٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
الرازي
تفسير : القصة الثالثة إعلم أنه سبحانه يقص القصص في القرآن تارة على سبيل التفصيل كما تقدم وأخرى على سبيل الإجمال كههنا، وقيل المراد قصة لوط وشعيب وأيوب ويوسف عليهم السلام. فأما قوله: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً ءَاخَرِينَ } فالمعنى أنه ما أخلى الديار من مكلفين أنشأهم وبلغهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كان قبلهم في عمارة الدنيا. أما قوله: {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـأخِرُونَ } فيحتمل في هذا الأجل أن يكون المراد آجال حياتها وتكليفها، ويحتمل آجال موتها وهلاكها، وإن كان الأظهر في الأجل إذا أطلق أن يراد به وقت الموت، فبين أن كل أمة لها آجال مكتوبة في الحياة والموت، لا يتقدم ولا يتأخر، منبهاً بذلك على أنه عالم بالأشياء قبل كونها، فلا توجد إلا على وفق العلم، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَاء لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }تفسير : [نوح:4] وههنا مسألتان: المسألة الأولى: قال أصحابنا: هذه الآية تدل على أن المقتول ميت بأجله إذ لو قتل قبل أجله لكان قد تقدم الأجل أو تأخر، وذلك ينافيه هذا النص. المسألة الثانية: قال الكعبي: المراد من قوله: {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ } أي لا يتقدمون الوقت المؤقت لعذابهم إن لم يؤمنوا ولا يتأخرون عنه، ولا يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون إلا عناداً وأنهم لا يلدون مؤمناً، وأنه لا نفع في بقائهم لغيرهم، ولا ضرر على أحد في هلاكهم، وهو كقول نوح عليه السلام: { أية : إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً } تفسير : [نوح: 27]. أما قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تترا } فالمعنى أنه كما أنشأنا بعضهم بعد بعض أرسل إليهم الرسل على هذا الحد قرأ ابن كثير تتراً منونة والباقون بغير تنوين وهو اختيار أكثر أهل اللغة لأنها فعلى من المواترة وهي المتابعة وفعلى لا ينون كالدعوى والتقوى والتاء بدل من الواو فإنه مأخوذ من الوتر وهو الفرد، قال الواحدي تترى على القراءتين مصدر أو اسم أقيم مقام الحال لأن المعنى متواترة. أما قوله تعالى: { أية : كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ } تفسير : [المؤمنون: 44] يعني أنهم سلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من تقدم ذكره ممن أهلكه الله بالغرق والصيحة فلذلك قال: {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً } أي بالهلاك. (وقوله): {وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ } يمكن أن يكون المراد جمع الحديث ومنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعنى أنه سبحانه بلغ في إهلاكهم مبلغاً صاروا معه أحاديث فلا يرى منهم عين ولا أثر ولم يبق منهم إلا الحديث الذي يذكر ويعتبر به. ويمكن أيضاً أن يكون جمع أحدوثة مثل الأضحوكة والأعجوبة، وهي ما يتحدث به الناس تلهياً وتعجباً. ثم قال: {فَبُعْداً لّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } على وجه الدعاء والذم والتوبيخ، ودل بذلك على أنهم كما أهلكوا عاجلاً فهلاكهم بالتعذيب آجلاً على التأبيد مترقب وذلك وعيد شديد.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد هلاك هؤلاء. {قُرُوناً} أي أمماً. {آخَرِينَ} قال ابن عباس: يريد بني إسرائيل؛ وفي الكلام حذف: فكذبوا أنبياءهم فأهلكناهم. {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} «من» صلة؛ أي ما تسبق أمة الوقت المؤقت لها ولا تتأخره؛ مثل قوله تعالى: {أية : فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} تفسير : [الأعراف: 34]. ومعنى {تَتْرَى} تتواتر، ويتبع بعضهم بعضاً ترغيباً وترهيباً. قال الأصمعي: واترتُ كتبي عليه أتبعت بعضها بعضاً؛ إلا أن بين كل واحد منها وبين الآخر مهلة. وقال غيره: المواترة التتابع بغير مهلة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «تترًى» بالتنوين على أنه مصدر أدخل فيه التنوين على فتح الراء؛ كقولك: حَمْداً وشكراً؛ فالوقف على هذا على الألف المعوّضة من التنوين. ويجوز أن يكون ملحقاً بجعفر، فيكون مثل أرْطًى وعَلْقًى؛ كما قال:شعر : يَسْـتَـنّ فـي عَلْـقًـى وفـي مُكُـورِ تفسير : فإذا وقف على هذا الوجه جازت الإمالة، على أن ينوِي الوقف على الألف الملحقة. وقرأ ورْشٌ بين اللفظتين؛ مثل سكرى وغضبى، وهو اسم جمع؛ مثل شَتّى وأسرى. وأصله وَتْرى من المواترة والتواتر، فقلبت الواو تاء؛ مثل التقوى والتّكلان وتُجاه ونحوها. وقيل: هو من الوتر وهو الفرد؛ فالمعنى أرسلناهم فَرْداً فرداً. النحاس: وعلى هذا يجوز «تِتْراً» بكسر التاء الأولى، وموضعها نصب على المصدر؛ لأن معنى «ثم أرسلنا» واترنا. ويجوز أن يكون في موضع الحال أي متواترين. {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً} أي بالهلاك. {وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} جمع أحدوثة وهي ما يتحدّث به؛ كأعاجيب جمع أعجوبة، وهي ما يتعجّب منه. قال الأخفش: إنما يقال هذا في الشر «جعلناهم أحاديث» ولا يقال في الخير؛ كما يقال: صار فلان حديثاً أي عِبرة ومثلاً؛ كما قال في آية أخرى: {أية : فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} تفسير : [سبأ: 19]. قلت: وقد يقال فلانٌ حديثٌ حَسَن، إذا كان مقيَّدا بذكر ذلك؛ ومنه قول ابن دُريد: شعر : وإنما المرء حديث بعده فكن حديثاً حسناً لمن وَعَى
البيضاوي
تفسير : {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً ءَاخَرِينَ} هي قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً ءَاخَرِينَ} أي: أمماً وخلائق {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـأْخِرُونَ} يعني: بل يؤخذون على حسب ما قدر لهم تعالى في كتابه المحفوظ، وعلمه قبل كونهم أمة بعد أمة، وقرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، وخلفاً بعد سلف، {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا} قال ابن عباس: يعني: يتبع بعضهم بعضاً، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ} تفسير : [النحل: 36]. وقوله: {كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ} يعني: جمهورهم وأكثرهم؛ كقوله تعالى: {أية : يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} تفسير : [يس: 30]. وقوله: {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً} أي: أهلكناهم؛ كقوله: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ} تفسير : [الإسراء: 17]. وقوله: {وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ} أي: أخباراً وأحاديث للناس، كقوله: {أية : فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} تفسير : [سبأ: 19].
