٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
286
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعلى {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } يحتمل أن يكون ابتداء خبر من الله ويحتمل أن يكون حكاية عن الرسول والمؤمنين على نسق الكلام في قوله {أية : وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } تفسير : [البقرة: 285] وقالوا {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } ويؤيد ذلك ما أردفه من قوله {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا } فكأنه تعالى حكى عنهم طريقتهم في التمسك بالإيمان والعمل الصالح وحكى عنهم في جملة ذلك أنهم وصفوا ربهم بأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها. المسألة الثانية: في كيفية النظم: إن قلنا إن هذا من كلام المؤمنين فوجه النظم أنهم لما قالوا {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } فكأنهم قالوا: كيف لا نسمع ولا نطيع، وأنه تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا، فإذا كان هو تعالى بحكم الرحمة الإلٰهية لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهين، فكذلك نحن بحكم العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين، وإن قلنا: إن هذا من كلام الله تعالى فوجه النظم أنهم لما قالوا {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } ثم قالوا بعده {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا } دل ذلك على أن قولهم {غُفْرَانَكَ } طلباً للمغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التقصير منهم على سبيل العمد فلما كان قولهم: {غُفْرَانَكَ } طلباً للمغفرة في ذلك التقصير، لا جرم خفف الله تعالى عنهم ذلك وقال: {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } والمعنى أنكم إذا سمعتم وأطعتم، وما تعمدتم التقصير، فعند ذلك لو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا خائفين منه فإن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، وبالجملة فهذا إجابة لهم في دعائهم في قولهم {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا }. المسألة الثالثة: يقال: كلفته الشيء فتكلف، والكلف اسم منه، والوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه، قال الفرّاء: هو اسم كالوجد والجهد، وقال بعضهم: الوسع دون المجهود في المشقة، وهو ما يتسع له قدرة الإنسان. المسألة الرابعة: المعتزلة عولوا على هذه الآية في أنه تعالى لا يكلف العبد ما لا يطيقه ولا يقدر عليه، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } تفسير : [الحج: 78] وقوله {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ } تفسير : [النساء: 28] وقوله {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ} تفسير : [البقرة: 185] وقالوا: هذه الآية صريحة في نفي تكليف ما لا يطاق، قالوا: وإذا ثبت هذا فههنا أصلان الأول: أن العبد موجد لأفعال نفسه، فإنه لو كان موجدها هو الله تعالى، لكان تكليف العبد بالفعل تكليفاً بما لا يطاق، فإن الله تعالى إذا خلق الفعل وقع لا محالة ولا قدرة ألبتة للعبد على ذلك الفعل ولا على تركه، أما إنه لا قدرة له على الفعل فلأن ذلك الفعل وجد بقدرة الله تعالى، والموجود لا يوجد ثانياً، وأما إنه لا قدر له على الدفع فلأن قدرته أضعف من قدرة الله تعالى، فكيف تقوى قدرته على دفع قدرة الله تعالى وإذا لم يخلق الله الفعل استحال أن يكون للعبد قدرة على التحصيل، فثبت أنه لو كان الموجد لفعل العبد هو الله تعالى لكان تكليف العبد بالفعل تكليفاً بما لا يطاق والثاني: أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لكان الكافر المأمور بالإيمان لم يكن قادراً على الإيمان، فكان ذلك التكليف بما لا يطاق هذا تمام استدلال المعتزلة في هذا الموضع. أما الأصحاب فقالوا: دلّت الدلائل العقلية على وقوع التكليف على هذا الوجه، فوجب المصير إلى تأويل هذه الآية. الحجة الأولى: أن من مات على الكفر ينبىء موته على الكفر أن الله تعالى كان عالماً في الأزل بأنه يموت على الكفر ولا يؤمن قط، فكان العلم بعدم الإيمان موجوداً، والعلم بعدم الإيمان ينافي وجود الإيمان على ما قررناه في مواضع، وهو أيضاً مقدم بينة بنفسها، فكان تكليفه بالإيمان مع حصول العلم بعدم الإيمان تكليفاً بالجمع بين النقيضين، وهذه الحجة كما أنها جارية في العلم، فهي أيضاً جارية في الجبر. الحجة الثانية: أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على الداعي، وتلك الداعية مخلوقة لله تعالى ومتى كان الأمر كذلك كان تكليف ما لا يطاق لازماً، إنما قلنا: إن صدور الفعل عن العبد يتوقف على الداعي، لأن قدرة العبد لما كانت صالحة للفعل والترك، فلو ترجح أحد الجانبين على الآخر من غير مرجح لزم وقوع الممكن من غير مرجح وهو نفي الصانع، وإنما قلنا: إن تلك الداعية من الله تعالى لأنها لو كانت من العبد لافتقر إيجادها إلى داعية أخرى ولزم التسلسل، وإنما قلنا: إنه متى كان الأمر كذلك لزم الجبر، لأن عند حصول الداعية المرجحة لأحد الطرفين صار الطرف الآخر مرجوحاً، والمرجوح ممتنع الوقوع، وإذا كان المرجوح ممتنعاً كان الراجح واجباً ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين، فإذن صدور الإيمان من الكافر يكون ممتنعاً وهو مكلف به، فكان التكليف تكليف ما لا يطاق. الحجة الثالثة: أن التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء الداعيين، أو حال رجحان أحدهما، فإن كان الأول فهو تكليف ما لا يطاق، لأن الاستواء يناقض الرجحان، فإذا كلف حال حصول الاستواء بالرجحان، فقد كلف بالجمع بين النقيضين، وإن كان الثاني فالراجح واجب، والمرجوح ممتنع، وإن وقع التكليف بالراجح فقد وقع بالواجب، وإن وقع بالمرجوح فقد وقع بالممتنع. الحجة الرابعة: أنه تعالى كلف أبا لهب الإيمان، والإيمان تصديق الله في كل ما أخبر عنه، وهو مما أخبر أنه لا يؤمن، فقد صار أبو لهب مكلفاً بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وذلك تكليف ما لا يطاق. الحجة الخامسة: العبد غير عالم بتفاصيل فعله، لأن من حرك أصبعه لم يعرف عدد الأحيان التي حرك أصبعه فيها، لأن الحركة البطيئة عبارة عند المتكلمين عن حركات مختلطة بسكنات، والعبد لم يخطر بباله أنه يتحرك في بعض الأحيان، ويسكن في بعضها، وأنه أين تحرك وأين سكن، وإذا لم يكن عالماً بتفاصيل فعله لم يكن موجداً لها، لأنه لم يقصد إيجاد ذلك العدد المخصوص من الأفعال، فلو فعل ذلك العدد دون الأزيد ودون الأنقص فقد ترجح الممكن لا لمرجح وهو محال، فثبت أن العبد غير موجد، فإذا لم يكن موجداً كان تكليف ما لا يطاق لازماً على ما ذكرتم، فهذه وجوه عقلية قطعية يقينية في هذا الباب، فعلمنا أنه لا بد للآية من التأويل وفيه وجوه الأول: وهو الأصوب: أنه قد ثبت أنه متى وقع التعارض من القاطع العقلي، والظاهر السمعي، فإما أن يصدقهما وهو محال، لأنه جمع بين النقيضين، وإما أن يكذبهما وهو محال، لأنه إبطال النقيضين، وإما أن يكذب القاطع العقلي، ويرجح الظاهر السمعي، وذلك يوجب تطرق الطعن في الدلائل العقلية، ومتى كان كذلك بطل التوحيد والنبوّة والقرآن، وترجيح الدليل السمعي يوجب القدح في الدليل العقلي والدليل السمعي معاً، فلم يبق إلا أن يقطع بصحة الدلائل العقلية، ويحمل الظاهر السمعي على التأويل، وهذا الكلام هو الذي تعول المعتزلة عليه أبداً في دفع الظواهر التي تمسك بها أهل التشبيه، فبهذا الطريق علمنا أن لهذه الآية تأويلاً في الجملة، سواء عرفناه أو لم نعرفه، وحينئذ لا يحتاج إلى الخوض فيه على سبيل التفصيل. الوجه الثاني في الجواب: هو أنه لا معنى للتكليف في الأمر والنهي إلا الإعلام بأنه متى فعل كذا فإنه يثاب، ومتى لم يفعل فإنه يعاقب، فإذا وجد ظاهر الأمر فإن كان المأمور به ممكناً كان ذلك أمراً وتكليفاً في الحقيقة، وإلا لم يكن في الحقيقة تكليفاً، بل كان إعلاماً بنزول العقاب به في الدار الآخرة، وإشعاراً بأنه إنما خلق للنار. والجواب الثالث: وهو أن الإنسان ما دام لم يمت، وأنا لا ندري أن الله تعالى علم منه أنه يموت على الكفر أو ليس كذلك، فنحن شاكون في قيام المانع، فلا جرم نأمره بالإيمان ونحثه عليه، فإذا مات على الكفر علمنا بعد موته أن المانع كان قائماً في حقه. فتبين أن شرط التكليف كان زائلاً عنه حال حياته، وهذا قول طائفة من قدماء أهل الجبر. الجواب الرابع: أنا بينا أن قوله {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } ليس قول الله تعالى، بل هو قول المؤمنين، فلا يكون حجة، إلا أن هذا ضعيف، وذلك لأن الله تعالى لما حكاه عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم، فبسبب هذا الكلام وجب أن يكونوا صادقين في هذا الكلام، إذ لو كانوا كاذبين فيه لما جاز تعظيمهم بسببه، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في هذا الموضع ونسأل الله العظيم أن يرحم عجزنا وقصور فهمنا، وأن يعفو عن خطايانا، فإنا لا نطلب إلا الحق، ولا نروم إلا الصدق. أما قوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أنه هل في اللغة فرق بين الكسب والاكتساب، قال الواحدي رحمه الله: الصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد لا فرق بينهما، قال ذو الرمة:شعر : ألفـى أبـاه بـذاك الكـسب يكتسـب تفسير : والقرآن أيضاً ناطق بذلك، قال الله تعالى: {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } تفسير : [المدثر: 38] وقال: {أية : وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } تفسير : [الأنعام: 164] وقال: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خطيئتهً } تفسير : [البقرة: 81] وقال: {أية : وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ } تفسير : [الأحزاب: 58] فدل هذا على إقامة كل واحد من هذين اللفظين مقام الآخر، ومن الناس من سلم الفرق، ثم فيه قولان أحدهما: أن الاكتساب أخص من الكسب، لأن الكسب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره، والاكتساب لا يكون إلا ما يكتسب الإنسان لنفسه خاصة يقال فلان كاسب لأهله، ولا يقال مكتسب لأهله والثاني: قال صاحب «الكشاف»: إنما خص الخير بالكسب، والشر بالاكتساب، لأن الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس، وهي منجذبة إليه، وأمارة به كانت في تحصيله أعمل وأجد، فجعلت لهذا المعنى مكتسبة فيه ولما لم يكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال والله أعلم. المسألة الثانية: المعتزلة احتجوا بهذه الآية على أن فعل العبد بإيجاده وتكوينه، قالوا لأن الآية صريحة في إضافة خيره وشره إليه ولو كان ذلك بتخليق الله تعالى لبطلت هذه الإضافة ويجري صدور أفعاله منه مجرى لونه وطوله وشكله وسائر الأمور التي لا قدرة له عليها ألبتة والكلام فيه معلوم وبالله التوفيق، قال القاضي: لو كان خالقاً أفعالهم فما الفائدة في التكليف، وأما الوجه في أن يسألوه أن لا يثقل عليهم والثقيل على قولهم كالخفيف في أنه تعالى يخلقه فيهم وليس يلحقهم به نصب ولا لغوب. المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على فساد القول بالمحابطة قالوا: لأنه تعالى أثبت كلا الأمرين على سبيل الجمع، فبيّن أن لها ثواب ما كسبت وعليها عقاب ما اكتسبت، وهذا صريح في أن هذين الاستحقاقين يجتمعان، وأنه لا يلزم من طريان أحدهما زوال الآخر، قال الجبائي: ظاهر الآية وإن دل على الإطلاق إلا أنه مشروط والتقدير: لها ما كسبت من ثواب العمل الصالح إذا لم تبطله، وعليها ما اكتسبت من العقاب إذا لم تكفره بالتوبة، وإنما صرنا إلى إضمار هذا الشرط لما بينا أن الثواب يجب أن يكون منفعة خالصة دائمة وأن العقاب يجب أن يكون مضرة خالصة دائمة، والجمع بينهما محال في العقول، فكان الجمع بين استحقاقيهما أيضاً محالاً. واعلم أن الكلام على هذه المسألة مرّ على الاستقصاء في تفسير قوله تعالى: {أية : لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلأَذَىٰ } تفسير : [البقرة: 264] فلا نعيده. المسألة الرابعة: احتج كثير من المتكلمين بهذه الآية على أن الله تعالى لا يعذب الأطفال بذنوب آبائهم، ووجه الاستدلال ظاهر فيه، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تفسير : [الأنعام: 164]. المسألة الخامسة: الفقهاء تمسكوا بهذه الآية في إثبات أن الأصل في الإمساك البقاء والاستمرار، لأن اللام في قوله {لَهَا مَا كَسَبَتْ } يدل على ثبوت هذا الاختصاص، وتأكد ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل امرىء أحق بكسبه من والده وولده وسائر الناس أجمعين» تفسير : وإذا تمهد هذا الأصل خرج عليه شيء كثير من مسائل الفقه. منها أن المضمونات لا تملك بأداء الضمان، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم، وهو قوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ } والعارض الموجود، إما الغضب، وإما الضمان، وهما لا يوجبان زوال الملك بدليل أم الولد والمدبرة. ومنها أنه إذا غصب ساحة وأدرجها في بنائه، أو غصب حنطة فطحنها لا يزول الملك لقوله {لَهَا مَا كَسَبَتْ }. ومنها أنه لا شفعة للجار، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم، وهو قوله {لَهَا مَا كَسَبَتْ } والفرق بين الشريك والجار ظاهر بدليل أن الجار لا يقدم على الشريك، وذلك يمنع من حصول الاستواء ولأن التضرر بمخالطة الجار أقل ولأن في الشركة يحتاج إلى تحمل مؤنة القسمة وهذا المعنى مفقود في الجار. ومنها أن القطع لا يمنع وجوب الضمان، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم، وهو قوله {لَهَا مَا كَسَبَتْ } والقطع لا يوجب زوال الملك بدليل أن المسروق متى كان باقياً قائماً، فإنه يجب رده على المالك، ولا يكون القطع مقتضياً زوال ملكه عنه. ومنها أن منكري وجوب الزكاة احتجوا به، وجوابه أن الدلائل الموجبة للزكاة أخص، والخاص مقدم على العام، وبالجملة فهذه الآية أصل كبير في فروع الفقه والله أعلم. ثم إعلم أنه تعالى حكى عن المؤمنين دعاءهم، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الدعاء مخ العبادة» تفسير : لأن الداعي يشاهد نفسه في مقام الفقر والحاجة والذلة والمسكنة ويشاهد جلال الله تعالى وكرمه وعزته وعظمته بنعت الاستغناء والتعالي، وهو المقصود من جميع العبادات والطاعات فلهذا السبب ختم هذه السورة الشريفة المشتملة على هذه العلوم العظيمة بالدعاء والتضرع إلى الله والكلام في حقائق الدعاء ذكرناه في تفسير قوله تعالى: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ } تفسير : [البقرة: 186] فقال: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: إعلم أنه تعالى حكى عن المؤمنين أربعة أنواع من الدعاء، وذكر في مطلع كل واحد منها قوله {رَبَّنَا } إلا في النوع الرابع من الدعاء فإنه حذف هذه الكلمة عنها وهو قوله {وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا }. أما النوع الأول فهو قوله {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }، وفيه مسائل: المسألة الأولى: لا تؤاخذنا أي لا تعاقبنا، وإنما جاء بلفظ المفاعلة وهو فعل واحد، لأن الناسي قد أمكن من نفسه، وطرق السبيل إليها بفعله، فصار من يعاقبه بذنبه كالمعين لنفسه في إيذاء نفسه، وعندي فيه وجه آخر، وهو أن الله يأخذ المذنب بالعقوبة، فالمذنب كأنه يأخذ ربه بالمطالبة بالعفو والكرم، فإنه لا يجد من يخلصه من عذابه إلا هو، فلهذا يتمسك العبد عند الخوف منه به، فلما كان كل واحد منهما يأخذ الآخر عبر عنه بلفظ المؤاخذة. المسألة الثانية: في النسيان وجهان الأول: أن المراد منه هو النسيان نفسه الذي هو ضد الذكر. فإن قيل: أليس أن فعل الناسي في محل العفو بحكم دليل العقل حيث لا يجوز تكليف ما لا يطاق وبدليل السمع وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». تفسير : فإذا كان النسيان في محل العفو قطعاً فما معنى طلب العفو عنه في الدعاء والجواب: عنه من وجوه الأول: أن النسيان منه ما يعذر فيه صاحبه، ومنه ما لا يعذر ألا ترى أن من رأى في ثوبه دماً فأخر إزالته إلى أن نسي فصلّى وهو على ثوبه عد مقصراً، إذ كان يلزمه المبادر إلى إزالته وأما إذا لم يره في ثوبه فإنه يعذر فيه، ومن رمى صيداً في موضع فأصاب إنساناً فقد يكون بحيث لا يعلم الرامي أنه يصيب ذلك الصيد أو غيره فإذا رمى ولم يتحرز كان ملوماً أما إذا لم تكن أمارات الغلط ظاهرة ثم رمى وأصاب إنساناً كان ههنا معذوراً، وكذلك الإنسان إذا تغافل عن الدرس والتكرار حتى نسي القرآن يكون ملوماً، وأما إذا واظب على القراءة، لكنه بعد ذلك نسي فههنا يكون معذوراً، فثبت أن النسيان على قسمين، منه ما يكون معذوراً، ومنه ما لا يكون معذوراً، وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يذكر حاجته شد خيطاً في أصبعه فثبت بما ذكرنا أن الناسي قد لا يكون معذوراً، وذلك ما إذا ترك التحفظ وأعرض عن أسباب التذكر، وإذا كان كذلك صح طلب غفرانه بالدعاء. الوجه الثاني في الجواب: أن يكون هذا دعاء على سبيل التقدير وذلك لأن هؤلاء المؤمنين الذين ذكروا هذا الدعاء كانوا متقين لله حق تقاته، فما كان يصدر عنهم ما لا ينبغي إلا على وجه النسيان والخطأ، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إشعاراً ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به كأن قيل: إن كان النسيان مما تجوز المؤاخذة به فلا تؤاخذنا به. الوجه الثالث في الجواب: أن المقصود من الدعاء إظهار التضرع إلى الله تعالى، لا طلب الفعل، ولذلك فإن الداعي كثيراً ما يدعو بما يقطع بأن الله تعالى يفعله سواء دعا أو لم يدع، قال الله تعالى: {أية : قَالَ رَبّ ٱحْكُم بِٱلْحَقّ } تفسير : [الأنبياء: 112] وقال: {أية : رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [آل عمران: 194] وقالت الملائكة في دعائهم {أية : فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ } تفسير : [غافر: 7] فكذا في هذه الآية العلم بأن النسيان مغفور لا يمنع من حسن طلبه في الدعاء. الوجه الرابع في الجواب: أن مؤاخذة الناسي غير ممتنعة عقلاً، وذلك لأن الإنسان إذا علم أنه بعد النسيان يكون مؤاخذاً فإنه بخوف المؤاخذة يستديم الذكر، فحينئذ لا يصدر عنه إلا أن استدامة ذلك التذكر فعل شاق على النفس، فلما كان ذلك جائزاً في العقول، لا جرم حسن طلب المغفرة منه بالدعاء. الوجه الخامس: أن أصحابنا الذين يجوزون تكليف ما لا يطاق يتمسكون بهذه الآية فقالوا الناسي غير قادر على الاحتراز عن الفعل، فلولا أنه جائز عقلاً من الله تعالى أن يعاقب عليه لما طلب بالدعاء ترك المؤاخذة عليه. والقول الثاني: في تفسير النسيان، أن يحمل على الترك، قال الله تعالى: {أية : فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } تفسير : [طه: 115] وقال تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } تفسير : [التوبة: 67] أي تركوا العمل لله فتركهم، ويقول الرجل لصاحبه: لا تنسني من عطيتك، أي لا تتركني، فالمراد بهذا النسيان أن يترك الفعل لتأويل فاسد، والمراد بالخطأ، أن يفعل الفعل لتأويل فاسد. المسألة الثالثة: علم أن النسيان والخطأ المذكورين في هذه الآية إما أن يكونا مفسرين بتفسير ينبغي فيه القصد إلى فعل ما لا ينبغي، أو يكون أحدهما كذلك دون الآخر، فأما الاحتمال الأول فإنه يدل على حصول العفو لأصحاب الكبائر، لأن العمد إلى المعصية لما كان حاصلاً في النسيان وفي الخطأ ثم إنه تعالى أمر المسلمين أن يدعوه بقولهم {لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } فكان ذلك أمراً من الله تعالى لهم بأن يطلبوا من الله أن لا يعذبهم على المعاصي، ولما أمرهم بطلب ذلك، دلّ على أنه يعطيهم هذا المطلوب، وذلك يدل على حصول العفو لأصحاب الكبائر، وأما القسم الثاني والثالث فباطلان لأن المؤاخذة على ذلك قبيحة عند الخصم، وما يقبح فعله من الله يمتنع أن يطلب بالدعاء. فإن قيل: الناسي قد يؤاخذ في ترك التحفظ قصداً وعمداً على ما قررتم في المسألة المتقدمة. قلنا: فهو في الحقيقة مؤاخذ بترك التحفظ قصداً وعمداً، فالمؤاخذة إنما حصلت على ما تركه عمداً، وظاهر ما ذكرنا دلالة هذه الآية على رجاء العفو لأهل الكبائر. قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا }. إعلم أن هذا هو النوع الثاني من الدعاء وفيه مسائل: المسألة الأولى: الإصر في اللغة: الثقل والشدة، قال النابغة: شعر : يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم والحامل الإصر عنهم بعد ما عرفوا تفسير : ثم سمي العهد إصراً لأنه ثقيل، قال الله تعالى: {أية : وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِى }تفسير : [آل عمران: 81] أي عهدي وميثاقي والإصر العطف، يقال: ما يأصرني عليه آصرة، أي رحم وقرابة، وإنما سمي العطف إصراً لأن عطفك عليه يثقل على قلبك كل ما يصل إليه من المكاره. المسألة الثانية: ذكر أهل التفسير فيه وجهين الأول: لا تشدد علينا في التكاليف كما شددت على من قبلنا من اليهود، قال المفسرون: إن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة أمر بقطعها، وكانوا إذا نسوا شيئاً عجلت لهم العقوبة في الدنيا، وكانوا إذا أتوا بخطيئة حرم عليهم من الطعام بعض ما كان حلالاً لهم، قال الله تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ } تفسير : [النساء: 160] وقال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَـٰرِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ } تفسير : [النساء: 66] وقد حرم على المسافرين من قوم طالوت الشرب من النهر، وكان عذابهم معجلاً في الدنيا، كما قال: {أية : مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً } تفسير : [النساء: 47] وكانوا يمسخون قرد وخنازير، قال القفال: ومن نظر في السفر الخامس من التوراة التي تدعيها هؤلاء اليهود وقف على ما أخذ عليهم من غلظ العهود والمواثيق، ورأى الأعاجيب الكثيرة، فالمؤمنون سألوا ربهم أن يصونهم عن أمثال هذه التغليظات، وهو بفضله ورحمته قد أزال ذلك عنهم، قال الله تعالى في صفة هذه الأمة {أية : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } تفسير : [الأعراف: 157] وقال عليه السلام: «حديث : رفع عن أمتي المسخ والخسف والغرق» تفسير : وقال الله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } تفسير : [الأنفال:33] وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : بعثت بالحنيفية السهلة السمحة» تفسير : والمؤمنون إنما طلبوا هذا التخفيف لأن التشديد مظنة التقصير، والتقصير موجب للعقوبة، ولا طاقة لهم بعذاب الله تعالى، فلا جرم طلبوا السهولة في التكاليف. والقول الثاني: لا تحمل علينا عهداً وميثاقاً يشبه ميثاق من قبلنا في الغلظ والشدة، وهذا القول يرجع إلى الأول في الحقيقة لكن بإضمار شيء زائد على الملفوظ، فيكون القول الأول أولى. المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: دلّت الدلائل العقلية والسمعية على أنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، فما السبب في أن شدد التكليف على اليهود حتى أدى ذلك إلى وقوعهم في المخالفات والتمرد، قالت المعتزلة: من الجائز أن يكون الشيء مصلحة في حق إنسان، مفسدة في حق غيره، فاليهود كانت الفظاظة والغلظة غالبة على طباعهم، فما كانوا ينصلحون إلا بالتكاليف الشاقة والشدة، وهذه الأمة كانت الرقة وكرم الخلق غالباً على طباعهم، فكانت مصلحتهم في التخفيف وترك التغليظ. أجاب الأصحاب بأن السؤال الذي ذكرناه في المقام الأول ننقله إلى المقام الثاني فنقول: ولماذا خص اليهود بغلظة الطبع، وقسوة القلب ودناءة الهمة، حتى احتاجوا إلى التشديدات العظيمة في التكاليف ولماذا خص هذه الأمة بلطافة الطبع وكرم الخلق وعلو الهمة حتى صار يكفيهم التكاليف السهلة في حصول مصالحهم. ومن تأمل وأنصف علم أن هذه التعليلات عليلة فجل جناب الجلال عن أن يوزن بميزان الاعتزال، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد {أية : لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ}تفسير : [الأنبياء: 23]. قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ }. إعلم أن هذا هو النوع الثالث من دعاء المؤمنين، وفيه مسائل: المسألة الأولى: الطاقة اسم من الإطاقة، كالطاعة من الإطاعة، والجابة من الإجابة وهي توضع موضع المصدر. المسألة الثانية: من الأصحاب من تمسك به في أن تكليف ما لا يطاق جائز إذ لو لم يكن جائزاً لما حسن طلبه بالدعاء من الله تعالى. أجاب المعتزلة عنه من وجوه الأول: أن قوله {مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } أي يشق فعله مشقة عظيمة وهو كما يقول الرجل: لا أستطيع أن أنظر إلى فلان إذا كان مستثقلاً له. قال الشاعر:شعر : إنك إن كلفتني ما لم أطق ساءك ما سرك مني من خلق تفسير : وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المملوك: «حديث : له طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل ما لا يطيق» تفسير : أي ما يشق عليه، وروى عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : المريض يصلي جالساً، فإن لم يستطع فعلى جنب» تفسير : فقوله: فإن لم يستطع ليس معناه عدم القوة على الجلوس، بل كل الفقهاء يقولون: المراد منه إذا كان يلحقه في الجلوس مشقة عظيمة شديدة، وقال الله تعالى في وصف الكفار {أية : مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ } تفسير : [هود: 20] أي كان يشق عليهم. الوجه الثاني: أنه تعالى لم يقل: لا تكلفنا ما لا طاقة لنا به، بل قال: {لا تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } والتحميل هو أن يضع عليه ما لا طاقة له بتحمله فيكون المراد منه العذاب والمعنى لا تحملنا عذابك الذي لا نطيق احتماله فلو حملنا الآية على ذلك كان قوله {لا تُحَمّلْنَا } حقيقة فيه ولو حملناه على التكليف كان قوله {لا تُحَمّلْنَا } مجازاً فيه، فكان الأول أولى. الوجه الثالث: هب أنهم سألوا الله تعالى أن لا يكلفهم بما لا قدرة لهم عليه لكن ذلك لا يدل على جواز أن يفعل خلافه، لأنه لو دل على ذلك لدل قوله {أية : رَبّ ٱحْكُم بِٱلْحَقّ } تفسير : [الأنبياء: 112] على جواز أن يحكم بباطل، وكذلك يدل قول إبراهيم عليه السلام {أية : وَلاَ تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ } تفسير : [الشعراء: 87] على جواز أن يخزي الأنبياء، وقال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } تفسير : [الأحزاب: 48] ولا يدل هذا على جواز أن يطيع الرسول الكافرين والمنافقين وكذا الكلام في قوله {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65] هذا جملة أجوبة المعتزلة. أجاب الأصحاب فقالوا: أما الوجه الأول: فمدفوع من وجهين الأول: أنه لو كان قوله {وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } محمولاً على أن لا يشدد عليهم في التكليف لكان معناه ومعنى الآية المتقدمة عليه وهو قوله {وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا } واحداً فتكون هذه الآية تكراراً محضاً وذلك غير جائز الثاني: أنا بينا أن الطاقة هي الإطاقة والقدرة، فقوله {لا تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } ظاهره لا تحملنا ما لا قدرة لنا عليه أقصى ما في الباب أنه جاء هذا اللفظ بمعنى الاستقبال في بعض وجوه الاستعمال على سبيل المجاز إلا أن الأصل حمل اللفظ على الحقيقة. وأما الوجه الثاني: فجوابه أن التحمل مخصوص في عرف القرآن بالتكليف، قال الله تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } تفسير : [الأحزاب: 72] إلى قوله {أية : وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ } تفسير : [الأحزاب: 72] ثم هب أنه لم يوجد هذا العرف إلا أن قوله {لا تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } عام في العذاب وفي التكليف فوجب إجراؤه على ظاهره أما التخصيص بغير حجة فإنه لا يجوز. وأما الوجه الثالث: فجوابه أن فعل الشيء إذا كان ممتنعاً لم يجز طلب الامتناع منه على سبيل الدعاء والتضرع ويصير ذلك جارياً مجرى من يقول في دعائه وتضرعه: ربنا لا تجمع بين الضدين ولا تقلب القديم محدثاً، كما أن ذلك غير جائز، فكذا ما ذكرتم. إذا ثبت هذا فنقول: هذا هو الأصل فإذا صار ذلك متروكاً في بعض الصور لدليل مفصل لم يجب تركه في سائر الصور بغير دليل وبالله التوفيق. المسألة الثالثة: إعلم أنه بقي في الآية سؤالات: السؤال الأول: لم قال في الآية الأولى {لاَّ تَحْمِلُ عَلَيْنَا إِصْرًا } وقال في هذه الآية {لا تُحَمّلْنَا } خص ذلك بالحمل وهذا بالتحميل. الجواب: أن الشاق يمكن حمله أما ما لا يكون مقدوراً لا يمكن حمله، فالحاصل فيما لا يطاق هو التحميل فقط أما الحمل فغير ممكن وأما الشاق فالحمل والتحميل يمكنان فيه، فلهذا السبب خص الآية الأخيرة بالتحميل. السؤال الثاني: أنه لما طلب أن لا يكلفه بالفعل الشاق قوله {لاَّ تَحْمِلُ عَلَيْنَا إِصْرًا } كان من لوازمه أن لا يكلفه ما لا يطاق، وعلى هذا التقدير كان عكس هذا الترتيب أولى. والجواب: الذي أتخيله فيه والعلم عند الله تعالى أن للعبد مقامين أحدهما: قيامه بظاهر الشريعة والثاني: شروعه في بدء المكاشفات، وذلك هو أن يشتغل بمعرفة الله وخدمته وطاعته وشكر نعمته ففي المقام الأول طلب ترك التشديد، وفي المقام الثاني قال: لا تطلب مني حمداً يليق بجلالك، ولا شكراً يليق بآلائك ونعمائك، ولا معرفة تليق بقدس عظمتك، فإن ذلك لا يليق بذكري وشكري وفكري ولا طاقة لي بذلك، ولما كانت الشريعة متقدمة على الحقيقة لا جرم كان قوله {وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } مقدماً في الذكر على قوله {لا تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ }. السؤال الثالث: أنه تعالى حكى عن المؤمنين هذه الأدعية بصيغة الجمع بأنهم قالوا {لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا * وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا * وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } فما الفائدة في هذه الجمعية وقت الدعاء؟ والجواب: المقصود منه ببيان أن قبول الدعاء عند الاجتماع أكمل وذلك لأن للهمم تأثيرات فإذا اجتمعت الأرواح والدواعي على شيء واحد كان حصوله أكمل. قوله تعالى: {وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَـٰنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ }. إعلم أن تلك الأنواع الثلاثة من الأدعية كان المطلوب فيها الترك وكانت مقرونة بلفظ {رَبَّنَا } وأما هذا الدعاء الرابع، فقد حذف منه لفظ {رَبَّنَا } وظاهره يدل على طلب الفعل ففيه سؤالان: السؤال الأول: لم لم يذكر ههنا لفظ ربنا؟. الجواب: النداء إنما يحتاج إليه عند البعد، أما عند القرب فلا وإنما حذف النداء إشعاراً بأن العبد إذا واظب على التضرع نال القرب من الله تعالى وهذا سر عظيم يطلع منه على أسرار أُخر. السؤال الثاني: ما الفرق بين العفو والمغفرة والرحمة؟. الجواب: أن العفو أن يسقط عنه العقاب، والمغفرة أن يستر عليه جرمه صوناً له من عذاب التخجيل والفضيحة، كأن العبد يقول: أطلب منك العفو وإذا عفوت عني فاستره علي فإن الخلاص من عذاب القبر إنما يطيب إذا حصل عقيبه الخلاص من عذاب الفضيحة، والأول: هو العذاب الجسماني، والثاني: هو العذاب الروحاني، فلما تخلص منهما أقبل على طلب الثواب، وهو أيضاً قسمان: ثواب جسماني وهو نعيم الجنة ولذاتها وطيباتها، وثواب روحاني وغايته أن يتجلى له نور جلال الله تعالى، وينكشف له بقدر الطاقة علو كبرياء الله وذلك بأن يصير غائباً عن كل ما سوى الله تعالى، مستغرقاً بالكلية في نور حضور جلال الله تعالى، فقوله {وَٱرْحَمْنَا } طلب للثواب الجسماني وقوله بعد ذلك {أَنتَ مَوْلَـٰنَا } طلب للثواب الروحاني، ولأن يصير العبد مقبلا بكليته على الله تعالى لأن قوله {أَنتَ مَوْلَـٰنَا } خطاب الحاضرين، ولعلّ كثيراً من المتكلمين يستبعدون هذه الكلمات، ويقولون: إنها من باب الطاعات، ولقد صدقوا فيما يقولون، فذلك مبلغهم من العلم {أية : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ } تفسير : [النجم: 30]. وفي قوله {أَنتَ مَوْلَـٰنَا } فائدة أخرى، وذلك أن هذه الكلمة تدل على نهاية الخضوع والتذلل والاعتراف بأنه سبحانه هو المتولي لكل نعمة يصلون إليها، وهو المعطي لكل مكرمة يفوزون بها فلا جرم أظهروا عند الدعاء أنهم في كونهم متكلمين على فضله وإحسانه بمنزلة الطفل الذي لا تتم مصلحته إلا بتدبير قيمه، والعبد الذي لا ينتظم شمل مهماته إلا بإصلاح مولاه، فهو سبحانه قيوم السمٰوات والأرض، والقائم بإصلاح مهمات الكل، وهو المتولي في الحقيقة للكل، على ما قال: {أية : نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ } تفسير : [الأنفال: 40] ونظير هذه الآية {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } تفسير : [البقرة: 257] أي ناصرهم، وقوله {أية : فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَـٰهُ } تفسير : [التحريم: 4] أي ناصره، وقوله {أية : ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُم } تفسير : [محمد: 11]. ثم قال: {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي انصرنا عليهم في محاربتنا معهم، وفي مناظرتنا بالحجة معهم، وفي إعلاء دولة الإسلام على دولتهم على ما قال: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ } تفسير : [التوبة: 33] ومن المحققين من قال: {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } المراد منه إعانة الله بالقوة الروحانية الملكية على قهر القوى الجسمانية الداعية إلى ما سوى الله، وهذا آخر السورة. وروى الواحدي رحمه الله عن مقاتل بن سليمان أنه لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء أعطى خواتيم سورة البقرة، فقالت الملائكة: إن الله عزّ وجلّ قد أكرمك بحسن الثناء عليك بقوله {آمن ٱلرَّسُولُ} فسله وارغب إليه، فعلمه جبريل عليهما الصلاة والسلام كيف يدعو، فقال محمد صلى الله عليه وسلم: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } فقال الله تعالى: «قد غفرت لكم» فقال: {لاَ تُؤَاخِذْنَا } فقال الله: (لا أؤاخذكم ) فقال: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } فقال: «لا أشدد عليكم» فقال محمد {لا تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } فقال: «لا أحملكم ذلك» فقال محمد {وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا } فقال الله تعالى: «قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم وأنصركم على القوم الكافرين» وفي بعض الروايات أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يذكر هذه الدعوات، والملائكة كانوا يقولون آمين. وهذا المسكين البائس الفقير كاتب هذه الكلمات يقول: إلٰهي وسيدي كل ما طلبته وكتبته ما أردت به إلا وجهك ومرضاتك، فإن أصبت فبتوفيقك أصبت فاقبله من هذا المكدي بفضلك وإن أخطأت فتجاوز عني بفضلك ورحمتك يا من لا يبرمه إلحاح الملحين، ولا يشغله سؤال السائلين وهذا آخر الكلام في تفسير هذه والسورة الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وأصحابه وسلّم.
