Verse. 2796 (AR)

٢٤ - ٱلنُّور

24 - An-Nour (AR)

اِلَّا الَّذِيْنَ تَابُوْا مِنْۢ بَعْدِ ذٰلِكَ وَاَصْلَحُوْا۝۰ۚ فَاِنَّ اللہَ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۵
Illa allatheena taboo min baAAdi thalika waaslahoo fainna Allaha ghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا» عملهم «فإن الله غفور» لهم قذفهم «رحيم» بهم بإلهامهم التوبة فيها ينتهي فسقهم وتقبل شهادتهم وقيل لا تقبل رجوعا بالاستثناء إلى الجملة الأخيرة.

5

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } عن القذف. {مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ } أعمالهم بالتدارك، ومنه الاستسلام للحد أو الاستحلال من المقذوف، والاستثناء راجع إلى أصل الحكم وهو اقتضاء الشرط لهذه الأمور ولا يلزمه سقوط الحد به كما قيل، لأن من تمام التوبة الاستسلام له أو الاستحلال ومحل المستثنى النصب على الاستثناء، وقيل إلى النهي ومحله الجر على البدل من هم في لهم، وقيل إلى الأخيرة ومحله النصب لأنه من موجب وقيل منقطع متصل بما بعده. {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } علة للاستثناء. {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوٰجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ } نزلت في هلال بن أمية رأى رجلاً على فراشه، وأنفسهم بدل من شهداء أو صفة لهم على أن إلا بمعنى غير. {فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـٰدَاتٍ} فالواجب شهادة أحدهم أو فعليهم شهادة أحدهم، و {أَرْبَعُ } نصب على المصدر وقد رفعه حمزة والكسائي وحفص على أنه خبر «شهادة». {بِٱللَّهِ } متعلق بشهادات لأنها أقرب وقيل بشهادة لتقدمها. {إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} أي فيما رماها به من الزنا، وأصله على أنه فحذف الجار وكسرت إن وعلق العامل عنه باللام تأكيداً. {وَٱلْخَامِسَةَ} والشهادة الخامسة. {أَنَّ لَعْنَةَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } في الرمي هذا لعان الرجل وحكمه سقوط حد القذف عنه، وحصول الفرقة بينهما بنفسه فرقة فسخ عندنا لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : المتلاعنان لا يجتمعان أبداً»تفسير : وتفريق الحاكم فرقة طلاق عند أبي حنيفة ونفي الولد أن تعرض له فيه وثبوت حد الزنا على المرأة لقوله. {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ } أي الحد. {أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ} فيما رماني به. {وَٱلْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} في ذلك ورفع الخامسة بالإِبتداء وما بعدها الخبر أو بالعطف على أن تشهد، ونصبها حفص عطفاً على {أَرْبَعُ }. وقرأ نافع ويعقوب {أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ} و {أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ } بتخفيف النون فيهما وكسر الضاد وفتح الباء من {غَضَبَ} ورفع الهاء من اسم {ٱللَّهِ }، والباقون بتشديد النون فيهما ونصب التاء وفتح الضاد وجر الهاء. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ } متروك الجواب للتعظيم أي لفضحكم وعاجلكم بالعقوبة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ } عملهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لهم قذفهم {رَّحِيمٌ } بهم بإلهامهم التوبة فبها ينتهي فسقهم وتقبل شهادتهم وقيل لا تقبل رجوعاً بالاستثناء إلى الجملة الأخيرة.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ} فيزول فسقهم ولا يسقط الحد عنهم وتقبل شهادتهم قبل الحد وبعده لارتفاع فسقه قاله الجمهور، أو لا تقبل بحال، أو تقبل قبل الحد ولا تقبل بعده، أو عكسه وتوبته بإكذابه نفسه، أو بالندم والاستغفار وترك العود إلى مثله.

النسفي

تفسير : وقوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } أي القذف {وَأَصْلَحُواْ } أحوالهم استثناء من الفاسقون ويدل عليه {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي يغفر ذنوبهم ويرحمهم. وحق الاستثناء أن يكون منصوباً عندنا لأنه عن موجب، وعند من جعل الاستثناء متعلقاً بالجملة الثانية أن يكون مجروراً بدلاً من «هم» في {لهم}. ولما ذكر حكم قذف الأجنبيات بين حكم قذف الزوجات فقال {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوٰجَهُمْ } أي يقذفون زوجاتهم بالزنا {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء } أي لم يكن لهم على تصديق قولهم من يشهد لهم به {إِلاَّ أَنفُسُهُمْ } يرتفع على البدل من شهداء {فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ } بالرفع كوفي غير أبي بكر على أنه خبر والمبتدأ {فشهادة أحدهم} وغيرهم بالنصب لأنه في حكم المصدر بالإضافة إلى المصدر، والعامل فيه المصدر الذي هو {فشهادة أحدهم} وعلى هذا خبره محذوف تقديره فواجب شهادة أحدهم أربع {شَهَـٰدَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } فيما رماها به الزنا {وَٱلْخَامِسَةَ } لا خلاف في رفع الخامسة هنا في المشهور والتقدير والشهادة الخامسة {أَنَّ لَعْنَةَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } فهي مبتدأ وخبر {إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } فيما رماها به من الزنا {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ } ويدفع عنها الحبس وفاعل يدرأ {أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ } إن الزوج {لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } فيما رماني به من الزنا