المحلي و السيوطي
تفسير : {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً } أقواماً {ءَاخَرِينَ }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ } أي من بعد إهلاكهم {قُرُوناً ءَاخَرِينَ } قيل: هم قوم صالح ولوط وشعيب كما وردت قصتهم على هذا الترتيب في الأعراف وهود، وقيل: هم بنو إسرائيل. والقرون الأمم، ولعل وجه الجمع هنا للقرون والإفراد فيما سبق قريباً: أنه أراد ها هنا أمماً متعدّدة وهناك أمة واحدة. ثم بين سبحانه كمال علمه وقدرته في شأن عباده فقال: {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـئخِرُونَ } أي ما تتقدّم كل طائفة مجتمعة في قرن آجالها المكتوبة لها في الهلاك ولا تتأخر عنها، ومثل ذلك قوله تعالى: {أية : فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }تفسير : [النحل: 61]. ثم بين سبحانه أن رسله كانوا بعد هذه القرون متواترين، وأن شأن أممهم كان واحداً في التكذيب لهم فقال: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تترا} والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها بمعنى: أن إرسال كل رسول متأخر عن إنشاء القرن الذي أرسل إليه، لا على معنى أنّ إرسال الرسل جميعاً متأخر عن إنشاء تلك القرون جميعاً، ومعنى {تتراً}: تتواتر واحداً بعد واحد ويتبع بعضهم بعضاً، من الوتر وهو الفرد. قال الأصمعي: واترت كتبي عليه: أتبعت بعضها بعضاً إلا أن بين كل واحد منها وبين الآخر مهلة. وقال غيره: المتواترة المتتابعة بغير مهلة. قرأ ابن كثير، وابن عمرو "تترى" بالتنوين على أنه مصدر. قال النحاس: وعلى هذا يجوز "تترى" بكسر التاء الأولى؛ لأن معنى {ثم أرسلنا}: واترنا، ويجوز أن يكون في موضع الحال، أي متواترين {كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ } هذه الجملة مستأنفة مبينة لمجيء كل رسول لأمته على أن المراد بالمجيء: التبليغ {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً } أي في الهلاك بما نزل بهم من العذاب {وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ } الأحاديث جمع أحدوثة، وهي ما يتحدّث به الناس كالأعاجيب جمع أعجوبة، وهي ما يتعجب الناس منه. قال الأخفش: إنما يقال جعلناهم أحاديث في الشرّ، ولا يقال في الخير، كما يقال: صار فلان حديثاً، أي عبرة، وكما قال سبحانه في آية أخرى: {أية : فَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَـٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } تفسير : [سبأ: 19]. قلت: وهذه الكلية غير مسلمة فقد يقال: صار فلان حديثاً حسناً، ومنه قول ابن دريد في مقصورته:شعر : وإنما المرء حديث بعده فكن حديثاً حسناً لمن روى تفسير : {فَبُعْداً لّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } وصفهم هنا بعدم الإيمان، وفيما سبق قريباً بالظلم لكون كل من الوصفين صادراً عن كل طائفة من الطائفتين، أو لكون هؤلاء لم يقع منهم إلا مجرّد عدم التصديق، وأولئك ضموا إليه تلك الأقوال الشنيعة التي هي من أشد الظلم وأفظعه. ثم حكى سبحانه ما وقع من فرعون وقومه عند إرسال موسى وهارون إليهم فقال: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَـٰرُونَ بِـئَايَـٰتِنَا } هي التسع المتقدّم ذكرها غير مرّة، ولا يصح عدّ فلق البحر منها هنا؛ لأن المراد: الآيات التي كذبوا بها واستكبروا عنها. والمراد بالسلطان المبين: الحجة الواضحة البينة. قيل: هي الآيات التسع نفسها،والعطف من باب:شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام تفسير : وقيل: أراد العصي؛ لأنها أمّ الآيات، فيكون من باب عطف جبريل على الملائكة. وقيل: المراد بالآيات: التي كانت لهما، وبالسلطان: الدلائل. المبين: التسع الآيات، والمراد بالملأ في قوله: {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ} هم الأشراف منهم كما سبق بيانه غير مرّة {عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ } أي: طلبوا الكبر وتكلفوه فلم ينقادوا للحق {وَكَانُواْ قَوْماً عَـٰلِينَ } قاهرين للناس بالبغي والظلم، مستعلين عليهم، متطاولين كبراً وعناداً وتمرّداً، وجملة: {فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا } معطوفة على جملة: {ٱسْتَكْبَرُواْ } وما بينهما اعتراض، والاستفهام للإنكار، أي كيف نصدق من كان مثلنا في البشرية؟ والبشر يطلق على الواحد كقوله: {أية : بَشَراً سَوِيّاً }تفسير : [مريم: 17] كما يطلق على الجمع كما في قوله: {أية : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً } تفسير : [مريم: 26]. فتثنيته هنا هي باعتبار المعنى الأول، وأفرد المثل لأنه في حكم المصدر، ومعنى {وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَـٰبِدُونَ }: أنهم مطيعون لهم منقادون لما يأمرونهم به كانقياد العبيد. قال المبرّد: العابد: المطيع الخاضع. قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان الملك: عابداً له. وقيل: يحتمل أنه كان يدّعي الإلٰهية فدعى الناس إلى عبادته فأطاعوه، واللام في: {لَنَا } متعلقة بـ {عابدون}، قدّمت عليه لرعاية الفواصل، والجملة حالية {فَكَذَّبُوهُمَا } أي فأصّروا على تكذيبهما. {فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ } بالغرق في البحر. ثم حكى سبحانه ما جرى على قوم موسى بعد إهلاك عدوّهم فقال: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ } يعني التوراة، وخصّ موسى بالذكر؛ لأن التوراة أنزلت عليه في الطور، وكان هارون خليفته في قومه. {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } أي لعلّ قوم موسى يهتدون بها إلى الحق، ويعملون بما فيها من الشرائع، فجعل سبحانه إيتاء موسى إياها إيتاء لقومه؛ لأنها وإن كانت منزلة على موسى فهي لإرشاد قومه. وقيل: إن ثمّ مضافاً محذوفاً أقيم المضاف إليه مقامه، أي آتينا قوم موسى الكتاب. وقيل: إن الضمير في: {لَعَلَّهُمْ } يرجع إلى فرعون وملائه، وهو وهم؛ لأن موسى لم يؤت التوراة إلا بعد إهلاك فرعون وقومه، كما قال سبحانه: {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ } تفسير : [القصص: 43]. ثم أشار سبحانه إلى قصة عيسى إجمالاً فقال: {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً } أي علامة تدلّ على عظيم قدرتنا، وبديع صنعنا، وقد تقدّم الكلام على هذا في آخر سورة الأنبياء في تفسير قوله سبحانه: {أية : وَجَعَلْنَـٰهَا وَٱبْنَهَا ءايَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 91]. ومعنى قوله: {وآويناهما إلى ربوة} إلى مكان مرتفع، أي جعلناهما يأويان إليها. قيل: هي أرض دمشق، وبه قال عبد الله بن سلام وسعيد بن المسيب ومقاتل. وقيل: بيت المقدس، قاله قتادة وكعب وقيل: أرض فلسطين، قاله السديّ. {ذَاتِ قَرَارٍ } أي ذات مستقرّ يستقرّ عليه ساكنوه {وَمَعِينٍ } أي وماء معين. قال الزجاج: هو الماء الجاري في العيون، فالميم على هذا زائدة كزيادتها في منبع. وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول. قال عليّ بن سليمان الأخفش: معن الماء: إذا جرى فهو معين وممعون وكذا قال ابن الأعرابي: وقيل: هو مأخوذ من الماعون، وهو النفع، وبمثل ما قال الزجاج قال الفرّاء: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ } قال الزجاج: هذه مخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودلّ الجمع على أن الرسل كلهم كذا أمروا؛ وقيل: إن هذه المقالة خوطب بها كل نبيّ، لأن هذه طريقتهم التي ينبغي لهم الكون عليها، فيكون المعنى: وقلنا: يا أيها الرسل خطاباً لكل واحد على انفراده، لاختلاف أزمنتهم. وقال ابن جرير: إن الخطاب لعيسى. وقال الفرّاء: هو كما تقول للرجل الواحد: كفوا عنا، و{الطيبات}: ما يستطاب ويستلذّ، وقيل: هي الحلال، وقيل: هي ما جمع الوصفين المذكورين. ثم بعد أن أمرهم بالأكل من الطيبات أمرهم بالعمل الصالح فقال: {وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً } أي عملاً صالحاً وهو ما كان موافقاً للشرع، ثم علل هذا الأمر بقوله: {إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } لا يخفى عليّ شيء منه، وإني مجازيكم على حسب أعمالكم إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ. {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً } هذا من جملة ما خوطب به الأنبياء، والمعنى: أن هذه ملتكم وشريعتكم أيها الرسل ملة واحدة، وشريعة متحدة يجمعها أصل هو أعظم ما بعث الله به أنبياءه وأنزل فيه كتبه، وهو دعاء جميع الأنبياء إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وقيل: المعنى إن هذا الذي تقدّم ذكره هو دينكم وملتكم فالزموه على أن المراد بالأمة هنا: الدين، كما في قوله: {أية : إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءنَا على أمة}تفسير : [الزخرف: 22]، ومنه قول النابغة:شعر : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع تفسير : قرىء بكسر: "إن" على الاستئناف المقرّر لما تقدّمه، وقرىء بفتحها وتشديدها. قال الخليل: هي في موضع نصب لما زال الخافض، أي أنا عالم بأن هذا دينكم الذي أمرتكم أن تؤمنوا به. وقال الفرّاء: إن متعلقة بفعل مضمر، وتقديره: واعلموا أن هذه أمتكم. وقال سيبويه: هي متعلقة بـ {اتقون}، والتقدير: فاتقون لأن أمتكم أمة واحدة، والفاء في: {فَٱتَّقُونِ } لترتيب الأمر بالتقوى على ما قبله من كونه ربكم المختصّ بالربوبية، أي لا تفعلوا ما يوجب العقوبة عليكم مني بأن تشركوا بي غيري، أو تخالفوا ما أمرتكم به أو نهيتكم عنه. ثم ذكر سبحانه ما وقع من الأمم من مخالفتهم لما أمرهم به الرسل فقال: {فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً } والفاء لترتيب عصيانهم على ما سبق من الأمر بالتقوى، والضمير يرجع إلى ما يدلّ عليه لفظ الأمة، والمعنى: أنهم جعلوا دينهم مع اتحاده قطعاً متفرّقة مختلفة. قال المبرّد: زبراً: فرقاً وقطعاً مختلفة، واحدها زبور، وهي الفرقة والطائفة، ومثله: