٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
75
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه لما قدم ما يتعلق بالإلهيات ذكر ههنا ما يتعلق بالنبوات، قال مقاتل: قال الوليد بن المغيرة: أأنزل عليه الذكر من بيننا؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وههنا سؤالان: السؤال الأول: كلمة {مِنْ } للتبعيض فقوله: {ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } يقتضي أن تكون الرسل بعضهم لا كلهم، وقوله: { أية : جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } تفسير : [فاطر: 1] يقتضي كون كلهم رسلاً فوقع التناقض والجواب: جاز أن يكون المذكور ههنا من كان رسلاً إلى بني آدم، وهم أكابر الملائكة كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والحفظة صلوات الله عليهم، وأما كل الملائكة فبعضهم رسل إلى البعض فزال التناقض. السؤال الثاني: قال في سورة الزمر: { أية : لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء } تفسير : [الزمر: 4] فدل على أن ولده يجب أن يكون مصطفى، وهذه الآية دلت على أن بعض الملائكة وبعض الناس من المصطفين، فيلزم بمجموع الآيتين إثبات الولد والجواب: أن قوله: {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ } يدل على أن كل ولد مصطفى، ولا يدل على أن كل مصطفى ولد، فلا يلزم من دلالة هذه الآية على وجود مصطفى كونه ولداً، وفي هذه الآية وجه آخر، وهو أن المراد تبكيت من عبد غير الله تعالى من الملائكة، كأنه سبحانه أبطل في الآية الأولى قول عبدة الأوثان. وفي هذه الآية أبطل قول عبدة الملائكة، فبين أن علو درجة الملائكة ليس لكونهم آلهة، بل لأن الله تعالى اصطفاهم لمكان عبادتهم، فكأنه تعالى بين أنهم ما قدروا الله حق قدره أن جعلوا الملائكة معبودين مع الله، ثم بين سبحانه بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } أنه يسمع ما يقولون ويرى ما يفعلون، ولذلك أتبعه بقوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } فقال بعضهم ما تقدم في الدنيا وما تأخر، وقال بعضهم: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } أمر الآخرة، {وَمَا خَلْفَهُمْ } أمر الدنيا، ثم أتبعه بقوله: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } فقوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } إشارة إلى العلم التام وقوله: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } إشارة إلى القدرة التامة والتفرد بالإلهية والحكم، ومجموعهما يتضمن نهاية الزجر عن الإقدام على المعصية.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ} ختم السورة بأن الله اصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم لتبليغ الرسالة؛ أي ليس بعثه محمداً أمراً بِدِعيًّا. وقيل: إن الوليد بن المغيرة قال: أو أنزل عليه الذكر من بيننا؛ فنزلت الآية. وأخبر أن الاختيار إليه سبحانه وتعالى. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لأقوال عباده. {بَصِيرٌ } بمن يختاره من خلقه لرسالته. {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} يريد ما قدموا. {وَمَا خَلْفَهُمْ} يريد ما خلفوا؛ مثل قوله في يۤس: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ} [يۤس: 12] يريد ما بين أيديهم «وآثارهم» يريد ما خلفوا. {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ}.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رسلاً فيما يشاء من شرعه وقدره، ومن الناس لإبلاغ رسالته {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} أي: سميع لأقوال عباده، بصير بهم، عليم بمن يستحق ذلك منهم، كما قال: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124]، وقوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أي: يعلم ما يفعل رسله فيما أرسلهم به، فلا يخفى عليه شيء من أمورهم، كما قال: {أية : عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً } تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً}تفسير : [الجن: 26 ــــ 28] فهو سبحانه رقيب عليهم، شهيد على ما يقال لهم، حافظ لهم، ناصر لجنابهم {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67] الآية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَٰئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ } رسلاً،و نزل لما قال المشركون: أَأُنزل عليه الذكر من بيننا؟{إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لمقالاتهم {بَصِيرٌ } بمن يتخذه رسولاً كجبريل وميكائيل وإبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم وغيرهم صلى الله عليهم وسلم.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ما بين أيديهم: ما كان قبل خلق الملائكة والأنبياء، وما خلفهم: ما يكون بعد خلقهم، حكاه ابن عيسى. الثاني: ما بين أيديهم: أول أعمالهم، وما خلفهم آخر أعمالهم، قاله الحسن. الثالث: ما بين أيديهم من أمر الآخرة وما خلفهم من أمر الدنيا، قاله يحيى بن سلام. ويحتمل رابعاً: ما بين أيديهم: من أمور السماء، وما خلفهم: من أمور الأرض.
ابن عطية
تفسير : روي أن هذه الآية إلى قوله {الأمور} نزلت بسبب قول الوليد بن المغيرة أأنزل عليه الذكر من بيننا الآية فأخبر {الله} تعالى أنه {يصطفي} أي يختار {من الملائكة رسلاً} إلى الأنبياء وغيرهم حسبما ورد في الأحاديث {ومن الناس} وهم الأنبياء المبعثون لإصلاح الخلق الذين اجتمعت لهم النبوءة والرسالة. وقوله {ما بين أيديهم وما خلفهم} عبارة عن إحاطة علمه بهم وحقيقتها ما قبلهم من الحوادث وما بعدهم، و {الأمور}، جمع أمر ليس يراد به المصدر ثم أمر الله تعالى المؤمنين بعبادته وخص "الركوع والسجود" بالذكر تشريفاً للصلاة، واختلف الناس هل في هذه الآية سجدة؟ ومذهب مالك أنه لا يسجد هنا، وقوله {وافعلوا الخير}، ندب، فيما عدا الواجبات التي صح وجوبها من غير هذا الموضع، وقوله {لعلكم} ترجٍّ في حق المؤمنين كقوله {أية : لعله يتذكر أو يخشى} تفسير : [طه: 44] و"الفلاح" في هذه الآية نيل البغية وبلوغ الأمل.
