٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
الرازي
تفسير : الحكم الثالث القذف اعلم أن ظاهر الآية لا يدل على الشيء الذي به رموا المحصنات وذكر الرمي لا يدل على الزنا، إذ قد يرميها بسرقة وشرب خمر وكفر، بل لا بد من قرينة دالة على التعيين، وقد أجمع العلماء على أن المراد الرمي بالزنا وفي الآية أقوال تدل عليه أحدها: تقدم ذكر الزنا وثانيها: أنه تعالى ذكر المحصنات وهن العفائف، فدل ذلك على أن المراد بالرمي رميهن بضد العفاف وثالثها: قوله: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } يعني على صحة ما رموهن به، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا في الزنا ورابعها: انعقاد الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا فوجب أن يكون المراد هو الرمي بالزنا، إذا عرفت هذا فالكلام في هذه الآية يتعلق بالرمي والرامي والمرمي. البحث الأول: في الرمي وفيه مسائل: المسألة الأولى: ألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية وتعريض، فالصريح أن يقول يا زانية أو زنيت أو زنى قبلك أو دبرك، ولو قال زنى بدنك فيه وجهان: أحدها: أنه كناية كقوله: زنى يدك، لأن حقيقة الزنا من الفرج فلا يكون من سائر البدن إلا المعونة والثاني: وهو الأصح أنه صريح، لأن الفعل إنما يصدر من جملة البدن. والفرج آلة في الفعل. أما الكنايات فمثل أن يقول يا فاسقة، يا فاجرة، يا خبيثة، يا مؤاجرة، يا ابنة الحرام، أو امرأتي لا ترد يد لامس، وبالعكس فهذا لا يكون قذفاً إلا أن يريده، وكذلك لو قال لعربي يا نبطي، فهذا لا يكون قذفاً إلا أن يريده، فإن أراد به القذف فهو قذف لأم المقول له وإلا فلا، فإن قال عنيت به نبطي الدار واللسان، وادعت أم المقول له أنه أراد القذف، فالقول قوله مع يمينه. أما التعريض فليس بقذف وإن أراده، وذلك مثل قوله: يا ابن الحلال، أما أنا فما زنيت وليست أمي زانية، وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة والثوري والحسن بن صالح رحمهم الله. وقال مالك رحمه الله: يجب الحد فيه، وقال أحمد وإسحق: هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا،لنا، أن التعريض بالقذف محتمل للقذف ولغيره، فوجب أن لا يجب الحد، لأن الأصل براءة الذمة فلا يرجع عنه بالشك، وأيضاً فلقوله عليه السلام: « حديث : أدرأوا الحدود بالشبهات » تفسير : ولأن الحدود شرعت على خلاق النص النافي للضرر. والإيذاء الحاصل بالتصريح فوق الحاصل بالتعريض، واحتج المخالف بما روى الأوزاعي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: كان عمر يضرب الحد في التعريض. وروي أيضاً أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال أحدهما للآخر: والله ما أنا بزان ولا أمي بزانية، فاستشار عمر الناس في ذلك، فقال قائل: مدح أباه وأمه، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا، فجلده عمر ثمانين جلدة والجواب: أن في مشاورة عمر الصحابة في حكم التعريض دلالة على أنه لم يكن عندهم فيه توقيف، وأنهم قالوا رأياً واجتهاداً. المسألة الثانية: في تعدد القذف اعلم أنه إما أن يقذف شخصاً واحداً مراراً أو يقذف جماعة، فإن قذف واحداً مراراً نظر إن كان أراد بالكل زنية واحدة بأن قال: زنيت بعمرو قاله مراراً لا يجب إلا حد واحد، ولو أنشأ الثاني بعدما حد للأول عزر للثاني، وإن قذفها بزنيات مختلفة بأن قال زنيت بزيد، ثم قال زنيت بعمرو، فهل يتعدد الحد أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: يتعدد اعتباراً باللفظ ولأنه من حقوق العباد فلا يقع فيه التداخل كالديون والثاني: وهو الأصح يتداخل فلا يجب فيه إلا حد واحد لأنهما حدان من جنس واحد لمستحق واحد فوجب أن يتداخل كحدود الزنا، ولو قذف زوجته مراراً، فالأصح أنه يكتفي بلعان واحد سواء قلنا يتعدد الحد أو لا يتعدد. أما إذا قذف جماعة معدودين نظر، إن قذف كل واحد بكلمة يجب عليه لكل واحد حد كامل، وعند أبي حنيفة رحمه الله: لا يجب عليه إلا حد واحد. واحتج أبو بكر الرازي على قول أبي حنيفة بالقرآن والسنة والقياس. أما القرآن فهو قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } والمعنى أن كل أحد يرمي المحصنات وجب عليه الجلد، وذلك يقتضي أن قاذف جماعة من المحصنات لا يجلد أكثر من ثمانين فمن أوجب على قاذف جماعة المحصنات أكثر من حد واحد فقد خالف الآية. وأما السنة: فما روى عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال النبي عليه السلام: « حديث : لا، البينة أو حد في ظهرك » تفسير : فلم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم على هلال إلا حداً واحداً مع قذفه لإمرأته ولشريك بن سحماء، إلى أن نزلت آية اللعان فأقيم اللعان في الزوجات مقام الحد في الأجنبيات. وأما القياس: فهو أن سائر ما يوجب الحد إذا وجد منه مراراً لم يجب إلا حد واحد كمن زنى مراراً أو شرب مراراً أو سرق مراراً فكذا ههنا، والمعنى الجامع دفع مزيد الضرر والجواب: عن الأول أن قوله: {وَٱلَّذِينَ } صيغة جمع، وقوله: {ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } صيغة جمع، والجمع إذا قوبل بالجمع يقابل الفرد بالفرد فيصير المعنى كل من رمى محصناً واحداً وجب عليه الجد، وعند ذلك يظهر وجه تمسك الشافعي رحمه الله بالآية، ولأن قوله: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ..... فَٱجْلِدُوهُمْ } يدل على ترتيب الجلد على رمي المحصنات وترتيب الحكم على الوصف، لا سيما إذا كان مناسباً فإنه مشعر بالعلية، فدلت الآية على أن رمي المحصن من حيث إنه هذا المسمى يوجب الجلد إذا ثبت هذا فنقول: إذا قذف واحداً صار ذلك القذف موجباً للحد، فإذا قذف الثاني وجب أن يكون القذف الثاني موجباً للحد أيضاً، ثم موجب القذف الثاني لا يجوز أن يكون هو الحد الأول لأن ذلك قد وجب بالقذف الأول وإيجاب الواجب محال، فوجب أن يحد بالقذف الثاني حداً ثانياً، أقصى ما في الباب أن يورد على هذه الدلالة حدود الزنا. لكنا نقول ترك العمل هناك بهذا الدليل لأن حد الزنا أغلظ من حد القذف، وعند ظهور الفارق يتعذر الجمع. وأما السنة فلا دلالة فيها على هذه المسألة لأن قذفهما بلفظ واحد، ولنا في هذه المسألة تفصيل سيأتي إن شاء. وأما القياس ففاسد لأن حد القذف حق الآدمي. بدليل أنه لا يحد إلا بمطالبة المقذوف وحقوق الآدمي لا تتداخل بخلاف حد الزنا، فإنه حق الله تعالى. هذا كله إذا قذف جماعة كل واحد منهم بكلمة على حدة. أما إذا قذفهم بكلمة واحدة فقال أنتم زناة أو زنيتم، ففيه قولان أصحهما وهو قوله في «الجديد»: يجب لكل واحد حد كامل لأنه من حقوق العباد فلا يتداخل، ولأنه أدخل على كل واحد منهم معرة فصار كما لو قذفهم بكلمات. وفي «القديم» لا يجب للكل إلا حد واحد اعتباراً