٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
72
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً} أي أجراً على ما جئتهم به؛ قاله الحسن وغيره. {فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيـى بن وَثّاب «خراجا» بألف. الباقون بغير ألف. وكلهم قد قرؤوا «فخراج» بالألف إلا ابن عامر وأبا حَيْوة فإنهما قرأا بغير الألف. والمعنى: أم تسألهم رزقاً فرزق ربك خير. {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} أي ليس يقدر أحد أن يرزق مثل رزقه، ولا يُنعم مثل إنعامه. وقيل؛ أي ما يؤتيك الله من الأجر على طاعتك له والدعاء إليه خيرٌ من عَرَض الدنيا، وقد عرضوا عليك أموالهم حتى تكون كأعْيَن رجل من قريش فلم تجبهم إلى ذلك؛ قال معناه الحسن: والخَرْج والخراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن؛ قاله الأخفش. وقال أبو حاتم: الخَرْج الجُعْل، والخراج العطاء. المبرّد: الخرج المصدر، والخراج الاسم. وقال النضر بن شميل: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخرج والخراج فقال: الخراج ما لزمك، والخَرْج ما تبرّعت به. وعنه أن الخَرْج من الرقاب، والخراج من الأرض. ذكر الأوّل الثعلبيّ والثاني الماورديّ.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً } أجراً على ما جئتهم به من الإِيمان؟{فَخَرَاجُ رَبِّكَ } أجره وثوابه ورزقه {خَيْرٌ } وفي قراءة (خَرْجاً) في الموضعين. وفي قراءة أخرى (خراجاً) فيهما {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرازِقِينَ } أفضل من أعطى وآجر.
ابن عطية
تفسير : هذا تبوبيخ لهم كأنه قال: أم سألتهم مالاً فقلقوا بذلك واستثقلوا من أجله، وقرأ حمزة والكسائي "خراجاً فخراج" وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم "خرجاً فخراج" وقرأ ابن عامر "خرجاً فخرج" وهو المال الذي يجيء ويؤتى به لأوقات محدودة، قال الأصمعي: الخرج الجعل مرة واحدة والخراج ما تردد لأوقات ما، ع وهذا فرق استعمالي وإلا فهما في اللغة بمعنى، وقد قرىء "خراجاً" في قصة ذي القرنين وقوله {فخراج ربك} يريد ثوابه سماه "خراجاً" من حيث كان معادلاً للخراج في هذا الكلام، ويحتمل أن يريد {فخراج ربك} رزق ربك ويؤيد هذا قوله {وهو خير الرازقين} ، و {الصراط} المستقيم، دين الإسلام و {ناكبون} معناه عادلون ومعرضون ثم أخبر تعالى عنهم أنهم لو زال عنهم القحط ومنَّ الله عليهم بالخصب ورحمهم بذلك لبقوا على كفرهم و {لجوا في طغيانهم}، وهذه الآية نزلت في المرة التي أصابت قريشاً فيها السنون المجدبة والجوع الذي دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله حديث : اللهم سبعاً كسني يوسف تفسير : الحديث.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَخَرَاجُ رَبِّكَ} فرزق ربك في الدنيا والآخرة، أو أجره في الآخرة، الخَرْج: ما يؤخذ عن الرقاب، والخراج ما يؤخذ عن الأرض قاله أبو عمرو بن العلاء.
الخازن
تفسير : {أم تسألهم} أي على ما جئتهم به {خرجاً} أي أجراً وجعلاً {فخراج ربك خير} أي ما يعطيك الله من رزقه وثوابه خير {وهو خير الرازقين} تقدم تفسيره {وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} أي إلى دين الإسلام {وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط} أي عن دين الحق {لناكبون} أي لعادلون عنه ومائلون {ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر} أي قحط وجدوبة {للجوا} أي لتمادوا {في طغيانهم يعمهون} أي لم ينزعوا عنه {ولقد أخذناهم بالعذاب} وذلك أنّ النبيّ دعا على قريش أن يجعل الله عليهم سنين كسني يوسف فأصابهم القحط. فجاء أبو سفيان إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين فقال بلى فقال: إنهم قد أكلوا القد والعظام وشكا إليه الضر فادع الله أن يكشف عنا هذا القحط فدعا فكشف عنهم فأنزل الله هذه الآية {فما استكانوا لربهم} ما خضعوا وما ذلوا لربهم {وما يتضرعون} أي لم يتضرعوا إلى ربهم بل مضوا على تمردهم {حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد} قال ابن عباس يعني القتل يوم بدر وقيل الموت وقيل هو قيام الساعة {إذا هم فيه مبلسون} أي آيسون من كل خير. قوله عزّ وجلّ {وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة} أي لتسمعوا بها وتبصروا وتعقلوا {قليلاً ما تشكرون} أي لم تشكروا هذه النعم {وهو الذي ذرأكم في الأرض} أي خلقكم {وإليه تحشرون} أي تبعثون {وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار} أي تدبير الليل والنهار في الزيادة والنقصان وقيل جعلهما مختلفين يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض {أفلا تعقلون} أي ما ترون من صنعه فتعتبروا {بل قالوا مثل ما قال الأولون} أي كذبوا كما كذب الأولون، وقيل معناه أنكروا البعث مثل ما أنكر الأولون مع وضوح الأدلة {قالوا أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون} أي لمحشورون قالوا ذلك على طريق الإنكار والتعجب {لقد وعدنا نحن} أي هذا الوعد {وآباؤنا هذا من قبل} أي وعد آباؤنا قوم ذكروا أنهم رسل الله فلم نر له حقيقة {إن هذا إلاّ أساطير الأولين} أي أكاذيب الأولين. قوله تعالى {قل} أي يا محمد لأهل مكة {لمن الأرض ومن فيها} من الخلق {إن كنتم تعلمون} أي خالقها ومالكها {سيقولون لله} أي لا بد لهم من ذلك لأنهم يقرون أنها مخلوقة لله {قل} أي قل لهم يا محمد إذا أقروا بذلك {أفلا تذكرون} أي فتعلموا أن من قدر على خلق الأرض ومن فيها ابتداء يقدر على إحيائهم بعد الموت {قل رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون} أي عبادة غيره وقيل معناه أفلا تحذرون عقابه {قل من بيده ملكوت كل شيء} أي ملك كل شيء {وهو يجير} أي يؤمن من يشاء {ولا يجار عليه} أي لا يؤمن من أخافه الله وقيل يمنع هو من يشاء من السوء ولا يمتنع منه من أراده بسوء {إن كنتم تعلمون} أي فأجيبوا.