النسفي
تفسير : {ٱللَّهُ يَصْطَفِى } يختار {مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } كجبريل وميكائيل وإسرافيل وغيرهم {وَمِنَ ٱلنَّاسِ } رسلاً كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم عليهم السلام. وهذا رد لما أنكروه من أن يكون الرسول من البشر، وبيان أن رسل الله على ضربين ملك وبشر. وقيل: نزلت حين قالوا {أية : أأنزل عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ مِن بَيْنِنَا} تفسير : [القمر: 25] {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لقولهم {بَصِيرٌ } بمن يختاره لرسالته، أو سميع لأقوال الرسل فيما تقبله العقول بصير بأحوال الأمم في الرد والقبول {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } ما مضى {وَمَا خَلْفَهُمْ } ما لم يأت أو ما عملوه وما سيعملوه أو أمر الدنيا وأمر الآخرة {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأَمُورُ } أي إليه مرجع الأمور كلها، والذي هو بهذه الصفات لا يسئل عما يفعل وليس لأحد أن يعترض عليه في حكمه وتدابيره واختيار رسله {ترجع} شامي وحمزة وعلي. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ } في صلاتكم، وكان أول ما أسلموا يصلون بلا ركوع وسجود فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود، وفيه دليل على أن الأعمال ليست من الإيمان وأن هذه السجدة للصلاة لا للتلاوة {وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ } واقصدوا بركوعكم وسجودكم وجه الله لا الصنم {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ } قيل: لما كان للذكر مزية على غيره من الطاعات دعا المؤمنين أولاً إلى الصلاة التي هي ذكر خالص لقوله تعالى {أية : وأقم الصلاة لذكري}تفسير : [طه:14] ثم إلى العبادة بغير الصلاة كالصوم والحج وغيرهما، ثم عم بالحث على سائر الخيرات. وقيل: أريد به صلة الأرحام ومكارم الأخلاق {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي كي تفوزوا أو افعلوا هذا كله وأنتم راجون للفلاح غير مستيقنين ولا تتكلوا على أعمالكم .
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ...} الآية: نزلت بسبب قول الوليد بن المُغِيرَةِ: {أية : أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذكرُ مِن بَيْنِنَا} تفسير : [ص:8]. * ص *: أبو البقاء: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} أي: رسلاً، انتهى، ثم أمر سبحانه بعبادته وخَصَّ الركوعَ والسجودَ بالذكر؛ تشريفاً للصلاة، واختلف الناسُ: هل في هذه الآية سجدة أم لا؟. قال ابنُ العربيّ في «أحكامه»: قوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ} تَقَبَّلَهَا قوم على أَنَّها سجدةُ تلاوة؛ فسجدوها. وقال آخرون: هو سجود الصلاة فقصروه عليه، ورأى عمرُ وابنُه عبدُ اللّه رضي اللّه عنهما: أنها سجدةُ تلاوة، وإنِّي لأَسجُدُها وأراها كذلك؛ لما رَوَى ابنُ وهب، وغيره عن مالك، وغيره، انتهى. وقوله سبحانه: {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ} نَدْبٌ فيما عدا الواجبات. قلت: وهذه الآية الكريمةَ عَامَّةٌ في أنواع الخيرات، ومن أعظمها الرأفةُ والشفقة على خَلْقِ اللّه، ومُوَاساةُ الفقراء وأهلِ الحاجة، وقد روى أبو داود والترمذيُّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً عَلَى عُرْيٍ، كَسَاهُ اللّهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ،، وأَيُّما مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً عَلَى جُوعٍ، أَطْعَمَهُ اللّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَىٰ مُسْلِماً عَلَى ظَمَإٍ، سَقَاهُ اللّهُ مِنْ الرَّحِيقِ المَخْتُوم»تفسير : . انتهى. وروى علي بن عبد العزيز البغوي في «المسند المُنْتَخَب» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً، كَانَ فِي حِفْظِ اللّهِ مَا بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِنْهُ رُقْعَةٌ»تفسير : . وروى ابن أبي شيبة في «مسنده» عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «حديث : أَيُّمَا أَهْلِ عَرْصَةٍ ظَلَّ فِيهُمُ ٱمْرُؤٌ جَائِعاً، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللّهِ»تفسير : . انتهى. من «الكوكب الدري».