باللفظ، فإن اللفظ واحد والأول أصح لأنه أوفق لمفهوم الآية. فعلى هذا لو قال لرجل يا ابن الزانيين يكون قذفاً لأبويه بكلمة واحدة فعليه حدان. المسألة الثالثة: فيما يبيح القذف: القذف ينقسم إلى محظور ومباح وواجب، وجملة الكلام أنه إذا لم يكن ثم ولد يريد نفيه فلا يجب، وهل يباح أم لا ينظر إن رآها بعينه تزني أو أقرت هي على نفسها ووقع في قلبه صدقها أو سمع ممن يثق بقوله أو لم يسمع، لكنه استفاض فيما بين الناس أن فلاناً يزني بفلانة، وقد رآه الزوج يخرج من بيتها أو رآه معها في بيت، فإنه يباح له القذف لتأكد التهمة، ويجوز أن يمسكها ويستر عليها. لما روي «أن رجلاً قال يا رسول الله إن لي امرأة لا ترد يد لامس، قال: «حديث : طلقها». تفسير : قال إني أحبها، قال: « حديث : فأمسكها » تفسير : أما إذا سمعه ممن لا يوثق بقوله أو استفاض من بين الناس ولكن الزوج لم يره معها أو بالعكس لم يحل له قذفها، لأنه قد يذكره من لا يكون ثقة فينتشر ويدخل بيتها خوفاً من قاصد أو لسرقة أو لطلب فجور فتأبى المرأة قال الله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ جَاءوا بِٱلإفْكِ عُصْبَةٌ مّنْكُمْ } تفسير : [النور: 11] أما إذا كان ثم ولد يريد نفيه، نظر فإن تيقن أنه ليس منه بأن لم يكن وطئها الزوج أو وطئها لكنها أتت به لأقل من ستة أشهر من وقت الوطء أو لأكثر من أربع سنين يجب عليه نفيه باللعان لأنه ممنوع من استلحاق نسب الغير كما هو ممنوع من نفي نسبه، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولم يدخلها الله جنته » تفسير : فلما حرم على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم كان الرجل أيضاً كذلك، أما إن احتمل أن يكون منه بأن أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الوطء ولدون أربع سنين، نظر إن لم يكن قد استبرأها بحيضة، أو استبرأها وأتت به لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء، لا يحل له القذف والنفي وإن اتهمها بالزنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين » تفسير : فإن استبرأها وأتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الاستبراء يباح له القذف والنفي. والأولى أن لا يفعل لأنها قد ترى الدم على الحبل وإن أتت امرأته بولد لا يشبهه بأن كانا أبيضين فأتت به أسود، نظر إن لم يكن يتهمها بالزنا فليس له نفيه، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه: « أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، حديث : فقال هل لك من إبل؟ تفسير : قال نعم، حديث : قال ما ألوانها؟ تفسير : قال حمر، حديث : قال فهل فيها أورق؟ تفسير : قال نعم، حديث : قال فكيف ذاك؟ تفسير : قال نزعه عرق قال حديث : فلعل هذا نزعه عرق » تفسير : وإن كان يتهمها بزنا أو يتهمها برجل فأتت بولد يشبهه هل يباح له نفيه فيه وجهان: أحدهما: لا لأن العرق ينزع والثاني: له ذلك لأن التهمة قد تأكدت بالشبهة. البحث الثاني: في الرامي وفيه مسائل: المسألة الأولى: إذا قذف الصبي أو المجنون امرأته أو أجنبياً فلا حد عليهما ولا لعان، لا في الحال ولا بعد البلوغ، لقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : رفع القلم عن ثلاث » تفسير : ولكن يعزران للتأديب إن كان لهما تمييز، فلو لم تتفق إقامة التعزير على الصبي حتى بلغ، قال القفال يسقط التعزير لأنه كان للزجر عن إساءة الأدب وقد حدث زاجر أقوى وهو البلوغ. المسألة الثانية: الأخرس إذا كانت له إشارة مفهومة أو كتابة معلومة وقذف بالإشارة أو بالكناية لزمه الحد، وكذلك يصح لعانه بالإشارة والكناية، وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يصح قذف الأخرس ولا لعانه، وقول الشافعي رحمه الله أقرب إلى ظاهر الآية لأن من كتب أو أشار إلى القذف فقد رمى المحصنة وألحق العار بها فوجب اندراجه تحت الظاهر، ولأنا نقيس قذفه ولعانه على سائر الأحكام. المسألة الثالثة: اختلفوا فيما إذا قذف العبد حراً فقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر وعثمان القن عليه أربعون جلدة، روى الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علياً عليه السلام قال: « يجلد العبد في القذف أربعين » وعن عبدالله بن عمر أنه قال: « أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء وكلهم يضربون المملوك في القذف أربعين » وقال الأوزاعي يجلد ثمانين وهو مروي عن ابن مسعود، وروي أنه جلد عمر بن عبد العزيز العبد في الفرية ثمانين. ومدار المسألة على حرف واحد وهو أن هذه الآية صريحة في إيجاب الثمانين فمن رد هذا الحد إلى أربعين فطريقه أن الله تعالى قال: { أية : فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [النساء: 25] فنص على أن حد الأمة في الزنا نصف حد الحرة، ثم قاسوا العبد على الأمة في تنصيف حد الزنا، ثم قاسوا تنصيف حد قذف العبد على تنصيف حد الزنا في حقه، فرجع حاصل الأمر إلى تخصيص عموم الكتاب بهذا القياس. المسألة الرابعة: اتفقوا على دخول الكافر تحت عموم قوله: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } لأن الاسم يتناوله ولا مانع، فاليهودي إذا قذف المسلم يجلد ثمانين، والله أعلم. البحث الثالث: في المرمى وهي المحصنة، قال أبو مسلم: اسم الإحصان يقع على المتزوجة وعلى العفيفة وإن لم تتزوج، لقوله تعالى في مريم: { أية : وَٱلَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } تفسير : [الأنبياء: 91] وهو مأخوذ من منع الفرج فإذا تزوجت منعته إلا من زوجها، وغير المتزوجة تمنعه كل أحد، ويتفرع عليه مسائل: المسألة الأولى: ظاهر الآية يتناول جميع العفائف سواء كانت مسلمة أو كافرة وسواء كانت حرة أو رقيقة، إلا أن الفقهاء قالوا: شرائط الإحصان خمسة الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والعفة من الزنا، وإنما اعتبرنا الإسلام لقوله عليه السلام: « حديث : من أشرك بالله فليس بمحصن » تفسير : وإنما اعتبرنا العقل والبلوغ لقوله عليه السلام: « حديث : رفع القلم عن ثلاث » تفسير : وإنما اعتبرنا الحرية لأن العبد ناقص الدرجة فلا يعظم عليه التعيير بالزنا، وإنما اعتبرنا العفة عن الزنا لأن الحد مشروع لتكذيب القاذف، فإذا كان المقذوف زانياً فالقاذف صادق في القذف. وكذلك إذا كان المقذوف وطىء امرأة بشبهة أو نكاح فاسد لأن فيه شبهة الزنا كما فيه شبهة الحل، فكما أن إحدى الشبهتين أسقطت الحد عن الواطىء فكذا الأخرى تسقطه عن قاذفه أيضاً، ثم نقول من قذف كافراً أو مجنوناً أو صبياً أو مملوكاً، أو من قد رمى امرأة، فلا حد عليه، بل يعزر للأذى، حتى لو زنى في عنفوان شبابه مرة ثم تاب وحسن حاله وشاخ في الصلاح لا يحد قاذفه، وكذلك لو زنى كافر أو رقيق ثم أسلم وعتق وصلح حاله فقذفه قاذف لا حد