ابو السعود

تفسير : قولُه تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} استثناءٌ من الفاسقينَ كما يُنبىءُ عنْهُ التَّعليلُ الآتِي ومحلُّ المُستثنى النَّصبُ لأنَّه عن موجبٍ. وقولُه تعالى: {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} لتهويلِ المتوبِ عنه أي من بعدِ ما اقترفُوا ذلكَ الذَّنبَ العظيمَ الهائلَ {وَأَصْلَحُواْ} أي أصلحُوا أعمالَهم التي منْ جُملتِها ما فرطَ منهم بالتَّلافي والتَّداركِ ومنهُ الاستسلامُ للحدِّ والاستحلالُ من المقذوفِ {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تعليلٌ لما يُفيدُه الاستثناءُ من العفوِ عن المؤاخذةِ بموجبِ الفسقِ كأنَّه قيلَ فحينئذٍ لا يؤاخذُهم اللَّهُ تعالى بما فَرَط منهُم ولا ينظمهم في سلكِ الفاسقينَ لأنَّه تعالى مبالغٌ في المغفرةِ والرَّحمةِ هذا وقد علَّق الشَّافعيُّ رحمه الله الاستثناءَ بالنَّهيِ فمحلُّ المستثنى حينئذٍ الجرُّ على البدليَّةِ من الضَّميرِ في لهُم وجعل الأبدَ عبارةً عنْ مُدَّةِ كونه قاذفاً فتنتهي بالتَّوبةِ فتُقبل شهادتهُ بعدَها. {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوٰجَهُمْ} بـيانٌ لحكم الرَّامين لأزواجِهم خاصَّة بعد بـيانِ حكم الرامين لغيرهنَّ لكنْ لا بأن يكونَ هذا مخصصاً للمحصناتِ بالأجنبـياتِ ليلزم بقاءُ الآيةِ السَّابقةِ ظنيةً فلا يثبتُ بها الحدُّ ـ فإنَّ من شرائطِ التَّخصيصِ أنْ لا يكونَ المخصصُ متراخيَ النزولِ ـ بل بكونهِ ناسخاً لعمومها ضرورة تراخي نزولها كما سيأتي فتبقى الآيةُ السَّابقةُ قطعية الدِّلالةِ فيما بقيَ بعدَ النَّسخِ لما بُـيِّن في موضعِه أنَّ دليلَ النَّسخِ غيرُ مُعلَّلٍ {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء} يشهدُون بما رَموهنَّ به من الزِّنى. وقُرىء بتأنيثِ الفعل {إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} بدلٌ من شهداءُ أو صفةٌ لها على أن إلاَّ بمعنى غير جعلوا من جُملة الشُّهداء إيذاناً من أولِ الأمرِ بعدمِ إلغاءِ قولهم بالمرَّةِ ونظمِه في سلكِ الشَّهادةِ في الجُملةِ وبذلكَ ازدادَ حسنُ إضافةِ الشَّهادةِ إليهم في قوله تعالى: {فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ} أي شهادةُ كلِّ واحدٍ منهُم وهو مبتدأٌ وقولهُ تعالى: {أَرْبَعُ شَهَـٰدَاتٍ} خبرُه أي فشهادتهم المشروعةُ أربعُ شهاداتٍ {بِٱللَّهِ} متعلِّقٌ بشهاداتٍ لقُربِها وقيلَ بشهادةُ لتقدُّمِها. وقُرىء أربعَ شهاداتٍ بالنَّصبِ على المصدرِ والعاملُ فشهادةُ على أنَّه إمَّا خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي فالواجبُ شهادةُ أحدهم، وإمَّا مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ فشهادةُ أحدهم واجبةٌ {إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} أي فيما رَماها به من الزِّنا، وأصلُه على أنَّه الخ فحُذفَ الجارُّ، وكُسرتْ إنّ وعُلِّق العاملُ عنها للتَّأكيدِ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ} [الآية: 5]. قال بعضهم: علامة تصحيح التوبة، وقبولها ما يعقب الصلاح والتوبة هى الرجوع من كل ما يذمه العلم واستصلاح ما تعدى فى سالف الأزمنة، ومداواتها باتباع العلم ومن لم تعقب توبته الصلاح كانت توبته بعيدة عن القبول.

القشيري

تفسير : جَعَلَ من شرطِ قبولِ شهادِتِهِ صِحَّةَ توبته، وجعل علامةَ صحةِ توبته إصلاحَه، فقال: {وَأَصْلَحُواْ}، وهو أن تأتي على توبته مدةٌ تنتشر فيها بالصلاح صفتُه، كما اشتَهَرَتْ بِهَتْكِ أعراضِ المسلمين قالتهُ.. كلُّ هذا تشديداً لمن يحفظ على المسلمين ظاهر صلاحه.

اسماعيل حقي

تفسير : {الا الذين تابوا} استثناء من الفاسقين {من بعد ذلك} اى من بعد مااقترفوا ذلك الذنب العظيم {واصلحوا} اعمالهم بالتدارك ومنه الاستسلام للحد والاستحلال من المقذوف {فان الله غفور رحيم} تعليل لما يفيده الاستثناء من العفو عن المؤاخذة بموجب الفسق كأنه قيل فحينئذ لا يؤاخذهم الله بما فرط منهم ولا ينظمهم فى سلك الفاسقين لانه مبالغ فى المغفرة والرحمة، وفى الآية اشارة الى غاية كرم الله ورحمته على عبادة بان يستر عليهم مااراد بعضهم اظهاره على بعض ولم يظهر صدق احدهما او كذبه ولتأديبهم اوجب عليهم الحد ورد قبول شهادتهم ابدا وسماهم الفاسقين وليتصفوا بصفاته الستارية والكريمية والرحيمية فيما يسترون عيوب اخوانهم المؤمنين ولا يتبعوا عوراتهم وقد شدد النبى على من يتبع عورات المسلمين ويفشى اسرارهم فقال "حديث : يامعشر من آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين فانه من يتبع عوراتهم يفضحه الله يوم القيامة على رؤس الاشهاد"تفسير : وقال عليه السلام "حديث : من ستر على مسلم ستر الله عليه فى الدنيا والآخرة"تفسير : : قال الشيخ سعدى شعر : منه عيب خلق فروماية بيش كه جشمت فرودوز دازعيب خويش كرت زشت خويى بود درسرشت نه بينى زطاوس جزباى زشت طريق طلب كزعقوبت رهى نه حرفى كه انكشت بروى نهى تفسير : وفى الآية اشارة ايضا الى كمال عنايته تعالى فى حق عباده بانه يقبل توبتهم بعد ارتكاب الذنوب العظام ولكن بمجرد التوبة لا يكون العبد مقبولا الا بشرط ازالة فساد حاله واصلاح اعماله، قال بعضهم علامة تصحيح التوبة وقبولها ما يعقبها من الصلاح والتوبة هى الرجوع عن كل ما يذمه العلم واستصلاح ما تعدى فى سالف الازمنة ومداومتها باتباع العلم ومن لم يعقب توبته الصلاح كانت توبة بعيدة عن القبول شعر : فراشوا جوبينى در صلح باز كه ناكه درتوبه كردد فراز مروزير بار كناه اى بشر كه حمال عاجز بود درسفر بهشت اوستاندكه طاعت برد كرا نقد بايد بضاعت برد اكرمرغ دولت زقيدت بجست هنوزش سر رشته دارى بدست تفسير : اى فاسع الى اصلاح عملك قبل حلول اجلك.

الجنابذي

تفسير : روى انّ الصّادق (ع) سئل: كيف تعرف توبته؟- فقال: يكذّب نفسه على رؤس الخلائق حين يضرب ويستغفر ربّه؛ فاذا فعل ذلك فقد ظهرت توبته، وفى خبرٍ عن الصّادق (ع) القاذف يجلد ثمانين جلدةً ولا تقبل له شهادة ابداً الاّ بعد التّوبة، او يكذّب نفسه وان شهد ثلاثة وابى واحد يجلد الثّلاثة ولا تقبل شهادتهم حتّى يقول اربعة رأينا مثل الميل فى المكحلة، ومن شهد على نفسه انّه زنى لم يقبل شهادته حتّى يعيد اربع مرّات كّل مرّة بازاء شاهدٍ، وعلى هذا يكون قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} استثناءً من قوله: {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً}، او من قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}، ويجوز ان يكون المراد بالتّوبة التّوبة الخاصّة الجارية على ايدى خلفاء الله فانّه اذا حصل هذه التّوبة جبّت جميع ما سلف، وعلى هذا يجوز ان يكون الاستثناء من قوله {فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}، والمراد بالاصلاح بعد التّوبة والرّمى اصلاح نفوسهم بالاعمال الصّالحة او استرضاء المرمىّ وتكذيب نفسه عند من رمى عنده وهتك حرمة المرمىّ فى حضوره، او تسليم نفسه لاجراء الحدّ من دون ان يجد فى قلبه حرجاً ممّا قضى عليه.