ابو السعود
تفسير : {أَمْ تَسْـئَلُهُمْ} انتقالٌ من توبـيخهم بما ذُكر من قوله: {أية : أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ } تفسير : [المؤمنون: 70] إلى التَّوبـيخِ بوجهٍ آخَر كأنَّه قيل أمْ يزعمُون أنَّك تسألهم عن أداء الرِّسالةِ {خَرْجاً} أي جُعْلاً فلأجل ذلك لا يُؤمنون بك وقوله تعالى: {فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ} أي رزقُه في الدُّنيا وثوابُه في الآخرةِ، تعليلٌ لنفيِ السُّؤالِ المستفادِ من الإنكارِ أي لا تسألهم ذلك فإنَّ ما رزقك اللَّهُ تعالى في الدُّنيا والعُقْبى خيرٌ لك من ذلكَ وفي التَّعرضُ لعُنوانِ الرُّبوبـيَّةِ مع الإضافةِ إلى ضميرهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من تعليلِ الحكمِ وتشريفه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يخفى. والخَرْجُ بإزاءِ الدَّخْلِ يقال لكلِّ ما تخرجه إلى غيرِك. والخَرَاجُ غالبٌ في الضَّريبةِ على الأرضِ وقيل الخَرْجُ ما تبرَّعت به والخراجُ ما لزمَك وقيل الخَرْجُ أخصُّ من الخَراجِ ففي النَّظمِ الكريمِ إشعارٌ بالكثرةِ واللزومِ. وقُرىء خرجاً فخَرْجُ وخراجاً فخراج {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرٰزِقِينَ} تقريرٌ لخيريَّةِ خراجهِ تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تشهدُ العقول السَّليمةُ باستقامته ليس فيهِ شائبةُ اعوجاجٍ تُوهم اتَّهامَهم لك بوجهٍ من الوجوهِ ولقد ألزمَهم اللَّهُ عزَّ وعلا وأزاحَ عللهم في هذه الآياتِ حيث حصرَ أقسامَ ما يُؤدِّي إلى الإنكارِ والاتِّهامِ وبـيَّن انتفاءَ ما عدا كراهتهم للحقِّ وقِلَّة فطنتهم. {وإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} وُصفوا بذلك تشنيعاً لهم بما هُم عليهِ من الانهماكِ في الدُّنيا وزعمهم أنْ لا حياة إلاَّ الحياةُ الدُّنيا وإشعاراً بعلَّةِ الحُكمِ فإنَّ الإيمانَ بالآخرةِ وخوفَ ما فيها من الدَّواهي من أقوى الدَّواعي إلى طلبِ الحقِّ وسلوكِ سبـيلهِ. {عَنِ ٱلصّرٰطِ} أي عن جنسِ الصِّراطِ {لَنَـٰكِبُونَ} لعادلون فضلاً عن الصِّراطِ المستقيمِ الذي تدعُوهم إليه. والأوَّلُ أدلُّ على كمال ضلالهم وغايةِ غوايتهم لما أنَّه ينبىءُ عن كون ما ذهبُوا إليه ممَّا لا يُطلق عليه اسمُ الصِّراطِ ولو كان مُعوجّاً. {وَلَوْ رَحِمْنَـٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مّن ضُرّ} أي قحطٍ وجدبٍ. {لَّلَجُّواْ} لتمادَوا {فِي طُغْيَـٰنِهِمْ} إفراطِهم في الكُفرِ والاستكبارِ وعداوةِ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ والمؤمنين {يَعْمَهُونَ} أي عامهينَ عن الهُدى. رُوي أنَّه لمَّا أسلمَ ثُمامةُ بنُ أثالٍ الحنفيُّ ولحقَ باليمامةِ ومنعَ الميرةَ عن أهلِ مكَّةَ وأخذَهُم اللَّهُ تعالى بالسِّنينَ حتى أكلُوا العِلْهِزَ، جاءَ أبُو سفيانَ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ له: أنشُدكَ اللَّهَ والرَّحِمَ ألستْ تزعمُ أنَّك بُعثتَ رحمةً للعالمينَ قال: « حديث : بلى » تفسير : فقال: قتلتَ الآباءَ بالسَّيفِ والأبناءَ بالجُوعِ. فنزلتْ والمعنى لو كشفنا عنهُم ما أصابَهم من القحطِ والهُزال برحمتنا إيَّاهم ووجدُوا الخصبَ لارتدُّوا إلى ما كانُوا عليه من الكُفرِ والاستكبارِ ولذهبَ عنهم هذا التملُّقُ والإبلاسُ وقد كان كذلكَ.