عليه، بخلاف ما لو زنى في حال صغره أو جنونه ثم بلغ أو أفاق فقذفه قاذف يحد، لأن فعل الصبي والمجنون لا يكون زناً، ولو قذف محصناً فقبل أن يحد القاذف زنا المقذوف سقط الحد عن قاذفه لأن صدور الزنا يورث ريبة في حالة فيما مضى لأن الله تعالى كريم لا يهتك ستر عبده في أول ما يرتكب المعصية، فبظهوره يعلم أنه كان متصفاً به من قبل، روي أن رجلاً زنى في عهد عمر، فقال والله ما زنيت إلا هذه، فقال عمر كذبت إن الله لا يفضح عبده في أول مرة، وقال المزني وأبو ثور: الزنا الطارىء لا يسقط الحد عن القاذف. المسألة الثانية: قال الحسن البصري قوله: {والذين يرمون المحصنات } يقع على الرجال والنساء، وسائر العلماء أنكروا ذلك لأن لفظ المحصنات جمع لمؤنث فلا يتناول الرجال، بل الإجماع دل على أنه لا فرق في هذا الباب بين المحصنين والمحصنات. المسألة الثالثة: رمي غير المحصنات لا يوجب الحد بل يوجب التعزير إلا أن يكون المقذوف معروفاً بما قذف به فلا حد هناك ولا تعزير، فهذا مجموع الكلام في تفسير قوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ }. أما قوله سبحانه: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } ففيه بحثان: البحث الأول: اعلم أن الله تعالى حكم في القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء بثلاثة أحكام أحدها: جلد ثمانين وثانيها: بطلان الشهادة وثالثها: الحكم بفسقه إلى أن يتوب، واختلف أهل العلم في كيفية ثبوت هذه الأحكام، بعد اتفاقهم على وجوب الحد عليه بنفس القذف عند عجزه عن إقامة البينة على الزنا، فقال قائلون قد بطلت شهادته ولزمه سمة الفسق قبل إقامة الحد عليه وهو قول الشافعي والليث بن سعد. وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر شهادته مقبولة ما لم يحد. قال أبو بكر الرازي وهذا مقتضى قولهم إنه غير موسوم بسمة الفسق ما لم يقع به الحد. لأنه لو لزمته سمة الفسق لما جازت شهادته إذ كانت سمة الفسق مبطلة لشهادة من وسم بها، ثم احتج أبو بكر على صحة قول أبي حنيفة رحمه الله بأمور: أحدها: قوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } ظاهر الآية يقتضي ترتب وجوب الحد على مجموع القذف والعجز عن إقامة الشهادة، فلو علقنا هذا الحكم على القذف وحده قدح ذلك في كونه معلقاً على الأمرين وذلك بخلاف الآية، وأيضاً فوجوب الجلد حكم مرتب على مجموع أمرين فوجب أن لا يحصل بمجرد حصول أحدهما، كما لو قال لامرأته إن دخلت الدار وكلمت فلاناً فأنت طالق، فأتت بأحد الأمرين دون الآخر لم يوجد الجزاء فكذا ههنا وثانيها: أن القاذف لا يحكم عليه بالكذب بمجرد قذفه وإذا كان كذلك وجب أن لا ترد شهادته بمجرد القذف. بيان الأول من ثلاثة أوجه: الأول: أن مجرد قذفه لو أوجب كونه كاذباً لوجب أن لا تقبل بعد ذلك بينته على الزنا إذ قد وقع الحكم بكذبه، والحكم بكذبه في قذفه حكم ببطلان شهادة من شهد بصدقه في كون المقذوف زانياً، ولما أجمعوا على قبول بينته ثبت أنه لم يحكم عليه بالكذب بمجرد قذفه الثاني: أن قاذف امرأته بالزنا لا يحكم بكذبه بنفس قذفه، وإلا لما جاز إيجاب اللعان بينه وبين امرأته، ولما أمر بأن يشهد بالله أنه لصادق فيما رماها به من الزنا مع الحكم بكذبه. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم بعدما لاعن بين الزوجين « حديث : الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب » تفسير : فأخبر أن أحدهما بغير تعيين هو الكاذب ولم يحكم بكذب القاذف، وفي ذلك دليل على أن نفس القذف لا يوجب كونه كاذباً الثالث: قوله تعالى: { أية : لَّوْلاَ جَاءو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَـئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ } تفسير : [النور: 13] فلم يحكم بكذبهم بنفس القذف فقط، فثبت بهذه الوجوه أن القاذف غير محكوم عليه بكونه كاذباً بمجرد القذف، وإذا كان كذلك وجب أن لا تبطل شهادته بمجرد القذف لأنه كان عدلاً ثقة والصادر عنه غير معارض، ولما كان يجب أن يبقى على عدالته فوجب أن يكون مقبول الشهادة وثالثها: قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً في قذف » تفسير : أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ببقاء عدالة القاذف ما لم يحد ورابعها: ما روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قصة هلال بن أمية لما قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله: « حديث : يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين » تفسير : فأخبر أن بطلان شهادته متعلق بوقوع الجلد به وذلك يدل على أن مجرد القذف لا يبطل الشهادة وخامسها: أن الشافعي رحمه الله زعم أن شهود القذف إذا جاءوا متفرقين قبلت شهادتهم، فإن كان القذف قد أبطل شهادته فواجب أن لا يقبلها بعد ذلك، وإن شهد معه ثلاثة لأنه قد فسق بقذفه ووجب الحكم بكذبه، وفي قبول شهادتهم إذا جاءوا متفرقين ما يلزمه أن لا تبطل شهادتهم بنفس القذف، وأما وجه قول الشافعي رحمه الله فهو أن الله تعالى رتب على القذف مع عدم الإتيان بالشهداء الأربعة أموراً ثلاثة معطوفاً بعضها على بعض بحرف الواو، وحرف الواو لا يقتضي الترتيب. فوجب أن لا يكون بعضها مرتباً على البعض، فوجب أن لا يكون رد الشهادة مرتباً على إقامة الحد، بل يجب أن يثبت رد الشهادة سواء أقيم الحد عليه أو ما أقيم، والله أعلم. البحث الثاني: في كيفية الشهادة على الزنا قال الله تعالى: { أية : وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نّسَائِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ } تفسير : [النساء: 15] وقال تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } وقال سعد بن عبادة:« يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ حديث : قال نعم » تفسير : ثم ههنا مسائل: المسألة الأولى: الإقرار بالزنا هل يثبت بشهادة رجلين فيه قولان: أحدهما: لا يثبت إلا بأربعة كفعل الزنا والثاني: يثبت بخلاف فعل الزنا، لأن الفعل يغمض الاطلاع عليه فاحتيط فيه باشتراط الأربع والإقرار أمر ظاهر فلا يغمض الإطلاع عليه. المسألة الثانية: إذا شهدوا على فعل الزنا يجب أن يذكروا الزاني ومن زنى بها، لأنه قد يراه على جارية له فيظن أنها أجنبية، ويجب أن يشهدوا أنا رأينا ذكره يدخل في فرجها دخول الميل في المكحلة، فلو شهدوا مطلقاً أنه زنى لا يثبت، لأنهم ربما يرون المفاخذة زنا، بخلاف ما لو قذف إنساناً فقال زنيت يجب الحد ولا يستفسر، ولو أقر على نفسه بالزنا، هل يشترط أن يستفسر؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم كالشهود والثاني: لا يجب كما في القذف. المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله لا فرق بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين، وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا شهدوا متفرقين لا يثبت وعليهم حد القذف، حجة الشافعي رحمه الله من وجوه: الأول: أن الإتيان بأربعة شهداء قدر مشترك بين الإتيان بهم مجتمعين أو متفرقين واللفظ الدال على ما به الاشتراك لا إشعار له بما به الامتياز، فالآتي بهم متفرقين يكون عاملا بالنص فوجب أن يخرج عن العهدة الثاني: كل حكم يثبت بشهادة الشهود إذا جاءوا مجتمعين يثبت إذا جاءوا متفرقين كسائر الأحكام، بل هذا أولى لأنهم إذا جاءوا متفرقين كان أبعد عن التهمة، وعن أن يتلقن بعضهم من بعض، فلذلك قلنا إذا وقعت ريبة للقاضي في شهادة الشهود فرقهم ليظهر على عورة إن كانت في شهادتهم الثالث: أنه لا يشترط أن يشهدوا معاً في حالة واحدة، بل إذا اجتمعوا عند القاضي وكان يقدم واحد بعد آخر ويشهد فإنه تقبل شهادتهم، فكذا إذا اجتمعوا على بابه. ثم كان يدخل واحد بعد واحد، حجة أبي حنيفة رحمه الله من وجهين: الأول: أن الشاهد الواحد لما شهد فقد قذفه ولم يأت بأربعة من الشهداء فوجب عليه الحد لقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } أقصى ما في الباب أنهم عبروا عن ذلك القذف بلفظ الشهادة، وذلك لا عبرة به لأنه يؤدي إلى إسقاط حد القذف رأساً، لأن كل قاذف لا يعجزه لفظ الشهادة، فيجعل ذلك وسيلة إلى إسقاط الحد عن نفسه، ويحصل مقصوده من القذف الثاني: ما روي «أن المغيرة بن شعبة شهد عليه بالزنا عند عمر بن الخطاب أربعة: أبو بكرة ونافع ونفيع وقال زياد وكان رابعهم رأيت إستاً تنبو ونفساً يعلو ورجلاها على عاتقه كأذني حمار، ولا أدري ما وراء ذلك، فجلد عمر الثلاثة ولم يسأل هل معهم شاهد آخر» فلو قبل بعد ذلك شهادة غيرهم لتوقف، لأن الحدود مما يتوقف فيها ويحتاط. المسألة الرابعة: لو شهد على الزنا أقل من أربعة لا يثبت الزنا، وهل يجب حد القذف على الشهود فيه قولان: أحدهما: لا يجب لأنهم جاءوا مجيء الشهود، ولأنا لو حددنا لانسد باب الشهادة على الزنا، لأن كل واحد لا يأمن أن لا يوافقه صاحبه فيلزمه الحد والقول الثاني: وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله: يجب عليهم الحد، والدليل عليه الوجهان اللذان ذكرناهما في المسألة الثالثة. المسألة الخامسة: إذا قذف رجل رجلاً فجاء بأربعة فساق فشهدوا على المقذوف بالزنا، قال أبو حنيفة رحمه الله: يسقط الحد عن القاذف ولا يجب الحد على الشهود. وقال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه: يحدون، وجه قول أبي حنيفة قوله: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } وهذا قد أتى بأربعة شهداء فلا يلزمه الحد. ولأن الفاسق من أهل الشهادة وقد وجدت شرائط شهادة الزنا من اجتماعهم عند القاضي، إلا أنه لم تقبل شهادتهم لأجل التهمة، فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه فكذلك وجب اعتبارها في نفي الحد عنهم، ووجه قول الشافعي رحمه الله أنهم غير موصوفين بالشرائط المعتبرة في قبول الشهادة فخرجوا عن أن يكونوا شاهدين، فبقوا محض القاذفين، وههنا آخر الكلام في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء }. أما قوله تعالى: {فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: المخاطب بقوله: {فَٱجْلِدُوهُمْ } هو الإمام على ما بيناه في آية الزنا، أو المالك على مذهب الشافعي، أو رجل صالح ينصبه الناس عند فقد الإمام. المسألة الثانية: خص من عموم هذه الآية صور: أحدها: الوالد يقذف ولده أو أحداً من نوافله، فلا يجب عليه الحد، كما لا يجب عليه القصاص بقتله الثانية: القاذف إذا كان عبداً فالواجب جلد أربعين، وكذا المكاتب وأم الولد، ومن بعضه حر وبعضه رقيق فحدهم حد العبيد الثالثة: من قذف رقيقة عفيفة أو من زنت في قديم الأيام ثم تابت فهي بموجب اللغة محصنة، ومع ذلك لا يجب الحد بقذفها. المسألة الثالثة: قالوا أشد الضرب في الحدود ضرب الزنا، ثم ضرب شرب الخمر، ثم ضرب القاذف، لأن سبب عقوبته محتمل للصدق والكذب، إلا أنه عوقب صيانة للأعراض وزجراً عن هتكها. المسألة الرابعة: قال مالك والشافعي حد القذف يورث، فإذا مات المقذوف قبل استيفاء الحد وقبل العفو يثبت لوارثه حد القذف، وكذلك إذا كان الواجب بقذفه التعزير، فإنه يورث عنه، وكذا لو أنشأ القذف بعد موت المقذوف ثبت لوارثه طلب الحد. وعند أبي حنيفة رحمه الله: حد القذف لا يورث ويسقط بالموت. حجة الشافعي رحمه الله، أن حد القذف هو حق الآدمي لأنه يسقط بعفوه ولا يستوفي إلا بطلبه ويحلف فيه المدعى عليه إذا أنكر، وإذا كان حق الآدمي وجب أن يورث لقوله عليه السلام: « حديث : ومن ترك حقاً فلورثته » تفسير : حجة أبي حنيفة رحمه الله: أنه لو كان موروثاً لكان للزوج أو الزوجة فيه نصيب، ولأنه حق ليس فيه معنى المال والوثيقة فلا يورث كالوكالة والمضاربة والجواب: عن الأول أن الأصح عند الشافعية أنه يرثه جميع الورثة كالمال، وفيه وجه ثان أنه يرثه كلهم إلا الزوج والزوجة، لأن الزوجية ترتفع بالموت، ولأن المقصود من الحد دفع العار عن النسب، وذلك لا يلحق الزوج والزوجة. المسألة الخامسة: إذا قذف إنسان إنساناً بين يدي الحاكم، أو قذف امرأته برجل بعينه والرجل غائب، فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف ويخبره بأن فلاناً قذفك وثبت لك حد القذف عليه، كما لو ثبت له مال على آخر وهو لا يعلمه يلزمه إعلامه، وعلى هذا المعنى « بعث النبي صلى الله عليه وسلم أنيساً ليخبرها بأن فلاناً قذفها بابنه ولم يبعثه ليتفحص عن زناها » قال الشافعي رحمه الله وليس للإمام إذا رمى رجل بزنا أن يبعث إليه فيسأله عن ذلك لأن الله تعالى قال: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ } وأراد به إذا لم يكن القاذف معيناً، مثل إن قال رجل بين يدي الحاكم الناس يقولون إن فلاناً زنى فلا يبعث الحاكم إليه فيسأله. أما قوله تعالى: {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } فاختلف الفقهاء فيه، فقال أكثر الصحابة والتابعين إنه إذا تاب قبلت شهادته وهو قول الشافعي رحمه الله، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن صالح رحمهم الله لا تقبل شهادة المحدود في القذف إذا تاب، وهذه المسألة مبنية على أن قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } هل عاد إلى جميع الأحكام المذكورة أو اختص بالجملة الأخيرة، فعند أبي حنيفة رحمه الله الاستثناء المذكور عقيب الجمل الكثيرة مختص بالجملة الأخيرة، وعند الشافعي رحمه الله يرجع إلى الكل، وهذه المسألة قد لخصناها في أصول الفقه، ونذكر ههنا ما يليق بهذا الموضع إن شاء الله تعالى، احتج الشافعي رحمه الله على أن شهادته مقبولة بوجوه: أحدها: قوله عليه السلام: « حديث : التائب من الذنب كمن لا ذنب له » تفسير : ومن