الزبرة وجمعها زبر، فوصف سبحانه الأمم بأنهم اختلفوا، فاتبعت فرقة التوراة، وفرقة الزبور، وفرقة الإنجيل ثم حرّفوا وبدّلوا، وفرقة مشركة تبعوا ما رسمه لهم آباؤهم من الضلال. قرىء: "زبراً" بضم الباء جمع زبور، وقرىء بفتحها، أي قطعاً كقطع الحديد {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } أي: كل فريق من هؤلاء المختلفين {بما لديهم} أي بما عندهم من الدين {فرحون} أي معجبون به. {فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ } أي اتركهم في جهلهم، فليسوا بأهل للهداية، ولا يضق صدرك بتأخير العذاب عنهم، فلكلّ شيء وقت. شبه سبحانه ما هم فيه من الجهل بالماء الذي يغمر من دخل فيه. والغمرة في الأصل: ما يغمرك ويعلوك، وأصله الستر. والغمر: الماء الكثير؛ لأنه يغطي الأرض، وغمر الرداء هو الذي يشمل الناس بالعطاء، ويقال للحقد: الغمر، والمراد هنا: الحيرة والغفلة والضلالة، والآية خارجة مخرج التهديد لهم، لا مخرج الأمر له صلى الله عليه وسلم بالكفّ عنهم، ومعنى {حَتَّىٰ حِينٍ }: حتى يحضر وقت عذابهم بالقتل، أو حتى يموتوا على الكفر فيعذّبون في النار. {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } أي أيحسبون إنما نعطيهم في هذه الدنيا من الأموال والبنين. {نُسَارِعُ } به {لَهُمْ } فيما فيه خيرهم وإكرامهم، والهمزة للإنكار، والجواب عن هذا مقدّر يدلّ عليه قوله: {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ } لأنه عطف على مقدّر ينسحب إليه الكلام، أي كلا لا نفعل ذلك بل هم لا يشعرون بشيء أصلاً كالبهائم التي لا تفهم ولا تعقل، فإن ما خوّلناهم من النعم وأمددناهم به من الخيرات إنما هو استدراج لهم ليزدادوا إثماً، كما قال سبحانه: {أية : إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } تفسير : [آل عمران: 178]. قال الزجاج: المعنى: نسارع لهم به في الخيرات، فحذفت به، و "ما" في: {إنما} موصولة، والرابط هو هذا المحذوف. وقال الكسائي: إن أنما هنا حرف واحد فلا يحتاج إلى تقدير رابط. قيل: يجوز الوقف على بنين. وقيل: لا يحسن، لأن يحسبون يحتاج إلى مفعولين، فتمام المفعولين في الخيرات. قال ابن الأنباري: وهذا خطأ؛ لأن "ما" كافة. وقرأ أبو عبد الرحمٰن السلمي وعبد الرحمٰن ابن أبي بكرة: "يسارع" بالياء التحتية على أن فاعله ما يدلّ عليه أمددنا، وهو الإمداد، ويجوز أن يكون المعنى: يسارع الله لهم. وقرأ الباقون: "نسارع" بالنون. قال الثعلبي: وهذه القراءة هي الصواب لقوله: نمدّهم. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا } قال: يتبع بعضهم بعضاً. وفي لفظ قال: بعضهم على إثر بعض. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة {يَهْتَدُونَ وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءايَةً } قال: ولدته من غير أب. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن {أنس} آية قال: عبرة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {وآويناهما إلى ربوة} قال: الربوة المستوية، والمعين: الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: {أية : قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً }تفسير : [مريم: 24]. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه: {وآويناهما إلى ربوة} قال: هي المكان المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات {ذَاتِ قَرَارٍ }: ذات خصب. والمعين: الماء الظاهر. وأخرج وكيع والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وتمام الرازي وابن عساكر. قال السيوطي: بسند صحيح عن ابن عباس في قوله: {إِلَىٰ رَبْوَةٍ } قال: أنبئنا أنها دمشق. وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن سلام مثله. وكذا أخرجه ابن أبي حاتم عنه. وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة مرفوعاً نحوه، وإسناده ضعيف. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه وابن عساكر عن مرة البهزي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الربوة الرملة»تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم في الكنى، وابن عساكر عن أبي هريرة قال: هي الرملة من فلسطين. وأخرجه ابن مردويه من حديثه مرفوعاً. وأخرج الطبراني وابن السكن وابن منده وأبو نعيم وابن عساكر عن الأقرع بن شفي العكي مرفوعاً نحوه. وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ }. وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } [البقرة: 172]"تفسير : . ثم ذكر: "حديث : الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، يمدّ يديه إلى السماء: يا ربّ يا ربّ، فأنى يستجاب لذلك"تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور عن حفص الفزاري في قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ } قال: ذلك عيسى بن مريم يأكل من غزل أمه. وأخرجه عبدان في الصحابة عن حفص مرفوعاً، وهو مرسل؛ لأن حفصاً تابعي.