القشيري
تفسير : أي إنَّكَ لا تُطالبهم على تبليغ الرسالة بأجرِ، ولا بإعطاءِ عِوَضٍ حتى تكونَ بموضع التهمة فيما تأتيهم به من الشريعة. أم لعلَّكَ تريد أن يَعْقِدُوا لك الرياسة. ثم قال: والذي لَكَ من الله سبحانه من جزيل الثواب وحسن المآب يُغْنيك عن التصدِّي لنَيْل ما يكون في حصوله منهم مطمع. وهذا كان سُنَّة الأنبياء والمرسلين؛ عملوا لله ولم يطلبوا أجراً من غير الله. والعلماءُ وَرَثَةُ الأنبياء فسبيلُهم التوقِّي عن التَّدَنُّسِ بالأطماع، والأكل بالدِّين فإنه رِياءٌ مُضِرٌّ بالإيمان؛ فإذا كان العملُ لله فالأجرُ مُنْتَظَرٌ من الله، وهو موعودٌ من قِبَل الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {ام تسألهم} انتقال من توبيخهم بما ذكر من قولهم ام يقولون به جنة الى التوبيخ بوجه اخر كأنه قيل ام يزعمون انك تسألهم على اداء الرسالة {خرجا} اى جعلا واجر فلا جل ذلك لايؤمنون بك {فخراج ربك خير} تعليل لنفى السؤال المستفاد من الانكار اى لا تسألهم ذلك فان رزق ربك فى الدنيا وثوابه فى العقبى خير لك من ذلك لسعته ودوامه ففيه استغناء لك عن عطائهم والخرج بازاء الدخل يقال لكل ما تخرجه الى غيرك والخراج غالب فى الضريبة على الارض ففيه اشعار بالكثرة واللزوم فيكون ابلغ ولذلك عبر به عن عطاء الله اياه. قال فى تفسير المناسبات وكأنه سماه خراجا اشاره الى انه اوجب رزق كل احد على نفسه بوعد لاخلف فيه {وهو خير الرازقين} اى خير من اعطى عوضا على عمل لان ما يعطيه لاينقطع ولايتكدر وهو تقدير لخيرية خراجه تعالى، وفى التأويلات النجمية فيه اشارة الى ان العلماء بالله الراسخين فى العلم لا يدنسون وجوه قلوبهم الناضرة بدنس الاطماع الفاسدة والصالحة الدنيوية والاخروية فيما يعاملون الله فى دعوة الخلق الى الله بالله لله شعر : زيان ميكند مرد تفسيردان كه علم وهنر ميفروشدبنان تفسير : قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر فى الفتوحات المكية مذهبنا ان للواعظ اخذ الاجرة على وعظه الناس وهو من احل ما يأكله وان كان ترك ذلك افضل وايضاح ذلك ان مقام الدعوة الى الله يقتضى الاجارة فانه مامن نبى دعا الى الله الا قال ان اجرى الا على الله فأثبت الاجر على الدعاء ولكن اختار ان يأخذه من الله لامن المخلوق انتهى.