البيضاوي
تفسير : {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} إلا ما تسعه قدرتها فضلاً ورحمةً، أو ما دون مدى طاقتها بحيث يتسع فيه طوقها ويتيسر عليها كقوله تعالى: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ }تفسير : [البقرة: 185] وهو يدل على عدم وقوع التكليف بالمحال ولا يدل على امتناعه. {لَهَا مَا كَسَبَتْ } من خير. {وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ } من شر لا ينتفع بطاعتها ولا يتضرر بمعاصيها غيرها، وتخصيص الكسب بالخير والاكتساب بالشر لأن الاكتساب فيه احتمال والشر تشتهيه النفس وتنجذب إليه فكانت أجد في تحصيله وأعمل بخلاف الخير. {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } أي لا تؤاخذنا بما أدى بنا إلى نسيان أو خطأ من تفريط وقلة مبالاة، أو بأنفسهما إذ لا تمتنع المؤاخذة بهما عقلاً فإن الذنوب كالسموم فكما أن تناولها يؤدي إلى الهلاك ـ وإن كان خطأ ـ فتعاطي الذنوب لا يبعد أن يفضي إلى العقاب وإن لم تكن عزيمة، لكنه تعالى وعد التجاوز عنه رحمةً وفضلاً فيجوز أن يدعو الإنسان به استدامة واعتداداً بالنعمة فيه. ويؤيد ذلك مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان»تفسير : {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} عبأً ثقيلاً يأصر صاحبه، أي يحبسه في مكانه. يريد به التكاليف الشاقة. وقرىء {وَلاَ تَحْمِلْ} بالتشديد للمبالغة. {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} حملاً مثل حملك إياه على {مِن قَبْلِنَا}، أو مثل الذي حملته إياهم فيكون صفة لإِصراً، والمراد به ما كلف به بنو إسرائيل من قتل الأنفس، وقطع موضع النجاسة، وخمسين صلاة في اليوم والليلة، وصرف ربع المال للزكاة. أو ما أصابهم من الشدائد والمحن. {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} من البلاء والعقوبة، أو من التكاليف التي لا تفي بها الطاقة البشرية وهو يدل على جواز التكليف بما لا يطاق وإلا لما سئل التخلص منه، والتشديد ههنا لتعدية الفعل إلى المفعول الثاني. {وَٱعْفُ عَنَّا} وامح ذنوبنا. {وَٱغْفِرْ لَنَا} واستر عيوبنا ولا تفضحنا بالمؤاخذة. {وَٱرْحَمْنَا } وتعطف بنا وتفضل علينا. {أَنتَ مَوْلَـٰنَا } سيدنا. {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} فإن من حق المولى أن ينصر مواليه على الأعداء، أو المراد به عامة الكفرة. روي أنه عليه الصلاة والسلام لما دعا بهذه الدعوات قيل له عند كل كلمة فعلت. وعنه عليه السلام «حديث : أنزل الله تعالى آيتين من كنوز الجنة. كتبها الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة، من قرأهما بعد العشاء الأخيرة أجزأتاه عن قيام الليل»تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه»تفسير : وهو يرد قول من استكره أن يقال سورة البقرة، وقال: ينبغي أن يقال السورة التي تذكر فيها البقرة، كما قال عليه الصلاة والسلام «حديث : السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها، فإن تعلمها بركة وتركها حسرة، ولن يستطيعها البطلة قيل: يا رسول الله وما البطلة؟ قال: السحرة».
المحلي و السيوطي
تفسير : {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } أي ما تسعه قدرتها {لَهَا مَا كَسَبَتْ } من الخير أي ثوابه {وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ } من الشرّ أي وزره ولا يؤاخذ أحد بذنب أحد ولا بما لم يكسبه مما وسوست به نفسه قولوا {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا } بالعقاب {إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } تركنا الصواب لا عن عمد كما آخذت به مَن قبلنا وقد رفع الله ذلك عن هذه الأمة كما ورد في الحديث، فسؤاله اعتراف بنعمة الله {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } أمراً يثقل علينا حمله {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا } أي بني إسرائيل من قتل النفس في التوبة وإخراج ربع المال في الزكاة وقرض موضع النجاسة {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ } قوّة {لَنَا بِهِ } من التكاليف والبلاء {وَٱعْفُ عَنَّا } امح ذنوبنا {وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا } في الرحمة زيادة على المغفرة {أَنتَ مَوْلَٰنَا } سيدنا ومتولي أمورنا {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ } بإقامة الحجة والغلبة في قتالهم فإنّ من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء، وفي الحديث حديث : لما نزلت هذه الآية فقرأها صلى الله عليه وسلم قيل له عقب كل كلمة: قد فعلت .
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} يعني طاقتها، وفيه وجهان: أحدهما: وعدٌ من الله لرسوله وللمؤمنين بالتفضل على عباده ألاَّ يكلف نفساً إلا وسعها. والثاني: أنه إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم ومن المؤمنين عن الله، على وجه الثناء عليه، بأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها. ثم قال: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} يعني لها ما كسبت من الحسنات، وعليها ما اكتسبت يعني من المعاصي. وفي كسبت واكتسبت وجهان: أحدهما: أن لفظهما مختلف ومعناهما واحد. والثاني: أن كسبت مستعمل في الخير خاصة، واكتسبت مستعمل في الشر خاصّة. {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينآ} قال الحسن: معناه: قولوا ربنا لا تؤاخذنا. {إِن نَّسِينَا} فيه تأويلان: أحدهما: يعني إن تناسينا أمرك. والثاني: تركنا، والنسيان: بمعنى الترك كقوله تعالى: {أية : نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ} تفسير : [التوبة: 67]، قاله قطرب. {أَوْ أَخْطَأْنَا} فيه تأويلان: أحدهما: ما تأولوه من المعاصي بالشبهات. والثاني: ما عمدوه من المعاصي التي هي خطأ تخالف الصواب. وقد فَرَّقَ أهل اللسان بين "أخطأ" وخطيء، فقالوا: "أخطأ" يكون على جهة الإِثم وغير الإِثم، وخطىء: لا يكون إلا على جهة الإِثم، ومنه قول الشاعر: شعر : والناس يَلْحُون الأَميرَ إذا هُمُ خطئوا الصوابَ ولا يُلام المرْشدُ تفسير : {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: إصراً أي عهداً نعجز عن القيام به، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. الثاني: أي لا تمسخنا قردة وخنازير، وهذا قول عطاء. الثالث: أنه الذنب الذي ليس فيه توبة ولا كفارة، قاله ابن زيد. الرابع: الإِصر: الثقل العظيم، قاله مالك، والربيع، قال النابغة: شعر : يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم والحامل الإِصر عنهم بعدما عرضوا تفسير : {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} يعني بني إسرائيل فيما حملوه من قتل أنفسهم. {.. وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} فيه قولان: أحدهما: ما لا طاقة لنا به مما كُلِّفَهُ بنو إسرائيل. الثاني: ما لا طاقة لنا به من العذاب. {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا} فيه وجهان: أحدهما: مالكنا. الثاني: وَلِيُّنا وناصرنا. {فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} روى عطاء بن السائب عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: {ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} فلما انتهى إلى قوله تعالى: {غُفْرَانَكَ رَبِّنَا} قال الله تعالى: قد غفرت لكم، فلما قرأ: {رَ بَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَو أَخْطَأْنَا} قال الله تعالى: لا أؤاخذكم، فلما قرأ: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} قال الله تعالى: لا أحمل عليكم. فلما قرأ: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمَّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قال الله تعالى: لا أحملكم. فلما قرأ: {وَاعْفُ عَنَّا} قال الله تعالى: قد عفوت عنكم. فلما قرأ: {وَاغْفِرْ لَنَا} قال الله تعالى: قد غفرت لكم. فلما قرأ: {وَارْحَمْنَا} قال الله تعالى: قدر رحمتكم. فلما قرأ: {فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} قال الله تعالى: قد نصرتكم. وروى مرثد بن عبد الله عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اقْرَؤُوا هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِنْ خَاتِمَةِ البَقَرَةِ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَعْطَانِيهَا مِن تَحتِ العَرْشِ ". تفسير : وروى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : السُّورةُ الَّتِي تُذْكَرُ فِيهَا البَقَرةُ فُسْطَاطُ القُرْآنِ، فَتَعَلَّمُوهَا فَإِنَّ تَعلِيمَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلاَ يَسْتَطِيعُهَا البَطَلَةُ قِيلَ: وَمَنِ البَطَلَةُ؟ قَالَ: السَحَرَةُ ".
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} خبر جزم نص على أنه لا يكلف العباد من وقت نزوله الآية عبادة من أعمال القلوب والجوارح إلا وهي في وسع المكلف، وفي مقتضى إدراكه وبنيته، وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين في تأولهم أمر الخواطر، وتأول من ينكر جواز تكليف ما لا يطاق هذه الآية بمعنى أنه لا يكلف ولا كلف وليس ذلك بنص في الآية ولا أيضاً يدفعه اللفظ، ولذلك ساغ الخلاف. وهذا المعنى الذي ذكرناه في هذه الآية يجري مع معنى قوله تعالى {أية : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} تفسير : [البقرة: 185] وقوله تعالى: {أية : ما جعل عليكم في الدين من حرج} تفسير : [الحج: 78] وقوله: {أية : واتقوا الله ما استطعتم} تفسير : [التغابن: 16]. واختلف الناس في جواز تكليف ما لا يطاق في الأحكام التي هي في الدنيا بعد اتفاقهم. على أنه ليس واقعاً الآن في الشرع، وأن هذه الآية آذنت بعدمه، فقال أبو الحسن الأشعري وجماعة من المتكلمين تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً ولا يحرم ذلك شيئاً من عقائد الشرع، ويكون ذلك أمارة على تعذيب المكلف وقطعاً به. قال القاضي أبو محمد: وينظر إلى هذا تكليف المصور أن يعقد شعيرة حسب الحديث. واختلف القائلون بجوازه هل وقع في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أم لا؟ فقالت فرقة وقع في نازلة أبي لهب لأنه حكم عليه بتب اليدين وصلي النار، وذلك مؤذن بأنه لا يؤمن، وتكليف الشرع له الإيمان راتب، فكأنه كلف أن يؤمن وأن يكون في إيمانه أنه لا يؤمن لأنه إذا آمن فلا محالة أنه يؤمن بسورة {أية : تبت يدا أبي لهب} تفسير : [المسد: 1]، وقالت فرقة لم يقع قط، وقوله تعالى: {أية : سيصلى ناراً} تفسير : [المسد:3] إنما معناه إن وافى على كفره. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وما لا يطاق ينقسم أقساماً: فمنه المحال عقلاً كالجمع بين الضدين، ومنه المحال عادة، كرفع الإنسان جبلاً، ومنه ما لا يطاق من حيث هو مهلك كالاحتراق بالنار ونحوه، ومنه ما لا يطاق للاشتغال بغيره، وهذا إنما يقال فيه ما لا يطاق على تجوز كثير، و {يكلف} يتعدى إلى مفعولين أحدهما محذوف تقديره "عبادة" أو شيئاً، وقرأ ابن أبي عبلة "إلا وَسِعها" بفتح الواو وكسر السين، وهذا فيه تجوز لأنه مقلوب، وكان وجه اللفظ إلا وسعته، كما قال {أية : وسع كرسيه السموات والأرض} تفسير : [البقرة: 255] وكما قال {أية : وسع كل شيء علماً} تفسير : [طه:98] ولكن يجيء هذا من باب أدخلت القلنسوة في رأسي، وفمي في الحجر. وقوله تعالى: {لها ما كسبت} يريد من الحسنات، {وعليها ما اكتسبت} يريد من السيئات، قاله السدي وجماعة من المفسرين، لا خلاف في ذلك، والخواطر ونحوها ليس من كسب الإنسان. وجاءت العبارة في الحسنات بــ {لها} من حيث هي مما يفرح الإنسان بكسبه ويسر بها فتضاف إلى ملكه، وجاءت في السيئات بـــ {عليها}، من حيث هي أوزار وأثقال ومتحملات صعبة، وهذا كما تقول لي مال وعلي دين، وكما قال المتصدق باللقطة: اللهم عن فلان فإن أبى فلي وعليَّ، وكرر فعل الكسب فخالف والذي التصريف حسناً لنمط الكلام. كما قال {أية : فمهل الكافرين أمهلهم رويداً} تفسير : [الطلاق: 17] هذا وجه، والذي يظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما يكسب دون تكلف، إذ كاسبها على جادة أمر الله ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى ويتخطاه إليها، فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازاً لهذا المعنى، وقال المهدوي وغيره: وقيل معنى الآية لا يؤاخذ أحد بذنب أحد. قال القاضي أبو محمد: وهذا صحيح في نفسه، لكن من غير هذه الآية. وقوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا} معناه قولوا في دعائكم. واختلف الناس في معنى قوله {نسينا أو أخطأنا} فذهب الطبري وغيره إلى أنه النسيان بمعنى الترك، أي إن تركنا شيئاً من طاعتك وأنه الخطأ المقصود. قالوا وأما النسيان الذي يغلب المرء والخطأ الذي هو عن اجتهاد فهو موضوع عن المرء، فليس بمأمور في الدعاء بأن لا يؤاخذ به، وذهب كثير من العلماء إلى أن الدعاء في هذه الآية إنما هو في النسيان الغالب والخطأ غير المقصود، وهذا هو الصحيح عندي. قال قتادة في تفسير الآية بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تجاوز لأمتي عن نسيانها وخطأها. وقال السدي نزلت هذه الآية فقالوها؛ قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: قد فعل الله ذلك يا محمد. قال القاضي أبو محمد: فظاهر قوليهما ما صححته، وذلك أن المؤمنين لما كشف عنهم ما خافوه في قوله تعالى: {أية : يحاسبكم به الله} تفسير : [البقرة: 284] أمروا بالدعاء في دفع ذلك النوع الذي ليس من طاقة الإنسان دفعه، وذلك في النسيان والخطأ، "والإصر" الثقل وما لا يطاق على أتم أنواعه، وهذه الآية على هذا القول تقضي بجواز تكليف ما لا يطاق، ولذلك أمر المؤمنون بالدعاء في أن لا يقع هذا الجائز الصعب. ومذهب الطبري والزجاج أن تكليف ما لا يطاق غير جائز، فالنسيان عندهم المتروك من الطاعات. والخطأ هو المقصود من العصيان، والإصر هي العبادات الثقيلة كتكاليف بني إسرائيل من قتل أنفسهم وقرض أبدانهم ومعاقباتهم على معاصيهم في أبدانهم حسبما كان يكتب على أبوابهم وتحميلهم العهود الصعبة. وما لا طاقة للمرء به هو عندهم على تجوز، كما تقول لا طاقة لي على خصومة فلان، ولغير ذلك من الأمر تستصعبه وإن كنت في الحقيقة تطيقه أو يكون ذلك {ما لا طاقة لنا به} من حيث هو مهلك لنا كعذاب جهنم وغيره. وأما لفظة "أخطأ" فقد تجيء في القصد ومع الاجتهاد، قال قتادة: الإصر العهد والميثاق الغليظ. وقاله مجاهد وابن عباس والسدي وابن جريج والربيع وابن زيد وقال عطاء: الإصر المسخ قردة وخنازير. وقال ابن زيد أيضاً: الإصر الذنب لا كفارة فيه ولا توبة منه. وقال مالك رحمه الله: الإصر: الأمر الغليظ الصعب. قال القاضي أبو محمد: والإصرة في اللغة الأمر الرابط من ذمام أوقرابة أو عهد ونحوه، فهذه العبارات كلها تنحو نحوه، والإصار الحبل الذي تربط به الأحمال ونحوها، والقد يضم عضدي الرجل يقال أصر يأصر والإصر بكسر الهمزة من ذلك، وفي هذا نظر. وروي عن عاصم أنه قرأ أُصراً بضم الهمزة، ولا خلاف أن الذين من قبلنا يراد به اليهود. قال الضحاك: والنصارى، وأما عبارات المفسرين في قوله: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} فقال قتادة لا تشدد علينا كما شددت على من كان قبلنا. وقال الضحاك: لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق، وقال نحوه ابن زيد، وقال ابن جريج: لا تمسخنا قردة وخنازير، وقال سلام بن سابور: الذي لا طاقة لنا به الغلمة، وحكاه النقاش عن مجاهد وعطاء وعن مكحول وروي أن أبا الدرداء كان يقول في دعائه: وأعوذ بك في غلمة ليس لها عدة، وقال السدي: هو التغليظ والأغلال التي كانت على بني إسرائيل من التحريم، ثم قال تعالى فيما أمر المؤمنين بقوله: {واعف عنا} أي فيما واقعناه وانكشف {واغفر لنا} أي استر علينا ما علمت منا {وارحمنا} أي تفضل مبتدئاً برحمة منك لنا. قال القاضي أبو محمد: فهي مناح للدعاء متباينة وإن كان الغرض المراد بكل واحد منها واحداً وهو دخول الجنة و {أنت مولانا} مدح في ضمنه تقرب إليه وشكر على نعمه، ومولى هو من ولي فهو مفعل أي موضع الولاية، ثم ختمت الدعوة بطلب النصر على الكافرين الذي هو ملاك قيام الشرع وعلو الكلمة ووجود السبيل إلى أنواع الطاعات. وروي أن جبريل عليه السلام أتى محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: {قل ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}، فقالها فقال جبريل قد فعل، فقال: قل كذا وكذا فيقولها فيقول جبريل: قد فعل إلى آخر السورة، وتظاهرت بهذا المعنى أحاديث، وروي عن معاذ بن جبل أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال آمين. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هذا يظن به أنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان ذلك فكمال، وإن كان بقياس على سورة الحمد من حيث هناك دعاء وهنا دعاء فحسن، وروى أبو مسعود عقبة بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليل كفتاه،تفسير : يعني من قيام الليل، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما أظن أحداً عقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن أحد قبلي ".
ابن عبد السلام
تفسير : {وُسْعَهَا} طاقتها {كَسَبَتْ} من الحسنات {اكْتَسَبَتْ} من السيئات. {نَسِينَآ} أمرك أو تركناه. {أَخْطَأْنَا} أصبنا من المعاصي بالشبهات، أو تعمدنا. {إِصْراً} عهداً نعجز عن القيام به، أو لا تمسخنا قردة وخنازير، أو الذنب الذي لا توبة له ولا كفارة، أو الثقل العظيم. {الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} بنو إسرائيل فيما حُمِّلوه من قتل أنفسهم. {لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} من العذاب، أو مما كُلِّفته بنو إسرائيل. {مَوْلانَا} وليّنا وناصرنا.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها} قيل: يحتمل أن يكون ابتداء خبر من الله تعالى أن يكون حكاية عن المؤمنين وفيه إضمار كأنه قال الله تعالى عنهم وقالوا: لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها يعني طاقتها والوسع اسم لما يسع الإنسان ولا يضيق عليه. قال ابن عباس وأكثر المفسرين إن هذه الآية نسخت حديث النفس والوسوسة وذلك أنه لما نزل وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ضج المؤمنون منها وقالوا: يا رسول الله نتوب من عمل اليد والرجل واللسان فكيف نتوب من الوسوسة وحديث النفس؟ فنزلت هذا الآية. والمعنى أنكم لا تستطيعون أن تمتنعوا من الوسوسة وحديث النفس؟ كان ذلك ما لم تطيقوه وقال ابن عباس في رواية عنه: هم المؤمنون خاصة وسع الله عليهم أمر دينهم ولم يكلفهم ما لا يستطيعون. كما قال: {أية : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}تفسير : [البقرة: 185] وقال تعالى: {أية : وما جعل عليكم في الدين من حرج}تفسير : [الحج: 78] وسئل سفيان بن عيينة عن قوله: {لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها} قال: إلاّ يسرها ولم يكلفها فوق طاقتها وهذا قول حسن، لأن الوسع ما دون الطاقة وقيل معناه أن الله تعالى لا يكلف نفساً إلاّ وسعها فلا يتعبدها بما لا تطيق. {لها ما كسبت} يعني للنفس ما عملت من الخير فلها أجره وثوابه. {وعليها ما اكتسبت} يعني من الشر عليها وزره وعقابه وقيل في معنى الآية: إن الله تعالى لا يؤاخذ أحداً بذنب غيره. قوله عز وجل: {ربنا لا تؤاخذنا} وهذا تعليم من الله تعالى عباده المؤمنين كيف يدعونه ومنعاه قولوا: ربنا لا تؤاخذنا أي لا تعاقبنا وإنما جاء بلفظ المفاعلة وهو فعل واحد لأن المسيء قد أمكن من نفسه وطرق السبيل إليها بفعله فكأنه أعدى عليه من يعاقبه بذنبه ويأخذه به. {إن نسينا أو أخطأنا} فيه وجهان: أحدهما أنه من النسيان الذي هو السهو وهو ضد التذكر قيل: كان بنو إسرائيل إذا نسوا شيئاً مما أمروا به أو اخطؤوا عجلت لهم العقوبة فيحرم عليهم شيء مما كان حلالاً لهم من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب، فأمر الله المؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك. فإن قلت: أليس فعل الناسي في محل العفو بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" تفسير : فإذا كان النسيان في محل العفو قطعاً فما معنى العفو عنه بالدعاء؟ قلت: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن النسيان على ضربين: أما الأول: فهو ما كان من العبد على وجه التضييع والتفريط، وهو ترك ما أمر بفعله كمن رأى على ثوبه دماً فأخر إزالته، عنه ثم نسي فصلى فيه، وهو على ثوبه فيعد مقصراً إذ كان يلزمه المبادرة إلى إزالته أما إذا لم يره فيعذر فيه وكذا لو ترك ما أمر بفعله على وجه السهو أو ارتكب منهياً عنه من غير قصد إليه كأكل آدم عليه السلام من الشجرة التي نهى عنها على وجه النسيان من غير عزم على المخالفة كما قال تعالى: {أية : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً} تفسير : [طه: 115] فمثل هذا يجب أن يسأل الله تعالى أن يعفو له عن ذلك. وأما الضرب الثاني فهو كمن ترك صلاة ثم نسيها أو ترك دراسة القرآن بعد أن حفظه حتى نسيه فهذا لا يعذر بنسيانه وسهوه لأنه فرط فثبت أن النسيان على قسمين وإذا كان كذلك صح طلب العفو والغفران عن النسيان. الوجه الثاني من الجواب أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا من المتقين لله حق تقاته فإن صدر منهم ما لا ينبغي فلا يكون إلا على سبيل السهو والنسيان فطلبهم العفو والغفران لما يقع منهم على سبيل السهو والنسيان إنما هو لشدة خوفهم وتقواهم. الوجه الثالث أن المقصود من هذا الدعاء هو التضرع والتذلل لله تعالى. وأما الخطأ في قوله أو أخطأنا فعلى وجهين أيضاً: أحدهما أن يأتي العبد ما نهي عنه بقصد وإرادة فذلك خطأ منه وهو به مأخوذ فيحسن طلب العفو والغفران لذلك الفعل الذي ارتكبه. الوجه الثاني أن يكون الخطأ على سبيل الجهل والظن لأن له فعله كمن ظن أن وقت الصلاة لم يدخل وهو في يوم غيم فأخرها حتى خرج وقتها فهذا من الخطأ الموضوع عن العبد. لكن طلب العفو والغفران لسبب تقصيره وقوله: {ربنا ولا تحمل علينا إصراً} يعني عهداً ثقيلاً وميثاقاً غليظاً فلا نستطيع القيام به فتعذبنا بنقضه وتركه {كما حملته على الذين من قبلنا} يعني اليهود فلم يقوموا به فعذبتهم عليه، وقيل معناه ولا تشدد علينا كما شددت على اليهود من قبلنا وذلك أن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة وأمرهم بأداء ربع أموالهم زكاة ومن أصاب منهم ثوبه نجاسة قطعها ومن أصاب ذنباً أصبح وذنبه مكتوب على بابه. ونحو هذا من الأثقال والآصار التي كتبت عليهم فسأل المسلمون ربهم أن يصونهم عن أمثال هذه التغليظات والعهود الثقيلة وقد أجاب الله تعالى دعاءهم برحمته وخفف عنهم بفضله وكرمه فقال تعالى: {أية : وما جعل عليكم في الدين من حرج} تفسير : [الحج: 78] وقيل الإصر ذنب لا توبة له فسأل المؤمنون ربهم أن يعصمهم من مثله {ربّنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} يعني لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به لثقل حمله علينا وتكليف ما لا يطاق على وجهين: أحدهما ما ليس في قدرة العبد احتماله كتكليف الأعمى النظر والزمن العدو فهذا النوع من التكليف الذي لا يكلف الله به عبده بحال. الوجه الثاني من تكليف ما لا يطاق هو ما في قدرة العبد احتماله مع المشقة الشديدة والكلفة العظيمة كتكليف الأعمال الشاقة والفرائس الثقيلة كما كان في ابتداء الإسلام صلاة الليل واجبة ونحوه. فهذا الذي سأل المؤمنون ربهم لا يحملهم ما لا طاقة لهم به واستدل بهذه الآية من يقول إن تكليف ما لا يطاق جائر إذ لم يكن جائزاً لما حسن طلب تخفيفه بالدعاء من الله تعالى. وقيل في قوله ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به هو حديث النفس والوسوسة وقيل هيجان الغلمة وقيل هو الحب وقيل هو شماتة الأعداء وقيل: هو الفرقة والقطيعة وقيل هو مسخ القردة والخنازير نعوذ بالله من ذلك كله {واعف عنا} أي تجاوز عن ذنوبنا وامحها عنا {واغفر لنا} أي استر علينا ذنوبنا ولا تفضحنا {وارحمنا} أي تغمدنا برحمة تنجينا بها من عقابك فإنه ليس بناج من عقابك إلاّ من رحمته. وقيل: إنا لا ننال العمل بطاعتك ولا نترك معصيتك إلاّ برحمتك، وأصل الرحمة رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم وإذا وصف بها الله تعالى فليس يراد بها إلاّ الإحسان المجرد والتفضل على العباد دون الرقة. وقيل: إن طلب العفو هو أن يسقط عنه عقاب ذنوبه، وطلب المغفرة هو أن يستر عليه صوناً له من الفضيحة كأن العبد يقول: أطلب منك العفو وإذا عفوت عني فاستره علي فإذا عفا الله تعالى عن العبد وستره طلب الرحمة التي هي الإنعام والإحسان ليفوز بالنعيم والثواب {أنت مولانا} أي ناصرنا وحافظنا وولينا ومتولي امورنا {فانصرنا على القوم الكافرين} يعني الجاحدين الذين عبدوا غيرك وجحدوا وحدانيتك. قال ابن عباس في قوله غفرانك ربنا قال قد غفرت لكم. وفي قوله: لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال لا أؤاخذكم ربنا ولا تحمل علينا إصراً قال: لا أحمل عليكم ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به. قال: لا أحملكم واعف عنا، واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين. قال قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم ونصرتكم على القوم الكافرين. كان معاذ إذا ختم سورة البقرة قال آمين. (م) عن عبدالله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السادسة وإليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها. إليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها قال: {أية : إذ يغشى السدرة ما يغشى} تفسير : [النجم: 16] قال فراش من ذهب قال فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً أعطي الصلوات الخمس وخواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئاً من المقحمات. المقحمات: الذنوب العظام التي تولج مرتكبها النار وأصل الاقتحام الولوج. (ق) عن أبي مسعود الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه معناه كفتاه من كل ما يحذر من كل هامة وشيطان فلا يقربه تلك الليلة وقيل كفتاه عن قيام اليل"تفسير : . (م) عن ابن عباس قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده جبريل عليه السلام إذ سمع نقيضاً من فوقه فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلاّ اليوم فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل من السماء إلى الأرض لم ينزل قط إلاّ اليوم فسلم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلاّ أعطيته عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله كتب لنا كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام أنزل فيه آيتين ختم بهما سورة البقرة ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان" تفسير : أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب. آخر تفسير سورة البقرة والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا...}. ابن عرفة: تقدم في الآية السابقة أنّها (إما) منسوخة او مخصوصة بهذا أو مبيّنة بهذا. زاد ابن الخطيب أنها من كلام الناس. ورده ابن عرفة: بأنّ هذا خبر فلا يصح أن يكون من كلام الناس إذ لا طريق لهم إلى معرفته إلا أن يكون أنزل قبله ما هو في معناه. قال ابن عرفة: وتكليف ما لا يطاق فيه ثلاث أقوال: مذهب أهل السنة جوازه، ومذهب المعتزلة منعه، والثالث الوقف. وإذا قلنا بالجواز فهل هو واقع أم لا؟ فيه خلاف. وتردد الأشعري في وقوعه، وقسمه ابن التلمساني على خمسة أقسام والخلاف إنما هو في قسمين وهما المستحيل عقلا والمستحيل عادة، وما عداهما فلا خلاف فيه إذ ليس من تكليف ما لايطاق. قال في (شرح) المحصول: وفائدة التّكليف بالمستحيل عقلا أو عادة أن يكون علامة على (شقاوة) المكلف بذلك لأنه لا يتوصل إلى امتثاله والآية حجة لمن يجيز التكليف (بما) لا يطاق ويبقى وقوعه إذ لا (ينفى إلا) ما هو ممكن الوقوع و(من) قال بوقوع تكليف ما لا يطاق واحتج بقضية أبي لهب فإنه مكلف بأن لا يؤمن لقوله تعالى: {أية : سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ}.تفسير : وهو مكلف بأن يؤمن بالنّبي صلّى الله عليه وسلّم وبجميع ما جاء به ومن جملته هذا. وأجاب تاج الدين الأرموي في شرح الحاصل بأنه مكلف بأن يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به إيمانا جمليا لا تفصيليا. قال الفخر وابن التلمساني: من تكليف ما لا يطاق التكليف بما علم عدم وقوعه. فقال ابن عرفة: هذا وهم وليس ذلك من تكليف ما لا يطاق بوجه لأنه ممكن في نفس الأمر فهو (مطيق) فعله كتكليف العصاة بالصلاة في الوقت فيفعلونها بعد الوقت قضاء. قيل لابن عرفة: ما فائدة الخلاف (بتكليف) ما لا يطاق بالنسبة إلى النائم؟ فقال: قد ذكروا في النائم أنّه إذا ضرب (برجله) إناء فكسره فإنه يضمنه. وكذلك إذا ضرب أحدا فقتله فهل تضمينه ذلك من تكليف ما لا يطاق أم لا؟ والظاهر أنه من خطاب الوضع والإجبار. قوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ...}. ذكر (الزمخشري) وابن عطية وجه المغايرة بين الفعلين وهما متقاربان. فتقرير ما قال ابن عطية (والزّمخشري) أنّ المكلّف بفعل الطاعة مستحضر للثواب عليها فيسهل عليه أمرها من غير تكليف طبيعي ولا وازع له عن فعلها، وفاعل المعصية يستحضر العقوبة عليها في الدّار الآخرة فشهوته تحمله عليها وتكلفه على فعلها وتوجب معاندته للوازع الديني. وتقرير كلام الزمخشري كأنه على عكس هذا لكنه في الحقيقة راجع إلى هذا وهو أنّ الشّر مما تشتهيه النفوس وتأمر به فهي في تحصيله أعمل وأقوى اجتهادا (فجعلت) له مكتسبة ولما لم تكن كذلك في الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الفعل والتكليف. وقال ابن الصائغ في باب ما جاء من المعدول على فعال: لما كان الإنسان يثاب على قليل الخير وكثيره استعمل فيه اللّفظ العام للقليل والكثير وهو "كسب"، ولما كانت الصغائر معفوا عنها بفضل الله عز وجل جاء بلفظ الكثير إشعارا بأنها ليس عليها إلا ما فوق الصغائر قال هذا بعد أن ذكر أن: كَسَبَ واكْتَسَبَ إن اجتمعتا في كلام واحد كانت "كَسَبَ" عامة (في الأمرين) و "اكْتَسَبَ" خاصة بالكثير وإن انفردت إحداهما عمت في الأمرين. وقال القرافي في قواعده: إنها تدل على أن المصائب لا يثاب عليها لأنها ليس للمكلف فيها اعتماد. قلت: وفي شرح أبيات الجمل لابن هشام / النحوي حكى ابن جني عن الزجاج أنه يقال: جزيته في الخير وجازيته في الشر فيستعمل فعل الزيادة في الشر وفعل النقص في الخير ومنه {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ}. وقول الشاعر أيضا: شعر : إنا اقتسمنا خطيئتنا بيننا فحملت بِرّهُ واحتملت فجار تفسير : قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا...}. قال الزمخشري: فإن قلت: النسيان والخطأ متجاوز عنهما فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة فيهما؟ وأجاب بأن الدعاء راجع لسببهما وهو التفريط والغفلة. قال ابن عرفة: هذا على مذهبه في منع تكليف ما لا يطاق لأنه دعاء بتحصيل الحاصل ونحن نقول: يجوز الدعاء بتحصيله لأنه ممكن باعتبار الأصالة. فإن قلت: الأصل تقديم الشّرط نحو أن يقال: إن نسينا أو أخطأنا فلا تؤاخذنا؟ قلت: قدم المدعو به للاهتمام به. قال ابن عرفة: فالنسيان والخطأ مرفوع عن ابن آدم فيما بينه وبين الله تعالى. قيل له: قد قال الإمام مالك رضي الله عنه في العتبية فيمن حلف بالطلاق: ليصومن يوم كذا فأفطر ناسيا: إنّه لا شيء عليه؟ فقال: قال ابن رشد وابن دحون: أي لا حنث له. وقال السيُورِي: واختاره اللخمي أي لا فضل عليه، واحتج بحديث: "حمل (عن) أمتي أخطاؤها ونسيانها. وأجاب الآخرون: بأن الذي حمل إنما هو إثم الخطإ والنيسان لا نفس الخطإ. وذكرها ابن الحاجب في كتاب الأيمان والنذور، قال: وفيها ما نصه: "والنسيان في المطلق كالعمد على المعروف، وخرج الفرق من قوله: من حلف بالطلاق لأصومن كذا فأفطر ناسيا فلا شيء عليه". قلت: ووقعت هذه المسألة في رسم سلف سمع من سماع عيسى من كتاب الأيمان والنذور بالطلاق. (وقال ابن رشد: أي لا حنث عليه إذا كان ناسيا بخلاف ما لو أصبح مفطرا) ناسيا ليمينه، مراعاة للخلاف في وجوب القضاء على من أفطر في التطوع متعمّدا وفي رمضان ناسيا لما جاء في ذلك. قيل لابن عرفة: قد قالوا: إذا قتل رجل خطأ: إنّ على قاتله صوم شهرين؟ فقال: النسيان إنما هو في رفع الإثم وليس سببا في صومه والقتل سبب في الصوم والشرع رتب عل ذلك القتل صوما فيجب عليه امتثاله (لا لأنه) كفارة بل الإثم ساقط عنه. انتهى. قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا...}. قال أبو حيان: قرىء بالتشديد والتّخفيف. قال: في التشديد إما للتعدية أو للمبالغة. قال ابن عرفة: فظاهره أنه لهما على (البديلة) ومنهم من قال: يصح كونه لهما على المعية وقال بعضهم: أما المبالغة هنا مع التشديد فظاهرة، وأما مع التخفيف (فمستفادة) من لفظ "على" لاقتضائها الاستعلاء والاستيلاء. فإن قلت: ما الفائدة في قوله: {كَمَا حَمَلْتَهُ} ولو أسقط "كما" (احتمل) المعنى، وإسقاطه كان يكون أتمّ وأبلغ لأن نفي "إِصْرا" مطلق أبلغ منه مقيدا؟ (قال) ابن عرفة: وعادتهم (يجيبون) بأن الدعاء حالة الخوف مظنة الإجابة فهو فيه أقوى (منها) حالة عدم الخوف لأن الخوف أقرب لمقام التضرع والالتجاء. فذكر عقوبة من مضى في هذا مما يزيد في الخوف ويقوي فيه العبودية والتضرع والالتجاء. قال ابن عطية: ولا خلاف أن المراد بـ {الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} اليهود. ابن عرفة: لأن (تكاليفهم) والتشديد الواقع في شريعتهم أكثر من النصارى وغيرهم، قال الضحاك: اليهود والنصارى. قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ...}. تقدم إما أنه راجع لأمور الآخرة أو للتكاليف الدنيوية فإن كان للآخرة فهو تأسيس وإن كان للدنيا فهو تأكيد، إن أريد بما لاَ طاقة لنا به الحقيقة وهو ما ليس في قدرة البشر لأن الدعاء لنفي (الإصر) يستلزم الدعاء بنفي ما فوقه، وإن أريد به المجاز كما أشار إليه ابن عطية في أحد التفاسير من أنّه الأمر المستصعب وإن (كانت) تطيقه فيكون تأسيسا. قوله تعالى: {وَٱعْفُ عَنَّا...} الآية. قال ابن عرفة: وجه الترتيب هذا أن العفو عبارة عن عدم المؤاخذة بالذّنب، وما يلزم من الدعاء برفع (الأمر) الذي في قدرة البشر بمشقة أو الخارجة عن قدرة (البشر)، عدم المؤاخذة بالذنب. ثم عقبه بالمغفرة لأنه لا يلزم من عدم المؤاخذة ستر ولأنه قد لا يؤاخذه به ويظهره عليه، ثم عقبه بالرّحمة لأنّ العفو والمغفرة من باب دفع المؤلم والرحمة من باب جلب الملائم، فدفع المؤلم آكد وأولى من جلب الملائم ونحوه لابن الخطيب. قال ابن عطية: وقال سلام بن سابور الذي لا طاقة لنا به الغُلْمةُ. وروي أَن أبا الدرداء كان يقول في دعائه: وأعوذ بك من غلمة ليس لها عدة. ابن عرفة: الغلمة (هي) قوله: أنت مولانا فانصرنا. الزمخشري: أي سيدنا وناصرنا ومتولي أمرنا ومالكنا. ابن عرفة: السيد والناصر إطلاقه عليهما من قبيل المشترك والمتولي والمالك ينبغي أن يحمل على أن المراد الأخص منهما ليدخل تحت الأعم من باب أحرى. قال الزمخشري: وعنه عليه الصلاة والسلام: "حديث : من قرأ الآيتين من سورة البقرة في كل ليلة كفتاه ". تفسير : قال ابن عرفة: أولهما "آمَنَ الرّسُول" ومعنى كفتاه أي يرفعان قارئهما عن رتبة من حرم قيام الليّل. قلت: وفي إكمال القاضي عياض أي في كتاب الطب: أي كفتاه كل هامة وشيطان فلا يضره (وفي سلاح المؤمن معنى كفتاه أجزأتاه عن قيام الليّل. وقيل: كفتاه من كل شيطان لم يضر به ليلته" وقيل: كفتاه مما يكون من تلك اللّيلة من الآفات وقيل: حسبه بهما فضلا وأجرا. ويحتمل الجميع والله سبحانه وتعالى أعلم).
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالَىٰ: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا...} الآية: خبرُ جزمٍ نصَّ علَىٰ أنَّه لا يكلِّف اللَّه العبادَ مِنْ وقْتِ نزولِ الآيةِ عبادةً مِنْ أَعمالِ القَلْب والجوارحِ إِلاَّ وهِيَ في وُسْعِ المكلَّف، وفي مقتضى إِدراكه وبنيته، وبهذا ٱنكشفَتِ الكُرْبَةُ عن المسلِمِينَ في تأوُّلهم أمْر الخواطِرِ، وهذا المعنَى الذي ذكَرْناه في هذه الآية يَجْرِي مع معنَىٰ قوله تعالى: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } تفسير : [البقرة:185] وقوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } تفسير : [الحج:78] وقوله: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ }تفسير : [التغابن:16]، قال العراقيُّ: {وُسْعَهَا }، أي: طاقتها. اهـــ. قال: * ع *: واختلف النَّاسُ في جوازِ تكليفِ ما لا يُطَاقُ في الأحكامِ الَّتي هي في الدُّنْيا بعد ٱتفاقِهِمْ علَىٰ أنَّه ليس واقعًا الآنَ في الشَّرْعِ، وأنَّ هذه الآية آذَنَتْ بعدمه، وٱختلف القائلُونَ بجوازِهِ، هل وَقَعَ في رسالةِ سَيِّدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم أمْ لاَ؟ فقالَتْ فرقة: وقَعَ في نازلةِ أبِي لَهَبٍ؛ لأنه حَكَم علَيْه بتَبِّ اليدَيْنِ، وصَلْيِ النَّارِ؛ وذلك مُؤْذِنٌ أنه لا يؤْمِنُ، وتكليفُ الشرْعِ له الإِيمان راتب، فكأنه كُلِّف أنْ يؤمِنَ، وأنْ يكون في إيمانه أنَّه لا يؤمن؛ لأنه إِذا آمَن، فلا محالة أنْ يُدَيَّنَ بسورة: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ }. وقالتْ فرقةٌ: لم يقَعْ قطُّ، وقوله تعالَىٰ: {أية : سَيَصْلَىٰ نَاراً }تفسير : [المسد:3] إِنما معناه: إِن وافَىٰ على كفره. * ع *: وما لا يطاقُ علَىٰ أقسامٍ: منه المُحَالُ عقْلاً؛ كالجمْعِ بين الضِّدَّيْن، ومنْه المُحَالُ عادَةً؛ كرفع إِنسانٍ جبلاً، ومنْه ما لا يطاقُ مِنْ حيث هو مُهْلِكٌ؛ كالاِحتراقِ بالنارِ، ونحوه، ومنه ما لا يطاقُ لِلاِشتغالِ بغَيْره، وهذا إِنما يقال فيه مَا لاَ يطاقُ عَلَىٰ تجوُّزٍ كثيرٍ. وقوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ }، يريدُ: من الحسناتِ، {وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ }، يريد: من السِّيِّئاتِ؛ قاله جماعة المفسِّرين؛ لا خلاف في ذلك، والخواطُر ونحوها ليس من كَسْب الإنسان، وجاءت العَبَارةُ في الحَسَنَاتِ بـــ «لَهَا»؛ من حيثُ هي مما يفرح الإِنسان بكسبه، ويسر المرء بها، فتضاف إِلى ملكه، وجاءَتْ في السيئة بـــ «عَلَيْهَا»؛ من حيث هي أوزارٌ، وأثقال، ومتحَملاَتٌ صعْبَةٌ؛ وهذا كما تقول: لي مالٌ، وعليَّ دَيْنٌ، وكرَّر فعْلَ الكَسْب، فخالف بين التصريفَيْن حسنًا لنمط الكلامِ؛ كما قال: {أية : فَمَهِّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً }تفسير : [الطارق:17] هذا وجه. * ع *: والذي يظهر لِي في هذا أنَّ الحسناتِ ممَّا يكسب دُونَ تكلُّف؛ إِذ كاسبُها علَىٰ جادَّة أمر اللَّه، ورسْمِ شرعه، والسيِّئَاتُ تُكْتَسَبُ؛ ببناءِ المبالغة؛ إِذ كاسبها يتكلَّف في أمرها خَرْقَ حجابِ نَهْيِ اللَّه تعالَىٰ، ويتخطَّاه إِلَيْها، فيحسن في الآية مجيءُ التصريفَيْن لهذا المعنى. وقال المهدويُّ وغيره: معنى الآيةِ: لاَ يُؤَاخَذُ أحدٌ بذَنْبِ أحدٍ؛ قال: * ع *: وهذا صحيحٌ في نفسه، لكن من غير هذه الآية. وقوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا }: معناه: قُولُوا، واختلف الناسُ في معنى قوله سبحانه: {إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}، فذهب كثير من العلماء إلَىٰ أَنَّ هذا الدعاءَ في النسيانِ الغالبِ، والخَطَإ غَيْر المقصودِ، وهو الصحيحُ عندي، قال قتادةُ في تفسير الآيةِ: بلغَنِي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : إنَّ اللَّهِ تَعَالَىٰ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَنْ نِسْيَانِهَا وَخَطَئِهَا»تفسير : ، وقال السُّدِّيُّ: لما نزلَتْ هذه الآية، فقالوها، قَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «قَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ، يَا مُحَمَّدُ»، قال: * ع *: فظاهر قولَيْهما ما صحَّحته؛ وذلك أن المؤمنين، لما كُشِفَ عنهم ما خافوه في قوله تعالى: {أية : يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ }،تفسير : [البقرة:284]، أمروا بالدعاء في ذلك النوْعِ الذي لَيْسَ من طاقة الإِنسان دفْعُهُ، وذلك في النسيانِ، والخطأ، والإِصر الثقيلِ، وما لا يطاقُ علَىٰ أتمِّ أنواعه، وهذه الآية علَىٰ هذا القولِ تقضِي بجوازِ تكليفِ ما لا يطاقُ؛ ولذلك أمر المؤمنون بالدعاءِ في ألاَّ يقع هذا الجائزُ الصَّعْبُ. ومذهب أبي الحَسَنِ الأشعريِّ وجماعةٍ من المتكلِّمين؛ أنَّ تكليف ما لا يطاق جائزٌ عقلاً، ولا يخرم ذلك شيئاً من عقائِد الشَّرْع. وذهب الطبريُّ وغيره إِلى أنَّ تكليفَ ما لا يطاقُ غيْر جائزٍ، وأنَّ النسيان في الآية بمعنى التَّرْك أيْ: إِن تركنا شيئاً من طاعتك، والخَطَأ هو المقصودُ من العَصْيَان، والإِصْر هي العباداتُ الثقيلةُ؛ كتكاليف بني إِسرائيل، وما لا طاقة للمرءِ به هو عندهم علَىٰ تجوُّز؛ كما تقولُ: لا طاقة لي علَىٰ خصومة فُلاَنٍ، أو: لا طاقَةَ لَنَا به؛ من حيث هو مهلكٌ؛ كعذاب جهنَّم وغيره، ثُمَّ قال تعالَىٰ فيما أمر المؤمنين بقوله: {وَٱعْفُ عَنَّا }، أي: فيما واقعناه، {وَٱغْفِرْ لَنَا}، أيْ: ٱستُرْ علينا ما عَلِمْتَ منا {وَٱرْحَمْنَا}، أيْ: تَفضَّلْ مبتدئاً برَحْمَةٍ منك لَنَا، فهذه مناحٍ من الدعاء متباينةٌ، و {أَنتَ مَوْلَـٰنَا }: مدحٌ في ضمنه تقرُّب إِلَيْه، وشُكْر على نعمه، ومَوْلَىٰ: هو من وَلِيَ، وفي الحديث: أنَّ جبريلَ - عليه السلام - قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: «قُلْ: رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا» فقالَهَا، فَقَالَ جِبْرِيلُ: قَدْ فَعَلَ، قَالَ: قُلْ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُهَا فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: قَدْ فَعَلَ إِلَىٰ آخِرِ السُّورةِ». وتظاهرتْ بهذا المعنَىٰ أحاديثُ، ورَوَىٰ أبو مسعودٍ عُقْبَةُ بن عمرٍو عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : مَنْ قَرَأَ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ، كَفَتَاهُ»تفسير : يَعْنِي مِنْ قِيَامِ الليلِ، قال صاحب «سلاح المؤمن»: هذا الحديثُ رواه الجماعةُ، يعني: الستةَ، ومعنى: «كَفَتَاهُ» أجزتَاهُ عنْ قيامِ الليل، وقيل: كَفَتَاهُ مِنْ كلِّ شيطانٍ، فلا يقربه ليلَتَهُ، وقيل: كفتاه ما يكُونُ مِنَ الآفاتِ تلك الليلةَ، وقيل: معناه حَسْبُهُ بهما فضلاً وأجراً، ويحتمل الجميع، واللَّه أعلم. اهـ من «سلاح المؤمن». وقال عليٌّ - رضي اللَّه عنه -: «ما أظنُّ أَحَداً عَقَلَ، وأدْرَكَ الإِسْلاَمَ يَنَامُ، حَتَّىٰ يَقْرَأَهُمَا» وفي الحديثِ؛ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «حديث : أُوتِيتُ هَؤُلاَءِ الآياتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ لَمْ يُؤْتَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي» تفسير : . كمل تفسير سورة البقرة، والحمد للَّه.