لا ذنب له مقبول الشهادة، فالتائب يجب أن يكون أيضاً مقبول الشهادة وثانيها: أن الكافر يقذف فيتوب عن الكفر فتقبل شهادته بالإجماع، فالقاذف المسلم إذا تاب عن القذف وجب أن تقبل شهادته، لأن القذف مع الإسلام أهون حالاً من القذف مع الكفر، فإن قيل المسلمون لا يألمون بسب الكفار، لأنهم شهروا بعداوتهم والطعن فيهم بالباطل، فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر من الشين والشنآن ما يلحقه بقذف مسلم مثله، فشدد على القاذف من المسلمين زجراً عن إلحاق العار والشنآن، وأيضاً فالتائب من الكفر لا يجب عليه الحد والتائب من القذف لا يسقط عنه الحد، قلا هذا الفرق ملغى بقوله عليه السلام: « حديث : أنبئهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين » تفسير : وثالثها: أجمعنا على أن التائب عن الكفر والقتل والزنا مقبول الشهادة فكذا التائب عن القذف، لأن هذه الكبيرة ليست أكبر من نفس الزنا ورابعها: أن أبا حنيفة رحمه الله يقبل شهادته إذ تاب قبل الحد مع أن الحد حق المقذوف فلا يزول بالتوبة. فلأن تقبل شهادته إذا تاب بعد إقامة الحد وقد حسنت حالته وزال اسم الفسق عنه كان أولى وخامسها: أن قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } استثناء مذكور عقيب جمل فوجب عوده إليها بأسرها ويدل عليه أمور: أحدها: أجمعنا على أنه لو قال عبده حر وامرأته طالق إن شاء الله، فإنه يرجع الاستثناء إلى الجميع فكذا فيما نحن فيه، فإن قيل الفرق أن قوله: { أية : إِن شَاء ٱللَّهُ } تفسير : [يوسف: 99] يدخل لرفع حكم الكلام حتى لا يثبت فيه شيء، والاستثناء المذكور بحرف الاستثناء لا يجوز دخوله لرفع حكم الكلام رأساً. ألا ترى أنه يجوز أن يقول أنت طالق إن شاء الله فلا يقع شيء، ولو قال أنت طالق إلا طلاقاً كان الطلاق واقعاً والاستثناء باطلاً لاستحالة دخوله لرفع حكم الكلام بالكلية، فثبت أنه لا يلزم من رجوع قوله: {إِن شَاء ٱللَّهُ } إلى جميع ما تقدم صحة رجوع الاستثناء بحرفه إلى جميع ما تقدم، قلنا هذا فرق في غير محل الجمع، لأن إن شاء الله جاز دخوله لرفع حكم الكلام بالكلية، فلا جرم جاز رجوعه إلى جميع الجمل المذكورة وإلا جاز دخوله لرفع بعض الكلام فوجب جواز رجوعه إلى جميع الجمل على هذا الوجه، حتى يقتضي أن يخرج من كل واحد من الجمل المذكورة بعضه وثانيها: أن الواو للجمع المطلق فقوله: {فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } صار الجمع كأنه ذكر معاً لا تقدم للبعض على البعض، فلما دخل عليه الاستثناء لم يكن رجوع الاستثناء إلى بعضها أولى من رجوعه إلى الباقي إذ لم يكن لبعضها على بعض تقدم في المعنى ألبتة فوجب رجوعه إلى الكل، ونظيره على قول أبي حنيفة رحمه الله قوله تعالى: { أية : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } تفسير : [المائدة: 6] فإن فاء التعقيب ما دخلت على غسل الوجه بل على مجموع هذه الأمور من حيث إن الواو لا تفيد الترتيب. فكذا ههنا كلمة إلا ما دخلت على واحد بعينه لأن حرف الواو لا يفيد الترتيب بل دخلت على المجموع، فإن قيل الواو قد تكون للجمع على ما ذكرت وقد تكون للاستئناف وهي في قوله: {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } لأنها إنما تكون للجمع فيما لا يختلف معناه ونظمه جملة واحدة، فيصير الكل كالمذكور معاً مثل آية الوضوء فإن الكل أمر واحد كأنه قال فاغسلوا هذه الأعضاء فإن الكل قد تضمنه لفظ الأمر. وأما آية القذف فإن ابتداءها أمر وآخرها خبر فلا يجوز أن ينظمهما جملة واحدة، وكان الواو للاستئناف فيختص الاستثناء به، قلنا لم لا يجوز أن نجعل الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط كأنه قيل ومن قذف المحصنات فاجلدوهم وردوا شهادتهم وفسقوهم، أي فاجمعوا لهم الجلد والرد والفسق، إلا الذين تابوا عن القذف وأصلحوا فإن الله يغفر لهم فينقبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مفسقين وثالثها: أن قوله: {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } عقيب قوله: {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } يدل على أن العلة في عدم قبول تلك الشهادة كونه فاسقاً، لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، لا سيما إذا كان الوصف مناسباً وكونه فاسقاً يناسب أن لا يكون مقبول الشهادة، إذا ثبت أن العلة لرد الشهادة ليست إلا كونه فاسقاً، ودل الاستثناء على زوال الفسق فقد زالت العلة فوجب أن يزول الحكم لزوال العلة ورابعها: أن مثل هذا الاستثناء موجود في القرآن، قال الله تعالى: { أية : إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } تفسير : [المائدة: 33] إلى قوله: { أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } تفسير : [البقرة: 160] ولا خلاف أن هذا الاستثناء راجع إلى ما تقدم من أول الآية، وأن التوبة حاصلة لهؤلاء جميعاً وكذلك قوله: { أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } تفسير : إلى قوله: { أية : فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } تفسير : [النساء: 43] وصار التيمم لمن وجب عليه الاغتسال، كما أنه مشروع لمن وجب عليه الوضوء، وهذا الوجه ذكره أبو عبيد في إثبات مذهب الشافعي رحمه الله، واحتج أصحاب أبي حنيفة على أن حكم الاستثناء مختص بالجملة الأخيرة بوجوه: أحدها: أن الاستثناء من الاستثناء يختص بالجملة الأخيرة، فكذا في جميع الصور طرداً للباب وثانيها: أن المقتضي لعموم الجمل المتقدمة قائم والمعارض وهو الاستثناء يكفي في تصحيحه تعليقه بجملة واحدة، لأن بهذا القدر يخرج الاستثناء عن أن يكون لغواً فوجب تعليقه بالجملة الواحدة فقط وثالثها: أن الاستثناء لو رجع إلى كل الجمل المتقدمة لوجب أنه إذا تاب أن لا يجلد وهذا باطل بالإجماع فوجب أن يختص الاستثناء بالجملة الأخيرة والجواب: عن الأول أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي، فالاستثناء عقيب الاستثناء لو رجع إلى الاستثناء الأول وإلى المستثنى فبقدر ما نفي من أحدهما أثبت في الآخر فينجبر الناقص بالزائد ويصير الاستثناء الثاني عديم الفائدة، فلهذا السبب قلنا في الاستثناء من الاستثناء إنه يختص بالجملة الأخيرة والجواب: عن الثاني أنا بينا أن واو العطف لا تقتضي الترتيب فلم يكن بعض الجمل متأخراً في التقدير عن البعض، فلم يكن تعليقه بالبعض أولى من تعليقه بالباقي، فوجب تعليقه بالكل والجواب: عن الثالث أنه ترك العمل به في حق البعض فلم يترك العمل به في حق الباقي، واحتج أصحاب أبي حنيفة رحمه الله في المسألة بوجوه من الأخبار أحدها: ما روى ابن عباس رضي الله عنهما في قصة هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين » تفسير : فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم /أن وقوع الجلد به يبطل شهادته من غير شرط التوبة في قبولها وثانيها: أن قوله عليه السلام: « حديث : المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف » تفسير : ولم يشترط فيه وجود التوبة منه وثالثها: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا تجوز شهادة محدود في الإسلام » تفسير : قالت الشافعية هذا معارض بوجوه: أحدها: قوله عليه السلام: « حديث : إذا علمت مثل الشمس فاشهد » تفسير : والأمر للوجوب فإذا علم المحدود وجبت عليه الشهادة ولو لم تكن مقبولة لما وجبت لأنها تكون عبثاً وثانيها: قوله عليه السلام: « حديث : نحن نحكم بالظاهر » تفسير : وههنا قد حصل الظهور لأن دينه وعقله وعفته الحاصلة بالتوبة تفيد ظن كونه صادقاً وثالثها: ما روي عن عمر بن الخطاب «أنه ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة ونافع ونفيع، ثم قال لهم من أكذب نفسه قبلت شهادته ومن لم يفعل لم أجز شهادته فأكذب نافع ونفيع أنفسهما وتابا وكان يقبل شهادتهما. وأما أبو بكرة فكان لا يقبل شهادته» وما أنكر عليه أحد من الصحابة فيه، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة. أما قوله تعالى: {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } فاعلم أنه يدل على أمرين: الأول: أن القذف من جملة الكبائر لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب الكبيرة الثاني: أنه اسم لمن يستحق العقاب لأنه لو كان مشتقاً من فعله لكانت التوبة لا تمنع من دوامه كما لا تمنع من وصفه بأنه ضارب وبأنه رام إلى غير ذلك. وأما قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } فاعلم أنهم اختلفوا في أن التوبة عن القذف كيف تكون، قال الشافعي رحمه الله التوبة منه إكذابه نفسه، واختلف أصحابه في معناه فقال الأصطخري يقول: كذبت فيما قلت فلا أعود لمثله، وقال أبو إسحق لا يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقاً فيكون قوله كذبت كذباً والكذب معصية، والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى، بل يقول القاذف باطلاً ندمت على ما قلت ورجعت عنه ولا أعود إليه. أما قوله: {وَأَصْلَحُواْ } فقال أصحابنا إنه بعد التوبة لا بد من مضي مدة عليه في حسن الحال حتى تقبل شهادته وتعود ولايته، ثم قدروا تلك المدة بسنة حتى تمر عليه الفصول الأربع التي تتغير فيها الأحوال والطباع كما يضرب للعنين أجل سنة، وقد علق الشرع أحكاماً بالسنة من الزكاة والجزية وغيرهما. وأما قوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فالمعنى أنه لكونه غفوراً رحيماً يقبل التوبة وهذا يدل على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً إذ لو كان واجباً لما كان في قبوله غفوراً رحيماً، لأنه إذا كان واجباً فهو إنما يقبله خوفاً وقهراً لعلمه بأنه لو لم يقبله لصار سفيهاً، ولخرج عن حد الإلهية. أما إذا لم يكن واجباً فقبله. فهناك تتحقق الرحمة والإحسان وبالله التوفيق.
القرطبي
تفسير : فيه ست وعشرون مسألة: الأولى: هذه الآية نزلت في القاذفين. قال سعيد بن جُبير: كان سببها ما قيل في عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. وقيل: بل نزلت بسبب القَذفة عامًّا لا في تلك النازلة. وقال ابن المنذر: لم نجد في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم خبراً يدل على تصريح القذف، وظاهر كتاب الله تعالى مستغنًى به، دالاًّ على القذف الذي يوجب الحدّ، وأهل العلم على ذلك مجمعون. الثانية: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ} يريد يسبُّون، واستعير له اسم الرَّمْي لأنه إذاية بالقول؛ كما قال النابغة:شعر : وجـرح الـلسـان كـجـرح الـيـد تفسير : وقال آخر:شعر : رَمَانِي بأمْرٍ كنتُ منه ووالدِي بريئاً ومن أجْل الطَّوِيّ رمانِي تفسير : ويسمّى قذفاً؛ ومنه الحديث: إن ابن أميّة قذف امرأته بشرِيك بن السّحماء؛ أي رماها. الثالثة: ذكر الله تعالى في الآية النساء من حيث هن أهمّ، ورميهن بالفاحشة أشنع وأنكى للنفوس. وقَذْفُ الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى، وإجماع الأمة على ذلك. وهذا نحو نصّه على تحريم لحم الخنزير ودخل شحمه وغضارِيفه، ونحو ذلك بالمعنى والإجماع. وحكى الزّهراوِيّ أن المعنى: والأنفس المحصنات؛ فهي بلفظها تعم الرجال والنساء، ويدل على ذلك قوله: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 24]. وقال قوم: أراد بالمحصنات الفروج؛ كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} تفسير : [الأنبياء: 91] فيدخل فيه فروج الرجال والنساء. وقيل: إنما ذكر المرأة الأجنبية إذا قُذفت ليعطف عليها قذف الرجل زوجته؛ والله أعلم. وقرأ الجمهور «المحصَناتُ» بفتح الصاد، وكَسَرها يحيـى بن وَثّاب. والمحصَنات العفائف في هذا الموضع. وقد مضى في «النساء» ذكر الإحصان ومراتبه والحمد لله. الرابعة: للقذف شروط عند العلماء تسعة: شرطان في القاذف، وهما العقل والبلوغ؛ لأنهما أصلا التكليف، إذ التكليف ساقط دونهما. وشرطان في الشيء المقذوف به، وهو أن يقذف بوطء يلزمه فيه الحد، وهو الزنى واللواط؛ أو بنفيه من أبيه دون سائر المعاصي. وخمسة في المقذوف، وهي العقل والبلوغ والإسلام والحريّة والعفة عن الفاحشة التي رُمِيَ بها كان عفيفاً من غيرها أم لا. وإنما شرطنا في المقذوف العقل والبلوغ كما شرطناهما في القاذف وإن لم يكونا من معاني الإحصان لأجل أن الحدّ إنما وضع للزجر عن الإذاية بالمضرة الداخلة على المقذوف، ولا مضرّة على من عدم العقل والبلوغ؛ إذ لا يوصف اللواط فيهما ولا منهما بأنه زنًى. الخامسة: اتفق العلماء على أنه إذا صرح بالزنى كان قذفاً ورَمْياً موجباً للحدّ، فإن عرّض ولم يُصرّح فقال مالك: هو قذف. وقال الشافعيّ وأبو حنيفة: لا يكون قذفاً حتى يقول أردت به القذف. والدليل لما قاله مالك هو أن موضوع الحدّ في القذف إنما هو لإزالة المعرّة التي أوقعها القاذف بالمقذوف، فإذا حصلت المعرّة بالتعريض وجب أن يكون قذفاً كالتصريح والمعوّل على الفهم؛ وقد قال تعالى مخبراً عن شعيب: {أية : إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ} تفسير : [هود: 87] أي السفيه الضال؛ فعرّضوا له بالسب بكلام ظاهره المدح في أحد التأويلات، حسبما تقدم في هود. وقال تعالى في أبي جهل: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان: 49]. وقال حكاية عن مريم: {أية : يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} تفسير : [مريم: 28]؛ فمدحوا أباها ونفَوْا عن أمها البغاء، أي الزنى، وعرّضوا لمريم بذلك؛ ولذلك قال تعالى: {أية : وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 156]، وكفرُهم معروف، والبهتان العظيم هو التعريض