الأعقم
تفسير : {أم تسألهم خرجاً فخراج ربك خير وهو خير الرازقين} وهو ما تخرجه للإِمام من زكاة أرضك إلى كل عامل، وقيل: المخرج ما تبرعت به، والخراج ما لزمك أداؤه، قال جار الله: والوجه أن الخرج أخص من الخراج، فخراج ربك رزقه وثوابه خير، وهو خير الرازقين لأنه يخلق الرزق ويعطي متفضلاً {وإنك} يا محمد {لتدعوهم إلى صراط مستقيم} {وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون} النكب الميل، وقيل: إن الذين لا يؤمنون بالنشأة الآخرة عن الصراط لناكبون لعادلون {ولو رحمناهم} ورددناهم إلى دار التكليف {للجّوا في طغيانهم يعمهون} نظيره لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه، وقيل: هو في الدنيا، والمعنى لو كشف الله عنهم هذا الضر وهو الجوع والقحط الذي أصابهم برحمته عليهم ووجدوا الخصب لارتدّوا إلى ما كانوا عليه من الاستكبار وعداوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين {يعمهون} يترددون {ولقد أخذناهم بالعذاب} بالحدث وضيق الرزق والقتل بالسيف {فما استكانوا لربهم} أي ما خضعوا {وما يتضرعون} لكشف البلاء، يعني مصائب الدنيا {حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد} بسنين كسني يوسف فجاعوا حتى أكلوا العلهن، وقيل: القتل يوم بدر، وقيل: باباً من عذاب جهنم في الآخرة، وقيل: فتح مكة {إذا هم فيه مبلسون} أي متحيرون آيسون من كل خير {وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون} يعني هل شكرتم لها، وقيل: هو نفي، قال جار الله: أي تشكرون شكراً قليلاً، وما مزيدة للتأكيد بمعنى حقاً {وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون} تجمعون {وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار} يعني يدبرهما في مجيء أحدهما خلف الآخر {أفلا تعقلون} أفلا تعلمون بأن تفكروا لتعلموا أن لجميع ما تقدم صانعاً، قوله تعالى: {بل قالوا مثل ما قال الأولون} {قالوا أئذا متنا وكنّا تراباً وعظاماً} بالية {أئنا لمبعوثون} بعد الموت أحياء {لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل} يعني هذا الوعد وهو البعث قد وعدنا أباؤنا قبل مجيئك {إن هذا إلا أساطير الأولين} يعني شيئاً ينتظروه الأولون، أي كتبوه ولا حقيقة له، فقال سبحانه: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون} {سيقولون لله} يعني خلق الأرض ومن فيها، فإذا قالوا الله {قل أفلا تذكرون فتعلمون} أن من قدر على خلق الأرض ومن فيها ابتداء قادر على إحيائهم بعد الموت، ثم زاد في الحجة {قل من رب السماوات} أي خالقهما {ورب العرش العظيم} ومعنى رب السماوات والأرض أي مدبرهما كما يشاء، فإذا قالوا الله لزمهم الحجة فقال تعالى: {قل لهم} يعني قل يا محمد لهؤلاء المشركين {أفلا تتقون} أفلا تخافونه، فلا تشركون به وتعصوا رسله؟ فقال: قل لهم: {من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه} أي لا يمنع من الشر من يشاء ولا يكن لأحد أن يمنعه، وقيل: يجير من العذاب ولا يجار عليه، وقد يقال: أجرت فلاناً على فلان إذا أغثته منه ومنعته، يعني هو يغيث من يشاء ممن يشاء ولا يغيث أحدٌ منه أحداً {سيقولون لله قل فأنّى تسحرون} تخدعون عن توحيده وطاعته.
اطفيش
تفسير : {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً} اجرا على ما جئتهم به من الآيات والايمان (وام) هذه بمعنى (بل) وهمزة الانكار. وذكر بعضهم ان هذا قسيم قوله: (ام به جنة) {فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} الفاء تعليل لما تضمنه ما قبلها من نفي سؤال الخرج أو رابطة لجواب شرط محذوف اي (ان تسالهم الخرج فخراج ربك خير) وهذا على طريق التبكيت بارخاء العنان باثبات بعض ما قاله الخصم أو ما عساه ان يقوله ليعثر والخراج الخرج اي (فأجر ربك وثوابه ورزقه خير لسعته ودوامه) ففيه مندوحة عن عطائهم وفسرهما بهضم بالرزق وايده بقوله {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} وهو تقرير لخيرية خراجه أي خير المعطين وقد مر الكلام فيه اي ان الرزق الذي يعطين ربي على غير ايديكم خير مما يجريه على ايديكم ورزقه خير من كل رزق وانما ينسب الرزق لغير الله لجريانه على يده. قال بعضهم: ما بال احدكم يقول اللهم ارزقني فاذا جاء من اخيه شيء لم يقبله وقد عرف ان الله لا يمطر عليه من السماء دنانير وانما يرزق الناس بعضا من بعض. لقي عمران بن حصين مكحولا بمكة فاعطاه مكحول شيئا فانقبض عنه فقال له خذه فاني ساحدثك فيه بحديث فقال حدثني فانه احب إليّ فقال: حديث : أَعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر شيئا فكأنه انقبض عن أَخذه فقال له رسول الله إِذا اتاك الله بشيء لم تطلبه ولم تعرض له فخذه فان كنت محتاجا إليه فانفقه لنفسك وإِلا فضعه في أهل الحاجة . تفسير : والخرج والخراج ضد الدخل وقرأ ابن عامر (خرجا فخرج) والكسائي وحمزة (خراجا فخراج) للمزواجة. قيل: اصلهما ما تخرجه إلى الامام من زكاة ارضك اداء. وقيل: الخراج الضريبة على الارض ففيه اشعار بالكثرة واللزوم فيكون ابلغ ولذلك عبر به عن عطاء الله وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.
اطفيش
تفسير : {أم تسألهم} بل أتسألهم فى زعمهم {خرجاً} خراجا مستمراً على أداء الرسالة فلم يؤمنوا بذلك، أنت لا تسألهم عن ذلك {فخراجُ ربِّك} لأن خراج ربك {خيرٌ} وهو مالك فى الدنيا والآخرة، لكثرته وعظمه وصفائه ودوامه، وعدم منَّة الخلق عليه، وأكد الخيرية بقوله: {وهو خيرُ الرَّازقين} ومن هو خير من غيره، يكون رزقه خيرا من رزق غيره.
