٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
الرازي
تفسير : الحكم الرابع حكم اللعان إعلم أنه سبحانه لما ذكر أحكام قذف الأجنبيات عقبه بأحكام قذف الزوجات، ثم هذه الآية مشتملة على أبحاث: البحث الأول: في سبب نزوله وذكروا فيه وجوها: أحدها: قال ابن عباس رحمهم الله:« لما تزل قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } قال عاصم بن عدي الأنصاري إن دخل منا رجل بيته فوجد رجلاً على بطن امرأته فإن جاء بأربعة رجال يشهدوا بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج، وإن قتله قتل به، وإن قال وجدت فلاناً مع تلك المرأة ضرب وإن سكت سكت على غيظ. اللهم افتح. وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له عويمر وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس فأتى عويمر عاصماً فقال: لقد رأيت شريك بن سحماء على بطن امرأتي خولة فاسترجع عاصم وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بهذا في أهل بيتي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذاك؟ فقال أخبرني عويمر ابن عمي بأنه رأى شريك بن سحماء على بطن امرأته خولة وكان عويمر وخولة وشريك كلهم بنو عم عاصم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم جميعاً وقال لعويمر حديث : اتق الله في زوجتك وابنة عمك ولا تقذفها تفسير : فقال يا رسول الله أقسم بالله أني رأيت شريكاً على بطنها وأني ماقربتها منذ أربعة أشهر وأنها حبلى من غيري، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : اتقي الله ولا تخبري إلا بما صنعت تفسير : فقالت يا رسول الله إن عويمراً رجل غيور وإنه رأى شريكاً يطيل النظر إلي ويتحدث فحملته الغيرة على ما قال، فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نودي الصلاة جامعة فصلى العصر حديث : ثم قال لعويمر قم وقل أشهد بالله أن خولة لزانية وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثانية قل أشهد بالله أني رأيت شريكاً على بطنها وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثالثة قل أشهد بالله أنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين، ثم قال في الرابعة قل أشهد بالله أنها زانية وأني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين. ثم قال في الخامس قل لعنة الله على عويمر يعني نفسه إن كان من الكاذبين فيما قال. ثم قال اقعد، وقال لخولة قومي، تفسير : فقامت وقالت أشهد بالله ما أنا بزانية وإن زوجي عويمراً لمن الكاذبين، وقالت في الثانية أشهد بالله ما رأى شريكاً على بطني وإنه لمن الكاذبين، وقالت في الثالثة أشهد بالله أني حبلى منه وإنه لمن الكاذبين، وقالت في الرابعة أشهد بالله أنه ما رآني على فاحشة قط وإنه لمن الكاذبين، وقالت في الخامسة غضب الله على خولة إن كان عويمر من الصادقين في قوله، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما » وثانيها: قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية الكلبي: « أن عاصماً ذات يوم رجع إلى أهله فوجد شريك بن سحماء على بطن امرأته فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم » وتمام الحديث كما تقدم وثالثها: ما روى عكرمة عن ابن عباس« لما نزل {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار لو وجدت رجلاً على بطنها فإني إن جئت بأربعة من الشهداء يكون قد قضى حاجته وذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : يا معشر الأنصار أما تسمعون ما يقول سيدكم؟ تفسير : فقالوا يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور، فقال سعد يا رسول الله والله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق، ولكني عجبت منه، فقال عليه السلام حديث : فإن الله يأبى إلا ذلك، تفسير : قال فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، فقال يا رسول الله إني وجدت مع امرأتي رجلاً رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به، فقال هلال والله يا رسول الله إني لأرى الكراهة في وجهك مما أخبرتك به والله يعلم أني لصادق وما قلت إلا حقاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إما البيتة وإما إقامة الحد عليك» تفسير : فاجتمعت الأنصار فقالوا ابتلينا بما قال سعد، فبينا هم كذلك إذ نزل عليه الوحي وكان إذا نزل عليه الوحي اربد وجهه وعلا جسده حمرة فلما سرى عنه قال عليه السلام حديث : أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجاً، تفسير : قال قد كنت أرجو ذلك من الله تعالى فقرأ عليهم هذه الآيات فقال عليه السلام حديث : ادعوها فدعيت تفسير : فكذبت هلالاً، فقال عليه السلام حديث : الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب وأمر بالملاعنة تفسير : فشهد هلال أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين فقال عليه السلام له عند الخامسة حديث : اتق الله يا هلال فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، تفسير : فقال والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد الخامسة، ثم قال رسول الله حديث : أتشهدين تفسير : فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين فلما أخذت في الخامسة قال لها حديث : اتقي الله فإن الخامسة هي الموجبة، تفسير : فتفكرت ساعة وهمت بالاعتراف ثم قالت والله لا أفضح قومي وشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، ثم قال: انظروها إن جاءت به أثيبج أصهب أحمش الساقين فهو لهلال، وإن جاءت به خدلج الساقين أورق جعداً فهو لصاحبه، فجاءت به أورق خدلج الساقين فقال عليه السلام لولا الإيمان لكان لي ولها شأن» قال عكرمة لقد رأيته بعد ذلك أمير مصر من الأمصار ولا يدري من أبوه!. البحث الثاني: ما يتعلق بالقراءة قرىء ولم تكن بالتاء لأن الشهداء جماعة أو لأنهم في معنى الأنفس ووجه من قرأ أربع أن ينصب لأنه في حكم المصدر والعامل فيه المصدر الذي هو فشهادة أحدهم وهي مبتدأ محذوف الخبر فتقديره فواجب شهادة أحدهم أربع شهادات، وقرىء أن لعنة الله وأن غضب الله على تخفيف أن ورفع ما بعدها، وقرىء أن غضب الله على فعل الغضب، وقرىء بنصب الخامستين على معنى ويشهد الخامسة. البحث الثالث: ما يتعلق بالأحكام، والنظر فيه يتعلق بأطراف: الطرف الأول: في موجب اللعان وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه إذا رمى الرجل امرأته بالزنا يجب عليه الحد إن كانت محصنة والتعزير إن لم تكن محصنة، كما في رمي الأجنبية لا يختلف موجبهما غير أنهما يختلفان في المخلص ففي قذف الأجنبي لا يسقط الحد عن القاذف إلا بإقرار المقذوف أو ببينة تقوم على زناها، وفي قذف الزوجة يسقط عنه الحد بأحد هذين الأمرين أو باللعان، وإنما اعتبر الشرع اللعان في هذه الصورة دون الأجنبيات لوجهين: الأول: أنه لا معرة عليه في زنا الأجنبية والأولى له ستره، أما إذا زنى بزوجته فيلحقه العار والنسب الفاسد، فلا يمكنه الصبر عليه وتوقيفه على البينة كالمعتذر، فلا جرم خص الشرع هذه الصورة باللعان الثاني: أن الغالب في المتعارف من أحوال الرجل مع امرأته أنه لا يقصدها بالقذف إلا عن حقيقة، فإذا رماها فنفس الرمي يشهد بكونه صادقاً إلا أن شهادة الحال ليست بكاملة فضم إليها ما يقويها من الإيمان، كشهادة المرأة لما ضعفت قويت بزيادة العدد والشاهد الواحد يتقوى باليمين على قول كثير من الفقهاء. المسألة الثانية: قال أبو بكر الرازي كان حد قاذف الأجنبيات والزوجات والجلد، والدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء « حديث : ائتني بأربعة يشهدون لك وإلا فحد في ظهرك » تفسير : فثبت بهذا أن حد قاذف الزوجات كان كحد قاذف الأجنبيات إلا أنه نسخ عن الأزواج الجلد باللعان، وروى نحو ذلك في الرجل الذي قال أرأيتم لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فإن تكلم جلدتموه، وإن قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ. فدلت هذه الأخبار على أن حد قاذف الزوجة كان الجلد وأن الله نسخه باللعان. المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله إذا قذف الزوج زوجته فالواجب هو الحد ولكن المخلص منه باللعان، كما أن الواجب بقذف الأجنبية الحد والمخلص منه بالشهود، فإذا نكل الزوج عن اللعان يلزمه الحد للقذف، فإذا لاعن ونكلت عن اللعان يلزمها حد الزنا، وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا نكل الزوج عن اللعان حبس حتى يلاعن، وكذا المرأة إذا نكلت حبست حتى لا تلاعن حجة الشافعي وجوه: أحدها: أن الله تعالى قال في أول السورة: { أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } تفسير : [النور: 4] يعني غير الزوجات { أية : ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } تفسير : [النور: 4] ثم عطف عليه حكم الأزواج فقال: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوٰجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ } الآية فكما أن مقتضى قذف الأجنبيات الإتيان بالشهود أو الجلد فكذا موجب قذف الزوجات الإتيان باللعان أو الحد وثانيها: قوله تعالى: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ } والألف واللام الداخلان على العذاب لا يفيدان العموم لأنه لم يجب عليها جميع أنواع العذاب فوجب صرفهما إلى المعهود السابق والمعهود السابق هو الحد لأنه تعالى ذكر في أول السورة { أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [النور: 2] والمراد منه الحد وإذا ثبت أن المراد من العذاب في قوله: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ } هو الحد ثبت أنها لو لم تلاعن لحدت وأنها باللعان دفعت الحد، فإن قيل المراد من العذاب هو الحبس. قلنا قد بينا أن الألف واللام للمعهود المذكور، وأقرب المذكورات في هذه السورة العذاب بمعنى الحد، وأيضاً فلو حملناه على الحد لا تصير الآية مجملة. أما لو حملناه على الحبس تصير الآية مجملة لأن مقدار الحبس غير معلوم وثالثها: قال الشافعي رحمه الله ومما يدل على بطلان الحبس في حق المرأة أنها تقول إن كان الرجل صادقاً فحدوني وإن كان كاذباً فخلوني فما بالي والحبس وليس حبسي في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا الإجماع ولا القياس ورابعها: أن الزوج قذفها ولم يأت بالمخرج من شهادة غيره أو شهادة نفسه، فوجب عليه الحد لقوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَٱجْلِدُوهُمْ } تفسير : [النور: 4] وإذا ثبت ذلك في حق الرجل ثبت في حق المرأة لأنه لا قائل بالفرق وخامسها: قوله عليه السلام لخولة: « حديث : فالرجم أهون عليك من غضب الله » تفسير : وهو نص في الباب حجة أبي حنيفة رحمه الله، أما في حق المرأة فلأنها ما فعلت سوى أنها تركت اللعان، وهذا الترك ليس بينة على الزنا ولا إقراراً منها به، فوجب أن لا يجوز رجمها، لقوله عليه السلام: « حديث : لا يحل دم امرىء » تفسير : الحديث. وإذا لم يجب الرجم إذا كانت محصنة لم يجب الجلد في غير المحصن لأنه لا قائل بالفرق، وأيضاً فالنكول ليس بصريح في الإقرار فلم يجز إثبات الحد به كاللفظ المحتمل للزنا ولغيره. المسألة الرابعة: قال الجمهور إذا قال لها يا زانية وجب اللعان. وقال مالك رحمه الله لا يلاعن إلا أن يقول رأيتك تزني أو ينفي حملاً لها أو ولداً منها، حجة الجمهور أن عموم قوله {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } يتناول الكل، ولأنه لا تفاوت في قذف الأجنبية بين الكل، فكذا في حق قذف الزوجة. الطرف الثاني: الملاعن قال الشافعي رحمه الله من صح يمينه صح لعانه، فيجري اللعان بين الرقيقين والذميين والمحدودين، وكذا إذا كان أحدهما رقيقاً أو كان الزوج مسلماً والمرأة ذمية، قال أبو حنيفة رحمه الله لا يصح في صورتين إحداهما: أن تكون الزوجة ممن لا يجب على قاذفها الحد إذا كان أجنبياً نحو أن تكون الزوجة مملوكة أو ذمية والثاني: أن يكون أحدهما من غير أهل الشهادة بأن يكون محدوداً في قذف أو عبداً أو كافراً، ثم زعم أن الفاسق والأعمى مع أنهما ليسا من أهل الشهادة يصح لعانهما، وجه قول الشافعي رحمه الله أن ظاهر قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوٰجَهُمْ } يتناول الكل ولا معنى للتخصيص والقياس أيضاً ظاهر من وجهين: الأول: أن المقصود دفع العار عن النفس، ودفع ولد الزنا عن النفس، وكما يحتاج غير المحدود إليه فكذا المحدود محتاج إليه والثاني: أجمعنا على أنه يصح لعان الفاسق والأعمى، وإن لم يكونا من أهل الشهادة فكذا القول في غيرهما، والجامع هو الحاجة إلى دفع عار الزنا، ووجه قول أبو حنيفة رحمه الله النص والمعنى، أما النص فما روى عبدالله بن عمرو بن العاص أنه عليه السلام قال: « حديث : أربع من النساء ليس بينهن وبين أزواجهن ملاعنة اليهودية والنصرانية تحت المسلم والحرة تحت المملوك والمملوكة تحت الحر » تفسير : أما المعنى فنقول أما في الصورة الأولى فلأنه كان الواجب على قاذف الزوجة والأجنبية الحد بقوله: { أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } تفسير : [النور: 40] ثم نسخ ذلك عن الأزواج وأقيم اللعان مقامه فلما كان اللعان مع الأزواج قائماً مقام الحد في الأجنبيات لم يجب اللعان على من لا يجب عليه الحد لو قذفها أجنبي، وأما في الصورة الثانية فالوجه فيه أن اللعان شهادة فوجب أن لا يصح إلا من أهل الشهادة وإنما قلنا إن اللعان شهادة لوجهين: الأول: قوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـٰدَاتٍ بِٱللَّهِ } فسمى الله تعالى لعانهما شهادة كما قال: { أية : وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ } تفسير : [البقرة: 282] وقال: { أية : فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ } تفسير : [النساء: 15] الثاني: أنه عليه السلام حين لاعن بين الزوجين أمرهما باللعان بلفظ الشهادة، ولم يقتصر على لفظ اليمين، إذا ثبت أن اللعان شهادة وجب أن لا تقبل من المحدود في القذف لقوله تعالى: { أية : وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } تفسير : [النور: 4] وإذا ثبت ذلك في المحدود ثبت في العبد والكافر، إما للإجماع على أنهما ليسا من أهل الشهادة أو لأنه لا قائل بالفرق، أجاب الشافعي رحمه الله بأن اللعان ليس شهادة في الحقيقة بل هو يمين لأنه لا يجوز أن يشهد الإنسان لنفسه، ولأنه لو كان شهادة لكانت المرأة تأتي بثمان شهادات، لأنها على النصف من الرجل، ولأنه يصح من الأعمى والفاسق ولا يجوز شهادتهما، فإن قيل الفاسق والفاسقة قد يتوبان قلنا، وكذلك العبد قد يعتق فتجوز شهادته، ثم أكد الشافعي رحمه الله ذلك بأن العبد إذا عتق تقبل شهادته في الحال والفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته في الحال، ثم ألزم أبا حنيفة رحمه الله بأن شهادة أهل الذمة مقبولة بعضهم على بعض، فينبغي أن يجوز اللعان بين الذمي والذمية، وهذا كله كلام الشافعي رحمه الله. ثم قال بعد ذلك: وتختلف الحدود بمن وقعت له، ومعناه أن الزوج إن لم يلاعن تنصف حد القذف عليه لرقه، وإن لاعن ولم تلاعن اختلف حدها بإحصانها وعدم إحصانها وحريتها ورقها. الطرف الثالث: الأحكام المرتبة على اللعان قال الشافعي رحمه الله يتعلق باللعان خمسة أحكام درء الحد ونفي الولد والفرقة والتحريم المؤبد ووجوب الحد عليها، وكلها تثبت بمجرد لعانه ولا يفتقر فيه إلى لعانها ولا إلى حكم الحاكم، فإن حكم الحاكم به كان تنفيذاً منه لا إيقاعاً للفرقة. فلنتكلم في هذه المسائل: المسألة الأولى: اختلف المجتهدون في وقوع الفرقة باللعان على أربعة أقوال: أحدها: قال عثمان ألبتي: لا أرى ملاعنة الزوج امرأته تقتضي شيئاً يوجب أن يطلقها وثانيها: قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد لا تقع الفرقة بفراغهما من اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما وثالثها: قال مالك والليث وزفر رحمهم الله إذا فرغا من اللعان وقعت الفرقة وإن لم يفرق الحاكم ورابعها: قال الشافعي رحمه الله إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان فقد زال فراش امرأته ولا تحل له أبداً التعنت أو لم تلتعن، حجة عثمان البتي وجوه: أحدها: أن اللعان ليس بصريح ولا كناية عن الفرقة فوجب أن لا يفيد الفرقة كسائر الأقوال التي لا إشعار لها بالفرقة لأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقاً في قوله وهو لا يوجب تحريماً ألا ترى أنه لو قامت البينة عليها لم يوجب ذلك تحريماً فإذا كان كاذباً والمرأة صادقة يثبت أنه لا دلالة فيه على التحريم وثانيها: لو تلاعنا فيما بينهما لم يوجب الفرقة فكذا لو تلاعنا عند الحاكم وثالثها: أن اللعان قائم مقام الشهود في قذف الأجنبيات فكما أنه لا فائدة في إحضار الشهود هناك إلا إسقاط الحد، فكذا اللعان لا تأثير له إلا إسقاط الحد ورابعها: إذا أكذب الزوج نفسه في قذفه إياها ثم حد لم يوجب ذلك فرقة فكذا إذا لاعن لأن اللعان قائم مقام درء الحد، قال وأما تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين فكان ذلك في قصة العجلاني وكان قد طلقها ثلاثاً بعد اللعان فلذلك فرق بينهما، وأما قول أبي حنيفة وهو أن الحاكم يفرق بينهما فلا بد من بيان أمرين: أحدهما: أنه يجب على الحاكم أن يفرق بينهما ودليله ما روى سهل بن سعد في قصة العجلاني مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً والثاني: أن الفرقة لا تحصل إلا بحكم الحاكم، واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: روى في قصة عويمر أنهما لما فرغا «قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، هي طالق ثلاثاً» فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستدلال بهذا الخبر من وجوه: أحدها: أنه لو وقعت الفرقة باللعان لبطل قوله: «كذبت عليها إن أمسكتها» لأن إمساكها غير ممكن وثانيها: ما روي في هذا الخبر أنه طلقها ثلاث تطليقات فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنفيذ الطلاق إنما يمكن لو لم تقع الفرقة بنفس اللعان وثالثها: ما قال سهل بن سعد في هذا الخبر مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ولا يجتمعان أبداً، ولو كانت الفرقة واقعة باللعان استحال التفريق بعدها وثانيها: قال أبو بكر الرازي قول الشافعي رحمه الله خلاف الآية، لأنه لو وقعت الفرقة بلعان الزوج للاعنت المرأة وهي أجنبية وذلك خلاف الآية لأن الله تعالى إنما أوجب اللعان بين الزوجين وثالثها: أن اللعان شهادة لا يثبت حكمه إلا عند الحاكم فوجب أن لا يوجب الفرقة إلا بحكم الحاكم كما لا يثبت المشهود به إلا بحكم الحاكم ورابعها: اللعان تستحق به المرأة نفسها كما يستحق المدعي بالبينة، فلما لم يجز أن يستحق المدعي مدعاه إلا بحكم الحاكم وجب مثله في استحقاق المرأة نفسها وخامسها: أن اللعان لا إشعار فيه بالتحريم لأن أكثر ما فيه أنها زنت ولو قامت البينة على زناها أو هي أقرت بذلك فذاك لا يوجب التحريم فكذا اللعان وإذا لم يوجد فيها دلالة على التحريم وجب أن لا تقع الفرقة به، فلا بد من إحداث التفريق إما من قبل الزوج أو من قبل الحاكم، أما قول مالك وزفر فحجته أنهما لو تراضيا على البقاء على النكاح لم يخليا بل يفرق بينهما، فدل على أن اللعان قد أوجب الفرقة، أما قول الشافعي رحمه الله فله دليلان الأول: قوله تعالى: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ } الآية فدل هذا على أنه لا تأثير للعان المرأة إلا في دفع العذاب عن نفسها، وأن كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج الثاني: أن لعان الزوج وحده مستقل بنفي الولد فوجب أن يكون الاعتبار بقوله في الإلحاق لا بقولها، ألا ترى أنها في لعانها تلحق الولد به ونحن ننفيه عنه فيعتبر نفي الزوج لا إلحاق المرأة، ولهذا إذا أكذب الزوج نفسه ألحق به الولد وما دام يبقى مصراً على اللعان فالولد منفي عنه إذا ثبت أن لعانه مستقل بنفي الولد وجب أن يكون مستقلاً بوقوع الفرقة، لأن الفرقة لو لم تقع لم ينتف الولد لقوله عليه السلام: « حديث : الولد للفراش » تفسير : فما دام يبقى الفراش التحق به، فلما انتفى الولد عنه بمجرد لعانه وجب أنه يزول الفراش عنه بمجرد لعانه، وأما الأخبار التي استدل بها أبو حنيفة رحمه الله فالمراد به أن النبي عليه السلام أخبر عن وقوع الفرقة وحكم بها وذلك لا ينافي أن يكون المؤثر في الفرقة شيئاً آخر، وأما الأقيسة التي ذكرها فمدارها على أن اللعان شهادة وليس الأمر كذلك بل هو يمين على ما بينا، وأما قوله: اللعان لا إشعار فيه بوقوع الحرمة. قلنا بينته على نفي الولد مقبولة ونفي الولد يتضمن نفي حلية النكاح والله أعلم. المسألة الثانية: قال مالك والشافعي وأبو يوسف والثوري وإسحق والحسن المتلاعنان لا يجتمعان أبداً، وهو قول علي وعمر وابن مسعود، وقال أبو حنيفة ومحمد إذا أكذب نفسه وحد زال تحريم العقد وحلت له بنكاح جديد. حجة الشافعي رحمه الله أمور: أحدها: قوله عليه السلام للملاعن بعد اللعان « حديث : لا سبيل لك عليها » تفسير : ولم يقل حتى تكذب نفسك ولو كان الإكذاب غاية لهذه الحرمة لردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغاية، كما قال في المطلقة بالثلاث { أية : فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } تفسير : [البقرة: 230]. وثانيها: ما روي عن علي وعمر وابن مسعود أنهم قالوا لا يجتمع المتلاعنان أبداً، وهذا قد روي أيضاً مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وثالثها: ما روى الزهري عن سهل بن سعد في قصة العجلاني «مضت السنة أنهما إذا تلاعنا فرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً» حجة أبي حنيفة رحمه الله قوله تعالى:{أية : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} تفسير : [ النساء:24] وقوله: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ } {النساء: 3]. المسألة الثالثة: اتفق أهل العلم على أن الولد قد ينفى عن الزوج باللعان، وحكى عن بعض من شذ أنه للزوج ولا ينتفي نسبه باللعان، واحتج بقوله عليه السلام: « حديث : الولد للفراش » تفسير : وهذا ضعيف لأن الأخبار الدالة على أن النسب ينتفي باللعان كالمتواترة فلا يعارضها هذا الواحد. المسألة الرابعة: قال الشافعي رحمه الله: لو أتى أحدهما ببعض كلمات اللعان لا يتعلق به الحكم، وقال أبو حنيفة رحمه الله أكثر كلمات اللعان تعمل عمل الكل إذا حكم به الحاكم، والظاهر مع الشافعي لأنه يدل على أنها لا تدرأ العذاب عن نفسها إلا بتمام ما ذكره الله تعالى، ومن قال بخلاف ذلك فإنما يقوله بدليل منفصل. الطرف الرابع: في كيفية اللعان والآية دالة عليها صريحاً، فالرجل يشهد أربع شهادات بالله بأن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، ثم يقول من بعد، وعليه لعنة الله إن كان من الكاذبين. ويتعلق بلعان الزوج تلك الأحكام الخمسة على قول الشافعي رحمه الله، ثم المرأة إذا أرادت إسقاط حد الزنا عن نفسها عليها أن تلاعن ولا يتعلق بلعانها إلا هذا الحكم الواحد، ثم ههنا فروع الفرع الأول: أجمعوا على أن اللعان كالشهادة فلا يثبت إلا عند الحاكم الثاني: قال الشافعي رحمه الله يقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة، وتقام المرأة حتى تشهد والرجل قاعد، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه عند الانتهاء إلى اللعنة والغضب ويقول له أني أخاف إن لم تك صادقاً أن تبوء بلعنة الله الثالث: اللعان بمكة بين المقام والركن وبالمدينة عند المنبر وبيت المقدس في مسجده وفي غيرها في المواضع المعظمة ولعان المشرك كغيره في الكيفية، وأما الزمان فيوم الجمعة بعد العصر، ولا بد من حضور جماعة من الأعيان أقلهم أربعة. الطرف الخامس: في سائر الفوائد وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على بطلان قول الخوارج في أن الزنا والقذف كفر من وجهين: الأول: أن الرامي إن صدق فهي زانية، وإن كذب فهو قاذف فلا بد على قولهم من وقوع الكفر من أحدهما، وذلك يكون ردة فيجب على هذا أن تقع الفرقة ولا لعان أصلاً، وأن تكون فرقة الردة حتى لا يتعلق بذلك توارث ألبتة الثاني: أن الكفر إذا ثبت عليها بلعانه، فالواجب أن تقتل لا أن تجلد أو ترجم، لأن عقوبة المرتد مباينة للحد في الزنا. المسألة الثانية: الآية دالة على بطلان قول من يقول إن وقوع الزنا يفسد النكاح، وذلك لأنه يجب إذا رماها بالزنا أن يكون قوله هذا كأنه معترف بفساد النكاح حتى يكون سبيله سبيل من يقر بأنها أخته من الضراع أو بأنها كافرة، ولو كان كذلك لوجب أن تقع الفرقة بنفس الرمي من قبل اللعان وقد ثبت بالإجماع فساد ذلك. المسألة الثالثة: قالت المعتزلة دلت الآية على أن القاذف مستحق للعن الله تعالى إذا كان كاذباً وأنه قد فسق، وكذلك الزاني والزانية يستحقان غضب الله تعالى وعقابه وإلا لم يحسن منهما أن يلعنا أنفسهما، كما لا يجوز أن يدعو أحد ربه أن يلعن الأطفال والمجانين، وإذا صح ذلك فقد استحق العقاب، والعقاب يكون دائماً كالثواب ولا يجتمعان فثوابهما أيضاً محبط، فلا يجوز إذا لم يتوبا أن يدخلا الجنة، لأن الأمة مجمعة على أن من دخل الجنة من المكلفين فهو مثاب على طاعاته وذلك يدل على خلود الفساق في النار، قال أصحابنا لا نسلم أن كونه مغضوباً عليه بفسقه ينافي كونه مرضياً عنه لجهة إيمانه، ثم لو سلمناه فلم نسلم أن الجنة لا يدخلها إلا مستحق الثواب والإجماع ممنوع. المسألة الرابعة: إنما خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله تغليظاً عليها لأنها هي أصل الفجور ومنبعه بخيلائها وإطماعها ولذلك كانت مقدمة في آية الجلد. واعلم أنه سبحانه لما بين حكم الرامي للمحصنات والأزواج على ما ذكرنا وكان في ذلك من الرحمة والنعمة ما لا خفاء فيه، لأنه تعالى جعل باللعان للمرء سبيلاً إلى مراده، ولها سبيلاً إلى دفع العذاب عن نفسها، ولهما السبيل إلى التوبة والإنابة، فلأجل هذا بين تعالى بقوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } عظم نعمه فيما بينه من هذه الأحكام وفيما أمهل وأبقى ومكن من التوبة ولا شبهة في أن في الكلام حذفاً إذ لا بد من جواب إلا أن تركه يدل على أنه أمر عظيم لا يكتنه، ورب مسكوت عنه أبلغ من منطوق به.