الهواري

تفسير : قال: {إِلاَّ الذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قال الحسن وسعيد بن المسيَّب: توبته فيما بينه وبين الله تنفعه، ولا شهادة له. أي: إنهما رجعا إلى أول الآية: {وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً}. ذكر سعيد بن المسيّب أن عمر بن الخطاب قال للذين شهدوا على المغيرة بن شعبة حين جلدهم: من رجع منكم عن شهادته أجزنا شهادته، ثم تلا هذه الآية: {إِلاَّ الذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يعني أن رجوعهم عن الشهادة هي توبتهم. وقال بعضهم: يقوم على رؤوس الناس فيُكذِب نفسَه. وذكر عكرمة عن ابن عباس قال: لم تقبل لأبي بكرة شهادة لأنه لم يرجع عن شهادته؛ ولو رجع عن شهادته لقبلت شهادته. ويقول ابن عباس بهذا نأخذ، وعليه نعتمد. وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا. قال أبو عبيدة: شهادة كل من أقيم عليه الحد جائزة إذا تاب وأصلح. قوله: {وَالذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. وَالخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ}. {وَيَدْرَؤُا عَنْهَا العَذَابَ} أي: عن المرأة، والعذاب: الحدّ، يعني الرجم إن كان دخل بها، أو أحصنت قبله، والجلد إن لم تكن مُحصَنة {أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الكَاذِبِينَ وَالخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَآ إِنْ كَانَ} أي: زوجها {مِنَ الصَّادِقِينَ} أي: في قذفه إياها. [وذلك إذا ارتفعا إلى الإِمام، وإن لم يرتفعا إلى الإِمام فهي امرأته]. وإن ارتفعا إلى الإِمام فثبت على قذفها قال أربع مرات عند الإِمام: أشهد بالله إني لصادق، أشهد بالله أني لصادق، أشهد بالله إني لصادق، أشهد بالله إني لصادق، ثم يقول الخامسة: إن لعنة الله عليّ إن كنت من الكاذبين. وتقول هي أربع مرات: أشهد بالله إنه لكاذب، أشهد بالله إنه لكاذب، أشهد بالله إنه لكاذب، أشهد بالله إنه لكاذب، تعني زوجها، ثم تقول الخامسة: إن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ثم يفرّق بينهما فلا يجتمعان أبداً. فإن أكذب نفسه قبل أن يفرغا من الملاعنة جلد حدّ القذف، ثمانين، وهي امرأته. وإن لاعنها في إنكار ولدها ألحق الولد بها إذا لم تكن حبلى قبل أن يلاعنها ولم يعرف أنه دخل بها، وهي عصبته، وعصبتها بعدها. فإن أكذب نفسه وقد بقي من الملاعنة شيء في ذلك قولان: أحدهما أنه يجلد حد القاذف ويفرّق بينهما ولا يجتمعان أبداً، وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا. وقال ابن عبد العزيز: يجلد حدّ القاذف وهي امرأته، وعامة الناس كلهم على هذا القول، والولد ولده في قولهم جميعاً. وإن أكذب نفسه بعد اللعان جلد ولا سبيل له عليها في قولهم جميعاً. وقال بعضهم: ويلحق الولد بها. وقال بعضهم: بل يردّ إليه ولده وهو قول العامة. ولا يلاعن الرجل امرأته الأمة ولا اليهودية ولا النصرانية. وإن أنكر الرجل ولده من اليهودية أو النصرانية لزمه الولد. وإن أنكر ولده من الأمة بعدما أقرّ به مرة واحدة لزمه الولد. وإذا قذف الرجل امرأته الحرّة قبل أن يدخل بها ثم ارتفعا إلى السلطان تلاعنا. وإذا طلق الرجل امرأته الحرّة مرة واحدة أو اثنتين، ثم قذفها، تلاعنا ما كانت في العدّة إن ارتفعا إلى السلطان، وهذا قول ابن عمر. وقال ابن عباس: لا يلاعنها لأنها ليست بامرأته حتى يشهد على مراجعتها. قال: ألا ترى أنه لا يدخل عليها إلا بإذن. وقول ابن عمر أعدل لأنها امرأته ما كانت في العدّة؛ ألا ترى أنه إن مات ورثته، وإن ماتت ورثها. ألا ترى أنه إن أردفها طلاقاً في العدة وقع عليها؟ وكذلك إن آلى منها أو ظاهر منها؟ فكذلك أيضاً إذا قذفها لاعنها. كل هذه الأحكام لا تلزم الرجل في غير امرأته.

