من سلوك الأمم التي جاءتها الرسالات قبلهم؛ وما حملهم الله من الآصار والأثقال عقوبة لهم على بعض ما كان منهم. فقد حرم على بني إسرائيل بعض الطيبات بعملهم. وفي آية الأنعام: {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم}.. تفسير : وكتب عليهم قتل أنفسهم تكفيراً عن عبادتهم للعجل كما سبق في أول هذه السورة. وحرم عليهم "السبت" أن يبتغوا فيه تجارة أو صيداً.. وهكذا فالمؤمنون يدعون ربهم ألا يحمل عليهم أثقالاً كالتي حملها على الذين من قبلهم وقد بعث الله النبي الأمي يضع عن المؤمنين به من البشر كافة: {أية : إصرهم والأغلال التي كانت عليهم}.. تفسير : فجاءت هذه العقيدة سمحة ميسرة، هينة لينة، تنبع من الفطرة وتتبع خط الفطرة، وقيل للرسول - صلى الله عليه وسلم - {أية : ونيسرك لليسرى }. تفسير : على أن الإصر الأكبر الذي رفعه الله عن كاهل الأمة المسلمة، والذي حمله الله على عاتق الأمم التي استخلفها في الأرض قبلهم فنقضت عهد الاستخلاف وحادت عنه.. هذا الإصر الأكبر هو إصر العبودية للبشر. عبودية العبد للعبد. ممثلة في تشريع العبد للعبد. وفي خضوع العبد للعبد لذاته أو لطبقته أو لجنسه.. فهذا هو الإصر الأكبر الذي أطلق الله عباده المؤمنين منه، فردهم إلى عبادته وحده وطاعته وحده، وتلقي الشريعة منه وحده، وحرر بهذه العبودية لله الواحد الأحد أرواحهم وعقولهم وحياتهم كلها من العبودية للعبيد! إن العبودية لله وحده - متمثلة في تلقي الشرائع والقوانين والقيم والموازين منه وحده - هي نقطة الانطلاق والتحرر البشري. الانطلاق والتحرر من سلطان الجبارين والطغاة، ومن سلطان السدنة والكهنة، ومن سلطان الأوهام والخرافات، ومن سلطان العرف والعادة، ومن سلطان الهوى والشهوة. ومن كل سلطان زائف يمثل الإصر الذي يلوي أعناق البشر ويخفض جباههم لغير الواحد القهار. ودعاء المؤمنين: {ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا}: يمثل شعورهم بنعمة الانطلاق والتحرر من العبودية للعبيد؛ كما يمثل خوفهم من الارتداد إلى ذلك الدرك السحيق. {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}.. وهو دعاء يشي بحقيقة الاستسلام. فالمؤمنون لا ينوون نكولاً عن تكليف الله أياً كان. ولكنهم فقط يتوجهون إليه راجين متطلعين أن يرحم ضعفهم فلا يكلفهم ما لا يطيقون. كي لا يعجزوا عنه ويقصروا فيه.. وإلا فهي الطاعة المطلقة والتسليم.. إنه طمع الصغير في رحمة الكبير. ورجاء العبد الضعيف في سماحة المالك المتصرف. وطلب ما هو من شأن الله في معاملته لعباده من كرم وبر وود وتيسير. ثم الاعتراف بالضعف بعد ذلك والتوجس من التقصير، الذي لا يمحو آثاره إلا فضل الله العفو الغفور: {وأعف عنا، واغفر لنا وارحمنا}. فهذا هو الضمان الحقيقي لاجتياز الامتحان، ونيل الرضوان. فالعبد مقصر مهما يحاول من الوفاء. ومن رحمة الله به أن يعامله بالعفو والمرحمة والغفران.. عن عائشة رضي الله عنها، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لا يدخل أحدكم الجنة بعمله.. قالوا ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". تفسير : وهذا هو قوام الأمر في حس المؤمن: عمل بكل ما في الوسع. وشعور مع ذلك بالتقصير والعجز.. ورجاء - بعد ذلك - في الله لا ينقطع. وتطلع إلى العفو والمغفرة والسماح. وأخيراً يلصق المؤمنون ظهورهم إلى ركن الله، وهم يهمون بالجهاد في سبيله، لإحقاق الحق الذي أراده، وتمكين دينه في الأرض ومنهجه، {أية : حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله}.. تفسير : يلصق المؤمنون ظهورهم إلى ركن الله الركين؛ ويرفعون رايته على رؤوسهم فينتسبون إليه وحده. إذا انتسبت الجاهلية إلى شتى الشعارات والعنوانات؛ ويطلبون نصره لأوليائه بما أنه هو مولاهم الوحيد؛ وهم باسمه يقاتلون الكفار الخارجين: {أنت مولانا، فانصرنا على القوم الكافرين}.. إنه الختام الذي يلخص السورة. ويلخص العقيدة. ويلخص تصور المؤمنين، وحالهم مع ربهم في كل حين..