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلاً} الآية لما ذكر ما يتعلق بالإلهيات ذكر هاهنا ما يتعلق بالنبوات. قال بعضهم: [تقدير الكلام: ومن الناس رسلاً. ولا حاجة لذلك، بل قوله "ومن الناس" مقدَّر التقديم، أي: يصطفي من الملائكة ومن الناس رسلاً]. قال مقاتل: قال الوليد بن المغيرة {أية : أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا}تفسير : [ص: 8] فأنزل الله هذه الآية فإن قيل: كلمة "من" للتبعيض، فقوله "من الملائكة" يقتضي أن يكون الرسل بعضهم لا كلهم، وقوله: {أية : جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} تفسير : [فاطر: 1] يقتضي كون كلهم رسلاً، فكيف الجمع؟ فالجواب: يجوز أن يكون المذكور ههنا من كان رسلاً إلى بني آدم، وهم أكابر الملائكة كجبريل وميكائيل وإسرافيل، والحفظة صلوات الله عليهم، وأما كل الملائكة فبعضهم رسل إلى البعض. فإن قيل: قوله في سورة الزمر {أية : لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} تفسير : [الزمر: 4] فدل على أن ولده يجب أن يكون مصطفى، وهذه الآية تدل على أن بعض الملائكة وبعض الناس من المصطفين، فلزم بمجموع الآيتين إثبات الولد. فالجواب: أن قوله: {أية : لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ} تفسير : [الزمر: 4] يدل على أن كل ولد مصطفى ولا يدل على أن كل مصطفى ولد، فلا يلزم من دلالة هذه الآية على وجود مصطفى كونه ولداً. وأيضاً فالمراد من هذه الآية تبكيت من عبد غير الله من الملائكة، كأنه سبحانه أبطل في الآية الأولى قول عبدة الأوثان، وفي هذه الآية أبطل قول عبدة الملائكة، فبين أن علو درجة الملائكة ليس لكونهم آلهة لأن الله اصطفاهم لمكان عبادتهم، فكأنه تعالى بيَّن أنهم {أية : مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} تفسير : [الحج: 74] إذ جعلوا الملائكة معبودة مع الله. ثم بين تعالى: بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} أنه يسمع ما يقولون، ويرى ما يفعلون ولذلك أتبعه بقوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}. قال ابن عباس: ما قدموا وما خلفوا وقال الحسن: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} ما عملوا، "وَمَا خَلْفَهُم" ما هم عاملون من بعد. ثم قال: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} إشارة إلى القدرة التامة، والتفرد بالإلهية والحكم، ومجموعهما يتضمن نهاية الزجر عن الإقدام على المعصية.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: الذي {يصطفى} من الناس هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله اصطفى موسى بالكلام وإبراهيم بالخلة ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه، عن أنس رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : موسى بن عمران صفي الله ". تفسير : وأخرج البغوي في معجمه والباوردي وابن قانع والطبراني وابن عساكر، "حديث : عن زيد بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد المدينة فجعل يقول: "أين فلان؟ أين فلان؟" فلم يزل يتفقدهم، وينصب إليهم حتى اجتمعوا عنده فقال: إني محدثكم فاحفظوه وعوه وحدثوا به من بعدكم، إن الله اصطفى من خلقه خلقاً" ثم تلا هذه الآية {الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس} خلقاً يدخلهم الجنة "وإني مصطفٍ منكم من أحب أن اصطفيه، ومؤاخ بينكم كما آخى الله بين الملائكة، قم يا أبا بكر. فقام فجثا بين يديه. فقال: إن لك عندي يداً أن الله يجزيك بها، فلو كنت متخذاً خليلاً، لاتخذتك خليلاً، فأنت مني بمنزلة قميصي من جسدي، وحرك قميصه بيده. ثم قال: ادن يا عمر، فدنا ثم قال: ادن يا عمر، فدنا ثم قال: كنت شديد الثغب علينا أبا حفص، فدعوت الله أن يعز الدين بك، أو بأبي جهل، ففعل الله ذلك لك، وكنت أحبهما إليّ، فأنت معي في الجنة ثالث ثلاثة من هذه الأمة. ثم تنحى وآخى بينه وبين أبي بكر، ثم دعا عثمان بن عفان فقال: ادن يا عثمان ادن يا عثمان، فلم يزل يدنو منه حتى ألصق ركبته بركبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم نظر اليه ثم نظر إلى السماء فقال: سبحان الله العظيم ثلاث مرات، ثم نظر إلى عثمان فإذا ازراره محلولة، فزرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده ثم قال: اجمع عطفي ردائك على نحرك، فإن لك شأناً في أهل السماء، أنت ممن يرد عليّ الحوض، وأوداجه تشخب دماً فأقول من فعل هذا بك؟ فتقول فلان. وذلك كلام جبريل، وذلك إذا هتف من السماء: إلا أن عثمان أمير على كل خاذل. ثم دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: ادن يا أمين الله والامين في السماء، يسلط الله على مالك بالحق، أما ان لك عندي دعوة وقد أخرتها. قال: خر لي يا رسول الله. قال: حملتني يا عبد الرحمن أمانة، أكثر الله مالك وجعل يحرك يده ثم تنحى، وآخى بينه وبين عثمان، ثم دخل طلحة والزبير فقال: ادنوا مني فدنوا منه فقال: "أنتما حواري كحواري عيسى ابن مريم" ثم آخى بينهما، ثم دعا سعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر فقال: يا عمار، قتلتك الفئة الباغية. ثم آخى بينهما، ثم دعا أبا الدرداء وسلمان الفارسي فقال: "يا سلمان أنت منا أهل البيت وقد آتاك الله العلم الأول، والعلم الآخر، والكتاب الأول، والكتاب الآخر. ثم قال إلا أنشدك يا أبا الدرداء؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: إن تنقدهم ينقدوك وإن تتركهم لا يتركوك، وإن تهرب منهم يدركوك، فاقرضهم عرضك ليوم فقرك" فآخى بينهما، ثم نظر في وجوه أصحابه فقال: "ابشروا وقروا عيناً، فأنتم أول من يرد عليّ الحوض، وأنتم في أعلى الغرف". ثم نظر إلى عبدالله بن عمر، فقال: الحمد لله الذي يهدي من الضلالة، فقال علي: يا رسول الله، ذهب روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت ما فعلت بأصحابك غيري! فإن كان من سخط علي، فلك العتبى والكرامة. فقال: "والذي بعثني بالحق، ما أخرتك إلا لنفسي فأنت عندي بمنزلة هارون من موسى ووارثي. فقال: يا رسول الله، ما أرث منك؟ قال: ما ورثت الأنبياء. قال: وما ورثت الأنبياء قبلك؟ قال: كتاب الله وسنة نبيهم، وأنت معي في قصري في الجنة، مع فاطمة ابنتي وأنت أخي ورفيقي، ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه. الآية {اخواناً على سرر متقابلين}"تفسير : . الاخلاء في الله ينظر بعضهم إلى بعض. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا} قال إنما هي أدب وموعظة.