الالوسي
تفسير : {أَمْ تَسْـئَلُهُمْ} متعلق بقوله تعالى: { أية : أَمْ يَقُولُونَ به جَنَّةُ } تفسير : [المؤمنون:70] فهو انتقال إلى توبيخ آخر، وغَيَّرَ للخطاب لمناسبته ما بعده، وكان المراد أم يزعمون أنك تسألهم على أداء الرسالة {خَرْجاً} أي جعلاً فلأجل ذلك لا يؤمنون بك، وقوله تعالى: {فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ} أي رزقه في الدنيا وثوابه في الآخرة تعليل لنفي السؤال المستفاد من الإنكار أي لا تسألهم ذلك فإن ما رزقك الله تعالى في الدنيا والعقبـى خير [لك] من ذلك لسعته ودوامه وعدم تحمل منة الرجال فيه. وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تعليل الحكم وتشريفه صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى. والخرج بإزاء الدخل يقال لكل ما تخرجه إلى غيرك والخراج غالب في الضريبة على الأرض ففيه إشعار / بالكثرة واللزوم فيكون أبلغ ولذلك عبر به عن عطاء الله تعالى، وكذا على ما قيل من أن الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك واللزوم بالنسبة إليه تعالى إنما هو لفضل وعده عز وجل، وقيل الخرج أعم من الخراج وساوى بينهما بعضهم. وقرأ ابن عامر {خَرْجاً * فَخَرَجَ} وحمزة والكسائي {خَرْجاً فَخَرَاجُ } للمشاكلة. وقرأ الحسن وعيسى {خَراجاً فَخَرَجَ} وكأن اختيار {خراجاً} في جانبه عليه الصلاة والسلام للإشارة إلى قوة تمكنهم في الكفر واختيار {خَرْجاً} في جانبه تعالى للمبالغة في حط قدر خراجهم حيث كان المعنى فالشيء القليل منه عز وجل خير من كثيرهم فما الظن بكثيره جل وعلا. {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرزِقِينَ} تأكيد لخيرية خراجه سبحانه وتعالى فإن من كان خير الرازقين يكون رزقه خيراً من رزق غيره. واستدل الجبائي بذلك على أنه سبحانه لا يساويه أحد في الإفضال على عباده وعلى أن العباد قد يرزق بعضهم بعضاً.
ابن عاشور
تفسير : (أم) عاطفة على { أية : أم يقولون به جنة } تفسير : [المؤمنون: 70] وهي للانتقال إلى استفهام آخر عن دواعي إعراضهم عن الرسول واستمرار قلوبهم في غمرة. والاستفهام المقدر هنا إنكاري، أي ما تسألهم خرجاً فيعتذروا بالإعراض عنك لأجله شحاً بأموالهم. وهذا في معنى قوله تعالى { أية : قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله } تفسير : [سبأ: 47] على سبيل الفرض، والتقدير: إن كنتُ سألتكم أجراً فقد رددته عليكم فماذا يمنعكم من اتباعي. وقوله: { أية : أم تسألهم أجراً فهم من مَغرم مُثقلون } تفسير : [القلم: 46] كل ذلك على معنى التهكم. وأصرح منهما قوله تعالى { أية : قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى } تفسير : [الشورى: 23]. وهذا الانتقال كان إلى غرض نفي أن يكون موجب إعراضهم عن دعوة الرسول جائياً من قِبله وتسببه بعد أن كانت الاستفهامات السابقة الثلاثة متعلقة بموجبات الإعراض الجائية من قبلهم، فالاستفهام الذي في قوله {أم تسألهم خرجاً} إنكاري إذ لا يجوز أن يصدر عن الرسول ما يوجب إعراض المخاطبين عن دعوته فانحصرت تبعة الإعراض فيهم. والخرج: العطاء المعيّن على الذوات أو على الأرضين كالإتاوة، وأما الخراج فقيل هو مرادف الخرج وهو ظاهر كلام جمهور اللغويين. وعن ابن الأعرابي: التفرقة بينهما بأن الخرج الإتاوة على الذوات والخراج الإتاوة على الأرضين. وقيل الخرج: ما تبرع به المعطي والخراج: ما لزمه أداؤه. وفي «الكشاف»: والوجه أن الخرج أخص من الخراج (يريد أن الخرج أعم كما أصلح عبارته صاحب «الفرائد» في نقل الطيبي) كقولك خراج القرية وخرج الكردة زيادة اللفظ لزيادة المعنى، ولذلك حسنت قراءة من قرأ {خرجاً فخراج ربك خير} يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من عطاء الخالق خير» اهــــ. وهذا الذي ينبغي التعويل عليه لأن الأصل في اللغة عدم الترادف. هذا وقد قرأ الجمهور {أم تسألهم خرجاً فخراج ربك خير}. وقرأ ابن عامر {خرجاً فخرج ربك}. وقرأ حمزة والكسائي وخلف {أم تسألهم خراجا فخراج ربك خير}. فأما قراءة الجمهور فتوجيهها على اعتبار ترادف الكلمتين أنها جرت على التفنن في الكلام تجنباً لإعادة اللفظ في غير المقام المقتضي إعادة اللفظين مع قرب اللفظين بخلاف قوله تعالى { أية : قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله } تفسير : [سبأ: 47] فإن لفظ أجر أعيد بعد ثلاثة ألفاظ. وأما على اعتبار الفرق الذي اختاره الزمخشري فتوجيهها باشتمالها على التفنن وعلى محسن المبالغة. وأما قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف فتوجيهها على طريقة الترادف أنهما وردتا على اختيار المتكلم