ابن عاشور
تفسير : قال الزجاج: «لما ذكر الله في هذه السورة أحكاماً كثيرةً، وقصصاً، ختمها بقوله: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} تعظيماً لنبيّه صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وتأكيداً وفذلكة لجميع ذلك المذكور من قبل». يعني: أنّ هذا انتقال من المواعظ، والإرشاد، والتشريع، وما تخلّل ذلك: ممّا هو عون على تلك المقاصد، إلى الثناء على رسوله والمؤمنين في إيمانهم بجميع ذلك إيماناً خالصاً يتفرّع عليه العمل؛ لأنّ الإيمان بالرسول والكتاب، يقتضي الامتثالَ لما جاء به من عمل. فالجملة استئناف ابتدائي وضعت في هذا الموقع لمناسبة ما تقدم، وهو انتقال مؤذن بانتهاء السورة لأنّه لما انتقل من أغراض متناسبة إلى غرض آخر: هو كالحاصل والفذلكة، فقد أشعر بأنّه استوفى تلك الأغراض. وورد في أسباب النزول أنّ قوله: {آمن الرسول} يرتبط بقوله: { أية : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } تفسير : [البقرة: 284] كما تقدم آنفاً. وأل في الرسول للعهد. وهو عَلَم بالغلبة على محمد صلى الله عليه وسلم في وقت النزول قال تعالى: { أية : وهمّوا بإخراج الرسول } تفسير : [التوبة: 13]. و{المؤمنون} معطوف على {الرسول}، والوقف عليه. والمؤمنون - هنا - لَقَب للذين استجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك كان في جعله فاعلاً لقوله: {آمن} فائدةٌ، مع أنّه لا فائدةَ في قولك: قامَ القائمون. وقوله: {كل آمن بالله} جمع بعد التفصيل، وكذلك شأن (كلَ) إذا جاءت بعد ذكر متعدّد في حُكْم، ثم إرادة جمعه في ذلك، كقول الفضل بن عباس اللَّهَبِي، بعد أبيات: شعر : كُلٌّ له نِيَّةٌ في بغض صاحبه بنعمة الله نقليكم وتَقْلُونا تفسير : وإذ كانت (كلّ) من الأسماء الملازمة الإضافة فإذا حذف المضاف إليه نوّنت تنوينَ عوض عن مفرد كما نبّه عليه ابن مالك في «التسهيل». ولا يعكر عليه أنّ (كل) اسم معرب لأنّ التنوين قد يفيد الغرضين فهو من استعمال الشيء في معنييه. فمن جوّز أن يكون عَطْفُ {المؤمنون} عطفَ جملة وجعل {المؤمنون} مبتدأ وجعل {كلٌّ} مبتدأ ثانياً {وآمن} خبره، فقد شذّ عن الذوق العربي. وقرأ الجمهور {وكتبه} بصيغة جمع كتاب، وقرأه حمزة، والكسائي: وكِتَابِه، بصيغة المفرد على أنّ المراد القرآن أو جنس الكتاب. فيكون مساوياً لقوله: {وكتبه}، إذ المراد الجنس، والحقُّ أنّ المفرد والجمع سواء في إرادة الجنس، ألا تراهم يقولون: إنّ الجمع في مدخول أل الجنسية صوري، ولذلك يقال: إذا دَخلت ألْ الجنسية على جمع أبطلت منه معنى الجمعية، فكذلك كل ما أريد به الجنس كالمضاف في هاتين القراءتين، والإضافة تأتي لما تأتي له اللام، وعن ابن عباس أنّه قال، لما سئل عن هذه القراءة: «كتابِه أكثر من كُتبِه - أو - الكتاب أكثر من الكتب» فقيل أراد أنّ تناول المفرد المراد به الجنس أكثر من تناول الجمع حين يراد به الجنس، لاحتمال إرادة جنس الجموع، فلا يسري الحكم لما دون عدد الجمع من أفراد الجنس، ولهذا قال صاحب «المفتاح» «استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع». والحقُّ أنّ هذا لا يقصده العرب في نفي الجنس ولا في استغراقه في الإثبات. وأنّ كلام ابن عباس - إن صح نقله عنه - فتأويله أنّه أكْثَر لمساواته له معنى، مع كونه أخصر لفظاً، فلعلّه أراد بالأكثر معنى الأرجح والأقوى. وقوله: {لا نفرّق بين أحد من رسله} قرأه الجمهور بنون المتكلم المشارَك، وهو يحتمل الالتفات: بأن يكون من مقول قول محذوفٍ دل عليه السياق وعطف {وقالوا} عليه. أو النون فيه للجلالة أي آمَنُوا في حَال أنّنا أمرناهم بذلك، لأنّنا لا نفرّق فالجملة معترضة. وقيل: هو مقول لقول محذوف دل عليه آمَن؛ لأنّ الإيمان اعتقاد وقول. وقرأه يعقوب بالياء: على أنّ الضمير عائد على {كلُّ آمن بالله}. والتفريق هنا أريد به التفريق في الإيمان به والتصديق: بأن يؤمن ببعض ويكفر ببعض. وقوله: {لا نفرّق بين أحد من رسله} تقدم الكلام على نظيره عند قوله تعالى: { أية : لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } تفسير : [البقرة: 136]. {وقالوا سمعنا وأطعنا} عطف على {آمن الرسول} والسمع هنا كناية عن الرضا، والقبول، والامتثال، وعكسه لا يَسمعون أي لا يطيعون وقال النابغة: شعر : تَناذَرَهَا الرّاقُون مِنْ سُوءِ سَمْعِها تفسير : أي عدم امتثالها للرُّقْيَا. والمعنى: إنَّهم آمنوا، واطمأنّوا وامتثلوا، وإنّما جيء بلفظ الماضي، دون المضارع، ليدلوا على رسوخ ذلك؛ لأنّهم أرادوا إنشاء القبول والرضا، وصيغ العقود ونحوها تقع بلفظ الماضي نحو بعْت. و {غفرانك} نُصب على المفعول المطلق: أي اغفِرْ غفرانك، فهو بدل من فعله. والمصير يحتمل أن يكون حقيقة فيكون اعترافاً بالبعث، وجعل منتهياً إلى الله لأنّه منتهٍ إلى يوم، أو عالَم، تظهر فيه قدرة الله بالضرورة. ويحتمل أنّه مجاز عن تمام الامتثال والإيمان. كأنّهم كانوا قبل الإسلام آبقين، ثم صاروا إلى الله، وهذا كقوله تعالى: { أية : ففروا إلى اللَّه } تفسير : [الذاريات: 50]. وجعل المصير إلى الله تمثيلاً للمصير إلى أمره ونهيه: كقوله: { أية : ووجد اللَّه عنده فوفاه حسابه } تفسير : [النور: 39] وتقديم المجرور لإفادة الحصر: أي المصير إليك لا إلى غيرك، وهو قصر حقيقي قصدوا به لازم فائدته، وهو أنّهم عالِمون بأنّهم صائرون إليه، ولا يصيرون إلى غيره ممّن يعبدهم أهل الضّلال.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: آمن: صدق جازما بصحة الخبر ولم يتردد أو يشك فيه قط. الرسول: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. كلّ: كل من الرسول والمؤمنين. لا نفرق بين أحد من رسله: نؤمن بهم جميعاً ولا نكون كاليهود والنصارى نؤمن ببعض، ونكفر ببعض. سمعنا: سَماعَ فهمٍ واستجابة وطاعة. المصير: المرجع أي رجوعنا إليك يا ربنا فاغفر لنا. لا يكلف الله نفسا: التكليف الإِلزام مما فيه كلفة ومشقة تحتمل. إلا وسعها: إلا ما تتسع لها طاقتها ويكون في قدرتها. لها ما كسبت: من الخير. وعليها ما اكتسبت: من الشر. لا تؤاخذنا: لا تعاقبنا. إن نسينا: فتركنا ما أمرتنا به أو فعلنا ما نهيتنا عنه نسياناً منا غير عمد. أو أخطأنا: فعلنا غير ما أمرتنا خطأ منا بدون إرادة فعل منا له ولا عزيمة. إصراً: تكليفا شاقا يثقل علينا ويأسرنا فيحبسنا عن العمل. مولانا: مالكنا وسيدنا ومتولي أمرنا لا مولى لنا سواك. معنى الآيتين: ورد أنه لما نزلت الآية [284] {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ} وفيها {... وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ..} اضطربت لها نفوس المؤمنين، وقالوا من ينجوا منا إذا كنا نؤاخذ بما يُخفى في أنفسنا من الهم والوسواس وحديث النفس فأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالرضا بحكم الله تعالى والتسليم به فقال لهم: قولوا سمعنا وأطعنا ولا تكونوا كاليهود: {أية : قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا...} تفسير : [البقرة: 93] فلما قالوها صادقين أنزل الله تعالى هاتين الآيتين: {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ...} فأخبر عن إيمانهم مقروناً بإيمان نبيهم تكريما لهم وتطمينا فقال: {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ..} وأخبر عنهم بقولهم الذي كان سبب استجابة الله تعالى لهم فقال عنهم: {... وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} وأخبرهم تعالى أنه لرحمته بهم وحكمته في تصرفه في خلقه لا يكلف نفساً إلا ما تتسع له طاقتُها وتقدر على فعله، وإن لها ما كسبت من الخير فتجزى به خيراً وعليها ما اكتسبت من الشر فتجزى به شرّاً إلا أن يعفوا عنها ويغفر لها فقال: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ..} وعلمهم كيف يدعونه ليقول لهم قد فعلت، كما صح به الخبر فقال قولوا: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَٰـنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} وفعلا قد عفا عنهم في النسيان والخطأ وخفف عنهم في التشريع فما جعل عليهم في الدين من حرج، وعفا عنهم وغفر لهم ورحمهم ونصرهم على الكافرين بالحجة والبيان وفي المعارك بالسيف والسنان فله الحمد والمنة وهو الكبير المتعال. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- تقرير أركان الإيمان وهي الإِيمان بالله وملائكة وكتبه ورسله. 2- وجوب الإِيمان بكافة الرسل وحرمة الإِيمان ببعض وترك البعض وهو كفر والعياذ بالله تعالى. 3- وجوب طاعة الله ورسوله والتسليم والرضا بما شرع الله ورسوله وحرمة رد شيء من ذلك. 4- رفع الحرج عن هذه الأمة رحمة بها. 5- عدم المؤاخذه بالنسيان أو الخطأ فمن نسي وأكل أو شرب وهو صائم فلا إثم عليه أو أخطأ فقتل فلا إثم عليه. 6- العفو عن حديث النفس لنزول الآية فيه ما لم يتكلم المؤمن أو يعمل. 7- تعليم هذا الدعاء واستحباب الدعاء به إئتساءً بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقد ورد من قرأ هاتين الآيتين عند النوم كفتاه {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ...} السورة.
