Verse. 2668 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

يٰۗاَيُّہَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوْا لَہٗ۝۰ۭ اِنَّ الَّذِيْنَ تَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللہِ لَنْ يَّخْلُقُوْا ذُبَابًا وَّلَوِ اجْتَمَعُوْا لَہٗ۝۰ۭ وَاِنْ يَّسْلُبْہُمُ الذُّبَابُ شَـيْـــــًٔـا لَّا يَسْتَنْقِذُوْہُ مِنْہُ۝۰ۭ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوْبُ۝۷۳
Ya ayyuha alnnasu duriba mathalun faistamiAAoo lahu inna allatheena tadAAoona min dooni Allahi lan yakhluqoo thubaban walawi ijtamaAAoo lahu wain yaslubuhumu alththubabu shayan la yastanqithoohu minhu daAAufa alttalibu waalmatloobu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الناس» أي أهل مكة «ضُرب مثل فاستمعوا له» وهو «إن الذين تدعون» تعبدون «من دون الله» أي غيره وهم الأصنام «لن يخلقوا ذباباً» اسم جنس، واحده ذبابة يقع على المذكر والمؤنث «ولو اجتمعوا له» لخلقه «وإن يسلبهم الذباب شيئا» مما عليهم من الطيب والزعفران الملطخين به «لا يستنقذوه» لا يستردوه «منه» لعجزهم، فكيف يعبدون شركاء لله تعالى؟ هذا أمر مستغرب عبر عنه بضرب مثل «ضعف الطالب» العابد «والمطلوب» المعبود.

73

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أنه سبحانه لما بين من قبل أنهم يعبدون من دون الله مالا حجة لهم فيه ولا علم، ذكر في هذه الآية ما يدل على إبطال قولهم. أما قوله تعالى: {ضُرِبَ مَثَلٌ } ففيه سؤالات: السؤال الأول: الذي جاء به ليس بمثل فكيف سماه مثلاً؟ والجواب: لما كان المثل في الأكثر نكتة عجيبة غريبة جاز أن يسمى كل ما كان كذلك مثلاً. السؤال الثاني: قوله: {ضُرِبَ } يفيد فيما مضى والله تعالى هو المتكلم بهذا الكلام ابتداء؟ الجواب: إذا كان ما يورد من الوصف معلوماً من قبل جاز ذلك فيه، ويكون ذكره بمنزلة إعادة أمر قد تقدم. أما قوله: {فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ } أي تدبروه حق تدبره لأن نفس السماع لا ينفع، وإنما ينفع التدبر. واعلم أن الذباب لما كان في غاية الضعف احتج الله تعالى به على إبطال قولهم من وجهين: الأول: قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ } قرىء يدعون بالياء والتاء ويدعون مبنياً للمفعول {وَلَنْ } أصل في نفي المستقبل إلا أنه ينفيه نفياً مؤكداً فكأنه سبحانه قال: إن هذه الأصنام وإن اجتمعت لن تقدر على خلق ذبابة على ضعفها، فكيف يليق بالعاقل جعلها معبوداً، فقوله: {وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ } نصب على الحال كأنه قال يستحيل أن يخلقوا الذباب حال اجتماعهم فكيف حال انفرداهم والثاني: أن قوله: {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ } كأنه سبحانه قال: أترك أمر الخلق والإيجاد وأتكلم فيما هو أسهل منه، فإن الذباب إن سلب منها شيئاً، فهي لا تقدر على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب، واعلم أن الدلالة الأولى صالحة لأن يتمسك بها في نفي كون المسيح والملائكة آلهة، أما الثانية فلا، فإن قيل هذا الاستدلال إما أن يكون لنفي كون الأوثان خالقة عالمة حية مدبرة، أو لنفي كونها مستحقة للتعظيم والأول: فاسد لأن نفي كونها كذلك معلوم بالضرورة، فأي فائدة في إقامة الدلالة عليه وأما الثاني: فهذه الدلالة لا تفيده لأنه لا يلزم من نفي كونها حية أن لا تكون معظمة، فإن جهات التعظيم مختلفة، فالقوم كانوا يعتقدون فيها أنها طلسمات موضوعة على صورة الكواكب، أو أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين، وكانوا يعظمونها على أن تعظيمها يوجب تعظيم الملائكة، وأولئك الأنبياء المتقدمين والجواب: أما كونها طلسمات موضوعة على الكواكب بحيث يحصل منها الإضرار والانتفاع، فهو يبطل بهذه الدلالة فإنها لما لم تنفع نفسها في هذا القدر وهو تخليص النفس عن الذبابة فلأن لا تنفع غيرها أولى، وأما أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين، فقد تقرر في العقل أن تعظيم غير الله تعالى ينبغي أن يكون أقل من تعظيم الله تعالى، والقوم كانوا يعظمونها غاية التعظيم، وحينئذ كان يلزم التسوية بينها وبين الخالق سبحانه في التعظيم، فمن ههنا صاروا مستوجبين للذم والملام. أما قوله تعالى: {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ } ففيه قولان: أحدهما: المراد منه الصنم والذباب فالصنم كالطالب من حيث إنه لو طلب أن يخلقه ويستنقذ منه ما استلبه لعجز عنه والذباب بمنزلة المطلوب الثاني: أن الطالب من عبد الصنم، والمطلوب نفس الصنم أو عبادتها، وهذا أقرب لأن كون الصنم طالباً ليس حقيقة بل هو على سبيل التقدير، أما ههنا فعلى سبيل التحقيق لكن المجاز فيه حاصل لأن الوثن لا يصح أن يكون ضعيفاً، لأن الضعف لا يجوز إلا على من يصح أن يقوى، وههنا وجه ثالث وهو أن يكون معنى قوله: {ضَعُفَ } لا من حيث القوة ولكن لظهور قبح هذا المذهب، كما يقال للمرء عند المناظرة: ما أضعف هذا المذهب وما أضعف هذا الوجه. أما قوله: {مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } أي ما عظموه حق تعظيمه، حيث جعلوا هذه الأصنام على نهاية خساستها شريكة له في المعبودية، وهذه الكلمة مفسرة في سورة الأنعام، وهو قوي لا يتعذر عليه فعل شيء و عزيز لا يقدر أحد على مغالبته، فأي حاجة إلى القول بالشريك. قال الكلبي في هذه الآية ونظيرها في سورة الأنعام: إنها نزلت في جماعة من اليهود وهم مالك ابن الصيف وكعب بن الأشرف وكعب بن أسد وغيرهم لعنهم الله، حيث قالوا إنه سبحانه لما فرغ من خلق السموات والأرض أعيا من خلقها فاستلقى واستراح ووضع إحدى رجليه على الأخرى، فنزلت هذه الآية تكذيباً لهم ونزل قوله تعالى: { أية : وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } تفسير : [ق: 38]. واعلم أن منشأ هذه الشبهات هو القول بالتشبيه فيجب تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة سائر الذوات خلاف ما يقوله المشبهة، وتنزيه صفاته عن مشابهة سائر الصفات خلاف ما يقوله الكرامية، وتنزيه أفعاله عن مشابهة سائر الأفعال، أعني الغرض والداعي واستحقاق المدح والذم خلاف ما تقوله المعتزلة، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري رحمه الله، فهو سبحانه جبار النعت عزيز الوصف فالأوهام لا تصوره والأفكار لا تقدره والعقول لا تمثله والأزمنة لا تدركه والجهات لا تحويه ولا تحده، صمدي الذات سرمدي الصفات.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ} هذا متصل بقوله: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً}. وإنما قال: «ضُرِب مَثَلٌ» لأن حجج الله تعالى عليهم بضرب الأمثال أقربُ إلى أفهامهم. فإن قيل: فأين المثل المضروب؛ ففيه وجهان: الأوّل: قال الأخفش: ليس ثَمّ مثل، وإنما المعنى ضربوا لي مثلاً فاستمعوا قولهم؛ يعني أن الكفار جعلوا لله مثلاً بعبادتهم غيره؛ فكأنه قال جعلوا لي شبيهاً في عبادتي فاستمعوا خبر هذا الشبه. الثاني: قول القُتَبيّ: وأن المعنى يا أيها الناس، مَثَلُ من عبد آلهة لم تستطع أن تخلق ذباباً وإن سلبها الذباب شيئاً لم تستطع أن تستنقذه منه. وقال النحاس: المعنى ضرب الله عز وجل ما يُعبد من دونه مثلاً، قال: وهذا من أحسن ما قيل فيه؛ أي بيّن الله لكم شبهاً ولمعبودكم. {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} قراءة العامة «تدعون» بالتاء. وقرأ السُّلَمِيّ وأبو العالِية ويعقوب «يدعون» بالياء على الخبر. والمراد الأوثان الذين عبدوهم من دون الله، وكانت حول الكعبة، وهي ثلثمائة وستون صنماً. وقيل: السادة الذين صرفوهم عن طاعة الله عز وجل. وقيل: الشياطين الذين حملوهم على معصية الله تعالى؛ والأوّل أصْوب. {لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً} الذباب اسم واحد للذكر والأنثى، والجمع القليل أذَّبة والكثير ذِبّان؛ على مثل غُراب وأغْربة وغِرْبان؛ وسُمِّي به لكثرة حركته. الجوهري: والذباب معروف الواحدة ذُبابة، ولا تقل ذِبّانة. والمِذَبّة ما يُذَبّ به الذباب. وذُبَاب أسنان الإبل حَدّها. وذُباب السيف طَرفه الذي يضرب به. وذُباب العين إنسانها. والذُّبَابة البقية من الدَّين. وذَبّب النهار إذا لم يبق منه إلا بقية. والتذبذب التحرك. والذَّبْذَبة نَوْس الشيء المعلّقِ في الهواء. والذَّبْذَب الذكر لتردّده. وفي الحديث: «حديث : مَن وُقِيَ شَرّ ذَبْذَبِه»تفسير : . (وهذا مما لم يذكره، أعني قوله: وفي الحديث). {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} الاستنقاذ والإنقاذ التخليص. قال ابن عباس: كانوا يَطْلُون أصنامهم بالزّعفران فتجِفّ فيأتي فيختلسه. وقال السُّدِّي: كانوا يجعلون للأصنام طعاماً فيقع عليه الذباب فيأكله. {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} قيل؛ الطالب الآلهةُ والمطلوب الذباب. وقيل بالعكس. وقيل: الطالب عابدُ الصنم والمطلوبُ الصنم؛ فالطالب يطلب إلى هذا الصنم بالتقرّب إليه، والصنم المطلوب إليه. وقد قيل: «وإنْ يَسْلُبْهم الذّبابُ شيئاً» راجع إلى ألمه في قرص أبدانهم حتى يسلبهم الصبر لهم والوقار معها. وخصّ الذباب لأربعة أمور تخصه: لمهانته وضعفه ولاستقذاره وكثرته؛ فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله عز وجل على خلق مثله ودفع أذيّته فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين وأرباباً مطاعين. وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى منبهاً على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ} أي: لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به {فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ} أي: أنصتوا وتفهموا {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ} أي: لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد على أن يقدروا على خلق ذباب واحد، ما قدروا على ذلك. كما قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة مرفوعاً قال: «حديث : ومن أظلم ممن خلق خلقاً كخلقي؟ فليخلقوا مثل خلقي: ذرة، أو ذبابة، أو حبة».تفسير : وأخرجه صاحبا "الصحيح" من طريق عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة»تفسير : ، ثم قال تعالى أيضاً: {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} أي: هم عاجزون عن خلق ذباب واحد، بل أبلغ من ذلك عاجزون عن مقاومته والانتصار منه لو سلبها شيئاً من الذي عليها من الطيب، ثم أرادت أن تستنقذه منه، لما قدرت على ذلك، هذا والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها، ولهذا قال: {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} قال ابن عباس: الطالب: الصنم، والمطلوب: الذباب، واختاره ابن جرير، وهو ظاهر السياق. وقال السدي وغيره: الطالب: العابد، والمطلوب: الصنم، ثم قال: {مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي: ما عرفوا قدر الله وعظمته حين عبدوا معه غيره من هذه التي لا تقاوم الذباب لضعفها وعجزها {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ} أي: هو القوي الذي بقدرته وقوته خلق كل شيء {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27] {أية : 1649إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ} تفسير : [البروج: 12 ــــ 13] {أية : إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ } تفسير : [الذاريات: 58]. وقوله: {عَزِيزٌ} أي: قد عز كل شيء، فقهره وغلبه، فلا يمانع ولا يغالب؛ لعظمته وسلطانه، وهو الواحد القهار.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ } أي أهل مكة {ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ } وهو {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ } تعبدون {مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره وهم الأصنام {لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً } اسم جنس، واحدة ذبابة يقع على المذكر والمؤنث {وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ } لخلقه {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً } مما عليهم من الطيب والزعفران الملطخين به {لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ } لا يستردّوه {مِنْهُ } لعجزهم، فكيف يعبدون شركاء لله تعالى؟ هذا أمر مستغرب عبر عنه بضرب مثل {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ } العابد {وَٱلْمَطْلُوبُ } المعبود.