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاثون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} «أنفسُهم» بالرفع على البدل. ويجوز النصب على الاستثناء، وعلى خبر «يكن». {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ} بالرفع قراءة الكوفيين على الابتداء والخبر؛ أي فشهادة أحدهم التي تزيل عنه حدّ القذف أربع شهادات. وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو «أربعَ» بالنصب؛ لأن معنى «فشهادةُ» أن يشهد؛ والتقدير: فعليهم أن يشهد أحدهم أربعَ شهادات، أو فالأمر أن يشهد أحدهم أربع شهادات؛ ولا خلاف في الثاني أنه منصوب بالشهادة. {وَٱلْخَامِسَةُ} رفع بالابتداء. والخبر «أنّ» وصلتها؛ ومعنى المخففة كمعنى المثقلة لأن معناها أنه. وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة وعاصم في رواية حفص «والخامِسةَ» بالنصب، بمعنى وتشهد الشهادة الخامسة. الباقون بالرفع على الابتداء، والخبر في «أنّ لعنَة اللَّهِ عليهِ»؛ أي والشهادة الخامسة قوله: لعنة الله عليه. الثانية: في سبب نزولها، وهو ما رواه أبو داود عن ابن عباس «حديث : أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبيّ صلى الله عليه وسلم بشَرِيك بن سَحْماء؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «البَيّنَة أو حدٌّ في ظهرك» قال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا رجلاً على امرأته يلتمس البينة! فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «البينةَ وإلا حَدٌّ في ظهرك» فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولَيُنْزِلنّ الله في أمري ما يبرىء ظهري من الحدّ؛ فنزلت {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} فقرأ حتى بلغ «مِن الصادِقِين» تفسير : الحديث بكماله. وقيل: لما نزلت الآية المتقدمة في الذين يرمون المحصنات وتناول ظاهرها الأزواجَ وغيرَهم حديث : قال سعد بن معاذ: يا رسول الله، إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة! والله لأضربنّه بالسيف غير مُصْفح عنه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتعجبون من غَيْرة سعدٍ لأنا أغْيَرُ منه واللَّهُ أغْيَرُ مني»»تفسير : . وفي ألفاظ سعد روايات مختلفة، هذا نحو معناها. ثم جاء من بعد ذلك هلال بن أمية الواقفي فرمى زوجته بِشَريك بن سَحْماء البَلَوِي على ما ذكرنا، وعزم النبيّ صلى الله عليه وسلم على ضربه حدّ القذف؛ فنزلت هذه الآية عند ذلك، فجمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وتلاعنا، فتلكّأت المرأة عند الخامسة لمّا وُعِظت وقيل إنها موجِبة؛ ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم؛ فالْتَعَنَت، وفرّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وولدت غلاماً كأنه جَمَلٌ أوْرَق ـ على النعت المكروه ـ ثم كان الغلام بعد ذلك أميراً بمصر، وهو لا يعرف لنفسه أباً. وجاء أيضاً عُوَيْمِر العَجْلانيّ فرمى امرأته ولاعن. والمشهور أن نازلة هلال كانت قبلُ، وأنها سبب الآية. وقيل: نازلة عُويمر بن أشقر كانت قبلُ؛ وهو حديث صحيح مشهور خرّجه الأئمة. قال أبو عبد الله بن أبي صُفْرة: الصحيح أن القاذف لزوجه عُويمر، وهلال بن أمية خطأ. قال الطبريّ يستنكر قوله في الحديث هلال بن أمية: وإنما القاذف عويمر بن زيد بن الجَدّ بن العَجْلاني، شهد أُحُداً مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، رماها بِشَرِيك بن السَّحْماء، والسَّحماء أمه؛ قيل لها ذلك لسوادها، وهو ابن عبدة بن الجدّ بن العَجْلاني؛ كذلك كان يقول أهل الأخبار. وقيل: «حديث : قرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم على الناس في الخطبة يوم الجمعة {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} فقال عاصم بن عَدِيّ الأنصاري: جعلني الله فداك! لو أن رجلاً منّا وجد على بطن امرأته رجلاً؛ فتكلم فأخبر بما جرى جُلد ثمانين، وسماه المسلمون فاسقاً فلا تقبل شهادته؛ فكيف لأحدنا عند ذلك بأربعة شهداء، وإلى أن يلتمس أربعة شهود فقد فرغ الرجل من حاجته! فقال عليه السلام: «كذلك أنزلت يا عاصم بن عَدِيّ»»تفسير : . فخرج عاصم سامعاً مطيعاً؛ فاستقبله هلال بن أمية يسترجع؛ فقال: ما وراءك؟ فقال: شر! وجدت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خَولة يزني بها؛ وخولة هذه بنت عاصم بن عديّ، كذا في هذا الطريق أن الذي وجد مع امرأته شريكاً هو هلال بن أمية، والصحيح خلافه حسبما تقدم بيانه. قال الكلبي: والأظهر أن الذي وجد مع امرأته شريكاً عُوَيمرٌ العَجْلاني؛ لكثرة ما روي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لاعن بين العَجْلاني وامرأته. واتفقوا على أن هذا الزاني هو شريك بن عبدة وأمه السحماء، وكان عُويمر وخولةُ بنت قيس وشَرِيك بني عم عاصم، وكانت هذه القصة في شعبان سنة تسع من الهجرة، منصرَف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تَبُوك إلى المدينة؛ قاله الطبري. وروى الدَّارَقُطْنِيّ «حديث : عن عبد الله بن جعفر قال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لاعن بين عُويمر العجلاني وامرأته، مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غَزْوة تَبُوك، وأنكر حملها الذي في بطنها وقال هو لابن السَّحْماء؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هاتِ امرأتك فقد نزل القرآن فيكما»؛ فلاعن بينهما بعدالعصر عند المنبر على خَمْل»تفسير : . في طريقه الواقدي عن الضحاك بن عثمان عن عمران بن أبي أنس قال: سمعت عبد الله بن جعفر يقول... فذكره. الثالثة: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} عامّ في كل رَمْي، سواء قال: زنيتِ أو يا زانية أو رأيتها تزني، أو هذا الولد ليس مني؛ فإن الآية مشتملة عليه. ويجب اللّعان إن لم يأت بأربعة شهداء؛ وهذا قول جمهور العلماء وعامّةِ الفقهاء وجماعة أهل الحديث. وقد روي عن مالك مثل ذلك. وكان مالك يقول: لا يلاعن إلا أن يقول: رأيتك تزني؛ أو ينفي حملاً أو ولداً منها. وقول أبي الزِّناد ويحيـى بن سعيد والبَتِّي مثلُ قول مالك: إن الملاعنة لا تجب بالقذف، وإنما تجب بالرؤية أو نفي الحمل مع دعوى الاستبراء؛ هذا هو المشهور عند مالك، وقاله ابن القاسم. والصحيح الأوّل لعموم قوله: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ}. قال ابن العربيّ: وظاهر القرآن يكفي لإيجاب اللعان بمجرد القذف من غير رؤية؛ فلتُعَوِّلوا عليه، لا سيمّا وفي الحديث الصحيح: «حديث : أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «فاذهب فأت بها»» تفسير : ولم يكلفه ذكر الرؤية. وأجمعوا أن الأعمى يلاعن إذا قذف امرأته. ولو كانت الرؤية من شرط اللعان ما لاعن الأعمى؛ قاله ابو عمر. وقد ذكر ابن القصّار عن مالك أن لعان الأعمى لا يصح إلا أن يقول: لمست فرجه في فرجها. والحجة لمالك ومن اتبعه ما رواه أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تِيب عليهم، فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلاً، فرأى بعينه وسمع بأذنه فلم يَهِجْه حتى أصبح، ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاء فوجدت عندهم رجلاً، فرأيت بعيني وسمعت بأذني؛ فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتدّ عليه؛ فنزلت: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} الآية؛ وذكر الحديث. وهو نص على أن الملاعنة التي قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كانت في الرؤية، فلا يجب أن يُتعدَّى ذلك. ومن قذف امرأته ولم يذكر رؤية حدّ؛ لعموم قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ}. الرابعة: إذا نفى الحمل فإنه يلتعن؛ لأنه أقوى من الرؤية ولا بدّ من ذكر عدم الوطء والاستبراء بعده. واختلف علماؤنا في الاستبراء؛ فقال المغيرة ومالك في أحد قوليهما: يجزي في ذلك حَيْضة. وقال مالك أيضاً لا ينفيه إلا بثلاث حِيَض. والصحيح الأوّل؛ لأن براءة الرحم من الشَّغل يقع بها كما في استبراء الأمَة، وإنما راعَيْنا الثلاث حِيَض في العدد لحكم آخر يأتي بيانه في الطلاق إن شاء الله تعالى. وحكى اللَّخْمِيّ عن مالك أنه قال مرة: لا يُنْفَى الولد بالاستبراء؛ لأن الحيض يأتي على الحمل. وبه قال أشهب في كتاب ابن المَوّاز، وقاله المغيرة. وقال: لا يُنْفَى الولد إلا بخمس سنين لأنه أكثر مدة الحمل على ما تقدّم. الخامسة: اللعان عندنا يكون في كل زوجين حرّين كانا أو عبدين، مؤمنَيْن أو كافرين، فاسقَين أو عَدْلَين. وبه قال الشافعيّ. ولا لعان بين الرجل وأَمَته، ولا بينه وبين أمّ ولده. وقيل: لا ينتفي ولد الأمة عنه إلا بيمين واحدة؛ بخلاف اللعان. وقد قيل: إنه إذا نفى ولدَ أم الولد لاعن. والأوّل تحصيل مذهب مالك، وهو الصواب. وقال أبو حنيفة: لا يصح اللعان إلا من زوجين حُرّين مسلمين؛ وذلك لأن اللعان عنده شهادة، وعندنا وعند الشافعيّ يمين، فكلّ من صحت يمينه صح قذفه ولعانه. واتفقوا على أنه لا بد أن يكونا مكلَفَيْن. وفي قوله: «وجد مع امرأته رجلاً». دليل على أن الملاعنة تجب على كل زوجين؛ لأنه لم يخص رجلاً من رجل ولا امرأة من امرأة، ونزلت آية اللعان على هذا الجواب فقال: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} ولم يخص زوجاً من زوج. وإلى هذا ذهب مالك وأهل المدينة؛ وهو قول الشافعيّ وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثَوْر. وأيضاً فإن اللعان يوجب فسخ النكاح فأشبه الطلاق؛ فكل من يجوز طلاقه يجوز لعانه. واللعان أيمان لا شهادات؛ قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: {أية : لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا} تفسير : [المائدة: 107] أي أيماننا. وقال تعالى: {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} تفسير : [المنافقون: 1]. ثم قال تعالى: {أية : ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} تفسير : [المجادلة: 16]. وقال عليه السلام: «حديث : لولا الأيمان لكان لي ولها شأن»تفسير : . وأما ما احتج به الثورِيّ وأبو حنيفة فهي حجج لا تقوم على ساق؛ منها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أربعة ليس بينهم لعان ليس بين الحر والأمة لعان وليس بين الحرة والعبد لعان وليس بين المسلم واليهودية لعان وليس بين المسلم والنصرانية لعان»تفسير : . أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من طرق ضعفها كلَّها. وروي عن الأوزاعي وابن جريج وهما إمامان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قوله، ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. واحتجوا من جهة النظر أن الأزواج لما استثنوا من جملة الشهداء بقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} وجب ألا يلاعن إلا من تجوز شهادته. وأيضاً فلو كانت يميناً ما رُدّدت، والحكمة في ترديدها قيامها في الأعداد مقام الشهود في الزنى. قلنا: هذا يبطل بيمين القَسَامة فإنها تُكَرّر وليست بشهادة إجماعاً؛ والحكمة في تكرارها التغليظ في الفروج والدماء. قال ابن العربي: والفَيْصل في أنها يمين لا شهادة أن الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواه وتخليصه من العذاب، وكيف يجوز لأحد أن يدّعي في الشريعة أن شاهداً يشهد لنفسه بما يوجب حكماً على غيره! هذا بعيد في الأصل معدوم في النظر. السادسة: واختلف العلماء في ملاعنة الأخرس؛ فقال مالك والشافعيّ: يلاعن؛ لأنه ممن يصح طلاقه وظِهاره وإيلاؤه، إذا فُهم ذلك عنه. وقال أبو حنيفة: لا يلاعن؛ لأنه ليس من أهل الشهادة، ولأنه قد ينطق بلسانه فينكر اللعان، فلا يمكننا إقامة الحدّ عليه. وقد تقدم هذا المعنى في سورة «مريم» والدليل عليه، والحمد لله. السابعة: قال ابن العربي: رأى أبو حنيفة عموم الآية فقال: إن الرجل إذا قذف زوجته بالزنى قبل أن يتزوجها فإنه يلاعن؛ ونسي أن ذلك قد تضمّنه قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} وهذا رماها محصنة غير زوجة؛ وإنما يكون اللعان في قذف يلحق فيه النسب، وهذا قذف لا يلحق فيه نسب فلا يوجب لعاناً، كما لو قذف أجنبية. الثامنة: إذا قذفها بعد الطلاق نظرت؛ فإن كان هنالك نسب يريد أن ينقيه أو حَمْل يتبرأ منه لاعن وإلا لم يلاعن. وقال عثمان البَتِّي: لا يلاعن بحال لأنها ليست بزوجة. وقال أبو حنيفة. لا يلاعن في الوجهين؛ لأنها ليست بزوجة. وهذا ينتقض عليه بالقذف قبل الزوجية كما ذكرناه آنفاً، بل هذا أولى؛ لأن النكاح قد تقدم وهو يريد الانتفاء من النسب وتبرئته من ولد يُلحق به فلا بُدّ من اللعان. وإذا لم يكن هنالك حمل يرجى ولا نسب يخاف تعلقه لم يكن للعان فائدة فلم يحكم به، وكان قذفاً مطلقاً داخلاً تحت عموم قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} الآية، فوجب عليه الحدّ وبطل ما قاله البَتِّي لظهور فساده. التاسعة: لا ملاعنة بين الرجل وزوجته بعد انقضاء العدّة إلا في مسألة واحدة، وهي أن يكون الرجل غائباً فتأتي امرأته بولد في مغيبه وهو لا يعلم فيطلّقها فتنقضي عدّتها، ثم يَقْدَم فينفيه فله أن يلاعنها هاهنا بعد العدّة. وكذلك لو قدم بعد وفاتها ونفى الولد لاعن لنفسه وهي ميتة بعد مدّة من العدّة، ويرثها لأنها ماتت قبل وقوع الفرقة بينهما. العاشرة: إذا انتفى من الحمل ووقع ذلك بشرطه لاعن قبل الوضع؛ وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يلاعن إلا بعد أن تضع، لأنه يحتمل أن يكون ريحاً أو داء من الأدواء. ودليلنا النص الصريح بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لاعن قبل الوضع، وقال: «حديث : إن جاءت به كذا فهو لأبيه وإن جاءت به كذا فهو لفلان» تفسير : فجاءت به على النعت المكروه. الحادية عشرة: إذا قذف بالوطء في الدبر (لزوجه) لاعن. وقال أبو حنيفة: لا يلاعن؛ وبناه على أصله في أن اللواط لا يوجب الحدّ. وهذا فاسد؛ لأن الرمي به معرّة وقد دخل تحت عموم قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} وقد تقدم في «الأعراف، والمؤمنون» أنه يجب به الحدّ. الثانية عشرة: قال ابن العربي: من غريب أمر هذا الرجل أنه (قال) إذا قذف زوجته وأمّها بالزنى: إنه إن حدّ للأم سقط حدّ البنت، وإن لاعن للبنت لم يسقط حدّ الأم؛ وهذا لا وجه له، وما رأيت لهم (فيه) شيئاً يُحكى، وهذا باطل جداً؛ فإنه خص عموم الآية في البنت وهي زوجة بحد الأم من غير أثر ولا أصل قاسه عليه. الثالثة عشرة: إذا قذف زوجته ثم زنت قبل التعانه فلا حدّ ولا لعان. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعيّ وأكثر أهل العلم. وقال الثوري والمُزَنِيّ: لا يسقط الحدّ عن القاذف، وزِنَى المقذوفِ بعد أن قُذف لا يقدح في حصانته المتقدمة ولا يرفعها؛ لأن الاعتبار الحصانةُ والعفة في حال القذف لا بعده. كما لو قذف مسلماً فارتد المقذوف بعد القذف وقبل أن يحدّ القاذف لم يسقط الحدّ عنه. وأيضاً فإن الحدود كلّها معتبرة بوقت الوجوب لا وقت الإقامة. ودليلنا هو أنه قد ظهر قبل استيفاء اللعان والحدّ معنًى لو كان موجوداً في الابتداء منع صحة اللعان ووجوب الحدّ، فكذلك إذا طرأ في الثاني؛ كما إذا شهد شاهدان ظاهرهما العدالة فلم يحكم الحاكم بشهادتهما حتى ظهر فسقهما بأن زنيا أو شربا خمراً فلم يجز للحاكم أن يحكم بشهادتهما تلك. وأيضاً فإن الحكم بالعفة والإحصان يؤخذ من طريق الظاهر لا من حيث القطع واليقين، وقد قال عليه السلام: «حديث : ظَهْرُ المؤمن حِمًى»تفسير : ؛ فلا يحدّ القاذف إلا بدليل قاطع، وبالله التوفيق. الرابعة عشرة: من قذف امرأته وهي كبيرة لا تحمل تلاعنا؛ هو لدفع الحدّ، وهي لدرء العذاب. فإن كانت صغيرة لا تحمل لاعن هو لدفع الحدّ ولم تلاعن هي لأنها لو أقرّت لم يلزمها شيء. وقال ابن الماجِشُون: لا حدّ على قاذف مَن لم تبلغ. قال اللَّخْمِيّ: فعلى هذا لا لعان على زوج الصغيرة التي لا تحمل. الخامسة عشرة: إذا شهد أربعة على امرأة بالزنى أحدهم زوجها فإن الزوج يلاعن وتُحَدّ الشهود الثلاثة؛ وهو أحد قولي الشافعيّ. والقول الثاني أنهم لا يحدّون. وقال أبو حنيفة: إذا شهد الزوج والثلاثة ابتداءً قبلت شهادتهم وحُدّت المرأة. ودليلنا قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} الآية. فأخبر أن من قذف محصناً ولم يأت بأربعة شهداء حُدّ؛ فظاهره يقتضي أن يأتي بأربعة شهداء سوى الرامي، والزوج رامٍ لزوجته فخرج عن أن يكون أحد الشهود. والله أعلم. السادسة عشرة: إذا ظهر بامرأته حمل فترك أن ينفِيَه لم يكن له نَفْيه بعد سكوته. وقال شُريح ومجاهد: له أن ينفيه أبداً. وهذا خطأ؛ لأن سكوته بعد العلم به رِضًى به؛ كما لو أقرّ به ثم ينفيه فإنه لا يُقبل منه، والله أعلم. السابعة عشرة: فإن أخّر ذلك إلى أن وضعت وقال: رجوت أن يكون رِيحاً يَنْفَشّ أو تسقطه فأستريح من القذف؛ فهل لنَفْيِه بعد وضعه مدّة ما فإذا تجاوزها لم يكن له ذلك؛ فقد اختلف في ذلك، فنحن نقول: إذا لم يكن له عذر في سكوته حتى مضت ثلاثة أيام فهو راضٍ به ليس له نفيه؛ وبهذا قال الشافعي. وقال أيضاً: متى أمكنه نفيه على ما جرت به العادة من تمكنه من الحاكم فلم يفعل لم يكن له نفيه من بعد ذلك. وقال أبو حنيفة: لا أعتبر مدّة. وقال أبو يوسف ومحمد: يعتبر فيه أربعون يوماً، مدّة النفاس. قال ابن القَصّار: والدليل لقولنا هو أن نفي ولده محرّم عليه، واستلحاق ولد ليس منه محرّم عليه، فلا بدّ أن يوسّع عليه لكي ينظر فيه ويفكّر، هل يجوز له نفيه أو لا. وإنما جعلنا الحدّ ثلاثة لأنه أوّل حدّ الكثرة وآخر حدّ القلة، وقد جعلت ثلاثة أيام يختبر بها حال المُصَرّاة؛ فكذلك ينبغي أن يكون هنا. وأما أبو يوسف ومحمد فليس اعتبارهم بأولى من اعتبار مدّة الولادة والرضاع؛ إذ لا شاهد لهم في الشريعة، وقد ذكرنا نحن شاهداً في الشريعة من مدّة المُصَرّاة. الثامنة عشرة: قال ابن القصار: إذا قالت امرأة لزوجها أو لأجنبيّ يا زانيه ـ بالهاء ـ وكذلك الأجنبي لأجنبي، فلست أعرف فيه نصًّا لأصحابنا، ولكنه عندي يكون قذفاً وعلى قائله الحدّ، وقد زاد حرفاً؛ وبه قال الشافعيّ ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يكون قذفاً، واتفقوا أنه إذا قال لامرأته يا زان أنه قذف. والدليل على أنه يكون في الرجل قذفاً هو أن الخطاب إذا فهم منه معناه ثبت حكمه، سواء كان بلفظ أعجمي أو عربي. ألا ترى أنه إذا قال للمرأة زنيتَ (بفتح التاء) كان قذفاً؛ لأن معناه يفهم منه. ولأبي حنيفة وأبي يوسف أنه لما جاز أن يُخاطَب المؤنث بخطاب المذكر لقوله تعالى: {أية : وَقَالَ نِسْوَةٌ} تفسير : [يوسف: 30] صلح أن يكون قوله يا زان للمؤنث قذفاً. ولمّا لم يجز أن يؤنث فعل المذكر إذا تقدم عليه لم يكن لخطابه بالمؤنث حكم، والله أعلم. التاسعة عشرة: يلاعن في النكاح الفاسد زوجتَه لأنها صارت فراشاً ويلحق النسب فيه فجرى اللعان عليه. الموفية عشرين: اختلفوا في الزوج إذا أبى من الالتعان؛ فقال أبو حنيفة: لا حدّ عليه؛ لأن الله تعالى جعل على الأجنبي الحدّ وعلى الزوج اللّعان، فلما لم ينتقل اللعان إلى الأجنبي لم ينتقل الحدّ إلى الزوج، ويسجن أبداً حتى يلاعن لأن الحدود لا تؤخر قياساً. وقال مالك والشافعيّ وجمهور الفقهاء: إن لم يلتعن الزوج حدّ؛ لأن اللعان له براءة كالشهود للأجنبيّ، فإن لم يأت الأجنبي بأربعة شهداء حدّ، فكذلك الزوج إن لم يلتعن. وفي حديث العَجْلانِيّ مايدل على هذا؛ لقوله: إن سكَتُّ سكتُّ على غيظ وإن قَتلتُ قُتلت وإن نطقْتُ جُلدت. الحادية والعشرون: واختلفوا أيضاً هل للزوج أن يلاعن مع شهوده؛ فقال مالك والشافعيّ: يلاعن كان له شهود أو لم يكن؛ لأن الشهود ليس لهم عمل في غير درء الحدّ، وأما رفع الفراش ونفي الولد فلا بدّ فيه من اللعان. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إنما جعل اللعان للزوج إذا لم يكن له شهود غير نفسه؛ لقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ}. الثانية والعشرون: البداءة في اللعان بما بدأ الله به، وهو الزوج؛ وفائدته دَرْء الحدّ عنه ونفي النسب منه؛ لقوله عليه السلام: «حديث : البينةَ وإلا حَدٌّ في ظهرك»تفسير : . ولو بُدىء بالمرأة قبله لم يَجْز؛ لأنه عكس ما رتّبه الله تعالى. وقال أبو حنيفة: يجزي. وهذا باطل؛ لأنه خلاف القرآن، وليس له أصل يرده إليه ولا معنًى يقوَّى به، بل المعنى لنا؛ لأن المرأة إذا بدأت باللعان فتنفي ما لم يُثبت وهذا لا وجه له. الثالثة والعشرون: وكيفية اللعان أن يقول الحاكم للملاعن: قل أشهد بالله لرأيتها تزني ورأيت فرج الزاني في فرجها كالمِرْود في المكحلة وما وطئتها بعد رؤيتي. وإن شئت قلت: لقد زنت وما وطئتها بعد زناها. يردّد ما شاء من هذين اللفظين أربع مرات، فإن نَكَل عن هذه الأيمان أو عن شيء منها حُدّ. وإذا نفى حملاً قال: أشهد بالله لقد استبرأتها وما وطئتها بعدُ، وما هذا الحمل مني؛ ويشير إليه؛ فيحلف بذلك أربع مرات ويقول في كل يمين منها: وإني لمن الصادقين في قولي هذا عليها. ثم يقول في الخامسة «عليّ لعنةُ اللَّهِ إنْ كُنْتُ من الكاذبين». وإن شاء قال: إن كنت كاذباً فيما ذكرت عنها. فإذا قال ذلك سقط عنه الحدّ وانتفى عنه الولد. فإذا فرغ الرجل من التعانه قامت المرأة بعده فحلفت بالله أربعة أيمان، تقول فيها: أشهد بالله إنه لكاذب، أو إنه لمن الكاذبين فيما ادعاه عليّ وذكر عني. وإن كانت حاملاً قالت: وإن حملي هذا منه. ثم تقول في الخامسة: وعليّ غضب الله إن كان صادقاً، أو إن كان من الصادقين في قوله ذلك. ومَن أوجب اللعان بالقذف يقول في كل شهادة من الأربع: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به فلانة من الزنى. ويقول في الخامسة: عليّ لعنة الله إن كنت كاذباً فيما رميتها به من الزنى. وتقول هي: أشهد بالله إنه لكاذب فيما رماني به من الزنى. وتقول في الخامسة: عليّ غضب الله إن كان صادقاً فيما رماني به من الزنى. وقال الشافعيّ: يقول الملاعن أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجي فلانة بنت فلان، ويشير إليها إن كانت حاضرة، يقول ذلك أربع مرات، ثم يوعظه الإمام ويذكّره الله تعالى ويقول: إني أخاف إن لم تكن صدقت أن تبوء بلعنة الله؛ فإن رآه يريد أن يمضي على ذلك أمر من يضع يده على فيه، ويقول: إن قولك وعليّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين موجِباً؛ فإن أبى تركه يقول ذلك: لعنة الله عليّ إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة من الزنى. احتج بما رواه أبو داود عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً حيث أمر المتلاعنَيْن أن يضع يده على فيه عند الخامسة يقول: إنها موجِبة. الرابعة والعشرون: اختلف العلماء في حكم من قذف امرأته برجل سمّاه، هل يحدّ أم لا؛ فقال مالك: عليه اللعان لزوجته، وحُدّ للمرميّ. وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه قاذف لمن لم يكن له ضرورة إلى قذفه. وقال الشافعي؛ لا حدّ عليه؛ لأن الله عز وجل لم يجعل على من رمى زوجته بالزنى إلا حدّاً واحداً بقوله: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ}، ولم يفرق بين مَن ذكر رجلاً بعينه وبين من لم يذكر؛ وقد رمى العَجْلانِيُّ زوجته بشَريك وكذلك هلال بن أمية؛ فلم يحدّ واحد منهما. قال ابن العربي: وظاهر القرآن لنا؛ لأن الله تعالى وضع الحدّ في قذف الأجنبي والزوجة مطلقَيْن، ثم خص حدّ الزوجة بالخلاص باللعان وبقي الأجنبيّ على مطلق الآية. وإنما لم يُحَدّ العجلانِيُّ لشريك ولا هلالٌ لأنه لم يطلبه؛ وحدّ القذف لا يقيمه الإمام إلا بعد المطالبة إجماعاً منا ومنه. الخامسة والعشرون: إذا فرغ المتلاعنان من تلاعنهما جميعاً تفرّقا وخرج كل واحد منهما على باب من المسجد الجامع غير الباب الذي يخرج منه صاحبه، ولو خرجا من باب واحد لم يضر ذلك لعانَهما. ولا خلاف في أنه لا يكون اللعان إلا في مسجد جامع تجمع فيه الجمعة بحضرة السلطان أو من يقوم مقامه من الحكام. وقد استحب جماعة من أهل العلم أن يكون اللعان في الجامع بعد العصر. وتلتعن النصرانية من زوجها المسلم في الموضع الذي تعظّمه من كنيستها بمثل ما تلتعن به المسلمة. السادسة والعشرون: قال مالك وأصحابه: وبتمام اللعان تقع الفرقة بين المتلاعنَيْن، فلا يجتمعان أبداً ولا يتوارثان، ولا يحل له مراجعتها أبداً لا قبل زوج ولا بعده؛ وهو قول اللّيث بن سعد وزُفَرَ بن الهُذَيل والأوزاعِيّ. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن: لا تقع الفرقة بعد فراغهما من اللعان حتى يفرّق الحاكم بينهما؛ وهو قول الثوري؛ لقول ابن عمر: فرّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنَيْن؛ فأضاف الفرقة إليه، ولقوله عليه السلام: «حديث : لا سبيل لك عليها»تفسير : . وقال الشافعيّ: إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان فقد زال فراش امرأته، الْتَعنت أو لم تلتعن. قال: وأما التعان المرأة فإنما هو لدرء الحدّ عنها لا غير؛ وليس لالتعانها في زوال الفراش معنًى. ولما كان لعان الزوج ينفي الولد ويسقط الحدّ رُفع الفراش. وكان عثمان الْبَتِّي لا يرى التلاعن ينقص شيئاً من عصمة الزوجين حتى يطلّق. وهذا قول لم يتقدمه إليه أحد من الصحابة؛ على أن البَتِّي قد استحب للملاعن أن يطلّق بعد اللعان، ولم يستحسنه قبل ذلك؛ فدلّ على أن اللعان عنده قد أحدث حكماً. وبقول عثمان قال جابر بن زيد فيما ذكره الطبري، وحكاه اللَّخْمِيّ عن محمد بن أبي صُفْرة. ومشهور المذهب أن نفس تمام اللعان بينهما فرقة. واحتج أهل هذه المقالة بأنه ليس في كتاب الله تعالى إذا لاعن أو لاعنت يجب وقوع الفرقة، وبقول عُوَيْمِر: كذبتُ عليها إن أمسكتُها؛ فطلّقها ثلاثاً، قال: ولم ينكر النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك عليه ولم يقل له لم قلت هذا، وأنت لا تحتاج إليه؛ لأن باللعان قد طلقت. والحجة لمالك في المشهور ومن وافقه قولُه عليه السلام «حديث : لا سبيل لك عليها»تفسير : . وهذا إعلام منه أن تمام اللعان رفع سبيله عليها وليس تفريقه بينهما باستئناف حكم، وإنما كان تنفيذاً لما أوجب الله تعالى بينهما من المباعدة، وهو معنى اللعان في اللغة. السابعة والعشرون: ذهب الجمهور من العلماء أن المتلاعنَيْن لا يتناكحان أبداً، فإن أكذب نفسه جلد الحدّ ولحق به الولد، ولم ترجع إليه أبداً. وعلى هذا السنةُ التي لا شك فيها ولا اختلاف. وذكر ابن المنذر عن عطاء أن الملاعن إذا أكذب نفسه بعد اللعان لم يحدّ، وقال: قد تفرقا بلعنة من الله. وقال أبو حنيفة ومحمد: إذا أكذب نفسه جلد الحدّ ولحق به الولد، وكان خاطباً من الخطاب إن شاء؛ وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وسعيد بن جبير وعبد العزيز بن أبي سلمة. وقالوا: يعود النكاح حلالاً كما لحق به الولد؛ لأنه لا فرق بين شيء من ذلك. وحجة الجماعة قوله عليه السلام: «حديث : لا سبيل لك عليها»تفسير : ؛ ولم يقل إلا أن تكذب نفسك. وروى ابن إسحاق وجماعة عن الزهري قال: فمضت السنة أنهما إذا تلاعنا فُرّق بينهما فلا يجتمعان أبداً. ورواه الدَّارَقُطْنِيّ، ورواه مرفوعاً من حديث سعيد بن جبير عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : المتلاعنان إذا افترقا لا يجتمعان أبداً» تفسير : وروي عن عليّ وعبد الله قالا: مضت السنة ألا يجتمع المتلاعنان. عن عليّ: أبداً. الثامنة والعشرون: اللعان يفتقر إلى أربعة أشياء: عدد الألفاظ: وهو أربع شهادات على ما تقدم. والمكان: وهو أن يقصد به أشرف البقاع بالبلدان، إن كان بمكة فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان ببيت المقدس فعند الصخرة، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها، وإن كانا كافرَيْن بُعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه، إن كانا يهوديين فالكنيسة، وإن كانا مجوسيين ففي بيت النار، وإن كانا لا دين لهما مثل الوثنيين فإنه يلاعن بينهما في مجلس حكمه. والوقت: وذلك بعد صلاة العصر. وجمع الناس: وذلك أن يكون هناك أربع أنفس فصاعداً؛ فاللفظ وجمع الناس مشروطان، والزمان والمكان مستحبان. التاسعة والعشرون: من قال: إن الفراق لا يقع إلا بتمام التعانهما، فعليه لو مات أحدهما قبل تمامه ورثه الآخر. ومن قال: لا يقع إلا بتفريق الإمام فمات أحدهما قبل ذلك وتمام اللعان ورثه الآخر. وعلى قول الشافعيّ: إن مات أحدهما قبل أن تلتعن المرأة لم يتوارثا. الموفية ثلاثين: قال ابن القَصّار: تفريق اللعان عندنا ليس بفسخ؛ وهو مذهب المدوّنة: فإن اللعان حكم تفريقه حكم تفريق الطلاق، ويعطَى لغير المدخول بها نصف الصداق. وفي مختصر ابن الجَلاّب: لا شيء لها؛ وهذا على أن تفريق اللعان فسخ.
