٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : أما تفسير {الم } فقد تقدم في سورة البقرة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو بكر عن عاصم {الم، ٱللَّهُ } بسكون الميم، ونصب همزة: الله، والباقون موصولاً بفتح الميم، أما قراءة عاصم فلها وجهان الأول: نية الوقف ثم إظهار الهمزة لأجل الابتداء والثاني: أن يكون ذلك على لغة من يقطع ألف الوصل، فمن فصل وأظهر الهمزة فللتفخيم والتعظيم، وأما من نصب الميم ففيه قولان: القول الأول: وهو قول الفراء واختيار كثير من البصريين أن أسماء الحروف موقوفة الأواخر، يقول: ألف، لام، ميم، كما تقول: واحد، إثنان، ثلاثة، وعلى هذا التقدير وجب الابتداء بقوله: الله، فإذا ابتدأنا به نثبت الهمزة متحركة، إلا أنهم أسقطوا الهمزة للتخفيف، ثم ألقيت حركتها على الميم لتدل حركتها على أنها في حكم المبقاة بسبب كون هذه اللفظة مبتدأ بها. فإن قيل: إن كان التقدير فصل إحدى الكلمتين عن الأخرى امتنع إسقاط الهمزة، وإن كان التقدير هو الوصل امتنع بقاء الهمزة مع حركتها، وإذا امتنع بقاؤها امتنعت حركتها، وامتنع إلقاء حركتها على الميم. قلنا: لم لا يجوز أن يكون ساقطاً بصورته باقياً بمعناه فأبقيت حركتها لتدل على بقائها في المعنى هذا تمام تقرير قول الفرّاء. والقول الثاني: قول سيبويه، وهو أن السبب في حركة الميم التقاء الساكنين، وهذا القول رده كثير من الناس، وفيه دقة ولطف، والكلام في تلخيصه طويل. وأقول: فيه بحثان أحدهما: سبب أصل الحركة، والثاني: كون تلك الحركة فتحةً. أما البحث الأول: فهو بناء على مقدمات: المقدمة الأولى: أن الساكنين إذا اجتمعا فإن كان السابق منهما حرفاً من حروف المد واللين لم يجب التحريك، لأنه يسهل النطق بمثل هذين الساكنين، كقولك: هذا إبراهيم وإسحاق ويعقوب موقوفة الأواخر، أما إذا لم يكن كذلك وجب التحريك لأنه لا يسهل النطق بمثل هذين، لأنه لا يمكن النطق إلا بالحركة. المقدمة الثانية: مذهب سيبويه أن حرف التعريف هي اللام، وهي ساكنة، والساكن لا يمكن الابتداء به فقدموا عليها همزة الوصل وحركوها ليتوصلوا بها إلى النطق باللام، فعلى هذا إن وجدوا قبل لام التعريف حرفاً آخر فإن كان متحركاً توصلوا به إلى النطق بهذه اللام الساكنة وإن كان ساكناً حركوه وتوصلوا به إلى النطق بهذه اللام، وعلى هذا التقدير يحصل الاستغناء عن همزة الوصل لأن الحاجة إليها أن يتوصل بحركتها إلى النطق باللام، فإذا حصل حرف آخر توصلوا بحركته إلى النطق بهذه اللام، فتحذف هذه الهمزة صورة ومعنى، حقيقة وحكماً، وإذا كان كذلك امتنع أن يقال: ألقيت حركتها على الميم لتدل تلك الحركة على كونها باقية حكماً، لأن هذا إنما يصار إليه حيث يتعلق بوجوده حكم من الأحكام، أو أثر من الآثار، لكنا بينا أنه ليس الأمر كذلك فعلمنا أن تلك الهمزة سقطت بذاتها وبآثارها سقوطاً كلياً، وبهذا يبطل قول الفرّاء. المقدمة الثالثة: أسماء هذه الحروف موقوفة الأواخر، وذلك متفق عليه. إذا عرفت هذه المقدمات فنقول: الميم من قولنا {الم } ساكن ولام التعريف من قولنا {ٱللَّهُ } ساكن، وقد اجتمعا فوجب تحريك الميم، ولزم سقوط الهمزة بالكلية صورة ومعنى، وصح بهذا البيان قول سيبويه، وبطل قول الفرّاء. أما البحث الثاني: فلقائل أن يقول: الساكن إذا حرك حرك إلى الكسر، فلم اختير الفتح ههنا، قال الزجاج في الجواب عنه: الكسر ههنا لا يليق، لأن الميم من قولنا {الم } مسبوقة بالياء فلو جعلت الميم مكسورة لاجتمعت الكسرة مع الياء وذلك ثقيل، فتركت الكسرة واختيرت الفتحة، وطعن أبو علي الفارسي في كلام الزجاج، وقال: ينتقض قوله بقولنا: جير، فإن الراء مكسورة مع أنها مسبوقة بالياء، وهذا الطعن عندي ضعيف، لأن الكسرة حركة فيها بعض الثقل والياء أختها، فإذا اجتمعا عظم الثقل، ثم يحصل الانتقال منه إلى النطق بالألف في قولك {ٱللَّهُ } وهو في غاية الخفة، فيصير اللسان منتقلاً من أثقل الحركات إلى أخف الحركات، والانتقال من الضد إلى الضد دفعة واحدة صعب على اللسان، أما إذا جعلنا الميم مفتوحة، انتقل اللسان من فتحة الميم إلى الألف في قولنا {ٱللَّهُ } فكان النطق به سهلاً، فهذا وجه تقرير قول سيبويه، والله أعلم. المسألة الثانية: في سبب نزول أول هذه السورة قولان: القول الأول: وهو قولُ مقاتل بن سليمان: إن بعض أول هذه السورة في اليهود، وقد ذكرناه في تفسير {أية : الم، ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } تفسير : [البقرة: 1, 2]. والقول الثاني: من ابتداء السورة إلى آية المُباهلة في النَّصارى، وهو قول محمد بن إسحاق قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران ستون راكباً فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم، أحدهم: أميرهم، واسمه عبد المسيح، والثاني: مشيرهم وذو رأيهم، وكانوا يقولون له: السيد، واسمه الأيهم، والثالث: حبرهم وأسقفهم وصاحب مدراسهم، يقال له أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل، وملوك الروم كانوا شرفوه ومولوه وأكرموه لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، فلما قدموا من بحران ركب أبو حارثة بغلته، وكان إلى جنبه أخوه كرز بن علقمة، فبينا بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت، فقال كرز أخوه: تعس الأبعد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو حارثة: بل تعست أمك، فقال: ولم يا أخي؟ فقال: إنه والله النبي الذي كنا ننتظره، فقال له أخوه كرز: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا، قال: لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالاً كثيرة وأكرمونا، فلو آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم لأخذوا منا كل هذه الأشياء، فوقع ذلك في قلب أخيه كرز، وكان يضمره إلى أن أسلم فكان يحدث بذلك، ثم تكلم أولئك الثلاثة: الأمير، والسيد والحبر، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على اختلاف من أديانهم، فتارة يقولون عيسى هو الله، وتارة يقولون: هو ابن الله، وتارة يقولون: ثالث ثلاثة، ويحتجون لقولهم: هو الله، بأنه كان يحيي الموتى، ويبرىء الأكمه والأبرص، ويبرىء الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير، ويحتجون في قولهم: إنه ولد الله بأنه لم يكن له أب يعلم، ويحتجون على ثالث ثلاثة بقول الله تعالى: فعلنا وجعلنا، ولو كان واحداً لقال فعلت فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلموا، فقالوا: قد أسلمنا، فقال صلى الله عليه وسلم كذبتم كيف يصح إسلامكم وأنتم تثبتون لله ولداً، وتعبدون الصليب، وتأكلون الخنزير، قالوا: فمن أبوه؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى في ذلك أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها. ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يناظر معهم، فقال: ألستم تعلمون أن الله حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى، قال ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه؟ قالوا بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه، فهل يملك عيسى شيئاً من ذلك؟ قالوا: لا، قال ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل يعلم عيسى شيئاً من ذلك إلا ما علم؟ قالوا: لا، قال فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، فهل تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث وتعلمون أن عيسى حملته امرأة كحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب، ويحدث الحدث قالوا: بلى فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : فكيف يكون كما زعمتم؟ فعرفوا ثم أبوا إلا جحوداً، ثم قالوا: يا محمد ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ قال: بلى»تفسير : ، قالوا: فحسبنا فأنزل الله تعالى: {أية : فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ } تفسير : [آل عمران: 7] الآية. ثم إن الله تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بملاعنتهم إذ ردوا عليه ذلك، فدعاهم رسول الله إلى الملاعنة، فقالوا: يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما تريد أن نفعل، فانصرفوا ثم قال بعض أولئك الثلاثة لبعض: ما ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبياً قط إلا وفى كبيرهم وصغيرهم، وأنه الاستئصال منكم إن فعلتم، وأنتم قد أبيتم إلا دينكم والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك، ونرجع نحن على ديننا، فابعث رجلاً من أصحابك معنا يحكم بيننا في أشياء قد اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضا، فقال عليه السلام: آتوني العشية أبعث معكم الحكم القوي الأمين وكان عمر يقول: ما أحببت الإمارة قط إلا يومئذ رجاء أن أكون صاحبها، فلما صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سلم ثم نظر عن يمينه وعن يساره، وجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يردد بصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح، فدعاه فقال: اخرج معهم واقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه، قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة. واعلم أن هذه الرواية دالة على أن المناظرة في تقرير الدين وإزالة الشبهات حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأن مذهب الحشوية في إنكار البحث والنظر باطل قطعاً، والله أعلم. المسألة الثالثة: إعلم أن مطلع هذه السورة له نظم لطيف عجيب، وذلك لأن أولئك النصارى الذين نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قيل لهم: إما أن تنازعوه في معرفة الإلٰه، أو في النبوّة، فإن كان النزاع في معرفة الإلٰه وهو أنكم تثبتون له ولداً وأن محمداً لا يثبت له ولداً فالحق معه بالدلائل العقلية القطعية، فإنه قد ثبت بالبرهان أنه حي قيوم، والحي القيوم يستحيل عقلاً أن يكون له ولد وإن كان النزاع في النبوّة، فهذا أيضاً باطل، لأن بالطريق الذي عرفتم أن الله تعالى أنزل التوراة والإنجيل على موسى وعيسى فهو بعينه قائم في محمد صلى الله عليه وسلم، وما ذاك إلا بالمعجزة وهو حاصل ههنا، فكيف يمكن منازعته في صحة النبوّة، فهذا هو وجه النظم وهو مضبوط حسن جداً فلننظر ههنا إلى بحثين. البحث الأول: ما يتعلق بالإلٰهيات فنقول: إنه تعالى حي قيوم، وكل من كان حياً قيوماً يمتنع أن يكون له ولد، وإنما قلنا: إنه حي قيوم، لأنه واجب الوجود لذاته، وكل ما سواه فإنه ممكن لذاته محدث حصل تكوينه وتخليقه وإيجاده على ما بينا كل ذلك في تفسير قوله تعالى: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } وإذا كان الكل محدثاً مخلوقاً امتنع كون شيء منها ولداً له وإلٰهاً، كما قال: {أية : إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ إِلاَّ ءَاتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً } تفسير : [مريم: 93] وأيضاً لما ثبت أن الإلٰه يجب أن يكون حياً قيوماً، وثبت أن عيسى ما كان حياً قيوماً لأنه ولد، وكان يأكل ويشرب ويحدث، والنصارى زعموا أنه قتل وما قدر على دفع القتل عن نفسه، فثبت أنه ما كان حياً قيوماً، وذلك يقتضي القطع والجزم بأنه ما كان إلٰهاً، فهذه الكلمة وهي قوله {ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } جامعة لجميع وجوه الدلائل على بطلان قول النصارى في التثليث. وأما البحث الثاني: وهو ما يتعلق بالنبوّة، فقد ذكره الله تعالى ههنا في غاية الحسن ونهاية الجودة، وذلك لأنه قال: {أية : نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ } تفسير : [آل عمران: 3] وهذا يجري مجرى الدعوى، ثم إنه تعالى أقام الدلالة على صحة هذه الدعوى، فقال: وافقتمونا أيها اليهود والنصارى على أنه تعالى أنزل التوراة والإنجيل من قبل هدىً للناس، فإنما عرفتم أن التوراة والإنجيل كتابان إلٰهيان، لأنه تعالى قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قول المحق وقول المبطل والمعجز لما حصل به الفرق بين الدعوى الصادقة والدعوى الكاذبة كان فرقاً لا محالة، ثم أن الفرقان الذي هو المعجز كما حصل في كون التوراة والإنجيل نازلين من عند الله، فكذلك حصل في كون القرآن نازلاً من عند الله وإذا كان الطريق مشتركاً، فإما أن يكون الواجب تكذيب الكل على ما هو قول البراهمة، أو تصديق الكل على ما هو قول المسلمين، وأما قبول البعض ورد البعض فذلك جهل وتقليد، ثم إنه تعالى لما ذكر ما هو العمدة في معرفة الإلٰه على ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام، وما هو العمدة في إثبات نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم لم يبق بعد ذلك عذر لمن ينازعه في دينه فلا جرم أردفه بالتهديد والوعيد فقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأيَـٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ } تفسير : [آل عمران: 4] فقد ظهر أنه لا يمكن أن يكون كلام أقرب إلى الضبط، وإلى حسن الترتيب وجودة التأليف من هذا الكلام، والحمد لله على ما هدى هذا المسكين إليه، وله الشكر على نعمه التي لا حد لها ولا حصر. ولما لخصنا ما هو المقصود الكلي من الكلام فلنرجع إلى تفسير كل واحد من الألفاظ. أما قوله {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } فهو رد على النصارى لأنهم كانوا يقولون بعبادة عيسى عليه السلام فبيّن الله تعالى أن أحداً لا يستحق العبادة سواه. ثم أتبع ذلك بما يجري مجرى الدلالة عليه فقال: {ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } فأما الحي فهو الفعال الدراك وأما القيوم فهو القائم بذاته، والقائم بتدبير الخلق والمصالح لما يحتاجون إليه في معاشهم، من الليل والنهار، والحر والبرد، والرياح والأمطار، والنعم التي لا يقدر عليها سواه، ولا يحصيها غيره، كما قال تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [إبراهيم: 34] وقرأ عمر رضي الله عنه {ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } قال قتادة، الحي الذي لا يموت، والقيوم القائم على خلقه بأعمالهم، وآجالهم، وأرزاقهم، وعن سعيد بن جبير: الحي قبل كل حي، والقيوم الذي لا ند له، وقد ذكرنا في سورة البقرة أن قولنا: الحي القيوم محيط بجميع الصفات المعتبرة في الإلٰهية، ولما ثبت أن المعبود يجب أن يكون حياً قيوماً ودلّت البديهة والحسن على أن عيسى عليه السلام ما كان حياً قيوماً، وكيف وهم يقولون بأنه قتل وأظهر الجزع من الموت. علمنا قطعاً أن عيسى ما كان إلٰهاً، ولا ولداً للإلٰه تعالى وتقدس عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله: {الۤمۤ} {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} هذه السورة مدنية بإجماع. وحكى النقاش: أن ٱسمها في التوراة طَيْبة، وقرأ الحسن وعمرو بن عُبِيْد وعاصم بن أبي النَّجُود وأبو جعفر الرُّؤاسِي «الۤمۤ. ألله» بقطع ألف الوصل، على تقدير الوقف على «الۤمۤ» كما يقدرون الوقف على أسماء الأعداد في نحو واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة وهم واصلون. قال الأخفش سعيد: ويجوز «الۤم الله» بكسر الميم لالتقاء الساكنين. قال الزجاج: هذا خطأ، ولا تقوله العرب لثقله. قال النحاس: القراءة الأُولى قراءة العامّة، وقد تكلم فيها النحويون القدماء؛ فمذهب سيبويه أنّ الميم فتحت لالتقاء الساكنين، وٱختاروا لها الفتح لئلا يُجْمع بين كسرة وياء وكسرة قبلها. وقال الكسائي: حروف التهجي إذا لحقتها ألفُ وصل فحذفتَ ألف الوصل حرّكتها بحركة الألف فقلت: الۤمۤ الله، والم ٱذكر، والم ٱقتربت. وقال الفرّاء: الأصل «الۤمۤ ألله» كما قرأ الرؤاسيّ فألقيت حركة الهمزة على الميم. وقرأ عمر بن الخطاب «الْحَيُّ القَيَّامُ» وقال خارجة: في مصحف عبد الله «الْحَيُّ القَيِّمُ». وقد تقدم ما للعلماء من آراء في الحروف التي في أوائل السور في أوّل «البقرة» ومن حيث جاء في هذه السورة {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} جملةً قائمة بنفسها فتتصوّر تلك الأقوال كلها. الثانية: روى الكِسائيّ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلّى العشاء فٱستفتح «آل عمران» فقرأ الۤمۤ. الله لا إله إلا هو الحيُّ القَيَّامُ» فقرأ في الركعة الأولى بمائة آية، وفي الثانية بالمائة الباقية. قال علماؤنا: ولا يقرأ سورة في ركعتين، فإن فعل أجزأه. وقال مالك في المجموعة: لا بأس به، وما هو بالشأن. قلت: الصحيح جواز ذلك. وقد قرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم «بالأعراف» في المغرب فرّقها في ركعتين. خرّجه النسائي أيضاً، وصحّحه أبو محمد عبد الحق، وسيأتي. الثالثة: هذه السورة ورد في فضلها آثار وأخبار، فمن ذلك ما جاء أنها أمَانٌ من الحيات، وكنْزٌ للصُّعْلوك، وأنها تُحَاجّ عن قارئها في الآخرة، ويُكْتَب لمن قرأ آخرها في ليلةٍ كقيام ليلة، إلى غير ذلك. ذكر الدارمي أبو محمد في مسنده حدّثنا أبو عُبَيْد القاسم بن سلاَم قال: حدثني عُبَيْد الله الأشجَعي قال: حدثني مِسْعَر قال: حدثني جابر، قبل أن يقع فيما وقع فيه، عن الشَّعْبيّ قال: قال عبد الله: نعِم كنْزُ الصُّعْلوك سورةُ «آل عمران» يقوم بها في آخر الليل. حدّثنا محمد بن سعيد حدّثنا عبد السلام عن الجُرَيْرِيّ عن أبي السَّلِيل قال: أصاب رجل دماً قال: فأوى إلى وادي مَجَنّة: وادٍ لا يمشي فيه أحد إلا أصابته جنّة، وعلى شَفير الوادي راهبان، فلمّا أمسى قال أحدهما لصاحبه: هلك والله الرجل! قال: فٱفتتح سورةَ «آل عمران» قالا: فقرأ سورة طَيْبة لعله سينجو. قال: فأصبح سليماً. وأسند عن مَكْحُول قال: من قرأ سورة «آل عمران» يوم الجمعة صلت عليه الملائكة إلى الليل. وأسند عن عثمان ابن عفان قال: من قرأ آخر سورة «آل عمران» في ليلة كتب له قيام ليلة. في طريقه ٱبنُ لَهِيَعة. وخرّج مسلم عن النوّاس بنِ سَمْعَان الكِلاَبيّ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يُؤتَى بالقرآن يوم القيامة وأهلهِ الذين كانوا يعملون به تَقْدُمه سورة البقرة وآل عمران ـ وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمْثَالٍ ما نسيتُهُنَّ بعدُ، قال: كأنهما غمامتان أو ظُلّتان سَوْداوان بينهما شَرْقٌ أو كأنَّهما حِزْقانِ من طير صَوَافَّ تُحَاجّان عن صاحبهما» تفسير : وخرّج أيضاً عن أبي أُمَامَة الباهليّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه اقرءوا الّزهْرَاوَين البقرة وسورة آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غَيَايتَان أو كأنهما فِرْقَانِ من طير صَوَافّ تُحاجَّان عن أصحابهما اقرءوا سورة البقرة فإنّ أخْذها بركةٌ وتركها حسْرةٌ ولا يستطيعها البَطَلة»تفسير : . قال معاوية: وبلغني أن البطلة السَحَرَة. الرابعة: للعلماء في تسمية «البقرة وآل عمران» بالَّزهرَاوَيْن ثلاثة أقوال: الأول: أنهما النّيِّرتان، مأخوذ من الزّهْر والزُّهْرَةِ؛ فإمّا لهدايتهما قارئهما بما يزهر له من أنوارهما، أي من معانيهما. وإما لِما يترتب على قراءتهما من النور التامّ يوم القيامة، وهو القول الثاني. الثالث: سُمّيتا بذلك لأنهما اشتركتا فيما تضمنه ٱسم الله الأعظم، كما ذكره أبو داود وغيره عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن اسِمَ الله الأعظم في هاتين الآيتين {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} والتي في آل عمران {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} »تفسير : أخرجه ابن ماجه أيضاً. والغمام: السحاب الملْتَفّ، وهو الغَيَايَة إذا كانت قريباً من الرأس، وهي الظّلة أيضاً. والمعنى: أن قارئهما في ظِلّ ثوابهما؛ كما جاء «الرجل في ظِلّ صدقته» وقوله «تُحاجّان» أي يخلق الله من يجادل عنه بثوابهما، ملائكة كما جاء في بعض الحديث: «حديث : إن من قرأ {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} الآية - خلق الله سبعين ملكاً يستغفرون له إلى يوم القيامة»تفسير : . وقوله: «بينهما شَرقٌ» قُيِّد بسكون الراء وفتحها، وهو تنبيه على الضياء؛ لأنه لما قال: «سَوْداوان» قد يُتَوَهّم أنهما مُظْلمتان، فنفى ذلك بقوله «بينهما شَرْق». ويعني بكونهما سوداوان أي من كثافتهما التي بسببها حالتا بين مَنْ تحتهما وبين حرارة الشمس وشدّة اللّهَب. والله أعلم. الخامسة: صَدْرُ هذه السورة نزل بسبب وفد نَجرْان فيما ذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير، وكانوا نصارى وَفَدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في ستِّين راكباً، فيهم من أشرافهم أربعة عشر رجلاً، في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يرجع أمرهم: العاقب أميرُ القوم وذو آرائهم وٱسمه عبد المسيح، والسيدِّ ثِمالُهم وصاحب مُجْتَمَعهم وٱسمه الأَيْهم، وأبو حارثة بن عَلْقَمَة أحد بكر بن وائل أُسقُفُهم وعالمهم؛ فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر صلاة العصر، عليهم ثياب الحِبَرات جُبَبٌ وأرْدية. فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأينا وفداً مثلهم جَمَالاً وجلالة. وحانت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المَشْرِق. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «دَعُوهم». ثم أقاموا بها أياماً يُناظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى ويزعمون أنه ٱبن الله، إلى غير ذلك من أقوال شنيعة مضطربة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يردّ عليهم بالبراهين الساطعة وهم لا يُبْصرون، ونزل فيهم صَدْر هذه السورة إلى نَيِّف وثمانين آية؛ إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة، حسب ما هو مذكور في سيرة ٱبن إسحاق وغيره.
البيضاوي
تفسير : {الم}. {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} إنما فتح الميم في المشهور وكان حقها أن يوقف عليها لإِلقاء حركة الهمزة عليها ليدل على أنها في حكم الثابت، لأنها أسقطت للتخفيف لا للدرج، فإن الميم في حكم الوقف كقولهم واحد اثنان بإلقاء حركة الهمزة على الدال لا لالتقاء الساكنين، فإنه غير محذور في باب الوقف، ولذلك لم تحرك الميم في لام. وقرىء بكسرها على توهم التحريك لالتقاء الساكنين. وقرأ أبو بكر بسكونها والابتداء بما بعدها على الأصل. {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : إن اسم الله الأعظم في ثلاث سور في البقرة الله لا إله إلا هو الحي القيوم، وفي آل عمران الله لا إله إلا هو الحي القيوم، وفي طه وعنت الوجوه للحي القيوم»تفسير : {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } القرآن نجوماً. {بِٱلْحَقّ} بالعدل، أو بالصدق في أخباره، أو بالحجج المحققة أنه من عند الله وهو في موضع الحال. {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب. {وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ } جملة على موسى وعيسى. واشتقاقهما من الورى والنجل، ووزنهما بتفعلة وافعيل تعسف لأنهما أعجميان، ويؤيد ذلك أنه قرىء {ٱلأَنجِيلِ} بفتح الهمزة وهو ليس من أبنية العربية، وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان والكسائي التوراة بالإِمالة في جميع القرآن، ونافع وحمزة بين اللفظين إِلاَّ قَالُون فإنه قرأ بالفتح كقراءة الباقين.
ابن كثير
تفسير : قد ذكرنا الحديث الوارد في أن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين {1649;للَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ} و{ الۤمۤ ٱللَّهُ لاَۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } عند تفسير آية الكرسي، وقد تقدم الكلام على قوله: { الۤمۤ} في أول سورة البقرة بما يغني عن إعادته، وتقدم الكلام على قوله: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ} في تفسير آية الكرسي. وقوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ} يعني: نزل عليك القرآن يا محمد بالحق، أي: لا شك فيه ولا ريب، بل هو منزل من عند الله، أنزله بعلمه، والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيداً، وقوله: {مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله والأنبياء، فهي تصدقه بما أخبرت به، وبشرت في قديم الزمان، وهو يصدقها؛ لأنه طابق ما أخبرت به وبشرت من الوعد من الله بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن العظيم عليه. وقوله: {وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ} أي: على موسى بن عمران، {وَٱلإْنْجِيلُ} أي: على عيسى بن مريم عليهما السلام، {مِن قَبْلُ} أي: من قبل هذا القرآن {هُدًى لِّلنَّاسِ} أي: في زمانهما. {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ} وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغي والرشاد؛ بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه، ويفسره ويقرره، ويرشد إليه، وينبه عليه من ذلك. وقال قتادة والربيع بن أنس: الفرقان ههنا القرآن. واختار ابن جرير أنه مصدر ههنا؛ لتقدم ذكر القرآن في قوله: {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ} وهو القرآن. وأما ما رواه ابن أبي حاتم عن أبي صالح، أن المراد بالفرقان ههنا التوراة، فضعيف أيضاً؛ لتقدم ذكر التوراة، والله أعلم. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأيَـٰتِ ٱللَّهِ} أي: جحدوا بها وأنكروها وردوها بالباطل، {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي: يوم القيامة، {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} أي: منيع الجناب، عظيم السلطان، {ذُو ٱنتِقَامٍ} أي: ممن كذب بآياته، وخالف رسله الكرام وأنبياءه العظام.
المحلي و السيوطي
تفسير : {الم } الله أعلم بمراده بذلك.
الشوكاني
تفسير : قرأ الحسن، وعمرو بن عبيد، وعاصم بن أبي النجود، وأبو جعفر الرواسي "الم * ٱللَّهِ" بقطع ألف الوصل على تقدير الوقف على {الم } كما يقدرون الوقف على أسماء الأعداد نحو واحد اثنان ثلاثة أربعة مع وصلهم. قال الأخفش: ويجوز "الم * ٱللَّهِ" بكسر الهمزة لالتقاء الساكنين. قال الزجاج: هذا خطأ، ولا تقوله العرب لثقله. وقد ذكر سيبويه في الكتاب أن فواتح السور التي لم تكن موازنة لمفرد طريق التلفظ بها الحكاية فقط ساكنة الأعجاز على الوقف، سواء جعلت أسماء، أو مسرودة على نمط التعديد، وإن لزمها التقاء الساكنين لما أنه مغتفر في باب الوقف، فحق هذه الفاتحة أن يوقف عليها، ثم يبدأ بما بعدها، كما فعله الحسن، ومن معه في قراءتهم المحكية سابقاً. وأما فتح الميم على القراءة المشهورة، فوجهه ما روى عن سيبويه أن الميم فتحت لالتقاء الساكنين. وقال الكسائي: حروف التهجي إذا لقيتها ألف وصل، فحذفت الألف، وحركت الميم بحركة الألف، وكذا قال الفراء. وهذه الفواتح إن جعلت مسرودة على نمط التعديد، فلا محل لها من الإعراب، وإن جعلت أسماء للسورة، فمحلها إما الرفع على أنها أخبار لمبتدآت مقدرة قبلها، أو النصب على تقدير أفعال يقتضيها المقام كاذكر، أو اقرأ، أو نحوهما، وقد تقدم في أوائل سورة البقرة ما يغني عن الإعادة. وقوله: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } مبتدأ، وخبر، والجملة مستأنفة، أي: هو المستحق للعبودية. و{الحيّ القيوم}: خبران آخران للاسم الشريف، أو خبران لمبتدأ محذوف، أي: هو الحي القيوم، وقيل: إنهما صفتان للمبتدإ الأول، أو بدلان منه، أو من الخبر، وقد تقدّم تفسير الحيّ والقيوم. وقرأ جماعة من الصحابة "القيام" عمر، وأبيّ بن كعب، وابن مسعود. قوله: {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } أي: القرآن، وقدم الظرف على المفعول به للاعتناء بالمنزل عليه صلى الله عليه وسلم وهي: إما جملة مستأنفة، أو خبر آخر للمبتدأ الأوّل. قوله: {بِٱلْحَقّ } أي: بالصدق، وقيل: بالحجة الغالبة، وهو في محل نصب على الحال. وقوله: {مُصَدّقاً } حال آخر من الكتاب مؤكدة؛ لأنه لا يكون إلا مصدقاً، فلا تكون الحال منتقلة أصلاً، وبهذا قال الجمهور، وجوّز بعضهم الانتقال على معنى أنه مصدق لنفسه ولغيره. وقوله: {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } أي: من الكتب المنزلة، وهو متعلق بقوله: {مصدقاً}، واللام للتقوية. قوله: {وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ } هذه الجملة في حكم البيان لقوله: لما بين يديه. وإنما قال هنا {أنزل}، وفيما تقدّم {نزّل}: لأن القرآن نزل منجماً، والكتابان نزلا دفعة واحدة، ولم يذكر في الكتابين من أنزلا عليه، وذكر فيما تقدّم أن الكتاب نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن القصد هنا ليس إلا إلى ذكر الكتابين لا ذكر من نزلا عليه. وقوله: {مِن قَبْلُ } أي: أنزل التوراة، والإنجيل من قبل تنزيل الكتاب. وقوله: {هُدًى لّلنَّاسِ } إما حال من الكتابين، أو علة للإنزال. والمراد بالناس: أهل الكتابين، أو ما هو أعمّ؛ لأن هذه الأمة متعبدة بما لم ينسخ من الشرائع. قال ابن فورك: هدى للناس المتقين، كما قال في البقرة: {أية : هدى للمتقين}تفسير : [البقرة: 2]، قوله: {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ } أي: الفارق بين الحق، والباطل، وهو القرآن، وكرر ذكره تشريفاً له مع ما يشتمل عليه هذا الذكر الآخر من الوصف له بأنه يفرق بين الحق، والباطل، وذكر التنزيل أولاً، والإنزال ثانياً لكونه جامعاً بين الوصفين، فإنه أنزل إلى سماء الدنيا جملة، ثم نزل منها إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم مفرّقاً منجماً على حسب الحوادث كما سبق. وقيل: أراد بالفرقان جميع الكتب المنزلة من الله تعالى على رسله، وقيل: أراد الزبور لاشتماله على المواعظ الحسنة، وقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأيَـٰتِ ٱللَّهِ } أي: بما يصدق عليه أنه آية من الكتب المنزلة وغيرها، أو بما في الكتب المنزلة وغيرها أو بما في الكتب المنزلة المذكورة على وضع آيات الله موضع الضمير العائد إليها، وفيه بيان الأمر الذي استحقوا به الكفر {لَهُمْ } بسبب هذا الكفر {عَذَابٌ شَدِيدٌ } أي: عظيم {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } لا يغالبه مغالب {ذُو ٱنتِقَامٍ } عظيم، والنقمة: السطوة، يقال: انتقم منه: إذا عاقبه بسبب ذنب قد تقدّم منه. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْء فِي ٱلأرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } هذه الجملة استئنافية لبيان سعة علمه، وإحاطته بالمعلومات، بما في الأرض والسماء، مع كونها أوسع من ذلك، لقصور عباده عن العلم بما سواهما من أمكنة مخلوقاته، وسائر معلوماته، ومن جملة ما لا يخفى عليه إيمان من آمن من خلقه، وكفر من كفر. قوله: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي ٱلأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء } أصل اشتقاق الصورة من صاره إلى كذا أي: أماله إليه، فالصورة مائلة إلى شبه وهيئة، وأصل الرحم من الرحمة؛ لأنه مما يتراحم به، وهذه الجملة مستأنفة مشتملة على بيان إحاطة علمه، وأن من جملة معلوماته ما لا يدخل تحت الوجود، وهو: تصوير عباده في أرحام أمهاتهم من نطف آبائهم كيف يشاء من حسن، وقبيح، وأسود، وأبيض، وطويل، وقصير. و{كيف} معمول يشاء، والجملة حالية. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن جعفر بن محمد بن الزبير قال: «قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران ستون راكباً، فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب، وعبد المسيح، والسيد، وهو الأيهم، ثم ذكروا القصة في الكلام الذي دار بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الله أنزل في ذلك صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع، فذكر وفد نجران، ومخاصمتهم للنبي صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام، وأن الله أنزل: {الم * ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله: {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } قال: لما قبله من كتاب، أو رسول. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة نحوه، وقال في قوله: {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ } هو القرآن فرق بين الحق، والباطل، فأحل فيه حلاله، وحرم فيه حرامه، وشرع فيه شرائعه، وحد فيه حدوده، وفرض فيه فرائضه، وبين فيه بيانه، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته. وأخرج ابن جرير، عن محمد بن جعفر بن الزبير في قوله: {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ } أي: الفصل بين الحق، والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى، وغيره، وقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأيَـٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ } أي: إن الله ينتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها، ومعرفته بما جاء منه فيها. وفي قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْء فِي ٱلأرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } أي: قد علم ما يريدون، وما يكيدون، وما يضاهون بقولهم في عيسى إذ جعلوه رباً وإلهاً، وعندهم من علمه غير ذلك غرّة بالله، وكفراً به {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي ٱلأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء } قد كان عيسى ممن صوّر في الأرحام لا يدفعون ذلك، ولا ينكرونه، كما صوّر غيره من بني آدم، فكيف يكون إلهاً، وقد كان بذلك المنزل؟! وأخرج ابن المنذر، عن ابن مسعود في قوله: {يُصَوّرُكُمْ فِي ٱلأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء } قال: ذكوراً، وإناثاً. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من الصحابة في قوله: {يُصَوّرُكُمْ فِي ٱلأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء } قال: إذا وقعت النطفة في الأرحام طارت في الجسد أربعين يوماً، ثم تكون علقة أربعين يوماً، ثم تكون مضغة أربعين يوماً، فإذا بلغ أن يخلق بعث الله ملكاً يصوّرها، فيأتي الملك بتراب بين أصبعيه، فيخلط منه المضغة، ثم يعجنه بها، ثم يصوّر، كما يؤمر فيقول: أذكر أم أنثى، أشقيّ أم سعيد، وما رزقه، وما عمره؟ وما أثره، وما مصائبه؟ فيقول الله، ويكتب الملك، فإذا مات ذلك الجسد دفن حيث أخذ ذلك التراب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {يُصَوّرُكُمْ فِي ٱلأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء } قال: من ذكر، وأنثى، وأحمر، وأسود، وتامّ الخلق، وغير تام الخلق.
الماوردي
تفسير : {الم اللهُ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وقد ذكرنا تفسير ذلك من قبل. فإن قيل: {الم} اسم من أسماء الله تعالى كان قوله: {اللهَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} نعتاً للمسمى به، وتفسيره أن {الم} هو الله لا إله إلا هو. وإن قيل: إنه قسم كان واقعاً على أنه سبحانه لا إله إلا هو الحي القيوم، إثباتاً لكونه إلهاً ونفياً أن يكون غيره إلهاً. وإن قيل بما سواهما من التأويلات كان ما بعده مبتدأ موصوفاً، وأن الله هو الذي لا إله إلا هو الحي القيوم. ونزلت هذه الآية إلى نيف وثمانين آية من السورة في وفد نجران من النصارى لما جاؤوا يحاجّون النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا أربعة عشر رجلاً من أشرافهم. {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} فيه وجهان: أحدهما: بالعدل مما استحقه عليك من أثقال النبوة. والثاني: بالعدل فيما اختصك به من شرف الرسالة. وإن قيل بأنه الصدق ففيه وجهان: أحدهما: بالصدق فيما تضمنه من أخبار القرون الخالية والأمم السالفة. والثاني: بالصدق فيما تضمنه من الوعد بالثواب على طاعته، والوعيد بالعقاب على معصيته. {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي لما قبله من كتاب ورسول، وإنما قيل لما قبله {بَيْنَ يَدَيْهِ} لأنه ظاهر له كظهور ما بين يديه. وفي قوله: {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} قولان: أحدهما: معناه مخبراً بما بين يديه إخبار صدق دل على إعجازه. والثاني: معناه أنه يخبر بصدق الأنبياء فيما أتوا به على خلاف من يؤمن ببعض ويكفر ببعض. قوله عز وجل: {... إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللهِ} فيه وجهان: أحدهما: بدلائله وحججه. والثاني: بآيات القرآن، قال ابن عباس يريد وفد نجران حين قَدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحاجّته. {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} يعني عذاب جهنم. {وَاللهُ عَزِيزٌ} فيه وجهان: أحدهما: في امتناعه. الثاني: في قدرته. {ذُو انتِقَامٍ} فيه وجهان: أحدهما: ذو سطوة. والثاني: ذو اقتضاء.
ابن عطية
تفسير : قد تقدم ذكر اختلاف العلماء في الحروف التي في أوائل السور في أول سورة البقرة، ومن حيث جاء في هذه السورة {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} جملة قائمة بنفسها فتتصور تلك الأقوال كلها في {الم} في هذه السورة، وذهب الجرجاني في النظم إلى أن أحسن الأقوال هنا أن يكون {الم} إشارة إلى حروف المعجم كأنه يقول: هذه الحروف كتابك أو نحو هذا، ويدل قوله {الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب} على ما ترك ذكره مما هو خبر عن الحروف قال: وذلك في نظمه مثل قوله تعالى: {أية : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} تفسير : [الزمر: 21] وترك الجواب لدلالة قوله: {أية : فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} تفسير : [الزمر: 21] تقديره: كمن قسا قلبه. ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : فَلاَ تَدْفِنُوني إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ، ولكنْ خامري أمَّ عامِرِ تفسير : قال: تقديره ولكن اتركوني للتي يقال لها خامري أم عامر. قال القاضي رحمه الله: يحسن في هذا القول أن يكون {نزل} خبر قوله {الله} حتى يرتبط الكلام إلى هذا المعنى. وهذا الذي ذكره القاضي الجرجاني فيه نظر لأن مثله ليست صحيحة الشبه بالمعنى الذي نحا إليه وما قاله في الآية محتمل ولكن الأبرع في نظم الآية أن يكون {الم} لا يضم ما بعدها إلى نفسها في المعنى وأن يكون {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} كلاماً مبتدأ جزماً جملة رادة على نصارى نجران الذين وفدوا على رسول الله عليه السلام فحاجوه في عيسى ابن مريم وقالوا: إنه الله وذلك أن ابن إسحاق والربيع وغيرهما ممن ذكر السير رووا أن وفد نجران قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نصارى ستون راكباً فيهم من أشرافهم أربعة عشر رجلاً في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليه يرجع أمرهم، والعاقب أمير القوم وذو رأيهم واسمه عبد المسيح، والسيد ثمالهم وصاحب مجتمعهم واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أسد بني بكر بن وائل أسقفهم وعالمهم فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد إثر صلاة العصر عليهم جبب وأردية فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأينا وفداً مثلهم جمالاً وجلالة، وحانت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد رسول الله عليه السلام إلى المشرق فقال النبي عليه السلام: دعوهم ثم أقاموا بالمدينة أياماً يناظرون رسول الله عليه السلام في عيسى ويزعمون أنه الله إلى غير ذلك من أقوال بشعة مضطربة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم بالبراهين الساطعة وهم لا يبصرون، ونزل فيهم صدر هذه السورة إلى نيف وثمانين آية إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الابتهال وسيأتي تفسير ذلك. وقرأ السبعة "المَ الله" بفتح الميم والألف ساقطة، وروي عن عاصم أنه سكن الميم ثم قطع الألف، روى الأولى التي هي كالجماعة حفص وروى الثانية أبو بكر، وذكرها الفراء عن عاصم، وقرأ أبو جعفر الرؤاسي وأبو حيوة بكسر الميم للالتقاء وذلك رديء لأن الياء تمنع من ذلك والصواب الفتح قراءة جمهور الناس. قال أبو علي: حروف التهجي مبنية على الوقف فالميم ساكنة واللام ساكنة فحركت الميم بالفتح كما حركت النون في قولك: "من الله ومنَ المسلمين" إلى غير ذلك. قال أبو محمد: ومن قال بأن حركة الهمزة ألقيت على الميم فذلك ضعيف لإجماعهم على أن الألف الموصولة في التعريف تسقط في الوصل فيما يسقط فلا تلقى حركته، قاله أبو علي، وقد تقدم تفسير قوله: {الحي القيوم} في آية الكرسي، والآية هنالك إخبار لجميع الناس، وكررت هنا إخباراً لحجج هؤلاء النصارى، وللرد عليهم أن هذه الصفات لا يمكنهم ادعاؤها لعيسى عليه السلام لأنهم إذ يقولون إنه صلب فذلك موت في معتقدهم لا محاله إذ من البين أنه ليس بقيوم، وقرأ جمهور القراء "القيوم" وزنه فيعول، وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود وعلقمة بن قيس "القيام" وزنه - فيعال - وروي عن علقمة أيضاً أنه قرأ "القيم" وزنه فيعل، وهذا كله من قام بالأمر يقوم به إذا اضطلع بحفظه وبجميع ما يحتاج إليه في وجوده، فالله تعالى القيام على كل شيء بما ينبغي له أو فيه أو عليه. وتنزيل الله الكتاب بواسطة الملك جبريل عليه السلام، و {الكتاب} في هذا الموضع القرآن باتفاق من المفسرين، وقرأ جمهور الناس "نزَّل عليك" بشد الزاي "الكتابَ" بنصب الباء، وقرأ إبراهيم النخعي "نزَل عليك الكتابُ" بتخفيف الزاي ورفع الباء، وهذه الآية تقتضي أن قوله {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} جملة مستقلة منحازة، وقوله {بالحق} يحتمل معنيين: إحداهما أن يكون المعنى ضمن الحقائق من خيره وأمره ونهيه ومواعظه، فالباء على حدها في قوله: جاءني كتاب بخبر كذا وكذا أي ذلك الخبر مقتص فيه، والثاني: أن يكون المعنى أنه نزل الكتاب باستحقاق أن ينزل لما فيه من المصلحة الشاملة وليس ذلك على أنه واجب على الله تعالى أن يفعله، فالباء في هذا المعنى على حدها في قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام {أية : سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} تفسير : [المائدة: 116] وقال محمد بن جعفر بن الزبير: معنى قوله: {بالحق} أي مما أختلف فيه أهل الكتاب واضطرب فيه هؤلاء النصارى الوافدون، وهذا داخل في المعنى الأول، و {مصدقاً} حال مؤكدة وهي راتبة غير منتقلة لأنه لا يمكن أن يكون غير مصدق لما بين يديه من كتاب الله فهو كقول ابن دارة: [البسيط] شعر : أنا ابْنُ دارةَ معروفاً بها نسبي وَهَلْ بِدَارَة يا للناسِ مِنْ عارِ؟ تفسير : وما بين يديه هي التوراة والإنجيل وسائر كتب الله التي تلقيت من شرعنا كالزبور والصحف، وما بين اليد في هذه الحوادث هو المتقدم في الزمن. و {التوراة والإنجيل} اسمان أصلهما عبراني لكن النحاة وأهل اللسان حملوها على الاشتقاق العربي فقالوا في التوراة: إنها من ورى الزناد يري إذا قدح وظهرت ناره يقال أوريته فوري، ومنه قوله تعالى: {أية : فالموريات} تفسير : [العاديات: 2] وقوله: {أية : أفرأيتم النار التي تورون} تفسير : [الواقعة: 70] قال أبو علي، فأما قولهم: وريت بك زنادي على وزن، فعلت فزعم أبو عثمان أنه استعمل في هذا الكلام فقط ولم يجاوز به غيره، وتوراة عند الخليل وسيبويه وسائر البصريين فوعلة كحوقلة وورية قلبت الواو الأولى تاء كما قلبت في تولج وأصله وولج من: ولجت، وحكى الزجاج عن بعض الكوفيين: أن توراة أصلها تفعلة بفتح العين، من: وريت بك زنادي، وإنما ينبغي أن تكون من: أوريت قال فهي تورية، وقال بعضهم: يصلح أن تكون تفعلة بكسر العين مثل توصية ثم ردت إلى تفعلة بفتح العين، قال الزجاج وكأنه يجيز في توصية توصأة وذلك غير مسموع، وعلى كل قول فالياء لما انفتح ما قبلها وتحركت هي انقلبت ألفاً فقيل توراة، ورجح أبو علي قول البصريين وضعفه غيره، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم "التورَاة" مفتوحة الراء، وكان حمزة ونافع يلفظان بالراء بين اللفظين بين الفتح والكسر وكذلك فعلا في قوله {من الأبرار} و {أية : من الأشرار} تفسير : [ص: 62] و {قرار} إذا كان الحرف مخفوضاً، وروى المسيبي عن نافع فتح الراء من التوراة، وروى ورش عنه كسرها، وكان أبو عمرو والكسائي يكسران الراء من التوراة ويميلان من {الأبرار} وغيرها أشد من إمالة حمزة ونافع. وقالوا في الإنجيل: إنه إفعيل من النجل وهو الماء الذي ينز من الأرض، قال الخليل: استنجلت الأرض وبها انجال إذا خرج منها الماء والنجل أيضاً والولد والنسل قاله الخليل وغيره، ونجله أبوه أي ولده، ومن ذلك قول الأعشى: [المنسرح] شعر : أنجبُ أيّام والداه به إذ نَجَلاهُ فَنِعمَ مَا نَجَلا تفسير : قال ابن سيده عن أبي علي: معنى قوله أيام والداه به كما تقول: أنا بالله وبك، وقال أبو الفتح: معنى البيت، أنجب والداه به أيام إذ نجلاه فهو كقولك حينئذ ويومئذ لكنه حال بالفاعل بين المضاف الذي هو أيام وبين المضاف إليه الذي هو إذ. ويروى هذا البيت أنجب أيام والديه، والنجل الرمي بالشيء وذلك أيضاً من معنى الظهور وفراق شيء شيئاً، وحكى أبو القاسم الزجاجي في نوادره: أن الوالد يقال له، نجل وأن اللفظة من الأضداد، وأما بيت زهير فالرواية الصحيحة فيه: شعر : وكل فحل له نجل تفسير : أي ولد كريم ونسل، وروى الأصمعي فيما حكى: وكل فرع له نجل، وهذا لا يتجه إلا على تسمية الوالد نجلاً. وقال الزجاج: {الإنجيل} مأخوذ من النجل وهو الأصل فهذا ينحو إلى ما حكى أبو القاسم قال أبو الفتح: فـ {التوراة} من وري الزناد، إذا ظهرت ناره، و {الإنجيل} من نجل إذا ظهر ولده، أو من ظهور الماء من الأرض فهو مستخرج إما من اللوح المحفوظ، وإما من التوراة، و {الفرقان} من الفرق بين الحق والباطل، فحروفها مختلفة، والمعنى قريب بعضه من بعض، إذ كلها معناه، ظهور الحق، وبيان الشرع، وفصله من غيره من الأباطيل، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "الأنجيل" بفتح الهمزة، وذلك لا يتجه في كلام العرب، ولكن يحميه مكان الحسن من الفصاحة، وإنه لا يقرأ إلا بما روى، وأراه نحا به نحو الأسماء الأعجمية. وقوله تعالى: {من قبل} يعني من قبل القرآن، وقوله: {هدى للناس} معناه دعاء، والناس بنو إسرائيل في هذا الموضع، لأنهم المدعوون بهما لا غير، وإن أراد أنهما {هدى} في ذاتهما مدعو إليه فرعون وغيره، منصوب لمن اهتدى به، فالناس عام في كل من شاء حينئذ أن يستبصر. قال القاضي رحمه الله: وقال هنا {للناس}، وقال في القرآن {هدى للمتقين}، وذلك عندي، لأن هذا خبر مجرد، وقوله: {أية : هدى للمتقين} تفسير : [البقرة: 2] خبر مقترن به الاستدعاء والصرف إلى الإيمان، فحسنت الصفة، ليقع من السامع النشاط والبدار، وذكر الهدى الذي هو إيجاد الهداية في القلب، وهنا إنما ذكر الهدى الذي هو الدعاء، والهدى الذي هو في نفسه معد يهتدي به الناس، فسمي {هدى} لذلك، وقال ابن فورك: التقدير هنا هدى للناس المتقين، ويرد هذا العام إلى ذلك الخاص، وفي هذا نظر، و {الفرقان}: القرآن، سمي بذلك لأنه فرق بين الحق والباطل، قال محمد بن جعفر، فرق بين الحق والباطل في أمر عيسى عليه السلام، الذي جادل فيه الوفد، وقال قتادة والربيع وغيرهما، فرق بين الحق والباطل في أحكام الشرائع، وفي الحلال والحرام ونحوه، و {الفرقان} يعم هذا كله، وقال بعض المفسرين، {الفرقان} هنا كل أمر فرق بين الحق والباطل، فيما قدم وحدث، فيدخل في هذا التأويل طوفان نوح، وفرق البحر لغرق فرعون، ويوم بدر، وسائر أفعال الله تعالى المفرقة بين الحق والباطل، فكأنه تعالى ذكر الكتاب العزيز، ثم التوراة والإنجيل، ثم كل أفعاله ومخلوقاته التي فرقت بين الحق والباطل، كما فعلت هذه الكتب، ثم توعد تعالى الكفار عموماً بالعذاب الشديد، وذلك يعم عذاب الدنيا بالسيف والغلبة، وعذاب الآخرة بالنار، والإشارة بهذا الوعيد إلى نصارى نجران، وقال النقاش: إلى اليهود، كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وبني أخطب وغيرهم، و {عزيز}، معناه غالب، وقد ذل له كل شيء، والنقمة والانتقام، معاقبة المذنب بمبالغة في ذلك.
