٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
71
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ} «الحق» هنا هو الله سبحانه وتعالى؛ قاله الأكثرون، منهم مجاهد وابن جُريج وأبو صالح وغيرهم. وتقديره في العربية: ولو اتبع صاحب الحق؛ قاله النحاس. وقد قيل: هو مجاز، أي لو وافق الحق أهواءهم؛ فجعل موافقته اتباعاً مجازاً، أي لو كانوا يكفرون بالرسل ويعصون الله عز وجل ثم لا يعاقَبون ولا يجازون على ذلك إمّا عجزاً وإمّا جهلاً لفسدت السموات والأرض. وقيل: المعنى ولو كان الحق ما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله تعالى لتنافت الآلهة، وأراد بعضهم ما لا يريده بعض، فاضطرب التدبير وفسدت السموات والأرض، وإذا فسدتا فسد من فيهما. وقيل: «لو اتبع الحق أهواءهم» أي بما يهواه الناس ويشتهونه لبطل نظام العالَم؛ لأن شهوات الناس تختلف وتتضادّ، وسبيلُ الحق أن يكون متبوعاً، وسبيل الناس الانقياد للحق. وقيل: «الحق» القرآن؛ أي لو نزل القرآن بما يحبون لفسدت السموات والأرض. {وَمَن فِيهِنَّ} إشارة إلى من يعقل من ملائكة السموات وإنس الأرض وجِنّها؛ المَاوَرْدِيّ. وقال الكَلْبِيّ: يعني وما بينهما من خلق؛ وهي قراءة ابن مسعود «لفسدت السموات والأرض وما بينهما». فيكون على تأويل الكلبِيّ وقراءةِ ابن مسعود محمولاً على فساد من يعقل وما لا يعقل من حيوان وجماد. وظاهر التنزيل في قراءة الجمهور يكون محمولاً على فساد ما يعقل من الحيوان؛ لأن ما لا يعقل تابع لما يعقل في الصلاح والفساد، فعلى هذا ما يكون من الفساد يعود على من في السموات من الملائكة بأن جُعلت أرباباً وهي مربوبة، وعُبدت وهي مستعبدة. وفساد الإنس يكون على وجهين: أحدهما: باتباع الهوى، وذلك مهلك. الثاني: بعبادة غير الله، وذلك كفر. وأما فساد ما عدا ذلك فيكون على وجه التبع؛ لأنهم مدبَّرون بذوي العقول فعاد فساد المدبِّرين عليهم. قوله تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} أي بما فيه شرفهم وعزّهم؛ قاله السُّدِّي وسفيان. وقال قتادة: أي بما لهم فيه ذكر ثوابهم وعقابهم. ابن عباس: أي ببيان الحق وذكر ما لهم به حاجة من أمر الدين. {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ } أي القرآن {أَهْوَآءَهُمْ } بأن جاء بما يهوونه من الشريك والولد لله، تعالى الله عن ذلك. {لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ }أي خرجت عن نظامها المشاهد لوجود التمانع في الشيء عادة عند تعدّد الحاكم {بَلْ أَتَيْنَٰهُمْ بِذِكْرِهِمْ } أي القرآن الذي فيه ذكرهم وشرفهم {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {اتَّبَعَ الْحَقُّ} الله عند الأكثرين، أو التنزيل {أَهْوَآءَهُمْ} فيما يشتهون، أو يعبدون. {وَمَن فِيهِنَّ} الثقلان والملائكة، أو ما بينهما من خلق {بِذِكْرِهِم} بيان الحق لهم، أو شرفهم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم منهم والقرآن بلسانهم، فهم عن شرفهم، أو عن القرآن {مُّعْرِضُونَ}.
النسفي
تفسير : {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ } أي الله {أَهْوَاءضهُمْ } فيما يعتقدون من الآلهة {لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوٰتُ وَٱلأَرْضُ } كما قال {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] {وَمَن فِيهِنَّ } خص العقلاء بالذكر لأن غيرهم تبع {بَلْ أَتَيْنَـٰهُمْ بِذِكْرِهِمْ } بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أو شرفهم لأن الرسول منهم والقرآن بلغتهم، أو بالذكر الذي كانوا يتمنونه {أية : وَيَقُولونَ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ ٱلاْوَّلِينَ }تفسير : [الصافات: 168] الآية. {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ } بسوء اختيارهم {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ } حجازي وبصري وعاصم، {خرجا فخرج} شامي، {خراجا فخراج} علي وحمزة، وهو ما تخرجه إلى الإمام من زكاة أرضك وإلى كل عامل من أجرته وجعله، والخرج أخص من الخراج تقول «خراج القرية وخرج الكوفة» فزيادة اللفظ لزيادة المعنى ولذا حسنت لقراءة الأولى يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من الخالق خير {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرازِقِينَ } أفضل المعطين {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } وهو دين الإسلام فحقيق أن يستجيبوا لك. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصّرٰطِ لَنَـٰكِبُونَ } لعادلون عن هذا الصراط المذكور وهو الصراط المستقيم {وَلَوْ رَحِمْنَـٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مّن ضُرّ } لما أخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز جاء أبو سفيان إلى حديث : رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال: «بلى» فقال: قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع فنزلت الآية. تفسير : والمعنى لو كشف الله عنهم هذا الضر وهو القحط الذي أصابهم برحمته لهم ووجدوا الخصب {لَّلَجُّواْ } أي لتمادوا {فِي طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ } يترددون يعني لعادوا إلى ما كانوا عليه من الاستكبار وعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ولذهب عنهم هذا التملق بين يديه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} [الآية: 71]. قال بعضهم: لولا أن الله أمر بمخالفة النفوس ومباينتها لاتبع الخلق أهواءهم فى شهوات النفوس ولو فعلوا لك لضلوا عن طريق العبودية، وتركوا أوامر الله، وأعرضوا عن طاعته، ولزموا مخالفته ألا ترى الله يقول: {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ}. قال الواسطى رحمه الله فى هذه الآية: أول ما كاشف الله خلقه كاشفهم بالمعارف، ثم بالوسائل ثم بالسكينة ثم بالبصائر، فلما عاينوا الحق بالحق ونَوا عن كل همة وإرادة.