القشيري
تفسير : الاجتباء والاصطفاءُ من الحق سبحانه بإثبات القَدْرِ، وتخصيص الطَّوْلِ، وتقديمهم على أشكالهم في المناقب والمواهب. ثم بعضهم فوق بعضٍ درجاتٍ؛ فالفضيلةُ بحقِّ المُرْسِلِ، لا لخصوصيةٍ في الخِلْقةِ في المُرْسَلِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {الله يصطفى} [بركزيند] {من الملائكة رسلا} يتوسطون بينه وبين الانبياء بالوحى مثل جبرائيل وميكائيل واسرافيل، قال فى المفردات اصل الصفاء خلوص الشىء من الشوب والاصطفاء تناول صفو الشىء كما ان الاختيار تناول خيره والاجتباء تناول جبايته واصطفاء الله بعض عباده قد يكون بايجاده تعالى اياه صافيا عن الثوب الموجود فى غيره وقد يكون باختياره وبحكمه وان لم يتعر ذلك من الاول. وفى التأويلات يصطفى من الملائكة رسلا بينه وبين العباد ولتربيتهم باداء الرسالة اذ لم يكونوا بعد مستأهلين لاستماع الخطاب بلا واسطة فيربيهم بواسطة رسالة الملائكة {ومن الناس} [ومى كزيند ازآدميان بيغمبران تاخلق را دعوت كند بوى] وهم المختصون بالنفوس الزكية المؤيدون بالقوة القدسية المتعلقون بكلام العالمين الروحانى والجسمانى يتلقون من جانب ويلقون الى جانب ولا يعوقهم التعلق بمصالح الخلق عن التبتل الى جانب الحق فيدعونهم اليه تعالى بما انزل علهيم ويعلمونهم شرائعه واحكامه {ان الله سميع} بجميع المسموعات، وقال الكاشفى [شنواست مقاله بيغمبر را در وقت تبليغ] {بصير} مدرك لجميع المبصرات فلا يخفى عليه شىء من الاقوال والافعال، وقال الكاشفى [بيتا بحال امت اودر رد وقبول دعوت]. وفى التأويلات النجمية سميع يسمع ضراعتهم فى احتياج الوجود وهم فى العدم بصير من يستحق للرسالة وهومعدوم.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {الله يصطفي}: يختار {من الملائكة رُسلاً} يرسلهم إلى صفوة خلقه، كجبريل وميكائيل وإسرافيل وغيرهم، {ومن الناسِ}، كإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يُعرِّفون بجلال الله ومعرفة قدره، حتى يقدروه حق قدره باعتبارهم لا باعتباره؛ فإنَّ الله تعالى لا يمكن لأحد أن يقدرُه حق قدره. قال سيد العارفين: "لا أُحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". وقيل: نزلت؛ ردًا لما أنكروه من أن يكون الرسول من البشر، وبيانًا أن رُسل الله على ضربين: ملك وبشر. وقيل: نزلت في قولهم: {أية : أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} تفسير : [ص: 8]. {إِن الله سميع بصير} أي: سميع لقولهم، بصير بمن يختاره للرسالة. أو سميع لأقوال الرسل، بصير بأحوال الأمم في الردِّ والقبول. {يعلم ما بين أيديهم}: ما مضى، {وإِلى الله تُرجع الأمورُ} أي: إليه مرجع الأمور كلها، وليس لأحد أن يعترض عليه في حكمه وتدبيره واختياره مَن شاء من رُسلِه. والله تعالى أعلم. الإشارة: شرب الخمرة، وهي المحبة الحقيقية والمعرفة الكاملة، لا تكون إلاَّ على أيدي الوسائط، والنادر لا حكم له، فالأنبياء وسائطهم الملائكة، والأولياء وسائطهم خلفاء الأنبياء، وهم أهل العلم بالله الذوقي العِيَاني. وقال الورتجبي - إثر ما تقدم عنه -: فالملائكة وسائط الأنبياء، والأنبياء وسائط العموم، والأولياء للأولياء خاصة. هـ. وتوسيط الأنبياء للعموم في مطلق المحبة، وتعليم ما يقرب إليها، وأما المحبة الحقيقية فهي خاصة بالأولياء للأولياء، كما قال. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر سببها وما يقرب إليها
الجنابذي
تفسير : {ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ} يعنى انّ اصطفاء الرّسل (ع) سواء كانوا من الملائكة ام من النّاس مقصورٌ على الله فما لكم لا تكلون امر الخلافة الّتى هى رسالة من الله الى الله وتختلقون بآرائكم خليفة {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} باقوال جميع العباد من الملائكة والنّاس فله ان يصطفى للرسالة لانّه يسمع ما يقوله الرّسول والمرسل اليهم {بَصِيرٌ} بدقائق مكمونات الكلّ فلا يخفى عليه شيءٌ من المكمونات حتّى تقع خيريّة على غير الاصلح ويقع الخطاء فى اختيار الخليفة بخلافكم، ويجوز على ما فسّرنا الآية السّابقة ان يفسّر هذه الآية هكذا الله فى مظهر خليفته الّذى هو علىّ (ع) يصطفى من الملائكة رسلاً مرسلا الى الانبياء والاوصياء (ع) والى العوالم من عالم الطّبع والملكوتين لتدبير امورها وقضاء ما يلزم قضاؤه، ومن النّاس رسلاً الى العباد من الانبياء والرّسل ومن اوصيائهم ومشايخهم انّ الله فى مظهر علىّ (ع) سميع بصير، وقد تكرّر فيما مضى انّ عليّاً (ع) بعلويّته هو المشيّة وهى تسمّى بوجهها الى الخلق بعلىٍّ (ع) وبوجهها الى الغيب بالله.