اطفيش

تفسير : {إلا الَّذين تابوا من بعد ذلك} الأمر، وهو القذف، ندموا وصرحوا بأنهم كاذبون، فليسوا فاسقين، ويقام عليهم الحد ولو تابوا، وفى قبول شهادتهم إن تابوا قولان {وأصلحوا} ما أفسدوا بطلب الحل ممن قذفوا، وإن مات استغفروا له إن كان متولى، أو نفعوه بصدقة أو كفارة أو قراءة أو نحو ذلك من أنواع الأجر، وإن كان غير متولى نفعوه بما ذكر، وضمنوا مطلقاً ما ضاع بقذفهم من الأموال أو ضر من بدن، وإن كان طفلاً أو مجنوناً فلا حل منهما، لكن يضمن ما ضاع وينفع بالمال أو بالقوة، وإن حد مشرك على القذف وأسلم قبلت شهادته، لأن الإسلام جبَّ لها قبله، وإن حد عبد ثم عتق لم تقبل عنه، وفى البخارى: جلد عمر رضى الله عنه أبا بكره وشبل بن معبد، ونافعاً لقذفهم المغيرة، ثم استتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته. {فإن الله غَفورٌ رحيمٌ} لأن الله غفور رحيم.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } أي رجعوا عما قالوا وندموا / على ما تكلموا استثناء من الفاسقين كما صرح به أكثر الأصحاب. وقال بعضهم: المستثنى منه في الحقيقة {أية : أُوْلَـٰئِكَ }تفسير : [النور: 4] وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق بذلك. ومحل المستثنى النصب لأنه عن موجب. وقوله عز وجل: {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } لتهويل المتوب عنه أي من بعدما اقترفوا ذلك الذنب العظيم الهائل. وقوله تعالى: {وَأَصْلَحُواْ } على معنى وأصلحوا أعمالهم بالاستحلال ممن رموه. وهذا ظاهر إن كان قد بقي حياً فإن كان قد مات فلعل الاستغفار له يقوم مقام الاستحلال منه كما قيل في نظير المسألة. فإن كانوا قد رموا أمواتاً فالظاهر أنهم يستحلون ممن خاصمهم وطلب إقامة الحد عليهم. ويحتمل أن يغني عنه الاستغفار لمن رموه. والجمع بين الاستحلال من أولئك المخاصمين والاستغفار للمرميين أولى ولم أر من تعرض لذلك. وكون الاستثناء من الجملة الأخيرة مذهب الحنفية فعندهم لا تقبل شهادة المحدود في قذف وإن تاب وأصلح لكن قالوا: إن حد الكافر ثم أسلم قبلت شهادته وإن لم تكن تقبل قبل على أهل الذمة، ووجهه أن النص موجب لرد شهادته الناشئة عن أهليته الثابتة له عند القذف ولذا قيل { أية : وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً } تفسير : [النور: 4] دون ولا تقبلوا شهادتهم أي ولا تقبلوا منهم شهادة من الشهادات حال كونها حاصلة لهم عند الرمي والشهادة التي كانت حاصلة للكافر عند الرمي هي الشهادة على أبناء جنسه فتدخل تحت الرد، وأما الشهادة التي اعتبرت بعد الإسلام فغير تلك الشهادة ولهذا قبلت على أهل الإسلام وغيرهم فلم تدخل تحت الرد، وهذا بخلاف العبد إذا حد في قذف ثم أعتق فإنه لا تقبل شهادته لأنه لم تكن له شهادة من قبل للرق فلزم كون تتميم حده برد شهادته التي تجددت له، وقد طلب الفرق بينه وبين من زنى في دار الحرب ثم خرج إلى دار الإسلام فإنه لا يحد حيث توقف حكم الموجب في العبد إلى أن أمكن ولم يتوقف في الزنا في دار الحرب إلى الامكان بالخروج إلى دار الإسلام. وأجيب بأن الزنا في دار الحرب لم يقع موجباً أصلاً لعدم قدرة الإمام فلم يكن الإمام مخاطباً بإقامته أصلاً لأن القدرة شرط التكليف لو حد بعد خروجه من غير سبب آخر كان بلا موجب وغير الموجب لا ينقلب موجباً بنفسه خصوصاً في الحد المطلوب درؤه، وأما قذف العبد فموجب حال صدوره للحد غير أنه لم يكن تمامه في الحال فيتوقف تتميمه على حدوث ذلك بعد العتق كذا قيل. وقال في «المبسوط» في الفرق بين الكافر إذا أسلم بعد الحد والعبد إذا اعتق بعده: إن الكافر استفاد بالإسلام عدالة لم تكن موجودة له عند إقامة الحد وهذه العدالة لم تكن مجروحة بخلاف العبد فإنه بالعتق لا يستفيد عدالة لم تكن من قبل وقد صارت عدالته مجروحة بإقامة الحد، ثم لا فرق في العبد بين أن يكون حد ثم أعتق وبين أن يكون أعتق ثم حد حيث لم تقبل شهادته في الصورتين، وأما الكافر فإنه لو قذف محصناً ثم أسلم ثم حد لا تقبل شهادته، ومقتضى الآية عدم قبول كل شهادة للمحدود حادثة كانت أو قديمة لما أن {شَهَادَةً } نكرة وهي واقعة في حيز النهي فتفيد العموم كالنكرة الواقعة في حيز النفي، وهذا يعكر على ما مر من قبول شهادة الكافر المحدود إذا أسلم. وأجاب العلامة ابن الهمام بأن التكليف بما في الوسع وقد كلف الحكام برد شهادته فالامتثال إنما يتحقق برد شهادة قائمة فحيث ردت تحقق الامتثال وتم وقد حدثت أخرى فلو ردت كانت غير مقتضى إذ الموجب أخذ مقتضاه وللبحث فيه مجال، ومقتضى العموم أيضاً عدم قبول شهادة المحدود في الديانات وغيرها وهي رواية «المنتقى»، وفي رواية أخرى أنها تقبل في الديانات وكأنهم اعتبروها رواية وخبراً لا شهادة ورب شخص ترد شهادته / وتقبل روايته. وأورد على العموم أنهم اكتفوا في النكاح بشهادة المحدودين. وأجيب بأن الشهادة هناك بمعنى الحضور وإنما يكتفي به في انعقاد النكاح وقد صرحوا بأن للنكاح حكمين حكم الانعقاد وحكم الإظهار ولا يقبل في الثاني إلا شهادة من تقبل شهادته في سائر الأحكام كما في «شرح الطحاوي». والحاصل أن الآية تدل على وجوب رد شهادة المحدود على الحكام بمعنى أنه إذا شهد عندهم على حكم وجب عليهم رد شهادته ويندرج في ذلك شهادته في النكاح لأنه يشهد عندهم إذا وقع التجاحد فلا يعكر على العموم اعتبار حضوره مجلس النكاح في صحة انعقاده إذ ذلك أمر وراء ما نحن فيه كذا قيل فليتدبر. وذهب الشافعي إلى قبول شهادة المحدود إذا تاب، والمراد بتوبته أن يكذب نفسه في قذفه، ومبنى الخلاف على المشهور الخلاف فيما إذا جاء استثناء بعد جمل مقترنة بالواو هل ينصرف للجملة الأخيرة أو إلى الكل أو هناك تفصيل فالذي ذهب إليه أصحاب الشافعي انصرافه إلى الكل، والذي ذهب إليه أصحاب أبـي حنيفة انصرافه للجملة الأخيرة، وقال القاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري وجماعة من المعتزلة إن كان الشروع في الجملة الثانية إضراباً عن الأولى ولا يضمر فيها شيء بما في الأولى فالاستثناء مختص بالجملة الأخيرة لأن الظاهر أنه لم ينتقل عن الجملة الأولى مع استقلالها بنفسها إلى غيرها إلا وقد تم مقصوده منها وذلك على أربعة أقسام، الأول: أن تختلف الجملتان نوعاً كما لو قال: أكرم بني تميم والنحاة البصريون إلا البغاددة إذ الجملة الأولى أمر والثانية خبر، الثاني: أن يتحدا نوعاً ويختلفا اسماً وحكماً كما لو قال: أكرم بني تميم واضرب ربيعة إلا الطوال إذ هما أمران، الثالث: أن يتحدا نوعاً ويشتركا حكماً لا اسماً كما لو قال: سلم على