القطان
تفسير : غفرانك: نطلب مغفرتك، الا وسعها: الا طاقتها. كسبت واكتسبت: الفرق بينهما ان كسبت تستعمل في الخير، واكتسبت في الشر. إصرا: حِملا ثقيلا، وهي التكاليف الشاقة التي كانت تفرض على الأمم السابقة لكثرة عنادها وتشددها. مولانا: مالكنا ومتولي أمورنا. بهاتين الآيتين الكريمتين تُختتم هذه السورة الكبيرة التي هي أطول سورة في القرآن. وهما تمثلان بذاتهما تلخيصاً وافياً لأعظم قطاعات السورة يصلح ختاماً لها متناسقاً مع موضوعاتها وجوّها وأهدافها. فقد افتتح سبحانه هذه السورة العظيمة ببيان أن القرآن لا ريب فيه وانه هدى للمتقين، وبيّن صفات هؤلاء، وأصول الايمان التي أخذوا بها، ثم ذكر الكافرين والمنافقين، ثم أرشد الى كثير من الاحكام كما قدمنا في أول السورة. وهنا اختتم السورة بالشهادة للرسول وللمؤمنين، كما لقّنهم من الدعاء ما يرضيه ويطهرُ نفوسهم من الأدناس. واخيرا وصلوا الى طريق السعادة، وفازوا بخير الدارين.. وهذا منتهى الكمال الانساني وغاية ما تصبوا اليه نفوس البشر. آمن الرسول بما جاء به الوحي من عند الله، وآمن معه المؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله. ومن فضيلة هذا الدين ان المؤمنين به يحترمون جميع الأنبياء والرسل لا يفرّقون بين أحد منهم، وهذه ميزة لهم على غيرهم من أهل الكتاب الذين يقولون: نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعض. ويقول المسلمون: لقد بلّغنا الرسولُ الكريم تنزيل الله المحكم، واستجبنا لما فيه وأطعنا أوامره، فاغفر لنا ربّنا ذنوبنا، اليك وحدك المرجع والمآب. وقد منّ الله على المؤمنين حيث قال: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}، اي لا يكلف عباده الا ما يطيقون، فضلا منه ورحمة؛ فلكل نفس ما كسبت من قول أو فعل، وعليها ضرّ ما اكتسبت من شر. ثم علّم الله المؤمنين كلمات يدعونه بها ترفع عنهم الحرج، وتخفف عنهم عبء الخطأ والنسيان فقال: قولوا ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا، ولا تشدّد علينا فتكلّفنا ما يشق علينا كما شدّدت على بني اسرائيل بسبب تعنتهم وظلمهم. ربنا لا تحمّلنا ما يشق علينا من الأحكام والتكاليف، واعفُ عنا بكرمك، واغفر لنا بفضلك، وارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء، إنك انت مالكنا ومتولي أمورنا فانصرنا يا ربنا على القوم الكافرين حتى نقوم بنشر دينك وإعلاء كلمتك. وقد روى الطبراني في آخر هذه السورة عن ابن عباس ان رسول الله عند قراءة هذه الآية قال "حديث : ان الله تعالى يقول قد فعلت، أي عفوتُ عنكم وغفرت لكم ورحمتكم ونصرتكم على الكافرين، فأعطيتُ هذه الأمة خواتيم سورة لم تعطَها الأمم قبلها"تفسير : فاذا اتخذ المسلمون العدّة، وقاموا ببذل الوسع في استكمال الوسائل التي أرشد اليها المولى سبحانه، فانه يستجيب دعوتهم وينصرهم على اعدائهم. فلقد ورد في الأثر ان هذه الأمة لا تغلب من قلّة، لكنها قد تغلب لعدم قيام وُلاتها بالحق، وغفلة شعوبها عن واجباتهم. نسأل الله تعالى ان يوفقنا الى العمل الصادق بكتابه وسنته وأن يجمع شملنا، ويوحد كلمتنا، إنه نعم المولى ونعم النصير.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنَ} {وَمَلاۤئِكَتِهِ} (285) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِأنَّهُ صَدَّقَ بِمَا جَاءَهُ مِنَ الوَحْي، وَآمَنَ بِمَا أُنْزِلَ إليهِ مِنْ رَبِّهِ. وَالمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ كَذَلِكَ بِوُجُودِ اللهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَتَمَامِ حِكْمَتِهِ فِي نِظَامِ خَلِيقَتِهِ، وَيْؤْمِنُونَ بِوُجُودِ مَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَيُصَدِّقُونَ بِجَميعِ الأنْبياءِ وَالرُّسُلِ وَالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالأنبِياءِ، لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الرُّسُلِ وَالأنبياءِ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ جَمِيعاً صَادِقُونَ، هَادُونَ إلى سَبيلِ الخَيْرِ، وَإنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَنْسَخُ شَرِيعَةَ بَعْضٍ بِإذْنِ اللهِ. وَقَالُوا: سَمِعْنَا قَوْلَكَ يَا رَبَّنَا وَفَهِمْنَاهُ، وَامْتَثَلْنَا لِلْعَملِ بِمُقْتَضَاهُ، نَسْألُكَ المَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ وَإليكَ نَحْنُ صَائِرُونَ. غُفْرَانَكَ - نَسْألُكَ المَغْفِرَةَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : عندما نتأمل هذه الآية الكريمة نجد أن الإيمان الأول بالله كان من الرسول صلى الله عليه وسلم: {آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} [البقرة: 285]. وبعد