فرات الكوفي
تفسير : {الله يصطفى من الملائكة ورسلاً ومن النَّاس75} [تقدم في ذيل الآية 46/ الحجر في ح 304 من قول النبي (ص)].
اطفيش
تفسير : {اللَّهَ يَصْطَفِي} يختار {مِنَ المَلاَئِكَةَ رُسُلاً} يتوسطون بينه وبين خلقه بالوحي وغيره كجبريل وميكائيل واسرافيل {وَمِنَ النَّاسِ} رسلا كابراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم من الرسل. نزل ذلك لما قال المشركون كالوليد انزل عليه الذكر من بيننا خبر ان الاختيار له يختار من يشاء للرسالة وفيه رد لانكار كون البشر رسولا وتزييف لقولهم:{أية : ما نعبدهم الا ليقربونا إلى الله زلفى}تفسير : وقولهم: {المَلائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ} وانما له رسول اصطفاه من الملائكة والبشر عبيد له يتوسل بالاقتداء بهم في امر الدين إلى الله سبحانه واجابتهم فيما دعوا إليه من الوحدانية والطاعة والرسالة هي أعلى الدرجات ومنتهى المراتب وما مر من تقدير الرسل بعد الناس بدليل ما قبله مذهب ابي البقاء فذلك من العطف على معمولي عامل ولك ان تقول: (من الناس) في نية التقديم على قوله: (رسلا) قبله فتصدق الرسل قبله على رسل الملائكة ورسل البشر {إنَّ اللهَ سَمِيع} لما قال المشركون وغيره {بَصِيرٌ} بمن يتخذه رسولا ولا تخفى عليه خافية وكيف يعترض عليه؟ ومن اراد رد الظالم عن ظلمه فليكتب (يا ايها الناس ضرب مثل) إلى (عزيزا) وإلى (بصير) في اناء من شجر الخروب بماء اذيب فيه سكر في يوم السبت قبل طلوع الشمس ثم يمحوه بماء بير معطلة لا يعرف لها مالك ويرشه في مجلس الظالم الذي يأمر وينهى فيه.
الالوسي
تفسير : {ٱللَّهُ يَصْطَفِى} أي يختار {مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً} يتوسطون بينه تعالى وبين الأنبياء عليهم السلام بالوحي {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} أي ويصطفى من الناس رسلاً يدعون من شاء إليه تعالى ويبلغونهم ما نزل عليهم والله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته، وتقديم رسل الملائكة عليهم السلام لأنهم وسائط بينه تعالى وبين رسل الناس، وعطف {مِنَ ٱلنَّاسِ } على {مِنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ} وهو مقدم تقدير على {رُسُلاً} فلا حاجة إلى التقدير وإن كان رسل كل موصوفة بغير صفة الآخرين كما أشرنا إليه، وقيل: إن المراد الله يصطفي من الملائكة رسلاً إلى سائرهم في تبليغ ما كلفهم به من الطاعات ومن الناس رسلاً إلى سائرهم في تبليغ ما كلفهم به أيضاً وهذا شروع في إثبات الرسالة بعد هدم قاعدة الشرك وردم دعائم التوحيد. وفي بعض الأخبار أن الآية نزلت بسبب قول الوليد بن المغيرة { أية : أأنزل عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ مِن بَيْنِنَا } تفسير : [ص: 8] الآية وفيها رد لقول المشركين الملائكة بنات الله ونحوه من أباطيلهم. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} بجميع المسموعات ويدخل في ذلك أقوال الرسل {بَصِيرٌ} بجميع المبصرات ويدخل في ذلك أحوال المرسل إليهم، وقيل: إن السمع والبصر كناية عن علمه تعالى بالأشياء كلها بقرينة قوله سبحانه: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ...}
ابن عاشور
تفسير : لما نفَت الآيات السابقة أن يكون للأصنام التي يعبدها المشركون مزية في نصرهم بقوله: {أية : وما للظالمين من نصير}تفسير : [الحج: 71]، وقوله: {أية : ضعف الطالب والمطلوب}تفسير : [الحج: 73] ونعى على المشركين تكذيبهم الرسول - عليه الصلاة والسلام - بقوله: {أية : يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا}تفسير : [الحج: 72]، وقد كان من دواعي التكذيب أنهم أحالوا أن يأتيهم رسول من البشر: {أية : وقالوا لولا أنزل عليه ملك}تفسير : [الأنعام: 8] أي يصاحبه، {أية : وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا}تفسير : [الفرقان: 21] أعقب إبطال أقوالهم بأن الله يصطفي من شاء اصطفاءه من الملائكة ومن الناس دون الحجارة، وأنه يصطفيهم ليرسلهم إلى الناس، أي لا ليكونوا شركاء، فلا جرم أبطلَ قولُه {الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس} جميعَ مزاعمهم في أصنامهم. فالجملة استئناف ابتدائي، والمناسبة ما علمت. وتقديم المسند إليه وهو اسم الجلالة على الخبر الفعلي في قوله {الله