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ}: "وُسْعَهَا" مفعولٌ ثانٍ، وقال ابن عطية: "يُكَلِّفُ يتعدَّى إلى مفعولين، أحدهما محذوفٌ، تقديره: عبادةً أو شيئاً". قال أبو حيان: "إن عَنَى أنَّ أصله كذا، فهو صحيحٌ؛ لأنَّ قوله: "إِلاَّ وُسْعَهَا" استثناءٌ مفرَّغٌ من المفعول الثاني، وإن عَنَى أنَّه محذوفٌ في الصناعة، فليس كذلك، بل الثاني هو "وُسْعَهَا"؛ نحو: "مَا أَعْطَيْتُ زَيْداً إِلاَّ دِرْهَماً"، و "مَا ضَرَبْتُ إِلاَّ زَيْداً" هذا في الصناعة هو المفعول، وإن كان أصله: ما أعْطَيْتُ زَيْداً شَيْئاً إِلاَّ دِرْهَماً"، والوسع: ما يسع الإنسان، ولا يضيق عليه، ولا يخرج منه. قال الفرَّاء: هو اسم كالوجد والجهد. وقال بعضهم: الوسع هو دون المجهود في المشقَّة، وهو ما يتَّسع له قدرة الإنسان. وقرأ ابن أبي عبلة: "إِلا وَسِعَهَا" جعله فعلاً ماضياً، وخرَّجوا هذه القراءة على أنَّ الفعل فيها صلةٌ لموصول محذوفٍ تقديره: "إِلاَّ ما وَسِعَهَا" وهذا الموصول هو المفعول الثاني، كما كان "وُسْعَهَا" كذلك في قراءة العامَّة، وهذا لا يجوز عند البصريِّين، بل عند الكوفيِّين، على أنَّ إضمار مثل هذا الموصول ضعيفٌ جدّاً؛ إذ لا دلالة عليه؛ وهذا بخلاف قول الآخر حيث قال: [الخفيف] شعر : 1306 - مَا الَّذِي دَأْبُهُ احْتِيَاطٌ وَحَزْمٌ وَهَوَاهُ أَطَاعَ يَسْتَوِيَانِ تفسير : وقال حسَّان أيضاً - [الوافر] شعر : 1307- أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ وَيَنْصُرُهُ وَيَمْدَحُهُ سَواءُ تفسير : وقد تقدَّم تحقيق هذا، وهل لهذه الجملة محلٌّ من الإعراب، أم لا؟ الظاهر الثاني؛ لأنها سيقت للإخبار بذلك، وقيل: بل محلُّها نصبٌ؛ عطفاً على "سَمِعْنَا" و "أَطَعْنَا"، أي: وقالوا أيضاً: لا يكلِّف الله نفساً، وقد خرِّجت هذه القراءة على وجه آخر؛ وهو أن تجعل المفعول الثاني محذوفاً لفهم المعنى، وتجعل هذه الجملة الفعليَّة في محلِّ نصبٍ لهذا المفعول، والتقدير: لا يكلِّف الله نفساً شيئاً إلا وسعها. قال ابن عطية: وفي قراءة ابن أبي عبلة تجوُّزٌ؛ لأنه مقلوبٌ، وكان يجوز وجه اللفظ: إلا وسعته؛ كما قال: {أية : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ}تفسير : [البقرة:255] {أية : وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً}تفسير : [طه:98]، ولكن يجيء هذا من باب "أَدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي". فصل في كيفيَّة النَّظم إن قلنا إِنَّه من كلام المؤمنين، فإنَّهم لمَّا قالوا: "سَمِعْنَا وأَطَعْنَا" فكأنَّهم قالوا: كيف نسمع ولا نطيع، وهو لا يكلِّفنا إلاَّ ما في وسعنا وطاقتنا بحكم الرَّحمة الإلهيَّة. وإن قلنا: إنه من كلام الله - تبارك وتعالى -، فإنَّهم لمَّا قالوا: "سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا" ثم قالوا بعده: "غُفْرَانَكَ رَبَّنَا"، طلبوا المغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التَّقصير على سبيل الغفلة [والسَّهو؛ لأنَّهم لمَّا سمعوا وأطاعوا، لم يتعمّدوا التَّقصير، فطلبوا المغفرة لما يقع منهم على سبيل الغفلة]، فلا جرم خفَّف الله عنهم، وقال: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} والتَّكليف: هو إلزام ما فيه كلفة ومشقَّة، يقال: كلَّفته فتكلَّف. فصل في بيان مسألة تكليف ما لا يطاق استدلَّ المعتزلة بهذه الآية الكريمة ونظائرها؛ كقوله: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}تفسير : [الحج:78]، {أية : يُرِيدُ ٱللهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ}تفسير : [البقرة:185]، {أية : يُرِيدُ ٱللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ}تفسير : [النساء:28] على أنه لا يجوز تكليف ما لا يطاق، وإذا ثبت هذا فههنا أصلان: الأول: أن العبد موجدٌ لأفعال نفسه؛ لأنه لو كان موجدها هو الله تعالى، لكان تكليف العبد بالفعل تكليفاً بما لا يطاق، فإن الله تعالى إذا خلق الفعل وقع لا محالة، ولا قدرة للعبد ألبتَّة على فعله ولا تركه؛ أمَّا أنَّه لا قدرة له على الفعل؛ فلأنَّ ذلك الفعل وجد بقدرة الله تعالى، والموجود لا يوجد ثانياً، وأمَّا أنَّه لا قدرة للعبد على الدَّفع، فلأنَّ قدرته أضعف من قدرة الله تعالى، فكيف تقوى قدرته على دفع قدرة الله تعالى، وإذا لم يخلق الله الفعل، استحال أن يكون للعبد قدرة على تحصيل الفعل؛ فثبت أنَّه لو كان موجد فعل العبد هو الله، لكان تكليف العبد بالفعل تكليفاً بما لا يطاق. الثاني: أن الاستطاعة قبل الفعل، وإلاَّ لكان الكافر المأمور بالإيمان لم يكن قادراً على الإيمان، فكان ذلك تكليفاً بما لا يطاق. وأجيبوا: بأنَّ الدَّلائل العقليَّة دلَّت على وقوع هذا التَّكليف، فوجب المصير إلى تأويل هذه الآية، وذلك من وجوهٍ: أحدها: أنَّ من مات على الكفر، تبيَّنَّا بموته على الكفر أنَّ الله تعالى كان في الأزل عالماً بأنَّه يموت على الكفر، ولا يؤمن أصلاً، فكان العلم بعدم الإيمان موجوداً، والعلم بعدم الإيمان ينافي وجود الإيمان، فكان تكليفه بالإيمان مع حصول العلم بعدم الإيمان تكليفاً بالجمع بين النَّقيضين، وهذه الحجَّة كما جرت في العلم، فتجري أيضاً في الجبر. وثانيها أيضاً: أن صدور الفعل عند العبد يتوقَّف على الدَّاعي، وتلك الدَّاعية مخلوقةٌ لله تعالى، ومتى كان الأمر كذلك، لزم تكليف ما لا يطاق؛ لأنَّ قدرة العبد لمَّا كانت صالحةً للفعل والترك، فلو ترجَّح أحد الجانبين على الآخر من غير مرجِّح، لزم وقوع الممكن من غير مرجِّح، وذلك نفيٌ للصَّانع. وإنما قلنا: إن تلك الدَّاعية من الله تعالى؛ لأنَّها لو كانت من العبد، لافتقر إيجادها إلى داعيةٍ أخرى ولزم التَّسلسل، وإنما قلنا: إنه متى كان الأمر كذلك، لزم الجبر، لأنَّ عند حصول الدَّاعية المرجِّحة لأحد الطَّرفين، صار الطَّرف الآخر مرجوحاً، والمرجوح ممتنع الوقوع، وإذا كان المرجوح ممتنعاً، كان الرَّاجح واجباً ضرورة أنَّه لا خروج عن النَّقيضين؛ فإذن صدور الإيمان من الكافر يكون ممتنعاً وهو مكلّف به، فلزم تكليف ما لا يطاق. وثالثها: أنه تعالى كلَّف "أبَا لَهَب" بالإيمان، والإيمان تصديق الله في كلِّ ما أخبر عنه، ومن جملة ما أخبر عنه أنه لا يؤمن، فقد صار "أبُو لَهَب" مكلَّفاً بأن يؤمن بأنَّه لا يؤمن، وذلك تكليف ما لا يطاق. ورابعها: أن العبد غير عالم بتفاصيل فعله؛ لأن من حرَّك أصبعه، لم يعرف عدد الأحيان التي حرَّك أصبعه فيها، ولم يخطر بباله أنه حرَّك أصبعه في بعض الأوقات، وسكن في بعضها وأنَّه أين تحرَّك وأين سكن، وإذا لم يكن عالماً بتفاصيل فعله، لم يكن موجداً لها، وإذا لم يكن موجداً، لزم تكليف ما لا يطاق. فصل في تأويل هذه الآية اختلفوا في تأويل هذه الآية: فقال ابن عباس وعطاء وأكثر المفسِّرين: أراد به حديث النَّفس المذكور في قوله: {أية : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ}تفسير : [البقرة:284]. وروي عن ابن عباس؛ أنه قال: هم المؤمنون خاصَّة، وسَّع الله عليهم أمر دينهم، ولم يكلِّفهم فيه إلاَّ ما يطيقونه؛ كقوله: {أية : يُرِيدُ ٱللهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ}تفسير : [البقرة:185]، وقوله: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}تفسير : [الحج:78]. قوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} هذه الجملة لا محلَّ لها؛ لاستئنافها، وهي كالتفسير لما قبلها؛ لأنَّ عدم مؤاخذتها بكسب غيرها، واحتمالها ما حصَّلته هي فقط من جملة عدم تكليفها بما [لا] تسعه، وهل يظهر بين اختلاف لفظي فعل الكسب معنًى، أم لا؟ فقال بعضهم: نعم، وفرَّق بأنَّ الكسب أعمُّ، إذ يقال: "كَسَبَ" لنفسه ولغيره، و "اكْتَسَبَ" أخصُّ؛ إذ لا يقال: "اكْتَسَبَ لِغَيْرِهِ"؛ وأنشد قول الحطيئة: [البسيط] شعر : 1308- أَلْقَيْتُ كَاسِبَهُمْ في قَعْرِ مُظْلِمَةٍ ......................... تفسير : ويقال: هو كاسب أهله، ولا يقال: مكتسب أهله. وقال الزمخشريُّ: "فإنْ قلت: لم خصَّ الخير بالكسب، والشرَّ بالاكتساب؟ قلت: في الاكتساب اعتمالٌ، ولمَّا كان الشرُّ ممَّا تشتهيه النفس، وهي منجذبةٌ إليه وأمَّارةٌ به، كانت في تحصيله أعمل وآجد، فجعلت لذلك مكتسبةً فيه، ولمَّا لم تكن كذلك في باب الخير، وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال". وقال ابن عطيَّة: وكَرَّر فعلَ الكسب، فخَالَفَ بين التصريف حُسناً لنمط الكلام؛ كقوله تعالى: {أية : فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ}تفسير : [الطارق:17]، قال شهاب الدين: "والذي يظهر لي في هذا: أن الحسنات هي مما يكسب دون تكلُّفٍ؛ إذ كاسبها على جادَّة أمر الله تعالى، ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة؛ إذ كاسبها يتكلَّف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى، ويتجاوز إليها؛ فحسن في الآية مجيء التصريفين؛ إحرزاً لهذا المعنى". وقال آخرون: "افْتَعَل" يدلُّ على شدَّة الكلفة، وفعل السَّيِّئة شديدٌ لما يئول إليه. وقال الواحديُّ: "الصَّحيح عند أهل اللغة: أنَّ الكسب والاكتساب واحدٌ، لا فرق بينهما. وقد جاء القرآن بالكسب والاكتساب في موردٍ واحدٍ؛ قال تعالى: {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}تفسير : [المدثر:38]. وقال تعالى: {أية : وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا}تفسير : [الأنعام:164] وقال تعالى:{أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً}تفسير : [البقرة:81]، وقال تعالى: {أية : بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ}تفسير : [الأحزاب:58] فقد استعمل الكسب والاكتساب في الشرِّ". قال ذو الرُّمَّة: [البسيط] شعر : 1309-............................ أَلْفَى أَبَاهُ بِذَاكَ الكَسْبِ يَكْتَسِبُ تفسير : وإنما أَتَى في الكسب باللام، وفي الاكتساب بـ "عَلَى"؛ لأنَّ اللام تقتضي الملك، والخير يحبُّ ويسر به، فجيء معه بما يقتضي الملك، ولمَّا كان الشرُّ يحذر، وهو ثقلٌ ووزرٌ على صاحبه جيء معه بـ "عَلَى" المقتضية لاستعلائه عليه. وقال بعضهم: "فيه إيذانٌ أنَّ أدنى فعلٍ من أفعال الخير يكون للإنسان تكرُّماً من الله على عبده؛ حتَّى يصل إليه ما يفعله معه ابنه من غير علمه به؛ لأنه من كسبه في الجملة، بخلاف العقوبة؛ فإنه لا يؤاخذ بها إلا من جدَّ فيها واجتهد"، وهذا مبنيٌّ على القول بالفرق بين البنائين، وهو الأظهر. فصل في دفع شبهة للمعتزلة احتجت المعتزلة بهذه الآية على أنَّ فعل العبد بإيجاده؛ قالوا: لأنَّ الآية صريحةٌ في إضافة خيره وشرِّه إليه، ولو كان ذلك بتخليق الله تعالى، لبطلت هذه الإضافة، ويجري صدور أفعاله مجرى لونه، وطوله، وشكله، وسائر الأمور التي لا قدرة له عليها ألبتَّة. قال القاضي: لو كان تعالى خالقاً أفعالهم، فما فائدة التَّكليف، والكلام فيه معلوم. فصل احتجوا بهذه الآية على فساد القول بالمحابطة؛ لأنَّه - تعالى - أثبت كلا الأمرين على سبيل الجمع، فبيَّن أن لها ثواب ما كسبت، وعليها عقاب ما اكتسبت، وهذا صريحٌ في اجتماع هذين الاستحقاقين، وأنه لا يلزم من طريان أحدهما زوال الآخر. قال الجبَّائي: ظاهر الآية وإن دلَّ على الإطلاق، إلاَّ أنَّه مشروطٌ، والتَّقدير: لَهَا مَا كَسَبَتْ مِنْ ثَوَابِ العَمَلِ الصَّالِح إذا لم يبطله، وعليها ما اكتَسَبَتْ مِن العَقَاب إذا لَمْ يُكَفِّرْه بالتَّوبة، وإنَّمَا صِرْنَا إلى إضْمَارِ هذا الشَّرط، لمَّا ثبت أن الثَّواب يجب أن يكون منفعةً خالصةً دائمةً، والجمع بينهما محالٌ في العقول، فكان الجمع بين استحقاقيهما أيضا محالٌ. فصل تمسَّك الفقهاء بهذه الآية في أنَّ الأصل في الأملاك البقاء والاستمرار؛ لأن اللام في قوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} تدلُّ على ثبوت الاختصاص، ويؤكِّد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : كُلُّ امْرِىءٍ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وسَائِر النَّاسِ أَجْمَعِينَ"تفسير : ، وينبني على هذا الأصل فروع كثيرة: منها: أن المضمونات لا تملك إلاَّ بأداء الضَّمان؛ لأن المقتضي لبقاء الملك قائمٌ. ومنها: إذا غصب ساجةً فأدرجها في بنائه، أو حنطةً فطحنها، لا يزول الملك. ومنها: أن القطع في السَّرقة لا يمنع وجوب الضَّمان؛ لأن المقتضي لبقاء الملك قائمٌ، وهو قوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} ويجب ردُّ المسروق إن كان باقياً. قوله: "لاَ تُؤَاخِذْنَا" يقرأ بالهمزة، وهو من الأخذ بالذَّنب، ويقرأ بالواو، ويحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من الأخذ أيضاً، وإنما أُبدلت الهمزة واواً؛ لفتحها وانضمام ما قبلها، وهو تخفيفٌ قياسيٌّ، ويحتمل أن يكون من: واخذه بالواو، قاله أبو البقاء. وجاء هنا بلفظ المفاعلة، وهو فعل واحدٍ؛ لأنَّ المسيء قد أمكن من نفسه، وطرق السبيل إليها بفعله؛ فكأنه أعان من يعاقبه بذنبه، ويأخذ به على نفسه. قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجهٌ آخر، وهو أنَّ الله تعالى يأخذ المذنب بالعقوبة، فالمذنب كأنَّه يأخذ ربَّه بالمطالبة بالعفو والكرم، فإنَّه لا يجد من يخلِّصه من عذابه إلاَّ هو، فلهذا يتمسَّك العبد عند الخوف منه به، فلمَّا كان كلُّ واحدٍ منهما يأخذ الآخر، عبَّر عنه بلفظ المؤاخذة، ويجوز أن يكون من باب سافرت وعاقبت وطارقت. قوله: {إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا}. في النِّسيان وجهان: الأول: أنَّ المراد النِّسيان الذي هو ضدُّ الذِّكر. فإن قيل: أليس فعل النَّاسي في محلِّ العفو بحكم دليلِ العقل؛ حيث لا يجوز تكليف ما لا يطاق، وبدليل السَّمع؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" تفسير : وإن كان كذلك، فما معنى طلب العفو عنه؟ فالجواب من وجوهٍ: الأول: أن النِّسيان منه ما يعذر فيه صاحبه، ومنه ما لا يعذر؛ ألا ترى أنَّ من رأى في ثوبه نجاسة، فأخَّر إزالتها عنه إلى أن نسي فصلَّى وهي على ثوبه، عدَّ مقصِّراً؛ إذ كان يلزمه المبادرة إلى إزالتها، وأمَّا إذا لم ير في ثوبه نجاسة، فإنه يعذر فيه، ومن رمى صيداً فأصاب إنساناً، فقد يكون بحيث لا يعلم الرَّامي أنه يصيب ذلك الصَّيد أو غيره، فإذا رمى ولم يحترز، كان ملوماً، وأمَّا إذا لم تكن أمارات الغلط ظاهرةٌ، ثم رمى فأصاب إنساناً؛ كان ههنا معذوراً، وكذلك الإنسان إذا تغافل عن الدَّرس والتِّكرار، حتى نسي القرآن يكون ملوماً، وأمَّا إذا واظب على القراءة ونسي القرآن، فههنا يكون معذوراً؛ فثبت أن النِّسيان على قسمين: منه ما يعذر فيه، ومنه ما لا يعذر فيه، وهو ما إذا ترك التَّحفُّظ، وأعرض عن أسباب التذكُّر، فهذا يصحُّ طلب غفرانه بالدُّعاء. الثاني: أن هذا دعاء على سبيل التَّقدير؛ لأنَّ هؤلاء الَّذِين ذكروا هذا الدُّعاء كانوا متَّقين لله حقَّ تقاته، فلم يكن يصدر عنهم ما لا ينبغي إلاَّ على وجه النِّسيان والخطأ، فكان وصفهم بذلك إشعاراً ببراءة ساحتهم عمَّا يؤاخذون به؛ كأنه قيل: إذا كان النِّسيان ممَّا تجوز المؤاخذة به، فلا تؤاخذنا به. الثالث: أنَّ المقصود من هذا الدُّعاء إظهار التَّضرُّع إلى الله تعالى لا طلب الفعل؛ لأن الدَّاعي كثيراً ما يدعو بما يقطع بأنَّ الله تعالى يفعله، سواءٌ دعا أو لم يدع؛ قال: {أية : رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الأنبياء:112]، وقال: {أية : رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ}تفسير : [آل عمران:194]، وقالت الملائكة: {أية : فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ}تفسير : [غافر:7] فكذا ههنا. الرابع: أن مؤاخذة النَّاسي ممتنعةٌ عقلاً، لأنَّ الإنسان إذا علم أنه بعد النِّسيان يكون مؤاخذاً، فإنه بخوف المؤاخذة يستديم الذكر، فحينئذٍ لا يصدر عنه، إلاَّ أنَّ استدامة ذلك الذِّكر يشقُّ على النَّفس، فلمَّا جاز ذلك في العقول، حسن طلب المغفرة منه. الخامس: أن الَّذين جوَّزوا تكليف ما لا يُطاق تمسَّكوا بهذه الآية، فقالوا: النَّاسي غير قادرٍ على الاحتراز عن الفعل، فلولا أنَّه جائزٌ عقلاً أن يعاقبه الله عليه، لما طلب بالدُّعاء ترك المؤاخذة به. القول الثاني: أن المراد بالنِّسيان: التَّرك؛ قال الله تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللهَ فَنَسِيَهُمْ}تفسير : [التوبة:67]، أي: تركوا العمل لله فترك أن يثيبهم، ويقول الرَّجل لصاحبه "لاَ تَنْسَنِي من عَطِيَّتِكَ"، أي: لا تتركني، فالمراد بهذا النِّسيان أن يترك الفعل لتأويل فاسدٍ، والمراد بالخطأ: أن يفعل الفعل لتأويل فاسدٍ. قوله: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً}. الإصر: في الأصل: الثِّقل والشِّدَّة؛ قال النابغة: [البسيط] شعر : 1310- يَا مَانِعَ الضَّيْمِ أَنْ يَغْشَى سَرَاتَهُمُ وَالحَامِلَ الإِصْرِ عَنْهُمْ بَعْدَمَا غَرِقُوا تفسير : وأُطلق على العهد والميثاق لثقلهما؛ كقوله تعالى: {أية : وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي}تفسير : [آل عمران:81] أي: عهدي، {أية : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ}تفسير : [الأعراف:157] أي: التكاليف الشاقة ثم يطلق على كلِّ ما يثقل، حتى يروى عن بعضهم أنه فسَّر الإصر هنا بشماتة الأعداء؛ وأنشد: [الكامل] شعر : 1311- أَشْمَتَّ بِيَ الأَعْدَاءَ حِينَ هَجَرْتَنِي وَالمَوْتُ دُونَ شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ تفسير : ويقال: الإصر أيضاً: العطف والقرابة، يقال: "[مَا] يَأْصِرُني عليه آصِرَةٌ" أي: ما يعطفني عليه قرابةٌ ولا رحمٌ؛ وأنشد للحطيئة: [مجزوء الكامل] شعر : 1312- عَطَفُوا عَلَيَّ بِغَيْرِ آ صِرَةٍ فَقَدْ عَظُمَ الأَوَاصِرْ تفسير : ويقال: ما يأصرني عليه آصرةٌ أي: رحمٌ وقرابة، وإنما سمِّي العطف إصراً؛ لأن من عطفت عليه، ثقل على قلبك كلُّ ما يصل إليه من المكاره. وقيل: الإصر: الأمر الذي تربط به الأشياء؛ ومنه "الإصَارُ" للحبل الشديد الذي تشدُّ به الأحمال، يقال: أصَرَ يَأْصِرُ أَصْراً بفتح الهمزة، فأما بكسرها، فهو اسمٌ، ويقال بضمِّها أيضاً، وقد قرىء به شاذًّا. وقرأ أُبيّ: "رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْ عَلَيْنَا" بتشديد الميم. قال الزَّمخشريُّ: "فإن قلت: أيُّ فرقٍ بين هذه التَّشديدة والتي في "وَلاَ تُحَمِّلْنَا"؟ قلت: هذه للمبالغة في حمله عليه، وتلك لنقل حمله من مفعولٍ واحدٍ إلى مفعولين" انتهى. يعني: أن التَّضعيف في الأوَّل للمبالغة، ولذلك لم يتعدَّ إلاَّ لمفعولٍ واحدٍ، وفي الثانية للتَّعدية، ولذلك تعدَّى إلى اثنين: أوَّلهما: "نَا"، و الثاني: ما لا طاقة لنا به. فصل قال مجاهدٌ وعطاء وقتادةٌ والسُّدِّيُّ والكلبيُّ وجماعة: المراد عهداً ثقيلاً ومشاقَّ لا نستطيع القيام به، فتعذِّبنا بنقضه وتركه {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا}، يعني: اليهود. وقال عثمان بن عفَّان، ومالك بن أنس، وأبو عبيدة، وجماعة: معناه: لا تُشدِّد علينا في التَّكاليف ما لا نستطيع المقام معه، فتعذِّبنا بنقضه وتركه؛ كما شدَّدت على الذين من قبلنا، يعني: اليهود، فلم يقوموا به فيعذِّبهم. قال المفسِّرون: إن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاةً، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزَّكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسةً أمر بقطعها، ومن أصاب ذنباً، أصبح وذنبه مكتوب على بابه، وكانوا إذا نسوا شيئاً عجِّلت لهم العقوبة في الدُّنيا، وكانوا إذا أتوا بخطيئةٍ، حرم عليهم من الطَّعام بعض ما كان حلالاً لهم؛ قال تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ}تفسير : [النساء:160]، ونحو ذلك؛ كتحريمه على قوم طالوت الشُّرب من النَّهر، وتعجيل تعذيبهم في الدُّنيا بكونهم مسخوا قردةً وخنازير. قال القفَّال - رحمه الله تعالى -: ومن نظر في السِّفر الخامس من التَّوراة التي تدَّعيها هؤلاء اليهود، وقف على ما أخذ عليه من غلظ العهود والمواثيق، ورأى الأعاجيب الكثيرة، فالمؤمنون سألوا ربَّهم أن يصونهم عن أمثال هذه التَّغليظات، وهو بفضله ورحمته قد أزال عنهم ذلك. قال تعالى في صفة هذه الأمة: {أية : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}تفسير : [الأعراف:157]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : دُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَسْفُ والمَسْخُ والغَرَقُ ". تفسير : وقال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}تفسير : [الأنفال:33]. وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : بُعِثْتُ بالحَنِيفِيَّة السَّمْحَة" تفسير : والمؤمنون إنَّما طلبوا هذا التَّخفيف؛ لأن التِّشديد مظنَّة التَّقصير، والتَّقصير موجبٌ للعقوبة، ولا طاقة لهم بعذاب الله، فلا جرم طلبوا تخفيف التَّكاليف. وقيل: الإصر ذنبٌ لا توبة له، معناه: اعصمنا من مثله، قالوا: والأصل فيه العقد والإحكام. قوله: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}. الطَّاقة: القدرة على الشيء، وهي في الأصل، مصدرٌ، جاءت على حذف الزوائد، وكان من حقِّها "إطَاقَة"؛ لأنها من أطاق، ولكن شذَّت كما شذَّت أُلَيْفَاظٌ؛ نحو: أَغَارَ غَارةً، وأجَاب جَابةً، وقالوا: "سَاءَ سَمعاً؛ فَسَاءَ جَابَةً"؛ ولا ينقاس؛ فلا يقال: طَال طَالَةً، ونظير أجاب جَابَةً: {أية : أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً}تفسير : [نوح:17] وأعطى عطاء في قوله: [الوافر] شعر : 1313-........................... وَبَعْدَ عَطَائِكَ المائَةَ الرَّتَاعَا تفسير : فصل في المراد بالآية معناه: لا تكلِّفنا من العمل ما لا نطيق. وقيل: هو حديث النَّفس والوسوسة المتقدِّم في الآية الأولى، وحكي عن مكحول: أنَّه الغلمة. وعن إبراهيم: هو الحبُّ، وعن محمَّد بن عبد الوهَّاب: هو العشق. وقال ابن جريج: هو مسخ القردة والخنازير، وقيل: هو شماتة الأعداء. وقيل: هو الفرقة والقطيعة. فإن قيل: لم خصَّ الآية الأولى بالحمل، فقال "لا تَحْمِلْ عَلَيْنا" وهذه الآية بالتَّحميل؟ فالجواب: أن الشَّاقَّ يمكن حمله، أمَّا ما لا يكون مقدوراً، فلا يمكن حمله، فالحاصل فيما لا يطاق هو التَّحميل فقط، فإن التَّحمُّل غير ممكنٍ. وأمَّا الشاقُّ: فالحمل، والتَّحميل فيه ممكنان، فلهذا السَّبب خصَّ الآية الأخيرة بالتَّحميل. فإن قيل: ما الفائدة في حكاية هذه الأدعية بلفظ الجمع في قوله: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}، ولفظ الإفراد أكثر تذلُّلاً وخضوعاً من التَّلفُّظ بنون الجمع. فالجواب: أن قبول الدُّعاء عند الاجتماع أكثر، وذلك لأن للهمم تأثيراتٍ، فإذا اجتمعت الأرواح والدَّواعي على شيء واحدٍ، كان حصوله أكمل. فصل استدلُّوا بهذه الآية الكريمة على جواز التَّكليف بما لا يطاق، قالوا: إذ لو لم يكن جائزاً، لما حسن طلب دَفْعِهِ بالدُّعاء من الله تعالى، وأجاب المعتزلة بوجوهٍ: الأول: المراد بالآية ما يشقُّ فعله مشقَّةً عظيمةً؛ كما يقول الرجل: لا أستطيع أن أنظر إلى فلانٍ؛ إذا كان مستثقلاً له؛ قال الشاعر: [الرجز] شعر : 1314- إِنَّكَ إِنْ كَلَّفْتَنِي مَا لَمْ أُطِقْ سَاءَكَ مَا سَرَّكَ مِنِّي مِنْ خُلُقْ تفسير : وقال - صلى الله عليه وسلم - في المملوك: "حديث : لَهُ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، ولاَ يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ مَا لاَ يُطِيقُ" تفسير : أي: ما يشقُّ عليه، وقال - صلى الله عليه وسلم - في المريض "حديث : يصلِّي وهو جالسٌ، فإن لم يَسْتَطِعْ، فَعَلَى جَنْبٍ"تفسير : ، فقوله: "حديث : فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ" تفسير : ليس المراد به: عدم القوَّة على الجلوس، بل كلُّ الفقهاء يقولون: المراد منه: إذا كان يلحقه في الجلوس مشقَّةٌ شديدةٌ؛ وقال تعالى: {أية : مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ}تفسير : [هود:20]، أي: كان يشقُّ عليهم ذلك. الثاني: أنه تعالى لم يقل: "لاَ تُكَلِّفْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ" بل قال: {لاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} والتَّحميل: هو أن يضع عليه ما لا طاقة له بتحمُّله، فيكون المراد منه العذاب، والمعنى: لا تحملنا عذابك الذي لا نطيق احتماله، فلو حملنا الآية على ذلك، كان قوله: "لاَ تُحَمِّلْنَا" حقيقةً فيه، ولو حملناه على التكليف، كان قوله: "لاَ تُحَمِّلْنَا" مجازاً فيه، فكان الأوَّل أولى. الثالث: هب أنَّهم سألوا الله تعالى ألاَّ يكلِّفهم ما لا قدرة لهم عليه، لكن ذلك لا يدلُّ على جواز أن يفعل خلافه؛ لأنَّه لو دلَّ على ذلك، لدلَّ قوله: {أية : رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الأنبياء:112] على جواز أن يحكم بالباطل، وكذلك قول إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -: {أية : وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ}تفسير : [الشعراء:87] على جواز خزي الأنبياء. وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ}تفسير : [الأحزاب:1]، وقوله: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}تفسير : [الزمر:65]، وذلك لا يدلُّ على جواز أن يطيع الكافرين والمنافقين، ولا على جواز الشِّرك. وأجاب مخالفوهم: بأن الوجه الأول مدفوعٌ من وجهين: الأول: أنه لو كان المراد من ألا يشدِّد عليهم التَّكاليف، لكان معناه ومعنى الآية الأولى واحداً، فتكون تكراراً محضاً، وهو غير جائزٍ. والثاني: أنَّا بيَّنا أنَّ الطَّاقة هي الإطاقة والقدرة، فقوله: {وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} ظاهره لا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا عليه، أقصى ما في الباب أنَّه جاء هذا اللَّفظ بمعنى الاستقبال في بعض الوجوه على سبيل المجاز، إلاَّ أنَّ الأصل حمل اللَّفظ على الحقيقة. وأمَّا الوجه الثاني: فإن التَّحميل مخصوصٌ في عرف القرآن بالتَّكليف، قال تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَاتِ}تفسير : [الأحزاب:72] إلى قوله: {أية : وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ}تفسير : [الأحزاب:72]، ثم هب أنَّه لم يوجد هذا العرف، إِلاَّ أنَّ قوله: {لاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} عامٌّ في العذاب