ابن كثير
تفسير : هذه الآية الكريمة فيها فرج للأزواج، وزيادة مخرج، إذا قذف أحدهم زوجته، وتعسر عليه إقامة البينة، أن يلاعنها؛ كما أمر الله عز وجل، وهو أن يحضرها إلى الإمام، فيدعي عليها بما رماها به، فيحلفه الحاكم أربع شهادات بالله، في مقابلة أربعة شهداء: {إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ}، أي: فيما رماها به من الزنا {وَٱلْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ} فإذا قال ذلك، بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحرمت عليه أبداً، ويعطيها مهرها، ويتوجب عليها حد الزنا،ولا يدرأ عنهاالعذاب إلا أن تلاعن فتشهد أربع شهادات بالله: إنه لمن الكاذبين، أي: فيما رماها به {وَٱلْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} ولهذا قال: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ} يعني: الحد {أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ وَٱلْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} فخصها بالغضب، كما أن الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة أهله ورميها بالزنا، إلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صدقه فيما رماها به، ولهذا كانت الخامسة في حقها: أن غضب الله عليها، والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق، ثم يحيد عنه. ثم ذكر تعالى رأفته بخلقه ولطفه بهم فيما شرع لهم من الفرج والمخرج من شدة ما يكون بهم من الضيق، فقال تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} أي: لحرجتم، ولشق عليكم كثير من أموركم، {وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ} أي: على عباده، وإن كان ذلك بعد الحلف والأيمان المغلظة {حَكِيمٌ} فيما يشرعه ويأمر به، وفيما ينهى عنه، وقد وردت الأحاديث بمقتضى العمل بهذه الآية، وذكر سبب نزولها، وفيمن نزلت فيه من الصحابة. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} قال سعد بن عبادة، وهو سيد الأنصار رضي الله عنه: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟» تفسير : فقالوا: يا رسول الله لا تلمه، فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكراً، وما طلق امرأة له قط، فاجترأ رجل منا أن يتزوجها؛ من شدة غيرته. فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق، وأنها من الله، ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعاً قد تفخذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فو الله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته، قال: فما لبثوا إلا يسيراً حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء من أرضه عشاء، فوجد عند أهله رجلاً، فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فلم يهيجه حتى أصبح، فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني جئت على أهلي عشاء، فوجدت عندها رجلاً، فرأيت بعيني، وسمعت بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به، واشتد عليه، واجتمعت عليه الأنصار، وقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة، الآن يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم هلال بن أمية، ويبطل شهادته في الناس، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجاً. وقال هلال: يا رسول الله فإني قد أرى ما اشتد عليك؛ مما جئت به، والله يعلم إني لصادق. فو الله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه، إذ أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم الوحي، وكان إذا أنزل عليه الوحي، عرفوا ذلك في تربد وجهه، يعني: فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي، فنزلت: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَٰجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـٰدَاتٍ بِٱللَّهِ} الآية، فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجاً ومخرجاً» تفسير : فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي عز وجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أرسلوا إليها»تفسير : فأرسلوا إليها، فجاءت، فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما، فذكرهما، وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فقال هلال: والله يا رسول الله لقد صدقت عليها، فقالت: كذب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لاعنوا بينهما» تفسير : فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كان في الخامسة، قيل له: يا هلال اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا يعذبني الله عليها؛ كما لم يجلدني عليها، فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل للمرأة: اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة: اتقي الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة، وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها، فعليه الحد، وقضى أن لا بيت لها عليه، ولا قوت لها من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها، وقال: «حديث : إن جاءت به أصيهب أريسح حمش الساقين، فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعداً جمالياً خدلج الساقين سابغ الأليتين، فهو للذي رميت به» تفسير : فجاءت به أورق جعداً جمالياً خدلج الساقين سابغ الأليتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» تفسير : قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميراً على مصر، وكان يدعى لأمه ولا يدعى لأب. ورواه أبو داود عن الحسن بن علي عن يزيد بن هارون به نحوه مختصراً. ولهذا الحديث شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة، فمنها ما قال البخاري: حدثني محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي عن هشام بن حسان، حدثني عكرمة عن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : البينة، أوحد في ظهرك» تفسير : فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً، ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : البينة وإلا حد في ظهرك» تفسير : فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَٰجَهُمْ} ــــ فقرأ حتى بلغ ــــ {إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما، فجاء هلال، فشهد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» تفسير : ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة، وقَّفوها وقالوا: إنها موجبة، قال ابن عباس: فتلكأت، ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أبصروها فان جاءت به أكحل العينين، سابغ الآليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء» تفسير : فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي و لها شأن» تفسير : انفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه من غير وجه عن ابن عباس و غيره. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الزيادي، حدثنا يونس بن محمد، حدثا صالح وهو ابن عمر، حدثنا عاصم ــــ يعني: ابن كليب ــــ عن أبيه، حدثني ابن عباس قال: جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى أمرأته برجل، فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل يردده حتى أنزل الله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَٰجَهُمْ} فقرأ حتى فرغ من الآيتين، فأرسل إليهما فدعاهما، فقال: «حديث : إن الله تعالى قد أنزل فيكما» تفسير : فدعا الرجل، فقرأ عليه، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم أمر به، فأمسك على فيه، فوعظه، فقال له: «حديث : كل شيء أهون عليه من لعنة الله ثم أرسله فقال: {لَعْنَةَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ}» تفسير : ، ثم دعاها فقرأ عليها، فشهدت أربع شهادات بالله إنه من الكاذبين، ثم أمر بها، فأمسك على فيها فوعظها وقال: «حديث : ويحك كل شيء أهون من غضب الله» تفسير : ثم أرسلها فقالت: {غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ}. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أما والله لأقضين بينكما قضاء فصلاً»تفسير : قال: فولدت، فما رأيت مولوداً بالمدينة أكثر غاشيةً منه، فقال: «حديث : إن جاءت به لكذا وكذا فهو لكذا، وإن جاءت به لكذا وكذا فهو لكذا» تفسير : فجاءت به يشبه الذي قُذفت به. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان قال: سمعت سعيد بن جبير قال: سئلت عن المتلاعنين: أيفرق بينهما؟ في إمارة ابن الزبير، فما دريت ما أقول، فقمت من مكاني إلى منزل ابن عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، المتلاعنان أيفرق بينهما؟ فقال: سبحان الله إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان، فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل يرى امرأته على فاحشة، فإن تكلم، تكلم بأمر عظيم، وإن سكت، سكت على مثل ذلك، فسكت فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك، أتاه فقال: الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فأنزل الله تعالى هذه الآيات في سورة النور: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَٰجَهُمْ} حتى بلغ: {أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} فبدأ بالرجل فوعظه وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقال: والذي بعثك بالحق ما كذبتك، ثم ثنى بالمرأة، فوعظها وذكرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقالت المرأة: والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، قال: فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما، رواه النسائي في التفسير من حديث عبد الملك بن أبي سليمان به، وأخرجاه في "الصحيحين" من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: كنا جلوساً عشية الجمعة في المسجد، فقال رجل من الأنصار: أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلاً، إن قتله، قتلتموه، وإن تكلم، جلدتموه، وإن سكت، سكت على غيظ، والله لئن أصبحت صالحاً، لأسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فسأله، فقال: يا رسول الله إن أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلاً إن فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ، اللهم احكم، قال: فأنزلت آية اللعان، فكان ذلك الرجل أول من ابتلي به. انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من طرق عن سليمان بن مهران الأعمش به. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو كامل، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي، فقال له: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلاً وجد رجلاً مع امرأته، فقتله، أيقتل به، أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل، قال: فلقيه عويمر، فقال: ما صنعت؟ قال: ما صنعت؟ إنك لم تأتني بخير، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب المسائل، فقال عويمر: والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأسألنه. فأتاه فوجده قد أنزل عليه فيهما، قال: فدعا بهما، فلاعن بينهما. قال عويمر: لئن انطلقت بها يا رسول الله لقد كذبت عليها. قال: ففارقها قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت سنة المتلاعنين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أبصروها، فإن جاءت به أسحم أدعج العينين، عظيم الأليتين، فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة، فلا أراه إلا كاذباً» تفسير : فجاءت به على النعت المكروه. أخرجاه في "الصحيحين"، وبقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عن الزهري به، فقال: حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع، حدثنا فليح عن الزهري عن سهل بن سعد: أن رجلاً أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت رجلاً رأى مع امرأته رجلاً، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل، فأنزل الله فيهما ما ذكر في القرآن من التلاعن، فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم «حديث : قد قضى فيك وفي امرأتك» تفسير : قال: فتلاعنا، وأنا شاهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ففارقها، فكانت سنة أن يفرق بين المتلاعنين، وكانت حاملاً فأنكر حملها، وكان ابنها يدعى إليها، ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها. وقال الحافظ أبوبكر البزار: حدثنا إسحاق بن الضيف، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن زيد بن يُثَيْع عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «حديث : لو رأيت مع أم رومان رجلاً، ما كنت فاعلاً به؟» تفسير : قال: كنت والله فاعلاً به شراً، قال: «حديث : فأنت يا عمر؟» تفسير : قال: كنت والله فاعلاً، كنت أقول: لعن الله الأعجز، فإنه خبيث. قال: فنزلت: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَٰجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} ثم قال: لا نعلم أحداً أسنده إلا النضر بن شميل عن يونس بن إسحاق، ثم رواه من حديث الثوري عن ابن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع مرسلاً، فالله أعلم. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدثنا مخلد بن الحسين عن هشام عن ابن سيرين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لأول لعان كان في الإسلام: أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته، فرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أربعة شهود، وإلا فحد في ظهرك» تفسير : فقال: يا رسول الله إن الله يعلم إني لصادق، ولينزلن الله عليك ما يبرىء به ظهري من الجلد، فأنزل الله آية اللعان: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَٰجَهُمْ} إلى آخر الآية، قال: فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : اشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا» تفسير : فشهد بذلك أربع شهادات، ثم قال له في الخامسة: «حديث : ولعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا» تفسير : ففعل، ثم دعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : قومي فاشهدي بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماك به من الزنا» تفسير : فشهدت بذلك أربع شهادات، ثم قال لها في الخامسة: «حديث : وغضب الله عليك إن كان من الصادقين فيما رماك به من الزنا» تفسير : قال: فلما كانت الرابعة أو الخامسة، سكتت سكتة حتى ظنوا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت على القول، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقال: «حديث : انظروه فإن جاءت به جعداً حمش الساقين، فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به أبيض سبطاً قضيء العينين، فهو لهلال بن أمية» تفسير : فجاءت به آدم جعداً حمش الساقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لولا ما نزل فيهما من كتاب الله، لكان لي ولها شأن».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوٰجَهُمْ } بالزنا {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاءُ } عليه {إِلاَّ أَنفُسُهُمْ } وقع ذلك لجماعة من الصحابة {فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمْ } مبتدأ {أَرْبَعُ شَهَٰدَاتٍ } نصب على المصدر {بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ } فيما رمى به زوجته من الزنا.
الماوردي
تفسير : قوله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} يعني بالزنى. {وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ} يعني يشهدون بالزنى إلى أنفسهم وهذا حكم خص الله به الأزواج في قذف نسائهم ليلاعنوا فيذهب حد القذف عنهم. وفي سبب ذلك قولان: أحدهما: ما رواه عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء فوجدت رجلاً مع أهلي رأيت بعيني بأذني فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أتاه به وثقل عليه حتى أنزل الله فيه هذه الآية. الثاني: ما رواه الأوزاعي عن الزهري عن سهل بن سعد عويمر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله رجل وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ فأنزل الله هذه الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ القُرْآنَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ" تفسير : فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملاعنة فلاعنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : انظرواْ فَإِنْ جَاءتْ بِهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ العَينَينِ عَظِيمَ الأَلِيَتِينِ خَدْلَجَ السَّاقِينِ فَلاَ أَحْسَبُ عُوَيمِراً إِلاَّ قَدْ صَدَقَ عَلَيهَا، وَإنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيمِرَ كَأَنَّهُ وَحْرَةٌ فَلاَ أَرَاهُ إِلاَّ كَاذباً"تفسير : فجاءت به على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في تصديق عويمر وكان بعد ينسب إلى أمه، قال سعيد بن جبير: ولقد صار أميراً بمصر وإنه ينسب إلى غير أب. فإذا قذف الرجل زوجته بالزنى كان له اللعان منها إن شاء، وإن لم يكن ذلك لقاذف سواه، لأن الزوج لنفي نسب ليس منه ورفع فراش قد عرّه مضطر إلى لعانها دون غيره، فإذا أراد ذلك لاعن بينهما حاكم نافذ الحكم في الجامع على المنبر أو عنده، ويبدأ بالزوج وهي حاضرة فيقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما قذفت به زوجتي هذه من الزنى بفلان إذا ذكره في قذفه، وإن لم يذكره في لعانه كان لعانه نافذاً. وإن أراد نفي ولدها قال: إن هذا الولد من زنى ما هو مني فإذا أكمل ما وصفنا أعاده أربعاً كما قال الله تعالى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِم أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} والشهادة هنا يمين عبر عنها بلفظ الشهادة في قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة هي شهادة فرد بها لعان الكافر والمملوك ولو كانت شهادة ما جاز أن تشهد لنفسها وبلعنها، والعرب تسمي الحلف بالله تعالى شهادة كما قال قيس بن الملوح: شعر : وأشهَدُ عِنْدَ اللَّه أنِّي أُحِبُّها فهذَا لَهَا عِندي فَمَا عِنْدَها لِيا تفسير : أي أحلف بالله فيما وصفتها من الزنى، وهو تأويل قوله: {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} فإذا أكمل الخامسة فقد أكمل لعانه، فتلاعن هي بعده على المنبر أو عنده فتقول وهو حاضر: أشهد بالله أن زوجي فلاناً هذا من الكاذبين فيما رماني به من الزنى وأن هذا - إن كان الزوج قد نفى في لعانه ولده منها - ما هو من زنى، تقول كذلك أربعاً، وهو تأويل قوله تعالى: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ} أي يدفع، وفي هذا العذاب قولان: أحدهما: أنه الحد، وهو مذهب مالك، والشافعي. الثاني: أنه الحبس، وهو مذهب أبي حنيفة. {أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ باللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الكَاذِبِينَ} ثم تقول في الخامسة وأن عليّ غضب الله إن كان زوجي من الصادقين فيما رماني به من الزنى وهو تأويل قوله تعالى: {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللَّه عَلَيَهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} والغضب في لعانها بدلاً من اللعنة في لعان زوجها، وإذا تم اللعان وقعت الفرقة المؤبدة بينهما، وبماذا تقع؟ فيه أربعة أقاويل: أحدها: بلعان الزوج وحده وهو مذهب الشافعي. الثاني: بلعانهما معاً، وهو مذهب مالك. الثالث: بلعانهما وتفريق الحاكم بينهما، وهو مذهب أبي حنيفة. والرابع: بالطلاق الذي يوقعه الزوج بعد اللعان، وهو مذهب أحمد بن حنبل ثم حرمت عليه أبداً. واختلفوا في إحلالها له إن أكذب بعد اللعان نفسه على قولين: أحدهما: تحل، وهو مذهب أبي حنيفة. والثاني: لا تحل، وهو مذهب مالك والشافعي. وإذا نفى الزوج الولد باللعان لحق بها دونه، فإن أكذب نفسه لحق به الولد حياً أو ميتاً، وألحقه أبو حنيفة به في الحياة دون الموت. قوله تعالى: {وَلَولاَ فَضْلُ اللَّه عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ} في فضل الله ورحمته هنا وجهان: أحدهما: أن فضل الله الإسلام ورحمته القرآن، قاله يحيى بن سلام. الثاني: أن فضل الله منه، ورحمته نعمته، قاله السدي. وفي الكلام محذوف اختلف فيه على قولين: أحدهما: أن تقديره: لولا فضل الله عليكم ورحمته بإمهاله حتى تتوبوا لهلكتم. الثاني: تقديره: لولا فضل الله عليكم ورحمته بكم لنال الكاذب منكم عذابٌ عظيم. {وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} فيكون المحذوف على القول الأول الجواب وبعض الشرط، وعلى الثاني الجواب وحده بعد استيفاء الشرط.