القشيري
تفسير : وذلك لتضادِّ مُنَاهم وأهوائِهم؛ إذ هم متشاكسون في السؤال والمراد، وتحصيلُ ذلك مُحَالٌ تقديرُه في الوجود. فَبَيَّنَ الله - سبحانه - أنه لو أجرى حُكْمَه على وفق مرادِهم لاختلَّ أمرُ السماواتِ والأرض، ولَخَرَجَ عن حَدِّ الإحكام والإتقان.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} افهم ان الله سبحانه البس وصف قهره النفوس الأبية فاستكبرت عند مباشرتها القهر الجبروتى وخرجت بنعت الكبرياء الى ميادين الربوبية فالقى الحق سلطان عزمه قدم عليها وكسر قرونها بطاعته ولولا انه تعالى حبسها فى ملازمة قهره لخرجت الارض بفسادها وتكبرها ولم يرتفع طاعة المطيعين الى السماء وكيف يكون الصانع القديم مراد النفوس الحدثية اذ جلاله كان منزها عن محل ارادة كل مريد وحلول كل حادث اعطاها شرف مباشرة ربويته فابت بحظوظها عن رويتها لذلك قال سبحانه {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ} بذكره الازلى ذكرهم بالعبودية وعرفهم بالطاعة فهم عن شرف الطاعة معرضون وايضا تجلى الحق فى لباس القرأن لاهل العرفان ولم تبصره ابصار اهل الطغيان قال الواسطى ------كاشفهم بالمعارف ثم بالوسائل ثم بالسكينة ثم بالبصائر فلما عائنوا الحق بالحق ----- همة وارادة قال بعضهم لولا ان الله تعالى امر بمخالفة النفوس ومباينتها لا نتبع الخلق ----- النفوس ولو فعلوا ذلك لضلوا عن طريق العبودية وتركوا اوامر الله واعرضوا عن طاعته ولزموا مخالفة ترى الله يقول ولو اتبع الحق اهواءهم الأية ثم بين سبحانه ان حبيبه صلوات الله عليه يدعوهم الى ---- المشاهدة بقوله {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} الصراط المستقيم ما وضحه انوار جماله ومشاهدته وهو طريق معرفته فى قلوب الصديقين لارواح القدسية وذلك الطريق منتهاها بالمحبة وبدايتها الاسوة والمتابعة بقوله ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله قال ابن عطا انك لتحملهم على مسالك الوصول وليس كل احد يصلح لذلك السلوك ولا يوفق له الا ----- وهم الذين استقاموا الله مع الله ولم يطلبوا منه سواه ولم يروا الا انفسهم درجة ولا مقاما قال بعضهم الى الاقبال على الله والاعراض عمن سواه ثم بين سبحانه حال المحرومين عن هذه الطريقة المباركة والايمان بالغيب والأخرة وصفهم بالضلالة عن طريق الصواب بقوله {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} اى الذين لا يشاهدون بقلوبهم انوار الغيب لناكبون عن متابعتك يا محمد قال ابو بكر الوراق من لم يهتم لامر معاده ومنقلبه وما يظهر عليه فى الملاء الاعلى والمشهد الاعظم فهو ضال عن طريقته غير متبع لرشده واخر منه حالا من يهتم لما جرى له فى السبق من ربه لان هذا المصدر فرع تلك السابقة قال الله ان الذين الأية ثم بين ان لو كشف لهم حجبا الهجران ورأوا جمال الرحمن لادعوا من سكرهم فى جمال الانانية بقوله {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} لو خلصهم عن درك الامتحان وكشف عنهم ضر الحرمان للجوافى فى دعاويهم العظيمة التى تفسد الرسوم وبقوا فى طغيان دعاويهم قال ابن عطا الرحمة من الله على الارواح والمشاهدة ورحمته على الاسرار للمراقبة وحرمته على القلوب المعرفة وحرمته على الابدان أثار الخدمة عليها على سبيل السنة وقال ابو بكر بن طاهر كشف الضر هو الخلاص من امانى النفس وطول الامل وطلب الرياسة والعلو وحب الدنيا فان هذا كله مما يضر بالمومن قال الواسطى للعلم طغيان وهو تفاخر به وللمال طغيان وهو البخل وللعمل والعادة طغيان وهو الرياء ---- بالنفس طغيان وهو ابتاع شهواتها ثم بين انه تعالى ابتلاهم بعذاب الفرقة ولو يتحسروا بذلك ما ارادوا الرجوع اليه بنعت التضرع بقوله {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} افرد ارواحهم فى مبادى العهد بشهود نور جماله لها واخطابه معها فلما وصلت الاشباح بتلاها بحجاب النفوس والشياطين وثم ترجع الى طلب معادنها فشكى الله سبحانه --- من حق معرفتها انها تقنى بمواراة الحجاب والخطاب بالعتاب وهذا وصفه بعض العارفين الذين هموا فى اودية الكبرياء والعظمة ولا يجدون لذة الوصال والجمال عن صولة التوحيد فوقعوا فى بحار الاولية وباشروا بالجرأة ما يوجب العتاب فلم يلتفتوا الى مراعاة الرجوع لاستكبارهم بمقاماتهم العظيمة ولا يختمون على فوايت حظوظهم المشاهدة يا ليت لو علموا خبايا مكره لتضرعوا واستكانوا حتى يكشف ما وراء احوالهم من عظائم غيوبات الصفات وعجايبات كشوف الذات التى لو شاهدوها لذابوا ساعة بنعت الفناء فى القدم ولتاهوا ساعة بنعت البقاء مع السكر والصحو فى الابد وافهم ان الله سبحانه اوقع المريدين فى موت الفوت فجاهد وانفسهم بانواع العبادات والرياضات ولو استعاذوا به واستعانوا لسهل عليهم طريق الرجوع اليه فاين هم من التضرع والبكاء وتعفير الوجوه بالتراب على فناء وحدانيته وجناب ديموميته وبهذا وصل الواصلون الى الله قال سهل ما اخلصوا لربهم فى العبودية ولا ذلوا بالواحدانية.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولو اتبع الحق} الذى كرهوه ومن جملته ما جاء به عليه السلام من القرآن {اهواءهم} مشتهيات الكفرة بان جاء القرآن موافقا لمراداتهم فجعل موافقته اتباعا على التوسع والمجاز {لفسدت السماوات والارض ومن فيهن} من الملائكة والانس والجن وخرجت عن الصلاح والانتظام بالكلية لان مناط النظام ومابه قوام العالم ليس الا الحق الذى من جملته الاسلام والتوحيد والعدل ونحو ذلك، قال بعضهم لولا ان الله امر بمخالفة النفوس ومباينتها لاتبع الخلق اهواءهم وشهواتهم ولو فعلوا ذلك لضلوا عن طريق العبودية وتركوا او امر الله تعالى واعرضوا عن طاعته ولزموا مخالفته والهوى يهوى بمتابعيه الى الهاوية {بل اتيناهم بذكرهم} انتقال من تشنيعهم بكراهة الحق الذى يقوم به العالم الى تشنيعهم بالاعراض عما جبل عليه كل نفس من الرغبة فيما فيه خيرها والمراد بالذكر القرآن الذى فيه فخرهم وشرفهم فى الدنيا والآخرة كما قال تعالى {أية : وانه لذكر لك ولقومك}تفسير : اى شرف لك ولقومك والمعنى بل اتيناهم بفخرهم وشرفهم الذى يجب عليهم ان يقبلوا عليه اكمل اقبال، وفى التأويلات النجمية {بل اتيناهم} بما فيه لهم صلاح فى الحال وذكر فى المأل {فهم} بسوء اختيارهم {عن ذكرهم} عن صلاح حالهم وشرف مآلهم، وفى الارشاد اى فخرهم وشرفهم خاصة {معرضون} لاعن غير ذلك مما لايوجب الاقبال عليه والاعتناء به.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو، ونافع، وعاصم "خرجاً" بلا ألف "فخراج" بألف. وقرأ حمزة والكسائي {خراجاً فخراج} بالالف فيهما. وقرأ ابن عامر "خرجاً فخرج" بلا ألف فيهما. معنى قوله {ولو اتبع الحق أهواءهم} ان الحق لما كان يدعو الى الافعال الحسنة. والاهواء تدعو إلى الافعال القبيحة، فلو اتبع الحق داعي الهوى لدعاه الى قبيح الاعمال والى ما فيه الفساد والاختلاط، ولو جرى الامر على ذلك {لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن} ووجه فساد العالم بذلك: انه يوجب بطلان الادلة وامتناع الثقة بالمدلول عليه، وانه لا يؤمن وقوع الظلم، الذي لا ينصف منه، وتختلط الامور أقبح الاختلاط ولا يوثق بوعد، ولا وعيد، ولا يؤمن إنقلاب عدل الحكيم. وهذا معنى عجيب. وقال قوم من المفسرين: إن الحق - فى الآية - هو الله والتقدير: ولو اتبع الحق أعني الله أهواء هؤلاء الكفار، وفعل ما يريدونه لفسدت السموات والارض. وقال الجبائي: المعنى لو اتبع الحق - الذى هو التوحيد - أهواءهم فى الاشراك معه معبوداً سواه، لوجب ان يكون ذلك المعبود مثلا له ولصح بينهما الممانعة، فيؤدي ذلك الى الفساد، كما قال تعالى {أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}. تفسير : والهوى ميل النفس الى المشتهى من غير داعي الحق، كما قال تعالى {أية : وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى}، تفسير : فلا يجوز لاحد أن يفعل شيئاً لانه يهواه. ولكن يفعله لانه صواب، على انه يهواه أو لانه يهواه مع أنه صواب حسن جائز. وقال ابو صالح. وابن جريج: الحق هو الله، وقال الجبائي معنى {ولو اتبع الحق أهواءهم} فيما يعتقدون من الآلهة {لفسدت السماوات والأرض} كقوله {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}. وقوله {بل آتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون}. قال ابن عباس: معنى الذكر البيان للحق. وقال غيره: الذكر الشرف. كقوله {أية : وإنه لذكر لك ولقومك} تفسير : وكل ذلك يراد به القران. ثم قال {أم تسألهم} يا محمد {خرجاً} أي اجراً على العمل - فى قول الحسن - وأصل الخرج والخراج واحد، وهو الغلة التي تخرج على سبيل الوظيفة منه. ومنه خراج الارض، وهما مصدران لا يجمعان. ثم قال {فخراج ربك} أي أجر ربك {خير وهو خير الرازقين} يعني الله خير من يرزق. وفى ذلك دلالة على أن غير الله قد يرزق باذنه، ولولا ذلك لم يجز {خير الرازقين}. ثم قال لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) {وإنك} يا محمد {لتدعوهم} أي هؤلاء الكفار {إلى صراط مستقيم} من التوحيد، واخلاص العبادة، والعمل بالشريعة {وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة} يعني من لا يصدقون بالبعث يوم القيامة {عن الصراط} صراط الحق {لناكبون} أي عادلون عن دين الحق. وقال الجبائي: معناه لناكبون فى الآخرة عن طريق الجنة، بأخذهم يمنة ويسرة إلى النار. ثم قال تعالى {ولو رحمناهم} في الاخرة ورددناهم الى دار الدنيا، وكلفناهم فيها {للجوا في طغيانهم يعمهون} كما قال {أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} تفسير : وقال ابن جريج يريد فى الدنيا أي {لو أنا رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر} وجوع ونحوه {للجوا في طغيانهم} أي فى غوايتهم {يعمهون} أي يترددون.