النسفي
تفسير : {الم * ٱللَّهُ } حركت الميم لالتقاء الساكنين أعني سكونها وسكون لام «الله» وفتحت لخفة الفتحة، ولم تكسر للياء وكسر الميم قبلها تحامياً عن توالي الكسرات، وليس فتح الميم لسكونها وسكون ياء قبلها إذ لو كان كذلك لوجب فتحها في «حم». ولا يصح أن يقال: إن فتح الميم هو فتحة همزة «الله» نقلت إلى الميم لأن تلك الهمزة همزة وصل تسقط في الدرج وتسقط معها حركتها، ولو جاز نقل حركتها لجاز إثباتها وإثباتها غير جائز. وأسكن يزيد والأعشى الميم وقطعا الألف، والباقون بوصل الألف وفتح الميم و«الله» مبتدأ {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } خبره وخبر «لا» مضمر والتقدير: لا إله في الوجود إلا هو، «وهو» في موضع الرفع بدل من موضع «لا»، واسمه {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ } خبر مبتدأ محذوف أي هو الحي، أو بدل من «هو» و«القيوم» فيعول من قام وهو القائم بالقسط والقائم على كل نفس بما كسبت {نَزَّلَ } أي هو نزل {عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } القرآن {بِٱلْحَقِّ } حال أي نزله حقاً ثابتاً {مُصَدِّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } لما قبله {وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ } هما اسمان أعجميان وتكلف اشتقاقهما من الورى والنجل، ووزنهما بتفعلة وافعيل إنما يصح بعد كونهما عربيين. وإنما قيل «نزل الكتاب» و«أنزل التوراة والإنجيل» لأن القرآن نزل منجماً ونزل الكتابان جملة {مِن قَبْلُ } من قبل القرآن {هُدًى لّلنَّاسِ } لقوم موسى وعيسى أو لجميع الناس {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ } أي جنس الكتب لأن الكل يفرق بين الحق والباطل، أو الزبور، أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له تفخيماً لشأنه {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأيَـٰتِ ٱللَّهِ } من كتبه المنزلة وغيرها {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ } ذو عقوبة شديدة لا يقدر على مثلها منتقم {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَاءِ } أي في العالم فعبر عنه بالسماء والأرض أي هو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن وهو مجازيهم عليه {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ } من الصور المختلفة {لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ } في سلطانه {ٱلْحَكِيمُ } في تدبيره. روي أنه لما قدم وفد بني نجران وهم ستون راكباً. أميرهم العاقب وعمدتهم السيد وأسقفهم وحبرهم أبو حارثة خاصموا في أن عيسى إن لم يكن ولداً لله فمن أبوه؟ فقال عليه السلام:«حديث : ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟»تفسير : قالوا: بلى. قال:«حديث : ألم تعلموا أن الله تعالى حي لا يموت وعيسى يموت، وأن ربنا قيم على العباد يحفظهم ويرزقهم وعيسى لا يقدر على ذلك، وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وعيسى لا يعلم إلا ما علم، وإنه صور عيسى في الرحم كيف شاء فحملته أمه ووضعته وأرضعته، وكان يأكل ويحدث وربنا منزه عن ذلك كله»تفسير : فانقطعوا فنزل فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية. {هُوَ ٱلَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } القرآن {مِنْهُ } من الكتاب {آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ } أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } أصل الكتاب تحمل المتشابهات عليها وترد إليها {وَأُخَّرُ } وآيات أخر {مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ } مشتبهات محتملات. مثال ذلك {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ }تفسير : [طه: 5] فالاستواء يكون بمعنى الجلوس وبمعنى القدرة والاستيلاء، ولا يجوز الأول على الله تعالى بدليل المحكم وهو قوله {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء }تفسير : [الشورى: 11] أو المحكم ما أمر الله به في كل كتاب أنزله نحو قوله: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ }تفسير : [الأنعام: 151] الآيات، {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ } تفسير : [الأسراء: 23]. الآيات. والمتشابه ما وراءه أو ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، وما احتمل أوجهاً، أو ما يعلم تأويله وما لا يعلم تأويله، أو الناسخ الذي يعمل به والمنسوخ الذي لا يعمل به. وإنما لم يكن كل القرآن محكماً لما في المتشابه من الابتلاء به والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه، ولما في تقادح العلماء وإتعابهم والقرائح في استخراج معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجليلة والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله تعالى. {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } ميل عن الحق وهم أهل البدع {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ } فيتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع مما لا يطابق المحكم ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق {مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ } طلب أن يفتتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم {وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ } وطلب أن يؤولوه التأويل الذي يشتهونه {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ } أي لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله {وَٱلراسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ } والذين رسخوا أي ثبتوا فيه وتمكنوا وعضوا فيه بضرس قاطع مستأنف عند الجمهور، والوقف عندهم على قوله «إلا الله» وفسروا المتشابه بما استأثر الله بعلمه، وهو مبتدأ عندهم والخبر يقولون «آمنّا به» وهو ثناء منه تعالى عليهم بالإيمان على التسليم واعتقاد الحقية بلا تكييف، وفائدة إنزال المتشابه الإيمان به، واعتقاد حقية ما أراد الله به، ومعرفة قصور أفهام البشر عن الوقوف على ما لم يجـعل لهم إليه سبيلاً، ويعضده قراءة أبي «ويقول الراسخون» وعبد الله «إن تأويله إلا عند الله». ومنهم من لا يقف عليه ويقول بأن الراسخين في العلم يعلمون المتشابه و«يقولون» كلام مستأنف موضح لحال الراسخين بمعنى هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به أي بالمتشابه أو بالكتاب {كُلٌّ } من متشابهه ومحكمه {مِّنْ عِندِ رَبّنَا } من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه {وَمَا يَذَّكَّرُ } وما يتعظ وأصله يتذكر {إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } أصحاب العقول، وهو مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمل. وقيل: «يقولون» حال من الراسخين.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {الم الله لا إله إلاّ هو الحي القيوم} قال المفسرون: نزلت هذه الآية في وفد نجران وكانوا ستين راكباً قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم وهم العاقب واسمه عبدالمسيح وهو أمير القوم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلاّ عن رأيه، والسيد واسمه الأيهم وهو ثمالهم القائم بمالهم وصاحب رحلهم الذي يقوم بأمر طعامهم وشرابهم وأبو حارثة بن علقمة وهو أسقفهم وحبرهم وكان ملوك الروم يكرمونه لما بلغهم عن علمه واجتهاده في دينه فدخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يصلي العصر وعليهم ثياب الحبرات جبب وأردية يقول من رآهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأينا وفداً مثلهم وقد حانت صلاتهم فقاموا للصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم فصلوا إلى المشرق فلما فرغوا كلم السيد والعاقب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلما قالا: قد أسلمنا قبلك. قال كذبتما يمنعكما من الإسلام دعواكما لله ولداً وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير، قال إن لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه وخاصموه جميعاً في عيسى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلاّ وهو يشبه أباه قالوا بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وربنا لا يأكل ولا يشرب قالوا: بلى قال ألستم على كل شيء يحفظه ويرزقه. قالوا بلى قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً قالوا: لا قال ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. قالوا بلى قال فهل يعلم عيسى من ذلك إلاّ ما علم قالوا لا. قال: ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف يشاء وربنا لا يأكل ولا يشرب قالوا: بلى قال: بلى قال ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وربنا لايأكل ولا يشرب قالوا: بلى قال: بلى قال ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يغذى الصبي ثم كان يطعم ويشرب ويحدث. قالوا: بلى قال: فيكف يكون إلهاً كما زعمتم فسكتوا. فأنزل الله صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها زاد بعضهم. فقالوا يا محمد ألست تزعم أن عيسى كلمة الله وروح منه قال بلى قالوا حسبنا ثم أبوا إلاّ جحوداً فأنزل الله رداً عليهم {الم الله لا إله إلاّ هو} يعني إن كانت منازعتكم يا معشر النصارى في معرفة الإله فهو الله الذي لا إله إلاّ هو فكيف تثبتون له ولداً فبين تعالى أن أحداً لا يستحق العبادة سواه لأنه الواحد الأحد ليس معه إله ولا له ولد ثم أتبع ذلك بما يجري مجرى الدلالة عليه فقام تعالى: {الحي القيوم} أما الحي في صفة الله تعالى فهو الدائم الباقي الذي لا يصح عليه الموت. وأما القيوم فهو القائم بذاته والقائم بتدبير الخلق ومصالحهم فيما يحتاجون إليه في معاشهم ومعادهم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {آلم الله} مقطوعة الألف والميم ساكنة: يزيد والمفضل والأعشى والبرجمي الباقون موصولاً بفتح الميم. {التوراة} ممالة حيث كان: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف والنجاري عن ورش، والخزاز عن هبيرة، وابن ذكوان غير ابن مجاهد {كدأب} حيث كان بغير همزة: أبو عمرو وغيره شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش والخزاز عن هبيرة وحمزة عن الوقف. الوقوف: {آلم} ج كوفي مختلف فإن غير الأعشى والبرجمي ويزيد والمفضل يصلون. {إلا هو} ج {القيوم} ط {والإنجيل} ط {الفرقان} ط {شديد} ط {انتقام} ه،{في السماء} ط {كيف يشاء} ط {الحكيم} ه، {متشابهات} ط لاستئناف تفصيل {وابتغاء / تأويله} ج لأن الواو تصلح استئنافاً والحال أليق {إلا الله} م عند أهل السنة لأنه لو وصل فهم أن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه كما يعلم الله، ومن لم يحترز عن هذا وجعل المتشابه غير صفة الله ذاتاً وفعلاً من الأحكام التي يدخلها القياس والتأويل وجعل المحكمات الأصول النصوص المجمع عليها فعطف قوله {والراسخون} على اسم الله وجعل {يقولون} حالاً لهم ساغ له أن لا يقف على {إلا الله}. {آمنا به} (لا) لأن قوله {كل من عند ربنا} من مقولهم فإن التسليم من تمام الإيمان. {من عند ربنا} ج لاحتمال أن ما بعده مقولهم {الألباب} ه، {رحمة} ج للابتداء بأن ولاحتمال لام التعليل أو فاء التعقيب للتسبب {الوهاب} ه، {فيه} ط {الميعاد} ه، {شيئاً} ط {النار} (لا) لتعلق كاف التشبيه {فرعون} (لا) للعطف، {من قبلهم} ط، {بآياتنا} ج للعدول مع فاء التعقيب {بذنوبهم} ط {العقاب} ه. التفسير: أما قراءة عاصم فلها وجهان: الأول نية الوقف ثم إظهار الهمزة لأجل الابتداء. الثاني أن يكون ذلك على لغة من يقطع ألف الوصل. وأما من فتح الميم ففيه قولان: أحدهما قول الفراء واختيار كثير من البصريين وصاحب الكشاف أن أسماء الحروف موقوفة الأواخر تقول: ألف، لام، ميم كما تقول: واحد، اثنان، ثلاثة، وعلى هذا وجب الابتداء بقوله {الله} فإذا ابتدأنا به تثبت الهمزة متحركة إلا أنهم أسقطوا الهمزة للتخفيف وألقيت حركتها على الميم لتدل حركتها على أنها في حكم المبقاة بسبب كون هذه اللفظة مبتدأ بها، فكأن الهمزة ساقطة بصورتها باقية بمعناها. وثانيهما قول سيبويه وهو أنه لما وصل {الله} بـ {آلم} التقى ساكنان بل سواكن ضرورة سقوط الهمزة في الدرج، فوجب تحريك الأول أعني الوسطاني منها وهو الميم وكان الأصل هو الكسر إلا أنهم فتحوا الميم محافظة على التفخيم. فالفتحة على هذا القول ليست هي المنقولة من همزة الوصل فلا يرد عليه ما يرد على القول الأول من أن الهمزة حيث لا وجود لها في الوصل أصلاً فكيف تنقل حركتها. قال الواحدي: نقل المفسرون أنه حديث : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران ستون راكباً فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم، أحدهم أميرهم واسمه عبد المسيح والثاني مشيرهم ووزيرهم، وكانوا يقولون له السيد واسمه الأيهم، والثالث حبرهم وأسقفهم وصاحب مدراسهم يقال له أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل. وكان ملوك الروم شرفوه وموّلوه فأكرموه لما بلغهم عنه عن علمه واجتهاده في دينهم، فلما قدموا من نجران ركب أبو حارثة بغلته وكان إلى جنبه أخوه كرز بن علقمة فبينما بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت فقال كرز أخوه: تعس الأبعد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال أبو حارثة: بل تعست / أمك. فقال: ولم يا أخي؟ فقال: إنه والله النبي صلى الله عليه وسلم الذي ننتظره. فقال له أخوه كرز: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟ قال: لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالاً كثيرة وأكرمونا. فلو آمنا بمحمد لأخذوا منا كل هذه الأشياء. فوقع ذلك في قلب أخيه كرز وكان يضمره إلى أن أسلم، وكان يحدث بذلك، ثم تكلم أولئك الثلاثة - الأمير والسيد والحبر - مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على اختلاف من أديانهم. فتارة يقولون عيسى هو الله، وتارة ابن الله، وتارة ثالث ثلاثة، ويحتجون لقولهم هو "الله" بأنه كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير، ويحتجون في قولهم "إنه ولد الله" بأنه لم يكن له أب يعلم، ويحتجون على "ثالث ثلاثة" بقول الله تعالى: "فعلنا وفعلنا" ولو كان واحداً لقال "فعلت". وقد حان وقت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوهم. فصلوا إلى المشرق، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلموا فقالوا: قد أسلمنا قبلك. فقال صلى الله عليه وسلم: كذبتم. كيف يصح إسلامكم وأنتم تثبتون لله ولداً، وتعبدون الصليب وتأكلون الخنزير؟ قالوا: فمن أبوه؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى في ذلك أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها آية المباهلة. ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يناظر معهم فقال: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أنه حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟ فهل يملك عيسى شيئا من ذلك؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل يعلم عيسى شيئاً من ذلك إلا ما علم؟ قالوا: لا. قال: فإن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء، فهل تعلمون ذلك؟ قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث، وتعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة وغذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟ قالوا: بلى. فقال صلى الله عليه وسلم: فكيف يكون هو كما زعمتم؟ فعرفوا ثم أبوا إلا حجوداً ثم قالوا: يا محمد، ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ قال: بلى، قالوا: فحسبنا. ففي ذلك نزل {فأما الذين في قلوبهم زيغ} الآيةتفسير : . وتمام القصة سيجيء في آية المباهلة إن شاء الله تعالى. واعلم أن مطلع هذه السورة له نظم عجيب ونسق أنيق. وذلك أن أولئك النصارى كأنه قيل لهم: إما أن تنازعوه في شأن الإله أو في أمر النبوة. أما الأول فالحق فيه معه لأنه تعالى حيّ قيوم كما مر في تفسير آية الكرسي، وأن عيسى ليس كذلك لأنه ولد وكان يأكل ويشرب / ويحدث. والنصارى زعموا أنه قتل وما قدر على دفع القتل عن نفسه. وهذه الكلمة أعني قوله {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} جامعة لجيمع وجوه الدلائل على بطلان قول النصارى بالتثليث. وأما الثاني فقوله {نزل عليك الكتاب بالحق} كالدعوى. وقوله {وأنزل التوراة والإنجيل من قبل} كالدليل عليها. وتقريره أنكم وافقتمونا على أن التوراة والإنجيل كتابان إلهيان لأنه تعالى قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قولهما وبين أقوال الكاذبين. ثم إن المعجز قائم في كون القرآن نازلاً من عند الله كما قام في الكتابين. وإذا كان الطريق مشتركاً فالواجب تصديق الكل كالمسلمين. أما قبول البعض ورد البعض فجهل وتقليد، وإذا لم يبق بعد ذلك عذر لمن ينازعه في دينه فلا جرم ختم بالتهديد والوعيد فقال {إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد} وإنما خص القرآن بالتنزيل والكتابين بالإنزال لأنه نزل منجماً، فكان معنى التكثير حاصلاً فيه، وأنهما نزلا جملة. وأما قوله {أية : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} تفسير : [الكهف: 1] فالمراد هناك نزوله مطلقاً من غير اعتبار التنجيم. قال أبو مسلم: قوله {بالحق} أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم، و أن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل، وأنه قول فصل وليس بالهزل. وقال الأصم: أي بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية، ولبعضهم على بعض من سلوك سبيل العدالة والإنصاف في المعاملات. وقيل: مصوناً من المعاني الفاسدة المتناقضة كقوله {أية : ولم يجعل له عوجاً قيماً} تفسير : [الكهف: 1، 2] {أية : لوجدوا فيه اختلافا كثيراً} تفسير : [النساء: 82] وفي قوله {مصدقاً لما بين يديه} إنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقاً لسائر الكتب المتقدمة، لأن من هو على مثل حاله من كونه أمياً لم يخالط أهل الدرس والقراءة إن كان مفترياً استحال أن يسلم من التحريف والجزاف. وفيه أنه تعالى لم يبعث نبياً قط إلا بالدعاء إلى توحيده وتنزيهه عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان. فإن قيل: كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه؟ فالجواب أن هذا اللفظ صار مطلقاً في معنى التقدم، أو لغاية ظهور تلك الأخبار جعلها كالحاضر عنده. فإن قلت: كيف يكون مصدقاً لما تقدمه من الكتب مع أنه ناسخ لأحكامها أكثرها؟ قلنا: إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثته ثم تصير منسوخة عند نزول القرآن، كانت موافقة للقرآن، وكان القرآن مصدقاً لها. فأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها لأن المباحث الإلهية والقصص والمواعظ لا تختلف. والتوراة والإنجيل اسمان أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسريانية. فالاشتغال باشتقاقهما لا يفيد إلا أن بعض الأدباء قد تكلف ذلك فقال الفراء: التوراة معناها الضياء والنور من ورى الزند يرى إذا قدح وظهرت / النار. قال: وأصلها تورية بفتح التاء والراء ولهذا قلبت الياء ألفاً. أو تورية بكسر الراء "تفعلة" مثل "توفية" إلا أن الراء فتحت على لغة طي فإنهم يقولون في بادية "باداة". وزعم الخليل والبصريون أن أصلها "وورية" "فوعلة" كصومعة فقلبت الواو الأولى تاء كتجاه وتراث. وأما الإنجيل فالزجاج: إفعيل من النجل الأصل أي هو الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين. وقيل: من نجلت الشيء استخرجته أي إنه تعالى أظهر الحق بسببه. أبو عمرو الشيباني: التناجل التنازع سمي بذلك لأن القوم تنازعوا فيه. ومعنى قوله {من قبل} أي من قبل أن ينزل القرآن. و{هدى للناس} إما أن يكون عائداً إلى الكتابين فقط فيكون قد وصف القرآن بأنه حق، ووصف التوراة والإنجيل بأنهما هدى. وإنما لم يوصف القرآن بأنه هدى مع أنه قال في أول البقرة {أية : هدى للمتقين} تفسير : [البقرة: 2] لأن المناظرة ههنا مع النصارى وهم لا يهتدون بالقرآن، فذكر أنه حق في نفسه سواء قبلوه أو لم يقبلوه، وأما الكتابان فهم قائلون بصحتهما فخصهما بالهداية لذلك، وإما أن يكون راجعاً إلى الكتب الثلاثة وهو قول الأكثرين. {وأنزل الفرقان} قيل: أي جنس الكتب السماوية لأنها كلها تفرق بين الحق والباطل. وقيل: أي الكتب التي ذكرها كأنه وصفها بوصف آخر فيكون كما قال: شعر : الى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : وقيل: أي الكتاب الرابع وهو الزبور، وزيف بأن الزبور ليس فيه شيء من الشرائع والأحكام وإنما هو مواعظ، ويحتمل أن يجاب بأن غاية المواعظ هي التزام الأحكام المعلومة فيؤل إلى ذلك. وقيل: كرر ذكر القرآن بما هو مدح له ونعت بعد ذكره باسم الجنس تفخيماً لشأنه وإظهاراً لفضله. وفي التفسير الكبير: إنه تعالى لما ذكر الكتب الثلاثة بيّن أنه أنزل معها ما هو الفرقان الحق وهو المعجز الباهر الذي يدل على صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين كلام المخلوقين. ثم إنه تعالى بعد ذكر الإلهيات والنبوات زجراً لمعرضين عن هذه الدلائل وهم أولئك النصارى أو كل من أعرض عن دلائله فإن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ فقال {إن الذين كفروا بآيات الله} من كتبه المنزلة وغيرها من دلائله {لهم عذاب شديد والله عزيز} لا يغالب إذ لا حد لقدرته {ذو انتقام} عقاب شديد لا يقدر على مثله منتقم. فالتنكير للتعظيم. وانتقمت منه إذا كافأته عقوبة بما صنع. فالعزيز إشارة إلى القدرة التامة على العقاب، وذو انتقام إشارة إلى كونه فاعلاً للعقاب. فالأول صفة الذات، والثاني صفة الفعل. قوله سبحانه {إن الله لا يخفى عليه شيء} لما ذكر أنه حيّ قيوم والقيوم هو القائم بإصلاح مصالح الخلق، وكونه كذلك يتوقف على مجموع أمرين: أن يكون عالماً بكميات / حاجاتهم وكيفياتها وكلياتها وجزئياتها، ثم أن يكون قادراً على ترتيبها. والأول لا يتم إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات أشار إلى ذلك بقوله {إن الله لا يخفى عليه شيء} والثاني لا يتأتى إلا إذا كان قادراً على جميع الممكنات فأشار إليه بقوله {هو الذي يصوركم} ثم فيه لطيفة أخرى وهي أنه لما ادعى كمال عمله بقوله {إن الله لا يخفى عليه شيء} والطريق إلى إثبات كونه تعالى عالماً لا يجوز أن يكون هو السمع، لأن معرفة صحة السمع موقوفة على العلم بكونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، بل الطريق إلى ذلك ليس إلا الدليل العقلي فلا جرم قال {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي} ظلمات {ٱلأَرْحَامِ} بهذه البنية العجيبة والتركيب الغريب من أعضاء مختلفة في الشكل والطبع والصفة، بعضها عظام، وبعضها أوردة، وبعضها شرايين، وبعضها عضلات. ثم إنه ضم بعضها إلى بعض على التركيب الأحسن والتأليف الأكمل، وذلك يدل على كمال علمه لأن التركيب المحكم المتقن لا يصدر إلا عن العالم بتفاصيله. ثم إنه تعالى لما كان قيوماً بمصالح الخلق ومصالحهم قسمان: جسمانية وأشرفها تعديل المزاج وأشار إليها بقوله {هو الذي يصوركم} وروحانية وأشرفها إلى العلم فلا جرم أشار إلى ذلك بقوله {هو الذي أنزل عليك الكتاب}. ويحتمل أن تنزل هذه الآيات على سبب نزولها. وذلك أن النصارى ادعوا إلهية عيسى وعولوا في ذلك على نوعين من الشبهة: أحدهما يتعلق بالعلم وهو أن عيسى عليه السلام كان يخبر عن الغيوب وذلك قوله تعالى: {أية : وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} تفسير : [آل عمران: 49] والثاني يتعلق بالقدرة كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وليس للنصارى شبهة غير هاتين. فأزال شبهتهم الأولى بقوله {إن الله لا يخفى عليه شيء} فمن المعلوم بالضرورة من أحوال عيسى أنه ما كان عالماً بجميع المعلومات. فعدم إحاطته بجميع الأشياء فيه دلالة قاطعة على أنه ليس بإله، ولكن إحاطته ببعض المغيبات لا تدل على كونه إلهاً لاحتمال أنه علم ذلك بالوحي أو الإلهام. وأزال شبهتهم الثانية بقوله {هو الذي يصوركم} وذلك أن الإله هو الذي يقدر على أن يصور في الأرحام من قطرة صغيرة من النطفة هذا التركيب العجيب والتأليف الغريب، ومعلوم أن عيسى لم يكن قادراً على الإحياء والإماتة بهذا الوجه. كيف ولو قدر على ذلك لأمات أولئك الذين أخذوه على زعم النصارى وقتلوه. فإماتة بعض الأشخاص أو إحياؤه لا يدل على الإلهية لجواز كونه بإظهار الله تعالى المعجزة على يده، والعجز على إماتة البعض أو إحيائه يدل على عدم الإلهية قطعاً، وأما الإحياء والإماتة لجميع الحيوانات فيدل على الإلهية قطعاً. ثم إنّهم عدلوا عن المقدمات المشاهدية إلى مقدمات إلزامية وهو أنكم أيها المسلمون توافقوننا على أنه ما كان له أب من البشر فيكون ابناً لله. والجواب عنه بقوله / أيضاً {هو الذي يصوركم} لأن هذا التصوير لما كان منه صفة فإن شاء صوره من نطفة الأب، وإن شاء صوره ابتداء من غير أب. وأيضاً قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: ألست تقول إن عيسى كلمة الله وروحه؟ وهذا يدل على أنه ابن لله. فأجاب الله تعالى عنه بأن هذا إلزام لفظي، محتمل للحقيقة والمجاز. وإذا ورد اللفظ بحيث يخالف الدليل العقلي كان من باب المتشابهات فوجب رده إلى التأويل، أو تفويضه إلى علم الله وذلك قوله {هو الذي أنزل عليك الكتاب} الآية. فظهر أنه ليس في المسألة حجة ولا شبهة إلا وقد اشتملت هذه الآيات على دفعها والجواب عنها، فإن قيل: ما الفائدة في قوله {في الأرض ولا في السماء} مع أنه لو أطلق كان أبلغ؟ قلت: الغرض تفهيم العباد كمال علمه وذلك عند ذكر السموات والأرض أقوى لعظمتهما في الحس، والحس متى أعان العقل على المطلوب كان الفهم أتم والإدراك أكمل، وهذه فائدة ضرب الأمثلة في العلوم. قال الواحدي: التصوير جعل الشيء على صورة، والصورة هيئة حاصلة للشيء عند إيقاع التأليف بين أجزائه، وأصله من صاره إذا أماله. وذلك أن الصورة مائلة إلى شكل أبويه. والأرحام جمع الرحم، والتركيب يدل على الرقة والعطف كما سلف. وقيل: سمي رحماً لاشتراك الرحم فيما بوجب الرحمة والعطف. وقرىء {تصوركم} أي صوركم لنفسه ولتعبده. و"كيف" في موضع الحال أي على أي حال أراد طويلاً أو قصيراً، أسود أو أبيض، حسناً أو قبيحاً إلى غير ذلك من الأحوال المختلفة. ثم إنه تعالى لما أجاب عن شبههم أعاد كلمة التوحيد رداً على النصارى القائلين بالتثليث فقال {لا إله إلا هو العزيز الحكيم} فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إلى كمال العلم. وفيه رد على من زعم إلهية عيسى فإن العلم ببعض الغيوب وإحياء بعض الأشخاص لا يكفي في كونه إلهاً. ولنذكر ههنا مسائل: الأولى: القرآن دل على أنه بكليته محكم وذلك قوله: {أية : الر كتاب أحكمت آياته} تفسير : [هود: 1] {أية : الر تلك آيات الكتاب الحكيم} تفسير : [يوسف: 1] والمراد كون كله كلاماً ملحقاً فصيح الألفاظ صحيح المعاني، وأنه بحيث لا يتمكن أحد من الإتيان بمثله لوثاقة مبانية وبلاغة معانيه. ودل على أنه بتمامه متشابه {أية : كتاباً متشابهاً مثاني} تفسير : [الزمر: 23] والمراد أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن والإعجاز والبراءة من التناقض والتناقض. ثم إن هذه الآية {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} دلت على أن بعض القرآن محكم وبعضه متشابه. فيعني ههنا بالمحكم ما هو المشترك بين النص والظاهر، وبالمتشابه القدر المشترك بين المجمل والمؤول كما تقرر في المقدمة التاسعة من مقدّمات هذا الكتاب. والإحكام في اللغة المنع وكذا سائر تراكيبه. / فالحاكم يمنع الظالم من الظلم، وحكمة اللجام تمنع الفرس من الاضطراب، وفي حديث النخعي "حديث : حكم اليتيم كما تحكم ولدك" تفسير : أي امنعه من الفساد. وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي وأما التشابه فهو كون الشيئين بحيث يعجز الذهن عن التمييز بينهما. ثم يقال لكل ما لا يهتدي الإنسان إليه متشابه إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، ونظيره المشكل لأنه أشكل أي دخل في شكل غيره، ثم إن كل أحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، ولقول خصمه متشابهة. فالمعتزلي يقول: {أية : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} تفسير : [الكهف: 29] محكم {أية : وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} تفسير : [التكوير: 29] متشابه. والسني يقلب الأمر في ذلك. وكذا المعتزلي يقول: {أية : لا تدركه الأبصار} تفسير : [الأنعام: 103] محكم وقوله {أية : وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة} تفسير : [القيامة: 22، 23] متشابه. والسني بالعكس. فلا بد من قانون يرجع إليه فنقول: صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل. وهو إما لفظي أو عقلي. والدليل اللفظي لا يكون قاطعاً ألبتة لتوقفه على نقل اللغات، وعلى وجوه التصريف والإعراب، وعلى عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم التخصيص وعدم الإضمار وعدم المعارض النقلي والعقلي، وكل ذلك مظنون، والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنوناً فلا يجوز التعويل عليه في المسائل الأصولية، فإذن لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بالدلالة القطعية العقلية، على أن معناه الراجح محال عقلاً فإذا قامت هذه الدلالة وعرف المكلف أنه ليس مراد الله تعالى من هذه اللفظ ما أشعر به الظاهر، فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا، لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز، وترجيح تأويل على تأويل، وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلائل اللفظية وهي ظنية كما بينا ولا سيما المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر، فإذن الخوض في تعيين التأويل غير جائز والله أعلم. المسألة الثانية في حكاية أقوال الناس في المحكم والمتشابه. عن ابن عباس أن المحكمات هي الآيات الثلاث في سورة الأنعام {أية : قل تعالوا} تفسير : [آية: 151] إلى آخرها، وعلى هذا فالمحكم عنده ما لا يتغير باختلاف الشرائع، لأن هذه الآية كذلك. والمتشابهات هي التي اشتبهت على اليهود كأوائل السور، أوّلوها على حساب الجمل ليستخرجوا بقاء هذه الأمة فاختلط الأمر عليهم واشتبه. وعنه أن المحكم هو الناسخ والمتشابه هو المنسوخ. وقال الأصم: المحكم هو الذي يكون دلائله واضحة لائحة كإنشاء الخلق في قوله: {أية : فخلقنا النطفة علقة} تفسير : [المؤمنون: 14] والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل كآيات / البعث، فإن التأمل يجعلها محكمة، فإن من قدر على الإنشاء قدر على الإعادة. فإن عنى الأصم بوضوح الدلائل رجحانها، وبالخفاء خلاف ذلك، فهذا هو الذي ذكرنا من أن المحكم عبارة عن النص والظاهر، والمتشابه المجمل والمؤول. وإن عنى بالواضح ما تعلم صحته بضرورة العقل، وبالخفي ما تعرف صحته بدليل العقل، فكل القرآن متشابه. فإن إنشاء الخلق أيضاً يفتقر إلى دليل عقلي، فإن الدهري ينسب ذلك إلى الطبيعة، والمنجم إلى تأثير الكواكب. ولعل الأصم يسمي ما هو الأبعد عن الغلط لقلة مقدماته وضبطها محكماً، والذي هو غير ذلك متشابهاً. وقيل: كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي أو دليل خفي فهو المحكم، وكل ما لا سبيل إلى معرفته كالعلم بوقت القيامة وبمقادير الثواب والعقاب في حق كل مكلف فذاك متشابه. المسألة الثالثة في أنه لم جعل بعض القرآن محكماً وبعضه متشابهاً. من الملحدة من طعن فيه وقال: كيف يليق بالحكيم أن يجعل كتابه المرجوع إليه في دينه، الموضوع إلى يوم القيامة بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب، فمثبت الرؤية يتمسك بقوله {أية : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} تفسير : [القيامة: 22، 23] ونافيها يتشبث بقوله {أية : لا تدركه الأبصار} تفسير : [الأنعام: 103] ومثبت الجهة {أية : يخافون ربهم من فوقهم} تفسير : [النحل: 50] {أية : الرحمن على العرش استوى} تفسير : [طه: 5] والنافي {أية : ليس كمثله شيء} تفسير : [الشورى: 11] فكل منهم يسمي الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والمخالفة متشابهة، وربما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى وجوه ضعيفة وتراجيح خفية، وهذا لا يليق بالحكمة مع أنه لو جعل كله ظاهراً جلياً خالصاً عن المتشابه نفياً كان أقرب إلى حصول الغرض. والجواب أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب. وأيضاً لو كان كله محكماً كان مطابقاً لمذهب واحد فقط فكان ينفر أرباب سائر المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه والانتفاع به، وإذا كان مشتملاً على القسمين فحينئذٍ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يؤيد مقالته فيجتهد في فهم معانيه، وبعد الفحص والاستكشاف، صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات، ويتخلص المبطل عن باطلة ويصل إلى الحق. وأيضاً إذا كان فيه محكم ومتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بالدلائل العقلية، فيتخلص من ظلمة التقليد إلى ضياء البينة والاستدلال والطمأنينة، وافتقر أيضاً إلى تحصيل علوم أخر كالصرف والنحو والمعاني والبيان وأصول الفقه وأصول الكلام إلى غير ذلك، ولما في المشابهة من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه. وههنا سبب أقوى وهو أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام، وطباع العامة تنبو في / الأغلب عن إدراك الحقائق، فمن سمع منهم في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما توهموه وتخيلوه مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح. فالأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر من باب المتشابهات، والثاني وهو الذي يكشف لهم آخر الحال من قبيل المحكمات. قوله {هن أم الكتاب} الأم في اللغة الأصل الذي يتكون منه الشيء. فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات، فلا جرم صارت المحكمات أصولاً للمتشابهات. وإنما لم يقل أمهات الكتاب ليطابق المبتدأ لأن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد هو الأصل لمجموع المتشابهات، وهذا كقوله {أية : وجعلنا ابن مريم وأمه آية} تفسير : [المؤمنون: 50] على معنى أن مجموعها آية واحدة. {وأخر} أي ومنه آيات آخر {متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي ميل عن الحق {فيتبعون ما تشابه منه} لا يتمسكون إلا بالمتشابه. قال الربيع: هم وفد نجران حديث : حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسيح فقالوا: أليس هو كلمة الله وروحاً منه؟ قال صلى الله عليه وسلم: بلى. قالوا: حسبناتفسير : . وقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم مدة بقاء هذه الأمة من الحروف المقطعة في أوائل السور. وقال قتادة والزجاج: هم منكرو البعث لأنه قال في آخره {وما يعلم تأويله إلا الله} وما ذاك إلا وقت القيامة فإنه تعالى أخفاها عن الخلائق حتى الملائكة والأنبياء. والتحقيق أنه عام لكل مبطل متشبث بأهداب المتشابهات، لأن اللفظ عام وخصوص السبب لا يمنع عن عموم اللفظ. ويدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه. ومن جملته ما وعد الله به الرسول من النصرة والكفار من النقمة فكانوا يقولون ائتنا بعذاب الله، ومتى الساعة، ولو ما تأتينا بالملائكة، فموهوا الأمر على الضعفة. قال أهل السنة: ويدخل في هذا الباب استدلال المشبهة بقوله {أية : الرحمن على العرش استوى} تفسير : [طه: 5] فإنه لما ثبت بصريح العقل امتناع كون الإله في مكان وإلا لزم انقسامه، وكل منقسم مركب، وكل مركب ممكن. فمن تمسك به كان متمسكاً بالمتشابهات. ومن جملة ذلك استدلال المعتزلة بالظواهر الدالة على تفويض الفعل بالكلية إلى العبد فإنه لما ثبت بالبرهان العقلي أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي وأنه من الله تعالى وإلا تسلسل، فيكون حصول الفعل مع تلك الداعية وعدمه عند عدمها واجباً فيبطل التفويض ويثبت أن الكل بقضاء الله وقدره. وإذا لاحت الدلائل العقلية يجوز للعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابه؟ بناء على ما اشتهر بين الجمهور من أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة، وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة. / والإنصاف أن الآيات ثلاثة أقسام: أحدها ما يتأكد ظواهرها بالدلائل العقلية فذاك هو المحكم حقاً. وثانيها التي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله غير ظاهره. وثالثها الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه فهو المتشابه بمعنى أن الأمر اشتبه فيه ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر. لكن ههنا عقدة أخرى وهي أن الدليل العقلي مختلف فيه أيضاً بحسب ما رتبه كل فريق وتخيله صادقاً في ظنه مادة وصورة. فكل فريق يدعي بمقتضى فكره أن الدليل العقلي قد قام على ما يوافق مذهبه وتأكد به الظاهر الذي تعلق به، فلا خلاص من البين إلا بتأييد سماوي ونور إلهي {أية : ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور} تفسير : [النور: 40] ثم إنه تعالى بين أن للزائغين غرضين: أحدهما {ابتغاء الفتنة} وهي في اللغة الاستهتار بالشيء والغلو فيه، يقال: فلان مفتون بطلب الدنيا، والرجل مفتون بابنه وبشعره. فكان التمسك بذلك المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه فيصير مفتوناً به عاشقاً لا ينقطع عنه تخيله البتة. وقيل: الفتنة في الدين هو الضلال عنه أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم. وعن الأصم: إنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين صار بعضهم مخالفاً للبعض في الدين، وذلك يفضي إلى التقاتل والهرج والمرج فذاك هو الفتنة. الغرض الثاني {ابتغاء تأويله} أي طلب المعنى الذي يرجع إليه اللفظ بحسب ما يشتهونه من غير أن يكون قد وجد له في كتاب الله بيان. قال القاضي أبو بكر: هؤلاء الزائغون قد ابتغوا المتشابه من وجهين أحدهما أن يحملوه على غير الحق وهو المراد من قوله {ابتغاء الفتنة} والثاني أن يحكموا بحكم في الموضع الذي لا دليل فيه وهو قوله {وابتغاء تأويله} ثم قال عز من قائل {وما يعلم تأويله إلا الله} والعلماء اختلفوا في هذا الموضع. منهم من يقف ههنا، فعلى هذا لا يعلم المتشابه إلا الله وهو قول ابن عباس وعائشة والحسن ومالك بن أنس والكسائي والفراء، ومن المعتزلة قول أبي علي الجبائي. ومنهم من لم يجعل الواو في {والراسخون} للابتداء وإنما يجعله للعطف حتى يكون العلم بالمتشابه حاصلاً عند الله وعند الراسخين، لأن وصفهم بالرسوخ في العلم - وهو الثبوت والتعمق وبعد الغور فيه - يناسب ذلك. وهذا قول مجاهد والربيع بن أنس وأكثر المتكلمين، وقد يروى عن ابن عباس أيضاً. والمختار هو الأول لوجوه منها: ما ذهب إليه كثير من العلماء أن "أما" فيه معنى التفصيل البتة، وهذا إنما يستقيم لو قدر و"أما الراسخون في العلم فيقولون". ومنها أن اللفظ إذا كان له معنى راجح ثم دل دليل أقوى منه على أن ذلك الظاهر غير مراد، علم أن مراد الله بعض مجازات تلك الحقيقة وفي المجازات كثرة. وترجيح البعض على البعض لا يكون إلا بالتراجيح اللغوية الظنية، ومثل ذلك لا يصح / الاستدلال به في المسائل القطعية مثاله {أية : الرحمن على العرش استوى} تفسير : [طه: 5] فإنه دل الدليل على أن الإله يمتنع أن يكون في المكان، فعرفنا أنه ليس مراداً لله من هذه الآية ما أشعر به ظاهرها إلا أن في مجازات هذا اللفظ كثرة لا يتعين أحدها إلا بدليل لغوي ظني، والقول بالظن في ذات الله وصفاته غير جائز بإجماع المسلمين، ولهذا قال مالك بن أنس: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. ومنها ما قيل إن هذه الآية ذم لطالب تأويل المتشابه حيث قال {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه} وتخصيص بعض المتشابهات بذلك كطلب وقت الساعة ونحوه ترجيح من غير مرجح، فالذم يتوجه على الكل وهو المطلوب. ومنها أنه تعالى مدح الراسخين في العلم بأنهم {يقولون آمنا به} وقال تعالى في أول البقرة: {أية : فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم} تفسير : [البقرة: 26] فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح، ولا في قولهم {كل من عند ربنا} لأن كل من عرف شيئاً على التفصيل فإنه لا بد أن يؤمن به إنما الراسخون في العلم هم الذين علموا بالدلائل القطعية أن الله تعالى عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها، وعلموا أن القرآن كلام الله تعالى، وأنه لا يتكلم بالباطل والعبث، فإذا سمعوا آية ودلت الدلائل القاطعة على أنه لا يجوز أن يكون ظاهرها مراداً لله تعالى عرفوا أن مراد الله تعالى منه شيء غير ذلك الظاهر، ثم فوضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه وقطعوا بأن ذلك المعنى أي شيء كان فهو الحق والصواب. فهؤلاء هم الراسخون في العلم بالله بحيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر ولا عدم علمهم بالمراد عن الإيمان بالله والجزم بصحة القرآن، ولم يصر كون ظاهره مردوداً شبهة لهم في الطعن في كلام الله تعالى. ثم إن جعل قوله {والراسخون} عطفاً على اسم {الله} فقوله {يقولون آمنا به} كلام مستأنف موضح لحال الراسخين بمعنى هم يقولون آمنا بالمتشابه كل من عند ربنا أي كل واحد من المحكم والمتشابه من عنده. وفي زيادة {عند} مزيد توضيح وتأكيد وتفخيم لشأن القرآن، ويحتمل أن يعود الضمير في {آمنا به} إلى الكتاب أي يقولون، آمنا بالكتاب كل من محكمه ومتشابهه من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه ولا يختلف كتابه، ويحتمل أن يكون قوله {يقولون} حالاً إلا أن فيه إشكالاً وهو أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره وههنا قد تقدم ذكر الله وذكر الراسخين، والحال لا يمكن إلا من الراسخين فيلزم ترك الظاهر. {وما يذكر إلا أولوا الألباب} ما يتعظ إلا ذوو العقول الكاملة الذين يستعملون أذهانهم في فهم القرآن فيعلمون ما الذي يطابق ظاهره دلائل العقل فيكون محكماً، وما الذي هو بالعكس فيكون متشابهاً، ثم يعتقدون أن الكل كلام من لا يجوز في / كلامه التناقض، فيحكمون بأن ذلك المتشابه لا بد أن يكون له معنى صحيح عند الله وإن دق عن فهومنا. وقيل: هو مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمل حتى علموا من التأويل ما علموا. ثم إنه تعالى حكى عن الراسخين نوعين من الدعاء: الأول قولهم {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} أي بعد وقت هدايتنا، والثاني قولهم {وهب لنا من لدنك رحمة} سألوا ربهم أوّلاً أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الأباطيل والعقائد الفاسدة، ثم أن ينور قلوبهم بأنوار المعرفة ويزين جوارحهم وأعضاءهم بزينة الطاعة والعبودية والخدمة. ونكَّر رحمة ليشمل جميع أنواعها. فأوّلها أن يحصل في القلب نور الإيمان والتوحيد والمعرفة، وثانيها أن يحصل في الجوارح والأعضاء نور الطاعة والعبودية والخدمة، وثالثها أن يحصل له في الدنيا سهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفاية، ورابعها أن يحصل عند الموت سهولة سكرات الموت، وخامسها سهولة السؤال والظلمة والوحشة في القبر، وسادسها في القيامة سهولة العقاب والخطاب وغفران السيئات وتبديلها بالحسنات، وسابعها في الجنة ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وثامنها في الحضرة رفع الأستار ورؤية الملك الجبار. وفي قولهم {من لدنك} تنبيه على أن هذا المقصود لا يحصل إلا من عنده ويؤكده قوله {إنك أنت الوهاب} فالمطالب وإن كانت عظيمة فإنها تكون حقيرة بالنسبة إلى غاية كرمك ونهاية وجودك وموهبتك. ولنعد إلى ما يتعلق بالدعاء الأول قال أهل السنة: القلب صالح لأن يميل إلى الإيمان، وصالح لأن يميل إلى الكفر، وكل منهما يتوقف على داعية ينشئها الله تعالى فيه، إذ لو حدثت بنفسها لزم سد باب إثبات الصانع. فإن كانت داعية الكفر فهو الخذلان والإزاغة والصد والختم والطبع والرين وغيرها مما ورد في القرآن، وإن كانت داعية الإيمان فهو التوفيق والرشاد والهداية والتثبيت والعصمة ونحوها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن" تفسير : يعني الداعيتين. ومما يؤكد ذلك أن الله تعالى مدح هؤلاء الراسخين بأنهم لا يتبعون المتشابهات بل يؤمنون بها على سبيل الإجمال ويتركون الخوض فيها فيبعد منهم في مثل هذا الوقت أن يتكلموا بالمتشابه، فتكون هذه الآية من أقوى المحكمات وهو ظاهر في أن الإزاغة والهداية كلتيهما من الله تعالى. أما المعتزلة فقد قالوا: لما دلت الدلائل على أن الإزاغة لا يجوز أن تصدر من الله تعالى لأن ذلك ظلم وقبيح، وجب صرف الآية إلى التأويل فقال الجبائي واختاره القاضي: المراد أن لا يمنع قلوبهم الألطاف التي معها يستمر قلبهم على صفة الإيمان، وزيف بأن اللطف إن / صح في حقهم وجب عندكم على الله أن يفعل ذلك وجوباً لو تركه لبطلت إلهيته ولصار جاهلاً أو محتاجاً. وقال الأصم: لا تبلنا ببلوى يزيغ عندها قلوبنا. والمعنى لا تكلفنا من العبادات ما لا نأمن معه الزيغ. وقد يقول القائل: لا تحملني على إيذائك أي لا تفعل ما أصير عنده مؤذياً لك. وزيف بأن التشديد في التكليف قبيح إن علم الله تعالى أن له أثراً في حمل المكلف على القبيح وإلا فوجوده كعدمه فلا فائدة في صرف الدعاء إليه. وقال الكعبى: لا تسمنا باسم الزائغ كما يقال: فلان يكفر فلاناً أي يقول إنه كافر. وزيف بأن التسمية دائرة مع الفعل، وفعل الزيغ باختيار العبد عندكم فالتسمية أيضاً بسببه، وقال الجبائي أيضاً: لا تزغ قلوبنا عن جنتك وثوابك وهو كالأول إلا أن يحمل على شيء اخر وهو أنه تعالى إذا علم أنه مؤمن في الحال، وعلم أنه لو بقي إلى السنة الثانية لكفر أماته في هذه السنة. ويرد عليه أنه لو كان علمه بأنه يكفر في السنة الثانية يوجب عليه أن يميته لكان علمه بأنه لا يؤمن قط ويبقى على الكفر طول عمره يوجب أن لا يخلقه. وعن الأصم أيضاً: لا تزغ قلوبنا عن كمال العقل بالجنون بعد إذ هديتنا بنور العقل. ولا يخفى تعسفه وعدم مناسبته لقوله {فأما الذين في قلوبهم زيغ}. وقال أبو مسلم: احرسنا من الشيطان ومن شرور أنفسنا حتى لا نزيغ. ثم إنهم لما طلبوا أن يصونهم عن الزيغ وأن يخصهم بالهداية والرحمة فكأنهم قالوا ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقضية، ولكن الغرض ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه أي في وقوعه. فاللام للوقت، أو جامع الناس لجزاء يوم فحذف المضاف {إن الله لا يخلف الميعاد} قيل: هو كلام الله تعالى كأنه يصدقهم فيما قالوه، ولو كان من تمام قول المؤمنين لقيل: إنك لا تخلف. إلا أن يحمل على الالتفات ومعناه أن الإلهية تنافي خلف الميعاد كقولك: إن الجواد لا يخيب سائله. ولا سيما وعد الحشر والجزاء لينتصف للمظلومين من الظالمين. والميعاد المواعدة والوقت والموضع قاله في الصحاح. واعلم أنه لا يلزم من أنه تعالى لا يخلف الوعد القطع بوعيد الفساق كما زعم المعتزلة، لأن كل ما ورد في وعيد الفساق فهو عندنا مشروط بشرط عدم العفو، كما أنه بالاتفاق مشروط بشرط عدم التوبة بدليل منفصل. قال الواحدي: ولم لا يجوز أن يحمل هذا على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء، لأن خلف الوعيد كرم عند العرب. قال بعضهم: شعر : إذا وعد السراء أنجز وعده وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه تفسير : وناظر أبو عمرو بن العلاء عمرو بن عبيد فقال: ما تقول في أصحاب الكبائر؟ فقال: إن الله وعد وعداً وأوعد إيعاداً. فهو منجز إيعاده كما هو منجز وعده. فقال أبو عمرو إنك أعجم لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب، لأن العرب تعدّ الرجوع عن الوعد لؤماً وعن الايعاد كرماً وأنشد: شعر : وإني وإن أوعدته أو وعدته لمكذب إيعادي ومنجز موعدي تفسير : وذلك أن الوعد حق عليه، والوعيد حق له، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم، ومن أسقط حق غيره فذلك هو اللؤم فهذا هو الفرق بين الوعد والوعيد. على أنا لا نسلم أن الوعيد ثابت جزماً من غير شرط بل هو مشروط بعدم العفو فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام الله تعالى. ثم إنه سبحانه لما حكى عن المؤمنين دعاءهم وتضرعهم حكى كيفية حال الكافرين وشدة عذابهم فقال: {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً} وقيل: المراد وفد نجران وذلك أنا روينا في قصتهم أن أبا حارثة بن عقلمة قال لأخيه: إني أعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً، ولكن إن أظهرت ذلك أخذ ملوك الروم مني ما أعطوني من المال. فالله تعالى بيَّن أن أموالهم وأولادهم لا تدفع عنهم عذاب الله في الدنيا والآخرة، لكن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ. واعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عنه كل ما كان منتفعاً به ويجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة. أما الأول فإليه أشار بقوله: {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم} لأنهما أقرب الأمور التي يفزع إليها المرء عند الخطوب. وإذا لم يفد أقرب الطرق إلى دفع المضار في ذلك اليوم فما عداه بالتعذر أولى ومثله {أية : يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} تفسير : [الصافات: 149] {أية : المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير} تفسير : [الكهف: 46]. وأما الثاني فإليه أشار بقوله: {وأولئك هم وقود النار} فإنه لا عذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس: و"من" في قوله {من الله} للبدل مثله في قوله {أية : و إن الظن لا يغني من الحق شيئا} تفسير : [النجم: 28] أي بدله والمضاف محذوف تقديره لن تغني عنهم بدل رحمة الله أو طاعته شيئاً. أو في الحديث "حديث : ولا ينفع ذا الجد منك الجد "تفسير : أي لا ينفعه جده وحظه في الدنيا بدل طاعتك وعبادتك وما عندك وأنشد أبو علي: شعر : فليت لنا من ماء زمزم شربة مبردة باتت على طهيان تفسير : وطهيان من بلاد الأزد. قلت: يجوز أن يقال "من" للابتداء تقديره من عذاب الله، والجار والمجرور مقدم حالاً من شيء أو "من" زائدة لتأكيد النفي التقدير: لن تغني عنهم عذاب الله شيئاً من الغناء أي لن تدفع. وقال أبو عبيدة "من" بمعنى "عند" والمعنى: لن تغني عند الله شيئاً. قوله تعالى: {كدأب آل فرعون} يقال: دأب فلانٍ في عمله أي جدّ وتعب دأبا دؤباً فهو دئيب. وأدأبته أنا، والدائبان الليل والنهار، والدأب العادة والشان، وكل ما عليه الإنسان من صنيع وحالة، وقد يحرّك وأصله من دأبت إطلاقاً لاسم الخاص على العام أي جد هؤلاء الكفار واجتهادهم أو شأنهم أو صنيعهم في تكذيب محمد وكفرهم بدينه كدأب آل فرعون مع موسى عليه السلام. ثم إنا أهلكنا أولئك بذنوبهم فكذلك نهلك هؤلاء. فقوله: {كذبوا بآياتنا} تفسير لدأبهم على أنه جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ما فعلوا وما فعل بهم؟ فقيل: كذبوا بآياتنا بالمعجزات الدالة على صدق رسلنا. {فأخذهم الله بذنوبهم} أي صاروا عند نزول العذاب كالمأخوذ المأسور الذي لا يقدر على وجه الخلاص البتة. وقيل: المعنى كدأب الله في آل فرعون أي يجعلهم الله وقود النار كعادته وصنيعه في آل فرعون والمصدر يضاف تارة إلى الفاعل وتارة إلى المفعول. وقال القفال: يحتمل أن تكون الآية جامعة للعادة المضافة إلى الله تعالى وللعادة المضافة إلى الكفار كأنه قيل: إن عادة هؤلاء الكفار ومذهبهم في إيذاء محمد كعادة من قبلهم في إيذاء الرسل، وعادتنا أيضاً في إهلاك هؤلاء كعادتنا في إهلاك أولئك الكفرة. وقيل: الدؤب والدأب اللبث والدوام والتقدير: دؤبهم في النار كدؤب آل فرعون. وقيل: مشقتهم وتعبهم في النار كمشقة آل فرعون بالعذاب {أية : النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} تفسير : [غافر: 46]. وقيل: المشبه هو أن أموالهم وأولادهم لا تنفعهم في إزالة العذاب والمعنى: إنكم قد عرفتم ما حل بآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين بالرسل من العذاب المعجل الذي عنده لم ينفعهم مال ولا ولد، فكذلك حالكم أيها الكفار المكذبون بمحمد فينزل بكم مثل ما نزل بهم ولا تغني عنكم الأموال والأولاد. ويحتمل أن يكون وجه التشبيه أنه كما نزل بمن تقدم العذاب المعجل بالاستئصال وهو قوله {فأخذهم الله بذنوبهم} ثم صاروا إلى دوام العذاب وهو قوله {والله شديد العقاب} فسينزل بمن كذب بمحمد أمران: أحدهما المحن المعجلة من القتل والسبي والإذلال وسلب الأموال وإليه الإشارة بقوله فيما بعد {قل للذين كفروا ستغلبون} والثاني المصير إلى العذاب الدائم وذلك قوله {وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد}. / التأويل: {آلم} الألف إظهار الوحدة مطلقاً ذاتاً وصفة. فإن الألف واحد في ذاته وصفاته في وضع الحساب، ومتفرد بالأولية والانقطاع عن غيره في وضع الحروف، ويشير باستقامته وعدم تغيره في جميع الأحوال إلى عدم تغيره عن الوجود الوحداني أزلاً وأبداً. فإن الألف مصدر جميع الحروف، فإن من استقامته يخرج كل حرف معوج. ثم في اللام والميم المتصل كل حرف منهما بالآخر إثبات أن كل موجود سوى الوحدة موصوفة بالإثنينية وذلك قسمان: قسم لم يكن فكان ثم يزول، وقسم ما كان فكان ولا يزول. وهذان قسمان محدثان وموجدهما الواحد القديم الذي لا زال كان ولا يزال يكون وإليه الإشارة بالألف. وأما اللام فإشارة إلى القسم الذي لم يكن فكان ولا يكون باقياً وهو عالم الصورة والملك والأجساد. فوقوعه في المرتبة الثانية، من الألف إشارة إلى أنه مسبوق بالوجود والألف سابق عليه، والانكسار فيه يشير إلى تغيره وزواله. والميم إشارة إلى القسم الذي لم يكن فكان ولا يزال يبقى وهو عالم المعنى والملكوت والأرواح. وذلك أن الميم أول حرف من اسمه المبدىء وآخر حرف من اسمه القيوم، فيشير إلى أنه كما أبدأه المبدىء حين لم يكن يقيمه القيوم حين كان لا يزال. وبوجه آخر الألف إشارة إلى وجود حقيقي قائم بذاته، واللام يشير إلى إثبات ونفي. فالإثبات في لام التمليك {له ما في السموات وما في الأرض} والنفي في "لا" النافية أي لا وجود لشيء بالحقيقة سواه، والميم يشير أيضاً إلى إثبات ونفي. فالإثبات ميم اسمه القيوم والنفي "ما" النافية أي ما في الوجود حقيقة إلا هو. ودليل الوجهين في {آلم الله لا إله إلا هو الحي القيوم} فـ {الله} إثبات ذات القديم، {لا إله إلا هو} نفى الشرك عن وجوده وإثبات وحدته في وجوده و{الحي القيوم} إثبات جميع صفات كماله ونفي جميع سمات النقص عن ذاته. وقد أودع مجموع معاني هذه الآية في قوله {آلم} فمعنى قوله {الله} أودع في أول حرف من حروفه وهو الألف، ومعنى قوله {لا إله إلا هو} أودع في أول حرف من حروفه وهو اللام. ومعنى قوله {الحي القيوم} أودع في آخر حرف من حروفه وهو الميم. وإنما أودع في آخر حروفه ههنا ليكون السر مودعاً في الآية من أول حرفها إلى آخر حرفها مكتوماً فيما بينهما. والحروف الثلاثة من قوله {آلم} يكون الألف من أولها دالاً على المعنى الذي هو في الكلمة الأولى وهي {الله} واللام من أوسطها دالاً على المعنى الذي في الكلمة الثانية وهي {لا إله إلا هو} والميم من آخرها دالاً على المعنى الذي هو مودع في الثالثة وهو {الحي القيوم} فيكون الاسم الأعظم مودعاً في {آلم} كما روي عن سعيد بن جبير وغيره، وهو سر القرآن وصفوته كما روي عن أبي بكر وعلي عليه السلام. ثم إنه تعالى بعد أن أظهر أسرار ألوهيته المودعة في {آلم} بقوله {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} أظهر ألطاف ربوبيته المكنونة في أستار العزة مع حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم / فقال {نزل عليك الكتاب بالحق} أي نزل حقائق القرآن وأنواره على قلبك بالحقيقة متجلية لسرك، مخيفة عن زورك، فصرت مشاهداً لسر الله المودع في {آلم} وهو الذي بين يدي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} فصرت مصدقاً له تصديق تحقيق لا تصديق تقليد فأفهم إذ لم تتعلم، ولا تعلم أنك لا تفهم لأنه منطق الطير وأنت بعد بيضة لا من الطيارين ولا من السيارين. {وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس} فلا تظنن يا محمد أن إنزال الكتب على الأنبياء كان كتنزيل القرآن بالحقيقة على قلبك كما قال: {ولكن جعلناه نوراً} [الشورى: 52] حتى صرت مكاشفاً عند تجلي أنواره بأسراره، وحقائق بيني وبينك لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما إنزال الكتب على الأنبياء كان بالصورة مكتوبة في صحائف وألواح يقرؤها كل قاريء، ويستوي في هداها الأنبياء والأمم قاطبة {هدى للناس} وكنت مخصوصاً بالهداية عند تجلي أنوار القرآن بالتنزيل على قلبك كما قال: {أية : ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا}تفسير : [الشورى: 52] {وأنزل الفرقان} الذي يفرق بين تنزيله على قلبك وبين إنزال الكتب على صورة الأنبياء، ويفرق بين تعليمك القرآن وبين تعليمهم الكتب. فإن كانوا يتدارسون الكتب فأنت تتخلق بالقرآن، فشتان بين نبي يجيء وهو بذاته نور ومعه كتاب {أية : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} تفسير : [المائدة: 15] وبين نبى يجىء ومعه نور من الكتاب {أية : قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس} تفسير : [الأنعام: 91] وشتان بين نبي تشرف بكتابة الموعظة له في الألواح {أية : وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة} تفسير : [الأعراف: 145] وبين نبي تشرف أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم {أية : أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} تفسير : [المجادلة: 22] {إن الذين كفروا بآيات الله} يسترون بحجب الغفلات وتتبع الشهوات قلوبهم فتعمى عن مشاهدة هذه الآيات البينات {لهم عذاب شديد} من هذا العمى والحرمان وهم في خسران من الركون إلى هذا النقصان {والله عزيز ذو انتقام} يعز أهل الغرام بنيل المرام وينتقم من أهل السلوة بحجاب العزة. ثم أخبر تعالى عن كمال علمه بقوله {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} وكيف يخفى وإنه {هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز} عن نقص الأحكام {الحكيم} فيما يجري من الأزل إلى الأبد وجفت به الأقلام. وفي الآية إشارة إلى أنه إذا سقطت من صلب ولاية رجل من رجال الحق نطفة إرادة في رحم قلب مريد صادق يستسلم لتصرفات ولاية الشيخ وهو بمثابة ملك الأرحام، ويضبط المريد أحواله الظاهرة والباطنة على وفق أمر الشيخ ويختار الخلوة والعزلة لئلا يصدر منه حركة عنيفة أو يجد رائحة غريبة يلزم منه سقوط النطفة وفسادها، ويقعد بأمر الشيخ وتدبيره فالله تعالى بتصرف ولاية الشيخ / المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها يحوّلها من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام إلى أن يرجع إلى حظائر القدس ورياض الأنس التي منها صدر إلى عالم الإنس، فيتكون الجنين في رحم القلب وهو طفل خليفة الله في أرضه فيستحق الآن أن ينفخ فيه الروح المخصوص بأنبيائه وأوليائه {أية : يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} تفسير : [النحل: 2] {أية : كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} تفسير : [المجادلة: 22] فإذا نفخ فيه الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون. الآيات المحكمات تنزيلها شرب الخواص والعوام لبسط الشرع والاهتداء، والمتشابهات تأويلها شرب الخواص وخواص الخواص لإخفاء الأسرار عن الأغيار والابتلاء {فأما الذين في قلوبهم زيغ} ألبست قلوبهم غطاء الريب وحرموا أنوار الغيب وهم أهل الأهواء والبدع {فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة} ليضلوا بأهوائهم {وابتغاء تأويله} ليضلوا الناس بآرائهم {والراسخون في العلم يقولون آمنا به} بما شاهدوا من أنوار الحق في تحقيق التأويل {كل من عند ربنا} بتوفيقه وإعلامه وتعريفه {وما يذكر إلا أولوا الألباب} الذين خرجوا في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم من ظلمات قشور وجودهم النفساني إلى نور لباب وجودهم الروحاني، وهم الراسخون في قشور العلوم الكسبية الواصلون إلى حقائق لباب العلوم اللدنية من لدن حكيم خبير. وفي الآية إشارة إلى أن علوم الراسخين كلها بتعليم الله تعالى إياهم في الميثاق إذ تجلى بصفة الربوبية للذرّات، وأشهدهم على أنفسهم بشواهد الربوبية ألست بربكم؟ فبشهود تلك الشواهد ركز في جبلة الذرّات علم التوحيد فقالوا: بلى. ويندرج في علم التوحيد كل العلوم كما قال: {أية : وعلم آدم الأسماء كلها} تفسير : [البقرة: 31] فلما ردّت الذرّات إلى الأصلاب واحتجبت بصفات البشرية، ثم نقلت إلى الأرحام وتنقلت بقدم الأربعينات من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام من مقامات البعد عن الحضرة إلى أن وضع الحمل، وردت النفس العالمة بعلم التوحيد الناطقة به إلى أسفل سافلين القالب محتجبة بحجب البشرية ناسية تلك العلوم والتنطق بها. ثم أبواه يذكرانه تلك العلوم بالرموز والقرائن حتى يتذكر بعض تلك العلوم من وراء حجب البشرية وأستار الأطوار، وينطق بلسان الأبوين لا بلسانه الذي أجاب به الرب وقال بلى، فإن ذلك اللسان كان لب هذا اللسان وهذا قشر ذلك. وكذلك جميع وجود ظاهر الإنسان وباطنه قشور لباب ذلك الوجود المستمع المجيب في الميثاق. فسمعه قشر ذلك السمع الذي استمع خطاب الحق، وبصره قشر ذلك البصر الذي أبصر جمال الحق، وقلبه قشر ذلك القلب الذي فقه خطاب الحق، وعلومه قشر تلك العلوم التي تعلمت من الحق. فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث ليذكره حقيقة تلك العلوم التي كان أبواه يذكرانه قشرها كما قال {أية : فذكر إنما أنت مذكر} تفسير : [الغاشية: 21] فالتذكير عام ولكن التذكر خاص فلهذا قال {وما يذكر إلا أولوا / الألباب} إنما يتذكر أولوا الألباب {ربنا لا تزغ قلوبنا} عن صراطك بغلبات ظلمات طبائعنا وطباعنا {بعد إذ هديتنا} إلى حضرة جلالك ونور جمالك حتى سمعنا بلب سمعنا لب التنزيل، وشاهدنا بلب أبصارنا لب التأويل، وتذكرنا بلب عقولنا علومنا {وهب لنا من لدنك رحمة} تجذبنا من لدنا إلى لدنك وتغنينا عنا بك {إنك أنت الوهاب}. وفيه إشارة إلى أن وظيفة الطالب أن لا يسكن في مقام ولا يقف مع حال بل يكون إلى الأبد طلاباً كما كان الله من الأزل إلى الأبد وهاباً. وكما أنه لا نهاية لمواهبه فلا غاية لمطالب طالبه، وأن بعد هذه الدار داراً هي دار القرار يوفى فيها جزاء الأبرار والفجار. فحصول الأرب بقدر رعاية الأدب في الطلب. ومقاساة التعب والنصب، وإن التقوى خير زاد للمعاد {إن الله لا يخلف الميعاد} {إن الذين كفروا} ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات صفات نفسانيتهم {لن تغنى عنهم} طاغوت {أموالهم وأولادهم من} أنوار الله التي حجبوا عنها {وأولئك هم وقود النار} نار الفرقة والقطيعة {أية : نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة}تفسير : [الهمزة: 6، 7] لا نار الجحيم التي لا تحرق إلا قشور الجلود ولا تخلص إلى لب القلوب. وإن عذاب حرقة لجلود بالنسبة إلى عذاب حرقة القلوب وحرقة القطيعة عن الله كنسيم الحياة إلى سموم الممات. شعر : في فؤاد المحب نار هوى أحر نار الجحيم أبردها تفسير : وكذلك دأب جميع الكفار الذين ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات صفات النفس فعموا وصموا عن مشاهدة أنوارنا ومحافظة أسرارنا، فأخذهم الله فعاقبهم بحجاب ذنبوبهم وحرقة قلوبهم {والله شديد العقاب} أليم نار فراقه عظيم عذاب بعده وإشراقه. شعر : بالنار خوّفني قومي فقلت لهم النار ترحم من في قلبه نار
الثعالبي
تفسير : قولُه جَلَّتْ قدرته: {الۤمۤ ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} الأبْرَعُ في نَظْمِ الآيةِ أنّ يكون: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} كلاماً مبتدأً جزماً؛ جملةً رادةً علَىٰ نصارَى نَجْرَانَ الذين وفَدُوا علَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فَحَاجُّوهُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وقالوا: إِنَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ مَا هُوَ معلومٌ في السِّيَرِ، فنزل فيهم صَدْر هذه السورةِ إِلى نيِّفٍ وثمانينَ آيةً منْها، إلى أنْ دعَاهُمْ صلى الله عليه وسلم إلى الابْتِهَالِ. وقد تقدَّم تفسيرُ قوله: {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} في آية الكرسيِّ، والآيةُ هناك إِخبارٌ لجميعِ الناسِ، وكُرِّرتْ هنا إخباراً بحجج هؤلاءِ النصارَىٰ، ويردُّ عليهم؛ إِذ هذه الصفاتُ لا يمكنهم ٱدعاؤها لعيسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ؛ لأنهم إِذ يقولُون: إِنه صُلِبَ، فذلك مَوْتٌ في معتقَدِهِمْ، وإِذْ من البيِّن أنَّه ليس بقَيُّومٍ. وقراءة الجمهور «القَيُّوم»، وقرىء خارجَ السَّبْعِ: «القَيَّامُ»؛ و «القَيِّمُ»، وهذا كلُّه مِنْ: قَامَ بالأَمْرِ يقُومُ به، إِذا ٱضطَلعَ بحفْظِهِ، وبجميعِ ما يحتاجُ إِلَيْهِ في وُجُودِهِ، فاللَّه تعالَىٰ القَيَّامُ علَىٰ كلِّ شيءٍ ممَّا ينبغِي له، أوْ فِيهِ، أوْ عليه. * ت *: وقد تقدَّم ما نقلْناه في هذا الاِسم الشريفِ؛ أنه اسمُ اللَّهِ الأعظمُ، قال النوويُّ: ورُوِّينَا في كتابِ التِّرمذيِّ؛ عن أَنَسٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنَّهُ كَانَ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ، قَالَ: «حديث : يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أسْتَغِيثُ»تفسير : ، قَالَ الحاكمُ: هذا حديثٌ صحيحُ الإِسناد. اهـــ. قال صاحب «سلاح المؤمن»: وعنْ عليٍّ ـ رضي اللَّه عنه ـ، قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، قَاتَلْتُ شَيْئاً مِنْ قِتَالٍ، ثمَّ جئْتُ إِلَىٰ رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم أَنْظُرُ مَا صَنَعَ فَجِئْتُ، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ: «حديث : يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ»تفسير : ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى القِتَالِ، ثُمَّ جِئْتُ، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ؛ لاَ يَزِيدُ عَلَىٰ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ إلَى الْقِتَالِ، ثُمَّ جِئْتُ، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ ذَلِكَ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ» رواه النِّسائِيُّ، والحاكمُ في «المستدرك»، واللفظ للنسائِيِّ. وعن أسماء بنتِ يَزيد ـــ رضي اللَّه عنها ـــ؛ أنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : ٱسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ}، وَفَاتِحَةِ آلِ عِمْرَانَ: {الۤمۤ * ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}»تفسير : رواه أبو داود، واللفظ له، والترمذيُّ، وابن ماجة، وقال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعن أبي أُمَامَة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «حديث : ٱسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ فِي ثَلاَثِ سُوَرٍ: فِي سُورَةِ البَقَرَةِ، وآل عِمْرَانَ، وَطَه»تفسير : ، قال القاسِمُ: فَٱلْتَمسْتُهَا أنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ. انتهى. وقوله: {بِٱلْحَقِّ}: يحتملُ معنيَيْنِ: أحدهما: أنْ يكون المعنَىٰ: ضُمِّنَ الحقائقَ؛ في خبره، وأمره، ونهيه، ومواعظه. والثانِي: أنْ يكون المعنَىٰ: أنه نَزَّلَ الكتابَ بٱستحقاقِ أنْ يُنَزَّل؛ لما فيه من المصلحةِ الشاملة، وليس ذلك على أنه واجبٌ على اللَّه تعالى أنْ يفعله. * ت *: أي: إِذْ لا يجبُ عَلَى اللَّه سبحانه فعْلٌ؛ قال * ع *: فالباءِ، في هذا المعنَىٰ: علَىٰ حدِّ قوله:{أية : سُبْحَـٰنَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ } تفسير : [المائدة:116]. وقيل: معنى: {بِٱلْحَقِّ}: أيْ: مِمَّا ٱختلَفَ فيه أهْلُ الكتابِ، وٱضطرب فيه هؤلاءِ النصارَى الوافِدُونَ. قال * ع *: وهذا داخلٌ في المعنى الأول. وقوله: {مُصَدِّقاً}: حالٌ مؤكِّدة؛ لأنه لا يمكن أنْ يكون غير مصدِّقٍ، لما بين يديه من كتب اللَّه سُبْحانه، {وما بَيْن يديه}: هي التوراةُ والإِنجيلُ وسائرُ كُتُبِ اللَّه التي تُلُقِّيَتْ من شرعنا. وقوله تعالى: {مِن قَبْلُ}: يعني: من قبل القرآن. وقوله: {هُدىً لِّلنَّاسِ}: معناه: دُعَاءٌ، والنَّاسُ: بنو إِسرائيل في هذا الموضعِ، وإِن كان المراد أنهما هُدىً في ذاتهما، مَدْعُوٌّ إليه فرعَوْنُ وغَيْرُه، فالناسُ عامٌّ في كل مَنْ شاء حينئذٍ أنْ يستبصر، و {ٱلْفُرْقَانَ}: القرآن؛ لأنه فَرَقَ بيْنَ الحقِّ والباطلِ، ثم توعَّد سبحانه الكفَّارَ عموماً بالعذابِ الشديدِ، والإشارةُ بهذا الوعيدِ إلى نصارَىٰ نَجْرَانَ، و {عَزِيزٌ}: معناه: غالبٌ، والنقمة والاِنتقام: معاقبةُ المذْنِبِ بمبالغةٍ في ذلك.
ابن عادل
تفسير : قوله: {الۤمۤ} قد تقدم الكلامُ على هذا مُشْبَعاً، ونقل الجرجانيُّ - هنا - أن "الم" إشارة، إلى حروف المعجم، كأنه يقول: هذه الحروفُ كتابك - أو نحو هذا - ويدل {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} على ما ترك ذكره من خبر هذه الحروفِ، وذلك في نظمه مثل قوله تعالى: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}تفسير : [الزمر: 22] وترك الجواب لدلالة قوله: {أية : فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر: 22] عليه؛ تقديره: كمن قسا قلبه. ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : 1315 - فَلاَ تَدفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ خَامِرِي أمَّ عَامِرِ تفسير : أي: ولكن اتركوني للتي يقال لها خامري أم عامر "انتهى". قال ابنُ عطيةَ: يحسن في هذا القول - يعني قول الجُرْجَانيِّ - أن يكون "نَزَّلَ" خبر، قوله: "اللهُ" حتى يرتبط الكلام إلى هذا المعنى. قال أبو حيَّان: وهذا الذي ذكره الجرجاني فيه نظر؛ لأن مثليته ليست صحيحة الشبه بالمعنى الذي نحا إليه، وما قاله في الآية محتمل، ولكن الأبرع في [نظم] الآية أن يكون "الم" لا يُضَمُّ ما بعدها إلى نفسها في المعنى، وأن يكون قوله {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} كلاماً مبتدأ جملة رادة على نصارى نجران. قال شهاب الدينِ: وهذا الذي ردَّه الشيخُ على الجرجانيِّ هو الذي اختاره الجرجانيُّ وجعله أحسنَ الأقوالِ التي حكاها في كتابه "نَظْم الْقُرْآنِ". قوله: {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} يجوز أن تكون هذه الجملة خَبَرَ الجَلاَلَة، و "نَزَّلَ عَلَيْكَ" خَبْرٌ آخَرُ، ويجوز أن يَكُونَ {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} مُعْتَرِضَة بين المبتدأ والخَبَرِ، ويجوز أن يكون حَالاً، وفي صاحبه احتمالان: أحدهما: أن يكون لَفْظَ الجلالة. والثاني: أن يكون الضمير في "نَزَّلَ" تقديره: نَزَّل عليك الكتاب متوحِّداً بالربوبية. ذكره مَكِّيٌّ، والأَوَّلُ أولَى. وقرأ الجمهور {الۤمۤ ٱللَّهُ} بفتح الميم، وإسقاط همزة الجلالة، واختلفوا في فتحة هذه الميم على ستة أوْجُهٍ: أحدها: أنها حركة التقاء الساكنين، وهو مذهب سيبويه، وجمهورِ الناس. فإن قيل: أصل التقاء الساكنين الكَسْرُ، فلِمَ عُدِلَ عنهُ؟ فالجوابُ: أنهم لو كَسَروا لكان ذلك مُفْضِياً إلى ترقيق الميم لام الجلالة، والمقصود تفخيمها للتعظيم، فأوثر الفتح لذلك، وأيضاً: فقبل هذه ياء [وهي أخت الكسرة وأيضاً فصل هذه الياء كسرة]، فلو كسرنا الميم الأخيرة لالتقاء الساكنين لتوالى ثلاث متجانسات، فحركوها بالفتح كما حركوا في نحو: مِنَ اللهِ، وأما سقوط الهمزة فواضحٌ، وبسقوطها التقى الساكنان. الثاني: أن الفتحة لالتقاء الساكنين [أيضاً ولكن الساكنين] هما الياء التي قبل الميم، والميم الأخيرة، فحُرِّكت بالفتح لئلا يلتقي ساكنان، ومثله: أيْنَ وكَيْف [وكيت، وذيت]، وما أشبهها. وهذا على قولنا: إنَّه لم يُنْوَ الوقفُ على هذه الحروف المقطَّعة، وهذا خلاف القول الأول: فإنه ينوى فيه الوقف على الحروف المقطعة، فسكنت أواخرها، وبعدها ساكن آخر، وهو لام الجلالة، وعلى هذا القول الثاني ليس لإسقاط الهمزة تأثير في التقاء الساكنين، بخلاف الأول، فإن التقاء الساكنين إنما نشأ من حذفها دَرْجاً. الثالث: أن هذه الفتحة ليست لالتقاء الساكنين، بل هي حركة نقل، أي: نُقِلَتْ حركة الهمزة التي قبل لام التعريف على الميم الساكنة نحو {أية : قَدْ أَفْلَحَ}، تفسير : [طه: 64] وهي قراءة ورش وحمزة - في بعض طرقه - في الوقف، وهو مذهب الفراء، واحتج على ذلك بأن هذه الحروف النيِّةُ بها الوقف، وإذا كان النيةُ بها الوقْفَ، فسكن أواخرها، والنية بما بعدها الابتداء والاستئناف، فكأن همزة الوصل جرت مجرى همزة القطع؛ إذ النية بها الابتداء، وهي تثبت ابتداءً ليس إلاَّ، فلما كانت الهمزةُ في حُكْم الثَّابِتَةِ، وما قبلها ساكن صحيح قابل لحركتها خففوها بأن ألقَوْا حركتها على الساكن قبلها ورد بعضهم قول الفراء بأن وضع هذه الحروف على الوقف لا يوجب قطع ألف الوصل وإثباتها في المواضع التي تسقط فيها, وأنت إذا ألقيت حركتها على الساكن فقد وصلتَ الكلمةَ التي هي فيها بما قبلها وإن كان ما قبلها موضوعاً على الوقف، فقولك: ألقيت حركته عليه بمنزلة قولك: وصلته، ألا ترى أنك إذا خففت: مَنْ أبوك؟ قلتَ: من أبُوكَ، فوصلت، ولو وقفت لم تلق الحركة عليها، وإذا وصلتها بما قبلها لزم إسقاطها، وكان إثباتها مخالفاً لأحكامها في سائر متصرفاتها. قال شهاب الدينِ: "وهذا الرد مردود بأن ذلك مُعامل معاملةَ الموقوف عليه والابتداء بما بعده لا أنه موقوف عليه، ومبتدأ بما بعده حقيقة، حتى يردّ عليه بما ذكره"، وقد قَوَّي جماعةٌ قولَ الفراء بما حكاه سيبويه من قولهم: ثَلاثَهَرْبَعَة، والأصل: ثلاثةٌ أربعةٌ، فلما وقف على ثلاثة أبدل التاء هاء كما هو اللغة المشهورة، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، فترك الهاء على حالها في الوصل، ثم نقل حركة الهمزة إلى الهاء فكذلك هذا. ورد بعضهم هذا الدليل وقال: الهمزة في "أربعة" همزة قطع، فهي ثابتة ابتداءً ودَرْجاً فلذلك نُقِلت حركتها، بخلاف همزة الجلالة، فإنها واجبة السقوط، فلا تستحق نقل حركتها إلى ما قبلها، فليس وزان ما نحن فيه. قال شهاب الدين: "وهذا من هذه الحيثية - صحيح، والفرق لائح، إلا أن لفظ الفرّاء فيه أنه أجرى فيه الوصل مُجْرى الوقف من حيث بقيت الهاء المنقلبة عن التاء وصلاً لا وقفاً واعتد بذلك، ونقل إليها حركة الهمزة، وإن كانت همزة قطع". وقد اختار الزمخشري مذهب الفراءِ، وسأل وأجاب فقال: "ميم" حقها أن يُوقَفَ عليها كما يوقف على ألف ولام، وأن يُبْتَدَأ بما بعدها، كما تقول: واحد، اثنان، وهي قراءة عاصم، وأما فتحتها فهي حركة الهمزة أُلْقِيت عليها حين أسْقِطت للتخفيف. فإن قلت: كيف جاز إلقاء حركتها عليها، وهي همزة وصل لا تثبت في درْج الكلامِ، فلا تثبت حركتها؛ لأن ثبات حركتها كثباتها؟ قلتُ: هذا ليس بدرْج، لأن "ميم" في حكم الوقف والسكون، والهمزة في حكم الثابت، وإنما حُذفت تخفيفاً وألقِيَت حركتها على الساكن قبلها؛ ليدل عليها، ونظيره: وَاحِدِ اثْنَانِ بإلقائهم حركة الهمزة على الدال. قال أبو حيّان: "وجوابه ليس بشيء؛ لأنه ادَّعَى أن الميم - حين حُرِّكَتْ - موقوف عليها، وأن ذلك ليس بدرْج، بل هو وقف، وهذا خلاف ما أجمعت عليه العرب، والنحاة من أنه لا يُوقف على متحرك ألبتة سواء كانت حركته إعرابية، أم بنائية، أم نقلية، أم لالتقاء الساكنين، أم للإتباع، أم للحكاية، فلا يجوز في {قَدْ أَفْلَحَ} إذا حذفت الهمزة، ونقلت حركتها إلى دال "قَدْ" أن تقف على دال "قد" بالفتحة، بل تسكنها - قولاً واحداً. وأما قوله: ونظير ذلك وَاحِدِ اثْنَانِ - بإلقاء حركة الهمزة على الدال - فإن سيبويه ذكر أنهم يُشِمُّون آخر "واحد" لتمكنه، ولم يَحْكِ الكسرَ لغةً، فإن صَحَّ الكسر فليس "واحد" موقوفاً عليه ـ كما زعم الزمخشريُّ ـ ولا حركته حركته نقل من همزة الوصل، ولكنه موصول بقولهم: اثنان، فالتقى ساكنان دال "واحد" وثاء "اثنين"، فكسرت الدال؛ لالتقاء الساكنين، وحُذِفَتْ همزة الوصل؛ لأنها لا تثبت في الوصل". قال شهاب الدينِ: "ومتى ادَّعى الزمخشري أنه يوقف على "مِيمْ" من "الم" - وهي متحركة - حتى يُلْزِمَهُ بمخالفة إجماع العرب والنحاة؟ إنما ادعى أن هذا في نية الموقوف عليه قبل تحريكه بحركة النقل، لا أنه نُقِل إليه، ثم وقف عليه، هذا لم يقله ألبتة، ولم يَخْطُرْ له". ثم قال الزمخشريُّ: "فإن قلْتَ: هَلاَّ زعمتَ أنها حركة التقاء الساكنين؟ قلت: لأن التقاء الساكنين لا يُبَالَى به في باب الوقف، وذلك قولك: هذا إبْراهيمْ، ودَاوُدْ، وإسْحَاقُ، ولو كان التقاء الساكنين - في حال الوقف - يوجب التحريك لحُرِّك الميمَان في ألف لام ميم؛ لالتقاء الساكنين، ولما انتظر ساكن آخر". قال أبو حيَّان: "وهو سؤال صحيح وجواب صحيح لكن الذي قال: إن الحركة هي لالتقاء الساكنين لا يتوهم أنه أراد التقاء الياء والميم من "الم" - في الوقف - وإنما عنى التقاء الساكنين اللذين هما ميم "ميم" الأخيرة، ولام التعريف كالتقاء نون "من " ولام "الرجل" إذا قلت مِنَ الرَّجُلِ". وهذا الوجه هو الذي تقدَّم عن مكي وغيره. ثم قال الزمخشريُّ: "فإن قلْتَ: إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين في "ميم" لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين، فإذا جاء ساكن ثالث لم يمكن إلا التحريك فحركوا. قلت: الدليل على أن الحركة ليست لملاقاة الساكن، أنه كان يمكنهم أن يقولوا: وَاحدْ. اثْنَانِ - بسكون الدال مع طرح الهمزة - فيجمعوا بين ساكنين؛ كما قالوا: اصَيْمٌّ ومُديْقٌّ، فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير، وأنها ليست لالتقاء الساكنين". [قال أبو حيّان: "وفي سؤاله تعمية في قوله: فإن قلت: إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين] - ويعني بالساكنين الياء والميم في "ميم" - وحينئذٍ يجيء التعليل بقوله: لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين - يعني الياء والميم - ثم قال: فإن جاء بساكن ثالث - يعني لام التعريف - لم يمكن إلا التحريك - يعني في الميم - فحركوا - يعني الميم-؛ لالتقائها ساكنةٌ مع لام التعريف؛ إذ لو لم يحركوا لاجتمع ثلاث سواكن، وهو لا يمكن، هذا شرح السؤال، وأما جواب الزمخشري فلا يطابق؛ لأنه استدل على أن الحركة ليست لملاقاة ساكن بإمكانية الجمع بين ساكنين في قولهم: وَاحِدْ، اثْنَانِ - بأن يُسكنوا الدالَ والثاءُ ساكنةٌ، وتسقط الهمزة، فعدلوا عن هذا الإسكان إلى نقل حركة الهمزة إلى الدال - وهذه مكابرة في المحسوس؛ إذ لا يمكن ذلك أصلاً، ولا هو في قدرة البشر أن يجمعوا في النطق بين سكون الدال وسكون الثاء وطرح الهمزة، وأما قوله فجمعوا بين ساكنين، فلا يمكن الجمع؛ لما قلناه، وأما قوله: كما قالوا: أُصَيْمٌّ وَمُدَيْقٌّ فهذا ممكن كما هو في رادّ وضالّ؛ لأن في ذلك التقاء الساكنين على حدهما المشروط في النحو، فأمكن ذلك، وليس مثل ذلك "واحد" "اثنان"؛ لأن الساكن الأول ليس حرفَ مدٍّ، ولا الثاني مُدْغماً، فلا يمكن الجمع بينهما، وأما قوله: فلما حركوا الدال، علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير وأنها ليست لالتقاء الساكنين [ويعني بالساكنين الياء والميم]؛ لما بنى على أن الجمع بين الساكنين في "واحد" "اثنان" ممكن، وحركة التقاء الساكنين إنما هي فيما لا يمكن أن يجتمعا في اللفظ ادعى أن حركة الدال هي حركة الهمزة الساقطة". قال شهاب الدينِ: "وهذا الذي رَدَّ به عليه صحيح، وهو معلوم بالضرورة؛ إذ لا يمكن النطق بما ذكر". ونصر بعضهم رأي الفرّاء واختيار الزمخشري بأن هذه الحروف جيء بها لمعنى في غيرها، فأواخرها موقوفة، والنية بما بعدها الاستئناف، فالهمزة في حكم الثابت كما في أنصاف الأبيات، كقول حسان: [البسيط] شعر : 1316 - لَتَسْمَعُنَّ وَشِيكاً فِي ديارِكُمُ أللَّهُ أكْبَرُ يَا ثَارَاتِ عُثْمَانَا تفسير : ورجحه بعضهم أيضاً بما حكي عن المبرد: أنه يجيز: اللهُ أكْبَرَ اللهُ أكْبَر - بفتح الراء الأولى - قال: لأنه في نية الوقف على "أكبر" والابتداء بما بعده، فلما وصلوا مع قصدهم التنبيه على الوقف على آخر كل كلمة من كلمات التكبير نقلوا حركة الهمزة الداخلة على لام التعريف إلى الساكن قبلها؛ التفاتاً لما ذكر من قصدهم، وإذا كانوا قد فعلوا ذلك في حركات الإعراب وأتَوا بغيرها - مع احتياجهم إلى الحركة من حيث هي - فلأنْ يفعلوا ذلك فيما كان موقوفَ [الأخير] من باب أولى. الرابع: أن تكون الفتحةُ فتحةَ إعراب على أنه مفعول بفعل مقدَّر، أي اقرءوا {الم} وإنما منعه من الصرف العلمية والتأنيث المعنويّ إذْ أريد به اسم السورة، نحو قرأت هودَ، وقد قالوا هذا الوجه بعينه في قراءة مَنْ قرأ {صادَ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} [ص: 1] بفتح الدال من صاد، فهذا يجوز أن يكون مثله. الخامس: أن الفتحة علامة الجر، والمراد بألف لام ميم أيضاً السورة، وأنها مُقْسَمٌ بها، فحُذِفَ حرفُ القسم، وبقي عمله، وامتنع من الصرف لما تقدم، وهذا الوجه - أيضاً - مقول في قراءة من قرأ صَادَ - بفتح الدال-، إلا أن القراءة هناك شاذَّةٌ، وهنا متواترةٌ. والظاهر أنها حركة التقاء الساكنين - كما هو مذهب سيبويه وأتباعه -. السادس: قال ابن كَيْسَانَ: "ألف "اللَّه" وكل ألف مع لام التعريف [ألف] قطع بمنزلة "قَدْ" وحكمها حكم ألف القطع؛ [لأنهما حرفان جاءآ لِمعنى]، وإنما وُصِلَت لكثرة الاستعمال، فمن حرك الميم ألقى عليها حركة الهمزة التي بمنزلة القاف من "قَدْ" ففتحها بفتح الهمزة"، نقله عنه مَكِّي. فعلى هذا هذه حركة نقل من همزة قطع، وهذا المذهب مشهور عن الخليل بن أحمد، حيث يعتقد أن التعريف حصل بمجموع "أل"، كالاستفهام يحصل بمجموع "هَلْ"، وأن الهمزة ليست مزيدة، لكنه مع اعتقاده ذلك يوافق على سقوطها في الدَّرْج؛ إجراءً لها مُجْرَى همزة الوصل، لكثرة الاستعمال، لذلك قد تثبت ضرورةً؛ لأن الضرورة ترد الأشياء إلى أصولها. ولما نقل أبو البقاء هذا القول ولم يَعْزُه، قال: "وهذا يصح على قول من جعل أداة التعريف "أل" - يعني الخليل؛ لأنه المشهور بهذه المقالة". وقد تقدم النقل عن عاصم أنه يقرأ بالوقف على "ميم" ويبتدئ بـ {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} كما هو ظاهر عبارة الزمخشري عنه، وغيره يحكي عنه أنه يسكن الميم ويقطع الهمزة - من غير وقف منه على الميم - كأنه يجري الوصل مجرى الوقف، وهذا هو الموافق لغالب نقل القرّاءِ عنه. وقرأ عمرو بن عُبَيْدٍ - فيما نقل الزمخشري - وأبو حيوة والرُّواسي فيما نقل ابن عطية "المِ اللهُ" - بكسر الميم -. قال الزمخشريُّ: "وما هي بمقبولة عنه"، والعجب منه كيف تجرأ على عمرو بن عُبَيْدٍ وهو عنده معروف المنزلة، وكأنه يريد: وما هي بمقبولة عنه، أي: لم تصحَّ عنه. وكأن الأخفش لم يطلع على أنها قراءة فقال: "لو كُسِرَتِ الميمُ؛ لالتقاء الساكنين - فقيل: "المِ اللهُ" - لجاز". قال الزّجّاج: وهذا غلط من أبي الحسن، لأن قبل الميم ياءٌ مكسوراً ما قبلها فحقها الفتح، لالتقاء الساكنين، وذلك لثقل الكسر مع الياء. وهذا - وإن كان كما قال - إلا أن الفارسيَّ انتصر لأبي الحَسَن، ورَدَّ على أبي إسحاق رَدَّه فقال: "كَسْر الميم لو ورد بذلك سماع لم يدفعه قياس، بل كان يُثْبِتُهُ ويُقَوِّيه -؛ لأن الأصل في التحريك - لالتقاء الساكنين - الكسر، وإنما يُبْدَل إلى غير ذلك لما يعرض من علَّة وكراهة، فإذا جاء الشيء على بابه فلا وَجْهَ لردِّه، ولا مساغ لدَفْعِه، وقول أبي إسحاق؛ إن ما قبل الميم ياءً مكسوراً ما قبلها، فحقها الفتح منقوض بقولهم: جَيْرِ، حيث حَرَّك الساكن - بعد الياء - بالكسر، كما حُرك بعدها بالفتح في أيْنَ، ويدل على جواز التحريك لالتقاء الساكنين بالكسر - فيما كان قبله ياء، - جواز تحريكه بالضم نحو قولهم: حَيْثُ، وإذا جاز الضم كان الكسر أجْوَزَ وأسْهَلَ". فصل في بيان سبب النزول في سبب نزول هذه الآية قولان: الأول: أنها نزلت في اليهود، وقد ذكرناه في تفسير قوله تعالى: {أية : الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} تفسير : [البقرة: 1، 2]. الثاني: أنها من أولها إلى آية المباهلة في نصارى نجران. قال الكلبي، والربيعُ بنُ أنس - وهو قول محمد بن إسحاقَ-: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران - ستون راكباً - فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم، أحدهم أميرهم، وصاحب مشورتهم، يقال له: العاقب، واسمه عبد المسيح، والثاني مشيرهم ووزيرهم، وكانوا يقولون له: السيد، واسمه الأيهم، والثالث حبرهم وأسقفهم، وصاحب مِدْراسهم، يقال له: أبو حارثة بن علقمة - أحد بني بكر بن وائل - وكان ملوك الروم قد أكرموه وشرَّفوه، وموَّلوه؛ لِما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، فلما قدموا من "نجران" ركب أبو حارثةَ بغلتَه، وكان إلى جنبه أخوه كُرْزُ بنُ علقمةَ، فبينما بغلة أبي حارثةَ تسير إذ عَثَرَتْ، فقال كُرز: تَعْساً للأبعد - يريد رسولَ الله صلى الله عليه وسلم - فقال أبو حارثة: بل تَعِسَتْ أمُّك، فقال: ولِمَ يا أخي؟ فقال: إنه - واللهِ - النبيُّ الذي كنا ننتظره، فقال له أخوه كرز: فما يمنعك عنه وأنت تعلم هذا؟ قال: لأن هؤلاء الملوك أعطَوْنَا أموالاً كثيرةً، وأكرمونا، فلو آمنَّا بمحمد لأخذوا مِنَّا كُلَّ هذه الأشياءِ، فوقع ذلك في قَلْبِ أخيه كُرْز، وكان يُضْمِره إلى أن أسْلم؛ فكان يُحَدِّثُ بذلك، ثم دخلوا مسجدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى العصر - عليهم ثياب الحِبراتِ جبب وأرْدِيَةٌ -، وقد حانت صلاتهم، فقاموا للصلاة [العاقب والسيد والحبر] في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله: دعوهم، فصلوا إلى المشرق، ثم تكلم أولئك الثلاثة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على اختلاف من أديانهم - فتارة يقولون: عيسى هو الله، وتارةً يقولون: هو ابنُ الله، وتارة يقولون: ثالث ثلاثة، ويحتجون على قولهم: هو الله بأنه كان يُحْيي الموتَى، ويُبْرئ الأسقامَ ويُخْبِر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيطير، ويحتجون على قولهم بأنه ابن الله بأنه لم يكن له أبٌ يُعْلَم، ويحتجون على قولهم: ثالث ثلاثة بقوله تعالى: {فَعَلْنَا}، قلنا، ولو كان واحداً لقال: فعلتُ، قلتُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أسلموا، قالوا: قد أسلمنا، قال عليه السلام: كذبتم؛ يمنعكم من الإسلام دعاؤُكم لله ولداً، وعبادتكم الصليب، وأكلُكُم الخنزيرَ، قالوا: إن لم يكن ولدَ الله فمن أبوه؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلمتفسير : فأنزل اللهُ تعالى أولّ سورةِ آل عمرانَ إلى بضع وثمانين آية، منها أخذ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم يُناظرهم، فقال: حديث : ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّه لاَ يَكُونُ وَلَدٌ إلا ويشبه أبَاهُ؟ قالوا: بَلَى، قال: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنَا حَيٌّ لا يَمُوتُ، وأنَّ عِيسَى يأتي عليه الفناءُ؟ قالوا: بَلَى، قال: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنَا قَيِّمٌ عَلى كُلِّ شَيءٍ، يَحْفَظُهُ ويَرْزُقُهُ؟ قالوا: بَلَى، قال: فَهَلْ يَمْلِكُ عِيسَى مِنْ ذَلِكَ شيئاً؟ قالوا: لا، قال: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ تَعَالى لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض، ولا في السَّماءِ؟ قالوا: بلى، قال: فهل يعلم عيسَى شيئاً من ذلك إلا ما عُلِّمَ؟ قالوا: لا، قال: فإن ربَّنا صوَّر عيسى في الرحم كيف شاء، قال: ألستم تعلمون أنَّ ربَّنا لا يأكل، ولا يشربُ ولا يُحْدِثُ؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمُّه كما تحمل المرأةُ، ووضعته كما تضع المرأةُ ولدَها، ثم غُذِّي كما يُغَذَّى الصبيُّ، ثم كان يَطْعَم الطعامَ، ويَشْرَب الشراب ويُحدِث الحدثَ؟ قالوا: بلى، قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فسكتوا، وأبَوْا إلا جُحُوداً، ثم قالوا: يا محمد، ألستَ تزعم أنه كلمةُ الله ورُوحٌ منه؟ قال: بلَى، قالوا: فحسبناتفسير : فأنزل الله تعالى: {أية : فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} تفسير : [آل عمران: 7]، ثم أمر الله محمداً بملاعنتهم - إن ردوا عليه - فدعاهم إلى الملاعنة، فقالوا: يا أبا القاسم، دَعْنَا نَنْظُرْ في أمرنا، ثم نأتيك بما تريد أن تفعل، فانصرفوا، ثم قال بعضُ أولئك الثلاثةِ لبعضهم: ما ترى؟ فقال: والله يا معشرَ النصارى لقد عرفتم أن محمداً نبيٌّ مُرْسَل، ولقد جاءكم بفَصلٍ من خَبَرِ صاحبكم، ولقد علمتم مَا لاَعَنَ [قط] قومٌ نبيًّا إلا وفنِيَ كبيرُهم وصغيرُهم، وإنه الاستئصالُ منكم - إن فعلتم - وأنتم قد أبيتم إلا دينَكم، والإقامة على ما أنتم عليه فوادِعُوا الرجلَ، وانصرِفوا إلى بلادِكم، فأتَوْا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقالوا [أبا القاسم] قد رأينا أن لا نُلاعنك، وأن نتركَك على دينك، وأن نرجعَ نحن على ديننا، فابعثْ رجلاً من أصحابك [معنا] يحكم بيننا في أشياءَ قد اختلَفْنا فيها من أموالِنا؛ فإنَّك عندنا رِضّى، فقال عليه السلامُ: [ائتوني] في العشيةِ أبعثْ معكم القويَّ الأمينَ، فكان عمرُ يقول: ما أحببت الإمارة قَطّ إلا يومئذٍ؛ رجاءَ أن أكونَ صاحبَها، قال: صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم نظر عن يمينه، وعن يساره، وجعلت أتَطَاولُ له؛ ليراني، فلم يزَلْ يُرَدِّدُ بصره، حتى رأى أبا عبيدةَ بنَ الجَرَّاحِ، فدعاه، فقال: اخرج معهم واقض بينهم بالحقِّ فيما اختلفُوا فيه، قال عُمرُ: فذهبَ بها أبو عبيدة. وهذه الرواية تدل على أن المناظرة في تقرير الدين حرفة الأنبياء - عليهم السلام - وأن مذهب الحَشْوية - في إنكار البحث والنظر - باطل قطعاً. فصل في بيان الرد على النصارى "في وَجْه الرد على النصارى في هذه الآية": وهو أن الحيَّ القيومَ يمتنع أن يكون له ولد؛ لأنه واجب الوجود لذاته، وكلُّ ما سواه فإنه ممكن لذاته، مُحْدَث، حصل بتكوينه وإيجاده، وإذا كان الكُلُّ مُحْدَثًا مخلوقاً امتنع كونُ شيء منها ولداً له، ولما ثبت أن الإله يجب أن يكون حَيًّا قيوماً، وثبت أن عيسى ما كان حيًّا قيُّوماً، لأنه وُلِدَ، وكان يأكل، ويشرب، ويُحْدِث. والنصارى زعموا أنه قُتِل، ولم يقدر على دفع القتل عن نفسه، وهذا يقتضي القطع بأنه ليس بإله. قوله: {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} العامة على التشديد في "نَزَّل" وَنَصْب "الْكِتَاب"، وقرأ الأعمشُ، والنَّخَعِيُّ، وابنُ أبي عبلة {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} بتخفيف الزاي ورفع الكتاب. فأما القراءةُ الأولى فقد تقدم أن هذه الجملةَ تحتمل أن تكون خبراً، وأن تكون مستأنفةً. وأما القراءةُ الثانيةُ، فالظاهر أن الجملةَ فيها مستأنفةٌ، ويجوز أن تكون خبراً، والعائد محذوف، وحينئذ تقديره: نَزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابُ مِنْ عِنْدِهِ. قوله: {بِٱلْحَقِّ} فيه وجهان: أحدهما: أن تتعلق الباء بالفعل قبلها، والباء - حينئذ - للسببية، أي: نزله بسبب الحق. ثانيهما: أن يتعلق بمحذوف؛ على أنه حال، إما من الفاعل - أي: نزَّله مُحِقًّا - أو من المفعول - أي: نزله ملتبساً بالحق - نحو: جاء بكر بثيابه، أي: ملتبساً بها. وقال مَكيّ: "ولا تتعلق الباء بـ "نَزَّل"؛ لأنه قد تعدى إلى مفعولين - أحدهما بحرف فلا يتعدى إلى ثالث". وهذا - الذي ذكره مكيٌّ - غيرُ ظاهر؛ فإن الفعل يتعدى إلى متعلقاته بحروف مختلفة على حسب ما يكون، وقد تقدم أن معنى الباء السببية، فأيُّ مانع يمنع من ذلك؟ قوله: {مُصَدِّقًا} فيه أوجهٌ: أحدها: أن ينتصبَ على الحال من "الْكِتَاب". فإن قيل بأن قوله: "بِالْحَقِّ" حال، كانت هذه حالاً ثانيةً عند مَنْ يُجِيز تعدد الحال، وإن لم يُقَلْ بذلك كانت حالاً أولى. الثاني: أن ينتصب على الحال على سبيل البدلية من محل "بِالْحَقِّ"، وذلك عند مَنْ يمنع تعدد الحال في غير عَطْفٍ، ولا بدليَّةٍ. الثالث: أن ينتصب على الحال من الضمير المستكن في "بِالْحَقِّ" - إذا جعلناه حالاً - لأنه حينئذٍ يتحمل ضميراً؛ لقيامه مقام الحال التي تتحمله، وعلى هذه الأقوال كلِّها فهي حال مؤكِّدة؛ لأن الانتقالَ فيها غير مُتَصَوَّر، وذلك نظير قول الشاعر: [البسيط] شعر : 1317 - أنَا ابْنُ دَارَةَ مَعْرُوفًا بِهَا نَسَبِي وَهَلْ بِدَارَةَ - يَا لَلنَّاسِ - مِنْ عَارِ تفسير : قوله: {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} مفعول لـ "مصَدِّقاً" وزِيدَت اللامُ في المفعول: [تقويةٌ] للعامل؛ لأنه فرع له؛ إذْ هو اسمُ فاعل، كقوله تعالى: {أية : فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}تفسير : [البروج: 16]، وإنما ادَّعَيْنَا ذلك؛ لأنَّ هذه المادةَ متعديةٌ بنفسها. فصل في تفسير "الحي" و "القيوم" الحيُّ: هو الفعَّال الدرَّاك، والقيُّومُ: هو القائمُ بذاته، والقائم بتدبير الخلق، وقرأ عمر - رضي الله عنه - الحي القيَّام، والمراد بـ "الكتاب" - هنا - هو القرآن. قال الزمخشري: "وخص القرآن بالتنزيل، والتوراة والإنجيل بالإنزال؛ لأن التنزيل للتكثير والله تعالى نَزَّل القرآن مُنَجَّماً، فكان معنى التكثير حاصلاً فيه، وأنزل التوراةَ والإنجيل دفعَةً واحدةً، فلهذا خصَّهما بالإنزال". فإن قيل: يُشْكِل هذا بقوله: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [الكهف: 1]، وبقوله: {أية : وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ}تفسير : [الإسراء: 105]. فالجواب: أن المرادَ به كُلُّ نَجْمٍ وَحْدَه. [وسمي الكل باسم البعض مجازاً، أو نقول: "إن أنزل تشتمل على أمرين والتضعيف لا يشتمل إلاّ الإنزال مرة واحدةٌ". قال أبو حيَّان: وقد تقدم الرّدّ على هذا القول في البقرة، وأن التعدية بالتضعيف لا تدل على التكثير، ولا على التنجيم، وقد جاء في القرآن أنزل، ونزَّل قال تعالى: {أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} تفسير : [النحل: 44] ويدل على أنهما بمعنًى واحدٍ قراءة من قرأ ما كان من نزل مشدّداً بالتخفيف إلاَّ ما استثني، ولو كان أحدهما يدلّ على التنجيم والآخر يدل على النزول دفعةً واحدةً لتناقضت الأخبار، وهو محال، وقد سبق الزمخشريَّ في هذا القول بعينه الواحديُّ]. قوله: {بِٱلْحَقِّ} قال أبو مسلم: يحتمل وجوهاً: أحدها: أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم السابقة. الثاني: أن ما فيه من الوعد والوعيد يحملُ المكلَّف على اتباع الحقِّ في الْعِلم والعملِ. ثالثها: أنه حَقٌّ؛ بمعنى أنه قول فَصْل وليس بالهَزْل. رابعها: قال الأصَمُّ: أنْزَلُه بالحق الذي يجبُ له على خلقه من العبوديةِ، وشُكْرِ النعمةِ وما يجب لبعضهم على بعض من العدلِ، والإنصافِ. خامسها: أنه أنزله بالحق لا بالمعاني المتناقضةِ الفاسدةِ، كما قال: {أية : أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا}تفسير : [الكهف: 1]، وقال: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 82]. وقوله: {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} معناه: مصدقاً لكُتُبِ الأنبياء، ولِما أخبروا به عن اللهِ، وهذا دليل على صحة القرآن من وجهين: أحدهما: أنه موافق لسائر الكتب، ولو كان من عند غير الله لم يوافقها، وهو - عليه السلام - لم يختلط بالعلماء، ولا تتلمذ لأحد، ولا قرأ على أحد شيئاً [والمفتري] - إذا كان هكذا - يمتنع أن يَسْلم من الكذب والتحريف، فلما لم يكن كذلك ثبت أنه إنما عرف هذه القصصَ من الله تعالى. الثاني: قال أبو مسلم: إن الله تعالى لم يبعث نبيًّا قط إلا بالدعاء إلى التوحيد والإيمان وتنزيه الإله عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان وبالشرائع التي هي صلاح أهل كل زمان. والقرآن مصدق لكل الكتب في ذلك. فإن قيل: كيف سمَّي ما مَضَى بأنه بَيْنَ يديه؟ فالجوابُ: أن تلك الأخبارَ - لغاية ظهورها، وكونها موجودة - سماها بهذا الاسم. فإن قيل: كيف يكون مصدقاً لما تقدمه من الكتب مع أن القرآن ناسخ لأكثر تلك الأحكام؟ فالجوابُ: إذا كانت الكتب مشهورة بالرسل، وأحكامها ثابتة إلى حين نزول القرآن فإنها تصير منسوخةً بنزول القرآن، كان القرآن مصدقاً لها، وأيضاً فدلائل المباحث الإلهية، وأصول العقائد لا تختلف، فلهذا كان مصدِّقاً لها. قوله: {وَأَنْزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} اختلف الناس في هذين اللفظين، هل يدخلهما الاشتقاق والتصريف، أم لا يدخلانهما؛ [لكونهما أعجميَّيْن؟]