ذلك يأتي إيمان الذين بلغهم الرسول بالدعوة {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} [البقرة: 285]. وبعد ذلك يمتزج إيمان الرسول بإيمان المؤمنين {كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} [البقرة: 285]. أي أن كلا من الرسول والمؤمنين آمنوا بالله. إن الإيمان الأول هو إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم، والإيمان أيضاً من المؤمنين بالرسالة التي جاء بها الرسول بناءً على توزيع الفاعل في "آمن" بين الرسول والمؤمنين. وبعد ذلك يجمعهما الله - الرسول والمؤمنين - في إيمان واحد، وهذا أمر طبيعي، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم آمن بالله أولاً، وبعد ذلك بلغنا الرسول صلى الله عليه وسلم وآمنا بالله وبه ثم امتزج الإيمان فصار إيماننا هو إيمان الرسول وإيمان الرسول هو إيماننا، وهذا ما يوضحه القول الحق: {كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ} [البقرة: 285]. إذن فالرسول في مرحلته الأولى سبق بالإيمان بالله، والرسول مطلوب منه حتى حين يؤمن بالله أن يؤمن بأنه رسول الله، ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكان الرسول إذا ما أعجبه أمر في سيرته ذاتها يقول: أشهد أني رسول الله .. إنّه يقولها بفرحة. ومثال ذلك ما روي حديث : عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "كان بالمدينة يهودي وكان يسلفني في تمري إلى الجذاذ، وكان لجابر الأرض التي بطريق رومة فجلست فخلا عاماً فجاءني اليهودي عند الجذاذ ولم أجذ منها شيئاً فجعلت أستنظره إلى قابل "أي أطلب منه أن يمهلني إلى عام ثان" فيأبى فَأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأصحابه: امشوا نستنظر لجابر من اليهودي فجاءوني في نخلي، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم يكلم اليهودي فيقول (اليهودي) أبا القاسم، لا أنظره فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم قام فطاف في النخل ثم جاءه فكلمه فأبى، فجئت بقليل رطب فوضعته بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فأكل ثم قال: أين عريشك يا جابر فأخبرته، فقال: افرش لي فيه ففرشته، فدخل فرقد ثم استيقظ فجئته بقبضة أخرى فأكل منها، ثم قام فكلم اليهودي فأبى عليه، فقام في الرطاب في النخل الثانية ثم قال يا جابر، جذّ واقض فوقف في الجذاذ فَجذذْتُ منها ما قضيته، وفضل منه فخرجت حتى جئت النبي صلى الله عليه وسلم فبشرته فقال: أشهد أني رسول الله . تفسير : والحق سبحانه وتعالى يشهد أن لا إله إلا هو: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [آل عمران: 18]. إذن فالله يشهد أن لا إله إلا هو، ورسول الله يشهد أن لا إله إلا الله، ويشهد أيضاً أنه رسول الله، يبلغ ذلك للمؤمنين فيكتمل التكوين الإيماني، ولذلك يقول الحق عن ذلك: {كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة: 285]. والحق يأتي بـ"كُلٌّ" ـ بالتنوين ـ أي كل من الرسول والمؤمنين. ويورد لنا سبحانه عناصر الإيمان: {كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} [البقرة: 285]. ونحن نعرف أن الإيمان بالله وكل ما يتعلق بالإيمان لابد أن يكون غيباً؛ فلا يوجد إيمان بمحس أبداً. فالأشياء المحسة لا يدخلها إيمان؛ لأنها مشهودة. وعناصر الإيمان في هذه الآية هي: إيمان بالله وهو غيب. وإيمان بالملائكة وهي غيب من خلق الله، ولو لم يبلغنا الله أن له خلقاً هم الملائكة لما عرفنا، إن الحق أخبرنا أنه خلق الملائكة وهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وهم غيب، ولولا ذلك لما عرفنا أمر الملائكة، وإيمان بالكتب والرسل. وقد يقول قائل: هل الرسل غيب؟ وهل الكتب السماوية غيب؟ إن الرسل بشر، والكتب مشهودة. ولمثل هذا القائل نقول: لا، لا يوجد واحد منا قد رأى الكتاب ينزل على الرسول، وهذا يعني أن عملية الوحي للرسول بالكتاب هي غيب يعلمه الله ويؤمن به المؤمنون. وكيف نؤمن بكل الرسل ولا نفرق بين أحد منهم؟. ونقول: إن الرسل المبلغين عن الله إنما يبلغون منهجاً عن الله فيه العقائد التي تختلف باختلاف العصور، وفيه الأحكام التي تختلف باختلاف العصور ومواقع القضايا فيها. إذن فالأصل العقدي في كل الرسالات أمر واحد، ولكن المطلوب في حركة الحياة يختلف؛ لأن أقضية الحياة تختلف، وحين تختلف أقضية الحياة فإن الحق سبحانه ينزل التشريع المناسب، لكن الأصل واحد والبلاغ من خالق لا إله إلا هو، ولذلك يأتي القول الحكيم: {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} [البقرة: 285] فنحن لا نفرق بين الرسل في أنهم يبلغون عن الله ما تتفق فيه مناهج التبليغ من ناحية الاعتقاد، وما تختلف من ناحية الأحكام التي تناسب أقضية