الجنابذي
تفسير : {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ} الحقّ المطلق هو الله، والحقّ المضاف مشيّته وهى فعله تعالى ثمّ الولاية ثمّ النّبوّة ثمّ الرّسالة ثمّ كلّ ما كان الحقّيّة فيه غالبةً والبطلان مغلوباً {لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} لانّ اهواءهم لا تتجاوز عمّا فيه مشتهى نفوسهم من غير ملاحظة غايةٍ لذلك المشتهى ومن غير ملاحظة حقوق من فى عالمهم الصّغير ومن فى العالم الكبير ولو لم يراع الحقوق لفسدت السّماوات والارض ومن فيهنّ فى العالم الصّغير وفسد من فى العالم الكبير وفسد سماوات العالم الكبير وارضه لفساد غايتهما الّتى هى صلاح من فيهما {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} يعنى انّ انكار الحقّ الّذى جاء به محمّد (ص) امر عظيم وهؤلاء لخروجهم عن الفطرة الانسانيّة انكروا انكاراً اعظم منه وهو انكارهم ذكرهم وشرفهم او وعظهم ونصحهم وقد آتينا نحن ذلك لهم فهو اضراب من الادنى الى الاعلى، والمراد بالذّكر الرّسول او القرآن او الشّريعة او السّلطنة {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ} الّذى آتيناهم نحن به{مُّعْرِضُونَ أَمْ تَسْأَلُهُمْ} يعنى بل ليس المانع شيئاً من ذلك ولكن تسألهم {خَرْجاً} فيثقل ذلك الخرج عليهم فينكرون رسالتك لذلك فلا تسألهم ذلك ان كنت تسألهم {فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} لك من كلّ خراج فانّ خراجه كلّ ما سواه {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} قد سبق بيان كونه خير الرّازقين فى سورة الحجّ.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ} أي: أهواء المشركين {لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} أي: لهلكت السماوات والأرض {وَمَن فِيهِنَّ} يقول: لو كان الحق في أهوائهم لوقعت أهواؤهم على هلاك السماوات والأرض ومن فيهن. قال بعضهم: الحق ها هنا الله. قال الله: {بَل أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ} أي: بشرفهم، أي: بشرف من آمن منهم به. قال الحسن: يعني القرآن، أنزلنا عليهم فيه ما يأتون وما يذرون، وما يُحِلُّون وما يُحرِّمون. {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ} أي: عما بيّنّا لهم معرضون. وقال في آية أخرى: (أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ) تفسير : [الأنبياء: 10] أي: فيه شرفكم، أي: من آمن به منهم. قوله: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً} أي: جُعْلاً على ما تدعوهم إليه، أي: إنك لا تسألهم عليه أجراً. {فَخَرَاجُ رَبِّكَ} أي: ثوابه في الآخرة {خَيْرٌ} من أجرهم لو أعطوك في الدنيا أجراً. قال: {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}. وقد جعل الله رزق العباد بعضهم من بعض، يرزق الله إياهم، فقسم رزق هذا على يد هذا. ذكر عن أم الدرداء قالت: ما بال أحدكم يقول: اللهم ارزقني وقد علم أن الله لا يمطر عليه من السماء دنانير ولا دراهم، وإنما يرزق بعضهم من بعض. فمن أتاه الله برزق فليقبله، وإن لم يكن إليه محتاجاً فليعطه أهل الحاجة من إخوانه، وإن كان محتاجاً استعان به على حاجته، ولا يرد على الله رزقه الذي رزقه. ذكروا عن عمران القصير قال: لقيت مكحولاً بمكة فأعطاني شيئاً فانقبضت عنه. فقال: خذه فإني سأحدثك فيه بحديث، فقلت: حدثني به، فما شيء أحب إليّ منه. قال: حديث : أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر شيئاً، فكأنه انقبض عن أخذه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتاك الله بشيء لم تطلبه ولم تعرض له فخذه؛ فإن كنت محتاجاً إليه فأنفقه، وإن لم تكن محتاجاً إليه فضعه في أهل الحاجة ".
اطفيش
تفسير : {وَلَوْ اتَّبَعَ الحَقُّ} المراد مطلق الحق. وفسره بعضهم في المواضع الثلاثة بالقرآن {اهْوَآءَهُمْ} ما يهوونه من تعدد الآلهة قبل ومن ثبوت الولد له تعالى لكن فساد السماوات والأرض يترتب على تعدد الآلهة ترتيبا متبادرا {لَفَسَدَتِ السَّمَٰوَاتُ والأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} من عاقل وغيره باستعمال من وغيره وفساد ذلك خروجه عن النظر المشاهد لوجود التمانع عادة عند تعدد الحاكم كما سبق في الانبياء عليهم السلام ولو كان ما يهوونه من تعدد أو غيره كالولادة لم يكن لله عز وجل الصفات العليا ولم تكن له القدرة والصنعة كما هما. وقيل: لو اتبع الحقُّ اهواءهم وانقلب باطلا لذهب ما يقوم به العالم فلا يبقى للعالم قوام وفي ذلك دلالة على عظم شأن الحق حيث قام به العالم. وقيل: لو اتبع الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم اهواءهم وانقلب شركا لجاء الله بالقيامة وأهلك العالم لفرط غضبه. وقال قتادة وابن جريج وابو صالح: الحق هو الله اي لو امر بالشرك والمعاصي لم يكن الها ولم يقدر ان يمسك السماوات والارض ان تزولا والحق ان هذا القول لا يختص بالبناء على أصل المعتبر له كما ترى انه قول هؤلاء الثلاثة لكن قال عياض هذا القول لا يناسب نمط الآية. {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} أي بالكتاب الذي هو ذكرهم يوعظون به او بشرفهم وفخرهم لو عملوا به أو مطلقا من حيث انه على لغتهم وعلى نبي منهم أو بالذكر الذي يتمنونه لو ان عندنا ذكرا من الاولين لكنا عباد الله المخلصين. والاولان روايتان عن ابن عباس رضي الله عنهما والاول ايضا قول الحسن وقرئ (بذكراهم) {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ}.