بني تميم وسلم على بني ربيعة إلا الطوال، الرابع: أن يتحدا نوعاً ويشتركا اسماً لا حكماً ولا يشترك الحكمان في غرض من الأغراض كما لو قال سلم على بني تميم واستأجر بني تميم إلا الطوال، وقوة اقتضاء اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة في هذه الأقسام على هذا الترتيب وإن لم يكن الشروع في الجملة الثانية إضراباً عن الأولى بأن كان بين الجملتين نوع تعلق فالاستثناء ينصرف إلى الكل وذلك على أربعة أقسام أيضاً، الأول: أن يتحد الجملتان نوعاً واسماً لا حكماً غير أن الحكمين قد اشتركا في غرض واحد كما لو قال: أكرم بني تميم وسلم على بني تميم إلا الطوال لاشتراكهما في غرض الإعظام، الثاني أن يتحد الجملتان نوعاً ويختلفا حكماً واسم الأولى مضمر في الثانية كما لو قال: أكرم بني تميم واستأجرهم إلا الطوال، الثالث: بعكس ما قبله كما لو قال: أكرم بني تميم وربيعة إلا الطوال، الرابع: أن يختلف نوع الجمل إلا أنه قد أضمر في الأخيرة ما تقدم أو كان غرض الأحكام المختلفة فيها واحداً وجعل آية الرمي التي نحن فيها من ذلك حيث قيل: إن جملها مختلفة النوع من حيث إن قوله تعالى: {فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } أمر وقوله سبحانه: {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } نهى وقوله جل وعلا { أية : وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } تفسير : [النور: 4] خبر وهي داخلة أيضاً تحت القسم الأول من هذه الأقسام الأربعة لاشتراك أحكام هذه الجمل في غرض الانتقام والإهانة وداخلة أيضاً تحت القسم الثاني من جهة إضمار الاسم المتقدم فيها. وذهب الشريف المرتضى من الشيعة إلى القول بالاشتراك، وذهب القاضي أبو بكر والغزالي وجماعة إلى الوقف، وقال الآمدي: المختار أنه مهما ظهر كون الواو للابتداء فالاستثناء يكون مختصاً بالجملة الأخيرة كما في القسم الأول من الأقسام الثمانية لعدم تعلق إحدى الجملتين بالأخرى وهو ظاهر وحيث أمكن أن تكون الواو للعطف أو الابتداء كما في باقي الأقسام السبعة فالواجب الوقف، وذكر حجج المذاهب بما لها وعليها في «الإحكام»، وفي «التلويح» وغيره أنه لا خلاف في جواز رجوع الاستثناء إلى كل / وإنما الخلاف في الأظهر وفيه نظر فإن بعض حجج القائلين برجوعه إلى الجملة الأخيرة قد استدل بما يدل على عدم جواز رجوعه للجميع، قال القلانسي: إن نصب ما بعد الاستثناء في الإثبات إنما كان بالفعل المتقدم بإعانة إلا على ما ذهب إليه أكابر البصريين فلو قيل برجوعه إلى الجميع لكان ما بعد إلا منتصباً بالأفعال المقدرة في كل جملة ويلزم منه اجتماع عاملين على معمول واحد وذلك لا يجوز لأنه بتقدير مضادة أحدهما للآخر في العمل يلزم أن يكون المعمول الواحد مرفوعاً منصوباً معاً وهو محال ولأنه إن كان كل منهما مستقلاً في العمل لزم عدم استقلاله ضرورة أنه لا معنى لكون كل مستقلاً إلا أن الحكم ثبت به دون غيره وإن لم يكن كل منهما مستقلاً لزم خلاف المفروض، وإن كان المستقل البعض دون البعض لزم الترجيح بلا مرجح، ووجه دلالته وإن بحث فيه على عدم جواز رجوعه للجميع ظاهر. وكما اختلف الأصوليون في ذلك اختلف النحاة فيه ففي «شرح اللمع» أنه يختص بالأخيرة وأن تعليقه بالجميع خطأ للزوم تعدد العامل في معمول واحد إلا على القول بأن العامل إلا أو تمام الكلام وقال أبوحيان: ((لم أر من تكلم على هذه المسألة من النحاة غير المهاباذي وابن مالك فاختار ابن مالك عود الاستثناء إلى الجمل كلها كالشرط، واختار المهاباذي عوده إلى الجملة الأخيرة)) وقال الولي بن العراقي: لم يطلق ابن مالك عوده إلى الجمل كلها بل استثنى من ذلك ما إذا اختلف العامل والمعمول كقولك: اكس الفقراء وأطعم أبناء السبيل إلا من كان مبتدعاً فقال في هذه الصورة: إنه يعود إلى الأخير خاصة، ونقل عن أبـي علي الفارسي القول برجوعه إلى الأخيرة مطلقاً وهذا كقول الحنفية في المشهور، والحق أنهم إنما يقولون برجوعه إلى الأخيرة فقط إذا تجرد الكلام عن دليل رجوعه إلى الكل أما إذا وجد الدليل عمل به وذلك كما في قوله تعالى في المحاربين {أية : أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ}تفسير : [المائدة: 33] إلى قوله سبحانه: { أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ } تفسير : [المائدة: 34] فإن قوله تعالى: { أية : مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ } تفسير : [المائدة: 34] يقتضي رجوعه إلى الكل فإنه لو عاد إلى الأخيرة أعني قوله سبحانه: { أية : وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } تفسير : [المائدة: 33] لم يبق للتقييد بذلك فائدة للعلم بأن التوبة تسقط العذاب فليس فائدة {مِن قَبْلُ } الخ إلا سقوط الحد وعلى مثل ذلك ينبغي حمل قول الشافعية بأن يقال: إنهم أرادوا رجوع الاستثناء إلى الكل إذا لم يكن دليل يقتضي رجوعه إلى الأخيرة. وذكر بعض أجلة المحققين أن الحنفية إنما قالوا برجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة هنا لأن الجملتين الأوليين وردتا جزاء لأنهما أخرجتا بلفظ الطلب مخاطباً بهما الأئمة ولا يضر اختلافهما أمراً ونهياً والجملة الأخيرة مستأنفة بصيغة الإخبار دفعاً لتوهم استبعاد كون القذف سبباً لوجوب العقوبة التي تندرىء بالشبهة وهي قائمة هنا لأن القذف خبر يحتمل الصدق وربما يكون حسبة، ووجه الدفع أنهم فسقوا بهتك ستر العفة بلا فائدة حيث عجزوا عن الإثبات فلذا استحقوا العقوبة وحيث كانت مستأنفة توجه الاستثناء إليها. ونقل عن الشافعي أنه جعل { أية : وَلاَ تَقْبَلُواْ } تفسير : [النور: 4] استئنافاً منقطعاً عن الجملة السابقة وأبى أن يكون من تتمة الحد لأنه لا مناسبة بين الجلد وعدم قبول الشهادة وجعل الاستثناء مصروفاً إليه بجعل من تاب مستثنى من ضمير {لَهُمْ } ويكون قوله تعالى: { أية : وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } تفسير : [النور: 4] اعتراضاً جارياً مجرى التعليل لعدم قبول الشهادة غير منقطع عما قبله ولهذا جاز توسطه بين المستثنى والمستثنى منه ولا تعلق للاستثناء به، وآثر ذلك ابن الحاجب في «أماليه» حيث قال: إن الاستثناء لا يرجع إلى الكل أما الجلد فبالاتفاق، وأما قوله تعالى: { أية : وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } تفسير : [النور: 4] / فلأنه إنما جيء به لتقرير منع الشهادة فلم يبق إلا الجملة الثانية فيرجع إليها، وتعقب بأن استنئاف { أية : وَلاَ تَقْبَلُواْ } تفسير : [النور: 4] الخ في غاية البعد، والمراد من عدم قبول