والتَّكليف، فوجب إجراؤه على ظاهره، فأَمَّا تخصيصُهُ بغير حُجَّةٍ، فلا يجوز. وأَمَّا الوجه الثالث: فإن فعل الشيء إذا كان ممتنعاً، لم يجز طلب امتناعه بالدُّعاء؛ لأنه يجري مجرى قوله في دعائه ربَّنا لا تجمع بين الضِّدَّين. وإذا كان هذا هو الأصل، فإذا صار ذلك متروكاً في بعض الصُّور لدليلٍ مفصَّلٍ، لم يجب تركهُ في سائر الصُّور بغير دليلٍ. قوله: {وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ} قال ابن الخطيب: لما كانت الأدعية الثَّلاثةُ المُتقدِّمةُ، المطلوب بها الترك، قُرِنت بلفظ "رَبَّنَا"، وأَمَّا هذا الدُّعاء فحذف فيه لفظ "رَبَّنَا" وظاهره يدلُّ على طلب الفعل. فإن قيل: لِمَ لَمْ يذكر هنا لفظ "رَبَّنَا". فالجواب: أن النِّداء إنما يحتاجُ إليه عند البعد أمَّا عند القرب فلا؛ وإنَّما حذف النِّداء إشعاراً بأنَّ العبد إذا واظب على التَّضرُّع نال القرب من اللهِ - تعالى -. فإن قيل: ما الفرقُ بين العفو والمغفرة والرّحمة. الجواب أن العفو أن يسقط عنه العقاب، والمغفرة أن يستر عليه جرمه صوناً له من عذاب التَّخجيل والفضيحة؛ كأن العبد يقول: أطلُبُ منك العفو، وإذا عفوت عنِّي فاسترهُ عليَّ فإِنَّ الخلاص من عذاب النَّار إنَّما يطيبُ، إذا حصل عقيبه الخلاص من عذاب الفضيحة، فلما تخلَّص من هذين العذابين، أقبل على طلب الثَّواب، فقال: {وَٱرْحَمْنَآ} فإنَّنا لا نقدر على فعل الطَّاعة وترك المعصية إِلاَّ برحمتك. قوله تعالى: {أَنتَ مَوْلاَنَا} المَولى مفعلٌ من وَلِي يلي، وهو هنا مصدر يُرادُ به الفاعلُ، فيجوز أن يكون على حذف مضافٍ، أي: صاحبُ تَولِّينا، أي: نُصرتنا، ولذلك قال: {فَٱنْصُرْنَا}، والمَوْلى يجوزُ أن يكونَ اسم مكانٍ أيضاً، واسم زمانٍ. في قوله: "أَنتَ مَوْلاَنَا" فائدةٌ؛ وهي أَنَّها تدلُّ على نهاية التَّذلُّل، والخُضوع، فلا جرم ذكرها عند الدُّعاء متكلين على فضله وإحسانه بمنزلة الطِّفل، لا تتمُّ مصلحته إِلاَّ بتدبير قيمه، والعبد الَّذِي ينتظم شمل مهمَّاته إلا بإصلاح مولاهُ، وهو المولى في الحقيقة لِلكُلِّ على ما قال {أية : نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ}تفسير : [الأنفال:40] ونظير هذه الآية الكريمة {أية : ٱللهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ}تفسير : [البقرة:257] أي: ناصرهم، وقوله: {أية : فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاَهُ}تفسير : [التحريم:4] أي: ناصره، وقوله: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ}تفسير : [محمد:11]. قوله تعالى: "فَٱنْصُرْنَا" أتى بالفاء هنا؛ إعلاماً بالسببية؛ لأنَّ اللهَ تعالى لمَّا كان مولاهم ومالك أمورهم، وهو مُدَبِّرِهم تسبَّبَ عنه أن دعَوْهُ أن ينصرهم على أعدائهم؛ كقولك: "أَنْتَ الجَوَادُ فَتَكرَّمْ"، و "أَنت المُعطي فرجاً فضلاً منك". قوله: {عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} أي: انصرنا في محاربتنا معهم، وفي مناظرتنا بالحجَّة معهم، وفي إعلاء دولة الإسلام على دولتهم على ما قال: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ}تفسير : [التوبة:33]. فصلٌ روى الواحدي رحمه الله عن مقاتل بن سليمان؛ حديث : أنه لما أُسري بالنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أُعطي خواتيم سورة البقرة، فقالت الملائكةُ: إنَّ الله - تعالى - قد أكرمك بحسن الثَّناء عليك بقوله - تعالى -: "آمَن الرَّسُول" فسلهُ وارغب إليه، فعلَّمهُ - جبريل - عليه الصلاة والسلام - كيف يدعو، فقال محمَّد - عليه الصَّلاة والسَّلام -"غُفْرَانَكَ رَبَّنَا" وقال الله: قد غفرتُ لكم، فقال: "لاَ تُؤَاخِذْنَا" فقال الله: لاَ أؤاخذكم، فقال: "ولاَ تَحْمل عَلَينا إصراً" فقال: لا أُشدّد عليكم، فقال محمَّد: "لاَ تُحمِّلنا ما لاَ طاقةَ لنَا به" فقال: لا أُحملكم ذلك، فقال محمد: "واعْفُ عنا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنَا" فقال الله: قد عَفَوتُ عنكم، وغَفَرتُ لكم، ورحمتكم، وأنصركم على القوم الكافرين. تفسير : وروى سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس، وسمعناه في بعض الرِّوايات؛ أن محمداً - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان يذكر هذه الدَّعوات والملائكة كانوا يقولون: آمين. وعن ابن مسعود - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلةٍ كفتاهتفسير : . وعن النُّعمان بن بشير؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: حديث : إنَّ اللهَ تعالى كتب كتاباً قبل أن يخلق السَّمٰواتِ والأَرض بأَلفي عام، فأَنزل آيتين خَتَم بهما سورة البقرة، فلا تُقْرآن في دار ثلاث ليالٍ فيقربها شيطانٌتفسير : . والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} جملةٌ مستقلة جيءَ بها إثرَ حكايةِ تلقِّيهم لتكاليفه تعالى بحسن الطاعة إظهاراً لما له تعالى عليهم في ضمن التكليف من محاسنِ آثارِ الفضل والرحمة ابتداءً لا بعد السؤال كما سيجيء، هذا وقد رُوي أنه لما نزل قوله تعالى: {أية : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ } تفسير : [البقرة، الآية 284] الآية، اشتد ذلك على أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فأتَوْه ثم برَكوا على الرُكَب فقالوا: أيْ رسولَ الله كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاةُ والصومُ والحج والجهاد وقد أُنزل إليك هذه الآية ولا نُطيقُها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابـين من قبلكم سمِعنا وعصَينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غُفرانَك ربنا وإليك المصير» تفسير : فقرأها القومُ فأنزل الله عز وجل: {أية : آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ} تفسير : [البقرة، الآية 285] إلى قوله تعالى: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} فمسؤولهُم الغفرانُ المعلَّق بمشيئته عز وعلا في قوله: {أية : فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء }تفسير : [البقرة، الآية 284] ثم أنزل الله تعالى: {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة، الآية: 286] تهويناً للخطب عليهم ببـيانِ أن المرادَ بما في أنفسهم ما عزَموا عليه من السوء خاصة لا ما يعُمُّ الخواطرَ التي لا يُستطاع الاحتراز عنها والتكليفُ إلزامُ ما فيه كُلفةٌ ومشقة، والوُسعُ ما يسَعُ الإنسانَ ولا يَضيقُ عليه أي سُنّتُه تعالى أنه لا يكلِّف نفساً من النفوس إلا ما يتَّسع فيه طَوقُها ويتيسّر عليها دون مدى الطاقةِ والمجهود فضلاً منه تعالى ورحمةً لهذة الأمة كقوله تعالى: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} تفسير : [البقرة، الآية 185] وقرىء وَسعها بالفتح وهذا يدل على عدم وقوعِ التكليفِ بالمحال لا على امتناعه وقوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} للترغيب في المحافظة على مواجبِ التكليف والتحذيرِ عن الإخلال بها ببـيان أن تكليفَ كل نفسٍ مع مقارنته لنعمة التخفيفِ والتيسير تتضمنُ مراعاتُه منفعةً زائدة، وأنها تعود إليها لا إلى غيرها ويستتبِعُ الإخلالُ به مضرةً تَحيق بها لا بغيرها، فإن اختصاصَ منفعةِ الفعل بفاعله من أقوى الدواعىِ إلى تحصيله، واقتصارَ مضرَّتِه عليه من أشد الزواجر عن مباشرته، أي لها ثوابُ ما كسبت من الخير الذي كُلّفت فعلَه لا لغيرها استقلالاً أو اشتراكاً ضرورةَ شمُول كلمةِ (ما) لكل جزءٍ من أجزاءِ مكسوبها، وعليها لا على غيرها بأحد الطريقين المذكورين عقابُ ما اكتسبت من الشر الذي كُلِّفت تركه، وإيرادُ الاكتسابِ في جانب الشر لما فيه من اعتمال ناشىءٍ من اعتناء النفسِ بتحصيل الشر وسعيها في طلبه {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} شروعٌ في حكاية بقيةِ دعواتِهم إثرَ بـيانِ سرِّ التكليف، أي لا تؤاخِذنا بما صدر عنا من الأمور المؤدية إلى النسيان أو الخطأ من تفريطٍ وقلةِ مبالاة ونحوِهما مما يدخُل تحت التكليف، أو بأنفسهما من حيث ترتّبُهما على ما ذكر، أو مطلقاً إذ لا امتناعَ في المؤاخذة بهما عقلاً، فإن المعاصيَ كالسُّموم فكما أن تناولها ولو سهواً أو خطأً مؤدٍّ إلى الهلاك فتعاطي المعاصي أيضاً لا يبعُد أن يفضِيَ إلى العقاب وإن لم يكن عن عزيمة، ووعدُه تعالى بعدمه لا يوجب استحالةَ وقوعه، فإن ذلك من آثار فضلِه ورحمتِه كما ينبىء عنه الرفعُ في قوله عليه السلام: «حديث : رُفعَ عن أُمِّتي الخطأُ والنِّسيانُ»تفسير : . وقد روي أن اليهود كانوا إذا نسُوا شيئاً عُجِّلت لهم العقوبة، فدعاؤُهم بعد العلم بتحقق الموعود للاستدامة والاعتداد بالنعمة في ذلك كما في قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ} تفسير : [آل عمران، الآية 194] {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} عطفٌ على ما قبله، وتوسيطُ النداء بـينهما لإبراز مزيدِ الضراعة، والإصرُ العِبءُ الثقيلُ الذي يأصِرُ صاحبَه أي يحبِسُه مكانه والمرادُ به التكاليفُ الشاقة، وقيل الإصرُ الذنبُ الذي لا توبةَ له فالمعنى اعصِمْنا من اقترافه، وقرىء آصاراً، وقرىء لا تُحَمِّلْ بالتشديد للمبالغة {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} في حيز النصب على أنه صفةٌ لمصدر محذوفٍ أي حَمْلاً مثلَ حملِك إياه على مَنْ قبلَنا، أو على أنه صفةٌ لإصراً أي إصراً مثلَ الإصرِ الذي حَمَلته على مَنْ قبلنا وهو ما كُلّفه بنو إسرائيل من بخْعِ النفس في التوبة، وقطع موضِعِ النجاسةِ، وخمسينَ صلاةً في يوم وليلة وصرفِ رُبُع المال للزكاة وغيرِ ذلك من التشديدات فإنهم كانوا إذا أتَوْا بخطيئة حَرُم عليهم من الطعام بعضُ ما كان حلالاً لهم قال الله تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} تفسير : [النساء، الآية 160] وقد عصمَ الله عز وجل بفضله ورحمته هذه الأمة عن أمثال ذلك وأنزل في شأنهم: {أية : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } تفسير : [الأعراف، الآية 157] وقال عليه السلام: «حديث : بُعثتُ بالحنيفية السهلة السَّمْحة» تفسير : وعن العقوبات التي عوقب بها الأولون من المسْخِ والخسْف وغيرِ ذلك قال عليه السلام: «حديث : رُفع عن أُمَّتي الخسفُ والمسخُ والغَرَق»تفسير : . {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} عطفٌ على ما قبله واستعفاءٌ عن العقوبات التي لا تُطاق بعد الاستعفاء عما يؤدي إليه التفريطُ فيه من التكاليف الشاقة التي لا يكاد مَنْ كُلِّفها يخلو عن التفريط فيها كأنه قيل: لا تكلِّفْنا تلك التكاليفَ ولا تعاقِبْنا بتفريطنا في المحافظة عليها فيكونُ التعبـيرُ عن إنزال العقوباتِ بالتحميل باعتبار ما يؤدي إليها، وقيل: هو تكريرٌ للأول وتصويرٌ للإصر بصورةِ ما لا يُستطاع مبالغة، وقيل: هو استعفاءٌ عن التكليف بما لا تفي به الطاقةُ البشرية حقيقة، فيكون دليلاً على جوازه عقلاً وإلا لما سُئل التخلصُ عنه، والتشديد هٰهنا لتعدية الفعل إلى مفعول ثانٍ {وَٱعْفُ عَنَّا} أي آثارِ ذنوبنا {وَٱغْفِرْ لَنَا} واستُرْ عيوبَنا ولا تفضَحْنا على رؤوس الأشهادِ {وَٱرْحَمْنَا} وتعطَّفْ بنا وتفضَّلْ علينا، وتقديمُ طلبِ العفوِ والمغفرةِ على طلب الرحمةِ لما أن التخلِيَةَ سابقة على التحلية {أَنتَ مَوْلَـٰنَا} سيدُنا ونحن عبـيدُك أو ناصرُنا أو متولي أمورِنا {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} فإن من حقّ المولىٰ أن ينصُرَ عبده ومن يتولّى أمرَه على الأعداء، والمرادُ به عامةُ الكفرة، وفيه إشارة إلى أن إعلاء كلمةِ الله والجهادَ في سبـيله تعالى حسبما أُمر في تضاعيف السورة الكريمة غايةُ مطالبهم، رُوي أنه عليه الصلاة والسلام لمّا دعا بهذه الدعواتِ قيل له عند كلِّ دعوةٍ: قد فعلتُ، وعنه عليه السلام: «حديث : أنزلَ الله آيتين من كنوز الجنةِ كتبهما الرحمنُ بـيده قبل أن يخلُق الخلق بألفي عامٍ من قرأهما بعد العِشاء الأخيرةِ أجزاتاه عن قيام الليل»تفسير : وعنه عليه السلام: «حديث : من قرأ آيتين من سورة البقرة كفتاه» تفسير : وهو حُجةٌ على من استكره أن يقول سورةُ البقرة وقال: ينبغي أن يقالَ: السورة التي يذكر فيها البقرة كما قال عليه السلام: «حديث : "السورةُ التي يذكرُ فيها البقرةُ فُسطاطُ القرآن فتعلُّمُها بركةٌ وتركُها حسرةٌ، ولن تستطيعَها البَطَلةُ"، قيل: وما البطلةُ؟ قال عليه السلام: "السحَرَة"".
التستري
تفسير : قوله: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}[286] أي طاقتها، {لَهَا مَا كَسَبَتْ}[286] أي ثواب العمل الصالح، {وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ}[286] يعني أوزار الذنوب. ثم قال: من لم تهمه الذنوب السالفة لم يعصم في أيامه الغابرة، ومن لم يعصمه الله تعالى في بقية أيامه فهو من الهالكين في معاده. قيل له: متى يعرف الرجل ذنوبه؟ قال: إذا حفظ أنوار قلبه فلم يترك شيئاً يدخل عليه ولا يخرج منه، إلاَّ بوزن، حينئذ يعرف ذنوبه، فمن فتح على نفسه باب حسنة فتح الله عليه سبعين باباً من التوفيق، ومن فتح على نفسه باب سيئة فتح الله عليه سبعين باباً من الشر من حيث لا يعلمه العبد، وما من قلب يهم بما لا يعنيه إلاَّ عوقب في الحال بتضييع ما يعنيه، ولا يعرف ذلك إلاَّ العلماء بالله.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}. لكمال رحمته بهم وقفهم على حد وسعهم ودون ذلك بكثير، كل ذلك رِفق منه وفضل. {لَهَا مَا كَسَبَتْ}. من الخيرات. {وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ}. ما تكسبه من التوبة التي تُنَجِّي من كسب. قوله جلّ ذكره: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}. كان إذا وقعت حاجة كلَّموه بلسان الواسطة. قالوا: {أية : يٰمُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ}تفسير : [الأعراف: 134] وهذه الأمة قال لهم: {أية : وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : [غافر: 60]. وكانت الأمم (السالفة) إذا أذنبوا احتاجوا إلى مضي مدة لقبول التوبة، وفي هذه الأمة قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الندم توبة ". تفسير : وكانت الأمم السالفة منهم من قال اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، وهذه الأمة اختصت بإشراق أنوار توحيدهم، وخصائصُهم أكثر من أن يأتي عليه الشرح. قوله جلّ ذكره: {وَٱعْفُ عَنَّا}. في الحال. {وَٱغْفِرْ لَنَا}. في المآل. {وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَٰـنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ}. في جميع الأحوال إذ ليس لنا أحد سواك، فأنت مولانا فاجعل النصرة لنا على ما يشغلنا عنك. ولمَّا قالوا: {وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} خَسَفَ الله ذنوبهم بدل خسف المتقدمين، فأبدل ذنوبهم حسنات بدل مسخهم، وأمطر عليهم الرحمة بدل ما أمطر على المتقدمين من الحجارة.
البقلي
تفسير : {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} اى لو اظهر من جمال عن الازل صفة من صفاتى لا يطيق الخلق ان يستقيموا عند كشف ذرة منها لكن اواسيهم بلوائح التجلى بنعت الالتباس لكى لا يفنوا مثل تجلى موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلوة والسلام وايضا تسر بلت الارواح بانوار الكبرياء فاستقلو بانفسهم عند نهوضهم باثقال المعرفة وما ادركت من عجائب الربوبية وهذا معنى قوله تعالى ان عرضنا الامانة على السموات والارض الاية وايضا لا يكلف الله حق عبوديته نفوس اوليائه الاقدر ما يطيقون من جهة التقصير والضعف عند تحمل حقيقة العبودية لان من حق الربوبية ان يذوب الارواح والاشباح فى اول تكبيره كبرو تعظيما واجلالا وان الله تعالى ما اظهر للخلق من معرفته الامقدار ما يعيشون به من جهلهم بروبية ربهم ولو ايقنوا انهم فى معزل من حقيقة العبودية وادراك صرف الربوبية ماتوا حسرة على ما فاتوا {لَهَا مَا كَسَبَتْ} اى ما كسبت ارواحهم من مقاساة الهجران فى دار الامتحان {وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} ما اكتسب النفوس من جرائم الخطرات عند مكاشفة الغيب للاسرار فجازى الله النفوس فى الدنيا بالذنوب فى المجاهدات وتجازى الارواح فى الاخرة لصرف للشاهدات {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ} اى لا تحجبنا بنا عليك ان نسيناك {أَوْ أَخْطَأْنَا} بالتفاتنا الى غيرك {وَٱعْفُ عَنَّا} واعف عنا قلة المعرفة بك {وَٱغْفِرْ لَنَا} التقصير فى عبادتك {وَٱرْحَمْنَآ} بمواصلتك ومشاهدتك وقال ابن عطا لا تواخذنا عند المصيبة واستر علينا فى القيامة ولا تفصحنا بها روس الاشهاد {أَنتَ مَوْلاَنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} هذا نحوى اهل الامتحان من المكاشفين والمشاهدين اى نحن اسراء معرفتك وضعفاء محبتك فارحمنا بتجلى العظمة حتى تقوى منك بك فى محل العبودية وكشف الربوبية وانصرنا على اوباش الطبيعة حتى يهزموا عن ميادين معارفك بتائيد معرفتك وتشريح من تشويشهم فى صرف عبوديتك وطلب مشاهدة حضرتك.
اسماعيل حقي
تفسير : {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} اخبار من الله تعالى وليس من كلام المؤمنين ـ روى ـ حديث : انه لما نزل قوله تعالى {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} الآية اشتد ذلك على اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضى عنهم فاتوه عليه السلام ثم بركوا على الركب فقالوا اى رسول الله كلفنا من الاعمال ما نطيق الصلاة والصيام والحج والجهاد وقد انزل اليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اتريدون ان تقولوا كما قال اهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا" قالوا بل سمعنا واطعنا غفرانك ربنا واليك المصير فقرأها القوم فانزل الله تعالى {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} الى قوله تعالى {غفرانك ربنا وإليك المصير} . تفسير : فمسئولهم الغفران المعلق بمشيئته تعالى فى قوله تعالى {أية : فيغفر لمن يشاء} تفسير : [البقرة: 284]. ثم انزل الله تعالى {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} تهوينا للخطب عليهم ببيان ان المراد بما فى انفسهم ما عزموا عليه من السوء خاصة لا ما يعم الخواطر التى لا يستطاع الاحتراز عنها والتكليف الزام ما فيه كلفة ومشقته والوسع ما يسع الانسان ولا يضيق عليه اى سنته ان لا يكلف نفسا من النفوس الا ما يتسع فيه طوقها ويتيسر عليها دون مدى الطاقة والمجهود فضلا منه تعالى ورحمة لهذه الامة كقوله تعالى {أية : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} تفسير : [البقرة: 185]. وهذا يدل على عدم وقوع التكليف بالمحال لا على امتناعه. اما الاول فلانه لو كان وقع لزم الكذب فى كلامه تعالى تعالى عن ذلك علوا كبيرا. واما الثانى فلانه تعالى نفى مطلقا ولا يلزم منه نفى مقيد الذى هو الامتناع لان العام من حيث هو عام لا يدل على الخاص بوجه من الدلالات {لها} اى للنفس ثواب {ما كسبت} من الخير الذى كلفت فعله لا لغيرها استقلالا او اشتراكا ضرورة شمول كلمة ما لكل جزء من اجزاء مكسوبها {وعليها} لا على غيرها باحد الطريقين المذكورين عقاب {ما اكتسبت} من الشر الذى كلفت تركه وايراد الاكتساب فى جانب الشر لان الشر فيه اعتمال اى اجتهاد فى العمل فانه لما كان مشتهى النفس كان فيه جد وسعى بخلاف الخير وصيغة الافتعال للتكلف {ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا} شروع فى حكاية بقية دعواتهم اثر بيان سر التكليف اى يقولون ربنا لا تؤاخذنا بما صدر عنا من الامور المؤدية الى النسيان او الخطأ من تفريط وقلة مبالاة ونحوهما مما يدخل تحت التكليف ودل هذا على جواز المؤاخذة فى النسيان والخطأ فان التحرز عنهما فى الجملة ممكن ولولا جواز المؤاخذة فى النسيان والخطأ لم يكن للسؤال معنى وخفف الله عن هذه الامة فرفع عنها المؤاخذة وقال النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : رفع عن امتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". تفسير : فدل انهم مخصوصون بهما وامم السالفة كانوا مؤاخذين فيهما {ربنا ولا تحمل علينا اصرا} عطف على ما قبله وتوسيط النداء بينهما لابراز مزيد الضراعة. والاصر العبىء الثقيل الذى يأصر صاحبه اى يحبسه مكانه والمراد به التكاليف الشاقة {كما حملته على الذين من قبلنا} اى حملا مثل حملك اياه على من قبلنا وهو ما كلفه بنوا اسرائيل من قتل النفس فى توبة وقطع الاعضاء الخاطئة وقطع موضع النجاسة وعدم التطهير بغير الماء وخمسين صلاة فى يوم وليلة وعدم جواز صلاتهم فى غير المسجد وحرمة اكل الصائم بعد النوم ومنع بعض الطيبات عنهم بالذنوب وكون الزكاة ربع مالهم وكتابة ذنب الليل على الباب بالصبح وغير ذلك من التشديدات وقد عصم الله عز وجل ورحم هذه الامة من امثال ذلك وانزل فى شأنهم {أية : ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم} تفسير : [الأعراف: 157]. وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : بعثت بالحنفية السهلة السمحة ". تفسير : وعن العقوبات التى عوقب بها الاولون من المسخ والخسف وغير ذلك قال صلى الله عليه وسلم "حديث : رفع عن امتى الخسف والمسخ والغرق ". تفسير : {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} عطف على ما قبله واستعفاء من العقوبات التى لا تطاق بعد الاستعفاء مما يؤدى اليها من التكاليف الشاقة التى لا يكاد من كلفها يخلو عن التفريط فيها كأنه قيل لا تكلفنا تلك التكاليف ولا تعاقبنا بتفريطنا فى المحافظة عليها فيكون التعبير عن انزال العقوبات بالتحميل باعتبار ما يؤدى اليها. قال فى التيسير اى لا تكلفنا ما يشق علينا الدوام عليه ولم يرد به عدم الطاقة اصلا فانه لا يكون فلا يسأل {واعف عنا} اى آثار ذنوبنا {واغفر لنا} واستر عيوبنا ولا تفضحنا على رؤس الاشهاد. قال فى التيسير وليس بتكرار. فان الاول تركه حتى لا يؤاخذ به ومحوه حتى لا يبقى. والثانى ستره حتى لا يظهر وقد تجاوز عن الشىء فلا يؤاخذ بجزائه لكن يذكر ذلك ويظهر والمؤمنون امروا ان يسألوا التجاوز عنها واخفاءها حتى لا يظهر حالهم لاحد فلا يفتضحوا به {وارحمنا} وتعطف بنا وتفضل علينا وتقديم طلب العفو والمغفرة على طلب الرحمة لما ان التخلية سابقة على التحلية {أنت مولانا} سيدنا ونحن عبيدك او ناصرنا او متولى امورنا {فانصرنا على القوم الكافرين} اى اعنا عليهم وادفع عنا شرهم فان من حق المولى ان ينصر عبيده ومن يتولى امره على الاعداء والنصرة على الكفار تكون بالظفر وتكون بالحجة وتكون بالدفع وهو سؤال العصمة من الشياطين ايضا لانهم منهم ـ روى ـ انه لما اسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به الى سدرة المنتهى وهى فى السماء السادسةاليها ينتهى ما يعرج به من الارض فيقبض منها واليها ينتهى ما يهبط به من فوقها فيقبض منها قال اذ يغشى السدرة ما يغشى قال فراش من ذهب قال فاعطى رسول الله عليه السلام ثلاثا اعطى الصلوات الخمس واعطى خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله شيأ من امته قال صلى الله عليه وسلم فى خبر المعراج قربنى الله وادنانى الى سند العرش ثم الهمنى الله ان قلت آمن الرسول بما انزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله كما فرقت اليهود والنصارى قال فما قالوا قلت قالوا سمعنا وعصينا والمؤمنون قالوا سمعنا واطعنا فقال صدقت فسل تعط فقلت ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا قال قد رفعت عنك وعن امتك الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فقلت ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا يعنى اليهود قال لك ذلك ولامتك قلت ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به قال قد فعلت قلت واعف عنا واغفر لنا وارحمنا انت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين قال قد فعلت. وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : انزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل ان يخلق الخلق بالفى عام من قرأهما بعد العشاء الاخيرة اجزأتاه عن قيام الليل ". تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ آيتين من آخر سورة البقرة كفتاه ". تفسير : اى عن قيام الليل او عن حساب يوم القيامة وهو حجة على من استكره ان يقول سورة البقرة وقال ينبغى ان يقال السورة التى تذكر فيها البقرة كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : السورة التى تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن ". تفسير : اى مصره الجامع "حديث : فتعلموها فان تعلمها بركة وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة ". تفسير : قيل وما البطلة قال عليه السلام "حديث : السحرة ". تفسير : اى لا تستطيع البطلة أن تسحر قارئها "حديث : ولا تقرأ فى دار ثلاث ليال فيقربها شيطان ". تفسير : وكان معاذ اذا ختم سورة البقرة يقول آمين. حديث : عن ابى الاسلم الديلمى قلت لمعاذ بن جبل اخبرنى عن قصة الشيطان حين اخذته فقال جعلنى رسول الله عليه السلام على صدقة المسلمين فجعلت التمر فى غرفة فوجدت فيه نقصانا فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال هذا الشيطان يأخذه فدخلت الغرفة واغلقت الباب فجاءت ظلمة عظيمة فغشيت الباب ثم تصور فى صورة اخرى فدخل من شق الباب فشددت ازارى على فجعل يأكل من التمر فوثبت اليه فقبضته فالتفت يداى عليه فقلت يا عدو الله فقال خل عنى فانى كبير ذو عيال كثير وانا فقير من جن نصيبين وكانت لنا هذه القرية قبل ان يبعث صاحبكم فلما بعث اخرجنا منها فخل عنى فلن اعود اليك فخليت سبيله وجاء جبريل عليه السلام فاخبر رسول الله عليه السلام بما كان فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادانى مناديه وقال "ما فعل اسيرك" فأخبرته فقال "اما انه سيعود فعد" قال فدخلت الغرفة وأغلقت على الباب فجاء فدخل من شق الباب فجعل يأكل التمر فصنعت به كما صنعت فى المرة الاولى فقال خل عنى فانى لن اعود اليك فقلت يا عدو الله ألم تقل انك لن تعود قال فانى لن اعود وآية ذلك انه اذا قرأ احد منكم خاتمة البقرة لا يدخل احد منا فى بيته تلك الليلة ".