اطفيش
تفسير : {ولو اتَّبع الحقُّ أهواءَهُم} وأل للحقيقة، وهو مطلق ما يجئ به محمد صلى الله عليه وسلم، مع قطع النظر عن انه القرآن او التوحيد، لأن القرآن الذى هو كما نعرفه، أو التوحيد لا يتصور ان يكون موافقاً لهواهم، لأنه غير هواهم ونسبة، الاتباع الى الحق مجاز فى الاسناد، أو يقدر مضاف، أى صاحب الحق وهو الله عز وجل، او محمد صلى الله عليه وسلم، أو الحق الله عز وجل، كما قاله أبو صالح وابن جريح وقتادة. {لَفَسدت السَّماوات والأرض} الأرضون {ومن فيهنَّ} خربُوا وقامت الساعة، أو فسدت وفسد العقول دون قيام الساعة {بل أتيناهم بِذكْرهِم} الباء للتعدية، أى جعلنا ذكرهم آتيا وهو القرآن، فإنه فخر لهم، كما قال الله عز وجل: "أية : وإنه لذكر لك ولقومك"تفسير : [الزخرف: 44] أو الذكر هو الذى لو لم يأتهم لقالوا: " أية : لو أن عندنا ذكراً "تفسير : [الصافات: 168] الخ جعله الله القرآن، وعن ابن عباس الذكر الوعظ، كما قرأ قالون: ذكرهم بالألف، والواجب عقلا وشرعا على العاقل أن يقبل ما هو له من الله شرف، وفرع ورتب على نكوصهم واستكبارهم وإهجارهم وغير ذلك، مما ذكر بقوله: {فهم عن ذكرهم مُعرضُون} لا عن غير ذكرهم، وأظهر الذكر ولم يضمر له تعجيبا منهم، وزيادة فى ذمهم، وتنزيلا لهم منزلة من لا يعرف صلاحة، كالمجنون والدابة فى بعض أحوالها، أو ذما لهم بأن الدابة تعرف صلاحها، وهم لا يعرفون صلاحهم.
الالوسي
تفسير : {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ} الحق الذي جاء به النبـي صلى الله عليه وسلم وجعل الاتباع حقيقياً والإسناد مجازياً، وقيل مآل المعنى لو اتبع النبـي صلى الله عليه وسلم أهواءهم فجاءهم بالشرك بدل ما أرسل به {لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوٰتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} أي لخرب الله تعالى العالم وقامت القيامة لفرط غضبه سبحانه وهو فرض محال من تبديله عليه الصلاة والسلام ما أرسل به من عنده، وجوز أن يكون المراد بالحق الأمر المطابق للواقع في شأن الألوهية والاتباع مجازاً عن الموافقة أي لو وافق الأمر المطابق للواقع أهواءهم بأن كان الشرك حقاً لفسدت السمٰوات والأرض حسبما قرر في قوله تعالى: { أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] ولعل الكلام عليه اعتراض للإشارة إلى أنهم كرهوا شيئاً لا يمكن خلافه أصلاً فلا فائدة لهم في هذه الكراهة. واعترض بأنه لا يناسب المقام وفيه بحث، وكذا ما قيل: إن ما يوافق أهواءهم هو الشرك في الألوهية لأن قريشاً كانوا وثنية وهو لا يستلزم الفساد والذي يستلزمه إنما هو الشرك في الربوبية كما تزعمه الثنوية وهم لم يكونوا كذلك كما ينبىء عنه قوله تعالى: { أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان: 25]. وجوز أن يكون المعنى لو وافق الحق مطلقاً أهواءهم لخرجت السمٰوات والأرض عن الصلاح والانتظام بالكلية، والكلام استطراد لتعظيم شأن الحق مطلقاً بأن السمٰوات والأرض ما قامت ولا من فيهن وإلا به ولا يخلو عن حسن. وقيل: المراد بالحق هو الله تعالى. وقد أخرجه ابن أبـي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن أبـي صالح وحكاه بعضهم عن ابن جريج والزمخشري عن قتادة والمعنى عليه: لو كان الله تعالى يتبع أهواءهم ويفعل ما يريدون فيشرع لهم الشرك ويأمرهم به لم يكن سبحانه إلهاً فتفسد السماوات والأرض. وهذا مبني على أن شرع الشرك نقص يجب تنزيه الله تعالى عنه. وقد ذكر ذلك الخفاجي وذكر أنه قد قام الدليل العقلي عليه وأنه لا خلاف فيه. ولعل الكلام عليه اعتراض أيضاً للإشارة إلى عدم إمكان إرسال النبـي عليه الصلاة والسلام إليهم بخلاف ما جاء به مما لا يكرهونه فكراهتهم لما جاء به عليه الصلاة والسلام لا تجديهم نفعاً فالقول بأنه بعيد عن مقتضى المقام ليس في محله. وقيل: المعنى عليه لو فعل الله تعالى ما يوافق أهواءهم لاختل نظام العالم لما أن آراءهم متناقضة. وفيه إشارة إلى فساد عقولهم وأنهم لذلك كرهوا ما كرهوه من الحق الذي / جاء به عليه الصلاة والسلام وهو كما ترى. وقرأ ابن وثاب {ولو ٱتبع} بضم الواو. {بَلْ أَتَيْنَـٰهُمْ بِذِكْرِهِمْ} انتقال من تشنيعهم بكراهة الحق إلى تشنيعهم بالإعراض عما جبل عليه كل نفس من الرغبة فيما فيه خيرها والمراد بالذكر القرآن الذي هو فخرهم وشرفهم حسبما ينطق به قوله تعالى: { أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } تفسير : [الزخرف: 44] أي بل أتيناهم بفخرهم وشرفهم الذي كان يجب عليهم أن يقبلوا عليه أكمل إقبال ويقبلوا ما فيه أكمل قبول {فَهُمُ} بما فعلوا من النكوص {عَن ذِكْرِهِمْ} أي فخرهم وشرفهم خاصة {مُّعْرِضُونَ} لا عن غير ذلك مما لا يوجب الإقبال عليه والاعتناء به. وفي وضع الظاهر موضع الضمير مزيد تشنيع لهم وتقريع. والفاء لترتيب ما بعدها من إعراضهم عن ذكرهم على ما قبلها من الإتيان بذكرهم، ومن فسر {ٱلْحَقّ} في قوله تعالى: { أية : بَلْ جَاءهُمْ بِٱلْحَقّ } تفسير : [المؤمنون: 70] بالقرآن الكريم قال هنا: في إسناد الإتيان بالذكر إلى نون العظمة بعد إسناده إلى ضميره عليه الصلاة والسلام تنويه بشأن النبـي صلى الله عليه وسلم وتنبيه على كونه عليه الصلاة والسلام بمثابة عظيمة منه عز وجل. وفي إيراد القرآن الكريم عند نسبته إليه صلى الله عليه وسلم بعنوان الحقية وعند نسبته إليه تعالى بعنوان الذكر من النكتة السرية والحكمة العبقرية ما لا يخفى فإن التصريح بحقيته المستلزمة لحقية من جاء به هو الذي يقتضيه مقام حكاية ما قاله المبطون في شأنه وأما التشريف فإنما يليق به تعالى لا سيما رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد المشرفين. وقيل: المراد بذكرهم ما تمنوه بقولهم: { أية : لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } تفسير : [الصافات:168-169] فكأنه قيل: بل أتيناهم الكاتب الذي تمنوه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد بالذكر الوعظ. وأيد بقراءة عيسى {بذكراهم} بألف التأنيث، ورجح القولان الأولان بأن التشنيع عليهما أشد فإن الإعراض عن وعظهم ليس بمثابة إعراضهم عن شرفهم وفخرهم أو عن كتابهم الذي تمنوه في الشناعة والقباحة. وقيل: إن الوعظ فيه بيان ما يصلح به حال من يوعظ فالتشنيع بالإعراض عنه لا يقصر عن التشنيع بالإعراض عن أحد ذينك الأمرين ولا يخفى ما فيه من المكابرة. وقرأ ابن أبـي إسحٰق وعيسى بن عمر ويونس عن أبـي عمرو {بل أتيتهم} بتاء المتكلم، وابن أبـي إسحٰق وعيسى أيضاً وأبو حيوة والجحدري وابن قطيب وأبو رجاء {بل أتيتهم} بتاء الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وأبو عمرو في رواية {ءاتَيْنَـٰهُمُ} بالمد ولا حاجة على هذه القراءة إلى ارتكاب مجاز أو دعوى حذف مضاف كما في قراءة الجمهور على تقدير جعل الباء للمصاحبة. وقرأ قتادة {نذكرهم} بالنون مضارع ذكر.