ابن عطية
تفسير : لما نزلت الآية المتقدمة في {أية : الذين يرمون} تفسير : [النور: 4] تناول ظاهرها الأَزواج وغيرهن، فقال سعد بن عبادة يا رسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة والله لأضربنه بالسيف غير مصفح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني"تفسير : ، وفي ألفاظ سعد روايات مختلفة هذا نحو معناها، ثم جاء بعد ذلك هلال بن أمية الواقفي فرمى زوجته بشريك ابن سحماء البلوي، فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضربه حد القذف، فنزلت هذه الآية عند ذلك فجمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، وتلاعنا فتلكأت المرأة عند الخامسة لما وعظت، وقيل إنها موجبة ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم ولجت، وفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وولدت غلاماً كأنه جمل أورق ثم كان بعد ذلك الغلام أميراً بمصر وهو لا يعرف لنفسه أباً. ثم جاءه أيضاً عويمر العجلاني فرمى امرأته ولاعن. والمشهور أن نازلة هلال قبل وأنها سبب الآية، وقيل نازلة عويمر قبل وهو الذي وسط إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصم ابن عدي، و"الأزواج" في هذا الحكم يعم المسلمات والكافرات والإماء، فكلهن يلاعنهن الزوج للانتفاء من الحمل، وتختص الحرة بدفع حد القذف عن نفسه، وقرأ الجمهور "أربعَ شهادات" بالنصب وهو كانتصاب المصدر والعامل في ذلك قوله {فشهادة} ورفع "الشهادة" على خبر ابتداء تقديره فالحكم أو فالواجب، أو على الابتداء بتقدير فعليهم أن يشهدوا وبتقدير حذف الخبر وتقديره في آخر الآية كافية أو واجبة، وقوله {بالله} من صلة {شهادات}، ويجوز أن يكون من صلة {فشهادة}، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم "أربعُ" بالرفع وذلك على خبر قوله {فشهادة} قال أبو حاتم لا وجه للرفع لأن الشهادة ليست بـ {أربع شهادات} و {بالله} على هذه القراءة من صلة {شهادات}، ولا يجوز أن يكون من صلة "شهادة" لأنك كنت تفصل بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو {أربع شهادات}، وقوله: {إنه لمن الكاذبين} في قول من نصب "أربعَ شهادات" يجوز أن تكون من صلة "شهادة" وهي جملة في موضع نصب، لأن الشهادة أوقعتها موقع المفعول به، ومن رفع "أربعُ شهادات" فقوله {إنه لمن الكاذبين} من صلة {شهادات} لعلة الفصل المتقدمة في قوله {بالله}، وقرأ حفص عن عاصم "والخامسةَ" بالنصب في الثانية، وقرأها بالنصب فيهما طلحة بن مصرف وأبو عبد الرحمن والحسن والأعمش، وقرأ الجمهور فيهما "والخامسةُ" بالرفع، فأما من نصب فإن كان من قراءته نصب قوله "أربعَ شهدات" فإنه عطف الخامسة على ذلك لأنها من الشهادات، وأن كان يقرأ "أربعُ" بالرفع، فإنه جعل نصب قوله، والخامسة على فعل يدل عليه متقدم الكلام تقديره وتشهد الخامسة، وأما من رفع قوله "والخامسةُ" فإن كان يقرأ "أربعُ" بالرفع فقوله "والخامسةُ" عطف على ذلك، وإن كان يقرأ "أربعَ" بالنصب فإنه حمل قوله "والخامسةُ" على المعنى لأن معنى قوله شهادة أحدهم عليهم أربع شهادات والخامسة واستشهد أبو علي لهذا بحمل الشاعر: [الكامل] شعر : ومشجج أما سواد قذاله تفسير : البيت على قوله: "إلا رواكد جمرهن هباء" لأن المعنى ثم رواكد ولا خلاف في السبع في رفع قوله "والخامسةُ" في الأولى، وإنما خلاف السبع في الثانية فقط فنصبه حمل على قوله {أن تشهد أربع} {والخامسة} على القطع والحمل على المعنى، وقرأ نافع وحده "أن لعنة" و" أنَّ غضب"، وقرأ الأعرج والحسن وقتادة وأبو رجاء وعيسى "أَن لعنة" و "أن غضب الله" وهذا على إضمار الأمر وهي المخففة كما هي في قول الشاعر: "في فتية كسيوف الهند، البيت" وقرأ باقي السبعة "أنّ لعنة الله" "وأنّ غضب الله" بتشديد النون فيهما ونصب "اللعنة والغضب" ورجح الأخفش القراءة بتثقيل النون لأن الخفيفة إنما يراد بها التثقيل ويضمر معها الأمر والشأن وما لا يحتاج معه إلى إضمار أولى. قال الفقيه الإمام القاضي: لا سيما وأن الخفيفة على قراءة نافع في قوله "أن غضب" قد وليها الفعل، قال أبو علي وأهل العربية يستقبحون أن يليها الفعل إلا أن يفصل بينها وبينه بشيء نحو قوله تعالى {أية : علم أن سيكون} تفسير : [المزمل: 20] وقوله: {أية : أَفلا يرون ألا يرجع} تفسير : [طه: 89] وأما قوله تعالى: {أية : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} تفسير : [النجم: 39] فذلك لقلة تمكن ليس في الأفعال وأما قوله: {أية : أن بورك من في النار} تفسير : [النمل: 8] فـ {بورك} على معنى الدعاء فلم يجز دخول الفاصل لئلا يفسد المعنى، و"العذاب المدرأ" في قول جمهور العلماء الحد وحكى الطبري عن آخرين أنه الحبس وهو قول أصحاب الرأي وأَنه لا حد عليها إن لم تلاعن وليس يوجبه عليها قول الزوج. قال الفقيه الإمام القاضي: وظاهر حديث الموقفة في الخامسة حين تلكأت ثم مرت في لعانها أَنها كانت تحد لقول النبي عليه السلام لها فعذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة وجعلت "اللعنة" للرجل الكاذب لأنه مفتر مباهت بالقول فأبعد باللعنة وجعل "الغضب" الذي هو أشد على المرأة التي باشرت المعصية بالفعل ثم كذبت وباهتت بالقول فهذا معنى هذه الألفاظ والله أَعلم. قال الفقيه الإمام القاضي: ولا بد أَن نذكر في تفسير هذه الآية ما يتعلق بها من مسائل اللعان إذ لا يستغنى عنها في معرفة حكمه وحيث يجب، أجمع مالك وأَصحابه على وجوب اللعان بادعاء رؤية زنى لا وطء من الزوج بعده، وكذلك مشهور المذهب، وقول مالك إن اللعان يجب بنفي حمل يدعى قبله استبراء، وحكى اللخمي عن مالك أنه قال مرة: لا ينفى الولد بالاستبراء لأَن الحيض يأتي على الحمل، وقاله أشهب في كتاب ابن المواز، وقاله المغيرة، وقال لا ينفى الولد إلا بخمس سنين، واختلف المذهب في أن يقذف الرجل أو ينفي حملاً ولا يعلل ذلك لا برؤية ولا باستبراء، فجل رواة مالك لا يوجب لعاناً بل يحد الزوج، وقاله ابن القاسم وروي عنه أيضاً أنه قال يلاعن ولا يسأل عن شيء، واختلف بعد القول بالاستبراء في قدر الاستبراء، فقال مالك والمغيرة في أحد قوليه يجزىء في ذلك حيضة. وقال أيضاً مالك لا ينفعه إلا ثلاث حيض، وأما موضع اللعان ففي المسجد وعند الحاكم والمستحب أن يكون في المسجد بحضرة الحاكم، وكذلك يستحب بعد العصر تغليظاً بالوقت وكل وقت مجز، ومن قذف امرأته وهي كبيرة لا تحمل تلاعنا هو لدفع الحد وهي لدرء العذاب، وإن كانت صغيرة لا تحمل لاعن هو لدفع الحد ولم تلاعن هي لأَنها لو أقرت لم يلزمها شيء، وقال ابن الماجشون لا حد على قاذف من لم يبلغ، قال اللخمي فعلى هذا لا لعان على زوج الصغيرة التي لا تحمل، والمستحب من ألفاظ اللعان أَن يمشي مع ترتيب القرآن ولفظه فيقول الزوج أشهد بالله لرأيت هذه المرأة تزني وإني في ذلك لمن الصادقين، ثم يقول في الخامسة لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين، وقال أصبغ لا بد أَن يقول كالمرود في المكحلة، وقيل لا يلزمه ذلك وكذلك يقول أشهب لا بد أن يقول بالله الذي لا إله إلا هو، وأَما في لعان نفي الحمل فقيل يقول الرجل ما هذا الولد مني ولزنت، وقال ابن القاسم في الموازنة، لا يقول وزنت من حيث يمكن أَن تغصب، وتقول المرأة أشهد بالله ما زنيت وأنه في ذلك لمن الكاذبين، ثم تقول غضب الله علي إن كان من الصادقين فإِن منع جهلهما من ترتيب هذه الأَلفاظ وأتيا بما في معناها أجزأ ذلك، وحكى اللخمي عن محمد بن أَبي صفرة أَنه قال اللعان لا يرفع العصمة لقول عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها قال: فأحدث طلاقاً، ومشهور المذهب أن نفس تمام اللعان بينهما فرقة لا يحتاج معها إلى تفريق حاكم وابن أَبي صفرة هذا ليس بعيد يزاحم به الجمهور. ومذهب الشافعي أن الفرقة حاصلة إثر لعان الزوج وحده، وقال أبو حنيفة وأصحابه لا تفريق إلا بحكم السلطان بعد لعانهما، فإن مات أحدهما بعد تمام لعانهما وقبل حكم القاضي ورثه الآخر، ومذهب المدونة أن اللعان حكم تفريقه حكم الطلاق ويعطى لغير المدخول بها نفس الصداق، وفي مختصر ابن الجلاب لا شيء لها وهذا على أن تفريق اللعان فسخ، وقال ابن القصار تفريق اللعان عندنا فسخ وتحريم اللعان أبدي بإجماع فيما أحفظ من مذهب مالك رحمه الله، ومن فقهاء الكوفة وغيرهم من لا يراه متأبداً، وإن أكذب نفسه بعد اللعان لم ينتفع بذلك، وروي عن عبد العزيز بن أَبي سلمة أنه إن أكذب نفسه بعد اللعان كان خاطباً من الخطاب، وإن تقدمت المرأة في اللعان فقال ابن القاسم لا تعيد، وقال أشهب تعيد، والجواب في قوله {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} الآية محذوف تقديره لكشف الزناة بأيسر من هذا، ولأخذهم بعذاب من عنده، أو نحو هذا من المعاني التي أوجب تقديرها إبهام الجواب.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ} أي هلال بن أمية جاء الرسول صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه فقال: يا رسول الله جئت عشياً فوجدت رجلاً مع أهلي رأيت بعيني وسمعت بأذني فكره الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك وثقل عليه فنزلت، أو أتاه عويمر فقال: يا رسول الله رجل وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه به أم كيف يصنع فنزلت فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: قد نزل القرآن فيك وفي صاحبتك ولاعن بينهما، {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} عبر عن اليمين بالشهادة. قال قيس: شعر : وأشهد عند الله أني أحبها فهذا لها عندي فما عندها ليا تفسير : أو هو شهادة فلا يلاعن الكفار والرقيق.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوٰجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ...} الآية: لما رَمَى هلالُ بن أُمَيَّةَ الوَاقِفِيُّ زوجته بِشَرِيكِ بنِ سَحْمَاءَ ـــ عزم النبي صلى الله عليه وسلم على ضَرْبِهِ حَدَّ القَذْفِ؛ فَنَزَلَتْ هذه الآية حسبما هو مشروح في الصِّحَاحِ، فَجَمَعَهُمَا صلى الله عليه وسلم في الْمَسْجِدِ، وَتَلاَعَنَا، وجاء أَيضاً عُوَيْمِرُ العَجْلاَنِيُّ فرمى امرأته ولاعن، والمشهورُ: أَنَّ نازلةَ هلالٍ قبلُ، وأَنَّها سَبَبُ الآية، والأزواج في هذه الآية: يَعُمُّ المسلماتِ والكافرات والإماءِ؛ فكُلُّهن يُلاعِنُهُنَّ الزوجُ؛ للانتفاء من الحمل، وتختصُّ الحُرَّةُ بدفع حَدِّ القذف عن نفسها، وقرأ السبعة غيرَ نافعِ: {أَنَّ لَعْنَتَ}، و {أَنَّ غَضَبَ} بتشديد «أَنَّ» فيهما ونَصْبِ اللعنة والغضب، والعذاب المُدْرَأَ في قول الجمهور: هو الحَدُّ، وجُعِلَتْ اللعنة للرجل الكاذب؛ لأَنَّهُ مفترٍ مُبَاهِتٌ، فَأُبْعِدَ باللعنة، وجُعِلَ الغَضَبُ، الذي هو أَشَدُّ على المرأة التي باشرت المعصية بالفعل ثم كذبت وباهتت ـــ بالقول، والله أعلم، وأجمع مالك وأصحابه على وجوب اللعان بادِّعاء الرؤية زناً لا وطئاً من الزوج بعده، وذلك مشهور المذهب. وقال مالك: إنَّ اللعان يجب بنفي حمل يُدَّعَى قبله استبراءٌ والمُسْتَحَبُّ من ألفاظ اللعان أنْ يمشي مع ترتيب القرآن ولفظه، فيقول الزوج: أشهد بالله لرأيتُ هذه المرأة تزني، وإنِّي في ذلك لمن الصادقين، ثم يقول في الخامسة: أَنَّ لعنة الله علي إنْ كنتُ من الكاذبين، وأَمَّا في لعان نفي الحمل فيقول: ما هذا الولدُ مِنِّي، وتقول المرأة: أشهدُ بالله ما زنيتُ، وأَنَّهُ في ذلك لمن الكاذبين، ثم تقول: غَضِبَ الله عَلَيَّ إنْ كان من الصادقين، فإنْ مَنَعَ جَهْلُهُمَا من ترتيب هذه الألفاظ، وأتيا بما في معناها أجزأ ذلك، ومشهور المذهب: أَنَّ نفسَ تمام اللعان بينهما فُرْقَةٌ، ولا يحتاج معها إلى تفريق حاكم، وتحريم اللعان أَبَدِيٌّ باتفاق فيما أحفظ من مذهب مالك، وجواب {لَوْلاَ} محذوف تقديره: لكشف الزناةَ بأيسر من هذا، أو لأخذهم بعقابه ونحو هذا.
ابن عادل
تفسير : قال ابن عباس: لما نزل قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} تفسير : [النور: 4] قال عاصم بن عدي الأنصاري: "حديث : إنْ دخل رجلٌ منا بيته فرأى رجلاً على بطن امرأته فإن جاء بأربعة رجال يشهدون بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج، وإن قتله قتل به، وإن قال: وجدت فلاناً مع تلك المرأة ضرب، وإن سكت سكت عن غيظ، اللهم افتح. وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له: عُوَيْمِر، وله امرأة يقال لها: خولة بنت قيس، فأتى عويمر عاصماً فقال: لقد رأيت شريك بن سَحماء على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ما أسرع ما ابتليت بهذا في أهل بيتي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وما ذاك"؟ فقال: أخبرني عويمر ابن عمي أنه رأى شريك بن سحماء على بطن امرأته خولة، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم جميعاً، فقال لعويمر: "اتقِ اللَّهَ في زوجتكِ وابنة عمك، ولا تقذفها" فقال: يا رسول الله، تالله لقد رأيت شريكاً على بطنها، وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر، وإنها حبلى من غَيري. فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "اتّقي اللَّهَ ولا تخبرِي إلا بما صنعتِ" فقالت: يا رسول الله، إن عويمر رجلٌ غيور، وإنه رأى شريكاً يطيل النظر ويتحدث، فحملته الغيرة على ما قال، فأنزل الله هذه الآية، فأمر رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) بأن يؤذَّن: الصلاة جامعة، فصلى العصر ثم قال لعُوَيْمِر: قم وقل: أشهد بالله إنّ خولة لزانية وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثانية: أشهد أني رأيت شريكاً على بطنها وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثالثة: أشهد بالله أنها حبلى من غيري وإني لمنَ الصادقين، ثم قال في الرابعة قل أشهد بالله أنها زانية وأني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين، ثم قال في الخامسة: لعنة الله على عُوَيْمِر (يعني: نفسه) إن كان من الكاذبين. ثم قال: اقعد، وقال لخولة: قومي، فقامت وقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن زوجي لمن الكاذبين، وقالت في الثانية: أشهد بالله ما رأى شريكاً على بطني وإنه لمن الكاذبين، وقالت في الثالثة: أشهد بالله ما أنا حُبْلى منه وإنه لمن الكاذبين، وقالت في الرابعة: اشهد بالله أنه ما رآني على فاحشة قط وإنه من الكاذبين، وقالت في الخامسة: غضب الله على خولة إن كان عُوَيْمر من الصادقين في قوله، ففرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما ". تفسير : وفي رواية عكرمة عن ابن عباس حديث : أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بشريك بن سحماء، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "البينة وإلا حدٌّ في ظهرك". فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "البينَةُ وإلاَّ حَدٌّ في ظهْرِك". فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل - عليه السلام - وأنزل عليه: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} فقرأ حتى بلغ {إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ"؟. ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة. قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، حدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء. فجاءت به كذلك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَوْلاَ مَا مَضَى من كتابِ الله - عزَّ وجلَّ - لكانَ لِي ولَهَا شَأْن ". تفسير : وفي رواية عكرمة عن ابن عباس قال: "حديث : لما نزلت {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ...} الآية قال سعد بن عبادة: لو أتيت لَكَاع وقد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، وإن قلت ما رأيت إن في ظهري لثمانين جلدة - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلاَ تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ". قالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلا بكراً، ولا طلق امرأة له واجترأ رجل منا أن يتزوجها. قال سعد: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، والله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق، ولكن عجبت من ذلك، فقال عليه السلام: "فَإِنَّ اللَّهَ يَأْبَى إِلاَّ ذلك". فقال: صدق الله ورسوله، قال: فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى جاء ابن عم له يقال له: هلال بن أمية (من حديقة له)، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، فرأى رجلاً مع امرأته يزني بها، فأمسك حتى أصبح، فلما أصبح غدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس مع أصحابه، فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاءً فوجدتُ رجلاً مع امرأتي، رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما جاء به وثقل عليه حتى عرف ذلك في وجهه، فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهة في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم إني لصادق، وما قلت إلا حقاً، وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرجاً، فهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضربه، قال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، يُجْلَد هلال وتبطل شهادته، فإنهم لكذلك ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يأمر بضربه إذ أنزل عليه الوحي، فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل حتى فرغ، فأنزل الله: "وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ... إلى آخر الآيات". فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أبشر يا هلال، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكَ فَرَجاً". فقال: كنت أرجو ذلك من الله - عزَّ وجلَّ - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أرسلوا إلَيْها" فجاءت فكذبت هلال. فقال عليه السلام: "اللَّه يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُما كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ"؟ وأمر بالملاعنة، وشهد هلال أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فقال عليه السلام له عند الخامسة: "اتَّقِ اللَّهَ يَا هلالُ، فإنَّ عذابَ الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة". فقال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله، وشهد الخامسة: أنَّ لعنةَ الله عليه إِنْ كَانَ مِنَ الكاذِبين، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أتشهدين؟ فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، ثم قال لها عند الخامسة ووقفها: "اتقي الله فإنها الخامسة الموجبة، وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس". فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كانَ من الصَّادقين. ففرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما، وقضى أن الولد لها، ولا يدعى لأب، ولا يرمى ولدها، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِزَوْجِهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِلَّذِي قِيلَ فِيهِ". فجاءت به غلاماً كأنه جمل أورق، على التشبيه المكروه، وكان بعد أميراً بمصر ولا يدرى من أبوه ". تفسير : فصل إذا رمى الرجل امرأته بالزنا يجب عليه الحد إن كانت محصنة، والتعزير إن لم تكن محصنة، كما في رمي الأجنبي، إلا أن قذف الأجنبي لا يسقط الحد عن القاذف إلا بإقرار المقذوف، أو ببينة أربعة شهداء على الزنا. وفي قذف الزوجة يسقط الحد عنه بأحد هذين الأمرين وباللعان. وإنما اعتبر الشارع اللعان في الزوجات دون الأجنبيات، لأنه لا معيرة عليه في زنا الأجنبية، والأولى له سترة. وأما في الزوجة فيلحقه العار والنسب الفاسد، فلا يمكنه الصبر عليه. فصل إذا قذف زوجته ونكل عن اللعان لزمه حد القذف، فإذا لاَعَن ونكلت عن اللعان لزمها حد الزنا. وقال أبو حنيفة: يجلس الناكل منهما حتى يلاعن. حجة القول الأول: قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} تفسير : [النور: 4] ثم عطف عليه حكم الأزواج فقال: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ...} الآية؛ فكما أن مقتضى قذف الأجنبيات الإتيان بالشهود أو الجلد، فكذا موجب قذف الزوجات الإتيان باللعان أو الحد. وأيضاً قوله: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ} والألف واللام في "العَذَاب" للمعهود السابق وهو الحدّ، وليسا للعموم، لأنه لم يجب عليها جميع أنواع العذاب. ومما يدل على بطلان الحبس في حق المرأة أن تقول: إن كان الرجل صادقاً فحدُّوني، وإن كان كاذباً فخلوني. وليس حبس في كتاب الله وسنة رسوله ولا الإجماع ولا القياس. واحتج أبو حنيفة بأن المرأة ما فعلت سوى أنها تركت اللعان وهذا الترك ليس بينة على الزنا ولا إقراراً منها به، فوجب ألا يجوز رجمها لقوله عليه السلام: "حديث : لا يَحلُّ دَمُ امرئٍ مُسْلِمٍ" تفسير : الحديث. وإذا لم يجب الرجم إذا كانت محصنة لم يجب الجلد في غير المحصن، لأن لا قائل بالفرق. وأيضاً فالنكول بصريح الإقرار، فلم يجز إثبات الحد به كاللفظ المحتمل للزنا وغيره. فصل من صح يمينه صح لعانه، فيجري اللعان بين الرقيقين والذميين والمحدودين، وكذا إذا كان أحدهما رقيقاً، أو كان الزوج مسلماً والمرأة ذمية. فإن قيل: اللعان شهادة، فوجب ألا يصح إلا من أهل الشهادة. وإنما قلنا: اللعان شهادة، لقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ} فسمى اللعان شهادة كقوله: {أية : واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ} تفسير : [البقرة: 282]، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهما باللعان بلفظ الشهادة ولم يقتصر على لفظ اليمين، وإذا ثبت أن اللعان شهادة وجب ألا تقبل من المحدودين في القذف لقوله: {أية : وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} تفسير : [النور: 4]، وإذا ثبت ذلك في المحدود ثبت في العبد والكافر، إما للإجماع على أنهما ليسا من أهل الشهادة، أو لأنه لا قائل بالفرق. فالجواب: أن اللعان ليس شهادة في الحقيقة، بل هو يمين مخصوصة، لأنه لا يجوز أن يشهد الإنسان لنفسه ولأنه لو كان شهادة لكانت المرأة تأتي بثمان شهادات لأنها على النصف من الرجل، ولأنه يصح من الأعمى والفاسق ولا تجوز شهادتهما فإن قيل: الفاسق والفاسقة قد يتوبان. قلنا: وكذلك العبد قد يعتق فتجوز شهادته. فصل قال عثمان البتي: إذا تَلاَعَنَ الزوجان لم تقع الفرقة، لأن اللعان ليس بصريح ولا كناية عن الفرقة، فلا يفيد الفرقة كسائر الأقوال التي لا إشعار لها بالفرقة، ولأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقاً في قوله، وهذا لا يوجب تحريماً، (ألا ترى أنه لو قامت البينة عليها لم يوجب ذلك تحريماً)، فإذا كان كاذباً والمرأة صادقة فأولى ألا يوجب تحريماً. وأيضاً لو تلاعنا فيما بينهما لم يوجب الفرقة، فكذا عند الحاكم. وأيضاً فاللعان قائم مقام الشهود في قذف الأجنبيات، فكما أنه لا فائدة في إحضار الشهود هناك إلا إسقاط الحد (فكذا اللعان لا تأثير له إلا إسقاط الحد). وأيضاً فلو أكذب الزوج نفسه في قذفة إياها ثم حُدَّ لم يوجب ذلك الفرقة، فكذا إذا لاَعَن، لأن اللعان قائم مقام درء الحد. وأما تفريق النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة العجلاني، وكان قد طلقها ثلاثاً بعد اللعان فلذلك فرق بينهما. وقال أصحاب الرأي: لا تقع الفرقة بفراغهما من اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما، لما روى سهل بن سعد في قصة العجلاني مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ولأن في قصة عويمر أنهما لما فرغا قال: كذبتُ عليْهَا يا رسول الله إن أمسكتها، هي طالق ثلاثاً، (فطلقها ثلاثاً) قبل أن يأمرهما، ولو وقعت الفرقة باللعان لبطل قوله: كذبت عليها إن أمسكتُها، لأن إمساكها غير ممكن، ولأن اللعان شهادة لا يثبت حكمه إلا عند الحاكم، فوجب ألا يوجب الفرقة إلا بحكم الحاكم، كما لا يثبت المشهود به إلا بحكم الحاكم وقال مالك والليث وزفر: (إذا فرغا) من اللعان وقعت الفرقة وإن لم يفرق الحاكم بينهما، لأنه لو تراضيا على البقاء على النكاح لم يخليا، بل فرق بينهما، فدل على أن اللعان قد أوجب الفرقة. وقال الشافعي: إذا أكمل الزوج الشهادة فقد زال فراش امرأته، ولا يحل له أبداً لقوله تعالى: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ... الآية}، فدل هذا على أنه لا تأثير للعان المرأة إلا في دفع العذاب عن نفسها، وأن كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج، ولأن لعان الزوج مستقلّ بنفي الولد، فوجب أن يكون الاعتبار بقوله في الإلحاق لا بقولها. فصل في كيفية اللعان وهو مذكور في الآية صريحاً. قال العلماء: يقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة، وتقام المرأة حتى تشهد والرجل قاعد، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه عند الانتهاء إلى اللعنة والغضب ويقول له: إني أخاف إن لم تكن صادقاً. ويكون اللعان عند الحاكم، فإن كان بمكة كان بين المقام والركن، وإن كان بالمدينة عند المنبر، وبيت المقدس في مسجده، وفي المواضع المعظمة. ولعان المشرك في الكنيسة وأما في الزمان فيوم الجمعة بعد العصر، ولا بد من حضور جماعة، وأقلهم أربعة. وهذا التغليظ قيل: واجب. وقيل: مستحب. فصل معنى الآية: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} أي: يقذفون نساءهم {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ} يشهدون على صحة ما قالوا "إلاَّ أَنْفُسُهُمْ" أي: غير أنفسهم {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ}. قوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ}. في رفع "أنفسهم" وجهان: أحدهما: أنه بدل من "شُهَدَاءُ"، ولم يذكر الزمخشري في غضون كلامه (غيره). والثاني: أنه نعت له على أن "إلا" بمعنى: غير. قال أبو البقاء: ولو قرئ بالنصب لجاز على أن يكون خبر "كانَ"، أو منصوباً على الاستثناء، وإنما كان الرفع هنا أقوى لأن "إلا" هنا صفة للنكرة كما ذكرنا في سورة الأنبياء. قال شهاب الدين: وعلى قراءة الرفع يحتمل أن تكون "كان" ناقصة، وخبرها الجار، وأن تكون تامة، أي: ولم يوجد لهم شهداء. وقرأ العامة "يَكُنْ" بالياء من تحت، وهو الفصيح، لأنه إذا أسند الفعل لما بعد "إلا" على سبيل التفريغ وجب عند بعضهم التذكير في الفعل نحو "ما قام إلا هند" ولا يجوز "ما قامت" إلا في ضرورة كقوله: شعر : 3815- وَمَا بَقِيَتْ إِلاَّ الضُّلُوعُ الجَرَاشِعُ تفسير : أو في شذوذ، كقراءة الحسن: {لاَ تُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ}. وقرئ: "وَلَمْ تَكُنْ" بالتاء من فوق، وقد عرف ما فيه. قوله: "فَشَهَادةُ أَحَدِهِمْ" في رفعها ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مبتدأ، وخبره مقدر التقديم، أي: فعليهم شَهَادة، أو مؤخر أي: فشهادة أحدهم كافية أو واجبة. الثاني: أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: فالواجب شهادة أحدهم. الثالث: أن يكون فاعلاً بفعل مقدر، أي: فيكفي، والمصدر هنا مضاف للفاعل. وقرأ العامة: "أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ" بالنصب على المصدر، والعامل فيه "شَهَادة". فالناصب للمصدر مصدر مثله كما تقدم في قوله: {أية : فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً} تفسير : [الإسراء: 63]. وقرأ الأخوان وحفص برفع "أَرْبَعُ" على أنها خبر المبتدأ، وهو قوله: "فَشَهادةُ". ويتخرج على القراءتين تعلق الجار في قوله: "بِاللَّهِ". فعلى قراءة النصب يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتعلق بـ "شَهَادَاتٍ" لأنه أقرب إليه. والثاني: أنه متعلق بقوله: "فَشَهَادَةُ" أي: فشهادة أحدهم بالله، ولا يضر الفصل بـ "أَرْبَعُ" لأنها معمولة للمصدر فليست أجنبية. الثالث: أن المسألة من باب التنازع، فإن كلاًّ من "شَهَادَةُ" أو "شَهَادَاتٍ" يطلبه من حيث المعنى، وتكون المسألة من إعمال الثاني للحذف من الأول، وهو مختار البصريين وعلى قراءة الرفع يتعين تعلقه بـ "شَهَادَاتٍ" إذ لو علقت بـ "شَهَادةُ" لزم الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر، ولا يجوز أنه أجنبي. ولم يختلف في "أَرْبَعَ" الثانية، وهي قوله: {أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ} أنها منصوبة، للتصريح بالعامل فيها وهو الفعل. قوله: "والخَامِسَةُ" اتفق السبعة على رفع "الخَامِسَةُ" الأولى، واختلفوا في الثانية: فنصبها حفص. ونصبهما معاً الحسن والسلمي وطلحة والأعمش. فالرفع على الابتداء، وما بعده من "أَنَّ" وما في حيزها الخبر. وأما نصب الأولى فعلى قراءة من نصب "أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ" يكون النصب للعطف على المنصوب قبلها. وعلى قراءة من رفع يكون النصب بفعل مقدر، أي: وتشهد الخامسة. وأما نصب الثانية فعطف على ما قبلها من المنصوب وهو "أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ"، والنصب هنا أقوى منه في الأولى لقوة النصب فيما قبلها كما تقدم تقريره، ولذلك لم يختلف فيه. وأما "أَنَّ" وما في حيزها فعلى قراءة الرفع يكون في محل رفع خبراً للمبتدأ كما تقدم، وعلى قراءة النصب يكون على إسقاط الخافض ويتعلق الخافض بذلك الناصب لـ "الخامسة" أي: ويشهد الخامسة بأنَّ لعنة الله، وبأن غضب الله وجوَّز أبو البقاء أن يكون بدلاً من "الخَامِسَة". قوله: {أَنَّ لَعْنَةَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ}. قرأ العامة بتشديد "أنَّ" في الموضعين. وقرأ نافع بتخفيفها في الموضعين، إلا أنه يقرأ "غَضِبَ اللَّهُ" يجعل "غَضِبَ" فعلاً ماضياً، والجلالة فاعله، كذا نقل أبو حيان عنه التخفيف في الأولى أيضاً، ولم ينقله غيره. فعلى قراءته يكون اسم "أَن" ضمير الشأن في الموضعين، و"لَعنةُ اللَّهِ" مبتدأ و"عَلَيْهِ" خبرها، والجملة خبر "أَنْ"، وفي الثانية يكون "غَضِبَ اللَّهُ" جملة فعلية في محل خبر "أَنْ" أيضاً. ولكنه يقال: يلزمكم أحد أمرين: وهو إمَّا عدم الفصل بين المخففة والفعل الواقع خبراً، وإما وقوع الطلب خبراً في هذا الباب، وهو ممتنع. تقرير ذلك: أن خبر (أنْ) المخففة متى كان فِعْلاً متصرفاً غير مقرون بـ "قَدْ" وجب الفصل بينهما بما تقدم في سورة المائدة. فإن أجيب بأنه دعاء، اعترض بأن الدعاء طلب، وقد نصوا على أن الجمل الطلبية لا تقع خبراً لـ "أَنَّ"، حتى تأولوا قوله: شعر : 3816- إِنَّ الرِّياضَةَ لا تُنْصِبْكَ للشِّيْبِ تفسير : وقوله: شعر : 3817- إِنَّ الَّذِينَ قَتَلْتُمْ أَمْسِ سَيِّدَهُمْ لاَ تَحْسَبُوا لَيْلَهُمْ عَنْ لَيْلِكُمْ نَامَا تفسير : على إضمار القول. ومثله: {أية : أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ} تفسير : [النمل: 8]. وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة والسُّلَمي وعيسى بتخفيف "أن" و"غَضَبُ الله" بالرفع على الابتداء، والجار بعده خبره، والجملة خبر "أَنْ". وقال ابن عطية: و(أَنْ) الخفيفة على قراءة (نافع) في قوله: (أَنْ غَضِب) قد وليها الفعل. قال أبو علي: وأهل العربية يستقبحون أن يَلِيهَا الفعل، إِلاَّ أن يُفْصل بينها وبينه بشيء، نحو قوله: {أية : عَلِمَ أَن سَيَكُونُ} تفسير : [المزمل: 20]، {أية : أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ} تفسير : [طه: 89]، فأما قوله: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ} تفسير : [النجم: 39] فذلك لقلة تمكن (ليس) في الأفعال، وأما قوله: {أية : أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ} تفسير : [النمل: 8] و(بُورِكَ) في معنى الدعاء، فلم يجئ دخول الفاعل لئلا يفسد المعنى، فظاهر هذا أن (غَضِب) ليس دعاء، بل هو خبر عن {غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها}. والظاهر أنه دعاء كما أن (بُورِكَ) كذلك، وليس المعنى على الإخبار فيهما فاعتراض أبي علي وأبي محمد ليس بمرضي. قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ}. جواب: "لَوْلاَ" محذوف أي: لهلكتم أو لعاجلكم بالعقوبة، ولكنه ستر عليكم ورفع عنكم الحد باللعان، {وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ} يعود على من يرجع عن المعاصي بالرحمة "حَكِيمٌ" فيما فرض من الحدود.