. فذهب الزمخشريُّ وغيرهُ إلى الثاني، قالوا: لأن هذين اللفظين اسمان عبرانيان لهذين الكتابين الشريفين، قال الزمخشريُّ: "وتكلف اشتقاقهما من الوَرْي والنَّجْل، ووزنهما بتفعلة وإفعيل إنما يثبت بعد كونهما [عربيين]". قال أبو حيّان: "وكلامه صحيح، إلا أن فيه استدراكاً، وهو قوله "تَفْعِلَة" ولم يذكر مذهبَ البصريين وهو أن وزنها فَوْعَلَة، ولم ينبه على "تفعلة" هل هي بكسر العين أو فتحها"؟ قال شهاب الدينِ: "لم يحتج إلى التنبيه على الشيئين لشهرتهما، وإنما ذكر المستغرب"، ويؤيد ما قاله الزمخشريُّ من كونها أعجمية ما نقله الواحديُّ، وهو أن التوراة، والإنجيل، والزبور سريانية فعرَّبوها، ثم القائلون باشتقاقهما اختلفوا: فقال بعضهم: التوراة مشتقة من قولهم: وَرِيَ الزَّنْدُ إذا قدح، فظهر منه نار، يقال: وَرِيَ الزند وأوريته أنا، قال تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ} تفسير : [الواقعة: 71]؟، فُثلاثيُّه قاصر، ورباعيه مُتَعَدٍّ، وقال تعالى: {أية : فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً} تفسير : [العاديات: 2]، ويقال أيضاً: وَرَيْتُ بِكَ زِنَادِي، فاستعمل الثلاثي متعدياً، إلا أن المازني زعم أنه لا يُتَجَاوز به هذا اللفظ، يعني فلا يُقاس عليه، فيقال: وريت النار مثلاً، إذا تقرر ذلك، فلما كانت التوراة فيها ضياء ونور، يخرج به من الضلال إلى الهدى كما يخرج بالنور من الظلام إلى النور، سُمِّي هذا الكتابُ بالتوراة، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً} تفسير : [الأنبياء: 48] وهذا قولُ الفراء و [مذهب] جمهور الناسِ. وقال آخرون: بل هي مشتقة من ورَّيتُ في كلامي، من التورية، وهي التعريض، وفي الحديث: "حديث : كَانَ إذَا أرادَ سَفَراً وَرَّى بِغَيْرِهِ"تفسير : وسميت التوراة بذلك: لأن أكثرها تلويحاتٌ ومعاريضُ، وإلى هذا ذهب المؤرج السَّدُّوسي وجماعة، وفي وزنها ثلاثةُ أقوال: أحدها - وهو قول الخليل وسيبويه - أن وزنها فَوْعَلَة، وهذا الوزن قد وردت منه ألفاظ نحو الدَّوْخَلَة والقَوْصرة والدَّوْسَرة والصَّوْمَعة، والأصل: وَوْرَيَة - بواوين؛ لأنها إما من وَرِيَ الزَّنْدُ، وإما من وَرَّيْتُ في كلامي، فأبدلت الواو الأولى تاءٌ، وتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب ألفاً فصار اللفظ "توراة" - كما ترى - وكُتِبَت بالياء، تنبيهاً على الأصل، كما أميلت لذلك، وقد أبدلت العرب التاء من الواو في ألفاظ نحو تَوْلَج، وتَيْقُور، وتُخَمَة، وتُراث وتُكأة وتُجَاه وتُكْلاَن، من الوُلُوج والوَقَار والوَخَامة والوِرَاثة والوكَاء والوَجْه والوكَالة، ونظير إبدال الواو تاء في التوراة إبدالها أيضاً من قولهم - لما تراه المرأة في الطُّهْرِ بعد الحيض -: التَّرِيَّة، هي فعيلة من لفظ الوراء؛ لأنها تُرَى بعد الصُّفرة والكُدْرة. الثاني, وهو قول الفراء: أن وزنها تَفْعِلَة - بكسر العين - فأبدلت الكسرة فتحة، وهي لغة طائية، يقولون في الناصية: نَاصَاة، وفي جارية: جَارَاة، وفي نَاجِيَة: نَاجَاة، قال الشاعِرُ: [الطويل] شعر : 1318 -.................... فَخَرَّتْ كَنَاصَاةِ الْحُصَانِ الْمُشَهَّرِ تفسير : وقال آخر: [المنسرح] شعر : 1319 - ................... نُفُوساً بُنَتْ عَلَى الْكَرَمِ تفسير : وأنشد الفرَّاءُ: [الوافر] شعر : 1320 - فَمَا الدُّنْيَا بِبَاقَاةٍ لِحَيٍّ وَمَا حَيٌّ عَلَى الدُّنْيَا بِبَاقِ تفسير : وقد رد البصريون ذلك بوجهَيْن: أحدهما: أن هذا البناء قليل جدًّا - أعني بناء تفعلة - بخلاف فَوْعَلَة، فإنه كثير، فالحمل على الأكثر أولى. الثاني: أنه يلزم منه زيادة التاء أولاً، والتاء لم تُزَد - أوَّلاً - إلا في مواضع ليس هذا منها، بخلاف قلبها في أول الكلمة، فإنه ثابت، وذلك أن الواو إذا وقعت أولاً قُلبت إما همزة نحو أجُوه وأُقِّتَتْ وإشَاح - في: وجوه ووُقِّتَتْ ووِشَاح - وإما تاء نحو: تُجَاه وتُخْمَة، فاتباع ما عُهِد أولى من اتباع ما لم يُعْهَد. الثالث: أن وزنها "تَفْعَلة" [بفتح العين] - وهو مذهب الكوفيين - كما يقولون في تَفْعُلَة - بالضم - تَفْعَلَة - بالفتح - وهذا لا حاجة إليه، وهو أيضاً دعوى لا دليل عليها. وأَمَالَ "التوراة" - حيث ورد في القرآن - إمالة محضة أبو عمرو والكسائي وابن عامر في رواية ابن ذكوان وأمالها بين بين حمزة وورش [عن نافع]، واختلف عن قالون، فروي عنه بين بين والفتح، وقرأها الباقون بالفتح فقط، ووجه الإمالة إن قلنا إن ألفها [منقلبة عن ياء ظاهر، وإن قلنا: إنها أعجمية لا اشتقاق لها، فوجه الإمالة شبه ألفها لألف] التأنيث من حيث وقوعها رابعة، فسبب إمالتها، إما الانقلاب، وإما شبه ألف التأنيث. والإنجيل؛ قيل: إفعيل كإجفيل، وفي وزنه أقوال: أحدها: أنه مشتق من النَّجْل، وهو الماء الذي ينز من الأرض ويخرج منها، ومنه النجْل للولد، وسمي الإنجيل؛ لأنه مستخرج من اللوح المحفوظ. وقيل: من النجل وهو الأصل، ومنه النجل للوالد، فهو من الأضداد؛ إذ يُطْلَق على الولد والوالد، قال الأعشى: [المنسرح] شعر : 1321 - أنْجَبَ أيَّامَ وَالِدَاهُ بِهِ إذْ نَجَلاَهُ فَنِعْمَ مَا نَجَلاَ تفسير : وقيل: من النجل - وهو التوسعة - ومنه العين النجلاء، لسعتها، ومنه طعنة نجلاء وسمي الإنجيل بذلك؛ لأن فيه توسعةً لم تكن في التوراة؛ إذْ حلل فيه أشياء كانت محرمة. وقيل: هو مشتق من التناجل وهو: التنازع، يقال: تناجل الناسُ أي: تنازعوا, وسُمِّي الإنجيل بذلك لاختلاف الناس فيه، قاله أبو عمرو الشيباني. والعامة على كسر الهمزة من "إنجيل"، وقرأ الحسن بفتحها. قال الزمخشري: وهذا يدل على أنه أعجمي؛ لأن أفعيلاً - بفتح الهمزة - قليل عديم في أوزان العرب. قلت: بخلاف إفعيل - بكسرها - فإنه موجود نحو: إجفيل وإخريط وإصليت. قال ابن الخطيبِ: "وأمر هؤلاء الأدباء عجيبٌ؛ لأنهم أوجبوا في كل لفظ أن يكون مأخوذاً من شيء آخرَ، ولو كان كذلك لزم إما التسلسل، وإما الدور، ولما كانا باطلَيْنِ وجب الاعتراف بأنه لا بد من ألفاظ موضوعة وَضْعًا أوَّلاً، حتى يُجْعَل سائرُ الألفاظ مشتقةً منها، وإذا كان الأمر كذلك فلم لا يجوز في هذا اللفظ الذي جعلوه مشتقاً من ذلك الآخر أن يكون الأصل هو هذا، والفرع هو ذاك الآخر، ومن الذي أخبرهم بأن هذا فرع وذاك أصل؟ وربما كان هذا الذي يجعلونه فرعاً ومشتقاً في غاية الشهرة، وذاك الذي يجعلونه أصلاً في غاية الخفاء، وأيضاً فلو كانت التوراة إنما سميت بذلك لظهورها، والإنجيل إنما سمي إنجيلاً لكونه أصلاً وجب في كل ما ظهر أن يُسَمَّى بالتوراة، فوجب تسمية كل الحوادث بالتوراة، ووجب في كل ما كان أصلاً لشيء آخر أن يُسَمَّى بالإنجيل، فالطين أصل الكوز فوجب أن يكون الطين إنجيلاً، والذهب أصل الخاتم، والغزل أصل الثوب، فوجب تسمية هذه الأشياء بالإنجيل، ومعلوم أنه ليس كذلك، ثم إنهم عند إيراد هذه الإلزامات عليهم لا بد وأن يتمسكوا بالوضع، ويقولوا: العرب خصصوا هذين اللفظين بهذين الشيئين على سبيل الوضع، وإذا كان لا يتم المقصود في آخر الأمر إلا بالرجوع إلى وضع اللغة، فلِمَ لا نتمسك به في أول الأمر، ونُرِيح أنفسنا من الخوض في هذه الكلمات، وأيضاً فالتوراة والإنجيل اسمان أعجميان، أحدهما بالعبرية، والآخر بالسريانية [فقيل: التوراة بالعبرانية نور، ومعناه الشريفة، والإنجيل بالسريانية "إنكليون"، ومعناه الإكليل] [فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بتطبيقها على أوزان لغة العرب؟ فظهر أنَّ الأوْلَى بالعاقل أن لا يلتفتَ إلى هذه المباحث"]. قوله: "مِن قَبْلُ" متعلق بـ "أنْزَلَ" والمضاف إليه الظرف محذوف؛ لفَهْم المعنى، تقديره: من قبلك، أو من قبل الكتاب، و "الْكِتَاب" غلب على القرآن، وهو - في الأصل - مصدر واقع موقع المفعول به، [أي] المكتوب. وذكر المنزل عليه في قوله: {نَزَّلَ عَلَيْكَ}، ولم يذكره في قوله: {وَأَنْزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} تشريفاً لنبينا صلى الله عليه وسلم. قوله: "هُدًى" فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على المفعول من أجله، والعامل فيه "أنْزَلَ" أي: أنزل هذين الكتابين لأجل هدايته. وعلى هذا التقدير يكون قد وصف القرآن بأنه حق، ووصف التوراة والإنجيل بأنهما هُدًى، والوصفان متقاربان. فإن قيل: لم وصف القرآن - في أول سورة البقرة - بأنه {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2]، ولم يصفه هنا بذلك؟ قيل: إنما وصفه - هناك - بذلك؛ [لأن] المتقين هم المنتفعون به، فهو هدى لهم لا لغيرهم وها هنا فالمناظرة كانت مع النصارى، وهم لا يَهْتَدُونَ بالقرآن، فلا جرم لم يقل هنا في القرآن إنه هدًى، بل قال: إنه حق في نفسه - سواء قبلوه أو ردوه - وأما التوراة والإنجيل فهم يعتقدون صحتهما، ويدعون أنهم إنما يعولون في دينهم عليهما، فلا جرم، وصفهما بكونهما هدى. ويجوز أن يكون متعلقاً - من حيث المعنى - بـ "نَزَّلَ" و "أنْزَلَ" معاً، وتكون المسألة من باب التنازع على إعمال الثاني والحذف من الأول، تقديره: نزل عليك الكتاب له أي: للهدى، فحذفه. ويجوز أن يتعلق بالفعلين - معاً - تعلقاً صناعياً، لا على وجه التنازع، بل بمعنى أنه علة للفعلين معاً، كما تقول: أكرمت زيداً وضربت عمراً إكراماً لك، يعني أن الإكرام علة الإكرام والضرب. والثاني: أن ينتصب على الحال من التوراة والإنجيل. ولم يُثَنَّ؛ لأنه مصدر، وفيه الأوجه المشهورة من حذف المضاف - أي ذَوَي هُدًى - أو على المبالغة - بأن جُعِلا نَفْسَ الهُدَى - أو على جعلهما بمعنى هاديَيْنِ. وقيل: إنه حال من الكتاب والتوراة والإنجيل. وقيل: حال من الإنجيل فقط، وحذف مما قبله؛ لدلالة هذا عليه. وقال بعضهم: تَمَّ الكلام عند قوله تعالى: {مِنْ قَبْلُ} فيوقف عليه، ويُبْتَدَأ بقوله: {هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنْزَلَ ٱلْفُرْقَانَ} أي: وأنزل الفرقان هدًى للناس. وهذا التقدير غير صحيح؛ لأنه يُؤدي إلى تقديم المعمول على حرف النسق، وهو ممتنع؛ إذ لو قلت: قام زيدٌ مكتوفةٌ وضربتُ هِنْداً - تعني وضربت هنداً مكتوفةً - لم يصح، فكذلك هذا. قوله: "لِلناسِ" يحتمل أن يتعلق بنفس "هُدًى" لأن هذه المادة تتعدى باللام، كقوله تعالى: {أية : يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء: 9] وأن يتعلق بمحذوف؛ لأنه صفة لـ "هُدًى". قوله: {وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} يحتمل أن يراد به جميع الكتب السماوية، ولم يُجْمَع لأنه مصدر بمعنى الفرق كالغفران والكفران، وهو يحتمل أن يكون مصدراً واقعاً موقع الفاعل، أو المفعول، والأول أظهر. قال الزمخشريُّ: "وكرر ذكر القرآن بما هو نعت له. ومدح من كونه فارقاً بين الحق والباطل بعد ما ذكره باسم الجنس؛ تعظيماً لشأنه، وإظهاراً لفضله". قال شهاب الدينِ: "قد يعتقد معتقد أن في كلامه هذا رَدًّا لقوله الأول؛ حيث قال: إن "نَزَّل" يقتضي التنجيم، و "أنْزَلَ" يقتضي الإنزال الدفعي؛ لأنه جوز أن يراد بالفرقان القرآن، وقد ذكره بـ "أنْزَلَ"، ولكن لا ينبغي أن يُعْتَقَدَ ذلك؛ لأنه لم يَقُل: إن أنزل للانزال الدفعيِّ فقط، بل يقول: إن "نَزَّل" - بالتشديد - يقتضي التفريق، و "أنْزِلَ" يحتمل التفريق، ويحتمل الإنزال الدفعي". فصل في المراد بـ "الفرقان" قيل: المراد بالفرقان هو الزبور؛ لقوله: {أية : وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} تفسير : [الإسراء: 55]. وقيل القرآن، وإنما أعاده تعظيماً لشأنه، ومدحاً له بكونه فارقاً بين الحق والباطل. أو يقال: إنه تعالى أعاد ذكرَه ليبين أنه أنزله بعد التوراة والإنجيل، ليجعله فارقاً بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل، وعلى هذا التقدير، فلا تكرار. وقال الأكثرون: إن المراد أنه تعالى - كما جعل هذه الكتب الثلاثة هدًى ودلالة - قد جعلها مفرقة بين الحلال والحرام وسائر الشرائع. قال ابن الخطيبِ: "وهذه الأقوال - عندي - مُشْكِلةٌ. فأما حمله على الزبور فبعيد؛ لأن الزبور ليس فيه شيء من الشرائع والأحكام، وإنما هو مواعظ ووصف التوراة والإنجيل - مع اشتمالهما على الدلائل والأحكام - بالفرقان أولى من وصْف الزبور بذلك. وأما حمله على [القرآن] فبعيد من حيث إنه عطف على ما قبله، والمعطوف يغاير المعطوف عليه، والقرآن مذكور قبل ذلك فيقتضي أن يكون الفرقان مغايراً للقرآن، وبهذا الوجه يظهر ضعف القول الثالث لأن كون هذه [الكتب] فارقةً بين الحق والباطل صفة لهذه الكتب، وعطف الصفة على الموصوف - وإن كان قد ورد فيه بعض الأشعار النادرة [إلا أنه] ضعيف، بعيد عن وجه الفصاحة اللائقة بكلام اللهِ تعالى. والمختار عندي هو أن المراد بالفرقان - هنا - المعجزات المقرونة بإنزال هذه الكتب؛ لأنهم لما أتوا بهذه الكتب، وادعوا أنها نزلت عليهم من عند الله تعالى افتقروا إلى إثبات هذه الدعوى إلى دليل حتى يحصل الفرق بين دعواهم ودعوى الكاذبين، فلما أظهر الله تلك المعجزات على وفق دعواهم حصلت المفارقة بين دعوى الصادق، ودعوى الكاذب، فالمعجزة هي الفرقان، فلما ذكر الله تعالى أنه نزل الكتاب بالحق، وأنزل التوراة والإنجيل من قبل ذلك بين أنه تعالى أنزل معها ما هو الفرقان الحق، وهو المعجز القاهر الذي يدل على صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة، فهذا ما عندي". ويمكن أن يجاب بأنه إذا قلنا: المراد به جميع الكتب السماوية، فيزول الإشكال الذي ذكره، ويكون هذا من باب ذكر العام بعد الخاص كقوله تعالى: {أية : فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَآئِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً}تفسير : [عبس: 27-31]. قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ} يحتمل أن يرتفعَ "عَذَابٌ" بالفاعلية بالجار قبله، لوقوعه خبراً عن "إنَّ" ويحتمل أن يرتفعَ على الابتداء، والجملة خبر "إنَّ" والأول أولى؛ لأنه من قبيل الإخبار بما يقرب من المفردات و "انتقام" افتعال، من النقمة وهي السطوة والتسلط، ولذلك عبر بعضهم عنها بالمعاقبة، يقال: نَقَمَ - بالفتح - وهو الأفصح، ونَقِم - بالكسر - وقد قُرِئ بهما ويقال: انتقم من انتقم، أي: عاقبه وقال الليث: ويقال لم أرض عنه، حتى نقمت، وانتقمت إذا كافأه عقوبة بما صنع. وسيأتي له مزيد بيان في المائدة إن شاء الله تعالى. فصل اعلم أنه تعالى لما قرر جميع ما يتعلق بمعرفة الإله أتبع ذلك بالوعيد؛ زَجْراً للمعرضين عن هذه الدلائل الباهرةِ، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} فخصَّ بعضُ المفسّرين ذلك بالنصارى؛ قَصْراً للفظ العام على سبب نزوله. وقال المحقِّقون: الاعتبار بعموم اللفظ، فهو يتناول كل من أعرض عن دلائل الله {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ}، أي: غالب لا يُغْلَب، وهذا إشارة إلى القدرة التامة على العقاب، و {ذُو ٱنْتِقَام} إشارة إلى كونه فاعلاً للعقاب، فالأول صفة الذات، والثاني صفة الفعل.
البقاعي
تفسير : {بسم الله} الواحد المتفرد بالإحاطة بالكمال {الرحمن} الذي وسعت رحمة ايجاد كل مخلوق وأوضح للمكلفين طريق النجاة {الرحيم} الذي اختار أهل التوحيد لمحل أنسه وموطن جمعه وقدسه {الم *} المقاصد التي سيقت لها هذه السورة إثبات الوحدانية لله سبحانه وتعالى، والإخبار بأن رئاسة الدنيا بالأموال والأولاد وغيرهما مما آثره الكفار على الإسلام غير مغنية عنهم شيئاً في الدنيا ولا في الآخرة، وأن ما أعد للمتقين من الجنة والرضوان هو الذي ينبغي الأقبال عليه والمسارعة اليه وفي وصف المتقين بالإيمان والدعاء والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار ما يتعطف عليه كثير من أفانين أساليب هذه السورة ـ هذا ما كان ظهر لي أولاً، وأحسن منه أن نخص القصد الأول وهو التوحيد بالقصد فيها فإن الأمرين الآخرين يرجعان إليه، وذلك لأن الوصف بالقيومية يقتضي القيام بالاستقامة، فالقيام يكون على كل نفس، والاستقامه العدل كما قال: {أية : قائماً بالقسط} تفسير : [آل عمران: 18] أي بعقاب العاصي وثواب الطائع بما يقتضي للموفق ترك العصيان ولزوم الطاعة؛ وهذا الوجه أوفق للترتيب، لأن الفاتحة لما كانت جامعة للدين إجمالاً جاء به التفصيل محاذياً لذلك، فابتدىء بسورة الكتاب المحيط بأمر الدين، ثم بسورة التوحيد الذي هو سر حرف الحمد وأول حروف الفاتحة، لأن التوحيد هو الأمر الذي لا يقوم بناء إلا عليه، ولما صح الطريق وثبت الأساس جاءت التي بعدها داعية إلى الاجتماع على ذلك؛ وأيضاً فلما ثبت بالبقرة أمر الكتاب في أنه هدى وقامت به دعائم الإسلام الخمس جاءت هذه لإثبات الدعوة الجامعة في قوله سبحانه وتعالى: {أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم} تفسير : [ البقرة: 21] فأثبت الوحدانيه له بإبطال إلهيه غيره بإثبات أن عيسى عليه الصلاة والسلام الذي كان يحيي الموتى عبده فغيره بطريق الأولى، فلما ثبت أن الكل عبيده دعت سورة النساء إلى إقبالهم إليه واجتماعهم عليه؛ ومما يدل على أن القصد بها هو التوحيد تسميتها بآل عمران، فإن لم يعرب عنه في هذه السورة ما أعرب عنه ما ساقه سبحانه وتعالى فيها من أخبارهم بما فيها من الأدلة على القدرة التامة الموجبة للتوحيد الذي ليس في درج الإيمان أعلى منه، فهو التاج الذي هو خاصة الملك المحسوسة، كما أن التوحيد خاصته المعقولة، والتوحيد موجب لزهرة المتحلي به فلذلك سميت الزهراء. القصد الأول التوحيد ومناسبه هذا الأول بالإبتدائيه لآخر ما قبلها أنه لما كان آخر البقرة في الحقيقة آية الكرسي وما بعدها إنما هو بيان، لأنها أوضحت أمر الدين بحيث لم يبقى وراءها مرمى لمتنعت، أو تعجب من حال من جادل في الإلهية أو استبعد شيئاً من القدرة ولم ينظر فيما تضمنته هذه الآية من الأدله مع وضوحه، أو إشارة إلى الاستدلال على البعث بأمر السنابل في قالب الإرشاد إلى ما ينفع في اليوم الذي نفى فيه نفع البيع والخلة والشفاعة من النفقات، وبيان بعض ما يتعلق بذلك، وتقرير أمر ملكه لما منه الإنفاق من السماوات و الأرض، والإخبار بإيمان الرسول وأتباعه بذلك، وبأنهم لا يفرقون بين أحد من الرسل المشار إليهم في السورة، وبصدقهم في التضرع برفع الأثقال التي كانت على من قبلهم من بني إسرائيل وغيرهم، وبالنصرة على عامة الكافرين؛ لما كان ذلك على هذا الوجه ناسب هذا الاختتام غايه المناسبة ابتداء هذه السورة بالذي وقع الإيمان به سبحانه وتعالى ووجهت الرغبات آخر تلك إليه؛ وأحسن منه أنه لما نزل إلينا كتابه فجمع مقاصده في الفاتحه على وجه أرشد فيه إلى سؤال الهداية ثم شرع في تفصيل ما جمعه في الفاتحة، فأرشد في أول البقرة إلى أن الهدايه في هذا الكتاب، وبيّن ذلك بحقية المعنى والنظم كما تقدم ـ إلى أن ختم البقرة بالإخبار عن خلص عباده بالإيمان بالمنزل بالسمع والطاعة، وأفهم ذلك مع التوجه بالدعاء إلى المنزل له أن له سبحانه وتعالى كل شيء وبيده النصر، علم أنه واحد لا شريك له حي لا يموت قيوم لا يغفل وأن ما أنزل هو الحق، فصرح أول هذه بما أفهمه آخر تلك، كما يصرح بالنتيجة بعد المقدمات المنتجة لها فقال: {الله} أي الذي لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه لأن له الإحاطة بجميع أوصاف الكمال والنزاهة الكاملة من كل شائبة نقص. وقال الحرالي مشيراً إلى القول الصحيح في ترتيب السور من أنه باجتهاد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إقراراً لله سبحانه وتعالى لهذا الانتظام والترتيب السوري في مقرر هذا الكتاب: هو ما رضيه الله سبحانه وتعالى فأقره؛ فلما كانت سورة الفاتحة جامعة لكلية أمر الله سبحانه وتعالى فيما يرجع إليه، وفيما يرجع إلى عبده، وفيما بينه وبين عبده، فكانت أم القرآن وأم الكتاب؛ جعل مثنى تفصيل ما يرجع منها إلى الكتاب المنبأ عن موقعه في الفاتحة مضمناً سورة البقرة إلى ما أعلن به، لألأ نور آية الكرسي فيها، وكان منزل هذه السورة من مثنى تفصيل ما يرجع إلى خاص علن الله سبحانه وتعالى في الفاتحة، فكان منزلة سورة آل عمران منزله تاج الراكب وكان منزله سورة البقرة منزلة سنام المطية؛ قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة، لكل شيء تاج وتاج القرآن سورة آل عمران" تفسير : وإنما بدىء هذا الترتيب لسورة الكتاب لأن علم الكتاب أقرب إلى المخاطبين من تلقي علن أمر الله، فكان في تعلم سورة البقرة والعمل بها تهيؤ لتلقي ما تضمنته سورة آل عمران ليقع التدرج والتدرب بتلقي الكتاب حفظاً وبتلقيه على اللقن منزل الكتاب بما أبداه علنه في هذه السورة؛ وبذلك يتضح أن إحاطة {الم} المنزلة في أول سورة البقرة إحاطة كتابية بما هو قيامه وتمامه، ووصلة ما بين قيامه وتمامه، وأن إحاطة {الم} المنزلة في أو هذه السورة إحاطة إلهية حيايية قومية مما بين غيبة عظمة اسمه {الله} إلى تمام قيوميته البادية في تبارك ما أنبأ عنه اسمه {الحي القيوم} وما أوصله لطفه من مضمون توحيده المنبىء عنه كلمه الإخلاص في قوله: {لا إله الا هو} فلذلك كان هذا المجموع في منزله قرآناً حرفياً وقرآناً كلمياً اسمياً وقرآناً كلامياً تفصيليا مما هو اسمه الأعظم كما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} [ البقرة: 163]، {الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم}" تفسير : وكما وقعت إلاحة في سورة البقرة لما وقع بها الإفصاح في سورة آل عمران كذلك وقع في آل عمران من نحو ما وقع تفصيله في سورة البقرة ليصير منزلاً واحداً بما أفصح مضمون كل سورة بالإحة الأخرى، فلذلك هما غمامتان وغيايتان على قارئهما يوم القيامة ـ كما تقدم ـ لا تفترقان، فأعظم {الم} هو مضمون {الم} الذي افتتحت به هذه السورة ويليه في الرتبة ما افتتحت به سورة البقرة، ويليه في الرتبة ما افتتحت به سور الآيات نحو قوله سبحانه وتعالى {أية : الم تلك آيات الكتاب الحكيم} تفسير : [لقمان: 2] فللكتاب الحكيم إحاطة قواماً وتماماً ووصلة، ولمطلق الكتاب إحاطة كذلك، وإحاطه الإحاطات وأعظم العظمة إحاطة افتتاح هذه السورة؛ وكذلك أيضاً اللواميم محيطة بإحاطة الطواسيم لما تتخصص به معاني حروفها من دون إحاطات حروف اللواميم، وإحاطة الحواميم من دون إحاطة الطواسيم لما تتخصص به معاني حروفها من دون إحاطات حروف الطواسيم على ما يتضح تراتبه وعلمه لمن آتاه الله فهماً بمنزله قرآن الحروف المخصوص بإنزاله هذه الأمة دون سائر الأمم، الذي هو من العلم الأزلي العلوي؛ ثم قال: ولما كانت أعظم الإحاطات إحاطة عظمة اسمه "الله" الذي هو مسمى التسعة والتسعين أسماء التي أولها {إله} كان ما أفهمه أول الفهم هنا اسم ألف بناء في معنى إحاطات الحروف على نحو إحاطة اسمه "الله" في الأسماء، فكانت هذه الألف مسمى كل ألف كما كان اسمه {الله} سبحانه وتعالى مسمى كل اسم سواه حتى أنه مسمى سائر الأسماء الأعجمية التي هي أسماؤه سبحانه وتعالى في جميع الألسن كلها مع أسماء العربية أسماء لمسمى هو هذا الاسم العظيم الذي هو {الله} الأحد الذي لم يتطرق إليه شرك، كما تطرق إلى أسمائه من اسمه {إله} إلى غاية اسمه "الصبور" وكما كان إحاطة هذا الألف أعظم إحاطة حرفية وسائر الألفات أسماء لعظيم إحاطتة؛ وكذلك هذه الميم أعظم إحاطة ميم تفصلت فيه وكانت له أسماء بمنزلة ما هي سائر الألفات أسماء لمسمى هذا الألف كذلك سائر الميمات اسم لمسمى هذا الميم، كما أن اسمه {الحي القيوم} أعظم تمام كل عظيم من أسماء عظمته؛ وكذلك هذه اللام بمنزلة ألفه وميمه، وهي لام الإلهية الذي أسراره لطيف التنزل إلى تمام ميم قيوميته؛ فمن لم ينته إلى فهم معاني الحروف في هذه الفاتحة نزل له الخطاب إلى ما هو إفصاح إحاطتها في الكلم والكلام المنتظم في قوله: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}، فهو قرآن حرفي يفصله قرآن كلمي يفصله قرآن كلامي ـ انتهى. فقوله: {الله} أي الذي آمن به الرسول وأتباعه بما له من الإحاطة بصفات الكمال {لا إله إلا هو} أي متوحد لا كفوء له فقد فاز قصدكم إليه بالرغبة وتعويلكم عليه في المسألة. قال الحرالي: فما أعلن به هذا الاسم العظيم أي الله في هذه الفاتحة هو ما استعلن به في قوله تعالى:{أية : قل هو الله أحد} تفسير : [الإخلاص: 1]، ولما كان إحاطة العظمة أمراً خاصاً لأن العظمة إزاء الله الذي لا يطلع عليه إلا صاحب سر كان البادي لمن دون أهل الفهم من رتبة أهل العلم اسمه "الله الصمد" الذي يعنى اليه بالحاجات والرغبات المختص بالفوقية والعلو الذي يقال للمؤمن عنه: أين الله؟ فيقول: في السماء، إلى حد علو أن يقول: فوق العرش، فذلك الصمد الذي أنبأ عنه اسمه {إله} الذي أنزل فيه إلزام الإخلاص والتوحيد منذ عبدت في الأرض الأصنام، فلذلك نضم توحيد اسمه الإله بأحدية مسمى هو من اسمه العظيم "الله"، ورجع عليه باسم المضمر الذي هو في جبلات الأنفس وغرائز القلوب الذي تجده غيباً في بواطنها فتقول فيه: هو، فكان هذا الخطاب مبدوءاً بالاسم العظيم المظهر منتهياً إلى الاسم المضمر، كما كان خطاب {أية : قل هو الله أحد}تفسير : [ الإخلاص: 1] مبدوءاً بالاسم المضمر منتهياً إلى الاسم العظيم المظهر، وكذلك أيضاً اسم الله الأعظم في سورة {أية : قل هو الله أحد}تفسير : [الإخلاص: 1] كما هو في هذه الفاتحة. ولما كان لبادي الخلق افتقار إلى قوام لا يثبت طرفة عين دون قوامه كان القوام البادي آيته هي الحياة فما حيي ثبت وما مات فني وهلك؛ انتهى ـ ولما كان المتفرد بالملك من أهل الدنيا يموت قال: {الحي} أي الحياة الحقيقية التي لا موت معها. ولما كان الحي قد يحتاج في التدبير إلى وزير لعجزه عن الكفاية بنفسه في جميع الأعمال قال: {القيوم *} إعلاماً بأن به قيام كل شيء وهو قائم على كل شيء. قال الحرالي: فكما أن الحياة بنفخة من روح أمره فكل متماسك على صورته حي بقيوميته ـ انتهى. وفي وصفه بذلك إعلام بأنه قادر على نصر جنده وإعزاز دينه وعون وليه، وحث على مراقبته بجهاد أعدائه ودوام الخضوع لديه والضراعة اليه. ولما كان من معنى القيوم أنه المدبر للمصالح اتصل به الإعلام بتنزيل ما يتضمن ذلك، وهو الكتاب المذكور في قوله: {أية : بما أنزل إليه من ربه} تفسير : [البقرة: 285] والكتب المذكورة في أول البقرة في قوله: {أية : بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} تفسير : [البقرة: 4] وفي آخرها بقوله{أية : وكتبه ورسله}تفسير : [البقرة: 285] التي من جملتها التوراة والإنجيل اللذان فيهما الآصار المرفوعة عنا، ثم شرح بعده أمر التصوير في الأحشاء، وذلك لأن المصالح قسمان: روحانية وجسمانية، وأشرف المصالح الروحانية العلم الذي هو الروح كالروح للبدن فإنها تصير به مرآة مجلوة ينجلي فيها صور الحقائق، وأشرف المصالح الجسمانية تعديل المزاج وتسوية البنية في أحسن هيئة، وقدم الروحانية المتكفل بها الكتاب لأنها أشرف. ولما كانت مادة "كتب" دائرة على معنى الجمع عبر بالتنزيل الذي معناه التفريق لتشمل هذه الجملة على وجازتها من أمره على إجمال وتفصيل فقال: ـ وقال الحرالي: ولما كانت إحاطة الكتاب أي في البقرة ابتداء وأعقبها أي في أول هذه السورة إحاطة الإلهية جاء هذا الخطاب رداً عليه، فتنزل من الإحاطة الإلهية إلى الأحاطة الكتابية بالتنزيل الذي هو تدرج من رتبة إلى رتبة دونها؛ انتهى ـ فقال: {نزّل} أي شيئاً فشيئاً في هذا العصر {عليك} أي خاصة بما اقتضاه تقديم الجار من الحصر، وكأن موجب ذلك ادعاء بعضهم أنه يوحي إليه وأنه يقدر على الإتيان بمثل هذا الوحي {الكتاب} أي القرآن الجامع للهدى منجماً بحسب الوقائع، لم يغفل عن واحدة منها ولا قدم جوابها ولا أخره عن محل الحاجة، لأنه قيوم لا يشغله شأن عن شأن. قال الحرالي: وهذا الكتاب هو الكتاب المحيط الجامع الأول الذي لا ينزل إلا على الخاتم الآخر المعقب لما أقام به حكمته من أن صور الأواخر مقامة بحقائق الأوائل، فأول الأنوار الذي هو نور محمد صلى الله عليه وسلم هو قثم خاتم الصور التي هي صورة محمد ـ انتهى. تنزيلاً ملتبساً {بالحق} أي الأمر الثابت، فهو ثابت في نفسه، وكل ما ينشأ عنه من قول وفعل كذلك. قال الحرالي: وكما أن هذا الكتاب هو الكتاب الجامع الأول المحيط بكل كتاب كذلك هو الحق المنزل به هذا الكتاب هو الحق الجامع المحيط الذي كل حق منه، وهو الحق الذي أقام به حكمته فيما رفع ووضع ـ انتهى. حال كونه {مصدقاً} ولما كان العامل مرفوعاً لأنه أمر فاعل قواه في اللام فقال: {لما بين يديه} أي من الكتب السماوية التي أتت بها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم عن الحضرة الإلهية. قال الحرالي: لما كان هذا الكتاب أولاً وجامعاً ومحيطاً كان كل كتاب بين يديه ولم يكن من ورائه كتاب ـ انتهى. ولما كان نزاع وفد ونجران في الإله أو النبي أو فيهما كان هذا الكلام كفيلاً على وجازتة بالرد عليهم في ذلك ببيان الحق في الإله بالقيومية، وفي المعنى بالكتاب المعجز، ولما كانوا مقرين بالكتب القديمة أشار إلى أن ليس لهم إنكار هذا الكتاب وهو أعلى منها في كل أمر أوجب تصديقها وإلى أن من أنكره بعد ذلك كان من الأمر الظاهر أنه معاند لا شك في عناده فقال: {وأنزل التوراة} وهو "فوعلة" لو صرفت من الورى وهو قدح النار من الزند، استثقل اجتماع الواوين فقلب أولهما تاء كما في اتحاد و اتّلاج واتّزار واتّزان ونحوه قال الحرالي: فهي توراة بما هي نور أعقبت ظلام ما وردت عليه من كفر دعي إليها من الفراعنة، فكان فيها هدى ونور {والإنجيل *} من النجل، وضع على زيادة "إفعيل " لمزيد معنى ما وضعت له هذة الصيغة، وزيادتاها مبالغه في المعنى، وأصل النجل استخراج خلاصه الشيء، ومنه يقال للولد: نجل أبيه. كان الإنجيل استخلص خلاصه نور التوراة فأظهر باطن ما شرع في التوراة ظاهرة، فإن التوراة كتاب إحاطة لأمر الظاهر الذي يحيط بالأعمال وإصلاح أمر الدنيا وحصول الفوز من عاقبة يوم الأخرى فهو جامع إحاطة الظواهر، وكل آية ظاهرة فمن كتاب التوراة والإنجيل كتاب إحاطة لأمر البواطن يحيط بالأمور النفسانية التي بها يقع لمح موجود الآخرة مع الإعراض عن إصلاح الدنيا بل مع هدمها، فكان الإنجيل مقيماً لأمر الآخرة هادماً لأمر الدنيا مع حصوله أدنى بلغة، وكانت التوراة مقيمة لإصلاح الدنيا مع تحصيل الفوز في الآخرة، فجمع هذان الكتابان إحاطتي الظاهر والباطن، فكان منزل التوراة من مقتضى اسمه الظاهر، وكان منزل الإنجيل من مقتضى اسمه الباطن، كما كان منزل الكتاب الجامع من مقتضى ما في أول هذه السورة من أسمائه العظيمة مع لحظ التوحيد ليعتبر الكتاب والسورة بما نبه بتنزيله من اسمه الله وسائر أسمائه على وجوه إحاطاتها ـ انتهى وفيه تصرف؛ فأحاط هذا الكتاب إحاطة ظاهرة بأمري الظاهر والباطن بما أذن منه تصديقه للكتابين، وخصهما سبحانه وتعالى بالتنويه بذكرهما إعلاماً بعلي قدرهما. ولما لم يكن إنزالهما مستغرقاً للماضي لأنه لم يكن في أول الزمان أدخل الجار معرياً من التقيد بمن نزلا عليه لشهرته وعدم النزاع بخلاف القرآن {من قبل} أي من قبل هذا الوقت إنزالاً انقضى أمره ومضى زمانه حال كون الكل {هدى} أي بياناً، ولذا عم فقال: {للناس} وأما في أول البقرة فبمعنى خلق الهداية في القلب، فلذا خص المتقين؛ والحاصل أن هذه الآية كالتعليل لآخر البقرة فكأنه قيل: كل آمن بالله لأنه متفرد بالألوهية، لأنه متفرد بالحياة، لأنه متفرد بالقيومية؛ وآمن برسله الذين جاؤوا بكتبه المنزلة بالحق من عنده بواسطة ملائكته. ولما كانت مادة "فرق" للفصل عبر بالإنزال الذي لا يدل على التدريج لما تقدم من إرادة الترجمة بالإجمال والتفصيل على غاية الإيجاز لاقتضاء الإعجاز، وجمع الكتابين في إنزال واحد واستجد لكتابنا إنزالاً تنبيهاً على علو رتبته عنهما بمقدار علو رتبه المتقين الذين هو هدى لهم، وبتقواهم يكون لهم فرقان على رتبة الناس الذين هما هدى لهم فقال تعالى: {وأنزل الفرقان *} أي الكتاب المصاحب للعز الذي يكسب صاحبه قوة التصرف فيما يريد من الفصل والوصل الذي هو وظيفه السادة المرجوع إليهم عند الملمات، المقترن بالمعجزات الفارقة بين الحق والباطل، وسترى هذا المعنى إن شاء الله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال بأوضح من هذا؛ فعل ذلك لينفذ قائله أمر الكتاب المقرر فيه الشرع الحق المباين لجميع الملل الباطلة والأهواء المضلة والنحل الفاسدة، وذلك هو روح النصر على أعداء الله المرشد إلى الدعاء به ختام البقرة. قال الحرالي: فكان الفرقان جامعاً لمنزل ظاهر التوراة ومنزل باطن الإنجيل جمعاً يبدي ما وراء منزلهما بحكم استناده للتقوى التي هي تهيؤ لتنزل الكتاب {أية : إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا}تفسير : [ الانفال: 29] فكان الفرقان أقرب الكتب للكتاب الجامع، فصار التنزيل في ثلاث رتب: رتبة الكتاب المنزل بالحق الجامع، ثم رتبة الفرقان المظهر لمحل الجمع بين الظاهر والباطن، ثم منزل التوراة والإنجيل المختفي فيه موضع ظاهر التوراة بباطن الإنجيل انتهى. ومناسبة ابتدائها بالتوحيد لما في أثنائها أنه لما خلق عيسى عليه الصلاة والسلام من أنثى فقط وهي أدنى أسباب النماء كان وجوده إشارة إلى أن الزيادة قد انتهت، وأن الخلق أخذ في النقصان، وهذا العالم أشرف على الزوال، فلم يأت بعده من قومه نبي بل كان خاتم أنبياء بني إسرائيل، وكان هذا النبي الذي أتى بعده من غير قومه خاتم الأنبياء مطلقاً، وكان مبعوثاً مع نفس الساعة، وكان نزوله هو آخر الزمان علماً على الساعة، وصدرت هذه السورة التي نزل كثير منها بسببه بالوحدانية إشارة إلى أن الوارث قد دنا زمان إرثه، وأن يكون ـ ولا شيء معه ـ كما كان، وأن الحين الذي يتمحض فيه تفرد الواحد قد حان، والآن الذي يقول فيه سبحانه له الملك اليوم قد آن؛ ويوضح ذلك أنه لما كان آدم عليه الصلاه والسلام مخلوقاً من التراب الذي هو أمتن أسباب النماء، وهو غالب على كل ما جاوره، وكانت الأنثى مخلوقة من آدم الذي هو الذكر وهو أقوى سببي التناسل كان ذلك إشارة إلى كثرة الخلائق ونمائهم وازديادهم، فصدر أول سورة ذكر فيها خلقه وابتداء أمره بالكتاب إشارة إلى أن ما يشير إليه ذكره من تكثر الخلائق وانتشار الأمم والطوائف داع إلى إنزال الشرائع وإرسال الرسل بالأحكام والدلائل، فالمعنى أن آدم عليه الصلاة والسلام لما كان منه الابتداء وعيسى عليه الصلاة والسلام لما كان دليلاً على الانتهاء اقتضت الحكمة أن يكون كل منهما مما كان منه، وأن تصدر سورة كل بما صدرت به ـ والله سبحانه وتعالى الموفق. وقال ابن الزبير ما حاصله: إن اتصالها بسورة البقرة ـ والله سبحانه وتعالى أعلم ـ من جهات: إحداها ما تبين في صدر السورة مما هو إحالة على ما ضمن في سورة البقرة بأسرها، ثانيها الإشارة في صدر السورة أيضاً إلى أن الصراط المستقيم قد تبين شأنه لمن تقدم في كتبهم، فإن هذا الكتاب جاء مصدقاً لما نزل نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه، فهو بيان لحال الكتاب الذي هو هدى للمتقين، ولما بين افتراق الأمم بحسب السابقة إلى أصناف ثلاثة، وذكر من تعنت بني إسرائيل وتوقفهم ما تقدم أخبر سبحانه وتعالى هنا أنه أنزل عليهم التوراة، وأنزل بعدها الإنجيل، وأن كل ذلك هدى لمن وفق، إعلاماً منه سبحانه وتعالى لأمه محمد صلى الله عليه وسلم أن من تقدمهم قد بين لهم {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} تفسير : [الإسراء: 15]؛ والثالثة قصة عيسى عليه الصلاة والسلام وابتداء أمره من غير أب والاعتبار به نظير الاعتبار بآدم عليه الصلاة والسلام ولهذا أشار قوله سبحانه وتعالى {أية : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} تفسير : [ آل عمران: 59] ـ انتهى. ولما علم بذلك أمر القيوم سبحانه وتعالى بالحق وهو الإيمان علم أن لمخالفي أمره من أضداد المؤمنين الموصوفين ـ وهم الكفرة المدعو بخذلانهم المنزل الفرقان لمحو أديانهم ـ الويل والثبور، فاتصل بذلك بقوله: {إن الذين كفروا} أي غطوا ما دلتهم عليه الفطرة الأولى التي فطرهم الله سبحانه وتعالى عليها، ثم ما بينت لهم الرسل عليهم الصلاة والسلام عنه سبحانه وتعالى من البيان الذي لا لبس معه {بآيات الله} المستجمع لصفات الكمال إقبالاً منهم على ما ليس له أصلاً صفة كمال، وهذا الكفر ـ كما قال الحرالي ـ دون الكفر بأسماء الله الذي هو دون الكفر بالله، قال: فكما بدأ خطاب التنزيل من أعلاه نظم به ابتداء الكفر من أدناه ـ انتهى. {لهم عذاب شديد} كما تقتضيه صفتا العزة والنقمة، وفي وصفه بالشدة إيذان بأن من كفر دون هذا الكفر كان له مطلق عذاب. قال الحرالي: ففي إشعاره أن لمن داخله كفر ما حط بحسب خفاء ذلك الكفر، فأفصح الخطاب بالأشد وألاح بالأضعف ـ انتهى. والآية على تقدير سؤال ممن كأنه قال: ماذا يفعل بمن أعرض عن الكتب الموصوفة؟ أو يقال: إنه لما قال: {وأنزل الفرقان} [آل عمران: 4] أي الفارق بين الحق والباطل من الآيات والأحكام عليك وعلى غيرك من الأنبياء لم يبق لأحد شبهة فقال: وأحسن من ذلك كله أنه سبحانه وتعالى ولما أنزل سورة البقرة على طولها في بيان أن الكتاب هدى للمتقين، وبين أن أول هذه وحدانيته وحياته وقيوميته الدالة على تمام العلم وشمول القدرة، فأنتج ذلك صدق ما أخبر به سبحانه وتعالى، أيد ذلك بالإعلام بأن ذلك الكتاب مع أنه هاد اليه حق، ودل على ذلك لمصادقته لما قبله من الكتب. ولما ختم أوصافه بأنه فرقان لا يدع لبساً ولا شبهة أنتج ذلك قطعاً أن الذين قدم أول تلك أنهم أصروا على الكفر به خاسرون، فأخبر سبحانه وتعالى بما أعد لهم من العذاب فقال: {إن الذين} مؤكداً مظهراً لما كان من حقه الإضمار، لولا إرادة تعليق الحكم بالوصف وهو الكفر أي الستر لما تفضل عليهم به من الآيات؛ ثم قرر قدرته على ما هدد به وعبر به فقال: عاطفاً على ما أرشد السياق مع العطف على غير مذكور إلى أنه: فالله سبحانه وتعالى عالم بما له من القيومية بجميع أحوالهم ـ: {والله} أي الملك العظيم مع كونه رقيباً {عزيز} لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء {ذو انتقام *} أي تسلط وبطش شديد بسطوة. قال الحرالي: فأظهر وصف العزة موصولاً بما أدام من انتقامه بما يعرب عنه كلمة ذو المفصحة بمعنى صحبة ودوام، فكأن في إشعاره دواماً لهذا الانتقام بدوام أمر الكتاب الجامع المقابل علوه لدنو هذا الكفر، وكان في طي إشعار الانتقام أحد قسمي إقامة اليومية في طرفي النقمة والرحمة، فتقابل هذان الخطابان إفصاحاً وإفهاماً من حيث ذكر تفصيل الكتب إفصاحاً فافهم متنزل الفتنة في الابتداء إلاحة، فإنه كما أنزل الكتب هدى أنزل متشابهها فتنة، فتعادل الإفصاحان والإلاحتان، وتم بذلك أمر الدين في هذه السورة ـ انتهى. وما أحسن إطلاق العذاب بعد ذكر الفرقان ليشمل الكون في الدنيا نصرة للمؤمنين استجابة لدعائهم، وفي الآخرة تصديقاً لقولهم وزيادة في سرورهم ونعيمهم، وتهديداً لمن تُرك كثير من هذه السورة بسببهم وهم وفد نصارى نجران. يجادلون النبي في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، فتارة يقولون: هو الله، وتارة يقولون: هو ابن الله، وتارة يقولون، هو ثالث ثلاثة، وكان بعضهم عالماً بالحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام وبأن أحمد الذي بشر به هو هذا النبي العربي فقال له بعض أقاربه: فلم لا تتبعه وأنت تعلم أن عيسى أمر باتباعه؟ فقال له: لو اتبهناه لسلبنا ملك الروم جميع ما ترى من النعمة، وكان ملوك الروم قد أحبوهم لاجتهادهم في دينهم وعظموهم وسودوهم وخولوهم في النعم حتى عظمت رئاستهم وكثرت أموالهم ـ على ما بين في السيرة الهشامية وغيرها، واستمر سبحانه وتعالى يؤكد استجابته لدعاء أوليائه بالنصرة آخر البقرة في نحو قوله: {أية : إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم} تفسير : [ آل عمران: 10] {أية : قل للذين كفروا ستغلبون}تفسير : [آل عمران: 12] إلى أن ختم السورة بشرط الاستجابة فقال: {أية : اصبروا وصابروا} تفسير : [آل عمران: 200]، ثم قال توضيحاً لما قدم في آية الكرسي من إثبات العلم، واستدلالاً على وصفه سبحانه وتعالى بالقيومية التي فارق بها كل من يدعي فيه الإلهية مشيراً بذلك إلى الرد على من جادل في عيسى عليه الصلاة والسلام فأطراه بدعواه أنه إله، وموضحاً لأن كتبه هدى وأنه عالم بالمطيع والعاصي بما تقدم أنه أرشد العطف في {والله عزيز} لى تقديره، ومعللاً لوصفه بالعزة والقدرة لما يأتي في سورة طه من أن تمام العلم يستلزم شمول القدرة: {إن الله} بما له من صفات الكمال التي منها القيومية {لا يخفى عليه شيء} وإن دق، ولما كان تقريب المعلومات بالمحسوسات أقيد في التعليم والبعد عن الخفاء قال ـ وإن كان علمه سبحانه وتعالى لا يتقيد بشيء: {في الأرض ولا في السماء *} أي ولا هم يقدرون على أن يدعوا في عيسى عليه الصلاة والسلام مثل هذا العلم، بل في إنجيلهم الذي بين أظهرهم الآن في حدود السبعين والثمانمائة التصريح بأنه يخفى عليه بعض الأمور، قال في ترجمة إنجيل مرقس في قصة التي كانت بها نزف الدم: إنها أتت من ورائه فأمسكت ثوبه فبرأت فعلم القوة التي خرجت منه، فالتفت إلى الجمع وقال: من مس ثوبي؟ فقال له تلاميذه: ما ندري، الجمع يزحمك، ويقول: من اقترب؟ فجاءت وقالت له الحق، فقال: يا ابنة! إيمانك خلصك؛ وهو في إنجيل لوقا بمعناه ولفظه: فجاءت من ورائه وأمسكت طرف ثوبه، فوقف جري دمها الذي كان يسيل منها، فقال يسوع من لمسني؟ فأنكر جميعهم، فقال بطرس والذي معه: يا معلم الخير! الجميع يزحمك ويضيق عليك ويقول: من الذي لمسني من قرب مني؟ قد علمت أن قوة خرجت مني ـ إلى آخره. وقال ابن زبير: ثم أشار قوله تعالى: {إن الله لا يخفى عليه شيء} إلى ما تقدم ـ أي في البقرة من تفصيل أخبارهم. فكان الكلام في قوة أن لو قيل: أيخفي عليه مرتكبات العباد! وهو مصورهم في الأرحام والمطلع عليهم حيث لا يطلع عليهم غيره ـ انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أبيّ بن كعب أنه قرأ {الحي القيوم} . وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: {القيوم} القائم على كل شيء. وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي داود وابن الأنباري معاً في المصاحف وابن المنذر والحاكم وصححه عن عمر أنه صلى العشاء الآخرة فاستفتح سورة آل عمران، فقرأ {الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم} . وأخرج ابن أبي داود عن الأعمش قال في قراءة عبدالله {الحي القيام} . وأخرج ابن جرير وابن الأنباري عن علقمة أنه كان يقرأ {الحي القيام} . وأخرج ابن جرير وابن الأنباري عن أبي معمر قال: سمعت علقمة يقرأ {الحي القيم} وكان أصحاب عبدالله يقرؤون {الحي القيام} . وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: كان عمر يعجبه أن يقرأ سورة آل عمران في الجمعة إذا خطب. وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن جعفر بن الزبير قال "حديث : قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد نجران ستون راكباً، فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب، وعبد المسيح، والأيهم السيد، وهو من النصرانية على دين الملك مع اختلاف من أمرهم. يقولون هو الله، ويقولون هو ولد الله، ويقولون هو ثالث ثلاثة، كذلك قول النصرانية، فهم يحتجون في قولهم يقولون هو الله بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الاسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيراً، وذلك كله بإذن الله ليجعله آية للناس. ويحتجون في قولهم بأنه ولد بأنهم يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد شيئاً لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله. ويحتجون في قولهم إنه ثالث ثلاثة بقول الله: فعلنا: وأمرنا، وخلقنا، وقضينا، فيقولون: لو كان واحداً ما قال إلا فعلت، وأمرت، وقضيت، وخلقت، ولكنه هو وعيسى ومريم. ففي كل ذلك من قولهم نزل القرآن وذكر الله لنبيه فيه قولهم، فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلما قالا: قد أسلمنا قبلك. قال: كذبتما منعكما من الإِسلام دعاؤكما لله ولداً، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت فلم يجبهما شيئاً، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها، فافتتح السورة بتنزيه نفسه مما قالوه، وتوحيده إياهم بالخلق، والأمر لا شريك له فيه، ورد عليه ما ابتدعوا من الكفر، وجعلوا معه من الأنداد، واحتجاجاً عليهم بقولهم في صاحبهم ليعرفهم بذلك ضلالتهم فقال {الم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم} أي ليس معه غيره شريك في أمره، الحي الذي لا يموت وقد مات عيسى، في قولهم القائم على سلطانه لا يزول وقد زال عيسى "تفسير : . وقال ابن إسحق: حدثني محمد بن سهل بن أبي امامة قال: لما قدم أهل نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن عيسى ابن مريم. نزلت فيهم فاتحة آل عمران إلى رأس الثمانين منها وأخرجه البيهقي في الدلائل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع قال: "حديث : إن النصارى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخاصموه في عيسى ابن مريم وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على الله الكذب والبهتان. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وإن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى. قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً؟ قالوا: لا. قال: أفلستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى. قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئاً إلا ما علم؟ قالوا: لا. قال: فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب، ولا يحدث الحدث؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غُذّيَ كما تُغذي المرأة الصبي، ثم كان يأكل الطعام، ويشرب الشراب، ويحدث الحدث؟ قالوا: بلى. قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فعرفوا ثم أبوا إلا جحوداً. فأنزل الله {الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور والطبراني عن ابن مسعود أنه كان يقرؤها {القيام} . وأخرج ابن جرير عن علقمة أنه قرأ {الحي القيوم} . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه} قال: لما قبله من كتاب أو رسول. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن {مصدقاً لما بين يديه} يقول: من البينات التي أنزلت على نوح, وإبراهيم, وهود, والأنبياء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {نزل عليك الكتاب} قال: القرآن {مصدقاً لما بين يديه} من الكتب التي قد خلت قبله (وأنزل التوراة والإنجيل، من قبل هدى للناس) هما كتابان أنزلهما الله فيهما بيان من الله، وعصمة لمن أخذ به، وصدق به وعمل بما فيه {وأنزل الفرقان} هو القرآن فرق به بين الحق والباطل. فأحل فيه حلاله، وحرم فيه حرامه، وشرع فيه شرائعه، وَحَدَّ فيه حدوده، وفرض فيه فرائضه، وبَيَّنَ فيه بيانه، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته. وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير {وأنزل الفرقان} أي الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره. وفي قوله {إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام} أي أن الله منتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها، ومعرفته بما جاء منه فيها. وفي قوله {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} أي قد علم ما يريدون، وما يكيدون، وما يضاهون بقولهم في عيسى. إذ جعلوه رباً، وإلهاً، وعندهم من علمه غير ذلك، غرة بالله وكفراً به {هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء} قد كان عيسى ممن صور في الأرحام لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه، كما صور غيره من بني آدم فكيف يكون إلهاً وقد كان بذلك المنزل؟ وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله {يصوركم في الأرحام كيف يشاء} قال: ذكوراً وإناثاً. وأخرج ابن جرير من طريق السدي عن أبي مالك, عن أبي صالح, وعن ابن عباس, عن مرة, عن ابن مسعود وناس من الصحابة. في قوله {هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء} قال: إذا وقعت النطفة في الأرحام طارت في الجسد أربعين يوماً، ثم تكون علقة أربعين يوماً، ثم تكون مضغة أربعين يوماً. فإذا بلغ أن يخلق، بعث الله ملكاً يصوّرها فيأتي الملك بتراب بين اصبعيه، فيخلط فيه المضغة، ثم يعجنه بها، ثم يصوّره كما يؤمر، ثم يقول أذكر أم أنثى، أشقي أم سعيد، وما رزقه، وما عمره، وما أثره، وما مصائبه؟ فيقول الله... ويكتب الملك. فإذا مات ذلك الجسد دفن حيث أخذ ذلك التراب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء} قال: من ذكر، وأنثى، وأحمر، وأبيض، وأسود، وتام، وغير تام الخلق. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {العزيز الحكيم} قال: العزيز في نقمته إذا انتقم، الحكيم في أمره.