ابن عاشور
تفسير : {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلاَْرْضُ وَمَن فِيهِنَّ}. عطف هذا الشرط الامتناعي على جملة { أية : وأكثرهم للحق كارهون } تفسير : [المؤمنون: 70] زيادة في التشنيع على أهوائهم فإنها مفضية إلى فساد العالم ومن فيه وكفى بذلك فظاعة وشناعة. والحق هنا هو الحق المتقدم في قوله: { أية : بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون } تفسير : [المؤمنون: 70] وهو الشيء الموافق للوجود الواقعي ولحقائق الأشياء. وعلم من قوله {ولو اتبع الحق أهواءهم} أن كراهة أكثرهم للحق ناشئة عن كون الحق مخالفاً أهواءهم فسجل عليهم أنهم أهل هوى والهوى شهوة ومحبة لما يلائم غرض صاحبه، وهو مصدر بمعنى المفعول. وإنما يجري الهوى على شهوة دواعي النفوس أعني شهوات الأفعال غير التي تقتضيها الجبلة، فشهوة الطعام والشراب ونحوهما مما تدعو إليه الجبلة ليست من الهوى وإنما الهوى شهوة ما لا تقتضيه الفطرة كشهوة الظلم وإهانة الناس، أو شهوة ما تقتضيه الجبلة لكن يشتهى على كيفية وحالة لا تقتضيها الجبلة لما يترتب على تلك الحالة من فساد وضر مثل شهوة الطعام المغصوب وشهوة الزنا، فمرجع معنى الهوى إلى المشتهى الذي لا تقتضيه الجبلة. والاتِّباع: مجاز شائع في الموافقة، أي لو وافق الحق ما يشتهونه. ومعنى موافقة الحق الأهواء أن تكون ماهية الحق موافقة لأهواء النفوس. فإن حقائق الأشياء لها تقرر في الخارج سواء كانت موافقة لما يشتهيه الناس أم لم تكن موافقة له؛ فمنها الحقائق الوجودية وهي الأصل فهي متقررة في نفس الأمر مثل كون الإلٰه واحداً، وكونه لا يلد، وكون البعث واقعاً للجزاء، فكونها حقاً هو عين تقررها في الخارج. ومنها الحقائق المعنوية وهي الموجودة في الاعتبار فهي متقررة في الاعتبارات. وكونها حقاً هو كونها جارية على ما يقتضيه نظام العالم مثل كون الوأد ظلماً، وكون القتل عدواناً، وكون القمار أخذ مال بلا حق لآخذه في أخذه، فلو فرض أن يكون الحق في أضداد هذه المذكورات لفسدت السماوات والأرض وفسد من فيهن، أي من في السماوات والأرض من الناس. ووجه الملازمة بين فساد السماوات والأرض وفساد الناس وبين كون الحق جارياً على أهواء المشركين في الحقائق هو أن أهواءهم شتى؛ فمنها المتفق، وأكثرهم مختلف، وأكثر اتفاق أهوائهم حاصل بالشرك، فلو كان الحق الثابت في الواقع موافقاً لمزاعمهم لاختلت أصول انتظام العوالم. فإن مبدأ الحقائق هو حقيقة الخالق تعالى، فلو كانت الحقيقة هي تعدد الآلهة لفسدت العوالم بحكم قوله تعالى { أية : لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا } تفسير : [الأنبياء: 22] وقد تقدم تفصيله في سورة الأنبياء. وذلك أصل الحق وقوامه وانتقاضه انتقاض لنظام السموات والأرض كما تقدم. وقد قال الله تعالى في هذه السورة { أية : ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله } تفسير : [المؤمنون: 91] الآية، فمن هواهم الباطل أن جعلوا من كمال الله أن يكون له ولد. ثم ننتقل بالبحث إلى بقية حقائق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الحق لو فرض أن يكون الثابت نقيض ذلك لتسرب الفساد إلى السموات والأرض ومن فيهن. فلو فرض عدم البعث للجزاء لكان الثابت أن لا جزاء على العمل؛ فلم يعمل أحد خيراً إذ لا رجاء في ثواب. ولم يترك أحد شراً إلا إذ لا خوف من عقاب فيغمر الشر الخير والباطل الحق وذلك فساد لمن في السموات والأرض قال تعالى: { أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون } تفسير : [المؤمنون: 115]. وكذا لو كان الحق حسنَ الاعتداء والباطلُ قبحَ العدل لارتمى الناس بعضهم على بعض بالإهلاك جُهد المستطاع فهلك الضرع والزرع قال تعالى: { أية : وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد } تفسير : [البقرة: 205]، وهكذا الحال في أهوائهم المختلفة. ويزيد أمرها فساداً بأن يتبع الحق كل ساعة هوى مخالفاً للهوى الذي اتبعه قبل ذلك فلا يستقر نظام ولا قانون. وهذا المعنى ناظر إلى معنى قوله تعالى: { أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون } تفسير : [الدخان: 38، 39]. والظاهر أن (مَن) في قوله: {ومن فيهن} صادقة على العقلاء من البشر والملائكة. ففساد البشر على فرض أن يكون جارياً على أهواء المشركين ظاهر مما قررناه. وأما فساد الملائكة فلأن من أهواء المشركين زعمهم أن الملائكة بنات الله فلو كان الواقع أن حقيقة الملائكة بُنوة الله لأفضى ذلك إلى أنهم ءالهة لأن المتولد من جنس يجب أن يكون مماثلاً لما تولد هو منه إذ الولد نسخة من أبيه فلزم عليه ما يلزم على القول بتعدد الآلهة. وأيضاً لو لم يكن من فصول حقيقة الملائكة أنهم مسخرون لطاعة الله وتنفيذ أوامره لفسدت حقائقهم فأفسدوا ما يأمرهم الله بإصلاحه وبالعكس فتنتقض المصالح. ويجوز أن يكون {مَن} صادقاً على المخلوقات كلها على وجه التغليب في استعمال (مَن). ووجه الملازمة ينتظم بالأصالة مع وجه الملازمة بين تعدد الآلهة وبين فساد السماوات والأرض ثم يسري إلى اختلال مواهي الموجودات فتصبح غير صالحة لما خلقت عليه، فيفسد العالم. وقد كان بعض الفلاسفة المتأخرين فرض بحثاً في إمكان فناء العالم وفرَض أسباباً إن وجد واحد منها في هذا العالم. وعدّ من جملتها أن تحدث حوادث جوية تفسد عقول البشر كلهم فيتألبون على إهلاك العالم فلو أجرى الله النظام على مقتضى الأهواء من مخالفة الحق لما هو عليه في نفس الأمر كما يشتهون لعاد ذلك بالفساد على جميع العالم فكانوا مشمولين لذلك الفساد لأنهم من جملة ما في السماوات والأرض، فناهيك بأفن آراء لا تميز بين الضر والنافع لأنفسهما. وكفى بذلك شناعة لكراهيتهم الحق وإبطالاً لزعمهم أن ما جاء به الرسول تصرفات مجنون. إبطال لما اقتضاه الفرض في قوله {ولو اتبع الحق أهواءهم} أي بل لم يتبع الحق أهواءهم فأبلغنا إليهم الحق على وجهه بالقرآن الذي هو ذكر لهم يوقظ عقولهم من سباتها. كأنه يذكر عقولهم الحق الذي نسيته بتقادم