الطوسي
تفسير : المعنى: في هذه الآية دلالة واضحة على بطلان مذهب المجبرة في تجويزهم تكليف الله العبد ما لا يطيقه لأنه صريح بأنه لا يكلفهم إلا ما يطيقونه لأن الوسع هو ما يتسع به قدرة الانسان وهو فرق المجهود واستفراغ القدرة. يقول القائل: ليس هذا في وسعي. أي لا أقدر عليه وإن قدرتي لا تتسع لذلك. ومن قال: معناه لا يكلف الله نفساً إلا ما يحل لها من قولهم لا يسعك هذا أي لا يحل لك أن تفعله كان ذلك خطأ، لأن رجلا لو قال لعبده: أنا لا آمرك إلا بما أطلقت لك أن تفعله كان ذلك خطأ وعياً، لأن نفس أمره اطلاق. وكأنه قال: أنا لا أطلق لك إلا ما أطلق. ولا آمرك إلا بما آمرك. وقوله: {لها ما كسبت} معناه لها ثواب ما كسبت من الطاعات وعليها جزاء ما كسبت من المعاصي والقبائح. ويجوز أيضاً أن يسمى الثواب والعقاب كسباً من حيث حصلا بكسبه. وقوله: {لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} إنما جاز الرغبة إليه تعالى في ذلك وإن علمنا أنه لا يؤاخذ بذلك، ولم يجز أن يقول: لا تجر علينا لأمرين أحدهما - أن قوله: لا تجر علينا يدل على تسخط الداعي، وليس كذلك {لا تؤاخذنا إن نسينا} لأن الانسان قد يتعرض للنسيان، فيقع منه الفعل الذي فيه جناية على النفس، ويحسن الاعتذار بالنسيان، فيجري الدعاء مجرى الاعتذار إذا قال العبد لسيده لا تؤاخذني بكذا فاني نسيت، فلحسن الاعتذار حسن الدعاء به. والثاني - {إن نسينا}. بمعنى تركنا لشبهة دخلت علينا. والنسيان بمعنى الترك معروف. نحو قوله: {أية : نسوا الله فنسيهم}تفسير : أي تركوا عبادته، فترك ثوابهم. وقال الجبائي معناه ما تركناه لخطأ في التأويل واعتقدنا صحته لشبهة وهو فاسد. فأما لا تجر علينا، فلا يقال إلا لمن اعتيد منه الجور، ولا يجوز أن يؤاخذ أحد أحداً بما نسيه عند أكثر أهل العدل إلا ما يحكى عن جعفر بن ميسر من أن الله تعالى يؤاخذ الانبياء بما يفعلونه من الصغائر على وجه السهو والنسيان لعظم اقدارهم. وقال كان يجوز أن يؤاخذ الله العبد بما يفعله ناسياً أو ساهياً، ولكن تفضل بالعفو في قوله: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} ذكر ذلك البلخي، وهذا غلط، لأنه كما لم يجز تكليف فعله ولا تركه لم يجز أن يؤاخذ به، ولا يشبه ذلك المتولد الذي لا يصح تكليفه بعد وجود سببه، لأنه يجوز أن يتعمده بأن يتعمد سببه، وليس كذلك ما يفعله على جهة السهو والنسيان. اللغة، والمعنى: وقوله: {ولا تحمل علينا إصراً} قيل في معنى الاصر قولان: أحدهما - لا تحمل علينا عهداً فنعجز عن القيام به. ذهب إليه ابن عباس، وقتادة ومجاهد. الثاني - قال الربيع، ومالك: معناه لا تحمل علينا ثقلا والاصر في اللغة الثقل قال النابغة: شعر : يا مانع الضيم إن يغشى سراتهم والحامل الاصر منهم بعد ما غرقوا تفسير : وكلما عطفك على شيء، فهو إصر من عهد أو رحم، وجمعه إصار. تقول أصره ياصره إصراً. والاسم الاصر قال الحطيئة: شعر : عطفوا عليّ بغيرآ صرة فقد عظم الاواصر تفسير : وقال النابغة: شعر : ايابن الحواضن والحاضنات أينقض أصرك حالا فحالا تفسير : أي عهدك. والايصر: حبيل قصير يشد به أسفل الخباء إلى وتد لأنه يعطف به. والاصرة: صلة الرحم للعطف بها والماصر حبل على طريق أو نهر تحبس به السفن أو السابلة لتؤخذ منهم العشور وكلأ آصر أي يحبس من ينتهي إليه لكثرته. والاصار: كساء يحتش فيه الحشيش. وأصل الباب العطف، فالاصر: الثقل لأنه يعطف حامله بثقله عليه. وقوله: {لا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قيل فيه قولان: أحدهما - ما يثقل علينا من نحو ما كلف بني إسرائيل من قتل أنفسهم وبتيه أربعين سنة وغير ذلك كما يقول القائل لا أطيق أنظر إلى فلان ولا أسمع كلامه. الثاني - ما لا طاقة لنا به من العذاب في دار الدنيا. وقوله {أنت مولانا} معناه أنت ولينا أي أولى بالتصرف فينا، وقال الحسن هذا على وجه التعليم للدعاء، ومعناه قولوا ربنا لا تؤاخذنا. والثاني - أنه على وجه الحكاية أي يقولون ربنا. والفرق بين أخطأ وخطىء أن أخطأ قد يكون على وجه الاثم، وغير الاثم فأما خطىء فاثم لا غير قال الشاعر: شعر : والناس يلحون الامير إذا هم خطئوا الصواب ولا يلام المرشد
الجنابذي
تفسير : {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً} بشيءٍ من تكاليف المعاد والمعاش والجملة جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: هل يخرجون من عهدة التّكليف بعد ما قالوا سمعنا وأطعنا؟ - فقال: لا يكلّف الله نفساً {إِلاَّ وُسْعَهَا} حتّى لا يخرجوا من عهدته ويجوز ان تكون الجملة حالاً مفيدة لهذا المعنى والمراد بالوسع ما يسعه قدرتهم وتفضل هى عنه {لَهَا مَا كَسَبَتْ} حال او جواب لسؤالٍ مقدّرٍ {وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} يعنى انّ نفع حسناتها عائدةٌ اليها لا الى غيرها وكذا ضرّ سيّئاتها، وكسب المال بمعنى اصابه من غير اعتبار تعمّل فى تحصيله بخلاف اكتسب فانّ المعتبر فيه التعمّل والاجتهاد واستعمال الكسب فى الطّاعات والمعاصى للاشارة الى انّ الحركات الصّادرة من الانسان بوفاق الامر الالهىّ وبخلافه مورثة لحصول شؤن نورانيّة او ظلمانيّة للنّفس هى كالاموال الحاصلة بالحركات المعاشيّة واستعمال الكسب فى جانب الخير للاشعار بانّ الانسان لمّا كانت فطرته فطرة الخير كان كلّما يحصل له من طريق الخير يبقى للنّفس والنّفس اذا خليّت وطبعها لا تتعمّل فى كسب الخير بخلاف الشّرّ فانّه اذا لم يتعمّل الانسان فى تحصيله لم يبق اثره لنفسه وانّ النّفس اذا خليّت وطبعها لا تحصل الشّرّ الاّ بالتعمّل {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا} جزء مقول المؤمنين وقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ}؛ كانت معترضة {إِن نَّسِينَآ} شيئاً من المأمور بها {أَوْ أَخْطَأْنَا} فى شيءٍ من المنهيّات، والخطاء كالنّسيان يكون فى الفعل الّذى لم يكن الفاعل على عزيمة فيه {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً} الاصر بالكسر العهد والذنب والثقل وقد يضمّ ويفتح فى الكلّ والمراد به هنا الثّقل او الحمل الثّقيل وحمل الاصر من الله عبارة عن التّكاليف الشاقّة الّتى كانت فى الامم السّالفة كما سيأتى وعن الواردات الّى كان تحمّلها شاقّاً مثل الواردات الّتى كانت فى بنى اسرائيل على ما روى انّ القبط كانوا يقيّدونهم بالاغلال ثمّ يكلّفونهم نقل الطّين واللّبن على السلالم، وعن الواردات النّفسانيّة الّتى كان تحمّلها شاقّاً قبل الاسلام والايمان من مهيّجات الغضب والشّهوة ومن المصائب الواردة {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} من الامم السّالفة والجنود النّفسانيّة {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} من التّكاليف والبلايا الّتى هى فوق الطّاقة، ووجه استعمال التّحميل الدّالّ على المبالغة هاهنا والحمل الدّالّ على مطلق الحمل هناك يستفاد من مفعولهما {وَٱعْفُ عَنَّا} عفى عنه ذنبه ترك العقوبة عليه او طهّر القلب من الحقد عليه، وقد يستعمل العفو فى المحو والامحاء {وَٱغْفِرْ لَنَا} واستر ذنوبنا عن خلقك او عن انفسنا لانتفاعنا {وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا} تعليل واستعطاف {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} من الشّياطين الانسيّة والجنيّة فى خارج وجودنا او داخله فانّه حقيق على المولى ان ينصر مواليه على اعدائه. وفى الاخبار انّ هذه الآية مشافهة الله لنبيّه (ص) حين أسرى به الى السّماء فأوحى الى عبده ما اوحى فكان فيما اوحى اليه هذه الآية {لِلَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وكانت الآية قد عرضت على الانبياء من لدن آدم (ع) الى ان بعث الله تبارك اسمه محمّداً (ص) وعرضت على الامم فأبوا ان يقبلوها من ثقلها وقبلها رسول الله (ص) وعرضها على امّته فقبلوها فلمّا رأى الله عزّ وجلّ منهم القبول على انّهم لا يطيقونها فلمّا ان سار الى ساق العرش كرّر عليه الكلام ليفهمه فقال {أية : آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ}تفسير : [البقرة: 285] فأجاب مجيباً عنه وعن امّته فقال: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}تفسير : [البقرة: 285]، فقال جلّ ذكره لهم الجنّة والمغفرة على ان فعلوا ذلك، فقال النّبىّ (ص) امّا اذا فعلت ذلك بنا فغفرانك ربّنا واليك المصير يعنى المرجع فى الآخرة، قال فأجابه الله عزّ وجلّ وقد فعلت ذلك بك وبامّتك، ثمّ قال عزّ وجلّ امّا اذا قبلت الآية بتشديدها وعظم ما فيها وقد عرضتها على الامم فأبوا ان يقبلوها وقبلتها امّتك فحقّ علىّ ان ارفعها عن امّتك، وقال: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ} من خير {وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} من شرّ فقال النّبىّ (ص) لمّا سمع ذلك امّا اذا فعلت ذلك بى وبأمّتى فزدنى، قال: سل، قال: {ربّنا لا تؤاخذنا ان نسينا او أخطأنا}. قال الله تعالى: لست اؤاخذ امّتك بالنّسيان والخطاء لكرامة منك علىّ، وكانت الامم السّالفة اذا نسوا ما ذكّروا به فتحت عليهم ابواب العذاب وقد رفعت ذلك عن امّتك، وكانت الامم السّالفة اذا أخطأوا اخذوا بالخطاء وعوقبوا عليه؛ وقد رفعت ذلك عن امّتك لكرامتك علىّ فقال النّبىّ (ص): اللّهم اذا اعطيتنى ذلك فزدنى فقال الله تعالى له سل، قال: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} يعنى بالاصر الشّدائد الّتى كانت على من كان قبلنا فأجابه الله تعالى الى ذلك فقال تبارك اسمه: قد رفعت عن امّتك الآصار الّتى كانت على الامم السّالفة كنت لا اقبل صلاتهم الاّ فى بقاع من الارض معلومة اخترتها لهم وان بعدت وقد جعلت الارض كلّها لامّتك مسجداً وطهوراً؛ فهذه من الآصار الّتى كانت على الامم قبلك فرفعتها عن امّتك، وكانت الامم السّالفة اذا اصابهم اذى من نجاسة قرضوها من اجسادهم وقد جعلت الماء طهوراً لامّتك؛ فهذه من الآصار الّتى كانت عليهم فرفعتها عن امّتك، وكانت الامم السّالفة تحمل قرابينها على أعناقها الى بيت المقدّس فمن قبلت ذلك منه ارسلت اليه ناراً فأكلته فرجع مسروراً، ومن لم اقبل ذلك منه رجع مثبوراً وقد جعلت قربان امّتك فى بطون فقرائها ومساكينها فمن قبلت ذلك منه اضعفت ذلك له اضعافاً مضاعفة، ومن لم اقبل ذلك منه رفعت عنه عقوبات الدّنيا وقد رفعت ذلك عن امّتك؛ وهى من الآصار الّتى كانت على الامم قبلك، وكانت الامم السّالفة صلاتها مفروضة عليها فى ظلم اللّيل وأنصاف النّهار وهى من الشّدائد الّتى كانت عليهم فرفعتها عن امّتك، وفرضت عليهم صلاتهم فى أطراف اللّيل والنّهار وفى اوقات نشاطهم (الى ان قال) وكانت الامم السّالفة حسنتهم بحسنة وسيّئتهم بسيّئةٍ وهى من الآصار الّتى كانت عليهم فرفعتها عن امّتك وجعلت الحسنة بعشر والسيّئة بواحدة، وكانت الامم السّالفة اذا نوى احدهم حسنة ثمّ لم يعملها لم تكتب له وان عملها كتبت له حسنة وانّ امّتك اذا همّ احدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة وان عملها كتبت له عشر (الى ان قال) وكانت الامم السّالفة اذا همّ احدهم بسيّئةٍ ثمّ لم يعملها لم تكتب عليه وان عملها كتبت عليه سيّئةٌ، وانّ امّتك اذا همّ احدهم بسيّئةٍ ثمّ لم يعملها كتبت له حسنة (الى ان قال) وكانت الامم السّالفة اذا اذنبوا كتبت ذنوبهم على ابوابهم وجعلت توبتهم من الذّنوب ان حرّمت عليهم بعد التّوبة احبّ الطّعام اليهم وقد رفعت ذلك عن امّتك وجعلت ذنوبهم فيما بينى وبينهم وجعلت عليهم ستوراً كثيفة وقبلت توبتهم بلا عقوبة، ولا اعاقبهم بان احرّم عليهم احبّ الطّعام اليهم، وكانت الامم السّالفة يتوب احدهم من الذّنب الواحد مائة سنة او ثمانين سنة او خمسين سنة ثمّ لا اقبل توبته دون ان اعاقبه فى الدّنيا بعقوبة (الى ان قال) وانّ الرّجل من امّتك ليذنب عشرين سنة او ثلاثين سنة او اربعين او مائة سنة ثمّ يتوب ويندم طرفة عين فأغفر ذلك كلّه، فقال النّبىّ (ص): اللّهمّ اذا اعطيتنى ذلك كلّه فزدنى، قال: سل، قال: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قال تبارك اسمه: قد فعلت ذلك بك وبامّتك وقد رفعت عنهم عظيم بلايا الامم وذلك حكمى فى جميع الامم ان لا اكلّف خلقاً فوق طاقتهم، قال: {وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا}، قال الله عزّ وجلّ: قد فعلت ذلك بتائبى امّتك، قال: {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} قال الله جلّ اسمه انّ امّتك فى الارض كالشّامة البيضاء فى الثّور الاسود، هم القادرون وهم القاهرون ويستخدمون ولا يستخدمون لكرامتك علىّ وحقّ علىّ ان اظهر دينك على الاديان حتّى لا يبقى فى شرق الارض وغربها دين الاّ دينك او يؤدّون الى اهل دينك الجزية. والاخبار فى فضل هذه الآية والّتى قبلها وانّهما من كنوز العرش كثيرة، وروى انزل الله آيتين من كنوز الجنّة كتبهما الرّحمن بيده قبل ان يخلق الخلق بألفى سنة من قرأهما بعد عشاء الآخرة اجزئتاه عن قيام اللّيل، وفى رواية: من قرء الآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه.
اطفيش
تفسير : {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَها}: ضاقت الصحابة ذرعا بما يخطر فى بالهم من الوسوسة فى صف الله سبحانه وتعالى، ومن الاتهام بالمعاصى، فنزل هذا فى أنه تعالى لا يؤاخذهم بمجرد الخاطر، لأنه كتب لهم فيه ولا رضى، فهذا مع قوله: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}، من كلام الله معترض بينما قال المؤمنون، قال ابن عباس: وأكثر المفسرين نسخ ذلك حديث النفس لما نزل:{أية : وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه}تفسير : عج المؤمنون، وقالوا يا رسول نتوب من عمل اليد والرجل واللسان فكيف نتوب من الوسوسة، وحديث النفس، فنزل: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}، قلت ونزل معه فيما أظن قوله تعالى: {لهَا مَا كَسبَتْ}: من خير. {وَعَليْها ما اكْتَسَبَتْ}: من شر، لأن معناه لا مؤاخذة بالوسوسة، لأنه ليس كسبا لها وإنما يجازى بما اكسب أو اكتسب غيره، أو اكتسابه إلا أن فى تسمية ذلك نسخا بحثا تقدم، والوسع الطاقة، والمعنى لا يكلف الله نفسا بما لا يدخل تحت قدرتها: ولا يكلف الله نفسا بما يتوقف فصوله على صرف تمام قدرتها، وإنما يكلف بما يقدر على ما هو أشق منه، ألا ترى أنهم يطيقون على صوم شهر ويوم أو شهر ويومين وأكثر، وعلى صلاة أكثر من خمس الصلوات، وعل أكثر من خمسة دراهم، وهكذا ومثل الوسوسة فى ذلك ما يفعلى بلا عمل فإن التكليف على الخطأ والنسيان تكليف بما يخرج عن وسع النفس لما طلبوا المغفرة، قال لهم الله تعالى: هى لكم، وأما ما لا عمد لكم فيه ولا اختيار فليس مما كلفتم به، فليس من ذنوبكم. ويجوز أن يكون: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} إلى آخره من كلام المؤمنين، لأن ما قبلهُ وما بعده منهم، أى وقالوا: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولك ألا تقدر القول، كأنهم قالوا: كيف لا نسمع ولا نطيع والله لا يكلف إلا طاقتنا، وأعلم أن التكليف بالمحال غير واقع من الله وغير جائز عليه، لأنه يستلزم من الظلم،{أية : وما ربك بظلاَّم للعبيد}،تفسير : والقول بجواز ما لا يجوز على الله مع عدم وقوعه، والقول بوقوعه سواء فى الكفر والمنع، فالآية ولو لم تكن نصافى منع ذلك لأنها مجرد إخبار أبانه لم يقع، لكن انتفاء الظلم عنه تعالى يوجب أن تكليف ما فوق الطاقة غير جائز كما أنه غير واقع، وكما حملنا {أية : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون}تفسير : على الوجوب، مع أن اللفظ إخبار لقرينة وجوب الإيمان، وأما أن يخلق الله للإنسان أو غيره ما يطبق به على عمل شئ، وقد سبق القضاء ألا يعمله، فليس تكليفا بالمحال، لأنه امتنع باختياره لا بالجبر، وقرأ ابن أبى عبلة: وسعها بفتح الواو، وإنما نستعمل فى الكسب الخير والاكتساب فى الشر، لأن النفس مائلة إلى الشر فهى فى تحصيله مجتهدة، فناسب فيه لفظ اكتسبت لدلالته على العلاج، وبخلاف الخير فليست مائلة إليه. {رَبَّنا لاَ تُؤَاخِذْنَا إن نَسِينَا}: زال عن حفظنا ما وجب فعله فلم نفعله، أو وجب تركه فلم نتركه، ودخل فى ذلك ما هو قول أو اعتقاد. {أوْ أَخْطَأْنا}: أخطأت إليه جوارحنا أو ألسنتنا ولم نتعمده، والمعنى لا تؤاخذنا بقلة الاهتمام بأمرك ونهيك بحيث أوصلتنا قلته إلى نسيان أو خطأ، فاستعمل السبب وهما النسيان والإخطاء مقام السبب وهو قلة الاهتمام والتشمير، وذلك أن الخطأ والنسيان ليس ذنبا، فكيف نطلب فيهما العفو، فظهر أنه تعالى أراد سببه ويجوز أن يكون ذلك لشأن الذنب للتلويح إلى أن الأصل فى ترك الواجب تعظيما، أو فعل الحرام الهلاك، ولو فعل أو ترك نسيانا أو خطأ كما أن السم قاتل، ولو أكل خطأ أو نسياناً، وكما لزم المال بالنسيان والخطأ فى الضمان حيث يلزم، ولكن الله بفضله عفى عمن من نسى أو أخطأ، فنكون فى ذلك ندعوا فيما علمنا أنه لا مؤاخذة به تعبدا وشكرا أو اعترافا بفضله كقوله:{أية : رب احكم بالحق}،تفسير : وقوله:{أية : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك}،تفسير : ومثل ذلك أن ترى الذم فى ثوبك فتؤخر غسله إلى وقت الصلاة، فتنساه أو تغسل موضعاً آخر، وقيل: كان بنو إسرائيل يؤخذون بالنسيان والخطأ فأمرنا أن ندعوا بذلك وأجيب لنا، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : عفى عن أمتى الخطاء والنسيان"تفسير : ، وقيل: كان الصحابة لشدة خوفهم كرجائهم كانوا ربما أصدر منهم ما لا ينبغى نسياناً أو خطأ، وكانوا بدعون بذلك، وقيل المراد بالنسيان الترك عمدا وبالإخطاء غير العمد، ففى الخطأ ما مر، وقيل النسيان ظاهره، والإخطاء ما جازت الشريعة الإقدام عليه بظن، فيخرج الغيب بالخلل أو لم يخرج، وظن أنه بالخلل، كمن صلى بالغيم فيخرج أنه صلى قبل الوقت أو بعده أو لم يخرج، فلا عقاب عليه، وقيل المراد ترك الطاعة عمدا والخطأ فعل المعصية عمدا، وقيل النسيان عدم تعمده ترك الطاعة، والخطأ عدم تعمد فعل المعصية. {رَبَّنا ولاَ تَحْمِلْ عَليْنَا إصْراً}: العطف على جملة محذوفة بعد النداء، أى ربنا استجب لنا فى قولنا: {لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ولا تحمل علينا إصراً}: وكذا يقدر فى قوله: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} أى ربنا استجب لنا فى قولنا، {ربنا ولا تحمل علينا إصرا}، ويجوز أن يكون النداء فى الموضعين تأكيدا للأول، ولو قلنا منصوب فيهما على الاختصاص فيكون الوقف على قوله: {ربنا} فى الموضعين، وذلك أن الاختصاص كما يكون إذا لم يعلم من ألقى إليه الكلام، يكون إذا علم كما هنا، فقوله: {ربنا} قبل قوله: {ولا تحمل علينا}، تخصيص بضمير لا تؤاخذنا. وقوله: {ربنا} قبل قوله: {ولا تحمِّلنا} تخصيص للضمير فى قوله: {ولا تحمل} وفى ذلك توكيد وتلذذ بذكر الله تعالى، والإصر الحمل الثقيل، سمى بإصر صاحبه، أى يحبسه فى مكانه، يقال أصره يأصره أى حبسه، والمراد التكاليف الشاقة، كان الواجب على بنى إسرائيل خمسين صلاة وربع أموالهم فى الزكاة، وقطع موضع النجس من الثوب أو البدن، وتعجيل العقوبة على النسيان فى الدنيا، وتحريم بعض الحلال عقوبة لهم إذا قارفوا ذنباً، وكانوا يمسخون ويكتب ذنبهم على جباههم وأبوابهم إذا أخفوه، ويقتل القاتل لا دية ولا عفو ولا صلح وغير ذلك من الأثقال. فقال المؤمنون: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا}. {كَمَا حَملْتهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا}: وهم بنو إسرائيل، وقيل الإصر العهد الثقيل والميثاق الغليظ، وقيل ذنب لا توبة له، سأل المؤمنون ربهم أن يعصمهم من ذلك فعصمهم،، وقرأ أبى ولا تحمل بتشديد الميم وضم التاء وفتح الحاء للمبالغة الراجعة للدعاء، وقرأ أصارا بهمزة مفتوحة بعدها ألف وفتح الصاد بعد ألف جمع إصر، وكما حملتهُ متعلق بتحمل قبله أو بمحذوف نعت لإصر أو الكاف اسم نعت لإصر أو بمحذوف نعت لمفعول مطلق محذوف، أى حملا ثابتاً كحملك له على الذين من قبلنا أو الكاف مفعول مطلق، أى حملا مثل ما حملته، وما فى ذلك كله اسم أو حرف مصدر إلا عند النعت للإصر، فاسم وعند المفعول المطلق فحرف وما عائدة للإصر وإن قدرت كالحمل الذى وقعت على الحمل، والهاء عائدة إلى ما، وإذا كانت ما حرفا عادت الهاء إلى الإصر. {ربَّنا ولا تُحمَلْنا ما لاَ طَاقَة لَنَا بِهِ}: ما قبل هذا فيما فيه الطاقة، لكنه ثقيل، وهذا فيما خرج عن الطاقة، وذكروه مع أنه غير جائز على الله اعترافاً بتسهيل الله، فهو فى العبادة، أو ما قبل هذا فى أمر الشريعة، وهذا فى العقوبة فى الدنيا، والمصائب، وقيل هذا تكرير لما قبله والتشديد هنا للتعدية، تقول: حملت الشئ بالتخفيف وحملنيه الله بالتشديد، أى صيرنى حاملا إياه، وقيل هذا فى هذا حديث النفس، وقيل شدة الاشتياق إلى الجماع، وقيل شماتة الأعداء، وقيل الفرقة والقطيعة، وقيل المنسخ نعوذ بالله من ذلك كله، ولعل ذلك تمثيل من قائله لا تفيد. {واعْفُ عَنَّا}: امح ذنوبنا عنا، أى أزل المؤاخذة بها عنا من قولك عفت الريح الأثر إذا أزالته. {واغْفِرْ لَنا}: أى استر ذنوبنا لا تؤاخذنا بها، فهو تأكيد لما قبله، ويجوز، أن يكون أعف بمعنى امح، لا تؤاخذنا بها واغفر بمعنى استر، لا تفضحنا بها، لأنه من الجائز ألا يؤاخذ أحدا بالذنب ولكن يظهره عليه. {وارْحَمْنا}: أنعم علينا برضاك والجنة. {أنْتَ مولانا} سيدنا، ونْحن عبيدك، أو أنت ناصرنا أو متولى أمورنا. {فَانْصُرْنا} بسبب أنَّا عبيدك، ومن شأن السيد نصر عبيده. {عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ}: مشركين أهل الكتاب وغيرهم، من المجوس ومشركى العرب وغيرهم قال المسلمون ذلك. فقال الله: قد نصرتكم. اللهم ببركة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وببركة هذه السورة اخز النصارى وسائر المشركين، وأهنهم واكسر شوكتهم، وغلب المسلمين وجملة الموحدين عليهم. صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. روى أن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفى سنة، فوضعه تحت العرش، فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة لا تقرآن فى بيت فيقربه الشيطان ثلاث ليال:{أية : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه}تفسير : إلى آخر السورة. رواه الشيخ هود والترمذى، ونسبه الترمذى للنعمان ابن بشير مرفوعا، وعن الحسن: فيما من الله به على النبى صلى الله عليه وسلم: ألم أعلمك خواتم سورة البقرة، وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : أنزل الله تعالى آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده"تفسير : أى خلق كتابتهما قبل أن يخلق الخلق بألفى سنة وقرأهما بعد العشاء الآخر أجرتاه عن قيام الليل، قال أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصارى عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فى ليلة كفتاه: قيل من كل دابة وشيطان، وقيل من كل آفة وقيل من قيام الليل، وقيل حسبه بهما أجرا"تفسير : ، وروى أنه أعطى صلى الله عليه وسلم خواتم سورة البقرة عند سدرة المنتهى ليلة الإسراء، وعن ابن عباس حديث : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده جبريل عليه السلام، إذ سمع نقيضاً من فوقه، فرفع جبريل بصره. إلى السماء؛ فقال هذا باب من السماء فتح اليوم ولم يفتح قط إلا اليوم. فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل الأرض لم ينزل قط إلى اليوم، فسلم وقال: أبشروا بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبى قبلك: فاتحة الكتاب وخواتم سورة البقرة. لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيتهتفسير : . وعن على ما أظن أحدا أعقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما والله أعلم.