الشهادة ردها ومناسبته للجلد ظاهرة لأن كلاً منهما مؤلم زاجر عن ارتكاب جريمة الرمي وكم من شخص لا يتألم بالضرب كما يتألم برد شهادته، وربما يقال: إن رد الشهادة قطع للآلة الخائنة معنى وهي اللسان فيكون كقطع اليد حقيقة في السرقة، ومن أنصف رأي مناسبته للجلد أتم من مناسبة التغريب له لأن التغريب ربما يكون سبباً لزيادة الوقوع في الزنا لقلة من يراقب ويستحي منه في الغربة وقد تضطر المرأة إذا غربت إلى ما يسد رمقها فتسلم نفسها لتحصيل ذلك، وأيضاً الجلد فعل يلزم على الإمام فعله والرد المراد من عدم القبول كذلك وقد خوطب بكلتا الجملتين الإنشائيتين لفظاً ومعنى الأئمة وبهذا يقوى أمر المناسبة. واعترض الزيلعي على القول بأن جملة { أية : وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } تفسير : [النور: 4] تعليل لرد الشهادة فقال: لا جائز أن يكون رد شهادته لفسقه لأن الثابت بالنص في خبر الفاسق هو التوقف لقوله تعالى: { أية : إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ } تفسير : [الحجرات: 6] لا الرد وعلة الرد هنا ليست إلا أنه حد انتهى، وفيه نظر ولم يجعل الشافعي على هذا النقل الجملة المذكورة مع كونها جارية مجرى التعليل لما قبلها معطوفة عليه لما قال غير واحد من أن العطف بالواو يمنع قصد التعليل لرد الشهادة بسبب الفسق لأن العلة لا تعطف على الحكم بالواو بل إنما تذكر بالفاء، وكذا ينبغي أن لا تكون معطوفة على ما أشير إليه سابقاً من أنها علة لاستحقاق العقوبة إذ ذلك غير منطوق، وانتصر للشافعي عليه الرحمة فيما ذهب إليه من قبول شهادته إذا تاب بأنه إذا جعلت الجملة تعليلاً للرد يتم ذلك ولو سلم رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة من الجمل المتعاقبة بالواو لوجوب زوال الحكم بزوال العلة، ولا أظنه يدفع إلا بالتزام أنها ليست للتعليل. وقال بعضم: لا انقطاع بين الجمل عند الشافعي، ومقتضى أصله المشهور رجوع الاستثناء إلى الجميع فيلزم حينئذ سقوط الجلد بالتوبة لكنه لا يقول بذلك لأن تحقيق مذهبه أن الرجوع إلى الكل قد يعدل عنه وذلك عند قيام الدليل وظهور المانع والمانع هنا من رجوعه إلى الجملة الأولى على ما قيل الإجماع على عدم سقوط الجلد بالتوبة لما فيه من حق العبد، وأولى منه ما أومأ إليه القاضي البيضاوي من أن الاستسلام للجلد من تتمة التوبة فكيف يعود إليه، ولا يمكن أن يقال: إن عدم قبول الشهادة والتفسيق من تتمتها أيضاً كما لا يخفى. وقيل: يجوز أن تخرج الآية على أصله المشهور، ولا مانع من رجوع الاستثناء إلى الجملة الأولى أيضاً لما أن المستثنى {ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ } ومن جملة الإصلاح الاستحلال وطلب العفو من المقذوف وعند وقوع ذلك يسقط الجلد أيضاً، وفيه أن كون طلب العفو من الإصلاح غير نافع لأن الجلد لا يسقط بطلب العفو بل بالعفو وهو ليس من جملة هذا الإصلاح إذ العفو فعل المقذوف وهذا الإصلاح فعل القاذف فلم يصح صرف الاستثناء إلى الكل كما هو أصله المشهور. وقال الزمخشري: الذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها أن يكون الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط، والمعنى ومن قذف فأجمعوا لهم بين الأجزئة الثلاثة إلا الذين تابوا منهم فيعودون غير مجلودين ولا مردودي الشهادة ولا مفسقين، قال في «الكشف»: وهذا جار على أصل الشافعي من أن الاستثناء يرجع إلى الكل وانضم إليه هٰهنا أن الجمل دخلت في حيز الشرط فصرن كالمفردات. وتعقب القول بدخوله قوله تعالى: { أية : وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } تفسير : [النور: 4] في حيز الجزاء بأن دليل عدم المشاركة في الشرط يقتضي عدم الدخول فإنه جملة خبرية غير مخاطب بها الأئمة لإفراد الكاف في {أُوْلَـٰئِكَ } فهو عطف على الجملة الإسمية أي {ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ} الخ أو مستأنف لحكاية حال / الرامين عند الشرع، وأورد عليه أن عطف الخبر على الإنشاء وعكسه لاختلاف الأغراض شائعان في الكلام وأن إفراد كاف الخطاب مع الإشارة جائز في خطاب الجماعة كقوله تعالى: { أية : ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ } تفسير : [البقرة: 25] على أن التحقيق أن { أية : ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ } تفسير : [النور: 4] منصوب بفعل محذوف أي اجلدوا الذين الخ فهو أيضاً جملة فعلية إنشائية مخاطب بها الأئمة فالمانع المذكور قائم هنا مع زيادة العدول عن الأقرب إلى الأبعد ولو سلم أن {ٱلَّذِينَ } مبتدأ فلا بد في الإنشائية الواقعة موقع الخبر من تأويل وصرف عن الإنشائية عند الأكثر وحينئذ يصح عطف { أية : أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } تفسير : [النور: 4] عليه. وقال الزمخشري: معنى {أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } فَسِّقُوهم والإنصاف يحكم بعدم ظهور دخول الجملة الأخيرة في حيز الجزاء وجميع ما ذكروه إنما يفيد الصحة لا الظهور. ولعل الظاهر أنها استئناف تذييلي لبيان سوء حال الرامين في حكم الله تعالى وحينئذ عود الاستئناف إليه ظاهر، لا يقال: إن ذلك ينفي الفائدة لأنه معلوم شرعاً أن التوبة تنزيل الفسق من غير هذه الآية لأنا نقول: لا شبهة في أن العلم بذلك من طريق السمع وقد ذكر الدال عليه منه وكون آية أخرى تفيده لا يضر للقطع بأن طريق القرآن تكرار الدوال خصوصاً إذا كان التأكيد مطلوباً. هذا وإلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من عدم قبول شهادة المحدود في القذف إذا تاب ذهب الحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وقد روى ذلك عن كل الجلال السيوطي في «الدر المنثور» وإلى ما ذهب إليه الشافعي من قبول شهادته ذهب مالك وأحمد، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وطاوس ومجاهد والشعبـي والزهري ومحارب وشريح ومعاوية بن قرة وعكرمة وسعيد بن جبير على ما ذكره الطيبـي وعدّ ابن جبير من القائلين كقول الشافعي يخالفه ما سمعت آنفاً، وعد ابن الهمام شريحاً ممن قال كقول أبـي حنيفة وعن ابن عباس روايتان، وفي «صحيح البخاري» جلد عمر رضي الله تعالى عنه أبا بكرة وشبل بن معبد ونافعاً بقذف المغيرة ثم استتابهم وقال من تاب قبلت شهادته، ومن تتبع تحقق أن أكثر الفقهاء قائلون كقول الشافعي عليه الرحمة ودعوى إجماع فقهاء التابعين عليه غير صحيحة كما لا يخفى والله تعالى أعلم. ووجه التعليل المستفاد من قوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } على القولين ظاهر لكن قيل إنه على قول أبـي حنيفة أظهر وهو تعليل لما يفيده الاستثناء ولا محل له من الإعراب، وجوز أبو البقاء كون {ٱلَّذِينَ } مبتدأ وهذه الجملة خبره والرابط محذوف أي لهم. واختار الجمهور الاستئناف والاستثناء وهو على ما ذهب إليه أصحابنا منقطع، وبينه أبو زيد الدبوسي في «التقويم» بما حاصله أن المستثنى وإن دخل في الصدر لكن لم يقصد إخراجه من حكمه على ما هو معنى الاستثناء المتصل بل قصد إثبات حكم آخر له وهو أن التائب لا يبقى فاسقاً. وتعقبه العلامة الثاني بأنه إنما يتم إذا لم يكن معنى { أية : هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } تفسير : [النور: 4] الثبات والدوام وإلا فلا تعذر للاتصال فلا وجه للانقطاع، وبينه فخر الإسلام بأن المستثنى غير داخل في صدر الكلام لأن التائب ليس بفاسق ضرورة أنه عبارة عمن قام به الفسق والتائب ليس كذلك لزوال الفسق بالتوبة، وهذا مبني على أنه يشترط في حقيقة اسم الفاعل بقاء معنى الفعل، وأما إذا لم يشترط ذلك فيتحقق التناول لكن لا يصح الإخراج لأن التائب ليس بمخرج ممن كان فاسقاً في الزمان الماضي. واعترض بأن المستثنى منه على تقدير اتصال الاستثناء ليس هو الفاسقين بل الذين حكم عليهم بذلك وهم {ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ} المشار إليه بقوله تعالى: { أية : وَأُوْلٰئِكَ } تفسير : [النور: 4] ولا شك أن التائبين داخلون فيهم مخرجون عن حكمهم / وهو الفسق كأنه قيل جميع القاذفين فاسقون إلا التائبين منهم كما يقال القوم منطلقون إلا زيداً استثناء متصلاً بناء على أن زيداً داخل في القوم مخرج عن حكم الانطلاق فيصح الاستثناء المتصل سواء جعل المستثنى منه بحسب اللفظ هو القوم أو الضمير المستتر في منطلقون بناء على أنه أقرب وإن عمل الصفة في المستثنى أظهر، وليس المراد أن المستثنى منه لفظاً هو لفظ القوم البتة وإذا جعل المستثنى منه ضمير منطلقون فمعنى الكلام أن زيداً داخل في الذوات المحكوم عليهم بالإطلاق مخرج عن حكم الانطلاق كما في قولنا انطلق القوم إلا زيداً وكذا الكلام في الآية. وأجيب بأن الفاسقين هٰهنا إما أن يكون بمعنى الفاسق على قصد الدوام والثبات أو بمعنى من صدر عنه الفسق في الزمان الماضي أو من قام به الفسق في الجملة ماضياً كان أو حالاً فإن أريد الأول فالتائب ليس بفاسق ضرورة قضاء الشارع بأن التائب ليس بفاسق حقيقة. ومن شرط الاستثناء المتصل أن يكون الحكم متناولاً للمستثنى على تقدير السكوت عن الاستثناء وهذا مراد فخر الإسلام بعدم تناول الفاسقين للتائبين بخلاف منطلقون فإنه يدخل فيه زيد على تقدير عدم الاستثناء وإن أريد الثاني أو الثالث فلا صحة لإخراج التائب عن الفاسقين لأنه فاسق بمعنى صدور الفسق عنه في الجملة ضرورة أنه قاذف والقذف فسق. ولا يخفى أن منع عدم دخول التائبين في الفاسقين بالمعنى الذي ذكرنا ومنع عدم صحة إخراجهم عنهم بالمعنى الآخر غير موجه وأن الاستدلال على دخولهم بأنه قد حكم بالفسق على {أُوْلَـٰئِكَ } المشار به إلى { أية : ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ } تفسير : [النور: 4] وهو عام ليس بصحيح للإجماع القاطع على أنه لا فسق مع التوبة وكفى به مخصصاً اهـ. وفيه أن الإجماع لا يكون مخصصاً فيما نحن فيه لكونه متراخياً عن النص ضرورة أنه لا إجماع إلا بعد زمان النبـي صلى الله عليه وسلم فالحكم بالفسق على {أُوْلَـٰئِكَ } المشار به إلى { أية : ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ } تفسير : [النور: 4] وهو عام فيتم الاستدلال. وأجيب عن هذا بأن المراد بالتخصيص قصر العام على بعض ما يتناوله اللفظ لا التخصيص المصطلح وهو كما ترى. وفي قوله: ومن شرط الاستثناء المتصل الخ بحث يعلم مما سيأتي إن شاء الله تعالى قريباً. وقال العلامة: الظاهر كون الاستثناء متصلاً أي أولئك الذين يرمون محكوم عليهم بالفسق إلا التائبين منهم فإنه غير محكوم عليهم بالفسق لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وكأنه أراد أنهم غير محكوم عليهم بالفسق الدائم وهو المحكوم به عليه في الصدر بقرينة الجملة الاسمية. وذكر بعض الأفاضل في توجيه كونه متصلاً أن دخول المستثنى في المستثنى منه إنما يكون باعتبار تناول المستثنى منه وشموله إياه لا بحسب ثبوته له في الواقع كيف ولو ثبت الحكم له لما صح استثناؤه فهٰهنا { أية : ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ } تفسير : [النور: 4] شامل للتائبين منهم فلا يضر في صحة الاستثناء أنهم ليسوا بفاسقين وأن التوبة تنافي ثبوت الفسق كما إذا لم يدخل زيد في الانطلاق فإنه يصح استثناؤه باعتبار دخوله في القوم مثل انطلق القوم إلا زيداً. والحاصل أنه يكفي في الاستثناء دخول المستثنى في حكم المستثنى منه بحسب دلالة اللفظ وإن لم يدخل فيه بحسب دليل خارج كما يقال: خلق الله تعالى كل شيء إلا ذاته سبحانه وصفاته العلى، قال العلامة: ويمكن الجواب عن هذا بأنه لا فائدة للاستثناء المتصل على هذا التقدير لأن خروج المستثنى من حكم المستثنى منه معلوم فيحمل على المنقطع المفيد لفائدة جديدة وهذا مراد فخر الإسلام بعدم دخول التائبين في صدر الكلام وبحث فيه بأن عدم التناول الشرعي مستفاد من الاستثناء المذكور في الآية والحديث أعني ( حديث : التائب من الذنب كمن لا ذنب / له ) تفسير : مبين له فلا وجه لمنع وجود الفائدة وبأن كون خروج المستثنى من حكم المستثنى منه معلوماً هنا غير معلوم لمكان الخلاف في اشتراط بقاء الفعل وبأن الفائدة الجديدة في المنقطع التي يعرى عنها المتصل غير ظاهرة. وقال أيضاً: لا يقال لم لا يجوز أن يكون المستثنى منه هو الفاسقون ويكون الاستثناء لإخراج التائبين منهم في الحكم الذي هو الحمل على أولئك القاذفين والإثبات له فإن الاستثناء كما يجوز من المحكوم به يجوز من غيره كما يقال: كرام أهل بلدتنا أغنياؤهم إلا زيداً بمعنى أن زيداً وإن كان غنياً لكنه خارج عن الحمل على الكرام لأنا نقول: فحينئذ يلزم أن يكون التائبون من الفاسقين ولا يكونوا من القاذفين والأمر بالعكس، وقد يقال: إن الاستثناء منقطع على معنى أنهم فاسقون في جميع الأحوال إلا حال التوبة، ولا يخفى أنه يحتاج إلى تكليف في التقدير أي إلا حال توبة الذين الخ أو إلا توبة القاذفين أي وقت توبتهم على أن يجعل {ٱلَّذِينَ } حرفاً مصدرياً لا اسماً موصولاً وضمير {تَابُواْ } عائداً على { أية : أُوْلَـٰئِكَ } تفسير : [النور: 4] وبعد اللتيا والتي يكون الاستثناء مفرغاً متصلاً لا منقطعاً انتهى فتأمل.