في الاستعمال مع محسن المزاوجة بتماثل اللفظين. ولا توجهان على طريقة الزمخشري. قال صاحب «الكشاف»: ألزمهم الله الحجة في هذه الآيات (أي قوله { أية : أفلم يدبروا القول } تفسير : [المؤمنون: 68] إلى هنا) وقطع معاذيرهم وعللهم بأن الذي أرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله، مخبور سره وعلنه، خليق بأن يجتبى مثله للرسالة من بين ظهرانيهم، وأنه لم يُعْرَض له حتى يدّعي بمثل هذه الدعوى العظيمة بباطل، ولم يجعل ذلك سلماً إلى النيل من دنياهم واستعطاء أموالهم، ولم يدعهم إلا إلى دين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم مع إبراز المكنون من أدوائهم وهو إخلالهم بالتدبر والتأمل. واستهتارهم بدين الآباء الضُّلاَّل من غير برهان، وتعللهم بأنه مجنون بعد ظهور الحق وثبات التصديق من الله بالمعجزات والآيات النيرة، وكراهتُهم للحق وإعراضهم عما فيه حظهم من الذكر» اهــــ. وجملة {وهو خير الرازقين} معترضة تكميلاً للغرض بالثناء على الله والتعريف بسعة فضله. ويفيد تأكيداً لمعنى {فخراج ربك خير}.
الشنقيطي
تفسير : المراد بالخرج والخراج هنا: الأجر والجزاء. والمعنى: أنك لا تسألهم على ما بلغتهم من الرسالة المتضمنة لخيري الدنيا والآخرة، أجرة ولا جعلا، وأصل الخرج والخراج: هو ما تخرجه إلى كل عامل في مقابلة أجرة، أو جعل. وهذه الآية الكريمة تتضمن أنه صلى الله عليه وسلم، لا يسألهم أجراً، في مقابلة تبليغ الرسالة. وقد أوضحنا الآيات القرآنية الدالة على أن الرسل لا يأخذون الأجرة على التبليغ في سورة هود، في الكلام على قوله تعالى عن نوح: {أية : وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ}تفسير : [هود: 29] الآية. وبينا وجه الجمع بين تلك الآيات، مع آية: {أية : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ}تفسير : [الشورى: 23] وبينا هناك حكم أخذ الأجرة، على تعليم القرآن وغيره، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقرأ هذين الحرفين ابن عامر: خرجا فخرج ربك، بإسكان الراء فيهما معاً، وحذف الألف فيهما، وقرأ حمزة والكسائي: خراجاً فخراج ربك بفتح الراء بعدها ألف فيهما معاً، وقرأ الباقون: خرجا فخراج ربك بإسكان الراء، وحذف الألف في الأول، وفتح الراء وإثبات الألف في الثاني، والتحقيق: أن معنى الخرج والخراج واحد، وأنهما لغتان فصيحتان وقراءتان سبعيتان، خلافاً لمن زعم أن بين معناهما فرقاً زاعماً أن الخرج ما تبرعت به، والخراج: ما لزمك أداؤه. ومعنى الآية: لا يساعد على هذا الفرق كما ترى، والعلم عند الله تعالى. وصيغة التفضيل في قوله: {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} نظراً إلى أن بعض المخلوقين يزرق بعضهم كقوله تعالى: {أية : وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ}تفسير : [النساء: 5] وقوله تعالى: {أية : وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ}تفسير : [البقرة: 233] الآية. ولا شك أن فضل رزق الله خلقه، على رزق بعض خلقه بعضهم كفضل ذاته، وسائر صفاته على ذوات خلقه، وصفاتهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {تَسْأَلُهُمْ} {ٱلرَّازِقِينَ} (72) - أَمْ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ طَلَبْتَ مِنْهُمْ أَجْراً عَلَى تَبْلِيغِ، الرِّسَالَةِ، فَلأَِجْلِ ذَلِكَ لاَ يُؤمِنُونَ. وَفِي الحَقِيقَةِ إِنَّكَ لَمْ تَسْأَلْهُمْ أجْرَاً، وَلا خَرْجاً، فَإِنَّ مَا رَزَقَكَ اللهُ فِي الدُّنْيَا، وَمَا وَعَدَكَ بِهِ مِنْ حُسْنِ العَاقِبَةِ فِي الآخِرَةِ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ ذَلِكَ، وَلأَِنَّكَ تَحْتَسِبُ أَجْرَ مَا تَقُومُ بِهِ، مِنْ إِبْلاَغِ الرِّسَالَةِ، عِنْدَ اللهِ لاَ عِنْدَهُمْ. خَرَجاً - جُعْلاً أَوْ أَجْراً مِنَ المَالِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : (الخَرْج): ما يخرج منك طواعية، أما الخراج فهو ما يخرج منك رغماً عنك، والزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، فالخراج أبلغ من الخَرْج. والمراد بقوله تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ..} [المؤمنون: 72] إنْ كنتَ تريد خَرْجاً فلا تأخذه من أيديهم، إنما خُذْه من ربك، فما عندهم ليس خَرْجاً بل خراج {فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ..} [المؤمنون: 72]. فلا تأخذ الرزق إلا من يد الخير والبركة؛ لأن الحق سبحانه لا يمنُّ على خَلْقه برزق يرزقهم به، فهو سبحانه قد استدعاهم إلى الحياة؛ لذلك تكفّل سبحانه بأرزاقهم، كما لو دعوتَ صديقاً إلى طعام فإنك تُعِدُّ له ما يكفي عشرة، فما بالك حينما يُعِدُّ لك ربك عز وجل؟ ثم يُذيِّل الحق سبحانه الآية بقوله تعالى {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} [المؤمنون: 72] وهذه أحدثتْ إشكالاً عند البعض؛ لأن الحق سبحانه جعل لخَلْقه شراكة في صفة الرزق، فغيره سبحانه يرزق أيضاً، لكن هو خير الرازقين؛ لأنه يرزق الخَلْق بأصول الأشياء التي يرزقون منها غيرهم، فإنْ كنتَ ترزق غيرك مثلاً طعاماً فهو سبحانه أصل هذا الطعام ومصدره. هو سبحانه خالق التربة، وخالق الماء، وخالق الهواء، وخالق البذرة، وما عليك إلا أنْ أعملتَ عقلك، واستخدمتَ الطاقات التي منحك الله إياها، فأخرجتَ هذا الطعام، فلو أنك جِئْتَ لأهلك بحاجيات المطبخ ولوازم المعيشة طوال الشهر من دقيق وسمن وأرز وسكر .. إلخ وقامت زوجتُك وقامت زوجتُك بإعداد الطعام أتقول: إن الزوجة هي التي جاءت بالطعام؟ لذلك يقول العلماء وأهل المعرفة: نَزِّهوا ألسنتكم عن قول: فلان رازق، ودَعُوها لقول الله تعالى؛ لأنه سبحانه هو خالق الرزق، وواجد أصوله، وما أنت إلا مُنَاول للغير. وتلحظ أنه تعالى أضاف الخَراج إلى الربوبية التي تفيد الرعاية والعناية والتربية، فما دام الخراجُ خراجَ ربك يا محمد، فهو خراج كثير وعطاء لا ينفد.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً} معناه غَلَّةٌ.
الجيلاني
تفسير : {أَمْ تَسْأَلُهُمْ} أي: أيظنون ويعتقدون أنك يا أكمل الرسل تطلب لأداء الرسالة وتبليغها علهيم {خَرْجاً} جُعْلاً وإجراءُ لذلك انصرفوا عنك وعن دينك وكتابك؟! {فَخَرَاجُ رَبِّكَ} الذي ربَّاك بأنواع النعم الصوري والمعنوي، وأجره لك بأعظم المثوبات وأعلى الدرجات {خَيْرٌ} لك من جُعْلهم {وَ} إن نسبوك إلى الفقر والفاقة قل {هُوَ} سبحانه {خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} [المؤمنون: 72] لو فُرضَ رازق سواه، مع أنه لا رازقُ إلا هو. {وَ} بالجملة: هم منحرفون في أنفسهم عن جادة التوحيد؛ بحيث لا يفيدهم هدايتكم وإرشادك {إِنَّكَ} بوحي الله إياك {لَتَدْعُوهُمْ} وتهديهم. {إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [المؤمنون: 73] سويٍّ لا عوجَ له أصلاً، وهو طريق التوحيد الذاتي. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} ولا يصدقون {بِٱلآخِرَةِ} التي فيها انتقاد الأعمال والأحوال وال عرض على ذي العظمة والجلال {عَنِ ٱلصِّرَاطِ} الذي هو سبب اعتدالهم وإخلاصهم فيها {لَنَاكِبُونَ} [المؤمنون: 74] عادلون مائلون، لذلك لم يقبلوا منكما جئتَ به عند ربك؛ إذ خوف الآخرة من أقوى قوائم الإيمان. {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ} على مقتضى سعة رحمتنا وجودنا {وَكَشَفْنَا} وأنزلنا {مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ} مفرطٍ مزعج مثل القحط والوباء والزلزلةَ والعناد، وغير ذلك من الشدائد العاجلة {لَّلَجُّواْ} وأصروا {فِي طُغْيَانِهِمْ} التي هم عليها من الكفر ولا شرك والعداوة مع أهل الإيمان {يَعْمَهُونَ} [المؤمنون: 75] يترددون ولا يتركون. {وَ} كيف لا يعمهون وقد جربناهم مراراً، فإنا {لَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ} أي: الجدب والقحط أو بالقتل يوم بدر {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ} وما تلذذوا وتواضعا {لِرَبِّهِمْ} من كما عتوهم وعنادهم {وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون: 76] إليه استكباراً بل هم على إصرارهم دائماً كلما أخذناهم وكشفنا عنهم، أصروا وازدادوا على استكبارهم وإصرارهم، ولم يرجعوا إلينا مخصلين. {حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً} من البلاء والعناء {ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} وهو القحط المفرط؛ إذ هو من أصعب العقوبات وأسوئها {إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [المؤمنون: 77] متحسرون آيسون من كل خيرٍ، ومع ذلك لم يتوجهوا إلينا ولم يتضرعوا. {وَ} كيف لا تشكرون نعمه سبحانه مع أنه {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ} وأظهر {لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ} من المشاعر التي تتحفظون بها نفوسكم من الأعاي الخارجة عنكم {وَٱلأَفْئِدَةَ} أي: القلوب التي تتحفظون بها نفسوكم عن الأعادي الداخلة من التخيلات الباطلة والتوهمات الزائفة والزائلة المخزرفة المموهة من الرياء والرعونات وأنواع التلبيسات والتدليسات مع أنكم {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون: 78] أي: ما تشركون لهذه النعم الجليلة إلا قليلاً منكم. {وَ} كيف لا