الشوكاني

تفسير : قوله: {يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ } هذا متصل بقوله: {أية : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً } تفسير : [الحج: 71] قال الأخفش: ليس ثم مثل، وإنما المعنى: ضربوا لي مثلاً {فَٱسْتَمِعُواْ } قولهم، يعني: أن الكفار جعلوا لله مثلاً بعبادتهم غيره، فكأنه قال: جعلوا لي شبهاً في عبادتي فاستمعوا خبر هذا الشبه. وقال القتيبي: إن المعنى: يا أيها الناس، مثل من عبد آلهة لم تستطع أن تخلق ذباباً، وإن سلبها شيئاً لم تستطع أن تستنقذه منه. قال النحاس: المعنى ضرب الله عزّ وجلّ لما يعبدونه من دونه مثلاً. قال: وهذا من أحسن ما قيل فيه، أي بين الله لكم شبهاً ولمعبودكم. وأصل المثل: جملة من الكلام متلقاة بالرضا والقبول، مسيرة في الناس مستغربة عندهم، وجعلوا مضربها مثلاً لموردها، ثم قد يستعيرونها للقصة أو الحالة أو الصفة المستغربة لكونها مماثلة لها في الغرابة كهذه القصة المذكورة في هذه الآية. والمراد بما يدعونه من دون الله: الأصنام التي كانت حول الكعبة وغيرها. وقيل: المراد بهم: السادة الذين صرفوهم عن طاعة الله لكونهم أهل الحلّ والعقد فيهم. وقيل: الشياطين الذين حملوهم على معصية الله، والأوّل أوفق بالمقام وأظهر في التمثيل، والذباب: اسم للواحد يطلق على الذكر والأنثى، وجمع القلة أذبة، والكثرة ذبان مثل غراب وأغربة وغربان. وقال الجوهري: الذباب معروف، الواحد ذبابة. والمعنى: لن يقدروا على خلقه مع كونه صغير الجسم حقير الذات، وجملة: {وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ } معطوفة على جملة أخرى شرطية محذوفة، أي لو لم يجتمعوا له لن يخلقوه ولو اجتمعوا له، والجواب محذوف والتقدير: لن يخلقوه وهما في محل نصب على الحال، أي لن يخلقوه على كلّ حال. ثم بين سبحانه كمال عجزهم وضعف قدرتهم فقال: {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ } أي إذا أخذ منهم الذباب شيئاً من الأشياء لا يقدرون على تخليصه منه لكمال عجزهم وفرط ضعفهم، والاستنقاذ والإنقاذ: التخلص، وإذا عجزوا عن خلق هذا الحيوان الضعيف، وعن استنقاذ ما أخذه عليهم؛ فهم عن غيره مما هو أكبر منه جرماً وأشدّ منه قوّة؛ أعجز وأضعف، ثم عجب سبحانه من ضعف الأصنام والذباب، فقال: {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ } فالصنم كالطالب من حيث إنه يطلب خلق الذباب أو يطلب استنقاذ ما سلبه منه، والمطلوب: الذباب. وقيل: الطالب عابد الصنم، والمطلوب: الصنم، وقيل: الطالب: الذباب، والمطلوب: الآلهة. ثم بين سبحانه أن المشركين الذين عبدوا من دون الله آلهة عاجزة إلى هذه الغاية في العجز، ما عرفوا الله حقّ معرفته فقال: {مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } أي ما عظموه حقّ تعظيمه ولا عرفوه حقّ معرفته، حيث جعلوا هذه الأصنام شركاء له مع كون حالها هذا الحال، وقد تقدّم في الأنعام {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ} على خلق كل شيء {عَزِيزٌ } غالب لا يغالبه أحد، بخلاف آلهة المشركين، فإنها جماد لا تعقل ولا تنفع ولا تضرّ ولا تقدر على شيء. ثم أراد سبحانه أن يردّ عليهم ما يعتقدونه في النبوّات والإلٰهيات فقال: {ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } كجبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل ويصطفي أيضاً رسلاً {مِنَ ٱلنَّاسِ } وهم الأنبياء، فيرسل الملك إلى النبيّ، والنبيّ إلى الناس، أو يرسل الملك لقبض أرواح مخلوقاته، أو لتحصيل ما ينفعهم، أو لإنزال العذاب عليهم {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لأقوال عباده {بَصِيرٌ } بمن يختاره من خلقه {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } أي ما قدّموا من الأعمال وما يتركونه من الخير والشرّ كقوله تعالى: {أية : وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءَاثَارَهُمْ } تفسير : [يۤس: 12]. {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } لا إلى غيره. ولما تضمن ما ذكره من أن الأمور ترجع إليه، الزجر لعباده عن معاصيه، والحضّ لهم على طاعاته؛ صرح بالمقصود فقال: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ } أي صلوا الصلاة التي شرعها الله لكم، وخصّ الصلاة لكونها أشرف العبادات، ثم عمّم فقال: {وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ } أي افعلوا جميع أنواع العبادة التي أمركم الله بها {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ } أي ما هو خير، وهو أعم من الطاعة الواجبة والمندوبة. وقيل: المراد بالخير هنا: المندوبات. ثم علل ذلك بقوله: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي إذا فعلتم هذه كلها رجوتم الفلاح. وهذه الآية من مواطن سجود التلاوة عند الشافعي ومن وافقه، لا عند أبي حنيفة ومن قال بقوله، وقد تقدّم أن هذه السورة فضلت بسجدتين، وهذا دليل على ثبوت السجود عند تلاوة هذه الآية. ثم أمرهم بما هو سنام الدين وأعظم أعماله، فقال: {وَجَـٰهِدُوا فِي ٱللَّهِ } أي في ذاته ومن أجله، والمراد به الجهاد الأكبر، وهو الغزو للكفار ومدافعتهم إذا غزوا بلاد المسلمين، وقيل: المراد بالجهاد هنا: امتثال ما أمرهم الله به في الآية المتقدّمة، أو امتثال جميع ما أمر به ونهى عنه على العموم، ومعنى {حَقَّ جِهَـٰدِهِ }: المبالغة في الأمر بهذا الجهاد؛ لأنه أضاف الحق إلى الجهاد، والأصل إضافة الجهاد إلى الحق، أي جهاداً خالصاً لله، فعكس ذلك لقصد المبالغة، وأضاف الجهاد إلى الضمير اتساعاً، أو لاختصاصه به سبحانه من حيث كونه مفعولاً له ومن أجله. وقيل: المراد {بحق جهاده}: هو أن لا تخافوا في الله لومة لائم. وقيل: المراد به استفراغ ما في وسعهم في إحياء دين الله. وقال مقاتل والكلبي: إن الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } تفسير : [التغابن: 16]. كما أن قوله: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } تفسير : [آل عمران: 102] منسوخ بذلك، ورد ذلك بأن التكليف مشروط بالقدرة، فلا حاجة إلى المصير إلى النسخ. ثم عظم سبحانه شأن المكلفين بقوله: {هُوَ ٱجْتَبَـٰكُمْ } أي اختاركم لدينه، وفيه تشريف لهم عظيم. ثم لما كان في التكليف مشقة على النفس في بعض الحالات قال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } أي من ضيق وشدّة. وقد اختلف العلماء في هذا الحرج الذي رفعه الله، فقيل: هو ما أحله الله من النساء مثنى وثلاث ورباع وملك اليمين. وقيل: المراد: قصر الصلاة، والإفطار للمسافر، والصلاة بالإيماء على من لا يقدر على غيره، وإسقاط الجهاد عن الأعرج والأعمى والمريض، واغتفار الخطأ في تقديم الصيام وتأخيره لاختلاف الأهلة، وكذا في الفطر والأضحى. وقيل: المعنى: أنه سبحانه ما جعل عليهم حرجاً بتكليف ما يشق عليهم، ولكن كلفهم بما يقدرون عليه، ورفع عنهم التكاليف التي فيها حرج، فلم يتعبدهم بها كما تعبد بها بني إسرائيل. وقيل: المراد بذلك: أنه جعل لهم من الذنب مخرجاً بفتح باب التوبة وقبول الاستغفار والتكفير فيما شرع فيه الكفارة والأرش، أو القصاص في الجنايات، وردّ المال أو مثله أو قيمته في الغصب ونحوه. والظاهر أن الآية أعمّ من هذا كله، فقط حطّ سبحانه ما فيه مشقة من التكاليف على عباده: إما بإسقاطها من الأصل وعدم التكليف بها كما كلف بها غيرهم، أو بالتخفيف وتجويز العدول إلى بدل لا مشقة فيه، أو بمشروعية التخلص عن الذنب بالوجه الذي شرعه الله، وما أنفع هذه الآية وأجلّ موقعها وأعظم فائدتها، ومثلها قوله سبحانه: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ }تفسير : [التغابن: 16]، وقوله: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } تفسير : [البقرة: 185]. وقوله: {أية : رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } تفسير : [البقرة: 286]. وفي الحديث الصحيح أنه سبحانه قال: "حديث : قد فعلت" تفسير : كما سبق بيانه في تفسير هذه الآية، والأحاديث في هذا كثيرة. وانتصاب ملة في {مّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰهِيمَ } على المصدرية بفعل دلّ عليه ما قبله أي وسع عليكم دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم. وقال الزجاج: المعنى اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم. وقال الفراء: انتصب على تقدير حذف الكاف، أي كملة، وقيل: التقدير: وافعلوا الخير كفعل أبيكم إبراهيم، فأقام الملة مقام الفعل. وقيل: على الإغراء. وقيل: على الاختصاص، وإنما جعله سبحانه أباهم لأنه أبو العرب قاطبة، ولأن له عند غير العرب الذين لم يكونوا من ذريته حرمة عظيمة كحرمة الأب على الابن لكونه أبا لنبيهم صلى الله عليه وسلم: {هُوَ سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ } أي في الكتب المتقدّمة {وَفِي هَـٰذَا } أي القرآن، والضمير لله سبحانه. وقيل: راجع إلى إبراهيم. والمعنى: هو، أي إبراهيم، سماكم المسلمين من قبل النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفي هذا، أي في حكمه، أن من اتبع محمداً فهو مسلم. قال النحاس: وهذا القول مخالف لقول علماء الأمة. ثم علل سبحانه ذلك بقوله: {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ } أي بتبليغه إليكم {وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ } أن رسلهم قد بلغتهم، وقد تقدّم بيان معنى هذه الآية في البقرة. ثم أمرهم بما هو أعظم الأركان الإسلامية فقال: {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} وتخصيص الخصلتين بالذكر لمزيد شرفهما {وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ } أي اجعلوه عصمة لكم مما تحذرون، والتجؤوا إليه في جميع أموركم، ولا تطلبوا ذلك إلاّ منه {هُوَ مَوْلَـٰكُمْ } أي ناصركم ومتولي أموركم دقيقها وجليلها {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ } أي لا مماثل له في الولاية لأموركم والنصرة على أعدائكم. وقيل: المراد بقوله: {واعتصموا بِٱللَّهِ }: تمسكوا بدين الله. وقيل: ثقوا به تعالى. وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ } قال: نزلت في صنم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه: {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ } قال: الطالب آلهتهم، والمطلوب الذباب. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: {لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ } قال: لا تستنقذ الأصنام ذلك الشيء من الذباب. وأخرج الحاكم وصححه عنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله اصطفى موسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة»تفسير : . وأخرج أيضاً عن أنس وصححه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : موسى بن عمران صفي الله»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمٰن بن عوف قال: قال لي عمر: ألسنا كنا نقرأ فيما نقرأ: وجاهدوا في الله حق جهاده في آخر الزمان كما جاهدتم في أوّله؟ قلت: بلى فمتى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كانت بنو أمية الأمراء، وبنو المغيرة الوزراء. وأخرجه البيهقي في الدلائل عن المسور بن مخرمة قال: قال عمر لعبد الرحمٰن بن عوف فذكره. وأخرج الترمذي وصححه وابن حبان وابن مردويه والعسكري في الأمثال عن فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله»تفسير : . وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن عائشة؛ أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } قال: "حديث : الضيق"تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد قال: قال أبو هريرة لابن عباس: أما علينا في الدين من حرج في أن نسرق أو نزني؟ قال: بلى، قال: فما جعل عليكم في الدين من حرج، قال: الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن شهاب أن ابن عباس كان يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } توسعة الإسلام، ما جعل الله من التوبة والكفارات. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن يسار عن ابن عباس: {مَّا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } قال: هذا في هلال رمضان إذا شكّ فيه الناس، وفي الحج إذا شكوا في الأضحى، وفي الفطر وأشباهه. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير: أن ابن عباس سئل عن الحرج فقال: ادع لي رجلاً من هذيل، فجاءه فقال: مما الحرج فيكم؟ قال: الحرجة من الشجر التي ليس فيها مخرج، فقال ابن عباس: الذي ليس له مخرج. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، والبيهقي في سننه من طريق عبيد الله بن أبي يزيد، أن ابن عباس سئل عن الحرج فقال: ها هنا أحد من هذيل؟ قال رجل: أنا، فقال: ما تعدّون الحرجة فيكم؟ قال: الشيء الضيق، قال: هو ذاك. وأخرج البيهقي في سننه عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال: قرأ عمر بن الخطاب هذه الآية {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } ثم قال لي: ادع لي رجلاً من بني مدلج، قال عمر: ما الحرج فيكم؟ قال: الضيق. وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ في قوله: {مّلَّةَ أَبِيكُمْ } قال: دين أبيكم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: {سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ } قال الله عزّ وجلّ: سماكم. وروي نحوه عن جماعة من التابعين. وأخرج الطيالسي وأحمد، والبخاري في تاريخه، والترمذي وصححه، والنسائي وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والبغوي والبارودي وابن قانع والطبراني والحاكم وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان عن الحارث الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من دعا بدعوة الجاهلية فإنه من جثي جهنم"تفسير : ، قال رجل: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: "حديث : نعم، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين والمؤمنين عباد الله".