الزمان على ضلالات آبائهم التي سنوها لهم فصارت أهواء لهم ألفوها فلم يقبلوا انزياحاً عنها وأعرضوا عن الحق بأنه خالفها، فجعل إبلاغ الحق لهم بالأدلة بمنزلة تذكير الناسي شيئاً طال عهده به كما قال عمر بن الخطاب في كتابه إلى أبي موسى الأشعري «فإن الحق قديم» قال تعالى { أية : ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون } تفسير : [يونس: 82]. وعُدِّي فعل {أتيناهم} بالباء لأنه استعمل مجازاً في الإرسال والتوجيه. والذكر يجوز أن يكون مصدراً بمعنى التذكير. ويجوز أن يكون اسماً للكلام الذي يذكر سامعه بما غفل عنه وهو شأن الكتب الربانية. وإضافة الذكر إلى ضميرهم لفظية من الإضافة إلى مفعول المصدر. والفاء لتفريع إعراضهم على الإتيان بالذكر إليهم، أي فتفرع على الإرسال إليهم بالذكر إعراضهم عنه. والمعنى: أرسلنا إليهم القرآن ليُذَكِّرهم. وقيل: إضافة الذكر إلى ضميرهم معنوية، أي الذكر الذي سألوه حين كانوا يقولون { أية : لو أن عندنا ذكراً من الأولين لكنَّا عباد الله المخلصين } تفسير : [الصافات: 168 - 169] فيكون الذكر على هذا مصدراً بمعنى الفاعل، أي ما يتذكرون به. والفاء على هذا الوجه فاء فصيحة، أي فها قد أعطيناهم كتاباً فأعرضوا عن ذكرهم الذي سألوه كقوله تعالى: «لو أن عندنا ذكراً من الأولين (أي من رسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به»، وقول عباس بن الأحنف: شعر : قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ثم القفول فقد جئنا خُراسان تفسير : وقوله تعالى: { أية : أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير } تفسير : [المائدة: 19]. والتعبير عن إعراضهم بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات إعراضهم وتمكنه منهم. وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بذكرهم ليكون إعراضهم عنه محل عجب.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ}. اختلف العلماء في المراد بالحق في هذه الآية، فقال بعضهم: الحق: هو الله تعالى، ومعلوم أن الحق من أسمائه الحسنى، كما في قوله تعالى: {أية : وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ}تفسير : [النور: 25] وقوله: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ}تفسير : [الحج: 62] وكون المراد بالحق في الآية: هو الله عزاه القرطبي للأكثرين، ومن قال به: مجاهد وابن جريج، وأبو صالح، والسدي. وروي عن قتادة، وغيرهم. وعلى هذا القول فالمعنى لو أجابهم الله إلى تشريع ما أحبوا تشريعه وإرسال من اقترحوا إرساله، بأن جعل أمر التشريع وإرسال الرسل ونحو ذلك تابعاً لأهوائهم الفاسدة، لفسدت السموات والأرض، ومن فيهن، لأن أهواءهم الفاسدة وشهواتهم الباطلة، لا يمكن أن تقوم عليها السماء والأرض وذلك لفساد أهوائهم، واختلافها. فالأهواء الفاسدة المختلفة لا يمكن أن يقوم عليها نظام اسماء والأرض ومن فيهن، بل لو كانت هي المتبعة لفسد الجميع. ومن الآيات الدالة على أن أهواءهم لا تصلح، أن تكون متبعة قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31] لأن القرآن لو أنزل على أحد الرجلين المذكورين، وهو كافر يعبد الأوثان فلا فساد أعظم من ذلك. وقد رد الله عليهم بقوله: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ}تفسير : [الزخرف: 32] الآية وقال تعالى: {أية : قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً}تفسير : [الإسراء: 100] وقال تعالى: {أية : أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً}تفسير : [النساء: 53] قال ابن كثير رحمه الله: ففي هذا كله تبيين عجز العباد، واختلاف أرائهم وأهوائهم، وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأقواله وأفعاله وشرعه وقدره وتدبيره لخلقه سبحانه وتعالى علواً كبيراً. ومما يوضح أن الحق لو اتبع الأهواء الفاسدة المختلفة لفسدت السموات والأرض ومن فيهن قوله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا}تفسير : [الأنبياء: 22] فسبحان الله رب العرش عما يصفون. القول الثاني: أن المراد بالحق في الآية: الحق الذي هو ضد الباطل المذكور في قوله قبله: {أية : وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} تفسير : [المؤمنون: 70] وهذا القول الأخير اختاره ابن عطية، وأنكر الأول. وعلى هذا القول فالمعنى: أنه لو فرض كون الحق متبعاً لأهوائهم، التي هي الشرك بالله، وادعاء الأولاد، والأنداد له ونحو ذلك: لفسد كل شيء لأن هذا الغرض وهو يصير به الحق، هو أبطل الباطل، ولا يمكن أن يقوم نظام السماء والأرض على شيء، هو أبطل الباطل، لأن استقامة نظام هذا العالم لا تمكن إلا بقدرة وإرادة إله هو الحق منفرد بالتشريع، والأمر والنهي كما لا يخفى على عاقل والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ}. اختلف العلماء في الذكر في الآية فمنهم من قال: ذكرهم: فَخْرُهُمْ، وشَرَفُهُمْ، لأن نزول هذا الكتاب على رجل منهم فيه لهم أكبر الفخر والشرف، وعلى هذا، فالآية كقوله: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ}تفسير : [الزخرف: 44] على تفسير الذكر بالفخر والشرف، وقال بعضهم: الذكر في الآية: الوعظ والتوصية، وعليه فالآية كقوله: {أية : ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ}تفسير : [آل عمران: 58] وقال بعضهم: الذكر هو ما كانوا يتمنونه في قولهم: {أية : لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ}تفسير : [الصافات: 168-169] وعليه، فالآية كقوله تعالى: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ}تفسير : [فاطر: 42] وعلى هذا القول فقوله: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً}تفسير : [فاطر: 42] الآية كقوله هنا، فهم عن ذكرهم معرضون. وكقوله: {أية : أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ}تفسير : [الأنعام: 157] والآيات بمثل هذا على القول الأخير كثيرة والعلم عند الله تعالى.