الماوردي
تفسير : قوله: {ثَمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} فيه قولان: أحدهما: متواترين يتبع بعضهم بعضاً، قاله ابن عباس، ومجاهد. الثاني: منقطعين بين كل اثنين دهر طويل وهذا تأويل من قرأ بالتنوين. وفي اشتقاق تترى ثلاثة أقاويل. أحدها: أنه مشتق من وتر القوس لاتصاله بمكانه منه، قاله ابن عيسى. وهو اشتقاقه على القول الأول. الثاني: أنه مشتق من الوتر وهو الفرد لأن كل واحد بعد صاحبه فرد، قاله الزجاج، وهو اشتقاقه على التأويل الثاني. الثالث: أنه مشتق من التواتر، قاله ابن قتيبة ويحتمل اشتقاقه التأويلين معاً.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ} أي: أقواماً آخرين. قيل: المراد قصة لُوط، وشعيب، وأيوب، ويوسف - صلوات الله عليهم أجمعين -، والمعنى: أنه ما أخلى الديار من المكلفين. {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} (مِنْ) صلة كأيّ: ما تَسْبِقُ أمة أجلها وقت هلاكها. وقيل: آجال حياتها وتكليفها. قال أهل السنة: هذه الآية تدل على أن المقتول ميّت بأجله، إذ لو قتل قبل أجله لكان قد تقدّم الأجل أو تأخر، وذلك ينافيه هذا النص. قوله: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} في "تَتْرَى" وجهان: أظهرهما: أنه منصوب على الحال من "رُسُلنَا"، يعني: متواترين أي: واحداً بعد واحد، أو متتابعين على حسب الخلاف في معناه. وحقيقته: أنه مصدر واقع موقع الحال. والثاني: أنه نعت مصدر محذوف، تقديره: إرسالاً تَتْرَى، أي: متتابعاً أو إرسالاً إثر إرسال وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر، وهي قراءة الشافعي "تَتْرًى" بالتنوين، ويقفون بالألف، وباقي السبعة "تَتْرَى" بألف صريحة دون تنوين، والوقف عندهم يكون بالياء، ويميله حمزة والكسائي، وهو مثل غَضْبَى وسَكْرَى، ولا يميله أبو عمرو في الوقف، وهذه هي اللغة المشهورة. فمن نَوّن فله وجهان: أحدهما: أنَّ وزن الكلمة فَعْلٌ كفَلْس فقوله: "تَتْرًى" كقولك: نصرته نَصْراً؛ ووزنه في قراءتهم "فَعْلاً". وقد رُدَّ هذا الوجه، بأنه لم يحفظ جريان حركات الإعراب على رائه، فيقال: هذا تَتْرٌ، ورأيتُ تَتْراً، ومررت بتترٍ، نحو: هذا نصرٌ، ورأيت نصراً، ومررت بنصرٍ، فلمّا لم يحفظ ذلك بَطَلَ أن يكون وزنه (فَعْلاً). الثاني: أنّ ألفه للإلحاق بِجَعْفَر، كهي في أَرْطَى وَعَلْقَى، فلما نُوّن ذهبت لالتقاء الساكنين وهذا أقرب مما قبله، ولكنه يلزم منه وجود ألف الإلحاق في المصادر، وهو نادر (ومن لم يُنوّن، فله فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الألف بدل من التنوين في حالة الوقف. والثاني: أنها للإلحاق كأَرْطَى وعَلْقَى). الثالث: أنها للتأنيث كدَعْوَى، وهي واضحة. فتحصّل في ألفه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بدل من التنوين في الوقف. الثاني: أنها للإلحاق. الثالث: أنها للتأنيث. واختلفوا فيها هل هي مصدر كَدَعْوَى و"ذِكْرَى"، أو اسم جمع كـ "أَسْرَى" و"شَتَّى"؟ كذا قاله أبو حيان. وفيه نظر: إذ المشهور أن "أَسْرَى" و"شَتَّى" جمعا تكسير لا اسما جمع. وتاؤها في الأصل واو لأنها من المواترة، والوتر، فقلبت تاء كما قلبت تاء في "تَوْرِيَة"، وتَوْلَج، وتَيْقُور، وتخمة وتراث، وتجاه فإنه من الوَرْي والولُوج، والوَقَار، والوَخَامَة، والورَاثة، والوَجه. واختلفوا في مدلولها، فعن الأصمعي: واحداً بعد واحد وبينهما هُنَيْهَة وقال غيره: هو من المُوَاتَرَة، وهي التتابع بغير مُهْلَة. وقال الراغب: والتوَاتُر تَتَابُع الشيء وِتْراً وفُرَادَى، قال تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى}. والوَتِيرة: السَّجية والطريقة، يقال: هم على وَتِيرةٍ واحدةٍ. والتِّرَةُ: الذَّحْلَ والوَتِيرة: الحاجز بن المنخرين. قوله: {كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ} أي: أنهم سلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من تقدّم ذكره ممن أهلكه الله بالغرق والصيحة، ولذلك قال: {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً} بالإهلاك. قوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} قيل: هو جمع حديث، ولكنه شاذ. والمعنى: سَمَراً وقصصاً يحدث من بعدهم بأمرهم، ولم يبق منهم عين ولا أثر إلا الحديث الذي يعتبر به. وقيل: بل هو جمع أُحْدُوثة، كأُضْحُوكة وأُعْجُوبَة، وهو ما يتحدث به الناس تَلهياً وتَعَجُّباً. وقال الأخفش: لا يقال ذلك إلا في الشر ولا يقال في الخير وقد شذت العرب في ألفاظ، فجمعوها على صيغة (أفَاعيل) كأباطيل وأقاطيع. وقال الزمخشري: الأحاديث يكون اسم جمع للحديث، ومنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أبو حيان: و (أفاعيل) ليس من أبنية اسم الجمع، فإنما ذكره النحاة فيما شذ من الجموع كقَطِيع وأقَاطِيع، وإذا كان عَبَادِيد قد حكموا عليه بأنه جمع تكسير مع أنهم لم يلفظوا له بواحد، فأحرى أحاديث وقد لفظ له بواحد وهو حديث فاتضح أنه جمع تكسير لا اسم جمع لما ذكرنا. ثم قال تعالى: {فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} وهذا دعاء، وذم، وتوبيخ، وذلك وعيد شديد.