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ} لأن حجج الله عليهم بضرب الأمثال لهم أقرب لأفهامهم: فإن قيل فأين المثل المضروب؟ ففيه وجهان: أحدهما: أنه ليس هنا مثل ومعنى الكلام أنهم ضربوا لله مثلاُ في عبادته غيره، قاله الأخفش. الثاني: أنه ضرب مثلهم كمن عبد من لا يخلق ذباباً، قاله ابن قتيبة. {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم الأوثان الذين عبدوهم من دون الله. الثاني: أنهم السادة الذين صَرَفُوهُم عن طاعة الله. الثالث: أنهم الشياطين الذين حملوهم على معصية الله. {لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ} ليعلمهم أن العبادة إنما تكون للخالق المنشىء دون المخلوق المنشأ، وخص الذباب لأربعة أمور تخصه: لمهانته وضعفه واستقذاره وكثرته، وسُمِّي ذباباً لأنه يُذَبُّ احتقاراً واستقذاراً. {وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} يحتمل وجهين: أحدهما: إفساده لثمارهم وطعامهم حتى يسلبهم إياها. والثاني: أَلَمُهُ في قرض أبدانهم، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله على خلق مثله ودفع أذيته فكيف يكونون آلهة معبودين وأرباباً مُطَاعين وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان. ثم قال: {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبِ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون عائداً إلى العَابِد والمَعْبُود، فيكون في معناه وجهان: أحدهما: أن يكون عائداً إلى العابد والمعبود. الثاني: قهر العابد والمعبود. والاحتمال الثاني: أن يكون عائداً للسالب فيكون في معناه وجهان: أحدهما: ضعف للسالب عن القدرة والمسلوب عن النُصْرَة. الثاني: ضعف السالب بالمهانة والمسلوب بالاستكانة. {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: ما عظموه حق عظمته، قاله الفراء. الثاني: ما عرفوه حق معرفته، قاله الأخفش. الثالث: ما وصفوه حق صفته، قاله قطرب. قال ابن عباس: نزلت في يهود المدينة حين قالواْ استراح الله في يوم السبت.

ابن عطية

تفسير : الخطاب بقوله {يا أيها الناس} قيل هو خطاب يعم العالم، وقيل هو خطاب للمؤمنين حينئذ الذين أراد الله تعالى أن يبين عندهم خطأ الكافرين ولا شك أن المخاطب هم ولكنه خطاب يعم جميع الناس. متى نظره أحد في عبادة الأوثان توجه له الخطاب واختلف المتأولون في فاعل، {ضرب}، من هو فقالت فرقة: المعنى {ضرب} أهل الكفر مثلاً لله أصنامهم وأوثانهم فاستمعوا أنتم أيها الناس لأمر هذه الآلهة، وقالت فرقة: {ضرب} الله مثلاً لهذه الأصنام وهو كذا وكذا، فالمثال والمثل في القول الأول هي الأصنام والذي جعل له المثال الله تعالى، والمثال في التأويل الثاني هو في الذباب وأمره والذي جعل له هي الأصنام، ومعنى {ضرب} أثبت وألزم وهذا كقوله {أية : ضربت عليهم الذلة} تفسير : [آل عمران: 112]، وكقولك ضربت الجزية، وضرب البعث، ويحتمل أن يكون "ضرب المثل" من الضريب الذي هو المثل ومن قولك هذا ضرب هذا فكأنه قال مثل مثل، وقرأت فرقة "يدعون" بالياء من تحت والضمير للكفار، وقرأت فرقة "يُدعون" بالياء على ما لم يسم فاعله والضمير للأصنام، وبدأ تعالى ينفي الخلق والاختراع عنهم من حيث هي صفة ثابتة له مختصة به، فكأنه قال ليس لهم صفتي ثم ثنى بالأمر الذي بلغ بهم غاية التعجيز، وذكر تعالى أمر سلب الذباب لأنه كان كثيراً محسوساً عند العرب، وذلك أنهم كانوا يضمخون أوثانهم بأنواع الطيب فكان الذباب يذهب بذلك وكانوا متألمين من هذه الجهة فجعلت مثلاً، و"الذباب" جمعه أذبة في القليل وذبان في الكثير كغراب وأغربة وغربان ولا يقال ذبابات إلا في الديون لا في الحيوان، واختلف المتأولون في قوله تعالى، {ضعف الطالب والمطلوب}، فقالت فرقة أراد بـ {الطالب} الأصنام وبـ {المطلوب} الذباب، أي أنهم ينبغي أن يكونوا طالبين لما يسلب من طيبهم على معهود الأنفة من الحيوان، وقالت فرقة معناه ضعف الكفار في طلبهم الصواب والفضيلة من جهة الأصنام، وضعف الأصنام في إعطاء ذلك وإنالته ع ويحتمل أن يريد {ضعف الطالب} وهو الذباب في استلابه ما على الأصنام وضعف الأصنام في أن لا منفعة لهم وعلى كل قول، فدل ضعف الذباب الذي هو محسوس مجمع عليه وضعف الأصنام عن هذا المجمع على ضعفه على أن الأصنام في أحط رتبة وأخس منزلة، وقوله {ما قدروا الله حق قدره}، خطاب للناس المذكورين، والضمير في {قدروا} للكفار والمعنى ماوفوه حقه من التعظيم والتوحيد ثم أخبر بقوة الله وعزته وهما صفتان مناقضتان لعجز الأصنام.

ابن عبد السلام

تفسير : {ضُرِبَ مَثَلٌ} مثلهم في عبادة غير الله كمن عبد من لا يخلق ذباباً أو لا مثل ها هنا والمعنى ضربوا الله مثلاً بعبادة غيره، وسُمي ذباباً، لأنه يُذب استقذاراً له واحتقاراً، وخصه بالذكر لمهانته وضعفه واستقذاره وكثرته.

النسفي

تفسير : {يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ } بين {مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ } لضرب هذا المثل {أَنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ } {يَدَّعُونَ } سهل ويعقوب {مِن دُونِ ٱللَّهِ } آلهة باطلة {لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً } «لن» تأكيد نفي المستقبل وتأكيده هنا للدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل كأنه قال: محال أن يخلقوا. وتخصيص الذباب لمهانته وضعفه واستقذاره، وسمي ذباباً لأنه كلما ذب لاستقذاره آب لاستكباره {وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ } لخلق الذباب ومحله النصب على الحال كأنه قيل: مستحيل منهم أن يخلقوا الذباب مشروطاً عليهم اجتماعهم جميعاً لخلقه وتعاونهم عليه، وهذا من أبلغ ما أنزل في تجهيل قريش حيث وصفوا بالإلالهية التي تقتضي الاقتدار على المقدورات كلها والإحاطة بالمعلومات عن آخرها صوراً وتماثيل يستحيل منها أن تقدر على أقل ما خلقه الله تعالى وأذله لو اجتمعوا لذلك {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً } {شَيْئاً } ثاني مفعولي {يَسْلُبْهُمُ } {لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ } أي هذا الخلق الأقل الأذل لو اختطف منهم شيئاً فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه لم يقدروا. عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم كانوا يطلونها بالزعفران ورؤوسها بالعسل فإذا سلبه الذباب عجز الأصنام عن أخذه {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ } أي الصنم بطلب ما سلب منه {وَٱلْمَطْلُوبُ } الذباب بما سلب وهذا كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف، ولو حققت وجدت الطالب أضعف وأضعف فإن الذباب حيوان وهو جماد وهو غالب وذاك مغلوب {مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } ما عرفوه حق معرفته حيث جعلوا هذا الصنم الضعيف شريكاً له {إِنَّ ٱللَّهَ لْقَوِيٌ عَزِيزٌ } أي إن الله قادر وغالب فكيف يتخذ العاجز المغلوب شبيهاً به، أو لقوي بنصر أوليائه عزيز ينتقم من أعدائه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ} الآية لما بين أنهم يعبدون من دون الله ما لا حجة لهم به ولا علم ذكر هاهنا ما يدل على إبطال قولهم. قوله: "ضُرِبَ مَثَلٌ" قال الأخفش: ليس هذا مثل وإنما المعنى جعل الكفارُ لله مثلاً. قال الزمخشري: فإن قلت: الذي جاء به ليس مثلاً، فكيف سماه مثلاً؟ قلت قد سميت الصفة والقصة الرائعة المتلقاة بالامتحان والاستغراب مثلاً تشبيهاً لها ببعض الأمثال المسيرة لكونها مستغربة مستحسنة. وقيل: معنى "ضَرَبَ" جعل، كقولهم: ضَرَبَ السلطان البَعْثَ، وضرب الجِزْيَة على أهل الذمة. ومعنى الآية: فجعل لي شَبَهٌ وشُبِّه بي الأوثان، أي: جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها. وقيل: هو مثل من حيث المعنى، لأنه ضرب مثل من يعبد الأصنام بمن يعبد ما لا يخلق ذباباً. "فَاسْتَمِعُوا لَه" أي: فتدبروه حق تدبره لأن نفس السماع لا ينفع، وإنما ينفع بالتدبر. قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ} قرأ العامة "تَدْعُونَ" بتاء الخطاب والحسن ويعقوب وهارون ومحبوب عن أبي عمرو بالياء من تحت وهو في كلتيهما مبني للفاعل. وموسى الأسواري واليماني "يُدْعَوْنَ" بالياء من أسفل مبنياً للمفعول. والمراد الأصنام. فإن قيل: قول "ضُرِبَ" يفيد فيما مضى، والله تعالى هو المتكلم بهذا الكلام ابتداء فالجواب: إذا كان ما يورد من الوصف معلوماً من قبل جاز ذلك فيه، ويكون ذكره بمنزلة إعادة أمر تقدم. قوله: "لَنْ يَخْلُقُوا". جعل الزمخشري نفي "لَنْ" للتأبيد وتقدم البحث معه في ذلك. والذباب معروف، وهو واحد، وجمعه القليل: أذِبَّه، وفيه الكسرة، ويجمع على ذِبَّان وذُبَّان بكسر الذال وضمها وعلى ذُبّ. والمِذَبَّة ما يطرد بها الذباب. وهو اسم جنس واحدته ذبابة تقع للمذكر والمؤنث فتفرد بالوصف. قوله: {وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ} قال الزمخشري: نصب على الحال كأنه قال يستحيل خلقهم الذباب حال اجتماعهم لخلقه وتعاونهم عليه فكيف حال انفرادهم. وقد تقدم أن هذه الواو عاطفة هذه الجملة الحالية على حال محذوفة، أي: انتفى خلقهم الذباب على كل حال ولو في هذه الحالة المقتضية لخلقهم، فكأنه تعالى قال: إن هذه الأصنام لو اجتمعت لا تقدر على خلق ذبابة على ضعفها فكيف يليق بالعاقل جعلها معبوداً. قوله: {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً} السلب اختطاف الشيء بسرعة، يقال: سلبه نعمته. والسلب: ما على القتيل، وفي الحديث: "حديث : مَنْ قَتَل قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبه ". تفسير : وقوله: {لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} الاستنقاذ: استفعال بمعنى الإفعال، يقال: أنقذه من كربته، أي: أنجاه منه وخلصه، ومثله: أَبَلَّ المريض واسْتَبَلّ. فصل كأنه تعالى قال: أترُكُ أمر الخلق والإيجاد وأتكلمُ فيما هو أسهل منه، فإن الذباب إذا سَلَبَ منها شيئاً فهي لا تقدر على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب. واعلم أن الدلالة الأولى صالحة لأن يتمسك بها في نفي كون المسيح والملائكة آلهة، وأما الثانية فلا. فإن قيل: هذا الاستدلال إما أن يكون لنفي كون الأوثان خالقة عالمة حية مدبرة، وإما لنفي كونها مستحقة للتعظيم، والأول فاسد، لأن نفي كونها كذلك معلوم بالضرورة، فلا فائدة في إقامة الدلالة عليه. وأما الثاني فهذه الدلالة لا تفيده، لأنه لا يلزم من نفي كونها حيّة أن لا تكون معظمة، فإن جهات التعظيم مختلفة، فالقوم كانوا يعتقدون فيها أنها طلسمات موضوعة على صور الكواكب، أو أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين. فالجواب: أما كونها طلسمات موضوعة على الكواكب بحيث يحصل منها الضر والنفع، فهو يبطل بهذه الدلالة، فإنها لم تنفع نفسها في هذا القدر وهو تخليص النفس عن الذبابة فلأن لا تنفع غيرها أولى. وأما أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين، فقد تقرر في العقل أنَّ تعظيمَ غير الله ينبغي أن يكون أقل من تعظيم الله، والقوم كانوا يعظمونها نهاية التعظيم، وحينئذ كان يلزم التسوية بينها وبين الخالق سبحانه في التعظيم، فمن هاهنا استوجبوا الذم. فصل قال ابن عباس: كانوا يطلون الأصنام بالزعفران، فإذا جفَّ جاءت الذباب فاستلبته وقال السدي: كانوا يضعون الطعام بين يدي الأصنام فيقع الذباب عليه فيأكلن منه. وقال ابن زيد: كانوا يحلون الأصنام باليواقيت واللآلئ وأنواع الجواهر، ويطيبونها بأنواع الطيب، فربما يسقط منها واحدة فأخذها طائر وذباب فلا تقدر الآلهة على استردادها {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} قيل: هو إخبار. وقيل: تعجب. والأول أظهر. قال ابن عباس: الطالب الذباب يطلب ما يسلب من الطيب عن الصنم، والمطلوب الصنم يطلب الذباب منه السلب. وقيل: العكس الطالب الصنم والمطلوب الذباب، فالصنم كالطالب لأنه لو طلب أن يخلقه ويستنقذ منه ما استلبه لعجز عنه، والذباب بمنزلة المطلوب. وقال الضحاك: الطالب العابد والمطلوب المعبود، لأن كون الصنم طالباً ليس حقيقة بل على سبيل التقدير. وقيل: المعنى ضعف أي ظهر قبح هذا المذهب كما يقال عند المناظرة: ما أضعف هذا المذهب، وما أضعف هذا الوجه. قوله: {ما قدروا الله حق قدره} أي: ما عظموه حق تعظيمه، حيث جعلوا هذه الأصنام على نهاية خساستها شركاء له في المعبودية. {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}: "قويّ" لا يتعذر عليه فعل شيء "عزيز" لا يقدر أحد على مغالبته، فأي حاجة إلى القول بالشريك. قال الكلبي: في هذه الآية وفي نظيرها في سورة الأنعام: أنها نزلت في مالك ابن الصيف وكعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وغيرهم من اليهود، حيث قالوا: إن الله تعالى لما فرغ من خلق السموات والأرض أعيا من خلقها، فاستلقى واستراح، ووضع إحدى رجليه على الأخرى، فنزلت هذه الآية تكذيباً لهم، ونزل قوله: {أية : وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} تفسير : [ق: 38].