يصطفي} دون أن يقول: نصطفي، لإفادة الاختصاص، أي الله وحده هو الذي يصطفي لا أنتم تصطفون وتنسبون إليه. والإظهار في مقام الإضمار هنا حيث لم يقل: هو يصطفي من الملائكة رسلاً، لأن اسم الجلالة أصله الإله، أي الإله المعروف الذي لا إله غيره، فاشتقاقه مشير إلى أن مسماه جامع كل الصفات العلى تقريراً للقوّة الكاملة والعزّة القاهرة. وجملة {إن الله سميع بصير} تعليل لمضمون جملة {الله يصطفي} لأن المحيط علمه بالأشياء هو الذي يختص بالاصطفاء. وليس لأهل العقول ما بلغت بهم عقولهم من الفطنة والاختيار أن يطلعوا على خفايا الأمور فيصطفوا للمقامات العليا من قد تخفَى عنهم نقائصهم بله اصطفاء الحجارة الصمّاء. والسميع البصير: كناية عن عموم العلم بالأشياء بحسب المتعارف في المعلومات أنها لا تعدو المسموعات والمبصرات.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ}. بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يصطفي أي يختار رسلاً من الملائكة، ومن الناس فرسل الناس لإبلاغ الوحي ورسل الملائكة لذلك أيضاً، وقد يرسلهم لغيره، وهذا الذي ذكره هنا من اصطفائه الرسل منهما جاء واضحاً في غير هذا الموضع، كقوله في رسل الملائكة {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ}تفسير : [فاطر: 1] الآية. وقوله في جبريل {أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}تفسير : [التكوير: 19] ومن ذكره إرسال الملائكة بغير الوحي قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ}تفسير : [الأنعام: 61] وكقوله في رسل بني آدم {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}تفسير : [الأنعام: 124] وقوله {أية : تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}تفسير : [البقرة: 253] الآية، وقوله {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً}تفسير : [النحل: 36] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمَلاَئِكَةِ} (75) - اقْتَضَتْ مَشِيئَةُُ اللهِ تَعَالَى أَنْ يَخْتَارَ رُسُلاً مِنَ مَلاَئِكَتِهِ الكِرَامِ، فِيمَا يَشَاءُ إِبْلاَغَهُ إِلَى رُسُُلِهِ مِنَ البَشَرِ، وَأَنْ يَخْتَارَ رُسُلاً مَنَ البَشَرِ لإِبْلاَغِ رسَالاَتِه إِلَى النَّاسِ، فَكَيْفَ تَقْتَرِحُونَ عَلَى مَنْ اخْتَارَهُ اللهُ رَسُولاً إِلَيْكُمْ؟ وَاللهُ سَمِيعٌ لأَِقْوَالِ العِبَادِ، بَصِيرٌ بِأَحْوَالِهِمْ. عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْهُم أَنْ يَخْتَارَهُ اللهُ لِحَمْلِ رِسَالَتِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن: المرحلة الثانية في الإيمان بعد الإيمان بالقمة الإلهية الإيمان بالرسل {ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ ..} [الحج: 75]. والاصطفاء: اختيار نخبة من كثير، واختيار القليل من الكثير دليل على أنها الخلاصة والصفوة، كما يختلف الاصطفاء باختلاف المصطفي، فإنْ كان المصطفِي هو الله تعالى فلا بُدَّ أنْ يختار خلاصة الخلاصة. والاصطفاء سائر في الكون كله، يصطفي من الملائكة رسلاً، ومن الناس رسلاً، ويصطفي من الزمان، ويصطفي من المكان، كما اصطفى رمضان من الزمان، والكعبة من المكان. ولم يجعل الحق سبحانه الاصطفاء لتدليل المصطفى على غيره، إنما ليُشيع اصطفاءَه على خَلْق الله، فما اصطفى رمضان على سائر الزمن - لا ليدلل رمضان - إنما لتأخذ منه شحنة تُقوِّي روحك، وتُصفِّيها بقية الأيام، لتستفيد من صالح عملك فيها. وقد يتكرر الاصطفاء مع اختلاف متعلق الاصطفاء؛ لذلك وقف المستشرقون عند قول الله تعالى: {أية : يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 42]. يقولون: ما فائدة تكرار الاصطفاء هنا؟ ولو تأملنا الآية لوجدنا فَرْقاً بين الاصطفاء الأول والآخر: الاصطفاء الأول اصطفاء؛ لأنْ تكوني عابدة تقية متبتلة منقطعة في محرابك لله، أما الاصطفاء الآخر فاصطفاء على نساء العالمين جميعاً، بأن تكوني أماً لمولود بلا أب، فمُتعلِّق الاصطفاء - إذن - مختلف. وتنقسم الملائكة في مسألة الاصطفاء إلى ملائكة مُصْطفاة، وملائكة مُصْطَفًى منها. وفي آية أخرى يقول تعالى: {أية : جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} تفسير : [فاطر: 1] يعني: كلهم لهم رسالة مع عوالم أخرى غيرنا. أما في الآية التي معنا، فالكلام عن الملائكة الذين لهم صلة بالإنسان أمثال جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، والحفظة الكاتبين والمكلفين بحفظ الإنسان، فالله تعالى يصطفي هؤلاء، أما الباقون منهم فالله مصطفيهم لعبادته فهم مُهيَّمون لا يدرون عن هذا الخلق شيئاً، وهم الملائكة العالون الذين قال الله عنهم في الحديث عن إبليس: {أية : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} تفسير : [ص: 75] يعني: الذين لم يشملهم الأمر بالسجود؛ لأن لهم مهمة أخرى. ثم يقول تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75] السمع يتعلق بالأصوات، والبصر يتعلق بالأفعال، وهما كما قلنا عُمْدة الحواسِّ كلها، والحق سبحانه في قوله: {سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75] يُبيّن لنا أن رسله سيُوَاجَهُون بأقوال تؤذيهم واستهزاء، وسيُقَابلون بأفعال تعرقل مسيرة دعوتهم، فليكُنْ هذا معلوماً حتى لا يفُتّ في عَضُدهم، وأنا معهم سميع لما يُقال، بَصير بما يفعل، فهُمْ تحت سمعي وبصري وكلاءتي.
الجيلاني
تفسير : ومن علو شأنه، وسمو برهانه، وكمال قوته، وعزته يُتوسل إليه، ويُتوصل نحوه بوسائل ووسائطَ اختارها الله واجتباها من بين بريته لإهداء التائهين في بيدان ألوهيته إلى زلال توحيده على مقتضى سنته، وجري حكمته، كما بيَّن في كتابه حيث قال: {ٱللَّهُ} العلي المتعال ذاته عن أن يكون شرعة كل وارد، أو يطلع على سرائر أسمائه وصفاته واحدُ بعد واحدٍ، بل {يَصْطَفِي} ويختار {مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ} المقربين عنده {رُسُلاً} يرسلهم إلى خواص البشر، وخَلَّص العباد {وَ} أيضاً يصطفي ويختار {مِنَ} خيار {ٱلنَّاسِ} رسلاً يرسلهم إلى عموم عباده بالنبوة والرسالة ليرشدوهم إلى توحيده سبحانه ويهدوهم إلى سواء طريقه {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لاستعدادات عباده {سَمِيعٌ} يسمع أقوالهم ومناجاتهم ويقضي حاجاتهم {بَصِيرٌ} [الحج: 75] يبصر أعمالهم وأفعالهم ويجازيهم عليها، لأنه: {يَعْلَمُ} سبحانه بعلمه الحضوري {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} حالاً {وَمَا خَلْفَهُمْ} ماضياً واستقبالاً {وَ} بالجملة {إِلَى ٱللَّهِ} الذي بدأ منه ما بدأ {تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} الحج: 76] الكئنة أزلاً وأبداً، ظاهراً وباطناً، حالاً ومآلاً، دنياً وآخره. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بتوحيد الله ورجوع الكل إليه أولاً وبالذات {ٱرْكَعُواْ} نحوه خاضعين منكسرين {وَٱسْجُدُواْ} له متذللين متواضعين {وَاعْبُدُواْ} بجميع أركانكم وجوارحكم {رَبَّكُمْ} الذي ربَّاكم بأنواع النعم كي تعرفوا ذاته حسب استعداداتكم، وتشكروا نعمه وحقوقَ كرمه مقدارَ وسعكم، وتعبدوه حق عبادته قدر طاقتكم {وَ} بالجملة: {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ} على وجه أمرتم به طلباً لمرضاته، واحذروا الشر خوفاً من سخطه وحلول غضبه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] وتفوزون بما وُعدتم من الجنة المأوى وشرف اللقيا فيها. وفقنا بفضلك وجودك على ما تحب منَّا وترضى. {وَ} بعدما سمعتم ما سمعتم من علو شأنه سبحانه، وكمال عظمته وكبريائه {جَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ} واجتهدوا في سبيل توحيده {حَقَّ جِهَادِهِ} أي: ابذلوا وسعكم وطاقتكم في سلوك طرق التوحيد، مرابطين قلوبكم إلى الله، باذلين مهجكم في الفناء فيه، وكيف لا تجاهدون وترابطون أيها المائلون إلى الله بالميل الحبّي الشوقي مع أنه {هُوَ} سبحانه {ٱجْتَبَاكُمْ} واصطفاكم من بين البرايا لإدراك توحيده والاتصاف بعرفانه، وأرسل عليكم الرسل، وأنزل عليكم الكتب ليرشدكم إليه، ويبينوا لكم طريق توحيده بوضع المناهج والشرائع الموصلة إلأيه، والأديان المثمرة له {وَمَا جَعَلَ} سبحانه {عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ} الموضوع فيكم {مِنْ حَرَجٍ} ضيق وعسر خارج عن وسعكم وطاقتكم، بل وسّع سبحانه عليكم أمر دينكم بأن جعل ملتكم {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} صلوات الرحمن عليه، إذ لا ضيق فيه ولا حرج. أضاف أبوة إبراهيم إلى الأمة من أجداد الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول أب لهم؛ إذ رسول كلِّ أمة أ بُ ب النسبة إلى أمته، بل هو خير الآباء؛ لإرشادهم إلى طريق الحق، ولا معنى للأب إلا المرشد المربي. وكما جعل سبحانه ملتكم ملة إبراهيم {هُوَ} بذاته {سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} في كتبه السالفة حيث قال سبحانه: من يؤمن ويصدق بمحمد خام النبوة والرسالة يصير مسلماً {وَفِي هَـٰذَا} الكتاب بيَّنَ التسمية على وجه التسليم فسماكم فيه أيضاً: مسلمين ضمناً، وإنما سماكم مسلمين مسلِّمين منقادين {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ} الذي هو أكمل الرسل وأفضل الأنبياء {شَهِيداً عَلَيْكُمْ} شاهداً على انقيادكم وتسليمكم في يوم الجزاء، فتكونوا أفضل الأمم وأشرف الفرق، وبواسطة كونكم أ مته وزمرته وتحت لوائه {وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى} عموم {ٱلنَّاسِ} بتبليغ الرسالة إليهم وإظهار الدعوة لهم، وإذا كنتم خير أمة وأشرفَ طائفة {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} وأديموا الميل والتوجه نحو الحق بجميع الجوارح والأركان تقرباً إليه شوقاً وتحنناً {وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ} المسقطة لميلكم إلى زخرفة الدنيا وحطامها {وَ} بالجملة {ٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ} في كل الأحوال، واثقينَ بفضله وجوده، وفوضوا أمروكم كلها إليه، متوكلين عليه {هُوَ مَوْلاَكُمْ} أي: ناصركم ومعينكم ومولّي أموركم {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ} الولي المعين {وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} [الحج: 78] الناصر المعين، ذو القوة المتين، حسبنا الله ونعم الوكيل. خاتمة السورة عليك أيها السالك المجاهد في سبيل الله أعداءَ الله وموانعَ الوصول إلى توحيده أن تجاهد أولاً مع نفسك التي بين جنبيك، إذ هي من أعدى عدوك، وأشد صولة واستيلاء إلى مملكة باطنك وقلبك الذي هو مخيم سرادقات سلطان الوحدة، ومحل نزول قهرمان العزة، ومهبط الوحي الإلهي والوارد الغيبي، فلك أن تزيل صولتها، وتشتت شملها، وتفرق جمعها التي هي جنودها وأنواعها من القوى الشهوانية والغضبية، وجميع الأوصاف البهيمية المتداعية إلى تخريب القلب، وتعمير النفس الأمّارة بالسوء، وتقويتها وتقويمها؛ إذ عداوتها ومنعها ذاتية حقيقية وبلا واسطة، وعداوةُ سائر الموانع بواسطتها. وإياك الإطاعة والانقياد إليها، فإنها تشغلك عن الحق، وتضلك عن سبيله وتغريك إلى الباطل وتقودك إلى طريقه. فاعلم أيها المجاهد الطالب للغلبة على جنود النفس الأمارة أنه لا يمكن لك هذا إلا بالاعتزال عن إقطاع الشيطان ومهلكة النفس ومشتهياتها ومستلذاتها بالكلية، والتشمر نحو الحق بالعزيمة الخالصة عن الرياء والرعونات والانخلاع عن مقتضيات الأوصاف البشرية بالإدارة الصادقة، والتوجه نحو الوحدة الذاتية عن طريق الفناء بإسقاط الإضافات المشعرة لتوهم الكثرة. وبالجملة لا يتم سلوك السالك في طريق التوحيد إلا بالفناء في الله، والبقاء ببقائه. ربنا هب لنا من لدنك جذبة تنجينا عن مضائق هوياتنا، وتوصلنا إلى فضاء توحيدك بمنك وجودك.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما بين تعالى كماله وضعف الأصنام، وأنه المعبود حقا، بين حالة الرسل، وتميزهم عن الخلق بما تميزوا به من الفضائل فقال: { اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ } أي: يختار ويجتبي من الملائكة رسلا ومن الناس رسلا يكونون أزكى ذلك النوع، وأجمعه لصفات المجد، وأحقه بالاصطفاء، فالرسل لا يكونون إلا صفوة الخلق على الإطلاق، والذي اختارهم واصطفاهم ليس جاهلا بحقائق الأشياء، أو يعلم شيئا دون شيء، وإنما المصطفى لهم، السميع، البصير، الذي قد أحاط علمه وسمعه وبصره بجميع الأشياء، فاختياره إياهم، عن علم منه، أنهم أهل لذلك، وأن الوحي يصلح فيهم كما قال تعالى: {أية : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ }. تفسير : { وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ } أي: هو يرسل الرسل، يدعون الناس إلى الله، فمنهم المجيب، ومنهم الراد لدعوتهم، ومنهم العامل، ومنهم الناكل، فهذا وظيفة الرسل، وأما الجزاء على تلك الأعمال، فمصيرها إلى الله، فلا تعدم منه فضلا أو عدلا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):