د. أسعد حومد

تفسير : (5) - واسْتَثْنَى اللهُ تَعَالَى مِنَ العُقُوبَتَيْنِ الأَخِيرَتَيْنِ الذين تَابُوا، وَرَجَعُوا عَمَّا قَالُوا، وَنَدِمُوا عَلَى مَا تَكَلَّمُوا بِهِ، وأَصْلَحُوا أَحْوَالَهُمْ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى سَتَّارٌ لِذُنُوبِهِمْ، رَحِيمٌ بِهِمْ، فَيُزِيلُ عَنْهُمْ ذَلِكَ العَارَ الذي لَحِقَ بِهِمْ بِعَدَمِ قَبُولِ شَهَادَتَهِمْ، وَوَسْمِهِمْ بِمِيْسَمِ الفُسُوقِ. وَاخْتَلَفَ الأَئِمَةُ حَوْلَ مَدَى أثرِ التَوْبَةِ: هَلْ تَشْمَلُ الفِسْقَ وَرَدَّ الشَهَادَةِ معاً، أم الفِسْقَ فَقَط؟ - فَقَالَ الأَئِمَةُ: مَالِكٌ وَأَحْمدُ والشَّافِعِيُّ: إِنَّ القَاذِفَ إِذَا تَابَ ارْتَفَعَ عَنْهُ حُكْمُ الفِسْقِ، وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ. - وَقَالَ أبو حَنِيفَة: إِنَّ الاسْتِثْنَاءَ الوَارِدَ فِي الآيَةِ يَعُودُ لِلجُمْلَةِ الأخيرَةِ فَقَطْ، فَيَرْتَفِعُ الفِسْقُ بالتَّوْبَةِ وَيَبْقَى مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ. - وَقَالَ الشَّعْبِيُّ والضَّحَّاكُ: لاَ تُقْبَل شَهَادَتُه وإِنْ تَابَ إِلاَّ أَنْ يَعْتَرِفَ عَلَى نَفْسِه أَنَّهُ قَدْ قَالَ البُهْتَانَ فَحِينَئذٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : اختلف العلماء في معنى الاستثناء هنا: أهو استثناء من الفِسْق؟ أم استثناء من عدم قبول الشهادة؟ ذكرنا أن مشروعية التوبة مِنَّة وتكرُّم من الحق - تبارك وتعالى - لأنه لو لم تشرع التوبة كان مَنْ يقع في معصية مرة، ولا تُقبل منه توبة يتجرأ على المعصية ويكثر منها، ولم لا؟ فلا دافعَ له للإقلاع. إذن: حين يشرع الله التوبة إنما يحمي المجتمع من الفاقدين الذين باعوا أنفسهم، وفقدوا الأمل في النجاة. فمشروعية التوبة كَرَم، وقبولها كرم آخر، لذلك يقول الحق سبحانه: {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ ..} تفسير : [التوبة: 118] أي: شرع لهم التوبة ليتوبوا فيقبل منهم. وقوله تعالى: {وَأَصْلَحُواْ ..} [النور: 5] تدل على أن مَنْ وقعتْ منه سيئة عليه أن يتبعها بحسنة، وقد ورد في الحديث الشريف: "حديث : وأتبع السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها ..."تفسير : لذلك تجد الذين أسرفوا على أنفسهم في ناحية ما، حينما يكبرون ويُحبّون التوبة تراهم شغوفين بحُبِّ الخير وعمل الطاعات، يريدون أن يُكفِّروا بها ما سبق من السيئات، على خلاف مَنْ حافظ على نفسه، ونأى بها عن المعاصي، فتراه بارداً من ناحيتها يفعل الخير على قَدْر طاقته. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يُحذِّر عباده: يا عبادي احذروا: مَنْ أخذ مني شيئاً خِلْسة أو ترك لي حكماً، أو تجرأ عليَّ بمعصية سيتعب فيما بعد، ويلاقي الأمَّريْن؛ لأن السيئة ستظل وراءه تطارده وتُجهده لأغفرها له، وسيحتاج لكثير من الحسنات وأفعال الخير ليجبر بها تقصيره في حَقِّ ربه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ * وَٱلْخَامِسَةُ أَنَّ ...}.