البقاعي

تفسير : ولما أخبر تعالى عن أنه لا حجة لعابد غيره، وهدد من عاند، أتبعه بأن الحجة قائمة على أن ذلك الغير في غاية الحقارة، ولا قدرة له على دفع ما هدد به عابدوه ولا على غيره، فكيف بالصلاحية لتلك الرتبة الشريفة، والخطة العالية المنيفة، فقال منادياً أهل العقل منبهاً تنبيهاً عاماً: {يا أيها الناس}. ولما كان المقصود من المثل تعقله لا قائله، بني للمفعول قوله: {ضرب مثل} حاصله أن من عبدتموه أمثالكم، بل هم أحقر منكم {فاستمعوا} أي أنصتوا متدبرين {له} ثم فسره بقوله: {إن الذين تدعون} أي في حوائجكم، وتجعلونهم آلهة {من دون الله} أي الملك الأعلى من هذه الأصنام التي أنتم بها مغترون، ولما تدعون فيها مفترون، لأن سلب القدرة عنها يبين أنها في أدنى المراتب {لن يخلقوا ذباباً} أي لا قدرة لهم على ذلك الآن، ولا يتجدد لهم هذا الوصف أصلاً في شيء من الأزمان، على حال من الأحوال، مع صغره، فكيف بما هو أكبر منه {ولو اجتمعوا} أي الذين زعموهم شركاء {له} أي الخلق، فهم في هذا أمثالكم {وإن} أي وأبلغ من هذا أنهم عاجزون عن مقاومة الذباب فإنه إن {يسلبهم الذباب} أي الذي تقدم أنه لا قدرة لهم على خلقه وهو في غاية الحقارة {شيئاً} من الأشياء جل أو قل مما تطلونهم به من الطيب أو تضعونه بين أيديهم من الأكل أوغيره {لا يستنقذوه} أي يوجدوا خلاصه أو يطلبوه {منه} فهم في هذا أحقر منكم، وجهة التمثيل به في الاستلاب الوقاحة، ولهذا يجوز عند الإبلاغ في الذب، فلو كانت وقاحته في الأسد لم ينج منه أحد، ولكن اقتضت الحكمة أن تصحب قوة الأسد النفرة، ووقاحة الذباب الضعف، وهو واحد لا جمع، ففي الجمع بين العباب والمحكم أن ابن عبيدة قال: إنه الصواب، ثم قال: وفي "كتاب ما تلحن فيه العامة" لأبي عثمان المازني: ويقال: هذا ذباب واحد، وثلاثة أذّبة، لأقل العدد ولأكثره ذباب، وقول الناس: ذبابة - خطأ، فلا تقله -. ولما كان هذا ربما أفهم قوة الذباب، عرف أن المقصود غير ذلك بقوله، فذلكة للكلام من أوله: {ضعف الطالب} أي للاستنقاذ من الذباب، وهو الأصنام وعابدوها {والمطلوب*} أي الذباب والأصنام، اجتمعوا في الضعف وإن كان الأصنام أضعف بدرجات. ولما أنتج هذا جهلهم بالله، عبر عنه بقوله: {ما قدروا الله} أي الذي له الكمال كله {حق قدره} في وصفهم بصفته غيره كائناً من كان، فكيف وهو أحقر الأشياء. ولما كان كأنه قيل: ما قدره؟ قال: {إن الله} أي الجامع لصفات الكمال {لقوي} على خلق كل ممكن {عزيز*} لا يغلبه شيء، وهو يغلب كل شيء بخلاف أصنامهم وغيرها. ولما نصب الدليل على أن ما دعوه لا يصلح أن يكون شيء منه إلهاً بعد أن أخبر أنه لم ينزل إليهم حجة بعبادتهم لهم، وختم بما له سبحانه من وصفي القوة والعزة بعد أن أثبت أن له الملك كله، تلا ذلك بدليله الذي تقتضيه سعة الملك وقوة السلطان من إنزال الحجج على ألسنة الرسل بأوامره ونواهيه الموجب لإخلاص العبادة له المقتضي لتعذيب تاركها، فقال: {الله} أي الملك الأعلى {يصطفي} أي يختار ويخلص {من الملائكة رسلاً} إلى ما ينبغي الإرسال فيه من العذاب والرحمة، فلا يقدر أحد على صدهم عما أرسلوا له، ولا شك أن قوة الرسول من قوة المرسل {ومن الناس} أيضاً رسلاً يأتون عن الله بما يشرعونه لعباده، لتقوم عليهم بذلك حجة النقل، مضمومة إلى سلطان العقل، فمن عاداهم خسر وإن طال استدراجه. ولما كان ذلك لا يكون إلا بالعلم، قال: {إن الله} أي الذي له الجلال والجمال {سميع} أي لما يمكن أن يسمع من الرسول وغيره {بصير*} أي مبصر عالم بكل ما يمكن عقلاً أن يبصر ويعلم، بخلاف أصنامهم. ولما كان المتصف بذلك قد يكون وصفه مقصوراً على بعض الأشياء، أخبر أن صفاته محيطة فقال: {يعلم ما بين أيديهم} أي الرسل {وما خلفهم} أي علمه محيط بما هم مطلعون عليه وبما غاب عنهم، فلا يفعلون شيئاً إلا بإذنه، فإنه يسلك من بين أيديهم ومن خلفهم رصداً ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وإن ظن الجاهلون غير ذلك، لاحتجابه سبحانه وتعالى في الأسباب، فلا يقع في فكر أصلاً أن المحيط علماً بكل شيء الشامل القدرة لكل شيء يكل رسولاً من رسله إلى نفسه، فيتكلم بشيء لم يرسله به، ولا أنه يمكن شيطاناً أو غيره أن يتكلم على لسانه بشيء، بل كل منهم محفوظ في نفسه {أية : لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} تفسير : [النجم: 3، 4] محفوظ عن تلبيس غيره {أية : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} تفسير : [الحجر: 9] {وإلى الله} أي الذي لا كفوء له، وحده {ترجع} أي بغاية السهولة بوعد فصل لا بد منه {الأمور*} يوم يتجلى لفصل القضاء، فكيون أمره ظاهراً لاخفاء فيه، ولا يصدر شيء من الأشياء إلا على وجه العدل الظاهر لكل أحد أنه منه. ولا يكون لأحد التفات إلى غيره، والذي هو بهذه الصفة له أن يشرع ما يشاء، وينسخ من الشروع ما يشاء، ويحكم بما يريد.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في صنم‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنه ‏ {‏ضعف الطالب‏} ‏ آلهتكم ‏ {‏والمطلوب‏} ‏ الذباب‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏لن يخلقوا ذبابا‏ً}‏ يعني الصنم لا يخلق ذباباً ‏ {‏وإن يسلبهم الذباب شيئا‏ً} ‏ يقول‏:‏ يجعل للأصنام طعام، فيقع عليه الذباب، فيأكل منه، فلا يستطيع أن يستنقذه منه، ثم رجع إلى الناس وإلى الأصنام ‏ {‏ضعف الطالب‏} ‏ الذي يطلب إلى هذا الصنم، الذي لا يخلق ذباباً ولا يستطيع أن يستنقذ ما سلب منه ‏ {‏و‏} ‏ ضعف ‏ {‏المطلوب‏}‏ إليه‏.‏ الذي لا يخلق ذباباً ولا يستنقذ ما سلب منه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إن الذين تدعون من دون الله‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏لا يستنقذوه منه‏}‏ قال‏:‏ الأصنام‏.‏ ذلك الشيء من الذباب‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد - رضي الله عنه - في قوله‏:‏ ‏ {‏ما قدروا الله حق قدره‏}‏ قال‏:‏ حين يعبدون مع الله ما لا ينتصف من الذباب‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والبيهقي في شعب الإيمان، عن طارق بن شهاب رضي الله عنه قال‏:‏ قال سلمان: دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل رجل النار في ذباب‏.‏ قالوا‏:‏ وما الذباب‏؟‏ فرأى ذباباً على ثوب إنسان فقال‏:‏ هذا الذباب‏.‏ قالوا‏:‏ وكيف ذلك‏؟‏ قال‏:‏ مر رجلان مسلمان على قوم يعكفون على صنم لهم، لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئاً، فقالوا لهما‏:‏ قربا لصنمنا قربانا‏ً.‏ قالا: لا نشرك بالله شيئا‏ً.‏ قالوا‏:‏ قربا ما شئتما ولو ذبابا‏ً.‏ فقال أحدهما لصاحبه‏:‏ ما ترى قال أحدهما‏:‏ لا أشرك بالله شيئا‏ً.‏ فقتل فدخل الجنة‏.‏ فقال الآخر‏:‏ بيده على وجهه، فأخذ ذباباً فألقاه على الصنم، فخلوا سبيله، فدخل النار‏.

السلمي

تفسير : قال عز وعلا: {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} [الآية: 73]. سمعت ابا بكر الرازى يقول: سمعت أبا العباس بن عطاء رحمة الله عليه وعليهم فى قوله: {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ...} قال: دَلَّهم بهذا على مقاديرهم فمن كان أشد هيبة وأعظم ملكًا لا يملكه الاحتراز من أهوال الخلق وأضعفه ليعلم بذلك ضعفه، وعجزه، وعبوديته، وذلته لئلا يفتخر على أبناء جنسه من بنى آدم بما يملكه من الدنيا. قوله تعالى: {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} [الآية: 73]. سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا بكر بن طاهر يقول فى هذه الآية {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ} أن يدركه، والمطلوب أن يفوته.