ابو السعود
تفسير : {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي بعد هلاكِهم {قُرُوناً ءاخَرِينَ} هم قومُ صالحٍ ولوطٍ وشُعيبٍ عليهم السَّلامُ وغيرُهم. {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} أي ما تتقدَّمُ أمةٌ من الأُممِ المهلَكةِ الوقت الذي عُيِّن لهلاكِهم أي ما تهلكُ أمةٌ قبل مجيءِ أجلِها {وَمَا يَسْتَـئْخِرُونَ} ذلك الأجلَ بساعةٍ. وقوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا} عطفٌ على أنشأنا لكنْ لا على مَعْنى أنَّ إرسالَهم مُترَاخٍ عن إنشاء القُرون المذكورةِ جميعاً بل على مَعْنى أنَّ إرسالَ كلِّ رسولٍ متأخِّرٌ عن إنشاءِ قرنٍ مخصُوصٍ بذلك الرَّسولِ، كأنَّه قيل: ثمَّ أنشأنا من بعدِهم قُروناً آخرينَ قد أرسلنا إلى كلِّ قرنٍ منهُم رسولاً خاصًّا بهِ. والفصلُ بـين المعطوفينِ بالجملة المعترِضةِ النَّاطقةِ لعدم تقدُّمِ الأممِ أجلَها المضروبَ لهلاكِهم للمسارعةِ إلى بـيان هلاكِهم على وجهٍ إجماليَ {تَتْرَى} أي متواتِرينَ واحداً بعد واحدٍ من الوِتْرِ وهو الفَردُ. والتَّاءُ بدلٌ من الواوِ كما في تولج وينقوا. والألفُ للتأنيثِ باعتبار أنَّ الرُّسلَ جماعةٌ. وقُرىء بالتَّنوينِ على أنَّه مصدرٌ بمعنى الفاعلِ وقع حالاً. وقولُه تعالى: {كُلَّمَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ} استئنافٌ مبـيِّنٌ لمجيء كلِّ رسولٍ لأمَّتِه ولما صدرَ عنهم عند تبليغِ الرِّسالةِ. والمرادُ بالمجيءِ إمَّا التَّبليغُ وإمَّا حقيقةُ المجيء للإيذانِ بأنَّهم كذَّبوه في أوَّلِ المُلاقاة. وإضافةُ الرَّسولِ إلى الأُمَّةِ مع إضافة كلِّهم فيما سبق إلى نُونِ العظمةِ لتحقيق أنَّ كلَّ رسولٍ جاء أُمَّته الخاصَّةَ به لا أنَّ كلَّهم جاءوا كلَّ الأممِ، والإشعارِ بكمالِ شناعتِهم وضلالِهم حيثُ كذَّبتْ كلُّ واحدةٍ منهُم رسولَها المعيَّنِ لها. وقيل: لأنَّ الإرسالَ لائقٌ بالمرسلِ والمجيءُ بالمرسلِ إليهم {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً} في الهلاكِ حسبما تبع بعضُهم بعضاً في مباشرة أسبابِه التي هي الكفرُ والتَّكذيبُ وسائرُ المعاصي {وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ} لم يبقَ منهم إلا حكاياتٌ يعتبر بها المعتبرون وهو اسمُ جمعٍ للحديثِ أو جمعُ أُحدوثةٍ وهي ما يُتحدَّثُ به تَلهِّياً كأعاجيبَ جمعُ أُعجوبةٍ وهي ما يُتعجَّبُ منه أي جعلناهم أحاديثَ يُتحدَّثُ بها تَلهِّياً وتعجُّباً {فَبُعْداً لّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} اقتصر هٰهنا على وصفهم بعدمِ الإيمانِ حسبما اقتصر على حكايةِ تكذيبهم إجمالاً. وأمَّا القُرونُ الأَوَّلُون فحيث نُقل عنهم ما مرَّ من الغُلوِّ وتجاوزِ الحدِّ في الكُفرِ والعُدوانِ وُصفوا بالظُّلمِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ثم أنشأنا} خلقنا من بعدهم اى بعد هلاك القرون المذكورة وهم عاد على الاشهر {قرونا آخرين} هم قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم عليهم السلام اظهارا للقدرة وليعلم كل امة استغناءنا عنهم وانهم ان قبلوا دعوة الانبياء وتابعوا الرسل تعود فائدة استسلامهم وانقيادهم وقيامهم بالطاعات اليهم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: القرن: أهل العصر، سُموا به؛ لِقران بعضهم البعض، و (تترا): حال، فمن قرأه بالألف فهو كسكرى، وهو من الوتر، واحداً بعد واحد، فالتاء الأولى بدل من الواو، وأصله: وَترى، كتراث وتقوى، والألف للتأنيث، باعتبار أن الرسل جماعة، ومن نَوَّنَه جعله كأرطى ومعزى، فيقال: أرطى ومعزى، وقيل: مصدر بمعنى فاعل، أي: متتابعين. يقول الحق جل جلاله: {ثم أنشأنا من بعدهم} أي: من بعد قوم هود، {قروناً آخرين}؛ قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم، {ما تسبق من أمة}، "مِنْ" صلة، أي: ما تتقدم أمة من الأمم المهلكة {أجلَها} الذي عُيِّن لهلاكها في