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عاصم بن عدي قال: لما نزلت {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} قلت: يا رسول الله إلى أن يأتي الرجل بأربعة شهداء قد خرج الرجل؟ فلم ألبث إلا أياماً فإذا ابن عم لي معه امرأته ومعها ابن وهي تقول: منك. وهو يقول: ليس مني. فنزلت آية اللعان قال عاصم: فأنا أول من تكلم وأول من ابتلى به. وأخرج أحمد وعبد الرزاق والطيالسي وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " حديث : لما نزلت {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء..} الآية قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ فقالوا: يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور. والله ما تزوّج امرأة قط إلا بكراً، وما طلق امرأة قط فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها من شدة غيرته فقال سعد: يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من الله، ولكني تعجبت إني لو وجدت لكاعاً قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتىآتي بأربعة شهداء - فوالله - لا آتي بهم حتى يقضي حاجته قال: فما لبثوا إلا يسيراً حتى جاء هلال بن أمية؛ وهو أحد الثلاثة الذي تيب عليهم، فجاء من أرضه عشاء فدخل على امرأته فوجد عندها رجلاً، فرأى بعينه، وسمع بأذنيه، فلم يهجه حتى أصبح، فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء، فوجدت عندها رجلاً، فرأيت بعيني، وسمعت بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتد به، واجتمعت الأنصار فقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة الآن. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم هلال بن أمية وأبطل شهادته في المسلمين فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجاً فقال: يا رسول الله إني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به والله يعلم إني لصادق، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه إذ نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، وكان إذا أنزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد جلده، فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي فنزلت {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم} فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فقال: ابشر يا هلال قد جعل الله لك فرجاً و مخرجاً فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارسلوا إليها فجاءت فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما، وذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا فقال هلال: والله يا رسول الله لقد صدقت عليها فقالت: كذب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاعنوا بينهما فقيل لهلال اشهد. فشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين، فلما كان في الخامسة قيل لهلال: فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب فقال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها. فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين. ثم قيل لها اشهدي. فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين. فلما كانت في الخامسة قيل لها: اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة فقالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها أن كان من الصادقين. ففرق رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقضى أنه لا يدعى لأب، ولا يرمى ولدها من أجل الشهادات الخمس، وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ليس لها قوت، ولا سكنى، ولا عدة، من أجل أنهما تفرقا من غير طلاق، ولا متوفى عنها ". تفسير : وأخرج البخاري والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس: "حديث : أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة، أو حدٌّ في ظهرك". فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة! فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وإلاَّ حَدٌّ في ظهرك. فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد، فنزل جبريل فأنزل الله عليه {والذين يرمون أزواجهم} حتى بلغ {إن كان من الصادقين} فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما فجاء هلال يشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة. فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الاليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء. فجاءت به كذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: "حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرمى امرأته برجل. فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل يردده حتى أنزل الله {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} حتى فرغ من الآيتين فأرسل إليهما فدعاهما فقال: إن الله قد أنزل فيكما.. فدعا الرجل فقرأ عليه. فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم أمر به فأمسك على فيه، فوعظه فقال له: كل شيء أهون عليك من لعنة الله. ثم أرسله فقال: لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين، ثم دعا بها فقرأ عليها. فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين، ثم أمر بها فأمسك على فيها، فوعظها وقال: ويحك! كل شيء أهون عليك من غضب الله، ثم أرسلت فقالت: غضب الله عليها إن كان من الصادقين ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:"حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي زنت. وسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه منكس في الأرض ثم رفع رأسه فقال: قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك فائت بها. فجاءت فقال: قم فاشهد أربع شهادات، فقام فشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين. فقال له: ويلك أو ويحك! إنها موجبة. فشهد الخامسة ان لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين. ثم قامت امرأته فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين. ثم قال ويلك أو ويحك! إنها موجبة. فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها ان كان من الصادقين. ثم قال له: اذهب فلا سبيل لك عليها فقال: يا رسول الله مالي..؟ قال: لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك منها ". تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: حديث : سألت عن المتلاعنين أيفرق بينهما؟ فقال: "سبحان الله! نعم.. إن أول من سأل عن ذلك فلان ابن فلان قال: يا رسول الله أرأيت الرجل يرى امرأته على فاحشة فإن تكلم تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثل ذلك؟ فسكت فلم يجبه فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به فأنزل الله هذه الآية في سورة النور {والذين يرمون أزواجهم} حتى بلغ {أَن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} فبدأ بالرجل فوعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقال: والذي بعثك بالحق ما كذبتك. ثم ثنى بالمرأة فوعظها وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقالت: والذي بعثك بالحق أنه لكاذب. فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين. ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها ان كان من الصادقين ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عمر قال: كنا جلوساً عشية الجمعة في المسجد فجاء رجل من الأنصار فقال: أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلاً فقتله قتلتموه، وان تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ، والله لئن أصبحت صالحاً لأسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسأله فقال: يا رسول الله أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلاً فقتله قتلتموه وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ. اللهم احكم. فنزلت آية اللعان فكان ذلك الرجل أول من ابتلى به. وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن منذر والطبراني عن سهل بن سعد قال: " حديث : جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فقتله أيقتل به؟ أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل فلقيه عويمر فقال: ما صنعت؟ فقال: إنك لم تأتني بخير، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب المسائل فقال: والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأسألنه، فأتاه فوجده قد أنزل عليه.. فدعا بهما، فلاعن بينهما قال عويمر: أن انطلق بها يا رسول الله لقد كذبت عليها، ففارقها قبل أن يخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت سنة المتلاعنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبصروها فإن جاءت به أسحم أدعج العينين، عظيم الاليتين، فلا أراه إلا قد صدق. وإن جاءت به أحمر كأنه وحرة، فلا أراه إلا كاذباً. فجاءت به على النعت المكروه ". تفسير : واخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أنس قال: "حديث : لأوّل لعان كان في الإِسلام أن شريك بن سحماء رماه هلال بن أمية بامرأته، فرفعته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربعة شهود، وإلا فحد في ظهرك. فقال: يا رسول الله إن الله ليعلم أني لصادق، ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الجلد. فأنزل الله آية اللعان {والذين يرمون أزواجهم..} إلى آخر الآية فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا. فشهد بذلك أربع شهادات بالله، ثم قال له في الخامسة: لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا. ففعل. ثم دعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قومي فاشهدي بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماك به من الزنا. فشهدت بذلك أربع شهادات، ثم قال لها في الخامسة وغضب الله عليك ان كان من الصادقين فيما رماك به من الزنا. قال: فلما كان في الرابعة أو الخامسة سكتت سكته حتى ظنوا أنها ستعترف. ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت على القول، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال: انظروا فإن جاءت به جعداً أخمش الساقين، فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به أبيض سبطاً، قصير العينين، فهو لهلال بن أمية، فجاءت به آدم جعداً أخمش الساقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا ما نزل فيهما من كتاب الله لكان لي ولها شأن ". تفسير : وأخرج النسائي وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده" حديث : أن رجلاً من الأنصار من بني زريق قذف امرأته، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فرد ذلك عليه أربع مرات . فأنزل الله آية الملاعنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين السائل قد نزل من الله أمر عظيم؟ فأبى الرجل إلا أن يلاعنها ، وأبت ألا تدرأ عن نفسها العذاب. فتلاعنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما تجيء به أصفر أخمش مفتول العظام فهو للملاعن، واما تجيء به أسود كالجمل الأورق فهو لغيره، فجاءت به أسود كالجمل الأورق، فدعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعله لعصبة أمه وقال: لولا الآيات التي مضت لكان فيه كذا وكذا ". تفسير : وأخرج البزار عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر"حديث : لو رأيت مع أم رومان رجلاً ما كنت فاعلاً به؟ قال: كنت - والله - فاعلاً به شراً قال: فأنت ياعمر؟ قال: كنت - والله - قاتله فنزلت {والذين يرمون أزواجهم...} قلت: رجال إسناده ثقات إلا أن البزار كان يحدث من حفظه فيخطىء. وقد أخرجه ابن مردويه والديلمي من هذا الطريق وزاد بعد قوله كنت قاتله قال: فأنت يا سهيل بن بيضاء قال: كنت أقول لعن الله الأبعد فهو خبيث، ولعن الله البُعْدَى فهي خبيثة، ولعن الله أوّل الثلاثة أخبر بهذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تأوّلت القرآن يا ابن بيضاء {والذين يرمون أزواجهم} وهذا أصح من قول البزار فنزلت ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن زيد بن نفيع " حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: أرأيت لو وجدت مع أهلك رجلاً كيف كنت صانعاً؟ قال: إذاً لقتلته. ثم قال لعمر.. فقال مثل ذلك. فتتابع القوم على قول أبي بكر وعمر. ثم قال لسهيل بن البيضاء.. قال: كنت أقول لعنك الله فأنت خبيثة، ولعنك الله فأنت خبيث، ولعن الله أول الثلاثة منا يخرج هذا الحديث. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تأوّلت القرآن يا ابن البيضاء لو قتله قتل به، ولو قذفه جلد، ولو قذفها لاعنها ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {والذين يرمون أزواجهم} قال: هو الرجل يرمي زوجته بالزنا {ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} يعني ليس للرجل شهداء غيره ان امرأته قد زنت، فرفع ذلك إلى الحكام فشهادة أحدهم - يعني الزوج - يقوم بعد الصلاة في المسجد فيحلف أربع شهادات بالله ويقول: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أن فلانة - يعني امرأته - زانية. والخامسة أن لعنة الله عليه - يعني على نفسه - ان كان من الكاذبين في قوله. ويدرأ يدفع الحكام عن المرأة العذاب - يعني الحد - أن تشهد أربع شهادات بالله أنه - يعني زوجها - لمن الكاذبين. فتقوم المرأة مقام زوجها فتقول أربع مرات أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أني لست بزانية، وإن زوجي لمن الكاذبين. والخامسة أن غضب الله عليها - يعني على نفسها - إن كان زوجها من الصادقين. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين} قال: فإن هي اعترفت رجمت، وإن هي أبت يدرأ عنها العذاب قال: عذاب الدنيا {أن تشهد أربع شهادات بالله إِنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين}. ثم يفرق بينهما وتعتد عدة المطلقة. وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب قال: لا يجتمع المتلاعنان أبداً. وأخرج عبد الرزاق عن علي وابن مسعود. مثله. وأخرج عبد الرزاق عن الشعبي قال: اللعان أعظم من الرجم. وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب قال: وجبت اللعنة على أكذبهما. وأخرج البزار عن جابر قال: ما نزلت آية التلاعن إلا لكثرة السؤال. وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة قال: حديث : لما نزلت هذه الآية قال سعد بن عبادة: إني لو رأيت أهلي ومعها رجل أنتظر حتى آتي بأربعة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. قال: والذي بعثك بالحق لو رأيته لعاجلته بالسيف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا معشر الأنصار اسمعوا ما يقول سيدكم ان سعداً لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني" ". تفسير : وأخرج ابن ماجة وابن حبان والحاكم وابن مردويه عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين نزلت آية الملاعنة "حديث : أيما امرأة أدخلت على قوم ما ليس منهم فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته. وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين ".
القشيري
تفسير : لمّا ضاق الأمرُ على من رأى أهلَه على فاحشة، إذ أن في ذلك قبول نسبٍ غير صحيح - فقد نهى الشرعُ عن استلحاقه ولداً مِنْ غيره. وكان أمراً محظوراً هتكُ عِرْضِ المرأة والشهادةُ عليها بالفحشاء، إذ يجوز أن يكون الأمر في المُعيب؛ أي بخلاف ما يدَّعيه الزوجُ. ولأن ذلك أمرٌ ذو خَطَرٍ شَرَعَ اللَّهُ حُكْمَ اللعان ليكون للخصومة قاطعاً، وللمُقْدِم على الفاحشة زاجراً، ففي مثل هذه الأحوال عنها خَرْجَةٌ. ولولا أنَّ الله على كل شيءٍ قدير وإلا ففي عادة الناس.. مَنِ الذي يهتدي لِمِثْلِ هذا الحكم لولا تعريفٌ سماوي وأمر نبوي، من الوحي مُتَلَقَّاهُ، ومنِ اللَّهِ مُبْتَداهُ وإليه منتهاهُ؟.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين يرمون ازواجهم} بيان لحكم الرامين لزوجاتهم خاصة بعد بيان حكم الرامين لغيرهن اى والذين يقذفون نساءهم بالزنى بان يقول لها يازانية او زنيت او رأيتك تزنى، قال فى بحر العلوم اذا قال يازانية وهما محصنان فردت بلا بل انت حدث لانها قذفت الزوج وقذفه اياها لا يوجب الحد بل اللعان وما لم ترفع القاذف الى الامام لم يجب اللعان، قال ابن عباس رضى الله عنهما لما نزل قوله تعالى {أية : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء}تفسير : قال عاصم بن عدى الانصارى ان دخل رجل منا بيته فرأى رجلا على بطن امرأته فان جاء باربعة رجال يشهدون بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج وان قتله قتل به وان قال وجدت فلانا مع تلك المرأة ضرب وان سكت سكت على غيظ اللهم افتح وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له عويم وكان له امرأة يقال لها خولة بنت قيس فاتى عويم عاصما فقال لقد رأيت شريكا بن السحماء على بطن امرأتى خولة فاسترجع عاصم حديث : واتى رسول الله عليه السلام فقال يا رسول الله ما اسرع ماابتليت بهذا السؤال فى اهل بيتى فقال عليه السلام "وماذاك" قال اخبرنى عويم ابن عمى انه رأى شريكا على بطن امرأته خولة فدعا رسول الله اياهم جميعا فقال لعويم "اتق الله فى زوجتك وابنة عمك ولا تقذفها" فقال يارسول الله تالله لقد رأيت شريكا على بطنها وانى ما قربتها منذ اربعة اشهر وانها حبلى من غيرى فقال لها رسول الله "اتقى الله ولا تخبرى الا بما صنعت" فقالت يا رسول الله ان عويما رجل غيور وانه رأى شريكا يطيل النظر الىّ ويحدثنى فحملته الغيرة على ما قال فانزل الله تعالى قوله {والذين يرمون ازواجهم} وبين به ان حكم قذف الزوجة اللعان فامر رسول الله بان يؤذن للصلاة جامعة فصلى العصر ثم قال لعويم قم وقل "اشهد بالله ان خولة لزانية وانى لمن الصادقين" فقال ثم قال فى الثانية "اشهد انى رأيت شريكا على بطنها وانى لمن الصادقين" ثم قال فى الثالثة "اشهد بالله انها لحبلى من غيرى وانى لمن الصادقين" ثم قال فى الرابعة "اشهد بالله انها زانية وانى ماقربتها منذ اربعة اشهر وانى لمن الصادقين" ثم قال فى الخامسة "لعنة الله على عويم" يعني نفسه "ان كان من الكاذبين" ثم قال له اقعد وقال لخولة قومى فقامت وقالت "اشهد بالله ما انا بزانية وان زوجى لمن الكاذبين" وقالت فى الثانية "اشهد بالله ما رأى شركا على بطنى وانه لمن الكاذبين" وقالت فى الثالثة "اشهد بالله ما انا حبلى الا منه وانه لمن الكاذبين" وقالت فى الرابعة "اشهد بالله ما رآنى على فاحشة قط وانه لمن الكاذبين" وقالت فى الخامسة "غضب الله على خولة ان كان عويم من الصادقين فى قوله" ففرق النبىّ عليه السلام بينهما وقضى ان الولد لها ولا يدعى لاب وذلك قوله تعالى {والذين يرمون ازواجهم} تفسير : {ولم يكن لهم شهداء} يشهدون بما رموهن من الزنى {الا انفسهم} يدل من شهداء جعلوا من جملة الشهداء ايذانا من اول الامر بعدم القاء قولهم بالمرة ونظمها فى سلك الشهادة فى الجملة {فشهادة احدهم} اى شهادة كل واحد منهم وهو مبتدأ خبره قوله {اربع شهادات} اى فشهادتهم المشروعة اربع شهادات {بالله} متعلق بشهادات {انه لمن الصادقين} اى فيما رماها به من الزنى واصله على انه الخ فحذف الجار وكسرت ان وعلق العامل عنها للتأكيد.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (إلا أنفسهم): بدل من (شهداء)، أو صفة له، على أن (إلا) بمعنى غير. و (فشهادة): مبتدأ، والخبر محذوف، أي: واجبة، أو: تدرأ عنه العذاب، أو: خبر عن محذوف، أي: فالواجب شهادة أحدهم، و(أنَّ)، في الموضعين: مخففة، وَمَنْ شَدَّدَ؛ فعلى الأصل. و(الخامسة): مبتدأ و (أنَّ غَضَبَ): خبر، وقرأ حفص بالنصب، أي: ويشهد الشهادة الخامسة. يقول الحق جل جلاله: {والذين يرمون أزواجهم} أي: يقذفون زوجاتهم بالزنا، {ولم يكن لهم شهداءُ} أي: لم يكن لهم على تصديق قولهم من يشهد لهم به {إلا أنفسهُمُ}، جُعِلوا من جملة الشهداء؛ إيذاناً بعدم قبول قولهم بالمرة، {فشهادةُ أحدهم} أي: فالواجب شهادة أحدهم {أربعُ شهادات بالله} يقول أشهد بالله {إنه لمن الصادقين} فيما رماها به من الزنا. {والخامسةُ أنَّ لعنت الله عليه} أي: إنه لعنة الله عليه، أي: يقول فيها: لعنة الله عليه {إن كان من الكاذبين} فيما رماها به. فإذا حلف دُرِىءَ عنه العذاب، أي: دفع عنه الحد، وَإِنْ نَكَلَ: حُدَّ؛ لقذفها. {ويدرأُ عنها العذابَ} أي: يدفع عنها الحدَّ {أن تشهدَ أربعَ شهاداتٍ بالله إِنه} أي: الزوج {لمن الكاذبين} فيما رماها به من الزنا، {والخامسة أنَّ غضب الله عليها إن كان} الزوج {من الصادقين} فيما رماها به من الزنا. وذكر الغضب في حق النساء؛ تغليظاً؛ لأن النساء؛ يستعملن اللعن كثيراً، كما ورد به الحديث: "حديث : يُكْثِرْنَ اللعْنَ" تفسير : ، فربما يجترئن على الإقدام، لكثرة جري اللعن على ألسنتهن، وسقوط وقعه عن قلوبهن، فذكر الغضب في جانبهن؛ ليكون ردعاً لهن. فإذا حلفا معاً فُرق بينهما بمجرد التلاعن، عند مالك والشافعي، على سبيل التأبيد، وقال أبو حنيفة: حتى يحكم القاضي بطلقة بائنة؛ فتحل له بنكاح جديد إذا أكذب نفسه وتاب. رُوي أن آية القذف المتقدمة لَمَّا نزلت؛ قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، فقام عاصم بن عدي الأنصاري، فقال: جعلني الله فداءك، إن وجد رجل مع امرأته رجلاً، فأخبر بما رأى، جُلِدَ ثمانين، وسماه المسلمون فاسقاً، ولا تقبل شهادته أيضاً، فكيف لنا بالشهداء، ونحن إذا التمسنا الشهداء فرغ الرجلُ من حاجته، وإن ضربه بالسيف قُتل؟ اللهم افتح، وخرج فاستقبله هلالُ بن أمية - وقيل: عُوَيْمِر - فقال: ما وراءك؟ فقال: الشر، وجدت على امرأتي خولة - وهي بنت عاصم - شريكَ بن سحماء - فقال عاصم: والله هذا سؤال ما أسرع ما ابتليت به، فرجعا، فأخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلم خولة: فأنكرت، فنزلت هذه الآية، فتلاعنا في المسجد، وفرَّق بينهما، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ارقبوا الولد، إن جاءت به على نعت كذا وكذا، فما أراه إلا كذب عليها، وإن جاءت به على نعت كذا، فما أراه إلا صدق" تفسير : فجاءت به على النعت المكروه. قال تعالى: {ولولا فضلُ الله عليكم} أي: تفضله عليكم {ورحمتُه}؛ ونعمته {وأنَّ الله تواب حكيم}، وجواب "لولا": محذوف؛ لتهويله، والإشعار بضيق العبارة عن حصره، كأنه قيل: لولا تفضله تعالى عليكم ورحمته وأنه تعالى مبالغ في قبول التوبة، حكيم في جميع افعاله وأحكامه، التي من جملتها: ما شرع لكم من حكم اللعان، لكان ما كان، مما لا يحيط به نطاق العبارة، من حد الزوج مع الفضيحة، أو قتل المرأة، أو غير ذلك من العقوبة. قال القشيري: لبقيتم في هذه المعضلة ولم تهتدوا إلى الخروج من هذه الحالة المشكلة. هـ. الإشارة: النفس إذا تحقق فناؤها، وكمل تهذيبها، رجعت سراً من أسرار الله، فلا يحل رميها بنقص؛ لأن سر الله تعالى منزه عن النقائص، فإن رماها بشيء فليبادر بالرجوع عنه. والله تعالى أعلم. ثم ذكر وبال من رمى أزواج النبي - عليه الصلاة والسلام - في قضية الإفلاء، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ...}
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة الا أبا بكر {فشهادة أحدهم أربع شهادات} برفع العين. الباقون بفتحها. وقرأ نافع ويعقوب {أن لعنة الله.... وأن غضب الله عليها} بتخفيف النون فيهما، وسكونها، ورفع {لعنة الله} وقرأ نافع {غضب الله} - بكسر الضاد وفتح الباء، ورفع الهاء - من اسم الله. وقرأ يعقوب - بفتح الضاد ورفع الباء وخفض الهاء - من اسم الله. الباقون بفتح الضاد ونصب الباء وخفض الهاء. وقرأ حفص {الخامسة أن غضب الله} بالنصب. الباقون بالرفع. من رفع قوله {أربع} جعله خبر الابتداء، والابتداء {فشهادة أحدهم} قال أبو حاتم: من رفع فقد لحن، لان الشهادة واحدة، وقد أخبر عنها بجمع، فلا يجوز ذلك، كما لا يجوز (زيد أخوتك) وهذا خطأ، لان الشهادة، وإن كانت بلفظ الوحدة فمعناها الجمع، كقولك صلاتي خمس، وصومي شهر. وقال الزجاج: تقديره {فشهادة أحدهم} التي تدرؤ العذاب {أربع شهادات} ومن قرأ بالنصب جعله مفعولا به أي يشهد أربع شهادات. وقال ابو علي الفارسي: ينبغي أن يكون قوله {فشهادة أحدهم} مبنياً على ما يكون مبتدأ، وتقديره: فالحكم أو فالفرض ان يشهد أحدهم أربع شهادات، أو فعليهم أن يشهدوا، ويكون قوله {إنه لمن الكاذبين} على هذا من صلة {شهادة أحدهم}، وتكون الجملة التي هي قوله {إنه لمن الصادقين} في موضع نصب، لان الشهادة كالعلم، والجملة في موضع نصب، بأنه مفعول به {وأربع شهادات} تنتصب انتصاب المصادر. ومن رفع {أربع شهادات} لم يكن قوله {إنه لمن الصادقين} إلا من صلة {شهادات} دون "شهادة" كما أن قوله {بالله} من صلة (شهادات) دون صلة {شهادة} لانك لو جعلته من صلة {شهادة} فصلت بين الصلة والموصول. ومن نصب {أربع شهادات} فقياسه ان ينصب {والخامسة} لانها شهادة، وإذا رفع {أربع شهادات} ونصب {الخامسة} قدر له فعلا ينصبها به، وتقديره ويشهد الخامسة. ومن رفع {أربع شهادات} ورفع {الخامسة} جعلها معطوفة عليه، وإذا نصب الخامسة، لم يجعلها معطوفة عليه وجعلها مفعولا، وقدر فعلا ينصبها به. وقال: ابو علي: قراءة نافع في تخفيف (ان) الوجه فيها أنها المخففة من الثقيلة، ولا تخفف في الكلام أبداً وبعدها اسم إلا ويراد إضمار القصة، ومثله قوله {أية : وآخر دعواهم أن الحمد لله}. تفسير : وانما خففت الثقيلة المفتوحة على اضمار القصة والحديث، ولم تكن المكسورة كذلك، لأن الثقيلة المفتوحة موصولة. ويستقبح النحويون قراءة نافع فى قوله {أن غضب الله} لان من شأن المخففة من الثقيلة ألا تلي فعلا إلا وفي الكلام عوض، كقوله {أية : ألا يرجع} تفسير : وقوله {أية : علم أن سيكون} تفسير : فان (لا) و (السين) عوض من الثقيلة. ووجه قراءة نافع انه قد جاء فى الدعاء ولفظه لفظ الخبر، وقد يجئ فى الشعر وإن لم يفصل بين (ان) وبين ما يدخل عليها من الفعل، فعلى قول نافع {لعنة الله} رفع بالابتداء و {غضب} فعل ماض، واسم الله رفع بفعله. ومعنى الآية ان من قذف محصنة حرة مسلمة بفاحشة من الزنا، ولم يأت بأربعة شهداء جلد ثمانين. ومن رمى زوجته بالزنا تلاعنا. والملاعنة أن يبدأ الرجل فيحلف اربع مرات بالله الذي لا إله إلا هو انه صادق فيما رماها به، ويحتاج ان يقول أشهد بالله أني صادق، لان شهادته أربع مرات تقوم مقام أربعة شهود في دفع الحد عنه، ثم يشهد الخامسة ان لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به. [واذا جحدت المرأة ذلك شهدت أربع شهادات بالله انه لمن الكاذبين فيما رماها به و] تشهد الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ثم يفرق بينهما، ولا يجتمعان أبداً، كما فرق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بين هلال بن أمية وزوجته. وقضى أن الولد لها، ولا يدعى لأب، ولا ترمى هي، ولا يرمى ولدها. وقال ابن عباس: متى لم تحلف رجمت، وإن لم يكن دخل بها جلدت الحد، ولم ترجم إذا لم تلتعن، وعند أصحابنا: انه لا لعان بينهما ما لم يدخل بها، فمتى رماها قبل الدخول وجب عليه حد القاذف، ولا لعان بينهما. وفرقة اللعان تحصل عندنا بتمام اللعان من غير حكم الحاكم، وتمام اللعان إنما يكون اذا تلاعن الرجل والمرأة معاً. وقال قوم: تحصل بلعان الزوج الفرقة. وقال أهل العراق: لا تقع الفرقة إلا بتفريق الحاكم بينهما. ومتى رجمت عند النكول ورثها الزوج، لأن زناها لا يوجب التفرقة بينهما. ولو جلدت - إذا لم يكن دخل بها - فهما على الزوجية. وذلك يدل على ان الفرقة انما تقع بلعان الرجل والمرأة معاً. قال الحسن: اذا تمت الملاعنة بينهما ولم يكن دخل بها، فلها نصف الصداق، لان الفرقة جاءت من قبله. واذا تم اللعان اعتدت عدة المطلقة عند جميع الفقهاء، ولا يتزوجها أبداً بلا خلاف. وآية اللعان نزلت في عاصم بن عدي. وقيل: نزلت في هلال ابن امية - فى قول ابن عباس - ومتى فرق بينهما ثم اكذب نفسه جلد الحد ولا ترجع اليه امرأته. وقال ابو حنيفة ترجع اليه. وإذا أقر بالولد بعد اللعان ألحق به يرثه الابن ولا يرثه الأب. وقال الشافعي: يتوارثان. و (الدرؤ) الدفع و {العذاب} الذي يدرؤ عنهما بشهادتهما (الحد)، لأنه بمنزلة من يشهد عليها أربعة شهود بالزنا. وقال قوم: هو الحبس لانه لم تتم البينة بأربعة شهود، وانما إلتعان الرجل درأ عنه الحد فى رميه. قال الجبائي: فى الآية دلالة على ان الزنا ليس بكفر، لانه ليس لصاحبه حكم المرتد. وفيها دلالة على انه يستحق اللعن من الله بالزنا. وقوله {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب رحيم} نصب قوله {وأن الله} لانه عطف على موضع (أن) الاولى. وجواب (لولا) محذوف، وتقديره: لولا فضل الله عليكم ورحمته لفضحكم بما ترتكبون من الفاحشة، ولعاجلكم بالعقوبة او لهلكتم وما يجري مجراه. ومثله قولهم: لو رايت فلاناً وفى يده السيف اي لرأيت شجاعاً ولرأيت هائلا، قال جرير: شعر : كذب العواذل لو رايت مناخنا بحزيز رامة والمطي سوام تفسير : وفى المثل (لو ذات سوار لطمتني)
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} لمّا ذكر حكم قذف الاجنبيّة اراد ان يبيّن حكم رمى الازواج حتّى لا يتوهّم انّ رمى الازواج كرمى الاجنبيّة {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} فى الاتيان بهذا الاستثناء اشعار بانّ الرّمى قد يكون عن ظنٍّ وتخمينٍ وحدسٍ، وقد يكون عن شهودٍ وعيانٍ، وهذا الحكم لمن شهد لا لمن حدس {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ} مكان اربع شهودٍ، قرئ اربع شهادات بالنّصب مفعولاً مطلقاً وحينئذٍ يكون شهادة احدهم مبتدءً محذوف الخبر اى واجبة او عليهم او خبراً محذوف المبتدأ اى الواجب او المعتبر او حكم الله شهادة احدهم، وقرئ بالرّفع وحينئذٍ يكون شهادة احدهم مبتدءً واربع شهاداتٍ خبره، او يكون شهادة احدهم على الوجوه السّابقة واربع شهادات بدلاً منه والمراد من احدهم واحد لا على التّعيين حتّى يفيد العموم البدلىّ اى شهادة كلّ واحد منهم اربع شهادات {بِٱللَّهِ} متعلّق بشهادات او بشهادة احدهم او متنازع فيه {إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} اى فيما رماها والجملة مفعول لشهادة احدهم او لشهادات والعامل معلّق عنها او هى خبر عن الشّهادة ووجه جواز حملها على الشّهادة لكون الشّهادة فى معنى القول او مستأنفة جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما يقول او ما يشهد؟- فقال: يقول: انّه لمن الصّادقين.