ابو السعود
تفسير : سورة آل عمران مدنية وهى مائتا آية بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم {الم ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} قد سلف أن ما لا تكون من هذه الفواتح مفردةً - كصاد وقاف ونون ولا موازِنةً لمفردٍ - كحاميم وطاسين وياسين الموازنةِ لقابـيلَ وهابـيلَ وكطاسين ميم الموازنةِ "دارا بجِرْد" حسبما ذكره سيبويهِ في الكتابِ فطريقُ التلفظ بها الحكايةُ فقط، ساكنةُ الأعجاز على الوقف سواءٌ جُعلت أسماءً أو مسرودةً على نمط التعديد وإن لزِمها التقاءُ الساكنين لما أنه مغتفرٌ في باب الوقف قطعاً فحقُّ هذه الفاتحة أن يوقفَ عليها ثم يُبدأ بما بعدها كما فعله أبو بكر رضي الله عنه، روايةٌ عن عاصم وأما ما فيها من الفتح على القراءة المشهورةِ فإنما هي حركةُ همزة الجلالة ألقيت على الميم لتدل على ثبوتها إذ ليس إسقاطُها للدرج بل للتخفيف، فهي ببقاء حركتها في حكم الثابتِ المبتدَإِ به، والميمُ - بكون الحركةِ لغيرها - في حكم الوقف على السكون دون الحركة كما توهم، واعتُرض بأنه غيرُ معهود في الكلام، وقيل: هي حركةٌ لالتقاء السواكن التي هي الياء والميم ولام الجلالة بعد سقوطِ همزتها، وأنت خبـير بأن سقوطَها مبنيٌّ على وقوعها في الدرْج، وقد عرفت أن سكونَ الميمِ وقفٌ موجبٌ لانقطاعها عما بعدها مستدعٍ لثبات الهمزةِ على حالها لا كما في الحروف والأسماءِ المبنيةِ على السكون فإن حقَّها الاتصالُ بما بعدها وضعاً واستعمالاً فتسقطُ بها همزةُ الوصلِ وتُحرَّك أعجازُها لالتقاء الساكنين، ثم إن جُعلت مسرودةً على نمط التعديد فلا محل لها من الإعراب كسائر الفواتح، وإن جُعلت اسماً للسورة فمحلُها إما الرفعُ على أنها خبرُ مبتدإٍ محذوف، وإما النصبُ على إضمار فعلٍ يليقُ بالمقام كاذكر أو اقرأ أو نحوِهما، وأما الرفعُ بالابتداء أو النصبُ بتقدير فعلِ القسم، أو الجرُّ بتقدير حرفِه فلا مساغَ لشيء منها لما أن ما بعدها غيرُ صالح للخبرية ولا للإقسامِ عليه فإن الاسم الجليلَ مبتدأٌ، وما بعده خبرُه، والجملةُ مستأنفة أي هو المستحقُّ للمعبودية لا غيرُ وقوله عز وجل: {ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ} خبرٌ آخرُ له، أو لمبتدإٍ محذوف أي هو الحي القيومُ لا غيرُه، وقيل: هو صفةٌ للمبتدأ أو بدلٌ منه أو من الخبر الأول أو هو الخبر، وما قبله اعتراضٌ بـين المبتدأ والخبر، مقرِّر لما يُفيده الاسمُ الجليلُ أو حال منه وأياً ما كان فهو كالدليل على اختصاص استحقاقِ المعبودية به سبحانه وتعالى لما مر من أن معنى الحيِّ: الباقي: الذي لا سبـيل عليه للموت والفناء، ومعنى القيوم: الدائمُ القيام بتدبـير الخلق وحفظِه، ومن ضرورة اختصاصِ ذينك الوصفين به تعالى اختصاصُ استحقاقِ المعبودية به تعالى لاستحالة تحققِه بدونهما. وقد روي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اسمُ الله الأعظمِ في ثلاث سور: في سورة البقرة {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ} وفي آل عمران {الم * ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ} وفي طه {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىّ ٱلْقَيُّومِ}» تفسير : وروي أن بني إسرائيلَ سألوا موسى عليه السلام عن اسم الله الأعظم قال: {ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ} ويروىٰ أن عيسى عليه السلام كان إذا أراد إحياء الموتى يدعو يا حي يا قيوم ويقال: إن آصفَ بنَ برخيا حين أراد أن يأتيَ بعرش بِلْقيس دعا بذلك وقرىء {ٱلْحَىُّ القيّام}، وهذا رد على من زعم أن عيسى عليه السلام كان رباً فإنه روي حديث : أن وفدَ نجرانَ قدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا ستين راكباً فيهم أربعةَ عشرَ رجلاً من أشرافهم، ثلاثةٌ منهم أكابرُ إليهم يؤولُ أمرُهم، أحدُهم أميرُهم وصاحبُ مشورتهم العاقبُ، واسمُه عبدُ المسيحِ وثانيهم وزيرُهم ومشيرُهم السيد واسمُهُ الأيهم، وثالثهم حَبرُهم وأُسْقفُهم وصاحبُ مِدْارَسِهِمْ أبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ أحدُ بني بَكْرِ بنِ وائلٍ وقد كان ملوكُ الرومِ شرّفوه وموّلوه وأكرموه لما شاهدوا من علمه واجتهاده في دينهم وبنَوْا له كنائسَ فلما خرجوا من نجرانَ ركِب أبو حارثة بغلته وكان أخوه كُرْزُ بنُ علقمةَ إلى جنبه فبـينا بَغْلةُ أبـي حارثةَ تسير إذ عثَرت فقال كُرْزٌ: تعساً للأبعد، يريد به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبو حارثة: بل تَعِسَتْ أمُّك فقال كُرْزٌ: ولمَ يا أخي قال: إنه والله النبـيُّ الذي كنا ننتظره فقال له كُرز: فما يمنعُك عنه وأنت تعلم هذا؟ قال: لأن هؤلاءِ الملوكَ أعطَوْنا أموالاً كثيرةً وأكرمونا، فلو آمنا به لأخذوها منا كلَّها، فوقع ذلك في قلب كرزٍ وأضمره إلى أن أسلم فكان يُحدِّث بذلك. فأتَوا المدينةَ ثم دخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة العصر عليهم ثيابُ الحِبَراتِ جُبَبٌ وأرديةٌ فاخرة يقول بعضُ من رآهم من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: ما رأينا وفداً مثلَهم، وقد حانت صلاتُهم فقاموا ليصلوا في المسجد فقال عليه السلام: «دعُوهم» فصلَّوا إلى المشرق. ثم تكلم أولئك الثلاثةُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: تارةً عيسى هو الله لأنه كان يُحيـي الموتى ويُبرِىءُ الأكمهَ ويُخبرُ بالغيوب ويخلُق من الطين كهيئة الطير فينفُخُ فيه فيطير، وتارة أخرى هو ابنُ الله إذ لم يكن له أبٌ يُعْلَم وتارة أخرى إنه ثالثُ ثلاثةٍ لقوله تعالى: {فَعَلْنَا وَقُلْنَا} ولو كان واحداً لقال: فعلت وقلت فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسلموا" قالوا: أسلمنا قبلك، قال عليه السلام: "كذبتم يمنعُكم من الإسلام دعاؤكم لله تعالى ولداً" قالوا: إن لم يكن ولداً لله فمن أبوهُ؟ فقال عليه السلام: "ألستم تعلمون أنه لا يكون ولدٌ إلا ويُشبِهُ أباه؟" فقالوا: بلى، قال: "ألستم تعلمون أن ربنا حيٌّ لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟" قالوا: بلى، قال عليه السلام: "ألستم تعلمون أن ربنا قيّومٌ على كل شيء يحفَظُه ويرزُقُه؟" قالوا: بلى، قال عليه السلام: "فهل يملِك عيسى من ذلك شيئاً؟" قالوا: لا، فقال عليه السلام: "ألستم تعلمون أن الله تعالى لا يخفىٰ عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء؟" قالوا: بلى، قال عليه السلام: "فهل يعلمُ عيسى من ذلك إلا ما علِم؟" قالوا: بلى، قال عليه السلام: "ألستم تعلمون أن ربنا صوَّر عيسى في الرحِم كيف شاء وأن ربنا لا يأكلُ ولا يشرب ولا يُحْدِث؟" قالوا: بلى، قال عليه السلام: "ألستم تعلمون أن عيسى حملتْه أمُه كما تحمِل المرأة ووضعته كما تضع المرأةُ ولدها ثم غُذّي كما يُغذَّى الصبـيُّ ثم كان يطعَم الطعامَ ويشرَبُ الشراب ويُحْدِثُ الحدث؟" قالوا: بلى، قال عليه السلام:"فكيف يكون هذا كما زعمتم؟"» تفسير : فسكتوا وأبَوا إلا جحوداً فأنزل الله عز وجل من أول السورة إلى نيِّفٍ وثمانين آيةً تقريراً لما احتج به عليه السلام عليهم وأجاب به عن شُبَهِهم وتحقيقاً للحق الذي فيه يمترون.
التستري
تفسير : {الۤمۤ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}[1-2] قال: هو اسم الله الأعظم مكتوب على السماء بالنور الأخضر من المشرق إلى المغرب.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {الۤمۤ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [الآية: 1-2]. قيل: الألِفُ من الأحدية واللام من اللُّطفِ والميم من الملك. وقيل: الواحدُ اللطيفُ، الملكُ هو الله الذى لا إله إلا هو. قال جعفر: الحروف المقطوعةُ فى القرآن إشارات إلى الوحدانية والفردانية والديمومية وقيام الحقِّ بنفسه بالاستغناءِ عما سِوَاهُ. قوله {ٱلْحَيُّ} هو الذى لا طول لحياته ولا أمد لبقائه. وقال بعضهم: {ٱلْحَيُّ} الكاملُ فى ذَاته لا بعلة وبه قيام كل منعوت بالحق. قال بعضهم: {ٱلْحَيُّ} هو الذى به حياة كل حىٍّ ومن لم يحى به فهو ميت. قوله تعالى: {ٱلْقَيُّومُ} قيل: هو مُزيلُ العِلل عن ذاته بالدَّرَكِ أو بالعبادة عنه أو بالإشارة، فلا يبلغ أحد شيئًا من كُنه معرفته لأنه لا يعلم أحد ما هو إلا هو.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {الۤمۤ ٱللَّهُ}. أشار بقوله ألف إلى قيامه بكفايتك على عموم أحوالك، فأنت في أسر الغفلة لا تهتدي إلى صلاحك ورشدك، وهو مجرٍ ما يجبرك، وكافٍ بما ينصرك، فبغير سؤالك - بل بغير علمك بحالك - يكفيك من حيث لا تشعر، ويعطيك من غير أن تطلب. والإشارة من اللام إلى لطفه بك في خفيِّ السرِّ حتى أنه لا يظهر عليك محل المنة فيما يثبتك فيه. والإشارة من الميم لموافقة جريان التقدير بمتعلقات الطِّلْبَةِ من الأولياء، فلا يتحرك في العالم شيء، ولا تظهر ذرة إلا وهو بمحل الرضا منهم حتى أن قائلاً لو قال في قوله: {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}تفسير : [الرحمن: 29] إن ذلك الشأن تحقيق مراد الأولياء - لم يكن ذلك ببعيد. ويقال تفرَّق عن القلوب - باستماع هذه الحروف المقطعة التي هي خلاف عادة الناس في التخاطب - كلُّ معلومٍ ومرسوم، ومعتاد وموهوم، من ضرورة أو حِسٍّ أو اجتهاد، حتى إذا خلت القلوب عن الموهومات والمعلومات، وصفَّى الأسرار عن المعتادات والمعهودات يَرِدُ هذا الاسم وهو قوله: "الله" على قلب مقدَّسٍ من كل غَيْرٍ، وسِرٍّ مصفىً عن كل كيف؛ فقال: {الۤمۤ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}. فهو الذي لا يلهو فيشتغل عنك، ولا يسهو فتبقى عنه، فهو على عموم أحوالك رقيبُ سِرِّك؛ إنْ خلوتَ فهو رقيبك، وإن توسطت الخَلْقَ فهو رقيبك، وفي الجملة - كيفما دارت بك الأحوال - فهو حبيبك.
البقلي
تفسير : الالف اشارة الى قدس فردانيته وامتناعه عن التصاق الحدث بقدمه واللام اشارة الى لطائف غيبه والميم اشارة الى غرائب ملكوته مما اخفى عن اعين الخلائق من قوة عيون اوليائه وانبيائه وايضا الالف اشارة الى اوليته واللام اشارة الى جلاله وجماله والميم اشارة الى محبته لاوليائه فى القدم ودق جرت العادة بين الاحباب التخاطب الحروف المفردات سترا على الاحوال وكتما للاسرار لئلا يطلع عليها اجنبى من هذه المعانى لغير هذه المبانى كما قال قلت هلا نفى قالت لى فان لكى لا يقف العاذلون على اسرار ونطقوا بهذه الاشارة حذرا من استشراق المترفين هكذا سنة الالهية خاطب خواص محبته بالرموز والاشارات مثل الحروف للقطعة هى رموز من الحق لسادة انبيائه واوليائه تشريفا لهم وتعظيما على سائر الخلق ومن اقرب من الله تعالى فالاشارة معه ادق والرمز معه ارق الا ترى انه تعالى اسمع كليمه كلامه احسن العبارات واسمع حبيبه خطابه باجمل الاشارات قال عليه السلام اوتيت جوامع الكلم واختصر الى الكلام اختصار وقيل العبارات للعموم والاشارات للخصوص وقيل الاشارة فى قوله الف اراد قيامه بكفايتك على عموم احوالك والاشارة من اللام الى لطفه بكل فى خفى السر والاشارة من الميم موافقة جريان التقدير لمتعلقات الطلب من الاولياء لا يتحرك فى العالم شئ ولا يظهر ذرة الا وهو محلى الرضا منهم اذا قرعت هذه الالفاظ اسماع المحبين تفهم حقائقها اسرارهم وتقرا معانيها من الواح الالهام ارواحهم القدسية وكل حرف منها اشارة الى اسم والاسم اشارة الى فعل والفعل اشارة الى الصفة والصفة اشارة الى الذات فاذا اتقيت هذه الرموز فى قلوب العارفين رقوا مدارج الاسماء والافعال والصفات حتى يبلغوا سرادق الكبرياء فيكشف لهم معلومات السرمدية من الحق للحق فيفطنون علوم المجهولة التى ليست فى ديوان الملكوت وقيل الالف من الاحدية والام من اللطف والميم من الملك وقال ابن عطا ان الله جعل الاحرف سببا متصلا بالحاق وجعل المشكى لها سببا متصلا منه لها وهو سرا لله يغنى الشكل لا يعملها الا هو.
اسماعيل حقي
تفسير : {الم} الالف اشارة الى الله واللام الى اللطيف والميم الى المجيد.
ابن عجيبة
تفسير : {الم اللَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحىُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدىً لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ...} قلت: فواتح السور كلها موقوفة خالية عن الإعراب؛ لفقدان مُوجبه ومقتضيه، فيوقف عليها بالسكون، كقولهم: واحد، اثنان. وإنما فَتَحَ الميم هنا في القراءة المشهورة؛ لإلقاء حركة الهمزة عليها. انظر البيضاوي. قال ابن عباس رضي الله عنه: (الألف آلاؤه، واللام لطفه، والميم مُلكه). قلت: ولعلَّ كل حرف يشير إلى فرقة ممن توجَّه العتاب إليهم، فالآلاء لِمنْ أسلم من النصارى، واللطف لمن أسلم من اليهود، والملك لمن أسلم من الصحابة - رضوان الله عليهم -، فقد ملكهم الله مشارق الأرض ومغاربها. والله تعالى أعلم. يقول الحقّ جلّ جلاله: أيها الملك المُعظَّم، والرسول المفخم، بلِّغ قومك أن الله واحد في ملكه، ليس معه إله، ولا يُحب أن يُعبد معه سواه؛ إذ لا يستحق أن يعبد إلا الحيّ القيّوم، الذي تعجز عن إدراكه العقولُ ومدارك الفهوم، فائم بأمر عباده، متصرف فيهم، على وفق مراده، فأعذر إليهم على ألسنة المرسلين، وأنزل عليهم الكتب بياناً للمسترشدين، فنزَّل {عليك الكتاب} مُنَجّماً في عشرين سنة، متلبساً {بالحق}، حتى {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه}، أو متلبساً بالحجج التي تدفع كل باطل، أو بالعدل حتى ينتفي به جَوْر كل مائل، {مصدقاً} لما تقدم قبله من الكتب الإلهية؛ إذ هو موافق لما فيها من القصص والأخبار، فكان شاهداً عليها بالصحة والإبرار. {وأنزل التوراة والإنجيل} من قبله هادياً لمن كُلف باتباعهما من الأنام، أو للجميع، إذا كان شرعُ منْ قبلنا شرعاً لنا - معشر أهل الإسلام -، ثم ختم الوحي بإنزال {الفرقان}، وكلّف بالإيمان به الإنس والجان، فرَّق به بين الحق والباطل، واندفع به ظلمة كل كافر وجاهل؛ وقدَّم ذكره على الكتب؛ لعظم شرفه، وختم به آخراً لتأخر نزوله. والله تعالى أعلم. الإشارة: لمّا أراد الحقّ جلّ جلاله أن يشير إلى وحدة الذات وظهور أنوار الصفات، قَدَّم قبل ذلك رموزاً وإشارات، لا يفهمها إلا من غاص في قاموس بحر الذات، وغرق في تيار الصفات، فيستخرج بفكرته من يواقيت العلوم وغوامض الفهوم، ما تحار فيه الأذهان، وتكِلُّ عنه عبارةُ اللسان، فحينئذٍ يفقهم دقائق الرموز وأسرار الإشارات، ويطلع على أسرار الذات وأنوار الصفات، ويفهم أسرار الكتب السماوية، وما احتوت عليه من العلوم اللدنية، والمواهب الربانية، ويشرق في قلبه أنوار الفرقان، حتى يرتقي إلى تحقيق أهل الشهود والعيان. جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. ثم هدد من كفر بالفرقان، بعد وضوح سواطع البرهان، فقال: {... إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ} قلت: الانتقام والنقمة: عقوبة المجرم. وفعله: نقم؛ القاف وفتحها. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الذين كفروا بآيات الله} المنزلة على نبيه أو على سائر أنبيائه، أو الآيات الدالّة على وحدانيته، {لهم عذاب شديد} يوم يظهر نفوذ الوعد والوعيد، فينتقم الله فيه من المجرمين، ويتعطف على عباده المؤمنين، فإن {الله عزيز} لا يغلبه غالب، ولا يفُوته هارب، {ذو انتقام} كبير ولطف كثير. لطف الله بنا وبجميع المسلمين. آمين. الإشارة: ظهور أولياء الله لطف من آيات الله، فمن كفر بهم حُرم بركتهم، وبقي في عذاب الحجاب وسوء الحساب، تظهر عليه النقمة والمحنة، حين يرفع الله المقربين في أعلى عليين، ويكون الغافلون مع عوام المسلمين، (ذلك يوم التغابن). والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : القراءة واللغة: وقرأ أبو جعفر والاعشى والبرجمي {ألم} بسكون الميم {الله} بقطع الهمزة وقرأ عمر بن الخطاب {الحي القيام} وهي لغة أهل الحجاز. ويقولون في الصّواغ صيّاغ. الباقون {قيوم} وإنما فتحت الميم من {ألم الله} لأحد أمرين: أحدهما - استثقالاً للكسر بعد الياء الساكنة، فصرف إلى الفتح، لأنه أخف كما فعلوا في (كيف) (وأين). وقال الزجاج، والفراء: ألقي عليها حركة الهمزة وهي الفتحة من قولك: الله. وقال المبرد: هذا لا يجوز لأنها ألف وصل تسقط في الدرج، فلا يجوز ذلك كما لا يجوز في {إن الكافرون} الفتح على الفاء حركة الهمزة. قال الفراء: والفرق بين ذلك وبين الهجاء أنه لما كان ينوي به الوقف قوي بما بعده الاستيناف، فكانت الهمزة في حكم الثبات كما كانت في انصاف البيوت. نحو قول الشاعر: شعر : ولا يبادر في الشتاء وليدتي القدر تنزلها بغير جعال تفسير : وأجاز الأخفش الكسر، وخالفه الزجاج، وقال: لا يجوز لأن قبل الهمزة ياء ساكنة قبلها كسرة، فلم يجز غير الفتح، كما لا يجوز في كيف. ويمكن الفرق بينهما بأن كيف موصولة وهذا مفصول جاز أن ينوي به الوقف. وقد بينا معنى {الله} وهو أنه الذي تحق له العبادة. اللغة والمعنى: وقوله: {لا إله إلا هو} معناه لا تحق العبادة لسواه، وإنما كان كذلك لأنه الذي يقدر على أصول النعم التي يستحق بها العبادة، ولأن نعمة كل منعم فرع على نعمه، فصار لا تحق العبادة لسواه. و {الحي}: هو الذي لا يستحيل لما هو عليه من الصفة كونه عالماً قادراً. قال الرماني: والعالم: مدرك لمعلومه والمدرك: هو المتبين للشيء على ما هو به من أي وجه صح تبيينه، فالرأي مدرك وكذلك العالم إلا أنه قد كثرت صفة الادراك على ما طريقه الاحساس من العباد، وهذا القول منه يدل على أنه كان يذهب مذهب البغداديين: في أن وصف القديم بأنه مدرك يرجع إلى كونه عالماً من أن يكون له صفة زائدة. وهذا بخلاف مذهب شيخه ابي علي، والبصريين. {والقيوم} قيل في معناه قولان. أحدهما - القائم بتدبير عباده في ما يضرهم وينفعهم، وهو قول مجاهد، والربيع، والزجاج، بدلالة قوله {أية : قائماً بالقسط}تفسير : و{أية : قائم على كل نفس بما كسبت}.تفسير : الثاني - حكي عن محمد بن جعفر بن الزبير، واختاره الجبائي أنه الدائم. وأصل الوصف بقيوم الاستقامة. فعلى قول مجاهد يكون لاستقامة التدبير، وعلى القول الآخر لاستقامة الصفة بالوجود من حيث لا يجوز عليه التغيير بوجه من الوجوه كما يجوز على ما يحول ويتبدل. وتقول هذا معنى قائم في النفس أي موجود على الاستقامة دون الاضطراب. وأصل {قيوم} قيووم على وزن فيعول فقلبت الواو الأولى ياءً، لأن ما قبلها ياء ساكنة، وأدغمت نحو سيد وميت. ولا يجوز أن يكون وزنه فعولا لأنه لو كان كذلك لكان قووما، فوصف الله تعالى بالحي القيوم يتضمن أنه يستحق العبادة من حيث أن هذه الصفة دلت على أنه القادر على ما يستحق به العبادة دون غيره، لأن صفة قيوم صفة مبالغة لا تجوز إلا الله على المعنيين معاً من معنى الموجود أو [القائم على] عموم الخلق بالتدبير.
الجنابذي
تفسير : {الۤمۤ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} قد مضى اوّله فى اوّل سورة البقرة مفصّلاً وما بعده فى آية الكرسىّ.
الأعقم
تفسير : {ألم} قد بيّنا ما قيل فيه، وقيل: أنه من أسماء الله تعالى، وقيل: اسم للسورة، ومنهم من قال: إشارة إلى حدوث القرآن حيث كان مؤلفاً من هذه الحروف، وقيل: الألف لله واللام جبريل والميم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يعني جاء بهذا القرآن جبريل من عند الله الى محمد (صلّى الله عليه وآله وسلم) {الحي} لذاته {القيوم} أي القائم على كل نفس بما كسبت {نزل عليك} يا محمد الكتاب {بالحق} أي القرآن، التنزيل والانزال واحد، وقيل: التنزيل لما جاء متفرقاً، والانزال لما جاء مجتمعاً {مصدقاً لما بين يديه} إني مصدقاً لما قبله من كتاب ورسول، قوله: {وأنزل التوراة} على موسى (عليه السلام) دفعةً واحدة، قوله: {وأنزل الفرقان} قيل: الكتب المتقدمة، وقيل: القرآن، وقيل: الأدلة الفاصلة بين الحق والباطل {إن الذين كفروا بآيات الله} يعني كتبه المنزّلة، وقيل: هم النصارى جحدوا ما أنزل الله تعالى من الآيات في حديث عيسى (عليه السلام) {لهم عذاب شديد} وصفه الله تعالى بالشدة لمداومتِه {والله عزيزٌ} أي قادر لا يعجزه شيء {ذو انتقام} أي ذو قدرة على الانتقام من الكفار {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} لأنه عالم لذاته يعلم السر والعلانية.
الهواري
تفسير : تفسير سورة آل عِمْرَانَ. وهي مدنية كلها. بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: {الۤمۤ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ} أي الحي الذي لا يموت. قوله: ألَمّ، قد فسّرناه في أول سورة البقرة. وقال بعضهم: القيّوم: القائم على كل شيء. وهو تفسير مجاهد. وقال الحسن: القائم على كل نفس بكسبها حتى يجازيها. قوله: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ} أي القرآن {بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي من التوراة والإِنجيل. {وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ مِن قَبْلُ} أي من قبل القرآن. {هُدًى لِّلنَّاسِ} أي أنزل هذه الكتب جميعاً هدى للناس {وَأَنزَلَ الفُرْقَانَ} أي: أنزل الله الحلال والحرام، فرّق الله في الكتاب بين الحلال والحرام. وقال بعضهم: فرّق الله فيه بين الحق والباطل. وقال بعضهم: الفرقان: القرآن. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ} قال الحسن: بدين الله {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ} في نقمته {ذُو انتِقَامٍ} من أعدائه. قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} أي خلق الله كل إنسان على صورة واحدة، وصوّره كَيف يشاء. وهو كقوله: (أية : فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ) تفسير : [الانفطار:8] ذكر بعض المفسّرين قال: يشبه الرجل الرجلَ ليس بينهما قرابة إلا من قبل الأب الأكبر: آدم. قوله: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} أي العزيز في ملكه وفي نقمته، الحكيم في أمره.
اطفيش
تفسير : {الم}: تكتب الحروف الأولى من قولك ألف لام ميم وتقرأ كلها لا الأولى فقط، فالمكتوب فى {الم} هو الميم الأولى من قولك ميم فلذلك ضبطت بالكسرة وأما الثانية فلم تكتب، وهى تقرأ مفتوحة بنقل حركة همزة اسم الله إليها ولو كانت همزة الوصل، لا حركة لها في الدرج فضلا عن أن تنقل لكن اعتبر سكون الميم الأخيرة، كسكون البناء، ولو كان للوقف، فنقلت الفتحة للميم لهذا اعتبر أن أصله الوقف، حتى يكون الابتداء باسم الله. فثبتت لهمزته فتحة يمكن نقلها، والحاصل أن أصله الوقف، فاعتبرت للهمزة حركة، فنقلت تخفيفاً، وحذفت الهمزة، وذلك مذهب الجمهور على ما ظهر لى فى تقريره. وقال سيبويه: حركة الميم بالفتح تخلصاً من التقاء الساكنين وكان بالفتح تخفيفاً، ويدل على أن سكون أواخر ألف لام ميم وقفاً، بل تشبيه بالبناء إدغام ميم لام في الميم لا في الميم الأولى من قولك ميم وهى المكتوبة كما ترى في المصحف، إذ لا يمكن إدغام حرف وقف عليه فى حرف ابتدئ به. وقرأ أبو بكر عن عاصم: بإسكان الميم، واقفاً عليها بإثبات الهمزة بعدها مفتوحة، مبتدأ بها. وقرأ عمر وابن عبيد: بكسر الميم على توهم التحريك، لالتقاء الساكنين. قال فى الكشاف: وما هى بمقبولة انتهى. والقراءة الأولى أولى وهى لجمهور القراء، والتقاء الساكنين فى الوقف أو حكم الوقف جائز ولو كان على غير حدهما.
اطفيش
تفسير : الآيات الثلاث نزلت فى وفد النصارى من العرب، من أهل نجران، ستين راكباً، فيهم أربعة عشر من أشرافهم، ثلاثة منهم أكابرهم، أحدهم أميرهم وثانيهم وزيرهم، وثالثهم حبرهم، قال أحد الثلاثة: عيسى هو الله، لأنه كان يحيى الموتى، وقال الآخر، هو ابن الله، إذ لم يكن له أب، وقال الثالث: إنه ثالث ثلاثة، لقوله: فعلنا وقلنا، ولو كان واحداً لقال: فعلت وقلت، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألستم تعلمون أن ربنا حى لا يموت، وأن عيسى يموت؟ قالوا: بلى، وكرر عليهم أدلة كثيرة وهم يقولون بلى، قال: فكيف يكون عيسى كما زعمتم، فسكتوا وأبوا إِلا الجحود"تفسير : ، فنزل، بسم الله الرحمن الرحيم إِلى قوله تعالى: {وأولئك هم الظالمون}، تقريراً لما احتيج به النبى صلى الله عليه وسلم، تسعون آية، أَو نيف وثمانون على الخلاف فى نحو البسملة، والم آية أو هما مع ما بعدهما آية، وشهر الخلاف فى أوائل السور، وبدا لى حسن وجه إن شاء الله، وهو أنها تنبيه بذكر أسماء الحروف فى تلك الأحيان، كأنه قيل: أحضر قلبك لنزول حروف تتلوها وتبلغها.
الالوسي
تفسير : قرأ أبو جعفر والأعمش والبرجمي عن أبـي بكر عن عاصم بسكون الميم وقطع الهمزة ولا إشكال فيها لأن طريق التلفظ فيما لا تكون من هذه الفواتح مفردة ـ كص ـ ولا موازنة المفرد ـ كحم ـ حسبما ذكر في «الكتاب» الحكاية فقط ساكنة الإعجاز على الوقف سواء جعلت أسماء، أو مسرودة على نمط التعديد وإن لزمها التقاء الساكنين لما أنه مغتفر في باب الوقف قطعاً، ولذا ضعفت قراءة عمرو بن عبيد بكسر الميم، والجمهور يفتحون الميم ويطرحون الهمزة من الاسم الكريم قيل: / وإنما فتحت لإلقاء حركة الهمزة عليها ليدل على أنها في حكم الثابت لأنها أسقطت للتخفيف لا للدرج فإن الميم في حكم الوقف كقوله: واحد اثنان لا لالتقاء الساكنين ـ كما قال سيبويه ـ فإنه غير محذور في باب الوقف ولذلك لم تحرك في لام ـ وإلى ذلك ذهب الفراء ـ وفي «البحر» إنه ضعيف لإجماعهم على أن الألف الموصولة في التعريف تسقط في الوصل وما يسقط لا تلقى حركته ـ كما قاله أبو علي وقولهم: إن الميم في حكم الوقف وحركتها حركة الإلقاء مخالف لإجماع العرب، والنحاة أنه لا يوقف على متحرك ألبتة سواء في ذلك حركة الإعراب والبناء والنقل والتقاء الساكنين والحكاية والاتباع فلا يجوز في {أية : قَدْ أَفْلَحَ } تفسير : [المؤمنون: 1] إذا حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى الدال أن تقف على دال {قَدْ } بالفتحة بل تسكنها قولاً واحداً، وأما تنظيرهم بواحد اثنان بإلقاء حركة الهمزة على الدال فإن سيبويه ذكر أنهم يشمون آخر واحد لتمكنه ـ ولم يحك الكسر ـ لغة فإن صح الكسر فليس واحد موقوفاً عليه كما زعموا، ولا حركته حركة نقل من همزة الوصل ولكنه موصول بقولهم: اثنان فالتقى ساكنان دال واحد، وثاء اثنين فكسرت الدال لالتقائهما وحذفت الهمزة لأنها لا تثبت في الوصل، وأما قولهم: إنه غير محذور في باب الوقف ولذلك لم يحرك في لام، فجوابه أن الذي قال: إن الحركة لالتقاء الساكنين لم يرد بهما التقاء الياء والميم من ـ ألم ـ في الوقف بل أراد الميم الأخير من ـ ألم ـ ولام التعريف فهو كالتقاء نون من، ولام الرجل ـ إذ قلت من الرجل؟ على أن في قولهم تدافعاً فإن سكون آخر الميم إنما هو على نية الوقف عليها وإلقاء حركة الهمزة عليها إنما هو على نية الوصل، ونية الوصل توجب حذف الهمزة، ونية الوقف على ما قبلها توجب ثباتها وقطعها، وهذا متناقض، ولذا قال الجاربردي: الوجه ما قاله سيبويه، والكثير من النحاة أن تحريك الميم لالتقاء الساكنين واختيار الفتح لخفته وللمحافظة على تفخيم الاسم الجليل، واختار ذلك ابن الحاجب ـ وادعى أن في مذهب الفراء حملاً على الضعيف لأن إجراء الوصل مجرى الوقف ليس بقوي في اللغة. وقال غير واحد: لا بد من القول بإجراء الوصل مجرى الوقف، والقول: بأنه ضعيف غير مسلم ولئن سلم فغير ناهض لأنه قوى فيما المطلوب منه الخفة ـ كثلاثة أربعة ـ وهٰهنا الاحتياج إلى التخفيف أمسّ ولهذا جعلوه من موجبات الفتح، وإنما قيل ذلك لأن هذه الأسماء من قبيل المعربات وسكونها سكون وقف لا بناء وحقها أن يوقف عليها، و {الم} رأس آية ثم إن جعلت اسم السورة فالوقف عليها لأنها كلام تام وإن جعلت على نمط التعديد لأسماء الحروف إما قرعاً للعصا أو مقدمة لدلائل الإعجاز فالواجب أيضاً القطع والابتداء بما بعدها تفرقة بينها وبين الكلام المستقل المفيد بنفسه فإذن القول بنقل الحركة هو المقبول لأن فيه إشعاراً بإبقاء أثر الهمزة المحذوفة للتخفيف المؤذن بالابتداء والوقف ولا كذلك القول بأن الحركة لالتقاء الساكنين وحيث كانت حركة الميم لغيرها كانت في حكم الوقف على السكون دون الحركة كما توهم لئلا يلزم المحذر ـ وكلام الزمخشري في هذا المقام مضطرب ففي «الكشاف» اختار مذهب الفراء، وفي «المفصل» اختار مذهب سيبويه، ولعل الأول: مبني على الاجتهاد والثاني: على التقليد والنقل لما في «الكتاب» ـ لأن «المفصل» مختصره فتدبر. وقد تقدم الكلام على ما يتعلق بالفواتح من حيث الإعراب وغيره، وفيه كفاية لمن أخذت العناية بيده، والاسم الجليل مبتدأ وما بعده خبره، والجملة مستأنفة أي هو المستحق للعبودية لا غير، و {ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } خبر بعد خبر له أو خبر لمبتدأ محذوف أي هو الحي القيوم لا غير، وقيل: هو صفة للمبتدأ أو بدل منه أو من الخبر الأول أو هو الخبر وما قبله اعتراض بين المبتدأ والخبر مقرر لما يفيده الإسم الكريم، أو حال منه على رأي من يرى صحة ذلك وأيّاً مّا كان فهو كالدليل/ على اختصاص استحقاق المعبودية به سبحانه، وقد أخرج الطبراني وابن مردويه من حديث أبـي أمامة مرفوعاً "أن اسم الله الأعظم في ثلاث سور سورة البقرة وآل عمران وطه، وقال أبو أمامة: فالتمستها فوجدت في البقرة [255] {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ }تفسير : وفي آل عمران {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ} وفي طه [111] {أية : وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىّ ٱلْقَيُّومِ}تفسير : وقرأ عمر وابن مسعود وأبـيّ وعلقمة ـ الحي القيام ـ وهذا رد على النصارى الزاعمين أن عيسى عليه السلام كان رباً، فقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: «قدم على النبـي صلى الله عليه وسلم وفد نجران وكانوا ستين راكباً فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة والعاقب وعبد المسيح والأيهم السيد وهو من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم يقولون: هو الله تعالى، ويقولون: هو ولد الله تعالى، ويقولون: هو ثالث ثلاثة كذلك قول النصرانية، وهم يحتجون لقولهم يقولون: هو الله تعالى فإنه كان يحي الموتى ويبرىء الأسقام ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً، ويحتجون في قولهم إنه ولد الله تعالى: بأنه لم يكن له أب يعلم وقد تكلم في المهد وصنع ما لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله، ويحتجون في قولهم إنه ثالث ثلاثة: إن الله تعالى يقول فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا فلو كان واحداً ما قال إلا فعلت وأمرت وخلقت وقضيت ولكنه هو وعيسى ومريم، ففي كل ذلك من قولهم نزل القرآن وذكر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم فيه قولهم فلما كلمه الحبران وهما ـ العاقب والسيد ـ كما في رواية الكلبـي والربيع عن أنس قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلما قالا: حديث : قد أسلمنا قبلك قال: كذبتما منعكما من الإسلام دعاؤكما لله تعالى ولداً وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير؟ قالا: فمن أبوه يا محمد؟ وصمت فلم يجب شيئاً تفسير : فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم، واختلاف أمرهم كله صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها فافتتح السورة بتنزيه نفسه مما قالوا وتوحيده إياها بالخلق والأمر لا شريك له فيه، ورد عليهم ما ابتدعوا من الكفر وجعلوا معه من الأنداد، واحتج عليهم بقولهم في صاحبهم ليعرفهم بذلك ضلالتهم فقال: {الۤمۤ ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } أي ليس معك غيره شريك في أمره الحي الذي لا يموت وقد مات عيسى عليه السلام في قولهم: (القيوم) القائم على سلطانه لا يزول وقد زال عيسى، وفي رواية ابن جرير عن الربيع قال: «حديث : إن النصارى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فخاصموه في عيسى ابن مريم وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على الله تعالى الكذب والبهتان فقال لهم النبـي صلى الله عليه وسلم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً؟ قالوا: لا قال: ألستم تعلمون أن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئاً إلا ما علم؟ قالوا: لا قال: ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وأن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث؟ قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يغذى الصبـي ثم كان يأكل الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟ قالوا: بلى قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فعرفوا ثم أبوا إلا جحوداً فأنزل {الۤمۤ ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ }.