الالوسي
تفسير : {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} جملة مستأنفة سيقت إخباراً منه تعالى بعد تلقيهم لتكاليفه سبحانه بالطاعة والقبول بما له عليهم في ضمن التكليف من محاسن آثار الفضل والرحمة ابتداءاً لا بعد السؤال كما سيجيء ـ والتكليف ـ إلزام ما فيه كلفة ومشقة، و ـ الوسع ـ ما تسعه قدرة الإنسان أو ما يسهل عليه من المقدور وهو ما دون مدى طاقته أي سنته تعالى أنه ـ لا يكلف نفساً ـ من النفوس إلا ما تطيق وإلا ما هو دون ذلك كما في سائر ما كلفنا به من الصلاة والصيام مثلاً فإنه كلفنا خمس صلوات والطاقة تسع ستاً وزيادة. وكلفنا صوم رمضان والطاقة تسع شعبان معه وفعل ذلك فضلاً منه ورحمة بالعباد أو كرامة ومنّةً على هذه الأمة خاصة. وقرأ ابن أبـي عبلة ـ وسعها ـ بفتح السين والآية على التفسيرين تدل على عدم وقوع التكليف بالمحال لا على امتناعه، أما على الأول: فظاهر، وأما على الثاني: فبطريق الأولى، وقيل: إنها على التفسير الثاني لا تدل على ذلك لأن الخطاب حينئذ مخصوص بهذه الأمة وعلى كل تقدير لا دليل فيها على امتناع التكليف بالمحال كما وهم وقد تقدم لك بعض ما يتعلق بهذا المبحث وربما يأتيك ما ينفعك فيه إن شاء الله تعالى. {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} جملة أخرى مستأنفة سيقت للترغيب والمحافظة على مواجب التكليف والتحذير عن الإخلال بها ببيان أن تكليف كل نفس مع مقارنته لنعمة التخفيف والتيسير يتضمن مراعاته منفعة زائدة وأنها تعود إليها لا إلى غيرها ويستتبع الإخلال بها مضرة تحيق بها لا بغيرها فإن اختصاص منفعة الفعل بفاعله من أقوى الدواعي إلى تحصيله واقتصار مضرته عليه من أشد الزواجر عن مباشرته ـ قاله المولى مفتي الديار الرومية قدس سره ـ وهو الذي ذهب إليه الكثير، وقيل: يجوز أن تجعل الجملتان في حيز القول ويكون ذلك حكاية للأقوال المتفرقة الغير المعطوفة بعضها على بعض للمؤمنين ويكون مدحاً لهم بأنهم شكروا الله تعالى في تكليفه حيث يرونه بأنه لم يخرج عن وسعهم وبأنهم يرون أن الله تعالى لا ينتفع بعملهم الخير بل هو لهم ولا يتضرر بعملهم الشر بل هو عليهم ـ ولا يخفى أنه بعيد ـ من جهة ـ قريب من أخرى ـ والضمير في {لَهَا} للنفس العامة والكلام على حذف مضاف هو ثواب في الأول وعقاب في الآخر، ومبين {مَا} الأولى: الخير لدلالة اللام الدالة على النفع عليه، ومبين {مَا} الثانية: الشر لدلالة ـ على ـ الدالة على الضر عليه وإيراد الإكتساب في جانب الأخير لما فيه من زيادة المعنى وهو الاعتمال، والشر تشتهيه النفس وتنجذب إليه فكانت أجد في تحصيله،/ ففيه إشارة إلى ما جبلت عليه النفوس ولما لم يكن مثل ذلك في الخير استعمل الصيغة المجردة عن الاعتمال. {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} شروع في حكاية بقية دعواتهم إثر بيان سر التكليف، وقيل: استيفاء لحكاية الأقوال، وفي «البحر» ـ وهو المروي عن الحسن ـ أن ذلك على تقدير الأمر أي قولوا في دعائكم ذلك فهو تعليم منه تعالى لعباده كيفية الدعاء والطلب منه وهذا من غاية الكرم ونهاية الإحسان يعلمهم الطلب ليعطيهم ويرشدهم للسؤال ليثيبهم، ولذلك قيل وقد تقدم:شعر : لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه من فيض جودك ما علمتني الطلبا تفسير : والمؤاخذة المعاقبة، وفاعل هنا بمعنى فعل، وقيل: المفاعلة على بابها لأن الله تعالى يؤاخذ المذنب بالعقوبة والمذنب كأنه يؤاخذ ربه بالمطالبة بالعفو إذ لا يجد من يخلصه من عذابه سواه فلذلك يتمسك العبد عند الخوف منه به فعبر عن كل واحد بلفظ المؤاخذة ولا يخفى فساد هذا إلا بتكلف. واختلفوا في المراد من النسيان والخطأ على وجوه، الأول: أن المراد من الأول الترك ومنه قوله:شعر : ولم أك عند الجود للجود قالياً ولا كنت يوم الروع للطعن ناسياً تفسير : والمراد من الثاني العصيان لأن المعاصي توصف بالخطأ الذي هو ضد الصواب وإن كان فاعلها متعمداً كأنه قيل: ربنا لا تعاقبنا على ترك الواجبات وفعل المنهيات، الثاني: أن المراد منهما ما هما مسببان عنه من التفريط والإغفال إذ قلما يتفقان إلا عن تقصير سابق فالمعنى لا تؤاخذنا بذلك التقصير، الثالث: أن المراد بهما أنفسهما من حيث ترتبهما على ما ذكر، أو مطلقاً إذ لا امتناع في المؤاخذة بهما عقلاً فإن المعاصي كالسموم فكما أن تناولها ولو سهواً أو خطأ مؤد إلى الهلاك فتعاطي المعاصي أيضاً لا يبعد أن يفضي إلى العقاب وإن لم يكن عن عزيمة ولكنه تعالى وعد التجاوز عنه رحمة منه وفضلاً فيجوز أن يدعو الإنسان به استدامة واعتداداً بالنعمة فيه. ويؤيد ذلك مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الطبراني، وقال النووي حديث حسن: «حديث : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه»تفسير : وأورد على هذا بأنه لا يتم على مذهب المحققين من أهل السنة والمعتزلة من أن التكليف بغير المقدور غير جائز عقلاً منه تعالى إذ لا يكون ترك المؤاخذة على الخطأ والنسيان حينئذ فضلاً يستدام ونعمة يعتد بها. {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} أي عبئاً ثقيلاً يأصر صاحبه أي يحبسه مكانه. والمراد به التكاليف الشاقة، وقيل: الإصر الذنب الذي لا توبة له فالمعنى اعصمنا من اقترافه، وقرىء (آصاراً) على الجمع، وقرأ أبـيّ ـ ولا تحمّل ـ بالتشديد للمبالغة {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} في حيز النصب على أنه صفة لمصدر محذوف أي حملاً مثل حملك إياه على من قبلنا، أو على أنه صفة لإصراً أي إصراً مثل الإصر الذي حملته على من قبلنا ـ وهو ما كلفه بنو إسرائيل ـ من قتل النفس في التوبة أو في القصاص لأنه كان لا يجوز غيره في شريعتهم وقطع موضع النجاسة من الثياب ونحوها، وقيل: من البدن وصرف ربع المال في الزكاة. {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} استعفاء عن العقوبات التي لا تطاق بعد الاستعفاء عما يؤدي إليها والتعبير عن إنزال ذلك بالتحميل مجاز باعتبار ما يؤدى إليه، وجوز أن يكون طلباً لما هو أعم من الأول لتخصيصه بالتشبيه إلا أنه صور فيه الإصر بصورة ما لا يستطاع مبالغة، وقيل: هو استعفاء عن التكليف بما لا تفي به القدرة البشرية حقيقة فتكون الآية دليلاً على جواز التكليف بما لا يطاق وإلا لما سئل التخلص عنه وليس بالقوي، والتشديد هٰهنا/ لمجرد تعدية الفعل لمفعول ثان دون التكثير. {وَٱعْفُ عَنَّا} أي امح آثار ذنوبنا بترك العقوبة. {وَٱغْفِرْ لَنَا} بستر القبيح وإظهار الجميل {وَٱرْحَمْنَا} وتعطف علينا بما يوجب المزيد، وقيل: {أُعفُ عَنَّا} من الأفعال {وَٱغْفِرْ لَنَا} من الأقوال {وَٱرْحَمْنَا} بثقل الميزان، وقيل: {وَٱعْفُ عَنَّا} في سكرات الموت {وَٱغْفِرْ لَنَا} في ظلمة القبور {وَٱرْحَمْنَا} في أهوال يوم النشور، قال أبو حيان: ولم يأت في هذه الجمل الثلاث بلفظ ربنا لأنها نتائج ما تقدم من الجمل التي افتتحت بذلك فجاء ـ فاعف عنا ـ مقابلاً لقوله تعالى: {لاَ تُؤَاخِذْنَا} {وَٱغْفِرْ لَنَا} لقوله سبحانه: {وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} {وَٱرْحَمْنَا} لقوله عز شأنه: {وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} لأن من آثار عدم المؤاخذة بالنسيان والخطأ العفو، ومن آثار عدم حمل الإصر عليهم المغفرة، ومن آثار عدم تحميل ما لا يطاق الرحمة ولا يخفى حسن الترتيب {أَنتَ مَوْلَـٰنَا} أي مالكنا وسيدنا، وجوز أن يكون بمعنى متولي الأمر وأصله مصدر أريد به الفاعل وإذا ذكر المولى والسيد وجب في الاستعمال تقديم المولى فيقال: مولانا وسيدنا كما في قول الخنساء:شعر : وإن صخراً ـ لمولانا وسيدنا ـ وإن صخراً إذا اشتوا لمنحار تفسير : وخطئوا من قال: سيدنا ومولانا بتقديم السيد على المولى ـ كما قاله ابن أيبك ـ ولي فيه تردد قيل: والجملة على معنى القول أي قولوا أنت مولانا {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي الأعداء في الدين المحاربين لنا أو مطلق الكفرة وأتى بالفاء إيذاناً بالسببية لأن الله تعالى لما كان مولاهم ومالكهم ومدبر أمورهم تسبب عنه أن دعوه بأن ينصرهم على أعدائهم فهو كقولك أنت الجواد فتكرم عليّ وأنت البطل فاحْمِ الجار. ومن باب الإشارة في هذه الآيات: {للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ} أي العوالم الروحانية كلها وما استتر في أستار غيوبه وخزائن علمه {وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} أي العالم الجسماني والظواهر المشاهدة التي هي مظاهر الأسماء والأفعال {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ} يشهده بأسمائه وظواهره فيحاسبكم به وإن تخفوه يشهده بصفاته وبواطنه ويحاسبكم به {فَيَغْفِرُ} لكم {لِمَن يَشَآءُ} لتوحيده وقوة يقينه وعروض سيآته وعدم رسوخها في ذاته {وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء} لفساد اعتقاده ووجود شكه، أو رسوخ سيآته في نفسه {أية : وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} تفسير : [البقرة: 284] لأن به ظهور كل ظاهر وبطون كل باطن فيقدر على المغفرة والتعذيب {آمَنَ ٱلرَّسُولُ} الكامل الأكمل {بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ} أي صدقه بقبوله والتخلق به فقد كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن والترقي بمعانيه والتحقق به {وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِٱللَّهِ} وحده مشاهدة حين لم يروا في الوجود سواه {وَمَلَٰـئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} حين رجوعهم إلى مشاهدتهم تلك الكثرة مظاهر للوحدة يقولون {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ} برد بعض وقبول بعض لمشاهدة الحق فيهم بالحق {وَقَالُواْ سَمِعْنَا} أجبنا ربنا في كتبه ورسله ونزول ملائكته واستقمنا في سيرنا {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} أي اغفر وجوداتنا وصفاتنا واستر ذلك بوجودك وصفاتك فمنك المبدأ {أية : وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } تفسير : [البقرة: 285] بالفناء فيك {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} إلا ما يسعها ولا يضيق به طوقها واستعدادها من التجليات {لَهَا مَا كَسَبَتْ} من الخير والكمالات والكشوف سواء كان ذلك باعتمال أو بغير اعتمال {وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} وتوجهت إليه بالقصد من السوء {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا} عهدك بميلنا إلى ظلمة الطبيعة {أَوْ أَخْطَأْنَا} بالعمل على غير الوجه اللائق لحضرتك {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} وهو عبء الصفات والأفعال الحابسة للقلوب من/ معاينة الغيوب {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} من المحتجبين بظواهر الأفعال أو بواطن الصفات {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} من ثقل الهجران والحرمان عن وصالك ومشاهدة جمالك بحجب جلالك {وَٱعْفُ عَنَّا} سيآت أفعالنا وصفاتنا فإنها سيآت حجبتنا عنك وحرمتنا برد وصالك ولذة رضوانك {وَٱغْفِرْ لَنَا} ذنوب وجودنا فإنه أكبر الكبائر {وَٱرْحَمْنَا} بالوجود الموهوب بعد الفناء {أَنتَ مَوْلَـٰنَا} أي سيدنا ومتولي أمورنا لأنا مظاهرك وآثار قدرتك {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} من قوى نفوسنا الأمارة وصفاتها وجنود شياطين أوهامنا المحجوبين عنك الحاجبين إيانا لكفرهم وظلمتهم. هذا وقد أخرج مسلم والترمذي من حديث ابن عباس لما نزلت هذه الآية فقرأها صلى الله عليه وسلم قيل له عقيب كل كلمة قد فعلت، وأخرج أبو سعيد والبيهقي عن الضحاك أن جبريل لما جاء بهذه الآية ومعه ما شاء الله تعالى من الملائكة وقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له بعد كل كلمة لك ذلك حتى فرغ منها، وأخرج أبو عبيد عن أبـي ميسرة أن جبريل لقن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خاتمة البقرة آمين، وأخرج الأئمة الستة في «كتبهم» عن ابن مسعود عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» تفسير : وأخرج الطبراني بسند جيد عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تعالى كتب كتاباً قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان» تفسير : وأخرج ابن عدي عن ابن مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنزل الله تعالى آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي عام من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل» تفسير : وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في «الشعب» عن أبـي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش فتعلموهما وعلموهما نساءكم وأبناءكم فإنهما صلاة وقرآن ودعاء»تفسير : وفي رواية أبـي عبيد عن محمد بن المنكدر أنهن قرآن وأنهن دعاء وأنهن يدخلن الجنة وأنهن يرضين الرحمن، وأخرج مسدد عن عمر رضي الله تعالى عنه والدارمي عن علي كرم الله تعالى وجهه كلاهما قال: ما كنت أرى أحداً يعقل ينام حتى يقرأ هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة. والآثار في فضلها كثيرة وفيما ذكرنا كفاية لمن وفقه الله تعالى. اللهم اجعل لنا من إجابة هذه الدعوات أوفر نصيب، ووفقنا للعمل الصالح والقول المصيب، واجعل القرآن ربيع قلوبنا وجلاء أسماعنا ونزهة أرواحنا ويسر لنا إتمام ما قصدناه ولا تجعل لنا مانعاً عما بتوفيقك أردناه، وصل وسلم على خليفتك الأعظم، وكنزك المطلسم، وعلى آله الواقفين على أسرار كتابك، وأصحابه الفائزين بحكم خطابك ما ارتاحت روح وحصل لقارع باب جودك فتوح.
ابن عاشور
تفسير : الأظهر أنّه من كلام الله تعالى، لا من حكاية كلام الرسول والمؤمنين، فيكون اعتراضاً ين الجمل المحكية بالقول، وفائدته إظهار ثمرة الإيمان، والتسليم، والطاعة، فأعلمهم الله بأنّه لم يجعل عليهم في هذا الدين التكليف بما فيه مشقة، وهو مع ذلك تبشير باستجابة دعوتهم الملقنة، أو التي ألهموها: وهي {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ} ــــــ إلى قوله ــــــ {ما لا طاقة لنا به} قبل أن يحكي دعواتهم تلك. ويجوز أن يكون من كلام الرسول والمؤمنين، كأنّه تعليل لقولهم سمعنا وأطعنا أي علمنا تأويل قول ربنا: { أية : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } تفسير : [البقرة: 284] بأنّه يدخلها المؤاخذة بما في الوسع، ممَّا أبدى وما أخفى، وهو ما يظهر له أثر في الخارج اختياراً، أو يعقد عليه القلب، ويطمئنّ به، إلاّ أنّ قوله: {لها ما كسبت} إلخ يبعد هذا؛ إذ لا قبل لهم بإثبات ذلك. فعلى أنّه من كلام الله فهو نسخ لقوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} وهذا مروي في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة وابن عباس أنّه قال: لما نزلت { أية : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } تفسير : [البقرة: 284] اشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله فأتوه وقالوا: لا نطيقها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم قولوا: « حديث : سمعنا وأطعنا وسلمنا » تفسير : فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فلمّا فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}، وإطلاق النسخ على هذا اصطلاح للمتقدّمين، والمراد البيانُ والتخصيص لأنّ الذي تطمئنّ له النفس: أنّ هذه الآيات متتابعة النظم، ومع ذلك يجوز أن تكون نزلت منجّمة، فحدَث بين فترة نزولها ما ظنّه بعض المسلمين حرجاً. والوسع في القراءة بضم الواو، في كلام العرب مثلّث الواو وهو الطاقة والاستطاعة، والمراد به هنا ما يطاق ويستطاع، فهو من إطلاق المصدر وإرادة المفعول. والمستطاع هو ما اعتادَ الناسُ قدرتَهم على أن يفعلوه إن توجّهت إرادتهم لفعله مع السلامة وانتفاء الموانع. وهذا دليل على عدم وقوع التكليف بما فوق الطاقة في أديان الله تعالى لعموم (نفساً) في سياق النفي، لأنّ الله تعالى ما شرع التكليف إلاّ للعمل واستقامة أحوال الخلق، فلا يكلّفهم ما لا يطيقون فعله، وما ورد من ذلك فهو في سياق العقوبات، هذا حكم عام في الشرائع كلّها. وامتازت شريعة الإسلام باليسر والرفق، بشهادة قوله تعالى: { أية : وما جعل عليكم في الدين من حرج } تفسير : [الحج: 78] وقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}، ولذلك كان من قواعد الفقه العامة «المشقّةُ تجلب التيسير». وكانت المشقة مظنّة الرخصة، وضبط المشاقّ المسقطة للعبادة مذكور في الأصول، وقد أشبعت القول فيه في كتابي المسمّى «مقاصد الشريعة» وما ورد من التكاليف الشاقّة فأمر نادر، في أوقات الضرورة، كتكليف الواحد من المسلمين بالثباتِ للعشرة من المشركين، في أول الإسلام، وقلّة المسلمين. وهذه المسألة هي المعنونة في كتب الأصلين بمسألة التكليف بالمحَال، والتكليف بما لا يطاق، وهي مسألة أرنَّت بها كتب الأشاعرة والمعتزلة، واختلفوا فيها اختلافاً شهيراً، دعا إليه التزام الفريقين للوازم أصولهم وقواعدهم فقالت الأشاعرة: يجوز على الله تكليف ما لا يطاق بناء على قاعدتهم في نفي وجوب الصلاح على الله، وأنّ ما يصدر منه تعالى كلّه عدل لأنّه مالك العباد، وقاعدتهم في أنّه تعالى يخلق ما يشاء، وعلى قاعدتهم في أنّ ثمرة التكليف لا تختص بقصد الامتثال بل قد تكون لقصد التعجيز والابتلاء وجعل الامتثال علامة على السعادة، وانتفائه علامة على الشقاوة، وترتّب الإثم لأنّ لله تعالى إثابَة العاصي، وتعذيبَ المطيع، فبالأوْلى تعذيب من يأمره بفعل مستحيل، أو متعذّر، واستدلّوا على ذلك بحديث تكليف المصوّر بنفخ الروحِ في الصورة وما هو بنافخ، وتكليف الكاذب في الرؤيا بالعقد بين شعيرتين وما هو بفاعل. ولا دليل فيه لأنّ هذا في أمور الآخرة، ولأنّهما خبرَا آحاد لا تثبت بمثلها أصول الدين. وقالت المعتزلة: يمتنع التكليف بما لا يطاق بناء على قاعدتهم في أنّه يجب الله فعل الصلاح ونفي الظلم عنه، وقاعدتهم في أنّه تعالى لا يخلق المنكرات من الأفعال، وقاعدتهم في أنّ ثمرة التكليف هو الامتثال وإلاّ لصار عبثاً وهو مستحيل على الله، وأنّ الله يستحيل عليه تعذيب المطيع وإثابة العاصي. واستدلّوا بهذه الآية، وبالآيات الدالة على أصولِها: مثل { أية : ولا يظلم ربك أحداً } تفسير : [الكهف: 49] { أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } تفسير : [الإسراء: 15] { أية : قل إنّ الله لا يأمر بالفحشاء } تفسير : [الأعراف: 28] إلخ. والتحقيق أنّ الذي جرّ إلى الخوض في المسألة هو المناظرة في خلق أفعال العباد،؛ فإنّ الأشعري لما نفى قدرة العبد، وقال بالكسب، وفسّره بمقارنة قدرة العبد لحصول المقدورِ دون أن تكون قدرته مؤثرّة فيه، ألزمهم المعتزلة القول بأنّ الله كلّف العباد بما ليس في مقدورهم، وذلك تكليف بما لا يطاق، فالتزم الأشعري ذلك، وخالف إمام الحرمين والغزالي الأشعريّ في جواز تكليف ما لا يطاق والآية لا تنهض حجة على كلا الفريقين في حكم إمكان ذلك. ثم اختلف المجوّزون: هل هو واقع، وقد حكى القرطبي الإجماع على عدم الوقوع وهو الصواب في الحكاية، وقال إمام الحرمين - في «البرهان» -: «والتكاليف كلّها عند الأشعري من التكليف بما لا يطاق، لأنّ المأمورات كلّها متعلّقة بأفعال هي عند الأشعري غير مقدورة للمكلّف، فهو مأمور بالصلاة وهو لا يقدر عليها، وإنّما يُقْدِره الله تعالى عند إرادة الفعل مع سلامة الأسباب والآلات» وما ألزمُه إمام الحرمين الأشعريّ إلزام باطل؛ لأنّ المراد بما لا يطاق ما لا تتعلّق به قدرة العبد الظاهرة، المعبّر عنها بالكسب، للفرق البيِّن بين الأحوال الظاهرة، وبين الحقائق المستورة في نفس الأمر، وكذلك لا معنى لإدخال ما عَلِمَ الله عدمَ وقوعه، كأمر أبي جهل بالإيمان مع عِلم الله بأنّه لا يؤمن، في مسألة التكليف بما لا يطاق، أو بالمحال؛ لأنّ علم الله ذلك لم يطّلع عليه أحد. وأورد عليه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا لهب إلى الإسلام وقد علم الله أنّه لا يسلم لقوله تعالى: { أية : تبت يدا أبي لهب وتب} تفسير : [المسد: 1] إلى قوله {أية : سيصلى ناراً ذات لهب } تفسير : [المسد: 3] فقد يقال: إنّه بعد نزول هذه الآية لم يخاطَب بطلب الإيمان وإنّما خوطب قبل ذلك، وبذلك نسلم من أن نقول: إنّه خارج عن الدعوة، ومن أن نقول: إنّه مخاطب بعد نزول الآية. وهذه الآية تقتضي عدم وقوع التكليف بما لا يطاق في الشريعة، بحسب المتعارف في إرادة البشر وقُدَرِهم، دون ما هو بحسب سرّ القَدَر، والبحث عن حقيقة القدرة الحادثة، نعم يؤخذ منها الرد على الجبرية. وقوله: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} حال من «نَفَسا» لبيان كيفية الوسع الذي كلفت به النفس: وهو أنّه إن جاءت بخير كان نفعه لها وإن جاءت بشرّ كان ضُرّه عليها. وهذا التقسيم حاصل من التعليق بواسطة «اللاّم» مرة وبواسطة (علَى) أخرى. وأما كسبت واكتسبت فبمعنى واحد في كلام العرب؛ لأنّ المطاوعة في اكتسب ليست على بابها، وإنّما عبّر هنا مرة بكَسَبت وأخرى باكتسبت تفنّناً وكراهيةَ إعادة الكلمة بعينها، كما فعل ذو الرمة في قوله: شعر : ومُطعَممِ الصيد هَبَّال لبُغيته ألفَى أباه بذاك الكَسْب مُكتسِبا تفسير : وقول النابغة: شعر : فحملت بَرّةَ واحتَمَلْتَ فجارِ تفسير : وابتدُىء أولاً بالمشهور الكثير، ثم أعيد بمطاوعه، وقد تَكون، في اختيار الفعل الذي أصله دَالٌ على المطاوعة، إشارةٌ إلى أنّ الشرور يأمر بها الشيطان، فتأتمر النفس وتطاوعه وذلك تبْغيض من الله للناس في الذنوب. واختير الفعل الدال على اختيار النفس للحسنات، إشارة إلى أنّ الله يسوق إليها الناس بالفطرة، ووقع في «الكشاف» أنْ فعل المطاوعة لدلالته على الاعتمال، وكان الشرّ مشتهًى للنفس، فهي تَجِدُّ تحصيله، فعبّر عن فعلها ذلك بالاكتساب. والمراد بما اكتسبت الشرور، فمن أجل ذلك ظنّ بعض المفسرين أنّ الكسب هو اجتناء الخير، والاكتساب هو اجتناء الشر، وهو خلاف التحقيق؛ ففي القرآن { أية : ولا تكسب كلّ نفس إلاّ عليها } تفسير : [الأنعام: 164] ــــــ ثم قيل للذين ظلموا { أية : ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلاّ بما كنتم تكسبون } تفسير : [يونس: 52] ــــــ وقد قيل: إنّ اكتسب إذا اجتمع مع كسب خُصّ بالعمل الذي فيه تكلّف. لكن لم يرد التعبير باكتسبت في جانب فعل الخير. وفي هذه الآية مأخذ حسن لأبي الحسن الأشعري في تسميته استطاعة العبد كسبا واكتساباً؛ فإنّ الله وصف نفسه بالقدرة. ولم يصف العباد بالقدرة، ولا أسند إليهم فعل قَدَر وَإنّما أسند إليهم الكسب، وهو قول يجمع بين المتعارضات ويفي بتحقيق إضافة الأفعال إلى العباد، مع الأدب في عدم إثبات صفة القدرة للعباد، وقد قيل: إنّ أول من استعمل كلمة الكسب هو الحسين بن محمد النجار، رأس الفرقة النجارية من الجبرية، كان معاصِراً للنظام في القرن الثالث، ولكن اشتهر بها أبو الحسن الأشعري حتى قال الطلبة في وصف الأمر الخفي: «أدقُّ مِن كَسْب الأشعريّ». وتعريف الكسب، عند الأشعري: هو حالة للعبد يقارنها خَلْقُ الله فعلاً متعلَّقاً بها. وعرّفه الإمام الرازي بأنّه صفة تَحصلُ بقدرة العبد لفعله الحاصل بقدرة الله. وللكسب تعاريف أخر. وحاصل معنى الكسب، وما دعا إلى إثباته: هو أنّه لما تقرر أنّ الله قادر على جميع الكائنات الخارجة عن اختيار العبد، وجب أن يقرّر عموم قدرته على كلّ شيء لئلاّ تكون قدرة الله غير متسلّطة على بعض الكائنات، إعمالاً للأدلة الدالة على أنّ الله على كلّ شيء قدير، وأنّه خالق كلّ شيء، وليس لعموم هذه الأدلة دليل يخصّصه، فوجب إعمال هذا العموم. ثم إنّه لما لم يجز أن يُدّعى كون العبد مجبوراً على أفعاله، للفرق الضروري بين الأفعال الاضطرارية، كحركة المرتعش، والأفعالِ الاختيارية، كحركة الماشي والقاتِل، ورعيا لحقيّة التكاليف الشرعية للعباد لئلاّ يكون التكليف عبثاً، ولحقيّة الوعد والوعيد لئلاّ يكون باطلاً، تعيّن أن تكون للعبد حالة تمكِّنه من فعل ما يريد فعله، وتركِ ما يريد تركه، وهي ميله إلى الفعل أو الترك، فهذه الحالة سمّاها الأشعري الاستطاعة، وسمّاها كسباً. وقال: إنّها تتعلّق بالفعل فإذا تعلّقت به خلق الله الفعل الذي مال إليه على الصورة التي استحضرها ومال إليها. وتقديم المجروريْن في الآية: لقصد الاختصاص، أي لا يلحق غيرها شيء ولا يلحقها شيء من فعل غيرها، وكأنّ هذا إبطال لما كانوا عليه في الجاهلية: من اعتقاد شفاعة الآلهة لهم عند الله. وتمسّك بهذه الآية من رأى أنّ الأعمال لا تقبل النيابة في الثواب والعقاب، إلاّ إذا كان للفاعل أثر في عمل غيره؛ ففي الحديث: « حديث : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية وعلم بثّه في صدور الرجال، وولد صالح يدعو له » تفسير : وفي الحديث: « حديث : ما من نفس تُقتل ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأول كِفل من دمها ذلك لأنّه أول من سنّ القتل » تفسير : وفي الحديث: « حديث : من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سنّ سنة سيِّئَة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » {تفسير : . رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَـٰنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ}. يجوز أن يكون هذا الدعاء محكيّاً من قول المؤمنين: الذين قالوا: { أية : سمعنا وأطعنا } تفسير : [البقرة: 285]، بأن اتّبعوا القبول والرضا، فتوجّهوا إلى طلب الجزاء ومناجاة الله تعالى. واختيارُ حكاية هذا عنهم في آخر السورة تكملة للإيذان بانتهائها. ويجوز أن يكون تلقينا من جانب الله تعالى إياهم: بأن يقولوا هذا الدعاء، مثل ما لقّنوا التحميد في سورة الفاتحة فيكون التقدير، قولوا: {ربنا لا تؤاخذنا} إلى آخر السورة؛ إنّ الله بعد أن قرر لهم أنّه لا يكلّف نفساً إلاّ وسعها، لقّنهم مناجاة بدعوات هي من آثار انتفاء التكليف بما ليس في الوسع. والمراد من الدعاء به طلب الدوام على ذلك لئلا يُنسخ ذلك من جراء غضب الله كما غضب على الذين قال فيهم: { أية : فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيبات أحلت لهم } تفسير : [النساء: 160]. والمؤاخذة مشتقّة من الأخذ بمعنى العقوبة، كقوله: { أية : وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة } تفسير : [هود: 102] والمفاعلة فيه للمبالغة أي لا تأخذنا بالنسيان والخطأ. والمراد ما يترتّب على النسيان والخطأ من فِعل أو ترك لا يرضيان الله تعالى. فهذه دعوة من المؤمنين دعوها قبل أن يعلموا أنّ الله رفع عنهم ذلك بقوله: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » تفسير : وفي رواية: « حديث : وضع » تفسير : رواه ابن ماجه وتكلم العلماء في صحته، وقد حسّنه النووي، وأنكره أحمد، ومعناه صحيح في غير ما يرجع إلى الخطاب الوضع. فالمعنى رفع الله عنهم المؤاخذة فبقيت المؤاخذة بالإتلاف والغرامات ولذلك جاء في هذه الدعوة «لا تؤاخذنا» أي لا تؤاخذنا بالعقاب على فعلٍ: نسيانٍ أو خطأ، فلا يرد إشكال الدعاء بما عُلم حصوله، حتى نحتاج إلى تأويل الآية بأنّ المراد بالنسيان والخطأ سببهما وهو التفريط والإغفال كما في «الكشاف». وقوله: {ربنا ولا تحمل علينا إصراً} إلخ فصلّ بين الجملتين المتعاطفتين، بإعادة النداء، مع أنّه مستغنى عنه: لأنّ مخاطبة المنادى مغنِيَة عن إعادَة النداء لكن قصد من إعادته إظهار التذلّل. والحمل مجاز في التكليف بأمر شديد يثقل على النفس، وهو مناسب لاستعارة الإصر. وأصل معنى الإصر ما يُؤصَر به أي يُربط، وتعقد به الأشياء، ويقال له: الإصار - بكسر الهمزة - ثم استعمل مجازاً في العهد والميثاق المؤكّد فيما يصعب الوفاء به، ومنه قوله في آل عمران (81): { أية : قال آقررتم وأخذتم على ذلكم إصري } تفسير : وأطلق أيضاً على ما يثقل عمله، والامتثالُ فيه، وبذلك فسّره الزجاج والزمخشري هنا وفي قوله، في سورة الأعراف (157): { أية : ويضع عنهم إصرهم } تفسير : وهو المقصود هنا، ومن ثم حسنت استعارة الحَمْل للتكليف، لأنّ الحمل يناسب الثِقَل فيكون قوله: ولا تحمِلْ} ترشيحاً مستعاراً لملائم المشبّه به وعن ابن عباس: {ولا تحمل علينا إصراً} عهداً لا نفي به، ونعذّب بتركه ونقضه». وقوله: {كما حملته على الذين من قبلنا} صفة لـ {إصراً} أي عهداً من الدين، كالعهد الذي كلّف به من قبلنا في المشقة، مثل ما كلّف به بعض الأمم الماضية من الأحكام الشاقّة مثل أمر بني إسرائيل بتيه أربعين سنة، وبصفات في البقرة التي أمروا بذبحها نادرة ونحو ذلك، وكل ذلك تأديب لهم على مخالفات، وعلى قلة اهتبال بأوامر الله ورسوله إليهم، قال تعالى في صفة محمد صلى الله عليه وسلم « حديث : ويضع عنهم إصرهم » تفسير : . وقوله: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} أي ما لا نستطيع حمله من العقوبات. والتضعيف فيه للتعدية. وقيل: هذا دعاء بمعافاتهم من التكاليف الشديدة، والذي قبله دعاء بمعافاتهم من العقوبات التي عوقبت بها الأمم. والطاقة في الأصل الإطاقة خفّفت بحذف الهمزة كما قالوا: جابة وإجابة وطاعة وإطاعة. والقول في هذين الدعاءين كالقول في قوله: {ربنا لا تؤاخذنا}. وقوله: {واعف عنا واغفر لنا} لم يؤت مع هذه الدعوات بقوله ربّنا، إمّا لأنّه تكرّر ثلاث مرات، والعرب تكره تكرير اللفظ أكثر من ثلاث مرات إلاّ في مقام التهويل، وإمّا لأنّ تلك الدعوات المقترنة بقوله: {ربنا} فروع لهذه الدعوات الثلاث، فإذا استجيب تلك حصلت إجابة هذه بالأوْلى؛ فإنّ العفو أصل لعدم المؤاخذة، والمغفرةَ أصل لرفع المشقة والرحمة أصل لعدم العقوبة الدنيوية والأخروية، فلمّا كان تعميماً بعد تخصيص، كان كأنّه دعاء واحد. وقوله: {أنت مولانا} فصله لأنّه كالعلّة للدعوات الماضية: أي دعوناك ورجونا منك ذلك لأنّك مولانا، ومن شأن المولى الرفقُ بالمملوك، وليكون هذا أيضاً كالمقدمة للدعوة الآتية. وقوله: {فانصرنا على القوم الكافرين} جيء فيه بالفاء للتفريع عن كونه مولى، لأنّ شأن المولى أن ينصر مولاه، ومن هنا يظهر موقع التعجيب والتحسير في قول مرة بن عداء الفقعسي: شعر : رأيتُ مَوَالِيّ الألَى يخذلونني على حدثَانِ الدّهْرِ إذْ يَتَقلّب تفسير : وفي التفريع بالفاء إيذان بتأكيد طلب إجابة الدعاء بالنصر، لأنّهم جعلوه مرتّباً على وصف محقّق، وهو ولاية الله تعالى المؤمنين، قال تعالى: { أية : اللَّه ولي الذين آمنوا } تفسير : [البقرة: 257] وفي حديث يوم أحد لَمَّا قال أبو سفيان: «لَنا العُزّى ولا عُزَّى لكم» قال النبي صلى الله عليه وسلم أجيبوه « حديث : الله مولانا ولا مولَى لكم » تفسير : . ووجه الاهتمام بهذه الدعوة أنّها دعوة جامعة لخيري الدنيا والآخرة؛ لأنّهم إذا نصروا على العدوّ، فقد طاب عيشهم وظهر دينهم، وسلموا من الفتنة، ودخل الناس فيه أفواجاً. وفي «الصحيح»، عن أبي مسعود الأنصاري البدري: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة، في ليلة، كفتاه » تفسير : وهما من قوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} إلى آخر السورة. قيل معناه كفتاه عن قيام الليل، فيكون معنى من قرأ من صلَى بهما، وقيل معناه كفتاه بركة وتعوّذا من الشياطين والمضارّ، ولعلّ كلا الاحتمالين مراد.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا}. لم يبين هنا هل أجاب دعاءهم هذا أو لا؟ وأشار إلى أَنه أجابه بقوله في الخطأ: {أية : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ}تفسير : [الأحزاب: 5] الآية. وأشار إلى أنه اجابه في النسيان بقوله: {أية : وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأنعام: 68] فإنه ظاهر في أنه قبل الذكرى لا إثم عليه في ذلك ولا يقدح في هذا أن آية {{وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ} مكية وآية {لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ} مدنية إذ لا مانع من بيان المدني بالمكي كعكسه. وقد ثبت في صحيح مسلم أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} قال الله تعالى نعم. قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا}. لم يبين هنا هل أجاب دعاءهم هذا أو لا؟ ولم يبين الإصر الذي كان محمولاً على من قبلنا، وبين أنه أجاب دعاءهم هذا في مواضع أخر كقوله: {أية : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الأعراف: 157] وقوله: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة: 286] وقوله: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [الحج: 78] وقوله: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ} تفسير : [البقرة: 185] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وأشار إلى بعض الإصر الذي حمل على من قبلنا بقوله: {أية : فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة: 54]. لأن اشتراط قتل النفس في قبول التوبة من أعظم الإصر، والإصر الثقل في التكليف ومنه قول النابغة: شعر : يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم والحامل الإصر عنهم بعدما عرفوا