الواحدي
تفسير : {ولو اتبع الحق} القرآن الذي يدعو إلى المحاسن {أهواءَهم} التي تدعو إلى المقابح، أي: لو كان التَّنزيل بما يُحبُّون {لفسدت السموات والأرض} وذلك أنَّها خُلقت دلالةً على توحيد الله، فلو كان القرآن على مرادهم كان يدعو إلى الشِّرك، وذلك يُؤدِّي إلى إفساد أدلة التَّوحيد، وقوله: {ومَنْ فيهنَّ} لأنَّهم حينئذٍ يُشركون بالله تعالى {بل أتيناهم بذكرهم} بشرفهم في الدُّنيا والآخرة. {أم تسألهم} أنت يا محمَّد على ما جئت به {خرجاً} جُعلاً وأجراً {فخراجُ ربك} فعطاء ربِّك وثوابه {خير}.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 71- ولو كان الحق تابعاً لأهوائهم لشاع الفساد فى الأرض ولتنازعت الأهواء، ولكنا أرسلنا إليهم القرآن الذى يُذَكِّرهم بالحق الذى يجب أن يجتمع عليه الجميع، ومع ذلك هم معرضون عنه. 72- بل أَتطلب منهم - أيها النبى - أجراً على أداء الرسالة؟ لم يكن ذلك، فإن أجر ربك خير مما عندهم، وهو خير المعطين. 73- وإنك - يا محمد - لتدعوهم إلى الدين الذى هو الطريق المستقيم الموصل إلى السعادة. 74- وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من نعيم أو جحيم يعدلون عن الطريق المستقيم الذى يأمن السائر فيه من السَّير إلى طريق الحيرة والاضطراب والفساد. 75- ولو رحمناهم وأزلنا عنهم ما نزل بهم من ضرر فى أبدانهم وقحط فى أموالهم ونحو ذلك، لزادوا كفراً، وتمادوا فى الطغيان. 76- ولقد عذَّبناهم بعذاب أصابهم كالقتل أو الجوع فما خضعوا بعده لربهم، بل أقاموا على عتوهم واستكبارهم بمجرد زواله.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لو اتبع الحق أهواءهم: أي ما يهوونه ويشتهونه. أتيناهم بذكرهم: أي بالقرآن العظيم الذي فيه ذكرهم فيه يذكرون ويذكرون. أم تسألهم خرجاً: أي مالاً مقابل إبلاغك لهم دعوة ربهم. فخراج ربك خير: أي ما يرزقكه الله خير وهو خير الرازقين. إلى صراط مستقيم: أي إلى الإِسلام. عن الصراط لناكبون: أي عن الإِسلام أي متنكبونه جاعلوه على منكب أي جانب عادلون عنه. للجوُّا في طغيانهم يعمهون: لتمادوا في طغيانهم مصرين عليه. فما استكانوا: أي ما ذلوا ولا خضعوا. إذا هم فيه مبلسون: أي آيسون قنطون. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في دعوة المشركين إلى التوحيد والإِيمان بالبعث والجزاء فقوله تعالى: {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} هذا كلام مستأنف لبيان حقائق أخرى منها أن هؤلاء المشركين لو اتبع الحقُّ النازل من عند الله والذي يمثله القرآن أهواءهم أي ما يهوونه ويشتهونه فكان يوافقهم عليه لأدى ذلك إلى فساد الكون كله علويه وسفليه، وذلك لأنهم أهل باطل لا يرون إلا الباطل ويصبح سيرهم معاكساً للحق فيؤدي حتما إلى خراب الكون وقوله تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} أي جئناهم بذكرهم الذي هو القرآن الكريم إذ به يذكرون وبه يُذكرون لأنه سبب شرفهم، وقوله: {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ}، فهم لسوء حالهم وفساد قلوبهم معرضون عما به يذكرون ويذكرون، وقوله تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً} أي أجراً ومالاً {فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} أي ثواب ربِّك الذي يثيبك به خير وهو تعالى خير الرازقين وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسألهم عن التبليغ أجراً وقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي إلى الإِسلام طريق السعادة والكمال في الدنيا والآخرة، وقوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} أي علة تنكبّهم أي ابتعادهم عن الإِسلام هو عدم إيمانهم بالآخرة، وهو كذلك فالقلب الذي لا يعمره الإِيمان بلقاء الله والجزاء يوم القيامة صاحبه ضد كل خير ومعروف ولا يؤمل منه ذلك لعلة كفره بالآخرة. وقوله تعالى: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} يخبر تعالى أنه لو رحم أولئك المشركين المكذبين بالآخرة، وكشف ما بهم من ضر أصابهم من قحط وجدب وجوع ومرض لا يشكرون الله، بل يتمادون في عتوهم وضلالهم وظلمهم يعمهون حيارى يترددون، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ} وهي سنوات الجدب والقحط بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وما أصابهم من قتل وجراحات وهزائم في بدر. وقوله: {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} فما ذلوا لربهم وما دعوه ولا تضرعوا إليه بل بقوا على طغيانهم في ضلالهم ومرد هذا ظلمة النفوس الناتجة عن الشرك والمعاصي. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} وهو معركة بدر وما أصاب المشركين من القتل {إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} أي آيسون من كل خير حزنون قنطون وذلك لظلمة نفوسهم بالشرك والمعاصي. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- خطر اتباع الهوى وما يفضي إليه من الهلاك والخسران. 2- الصراط المسقيم الموصل إلى السعادة والكمال هو الإِسلام لا غير. 3- التكذيب بيوم القيامة وما يتم فيه من حساب وجزاء هو الباعث على كل شر والمانع من كل خير. 4- من آثار ظلمة النفس نتيجة الكفر اليأس والقنوط والتمادي في الشر والفساد.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتُ} {أَتَيْنَاهُمْ} (71) - وَلَوْ سَلَكَ القُرْآنُ طَرِيقَهُمْ بِأَنْ جَاءَ مُؤَيِّداً الشرْكَ باللهِ، وَاتِّخَاذَ الوَلَدِ، وَتَزْيِينَ الآثَامِ، وَالحَثَّ عَلَى اجْتِرَاحِ السَّيِّئَاتِ.. لاخْتَلَّ نِظَامُ الكَوْنِ، ولَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ والأَرْضُ، وَمَنْ فِيهِنَّ لِفَسَادِ أَهْوَائِهِمْ: - فَلَوْ أَنَّهُ أَبَاحَ الظُّلْمَ، وَتَرْكَ العَدْلِ لَفَسَدَ أَمْرُ الجَمَاعَاتِ. - وَلَوْ أَبَاحَ لِلْقَوِيِّ الاعْتَدَاءَ عَلَى الضَّعِيفِ لَمَا اسْتَتَبَّ الأَمْنُ وَلاَ سَادَ النِّظَامُ. - وَلَوْ أَبَاحَ الزِّنى لَفَسَدَتِ الأَنْسَابُ، وَلَمَا عَرَفَ وَلَدٌ وَالِدَهُ فَيَكُونُ الأَوْلاَدُ فِي الطُّرُقَاتِ كَالبَهَائِمِ السَّارِحَةِ وَلاَ يَقُومُ عَلَى أُمُورِهِمْ أَحَدٌ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ جَاءَهُمْ بالقُرْآنِ الذي فِيهِ فَخْرُهُمْ وَشَرَفُهُمْ فَأَعْرَضُوا عَنْهُ، وَكَذَّبُوا بِهِ وَجَعَلُوهُ هُزْواً. بِذِكْرِهِمْ - بِفَخْرِهِمْ وَشَرفِهِمْ - وَهُوَ القُرْآنُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن: فالمسائل لا تسير على هَوَى المخلوق، إنما على مرادات الخالق؛ لأن الخالق سبحانه هو صانع هذا الكون، وكلُّ صانع يغَارُ على صَنْعته، وهذا مُشَاهد حتى في صنعة البشر، ولك أنْ تتصوّر ماذا يحدث لو أفسدتَ على صانعٍ ما صنعَه. وعدالة الأشياء أن تسير على وَفْق مرادات الصانع، لا هوى المصنوع؛ لأن الأهواء تملكها الأغيار، فالإنسان لو سار في حركة حياته على وَفْق هواه لأخذ مَا ليس له، ولَقبل الرشوة، ومال إلى الفِسْق والانحراف؛ لأنه في الظاهر يرى أنه منتفع بهذا ولا ينظر إلى العاقبة والمحصلة النهائية، لقد نظر إلى متعة زائلة موقوته، ونسي تبعة ثقيلة لن يقدر عليها فيما بعد. لذلك يقول الحق سبحانه: {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ..} [المؤمنون: 71] ولك أن تقول: نعم، اتباع الأهواء يُفسِد الأرض، ويُفسِد حركة الحياة فيها، لكن كيف يُفسِد السماء؟ وهل لأحد قدرة عليها؟ ونقول: ألم يكُنْ من أمنيات هؤلاء: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً ..} تفسير : [الإسراء: 90-92]. إذن: من أهوائهم أنْ تتهدّم السماء، ولو حتى على رؤوسهم، وأيّ فساد بعد هذا، وهكذا لو اتبعتَ أهواءهم لفسدَتْ السماوات والأرض، ليس هذا وفقط بل {وَمَن فِيهِنَّ ..} [المؤمنون: 71] حيث سيتعدّى فسادهم ليشمل كل ما في الوجود. لذلك يقيد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأهواء في قوله: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به"تفسير : لأنه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} تفسير : [النجم: 3-4]. وقد توقف بعض المستشرقين مُعترِضاً على هذه الآية {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ}تفسير : [النجم: 3] يقولون: يعني كلامه كله صحيح، فلماذا يُعدِّل له ربه بعض الأحكام؟ ومعنى ذلك أن الحكم المعدّل حين نطق به كان ينطق عن هوى. ولو فهم هؤلاء معنى الهوى ما كان منهم هذا الاعتراض، فالهوَى أن تعرف الحق، لكن هواك يصرفك عنه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكُنْ يعرف في هذه المسائل حُكْماً وانصرف عنه، إنما نطق وحكم على مقتضى ما فهم في أمر لم ينزل فيه من الله شيء، ثم نزل الحكم من الله ليُعدِّل اجتهاد رسوله. إذن: لم يكُنْ لرسول الله هَوَىً ينطق بمقتضاه، وفي تعديل الحق سبحانه لرسوله، وتبليغ الرسول لأمته بهذا التعديل أكبر دليل على صِدْقه صلى الله عليه وسلم وأمانته في البلاغ عن ربه، وإلاَّ فلم يكُنْ أحد ليعلم هذا التعديل، لو أخفاه رسول الله تعصّباً لنفسه، أو لدفْع الخطأ عنه. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ ..} تفسير : [التحريم: 1] ويقول سبحانه: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ..}تفسير : [التوبة: 43]. وكان بوسع رسول الله أن يكتم هذه الآيات التي تعاتبه وتُعَدُّ مأخذاً عليه، لكنه صلى الله عليه وسلم كان أميناً يقول ما له وما عليه، لذلك يقول عنه ربه: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ} تفسير : [الحاقة: 44-46]. ثم يقول تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ} [المؤمنون: 71] و (بل) تفيد الإضراب عن الكلام السابق، وإثبات كلام جديد بعدها، والذكْر هنا يعني: الشرف والصِّيت والمكانة العالية، كما جاء في قوله تعالى عن القرآن: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ..}تفسير : [الزخرف: 44]. وقوله تعالى: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 10] فكان يجب عليهم أن يحتضنوا هذا القرآن، ويرفعوه فوق رؤوسهم، ففيه مجدهم وشرفهم وعِزَّتهم، والعرب بدون القرآن لا ذِكْرَ لهم، فقد كانوا أمة أمية تعيش على الترحال والتنقل، ولا تستقر إلا على منابع الماء ومواضع الكلأ، كانوا بَدْواً تنتشر فيما بينهم الحروب والغارات وقَطْع الطريق، كان الواحد منهم يسرق ليُكرم ضيفه بما سرق. وهذه من الأمور العجيبة في عادات العرب في الجاهلية، فلم يكن لديهم منهج يحكم حياتهم، عجيب أنْ ترى حب الغارة والاعتداء مع الشهامة والكرم في طبيعة واحدة، فهو يفعل ما يعِنُّ له، وما يخطر بباله، فالمسألة ليست محكومة عندهم بقانون، حتى قال فيهم الشاعر: شعر : لا تمدحَنَّ ابْنَ عبَّادٍ وإنْ هطلَتْ كَفَّاهُ بالجُود حتَّى أشبَه الدِّيَمَا فَإنَّها خطرَاتٌ من وَسَاوِسِهِ يُعْطي ويمنَع لاَ بُخْلاً ولاَ كرَمَا تفسير : ومن أشهر قصائد الشعر العربي في الكرم هذه القصيدة التي تأصَّل فيها هذا الخُلق حتى عند الأطفال، وحتى أن الأب يهِمُّ بذبح ولده للضيف، لأنه لم يجد ما يذبحه لِقرَاه. ويقول فيها الشاعر: شعر : وَطَاوٍ ثَلاثاً عَاصِبِ البطن مُرْملٍ ببيداءَ لم يَعْرف بها ساكنٌ رَسْما أَخِي جَفْوةٍ فيه من الأُنْسِ وَحْشةٌ يرى البُؤْس فِيَها مِنْ شراسته نُعْمى رَأَى شبحاً وَسْط الظّلام فَرَاعَه فَلما رأَى ضَيْفاً تشمَّر واهْتما وقَالَ هَيَّا ربّاه ضَيْف ولا قِرَى!! بحقِّك لاَ تحرمْه تالليلةَ اللّحْمَا وأفرد في شِعْب عَجُوزاً إزَاءَهَا ثَلاثَة أَشْباحٍ تَخَالهموا بُهْمَا حُفاةً عُراةً مَا اغتذَوْا خُبْز مَلَّة ولاَ عَرفُوا للبُرِّ مُذْ خُلِقوا طعْما فَقالَ ابنُه لَمَّا رآهُ بحيْرةٍ أيَا أبْتِ اذْبحْني ويسِّر لَهُم طُعْما ولاَ تَعتذِرْ بالعُدم على الذِي طَرَا يظنُّ لَنَا مَالاً فيُوسِعُنا ذمّا فروَّى قليلاً ثُمَّ أحجمَ بُرْهةً وَإنْ هُوَ لم يذبح فَتَاهُ فَقَد همَّا فبَيْنَا هُمَا عَنَّتْ على البُعْد عَانَةٌ قَد انتظمتْ من خَلْف مِسْحلها نَظْما عطَاشاً تريد الماءَ فانْسَابَ نحوهَا علَى أنَّه مِنْها إلىَ دَمِها أَظْما فَأَمهلَها حتَّى تروَّتْ عِطاشُها وأرسَل فيها من كِنَانتِه سَهمْا فَخَرَّت نَحُوصٌ ذَات جحش قَدْ اكتنزَتْ لَحْماً وقد طُبِّقَتْ شحْما فَيَا بشْرَهُ إذْ جرَّها نَحْو قومهِ ويَا بشْرهُم لما رأوا كَلْمها يَدْمَى وباتَ أبُوهم من بَشَاشتِه أباً لَضَيْفِهموا والأم مِنْ بِشْرها أُمَّا تفسير : لقد تأصلتْ خَصْلة الكرم في العربي، حتى في الأطفال الصغار، فهو وإنْ كان فقيراً لكن لا يحب أن يُعرف عنه الفقر، يحب أن يظهر في صورة الغني الكريم المعطاء، وإنْ ناقض ذلك صفات أخرى ذميمة فيه. والشاهد أنهم جماعة تناقضتْ خصالهم، وقد عاشوا في أمية تامة فلم يعالجوا حضارة، وهذه حُسِبت لهم بعد ظهور الإسلام وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم من بينهم، فكيف لمثل هؤلاء أنْ يأتوا بهذه المعاني والأساليب العالية التي تحكم العالم كله؟ ولو كانوا أهلَ علم وحضارة لقالوا عنهم وعن الإسلام: إنه قفزة حضارية. ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارئاً لقالوا: قرأ لفلان وفلان، كما حكى عنهم الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ..} تفسير : [النحل: 103]. إذن: فذِكْر العرب وشرفهم ومجدهم وكرامتهم في القرآن، ومع ذلك لم يعملوا حتى لمصلحتهم، ولم يهتموا بهذا القرآن، إنما أعرضوا عنه {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ} [المؤمنون: 71]. أي: عن القرآن، وهذا دليل أنهم كانوا مغفلين، لا يعرفون حتى مصلحتهم. ثم يقول الحق سبحانه: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ} فالحقُّ: الله عزَّ وجلَّ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 702 : 10 : 4 - سفين عن اسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ} قال، الحق الله جل وعز. [الآية 71].
همام الصنعاني
تفسير : 1983- حدّثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال الكلبي، في قوله تعالى: {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ}: [الآية: 71]، قال: يقول: لو اتبع الله أهواءهم {لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ}: [الآية: 71]. 1984- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ}: [الآية: 71]، قالَ: القرآن.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):