سيد قطب
تفسير : إذا أخذنا بالروايات التي تقول: إن الآيات الأولى من هذه السورة إلى بضع وثمانين آية منها قد نزلت في مناسبة قدوم الوفد من نصارى نجران اليمن، ومناظرته للرسول - صلى الله عليه وسلم - في أمر عيسى عليه السلام، فإن هذا الدرس بجملته يكون داخلا في إطار هذه المناسبة. لولا أن هذه الروايات توقت مجيء ذلك الوفد بالسنة التاسعة للهجرة، وهي السنة المعروفة في السيرة باسم "عام الوفود" حيث كان الإسلام قد انتهى إلى درجة من القوة والشهرة في الجزيرة العربية كلها - وفيما وراءها كذلك - جعل الوفود من شتى بقاع الجزيرة تفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - تخطب وده، أو تعرض التعاهد معه، أو تستجلي حقيقة أمره. ونحن كما أشرنا فيما تقدم نحس أن الموضوع الذي تعالجه هذه الآيات، وطريقة علاجها له، كلاهما يرجح أن هذه الآيات نزلت مبكرة في السنوات الأولى للهجرة.. ومن ثم فنحن أميل إلى اعتبار ما ورد في هذه السورة من حجاج وجدل مع أهل الكتاب، ونفي للشبهات التي تضمنتها معتقداتهم المنحرفة، أو التي تعمدوا نثرها حول صحة رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحقيقة عقيدة التوحيد الإسلامية، وكذلك ما اقتضاه كيد أهل الكتاب من تحذير للجماعة المسلمة وتثبيت.. نحن أميل إلى اعتبار هذا كله غير مقيد بحادث وفد نجران في السنة التاسعة؛ وأنه كانت هناك مناسبات أخرى مبكرة هي التي نزل فيها هذا القرآن من هذه السورة. ومن ثم سنمضي في استعراض هذه النصوص بوصفها مواجهة لأهل الكتاب غير مقيد بهذا الحادث الخاص المتأخر في التاريخ. على أن هذه النصوص - كما قلنا في التمهيد للسورة - تكشف عن الصراع الأصيل الدائم بين الجماعة المسلمة وعقيدتها، وبين أهل الكتاب والمشركين وعقائدهم.. هذا الصراع الذي لم يفتر منذ ظهور الإسلام - وبخاصة منذ مقدمه إلى المدينة وقيام دولته فيها - والذي اشترك فيه المشركون واليهود اشتراكاً عنيفاً يسجله القرآن تسجيلاً رائعاً دقيقاً. ولا عجب أن يشاركهم بعض رجال الكنيسة في أطراف الجزيرة العربية في صورة من الصور. ليس بعيداً عن الواقع أن يفد أفراد منهم أو جماعات لمناظرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومجادلته في المواضع التي يظهر فيها الاختلاف بين عقائدهم المنحرفة والعقيدة الجديدة القائمة على التوحيد الخالص الناصع - وبخاصة فيما يتعلق بصفة عيسى عليه السلام. وفي هذا الدرس منذ ابتدائه تحديد لمفرق الطريق بين عقيدة التوحيد الخالصة الناصعة والشبهات والانحرافات. وتهديد لمن يكفر بالفرقان وآيات الله فيه، واعتبارهم كفاراً ولو كانوا من أهل الكتاب! وبيان لحال المؤمنين مع ربهم وموقفهم مما ينزل على رسله. وهو بيان يحدد الموقف ويحسمه: فللإيمان علاماته التي لا تخطئ وللكفر علاماته التي لا شبهة فيها كذلك! {الله لا إله إلا هو الحي القيوم. نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان. إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد. والله عزيز ذو انتقام}.. {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأُخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا، ما يذكر إلا أولو الألباب}. {شهد الله أنه لا إله إلا هو - والملائكة وأولو العلم - قائماً بالقسط. لا إله إلا هو العزيز الحكيم}.. {إن الدين عند الله الإسلام. وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم. بغياً بينهم. ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب}.. كما أن هذا الدرس يحمل تهديداً، لا خفاء في أنه يتضمن تعريضاً باليهود. وذلك في قوله تعالى: {إن الذين يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم}.. فحين يذكر قتل الأنبياء يتجه الذهن مباشرة إلى اليهود! وكذلك النهي الوارد في قوله تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين..} إلخ. فالغالب أن المقصود به هم اليهود. وإن كان من الجائز أن يشمل المشركين أيضاً. فحتى هذا التاريخ كان بعض المسلمين لا يزالون يوالون أقاربهم من المشركين كما يوالون اليهود، فنهوا عن ذلك كله وحذروا هذا التحذير العنيف. سواء كان الأولياء من اليهود أو من المشركين. فكلهم سماهم {الكافرين}! وظاهر أن قوله تعالى: {قل للذين كفروا: ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. قد كان لكم آية في فئتين التقتا: فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، يرونهم مثليهم رأي العين...} إلخ. تتضمن الإشارة إلى أحداث غزوة بدر، وأن الخطاب فيها موجه إلى اليهود. وقد وردت في هذا رواية عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "حديث : لما أصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريشاً يوم بدر، وقدم المدينة وجمع اليهود، وقال: أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشاً، قالوا: يا محمد: لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفراً من قريش أغماراً لا يعرفون القتال. إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا. فأنزل الله تعالى في ذلك: {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم.. - إلى قوله: - {فئة تقاتل في سبيل الله - أي ببدر - وأخرى كافرة}"تفسير : .. (أخرجه أبو داود). كذلك يبدو من التلقين الموجه للرسول - صلى الله عليه وسلم - في آية: {فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله - ومن اتبعن - وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين: {أأسلمتم؟ فإن أسلموا فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ، والله بصير بالعباد}.. أنه وإن كان هذا التلقين في صدد مناقشة حاضرة، إلا أنه تلقين عام شامل، ليواجه به النبي - صلى الله عليه وسلم - كل المخالفين له في العقيدة. وظاهر من قوله تعالى: {وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد} أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى ذلك الحين لم يكن مأموراً بقتال أهل الكتاب، ولا بأخذ الجزية منهم، مما يرجح ما ذهبنا إليه من نزول هذه الآيات في وقت مبكر. وهكذا نرى من طبيعة النصوص أنها مواجهة عامة غير مقيدة بمناسبة واحدة، هي مناسبة وفد نجران. وقد تكون هذه إحدى المناسبات التي نزلت هذه النصوص لمواجهتها، وهي المناسبات الكثيرة المكررة في الصراع بين الإسلام وخصومه المتعددين في الجزيرة.. وبخاصة اليهود في المدينة.. ثم يتضمن هذا الدرس الأول إيضاحات قوية لأسس التصور الإسلامي من ناحية العقيدة، وإلى جانبها إيضاحات قوية كذلك في طبيعة هذه العقيدة وآثارها في الحياة الواقعية. هذه الآثار الملازمة للإيمان بها. فهي عقيدة التوحيد لله. ومن ثم تجعل الدين هو الإسلام لله. ولا دين سواه.. الإسلام بمعنى الاستسلام والطاعة والاتباع. الاستسلام لأمره، والطاعة لشرعه، والاتباع لرسوله ومنهجه. فمن لم يستسلم ويطع ويتبع فليس بمسلم، ومن ثم فليس بصاحب دين يرضاه الله. فالله لا يرضى إلا الإسلام. والإسلام - كما قلنا - الاستسلام والطاعة والاتباع.. ومن ثم يرد التعجيب والتشهير بأهل الكتاب الذين يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم {ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون}.. ويعتبر الإعراض عن تحكيم كتاب الله علامة الكفر التي تنفي دعوى الإيمان. الإيمان بالله على الإطلاق! والمقطع الثاني في هذا الدرس يدور كله حول هذه الحقيقة الكبيرة.. فلنأخذ الآن في الاستعراض التفصيلي لنصوص هذا الدرس من السورة: {ألم}.. هذه الأحرف المقطعة: ألفْ. لام. ميم. نختار في تفسيرها - على سبيل الترجيح لا الجزم - ما اخترنا في مثلها في أول سورة البقرة: "إنها إشارة للتنبيه إلى أن هذا الكتاب مؤلف من جنس هذه الأحرف؛ وهي في متناول المخاطبين به من العرب. ولكنه - مع هذا - هو ذلك الكتاب المعجز، الذي لا يملكون أن يصوغوا من تلك الحروف مثله... إلخ".. وهذا الوجه الذي اخترناه في تفسير هذه الأحرف في أوائل السور - على سبيل الترجيح لا الجزم - يتمشى معنا بيسر في إدراك مناسبات هذه "الإشارة" في شتى السور. ففي سورة البقرة كانت الإشارة تتضمن التحدي الذي ورد في السورة بعد ذلك: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين... إلخ}.. فأما هنا في سورة "آل عمران" فتبدو مناسبة أخرى لهذه "الإشارة".. هي أن هذا الكتاب منزل من الله الذي لا إله إلا هو. وهو مؤلف من أحرف وكلمات شأنه في هذا شأن ما سبقه من الكتب السماوية التي يعترف بها أهل الكتاب - المخاطبون في السورة - فليس هناك غرابة في أن ينزل الله هذا الكتاب على رسوله بهذه الصورة. {الله لا إله إلا هو الحي القيوم. نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه، وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس، وأنزل الفرقان. إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد، والله عزيز ذو انتقام. إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، لا إله إلا هو العزيز الحكيم. هو الذي أنزل عليك الكتاب: منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله - وما يعلم تأويله إلا الله - والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كل من عند ربنا - وما يذكر إلا أولو الألباب - ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب. ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد}.. هكذا تبدأ السورة في مواجهة أهل الكتاب المنكرين لرسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم بحكم معرفتهم بالنبوات والرسالات والكتب المنزلة والوحي من الله، كانوا أولى الناس بأن يكونوا أول المصدقين المسلمين. لو أن الأمر أمر اقتناع بحجة ودليل! هكذا تبدأ السورة في مواجهتهم بهذا الشوط القاطع، الفاصل في أكبر الشبهات التي تحيك في صدورهم، أو التي يتعمدون نثرها في صدور المسلمين تعمداً. والكاشف لمداخل هذه الشبهات في القلوب ومساربها. والمحدد لموقف المؤمنين الحقيقيين من آيات الله وموقف أهل الزيغ والانحراف! والمصور لحال المؤمنين من ربهم والتجائهم إليه، وتضرعهم له، ومعرفتهم بصفاته تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}.. وهذا التوحيد الخالص الناصع هو مفرق الطريق بين عقيدة المسلم وسائر العقائد، سواء منها عقائد الملحدين والمشركين، وعقائد أهل الكتاب المنحرفين: يهوداً أو نصارى. على اختلاف مللهم ونحلهم جميعاً. كما أنه هو مفرق الطريق بين حياة المسلم وحياة سائر أهل العقائد في الأرض. فالعقيدة هنا تحدد منهج الحياة ونظامها تحديداً كاملاً دقيقاً. {الله لا إله إلا هو}.. فلا شريك له في الألوهية.. {الحي}.. الذي يتصف بحقيقة الحياة الذاتية المطلقة من كل قيد فلا شبيه له في صفته.. {القيوم}.. الذي به تقوم كل حياة وبه يقوم كل وجود؛ والذي يقوم كذلك على كل حياة وعلى كل وجود. فلا قيام لحياة في هذا الكون ولا وجود إلا به سبحانه. وهذا مفرق الطريق في التصور والاعتقاد. ومفرق الطريق في الحياة والسلوك. مفرق الطريق في التصور والاعتقاد. بين تفرد الله - سبحانه - بصفة الألوهية وذلك الركام من التصورات الجاهلية: سواء في ذلك تصورات المشركين - وقتها في الجزيرة - وتصورات اليهود والنصارى - وبخاصة تصورات النصارى. ولقد حكى القرآن عن اليهود أنهم كانوا يقولون: عزير ابن الله. كما أن الانحراف الذي سجله ما يعتبره اليهود اليوم "الكتاب المقدس" يتضمن شيئاً كهذا. كما جاء في سفر التكوين: الإصحاح السادس. فأما انحرافات التصورات المسيحية فقد حكى القرآن منها قولهم: إن الله ثالث ثلاثة. وقولهم: إن الله هو المسيح بن مريم. واتخاذهم المسيح وأمه إلهين من دون الله. واتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله.. وقد جاء في كتاب "الدعوة إلى الإسلام" تأليف أرنولد، شيء عن هذه التصورات.. "ولقد أفلح جستنيان قبل الفتح الإسلامي بمائة عام في أن يكسب الإمبراطورية الرومانية مظهراً من مظاهر الوحدة. ولكن سرعان ما تصدعت بعد موته، وأصبحت في حاجة ماسة إلى شعور قومي مشترك، يربط بين الولايات وحاضرة الدولة. أما هرقل فقد بذل جهوداً لم تصادف نجاحاً كاملاً في إعادة ربط الشام بالحكومة المركزية. ولكن ما اتخذه من وسائل عامة في سبيل التوفيق قد أدى لسوء الحظ إلى زيادة الانقسام بدلاً من القضاء عليه. ولم يكن ثمة ما يقوم مقام الشعور بالقومية سوى العواطف الدينية. فحاول بتفسيره العقيدة تفسيراً يستعين به على تهدئة النفوس أن يقف ما يمكن أن يشجر بعد ذلك بين الطوائف المتناحرة من خصومات؛ وأن يوحد بين الخارجين على الدين وبين الكنيسة الأرثوذكسية، وبينهم وبين الحكومة المركزية.. وكان مجمع خلقيدونية قد أعلن في سنة 451 ميلادية أن المسيح ينبغي أن يعترف بأنه يتمثل في طبيعتين لا اختلاط بينهما، ولا تغير، ولا تجزؤ، ولا انفصال. ولا يمكن أن ينتفي خلافهما بسبب اتحادهما. بل الأحرى أن تحتفظ كل طبيعة منهما بخصائصها؛ وتجتمع في أقنوم واحد، وجسد واحد. لا كما لو كانت متجزئة أو منفصلة في أقنومين. بل متجمعة في أقنوم واحد هو ذلك الابن والله والكلمة.. وقد رفض اليعاقبة هذا المجمع، وكانوا لا يعترفون في المسيح إلا بطبيعة واحدة. وقالوا: إنه مركب الأقانيم.. له كل الصفات الإلهية والبشرية ولكن المادة التي تحمل هذه الصفات لم تعد ثنائية بل أصبحت وحدة مركبة الأقانيم وكان الجدل قد احتدم قرابة قرنين من الزمان بين طائفة الأرثوذكس وبين اليعاقبة الذين ازدهروا بوجه خاص في مصر والشام والبلاد الخارجة عن نطاق الإمبراطورية البيزنطية، في الوقت الذي سعى فيه هرقل في إصلاح ذات البين عن طريق المذهب القائل بأن للمسيح مشيئة واحدة. ففي الوقت الذي نجد فيه هذا المذهب يعترف بوجود الطبيعتين، إذا به يتمسك بوحدة الأقنوم في حياة المسيح البشرية. وذلك بإنكاره وجود نوعين من الحياة في أقنوم واحد. فالمسيح الواحد، الذي هو ابن الله، يحقق الجانب الإنساني والجانب الإلهي بقوة إلهية إنسانية واحدة ومعنى هذا أنه لا يوجد سوى إرادة واحدة في الكلمة المتجسدة.. لكن هرقل قد لقي المصير الذي انتهى إليه كثيرون جداً ممن كانوا يأملون أن يقيموا دعائم السلام. ذلك بأن الجدل لم يحتدم مرة أخرى كأعنف ما يكون فحسب، بل إن هرقل نفسه قد وصم بالإلحاد، وجر على نفسه سخط الطائفتين على السواء" كذلك يقول باحث مسيحي آخر هو "كانون تايلور" عن الحالة بين نصارى الشرق عند البعثة المحمدية: "وكان الناس في الواقع مشركين يعبدون زمرة من الشهداء والقديسين والملائكة". أما انحرافات عقائد المشركين فقد حكى القرآن عنها: عبادتهم للجن والملائكة والشمس والقمر والأصنام. وكان أقل عقائدهم انحرافاً عقيدة من يقولون عن هذه الآلهة: {أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى }! تفسير : فأمام هذا الركام من التصورات الفاسدة والمنحرفة التي أشرنا إليها هذه الإشارات الخاطفة جاء الإسلام في هذه السورة - ليعلنها ناصعة واضحة صريحة حاسمة: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}. فكانت مفرق الطريق في التصور والاعتقاد.. كذلك كانت مفرق الطريق في الحياة والسلوك.. إن الذي يمتلئ شعوره بوجود الله الواحد الذي لا إله إلا هو. الحي الواحد الذي لا حي غيره. القيوم الواحد الذي به تقوم كل حياة أخرى وكل وجود، كما أنه هو الذي يقوم على كل حي وكل موجود.. إن الذي يمتلئ شعوره بوجود الله الواحد الذي هذه صفته، لا بد أن يختلف منهج حياته ونظامها من الأساس عن الذي تغيم في حسه تلك التصورات التائهة المهوشة. فلا يجد في ضميره أثراً لحقيقة الألوهية الفاعلة المتصرفة في حياته! إنه مع التوحيد الواضح الخالص لا مكان لعبودية إلا لله. ولا مكان للاستمداد والتلقي إلا من الله. لا في شريعة أو نظام، ولا في أدب أو خلق. ولا في اقتصاد أو اجتماع. ولا مكان كذلك للتوجه لغير الله في شأن من شؤون الحياة، وما بعد الحياة.. أما في تلك التصورات الزائغة المنحرفة المهزوزة الغامضة فلا متجه ولا قرار، ولا حدود لحرام أو حلال، ولا لخطإ أو صواب: في شرع أو نظام، في أدب أو خلق، وفي معاملة أو سلوك.. فكلها.. كلها.. إنما تتحدد وتتضح عندما تتحدد الجهة التي منها التلقي، وإليها التوجه، ولها الطاعة والعبودية والاستسلام. ومن ثم كانت هذه المواجهة بذلك الحسم في مفرق الطريق: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}.. ومن ثم كان التميز والتفرد لطبيعة الحياة الإسلامية - لا لطبيعة الاعتقاد وحده - فالحياة الإسلامية بكل مقوماتها إنما تنبثق انبثاقاً من حقيقة هذا التصور الإسلامي عن التوحيد الخالص الجازم. التوحيد الذي لا يستقيم عقيدة في الضمير ما لم تتبعه آثاره العملية في الحياة. من تلقي الشريعة والتوحيد من الله في كل شأن من شؤون الحياة. والتوجه كذلك إلى الله في كل نشاط وكل اتجاه. وعقب هذا الإيضاح الحاسم في مفرق الطريق، بإعلان الوحدانية المطلقة لذات الله وصفاته، يجيء الحديث عن وحدانية الجهة التي تتنزل منها الأديان والكتب والرسالات. أي التي يتنزل منها المنهج الذي يصرف حياة البشر في جميع الأجيال: {نزل عليك الكتاب بالحق - مصدقاً لما بين يديه - وأنزل التوراة والإنجيل من قبل - هدى للناس - وأنزل الفرقان. إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد. والله عزيز ذو انتقام}. وتتضمن هذه الآية في شطرها الأول جملة حقائق أساسية في التصور الاعتقادي، وفي الرد كذلك على أهل الكتاب وغيرهم من المنكرين لرسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحة ما جاء به من عند الله. فهي تقرر وحدة الجهة التي تتنزل منها الكتب على الرسل. فالله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، هو الذي نزل هذا القرآن - عليك - كما أنه أنزل التوراة على موسى والإنجيل على عيسى من قبل. وإذن فلا اختلاط ولا امتزاج بين الألوهية والعبودية. إنما هناك إله واحد ينزل الكتب على المختارين من عباده. وهناك عبيد يتلقون. وهم عبيد لله ولو كانوا أنبياء مرسلين. وهي تقرر وحدة الدين ووحدة الحق الذي تتضمنه الكتب المنزلة من عند الله. فهذا الكتاب نزله - عليك - {بالحق}.. {مصدقاً لما بين يديه}.. من التوراة والإنجيل.. وكلها تستهدف غاية واحدة: {هدى للناس}.. وهذا الكتاب الجديد "فرقان" بين الحق الذي تضمنته الكتب المنزلة، والانحرافات والشبهات التي لحقت بها بفعل الأهواء والتيارات الفكرية والسياسية (التي رأينا نموذجاً منها فيما نقلناه عن الكاتب المسيحي سيرت. و. آرنولد في كتاب "الدعوة إلى الإسلام"). وهي تقرر - ضمناً - أنه لا وجه لتكذيب أهل الكتاب للرسالة الجديدة. فهي سائرة على نمط الرسالات قبلها. وكتابها نزل بالحق كالكتب المنزلة. ونزل على رسول من البشر كما نزلت الكتب على رسل من البشر. وهو مصدق لما بين يديه من كتب الله، يضم جناحيه على "الحق" الذي تضم جوانحها عليه. وقد نزله من يملك تنزيل الكتب.. فهو منزل من الجهة التي لها "الحق" في وضع منهاج الحياة للبشر، وبناء تصوراتهم الاعتقادية، وشرائعهم وأخلاقهم وآدابهم في الكتاب الذي ينزله على رسوله. ثم تتضمن الآية في شطرها الثاني التهديد الرعيب للذين كفروا بآيات الله، وتلوح لهم بعزة الله وقوته وشدة عذابه وانتقامه.. والذين كفروا بآيات الله هم الذين كذبوا بهذا الدين الواحد بإطلاقه.. وأهل الكتاب الذين انحرفوا عن كتاب الله الصحيح المنزل إليهم من قبل، فقادهم هذا الانحراف إلى التكذيب بالكتاب الجديد - وهو فرقان واضح مبين - هم أول المعنيين هنا بصفة الكفر، وهم أول من يتوجه إليهم التهديد الرعيب بعذاب الله الشديد وانتقامه الأكيد.. وفي صدد التهديد بالعذاب والانتقام يؤكد لهم علم الله الذي لا يند عنه شيء، فلا خفاء عليه ولا إفلات منه: {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء}.. وتوكيد العلم المطلق الذي لا يخفى عليه شيء، وإثبات هذه الصفة لله - سبحانه - في هذا المقام.. هذا التوكيد يتفق أولاً مع وحدانية الألوهية والقوامة التي افتتح بها السياق. كما يتفق مع التهديد الرعيب في الآية السابقة.. فلن يفلت {شيء} من علم الله {في الأرض ولا في السماء} بهذا الشمول والإطلاق. ولن يمكن إذن ستر النوايا عليه، ولا إخفاء الكيد عنه. ولن يمكن كذلك التفلت من الجزاء الدقيق، ولا التهرب من العلم اللطيف العميق. وفي ظلال العلم اللطيف الشامل الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء يلمس المشاعر الإنسانية لمسة رفيقة عميقة، تتعلق بالنشأة الإنسانية. النشأة المجهولة في ظلام الغيب وظلام الأرحام، حيث لا علم للإنسان ولا قدرة ولا إدراك: {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء. لا إله إلا هو العزيز الحكيم}.... هكذا {يصوركم}.. يمنحكم الصورة التي يشاء؛ ويمنحكم الخصائص المميزة لهذه الصورة. وهو وحده الذي يتولى التصوير، بمحض إرادته، ومطلق مشيئته: {كيف يشاء}.. {لا إله إلا هو}.. {العزيز}.. ذو القدرة والقوة على الصنع والتصوير {الحكيم}.. الذي يدبر الأمر بحكمته فيما يصور ويخلق بلا معقب ولا شريك. وفي هذه اللمسة تجلية لشبهات النصارى في عيسى عليه السلام ونشأته ومولده. فالله هو الذي صور عيسى.. {كيف يشاء} لا أن عيسى هو الرب. أو هو الله. أو هو الابن. أو هو الأقنوم اللاهوتي الناسوتي. إلى آخر ما انتهت إليه التصوارت المنحرفة الغامضة المجانبة لفكرة التوحيد الناصعة الواضحة اليسيرة التصور القريبة الإدراك! بعدئذ يكشف الذين في قلوبهم زيغ، الذين يتركون الحقائق القاطعة في آيات القرآن المحكمة، ويتبعون النصوص التي تحتمل التأويل، ليصوغوا حولها الشبهات؛ ويصور سمات المؤمنين حقاً وإيمانهم الخالص وتسليمهم لله في كل ما يأتيهم من عنده بلا جدال: {هو الذي أنزل عليك الكتاب. منه آيات محكمات هن أم الكتاب. وأخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وما يعلم تأويله إلا الله. والراسخون في العلم يقولون: آمنا به. كل من عند ربنا - وما يذكر إلا أولو الألباب - ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة. إنك أنت الوهاب. ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه. إن الله لا يخلف الميعاد}.. وقد روى أن نصارى نجران قالوا للرسول - صلى الله عليه وسلم - ألست تقول عن المسيح: إنه كلمة الله وروحه؟ يريدون أن يتخذوا من هذا التعبير أداة لتثبيت معتقداتهم عن عيسى - عليه السلام - وأنه ليس من البشر، إنما هو روح الله - على ما يفهمون هم من هذا التعبير - بينما هم يتركون الآيات القاطعة المحكمة التي تقرر وحدانية الله المطلقة، وتنفي عنه الشريك والولد في كل صورة من الصور.. فنزلت فيهم هذه الآية، تكشف محاولتهم هذه في استغلال النصوص المجازية المصورة، وترك النصوص التجريدية القاطعة. على أن نص الآية أعم من هذه المناسبة؛ فهي تصور موقف الناس على اختلافهم من هذا الكتاب الذي أنزله الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - متضمناً حقائق التصور الإيماني، ومنهاج الحياة الإسلامية؛ ومتضمناً كذلك أموراً غيبية لا سبيل للعقل البشري أن يدركها بوسائله الخاصة، ولا مجال له لأن يدرك منها أكثر مما تعطيه النصوص بذاتها. فأما الأصول الدقيقة للعقيدة والشريعة فهي مفهومة المدلولات قاطعة الدلالة، مدركة المقاصد - وهي أصل هذا الكتاب - وأما السمعيات والغيبيات - ومنها نشأة عيسى عليه السلام ومولده - فقد جاءت للوقوف عند مدلولاتها القريبة والتصديق بها لأنها صادرة من هذا المصدر "الحق" ويصعب إدراك ماهياتها وكيفياتها، لأنها بطبيعتها فوق وسائل الإدراك الإنساني المحدود. وهنا يختلف الناس - حسب استقامة فطرتهم أو زيغها - في استقبال هذه الآيات وتلك. فأما الذين في قلوبهم زيغ وانحراف وضلال عن سواء الفطرة، فيتركون الأصول الواضحة الدقيقة التي تقوم عليها العقيدة والشريعة والمنهاج العملي للحياة، ويجرون وراء المتشابه الذي يعوّل في تصديقه على الإيمان بصدق مصدره، والتسليم بأنه هو الذي يعلم "الحق" كله، بينما الإدراك البشري نسبي محدود المجال. كما يعول فيه على استقامة الفطرة التي تدرك بالإلهام المباشر صدق هذا الكتاب كله، وأنه نزل بالحق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. يجرون وراء المتشابه لأنهم يجدون فيه مجالاً لإيقاع الفتنة بالتأويلات المزلزلة للعقيدة، والاختلافات التي تنشأ عن بلبلة الفكر، نتيجة إقحامه فيما لا مجال للفكر في تأويله.. {وما يعلم تأويله إلا الله}.. وأما الراسخون في العلم، الذين بلغ من علمهم أن يعرفوا مجال العقل وطبيعة التفكير البشري، وحدود المجال الذي يملك العمل فيه بوسائله الممنوحة له.. أما هؤلاء فيقولون في طمأنينة وثقة: {آمنا به، كل من عند ربنا}.. يدفعهم إلى هذه الطمأنينة، أنه من عند ربهم. فهو إذن حق وصدق. وما يقرره الله صادق بذاته. وليس من وظيفة العقل البشري ولا في طوقه أن يبحث عن أسبابه وعلله، كما أنه ليس في طوقه أن يدرك ماهيته وطبيعة العلل الكامنة وراءه. والراسخون في العلم يطمئنون ابتداء إلى صدق ما يأتيهم من عند الله. يطمئنون إليه بفطرتهم الصادقة الواصلة.. ثم لا يجدون من عقولهم شكاً فيه كذلك؛ لأنهم يدركون أن من العلم ألا يخوض العقل فيما لا مجال فيه للعلم، وفيما لا تؤهله وسائله وأدواته الإنسانية لعلمه.. وهذا تصوير صحيح للراسخين في العلم.. فما يتبجح وينكر إلا السطحيون الذين تخدعهم قشور العلم، فيتوهمون أنهم أدركوا كل شيء، وأن ما لم يدركوه لا وجود له؛ أو يفرضون إدراكهم على الحقائق، فلا يسمحون لها بالوجود إلا على الصورة التي أدركوها. ومن ثم يقابلون كلام الله المطلق بمقررات عقلية لهم! صاغتها عقولهم المحدودة! أما العلماء حقاً فهم أكثر تواضعاً، وأقرب إلى التسليم بعجز العقل البشري عن إدراك حقائق كثيرة تكبر طاقته وترتفع عليها. كما أنهم أصدق فطرة فما تلبث فطرتهم الصادقة أن تتصل بالحق وتطمئن إليه. {وما يذكر إلا أولو الألباب}.. وكأنه ليس بين أولي الألباب وإدراك الحق إلا أن يتذكروا.. فإذا الحق المستقر في فطرتهم الموصولة بالله، ينبض ويبرز ويتقرر في الألباب. عندئذ تنطلق ألسنتهم وقلوبهم في دعاء خاشع وفي ابتهال منيب: أن يثبتهم على الحق، وألا يزيغ قلوبهم بعد الهدى، وأن يسبغ عليهم رحمته وفضله.. ويتذكرون يوم الجمع الذي لا ريب فيه، والميعاد الذي لا خلف له: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا. وهب لنا من لدنك رحمة. إنك أنت الوهاب. ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه. إن الله لا يخلف الميعاد}.. هذا هو حال الراسخين في العلم مع ربهم؛ وهو الحال اللائق بالإيمان؛ المنبثق من الطمأنينة لقول الله ووعده؛ والثقة بكلمته وعهده؛ والمعرفة برحمته وفضله؛ والإشفاق مع هذا من قضائه المحكم وقدره المغيب؛ والتقوى والحساسية واليقظة التي يفرضها الإيمان على قلوب أهله، فلا تغفل ولا تغتر ولا تنسى في ليل أو نهار.. والقلب المؤمن يدرك قيمة الاهتداء بعد الضلال. قيمة الرؤية الواضحة بعد الغبش. قيمة الاستقامة على الدرب بعد الحيرة. قيمة الطمأنينة للحق بعد الأرجحة. قيمة التحرر من العبودية للعبيد بالعبودية لله وحده. قيمة الاهتمامات الرفيعة الكبيرة بعد اللهو بالاهتمامات الصغيرة الحقيرة.. ويدرك أن الله منحه بالإيمان كل هذا الزاد.. ومن ثم يشفق من العودة إلى الضلال، كما يشفق السائر في الدرب المستقيم المنير أن يعود إلى التخبط في المنعرجات المظلمة. وكما يشفق من ذاق نداوة الظلال أن يعود إلى الهجير القائظ والشواظ! وفي بشاشة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق جفاف الإلحاد وشقاوته المريرة. وفي طمأنينة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق شقوة الشرود والضلال! ومن ثم يتجه المؤمنون إلى ربهم بذلك الدعاء الخاشع: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا}.. وينادون رحمة الله التي أدركتهم مرة بالهدى بعد الضلال، ووهبتهم هذا العطاء الذي لا يعدله عطاء: {وهب لنا من لدنك رحمة. إنك أنت الوهّاب}.. وهم بوحي إيمانهم يعرفون أنهم لا يقدرون على شيء إلا بفضل الله ورحمته.. وأنهم لا يملكون قلوبهم فهي في يد الله.. فيتجهون إليه بالدعاء أن يمدهم بالعون والنجاة. عن عائشة - رضي الله - عنها قالت: "حديث : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيراً ما يدعو: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء. فقال: ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن. إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه ".. تفسير : ومتى استشعر القلب المؤمن وقع المشيئة على هذا النحو لم يكن أمامه إلا أن يلتصق بركن الله في حرارة. وأن يتشبث بحماه في إصرار، وأن يتجه إليه يناشده رحمته وفضله، لاستبقاء الكنز الذي وهبه، والعطاء الذي أولاه! بعد هذا البيان يتجه إلى تقرير مصير الذين كفروا، وسنة الله التي لا تتخلف في أخذهم بذنوبهم، وإلى تهديد الذين يكفرون من أهل الكتاب، ويقفون لهذا الدين، ويلقن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن ينذرهم، ويذكرهم ما رأوه بأعينهم في غزوة بدر من نصر القلة المؤمنة على حشود الكافرين: {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً، وأولئك هم وقود النار. كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا: فأخذهم الله بذنوبهم، والله شديد العقاب. قل للذين كفروا. ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. قد كان لكم آية في فئتين التقتا: فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، يرونهم مثليهم رأي العين، والله يؤيد بنصره من يشاء، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار}.. إن هذه الآيات واردة في صدد خطاب بني إسرائيل، وتهديدهم بمصير الكفار قبلهم وبعدهم. وفيها لفتة لطيفة عميقة الدلالة كذلك.. فهو يذكرهم فيها بمصير آل فرعون.. وكان الله سبحانه قد أهلك آل فرعون وأنجى بني إسرائيل. ولكن هذا لا يمنحهم حقاً خاصاً إذا هم ضلوا وكفروا، ولا يعصمهم أن يوصموا بالكفر إذا هم انحرفوا، وأن ينالوا جزاء الكافرين في الدنيا والآخرة كما نال آل فرعون الذين أنجاهم الله منهم! كذلك يذكرهم مصارع قريش في بدر - وهم كفار - ليقول لهم: إن سنة الله لا تتخلف. وإنه لا يعصمهم عاصم من أن يحق عليهم ما حق على قريش. فالعلة هي الكفر. وليس لأحد على الله دالة، ولا له شفاعة إلا بالإيمان الصحيح! {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً، وأولئك هم وقود النار}.. والأموال والأولاد مظنة حماية ووقاية؛ ولكنهما لا يغنيان شيئاً في ذلك اليوم الذي لا ريب فيه، لأنه لا إخلاف لميعاد الله. وهم فيه: {وقود النار}.. بهذا التعبير الذي يسلبهم كل خصائص "الإنسان" ومميزاته، ويصورهم في صورة الحطب والخشب وسائر "وقود النار".. لا بل إن الأموال والأولاد، ومعهما الجاه والسلطان، لا تغني شياً في الدنيا: {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا، فأخذهم الله بذنوبهم، والله شديد العقاب}.. وهو مثل مضى في التاريخ مكروراً، وقصة الله في هذا الكتاب تفصيلاً: وهو يمثل سنة الله في المكذبين بآياته، يجريها حيث يشاء. فلا أمان إذن ولا ضمان لمكذب بآيات الله. وإذن فالذين كفروا وكذبوا بدعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وآيات الكتاب الذي نزله عليه بالحق، معرضون لهذا المصير في الدنيا والآخرة سواء.. ومن ثم يلقن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن ينذرهم هذا المصير في الدارين، وأن يضرب لهم المثل بيوم بدر القريب، فلعلهم نسوا مثل فرعون والذين من قبله في التكذيب والأخذ الشديد: {قل للذين كفروا: ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. قد كان لكم آية في فئتين التقتا: فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، يرونهم مثليهم رأي العين. والله يؤيد بنصره من يشاء. إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار}.. وقوله تعالى: {يرونهم مثليهم رأي العين} يحتمل تفسيرين: فإما أن يكون ضمير "يرون" راجعاً إلى الكفار، وضمير "هم" راجعاً إلى المسلمين، ويكون المعنى أن الكفار على كثرتهم كانوا يرون المسلمين القليلين {مثليهم}.. وكان هذا من تدبير الله حيث خيل للمشركين أن المسلمين كثرة وهم قلة، فتزلزلت قلوبهم وأقدامهم. وإما أن يكون العكس، ويكون المعنى أن المسلمين كانوا يرون المشركين {مثليهم} هم - في حين أن المشركين كانوا ثلاثة أمثالهم - ومع هذا ثبتوا وانتصروا. والمهم هو رجع النصر إلى تأييد الله وتدبيره.. وفي هذا تخذيل للذين كفروا وتهديد. كما أن فيه تثبيتا للذين آمنوا وتهوينا من شأن أعدائهم فلا يرهبونهم.. وكان الموقف - كما ذكرنا في التمهيد للسورة - يقتضي هذا وذاك.. وكان القرآن يعمل هنا وهناك.. وما يزال القرآن يعمل بحقيقته الكبيرة. وبما يتضمنه من مثل هذه الحقيقة.. إن وعد الله بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج الله، قائم في كل لحظة. ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة - ولو قل عددها - قائم كذلك في كل لحظة. وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ، وسنة ماضية لم تتوقف. وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة؛ وتثق في ذلك الوعد؛ وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة؛ وتصبر حتى يأذن الله؛ ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم الله، المدبر بحكمته، المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة. {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار}.. ولا بد من بصر ينظر وبصير تتدبر، لتبرز العبرة، وتعيها القلوب. وإلا فالعبرة تمر في كل لحظة في الليل والنهار! وفي مجال التربية للجماعة المسلمة يكشف لها عن البواعث الفطرية الخفية التي من عندها يبدأ الانحراف؛ إذا لم تضبط باليقظة الدائمة؛ وإذا لم تتطلع النفس إلى آفاق أعلى؛ وإذا لم تتعلق بما عند الله وهو خير وأزكى. إن الاستغراق في شهوات الدنيا، ورغائب النفوس، ودوافع الميول الفطرية هو الذي يشغل القلب عن التبصر والاعتبار؛ ويدفع بالناس إلى الغرق في لجة اللذائذ القريبة المحسوسة؛ ويحجب عنهم ما هو أرفع وأعلى؛ ويغلظ الحس فيحرمه متعة التطلع إلى ما وراء اللذة القريبة؛ ومتعة الاهتمامات الكبيرة اللائقة بدور الإنسان العظيم في هذه الأرض؛ واللائقة كذلك بمخلوق يستخلفه الله في هذا الملك العريض. ولما كانت هذه الرغائب والدوافع - مع هذا - طبيعية وفطرية، ومكلفة من قبل البارئ - جل وعلا - أن تؤدي للبشرية دوراً أساسياً في حفظ الحياة وامتدادها، فإن الإسلام لا يشير بكبتها وقتلها، ولكن إلى ضبطها وتنظيمها، وتخفيف حدتها واندفاعها؛ وإلى أن يكون الإنسان مالكاً لها متصرفاً فيها، لا أن تكون مالكة له متصرفة فيه؛ وإلى تقوية روح التسامي فيه والتطلع إلى ما هو أعلى. ومن ثم يعرض النص القرآني الذي يتولى هذا التوجيه التربوي.. هذه الرغائب والدافع، ويعرض إلى جوارها على امتداد البصر ألواناً من لذائذ الحس والنفس في العالم الآخر، ينالها من يضبطون أنفسهم في هذه الحياة الدنيا عن الاستغراق في لذائذها المحببة، ويحتفظون بإنسانيتهم الرفيعة. وفي آية واحدة يجمع السياق القرآني أحب شهوات الأرض إلى نفس الإنسان: النساء والبنين والأموال المكدسة والخيل والأرض المخصبة والأنعام.. وهي خلاصة للرغائب الأرضية. إما بذاتها، وإما بما تستطيع أن توفره لأصحابها من لذائذ أخرى.. وفي الآية التالية يعرض لذائذ أخرى في العالم الآخر: جنات تجري من تحتها الأنهار. وأزواج مطهرة. وفوقها رضوان من الله.. وذلك كله لمن يمد ببصره إلى أبعد من لذائذ الأرض، ويصل قلبه بالله على النحو الذي تعرضه آيتان تاليتان: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة، والأنعام، والحرث.. ذلك متاع الحياة الدنيا، والله عنده حسن المآب. قل: أؤنبئكم بخير من ذلكم؟ للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار - خالدين فيها - وأزواج مطهرة، ورضوان من الله. والله بصير بالعباد. الذين يقولون: ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار. الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار}.. {زين للناس}. وصياغة الفعل للمجهول هنا تشير إلى أن تركيبهم الفطري قد تضمن هذا الميل؛ فهو محبب ومزين.. وهذا تقرير للواقع من أحد جانبيه. ففي الإنسان هذا الميل إلى هذه "الشهوات"، وهو جزء من تكوينه الأصيل، لا حاجة إلى إنكاره، ولا إلى استنكاره في ذاته. فهو ضروري للحياة البشرية كي تتأصل وتنمو وتطرد - كما أسلفنا - ولكن الواقع يشهد كذلك بأن في فطرة الإنسان جانباً آخر يوازن ذلك الميل، ويحرس الإنسان أن يستغرق في ذلك الجانب وحده؛ وأن يفقد قوة النفخة العلوية أو مدلولها وإيحاءها. هذا الجانب الآخر هو جانب الاستعداد للتسامي، والاستعداد لضبط النفس ووقفها عند الحد السليم من مزاولة هذه "الشهوات". الحد الباني للنفس وللحياة؛ مع التطلع المستمر إلى ترقية الحياة ورفعها إلى الأفق الذي تهتف إليه النفحة العلوية، وربط القلب البشري بالملإ الأعلى والدار الآخرة ورضوان الله.. هذا الاستعداد الثاني يهذب الاستعداد الأول، وينقيه من الشوائب، ويجعله في الحدود المأمونة التي لا يطغى فيها جانب اللذة الحسية ونزعاتها القريبة، على الروح الإنسانية وأشواقها البعيدة.. والاتجاه إلى الله، وتقواه، هو خيط الصعود والتسامي إلى تلك الأشواق البعيدة. {زين للناس حب الشهوات}.. فهي شهوات مستحبة مستلذة؛ وليست مستقذرة ولا كريهة. والتعبير لا يدعو إلى استقذارها وكراهيتها؛ إنما يدعو فقط إلى معرفة طبيعتها وبواعثها، ووضعها في مكانها لا تتعداه، ولا تطغى على ما هو أكرم في الحياة وأعلى. والتطلع إلى آفاق أخرى بعد أخذ الضروري من تلك "الشهوات" في غير استغراق ولا إغراق! وهنا يمتاز الإسلام بمراعاته للفطرة البشرية وقبولها بواقعها، ومحاولة تهذيبها ورفعها، لا كبتها وقمعها.. والذين يتحدثون في هذه الأيام عن "الكبت" وأضراره، وعن "العقد النفسية" التي ينشئها الكبت والقمع، يقررون أن السبب الرئيسي للعقد هو "الكبت" وليس هو "الضبط".. وهو استقذار دوافع الفطرة واستنكارها من الأساس، مما يوقع الفرد تحت ضغطين متعارضين: ضغط من شعوره - الذي كونه الإيحاء أو كونه الدين أو كونه العرف - بأن دوافع الفطرة دوافع قذرة لا يجوز وجودها أصلاً، فهي خطيئة ودافع شيطاني! وضغط هذه الدوافع التي لا تغلب لأنها عميقة في الفطرة، ولأنها ذات وظيفة أصيلة في كيان الحياة البشرية، لا تتم إلا بها، ولم يخلقها الله في الفطرة عبثاً.. وعندئذ وفي ظل هذا الصراع تتكون "العقد النفسية".. فحتى إذا سلمنا جدلاً بصحة هذه النظريات النفسية، فإننا نرى الإسلام قد ضمن سلامة الكائن الإنساني من هذا الصراع بين شطري النفس البشرية. بين نوازع الشهوة واللذة، وأشواق الارتفاع والتسامي.. وحقق لهذه وتلك نشاطها المستمر في حدود التوسط والاعتدال. {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث...}.. والنساء والبنون شهوة من شهوات النفس الإنسانية قوية.. وقد قرن اليهما {القناطير المقنطرة} من الذهب والفضة.. ونهم المال هو الذي ترسمه {القناطير المقنطرة} ولو كان يريد مجرد الميل إلى المال لقال: والأموال. أو والذهب والفضة. ولكن القناطير المقنطرة تلقي ظلاً خاصاً هو المقصود. ظل النهم الشديد لتكديس الذهب والفضة. ذلك أن التكديس ذاته شهوة. بغض النظر عما يستطيع المال توفيره لصاحبه من الشهوات الأخرى! ثم قرن إلى النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة.. الخيل المسومة. والخيل كانت - وما تزال حتى في عصر الآلة المادي اليوم - زينة محببة مشتهاة. ففي الخيل جمال وفتوة وانطلاق وقوة. وفيها ذكاء وألفة ومودة. وحتى الذين لا يركبونها فروسية، يعجبهم مشهدها، ما دام في كيانهم حيوية تجيش لمشهد الخيل الفتية! وقرن إلى تلك الشهوات الأنعامَ والحرث. وهما يقترنان عادة في الذهن وفي الواقع.. الأنعام والحقول المخصبة.. والحرث شهوة بما فيه من مشهد الإنبات والنماء. وإن تفتح الحياة في ذاته لمشهد حبيب فإذا أضيفت إليه شهوة الملك، كان الحرث والأنعام شهوة. وهذه الشهوات التي ذكرت هنا هي نموذج لشهوات النفوس، يمثل شهوات البيئة التي كانت مخاطبة بهذا القرآن؛ ومنها ما هو شهوة كل نفس على مدار الزمان. والقرآن يعرضها ثم يقرر قيمتها الحقيقية، لتبقى في مكانها هذا لا تتعداه، ولا تطغى على ما سواه: {ذلك متاع الحياة الدنيا}.. ذلك كله الذي عرضه من اللذائذ المحببة - وسائر ما يماثله من اللذائذ والشهوات - متاع الحياة الدنيا. لا الحياة الرفيعة، ولا الآفاق البعيدة.. متاع هذه الأرض القريب.. فأما من أراد الذي هو خير.. خير من ذلك كله. خير لأنه أرفع في ذاته. وخير لأنه يرفع النفس ويصونها من الاستغراق في الشهوات، والانكباب على الأرض دون التطلع إلى السماء.. من أراد الذي هو خير فعند الله من المتاع ما هو خير. وفيه عوض كذلك عن تلك الشهوات: {قل: أؤنبئكم بخير من ذلكم؟ للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار - خالدين فيها - وأزواج مطهرة، ورضوان من الله، والله بصير بالعباد}.. وهذا المتاع الأخروي الذي تذكره الآية هنا، ويؤمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يبشر به المتقين، هو نعيم حسي في عمومه.. ولكن هنالك فارقاً أساسياً بينه وبين متاع الدنيا.. إنه متاع لا يناله إلا الذين اتقوا. الذين كان خوف الله وذكره في قلوبهم. وشعور التقوى شعور مهذب للروح والحس جميعاً. شعور ضابط للنفس أن تستغرقها الشهوات، وأن تنساق فيها كالبهيمة. فالذين اتقوا ربهم حين يتطلعون إلى هذا المتاع الحسي الذي يبشرون به يتطلعون إليه في شفافية مبرأة من غلظة الحس! وفي حساسية مبرأة من بهيمية الشهوة! ويرتفعون بالتطلع إليه - وهم في هذه الأرض - قبل أن ينتهي بهم المطاف إلى قرب الله.. وفي هذا المتاع النظيف العفيف عوض كامل عن متاع الدنيا.. وفيه زيادة.. فإذا كان متاعهم في الدنيا حرثاً مُعطياً مخصباً، ففي الآخرة جنات كاملة تجري من تحتها الأنهار. وهي فوق هذا خالدة وهم خالدون فيها، لا كالحرث المحدود الميقات! وإذا كان متاعهم في الدنيا نساء وبنين، ففي الآخرة أزواج مطهرة. وفي طهارتها فضل وارتفاع على شهوات الأرض في الحياة! فأما الخيل المسومة والأنعام. وأما القناطير المقنطرة من الذهب والفضة. فقد كانت في الدنيا وسائل لتحقيق متاع. فأما في نعيم الآخرة فلا حاجة إلى الوسائل لبلوغ الغايات! ثم.. هنالك ما هو أكبر من كل متاع.. هنالك {رضوان من الله}. رضوان يعدل الحياة الدنيا والحياة الأخرى كليهما.. ويرجح.. رضوان. بكل ما في لفظه من نداوة. وبكل ما في ظله من حنان. {والله بصير بالعباد}.. بصير بحقيقة فطرتهم وما ركب فيها من ميول ونوازع. بصير بما يصلح لهذه الفطرة من توجيهات وإيحاءات. بصير بتصريفها في الحياة وما بعد الحياة. ثم وصف لهؤلاء العباد، يصور حال المتقين مع ربهم، الحال التي استحقوا عليها هذا الرضوان: {الذين يقولون: ربنا إننا آمنا، فاغفر لنا ذنوبنا، وقنا عذاب النار. الصابرين والصادقين. والقانتين. والمنفقين. والمستغفرين بالأسحار}.. وفي دعائهم ما ينم عن تقواهم. فهو إعلان للإيمان، وشفاعة به عند الله، وطلب للغفران، وتوقٍ من النيران. وفي كل صفة من صفاتهم تتحقق سمة ذات قيمة في حياة الإنسانية وفي حياة الجماعة المسلمة: في الصبر ترفع على الألم واستعلاء على الشكوى، وثبات على تكاليف الدعوة، وأداء لتكاليف الحق، وتسليم لله واستسلام لما يريد بهم من الأمر، وقبول لحكمه ورضاء.. وفي الصدق اعتزاز بالحق الذي هو قوام الوجود، وترفع عن الضعف؛ فما الكذب إلا ضعف عن كلمة الحق، اتقاء لضرر أو اجتلابا لمنفعة. وفي القنوت لله أداء لحق الألوهية وواجب العبودية؛ وتحقيق لكرامة النفس بالقنوت لله الواحد الذي لا قنوت لسواه. وفي الإنفاق تحرر من استذلال المال؛ وانفلات من ربقة الشح؛ وإعلاء لحقيقة الأخوة الإنسانية على شهوة اللذة الشخصية؛ وتكافل بين الناس يليق بعالم يسكنه الناس! والاستغفار بالأسحار بعد هذا كله يلقي ظلالاً رفافة ندية عميقة.. ولفظة "الأسحار" بذاتها ترسم ظلال هذه الفترة من الليل قبيل الفجر. الفترة التي يصفو فيها الجو ويرق ويسكن؛ وتترقرق فيها خواطر النفس وخوالجها الحبيسة! فإذا انضمت إليها صورة الاستغفار ألقت تلك الظلال المنسابة في عالم النفس وفي ضمير الوجود سواء. وتلاقت روح الإنسان وروح الكون في الاتجاه لبارئ الكون وبارئ الإنسان. هؤلاء الصابرون، الصادقون، القانتون، المنفقون، المستغفرون بالأسحار.. لهم {رضوان من الله}.. وهم أهل لهذا الرضوان: ظله الندي ومعناه الحاني. وهو خير من كل شهوة وخير من كل متاع.. وهكذا يبدأ القرآن بالنفس البشرية من موضعها على الأرض.. وشيئاً فشيئاً يرف بها في آفاق وأضواء، حتى ينتهي بها إلى الملإ الأعلى في يسر وهينة، وفي رفق ورحمة. وفي اعتبار لكامل فطرتها وكامل نوازعها. وفي مراعاة لضعفها وعجزها، وفي استجاشة لطاقاتها وأشواقها، ودون ما كبت ولا إكراه. ودون ما وقف لجريان الحياة.. فطرة الله. ومنهج الله لهذه الفطرة.. {والله بصير بالعباد}.. وإلى هنا كان سياق السورة يستهدف تقرير حقيقة التوحيد: توحيد الألوهية والقوامة، وتوحيد الكتاب والرسالة.. ويصور موقف المؤمنين حقاً والمنحرفين الذين في قلوبهم زيغ، من آيات الله وكتابه.. ويهدد المنحرفين بمصير كمصير الذين كفروا في الماضي وفي الحاضر.. ثم يكشف عن الدوافع الفطرية التي تلهي عن الاعتبار؛ ويصور حال المتقين مع ربهم والتجاءهم إلى الله.. فالآن - وإلى نهاية هذا الدرس - نجدنا أمام حقيقة أخرى.. هي مقتضى الحقيقة الأولى.. فحقيقة التوحيد تستلزم مصداقاً لها في واقع الحياة البشرية، هو الذي يقرره الشطر الثاني من هذا الدرس. ومن ثم يبدأ بإعادة تقرير الحقيقة الأولى ليرتب عليها آثارها الملازمة لها.. يبدأ بشهادة الله - سبحانه - {أنه لا إله إلا هو} وشهادة الملائكة وأولي العلم بهذه الحقيقة. ويقرر معها صفة الله المتعلقة بالقوامة، وهي قيامه بالقسط في أمر الناس وفي أمر الكون. وما دام الله متفرداً بالألوهية وبالقوامة فإن أول مستلزمات الإقرار بهذه الحقيقة، هو الإقرار بالعبودية لله وحده وتحكيمه في شأن العبيد كله؛ واستسلام العبيد لإلههم، وطاعتهم للقيوم عليهم، واتباعهم لكتابه ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -. ويضمن هذه الحقيقة قوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام}.. فهو لا يقبل ديناً سواه من أحد.. الإسلام الذي هو الاستسلام والطاعة والاتباع.. وإذن فليس الدين الذي يقبله الله من الناس هو مجرد تصور في العقل؛ ولا مجرد تصديق في القلب. إنما هو القيام بحق هذا التصديق وذلك التصور.. هو تحكيم منهج الله في أمر العباد كله، وطاعتهم لما يحكم به، واتباعهم لرسوله في منهجه. وهكذا.. يعجب من أهل الكتاب ويشهر بأمرهم.. إذ يدعون أنهم على دين الله. ثم {يُدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون}!!! مما ينقض دعوى التدين من الأساس. فلا دين يقبله الله إلا الإسلام. ولا إسلام بغير استسلام لله وطاعة لرسوله، واتباع لمنهجه، وتحكيم لكتابه في أمور الحياة.. ويكشف عن علة هذا الإعراض - الذي هو التعبير الواقعي عن عدم الإيمان بدين الله - فإذا هي عدم الاعتقاد بجدية "القسط" في الجزاء يوم الحساب: {ذلك بأنهم قالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات}.. معتمدين على أنهم أهل كتاب {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون}.. وهو غرور خادع. فما هم بأهل كتاب، وما هم بمؤمنين أصلاً. وما هم على دين الله إطلاقاً؛ وهم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم، ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون. وبهذا الجزم القاطع يقرر الله سبحانه في القرآن الكريم معنى الدين وحقيقة التدين.. فلا يقبل من العباد إلا صورة واحدة ناصعة قاطعة.. الدين: الإسلام. والإسلام: التحاكم إلى كتاب الله وطاعته واتباعه.. فمن لم يفعل فليس له دين، وليس مسلماً؛ وإن ادعى الإسلام وادعى أنه على دين الله. فدين الله يحدده ويقرره ويفسره الله، وليس خاضعاً في تعريفه وتحديده لأهواء البشر.. كل يحدده أو يعرّفه كما يشاء! لا. بل إن الذي يتخذ الكفار أولياء - والكفار كما يقرر السياق هم الذين لا يقبلون التحاكم إلى كتاب الله - {فليس من الله في شيء}.. ولا علاقة له بالله في شيء ولا صلة بينه وبين الله في شيء.. مجرد من يتولى وينصر أو يستنصر أولئك الكفار الذين يرفضون أن يتحاكموا إلى كتاب الله. ولو ادعوا أنهم على دين الله! ويشتد التحذير من هذه الولاية التي تذهب بالدين من أساسه. ويضيف السياق إلى التحذير التبصير. تبصير الجماعة المسلمة بحقيقة القوى التي تعمل في هذا الوجود. فالله وحده هو السيد المتصرف، مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء.. وهذا التصريف لأمر الناس ليس إلا طرفاً من التصريف لأمر الكون كله. فهو كذلك يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.. وهذا هو القيام بالقسط في أمر الناس وفي أمر الكون، فلا داعي إذن لولاية غيره من العباد، مهما يكن لهم من قوة ومن مال وأولاد. ويشي هذا التحذير المؤكد المكرر بما كان واقعاً في الجماعة المسلمة يومذاك من عدم وضوح الأمر تماماً؛ ومن تشبث بعضهم بصلاته العائلية والقومية والاقتصادية مع المشركين في مكة ومع اليهود في المدينة، مما اقتضى هذا التفسير والتحذير. كما أنه يشي بطبيعة ميل النفس البشرية إلى التأثر بالقوى البشرية الظاهرة، وضرورة تذكيرها بحقيقة الأمر وحقيقة القوى، إلى جانب إيضاح أصل العقيدة ومقتضياتها في واقع الحياة. ويختم الدرس بكلمة حاسمة قاطعة: إن الإسلام هو طاعة الله والرسول. وإن الطريق إلى الله هو طريق الاتباع للرسول. وليس مجرد الاعتقاد بالقلب، ولا الشهادة باللسان: {قل: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله...} {قل: أطيعوا الله والرسول. فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين}.. فإما طاعة واتباع يحبه الله، وإما كفر يكرهه الله.. وهذا هو مفرق الطريق الواضح المبين.. فلنأخذ في التفصيل بعد هذا الإجمال.. {شهد الله أنه لا إله إلا هو - والملائكة وأولو العلم - قائماً بالقسط. لا إله إلا هو العزيز الحكيم}.. هذه هي الحقيقة الأولى التي يقوم عليها التصور الاعتقادي في الإسلام. حقيقة التوحيد: توحيد الألوهية، وتوحيد القوامة.. القوامة بالقسط.. وهي الحقيقة التي بدأت بها السورة: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}.. وهي تستهدف إقرار حقيقة العقيدة الإسلامية من جهة، وجلاء الشبهات التي يلقيها أهل الكتاب من جهة. جلاءها عن أهل الكتاب أنفسهم، وجلاءها عن المسلمين الذين قد تؤثر هذه الشبهات في عقيدتهم. وشهادة الله - سبحانه - أنه لا إله إلا هو.. هي حسب كل من يؤمن بالله.. وقد يقال: إنه لا يكتفي بشهادة الله إلا من يؤمن بالله وأن من يؤمن بالله. ليس في حاجة إلى هذه الشهادة.. ولكن واقع الأمر أن أهل الكتاب كانوا يؤمنون بالله ولكنهم في نفس الوقت يجعلون له ابناً وشريكاً. بل إن المشركين أنفسهم كانوا يؤمنون بالله، ولكن الضلال كان يجيئهم من ناحية الشركاء والأنداد والأبناء والبنات! فإذا قرر لهؤلاء وهؤلاء أن الله - سبحانه - شهد أنه لا إله إلا هو، فهذا مؤثر قوي في تصحيح تصوراتهم. على أن الأمر - كما يبدو من متابعة السياق كما تابعناه فيما تقدم - أعمق من هذا وأدق. فإن شهادة الله - سبحانه - بأنه لا إله إلا هو، مسوقة هنا ليساق بعدها ما هو من مستلزماتها؛ وهو أنه لا يقبل إذن من العباد إلا العبودية الخالصة له، الممثلة في الإسلام بمعنى الاستسلام - لا اعتقاداً وشعوراً فحسب - ولكن كذلك عملاً وطاعة واتباعاً للمنهج العملي الواقعي المتمثل في أحكام الكتاب.. ومن هذه الناحية نجد كثيرين في كل زمان يقولون: إنهم يؤمنون بالله، ولكنهم يشركون معه غيره في الألوهية، حين يتحاكمون إلى شريعة من صنع غيره، وحين يطيعون من لا يتبع رسوله وكتابه؛ وحين يتلقون التصورات والقيم والموازين والأخلاق والآداب من غيره.. فهذه كلها تناقض القول بأنهم يؤمنون بالله. ولا تستقيم مع شهادة الله - سبحانه - بأنه لا إله إلا هو. وأما شهادة الملائكة وشهادة أولي العلم، فهي متمثلة في طاعتهم لأوامر الله وحدها، والتلقي عن الله وحده، والتسليم بكل ما يجيئهم من عنده بدون تشكك ولا جدال، متى ثبت لهم أنها من عنده. وقد سبق في السورة بيان حال أولي العلم هؤلاء في قوله: {والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كل من عند ربنا}.. فهذه شهادة أولي العلم وشهادة الملائكة: تصديق. وطاعة. واتباع. واستسلام. وشهادة الله سبحانه وشهادة الملائكة وأولي العلم بوحدانية الله يصاحبها شهادتهم بأنه - تعالى - قائم بالقسط. بوصفها حالة ملازمة للألوهية. {شهد الله أنه لا إله إلا هو - والملائكة وأولو العلم - قائماً بالقسط}.. فهي حالة ملازمة للألوهية كما تفيد صياغة العبارة. وهذا إيضاح للقوامة التي وردت في مطلع السورة: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}.. فهي قوامة بالقسط. وتدبير الله لهذا الكون ولحياة الناس متلبس دائماً بالقسط - وهو العدل - فلا يتحقق العدل المطلق في حياة الناس، ولا تستقيم أمورهم استقامة أمور الكون، التي يؤدي كل كائن معها دوره في تناسق مطلق مع دور كل كائن آخر.. لا يتحقق هذا إلا بتحكيم منهج الله الذي اختاره لحياة الناس، وبينه في كتابه. وإلا فلا قسط ولا عدل، ولا استقامة ولا تناسق، ولا تلاؤم بين دورة الكون ودورة الإنسان. وهو الظلم إذن والتصادم والتشتت والضياع! وها نحن أولاء نرى على مدار التاريخ أن الفترات التي حكم فيها كتاب الله وحدها هي التي ذاق فيها الناس طعم القسط، واستقامت حياتهم استقامة دورة الفلك - بقدر ما تطيق طبيعة البشر المتميزة بالجنوح إلى الطاعة والجنوح إلى المعصية، والتأرجح بين هذا وذاك؛ والقرب من الطاعة كلما قام منهج الله، وحُكم في حياة الناس كتاب الله. وأنه حيثما حكم في حياة الناس منهج آخر من صنع البشر، لازمه جهل البشر وقصور البشر. كما لازمه الظلم والتناقض في صورة من الصور. ظلم الفرد للجماعة. أو ظلم الجماعة للفرد. أو ظلم طبقة لطبقة. أو ظلم أمة لأمة. أو ظلم جيل لجيل.. وعدل الله وحده هو المبرأ من الميل لأي من هؤلاء. وهو إله جميع العباد. وهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. {لا إله إلا هو العزيز الحكيم}.. يؤكد حقيقة وحدة الألوهية مرة أخرى في الآية الواحدة، مصحوبة بصفة العزة وصفة الحكمة. والقدرة والحكمة لازمتان كلتاهما للقوامة بالقسط. فالقسط يقوم على وضع الأمور في مواضعها مع القدرة على إنفاذها. وصفات الله سبحانه تصور وتوحي بالفاعلية الإيجابية.. فلا سلبية في التصور الإسلامي لله. وهو أكمل تصور وأصدقه لأنه وصف الله لنفسه سبحانه. وقيمة هذه الفاعلية الإيجابية أنها تعلق القلب بالله وإرادته وفعله، فتصبح العقيدة مؤثراً حياً دافعاً لا مجرد تصور فكري بارد! ويرتب على هذه الحقيقة التي عاد لتوكيدها مرتين في الآية الواحدة، نتيجتها الطبيعية.. ألوهية واحدة. فلا عبودية إلا لهذه الألوهية الواحدة: {إن الدين عند الله الإسلام. وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم. بغياً بينهم. ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب. فإن حاجوك فقل: أسلمت وجهي لله ومن اتبعن. وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين: أأسلمتم؟ فإن أسلموا فقد اهتدوا. وإن تولوا فإنما عليك البلاغ، والله بصير بالعباد}.. ألوهية واحدة.. وإذن فدينونة واحدة.. واستسلام لهذه الألوهية لا يبقى معه شيء في نفوس العباد ولا في حياتهم خارجا عن سلطان الله. ألوهية واحدة.. وإذن فجهة واحدة هي صاحبة الحق في تعبيد الناس لها؛ وفي تطويعهم لأمرها؛ وفي إنفاذ شريعتها فيهم وحكمها؛ وفي وضع القيم والموازين لهم وأمرهم باتباعها؛ وفي إقامة حياتهم كلها وفق التعليمات التي ترضاها.. ألوهية واحدة.. وإذن فعقيدة واحدة هي التي يرضاها الله من عباده. عقيدة التوحيد الخالص الناصع.. ومقتضيات التوحيد هذه التي أسلفنا: {إن الدين عند الله الإسلام}.. الإسلام الذي هو ليس مجرد دعوى، وليس مجرد راية، وليس مجرد كلمة تقال باللسان؛ ولا حتى تصوراً يشتمل عليه القلب في سكون؛ ولا شعائر فردية يؤديها الأفراد في الصلاة والحج والصيام.. لا. فهذا ليس بالإسلام الذي لا يرضى الله من الناس ديناً سواه. إنما الإسلام الاستسلام. الإسلام الطاعة والاتباع. الإسلام تحكيم كتاب الله في أمور العباد.. كما سيجيء في السياق القرآني ذاته بعد قليل. والإسلام توحيد الألوهية والقوامة.. بينما كان أهل الكتاب يخلطون بين ذات الله - سبحانه - وذات المسيح - عليه السلام - كما يخلطون بين إرادة الله وإرادة المسيح أيضاً.. ويختلفون فيما بينهم على هذه التصورات اختلافاً عنيفاً يصل في أحيان كثيرة إلى حد القتل والقتال.. هنا يبين الله لأهل الكتاب وللجماعة المسلمة علة هذا الاختلاف: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم. بغياً بينهم}. إنه ليس اختلافاً عن جهل بحقيقة الأمر. فقد جاءهم العلم القاطع بوحدانية الله، وتفرد الألوهية. وبطبيعة البشرية، وحقيقة العبودية.. ولكنهم إنما اختلفوا {بغياً بينهم} واعتداء وظلماً؛ حينما تخلوا عن قسط الله وعدله الذي تتضمنه عقيدته وشريعته وكتبه. وقد رأينا فيما نقلناه عن المؤلف المسيحي الحديث كيف كانت التيارات السياسية تخلق هذه الاختلافات المذهبية. وليس هذا إلا نموذجاً مما تكرر وقوعه في حياة اليهودية والمسيحية. وقد رأينا كيف كانت كراهية مصر والشام وما إليهما للحكم الروماني سبباً في رفض المذهب الروماني الرسمي والتمذهب بمذهب آخر! كما كان حرص بعض القياصرة على التوفيق بين أجزاء مملكته سبباً في ابتداع مذهب وسط، يظن أنه يوفق بين الأغراض جميعاً!! كأنما العقيدة لعبة تستخدم في المناورات السياسية والوطنية! وهذا هو البغي أشنع البغي. عن قصد وعن علم! ومن ثم يجيء التهديد القاصم في موضعه المناسب: {ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب}.. وقد عد الاختلاف على حقيقة التوحيد كفراً؛ وهدد الكافرين بسرعة الحساب؛ كي لا يكون الإمهال - إلى أجل - مدعاة للجاجة في الكفر والإنكار والاختلاف.. ثم لقن نبيه - صلى الله عليه وسلم - فصل الخطاب في موقفه من أهل الكتاب والمشركين جميعاً. ليحسم الأمر معهم عن بينة، ويدع أمرهم بعد ذلك لله، ويمضي في طريقه الواضح متميزاً متفرداً: {فإن حاجوك فقل: أسلمت وجهي لله ومن اتبعن. وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم؟ فإن أسلموا فقد اهتدوا. وأن تولوا فإنما عليك البلاغ. والله بصير بالعباد}.. إنه لا سبيل إلى مزيد من الإيضاح بعد ما تقدم. فإما اعتراف بوحدة الألوهية والقوامة، وإذن فلا بد من الإسلام والاتباع. وإما مماحكة ومداورة. وإذن فلا توحيد ولا إسلام. ومن ثم يلقن الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - كلمة واحدة تبين عقيدته كما تبين منهج حياته: {فإن حاجوك} - أي في التوحيد وفي الدين - {فقل: أسلمت وجهي لله} أنا {ومن اتبعن}.. والتعبير بالاتباع ذو مغزى هنا. فليس هو مجرد التصديق. إنما هو الاتباع. كما أن التعبير بالإسلام الوجه ذو مغزى كذلك. فليس هو مجرد النطق باللسان أو الاعتقاد بالجنان. إنما هو كذلك الاستسلام. استسلام الطاعة والاتباع.. وإسلام الوجه كناية عن هذا الاستسلام. والوجه أعلى وأكرم ما في الإنسان. فهي صورة الانقياد الطائع الخاضع المتبع المستجيب. هذا اعتقاد محمد - صلى الله عليه وسلم - ومنهج حياته. والمسلمون متبعوه ومقلدوه في اعتقاده ومنهج حياته.. فليسأل إذن أهل الكتاب والأميين سؤال التبين والتمييز ووضع الشارة المميزة للمعسكرين على وضوح لا اختلاط فيه ولا اشتباه: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين: أأسلمتم؟}.. فهم سواء. هؤلاء وهؤلاء. المشركون وأهل الكتاب هم مدعوون إلى الإسلام بمعناه الذي شرحناه. مدعوون للإقرار بتوحيد ذات الله، ووحدة الألوهية ووحدة القوامة. مدعوون بعد هذا الإقرار إلى الخضوع لمقتضاه. وهو تحكيم كتاب الله ونهجه في الحياة. {فإن أسلموا فقد اهتدوا}.. فالهدى يتمثل في صورة واحدة. هي صورة الإسلام بحقيقته تلك وطبيعته. وليس هنالك صورة أخرى، ولا تصور آخر، ولا وضع آخر، ولا منهج آخر يتمثل فيه الاهتداء.. إنما هو الضلال والجاهلية والحيرة والزيغ والالتواء.. {وإن تولوا فإنما عليك البلاغ}.. فعند البلاغ تنتهي تبعة الرسول وينتهي عمله. وكان هذا قبل أن يأمره الله بقتال من لا يقبلون الإسلام حتى ينتهوا: إما إلى اعتناق الدين والخضوع للنظام الذي يتمثل فيه. وإما إلى التعهد فقط بالطاعة للنظام في صورة أداء الجزية.. حيث لا إكراه على الاعتقاد.. {والله بصير بالعباد}.. يتصرف في أمرهم وفق بصره وعلمه. وأمرهم إليه على كل حال. ولكنه لا يدعهم حتى يبين لهم مصيرهم الذي ينتظرهم وينتظر أمثالهم وفق سنة الله الماضية أبداً في المكذبين والبغاة: {إن الذين يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، فبشرهم بعذاب أليم. أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة. وما لهم من ناصرين}.. فهذا هو المصير المحتوم: عذاب أليم لا يحدده بالدنيا أو بالآخرة. فهو متوقع هنا وهناك. وبطلان لأعمالهم في الدنيا والآخرة في تعبير مصور. فالحبوط هو انتفاخ الدابة التي ترعى نبتاً مسموماً، توطئة لهلاكها.. وهكذا أعمال هؤلاء قد تنتفخ وتتضخم في الأعين. ولكنه الانتفاخ المؤدي إلى البطلان والهلاك! حيث لا ينصرهم ناصر ولا يدفع عنهم حام! وذكر الكفر بآيات الله مصحوباً بقتل النبيين بغير حق - وما يمكن أن يقتل نبي ثم يكون هناك حق - وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس - أي الذين يأمرون باتباع منهج الله القائم بالقسط المحقق وحده للقسط.. ذكر هذه الصفات يوحي بأن التهديد كان موجهاً لليهود، فهذه سمتهم في تاريخهم يعرفون بها متى ذكرت! ولكن هذا لا يمنع أن يكون الكلام موجهاً للنصارى كذلك. فقد كانوا حتى ذلك التاريخ قتلوا الألوف من أصحاب المذاهب المخالفة لمذهب الدولة الرومانية المسيحية - بما فيهم من جاهروا بتوحيد الله تعالى وبشرية المسيح عليه السلام - وهؤلاء ممن يأمرون بالقسط.. كما أنه تهديد دائم لكل من يقع منه مثل هذا الصنيع البشع.. وكثير ما هم في كل زمان.. ويحسن أن نتذكر دائماً ماذا يعني القرآن بوصف {الذين يكفرون بآيات الله}.. فليس المقصود فقط من يعلن كلمة الكفر. إنما يدخل في مدلول هذا الوصف من لا يقر بوحدة الألوهية، وقصر العبودية عليها. وهذا يتضمن بصراحة وحدة الجهة التي تصرّف حياة العباد بالتشريع والتوجيه والقيم والموازين.. فمن جعل لغير الله شيئاً من هذا ابتداء فهو مشرك به أو كافر بألوهيته. ولو قالها ألف مرة باللسان! وسنرى في الآيات التالية في السياق مصداق هذا الكلام.. {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم، ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون؟ ذلك بأنهم قالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات، وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون. فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه، ووفيت كل نفس ما كسبت؟ وهم لا يظلمون}.. إنه سؤال التعجيب والتشهير من هذا الموقف المتناقض الغريب. موقف الذين أوتوا نصيباً من الكتاب. وهو التوراة لليهود ومعها الإنجيل للنصارى. وكل منهما "نصيب" من الكتاب باعتبار أن كتاب الله هو كل ما أنزل على رسله، وقرر فيه وحدة ألوهيته ووحدة قوامته. فهو كتاب واحد في حقيقته، أوتي اليهود نصيباً منه، وأوتي النصارى نصيباً منه، وأوتي المسلمون الكتاب كله باعتبار القرآن جامعاً لأصول الدين كله، ومصدقاً لما بين يديه من الكتاب.. سؤال التعجيب من هؤلاء {الذين أوتوا نصيباً من الكتاب}.. ثم هم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم في خلافاتهم، وليحكم بينهم في شؤون حياتهم ومعاشهم، فلا يستجيبون جميعاً لهذه الدعوة، إنما يتخلف فريق منهم ويعرض عن تحكيم كتاب الله وشريعته. الأمر الذي يتناقض مع الإيمان بأي نصيب من كتاب الله؛ والذي لا يستقيم مع دعوى أنهم أهل كتاب: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم، ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون؟}.. هكذا يعجب الله من أهل الكتاب حين يعرض بعضهم - لا كلهم - عن الاحتكام إلى كتاب الله في أمور الاعتقاد وأمور الحياة. فكيف بمن يقولون: إنهم مسلمون، ثم يخرجون شريعة الله من حياتهم كلها. ثم يظلون يزعمون أنهم مسلمون! إنه مثل يضربه الله للمسلمين أيضاً كي يعلموا حقيقة الدين وطبيعة الإسلام؛ ويحذروا أن يكونوا موضعاً لتعجيب الله وتشهيره بهم. فإذا كان هذا هو استنكار موقف أهل الكتاب الذين لم يدعوا الإسلام، حين يعرض فريق منهم عن التحاكم إلى كتاب الله، فكيف يكون الاستنكار إذا كان "المسلمون" هم الذين يعرضون هذا الإعراض.. إنه العجب الذي لا ينقضي، والبلاء الذي لا يقدر، والغضب الذي ينتهي إلى الشقوة والطرد من رحمة الله! والعياذ بالله! ثم يكشف عن علة هذا الموقف المستنكر المتناقض: {ذلك بأنهم قالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات، وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون}.. هذا هو السبب في الإعراض عن الاحتكام إلى كتاب الله؛ والتناقض مع دعوى الإيمان ودعوى أنهم أهل كتاب.. إنه عدم الاعتقاد بجدية الحساب يوم القيامة، وجدية القسط الإلهي الذي لا يحابي ولا يميل. يتجلى هذا في قولهم: {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات}.. وإلا فلماذا لا تمسهم النار إلا أياماً معدودات؟ لماذا وهم ينحرفون أصلاً عن حقيقة الدين وهي الاحتكام في كل شيء إلى كتاب الله؟ لماذا إذا كانوا يعتقدون حقاً بعدل الله؟ بل إذا كانوا يحسون أصلاً بجدية لقاء الله؟ إنهم لا يقولون إلا افتراء، ثم يغرهم هذا الافتراء: {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون}.. وحقاً إنه لا يجتمع في قلب واحد جدية الاعتقاد بلقاء الله، والشعور بحقيقة هذا اللقاء، مع هذا التميع في تصور جزائه وعدله.. وحقاً إنه لا يجتمع في قلب واحد الخوف من الآخرة والحياء من الله، مع الإعراض عن الاحتكام إلى كتاب الله، وتحكيمه في كل شأن من شؤون الحياة.. ومثل أهل الكتاب هؤلاء مثل من يزعمون اليوم أنهم مسلمون. ثم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون. وفيهم من يتبجحون ويتوقحون، ويزعمون أن حياة الناس دنيا لا دين! وأن لا ضرورة لإقحام الدين في حياة الناس العملية وارتباطاتهم الاقتصادية والاجتماعية، بل العائلية، ثم يظلون بعد ذلك يزعمون أنهم مسلمون! ثم يعتقد بعضهم في غرارة بلهاء أن الله لن يعذبهم إلا تطهيراً من المعاصي، ثم يساقون إلى الجنة! أليسوا مسلمين؟ إنه نفس الظن الذي كان يظنه أهل الكتاب هؤلاء، ونفس الغرور بما افتروه ولا أصل له في الدين.. وهؤلاء وأولئك سواء في تنصلهم من أصل الدين، وتملصهم من حقيقته التي يرضاها الله: الإسلام: الاستسلام والطاعة والاتباع. والتلقي من الله وحده في كل شأن من شؤون الحياة: {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه، ووفيت كل نفس ما كسبت، وهم لا يظلمون}؟ كيف؟ إنه التهديد الرعيب الذي يشفق القلب المؤمن أن يتعرض له وهو يستشعر جدية هذا اليوم وجدية لقاء الله، وجدية عدل الله؛ ولا يتميع تصوره وشعوره مع الأماني الباطلة والمفتريات الخادعة.. وهو بعد تهديد قائم للجميع.. مشركين وملحدين، وأهل كتاب ومدعي إسلام، فهم سواء في أنهم لا يحققون في حياتهم الإسلام! {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه}.. وجرى العدل الإلهي مجراه؟ {ووفيت كل نفس ما كسبت}.. بلا ظلم ولا محاباة؟ {وهم لا يظلمون}.. كما أنهم لا يحابون في حساب الله؟ سؤال يلقى ويترك بلا جواب.. وقد اهتز القلب وارتجف وهو يستحضر الجواب! بعدئذ يلقن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكل مؤمن، أن يتجه إلى الله، مقرراً حقيقة الألوهية الواحدة، وحقيقة القوامة الواحدة، في حياة البشر، وفي تدبير الكون. فهذه وتلك كلتاهما مظهر للألوهية وللحاكمية التي لا شريك لله فيها ولا شبيه: {قل: اللهم مالك الملك: تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء. وتعز من تشاء وتذل من تشاء. بيدك الخير. إنك على كل شيء قدير. تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل. وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي. وترزق من تشاء بغير حساب}.. نداء خاشع.. في تركيبه اللفظي إيقاع الدعاء. وفي ظلاله المعنوية روح الابتهال. وفي التفاتاته إلى كتاب الكون المفتوح استجاشة للمشاعر في رفق وإيناس. وفي جمعه بين تدبير الله وتصريفه لأمور الناس ولأمور الكون إشارة إلى الحقيقة الكبيرة: حقيقة الألوهية الواحدة القوامة على الكون والناس؛ وحقيقة أن شأن الإنسان ليس إلا طرفاً من شأن الكون الكبير الذي يصرفه الله؛ وأن الدينونة لله وحده هي شأن الكون كله كما هي شأن الناس؛ وأن الانحراف عن هذه القاعدة شذوذ وسفه وانحراف! {قل: اللهم مالك الملك. تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء. وتعز من تشاء وتذل من تشاء}.. إنها الحقيقة الناشئة من حقيقة الألوهية الواحدة.. إله واحد فهو المالك الواحد.. هو {مالك الملك} بلا شريك.. ثم هو من جانبه يملك من يشاء ما يشاء من ملكه. يملكه إياه تمليك العارية يستردها صاحبها ممن يشاء عندما يشاء. فليس لأحد ملكية أصيلة يتصرف فيها على هواه. إنما هي ملكية معارة له خاضعة لشروط المملك الأصلي وتعليماته؛ فإذا تصرف المستعير فيها تصرفاً مخالفاً لشرط المالك وقع هذا التصرف باطلاً. وتحتم على المؤمنين رده في الدنيا. أما في الآخرة فهو محاسب على باطله ومخالفته لشرط المملك صاحب الملك الأصيل.. وكذلك هو يعز من يشاء ويذل من يشاء بلا معقب على حكمه، وبلا مجير عليه، وبلا راد لقضائه، فهو صاحب الأمر كله بما أنه - سبحانه - هو الله.. وما يجوز أن يتولى هذا الاختصاص أحد من دون الله. وفي قوامة الله هذه الخير كل الخير. فهو يتولاها سبحانه بالقسط والعدل. يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء بالقسط والعدل. ويعز من يشاء ويذل من يشاء بالقسط والعدل. فهو الخير الحقيقي في جميع الحالات؛ وهي المشيئة المطلقة والقدرة المطلقة على تحقيق هذا الخير في كل حال: {بيدك الخير}.. {إنك على كل شيء قدير}.. وهذه القوامة على شؤون البشر، وهذا التدبير لأمرهم بالخير، ليس إلا طرفاً من القوامة الكبرى على شؤون الكون والحياة على الإطلاق: {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل؛ وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي؛ وترزق من تشاء بغير حساب}.. والتعبير التصويري لهذه الحقيقة الكبيرة، يملأ بها القلب والمشاعر والبصر والحواس: هذه الحركة الخفية المتداخلة. حركة إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل؛ وإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي.. الحركة التي تدل على يد الله بلا شبهة ولا جدال، متى ألقى القلب إليها انتباهه، واستمع فيها إلى صوت الفطرة الصادق العميق. وسواء كان معنى إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل هو أخذ هذا من ذاك وأخذ ذاك من هذا عند دورة الفصول.. أو كان هو دخول هذا في هذا عند دبيب الظلمة ودبيب الضياء في الأمساء والأصباح.. سواء كان هذا أو ذاك فإن القلب يكاد يبصر يد الله وهي تحرك الأفلاك، وتلف هذه الكرة المعتمة أمام تلك الكرة المضيئة، وتقلب مواضع الظلمة ومواضع الضياء.. شيئاً فشيئاً يتسرب غبش الليل إلى وضاءة النهار. وشيئاً فشيئاً يتنفس الصبح في غيابة الظلام.. شيئاً فشيئاً يطول الليل وهو يأكل من النهار في مقدم الشتاء. وشيئاً فشيئاً يطول النهار وهو يسحب من الليل في مقدم الصيف.. وهذه أو تلك حركة لا يدعي الإنسان أنه هو الذي يمسك بخيوطها الخفية الدقيقة؛ ولا يدعي كذلك عاقل أنها تمضي هكذا مصادفة بلا تدبير! كذلك الحياة والموت، يدب أحدهما في الآخر في بطء وتدرج. كل لحظة تمر على الحي يدب فيه الموت إلى جانب الحياة، ويأكل منه الموت وتبنى فيه الحياة! خلايا حية منه تموت وتذهب، وخلايا جديدة فيه تنشأ وتعمل. وما ذهب منه ميتاً يعود في دورة أخرى إلى الحياة. وما نشأ فيه حياً يعود في دورة أخرى إلى الموت.. هذا في كيان الحي الواحد.. ثم تتسع الدائرة فيموت الحي كله، ولكن خلاياه تتحول إلى ذرات تدخل في تركيب آخر ثم تدخل في جسم حي فتدب فيها الحياة.. وهكذا دورة دائبة في كل لحظة من لحظات الليل والنهار.. ولا يدعي الإنسان أنه هو الذي يصنع من هذا كله شيئاً. ولا يزعم عاقل كذلك أنها تتم هكذا مصادفة بلا تدبير! حركة في كيان الكون كله وفي كيان كل حي كذلك. حركة خفية عميقة لطيفة هائلة. تبرزها هذه الإشارة القرآنية القصيرة للقلب البشري والعقل البشري؛ وهي تشي بيد القادر المبدع اللطيف المدبر.. فأنى يحاول البشر أن ينعزلوا بتدبير شأنهم عن اللطيف المدّبر؟ وأنى يختارون لأنفسهم أنظمة من صنع أهوائهم وهم قطاع من هذا الكون الذي ينظمه الحكيم الخبير؟ ثم أنى يتخذ بعضهم بعضاً عبيداً، ويتخذ بعضهم بعضاً أرباباً، ورزق الجميع بيد الله وكلهم عليه عيال: {وترزق من تشاء بغير حساب}.. إنها اللمسة التي ترد القلب البشري إلى الحقيقة الكبرى. حقيقة الألوهية الواحدة. حقيقة القوامة الواحدة. وحقيقة الفاعلية الواحدة وحقيقة التدبير الواحد. وحقيقة المالكية الواحدة وحقيقة العطاء الواحد. ثم حقيقة أن الدينونة لا تكون إلا لله القيوم، مالك الملك، المعز المذل، المحيي المميت، المانح المانع، المدبر لأمر الكون والناس بالقسط والخير على كل حال. هذه اللمسة تؤكد الاستنكار الذي سبق في الفقرة الماضية لموقف الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، ثم هم يتولون ويعرضون عن التحاكم إلى كتاب الله، المتضمن لمنهج الله للبشر، بينما منهج الله يدبر أمر الكون كله وأمر البشر.. وفي الوقت ذاته تمهد للتحذير الوارد في الفقرة التالية من تولي المؤمنين الكافرين من دون المؤمنين. ما دام أن لا حول للكافرين في هذا الكون ولا طول. والأمر كله بيد الله. وهو ولي المؤمنين دون سواه: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء - إلا أن تتقوا منهم تقاة - ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير. قل: إن تخفوا ما في صدروكم أو تبدوه يعلمه الله، ويعلم ما في السماوات وما في الأرض، والله على كل شيء قدير. يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً. ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد}.. لقد استجاش السياق القرآني في الفقرة الماضية الشعور بأن الأمر كله لله، والقوة كلها لله، والتدبير كله لله، والرزق كله بيد الله.. فما ولاء المؤمن إذن لأعداء الله؟ إنه لا يجتمع في قلب واحد حقيقة الإيمان بالله وموالاة أعدائه الذين يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون.. ومن ثم جاء هذا التحذير الشديد، وهذا التقرير الحاسم بخروج المسلم من إسلامه إذا هو وإلى من لا يرتضي أن يحكم كتاب الله في الحياة، سواء كانت الموالاة بمودة القلب، أو بنصره، أو باستنصاره سواء: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء}.. هكذا.. ليس من الله في شيء. لا في صلة ولا نسبة، ولا دين ولا عقيدة، ولا رابطة ولا ولاية.. فهو بعيد عن الله، منقطع الصلة تماماً في كل شيء تكون فيه الصلات. ويرخص فقط بالتقية لمن خاف في بعض البلدان والأوقات.. ولكنها تقية اللسان لا ولاء القلب ولا ولاء العمل. قال ابن عباس - رضي الله عنهما - "ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان".. فليس من التقية المرخص فيها أن تقوم المودة بين المؤمن وبين الكافر - والكافر هو الذي لا يرضى بتحكيم كتاب الله في الحياة على الإطلاق، كما يدل السياق هنا ضمناً وفي موضع آخر من السورة تصريحاً - كما أنه ليس من التقية المرخص بها أن يعاون المؤمن الكافر بالعمل في صورة من الصور باسم التقية. فما يجوز هذا الخداع على الله! ولما كان الأمر في هذه الحالة متروكاً للضمائر ولتقوى القلوب وخشيتها من علام الغيوب، فقد تضمن التهديد تحذير المؤمنين من نقمة الله وغضبه في صورة عجيبة من التعبير حقاً: {ويحذركم الله نفسه. وإلى الله المصير}.. ثم يتابع السياق التحذير ولمس القلوب، وإشعارها أن عين الله عليها، وأن علم الله يتابعها: {قل: إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله، ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير}.. وهو إمعان في التحذير والتهديد، واستجاشة الخشية واتقاء التعرض للنقمة التي يساندها العلم والقدرة، فلا ملجأ منها ولا نصرة! ثم يتابع السياق التحذير ولمس القلوب خطوة أخرى كذلك باستحضار اليوم المرهوب، الذي لا يند فيه عمل ولا نية؛ والذي تواجه فيه كل نفس برصيدها كله: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً}.. وهي مواجهة تأخذ المسالك على القلب البشري، وتحاصره برصيده من الخير والسوء. وتصور له نفسه وهو يواجه هذا الرصيد، ويود - ولكن لات حين مودة! - لو أن بينه وبين السوء الذي عمله أمداً بعيداً. أو أن بينه وبين هذا اليوم كله أمداً بعيداً. بينما هو في مواجهته، آخذ بخناقه، ولات حين خلاص، ولات حين فرار! ثم يتابع السياق الحملة على القلب البشري، فيكرر تحذير الله للناس من نفسه - سبحانه -: {ويحذركم الله نفسه}.. ويذكرهم رحمته في هذا التحذير والفرصة متاحة قبل فوات الأوان: {والله رؤوف بالعباد}.. ومن رأفته هذا التحذير وهذا التذكير. وهو دليل على إرادته الخير والرحمة بالعباد.. وتشي هذه الحملة الضخمة المنوعة الإيماءات والإيحاءات والأساليب والإشارات، بما كان واقعاً في حياة الجماعة المسلمة من خطورة تميع العلاقات بين أفراد من المعسكر المسلم وأقربائهم وأصدقائهم وعملائهم في مكة مع المشركين وفي المدينة مع اليهود. تحت دوافع القرابة أو التجارة.. على حين يريد الإسلام أن يقيم أساس المجتمع المسلم الجديد على قاعدة العقيدة وحدها، وعلى قاعدة المنهج المنبثق من هذه العقيدة.. الأمر الذي لا يسمح الإسلام فيه بالتميع والأرجحة إطلاقاً.. كذلك يشي بحاجة القلب البشري في كل حين إلى الجهد الناصب للتخلص من هذه الأوهاق، والتحرر من تلك القيود، والفرار إلى الله والارتباط بمنهجه دون سواه. والإسلام لا يمنع أن يعامل المسلم بالحسنى من لا يحاربه في دينه، ولو كان على غير دينه.. ولكن الولاء شيء آخر غير المعاملة بالحسنى. الولاء ارتباط وتناصر وتواد. وهذا لا يكون - في قلب يؤمن بالله حقاً - إلا للمؤمنين الذين يرتبطون معه في الله؛ ويخضعون معه لمنهجه في الحياة؛ ويتحاكمون إلى كتابه في طاعة واتباع واستسلام. وأخيراً يجيء ختام هذا الدرس قوياً حازما، حاسماً في القضية التي يعالجها، والتي تمثل أكبر الخطوط العريضة الأساسية في السورة. يجيء ليقرر في كلمات قصيرة حقيقة الإيمان، وحقيقة الدين. ويفرق تفريق حاسماً بين الإيمان والكفر في جلاء لا يحتمل الشبهات: {قل: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم. قل: أطيعوا الله والرسول: فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين}.. إن حب الله ليس دعوى باللسان، ولا هياماً بالوجدان، إلا أن يصاحبه الأتباع لرسول الله، والسير على هداه، وتحقيق منهجه في الحياة.. وإن الإيمان ليس كلمات تقال، ولا مشاعر تجيش، ولا شعائر تقام. ولكنه طاعة لله والرسول، وعمل بمنهج الله الذي يحمله الرسول.. يقول الإمام ابن كثير في التفسير عن الآية الأولى: "هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية. فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأعماله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حديث : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ".. تفسير : ويقول عن الآية الثانية: {قل أطيعوا الله والرسول. فإن تولوا}.. أي تخالفوا عن أمره - {فإن الله لا يحب الكافرين}.. فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله.. ويقول الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيم الجوزية في كتابه: "زاد المعاد في هدى خير العباد": "ومن تأمل في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة وأنه صادق، فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام.. علم أن الإسلام أمر وراء ذلك، وأنه ليس مجرد المعرفة فقط. ولا المعرفة والإقرار فقط. بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهراً وباطناً.." إن هذا الدين له حقيقة مميزة لا يوجد إلا بوجودها.. حقيقة الطاعة لشريعة الله، والاتباع لرسول الله، والتحاكم إلى كتاب الله.. وهي الحقيقة المنبثقة من عقيدة التوحيد كما جاء بها الإسلام. توحيد الألوهية التي لها وحدها الحق في أن تعبد الناس لها، وتطوّعهم لأمرها، وتنفذ فيهم شرعها، وتضع لهم القيم والموازين التي يتحاكمون إليها ويرتضون حكمها. ومن ثم توحيد القوامة التي تجعل الحاكمية لله وحده في حياة البشر وارتباطاتها جميعاً، كما أن الحاكمية لله وحده في تدبير أمر الكون كله. وما الإنسان إلا قطاع من هذا الكون الكبير. وهذا الدرس الأول من السورة يقرر هذه الحقيقة - كما رأينا - في صورة ناصعة كاملة شاملة، لا مهرب من مواجهتها والتسليم بها لمن شاء أن يكون مسلماً. إن الدين عند الله الإسلام.. وهذا - وحده - هو الإسلام كما شرعه الله، لا كما تصوره المفتريات والأوهام..
ابن عاشور
تفسير : لما كان أول أغراض هذه السورة، الذي نزلت فيه، هو قضية مجادلة نصارى نجران حين وفدوا إلى المدينة، وبيان فضل الإسلام على النصرانِيَّة، لا جرم افتتحت بحروف التهجّي، المرموز بها إلى تحدّي المكذّبين بهذا الكتاب، وكان الحظّ الأوفر من التكذيب بالقرآن للمشركين منهم، ثم للنصارى من العَرب؛ لأنّ اليهود الذين سكنوا بلاد العرب فتكلّموا بلسانهم لم يكونوا معدودين من أهل اللسان، ويندر فيهم البلغاء بالعربية مثلُ السَّمَوْأل، وهذا وما بعده إلى قوله: {أية : إن الله اصطفى ءادم ونوحا}تفسير : [آل عمران: 33] تمهيد لِما نزلت السورة بسببه وبراعة استهلال لذلك. وتقدم القول في معاني {آلم} أول البقرة.
الواحدي
تفسير : {الم}. {الله لا إله إلاَّ هو الحيُّ القيوم}. {نزل عليك الكتابَ} أي: القرآن {بالحق} بالصِّدق في إخباره {مصدقاً لما بين يديه} مُوافقاً لما تقدَّم الخبر به في سائر الكتب {وأنزل التوراة والإِنجيل}. {من قبل هدىً للناس وأنزل الفرقان} ما فرق به بين الحقِّ والباطل. يعني: جميع الكتب التي أنزلها. {إنَّ الذين كفروا بآيات الله لهم عذابٌ شديدٌ والله عزيز ذو انتقام} ذو عقوبة. {هو الذي يصوركم} يجعلكم على صورٍ في أرحام الأُمَّهات {كيف يشاء} ذكراً وأنثى، قصيراً وطويلاً، وأسود وأبيض.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- الم، حروف صوتية سيقت لبيان أن القرآن المعجز من هذه الحروف ولتنبيههم فيسمعوا. 2- الله واحد لا إله غيره، وكل ما فى العالم من تنسيق وإبداع يشهد بذلك، وهو الحى الذى لا يموت، القائم بأمر العالم يدبره ويصرفه. 3- نَزَّلَ عليك - يا محمد - القرآن مشتملا على الحق فى كل ما تضمنه من أصول الشرائع السماوية فى الكتب السابقة، ولقد أنزل الله من قبله التوراة على موسى والإنجيل على عيسى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الۤمۤ: تقدم الكلام على مثله من سورة البقرة فليرجع إليه هناك. الله: المعبود بحق. لا إله إلا هو: لا معبود بحق سواه. الحيّ: ذو الحياة المستلزمة للإرادة والعلم والسمع والبصر والقدرة. القيّوم: القيِّم على كل مخلوقاته بالتربية والرعاية والحفظ. الكتاب: القرآن. بالحق: متلبِّساً به إذا كل ما فيه حق وصدق لا باطل فيه بأي وجه من الوجوه. مصدقاً لما بين يديه: من الكتب السابقة لا يخالفها ولا يبطلها لأن مصدر الجميع واحد هو الله تعالى. التوراة: كتاب موسى عليه السلام ومعناه بالعبرية الشريعة. الإنجيل: كتاب عيسى عليه السلام ومعناه باليونانية: التعليم الجديد. الفرقان: ما فرق الله بين الحق والباطل من الحجج القرآنية والمعجزات الإِلهية والعقول النيّرة البشرية التي لم يغلب عليها التقليد والجمود والهوى. يصوركم في الأرحام: التصوير إيجاد الصورة للشيء لم تكن له من قبل، والأرحام جمع رحم: مستودع الجنين. معنى الآيات: أخرج ابن جرير الطبري بأسانيد صحيحة أن وفد نجران والمكون من ستين راكبا فيهم أشرافهم وأهل الحلِّ والعَقْد منهم، وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يحاجّونه في أمر المسيح عليه السلام ويريدون أن يثبتوا الهيّته بالادعاء الباطل فأنزل الله تعالى نيِّفاً وثمانين آية من فاتحة السورة الۤمۤ إلى ما يقارب الثمانين. وذلك رداً لباطلهم، وإقامة للحجة عليهم، وسيلاحظ هذا المتدبر للآيات ويراه واضحاً جليّاً في السياق القرآني في هذه الآيات. فقد قال تعالى الۤمۤ، الله لا إله إلا هو فأخبر أنه تعالى لا معبود بحق إلا هو، فأبطل عبادة المسيح عليه السلام وعبادة كل معبود سوى الله تعالى من سائر المعبودات، وقال الحيّ القيوم فذكر برهان استحقاقه للعبادة دون غيره وهو كونه تعالى حيّاً أزلاً وأبداً وكل حيّ غيره مسبوق بالعدم ويلحقه الفناء، فلذا لا يستحق الألوهية إلا هو عز وجل والمسيح عليه السلام مسبوق بالعدم ويلحقه الفناء فكيف يكون إلهاً؟ وقال تعالى القيوم أي القائم على كل الخلق بالتربية والرعاية والحفظ والتدبير والرزق، وما عداه فليس له ذلك بل هو مربوب مرزوق فكيف يكون إلهاً مع الله؟ ودليل ذلك أنه نزل عليك الكتاب: القرآن بالحق مصحوباً به ليس فيه من الباطل شيء فآياته كلها مثبتة للألوهية لله نافية لها عما سواه، فكيف يكون المسيح إلهاً مع الله أو يكون هو الله، أو ابن الله كما يزعم نصارى نجران وغيرهم من نصارى اليونان والرومان وغيرهم نزله مصدقا لما بين يديه من الكتب التي سبقته لا يخالفها ولا يتناقض معها فدل ذلك أنه وحي الله، وأنزل من قبله التوراة والإِنجيل هدىً للناس وأنزل الفرقان ففرق به بين الحق والباطل في كل ما يلبس أمره على الناس فتبين أن الرب الخالق الرازق المدبر للحياة المحيي المميت الحي الذي لا يموت هو الإِله الحق وما عداه مربوب مخلوق لا حق له في الألوهية والعبادة وإن شفى مريضاً أو أنطق أبكم أو أحيا ميتاً بإذن الله تعالى فإن ذلك لا يؤهله لأن يكون إلهاً مع الله كعيسى بن مريم عليه السلام فإن ما فعله من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء بعض الموتى كان بقدرة الله وإذنه بذلك لعيسى وإلا لما قدر على شيء من ذلك شأنه شأن كل عباد الله تعالى، ولما رد الوفد ما حاجهم به الرسول وأقام به الحجة عليهم تأكذ بذلك كفرهم فتوعدهم الرب تعالى بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} وهذا وعيد شديد لكل من كذب بآيات الله وجحد بالحق الذي تحمَّله من توحيد الله تعالى ووجوب طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} فلو كان هناك من يستحق الألوهية معه لعلمه وأخبر عنه، كما قرر بهذه الجملة أن عزته تعالى لا ترام وأنه على الانتقام من أهل الكفر به لقدير. وذكر دليلاً آخر على بطلان ألوهية المسيح فقال: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} وعيسى عليه السلام قد صُوِّر في رحم مريم فهو قطعاً ممن صور الله تعالى فكيف يكون إذاً إلهاً مع الله أو إبناً لله كما يزعم النصارى؟ وهنا قرر الحقيقة فقال: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} فالعزّة التي لا ترام والحكمة التي لا تخطىء هما مقتضيات ألوهيته الحقة التي لا يجادل فيها إلا مكابر ولا يجاحد فيها إلا معاند كوفد نصارى نجران ومَنْ على شاكلتهم من أهل الكفر والعناد. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير ألوهية الله تعالى بالبراهين ونفي الألوهية عن غيره من سائر خلقه. 2- ثبوت رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بإنزال الله تعالى الكتاب عليه. 3- إقامة الله تعالى الحجة على عباده بإنزال كتبه والفرقان فيها ببيان الحق والباطل في كل شؤون الحياة. 4- بطلان ألوهية المسيح لأنه مخلوق مصور في الأرحام كغيره صوره الله تعالى ما شاء فكيف يكون بعد ذلك إلها مع الله أو ابناً له تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
القطان
تفسير : القيوم: القائم على كل شيء. الفرقان: القرآن، لانه يفرق بين الحق والباطل. ألف لام ميم: وردت هذه الأحرف في فاتح عدد من السور، وقد قدمنا الكلام عليها في أول سورة البقرة. والرأي المرجح أنها جاءت في أوائل السور لتنبيه المخاطبين الى ما يلقى بعدها من حديث يستدعي العناية بفهمه. روى الطبري في تفسيره ان الله عز وجل أخبر عباده ان الألوهية خاصة به دون ما سواه، وان العبادة لا تجوز الا له. وقد افتتح السورة بنفي الألوهية عن غيره احتجاجاً منه على طائفة من النصارى، قدمِتْ على رسول الله من نجران. وكانوا ستين راكباً فيهم اربعة عشر رجلاً من اشرافهم، أميرهم العاقب، واسمه عبد المسيح، وهو صاحب مشورتهم الذي لا يصُدرون الا عن رأيه. وكان منهم أبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، أسقفهم وحبرهم وإمامهم, ولقد قدموا الى المدينة، فدخلوا مسجد الرسول حين صلى العصر. وحانت صلاتهم فقاموا يصلّون في مسجد النبي، فقال لأصحابه دعوهم. فصلّوا الى المشرق. فقام رؤساؤهم وكلّموا رسول الله في شأن المسيح، وانه هو الله، وابن الله، وثالث ثلاثة. فقال لهم النبي: ألستم تعلمون انه لا يكون ولد الا وهو يشبه أباه؟ قالوا بلى. قال: ألستم تعلمون ان ربنا حي لا يموت، وان عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون ان ربنا قيّم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه. قالوا: بلى، قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟ قالوا: لا، قال: أفلستم تعلمون ان الله عز وجل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. قالوا: بلى، قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا الا ما عُلِّم؟ قالوا: لا، قال: فان ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء، فهل تعلمون ذلك؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون ان ربنا لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب ولا يُحدث الحدث؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون ان عيسى حملته امرأة كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غُذي كما يغذّى الصبي، ثم كان يَطعم الطعام، ويشرب الشراب، ويُحدث الحدث؟ قالوا: بلى، قال فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ قال: فعرفوا ثم أبَوا الا جحودا. فأنزل الله عز وجل {الۤمۤ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} الى بضع وثمانين آية كما سيأتي. والمعنى ان الله واحد لا آله غيره، وكل ما في العالم من تنسيق وإبداع يشهد بذلك. وهو الحي الذي لا يموت، القائم بأمر هذا العالم يدبّره ويصرّفه. ولقد نزّل الله عليك يا محمد القرآن مشتملاً على جميع أصول الشرائع السماوية في الكتب السابقة، ومصدّقا لها. وأنزل من قبله التوراة على موسى والانجيل على عيسى، لهداية الناس. فلما انحرفوا عنهما أنزل الفرقان فارقاً بين الحق والباطل، ومبيناً الرشد من الغي. انه الكتاب الصادق الدائم. اما الذين كفروا بآيات الله الناطقة بتوحيده وتنزيهه عما لا يليق بشأنه الجليل، فقد كذّبوا بالقرآن أولاً ثم بسائر الكتب تبعاً لذلك. فلهم عذاب شديد. قراءات: قرأ أبو عمرو وابن ذكوان والكسائي، "التوراة" بالإمالة في جميع القرآن. وقرأ نافع وحمزة بين اللفظين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ألِف. لاَم. مِيم}. (1) - وَتُقْرَأ مُقَطَّعَةً كُلُّ حَرْفٍ عَلَى حِدَةٍ. سَبَقَتِ الإِشَارَةُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ إلى شَرْحِ مَعَانِي الحُروفِ الوَارِدَةِ فِي أوَائِلِ السُّورِ، وَنَعُودُ فَنَقُولُ إنَّهُ مِنَ الأفْضَل أنْ نَقُولَ: اللهُ أعْلَمُ بِمُرَادِهِ.