الأزل، {وما يستأخرون} عنه ساعة. {ثم أرسلنا رسلَنا}، عطف على "أنشأنا"، على معنى أن إرسالهم متراخ عن إنشاء القرون المذكورة، وما بينهما اعتراض، والمعنى: ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين، قد أرسلنا إلى كل قرن منهم رسولاً خاصاً به، والفصل بين الجملتين بالجملة المتعرضة الناطقة بعدم تقدم الأمم من أجلها المضروب لهلاكهم؛ للمسارعة إلى بيان هلاكهم على وجهٍ إجمالي. وقوله: {تَتْرَى} أي: متواترين واحداً بعد واحد، أو متتابعين يتبع بعضهم بعضاً، {كلما جاء أمةً رسولها كذبوه}، الرسول يلابس المرسِل والمرسلَ إليه، والإضافة تكون بالملابسة، فأضافهم أولاً إلى نون العظمة، وهنا إلى المرسل إليهم؛ للإشعار بكمال شناعتهم وضلالتهم، حيث كذبت كلُّ أمةٍ رسولها المعين لها، وعبَّر عن التبليغ بالمجيء؛ للإيذان بأنهم كذبوه في الملاقاة الأولى، {فأتبعنا بعضَهم بعضاً} في الهلاك، كما تبع بعضهم بعضاً في الكفر والتكذيب، الذي هو سبب الهلاك، {وجعلناهم أحاديثَ}؛ أخبار، يُسمر بها ويُتعجب منها، أي: لم يبق منهم إلا حكايات يعتبر بها المعتبرون، والأحاديث يكون اسم جمع للحديث، ومنه: أحاديث النبي - عليه الصلاة والسلام - ويكون جمعاً للأحدوثة، وهي ما يتحدث بها الناس؛ تلهياً وتعجباً، وهو المراد هنا, {فبعداً لقوم لا يؤمنون} به وبرسله, اقتصر هنا على عدم إيمانهم, وأما القرون الأولى, فحيث نقل عنهم ما مرَّ من العتو وتجاوز الحد في الكفر والعدوان, وصفهم بالظلم. والله تعالى أعلم وأحكم. الإشارة: كل ما حكى الله تعالى عن القرون الماضية والأمم السابقة، فالمراد ترهيب هذه الأمة المحمدية، وإزعاجٌ لها عن أسباب الهلاك، وإنهاض لها إلى العمل الصالح، لتكون أحاديث حِساناً بين الأمم، فكل إنسان ينبغي له أن يجتهد في تحصيل الكمالات العلمية والعملية، ليكون حديثاً حسناً لمن بعده، كما قال القائل: شعر : مَا الْمَرءُ إلا حديثٌ من بَعدِه فَكنْ حَديثاً حَسَناً لِمَن وَعَا تفسير : وقال آخر: شعر : ومَا الْمَرءُ إلا كالشَّهابِ وضَوْؤهُ يَحورُ رَماداً بَعْدَما هو سَاطِعُ ومَا المَالُ والأَهلْونَ إلا وديعةٌ ولا بُدَّ يوماً أن تُردَّ الْودَائِعُ تفسير : وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر رسالة موسى وهارون عليهما السلام
الجنابذي
تفسير : {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ} فأهلكوا فى موعدهم المقدّر لهم فانّ قوله {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} كناية من اهلاكهم فى موعد اهلاكهم وتهديد للحاضرين.
اطفيش
تفسير : {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ} بعد المهلكين {قُرُوناً آخَرِينَ} قوم صالح وقوم عاد على الخلف السابق في المراد بالقرن المذكور أولا وقوم لوط وقوم شعيب وغيرهم. وقال ابن عباس: اراد بني اسرائيل {مَا تَسْبِقُ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} بالموت قبله والاجل أجل موتها ومن زائدة للاستغراق نصا وان قلنا النكرة في سياق النفي نص في العموم لا متبادرة العموم فمن لتأكيد الاستغراق ولا يبعد ان يراد بالسبق الفوت إلى ما بعد اي لا تتأخر امة عن أجلها كذا ظهر لي قبل ان اتلو ما بعد ذلك وهو قوله: {وَمَا يَسْتَأخِرُونَ} فهذا الذي ذكرت انه لا يبعد باطل لا تصح ارادته الا على جهة التأكيد بقوله وما يستأخرون ووجه التأكيد ان النفس تريد التأخير لا السبق الذي هو التقدم فلا تبعد ارادته على تلك الجهة ولو كان الاصل التأسيس والفرع التأكيد والجمع والتذكير نظرا لمعنى الامة.
اطفيش
تفسير : {ثمَّ أنشأنا مِن بعْدهِم} بعد إهلاكهم {قروناً آخرين} أهلكناهم أيضاً كقوم صالح إن كان ما مر فى قوم هود، وكقوم لوط وقوم شعيب.
الالوسي
تفسير : {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي بعد هلاكهم {قُرُوناً ءاخَرِينَ} هم عند أكثر المفسرين قوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب وغير ذلك.