كل عصر. وبعد ذلك يقول الحق؛ {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة: 285] إذن السماع هو بلوغ الدعوة والطاعة هي انفعال بالمطلوب، وأن يمتثل المؤمن أمراً ويمتثل المؤمن نهياً في كل أمر يتعلق بحركة الكون. فالذين يريدون أن يعزلوا الدين عن حركة الحياة يقولون: إن الدين يهتم بالعبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج. وبعد ذلك يحاولون عزل حركة الحياة عن الدين. لهؤلاء نقول: أنتم تتكلمون عما بلغكم من دين لم يجئ لينظم حركة الحياة، وإنما جاء ليعطي الجرعة المفقودة عند اليهود وهي الجرعة الروحية، لكن الدين الإسلامي جاء خاتماً للأديان منظماً لحركة الحياة، فكل أمر في الحياة وكل حركة فيها داخلة في حدود الطاعة. ونحن حين نقرأ القرآن الكريم، نجد القول الحكيم: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الجمعة: 9]. إذن الحق سبحانه يأمر المؤمنين ويخرجهم من حركة من حركات الحياة إلى حركة أخرى، فهو لم يأخذهم من فراغ، إنما ناداهم لإعلان الولاء الجماعي، وهو إعلان من كل مؤمن بالعبودية لله أمام بقية المخلوقات. وبعد أن يقضي المؤمنون الصلاة ماذا يقول لهم الحق سبحانه؟ يقول لهم: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}تفسير : [الجمعة: 10]. إذن، فالانتشار في الأرض هو حركة في الحياة، تماماً كما كان النداء إلى السعي لذكر الله. وهكذا تكون كل حركة في الحياة داخلة في إطار الطاعة، إذن "سمعنا وأطعنا" أي سمعنا كل المنهج، ولكن نحن حين نسمع المنهج، وحين نطيع فهل لنا قدرة على أن نطيع كل المنهج أو أن لنا هفوات؟ ولأن أحداً لن يُتِم كل الطاعة ولنا هفوات جاء قوله الحق: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِير} [البقرة: 285] فالغاية والنهاية كلها عائدة إليك، وأنت الإله الحق، لذلك فنحن العباد نطلب منك المغفرة حتى نلقاك، ونحن آمنون على أن رحمتك سبقت غضبك. ويقول الحق: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ...}.
الأندلسي
تفسير : ولما كان ابتداء هذه السورة بذكر الكتاب المنزل وانه هدى للمتقين كانت مختتمة بذكر الكتاب ومن آمن به فقال تعالى: {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ} الآية ليتوافق الابتداء والاختتام والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم فأل فيه للعهد، والذي أنزل إليه من رَبه هو القرآن، والمؤمنون هم أمته وهم المذكورون في أول السورة الموصوفون بالتقوى والإِيمان بالغيب وقدم الرسول لأن إيمانه صلى الله عليه وسلم هو المتقدم وهو المتبوع صلى الله عليه وسلم. {كُلٌّ آمَنَ} كل: للعموم، يشمل الرسول والمؤمنين. وأفرد الضمير كقوله: قل كل يعمل على شاكلته، وإن كان جائزاً جمعه، كقوله: {أية : وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}تفسير : [يس: 40]. وقرىء: {وَكُتُبِهِ} على الجمع، وكتابه على الإِفراد. والمراد به جنس الكتب الالهية. (قال) الزمخشري: وقرأ ابن عباس وكتابه يريد القرآن أو الجنس وعنه الكتاب أكثر من الكتب. فإِن قلت: كيف يكون الواحد أكثر من الجمع؟ قلت: لأنه إذا أريد بالواحد الجنس والجنسية قائمة في وجدان الجنس كلها لم يخرج منه شيء، وأما الجمع فلا يدخل تحته إلا ما فيه الجنسية من الجموع. "انتهى". وليس كما ذكر لأن الجمع إذا أضيف أو دخلته الألف واللام الجنسية صار عاماً ودلالة العام دلالة على كل فردٍ فرد. فلو قال: أعتقت عبيدي لشمل ذلك كل عبدٍ عبدٍ، ودلالة الجمع أظهر في العموم من الواحد سواء أكانت فيه الألف واللام أم الاضافة، بل لا يذهب إلى العموم في الواحد إلا بقرينة لفظية كأن يستثني منه أو يوصف بالجمع نحو: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [العصر: 2ـ3]. وأهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض، أو: قرينة معنوية نحو: نية المؤمن أبلغ من عمله، وأقصى حاله أن يكون مثل الجمع العام إذ أريد به العموم. وقرىء: {لاَ نُفَرِّقُ} بالنون أي يقولون لا نفرق. وقرىء بالياء على لفظ كل. {بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} أحد هو المختص بالنفي وما أشبهه فهي للعموم ولذلك دخلت من عليه في قوله: {أية : فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}تفسير : [الحاقة: 47] والمعنى بين آحادهم وإن كان أحد بمعنى واحد ففي الكلام معطوف محذوف دل عليه بين والتقدير بين واحد من رسله وواحد منهم. {وَقَالُواْ سَمِعْنَا} أي قولك فيما كلفتنا. {وَأَطَعْنَا} أي أمرك في ذلك. {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} أي في التقصير في حقك وفي عبادتك التي لا نوفي حقها. {وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} إقرار بالمعاد أي