القشيري

تفسير : نَبه الأفكارَ المُشتَّتَةَ، والخواطرَ المتفرقة على الاستجماع لِسِماع ما أراد تضمينه فيها؛ فاستحضرها فقال: {ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ...}. ثم بيَّنَ المعنى فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي وتسمونها آلهة أنها للعبادة مستحقة لن يخلقوا بأجمعهم مذباباً، ولا دونَ ذلك. وإنْ يسلبهم الذبابُ شيئاً بأن يقع على طعام لهم فليس في وسعهم استنقاذهم ذلك منه، ومَنْ كان بهذه الصفة فَسَاءَ المَثَلُ مَثلُهم، وضَعُفَ وصفُهم، وقَلَّ خَطَرُهم. ويقال إن الذي لا يقاوم ذباباً فيصير به مغلوباً فأَهْوِنِ بِقَدْرِه!.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} بين الله سبحانه انه ذل الخليقة تحت قهر سلطانه وعظمة كبرياء قدمه لئلا يقبل على معدن الضعف وذل من يطلب الغر السرمدى فان الخليقة ممنوعة عن قوة قادرية احدية وكيف يكون لها مشية وقدرة وجميعها فى قبضة الجبروت عاجزة اسيرة لعزته وجلاله دعى الخلق بنعت الاقبال اليه لسان الغيرة عن الاقبال على معادن الحديثة ليكونوا عارفين ----- الربوبية وذل الخليقة قال ابن عطا دلهم بهذا على مقاديرهم فمن كان اشد هيبة واعظم ملكا لا يمكنه الاحتراز من اهون الخلق واضعفه يعلم بذلك عجزه وضعفه وعبوديته وذلته ولا يفتخر على ابناء جنسه من بنى أدم بما يملكه من الدنيا قال ابو بكر من طاهر ضعف الطالب ان يدركه والمطلوب ان يقوه ثم بين سبحانه بعد ذكره عجز الخلق والخليقة جلال قدره الذى لا يعرفه غيره بقوله {مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ازال المخائيل والاوهام ---- عن ادراك جلاله وقدره وهذا شكاية الله عن اشارة الخلق اليه بما هو غير موصوفه به ذكر غيرته اذا اقبلوا الى غير من هو موصوف بالقوة الازلية والعز السرمدية الا ترى كيف قال الله {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} قال الواسطى لا يعرف قدر الحق الا الحق وكيف يقدر قدره احد وقد عجز عن معرفة قدر الوسائط والرسل والاولياء والصديقين ومعرفة قدره ان لا تلتفت عنه الى غيره ولا تغفل عن ذكره ولا تفتر عن طاعته اذا ذاك عرفت طاهر قدره واما حقيقة قدره فلا يقدر وقدرها الا هو ثم بين سبحانه انه اصطفى من الملائكة ومن الناس رسلا يخبرون عنه ما يتعلق بعجز الخلق من ادراكه من وصف ذاته وصفاته بقوله {ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ} الملائكة وسائط الانبياء والانبياء وسائط العموم والاولياء للاولياء خالصة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ياايها الناس ضرب مثل} اى بين لكم حالة مستغربة به او قصة بديعة حقيقة بان تسمى مثلا وتسير فى الامصار والاعصار {فاستمعوا له} اى للمثل استماع تدبر وتفكر: وبالفارسية [بس بشنويد آن مثل را بكوش هوش ودران تأمل كنيد]. وفى التأويلات النجمية يشير بقوله {ياايها الناس} الى اهل النسيان عن حقيقة الامر بالعيان فلا بد لهم من ضرب مثل لعلهم ينبهون من نومن الغفلة فالخطاب لناسى عهد الميثاق عامة وللمسعين المستعدين لادراك فهم الخطاب بقوله {فاستمعوا له} خاصة وهذا الامر امر التكوين بسمعهم الخطاب ويتعظون به ثم بين المعنى فقال {ان الذين تدعون من دون الله} بعنى الاصنام التى تعبدونها متجاوزين عبادة الله تعالى وهو بيان للمثل وتفسير له، قال الكاشفى [وآن سيصد وشصت بت بودند برحوالى خانه نهاده حق سبحانه وتعالى فرمودكه اين همه بت كه مى برستيد بجز خداى تعالى]. وفى التأويلات من انواع الاصنام الظاهرة والباطنة {لن يخلقوا ذبابا} اى لن يقدروا على خلقه ابدا مع صغره وحقارته فان لن بما فيها من تأكيد النفى دالة على منافاة مابين المنفى والمنفى عنه والذباب من الذب اي يمنع ويدفع، قال فى المفردات الذباب يقع على المعروف من الحشرات الطائرة وعلى النحل والزنابير وفى قوله {وان يسلبهم الذباب شيئاً} فهو المعروف، وفى حياة الحيوان فى الحديث "حديث : الذباب فى النار لا النحل"تفسير : وهو يتولد من العفونة لم يخلق لها اجفان لصغر احداقها ومن شأن الاجفان ان تصقل مرآة الحدقة من الغبار فجعل الله لها يدين تصقل بهما مرآة حدقتها فلهذا ترى الذباب ابدا يسمح بيديه عينيه واذا بخر البيت بورق القرع ذهب منه الذباب {ولو اجتمعوا له} اى لخلقه وهومع الجواب القدر فى موضع حال جيء بها للمبالغة اى لا يقدرون على خلقه مجتمعين له متعاونين عليه فكيف اذا كانوا منفردين {وان يسلبهم الذباب شيئا} اى ان يأخذ الذباب منهم شيأ ويخطفه {لايستنقذوه منه} اى لايستردوه من الذباب مع غاية ضعفه لعجزهم: وبالفارسية [نميتوانند رهانيد يعنى باز نميتوانند ستانند آن جيزرا] قيل كانوا يطيبون الاصنام بالطيب والعسل ويغلقون عليها الابواب فيدخل الذباب من الكوى فيأكله، قال الكاشفى [رسم ايشان آن بودكه بتان را بعسل وخلوق مى اندودند ودرهاى بتخانه برايشان مى بستند مكسان ازروزن در آمده آنها ميخوردند وبعد ازجند روز اثر طيب وعسل برايشان نبود شادى مينمودندكه آنهارا خورده آند حق سبحانه وتعالى ازعجز وضعف بتان خبر ميد هدكه نه بر آفريدن مكس قادرند ونه بردفع ايشان ازخود] {ضعف الطالب والمطلوب} اى عابد الصنم ومعبوده او الذباب الطالب لما يسلبه عن الصنم من الطيب والصنم المطلوب منه ذلك.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الناس ضُرب مثلٌ} أي: يُبين لكم حالٌ مستغربة، أو قصة بديعة رائقة حقيقة بأن تسمى مَثَلاً، وتنشر في الأمصار والأعصار، {فاستمعوا له}؛ لضرب هذا المثل؛ استماع تدبر وتفكر، وهو: {إِنَّ الذين تدْعُون}، وعن يعقوب: بياء الغيبة، أي: إن الذين تدعونهم آلهة وتعبدونهم {من دون الله لن يخلقُوا ذُبابًا} أي: لن يقدروا على خلقه أبدًا، مع صغره وحقارته. و {لن}: لتأبيد النفي، فتدل على استحالته، {ولو اجتمعوا له} أي: الذباب. ومحله: نصب على الحال، كأنه قال: لا يقدرون على خلقه مجتمعين له، متعاونين عليه، فكيف إذا كانوا منفردين؟! وهذا أبلغ ما أنزل في تجهيل قريش، حيث وَصَفوا بالألوهية - التي من شأنها الاقتدار على جميع المقدورات، والإحاطة بكل المعلومات - صُورًا وتماثيل، يستحيل منها أن تقدر على أضعف ما خلقه الله تعالى وأذله، ولو اجتمعوا له. {وإِن يسلبْهُمُ الذبابُ شيئًا} من الطيب وغيره، {لا يستنقذوه منه} أي: هذا الخلق الأرذل الأضعف، لو اختطف منهم شيئًا فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه، لم يقدروا وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنهم كانوا يطلُونها بالعسل والطيب، ويغلقون عليها الأبواب، فيدخل الذبابُ من الكُوِي فيأكله، فتعجز الأصنام عن أخذه. {ضَعُفَ الطالبُ}: الصنمُ بطلب ما سُلب منه، {والمطلوبُ}: الذباب بما سَلَب. وهذا كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف، ولو حققت لوجدت الطالب أضعفَ وأضعفَ؛ فإنَّ الذباب حيوان والصنم جماد. {ما قَدَروا الله حقَّ قدره}: ما عرفوه حق معرفته، حيث جعلوا هذا الصنم الضعيف شريكًا له، {إِن الله لقويٌّ عزيز} أي: قادر غالب، فكيف يتجه أن يكون العاجز المغلوب شبيهًا له! أو لقوي ينصر أولياءه، عزيز ينتقم من أعدائه. بَعْدَ أن ذكر تعالى أنهم لم يقدروا له قدرًا؛ حيث عبدوا معه من هو منسلخ من صفاته، وسموه باسمه مع عجزه. ختم بصفتين منافيتين لصفات آلهتهم؛ وهي القوة والغلبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من تعلق في حوائجه بغير الله أو ركن بالمحبة إلى شيء سواه، فقد أشرك مع الله أضعف شيء وأقله. فماذا يجدي تعلقُ العاجزُ بالعاجز، والضعيف بالضعيف، ضَعف الطالبُ والمطلوب. فما قدر الله حقَ قدره من تعلق في أموره بغيره. قال الورتجبي: بيَّن سبحانه - بعد ذكر عجز الخلق والخليقة - جلال قدره الذي لا يعرفه غيره، بقوله: ما قدروا الله حق قدره، قال: وهذه شكاية عن إشارة الخلق إليه بما هو غير موصوف به، فذكر غيرته؛ إذ أقبلوا إلى غير من هو موصوف بالقوة الأزلية والعزة السرمدية. ألا ترى كيف قال: {إن الله لقويٌ عزيزٌ}. ثمَّ بيَّن أنه تعالى اصطفى من الملائكة رسلاً يخيرون عنه..

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} بعدما اوعد الكفّار بولاية علىّ (ع) نادى النّاس عموماً فقال {ضُرِبَ مَثَلٌ} لبيان حالهم وحال علىّ (ع) {فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ} بالتّعاون مثل حال منافقى الامّة بحال الاصنام الّتى لا تقدر على احقر ما يكون {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ} الّذى هو مثل علىٍّ (ع) فى ضعف حاله وفى كونه كرّاراً غير فرّار كلّما ذُبّ آب {شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ} الّذى يدعو مثل هذا المدعوّ الّذى لا يقدر على شيءٍ حقيرٍ {وَٱلْمَطْلُوبُ} الّذى لا يقدر على خلق احقر ولا دفعه عن نفسه.

فرات الكوفي

تفسير : {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له73} قال: حدّثني علي بن محمد [بن عمر الزهري] معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام [في قوله. أ. ر: في قول الله تعالى]: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له} [قال: علي بن أبي طالب عليه السلام. ر، أ]: {إِن الذين يدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً}.

الهواري

تفسير : قوله: {يَآأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} يعني المشركين {إِنَّ الذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} يعني الأوثان {لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ} أي: أن الذّباب يقع على تلك الأوثان، فينقر أعينها ووجوهها، فيسلبها ما أخذ من وجوهها وأعينها. وقال بعضهم: إنهم كانوا يطلونها بخَلُوق. قال الله: {ضَعُفَ الطَّالِبُ} يعني الوثن {وَالْمَطْلُوبُ} أي: الذباب. قوله: {مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي: ما عظّموا الله حقّ عظمته بأن عبدوا الأوثان من دونه التي إن سلبها الذباب الضعيف شيئاً لم تستطع أن تمتنع منه. {إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} أي: بقوته وعزته ذل من دونه. قوله: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلآئِكَةِ رُسُلاً} أي: يختار من الملائكة رسلاً {وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}. {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي: من أمر الآخرة {وَمَا خَلْفَهُمْ} أي: من أمر الدنيا [إذا كانا في الآخرة] {وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} أي: يوم القيامة. قوله: {يَآأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} يعني الصلاة المكتوبة {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} أي: لا تعبدوا غيره {وَافْعَلُوا الخَيْرَ} أي: في وجهتكم {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي: لكي تفلحوا.

اطفيش

تفسير : {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ} عام. وقيل: المراد أهل مكة {ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا} انما سمي ما يأتي مثلا وليس مثلا لانه صفة مستغربة او قصة رائعة تتلقى بالاستحسان فهو شبيه ببعض الامثال المسيرة المستحسنة المستغربة أو المراد جعل الله مثلا في استحقاق العبادة والاستماع للمثل أو شأنه استماع تدبر وتفكر. {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} وهم الاصنام. وقرأ يعقوب بالتحتية. وقرئ بالبناء للمفعول مع التحتية والعائد على الأولين محذوف وعلى الثالث هو الواو {لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً} قيل المراد الجنس والواحد ذبابة وهو كالقوم والنخل يجوز رد الضمير إليه مفردا وجمعا والذبابة تقع على الذكر والانثى ويجمع الذباب على اذبة وذبان بالكسر ولا يقال ذبانة. وقيل: يطلق ايضا على المفرد وانه هنا كذلك وسمي ذبابا لانه يذب فيرجع (ولن) للنفي القوي فكأنه قيل يستحيل ان يخلقوا ذبابا فاذا لم يقدروا على خلقه مع صغره فكيف يعبدون؟ {وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} الواو للمعطوف على محذوف اي ان لم يجتمعوا ولو اجتمعوا أو للحال لا يقدرون على خلقه مجتمعين لخلقه فكيف إذ كانوا منفردين وجواب (لو) دل عليه ان يخلقوا والهاء عائدة للخلق المفهوم من (لن يخلقوا) وللذباب على حذف مضاف اي لخلقه وهذا من ابلغ ما نزل في استجهال قريش واستركاك عقولهم حيث وصفوا بالالوهية المقتضية للقدرة على كل شيء صوارا يستحيل منها ان تخلق شيئا ذليلا حقيرا صغيرا ولو اجتمعوا له وذلك مثال لا قيد يخرج ما تحته فان الخلق كلهم لو اجتمعوا ان يخلقوا ما دون الذباب لم يقدروا وادل من ذلك على عجزهم ان هذا الخلق الاقل الاذل لو اختلط منهم شيئا فاجتمعوا ان يستخلصوه منه لم يقدروا كما قال {وَإِن يَسْلُبْهُمْ} أي الاصنام * {الذُّبَابُ شَيْئاً} من الطيب والزعفران الملطخين به {لاَ يَسْتَنقِذُوهُ} لا يستردوه لعجزهم فكيف يكونون آلهة وكانوا يضعون الطعام بين يديها فيجيئ الذباب فيأكل منه ويطلونها بالزعفران والطيب فتقع الذباب عليها فتسلبه حيث كان في الوجه أو غيره وكانوا يغلقون الباب فتدخل من الكوى ويطلونها ايضا بالعسل. وعن ابن عباس يطلونها بالزعفران وكانوا يتألمون بوقوع الذباب عليها أو سلبها (وشيئا) مفعول ثاني والسلب المنع أي يمنعهم شيئا اي يزيله عنهم. قيل: (لن) لما فيها من تأكيد النفي دالة على منافاة ما بين المنفي والمنفي عنه ولن للتابيد ما لم يدل دليل على عدمه {ضَعُف الطَالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} الطالب الذباب لانه يطلب ما على الاصنام ويسلبه والمطلوب الاصنام لانها مطلوبة للذباب ولا تمتنع منه فهي ضعيفة قاله ابن عباس أو الطالب الاصنام اي ينبغي ان تكون طالبة لما يسلب منها على معهود الانفة في الحيوان والمطلوب الذباب ينبغي ان يكون مطلوبا لها لما سلبها. وقيل: الطالب الكفار اي ضعفوا في طلب الفضيلة من الاصنام والمطلوب الاصنام تضعف في انالة ما طلب منها. وقرب منه ما قيل ضعف العابد والمعبود والصنم لكونه جمادا اضعف من الكافر ومن الذباب.