الثعلبي
تفسير : أخبرنا محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر الزبير، ومحمد بن مروان عن الكلبي، وعبد اللّه بن أبي جعفر الرازي عن أبيه عن الربيع بن أنس، قالوا: نزلت هذه في وفد نجران، وكانوا ستين راكباً قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلَّم وفيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، وفي الاربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم العاقب، وهو أميرهم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدَّرون عن رأيه، واسمهُ عبد المسيح. والسيَّد (عالمهم) وصاحب رحلهم واسمه (الأيْهم ويقال: شرحبيل) وأبو حارثة بن علقمة الذي يعتبر حبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم، وكان قد شرف فيهم ودرَّس كهنتهم من حسن عمله في دينهم، وكانت ملوك الروم قد شرّفوه (وموّلوه وبنو له) الكنائس لعلمه واجتهاده. فقدموا على رسول اللّه المدينة ودخلوا مسجدهُ حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرة وأردية مكفوفة بالحديد، في جمال رجال بلحرث بن كعب، يقول بعض مَن رآهم من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلَّم: ما رأينا وفداً مثلهم! وقد حانت صلاتهم فقاموا وصلَّوا في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلَّم وصلَّوا الى المشرق. فكلَّم السيد والعاقب رسوال اللّه. فقال رسوال اللّه صلى اللّه عليه وسلَّم: أسلمنا. قالا: قد أسلمنا قبلك، قال: كذبتما؛ يمنعكما من الإسلام (ادَّعاءكما) لله ولداً، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير. قالا: إن لم يكن ولد لله فمن (أبيه) وخاصموه جميعاً في عيسى عليه السلام، فقال لهما النبي صلى اللّه عليه وسلم: (إنّه لا يكون ولد إلاّ وشبه أباه. قالوا: بلى، قال: ألستم) تعلمون أن ربَّنا حيٌ لا يموت وإنَّ عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أنَّ ربَّنا قيّم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى. قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون إن اللّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى. قال: فهل يعلم عيسى من ذلك إلاّ ما عُلَّم؟ قالوا: لا. قال: فإنّ ربَّنا صوَّر عيسى في الرحم كيف شاء وربّنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث؟ قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون إنّ عيسى حملتهُ أمهُ كما تحمل المرأة، ثم وضعتهُ كما تضع المرأة حملها، ثم غذي كما يغذى الصبي، وكان يُطعم ويشرب ويُحدث، قالوا: بلى. قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فسكتوا. فأنزل اللّه تعالى فيهم صدر سورة آل عمران الى بضع وثمانين آية منها. فقال عزَّ من قائل: {الۤمۤ} قرأ ابن جعفر بن زبير القعقاع المدني {ا ل م} مفصولاً، ومثلها جميع حروف التهجَّي المُفتح بها السور. وقرأ ابن جعفر الرواسي والاعشى والهرحمي: {الۤمۤ ٱللَّهُ} مقطوعاً والباقون موصولاً مفتوح الميم. فمن فتح الميم ووصل فله وجهان: قال البصريون: لإلتقاء الساكنين حركت إلى أخف الحركات. وقال الكوفيون: كانت ساكنة؛ لأن حروف الهجاء مبنية على الوقف فلمّا تلقاها ألف الوصل وأدرجت الألف فقلبت حركتها وهي الفتحة الى الميم. ومن قطع فلهُ وجهان: أحدهما: نية الوقف ثم قطع الهمزة للإبتداء، كقول الشاعر: شعر : لتسمعنَّ وشيكاً في ديارهم اللّه أكبر يا ثاراث عثمانا تفسير : والثاني: أن يكون أجراه على لغة من يقطع ألف الوصل. كقول الشاعر: شعر : إذا جاوز الأثنين سرَّ فإنه بنت وتكثير الوشاة قمينُ تفسير : ومن فصل وقطع فللتفخيم والتعظيم تعالى {اللَّهِ} إبتداء وما بعده خبر، {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} نعت له، {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} قرأ إبراهيم بن أبي عبلة: نزل بتحفيف [الزاي]، الكتاب: برفع الباء، وقرأ الباقون: بتشديد الزاي ونصب الباء على التكثير؛ لأنَّ القرآن كان ينزل نجوماً شيئاً بعد شيء والتنزيل يكون مرّة بعد مرَّة، وقال: {وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ}؛ لأنهما نزلتا دفعة نزل عليك يا محمد الكتاب القرآن {بِٱلْحَقِّ}: بالعدل، والصدق، {مُصَدِّقاً}: موافقاً { لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}: لما قبله من الكتب في التوحيد، والنبوَّات، والأخبار، وبعض الشرائع. {وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} قال البصريون: أصلها وَوْديه دوجله وحرقله فحوَّلت الواو الاولى تاء وجعلت الياء المفتوحة ألفاً فصارت توراة، ثم كتبت بالياء على أصل الكلمة، وقال الكوفيون: هي تفعله والعلة فيه ما ذكرنا مثل (توصية)، و(توفية) فقلبت الياء ألفاً كما يفعل طي، فيقول للجارية: جاراة، وللناصية: ناصاة، وأصلها من قولهم: "وري الزند" إذا أخرجت ناره وأولته أنا، قال اللّه عز وجل: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ} تفسير : [الواقعة: 71]، وقال: {أية : فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً} تفسير : [العاديات: 2] فتسمى تورية؛ لأنه نور وضياء دلَّ عليه قوله تعالى: {أية : وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الأنبياء: 48] قاله الفراء، وأكثر العلماء، وقال (المؤرج: ) هي من التورية وهي كتمان الشيء والتعريض لغيره. ومن الحديث كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلَّم "حديث : إذا أراد شيئاً وري بغيره ". تفسير : وكان أكثر التورية معارض وتلويحاً من غير إيضاح وتصريح، وقيل: هي بالعبرانية "نوروثو" ومعناه: الشريعة. والإنجيل أفضل من (النجل) وهو الخروج، ومنه سميَّ الولد "نجلاً" لخروجه. قال الأعشى: شعر : أنجب أزمان والداه به اذ نجَّلاه فنعم ما نجلا تفسير : فسمي بذلك؛ لأن اللّه تعالى أخرج به دارساً من الحق عافياً. ويقال: هو من المتنجل، وهو سعة الجن، يقال: قطعنه نجلا أي: واسعة فسمي بذلك؛ لأنه أصل أخرجه لهم ووسعه عليهم نوراً وضياء، وقيل: هو بالسريانية "انقليون" ومعناه: الشريعة: وقرأ الحسن الأنجيل بفتح الهمزة، يصححه الباقون بالكسر مثل: الإكليل. {مِن قَبْلُ} رفع على الغاية والغاية هاهنا قطع الكتاب عنه كقوله تعالى: {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} وقال زهير: شعر : وما كان من خير أتوه فإنّما توارثه آباء آبائهم قبل تفسير : {هُدًى لِّلنَّاسِ} هاد لمن تبعه، ولم ينته؛ لأنَّه مصدر وهو في محل النصب على الحال والقطع. {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ} الفرق بين الحق والباطل، قال السدي: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: وأنزل التوراة والانجيل والفرقان هدىً للمتقين. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} . {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} . {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} ذكراً وأنثى، قصيراً وطويلاً، أسوداً وأبيضاً، حسناً وقبيحاً، سعيداً وشقياً. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}. {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} متقنات مبينات مفصلات. {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} أي أصله الذي يعمل عليه في الأحكام ويجمع الحلال والحرام ويفرَّغ لأهل الإسلام، وهنَّ آيات التوراة والإنجيل والقرآن، وفي كل كتاب يرضى به أهل كل دين، ولا يختلف فيه أهل كل بلد. والعرب تسمي كلَّ شيء فاضل جامع يكون مرجعاً لقوم، كما قيل للَّوح المحفوظ: أم الكتاب، والفاتحة: أمُّ القرآن، ولمكَّه: أمَّ القرى وللدماغ: أمُّ الرأس، وللوالدة: أم، وللراية: أم،وللرجل الذي يقوم بأمر العيال: أم، وللبقرة والناقة أو الشاة التي يعيش بها أهل الدار: أم، وكان عيسى (عليه السلام) يقول: "للماء هذا أبي"، وللخبز: "هذه أُمَّي"؛ لأنَّ قوام الأبدان بهما. وإنَّما قال أُمَّ الكتاب ولم يقل أُمَّهات الكتب ؛ لأنَّ الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة، وكلام اللّه واحدٌ. وقيل: معناه كلمة واحدة فهُنَّ أُمَّ الكتاب كما قال: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً}تفسير : [المؤمنون: 50] أي كل واحد منهما آية. {وَأُخَرُ}: جمع أخرى ولم يصرف؛ لأنَّه معدول عن أواخر، مثل عُمر، وزفر وهو قاله الكسائي. وقيل: ترك أخراه؛ لانَّه نعت مثل جُمع، وكُسع لم يصرفا؛ لأنَّهما نعتان. وقيل: لأنَّه مبني على واحدة في ترك الصرف وواحدة اخرى غير مصروف. {مُتَشَابِهَاتٌ}: تشبه بعضها بعضا، واختلف العلماء في المحكم والمتشابه كليهما فقال قتادة والربيع والضحاك والسدي: "المحكم: الناسخ الذي يُعمل له". "والمتشابه: المنسوخ الذي يؤمن به ولا يعمل به، هي رواية عطيه عن ابن عباس". روى علي ابن أبي طلحة عنه قال: "محكمات القرآن ناسخة، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يؤمر به ويعمل به". والمتشابه: منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله واقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به. زهير بن معاوية عن أبي إسحاق قال: قال ابن عباس: قوله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} قال: هي الثلاث الآيات في سورة الأنعام {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}تفسير : [الأنعام: 151] إلى آخر الآيات الثلاث، نظيرها في سورة بني اسرائيل {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}. تفسير : وقال مجاهد، وعكرمة: "المحكم: ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك متشابه (يصدَّق) بعضها بعضا". قد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: المحكم: مالا يُحتمل من التأويل غير وجه واحد. والمتشابه: ما أحتمل من التأويل أوجهاً. وقال ابن زبير: من المحكم ما ذكر اللّه تعالى في كتابه من قصص الانبياء (عليهم السلام)، وفصلت وتنتهِ لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمَّته، كما ذكر قصة نوح في أربع وعشرين آية منها، وقصة هود في عشر آيات، وقصّة صالح في ثمان آيات، وقصة إبراهيم في ثمان آيات، وقصة لوط في ثمان آيات، وقصة شعيب في عشر آيات، وقصة موسى في آيات كثيرة. وذكر (آيات) حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في أربع وعشرين آية. والمتشابه: هو ما اختلف به الالفاظ من قصصهم عند التكرير، كما قال في موضع من قصة نوح: {أية : قُلْنَا ٱحْمِلْ} تفسير : [هود: 40] وقال وفي موضع آخر: {أية : فَٱسْلُكْ} تفسير : [المؤمنون: 27]. وقال في ذكر عصا موسى: {أية : فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 20] ، وقال في موضع آخر: {أية : ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} تفسير : [الأعراف: 107] ونحوها. وإن بعضهم قال: "المحكم: ما عرف العلماء تأويله، وفهموا معناه". "والمتشابه: ما ليس لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر اللّه بعلمه" وذلك نحو الخبر عن وقت خروج الدجّال، ونزول عيسى، وطلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدَّنيا، ومحوها. وقال أبو فاختة: "المحكمات التي هنَّ أم الكتاب فواتح السور منها يستخرج القرآن {أية : الۤمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} تفسير : [البقرة: 1-2] منها استخرجت البقرة، و {أية : الۤمۤ * ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 1-2] أستخرجت آل عمران. وقال ابن كيسان: "المحكمات حجتها واضحة، ودلائلها لائحة، لا حاجة بمن سمعها الى طلب معانيها في المتشابه الذي شك علمه، بالنظر فيه يعرف العوَّام تفصيل الحق فيه من الباطل". وقال بعضهم: "المحكم ما أجمع على تأويله، والمتشابه ما ليس معناه واضح". وقال أبو عثمان: المحكم فاتحة الكتاب. وقال الشعبي: رأيتُ في بعض التفاسير أنَّ المتشابه هو (ما خفي لفظه والمحكم ما كان لفظه واضح وعلى هذا القرآن كلّه) محكم من وجه على معنى (بشدَّة) [.....]، قال اللّه تعالى: {أية : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} تفسير : [هود: 1] . والمتشابه من وجه فهو إنَّه يشبه بعضه بعضاً في الحسن ويصدق بعضه بعضاً. وقال ابن عبَّاس في رواية شاذان: المتشابه حروف التهجَّي في أوائل السَّور، وذلك بأنَّ حكام اليهود هم حُيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف ونظراءهما أتوا النبي صلى اللّه عليه وسلَّم فقال له حيَّي: بلغنا أنَّه أُنزل عليك (آلم) أأُنزلت عليك؟ قال: نعم، فإن كان ذلك حقَّاً فإنَّي أعلم من هلك بأُمَّتك وهو إحدى وسبعون سنة فهل أنزلت عليك غيرها؟ قال: نعم والى {أية : الۤمۤصۤ} تفسير : [الأعراف: 1] ، قال: هذه أكبر من تلك هي إحدى وستون ومائة سنة فربما غيرها؟ قال: نعم {أية : الۤر} تفسير : [يونس: 1] قال: هذه أكثر من مائة وسبعون سنة ولقد خلطت علينا فلا ندري أبكثيره نأخذ أم بقليلة؟ ونحن ممَّن لا يؤمن بهذا، فأنزل تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ}: أي ميل عن الحق، وقيل: شك. {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْه}: إختلفوا في معنى هذه الآية، فقال الربيع: هم وفد نجران خاصموا النبي صلى اللّه عليه وسلَّم وقالوا: ألست تعلم أنَّه كلمة اللّه وروح منه؟ قال: بلى، قالوا: فحسبنا ذلك، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. وقال الكلبي: هم اليهود [أجهل] هذه الأمَّة باستخراجه بحساب الجمل. وقال ابن جري: هم المنافقون. [قال] الحسن: هم الخوارج. وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} قال: إن لم يكونوا آخرون فالسبابيَّة ولا أدري من هم. وقال بعضهم: هم جميع المُحدثة. وروي حمَّاد بن سلمة وأبو الوليد يزيد بن أبي ميثم وأبوه جميعاً عن عبد اللّه بن أبي مليكة الفتح عن عائشة: أنَّ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم قرأ هذه الآية: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} فقال صلَّى اللّه عليه وسلَّم: "حديث : إذا رأيتم الَّذين يسألون عمَّا تشابه منه ويجادلون فيه الَّذين عنى اللّه عزَّ وجل فاحذروهم ولا تخالطوهم ". تفسير : {ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ}: طلب الشرك قالهُ الربيع، والسدي، وابن الزبير، ومجاهد: ابتغاء الشبهات واللبس ليضلّوا بها جهّالهم. {وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}: تفسيره وعلمهُ دليله قوله تعالى: {أية : سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} تفسير : [الكهف: 78] . وقيل: ابتغاء عاقبته، وطلب مدة أجل محمَّد، وامته من حساب الجمل، دليله قوله تعالى {أية : ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} تفسير : [النساء: 59] أي عاقبته، وأصلهُ من قول العرب: تأول الفتى إذا انتهى. قال: الأعشى: شعر : على أنّها كانت تأوّل جها تأوّل ربعي السقاب فأصحبا تفسير : يقول: هذا السجيُ لها فانقرت لها وابتغتها، قال اللّه تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} واختلف العلماء في نظم هذه الآية وحكمها. فقال قوم: الواو في قوله {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} واو العطف، يعني أن تأويل المتشابه يعلمهُ اللّه ويعلمهُ الراسخون في العلم وهم مع علمهم يقولون: {آمَنَّا بِهِ}. وهو قول مجاهد والربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، واختيار القتيبي قالوا: معناها يعلمونه ويقولون آمنا به فيكون قوله: يقولون، حالاً والمعنى: الراسخون في العلم قائلين آمنَّا به. قال ابن المفرغ الحميري: شعر : أضربت حبك من امامه من بعد أيام برامه الريح تبكي شجوها والبرق يلمعُ في الغمامة تفسير : أراد والبرق لامعاً في غمامه وتبكي شجوه أيضاً، ولو لم يكن البرق يشرك الريح في البكاء لم يكن لذكر البرق ولمعانهُ معنى. ودليل هذا التأويل قولهُ: {أية : مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [الحشر: 7]. ثم قال: {أية : لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ} تفسير : [الحشر: 8] الآية. ثم قال: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ} تفسير : [الحشر: 9]: أي والذين تبؤوا الدار، ثم قال: {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} تفسير : [الحشر: 10]: . ثم أخبر عنهم أنَّهم {أية : يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا} تفسير : [الحشر: 10] الآية. ولا شك في أنَّ قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} تفسير : [الحشر: 10]عطف على قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ} تفسير : [الحشر: 9]، وانَّهم يشاركون للفقراء المهاجرين والأنصار في الفيء و {أية : يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا} تفسير : [الحشر: 10] من جملة {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} تفسير : [الحشر: 10]. فمعنى الآية {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} تفسير : [الحشر: 10] وهم مع استحقاقهم الفيء {أية : يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا} تفسير : [الحشر: 10] أي قائلين على الحال. فكذلك هاهنا في {أية : يَقُولُونَ رَبَّنَا} تفسير : [الحشر: 10] أي ويقولون آمنا به. ومما يؤيد هذا القول أنَّ اللّه تعالى لم ينزل كتابه إلاّ لينتفع له مبارك، ويدل عليه على المعنى الذي ارادهُ فقال: {أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ} تفسير : [ص: 29]، وقال: {أية : بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} تفسير : [الشعراء: 195]. والمبين الظاهر، وقال: {أية : بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ} تفسير : [الأعراف: 52] . فوصف جميعهُ بالتفصيل والتبيين وقال: {أية : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} تفسير : [النحل: 44] . ولا يجوز أن تبَّين مالا يعلم، وإذا جاز أن يعرفهُ الرسول صلى اللّه عليه وسلَّم مع قوله لا يعلمهُ إلاّ اللّه، جاز أن يعرفهُ الربانيون من أصحابه. وقال: {أية : ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 3] ولا تؤمر باتَّباع مالا يُعلم؛ ولأنَّه لولم يكن للراسخين في العلم هذا لم يكن لهم على المعلمين والجهال فضلُ؛ لأنهم ايضاً يقولون آمنا به. {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}: ولأنَّا لم نر من المفسرين على هذه الغاية [قوماً] يوفقوا عن شيء من تفسير القرآن وقالوا: هذا متشابه لا يعلمهُ إلاّ اللّه، بل أعزوه كله وفسروه حتى حروف التهجي وغيرها. وكان ابن عباس يقول: في هذه الآية: أنا من الراسخين في العلم. وقرأ مجاهد هذه الآية وقال: أنا ممّن يعلم تأويله. وروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: كل القرآن أعلم ولا أعلم أربعة: غسلين، وحناناً، والاوَّاه، والترقيم. وهذا إنَّما قال ابن عباس في وقت ثم علمها بعد ذلك وفسرَّها. وقال آخرون: الواو في قوله {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} واو الاستئناف وتم الكلام، وانقطع عند قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} . ثم ابتدأ وقال: {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} تلا {وَٱلرَّاسِخُونَ} مبتدأ وخبره في يقولون، وهذا قول عائشة وعروة بن الزبير، ورواية طاوس عن ابن عباس، واختيار الكسائي والفراء والمفضَّل بن سلَّمة ومحمد بن جرير قالوا: إنَّ الراسخين لا يعلمون تأويله، ولكنهم يؤمنون به. والآية راجعة على هذا التأويل الى العلم بما في أجَلَ هذه الأمة ووقت قيام الساعة، وفناء الدنيا، ووقت طلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى (عليه السلام)، وخروج الدجال، ويأجوج ومأجوج، وعلم الروح ونحوها مما إستأثر اللّه بعلمه ولم يطلع عليه أحد من خلقه. وقال بعضهم: [إعلم أنّ المتشابه من الكتاب قد] أستأثر اللّه بعلمه دوننا، ونفسّره نحنُ، ولم نتعبد بذلك. بل ألزمنا العمل بأوامره وإجتناب نواهيه، ومما يصدَّق هذا القول قراءة عبد اللّه أنَّ تأويلهُ لا يُعلم إلاّ عند اللّه، والراسخون في العلم يقولون آمنا به. وفي حرف [ ]) الراسخون في العلم آمنَّا به. ودليله أيضاً ما روَّي عن عمر بن عبد العزيز، إنَّه قرأ هذه الآية ثم قال: انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن الى أن قالوا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}. وقال أبو نهيك الأسدي: إنَّكم تصلون هذه الآية وإنَّها مقطوعة وهذا القول أقيس العربَّية وأشبه مظاهر الآية والقصة واللّه أعلم. والراسخون: الداخلون في العلم الذين أتقنوا علمهم، واستنبطوه فلا يدخلهم في معرفتهم شك، وأصله من رسوخ الشيء في الشيء وهو ثبوته وأوجب فيه يُقال: (رسخ الإيمان في قلب فلان) فهو يرسخ رسخاً ورسوخاً وكذلك في كل شيء ورسخ رصخ، وهذا كما يُقال: مسلوخ ومصلوخ قال الشاعر: شعر : لقد رسخت في القلبِ منك مودة للنبي أبتْ آياتها أن تغيرا تفسير : وقال بعض المفسّرين من العلماء: الراسخون علماً: مؤمني أهل الكتاب، مثل عبد اللّه بن سلام و [ابن صوريا وكعب]. [قيل: ] الراسخون في العلم هم بعض الدارسين علم التوراة. وروي عن أنس بن مالك [وأبي الدرداء وأبي أمامة]: حديث : أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سُئل مَنْ الراسخون في العلم؟ فقال: "منْ برَّت يمينهُ، وصدق لسانهُ واستقام قلبهُ، وعف بطنهُ وفرجهُ، فذلك الراسخ في العلم" . تفسير : وقال وهيب: سمعتُ مالك بن أنس يُسأل عن تفسير قولهِ {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} من هم؟ قال: العالم العامل بما علم تبع له. وقال نافع بن يزيد: كما أن يُقال الراسخون في العلم المؤمنون بالله، المتذللون في طلب مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم، ولا [يحقّرون] من دونهم. وقال بعضهم: {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ}: من وجد في عملهِ أربعة أشياء: التقوى بينهُ وبين اللّه تعالى، والتواضع بينهُ وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينهُ وبين نفسهُ. وقال ابن عباس ومجاهد والسدي بقولهم: (آمنا به) سمّاهم اللّه تعالى: الراسخين في العلم؛ فرسوخهم في العلم قولهم: آمنا به أي بالمتشابه {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، ما علمناه وما لم نعلمهُ. قال المبرد: زعم بعض الناس أن (عند) ههنا صلة ومعناهُ كل من ربَّنا. {وَمَا يَذَّكَّرُ}: يتعظ بما في القرآن. {إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}: ذووا العقول ولبَّ كل شيء خالصه [فلذلك قيل للعقل لب].
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وجاءت أيضاً في سور أخرى، في سورة العنكبوت، وفي سورة الروم، ولقمان، والسجدة، وزاد عليها راءً في بعض السور، وزاد عليها صاداً في بعض السور "المص" و"المر" كل ذلك جاء تأكيداً للمعاني أو تأكيداً للسر الذي وضعه الله في هذه الحروف، وإن لم نكن ندرك ذلك السر. والإنسان ينتفع بأسرار الأشياء التي وضعها مَنْ أوجد الأشياء وإن لم يعلم هذه الأشياء فهو منتفع بها، وضربنا المثل وقلنا: إن الريفي الذي ليس عنده ثقافة في الكهرباء، أيستفيد بالكهرباء أم لا؟ إنه يستفيد بها ويحرك زر المصباح لينيره أو ليطفئه، أهو يعلم سر ذلك؟ لا، لكنه إنما انتفع به، فكذلك المؤمن حين يقول: "ألف - لام - ميم"، يأخذ سرها من قائلها، فهمها أم لم يفهمها، إذن فالمسألة لا تحتاج إلى أن نفلسفها، صحيح أن العقل البشري يحوم حول شيء ليستأنس به، ولكن عطاء الله وحكمة العطاء فوق ما يُسْتأنسُ به وفوق ما نستوحش به. وقول الحق سبحانه في ختام سورة البقرة: {أية : فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 286] يناسب أيضاً سورة آل عمران، لماذا؟ لأن الإسلام سيأتي ليواجه معسكر كفر ومعسكر أهل الكتاب، فحتى لا تتشقق دعوة الله التي صدرت عن الله بمواكب الرسل جميعاً الذين سبقوا محمداً صلى الله عليه وسلم وأن هذا جاء ليناقض شيئاً منه، إنه قد جاء ليعزز دعوة الله، ولتكون هذه الأمم التي تبعت هذه الديانات في صف الإسلام. ولذلك حينما أنكر العرب رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله لهم: "ومَنْ عنده علم الكتاب" أي أن من عنده علم الكتاب يشهد أنك رسول الله. {أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [الرعد: 43]. فكان المفروض في أهل الكتاب أنهم حينما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكونوا هم أول المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه جاء ليؤكد موكب الإيمان ويأتي لهم بسورة يسميها آل عمران حتى يعلم الجميع أنك يا محمد لم تأتي لتهدم ديانة عيسى، ولكن لتبقى ديانة عيسى ولتؤيد ديانة عيسى، فإن كنتم يا من آمنتم بعيسى مؤمنين بعيسى فاهرعوا حالاً إلى الإيمان بمحمد؛ فقد سماها الله آل عمران، وجعل لهم سورة في القرآن. إن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لم تأت للعصبية، أو لتمحو ما قبلها كما تأتي عصبيات البشر حين يأتي قوم على أنقاض قوم، ويهدمون كل ما يتصل بهؤلاء القوم حتى التاريخ يمحونه، والأشياء يمسخونها؛ لأنهم يريدون أن ينشئوا تاريخاً جديداً. لا، إن هذا القرآن يريد أن يصوب التاريخ، فيأتي بسورة اسمها "آل عمران" وذلك تكريم عال لهذه الديانة ولتابعيها. وبعد ذلك يأتي الحق فيستهلها: بقوله جل شأنه: {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ...}.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {ٱلْحَيُّ} الباقي الدائم الذي لا يفنى ولا يموت {ٱلْقَيُّومُ} القائم على تدبير شئون العباد {يُصَوِّرُكُمْ} التصوير: جعل الشيء على صورة معينة أي يخلقكم كما يريد {ٱلأَرْحَامِ} جمع رحم وهو محل تكوّن الجنين {مُّحْكَمَاتٌ} المحكم: ما كان واضح المعنى قال القرطبي: "المحكم ما عُرف تأويله وفهم معناه وتفسيره، والمتشابه: ما لم يكن لأحدٍ إِلى علمه سبيل مما استأثر تعالى بعلمه دون خلقه مثل الحروف المقطعة في أوائل السور، هذا أحسن ما قيل فيه" {أُمُّ ٱلْكِتَابِ} أصل الكتاب وأساسه وعموده {زَيْغٌ} ميلٌ عن الحق يقال: زاغ زيغاً أي مال ميلاً {تَأْوِيلِهِ} التأويل: التفسير وأصله المرجع والمصير من قولهم آل الأمر إِلى كذا إذا صار إِليه {وَٱلرَّاسِخُونَ} الرسوخ: الثبوت في الشيء والتمكن منه قال الشاعر: شعر : لقد رسخت في القلب مني مودّة لليلى أبت أيامُها أن تغَيّرا تفسير : سَبَبُ النّزول: نزلت هذه الآيات في وفد نصارى نجران وكانوا ستين راكباً، فيهم أربعة عشر من أشرافهم ثلاثةً منهم أكابرهم "عبد المسيح" أميرهم و "الأيهم" مشيرهم و "أبو حارثة بن علقمة" حبرُهم، فقدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فتكلم منهم أولئك الثلاثة معه فقالوا تارةً عيسى هو "الله" لأنه كان يحيي الموتى، وتارةً هو "ابن الله" إِذ لم يكن له أب، وتارة إِنه "ثالث ثلاثة" لقوله تعالى "فعلنا وقلنا" ولو كان واحداً لقال "فعلتُ وقلتُ" فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألستم تعلمون أن ربنا حيٌّ لا يموت وأن عيسى يموت!! قالوا: بلى، قال ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إِلا ويشبه أباه!! قالوا بلى، قال ألستم تعلمون أن ربنا قائم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه فهل يملك عيسى شيئاً من ذلك؟ قالوا: لا، قال ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل يعلم عيسى شيئاً من ذلك إِلا ما علم؟ قالوا: لا، قال ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث وأن عيسى كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث!! قالوا بلى فقال صلى الله عليه وسلم فكيف يكون كما زعمتم؟ فسكتوا وأبوا إِلا الجحود فأنزل الله من أول السورة إِلى نيفٍ وثمانين آية. التفسِير: {الۤمۤ} إِشارة إِلى إِعجاز القرآن وأنه منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية وقد تقدّم في أول البقرة {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا ربَّ سواه ولا معبود بحقٍ غيره {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} أي الباقي الدائم الذي لا يموت، القائم على تدبير شئون عباده {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} أي نزّل عليك يا محمد القرآن بالحجج والبراهين القاطعة {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي من الكتب المنزّلة قبله المطابقة لما جاء به القرآن {وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ} أي أنزل الكتابين العظيمين "التوراة" و "الإِنجيل" من قبل إِنزال هذا القرآن هداية لبني إِسرائيل {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ} أي جنس الكتب السماوية لأنها تفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وقيل: المراد بالفرقان القرآنُ وكرّر تعظيماً لشأنه {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي جحدوا بها وأنكروها وردّوها بالباطل {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي عظيم أليم في الآخرة {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} أي غالب على أمره لا يُغلب، منتقم ممن عصاه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} أي لا يغيب ولا يغرب عن علمه أمرٌ من الأمور، فهو مطَّلع على كل ما في الكون لا تخفى عليه خافية {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} أي يخلقكم في أرحام أمهاتكم كما يشاء من ذكرٍ وأنثى، وحَسن وقبيح {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي لا ربّ سواه، متفردٌ بالوحدانية والألوهية، العزيز في ملكه الحكيم في صنعه، وفي الآية ردٌّ على النصارى حيث ادعوا ألوهية عيسى فنبّه تعالى بكونه مصوّراً في الرحم، وأنه لا يعلم الغيب على أنه عبد كغيره من العباد {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} أي أنزل عليك يا محمد القرآن العظيم {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} أي فيه آيات بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها ولا غموض كآيات الحلال والحرام، هنَّ أصل الكتاب وأساسه {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} أي وفيه آيات أُخَر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس، فمن ردّ المتشابه إِلى الواضح المحكم فقد اهتدى، وإِن عكس فقد ضلّ ولهذا قال تعالى {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} أي فأمّا من كان في قلبه ميلٌ عن الهدى إِلى الضلال فيتبع المتشابه منه ويفسّره على حسب هواه {ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} أي طلباً لفتنة الناس في دينهم، وإِيهاماً للأتباع بأنهم يبتغون تفسير كلام الله، كما فعل النصارى الضالون حيث احتجوا بقوله تعالى في شأن عيسى {أية : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} تفسير : [النساء: 171] على أن عيسى ابن الله أو هو جزء من الله فادعوا ألوهيته وتركوا المحكم وهو قوله تعالى {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} تفسير : [الزخرف: 59] الدالّ على أنه عبد من عباد الله ورسول من رسله {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} أي لا يعلم تفسير المتشابه ومعناه الحقيقي إِلا الله وحده {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} أي الثابتون المتمكنون من العلم يؤمنون بالمتشابه وأنه من عند الله {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} أي كلٌ من المتشابه والمحكم حقٌ وصدق لأنه كلام الله، قال تعالى {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} أي ما يتعظ ويتدبر إِلا أصحاب العقول السليمة المستنيرة {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} أي لا تُمِلْها عن الحق ولا تضلّنا {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} أي بعد أن هديتنا إِلى دينك القويم وشرعك المستقيم {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً} أي امنحنا من فضلك وكرمك رحمةً تثبتنا بها على دينك الحق {إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ} أي أنت يا رب المتفضل على عبادك بالعطاء والإِحسان {رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} أي جامع الخلائق في ذلك اليوم الرهيب "يوم الحساب" الذي لا شك فيه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} أي وعدك حق وأنت يا رب لا تخلف الموعد، كقوله تعالى {أية : ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 87]؟! البَلاَغَة: 1- {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} عبّر عن القرآن بالكتاب الذي هو اسم جنس إِيذاناً بكمال تفوقه على بقية الكتب السماوية كأنه هو الحقيق بأن يطلق عليه اسم الكتاب. 2- {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} كناية عمّا تقدمه وسبقه من الكتب السماوية فسمى ما مضى بين يديه لغاية ظهوره واشتهاره. 3- {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ} أي أنزل سائر ما يفرق بين الحق والباطل فهو من باب عطف العام على الخاص حيث ذكر أولاً الكتب الثلاثة ثم عمَّ الكتب كلها لإِفادة الشمول مع العناية بالخاص. 4- {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} قال الشريف الرضي: هذه استعارة والمراد بها أن هذه الآيات جماع الكتاب وأصله فهي بمنزلة الأم له، وكأنَّ سائر القرآن يتبعها أو يتعلق بها كما يتعلق الولد بأمه ويفزع إِليها في مهمه. 5- {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} وهذه استعارة والمراد بها المتمكنون في العلم تشبيهاً برسوخ الشىء الثقيل في الأرض الخوَّارة وهو أبلغ من قوله والثابتون في العلم. الفوَائِد: الأولى: روى مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} الآية ثم قال: "حديث : إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّاهم الله فاحذروهم ". تفسير : الثانية: قال القرطبي: أحسن ما قيل في المتشابه والمحكم: أنَّ المحكم ما عُرف تأويله وفهم معناه وتفسيره، والمتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه ولم يكن لأحدٍ إِلى علمه سبيل، قال بعضهم: وذلك مثل وقت قيام الساعة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدجال، وعيسى، ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور. الثالثة: آيات القرآن قسمان: محكمات ومتشابهات كما دلت عليه الآية الكريمة، فإِن قيل: كيف يمكن التوفيق بين هذه الآية وبين ما جاء في سورة هود أن القرآن كلَّه محكمٌ {أية : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} تفسير : [الآية: 1] وما جاء في الزمر أن القرآن كلَّه متشابهٌ {أية : نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً} تفسير : [الآية: 23]؟! فالجواب أنه لا تعارض بين الآيات إذ كل آية لها معنى خاص غير ما نحن في صدده فقوله {أية : أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} تفسير : [هود: 1] بمعنى أنه ليس به عيب، وأنه كلامٌ حقٌ فصيح الألفاظ، صحيح المعاني وقوله {أية : كِتَاباً مُّتَشَابِهاً} تفسير : [الزمر: 23] بمعنى أنه يشبه بعضه بعضاً في الحُسن ويصدق بعضه بعضاً، فلا تعارض بين الآيات. الرابعة: روى البخاري عن سعيد بن جبير أن رجلاً قال لابن عباس: إِني أجد في القرآن أشياءَ تختلف عليَّ، قال: ما هو؟ قال قوله تعالى: {أية : فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 101] وقال: {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [الصافات: 27] وقال تعالى: {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 42] وقال {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] فقد كتموا في هذه الآية، وفي النازعات ذكرَ خلق السماء قبل خلق الأرض، وفي فصِّلت ذَكَر خلق الأرض قبل خلق السماء، وقال: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 96] {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} تفسير : [النساء: 158] {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} تفسير : [النساء: 134] فكأنه كان ثم مضى.. فقال ابن عباس: {أية : فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ} تفسير : [المؤمنون: 101] في النفخة الأولى {أية : فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الزمر: 68] فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وأما قوله {أية : مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 42] فإٍِن الله يغفر لأهل الإِخلاص ذنوبهم فيقول المشركون تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فختم الله على أفواههم فتنطق جوارحهم بأعمالهم فعند ذلك عُرف أن الله لا يكتم حديثاً وعنده يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين، وخلق الله الأرض في يومين ثم استوى إِلى السماء فسواهنَّ سبع سماوات في يومين، ثم دحا الأرض أي بسطها فأخرج منها الماء والمرعى وخلق فيها الجبال والأشجار والآكام وما بينها في يومين آخرين فذلك قوله {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} تفسير : [النازعات: 30] فخلقت الأرض وما فيها في أربعة ايام وخلقت السماء في يومين، وقوله {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 96] فسمّى نفسه ذلك أي لم يزل ولا يزال كذلك، ويحكَ فلا يختلف عليك القرآن فإِن كلاً من عند الله.
زيد بن علي
تفسير : أَخبرَنا أَبو جعفر قَالَ: حدّثنا عليُّ بن أحمد، قالَ: حدَّثنا عطاءُ بن السائب قالَ: حدّثنا أبو خالد الواسطي عن الإمامِ الشهيدِ أَبي الحسين زيد بن علي عليه وعلى آبائِه أفضل السلام في قول الله عزَّ وجلَّ: {الۤمۤ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} فالحَيُّ: البَاقيُ، والقَيُّومُ: الدائِمُ الذي لا يزولُ.
الأندلسي
تفسير : وقرأ الجمهور {الۤمۤ * ٱللَّهُ} بفتح الميم وإسقاط ألف الوصل. وقرىء بسكونها وقطع الألف. وقرىء بكسر الميم. قال الأخفش: لالتقاء الساكنين ومن قرأ بفتح الميم فالفتحة لالتقائهما وكانت أولى لأجل الياء كاين وقيل هي فتحة همزة الله نقلت إلى الميم وحذفت الهمزة. واختار الزمخشري مذهب الغراء في أن الفتحة في الميم من الم الله هي حركة الهمزة ألقيت حين أسقطت للتخفيف وأورده أسئلة وأجاب عنها قال: (فإِن قلت): كيف جاز إلقاء حركتها عليها وهي همزة وصل لا تثبت في درج الكلام فلا تثبت حركتها لأن ثبات حركتها كثباتها؟ (قلت): هذا ليس بدرجٍ لأن ميم في حكم الوقف، والسكون والهمزة في حكم الثابت، وإنما حذفت تخفيفاً وألقيت حركتها على الساكن قبلها لتدل عليها ونظيره قولهم واحد اثنان بإِلقاء حركة الهمزة على الدال. "انتهى". ليس هذا الجواب بشيء لأنه ادعى أن الميم حين حركت موقوف عليها وان ذلك ليس يدرج بل هو وقف وهذا خلاف لما أجمعت عليه العرب والنحاة من أنه لا يوقف على متحرك البتة سواء أكانت حركته إعرابية أم بنائية. أم نقلية أو لالتقاء الساكنين أو للحكاية أو للاتباع فلا يجوز في قد أفلح إذا حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى دال قد أن تقف على دال قد بالفتحة، بل تسكّنها قولاً واحداً، وأما قوله: ونظير ذلك قولهم: واحد اثنان بإِلقاء حركة الهمزة على الدال فإِن سيبويه ذكر أنهم يشمون آخر واحد لتمكنه ولم يحك الكسر لغة فإِذا صح الكسر فليس واحد موقوفاً عليه كما زعم الزمخشري ولا حركته حركة نقل من همزة الوصل ولكنه موصول بقولهم اثنان فالتقى ساكنان دال واحد وثاء اثنين فكسرت الدال لالتقائهما وحذفت الهمزة لأنها لا تثبت وصلاً وأما الذي ما استدل به الفراء من قولهم: ثلاثة أربعة بالقاء حركة الهمزة على الهاء فلا دلالة فيه لأن همزة أربعة: همزة قطع في حال الوصل بما قبلها وابتدائها وليس كذلك همزة الوصل نحو: من الله، وأيضاً فقولهم ثلاثة أربعة بالنقل ليس فيه وقف على ثلاثة إذ لو وقف عليها لم تكن تقبل الحركة ولكن أقرت في الوصل اعتباراً بما آلت إليه في حال مّا لا أنها موقوف عليها. قال الزمخشري: (فإِن قلت): هلا زعمت انها حركت لالتقاء الساكنين؟ (قلت): لأن التقاء الساكنين لا يبالي به في باب الوقف وذلك قولهم: هذا إبراهيم وداود وإسحاق، ولو كان التقاء الساكنين في حال الوقف يوجب التحريك تحرك الميمان في ألف لام ميم لالتقاء الساكنين، ولما انتظر ساكن آخر. "انتهى". هذا السؤال وجوابه صحيحان لكن الذي قال: ان الحركة لالتقاء الساكنين لا يتوهم أنه أراد التقاء الياء والميم من ألم في الوقف وإنما عني التقاء الساكنين اللذين هما ميمٌ ميمٌ الأخيرة ولام التعريف كالتقاء نون من ولام الرجل إذا قلت: من الرجل. قال الزمخشري: (فإِن قلت): إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين في ميم لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين فإِذا جاء ساكن ثالث لم يكن إلا التحريك فحركوا (قلت): الدليل على أن الحركة ليست لملاقاة الساكن انهم كان يمكنهم أن يقولوا واحد اثنان بسكون الدال مع طرح الهمزة فجمعوا بين ساكنين كما قالوا اصيم تصغيراً ومذيق، فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير وليست لالتقاء الساكنين. "انتهى". وفي سؤاله تعمية في قوله: فإِن قلت إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين ويعني بالساكن الياء والميم في ميم، وحينئذٍ يجيء التعليل بقوله: لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين يعني الياء والميم، ثم قال: فإِذا جاء ساكن ثالث يعني لام التعريف لم يمكن إلا التحريك يعني في الميم فحركوا يعني الميم لالتقائها ساكنة مع لام التعريف إذ لو لم يحركوا لاجتمع ثلاث سواكن وهو لا يمكن، هذا شرح سؤاله. وأما الجواب عن سؤاله فلا يطابق لأنه استدل على أن الحركة ليست لملاقاة ساكن بإِمكانية الجمع بين ساكنين في قولهم واحد اثنان بأن يسكنوا الدال والثاء ساكنة وتسقط الهمزة فعولوا عن هذا الامكان إلى نقل حركة الهمزة إلى الدال وهذه مكابرة في المحسوس إذ لا يمكن ذلك أصلاً، ولا هو في قدرة البشر أن يجمعوا في النطق بين سكون الدال وسكون الثاء وطرح الهمزة. وأما قوله: فجمعوا بين ساكنين، فلا يمكن الجمع كما قلناه، وأما قوله: كما قالوا أصيم ومذيق فهذا ممكن كما هو في واد وصَال لأنه في ذلك التقاء الساكنين على حدهما المشروط في النحو فأمكن النطق به، وليس مثل واحد اثنان لأن الساكن الأول ليس حرف علة ولا الثاني مدغم فلا يمكن الجمع بينهما وأما قوله فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير وليست لالتقاء الساكنين لما بين على أن الجمع بين الساكنين في واحد اثنان ممكن، وحركة التقاء الساكنين إنما هي في باب ما لا يمكن أن يجتمعا فيه في اللفظ أدعى أن حركة الدال هي حركة الهمزة الساقطة لا لإِلتقاء الساكنين، وقد ذكرنا عدم إمكان ذلك. فإِن صح كسر الدال كما نقل هذا الرجل فتكون حركتها لالتقاء الساكنين لا للنقل. وقد رُد قول الفراء واختيار الزمخشري إياه بأن قيل: لا يجوز أن تكون حركة الميم حركة الهمزة ألقيت عليها لما في ذلك من الفساد والتدافع وذلك أن سكون آخر الميم إنما هو على نية الوقف عليها وإلقاء حركة الهمزة عليها إنما هو على نية الوصل ونية الوصل توجب حذف الهمزة ونية الوقف على ما قبلها موجب ثباتها وثباتها وقطعها متناقض وهو رد صحيح. والذي تحرر في هذه الكلمات أن العرب إذا سردت أسماء من غير تركيب ما كانت تلك الأسماء مسكنة الآخر وصلاً ووقفاً، فلو التقى آخر مسكن منها بساكن آخر حرّك لالتقاء الساكنين فهذه الحركة التي في الم الله هي حركة التقاء الساكنين. {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} كلا مبتدأ جملة راده على نصارى نجران فالجلالة مبتدأ خبره ما بعده. وقرىء القيّام والقيم. {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ} خاطب المنزل عليه تشريفاً له ولم يذكر المنزل عليه التوراة والإِنجيل. والباء في بالحق للسبب أو للحال. {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي من الكتب الإِلهية ونزل استئناف إخبار. ومن أجاز تعداد الأخبار أجاز أن يكون خبراً بعد خبر. ومصدقاً حال مؤكدة لازمة وما بين يديه المتقدم في الزمان، يقال: هو بين يديه إذا كان قدامه غير بعيد. {وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} قال الزمخشري: التوراة والإِنجيل اسمان أعجميان وتكلف استشقاقهما من الورى والبخل ووزنهما بتفعلة وافعيل إنما يصح بعد كونهما عربيين. "انتهى". ونقول: إنهما اسمان عبرانيان فلا يدخلهما اشتقاق عربي بنص النحاة، ثم تكلموا فيهما على تقدير أنهما عربيات، فالتوراة فوعلة والتاء بدل من واو أو تفعلة بكسر عين الكلمة قلبت الياء ألفاً وانفتح ما قبلها كالناصاة في الناصية أو تفعلة بفتح العين أقوال واشتقاقها من مصدر ورويَ الزند أو مصدر وريت والإِنجيل افعيل من البخل وهو الماء الذي ينزّ من الأرض أو من البخل وهو الولد أو من البخل وهو الأصل أقوال ونزل وأنزل بمعنى واحد. {مِن قَبْلُ} أي من قبل إنزال الكتاب عليك. و {هُدًى} مصدر في موضع الحال أو مفعول من أجله ولا يلزم وقوع الهداية بالفعل لجميع الناس. {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ} جنس الكتب السماوية لأنها تفرق بين الحق والباطل أو القرآن. بما فيه من الوصف تعظيماً لشأنه وهو مصدر في الأصل، والظاهر أنه أريد به الفارق ويجوز أن يراد به المفروق. كما قال وقرآنا مزقناه، ولما ذكر إنزال الكتب الإِلهية توعد من كفر بها. {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} في الدنيا بالقتل والأسر والغلبة وفي الآخرة بالنار والذين كفروا عام يدخل فيه من نزلت الآيات بسببه وغيره. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} أي غالب. {ذُو ٱنْتِقَامٍ} أي ذو عقوبة وسطوة على الكافر. ولما ذكر انفراده تعالى بالالوهية ذكر الحياة والقيدمية وإنزال الكتب وإعداد العذاب للكافر. ذكر صفة العلم فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ} وشيء نكرة يعم ويشمل الجزئيات والكليات. وذكر مقر الشيء وهو في الأرض والسماء اذ هما أعظم ما نشاهده.
الجيلاني
تفسير : {الۤمۤ} [آل عمران: 1] أيها الإنسان الكامل الأحدي الأوحدي الأقدسي، اللائح على صورة الرحماني، الملازم الملاحظ لمقتضيات الأوصاف والسماء الإلهية، المتفرعة عليها جميع الماظهر الكونية المشتمل عليها، المحيط بها. {ٱللَّهُ} أي: الذات الصمد المبدع المظهر الموجد الذي {لاۤ إِلَـٰهَ} أي: لا مظهر ولا موجد {إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ} الدائم الثابت، الذي لا يقدر حياته الزمان ولا حصره المكان، ولا يشغله شأن عن شأن {ٱلْقَيُّومُ} [آل عمران: 2] الذي لا يعرضه الفتور، ولا يعجزه كره الأعوام ومر الدهور. هو الذي: {نَزَّلَ عَلَيْكَ} يا مظهر الكل امتناناً لك {ٱلْكِتَٰبَ} أي: القرآن الجامع الشامل لما في الكائنات أعلاها أولاها وأخراها ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} المطابق للواقع {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب السالفة المنزلة على الأنبياء الماضين {وَأَنزَلَ} أيضاً {ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} [آل عمران: 3] على موسى وعيسى - عليهما السلام - مصدقين لما مضى من الكتب السابقة. {مِن قَبْلُ} أي: من قبل إنزالهما عليهما {هُدًى لِّلنَّاسِ} يهديهم إلى توحيده الذاتي عند ظهور خلافه من الغي والضلالة {وَ} بعدما ظهر الظلال {أَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ} أي: الكتاب السماوي الفارق بين الهداية والضلالة؛ ليتميز الحق عن الباطل، وآيات الله عن تسويلات الشياطين {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} بعد ظهوره ونزوله، وكذبوا من أنزل إليهم من الكتب والآيات {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} هو الطرد والحرمان عن ساحة التوحيد بسبب إنكارهم الآيات الهادية لهم إلى طريقه {وَٱللَّهُ} الهادي إلى توحيده {عَزِيزٌ} غالب قادر {ذُو ٱنْتِقَامٍ} [آل عمران: 4] عظيم وتعذيب شديد على من كفر بآياته واستكبر على من أنزل عليه الآيات، وكيف لا؟. {إِنَّ ٱللَّهَ} المحيط بجميع ما كان ويكون {لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ} مما حدث {فِي ٱلأَرْضِ} {وَلاَ فِي} ما حدث {ٱلسَّمَآءِ} [آل عمران: 5] من الإيمان والكفر والهداية والضلالة، وغير ذلك من الأعمال والأحوال الصادرة من العباد. فيكف يخفى عليه؛ إذ {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ} بقدرته ابتداء {فِي ٱلأَرْحَامِ} بعد انصبابكم من أصلاب آبائكم إليها {كَيْفَ يَشَآءُ} أي: كيف تتعلق مشيئته وإرادته بلا مزاحمة ضد، ومشاركة أحد من شريك وند؛ إذ {لاَ إِلَـٰهَ} أي: لا مصور ولا موجد {إِلاَّ هُوَ} يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا منازع له ولا مخاصم دونه بل هو {ٱلْعَزِيزُ} الغالب على كل ما يشاء {ٱلْحَكِيمُ} [آل عمران: 6] المتقن في كل ما يريد.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} [آل عمران: 1-2]، والإشارة في الآية: إن الله تعالى بعد أن أظهر إلوهيته المودعة في {الۤمۤ} [آل عمران: 1]، بقوله: {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} [آل عمران: 2]، أظهر ألطاف ربوبيته المكنونة في أستار العزة وأعطاف محبته [المختبئة] تحت قباب الغيرة مع سيد الأولين والآخرين، وحبيب رب العالمين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين، أبد الآبدين ودهر الداهرين، بقوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [آل عمران: 3]؛ أي: نزل حقائق القرآن وأنواره على قلبك بالحقيقة؛ لتجليه لترك حقائقه لا صورة ألفاظه مكتوبة على الألواح، أحجار مقروءة كل قارئ سريانية وعبرانية دليله قوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ} [آل عمران: 3]، قوله تعالى: و{بِٱلْحَقِّ} [آل عمران: 3] نزل؛ يعني: بالحقيقة نزل، وقوله تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} تفسير : [الرحمن: 1-2]، وقوله تعالى: {أية : عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} تفسير : [الرحمن: 4]، وقوله تعالى: {أية : مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ}تفسير : [الشورى: 52]؛ يعني: ما كنت تعلم حقيقة الكتاب، وإلا كان يعلم ما صورة الكتاب. ثم أخبر عن حقيقة الكتاب فقال تعالى: {أية : وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [الشورى: 52]. ثم اعلم أن تعليم الرحمن القرآن بأن يتجلى بنور صفة الذي؛ هو حقيقة القرآن على قلب من شاء من عباده، ومن علمه الرحمن القرآن بهذا التعليم يكون عليه من الله فضلاً عظيماً، فمن ذلك الفضل العظيم عليه بعد أن ينزل على قلبه حقيقة القرآن، علمه ما لم يكن يعلم من أسرار الإلوهية المكنونة في {الۤمۤ} [آل عمران: 1]، بتعليم تجلي أنوار صفاته على قلبه، فعلم سر وحدته، {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} [آل عمران: 2]، يدل عليه قوله تعالى: {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ}تفسير : [محمد: 19]، وصار {أية : مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}تفسير : [البقرة: 97]؛ يعني: فلا كوشف عند تجلي أنوار الصفات بوحدانية الذات، صار شاهد السر الله في {الۤمۤ} [آل عمران: 1]، وهو الذي {أية : بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحجرات: 1]، {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} [آل عمران: 2]، فصار مصدقاً تصديق تحقيق لا تصديق تقليد، فافهم جيداً، إذ لا تعلم ولا تعلم إنك لا تفهم؛ لأنه منطق الطير وأنت بعد بيضة لا من الطائرين ولا من السائرين. ثم قال تعالى تأكيداً لهذه العاني وتشييداً لهذه المباني: {وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} [آل عمران: 3]، {مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ} [آل عمران: 4]؛ يعني: لا تظن يا محمد إن إنزال الكتب الأخرى على الأنبياء: كتنزيل القرآن بالحقيقة قلبك فتكاشف عند تجلي أنواره بأسراره، وحقائق بيني وبينك لا يطلع عليها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما أنزل الكتاب على الأنبياء والأمم، كقوله: {هُدًى لِّلنَّاسِ} [آل عمران: 4]، عمهم فيه وكنت مخصوصاً بالهداية عند تجلي أنوار القرآن في التنزيل على قلبك، كما قال تعالى: {أية : وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا}تفسير : [الشورى: 52]، وقال تعالى: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}تفسير : [النساء: 113]، خصصك بهداه وعلمه. ثم قال تعالى مؤكداً معناه ومؤيداً لفحواه: {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ} [آل عمران: 4]؛ يعني: وأنزل الفرقان عليك فرقاناً، يفرق بين تنزيله على قلبك وبين إنزال الكتب صورة على الأولياء، ويفرق بين تعلمك القرآن وبين تعلمهم الكتب، وإنهم كانوا يتدارسون الكتب وأنت تتخلق بالقرآن وتفرق بين ما أفاد لهم الحكمة، فقد أفاد لك أن أوتيت جوامع الكلم وبه فضلت على الأنبياء، وبالخمسة الأخرى من إفادة القرآن، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فضلت على الأنبياء بست"تفسير : ، ويفرق بين تصرف التنزيل على قلبك وبين تصرف الإنزال عليهم، فإن كانت الكتب المنزلة عليهم تصرف فيهم بأن يكون الكتاب مع أحدهم نوراً من الله يجيء به إلى قومه؛ ليكون هدى لهم، كما قال تعالى: {أية : ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ}تفسير : [الأنعام: 91]، فإن تصرف تنزيل نور القرآن على قلبك جعلك نوراً من الله تجيء الأمة ومعك القرآن، كما قال تعالى: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ}تفسير : [المائدة: 15]؛ وهو محمد صلى الله عليه وسلم، {أية : وَكِتَابٌ مُّبِينٌ}تفسير : [المائدة: 15]؛ وهو القرآن. فشتان بين نبي يجيء ويكون وهو بذاته نور ومعه كتاب، وبين نبي يجيء ومعه نور من الكتاب، ويفرق بين ما شرفت به من إكرام الحق وبين ما شرفوا به، فقال تعالى تشريف لموسى عليه السلام: {أية : وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الأعراف: 145]، وقال تشريفاً لك: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} تفسير : [النجم: 10]، وقال تشريفاً لأمتك: {أية : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ}تفسير : [المجادلة: 22]. فشتان بين نبي يشرف بكتابة الموعظة في الألواح، وبين نبي تشرف أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم، {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 4]؛ أي: يسترون بحجب الفضلات وتتبع الشهوات قلوبهم، فعميت عن مشاهدة هذه الآيات البينات والدلائل الواضحات، والأنوار اللامعات، والبراهين القاطعات، {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [آل عمران: 4]، من هذا العمى والحرمان، وهم في الخسران المبين بالركون إلى النقصان وترك العاجلة بطريق المتابعة { وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} [آل عمران: 4]، يعز أهل الكرام بنيل المرام، ويذل اللئام أهل الستر بشدة الانتقام، فينتقم منهم بتعززه بحجاب العزة، ويعذبهم بتحجبهم عنه بنقاب العزة. ثم أخبر عن فضله وكرمه العشام مع سائر الأنام، بأن صوره في الأرحام بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} [آل عمران: 5]، والإشارة فيها: إن الله هو الذي قدر المقادير في الأزل كيف يشاء، ودبر الأحوال على ما يشاء، ثم خلق الأرض والسماء وبث فيهما كل ما يشاء، ودبر الأحوال على ما يشاء، ثم خلق الأرض والسماء وبث فيهما كل ما يشاء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء لا في الأرض ولا في السماء، {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ} [آل عمران: 6] في الظلمة الثلاث، {كَيْفَ يَشَآءُ} [آل عمران: 6]؛ أي: كيف ما يشاء في الأزل حين قدر الخلق والرزق والأجل، فإذاً لم يخف عليه شيء مما في الأزل، ولا في تصويركم في الأرحام في الظلمات كيف تخفى عليه ما هو في الخارج، ثم قال تعالى: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [آل عمران: 6]؛ يعني: ليس له آخر، فيخلق شيئاً يكون مخفياً عليه، أم بتعقب كلمة وقضاؤه بالنقص أو بعارض بتقديراته وتدبيراته في كل شيء من الأشياء بالإهمال والرفض، {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [آل عمران: 6]، المقدر والمدبر {ٱلْعَزِيزُ} [آل عمران: 6] عن نقض الأحكام {ٱلْحَكِيمُ} [آل عمران: 6]، فيما يجري من الأزل إلى الأبد، وجفت به الأقلام. وفيه إشارة أخرى وهي: إن الله تعالى يصور الجنين بصورة الإنسانية على نطفة سقطت في الرحم بتدبير الأربعينيات، فكذلك إذا سقطت من صلب ولاية الرجل رجاله نطفة إرادة في رحم قلب مريد صادق، والمريد ليستلم لتصرفات ولاية الشيخ؛ وهي بمثابة ملك الأرحام، فافهم جيداً. ويضبط المريد أحواله ظاهره وباطنه على وفق أمر الشيخ، ويختار الخلوة والعزلة لئلا يصدر منه حركة عنيفة أو يجد رائحة غريبة، يلزم منه سقوط النطفة وفسادها ويقعد بأمر الشيخ وتدبيره، فالله تعالى يتصرف ولاية الشيخ المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها، يحولها من حال إلى حال، وينقلها من مقام إلى مقام إلى أن يرجع إلى حظائر القدس ورياض الأنس، التي منها صدر إلى عالم الأنس يقدم الأربعينيات الأولى، فلما وصل إلى مقامه الأول أيضاً بقدم الأربعنيات كما جاء، ثم خلق الجنين في رحم القلب؛ وهي طفل خليفة الله في أرضه، فيستحق الآن أن ينفخ فيه الروح المخصوص بأنبيائه وأوليائه؛ وهي روح القدس الذي هو متولي إلقائه، كقوله تعالى: {أية : يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} تفسير : [غافر: 15]. وقال تعالى: {أية : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ}تفسير : [المجادلة: 22]؛ ولهذه الفائدة العظيمة والنعمة الجسيمة؛ أهبط الروح من أعلى عليين القرب إلى أسفل سافلين البعد، كما قال تعالى: {أية : ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [البقرة: 38]، فإذا نفخ في الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون، تفهم إنشاء الله تعالى وتنبه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : افتتحها تبارك وتعالى بالإخبار بألوهيته، وأنه الإله الذي لا إله إلا هو الذي لا ينبغي التأله والتعبد إلا لوجهه، فكل معبود سواه فهو باطل، والله هو الإله الحق المتصف بصفات الألوهية التي مرجعها إلى الحياة والقيومية، فالحي من له الحياة العظيمة الكاملة المستلزمة لجميع الصفات التي لا تتم ولا تكمل الحياة إلا بها كالسمع والبصر والقدرة والقوة والعظمة والبقاء والدوام والعز الذي لا يرام { القيوم } الذي قام بنفسه فاستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بغيره فافتقرت إليه جميع مخلوقاته في الإيجاد والإعداد والإمداد، فهو الذي قام بتدبير الخلائق وتصريفهم، تدبير للأجسام وللقلوب والأرواح. ومن قيامه تعالى بعباده ورحمته بهم أن نزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب، الذي هو أجل الكتب وأعظمها المشتمل على الحق في إخباره وأوامره ونواهيه، فما أخبر به صدق، وما حكم به فهو العدل، وأنزله بالحق ليقوم الخلق بعبادة ربهم ويتعلموا كتابه { مصدقا لما بين يديه } من الكتب السابقة، فهو المزكي لها، فما شهد له فهو المقبول، وما رده فهو المردود، وهو المطابق لها في جميع المطالب التي اتفق عليها المرسلون، وهي شاهدة له بالصدق، فأهل الكتاب لا يمكنهم التصديق بكتبهم إن لم يؤمنوا به، فإن كفرهم به ينقض إيمانهم بكتبهم، ثم قال تعالى { وأنزل التوراة } أي: على موسى { والإنجيل } على عيسى. { من قبل } إنزال القرآن { هدى للناس } الظاهر أن هذا راجع لكل ما تقدم، أي: أنزل الله القرآن والتوراة والإنجيل هدى للناس من الضلال، فمن قبل هدى الله فهو المهتدي، ومن لم يقبل ذلك بقي على ضلاله { وأنزل الفرقان } أي: الحجج والبينات والبراهين القاطعات الدالة على جميع المقاصد والمطالب، وكذلك فصل وفسر ما يحتاج إليه الخلق حتى بقيت الأحكام جلية ظاهرة، فلم يبق لأحد عذر ولا حجة لمن لم يؤمن به وبآياته، فلهذا قال { إن الذين كفروا بآيات الله } أي: بعد ما بينها ووضحها وأزاح العلل { لهم عذاب شديد } لا يقدر قدره ولا يدرك وصفه { والله عزيز } أي: قوي لا يعجزه شيء { ذو انتقام } ممن عصاه. { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء } وهذا فيه تقرير إحاطة علمه بالمعلومات كلها، جليها وخفيها، ظاهرها وباطنها، ومن جملة ذلك الأجنة في البطون التي لا يدركها بصر المخلوقين، ولا ينالها علمهم، وهو تعالى يدبرها بألطف تدبير، ويقدرها بكل تقدير، فلهذا قال { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } . { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } من كامل الخلق وناقصه، وحسن وقبيح، وذكر وأنثى { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } تضمنت هذه الآيات تقرير إلهية الله وتعينها، وإبطال إلهية ما سواه، وفي ضمن ذلك رد على النصارى الذين يزعمون إلهية عيسى ابن مريم عليه السلام، وتضمنت إثبات حياته الكاملة وقيوميته التامة، المتضمنتين جميع الصفات المقدسة كما تقدم، وإثبات الشرائع الكبار، وأنها رحمة وهداية للناس، وتقسيم الناس إلى مهتد وغيره، وعقوبة من لم يهتد بها، وتقرير سعة علم الباري ونفوذ مشيئته وحكمته.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):