وإلى جزائك المرجع. وانتصب غفرانك على أنه مصدر هو من المصادر التي يعمل فيها الفعل مضمراً تقديره عند سيبويه اغفر لنا غفرانك قاله السجاوندي. وقيل: معناه أستغفرك فهو مصدر موضوع موضع الخبر. {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} استئناف خبر من الله تعالى أنه لا يكلف العباد من أفعال القلوب وأفعال الجوارح إلا ما هو في وسع المكلف ومقتضى إدراكه ونبيته وقرىء وسعها فعلاً ماضياً وانتصاب وسعها على أنه مفعول. وقال ابن عطية: يكلف يتعدى إلى مفعولين أحدهما محذوف تقديره عبادة أو شيئاً. "انتهى". فإِن عني أن أصله كذا فهو صحيح لأن قوله: إلا وسعها استثناء مفرغ من المفعول الثاني وإن عني أنه محذوف في الصناعة فليس كذلك بل الثاني هو وسعها نحو: ما أعطيت زيداً إلا درهماً، ونحو: ما ضربت إلا زيداً هذا في الصناعة هو المفعول وإن كان أصله ما أعطيت زيداً شيئاً إلا درهماً وما ضربت أحداً إلا زيداً. وأما وسعها فعلاً ماضياً، فالمفعول الثاني ليكلف محذوف، ووسعها في موضع الحال. ويدل ظاهر الآية على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع. {لَهَا مَا كَسَبَتْ} أي من الحسنات. {وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} أي من السيئات والخواطر ليست من كسب الانسان. {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} أي قولوا في دعائكم. {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً} أي ميثاقاً غليظاً يأصر صاحبه أي يحبسه مكانه لا يستقل به استعير للتكليف الشاق في نحو: قتل النفس وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب. {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} هم اليهود. {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} أي لا تشدد علينا. وهو دعاء ناشىء عن قوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}. وهذا أعم من قوله: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً}، إذ الاصر السابق مشبه حمله بحمل مثله على من قبلهم فتخصص بالتشبيه والطاقة القدرة على الشيء وهو مصدر جاء على غير قياس الفعل وهو أطاق نحو: جابة من أجاب. {وَٱعْفُ عَنَّا} العفو: الصفح عن الذنب. {وَٱغْفِرْ لَنَا} وهو الستر للذنب كي نصان من عذاب التخجيل لأن العفو لا يقتضي الستر قد يعفو بعد توقيفه على الذنب ثم يسقط عنه عقوبته. {وَٱرْحَمْنَآ} طلبوا الثواب وافاضة الإِحسان عليهم. {أَنتَ مَوْلَٰـنَا} أي سيدنا وناصرنا. {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} دخلت الفاء في فانصرنا إيذاناً بالسببية لأن كونه تعالى مولاهم ومالك تدبيرهم وأمرهم ينشأ عن ذلك النصرة على أعدائهم كما تقول أنت الشجاع فقاتل وأنت الكريم فجد عليّ.
الجيلاني
تفسير : لذلك: {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ} الفاني في الله، الباقي ببقائه، المستغرق بمطالعة لقائه {بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ} من الحقائق والمعارف والمكاشفات والمشاهدات، المتجددة بتجددات التجليات، المنتشئة {مِن رَّبِّهِ} الذي يربيه؛ لاستخلافه ونيابته وتحمل أسرار أعباء نبوته ورسالته {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} المتبعون له، المسترشدون منه المقتفون أثره {كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ} المتفرد والمتعزز بالعظمة والكبرياء {وَمَلاۤئِكَتِهِ} المرسومين بصفات الذات والأسماء {وَكُتُبِهِ} المنزلة على ألسنة رسله للهداية والإهداء {وَرُسُلِهِ} المنبهة على أولي البصائر والنهى مما في آياته الكبرى من السرائر والأسرار التي تفتت دونها الآراء، واضمحلت الأهواء، قائلين حالاً ومقالاً: {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} بعدما ظهر الكل منه ورجع إليه {وَ} بعدما آمنوا بالله وإحاطته {قَالُواْ} طوعاً {سَمِعْنَا وَ} سمعاً {أَطَعْنَا} بجميع ما جاءوا به؛ إذ الكل من عندك نرجو {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} يا من ربانا بملابس الإمكان، والمفضي بالطبع إلى الخذلان والخسران {وَإِلَيْكَ} يا هادي الكل لا إلى غيرك؛ إذ لا غير معك {ٱلْمَصِيرُ} [البقرة: 285] في الإعادة عن شيطان الإمكان. ثم نبه سبحانه على خلص عباده ما يؤول أمرهم إليه وينقطع سعيهم دونه بقوله: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ} الهادي لعباده نحو جنابه {نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي: إلا ما في وسعها وطاقتها واستعدادها مما عينه الله في سابق علمه الحضوري لأجله، فظهر أن {لَهَا مَا كَسَبَتْ} م نالخيرات باستعداده الفطري الجبلي {وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} من