اطفيش

تفسير : {يا أيها النَّاس ضرُبَ} بين لكم {مَثلٌ} حال غريبة أو قصة غريبة فى اللوح المحفوظ أوالماضى، لتحقق الوقوع بعد، وذلك كمثل سائر فى الأمصار والأعصار {فاسْتعُموا له} للمثل للتفكر فيه، أو لأجل المثل، وفسر المثل بقوله: {إنَّ الذين تَدْعون من دُون اللَّهِ} الى قوله: "ضعف الطالب والمطلوب" ويضعف أن يكون المعنى جعل لله شبه فاستمعوا له أو لأجله، فتعرفوا بطلانه بعجزهم عن خلق الذباب وعن استنقاذ ما يسلب الذباب عنهم، والخطاب فى: {يا أيها الناس} للمكلفين، ولو ذكر {إن الذين تدعون} على معنى أن فيكم هؤلاء الداعين من دون الله، خاطبهم بما فعل بعض كقولك: يا بنى تميم القاتلين لفلان، والقاتل بعضهم، أو الخطاب للكفار، وعبر عن الأصنام بالذين لأنها عندهم كالعقلاء. {لن يخْلقُوا ذُباباً} لن يقدروا على خلقه مع صغره {ولو اجْتمعُوا له} أى لخلقه، وعبر عن القدرة بلازمها ومسبها وهو الخلق، واختاره مما يماثله فى الصغر، أو كان دونه ليرتب عليه قوله {وإن يسْلبُهم} أى الأصنام التى يدعون {الذُّباب شيئاً} مما يلطخونهم به من عسل أو عطر أو زعفران أو نحوه، لأن الذباب هو المعروف بالوقوع علىالاشياء الدسمة، وسمى ذبابا لأنه يذب أى يطرد فيجع من الذب، بمعنى الاختلاف ذهابا ورجوعا {لا يسْتنقذُوه} لا يخلصوه {منه ضَعُف الطَّالبُ} الذباب {والمَطْلوبُ} الصَّنم، كانوا يلطخونها بأنواع الطيب، ويغلقون عليها، ويدخل الذباب فيمتص منها، فهو طالب لذلك، وهى مطلوبة بذلك، أو الطالب الأصنام تطلب مجازا ما سلب منها، والمطلوب الذباب تطلبه بالرد، أو المطلوب الأصنام، والطالب عابدوها، يطلبون أن تنفعهم.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ} أي بين لكم حال مستغربة أو قصة بديعة رائقة، حقيقة بأن تسمى مثلاً وتسير في الأمصار والأعصار، وعبر عن بيان ذلك بلفظ الماضي لتحقق الوقوع، ومعنى المثل في الأصل المثل ثم خص بما شبه بمورده من الكلام فصار حقيقة ثم استعير لما ذكر، وقيل المثل على حقيقته و {ضُرِبَ} بمعنى جعل أي جعل لله سبحانه شبه في استحقاق العبادة وحكي ذلك عن الأخفش، والكلام متصل بقوله تعالى: { أية : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً } تفسير : [الحج: 71] {فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ} أي للمثل نفسه استماع تدبر وتفكر أو لأجله ما أقول فقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} إلى آخره بيان للمثل وتفسير له على الأول وتعليل لبطلان جعلهم معبوداتهم الباطلة مثلاً لله تعالى شأنه في استحقاق العبادة على الثاني، ومنهم من جعله على ما ذكرنا وعلى ما حكي عن الأخفش تفسيراً أما على الأول فللمثل نفسه بمعناه المجازي وأما على الثاني فلحال المثل بمعناه الحقيقي، فإن المعنى جعل الكفار لله مثلاً فاستمعوا لحاله وما يقال فيه، والحق الذي لا ينكره إلا مكابر أن تفسير الآية بما حكي فيه عدول عن المتبادر. والظاهر أن الخطاب في {أَيُّهَا ٱلنَّاسُ} لجميع المكلفين لكن الخطاب في {تَدْعُونَ} للكفار. واستظهر بعضهم كون الخطاب في الموضعين للكفار والدليل على خصوص الأول الثاني، وقيل هو في الأول للمؤمنين ناداهم سبحانه ليبين لهم خطأ الكافرين، وقيل هو في الموضعين عام وأنه في الثاني كما في قولك: أنتم يا بني تميم / قتلتم فلاناً وفيه بحث. وقرأ الحسن ويعقوب وهٰرون والخفاف ومحبوب عن أبـي عمرو {يَدَّعُونَ} بالياء التحتية مبنياً للفاعل كما في قراءة الجمهور. وقرأ اليماني وموسى الأسواري {يَدَّعُونَ} بالياء من تحت أيضاً مبنياً للمفعول، والراجع للموصول على القراءتين السابقتين محذوف. {لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً} أي لا يقدرون على خلقه مع صغره وحقارته، ويدل على أن المراد نفي القدرة السباق مع قوله تعالى: {وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ} أي لخلقه فإن العرف قاض بأنه لا يقال: لن يحمل الزيدون كذا ولو اجتمعوا لحمله إلا إذا أريد نفي القدرة على الحمل، وقيل جاء ذلك من النفي بلن فإنها مفيدة لنفي مؤكد فتدل على منافاة بين المنفي وهو الخلق والمنفي عنه وهو المعبودات الباطلة فتفيد عدم قدرتها عليه، والظاهر أن هذا لا يستغني عن معونة المقام أيضاً، وأنت تعلم أن في إفادة (لن) النفي المؤكد خلافاً؛ فذهب الزمخشري إلى إفادتها ذلك وأن تأكيد النفي هنا للدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل وقال في «أنموذجه» بإفادتها التأبيد. وذهب الجمهور وقال أبو حيان: هو الصحيح إلى عدم إفادتها ذلك وهي عندهم أخت لا لنفي المستقبل عند الإطلاق بدون دلالة على تأكيد أو تأبيد وأنه إذا فهم فهو من خارج وبواسطة القرائن وقد يفهم كذلك مع كون النفي بلا فلو قيل هنا لا يخلقون ذباباً ولو اجتمعوا له لفهم ذلك، ويقولون في كل ما يستدل به الزمخشري لمدعاه: إن الإفادة فيه من خارج ولا يسلمون أنها منها ولن يستطيع إثباته أبداً. والانتصار له بأن سيفعل في قوة مطلقة عامة ولن يفعل نقيضه فيكون في قوة الدائمة المطلقة ولا يتأتى ذلك إلا بإفادة لن التأبيد ليس بشيء أصلاً كما لا يخفى، وكأن الذي أوقع الزمخشري في الغفلة فقال ما قال اعتماداً على ما لا ينتهض دليلاً شدة التعصب لمذهبه الباطل واعتقاده العاطل نسأل الله تعالى أن يحفظنا من الخذلان. والذباب اسم جنس ويجمع على أذبة وذبان بكسر الذال فيهما وحكى في «البحر» ضمها في ذبان أيضاً، وهو مأخوذ من الذب أي الطرد والدفع أو من الذب بمعنى الاختلاف أي الذهاب والعود وهو أنسب بحال الذباب لما فيه من الاختلاف حتى قيل: إنه منحوت من ذب آب أي طرد فرجع، وجواب {لَوْ} محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة معطوفة على شرطية أخرى محذوفة ثقة بدلالة هذه عليها أي لو لم يجتمعوا له ويتعاونوا عليه لن يخلقوه ولو اجتمعوا له وتعاونوا عليه لن يخلقوا وهما في موضع الحال كأنه قيل: لن يخلقوا ذباباً على كل حال. وقال بعضهم: الواو للحال {وَلَّوْاْ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ} بجوابه حال، وقال آخرون: إن {لَوْ} هنا لا تحتاج إلى جواب لأنها انسلخت عن معنى الشرطية وتمحضت للدلالة على الفرض والتقدير، والمعنى لن يخلقوا ذباباً مفروضاً اجتماعهم. {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً} بيان لعجزهم عن أمر آخر دون الخلق أي وإن يأخذ الذباب منها شيئا {لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ } أي لا يقدروا على استنقاذه منه مع غاية ضعفه. والظاهر أن استنقذ بمعنى نقذ، وفي الآية من تجهيلهم في إشراكهم بالله تعالى القادر على جميع الممكنات المتفرد بإيجاد كافة الموجودات عجزة لا تقدر على خلق أقل الأحياء وأذلها ولو اجتمعوا له ولا على استنقاذ / ما يختطفه منهم ما لا يخفى. والآية وإن كانت نازلة في الأصنام فقد كانوا كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يطلونها بالزعفران ورؤسها بالعسل ويغلقون عليها فيدخل الذباب من الكوى فيأكله، وقيل: كانوا يضمخونها بأنواع الطيب فكان الذباب يذهب بذلك إلا أن الحكم عام لسائر المعبودات الباطلة. {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} تذييل لما قبل اختبار أو تعجب والطالب عابد غير الله تعالى والمطلوب الآلهة كما روي عن السدي والضحاك، وكون عابد ذلك طالباً لدعائه إياه واعتقاده نفعه، وضعفه لطلبه النفع من غير جهته، وكون الآخر مطلوباً ظاهراً كضعفه، وقيل الطالب الذباب يطلب ما يسلبه عن الآلهة والمطلوب الآلهة على معنى المطلوب منه ما يسلب. وروى ابن مردويه وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، واختاره الزمخشري أن الطالب الأصنام والمطلوب الذباب، وفي هذا التذييل حينئذ إيهام التسوية وتحقيق أن الطالب أضعف لأنه قدم عليه أن هذا الخلق الأقل هو السالب وذلك طالب خاب عن طلبته ولما جعل السلب المسلوب لهم وأجراهم مجرى العقلاء أثبت لهم طلباً ولما بين أنهم أضعف من أذل الحيوانات نبه به على مكان التهكم بذلك. ومن الناس من اختار الأول لأنه أنسب بالسياق إذ هو لتجهيلهم وتحقير ءالهتهم فناسب إرادتهم وآلهتهم من هذا التذييل.