الأعقم
تفسير : {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء} الآية في قصة عاصم بن عدي وامرأته، وقيل: نزلت في هلال بن أميَّة فأما قصة عاصم قيل: حديث : لما نزلت الآية قرأها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على المنبر يوم الجمعة، فقال عاصم: جعلني الله فداك ان رأى رجلاً منَّا رجلاً مع امرأته، فأخبر بما رأى جلد ثمانين جلدة، وسماه المسلمون فاسقاً، ولا تقبل شهادته أبداً، فكيف لنا بالشهود ونحن إذا التمسناهم كان الرجل قد فرغ من حاجته؟ اللهم بيّن، وكان عويمر بن عاصم وله امرأة تسمى خولة بنت قيس فأتى عويمر عاصماً وقال: رأيت شريك بن سمحاء على بطن امرأتي فأتى عاصم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إني ابتليت بالسؤال التي سألت في أهل بيتي وقصّ عليه القصّة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لعويمر: "اتق الله في زوجتك وابنة عمك" فقال: يا رسول الله لقد رأيت شريكاً على بطنها وهي حبلى ولم أقربها منذ أربعة وأنكر شريكاً وخولة ذلك فنزلت الآية، فنودي بالصلاة جامعة ثم أمر عويمر وخولة أن يفعلا ما حكى الله في هذه الآية من اللعان وذلك في قصة هلال مثل ذلك ثم قال لعويمر.... {أربع شهادات بالله} أن خولة زانية وإني لصادق، وقال في {الخامسة لعنة الله} على عويمر ان كان من الكاذبين، ثم قامت خولة فشهدت {أربع شهادات بالله} أنه كاذب فيما رماها به وقالت في {الخامسة أنّ غضب الله عليها} إن كان صادقاً، ففرق بينهما ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم) إن جاءت به كذا فهو لشريك وإن جاءت به كذا فهو لغيره، قال ابن عباس: فجاءت به بأشبه خلق الله لشريك فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "لولا الايمان لكان لي ولها شأن" تفسير : وعند الشافعي يقوم الرجل قائماً.... يشهد والمرأة قاعدة، قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} بقبول التوبة وقيل: بالإِمهال {وأن الله توّاب حكيم} فيما فعل وأمر {إن الذين جاءوا بالإِفك عصبة منكم} والعصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين، والآية وما بعدها نزلت في شأن عائشة ومن رماها بالإِفك في حديث طويل جملته أنها كانت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة بني المصطلق وكانت في هودج تدخل فيه، ثم يجيء الرجل يحملها، وضاع لها عقد وكانت تباعدت لقضاء الحاجة فجاءت تطلبه فتوهم أنها في هودجها، وعادت وقد رحل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه، وكان صفوان بن المعطل.... وراء الجيش فمرّ بها فعرفها فأناخ بعيره حتى ركبته وساقه حتى أتى الجيش بعدما نزلوا في قائم الظهيرة فتكلم المنافقون، وقال عبد الله بن أُبي: والله ما نجت منه ولا نجا منها، والذين خاضوا فيه: عبد الله بن أُبي، وزيد بن رفاعة، ومسطح ابن خالة أبي بكر، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، وأخبرت بذلك، فعادت إلى بيت أبي بكر ومرضت، فدخل عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدما انقطع عنها أياماً فنزلت هذه الآية عليه براءة لها، وروي أنه قال: "حديث : بشروا عائشة" تفسير : وأمر بالذين رموها فجلدوا ثمانين ثمانين {لا تحسبوه شراً لكم} يعني غم الإِفك وإذاؤه ليس بشر {بل هو خير} لظهور البراءة ولأنه يستحق عليه العوض لمن إذا غيره وعمّه فبالصبر استحق الثواب، فذلك خير لكم لمن ساءه ذلك من المؤمنين وخاصة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وعائشة وصفوان، ومعنى كونه لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به، وعدة ألطاف الطاعات السامعين والتاليين إلى يوم القيامة، وفوائد وأحكام وآداب {والذي تولى كبره منهم} أي معظم الإِفك عبد الله بن أُبي.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} بالزنى * {وَلَمْ يَكُن} وقرئ بالمثناة الفوقية لان الشهداء جماعة ولانه ابدل منه ان تفسير في احد وجهين {لَهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} بدل من شهداء أولا وما بعدها نعت شهداء. وان قلت: كيف يصح ذلك نعتا؟ قلت على معنى قول لم يمكن للقاذف {أَرْبَعُةُ شُهَدَاءَ} كل واحد غير القاذف فافهم *{فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} اي احد من يرمون الظاهر ان شهادة (خبر) لمحذوف اي فالواجب شهادة احدهم أو مبتدأ خبره محذوف اي واجبة يقدر بعد (الكاذبين) لمحذوف اي فالواجب شهادة احدهم أو مبتدأ خبره محذوف اي واجبة يقدر بعد (الكاذبين) الاول أو يقدر فعليه شهادة احدهم. وقدر بعضهم الخبر بعد (الكاذبين) كذا يدفع عنه العذاب بدليل ويدرأ عنها العذاب إلى آخره وهو صحيح * {أَرْبَعُ} مفعول مطلق لشهادة. ورفعه حفص وحمزة والكسائي على انه خبر شهادة كأنه قيل فشهادة احدهم التي لا بد منها اربع لا يكفيه أقل * {شَهَادَاتِ بِاللَّهِ} متعلق بشهادات لقربه أو بشهادة لتقدمه ولبناء الكلام عليه ويتعين تعليقه بشهادات في قراءة رفع (اربع) لئلا يلزم الاخبار عن المصدر قبل مجيء معموله الا ان ساغ هنا لكون المعمول ظرفا. {إِنَّهُ لِمَنَ الصَادِقِينَ} فيما رماها به من الزنى يقول اربع مرات اشهد بالله اني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنى.
اطفيش
تفسير : {والَّذين يرْمُونَ} بالزنى أو بأن الولد ليس منى، سواء كانوا أحراراً أو عبيداً، مسلمين أو مشركين {أزواجهم} بالغات عاقلات موحدات، أو كتابيات مدخولا بهن، أو غير مدخول بهن، غير مطلقات، أو مطلقات رجعيا حرائر أو إماء خلافا لقوم فى المشركين والمملوكين {ولَمْ يَكنْ لَهم شُهداءُ} أربعة على زناهن {إلاَّ أنفسهم} سماهم شهداء، مع أنهم مدعون لأنفسهم إيذانا من أول الأمر، بأن لشهادتهم طرفا من القبول، كما أضافها إليهم بشرط تكررها كما قال {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين} الخ وأربع مفعول مطلق، والمعنى فالواجب أو فالحكم، شهادة أو شهادة أحدهم واجبة او كافية، والباء متعلق بشهادة، لأنه المعتمد أو بشهادات لقربه واتصاله، والمراد لمن الصادقين فى دعوى زناها، والمراد بالأحد الزوج، لأن الزوجة فى قوله: "أية : ويدرؤا عنها"تفسير : [النور: 8] "وإنه لمن الصادقين" معمول لشهادة يتعدى إليه بالباء، أو على فتفتح أن فعلق عن ذلك باللام، وكسرت لتضمن الشهادة معنى العلم، أو الجملة جواب شهادة، إذ كانت بمعنى القسم. واللعان شهادات متعددة مؤكدة بالايمان، مقرونة باللعن والغضب، قائمة مقام حد القذف فى حق الرجل، ومقام حد الرجم فى حق امرأته.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوٰجَهُمْ } بيان لحكم الرامين لأزواجهم خاصة وهو ناسخ لعموم المحصنات وكانوا قبل نزول هذه الآية يفهمون من آية { أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ } تفسير : [النور: 4] الخ أن حكم من رمى الأجنبية وحكم من رمى زوجته سواء فقد أخرج أبو داود وجماعة عن ابن عباس قال: « حديث : لما نزلت و {ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } [النور: 4] الآية قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا معشر الأنصار ألا تسمعوا ما يقول سيدكم؟ قالوا: يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور والله ما تزوج امرأة قط إلا بكراً وما طلق امرأة فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها من شدة غيرته فقال: سعد والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من عند الله تعالى ولكني تعجبت إني لو وجدت لكاعاً قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته قال: فما لبثوا يسيراً حتى جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء فوجدت عندها رجلاً فرأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتد عليه واجتمعت الأنصار فقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة الآن يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام هلال بن أمية وتبطل شهادته في المسلمين فقال: هلال والله إني لأرجو أن يجعل الله تعالى لي منها مخرجاً فقال: يا رسول الله إني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به والله تعالى يعلم إني لصادق فوالله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام الوحي وكان إذا نزل عليه عليه الصلاة والسلام الوحي عرفوا ذلك في تربد جلده فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي فنزلت {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوٰجَهُمْ } الآية فسُرِّيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبشر يا هلال قد كنت أرجو ذلك من ربـي، وقال عليه الصلاة والسلام أرسلوا إليها فجاءت فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما وذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا فقال: هلال والله يا رسول الله لقد صدقت عليها فقالت: كذب فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاعنوا بينهما » تفسير : الحديث، ومنه وكذا من رواية أخرى ذكرها البخاري في «صحيحه» والترمذي وابن ماجه يعلم أن قصة هلال سبب نزول الآية. وقيل: نزلت في عاصم بن عدي، وقيل: في عويمر بن نصر العجلاني؛ وفي «صحيح البخاري» ما يشهد له بل قال السهيلي إن هذا هو الصحيح ونسب غيره للخطأ، والمشهور / كما في «البحر» أن نازلة هلال قبل نازلة عويمر. وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أنس أنه قال: لأول لعان كان في الإسلام ما وقع بين هلال بن أمية وزوجته. ونقل الخفاجي هنا عن السبكي إشكالاً وأنه قال: إنه إشكال صعب وارد على آية اللعان والسرقة والزنا وهو أن ما تضمن الشرط نص في العلية مع الفاء ومحتمل لها بدونها ولتنزيله منزلة الشرط يكون ما تضمنه من الحدث مستقبلاً لا ماضياً فلا ينسحب حكمه على ما قبله ولا يشمل ما قبله من سبب النزول، وتعقبه بأنه لا صعوبة فيه بل هو أسهل من شرب الماء البارد في حر الصيف لأن هذا وأمثاله معناه إن أردتم معرفة هذا الحكم فهو كذا فالمستقبل معرفة حكمه وتنفيذه وهو مستقبل في سبب النزول وغيره، والقرينة على أن المراد هذا أنها نزلت في أمر ماض أريد بيان حكمه ولذا قالوا: دخول سبب النزول قطعي. ولا حاجة إلى القول بأن الشرط قد يدخل على الماضي ولا أن ما تضمن الشرط لا يلزمه مساواته لصريحه من كل وجه ولا أن دخول ما ذكر بدلالة النص لفساده هنا انتهى. ثم إن المراد هنا نظير ما مر والذين يرمون بالزنا أزواجهم المدخول بهن وغير المدخول بهن وكذا المعتدات في طلاق رجعي. {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء } أربعة يشهدون بما رموهن به من الزنا. وقرىء {تَكُنْ } بالتاء الفوقية وقراءة الجمهور أفصح {إِلاَّ أَنفُسُهُمْ } بدل من {شُهَدَاء } لأن الكلام غير موجب والمختار فيه الإبدال أو إلا بمعنى غير صفة لشهداء ظهر إعرابها على ما بعدها لكونها على صورة الحرف كما قالوا في أل الموصولة الداخلة على أسماء الفاعلين مثلاً، وفي جعلهم من جملة الشهداء إيذان كما قيل من أول الأمر بعدم إلغاء قولهم بالمرة ونظمه في سلك الشهادة وبذلك ازداد حسن إضافة الشهادة إليهم في قوله تعالى: {فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ } أي شهادة كل واحد منهم وهو مبتدأ وقوله سبحانه: {أَرْبَعُ شَهَـٰدَاتٍ } خبره أي فشهادتهم المشروعة أربع شهادات {بِٱللَّهِ } متعلق بشهادات، وجوز بعضهم تعلقه بشهادة. وتعقب بأنه يلزم حينئذٍ الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبـي وهو الخبر، وأنت تعلم أن في كون الخبر أجنبياً كلاماً وأن بعض النحويين أجاز الفصل مطلقاً وبعضهم أجازه فيما إذا كان المعمول ظرفاً كما هنا. وقرأ الأكثر {أربع } بالنصب على المصدرية والعامل فيه {شَهَادَةً } وهي خبر مبتدأ محذوف أي فالواجب شهادة أو مبتدأ خبره محذوف أي فعليهم شهادة أو فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله واجبة أو كافية، ولا خلاف في جواز تعلق الجار على هذه القراءة بكل من الشهادة والشهادات وإنما الخلاف في الأولى. {إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } أي فيما رماها به من الزنا، والأصل على أنه الخ فحذف الجار وكسرت إن وعلق العامل عنها باللام للتأكيد، ولا يختص التعليق بأفعال القلوب بل يكون فيما يجري مجراها ومنه الشهادة لإفادتها العلم، وجوز أن تكون الجملة جواباً للقسم بناءً على أن الشهادة هنا بمعنى القسم حتى قال الراغب إنه يفهم منها ذلك وإن لم يذكر {بِٱللَّهِ } وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك.
ابن عاشور
تفسير : هذا تخصيص للعمومين الذين في قوله: { أية : والذين يرمون المحصنات } تفسير : [النور: 4] فإن من المحصنات من هن أزواج لمن يرميهن، فخُصّ هؤلاء الذين يرمون أزواجهم من حكم قوله: {والذين يرمون المحصنات} إلخ إذ عُذر الأزواج خاصة في إقدامهم على القول في أزواجهم بالزنى إذا لم يستطيعوا إثباته بأربعة شهداء. ووجه عذرهم في ذلك ما في نفوس الناس من سجية الغيرة على أزواجهم وعدم احتمال رؤية الزنى بهن فدفع عنهم حد القذف بما شرع لهم من الملاعنة. وفي هذا الحكم قبول لقول الزوج في امرأته في الجملة إذا كان متثبتاً حتى أن المرأة بعد أيمان زوجها تكلف بدفع ذلك بأيمانها وإلا قُبِل قوله فيها مع أيمانه فكان بمنزلة شهادة أربعة فكان موجباً حدها إذا لم تدفع ذلك بأيمانها. وعلة ذلك هو أن في نفوس الأزواج وازعاً يزعهم عن أن يرموا نساءهم بالفاحشة كذباً وهو وازع التعير من ذلك ووازع المحبة في الأزواج غالباً، ولذلك سمى الله ادعاء الزوج عليها باسم الشهادة بظاهر الاستثناء في قوله: {ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم}، وفي نفوسهم من الغيرة عليهن ما لا يحتمل معه السكوت على ذلك، وكانوا في الجاهلية يقتلون على ذلك وكان الرجل مصدقاً فيما يدعيه على امرأته. وقد قال سعد بن عبادة «لو وجدت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح». ولكن الغيرة قد تكون مفرطة وقد يذكيها في النفوس تنافس الرجال في أن يشتهروا بها، فمنع الإسلام من ذلك إذ ليس من حق أحد إتلاف نفس إلا الحاكم. ولم يقرر جعل أرواح الزوجات تحت تصرف مختلف نفسيات أزواجهن. ولما تقرر حد القذف اشتد الأمر على الأزواج الذين يعثرون على ريبة في أزواجهم. ونزلت قضية عويمر العجلاني مع زوجه خولة بنت عاصم ويقال بنت قيس وكلاهما من بني عم عاصم بن عدي من الأنصار. روى مالك في «الموطأ» عن سهل بن سعد أن عويمراً العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: يا عاصم أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ سل لي يا عاصم رسول الله عن ذلك. فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فكره رسول الله المسائلَ وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله. فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله؟ فقال عاصم لعويمر: لم تأتني بخير، قد كره رسول الله المسألة التي سألته عنها. فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها. فقام عويمر حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط الناس فقال: يا رسول الله أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها. قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث. فكانت هذه الآية مبدأ شرع الحكم في رمي الأزواج نساءهم بالزنى. واختلط صاحب القصة على بعض الرواة فسموه هلال ابن أمية الواقفي. وزيد في القصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: « حديث : البينة وإلا حدٌّ في ظهرك ». تفسير : والصواب أن سبب نزول الآية قصة عويمر العجلاني وكانت هذه الحادثة في شعبان سنة تسع عقب القفول من غزوة تبوك والتحقيق أنهما قصتان حدثتا في وقت واحد أو متقارب. ولما سمع النبي صلى الله عليه وسلم قول سعد بن عبادة عند نزول آية القذف السالفة قال: « حديث : أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني » تفسير : يعني أنها غيرة غير معتدلة الآثار لأنه جعل من آثارها أن يقتل من يجده مع امرأته والله ورسوله لم يأذنا بذلك. فإن الله ورسوله أغير من سعد، ولم يجعلا للزوج الذي يرى زوجته تزني أن يقتل الزاني ولا المرأة ولذلك قال عويمر العجلاني «من وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل»؟. وحذف متعلق {شهداء} لظهوره من السياق، أي شهداء على ما ادعوه مما رموا به أزواجهم. وشمل قوله: {إلا أنفسهم} ما لا تتأتى فيه الشهادة مثل الرمي بنفي حمل منه ادعى قبله الزوج الاستبراء. وقد علم من أحاديث سبب نزول الآية ومن علة تخصيص الأزواج في حكم القذف بحكم خاص ومن لفظ {يرمون} ومن ذكر الشهداء أن اللعان رخصة منَّ الله بها على الأزواج في أحوال الضرورة فلا تتعداها. فلذلك قال مالك في المشهور عنه وآخر قوليه وجماعة: لا يلاعن بين الزوجين إلا إذا ادعى الزوج رؤية امرأته تزني أو نفَى حملها نفياً مستنداً إلى حدوث الحمل بعد تحقق براءة رحم زوجه وعدم قربانه إياها، فإن لم يكن كذلك ورماها بالزنى. أي بمجرد السماع أو برؤية رجل في البيت في غير حال الزنى، أو بقوله لها: يا زانية، أو نحو ذلك مما يجري مجرى السب والشتم فلا يشرع اللعان. ويحد الزوج في هذه الأحوال حد القذف لأنه افتراء لا بينة عليه ولا عذر يقتضي تخصيصه إذ العذر هو عدم تحمل رؤية امرأته تزني وعدم تحمل رؤية حمل يتحقق أنه ليس منه. وقال أبو حنيفة والشافعي والجمهور: إذا قال تحمل لها: يا زانية، وجب اللعان، ذهاباً منهم إلى أن اللعان بين الزوجين يجري في مجرد القذف أيضاً تمسكاً بمطلق لفظ {يرمون}. ويقدح في قياسهم أن بين دعوى الزنى على المرأة وبين السب بألفاظ فيها نسبة إلى الزنا فرقاً بيناً عند الفقيه. وتسمية القرآن أيْمان اللعان شهادة يومىء إلى أنها لرد دعوى وشرط ترتب الآثار على الدعوى أن تكون محققة فقول مالك أرجح من قول الجمهور لأنه أغوص على الحقيقة الشرعية. وقوله: {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} إلخ لما تعذر على الأزواج إلفاء الشهادة في مثل هذا الحال وعذرهم الله في الادعاء بذلك ولم يترك الأمر سبهللا ولا ترك النساء مضغة في أفواه من يريدون التشهير بهن من أزواجهن لشقاق أو غيظ مفرط أو حماقة كلف الأزواج شهادة لا تعسر عليهم إن كانوا صادقين فيما يدعون فأوجب عليهم الحلف بالله أربع مرات لتقوم الأيمان مقام الشهود الأربعة المفروضين للزنا في قوله تعالى: { أية : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } تفسير : [النور: 4] إلخ. وسمي اليمين شهادة لأنه بدل منها فهو مجاز بعلاقة الحلول الاعتباري، وأن صيغة الشهادة تستعمل في الحلف كثيراً وهنا جعلت بدلاً من الشهادة فكأن المدعي أخرج من نفسه أربعة شهود هي تلك الأيمان الأربع. ومعنى كون الأيمان بدلاً من الشهادة أنها قائمة مقامها للعذر الذي ذكرناه آنفاً؛ فلا تأخذ جميع أحكام الشهادة، ولا يتوهم أن لا تقبل أيمان اللعان إلا من عدل فلو كان فاسقاً لم يلتعن ولم يحد حد القذف بل كل من صحت يمينه صح لعانه وهذا قول مالك والشافعي، واشترط أبو حنيفة الحرية وحجته في ذلك إلحاق اللعان بالشهادة لأن الله سماه شهادة. ولأجل المحافظة على هذه البدلية اشترط أن تكون أيمان اللعان بصيغة: «أشهد بالله» عند الأيمة الأربعة. وأما ما بعد صيغة (أشهد) فيكون كاليمين على حسب الدعوى التي حلف عليها بلفظ لا احتمال فيه. وقوله: {فشهادة أحدهم أربع شهادات} قرأه الجمهور بنصب {أربعَ} على أنه مفعول مطلق لــــ{شهادة} فيكون {شهادة أحدهم} محذوف الخبر دل عليه معنى الشرطية الذي في الموصول واقتران الفاء بخبره، والتقدير: فشهادة أحدهم لازمة له. ويجوز أن يكون الخبر قوله: {إنه لمن الصادقين} على حكاية اللفظ مثل قولهم: «هجِّيرا أبي بكر لا إله إلا الله». وقرأه حمزة والكسائي وحفص وخلف برفع {أربعُ} على أنه خبر المبتدأ وجملة {إنه لمن الصادقين} إلى آخرها بدل من {شهادة أحدهم}. ولا خلاف بين القراء في نصب {أربع شهادات} الثاني. وفي قوله: {إنه لمن الصادقين} حكاية للفظ اليمين مع كون الضمير مراعى فيه سياق الغيبة، أي يقول: إني لمن الصادقين فيما ادعيت عليها. وأما قوله: {والخامسة} أي فالشهادة الخامسة، أي المكملة عدد خمس للأربع التي قبلها. وأنث اسم العدد لأنه صفة لمحذوف دل عليه قوله {فشهادة أحدهم} والتقدير: والشهادة الخامسة. وليس لها مقابل في عدد شهود الزنى. فلعل حكمة زيادة هذه اليمين مع الأيمان الأربع القائمة مقام الشهود الأربعة أنها لتقوية الأيمان الأربع باستذكار ما يترتب على أيمانه إن كانت غموساً من الحرمان من رحمة الله تعالى. وهذا هو وجه كونها مخالفة في صيغتها لصيغ الشهادات الأربع التي تقدمتها. وفي ذلك إيماء إلى أن الأربع هي المجعولة بدلاً عن الشهود وأن هذه الخامسة تذييل للشهادة وتغليظ لها. وقرأ الجمهور: {والخامسةُ أن غضب الله عليها} بالرفع كقوله: {والخامسة أن لعنت الله عليه} وهو من عطف الجمل. وقرأه حفص عن عاصم بالنصب عطفاً على {أربع شهادات} الثاني وهو من عطف المفردات. وقرأ الجمهور: {أنّ لعنة الله عليه} و{أنّ غضب الله عليها} بتشديد نون (أنّ) وبلفظ المصدر في {أنّ غضب الله} وجر اسم الجلالة بإضافة (غضب) إليه. ويتعين على هذه القراءة أن تقدر باء الجر داخلة على {أن} في الموضعين متعلقة بـــ{الخامسة} لأنها صفة لموصوف تقديره: والشهادة الخامسة، ليتجه فتح همزة (أنّ) فيهما. والمعنى: أن يشهد الرجل أو تشهد المرأة بأن لعنة الله أو بأن غضب الله، أي بما يطابق هذه الجملة. وقرأ نافع بتخفيف نون (أنْ) في الموضعين و{غضِب الله} بصيغة فعل المضي، ورفْع اسم الجلالة الذي بعد {غضِب}. وخرجت قراءته على جعل (أن) مخففة من الثقيلة مهملة العمل واسمها ضمير الشأن محذوف أي تهويلاً لشأن الشهادة الخامسة. ورد بما تقرر من عدم خلو جملة خبر (أن) المخففة من أحد أربعة أشياء: قد، وحرف النفي، وحرف التنفيس، ولولا. والذي أرى أن تجعل (أن) على قراءة نافع تفسيرية لأن الخامسة يمين ففيها معنى القول دون حروفه فيناسبها التفسير. وقرأ يعقوب {أنْ لعنة الله} بتخفيف (أن) ورفع {لعنةُ} وجر اسم الجلالة مثل قراءة نافع. وقرأ وحده {أن غضبُ الله عليها} بتخفيف (أن) وفتح ضاد {غضب} ورفع الباء على أنه مصدر ويجر اسم الجلالة بالإضافة. وعلى كل القراءات لا يذكر المتلاعنان في الخامسة من يمين اللعان لفظ (أن) فإنه لم يرد في وصف أيمان اللعان في كتب الفقه وكتب السنة. والقول في صيغة الخامسة مثل القول في صيغ الأيمان الأربع. وعين له في الدعاء خصوص اللعنة لأنه وإن كان كاذباً فقد عرض بامرأته للعنة الناس ونبذ الأزواج إياها فناسب أن يكون جزاؤه اللعنة. واللعنة واللعن: الإبعاد بتحقير. وقد تقدم في قوله: { أية : وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين } تفسير : في سورة الحجر (35). واعلم أن الزوج إن سمى رجلاً معيناً زنى بامرأته صار قاذفاً له زيادة على قذفه المرأة، وأنه إذا لاعن وأتم اللعان سقط عنه حد القذف للمرأة وهو ظاهر ويبقى النظر في قذفه ذلك الرجل الذي نسب إليه الزنى. وقد اختلف الأيمة في سقوط حد القذف للرجل فقال الشافعي: يسقط عنه حد القذف للرجل لأن الله تعالى لم يذكر إلا حداً واحداً ولأنه لم يثبت بالسنة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام حد الفرية على عويمر العجلاني ولا على هلال بن أمية بعد اللعان. وقال مالك وأبو حنيفة: يُسقط اللعان حد الملاعن لقذف امرأته ولا يسقط حد القذف لرجل سماه، والحجة لهما بأن الله شرع حد القذف. ولما كانت هذه الأيمان مقتضية صدق دعوى الزوج على المرأة كان من أثر ذلك أن تعتبر المرأة زانية أو أن يكون حملها ليس منه فهو من زنى لأنها في عصمة فكان ذلك مقتضياً أن يقام عليها حد الزنى، فلم تهمل الشريعة حق المرأة ولم تجعلها مأخوذة بأيمان قد يكون حالفها كاذباً فيها لأنه يتهم بالكذب لتبرئة نفسه فجعل للزوجة معارضة أيمان زوجها كما جعل للمشهود عليه الطعن في الشهادة بالتجريح أو المعارضة فقال تعالى: {ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله} الآية. وإذ قد كانت أيمان المرأة لرد أيْمان الرجل، وكانت أيمان الرجل بدلاً من الشهادة وسميت شهادة، كانت أيْمان المرأة لردها يناسب أن تسمى شهادة؛ ولأنها كالشهادة المعارضة، ولكونها بمنزلة المعارضة كانت أيْمان المرأة كلها على إبطال دعواه لا على إثبات براءتها أو صدقها. والدرء: الدفع بقوة، واستعير هنا للإبطال. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : ويدرؤون بالحسنة السيئة } تفسير : في سورة الرعد (22). والتعريف في {العذاب} ظاهر في العهد لتقدم ذكر العذاب في قوله: { أية : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } تفسير : [النور: 2]. فيؤخذ من الآية أن المرأة إذا لم تحلف أيْمان اللعان أقيم عليها الحد. وهذا هو الذي تشهد به روايات حديث اللعان في السنة. وقال أبو حنيفة: إذا نكلت المرأة عن أيمان اللعان لم تحد لأن الحد عنده لا يكون إلا بشهادة شهود أو إقرار. فعنده يُرجع بها إلى حكم الحبس المنسوخ عندنا، وعنده إنما نسخ في بعض الأحوال وبقي في البعض. والقول في صيغة أيمان المرأة كالقول في صيغة أيمان الزوج سواء. وعين لها في الخامسة الدعاء بغضب الله عليها إن صدق زوجها لأنها أغضبت زوجها بفعلها فناسب أن يكون جزاؤها على ذلك غضب ربها عليها كما أغضبت بعلها. وتتفرع من أحكام اللعان فروع كثيرة يتعرض بعض المفسرين لبعضها وهي من موضوع كتب الفروع.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 6- والذين يتهمون زوجاتهم بالزنا، ولم يكن هناك عدد يشهد بصدق اتهامهم، فيطالب الواحد منهم ليدفع عن نفسه الحد والعقوبة بأن يشهد بالله أربع مرات أنه صادق فى هذا الاتهام. 7- ويذكر فى المرة الخامسة أنه يستحق الطرد من رحمة الله إن كان من الكاذبين فى ذلك. 8- ولو سكتت الزوجة بعد ذلك أقيم عليها عقوبة الزنا، ولكى تدفع عنها العقوبة يجب عليها أن تشهد بالله أربع مرات أن الزوج كاذب فى اتهامه إياها بالزنا. 9- وتذكر فى المرة الخامسة أنها تستحق أن ينزل بها غضب الله، إن كان من الصادقين فى هذا الاتهام. 10- ولولا تفضل الله عليكم ورحمته بكم - وإنه كثير قبول التوبة من عباده، وحكيم فى كل أفعاله - لما شرع لكم هذه الأحكام، ولعجل عقوبتكم فى الدنيا على المعصية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يرمون أزواجهم: أي يقذفونهن بالزنا كأن يقول زنت أو الحمل الذي في بطنها ليس منه. إنه لمن الصادقين: اي فيما رماها به من الزنى. والخامسة: أي والشهادة الخامسة. ويدرأ عنها العذاب: أي يدفع عنها حد القذف وهو هنا الرجم حتى الموت. أن تشهد أربع شهادات: أي شهادتها أربع شهادات. والخامسة: هي قولها غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ولولا فضل الله عليكم: أي لفضح القاذف أو المقذوف ببيان كذب أحدهما. معنى الآيات: بعد بيان حكم حد القذف العام ذكر تعالى حكم القذف الخاص وهو قذف الرجل زوجته فقال تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} أي بالفاحشة {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ} أي من يشهد معهم إلا أنفسهم أي إلا القاذف وحده فالذي يقوم مقام الأربعة شهود هو أن يشهد أربع شهادات قائلاً: أشهد بالله لقد رأيتها تزني أو زنت أو هذا الولد أو الحمل ليس لي ويلتعن فيقول في الخامسة {لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} أي فيما رمى به زوجته، وهنا يعرض على الزوجة أن تقر بما رماها به زوجها ويقام عليها حد القذف وهو هنا الرجم، أو تشهد أربع شهادات بالله أنها ما زنت، والخامسة تدعو على نفسها بغضب الله فتقول {أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} فيما رماها به، وبذلك درأت عنها العذاب الذي هو الحد ويفرق بينهما فلا يجتمعان أبداً. وقوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} جواب لولا محذوف تقديره لعاجلكم بالعقوبة ولفضح أحد الكاذبين: ولكن الله تواب رحيم فستر عليكم ليتوب من يتوب منكم ورحمكم بهذا التشريع العادل الرحيم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان حكم قذف الرجل امرأته ولم يكن له أربعة شهود يشهدون معه على ما رمى به زوجته وهو اللعان. 2- بيان كيفية اللعان، وأنه موجب لإِقامة الحد، إن لم ترد الزوجة الدعوى بأربع شهادات والدعاء عليها في الخامسة وقولها {أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ}. 3- في مشروعية اللعان مظهر من مظاهر حسن التشريع الإِسلامي وكماله وأن مثله لن يكون إلا بوحي إلهي وفيه إشارة إلى تقرير النبوة المحمدية.