ابن عاشور
تفسير : القرون: الأمم، وهذا كقوله تعالى: { أية : وقروناً بين ذلك كثيراً } تفسير : [الفرقان: 38]. وهم الأمم الذين لم ترسل إليهم رسل وبقوا على اتباع شريعة نوح أو شريعة هود أو شريعة صالح، أو لم يؤمروا بشرع لأن الاقتصار على ذكر الأمم هنا دون ذكر الرسل ثم ذكر الرسل عقب هذا يومىء إلى أن هذه إما أمم لم تأتهم رسل لحكمة اقتضت تركهم على ذلك لأنهم لم يتأهلوا لقبول شرائع، أو لأنهم كانوا على شرائع سابقة. وجملة {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون} معترضة بين المتعاطفة. وهي استئناف بياني لما يؤذن به قوله: {ثم أنشأنا من بعدهم قروناً} من كثرتها ولا يؤذن به وصفهم بــــ{آخرين} من جهل الناس بهم، ولما يؤذن به عطف جملة { أية : ثم أرسلنا رسلنا تترى } تفسير : [المؤمنون: 44] من انقراض هذه القرون بعد الأمة التي ذكرت قصتها آنفاً في قوله {ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين} دون أن تجيئهم رسل، فكان ذلك كله مما يثير سؤال سائل عن مدة تعميرهم ووقت انقراضهم. فيجاب بالإجمال لأن لكل قرن منهم أجلا عيَّنه الله يبقى إلى مثله ثم ينقرض ويخلفه قرن آخر يأتي بعده، أو يعمَّر بعده قرن كان معاصراً له، وأن ما عيّن لكل قرن لا يتقدمه ولا يتأخر عنه كقوله تعالى: { أية : لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } تفسير : [يونس: 49]. والسبق: تجاوز السائر وتركه مُسائرَه خلفه، وعكسه التأخر. والمعنى واضح. والسين والتاء في {يستأخرون} زائدتان للتأكيد مثل: استجاب. وضمير {يستأخرون} عائد إلى {أمة} باعتبار الناس.
القطان
تفسير : تترى: متتابعين، تواترت الاشياء تتابعت مع فترات، واتر الشيءَ: تابعه. وجعلناهم احاديث: يتحدث الناس بما جرى عليهم. بآياتنا: هي الآيات التسع التي سبقت في سورة الاعراف. وسلطان مبين: حجة واضحة. عالين: متكبرين. ربوة ذات قرار معين: الربوة: المرتفع من الارض، ذات قرار: مستوية يستقر عليها الناس. معين: ماء. وهي القدس. {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} ثم خلقنا من بعدهم أقواماً غيرهم، كقومِ صالحٍ ولوطٍ وشُعيب. ولكل أمةٍ زمنُها ووقتُها المعيّن، لا تتقدم عنه ولا تتأخر، وكذلك لا تهلك أمةٌ قبل مجيء أجلِها ولا بعده. {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} ثم أرسلْنا رسُلَنا متتابعين، كلاَّ الى قومه، وكلّما جاء رسول قومَه كذّبوه في دعوته، فأهلكناهم متتابعين، وجعلنا أخبارَهم أحاديثَ يردّدها الناس ويعجبون منها. ومثلُ هذه الآية قوله تعالى: {أية : فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ}تفسير : [سبأ:19]. فبعداً لهم عن الرحمة، وهلاكاً لقومٍ لا يؤمنون. {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ..... } ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بعد الرسُل الذين تقدّم ذِكرُهم الى فرعون وقومِه، فامتنعوا وتكبّروا ولم يؤمنوا، وقالوا في تعجُّب وإنكار: أنؤمن بدعوةِ رجلَين من البشر مثلنا، وقومُهما لنا خاضعون وخادمون لنا كالعبيد!! فكذّبوهما في دعوتهما فكانوا من المهلَكِين بالغَرَق. ولقد أوحينا إلى موسى بالتوراة، ليهتديَ قومُه بما فيها من أحكام وإرشادات لعلَّهم يهتدون. وجعلنا عيسى بنَ مريم وأُمّه: في حملها به من غير ان يمسها بشر، وفي ولادته من غير أبٍ - دلالةً قاطعةٌ على قدرتنا البالغة، وأنزلناهما في أرضٍ طيبة مرتفعة يجِدان فيها الرعاية والإيواء. ففي كل هذه الآيات اجمالٌ وتلخيص لتاريخ الدعوة، يقرر سُنة الله الجارية، في الامد الطويل بين نوح وهود وموسى وعيسى، كل قرن يستوفي أجَله ويمضي.
د. أسعد حومد
تفسير : {آخَرِينَ} (42) - ثُمَّ أَنْشَأَ اللهُ أُمَماً وَأَجْيَالاً آخَرِينَ بَعْدَ إِهْلاَكِهِ عَاداً، مِنْهُم ثَمُودُ قَوْمُ صَالِحٍ، وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ قَوْمُ شُعَيْبٍ، وَقَوْمُ لُوطٍ. قُرُوناً آخرِين - أُمَماً أُخْرَى.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قبل عدة آيات قال الحق تبارك وتعالى: {أية : ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} تفسير : [المؤمنون: 31] فجاءتْ قرناً بصيغة المفرد؛ لأن الحديث مقصور على عاد قوم هود، أما هنا فقال تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً ..} [المؤمنون: 42] لأن الكلام سيأتي عن أمم ورسالات مختلفة ومتعددة، فجاءت (قروناً) بصيغة الجمع، قروناً متتابعة أو متعاصرة، كما تعاصر إبراهيم ولوط، وكما تعاصر موسى وشعيب عليهم جميعاً وعلى نبينا الصلاة والسلام. ثم يقول الحق سبحانه: {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ثم أنشأنا من بعد هؤلاء المكذبين المعاندين قرونا آخرين. كل أمة في وقت مسمى، وأجل محدود، لا تتقدم عنه ولا تتأخر، وأرسلنا إليهم رسلا متتابعة، لعلهم يؤمنون وينيبون، فلم يزل الكفر والتكذيب دأب الأمم العصاة، والكفرة البغاة، كلما جاء أمة رسولها كذبوه، مع أن كل رسول يأتي من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، بل مجرد دعوة الرسل وشرعهم، يدل على حقية ما جاءوا به، { فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا } بالهلاك، فلم يبق منهم باقية، وتعطلت مساكنهم من بعدهم { وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ } يتحدث بهم من بعدهم، ويكونون عبرة للمتقين، ونكالا للمكذبين، وخزيا عليهم مقرونا بعذابهم. { فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ } ما أشقاهم!!. وتعسا لهم، ما أخسر صفقتهم!!.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):