تشكرون نعمه سبحانه مع أنه {هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ} أي: أوجدكم وأظهركم من كتم العدم في النشأة الأولى، وبث نسلكم ونسبكم {فِي ٱلأَرْضِ} تترفهون فيها وتتنعمون ورَزَقكم فيها من أنواع الطيبات {وَ} في النشأة الأخرى {إِلَيْهِ} لا إليى غيره؛ إذ لا وجود للغير {تُحْشَرُونَ} [المؤمنون: 79] وترجعون رجوع الأمواج إلى البحر. {وَ} كيف لاتحشرون إليه سبحانه {هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي} ويظهر أشباحكم من العدم بامتداد أظلال أسمائه وصفاته ويبسطها على مرايا انعدام الإعدام {وَيُمِيتُ} بانقهارها وقبض الأضلال عنها {وَ} من جملة قبضه وبسطه: إن {لَهُ} سبحانه ويمقتضى مشيئته وإرادته {ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} طولاً وقصراً، ضوءاً وظلمةً {أَفَلاَ} تتفكرون وتتأملون أيها المجبولون على التفكر والتدبر حتى {تَعْقِلُونَ} [المؤمنون: 80] وتدركون كيفيفة ظهور الحق وإظهاره مظاهر أسمائه الحسنى وصفاته العليا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً} [المؤمنون: 72] أي: يحسبون أنهم تسألهم على الرسالة أجراً وقبولاً ووجاهة عندهم فكان ما يفهم عن الإيمان بل ويقول دعوتك لهم وما يعملون إذن {فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} أي ما يجازيك الله به في الدنيا وما فيها {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} في المجازاة والمكافأة، وفيه إشارة إلى العلماء الله الراسخين في العلم أنهم لا يندسون وجوه قلوبهم الزاخرة بدنس الأطماع الفاسدة والصالحة الدنيوية والأخروية، فيما يعملون الله في دعوة الخلق إلى أنه بالله لله. كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [المؤمنون: 73] وهو حسن التوجه بصدق الطلب إلى الله تعالى من غير اعوجاج في الطريق بميل الدنيا والآخرة، فكيف يميل إلى شيء مما عندهم فينكب عن الصراط المستقيم {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} [المؤمنون: 74] أي: بالحشر والنشر أنه لهم من الله مطالبات بحسب ميلان طبعهم إلى ما سوى الله {عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} فيقعون عن صراط الفرية في جهنم الفرقة، {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [المؤمنون: 75] به يشير إلى حقيقة علمه مجالهم وبما شهد علمه بيان وجودهم، وجاء فيهم ما قال تعالى: {أية : فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ} تفسير : [الزخرف: 50] في الحال لم يفوا بما يعدون من أنفسهم من الإيمان في المآل. ثم يستدل على ما أخبر من أحوالهم بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ} [المؤمنون: 76] أي: أذقناهم مقدمات العذاب دون شدائدها تنبيهاً لهم {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} أي: فانتبهوا وما انزجروا، ولو أنهم إذا ما رأوا العذاب فزعوا إلى التضرع والابتهال وأظهروا الاستكانة والافتقار والعجز لله تعالى بالصدق والإخلاص طالبين الله زوالها عنهم، ولكنهم على أصروا على باطلهم {أية : لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} تفسير : [الأنفال: 42] {حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} [المؤمنون: 77] وهو عن الخذلان وسدل حجب الهجران {إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} متحيرون كمن ضل عن الطريق آيسون من رحمة الله تعالى لكن ختم على قلبه لئلا يدخل فيه رجاء النعمة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: أو منعهم من اتباعك يا محمد، أنك تسألهم على الإجابة أجرا } فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ { يتكلفون من اتباعك، بسبب ما تأخذ منهم من الأجر والخراج، ليس الأمر كذلك } فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ { وهذا كما قال الأنبياء لأممهم: } يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الله { أي: ليسوا يدعون الخلق طمعا فيما يصيبهم منهم من الأموال، وإنما يدعون نصحا لهم، وتحصيلا لمصالحهم، بل كان الرسل أنصح للخلق من أنفسهم، فجزاهم الله عن أممهم خير الجزاء، ورزقنا الاقتداء بهم في جميع الأحوال.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 703 : 11 : 35 - سفين قال، كان بن مسعود يقرؤها {أم تسئلهم خرجا فخراج ربك} [الآية 72].
همام الصنعاني
تفسير : 1985- عبد الرزاق، قال أنبأنا معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً}: [الآية: 72]، قال: أجْراً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):