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 286- إن الله لا يكلف عباده إلا ما يستطيعون تأديته والقيام به، ولذلك كان كل مكلف مجزياً بعمله: إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فاضرعوا إلى الله - أيها المؤمنون - داعين: ربنا لا تعاقبنا إن وقعنا فى النسيان لما كلفتنا إياه، أو تعرضنا لأسباب يقع عندها الخطأ، ربنا ولا تُشدِّد علينا فى التشريع كما شددت على اليهود بسبب تعنتهم وظلمهم، ولا تكلفنا ما لا طاقة لنا به من التكاليف، واعف عنا بكرمك، واغفر لنا بفضلك، وارحمنا برحمتك الواسعة. إنك مولانا، فانصرنا يا رب - من أجل إعلاء كلمتك ونشر دينك - على القوم الجاحدين.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَوْلاَنَا} {ٱلْكَافِرِينَ} (286) - لاَ يُكَلِّفُ اللهُ أحَداً فَوْقَ طَاقَتِهِ، وَهذا مِنْ لُطْفِ اللهِ بِخَلْقِهِ. وَللنَّفْسِ مَا كَسَبَتْ مِنْ خَيْرٍ. وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ مِنْ شَرٍّ، مِنْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ. وَأرْشَدَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ إلى دُعَائِهِ وَاسْتِرْحَامِهِ، وَالضَّرَاعَةِ إليهِ، وَذَلِكَ بِأنْ يَقُولُوا: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ تَرَكْنا فَرْضَنَا وَنَحْنُ نَاسُونَ أوِ ارْتَكَبْنَا مُحَرَّماً وَنَحْنُ نَاسُونَ أوْ مُخْطِئُونَ، أوْ عَنْ جَهْلٍ بِوَجْهِهِ الشَّرْعِيِّ، رَبَّنا وَلا تُكَلِّفْنا مِنَ الأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ وَإنْ أَطَقْنَاهَا، كَمَا شَرَّعْتَهُ لِلأمَمِ السَّالِفَةِ مِنَ الأغْلاَلِ وَالآصَارِ، رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ مِنَ التَّكْلِيفِ وَالمَصَائِبِ وَالبَلاَءِ، وَاعْفُ عَنَّا فِيمَا بَيْنَنا وَبَيْنَكَ، وَاغْفِرْ لَنَا فِيمَا بَيْنَنا وَبَيْنَ العِبَادِ، فَلاَ تُظْهِرْهُمْ عَلَى أَعْمَالِنا القَبِيحَةِ وَمَسَاوئِنا، وَارْحَمْنَا لِكَيْلاَ نَقَعَ مُسْتَقْبَلاً في ذَنبٍ، أنْتَ وَلِيُّنا وَمَوْلاَنا، فَانْصُرْنا عَلَى القَوْمِ الذِينَ كَفَرُوا بِكَ، وَجَحَدُوا دينك. وُسْعَهَا - طَاقَتَها وَمَا تَقْدِرُ عَلَيهِ. إصْراً - عِبْئاً ثَقِيلاً وَهُوَ التَّكَالِيفُ الشَّاقَّةُ. لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ - لاَ قُدْرَةَ لَنَا عَلَى القِيَامِ بِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] إنّه سبحانه لم يكلفكم إلا ما هو في الوسع. لماذا؟ لأن الأحداث بالنسبة لعزم النفس البشرية ثلاثة أقسام: القسم الأول: هو ما لا قدرة لنا عليه، وهذا بعيد عن التكليف. القسم الثاني: لنا قدرة عليه لكن بمشقة أي يجهد طاقتنا قليلا. القسم الثالث: التكليف بالوسع. إذن {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] أي أن الحق لا يكلف النفس إلا بتكليف تكون فيه طاقتها أوسع من التكليف، كلف الحق كل مسلم بالصلاة خمسة فروض كل يوم، وتملأ أوقاتها بالصلاة وكان من الممكن أن تكون عشرة، بدليل أن هناك أناساً يتطوعون وهو سبحانه كلف كل مسلم بالصوم شهراً، ألا يوجد من يصوم ثلاثة أشهر؟ ومثل هذا في الزكاة؛ فهناك من كان يخرج عن ماله كله لله، ولا يقتصر على ما يجب عليه من زكاة. إذن فهذا في الوسع، ومن الممكن أن تزيد، إذن فالأشياء ثلاثة: شيء لا يدخل في القدرة فلا تكليف به، شيء يدخل في القدرة بشيء من التعب، وشيء في الوسع، والحق حين كلف، كلف ما في الوسع. وما دام كلف ما في الوسع فإن تطوعت أنت بأمر زائد فهذا موضوع آخر {أية : فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} تفسير : [البقرة: 184] ما دمت تتطوع من جنس ما فرض. إذن فالتكليف في الوسع وإلا لو لم يكن في الوسع لما تطوعت بالزيادة. فسبحانه يقول: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ويأتي بعد ذلك ليعلمنا فيقول: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286]، وهو القائل: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] إذن - سبحانه - يكلفنا بما نقدر عليه ونطيقه. فقد روي أن الله حينما سمع رسوله وسمع المؤمنين يقولون: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} [البقرة: 286] قال سبحانه: قد فعلت. وعندما قالوا: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] قال سبحانه: قد فعلت. ولم يكلفنا سبحانه إلا بما في الوسع، وهو القدر المشترك عند كل المؤمنين. وهناك أناس تكون همتهم أوسع من همة غيرهم، ومن تتسع همته فإنه يدخل بالعبادات التي يزيد منها في باب التطوع، ومن لا تتسع همته فهو يؤدي الفروض المطلوبة منه فقط وعندما يطرأ على الإنسان ما يجعل الحكم في غير الوسع؛ فإن الله يخفف التكليف؛ فالمسافر تقول له الشريعة: أنت تخرج عن حياتك الرتيبة، وتذهب إلى أماكن ليس لك بها مستقر، لذلك يخفف الحق عليك التكليف؛ فلك أن تفطر في نهار رمضان، ولك أن تُقصر الصلاة. والحق سبحانه يعلم أن الوسع قد يضيق. لذلك فإنه - جل شأنه - يخفف حكم التكليف ويمنح الرخص عند ضيق الوسع، ومثال ذلك قوله الحق: {أية : ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّأْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ ..}تفسير : [الأنفال: 66]. كانت النسبة في القتال قبل هذه الآية هي واحداً لعشرة، وخففها الحق وجعلها واحداً إلى اثنين لأن هناك ضعفاً، وهكذا نرى أنه سبحانه سيخفف التكليف إذا ما زاد عن الوسع. وكثير من الناس يخطئون التفسير؛ فيقولون عن بعض التكاليف: إنها فوق وسعهم ولهؤلاء نقول: لا. لا تحدد أنت الوسع، ثم تقيس التكليف عليه، بل انظر هل كلفك أو لم يكلفك؟ فإذا كان قد كلفك الحق فاحكم بأنه كلفك بما في الوسع، وكل تكاليف الرحمن تدخل في الوسع {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286]. و"لها" تفيد الملكية والاختصاص وهي ما تُفيد وتُكْسِبُ النفسَ ثواباً، و"عليها" تفيد الوزر، ونلاحظ أن كل "لها" جاءت مع "كسبت"، وكل "عليها" جاءت مع "اكتسبت" إلا في آية واحدة يقول فيها الحق:{أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}تفسير : [البقرة: 81]. وهنا وقفة في الأسلوب؛ لأن "كسب" تعني أن هناك فرقاً في المعالجة الفعلية الحدثية بينها وبين كلمة "اكتسبت"، لأن "اكتسب" فيها "افتعل" أي تكلف، وقام بفعل أخذ منه علاجاً، أما "كسب" فهو أمر طبيعي إذن فـ "كسب" غير "اكتسب" وكل أفعال الخير تأتي كسباً لا اكتساباً. مثال ذلك عندما ينظر الرجل إلى زوجته، ويرى جمالها، فهل هو يفتعل شيئاً، أو أن ذلك أمر طبيعي؟ إنه أمر طبيعي، ولكن عندما ينظر الرجل إلى غير محارمه فإنه يرقب هل يرى أحد النظرة؟ وهل رآه أحد من الناس؟ وهل سينال سخرية واستهزاء على ذلك الفعل أو لا؟ لماذا؟ لأنه ارتكب عملاً مفتعلاً. مثال آخر، إنسان يأكل من ماله، أو من مال أبيه، إنه يأكل كأمر طبيعي، أما من يدخل بستاناً ويريد أن يسرق منه فهو يتكلف ذلك الفعل، ويريد أن يستر نفسه، فصاحب الشر يفتعل، أما صاحب الخير فإن أفعاله سهلة لا افتعال فيها .. فالشر هو الذي يحتاج إلى افتعال. والمصيبة الكبرى ألا يحتاج الشر إلى افتعال؛ لأن صاحبه يصير إلى بلادة الحس الإيماني، وتكون الشرور بالنسبة إليه سهلة؛ لأنه تعود عليها كثيراً، ويقول الحق: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} تفسير : [البقرة: 81] إن الخطيئة تحيط به من كل ناحية، ولم يعد هناك منفذ، وهو لا يفتعل حتى صارت له ملكة في الشر؛ فاللص مثلاً في بداية عمله يخاف ويترقب، لكن عندما تصبح اللصوصية مهنته فإنه يحمل أدوات السرقة ويصير حسه متبلداً. ففي المرحلة الأولى من الشر يكون أهل الشر في حياء من فعل الشر، وذلك دليل على أن ضمائرهم وقلوبهم ما زال فيها بعض من خير، لكن عندما يعتبرون الشر حرفة وملكة فهنا المصيبة، وتحيط بكل منهم خطيئته وتطوقه ولا تجعل له منفذاً إلى الله ليتوب. فالذي يلعب الميسر، أو طوقته خطيئة الفحش قد يقول فرحاً: "كانت سهرة الأمس رائعة"، أما الذي يرتكب الخطأ لأول مرة فإنه يقول: "كانت ليلة سوداء يا ليتها ما حدثت"، ويظل يؤنب نفسه ويلومها؛ لأنه تعب وأرهق نفسه؛ لأنه ارتكب الخطأ. إذن فقول الحق: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] يوضح لنا أن فعل الشر هو الذي يحتاج إلى مجهود، فإن انتقلت المسألة من اكتسبت إلى كسبت فهذه هي الطامة الكبرى، ويكون قد أحاطت به خطيئته. ويكون على كل نفس ما اكتسبت. والعاقل هو من يكثر ما لنفسه، لا ما عليها؛ لأن الذي يقول ذلك هو الحق العالم المالك الذي إليه المصير، فليس من هذا الأمر فِكاك. وبعد ذلك يقول الحق على لسان عباده المؤمنين: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]، ولقائل أن يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم طمأننا، فقال:"حديث : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه ". تفسير : فكيف يأتي القرآن بشيء مرفوع عن الأمة الإسلامية ليدعو به الناس ربهم ليرفعه عنهم؟. على مثل هذا القائل نرد: هل قال لك أحد: إن رفع الخطأ والنسيان والاستكراه كان من أول الأمر؟. لعل الرفع حدث بعد أن دعا الرسول والسابقون من المؤمنين، فما دام قد رُفِعَ - بضم الراء وكسر الفاء وفتح العين - فمعنى ذلك أنه كان موجوداً، إذن فلا يقولن أحد: كيف تدعو بشيء غير موجود. أو أن ذلك يدل على منتهى الصفاء الإيماني، أي الله يجب ألاّ يُعْصى إلا خطأً أو نسياناً، وأن الله لا يصح ولا يستقيم أن يُعصى قصداً؛ لأن الذي يعرف قدر الله حقاً، لا يليق منه أن يعصي الله إلا نسياناً أو خطأ؛ لأن الخالق هو المنعم بكل النعم، وبعد ذلك كلفنا، وكان يجب ألا نقصد المعصية. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى قد سمى ما حدث من آدم معصية مع أنه يقول: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}تفسير : [طه: 115]. وسمى الله النسيان في قصة آدم معصية: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} تفسير : [طه: 121] فكان النسيان أولاً معصية، ولكن الله أكرم أمة محمد، فرفع عنها النسيان. وفي مسألة آدم هناك ملحظ يجب على المؤمن أن يتنبه إليه؛ فآدم خُلِقَ بيد الله، ونحن مخلوقون بقانون التكاثر، وآدم تلقى التكليف من الله مباشرة وليس بواسطة رسول، وكُلِّفَ بأمر واحد وهو ألا يأكل من الشجرة. فإذا كان آدم مخلوقاً من الله مباشرة ومكلفاً من الله مباشرة، ولم يكلف إلا بأمر واحد وهو ألا يقرب هذه الشجرة، ولم تكن هناك تكاليف كثيرة فماذا نسى؟ وماذا تذكر؟ إنها معصية إذن. لقد كان النسيان بالنسبة لآدم معصية؛ لأنه مخلوق بيد الله. {أية : قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ..}تفسير : [ص: 75]. لذلك فلم يكن من المناسب أن ينسى هذا التكليف الواحد، وما كان يصح له أن ينسى، وَلَعلّ سيدنا آدم نُسِّيَ لحكمة يعلمها الله رُبَّما تكون ليعمر الأرض التي جعله الله خليفة فيها؛ أما بالنسبة لأمة محمد فحينما نقول: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] فكأننا يا رب نقدرك، حق قدرك، ولا نجترئ على عصيانك عمداً، وإن عصينا فإنما يكون العصيان نسياناً أوْ خطأ، وهذه معرفة لقدر الحق سبحانه وتعالى. ولكن ما النسيان؟ وما الخطأ؟ أولاً فيه "أخْطَأ" وفيه "خَطِئَ" و"الخِطْء" لا يكون إلا إثما؛ لأنه تعمد ما لا ينبغي، فأنت تعلم قاعدة وتخطئ، والذي أخطأ قد لا يعرف القاعدة، فأنت تصوب له خطأه لأنه حاد عن الصواب. ومثال ذلك: عندما تتعلم في المدرسة أن الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، وفي وسط السنة يصححون لك القاعدة حتى تستقر في ذهنك، إنما في أيام الامتحان أيصحح لك المدرس أم يؤاخذك؟ إنه يؤاخذك؛ لأنك درست طوال السنة هذه القاعدة، إذن ففيه خَطِئ وفيه أخطأ، فأخطأ مرة تأتي عن غير قصد؛ لأنه لا توجد قاعدة أنا خالفتها، أو لم أعرف القاعدة وإنما نطقت خطأ؛ لأنهم لم يقولوا لي، أو قالوا لي مرة ولم أتذكر، أي لم تستقر المسألة كملكة في نفسي؛ لأن التلميذ يخطئ في الفاعل والمفعول مدة طويلة، وبعد ذلك ينضج وتصير اللغة ملكة في نفسه إن كان مواظباً على صيانتها. كان التلميذ في البداية يقول: قطع محمد الغصن، ولا يقولها مُشَكَّلةً ولكن يسكن الآخر في نهاية نطقه لاسم محمد، وساعة يتذكر القاعدة ينطقها "محمد" بالرفع وينطق "الغصن" بالنصب لماذا؟ لأنه ترد ثلاث قواعد على ذهنه، هذه فاعل والفاعل حكمة الرفع، فهي مرفوعة، فهو يمر بقضية عقلية، لكن بعدما يمر عليها يقرأها صحيحة وقد لا يتذكر القاعدة، فقد صارت المسألة ملكة لغوية عنده، هذه الملكة اللغوية مثلما نقول: "صارت آلية". ومثال ذلك الصبي الذي يتعلم الخياطة، انظر كم من الوقت يمر ليتعلم كيف يمسك بخيط ليدخله في سم الإبرة، وقد يضربه معلمه أكثر من مرة ليتعلمها؛ وفتلة الخيط تنثني منه لأنها طويلة فيقصرها ثم لا تدخل في العين فيبرمها لتدخل، إنه يأخذ وقتاً كثيراً ثم يعمل الغرزة فتخرج غير منتظمة وبعد ذلك يظل مدة، ثم يفعل كل هذه الأعمال بتلقائية وهو يتكلم مع غيره؛ لأن هذه الأعمال صارت ملكة ذاتية أي عملاً آلياً. والتدريب على العمل الذهني - حسب قواعد محددة مثل تعلم اللغة - نسميه ملكة. أما التدريب على عمل الجوارح - مثل إدخال الخيط في سم الإبرة - نسميه آلية. وعلى سبيل المثال في العمل الذهني عندما تسأل سؤالاً في الفقه لطالب في الأزهر فإنه يحتار قليلاً إلى أن يتعرف على الباب الذي فيه إجابة للسؤال، أما إذا سألت السؤال نفسه لعالم مدرب فبمجرد أن توجه له السؤال فإنه يقول لك الحكم والباب الذي فيه هذا الحكم، لقد صار الفقة بالنسبة للعالم ملكة. ويقول الحق من بعد ذلك: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} [البقرة: 286] والإصر هو الشيء الثقيل الذي يثقل على الإنسان، ومثال ذلك الإصر الذي نزل على اليهود "إن أردتم التوبة فاقتلوا أنفسكم أو تصدقوا أو زكوا بربع أموالكم" لكن الله لم يعاملنا كما عامل الأمم السابقة علينا، وعندما نقول: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] فنحن نصدق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله نعم" ومعنى قال الله نعم أنه سبحانه وتعالى أجاب الدعاء برفع المشقة عن الأمة. أي أن الله لن يحملنا ما لا طاقة لنا به. وعندما نقول: {وَٱعْفُ عَنَّا} [البقرة: 286] فنحن نتوجه إلى الله ضارعين: أنت يا حق تعلم أننا مهما أوتينا من اليقظة الإيمانية والحرص الورعي فلن نستطيع أن نؤدي حقك كاملاً، ولذلك لا ندخل عليك إلا من باب أن تعفو عنا. ومعنى العفو محو الأثر، كالسائر في الصحراء تترك قدماه علامة، وتأتي الريح لتزيل هذا الأثر. كأن هناك ذنباً والذنب له أثر، وأنت تطلب من الله أن يمحوا الذنب. وعندما تقول: {وَٱغْفِرْ لَنَا} [البقرة: 286] فأنت تعرف أن من مظاهر التكوين البشري النية التي تريد أن تحول العزم إلى حيز السلوك والانفعال النزوعي؛ فالمسألة تحتاج منك إلى تدريب، ومثال ذلك، عندما يذنب واحد في حقك فلك أن ترد عليه الذنب بالذنب، ولك أن تكظم الغيظ، لكن يظل الغيظ موجوداً وأنت تحبسه، ولك أن تعفو. لكن ماذا عن مثل هذا الأمر بالنسبة للخالق الذي له كمال القدرة؟ إن الله قد لا يعذب العبد المذنب ولكنه قد يظل غاضباً عليه، ومن منا قادر على أن يتحمل غضب الرب؟ لذلك نطلب المغفرة، ونقول: {وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ} [البقرة: 286] فنحن ندعوه سبحانه ألا يدخلنا في الذنب الذي يؤدي إلى غضبه - والعياذ بالله - علينا. فالعفو هو أن نرتكب ذنباً ونطلب من الله المغفرة، ولكن الرحمة هي الدعاء بألا يدخلنا في الذنب أصلاً. وعندما يقول الحق: {أَنتَ مَوْلاَنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} [البقرة: 286] فهذا اعتراف بعبوديتنا له، وأنه الحق خالقنا ومتولي أمورنا وناصرنا، وما دام الحق هو ناصرنا، فهو ناصرنا على القوم الكافرين؛ فكان ختام سورة البقرة منسجماً مع أول سورة البقرة في قوله: {أية : الۤمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} تفسير : [البقرة: 1-3]. في أول السورة ضرب الله المثل بالكافرين والمنافقين .. وفي ختامها يقول الحق دعاء على لسان المؤمنين: {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} [البقرة: 286] هذا القول يدل على استدامة المعركة بين الإيمان والكفر، وأن المؤمن يأخذ أحكام الله دائماً لينازل بها الكفر أيّان وُجِد ذلك الكفر، ويثق المؤمن تمام الثقة أن الله متوليه؛ لأن الله مولى الذين آمنوا، أما الكافرون فلا مولى لهم. فإذا كان الله هو مولى المؤمن، وإذا كان الكافر لا مولى له، فمعنى ذلك أنه يجب أن تظل المعركة بين المؤمن والكافر قائمة، بحيث إذا رأى المؤمن اجتراءً على الإسلام في أي صورة من صوره فليثق بأن الله ناصره، وليثق بأن الله معه، وليثق المؤمن أن الله لا يطلب منه إلا أن ينفعل بحكمه وتأييده بالنصر؛ لأنه هو الذي يَغْلب فهو القائل جل وعلا: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} تفسير : [التوبة: 14]. يجب أن تظل دائماً مؤمناً متيقظاً لعملية الكفر في أي لون من ألوانها؛ فهذا الكفر بعملياته يريد أن يشوه حركة الحياة وأن يتعب الكون، وأن يجعل القوانين الوضعية البشرية هي المسيطرة، كما يجب عليك أيها المؤمن أن تكون من المتقين الذين استهل بهم الله سورة البقرة، وبعد ذلك تسأل الله أن ينصرك دائماً على القوم الكافرين. هذا هو مسك الختام من سورة البقرة {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} [البقرة: 286]. وختام السورة بهذا النص يوحي بأن الذي آمن يجب أن يعدي إيمانه بربه إلى الخلق جميعاً، حتى تتساند حركة الحياة، ولا توجد فيها حركة مؤمن على هدى لتصطدم بحركة كافر على ضلال؛ لأن في ذلك إرهاقاً للنفس البشرية، وتعطيلاً للقوى والمواهب التي أمد الله بها ذلك الإنسان الذي سخر من أجله كل الوجود، فلا يمكن أن يعيش الإنسان الذي سوّده الله وكرّمَه على سائر الخلق إلا في أمان واطمئنان وسلام وحركة تتعاون وتتساعد لتنهض بالمجتمع الذي تعيش فيه نهضة عمرانية تؤكد للإنسان حقاً أنه هو خليفة الله في الأرض. ولا يكتفي الإيمان منا بأن يؤمن الفرد إيماناً يعزله عن بقية الوجود، لأنه يكون في ذلك قد خسر حركة الحياة في الدنيا، والله يريد له أن يأخذ الدنيا تخدمه كما شاء الله لها أن تكون خادمة، فحين يعدي المؤمن إيمانه إلى غيره ينتفع بخير الغير، وإن اكتفى بإيمان نفسه فقط وترك الغير في ضلاله، انتفع الغير بخير إيمانه وأصابته مضرة الكافر وأذاه. إذن فمن الخير له أن يؤمن الناس جميعاً، ويجب أن يعدي ذلك الإيمان إلى الغير. ولكن الغير قد يكون منتفعاً بالضلال؛ لأنه يؤيد به طغيانه، عندئذ تنشأ المعركة، تلك المعركة التي غاية كل من دخل فيها أن ينتصر، فيعلمنا الله أن نطلب النصر على الكافرين منه؛ لأن النصر على الكافرين لا يعتبر نصراًَ حقيقياً إلا إن أَصَّل صفات الخير في الوجود كله، وحين تتأصل صفات الخير في الوجود كله يكون المؤمن قد انتصر بحق. وحين يطلب منا الله أن نسأله أن ينصرنا لابد أن نكون على مطلوب الله منا في المعركة، بأن نكون جنوداً إيمانيين بحق. وقد عرفنا أن المؤمنين حين يدخلون في معركة مع غيرهم يستطيعون أن يحددوا مركزهم الإيماني من غاية المعركة. فإن انتهت المعركة بنصرهم وغلبتهم علموا أنهم من جنود الله، وإن هُزموا وغُلبوا فليراجعوا أنفسهم؛ لأن الله أطلقها قضية إيمانية في كتابه الذي حفظه فقال: {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [الصافات: 173]. فإن لم نغلب فلننظر في نفوسنا: ما الذي أخللنا به من واجب الجندية لله. وحين يعلمنا الحق أن نقول: {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} [البقرة: 286]، أي بعد أن أخذنا أسباب وجودنا من مادة الأرض المخلوقة لنا بالفكر المخلوق لله، نعمل فيها بالطاقة المخلوقة لله، وحينئذ نكون أهلاً للنصر من الله؛ لأن الحق سبحانه وتعالى قد مد يده بأسباب النصر: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ..}تفسير : [الأنفال: 60]. حينئذ لا تخافون أبداً؛ لأن لله جنوداً لم تروها، ولا يتدخل الله بالجنود غير المرئية لنا إلا إذا استنفدنا نحن أسباب الله الممدودة لنا. وحين يختم الحق سبحانه وتعالى سورة البقرة وهي الزهراء الأولى لتأتي بعدها الزهراء الثانية وهي سورة آل عمران نجد أن هذا هو الترتيب القرآني (الآن) وهو ليس على ترتيب النزول الذي حدث، فللقرآن ترتيبان: ترتيب نزولي حين نزلت الآيات لتعالج حدثاً وقع للأمة المسلمة في صراعها مع الكافرين بربهم، وفي تربيته لنفوسهم، فكانت كل آية تأتي لتعالج حادثة. والأحداث في الوجود إنما تأتي على أيدي البشر، فليس من المعقول أن تنزل آيات من القرآن. تعالج أحداثاً أخرى لا صلة بينها وبين ما يجري من أحداث في المجتمع الإسلامي أو ما ينشأ في الكون من قضايا. إذن فلابد أن توجد الأحداث أولاً، ويأتي بعدها النص القرآني ليعالج هذه الأحداث، ولكن بعد أن اكتمل الدين كما قال الله: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً ..}تفسير : [المائدة: 3]. جاء الترتيب الذي يرتب القضايا ترتيباً كلياً، لأنه عالجها من قبل علاجاً جزئياً. فحين نقول: إن هذه السورة نزلت بعد كذا، أو فيها آية كذا، نزلت بعد كذا، ونجد أن ذلك يختلف عن النسق النزولي نعلم أن لله سبحانه وتعالى في كتابه ترتيبين: الترتيب الأول: حسب النزول. والترتيب الثاني: الذي وُجد عليه القرآن الآن وتمت به كلمة الله في خدمة الهداية الإيمانية وهذا الأخير من عند الله أيضاً.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {إِلاَّ وُسْعَهَا} معناهُ إِلا طَاقَتَها. تفسير : وقولهُ تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ} معناه تَركنا {أَوْ أَخْطَأْنَا} معناه جَهِلْنَا. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً} أَي ثِقْلاً، والإِصْرُ أَيضاً العَهدُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما نزل قوله تعالى { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } شق ذلك على المسلمين لما توهموا أن ما يقع في القلب من الأمور اللازمة والعارضة المستقرة وغيرها مؤاخذون به، فأخبرهم بهذه الآية أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها أي: أمرا تسعه طاقتها، ولا يكلفها ويشق عليها، كما قال تعالى { ما جعل عليكم في الدين من حرج } فأصل الأوامر والنواهي ليست من الأمور التي تشق على النفوس، بل هي غذاء للأرواح ودواء للأبدان، وحمية عن الضرر، فالله تعالى أمر العباد بما أمرهم به رحمة وإحسانا، ومع هذا إذا حصل بعض الأعذار التي هي مظنة المشقة حصل التخفيف والتسهيل، إما بإسقاطه عن المكلف، أو إسقاط بعضه كما في التخفيف عن المريض والمسافر وغيرهم، ثم أخبر تعالى أن لكل نفس ما كسبت من الخير، وعليها ما اكتسبت من الشر، فلا تزر وازرة وزر أخرى ولا تذهب حسنات العبد لغيره، وفي الإتيان بـ "كسب "في الخير الدال على أن عمل الخير يحصل للإنسان بأدنى سعي منه بل بمجرد نية القلب وأتى بـ "اكتسب "في عمل الشر للدلالة على أن عمل الشر لا يكتب على الإنسان حتى يعمله ويحصل سعيه، ولما أخبر تعالى عن إيمان الرسول والمؤمنين معه وأن كل عامل سيجازى بعمله، وكان الإنسان عرضة للتقصير والخطأ والنسيان، وأخبر أنه لا يكلفنا إلا ما نطيق وتسعه قوتنا، أخبر عن دعاء المؤمنين بذلك، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قال: قد فعلت. إجابة لهذا الدعاء، فقال { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } والفرق بينهما: أن النسيان: ذهول القلب عن ما أمر به فيتركه نسيانا، والخطأ: أن يقصد شيئا يجوز له قصده ثم يقع فعله على ما لا يجوز له فعله: فهذان قد عفا الله عن هذه الأمة ما يقع بهما رحمة بهم وإحسانا، فعلى هذا من صلى في ثوب مغصوب، أو نجس، أو قد نسي نجاسة على بدنه، أو تكلم في الصلاة ناسيا، أو فعل مفطرا ناسيا، أو فعل محظورا من محظورات الإحرام التي ليس فيها إتلاف ناسيا، فإنه معفو عنه، وكذلك لا يحنث من فعل المحلوف عليه ناسيا، وكذلك لو أخطأ فأتلف نفسا أو مالا فليس عليه إثم، وإنما الضمان مرتب على مجرد الإتلاف، وكذلك المواضع التي تجب فيها التسمية إذا تركها الإنسان ناسيا لم يضر. { ربنا ولا تحمل علينا إصرا } أي: تكاليف مشقة { كما حملته على الذين من قبلنا } وقد فعل تعالى فإن الله خفف عن هذه الأمة في الأوامر من الطهارات وأحوال العبادات ما لم يخففه على غيرها { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } وقد فعل وله الحمد { واعف عنا واغفر لنا وارحمنا } فالعفو والمغفرة يحصل بهما دفع المكاره والشرور، والرحمة يحصل بها صلاح الأمور { أنت مولانا } أي: ربنا ومليكنا وإلهنا الذي لم تزل ولايتك إيانا منذ أوجدتنا وأنشأتنا فنعمك دارة علينا متصلة عدد الأوقات، ثم أنعمت علينا بالنعمة العظيمة والمنحة الجسيمة، وهي نعمة الإسلام التي جميع النعم تبع لها، فنسألك يا ربنا ومولانا تمام نعمتك بأن تنصرنا على القوم الكافرين، الذين كفروا بك وبرسلك، وقاوموا أهل دينك ونبذوا أمرك، فانصرنا عليهم بالحجة والبيان والسيف والسنان، بأن تمكن لنا في الأرض وتخذلهم وترزقنا الإيمان والأعمال التي يحصل بها النصر، والحمد لله رب العالمين. تم تفسير سورة البقرة بعون الله وتوفيقه وصلى الله على محمد وسلم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):