الشرور بمتابعة قوى النفس في الإمكان التي هي منشأ جميع الفسادات، ثم لما أشار سبحانه إلى سر التكليف أراد أن يشير إلى الإتيان بما كلف به لا يكون إلا بتوفيقه وجذب من عنده، لذلك لقنهم الدعاء والاستعانة والمناجاة بقوله: {رَبَّنَا} يا من ربانا بلطفك لقبول تكليفاتك لنصل إلى صفاء توحيدك وتقديسك {لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ} إتيان ما تكلفنا بسبب إمكاننا {أَوْ أَخْطَأْنَا} فيها لقصور إدراكنا {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً} حجاباً غليظاً وغشاوة كثيفاً، يعمي بصائر قلوبنا عن إدراك نور توحيدك {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا} من متاعب الرياضات ومشاق التكليفات الفائقة لدرن الإمكان ورين التعلقات {مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعْفُ} امح بفظلك {عَنَّا} مقتضيات أوصافنا الإمكانية {وَٱغْفِرْ لَنَا} أي: استر لنا ربنا أنانيتنا وهويتنا عن نظرا {وَ} بعد ذلك {ٱرْحَمْنَآ} برحمتك الواسعة {أَنتَ مَوْلَٰـنَا} ومولى نعمنا {فَٱنْصُرْنَا} بعونك ونصرتك في ترويج توحيدك {عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} [البقرة: 286] الساترين بغيوم هوياتهم الباطلة شمس الحق الظاهرة على الآفاق. حققنا بلطفك بحقيتك وتوحيدك، يا خير الناصرين، ويا هادي المضلين. خاتمة سورة البقرة. عليك أيها المحمدي المتوجه نحو توحيد الذات - شرح الله صدرك ويسر أمرك - أن تأخذ لنفسك حسب قدرتك وطاقتك من هذه السورة المشتملة على جميع المطالب الدينية والمراتب اليقينة، فلك أن تشمر أولاً ذيلك عن الدنيا وما فيها، معرضاً عن لذاتها وشهواتها، متوجهاً بوجه قلبك إلى توحيد ربك، مستفتحاً لما في صدرك من خزائن جوده ودفائن وجوده، طاوياً كشح حالك وفعلك عما لا يعنيك، هارباً عن مصاحبة ما يضرك ويغويك، طالباً الوصول إلى معارج التوحيد ومدارج التجريد والتفريد، راغباً عما سوى الحق من أسباب الكثرة والتقييد، مستنشقاً من نسمات أنسه ونفحات قدسه، مستروحاً بنفسات رحمته، مستكشفاً عن أسرار ربوبيته، مستهدياً من زلال هدايته بمتابعة نبيه المخلوق على صورته، المبعوث على جميع بريته، مسترشداً من كتابه المنزل عليه، الجامع لما في الكتب السالفة من الحكم والمواعظ والعبر والرموز والإشارات الواردة منه عنده؛ لإهداء التائهين في فضاء وجوده، المستغرقين في تيار بحار إحسانه وجوده. فعليك أيها المريد القاصد لسلوك طريق الحق أن تلازم هذا الكتاب الذي لا ريب فيه هدايته لمن آمن في غيب الهوية، وأدام التوجه نحوه، صارفاً عنان عزمك عن كل ما يشغلك عن ربك، مقبلاً بشأنك نحو مقصدك ومطلبك، معرضاً على نفسك ما فيه من الحقائق والمعارف والحكم والأحكام والقصص والتذكيرات؛ إذ ما من حرف من حروف هذا الكتاب إلا هو ظرف المعاني إلى ما شاء الله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم عليم. فلا بدك لك عند تلاوة القرآن أن تطهر ظاهرك وباطنك عن جميع لوازم بشريتك، بحيث تغيب عنك نفسك، وتفنى هويتك وشأنك، وأنقطك ربك بنطقه وكلامه، ومتى رسخت هذه الحالة فيك وصارت خلقك وشيمتك، فزت بحظك من تلاوته، وإياك أن تغفل عند قراءته عن محض إشارته والتدقيق في روايته ودرايته. ومتى صفت سريرتك عن العوائق كلها، وخلصت طويتك عن العوائق برمتها، صح لك أن تسترشد منه حسب ما قدر الله لك ووفقك في سابق علمه، إنه على ما يشاء قدير، وبإجابته حقيق جدير.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن إيمان الرسول والمؤمنين معه، وانقيادهم وطاعتهم وسؤالهم مع ذلك المغفرة، فأخبر أنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهذا يتضمن الإيمان بجميع ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبرت به عنه رسله من صفات كماله ونعوت جلاله على وجه الإجمال والتفصيل، وتنزيهه عن التمثيل والتعطيل وعن جميع صفات النقص، ويتضمن الإيمان بالملائكة الذين نصت عليهم الشرائع جملة وتفصيلا وعلى الإيمان بجميع الرسل والكتب، أي: بكل ما أخبرت به الرسل وتضمنته الكتب من الأخبار والأوامر والنواهي، وأنهم لا يفرقون بين أحد من رسله، بل يؤمنون بجميعهم، لأنهم وسائط بين الله وبين عباده، فالكفر ببعضهم كفر بجميعهم بل كفر بالله { وقالوا سمعنا } ما أمرتنا به ونهيتنا { وأطعنا } لك في ذلك، ولم يكونوا ممن قالوا سمعنا وعصينا، ولما كان العبد لا بد أن يحصل منه تقصير في حقوق الله تعالى وهو محتاج إلى مغفرته على الدوام، قالوا { غفرانك } أي: نسألك مغفرة لما صدر منا من التقصير والذنوب، ومحو ما اتصفنا به من العيوب { وإليك المصير } أي: المرجع لجميع الخلائق فتجزيهم بما عملوا من خير وشر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):