ابن عاشور

تفسير : أعقبت تضاعيف الحجج والمواعظ والإنذارات التي اشتملت عليها السورة مما فيه مقنع للعلم بأن إله الناس واحد وأن ما يُعبد من دونه باطل، أعقبت تلك كلها بمثَل جامع لوصف حال تلك المعبودات وعابديها. والخطاب بــــ {يا أيها الناس} للمشركين لأنهم المقصود بالردّ والزجر وبقرينة قوله: {إن الذين تدعون} على قراءة الجمهور {تدعون} بتاء الخطاب. فالمراد بــــ {الناس} هنا المشركون على ما هو المصطلح الغالب في القرآن. ويجوز أن يكون المراد بــــ {الناس} جميعَ الناس من مسلمين ومشركين. وفي افتتاح السورة بــــ {يا أيها الناس} وتنهيتها بمثل ذلك شبه بردّ العجز على الصدر. ومما يزيده حسناً أن يكون العجز جامعاً لما في الصدر وما بَعده، حتى يكون كالنتيجة للاستدلال والخلاصةِ للخطبة والحَوصلة للدرس. وضرب المثل: ذِكرهُ وبيانُه؛ استعير الضرب للقول والذكر تشبيهاً بوضع الشيء بشدّة، أي ألقي إليكم مثَل. وتقدم بيانه عند قوله تعالى: {أية : أن يضرب مثلاً ما} تفسير : في [سورة البقرة: 26]. وبني فعل {ضُرب} بصيغة النائب فلم يذكر له فاعل بعكس ما في المواضع الأخرى التي صُرّح فيها بفاعل ضَرْب المثل نحو قوله تعالى: {أية : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما} تفسير : في[سورة البقرة: 26] و{أية : ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً} تفسير : في[سورة النحل: 75] و{أية : ضرب الله مثلاً رجلاً} تفسير : في[سورة الزمر: 29] {أية : وضرب الله مثلاً رجلين} تفسير : في[سورة النحل: 76]. إذ أسند في تلك المواضع وغيرها ضَرب المثل إلى الله، ونحو قوله: {أية : فلا تضربوا لله الأمثال} تفسير : في [سورة النحل: 74]. و{أية : ضرب لنا مثلاً ونسي خلقه} تفسير : في [سورة يس: 78]، إذ أسند الضرب إلى المشركين، لأنّ المقصود هنا نسج التركيب على إيجاز صالح لإفادة احتمالين: أحدهما: أن يقدّر الفاعل الله تعالى وأن يكون المثَل تشبيهاً تمثيلياً، أي أوضح الله تمثيلاً يوضح حال الأصنام في فرط العجز عن إيجاد أضعف المخلوقات كما هو مشاهد لكلّ أحد. والثاني: أن يقدّر الفاعل المشركين ويكون المثَل بمعنى المُماثل، أي جعلوا أصنامهم مُماثلة لله تعالى في الإلهية. وصيغة الماضي في قوله {ضُرب}مستعملة في تقريب زَمن الماضي من الحال على الاحتمال الأول، نحو قوله تعالى: {أية : لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً}تفسير : [النساء: 9]، أي لو شارفوا أن يَتركوا، أي بعد الموت. وجملة {إن الذين تدعون من دون الله} إلى آخرها يجوز أن تكون بياناً لفعل {ضُرب}على الاحتمال الأول في التقدير، أي بين تمثيل عجيب. ويجوز أن تكون بياناً للفظ {مثَل} لما فيها من قوله: {تدعون من دون الله} على الاحتمال الثاني. وفرع على ذلك المعنى من الإيجاز قوله: {فاستمعوا له} لاسترعاء الأسماع إلى مُفاد هذا المثَل مما يبطل دعوى الشركة لله في الإلهية، أي استمعوا استماع تَدبّر. فصيغة الأمر في {استمعوا له} مستعملة في التحريض على الاحتمال الأول، وفي التعجيب على الاحتمال الثاني. وضمير {له}عائد على المثَل على الاحتمال الأول لأنّ المثل على ذلك الوجه من قبيل الألفاظ المسموعة، وعائدٌ على الضّرب المأخوذ من فعل {ضُرب}على الاحتمال الثاني على طريقة {أية : اعدلوا هو أقرب للتقوى}تفسير : [المائدة: 8]، أي استمعوا للضرب، أي لما يدلّ على الضرب من الألفاظ، فيقدر مُضاف بقرينة {استمعوا}لأن المسموع لا يكون إلاّ ألفاظاً، أي استمعوا لما يدلّ على ضرب المثل المتعجّب منه في حماقة ضاربيه. واستعملت صيغة الماضي في {ضُرب}مع أنه لمَّا يُقَلْ لتقريب زمن الماضي من الحال كقوله: {أية : لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً}تفسير : [النساء: 9]، أي لو قاربوا أن يتركوا، وذلك تنبيه للسامعين بأن يتهيأوا لتلقي هذا المثل، لما هو معروف لدى البلغاء من استشرافهم للأمثال ومواقعها. والمَثل: شاع في تشبيه حالة بحالة، كما تقدّم في قوله {أية : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} تفسير : في[سورة البقرة: 17]، فالتشبيه في هذه الآية ضمني خفيّ ينبىء عنه قوله: {ولو اجتمعوا له} وقوله {لا يستنقذوه منه ضَعُف الطالب والمطلوب}. فشُبهت الأصنام المتعددة المتفرقة في قبائل العرب وفي مكّة بالخصوص بعظماء، أي عند عابديها. وشبهت هيئتها في العجز بهيئة ناس تعذّر عليهم خلق أضعف المخلوقات، وهو الذباب، بلْهَ المخلوقات العظيمة كالسماوات والأرض. وقد دلّ إسناد نفي الخلق إليهم على تشبيههم بذوي الإرادة لأنّ نفي الخلق يقتضي محاولة إيجاده، وذلك كقوله تعالى: {أية : أموات غير أحياء}تفسير : كما تقدم في[سورة النحل: 21]. ولو فرض أن الذباب سلبهم شيئاً لم يستطيعوا أخذه منه، ودليل ذلك مشاهدة عدم تحركهم، فكما عجزت عن إيجاد أضعف الخلق وعن دفع أضعف المخلوقات عنها فكيف تُوسم بالإلهية، ورمز إلى الهيئة المشبه بها بذكر لوازم أركان التشبيه من قوله {لن يخلقوا} وقوله {وإن يسلبهم الذباب شيئاً} إلى آخره، لا جرم حصل تشبيه هيئة الأصنام في عجزها بما دون هيئة أضعف المخلوقات فكانت تمثيلية مكنية. وفسر صاحب «الكشاف» المثل هنا بالصفة الغريبة تشبيهاً لما ببعض الأمثال السائرة. وهو تفسير بما لا نظير له ولا استعمال يعضده اقتصاداً منه في الغوص عن المعنى لا ضُعفاً عن استخراج حقيقة المثل فيها وهو جُذَيعُها المحكّك وعُذيقها المرجب ولكن أحسبه صادف منه وقت سرعة في التفسير أو شغلاً بأمر خطير، وكم ترك الأول للأخير. وفرع على التهيئة لتلقي هذا المثل الأمر بالاستماع له وإلقاء الشراشر لوعيه وترقب بيان إجماله توخيّاً للتفطّن لما يتلى بعد. وجملة {إن الذين تدعون} الخ بيان لــــ {مثل}على كلا الاحتمالين السابقين في معنى {ضرِب مَثل}، فإن المثَل في معنى القول فصحّ بيانه بهذا الكلام. وأكد إثبات الخبر بحرف توكيد الإثبات وهو (إن)، وأكد ما فيه من النفي بحرف توكيد النفي (لَن) لتنزيل المخاطبين منزلة المنكرين لمضمون الخبر، لأنّ جعلهم الأصنام آلهة يقتضي إثباتهم الخلق إليها وقد نفي عنها الخلق في المستقبل لأنه أظهر في إقحام الذين ادعوا لها الإلهية لأنّ نفي أن تخلق في المستقبل يقتضي نفي ذلك في الماضي بالأحرى لأن الذي يفعل شيئاً يكون فعله من بعد أيسر عليه. وقرأ الجمهور {تَدْعُون} بتاء الخطاب على أن المراد بالنّاس في قوله: {يا أيها الناس} خصوصَ المشركين. وقرأه يعقوب ــــ بياء الغيبة ــــ على أن يقصد بــــ {يا أيها الناس} جميع الناس وأنّهم عُلِموا بحال فريق منهم وهم أهل الشرك. والتقدير: إن الذين يدعون هم فريق منكم. والذّباب: اسم جمعِ ذبابة، وهي حشرة طائرة معروفة، وتجمع على ذِبّان ــــ بكسر الذال وتشديد النون ــــ ولا يُقال في العربية للواحدة ذِبّانة. وذكر الذّباب لأنه من أحقر المخلوقات التي فيها الحياة المشاهدة. وأما ما في الحديث في المصورين قال الله تعالى: «حديث : فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة» تفسير : فهو في سياق التعجيز لأنّ الحبّة لا حياة فيها والذرة فيها حياة ضعيفة. وموقع {لو اجتمعوا له} موقع الحال، والواو واو الحال، و(لو) فيه وصلية. وقد تقدّم بيان حقيقتها عند قوله: {أية : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به}تفسير : في[سورة آل عمران: 91]. أي لن يستطيعوا ذلك الخلق وهم مفترقون، بل ولو اجتمعوا من مفترق القبائل وتعاونوا على خلق الذباب لن يخلقوه. والاستنقاذ: مبالغة في الإنقاذ مثل الاستحياء والاستجابة. وجملة {ضعف الطالب والمطلوب} تذييل وفذلكة للغرض من التمثيل، أي ضعف الداعي والمدعو، إشارة إلى قوله: {إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً} الخ، أي ضعفتم أنتم في دعوتهم آلهة وضعفت الأصنام عن صفات الإله. وهذه الجملة كلام أرسل مثلاً، وذلك من بلاغة الكلام.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ضرب مثل: أي جعل مثل هو ما تضمنه قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ.. الخ}. لن يخلقوا ذباباً: أي لن يستطيعوا خلق ذبابة وهي أحقر الحيوانات تتخلق من العفونات. ولو اجتمعوا: أي على خلقه فإنهم لا يقدرون، فكيف إذا لم يجتمعوا فهم أعجز. لا يستنقذوه منه: أي لا يستردوه منه وذلك لعجزهم. ضعف الطالب والمطلوب: أي العابد والمعبود. ما قدروا الله حق قدره: أي ما عظم المشركون الله تعالى حق قدره أي عظمته. يصطفي من الملائكة رسلاً: أي يجتبي ويختار كجبريل. ومن الناس: كمحمد صلى الله عليه وسلم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الدعوة إلى التوحيد والتنديد بالشرك والمشركين يقول تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ} أي يا أيها المشركون بالله آلهة أصناماً ضرب لآلهتكم في حقارتها وضعفها وقلة نفعها مثل رائع فاستمعوا له. وبينه بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} من أوثان وأصنام {لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً} وهو أحقر حيوان وأخبث أي اجتمعوا واتحدوا متعاونين على خلقه، أو لم يجتمعوا له فإنهم لا يقدرون على خلقه وشيء آخر وهو إن يسلب الذاب الحقير شيئاً من طيب آلهتكم التي تضمّخونها به، لا تستطيع آلهتكم أن تسترده منه فما أضعفها إذاً وما أحقرها إذا كان الذباب أقدر منها وأعز وأمنع. وقوله تعالى: {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} أي ضعف الصنم والذباب معاً كما ضعف العابد المشرك والمعبود الصنم {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} أي قوي قادر على كل شيء عزيز غالب لا يمانع في أمر يريده فكيف ساغ للمشركين أن يؤلهوا غيره ويعبدونه معه ويجعلونه له مثلاً. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى [73] والثانية [74] وقوله تعالى: {ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ} هذا رد على المشركين عندما قالوا: {أية : أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} تفسير : [ص: 8] وقالوا: {أية : أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً}تفسير : [الإسراء: 94] فأخبر تعالى أنه يصطفي أي يختار من الملائكة رسلاً كما اختار جبرائيل وميكائيل، ومن الناس كما اختار نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم، {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لأقوال عباده طيبها وخبيثها {بَصِيرٌ} بأعمالهم صالحها وفاسدها وعلمه بخلقه وبصره بأحوالهم وحاجاتهم اقتضى أن يصطفي منهم رسلاً وقوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أي ما بين أيدي رسله من الملائكة ومن الناس وما خلفهم ماضياً ومستقبلاً إذ علمه أحاط بكل شيء فلذا حق له أن يختار لرسالاته من يشاء فكيف يصح الإِعتراض عليه لولا سفه المشركين وجهالاتهم وقوله تعالى: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} هذا تقرير لما تضمنته الجملة السابقة من أن لله الحق المطلق في إرسال الرسل من الملائكة أو من الناس ولا إعتراض عليه في ذلك إذ مرد الأمور كلها إليه بدءاً ونهاية إذ هو ربّ كل شيء ومليكه لا إله غيره ولا رب سواه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان. 2- التنديد بالشرك وبطلانه وبيان سفه المشركين. 3- ما قدر الله حق قدره من سوى به أحقر مخلوقاته وجعل له من عباده جزءاً وشبهاً ومثلاً. 4- إثبات الرسالات للملائكة وللناس معاً. 5- ذكر صفات الجلال والكمال لله تعالى المقتضية لربوبيته والموجبة لألوهيته وهي القوة والعزة، والسمع والبصر لكل شيء وبكل شيء والعلم بكل شيء.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} (73) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى تَفَاهَةِ الأَصْنَامِ، وَسَخَافَةِ عُقُولِ عَابِدِيهَا، فَيَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ جَعَلَ المُشْرِكُونَ لِي أَشْبَاهاً وَأَنْدَاداً مِنَ الأَصْنَامِ والأَوْثَانِ التي يَعبُدُونَهَا مَعِي، فَأَنْصِتُوا وَتَفَهَّمُوا حَالَ هََؤُلاَءِ المَعْبُودِينَ: لَوْ اجْتَمَعَ جَمِيعُ مَنْ يَعْبُدُهُم البَشَرُ مِنْ دُون اللهِ عَلَى أَنْْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً لَمَا اسْتَطَاعُوا، وَلََعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ، وَهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ مُقَاوَمَةِ الذُّبَابِ إِذَا سَلَبُهُمْ شَيْئاً مِمَّا عَلَيْهِمْ مِنْ طِيبٍ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ أَرَادُوا اسْتِنْقَاذَهُ مِنْهُ لِمَا قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا عَجَزَ هَؤُلاءِ عَنْ خَلْقِ الذُّبَابِ، وَعَنْ مُقَاوَمَتِهِ، وَهُوَ من أَضْعَفِ مَا خَلَقَ اللهُ، فَهُمْ أَعْجَزُ عَنِ الإِتْيَانِ بِشَيءٍ آخَرَ، فَكَيْفَ يَعْبُدُهم عَاقِلٌ؟ ضَعُفَ الصَّنَمُ الطَّالِبُ، وَضَعُفَ الذُّبَابُ المَطْلُوبُ.