القطان
تفسير : يرمون أزواجهم: يتهمون زوجاتهم بالزنا. يدرأ عنها العذاب: يدفع عنها الحد. والذين يتهمون زوجاتِهم بالزنا، ولا يستطيعون إثباته بأربعة شهود عدول، فان على الواحد منهم ان يشهد بالله أربعَ شهادات (يعني اربع مرات) انه صادق في هذا الاتهام، ويقول في المرة الخامسة أن عليه لعنةَ الله إن كان من الكاذبين. وعلى الزوجة إذا لم تعترف بهذا الاتهام ان تقفَ وتقول أربع مرات: أشهدُ بالله أن الزوجَ كاذب في اتهامه إياها بالزنا، وتقول في المرة الخامسة إن عليها غضبَ الله إن كان زوجها من الصادقين. وهذا يدفعُ عنها الحد. وفي هذه الحالة يقضي القاضي بالتفريق بينهما الى الأبد، وتحرُم عليه حرمةً مؤبدة، ويسقط عنها الحد، وينتفي نسَب الولد عن الزوج فلا يرثه، ويبقى الولد ابنَ الزوجة فقط هي أمه الشرعية، وليس لها مسكن ولا نفقة وليس لها أيّ حقوق من زوجها. وهذا التشريع من لطف الله وحكمته، فيه ستر للأعراض، وتهدئةٌ للنفوس، واطمئنانٌ للقلوب، وتيسير على الناس. وقد عقّب الله بعد ذلك بقوله الكريم: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ}. من فضل الله عليكم ورحمته بكم أن شرع لكم هذه الأحكام الميسّرة، وإلا لكان وقَعَ بينكم شر عظيم. لقد ستر عليكم، ورفع عنكم الحدَّ باللعان، وإن الله توابٌ حكيم. وجواب لولا محذوف تقديره: لفضحكم وعاجلكم بالعقوبة. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وحفص: فشهادة أحدهم اربعُ شهادات برفع العين. والباقون: أربعَ شهادات بفتح العين. وقرأ نافع ويعقوب: والخامسة أنْ لعنةُ الله، وأنْ غضبُ الله عليها باسكان النون، ورفع كلمة لعنة. وقرأ نافع: وأنْ غَضِبَ الله عليها. وقرأ يعقوب وان غضب الله عليها. والباقون: والخامسة انّ لعنةَ الله.... وانّ غضبَ الله، بتشديد ان وفتح لعنةَ وغضب. وقرأ حفص: والخامسةَ ان غضب الله عليها بنصب الخامسة. والباقون بالرفع.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَزْوَاجَهُمْ} {فَشَهَادَةُ} {شَهَادَاتٍ} {ٱلصَّادِقِينَ} (6) - هَذِهِ الآيَةُ وَمَا بَعْدَها تَتَعَلَّقُ بِاللِّعَانِ، وَفِيهَا مَخْرَجٌ للأَِزْوَاجِ إِذَا اتَّهَمُوا زَوْجَاتِهِم بالزِّنَى، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا إِقَامَةَ البَيِّنَةِ عَلَى زِنَاهُنَّ كَمَا أَمَرَ اللهُ، فَيُحْضِرُ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ إِلَى الإِمَامِ، فَيَدَّعِي عَلَيْهَا بِمَا رَمَاهَا بِهِ، فَيُحَلِّفُهُ الحَاكِمُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لِمَنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنَ الزِّنى. وَهَذِهِ الشَّهَادَاتُ الأَرْبَعُ تُقَابِل شَهَادَةَ الشُهَداءِ الأََرْبَعَةِ الذينَ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى شَهَادَتَهم كَافِيَةً لإِثْبَاتِ الزِّنَى.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن تكلم الحق - تبارك وتعالى - عن الذين يرمون المحصنات، وبيّن حكم القذف، أراد أنْ يُبيِّن حكم الرمي إنْ كان من الزوج لزوجته؛ لأن الأمر هنا مختلف، وربما يكون بينهما أولاد منه أو من غيره، فعليه أن يكون مُؤدباً بأدب الشرع، ولا يجرح الأولاد برمي أمهم ولا ذنب لهم. لذلك شرع الحق - سبحانه وتعالى - في هذه الحالة حكماً خاصاً بها هو الملاعنة، وقد سُمِّيت هذه الآية آية اللعان. ويُرْوَى أن هلال بن أمية ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله إني رأيتُ فلاناً على بطن زوجتي، فإنْ تركتُه لآتي بأربعة شهداء لقضى حاجته وانصرف، وإنْ قتلتُه فقد اعتديْتُ عليه. إذن: ما حَلّ هذا اللغز؟ وينبغي أن نعلم أن الله تعالى لا ينزل التشريع والحكم بدايةً، إنما يترك في الكون من أقضية الحياة وأحداثها ما يحتاج لهذا الحكم، بحيث ينزل الحكم فيصادف الحاجة إليه، كما يقولون: موقع الماء من ذي الغُلَّة الصَّادي، يعني: حين ينزل الحكم يكون له موضع فيتلقفه الناس، ويشعرون أنه نزل من أجلهم بعد أنْ كانوا يستشرفون لحكم في مسألة لم يأت فيها حكم. وقد شرع الله تعالى حكم الملاعنة أو اللعان خاصة، لهذه الحالة التي يلاحظ فيها الزوج شيئاً على أهله، وقد يضع يده عليه، لكن لا يستطيع أنْ يأتي عليه بشهود ليثبت هذه الحالة؛ لذلك جعله الشارع الحكيم يقوم وحده بهذه الشهادة، ويكررها أربع مرات بدل الشهداء الأربع. يقول: أشهد الله أنني صادق فيما رميتُ به امرأتي، يقولها أربع مرات، وفي الخامسة يقول: ولعنة الله عليَّ إنْ كنتُ كاذباً، وهكذا ينتهي دور الزوج في الملاعنة.
الصابوني
تفسير : [3] اللعان بين الزوجين التحليل اللفظي {يَرْمُونَ}: أي يتهمون أزواجهم بالفاحشة، ويقذفونهن بالزنى، وقد تقدم معنى الرمي في الآية السابقة وأن المراد به القذف بالزنى بقرينة اشتراط الأربعة من الشهداء وهنا اشترط أربع شهادات أيضاً. {أَزْوَاجَهُمْ}: جمع زوج بمعنى (الزوجة) فإنّ حذف التاء منها أفصح من إثباتها، إلا في الفرائض، قال تعالى: {أية : ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} تفسير : [الأعراف: 19] وأنكر بعضهم اطلاق لفظ زوجة في العربية وقال هي خطأ والصحيح أنها خلاف الأفصح. {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ}: أي الشهادة التي ترفع عنه حدّ القذف أن يحلف أربع مرات بالله أنه صادق فيما رماها به من الزنى والشهادة في اللغة معناها الخبر القاطع، وقد شاع في لسان الشرع استعمال الشهادة بمعنى الإخبار بحق لإنسانٍ على آخر، وتسمى أيضاً بينة. {لَعْنَتَ ٱللَّهِ}: أي غضبه ونقمته، وأصل اللعن: الطردُ من رحمة الله عز وجل كما قال تعالى لإبليس {أية : وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [صۤ: 78] وسمي اللعان لعاناً لأن فيه ذكر اللعنة. {وَيَدْرَؤُاْ}: أي يدفع والدرء معناه في اللغة: الدفعُ قال تعالى: {أية : فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا} تفسير : [البقرة: 72] أي تخاصمتم في شأنها وأصبح بعضكم يدفع على بعض. {ٱلْعَذَابَ}: المراد به العذاب الدنيوي وهو الحد (الجلد أو الرجم) الذي شرع عقوبةً للزاني أو الزانية في الآيات المتقدمة. {تَوَّابٌ}: أي كثير التوبة يعود على من رجع عن المعاصي بالرحمة والمغفرة وهي من صِيغِ المبالغة. {حَكِيمٌ}: أي يضع الأشياء في مواضعها ويشرع من الأحكام ما فيه مصلحة العباد. ومعنى الآية: لولا فضله ورحمته لعاجلكم بالعقوبة وفضح الكاذب منكم ولكنه تعالى تواب رحيم. المعنى الإجمالي يخبر المولى جل وعلا أن من قذف زوجته بالفاحشة واتهمهما بالزنى ولم يكن لديه بينة تثبت صدقة فيما ادعى ولا شهود يشهدون على صحة ما قال فالواجب عليه أن يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، تقوم مقام الشهداء الأربعة ليدفع عنه (حد القذف) وعليه أيضاً أن يحلف في المرة الخامسة بأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين في رميه لها بالزنى. وأما المرأة المقذوفة إذا لم تعترف بالذنب، وأرادت التخلص من إقامة (حد الزنى) فعليها أن تحلف أربعة أيمان بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من الزنى تقوم مقام الشهداء الأربعة في إثبات عفتها، وفي المرة الخامسة عليها أن تحلف بغضب الله وسخطه عليها إن كان زوجها صادقاً في اتهامه لها بالزنى. ثم بين الباري جل وعلا أن هذا التشريع الذي شرعه لعباده وهو تشريع (اللعان بين الزوجين) إنما هو من رحمته بالناس ولطفه بالمذنبين من عباده ولولا ذلك لهتك الستر عنهم ففضحهم وعجّل لهم العقوبة في الدنيا وعذبهم في الآخرة، ولكنه سبحانه رحيم ودود، غفار للذنوب، يقبل توبة العبد إذا أناب {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ}تفسير : [طه: 82]. سبب النزول أ - أخرج البخاري والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما حديث : أن (هلال بن أمية) قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم (بشريك بن سحماء) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة وإلا حد في ظهرك" فقال يا رسول الله: إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: البينة وإلاّ حد في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إنّي لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فأنزل الله {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} حتى بلغ {إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما فجاء هلال فشهد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الله يعلم إن أحدكما لكاذب فهل منكما تائب"؟ ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلَّجَ الساقين فهو لشريك بن سحماء، فجاءت به كذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن ". تفسير : ب - وروى ابن جرير الطبري بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما نزلت هذه الآية: {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} تفسير : [النور: 4] قال سعد بن عبادة: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ لو أتيت لكاع قد تفخّذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء؟ فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يا معشر الأنصار أما تسمعون إلى ما يقول سيدكمتفسير : ؟ قالوا: لا تلمه يا رسول الله فإنه رجل غيور ما تزوج فينا قط إلا عذراء ولا طلّق امرأة له فاجترأ رجلٌ منا أن يتزوجها؟... قال سعد يا رسول الله: بأبي وأمي، والله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق، ولكن عجبت أن لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، والله لا آتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته فوالله ما لبثوا يسيراً حتى جاء (هلال بن أمية) من حديقة له، فرأى بعينيه وسمع بأذنيه... ثم ذكر قصة هلال السابقة وطريقة اللعان. ج - وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن (عاصم بن عدي) الأنصاري قال لأصحابه: "إن دخل رجل منا بيته فوجد رجلاً على بطن امرأته، فإن جاء بأربعة رجال يشهدون بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج وإن قتله قُتِلَ به وإن قال وجدت فلاناً مع تلك المرأة ضُرب، وإن سكت سكت على غيظ اللهم افتح... وكان لعاصمٍ هذا ابن عم يقال له (عويمر) فأتى عويمر عاصماً فقال: لقد رأيت رجلاً على بطن امرأتي..." وساق الحديث. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: قال الإمام (الفخر الرازي): إنما اعتبر الشرع اللعان في الزوجات دون الأجنبيات لوجهين: أ - أنه لا معرّة على الرجل في زنى الأجنبية والأولى له سترهُ، أما زنى الزوجة فيلحقه العار والنسب الفاسد فلا يمكنه الصبر عليه. ب - إن الغالب المتعارف من أحوال الرجل مع امرأته أنه لا يقصدها بالقذف إلا عن حقيقة فإذا رماها فنفس الرمي يشهد بكونه صادقاً إلا أن شهادة الحال ليست بكاملة فضم إليها ما يقويها من الأيمان. اللطيفة الثانية: تخصيص (اللعنة) بجانب الرجل، وتخصيص (الغضب) بجانب المرأة، لأن الغضب أشد في العقوبة من اللعنة، والمرأة في اقترافها جريمة الزنى أسوأ من الرجل في ارتكابه جريمة القذف، لذلك أضيف الغضب إلى المرأة. ومن جهة أخرى فإن النساء كثيراً ما يستعملن اللعن فربما يجترئن على التفوه به لاعتيادهن عليه وسقوط وقعه من قلوبهن بخلاف غضب الله فتدبره. اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} فيه التفات، وهذا (الالتفات) من ضمير الغائب إلى ضمير المخاطبين (عليكم)، وسر هذا الالتفات أن يستوفي مقام الامتنان حقه لأن حال الحضور أتم وأكمل من حال الغيبة، أفاده أبو السعود. اللطيفة الرابعة: جواب (لولا) في قوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ} محذوف لتهويل الأمر حتى يذهب الوهم في تقديره كل مذهب فيكون أبلغ في البيان وأبعد في التهويل والإرهاب، مثل قوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} تفسير : [الأنعام: 27] حذف جوابه كذلك للتهويل. أي لرأيت أمراً فظيعاً هائلاً يشيب له الوليد ولا يستطيع أن يعبر عن هوله لسان لأنه فوق الوصف والبيان، وربّ مسكوت عنه أبلغ من منطوق به، ومثل هذا قول عمر: (لو غيرك قالها يا أبا عبيدة) أي لنكلت به وشددت له العقوبة، وتقديره في الآية: لولا فضل الله عليكم لهلكتم، أو لفضحكم، أو لعاجلكم بعقابه. اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {تَوَّابٌ حَكِيمٌ} الرحمة تناسب التوبة فلماذا عدل عنها إلى قوله: (تواب حكيم) بدل (تواب رحيم)؟ والجواب: أن الله عز وجل حكم باللعان وأراد بذلك ستر هذه الفاحشة على عباده، فلو لم يكن اللعان مشروعاً لوجب على الزوج (حد القذف)، مع أن الظاهر صدقه وأنه لا يفتري عليها لاشتراكهما في الخزي والعار، ولو اكتفى بشهاداته لوجب عليها (حد الزنى) فكان من الحكمة وحسن النظر لهما جميعاً أن شرع هذا الحكم ودرأ العذاب عنهما بتلك الأيمان فسبحانه ما أوسع رحمته وأجل حكمته؟ وجوه القراءات 1 - قوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ}... قرئ: (ولم تكن) بالتاء لأن الشهداء جماعة والجمهور بالياء (ولم يكن) قال أبو حيان وهو الفصيح. 2 - قوله تعالى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ} قرأ حفص والحسن (أربع) بالضم - وقرأ الجمهور (أربعَ) بالفتح نصباً على المصدر. 3 - قوله تعالى: {أَنَّ لَعْنَةَ} و {أَنَّ غضبَ} بالتشديد وهي قراءة الجمهور وقرأ نافع (أنْ لعنةُ) و (أنْ غَضَبُ) بالتخفيف فتكون (أن) مخففة من أن الثقيلة واسمها ضمير الشأن، ولكل وجه من وجوه القراءات سند من جهة الإعراب والله أعلم. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ}. (شهداء): اسم كان و(لهم) خبرها، و(إلاّ) أداة حصر، و(أنفسُهم) بدل من شهداء مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف. ويصح أن تكون كان تامة والمعنى: ولم يوجد شهداء إلا أنفُسهم، فيكون (شهداء) فاعل، و(أنفسُهم) بدل من شهداء، ومثلها (وإن كان ذو عسرة) أي إن وجد ذو عسرة. ثانياً: قوله تعالى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ}. (شهادة) مبتدأ، و(أربع) خبره، كما تقول: صلاة العصر أربعُ ركعات. ويجوز أن يكون (شهادة) خبر لمبتدأ محذوف وتقديره: فالحكم شهادة أحدهم. ثالثاً: قوله تعالى: {وَٱلْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ}. (الخامسةُ) مبتدأ، وجملة (أنّ لعنتَ الله) هي الخبر، وجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما تقدّم. رابعاً: قوله تعالى: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ}. (أن تشهد) أن وما بعدها في تأويل مصدر فاعل لـ (يدرأ) وتقديره: ويدرأ عنها العذاب شهادتها، وجملة (إنه لمن الكاذبين) في محل نصب بـ (تشهد) إلاّ أنه كسرت الهمزة من (أنّه) لدخول اللام في الخبر. خامساً: قوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}. قال أبو البركات ابن الأنباري: لم يذكر جواب (لولا) إيجازاً واختصاراً لدلالة الكلام عليه، وتقديره: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لعاجلكم بالعقوبة، أو لفضحكم بما ترتكبون من الفاحشة. الأحكام الشرعية الحكم الأول: متى يجب اللعان؟ إذا رمى الرجل امرأته بالزنى ولم تعترف بذلك ولم يرجع عن رميه فقد شرع لهما اللعان ويجب اللعان في حالتين: أ - الحالة الأولى: إذا رمى امرأته بالزنى كأن يقول لها: زنيتِ أو رأيتك تزنين وليس عنده أربعة شهود يشهدون بما رماها به، وإذا قال لها: يا زانية، فالجمهور أنه يلاعن خلافاً لمالك. ب - الحالة الثانية: أن ينفي حملها منه فيقول: هذا الحمل ليس مني أو ينفي ولداً له منها. الحكم الثاني: هل اللعان يمين أم شهادة؟ اختلف الفقهاء في اللعان هل هو يمين أم شهادة على مذهبين: أ - المذهب الأول: أنه شهادة فيأخذ أحكام الشهادة وهو مذهب الإمام أبي حنيفة. ب - المذهب الثاني: أنه يمين وليس بشهادة فيأخذ أحكام اليمين وهو مذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد). أدلة الأحناف: 1 - استدل الأحناف على أن اللعان شهادة بقوله تعالى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ} وقالوا الملاعن يقول في لعانه: أشهد بالله فدل على أنه شهادة. 2 - واستدلوا بحديث ابن عباس المتقدم في قصة (هلال بن أمية) وفيه: (فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت)... الحديث وفيه لفظ الشهادة صراحة. 3 - وقالوا: إن كلمات الزوج في اللعان قائمة مقام الشهود، فتكون هذه الألفاظ شهادة. أدلة الجمهور: 1 - واستدل الجمهور بأن لفظ الشهادة قد يراد به (اليمين) بقوله تعالى: {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} تفسير : [المنافقون: 1] ثم قال تعالى: {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} تفسير : [المنافقون: 2] فسمى الشهادة يميناً. 2 - واستدلوا بقوله سبحانه (أربع شهادات بالله) فقد قرن لفظ الجلالة (الله) بالشهادة فدل على أنه أراد بها اليمين، وشهادة الإنسان لنفسه لا تقبل بخلاف يمينه. 3 - واستدلوا بما ورد في بعض روايات حديث ابن عباس من قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لولا الأيمان لكان لي ولها شأن ". تفسير : والخلاصة: فإن الأحناف يقولون: ألفاظ اللعان شهادات مؤكدات بالأيمان... والجمهور يقولون: إنها أيمان مؤكدة بالشهادة وردت بهذه الصيغة للتغليظ. فالأولون غلّبوا جانب الشهادة والآخرون غلبوا جانب اليمين. الحكم الثالث: هل يجوز اللعان من الكافر والعبد والمحدود في القذف؟ وبناء على اختلاف الفقهاء في (اللعان) هل هو شهادة أم يمين ترتب عليه اختلافهم فيمن يجوز لعانه، فشرط الأحناف: في الزوج الذي يصح لعانه أن يكون أهلاً لأداء الشهادة على المسلم وكذلك الزوجة أن تكون أهلاً لأداء الشهادة على المسلم (فلا لعان بين رقيقين، ولا بين كافرين، ولا بين المختلفين ديناً، ولا بين محدودين في قذف) واستدلوا على مذهبهم بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : أربعة ليس بينهم لعان: ليس بين الحر والأمة لعان، وليس بين الحرة والعبد لعان، وليس بين المسلم واليهودية لعان، وليس بين المسلم والنصرانية لعان ". تفسير : واحتجوا بأن الأزواج لما استثنوا من جملة الشهداء بقوله: (ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) وجب ألاّ يلاعن إلا من تجوز شهادته فلا يصح اللعان إلا من (زوجين، حرين، مسلمين). وذهب الشافعي ومالك وهو رواية عن أحمد: إلى أن كل من يصح يمينه يصح قذفه ولعانه فيجوز اللعان من كل زوجين حرين كانا أو عبدين، مؤمنين أو كافرين، فاسقين أو عدلين. وحجتهم أن قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} عام يتناول جميع الأزواج، والآية لم تخصص زوجاً دون زوج فوجب أن يكون اللعان بين كل الأزواج... وقالوا إن المقصود من اللعان دفع العار عن النفس، ودفع ولد الزنى عن النفس، فكما يحتاج إليه المسلم يحتاج إليه غير المسلم، وكما يدفع الحر العار عن نفسه يدفع العبد العار عن نفسه والخلاصة: فإنَّ كلَّ من يجوز يمينه يجوز لعانه عند الجمهور. قال ابن العربي: (والفصل في أنها يمين لا شهادة أن الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواه وتخليصه من العذاب وكيف يجوز لأحد أن يدعيَ في الشريعة أن شاهداً يشهد لنفسه بما يوجب حكماً على غيره، هذا بعيد في الأصل معدوم في النظر). وقال ابن القيم رحمه الله: (والصحيح أن لعانهم يجمع الوصفين: اليمين والشهادة فهو شهادة مؤكدة بالقسم. والتكرار لاقتضاء الحال تأكيد الأمر، ولهذا اعتبر فيه من التأكيد عشرة أنواع... ثم سرد تلك الأنواع). الحكم الرابع: هل يجوز اللعان بدون حضور الحاكم؟ اتفق الفقهاء على أن اللعان لا يجوز إلا بحضرة الحاكم أو من ينيبه الحاكم لأنه إذا نكل أحدهما أو ثبت عليه الأمر وجب الحد. وإقامة الحد من خصائص الحكام.. وينبغي أن يعظ الإمام الزوجين ويذكرهما بعذاب الله ويقول لكل واحد منهما: عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ويخوفهما بمثل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله الجنة... وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عنه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين ". تفسير : الحكم الخامس: كيفية اللعان وطريقته. وضحت الآيات الكريمة طريقة اللعان وكيفيته بشكل جلي واضح وهي: أن يبدأ الزوج فيقول أربع مرات الصيغة التالية: "أشهد بالله إني لصادق فيما رميتها به من الزنى" ثم يختم في المرة الخامسة بقوله: "لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنى"... ثم تلاعن المرأة فتقول أربع مرات: "أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى" ثم تختم في المرة الخامسة بقولها: "غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنى". وظاهر الآية الكريمة أنه لا يقبل من الرجل أقل من خمس مرات ولا يقبل منه إبدال اللعنة بالغضب، وكذلك لا يقبل من المرأة أقل من خمس مرات ولا أن تبدل الغضب باللعنة، والبداءة تكون بالرجل في اللعان وهو مذهب الجمهور من فقهاء الأمصار. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يُعْتد بلعانها إذا بدىء به. ومرجع الخلاف أن الفقهاء يرون لعان الزوج موجباً للحد على الزوجة ولعانها يسقط ذلك الحد، فكان من الطبيعي أن يكون لعانها متأخراً عن لعانه. وأبو حنيفة لا يرى لعان الزوج موجباً للحد على الزوجة لأن حد الزنى لا يثبت إلا بأربعة شهود، أو بالإقرار، فليس من الضروري أن يتأخر لعانها عن لعانه. هذه كيفية اللعان المأخوذة من القرآن ويزاد عليها من السنة أنه إذا كانت المرأة حاملاً وأراد الزوج أن ينفي ذلك الحمل وجب أن يذكره في لعانه فيقول: (وإن هذا الحمل ليس مني) وكذلك إذا كان هناك ولد يريد الزوج نفيه وجب التعرض لذلك في اللعان، ويندب أن يقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة وتقام المرأة والرجل قاعد حتى تشهد ويستحب التغليظ بالزمان والمكان وبحضور جمع من عدول المسلمين، وكل ذلك إنما ثبت بالسنة المطهرة، فيجري اللعان في مسجد جامع وأمام جمع غفير للتغليظ والله أعلم. الحكم السادس: النكول عن اللعان هل يوجب الحد؟ اختلف الفقهاء فيما إذا نكل أحد الزوجين عن اللعان هل يجب عليه الحد؟ على مذهبين: أ - مذهب الجمهور: (مالك والشافعي وأحمد) أن الزوج إذا نكل عن اللعان فعليه (حد القذف) وإذا نكلت الزوجة عن اللعان فعليها (حد الزنى). ب - وقال أبو حنيفة: إذا نكل الزوج عن اللعان حبس حتى يلاعن أو يكذب نفسه... وإذ نكلت المرأة حبست حتى تلاعن أو تقر بالزنى فيقام عليها حينئذ الحد. أدلة الجمهور: استدل الجمهور على وجوب الحد بأدلة نلخصها فيما يأتي: أولاً: إن الله تعالى قال في أول السورة {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} تفسير : [النور: 4] ثم عطف عليه حكم الأزواج فقال: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} فكما أن مقتضى قذف الأجنبيات الإتيان بالشهود أو الجلد، فكذا موجب قذف الزوجات الإتيان باللعان أو الحد. ثانياً: قوله تعالى: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ} لا يصح أن يراد منه عذاب الآخرة، لأن الزوجة إن كانت كاذبة في لعانها لم يزدها اللعان إلا عذاباً في الآخرة، وإن كانت صادقة فلا عذاب عليها في الآخرة، فتعين أن يراد به عذاب الدنيا وهو المذكور في الآية السابقة وهي قوله تعالى: {أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [النور: 2] وهو حد الزنى. ثالثاً: قالوا: ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لخولة زوج هلال "حديث : الرجم أهون عليك من غضب الله" تفسير : وهو نص في الباب. وقوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية: "حديث : البينة أو حد في ظهرك ". تفسير : أدلة أبي حنيفة: واستدل أبو حنيفة رحمه الله بما يلي: أولاً: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} يُفهم منه أن الواجب في قذف الزوجات (اللعان) لا الحد وهذه الآية إمّا ناسخة لآية القذف، وإمَّا مخصّصة فلا يجب على كلا الحالين سوى (اللعان) فإذا امتنع الزوج حبس حتى يلاعن وإذا امتنعت الزوجة حبست حتى تلاعن. ثانياً: إن المرأة إذا امتنعت لم تفعل شيئاً سوى أنها تركت اللعان وهذا الترك ليس ببينة على الزنى فلا يجوز رجمها لقوله عليه السلام: "حديث : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل نفس بغير نفس ". تفسير : ثالثاً: النكول عن اللعان ليس بصريح في الإقرار فلم يجز إثبات الحد به كاللفظ المحتمل للزنى وغيره لا يجوز إثبات الحد به. قال العلامة الألوسي: في الانتصار لمذهب أبي حنيفة: (والعَجَبُ من الشافعي عليه الرحمة لا يقبل شهادة الزوج عليها بالزنى مع ثلاثة عدول ثم يوجب الحد عليها بقوله وحده وإن كان عبداً فاسقاً... وأعجب منه أن (اللعان) يمين عنده وهو لا يصلح لإيجاب المال ولا لإسقاطه بعد الوجوب، وأسقط به كلٌ من الرجل والمرأة الحد عن نفسه وأوجب به (الرجم) الذي هو أغلظ الحدود على المرأة!! وكون النكول إقراراً به شبهة، (والحدود تدرأ بالشبهات). ووافق الإمام (أحمد) رحمه الله الأحناف في حكم الزوجة الممتنعة في إحدى الروايتين عنه بأنها تحبس ولا ترجم وفي رواية أخرى عنه: لا تحبس ويخلى سبيلها كما لو لم تكمل البينة. وجاء في كتاب "فقه السنة" للسيد سابق ما نصه: قال ابن رشد: (وبالجملة فقاعدة الدماء مبناها في الشرع على أنها لا تراق إلا بالبينة العادلة أو الاعتراف، ومن الواجب ألاّ تخصص هذه القاعدة بالاسم المشترك).. فأبو حنيفة في هذه المسألة أولى بالصواب إن شاء الله وقد اعترف أبو المعالي في كتابه "البرهان" بقوة الإمام أبي حنيفة في هذه المسألة وهو شافعي انتهى. أقول: رأي أبي حنيفة وإن كان وجيهاً إلا أنه ليس بقوة رأي الجمهور لظهور أدلتهم النقلية، وهو ما نختاره كما اختاره شيخ المفسرين الطبري وغيره من الجهابذة الأعلام. الحكم السابع: هل آية اللعان ناسخة لآية القذف؟ إنّ الروايات التي ذكرت في سبب النزول متفقة كلها على ثلاثة أمور: أولها: أن آيات اللعان نزلت بعد آية قذف المحصنات مع تراخٍ في الزمن، وأنها منفصلة عنها. ثانيها: أن الصحابة كانوا يفهمون من آية القذف أن حكم من رمى زوجه كحكم من رمى الأجنبية. ثالثها: أن آية (اللعان) نزلت تخفيفاً على الزوج وبياناً للمخرج مما وقع فيه من القذف. وبناء على ذلك فإن قواعد أصول الحنفية تقضي بأن آيات اللعان ناسخة لعموم آية القذف {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} تفسير : [النور: 4] لتراخي نزولها عنها. وعلى مذهب الأحناف: يكون ثبوت (حد القذف) على من قذف زوجته منسوخاً بآيات اللعان وليس على الزوج سوى الملاعنة لا غير... وعلى مذهب الأئمة الثلاثة: تكون آيات اللعان مخصّصة للعموم في آية القذف لا ناسخة لها. ويصبح معنى الآيتين: كل من قذف محصنة ولم يأتي بأربعة شهداء فعليه (حد القذف) إلا من قذف زوجته فعليه (الحد أو اللعان)، والخلاف في الحقيقة شكلي لا جوهري. الحكم الثامن: هل يُفَرّقُ بين المتلاعنَيْن؟ قضت السنة النبوية أن المتلاعنين لا يجتمعان أبداً، فإذا تلاعن الزوجان وقعت الفرقة بينهما على سبيل (التأبيد) لما روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبداً"تفسير : .. وعن علي وابن مسعود قالا: (مضت السنة ألاّ يجتمع المتلاعنان).. والحكمة في ذلك (التحريم المؤبد) أنه قد وقع بينهما من التباغض والتقاطع ما أوجب القطيعة بينهما بصفة دائمة. فإن الرجل إنْ كان صادقاً فقد أشاع فاحشتها وفضحها على رؤوس الأشهاد، وأقامها مقام الخزي والغضب، وإن كان كاذباً فقد أضاف إلى ذلك أنه بهتها وزاد في إيلامها وحسرتها وغيظها. وكذلك المرأة إن كانت صادقة فقد أكذبته على رؤوس الأشهاد وأوجبت عليه لعنة الله وإن كانت كاذبة فقد أفسدت فراشه وخانته في نفسها، وألزمته العار والفضيحة. فقد حصل بينهما النفرة الدائمة والوحشة البالغة. ومن المعلوم أنَّ أساس الحياة الزوجية السكنُ والمودة، والرحمة، وقد زالت هذه باللعان فكانت عقوبتهما الفرقة المؤبدة. وقد اتفق الفقهاء على وجوب التفريق بين المتلاعنين وعلى أن الحرمة بينهما. تكون (مؤبدة) لم يخالف في ذلك أحد إلاّ ما روي عن (عثمان البتي) أنه قال: لا يقع باللعان فرقة إلا أن يطلقها وهو قول مردود للنصوص المتقدمة. ولكنّ الفقهاء اختلفوا متى تقع الفرقة بين المتلاعنين؟ فذهب (الشافعي) رحمه الله إلى أن الفرقة تقع بمجرد لعان الزوج وحده ولو لم تلاعن الزوجة. وذهب (مالك وأحمد) في إحدى الروايتين عنه إلى أن الفرقة لا تقع إلا بلعانهما جميعاً. وذهب (أبو حنيفة وأحمد) في روايته الأخرى إلى أن الفرقة لا تقع إلا بتمام لعانهما وتفريق الحاكم بينهما. أما حجة الشافعي: فهي أن الفرقة حاصلة بالقول، فيستقل بها قول الزوج وحده كالطلاق ولا تأثير للعان الزوجة إلا في دفع العذاب عن نفسها كما قال تعالى: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ} فدل على أنه لا تأثير للعان المرأة إلا في دفع العذاب عن نفسها. أما حجة مالك: فهي أن الشارع قد أمر بالتفريق بين المتلاعنين ولا يكونان متلاعنين بلعان الزوج وحده.. وأيضاً لو وقعت الفرقة بلعان الزوج لأصبحت المرأة أجنبية عنه فتكون الملاعِنَةُ أجنبيةً وقد أوجب الله اللعان بين الزوجين. أما حجة أبي حنيفة وأحمد: فهي أن الفرقة لا تحصل إلا بتمام لعانهما وتفريق الحاكم بينهما عملاً بالسنة المطهرة ففي حديث ابن عباس السابق (ففرّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما) وهذا يقتضي أن الفرقة لم تحصل قبله، ولأن اللعان نوع من الحدود، والحدودُ إنما يجريها الحاكم فلا بد إذاً من تفريق الحاكم... ولعلّ هذا الرأي هو الأصح والأرجح. الحكم التاسع: إذا أكذب الرجل نفسه فهل تعود إليه زوجته؟ وإذا تلاعن الزوجان ثم أكذب الرجل نفسه فحُدَّ حد القذف فهل تحل له زوجته؟ قال (مالك والشافعي) لا تحل له زوجته لأن الفرقة مؤبدة وقد قضت السنة بأنهما لا يجتمعان أبداً فلا طريق إلى العودة عملاً بالنصوص المتقدمة كما في المطلقة ثلاثاً وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين. وقال (أبو حنيفة) إذا أكذب الرجل نفسه فهو خاطب من الخطاب لأنه إذا اعترف بكذبه وحُدَّ حدَّ القذف لم يبق ملاعنا وإنما أصبح كاذباً فيحل له العودة إلى زوجته. قال ابن الجوزي: وروي عن أحمد روايتان أصحهما أنه لا تحل له زوجته، والثانية يجتمعان بعد التكذيب وهو قول أبي حنيفة. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لأن اللعان يوجب الحرمة المؤبدة كما دلت بذلك الآثار سواء أكذب نفسه أم لا والله أعلم. الحكم العاشر: هل يلحق ولد اللعان بأمه؟ إذا نفى الرجل ابنه وتم اللعان بنفيه له انقضى نسبه من أبيه وسقطت نفقته عنه، وانتفى التوارث بينهما ولحق بأمه فهي ترثه وهو يرثها لحديث (عمرو بن شعيب): "وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ولد المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه أمه، ومن رماها به جلد ثمانين" ويؤيد هذا الحديث الأدلة الدالة على أن الولد للفراش ولا فراش هنا لنفي الزوج إياه.. وأما من رماها به اعتبر قاذفاً وجلد ثمانين جلدة لأن (الملاعِنة) داخلة في المحصنات ولم يثبت عليها ما يخالف ذلك فيجب على من رماها بابنها حد القذف ومن قذف ولدها يجب حده كمن قذف أمه سواء بسواء... أما بالنسبة للأحكام الشرعية فإنه يعامل كأنه أبوه من باب الاحتياط فلا يعطيه زكاة المال، ولو قتله لا قصاص عليه، ولا تجوز شهادة كل منهما للآخر، ولا يعد مجهول النسب فلا يصح أن يدعيه غيره، وإذا أكذب نفسه ثبت نسب الولد منه ويزول كل أثر اللعان بالنسبة للولد. وروى الإمام الفخر عن الشافعي رحمه الله أنه قال: يتعلق باللعان خمسة أحكام: (درء الحدّ، ونفي الولد، والفرقة، والتحريم المؤبّد، ووجوب الحدّ عليها)، وكلها تثبت بمجرد لعانه، ولا تفتقر إلى حكم الحاكم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - إذا قذف الرجل زوجته ولم تكن لديه بينة فإمّا أن يُحدّ أو يلاعن. 2 - لا يجري اللعان في اتهام غير الزوجة من المحصنات لأنه خاص بالزوجين. 3 - تشريعُ اللعان لمصلحة الزوجين يبرئ الزوج من (حد القذف) والزوجة من (حدّ الزنى). 4 - لا بدّ في المُلاَعَنَة أن تكون خمس مرات بالصيغة المذكورة في القرآن الكريم. 5 - ينبغي تغليظ أمر "اللّعان" بالزمان والمكان وحضور جمع من المسلمين. 6 - اللّعانُ يوجب (الحُرْمة المؤبّدة) بين الزوجين، فلا ترجع للزوج بحالٍ من الأحوال. 7 - تخصيص الرجل باللعنة، وتخصيص المرأة بالغضب، للتفريق بين نفسيّة الزوجين. 8 - الله واسع المغفرة، عظيم الفضل والمِنّة، لولا ستره على العباد لعذّبهم وأهلكهم. خاتمة البحث: حكمة التشريع شرع الحكيم العليم (اللعان) لحكمة جليلة سامية، هي من أدق الحكم وأسماها في صيانة المجتمع، وتطهير الأسرة، ومعالجة المخاطر والمشاكل التي تعترض طريق (الحياة الزوجية) وما يهددها من متاعب وعقبات. وعالج القرآن بهذا التشريع الدقيق ناحية من أخطر النواحي التي يمكن أن يجابهها الإنسان في حياته الواقعية الأليمة، حين يبصر بعينه (جريمة الزنى) ترتكب في أهل بيته فلا يستطيع أن يتكلم، ولا أن يجهر، لأنه ليس لديه بينة تثبت ذلك، ولا يستطيع أن يقدم على القتل (لغسل العار) لأن هناك القصاص ويبقى ذاهلاً، مشتتاً، محتاراً، كيف يصنع!! أيترك عرضه ينتهك وشرفه يُلوّث، وفراشه يدنّس، ثم يغمض عينيه خشية الفضيحة أو خوف العار؟ أم يقدم على الانتقام من زوجه الخائن، وذلك اللص الماكر، شريكها في الخيانة والإجرام فيكون سبيله العقاب والقصاص؟! إنها حالات من الضيق النفسي والقلق والاضطراب لا يملك المرء لها دفعاً ولا يدري ماذا يصنع تجاهها وهو يعاني هذه الأزمة النفسية الخانقة؟! وتشاء حكمة الله أن تقع مثل هذه الحوادث في أفضل العصور (عصر النبوة) وبين أطهر الأقوام (صحابة الرسول) والقرآن ينزل والوحي يتلى، ليكون درساً عملياً تربوياً يتلقاه المسلمون بكل قوة، وصلابة عزم. فهذا (هلال بن أمية) يأتي بيته مساء فيرى بعينه ويسمع بأذنيه صوت الخيانة واضحاً فيكبح جماح نفسه، ويغالب غضبه وثورته، ويأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره الخبر، وهو واثق من نفسه لأنها رؤيا العين ويطلب منه الرسول البينة ولكن من أين يأتي بها؟ وكيف له أن يأتي بأربعة شهود يشهدون معه لإثبات دعواه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول له: البينة أو حد في ظهرك!! ويسمع (سعد بن عبادة) وهو سيد الأنصار ذلك فيقول يا رسول الله: إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلاً لم يكن له أن يحركه أو يُهيجَه حتى يأتي بأربعة شهداء، والله لأضربنه بالسيف غير مصفح عنه ويلتفت الرسول إلى أصحابه قائلاً: أتعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، يطلب الرسول البينة من هلال وليس معه بينة ويشتد الأمر على الرسول وعلى أصحابه ويتحدث الناس: الآن يضرب الرسول هلالاً، ويبطل بين الناس شهادته، فيقول (هلال) يا رسول الله والله إني لصادق وإني لأرجو أن يجعل الله لي منها فرجاً ومخرجاً وينزل الوحي على الرسول بهذه الآيات الكريمة التي أصبحت قرآناً يتلى ودرساً يحفظ ونظاماً يطبقه المسلمون في حياتهم ويقول الرسول الكريم: "حديث : أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجاً ومخرجاً" تفسير : فيقول هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي عز وجل. هذه ناحية دقيقة، عالجها الإسلام بحكمته الرفيعة وجعل لها فرجاً ومخرجاً فشرع (اللعان) بين الزوجين، ليستر المولى على عباده زلاتهم ويفسح أمامهم المجال للتوبة والإنابة. ولولا هذا التشريع الحكيم لأريقت الدماء. وأزهقت الأرواح في سبيل الدفاع عن (العرض والشرف) وقد يكون هناك عدوان من أحد الزوجين على الآخر فلو سمح للزوج أن ينتقم بنفسه فيقتل زوجه لكان هناك ضحايا بريئات يذهبن ضحية المكر والخبث إذ ليس كل زوج يكون صادقاً؛ ولو أقيم عليه (حد القذف) لأنه قذف امرأة محصنة لكان في ذلك أبلغ الألم والضرر إذ قد يكون صادقاً في دعواه فيجتمع عليه (عقوبة الجلد) و (تدنيس الفراش) فإذا تكلم جلد، وإذا سكت سكت على غيظ. فكان في هذا التشريع الإلٰهي الحكيم أسمى ما يتصوره المرء من العدالة والحماية وصيانة الأعراض وقبر الجريمة في مهدها فهو (بطريق اللعان) إذ يترك الأمر معلقاً لا يستطيع أحد أن يجزم بوقوع الجريمة أو بخيانة الزوجة، ولا يقطع بكذب الزوج إذ يحتمل أن يكون صادقاً ثم يفرق بينهما فرقة مؤبدة تخلِّص الإنسان من الشقاء، وتقطع ألسنة السوء، وتصون كرامة الأسرة. فللَّه ما أسمى تشريع الإسلام وما أدق نظره وأحكامه!! وصدق الله {أية : أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} تفسير : [المائدة: 50].
الجيلاني
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} بالزنا {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ} حضراءُ عندهم {إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} أي: غير أنفسهم {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} صارت وتقاوت {أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ} في إسقاط حدِّ القذف عنهم منزلةَ أربع شهاداتٍ مؤدياتٍ {بِٱللَّهِ} متعلقات بهذا المدعى، وهي {إِنَّهُ} أي: الزوج المدعي {لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [النور: 6] في دعوى الزنا بلا افتراءٍ منه ومراءٍ. {وَٱلْخَامِسَةُ} أي: بعدما أدى الأربعة أتى بالهشدة الخامسة لها، المؤكدة المقيدة بلعنة الله تغليظاً بأن قال هكذا: {أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} أي: طردُه وتبعيدهُ عن ساحة عز حضوره وسِعة رحمته {إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} [النور: 7] في هذا الدعوى. وبعد أداء الشهادات الأربع المؤكد بالخامسة، فقد سقط عنه حد القذف، وثبت حد الزنا على المرأة، ووقع التفريق المؤبدَّد بينهما بالفسخ أو بالطلاق على اختلاف الرأييين، ونفيُ الولد إن تعرض له فيه. {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ} أي: يُسقط عن المرأة حدَّ الزنا بعد {أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ} مؤديات {بِٱللَّهِ} متعلقات بقولها: {إِنَّهُ} أي: الزوج {لَمِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} [النور: 8] المفترين فيما رماني به وأنا بريئةُ عنه، {وَٱلْخَامِسَةَ} أي: أكدت الأربعةَ بالخامسة أيضاً قائلة: {عَلَيْهَآ إِن كَانَ} وقهرَه وتبعيدَه عن سعة رحمته {أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ} زوجها {مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [النور: 9] في هذا الرمي الشنيع. وبعدما أدتها على وجهها سقط الحد عنها، ووقع التفريق المؤبد، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المُتَلاَعِنَان لاَ يَجْتَمِعَان أَبَداً ". تفسير : ثم قال سبحانه: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ} المطلعِ بجميع سرائر عباده {عَلَيْكُمْ} أيها المجترئون بالحلف الكاذب والشهادات الباطلة، وتحمُّل لغنة الله وغضبه {وَرَحْمَتُهُ} أي: مرحمتُه وشفقتُه بالستر، والإخفاء عليكم لَفَضَحكم، وأظهراَ شنعتكم ألبتة، ولكنه أمهلكم وستر عليكم رجاء أن تتوبوا عن هتك محارم الله، والخروج عن مقتضى حدوده {وَ} اعلموا أيها المؤمنون {أَنَّ ٱللَّهَ} المصلحَ لأحوالكم {تَوَّابٌ} لكم يوفقكم على التوبة {حَكِيمٌ} [النور: 10] في جميع أفعاله، لا يعاجلكم بالعقوبة، كي تنتبهوا عن قبح صنيعكم، وترجعوا عن سوء فعالكم؛ لتفوزوا إلى ما جبلتم لأجله.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [النور: 6] ويشير إلى ما ذكر في تحقيق الآية المتقدمة وبقوله تعالى: {وَٱلْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} [النور: 7] يشير إلى غاية التهديد والوعيد لمن ستر الله عليه؛ لئلا يفضحه وهو إن كان من الكاذبين اختار عذاب الآخرة الباقية على عذاب الدنيا الفانية، فأوجبه اللعن وهو الطرد عن الباب وعالية الإبعاد. وبقوله تعالى: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} [النور: 8] يُشير إلى أن من عواطف إحسانه أنه دفع العذاب عن العبد عاجلاً بطريق الشهادة بالله لمن الكاذبين وفتح عليه باب الرجاء بأن يدفع عنه العذاب آجلاً كما دفع عنه عاجلاً، وبقوله تعالى: {وَٱلْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [النور: 9] يشير إلى تخويف العبد باستحقاق غضب الله إن اختار عذاب الآخرة على عذاب الدنيا ليكون العبد بين الخوف والرجاء.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وإنما كانت شهادات الزوج على زوجته، دارئة عنه الحد، لأن الغالب، أن الزوج لا يقدم على رمي زوجته، التي يدنسه ما يدنسها إلا إذا كان صادقا، ولأن له في ذلك حقا، وخوفا من إلحاق أولاد ليسوا منه به، ولغير ذلك من الحكم المفقودة في غيره فقال: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } أي: الحرائر لا المملوكات. { وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ } على رميهم بذلك { شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ } بأن لم يقيموا شهداء، على ما رموهم به { فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } سماها شهادة، لأنها نائبة مناب الشهود، بأن يقول: " أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به ". { وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } أي: يزيد في الخامسة مع الشهادة المذكورة، مؤكدا تلك الشهادات، بأن يدعو على نفسه، باللعنة إن كان كاذبا، فإذا تم لعانه، سقط عنه حد القذف، ظاهر الآيات، ولو سمى الرجل الذي رماها به، فإنه يسقط حقه تبعا لها. وهل يقام عليها الحد، بمجرد لعان الرجل ونكولها أم تحبس؟ فيه قولان للعلماء، الذي يدل عليه الدليل، أنه يقام عليها الحد، بدليل قوله: { وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ } إلى آخره، فلولا أن العذاب وهو الحد قد وجب بلعانه، لم يكن لعانها دارئا له. ويدرأ عنها، أي: يدفع عنها العذاب، إذ قابلت شهادات الزوج، بشهادات من جنسها. { أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ } وتزيد في الخامسة، مؤكدة لذلك، أن تدعو على نفسها بالغضب، فإذا تم اللعان بينهما، فرق بينهما إلى الأبد، وانتفى الولد الملاعن عليه، وظاهر الآيات يدل على اشتراط هذه الألفاظ عند اللعان، منه ومنها، واشتراط الترتيب فيها، وأن لا ينقص منها شيء، ولا يبدل شيء بشيء، وأن اللعان مختص بالزوج إذا رمى امرأته، لا بالعكس، وأن الشبه في الولد مع اللعان لا عبرة به، كما لا يعتبر مع الفراش، وإنما يعتبر الشبه حيث لا مرجح إلا هو. { وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ } وجواب الشرط محذوف، يدل عليه سياق الكلام أي: لأحل بأحد المتلاعنين الكاذب منهما، ما دعا به على نفسه، ومن رحمته وفضله، ثبوت هذا الحكم الخاص بالزوجين، لشدة الحاجة إليه، وأن بين لكم شدة الزنا وفظاعته، وفظاعة القذف به، وأن شرع التوبة من هذه الكبائر وغيرها.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} [6] 377 - أنا سوارُ بن عبد الله بن سوارٍ، نا خالد بن الحارثِ، نا عبد الملكِ بن أبي سُليمان، حدثني سعيد بن جُبيرٍ، قال: حديث : أتيتُ ابن عُمر فقلتُ: يا أبا عبد الرحمن، المتلاعِنين يُفرَّقُ بينهما؟ فقال: سُبحان اللهِ، إن أول من سأل عن ذلك فُلانٌ، فقال يا رسول الله الرجلُ يرى امرأتهُ على الفاحشةِ فإن تكلَّم تكلَّم بأمرٍ عظيمٍ، وإن سكت سكت عن أمرٍ عظيمٍ. فسكت عنهُ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم فجاءهُ بعد ذلك، فقال يا رسول الله الأمرُ الذي سألتك عنه ابتليتُ به قال: "فإنَّ الله قال: / {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ...} حتى قرأ الآياتِ كُلَّهَا، فذكره النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأخبره أن عذاب الدُّنيا أهونُ من عذاب الآخرةِ، فقال: والذي بعثكَ بالحقِّ إنهُ للحقُّ، ثم دعا المرأة فذكرها الله، وأخبرها أن عذاب الدُّنيا أهونُ من عذاب الآخرةِ، فقالت: والذي بعثكَ بالحقِّ ما كان هذا. فقال للرجلِ: "تشهدُ أربع شهاداتٍ باللهِ إنهُ لَمِنَ الصَّادقين، والخامسةُ أن لعنةَّ اللهِ عليه إن كان من الكاذبين" ثُم شَهِدَتِ المرأةُ أربع شهاداتٍ بالله إنهُ لَمِنَ الكاذبين والخامسةَ أن غضبَ اللهِ عليها إن كان من الصادقينَ، ثُم فرقَّ بينهما . تفسير : 378 - أنا إسحاقُ بن إبراهيم، أنا جريرٌ، عن عبد الملكِ بن أبي سُليمان، عن سعيد بن جُبيرٍ قال: سألنا ابن عُمر: حديث : أيُفرَّقُ بين المتلاعنينِ، قال: سبحانَ اللهِ، نعم، أتى رجلٌ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت أحدنا يرى امرأتهُ على فاحشةٍ كيف يصنعُ؟ فسكتَ عنه فلم يجبهُ، ثم أتاهُ فقال: إنِّي قد ابتليتُ به يا رسول اللهِ، فأنزل اللهُ هذه الآياتِ من سورة النُّورِ، ودعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الرَّجُلَ، فشهِدَ أربعَ شهاداتٍ بالله إنهُ لمنَ الصادقين والخامسةُ أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثَنَّي بالمرأةِ فشهدتْ أربع شهاداتٍ بالله إنه لمنَ الكاذبين والخامسةَ أن غضبَ الله عليها إن كان من الصادقين، ثُم فرَّقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بينهما .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):