الثعلبي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ} معنى ضرب: جعل، كقولهم: ضرب السلطان البعث على الناس، وضرب الجزية على أهل الذمّة أي جعل ذلك عليهم، ومنه قوله {أية : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ}تفسير : [البقرة: 61] والمثل حالة ثابتة تشبه بالأُولى في الذكر الذي صار كالعلم، وأصله الشبه، ومعنى الآية: جعل لي المشركون الأصنام شركائي فعبدوها معي. {فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ} حالها وصفتها التي بيّنت وشبّهتها بها، ثم بيّن ذلك فقال عزَّ من قائل {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} قراءة العامة بالتاء، وروى زيد عن يعقوب يدعون بالياء {لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً} في صغره وقلّته لأنّها لا تقدر على ذلك {وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ} لخلقه، والذباب واحد وجمعها القليل أذبنة والكثير ذبّان، مثل غراب وأغربة وغربان {وَإِن يَسْلُبْهُمُ} يعني الأصنام، أخبر عنها بفعل ما يعقل، وقد مضت هذه المسألة، يقول: وإن يسلبهم {ٱلذُّبَابُ شَيْئاً} مما عليهم {لاَّ} يقدرون أن {يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ}. قال ابن عباس: الطالب الذباب والمطلوب الصنم، وذلك أن الكفّار كانوا يلطّخون أصنامهم بالعسل في كلّ سنة ثم يغلقون عليها أبواب البيوت فيدخل الذبّان في الكوى فيأكل ذلك العسل وينقيها منه فإذا رأوا ذلك قالوا: أكلت آلهتنا العسل. الضحّاك: يعني العابد والمعبود. ابن زيد وابن كيسان: كانوا يحلّون الأصنام باليواقيت واللآلي وأنواع الجواهر ويطيّبونها بألوان الطيب، فربما يسقط واحد منها أو يأخذها طائر أو ذباب فلا تقدر الآلهة على استردادها، فالطالب على هذا التأويل الصنم والمطلوب الذباب والطائر. {مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عظّموا الله حقّ تعظيمه، ولا عرفوه حقّ معرفته ولا وصفوه حقّ صفته إذ أشركوا به مالا يمتنع من الذباب ولا ينتصف به. {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * ٱللَّهُ يَصْطَفِي} يختار {مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} كجبرئيل وميكائيل وغيرهما {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} أيضاً رسلاً مثل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم، يقال: نزلت هذه الآية لمّا قال المشركون {أية : أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا}تفسير : [القمر: 25] فأخبر أن الاختيار إليه، يختار من يشاء من خلقه. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لقولهم {بَصِيرٌ} بمن يختاره لرسالته. {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} يعني ما كان بين أيدي ملائكته ورسله قبل أن يخلقهم. {وَمَا خَلْفَهُمْ} ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم. وقال الحسن: ما بين أيديهم ماعملوه، وما خلفهم ما هم عاملون ممّا لم يعملوه بعد. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدَّثنا محمد بن يحيى قال: وفيما قرأت على عبد الله بن نافع، وحدّثني مطرف بن عبد الله عن مالك عن نافع أنّ رجلاً من أهل مصر أخبر عبد الله بن عمر أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين ثمَّ قال: انَّ هذه السورة فضلّت بسجدتين. وبإسناده عن مالك عن عبد الله بن دينار أنّه قال: رأيت عبد الله بن عمر سجد في الحج سجدتين. وأخبرنا أبو بكر الجوزقي قال: أخبرنا أبو العباس الدعولي قال: حدَّثنا ابن أبي خيثمة قال: حدَّثنا أبو سلمة الخزاعي منصور بن سلمة قال: حدَّثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن صفوان بن مهران أن أبا موسى قرأ على منبر البصرة سورة الحج، فنزل فسجد فيها سجدتين. وحدَّثنا أبو محمد المخلّدي قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم قال: حدَّثنا محمد ابن مسلم بن دارة قال: حدَّثنا محمد بن موسى بن أعين قال: قرأت على أبي عن عمرو بن الحرث عن ابن لهيعة ان شريح بن عاها حدّثه عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله في سورة الحج سجدتان؟ قال: نعم إن لم تسجدهما فلا تقرأهما. {وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} يعني وجاهدوا في سبيل الله أعداء الله حق جهاده، وهو استفراغ الطاقة فيه، قاله ابن عباس، وعنه أيضاً: لا تخافوا في الله لومة لائم وذلك حق الجهاد. وقال الضحاك ومقاتل: يعني اعملوا لله بالحقّ حقّ عمله، واعبدوه حقّ عبادته. عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى وذلك حقّ الجهاد، وهو الجهاد الأكبر على ما روي في الخبر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين رجع من بعض غزواته: "حديث : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الاكبر ". تفسير : {هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ} اختاركم لدينه {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ضيق فلا يبتلي المؤمن بشيء من الذنوب إلاّ جعل له منه مخرجاً بعضها بالتوبة وبعضها بالقصاص وبعضها برد المظالم وبعضها بأنواع الكفّارات، فليس في دين الإسلام ما لا يجد العبد سبيلاً إلى الخلاص من العقاب فيه، ولا ذنب يذنبه المؤمن إلاّ وله منه في دين الإسلام مخرج، وهذا معنى رواية علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه حين سأله عبد الملك بن مروان عن هذه الآية فقال: جعل الله الكفارات مخرجاً من ذلك، سمعت ابن عباس يقول ذلك. وقال بعضهم: معناه وما جعل عليكم في الدين من ضيق في أوقات فروضكم مثل هلال شهر رمضان والفطر والأضحى ووقت الحج إذا التبست عليكم وشكّ الناس فيها، ولكنّه وسّع ذلك عليكم حتى تتيقّنوا محلها {مِّلَّةَ} أبيكم أي كملّة {أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} نصب بنزع حرف الصفة، عن الفرّاء، غيره: نصب على الاغراء أي الزموا واتّبعوا ملّة أبيكم إبراهيم، وإنّما أمركم باتباع ملّة إبراهيم لأنّها داخلة في ملّة محمد صلى الله عليه وسلم. وأمّا وجه قوله سبحانه «ملّة أبيكم» وليس جميعهم يرجع إلى ولادة إبراهيم فإنّ معناه: إنّ حرمة إبراهيم على المسلمين كحرمة الوالد، كما قال سبحانه {أية : وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}تفسير : [الأحزاب: 6] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّما أنا لكم مثل الوالد"تفسير : ،وهذا معنى قول الحسن البصري (رحمه الله). {هُوَ} يعني الله سبحانه وتعالى {سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} يعني من قبل نزول القرآن في الكتب المتقدمة {وَفِي هَـٰذَا} الكتاب هذا قول أكثر المفسرين. وقال ابن زيد: هو راجع إلى إبراهيم (عليه السلام) يعني أنّ إبراهيم سمّاكم المسلمين من قبل أي من قبل هذا الوقت في أيام إبراهيم {وَفِى هذا} الوقت، قال: وهو قول إبراهيم: {أية : رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ}تفسير : [البقرة: 128] والقول الأول أولى بالصواب. {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ} أن قد بلّغكم {وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} أن رسلهم قد بلّغتهم {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ} وثقوا بالله وتوكّلوا عليه. وقال الحسن: تمسّكوا بدين الله الذي لطف به لعباده. {هُوَ مَوْلاَكُمْ} وليّكم وناصركم ومتولي أمركم {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قُلنْا: الضرب إيقاع شيء على شيء بقوة، ومنه نقول: ضربنا الدينار يعني: بعد أن كان قطعة من الذهب أو الفضة مثلاً أصبح عملةً معروفة متداولة. والمثل: تشبيه شيء غير معلوم بشيء آخر معلوم وعجيب وبديع يَعْلَق في الذهن، كما نصف لك إنساناً لم تَرَهُ بإنسان تعرفه. نقول هو مثل فلان. وهكذا كل التشبيهات: شيء تريد أن تعلمه للمخاطب وهو لا يعلمه. ومنه قوله تعالى: {أية : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} تفسير : [البقرة: 17] وقوله تعالى: {أية : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} تفسير : [الأعراف: 176] وقوله تعالى: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 41]. إذن: الأمثال: إعلام بشيء معلوم ليصل العلم فيه إلى شيء مجهول، وكلمة (مثَل) استقلَّتْ بأن يكون المثَل بديعاً في النسج، بليغاً موجزاً، بحيث تتناقله الألسنة بسرعة في كلمات معدودة. فلو وجدَت مثلاً تلميذاً مُهملاً تكاسل طوال العام، ولم يذاكر، فلما حضر الامتحان راح يجتهد في المذاكرة، فتقول له: (قبل الرماء تملأ الكنائن) يعني: قبل أنْ تصطاد بالسهام يجب أنْ تُعِدّها أولاً وتملأ بها كنانتك، فهذا مثَلٌ يُضرَب للاستعداد للأمر قبل حلوله. ومن أمثلة أهل الريف يقولون: (أعْطِ العيش لخبازه ولو يأكل نصفه) ويُضرب لمن يجعل الصنعة عند غير صانعها والمتخصص فيها. ويقولون فيمَنْ يُقصِّر في الأمر المنوط به: (باب النجار مخلع). وحين ترسل مَنْ يقضي لك حاجة فيفلح فيها ويأتي بالنتيجة المرجوة يقول لك: (أبدى المخْضُ عن الزبد) والمخضُ عملية خَضِّ اللبن في القِرْبة لفَصْل الزُّبْد عن اللبن. وهكذا، المثل قَوْل موجز بليغ قيل في مناسبته، ثم استعمله الناس لخِفَّته وجماله وبلاغته في المواقف المشابهة، والمثَل يظل على حاله الأول لا يغير، ويجب الالتزام بنصِّه مع المفرد والمثنى والجمع، ومع المذكر والمؤنث، فمثلاً إنْ أرسلتَ رسولاً يقضي لك حاجة، فعندما يعود تقول له: (ما وراءكِ يا عِصام) هكذا بالكسر في خطاب المؤنث مع أنه رجل، لماذا؟ لأن المثَل قيل أول ما قيل لمؤنث، فظلَّ على هذه الصيغة من التأنيث حتى ولو كان المخاطَبُ مذكَّراً. وقصة هذا المثَل أن الحارث ملك كندة أراد أن يتزوج أم إياس، وبعثَ مَنْ تخطبها له، وكان اسمها عصام، فلما ذهبت إليها قالت لها أمها: إن فلانة جاءت تخطبك لفلان، فلا تخفي عنها شيئاً، ودعيها تشمُّك إنْ أرادت، وناطقيها فيما استنطقتْك به، فلما دخلتْ على الفتاة وأرادت أن ترى جسمها خلعتْ ثوبها، وكشفتْ عن جسمها، فقالت المرأة: (ترك الخداع من كشف القناع) فسارت مثلاً، ثم عادت إلى الحارث فاستقبلها متعجلاً ردَّها فقال: (ما وراءكِ يا عصام) يعني: ما الخبر؟ فظلَّ المثل هكذا للمؤنث، وإن خُوطِب به المذكر. والحق - تبارك وتعالى - يضرب لكم هذا المثل ويقول: خذوه في بالكم، وانتبهوا له، وافتحوا له آذانكم جيداً واعقلوه؛ لأنه سينفعكم في علاقتكم برسول الله وبالمؤمنين. والخطاب هنا مُوجَّه للناس كافّة، لم يخُصّ أحداً دون أحد: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ ..} [الحج: 73] فلم يقُل يا أيها المؤمنون؛ لأن هذا المثَلَ مُوجَّه إلى الكفار، فالمؤمنون ليسوا في حاجة إليه {فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ ..} [الحج: 73] يعني: انصتوا وتفهَّموا مراده ومرماه، لتسيروا في حركتكم على وَفْق ما جاء فيه، وعلى وَفْق ما فهمتم من مغزاه. فما هو هذا المثَل؟ {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ ..} [الحج: 73]. أي: الذين تعبدونهم وتتجهون إليهم من دون الله {لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً ..} [الحج: 73] وهو أصغر المخلوقات {وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ ..} [الحج: 73] يعني: تضافرَتْ جهودهم، واجتمع أمرهم جميعاً لا واحداً واحداً، وهذا ترقٍّ في التحدي، حيث زاد في قوة المعاند. كما ترقَّى القرآن في تحدِّي العرب، فتحداهم أولاً بأنْ يأتوا بمثل القرآن، ولأن القرآن كثير تحدّاهم بعشر سور فما استطاعوا، فتحدَّاهم بسورة واحدة فلم يستطيعوا. ثم يترقى في التحدي فيقول: اجمعوا كل فصحائكم وبلغائكم، بل والجن أيضاً يساعدونكم ولن تستطيعوا: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ..} تفسير : [الإسراء: 88]. وقوله تعالى: {لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً ..} [الحج: 73] جاءت بنفي المستقبل فلم يقُلْ مثلاً: لم يخلقوا، فالنفي هنا للتأبيد، فهم ما استطاعوا في الماضي، ولن يستطيعوا أيضاً فيما بعد حتى لا يظن أحد أنهم ربما تمكّنوا من ذلك في مستقبل الأيام، ونفي الفعل هكذا على وجه التأبيد؛ لأنك قد تترك الفعل مع قدرتك عليه، إنما حين تتحدَّى به تفعل لتردّ على هذا التحدِّي،فأوضح لهم الحق سبحانه أنهم لم يستطيعوا قبل التحدي، ولن يستطيعوا بعد التحدي. ثم يقول تعالى: {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ ..} [الحج: 73] فقد تقول: إن عملية الخَلْق هذه عملية صعبة لا يُتحدَّى بها، لذلك تحداهم بما هو أسهل من الخَلْق {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ..} [الحج: 73] وهل يستطيع أحد أن يُعيد ما أخذه الذباب من طعامه على جناحيه أو أرجله أو خرطومه؟ وكانوا يذبحون القرابين عند الأصنام، ويضعون أمامها الطعام ليباركوه، فكانت الدماء تسيل عندها وتتناثر عليها، فيحطّ عليها الذباب، ويأخذ من هذه الدماء على أَرْجُله النحيفة هذه أو على أجنحته أو على خرطومه، فتحدَّاهم أن يعيدوا من الذباب ما أخذه، وهذه مسألة أسهل من مسألة الخَلْق. ولك أنْ تُجرِّب أنت هذه العملية، إذا وقع ذباب على العسل الذي أمامك، فلا بُدَّ أن يأخذ منه شيئاً ولو كان ضئيلاً لا يُدرَك ولا يُوزَن ولا تكاد تراه، لكن أتستطيع أنْ تُمسِك الذبابة وتردّ ما أخذتْ منك؟ لذلك يقول تعالى بعدها: {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} [الحج: 73] يعني: كلاهما ضعيف، فالذباب في ذاته ضعيف وهم كذلك ضعفاء، بدليل أنهم لن يقدروا على هذه المسألة، لكن هناك ضعيف يدَّعي القوة، وضعيف قوته في أنه مُقِرٌّ بضعفه، فالذباب وإنْ كان ضعيفاً إلا أن الله تعالى قال فيه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ..} تفسير : [البقرة: 26] يعني: ما فوقها في الصِّغر، ليس المراد ما فوقها في الكبر كالعصفور مثلاً. ثم يقول الحق سبحانه: {مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا مثل ضربه الله لقبح عبادة الأوثان، وبيان نقصان عقول من عبدها، وضعف الجميع، فقال: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ } هذا خطاب للمؤمنين والكفار، المؤمنون يزدادون علما وبصيرة، والكافرون تقوم عليهم الحجة، { ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ } أي: ألقوا إليه أسماعكم، وتفهموا ما احتوى عليه، ولا يصادف منكم قلوبا لاهية، وأسماعا معرضة، بل ألقوا إليه القلوب والأسماع، وهو هذا: { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } شمل كل ما يدعى من دون الله، { لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا } الذي هو من أحقر المخلوقات وأخسها، فليس في قدرتهم خلق هذا المخلوق الضعيف، فما فوقه من باب أولى، { وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ } بل أبلغ من ذلك لو { يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ } وهذا غاية ما يصير من العجز. { ضَعُفَ الطَّالِبُ } الذي هو المعبود من دون الله { وَالْمَطْلُوبُ } الذي هو الذباب، فكل منهما ضعيف، وأضعف منهما، من يتعلق بهذا الضعيف، وينزله منزلة رب العالمين. فهذا ما قدر { اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } حيث سوى الفقير العاجز من جميع الوجوه، بالغني القوي من جميع الوجوه، سوى من لا يملك لنفسه، ولا لغيره نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، بمن هو النافع الضار، المعطي المانع، مالك الملك، والمتصرف فيه بجميع أنواع التصريف. { إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } أي: كامل القوة، كامل العزة، من كمال قوته وعزته، أن نواصي الخلق بيديه، وأنه لا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن، إلا بإرادته ومشيئته، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ومن كمال قوته، أنه يمسك السماوات والأرض أن تزولا ومن كمال قوته، أنه يبعث الخلق كلهم، أولهم وآخرهم، بصيحة واحدة، ومن كمال قوته، أنه أهلك الجبابرة والأمم العاتية، بشيء يسير، وسوط من عذابه.