لها؛ أي ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمّك بغيًّا، أي أنت بخلافهما وقد أتَيْتِ بهذا الولد. وقول تعالى: {أية : قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 24]؛ فهذا اللفظ قد فُهم منه أن المراد به أن الكفار على غير هدًى، وأن الله تعالى ورسوله على الهُدَى؛ ففُهِم من هذا التعريض ما يفهم من صريحه. وقد حبس عمر رضي الله عنه الحُطيئة لما قال:شعر : دَعِ المكارِمَ لا ترحل لبُغْيتها واقعد فإنك أنت الطّاعِمُ الكاسِي تفسير : لأنه شبهه بالنساء في أنهن يُطْعَمْن ويُسقين ويُكسون. ولما سمع قول النجاشيّ:شعر : قبيلته لا يغدِرون بذمة ولا يظلمون الناس حَبّة خَرْدَلِ تفسير : قال: ليت الخَطّاب كذلك؛ وإنما أراد الشاعر ضعف القبيلة؛ ومثله كثير. السادسة: الجمهور من العلماء على أنه لا حدّ على من قذف رجلاً من أهل الكتاب أو امرأة منهم. وقال الزُّهرِيّ وسعيد بن المسيّب وابن أبي لَيْلَى: عليه الحدّ إذا كان لها ولد من مسلم. وفيه قول ثالث: وهو أنه إذا قذف النصرانية تحت المسلم جُلِد الحدّ. قال ابن المنذر: وجُلّ العلماء مجمِعون وقائلون بالقول الأوّل، ولم أدرك أحداً ولا لقِيته يخالف في ذلك. وإذا قذف النصرانيّ المسلمَ الحرّ فعليه ما على المسلم ثمانون جلدة؛ لا أعلم في ذلك خلافاً. السابعة: والجمهور من العلماء على أن العبد إذا قذف حُرًّا يجلد أربعين؛ لأنه حدٌّ يتشطّر بالرق كحدّ الزنى. وروي عن ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وقَبِيصة بن ذؤيب يجلد ثمانين. وجلد أبو بكر بن محمد عبداً قذف حراً ثمانين؛ وبه قال الأوزاعيّ. احتج الجمهور بقول الله تعالى: {أية : فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النساء: 25]. وقال الآخرون: فهمنا هناك أن حدّ الزنى لله تعالى، وأنه ربما كان أخفَّ فيمن قلّت نعم الله عليه، وأفحش فيمن عظمت نعم الله عليه. وأما حدّ القذف فحق للآدميّ وجب للجناية على عرض المقذوف، والجناية لا تختلف بالرقّ والحرية. وربما قالوا: لو كان يختلف لذُكر كما ذكر في الزنى. قال ابن المنذر: والذي عليه عوامّ علماء الأمصار القولُ الأوّل، وبه أقول. الثامنة: وأجمع العلماء على أن الحرّ لا يجلد للعبد إذا افترى عليه؛ لتباين مرتبتهما، ولقوله عليه السلام: «حديث : من قذف مملوكه بالزنى أقيم عليه الحدّ يوم القيامة إلا أن يكون كما قال» تفسير : خرّجه البخاريّ ومسلم. وفي بعض طرقه:«حديث : من قذف عبده بزنًى ثم لم يُثبت أقيم عليه يوم القيامة الحدّ ثمانون» تفسير : ذكره الدّارَقُطْنِيّ. قال العلماء: وإنما كان ذلك في الآخرة لارتفاع المِلْك واستواء الشريف والوضيع والحرّ والعبد، ولم يكن لأحد فضل إلا بالتقوى؛ ولما كان ذلك تكافأ الناس في الحدود والحرمة، واقتُصّ من كل واحد لصاحبه إلا أن يعفو المظلوم عن الظالم. وإنما لم يتكافؤوا في الدنيا لئلا تدخل الداخلة على المالكين في مكافأتهم لهم، فلا تصح لهم حرمة ولا فضل في منزلة، وتبطل فائدة التسخير؛ حكمةٌ من الحكيم العليم، لا إلٰه إلا هو. التاسعة: قال مالك والشافعيّ: من قذف من يحسبه عبداً فإذا هو حر فعليه الحدّ؛ وقاله الحسن البصريّ واختاره ابن المنذر. قال مالك: ومن قذف أمّ الولد حُدّ؛ وروي عن ابن عمر، وهو قياس قول الشافعيّ. وقال الحسن البصريّ: لا حدّ عليه. العاشرة: واختلف العلماء فيمن قال لرجل: يا من وطىء بين الفخذين؛ فقال ابن القاسم: عليه الحدّ؛ لأنه تعريض. وقال أشهب: لا حدّ فيه؛ لأنه نسبة إلى فعلٍ لا يعدّ زنًى إجماعاً. الحادية عشرة: إذا رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى كان قذفاً عند مالك. وقال أبو حنيفة والشافعيّ وأبو ثور: ليس بقذف؛ لأنه ليس بزنًى إذ لا حدّ عليها، ويعزّر. قال ابن العربيّ: والمسألة محتملة مشكلة، لكن مالك طلب حماية عرض المقذوف، وغيرُه راعى حمايةَ ظهر القاذف؛ وحمايةُ عرض المقذوف أولى؛ لأن القاذف كشف ستره بطرف لسانه فلزمه الحدّ. قال ابن المنذر: وقال أحمد في الجارية بنتِ تسع: يجلد قاذفها، وكذلك الصبيّ إذا بلغ عشراً ضُرب قاذفه. قال إسحاق: إذا قذف غلاماً يطأ مثلُه فعليه الحدّ، والجارية إذا جاوزت تسعاً مثل ذلك. قال ابن المنذر: لا يحدّ من قذف من لم يبلغ؛ لأن ذلك كذب، ويعزّر على الأذى. قال أبو عبيد: في حديث عليّ رضي الله عنه أن امرأة جاءته فذكرت أن زوجها يأتي جاريتها فقال: إن كنتِ صادقةً رجمناه وإن كنت كاذبة جلدناك. فقالت: رُدّوني إلى أهلي غَيْرَى نَغِرَة. قال أبو عبيد: في هذا الحديث من الفقه أن على الرجل إذا واقع جارية امرأته الحدَّ. وفيه أيضاً إذا قذفه بذلك قاذف كان على قاذفه الحدّ؛ ألا تسمع قوله: وإن كنتِ كاذبة جلدناك. ووجه هذا كله إذا لم يكن الفاعل جاهلاً بما يأتي وبما يقول، فإن كان جاهلاً وادّعى شُبهة دُرِىء عنه الحدّ في ذلك كله. وفيه أيضاً أن رجلاً لو قذف رجلاً بحضرة حاكم وليس المقذوف بحاضر أنه لا شيء على القاذف حتى يجيء فيطلب حدّه؛ لأنه لا يدري لعله يصدقه؛ ألا ترى أن عليًّا عليه السلام لم يعرض لها. وفيه أن الحاكم إذا قُذف عنده رجل ثم جاء المقذوف فطلب حقه أخذه الحاكم بالحدّ بسماعه؛ ألا تراه يقول: وإن كنتِ كاذبة جلدناك؛ وهذا لأنه من حقوق الناس. قلت: اختلف هل هو من حقوق الله أو من حقوق الآدميين؛ وسيأتي. قال أبو عبيد: قال الأصمعي سألني شعبة عن قوله: «غَيْرَى نَغِرة»؛ فقلت له: هو مأخوذ من نَغَرِ القِدْرِ، وهو غليانها وفَوْرُها؛ يقال منه: نَغِرت تَنْغَر، ونَغَرت تَنْغِر إذا غلت. فمعناه أنها أرادت أن جوفها يَغْلِي من الغيظ والغَيْرة لمّا لم تجد عنده ما تريد. قال: ويقال منه رأيت فلاناً يتنغّر على فلان؛ أي يغلي جوفه عليه غيظاً. الثانية عشرة: من قذف زوجة من أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم حُدّ حدّين؛ قاله مسروق. قال ابن العربيّ: والصحيح أنه حدّ واحد؛ لعموم قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} الآية، ولا يقتضي شرفُهن زيادة في حَدّ من قذفهن؛ لأن شرف المنزلة لا يؤثّر في الحدود ولا نقصها يؤثر في الحدّ بتنقيص. والله أعلم. وسيأتي الكلام فيمن قذف عائشة رضي الله عنها، هل يقتل أم لا. الثالثة عشرة: قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} الذي يفتقر إلى أربعة شهداء دون سائر الحقوق هو الزنى؛ رحمةً بعباده وستراً لهم. وقد تقدّم في سورة النساء. الرابعة عشرة: مِن شرط أداء الشهود الشهادة عند مالك رحمه الله أن يكون ذلك في مجلس واحد؛ فإن افترقت لم تكن شهادة. وقال عبد الملك: تقبل شهادتهم مجتمعين ومفترقين. فرأى مالك أن اجتماعهم تعبّد؛ وبه قال ابن الحسن. ورأى عبد الملك أن المقصود أداء الشهادة واجتماعها وقد حصل؛ وهو قول عثمان البَتِّيّ وأبي ثَوْر واختاره ابن المنذر لقوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} وقوله: «فإِنْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء» ولم يذكر مفترقين ولا مجتمعين. الخامسة عشرة: فإن تمت الشهادة إلا أنهم لم يُعَدَّلوا؛ فكان الحسن البصريّ والشَّعْبِيّ يَريَان أن لا حدّ على الشهود ولا على المشهود؛ وبه قال أحمد والنّعمان ومحمد بن الحسن. وقال مالك: إذا شهد عليه أربعة بالزنى فإن كان أحدهم مسخوطاً عليه أو عبداً يجلدون جميعاً. وقال سفيان الثوريّ وأحمد وإسحاق في أربعة عميان يشهدون على امرأة بالزنى: يضربون. السادسة عشرة: فإن رجع أحد الشهود وقد رُجم المشهود عليه في الزنى؛ فقالت طائفة: يَغْرَم ربع الدية ولا شيء على الآخرين. وكذلك قال قتادة وحماد وعكرمة وأبو هاشم ومالك وأحمد وأصحاب الرأي. وقال الشافعيّ: إن قال تعمدت ليقتل؛ فالأولياء بالخيار إن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا عفوْا وأخذوا ربع الدية، وعليه الحدّ. وقال الحسن البصريّ: يقتل، وعلى الآخرين ثلاثة أرباع الدية. وقال ابن سِيرين: إذا قال أخطأت وأردت غيره فعليه الدية كاملة، وإن قال تعمّدت قتل (به)؛ وبه قال ابن شُبْرُمَة. السابعة عشرة: واختلف العلماء في حدّ القذف هل هو من حقوق الله أو من حقوق الأدميّين أو فيه شائبة منهما؛ الأول: قول أبي حنيفة. والثاني: قول مالك والشافعيّ. والثالث: قاله بعض المتأخرين. وفائدة الخلاف أنه إن كان حقاً لله تعالى وبلغ الإمام أقامه وإن لم يَطلب ذلك المقذوفُ، ونفعت القاذف التوبةُ فيما بينه وبين الله تعالى، ويتشطّر فيه الحدّ بالرق كالزنى. وإن كان حقاً للآدمي فلا يقيمه الإمام إلا بمطالبة المقذوف، ويسقط بعفوه، ولم تنفع القاذفَ التوبةُ حتى يحلله المقذوف. الثامنة عشرة: قوله تعالى: {بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} قراءة الجمهور على إضافة الأربعة إلى الشهداء. وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار وأبو زُرعة بن عمرو بن جرير «بِأربعةٍ» (بالتنوين) «شُهَدَاءَ». وفيه أربعة أوجه: يكون في موضع جر على النعت لأربعة، أو بدلاً. ويجوز أن يكون حالاً من نكرة أو تمييزاً؛ وفي الحال والتمييز نظر؛ إذ الحال من نكرة، والتمييز مجموع. وسيبويه يرى أنه تنوين العدد، وتركُ إضافته إنما يجوز في الشعر. وقد حسّن أبو الفتح عثمان بن جِنّي هذه القراءة وحبب على قراءة الجمهور. قال النحاس: ويجوز أن يكون «شهداء» في موضع نصب، بمعنى ثم لم يحضروا أربعة شهداء. التاسعة عشرة: حكم شهادة الأربعة أن تكون على معايَنة يرَوْن ذلك كالمِرْوَد في المُكْحُلة؛ على ما تقدّم في «النساء» في نص الحديث. وأن تكون في موطن واحد؛ على قول مالك. وإن اضطرب واحد منهم جُلد الثلاثة؛ كما فعل عمر في أمر المغيرة بن شعبة؛ وذلك أنه شَهد عليه بالزنى أبو بكرة نُفيع بن الحارث وأخوه نافع؛ وقال الزهراوي: عبد الله بن الحارث، وزياد أخوهما لأم وهو مستلحق معاوية، وشبل بن معبد البَجَلي، فلما جاؤوا لأداء الشهادة وتوقف زياد ولم يؤدها، جلد عمر الثلاثةَ المذكورين. الموفية عشرين: قوله تعالى: {فَٱجْلِدُوهُمْ} الجلد الضرب. والمجالدة المضاربة في الجلود أو بالجلود؛ ثم استعير الجلد لغير ذلك من سيف أو غيره. ومنه قول قيس بن الخَطِيم:شعر : أجالدهم يوم الحديقة حاسراً كأن يَدِي بالسيف مِحْراق لاعبِ تفسير : {ثَمَانِينَ} نصب على المصدر. {جَلْدَةً} تمييز. {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} هذا يقتضي مدة أعمارهم، ثم حكم عليهم بأنهم فاسقون؛ أي خارجون عن طاعة الله عز وجل. الحادية والعشرون: قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} في موضع نصب على الاستثناء. ويجوز أن يكون في موضع خفض على البدل. والمعنى ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً إلا الذين تابوا وأصلحوا من بعد القذف {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جلده، وردّ شهادته أبداً، وفسقه، فالاستثناء غير عامل في جلده بإجماع، إلا ما روي عن الشَّعْبِيّ على ما يأتي. وعاملٌ في فسقه بإجماع. واختلف الناس في عمله في ردّ الشهادة؛ فقال شُريح القاضي وإبراهيم النَّخَعِيّ والحسن البصريّ وسفيان الثَّوْريّ وأبو حنيفة: لا يعمل الاستثناء في ردّ شهادته، وإنما يزول فسقه عند الله تعالى. وأما شهادة القاذف فلا تقبل ألبتة ولو تاب وأكذب نفسه ولا بحال من الأحوال. وقال الجمهور: الاستثناء عامل في رد الشهادة، فإذا تاب القاذف قُبلت شهادته؛ وإنما كان ردها لعلة الفسق فإذا زال بالتوبة قبلت شهادته مطلقاً قبل الحدّ وبعده، وهو قول عامة الفقهاء. ثم اختلفوا في صورة توبته؛ فمذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه والشّعبِيّ وغيره، أن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حُدّ فيه. وهكذا فعل عمر؛ فإنه قال للذين شهدوا على المغيرة: من أكذب نفسه أَجَزْت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجِز شهادته؛ فأكذب الشّبل بن معبد ونافع بن الحارث بن كَلَدة أنفسهما وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل؛ فكان لا يقبل شهادته. وحكى هذا القول النحاس عن أهل المدينة. وقالت فرقة ـ منها مالك رحمه الله تعالى وغيره ـ: توبته أن يَصْلُح ويَحْسُن حاله وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب؛ وحسبه الندم على قذفه والاستغفارُ منه وترك العود إلى مثله؛ وهو قول ابن جرير. ويروى عن الشّعبِيّ أنه قال: الاستثناء من الأحكام الثلاثة، إذا تاب وظهرت توبته لم يُحدّ وقبلت شهادته وزال عنه التفسيق؛ لأنه قد صار ممن يُرْضَى من الشهداء؛ وقد قال الله عز وجل: {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ} تفسير : [طه: 82] الآية. الثانية والعشرون: اختلف علماؤنا رحمهم الله تعالى متى تسقط شهادة القاذف؛ فقال ابن الماجِشُون: بنفس قذفه. وقال ابن القاسم وأشهب وسُحْنون: لا تسقط حتى يجلد، فإن مَنع من جلده مانعُ عفوٍ أو غيره لم تردّ شهادته. وقال الشيخ أبو الحسن اللَّخْمِيّ: شهادته في مدة الأجل موقوفة؛ ورجّح القول بأن التوبة إنما تكون بالتكذيب في القذف، وإلا فأيّ رجوع لعَدْل إن قَذف وحُدّ وبقي على عدالته. الثالثة والعشرون: واختلفوا أيضاً على القول بجواز شهادته بعد التوبة في أي شيء تجوز؛ فقال مالك رحمه الله تعالى: تجوز في كل شيء مطلقاً؛ وكذلك كل من حُدّ في شيء من الأشياء؛ رواه نافع وابن عبد الحكم عن مالك، وهو قول ابن كنانة. وذكر الوَقَار عن مالك أنه لا تقبل شهادته فيما حُدّ فيه خاصة، وتقبل فيما سوى ذلك؛ وهو قول مُطَرِّف وابن الماجِشُون. وروى العُتْبِيّ عن أَصْبَغ وسُحنون مثله. قال سُحْنون: من حُدّ في شيء من الأشياء فلا تجوز شهادته في مثل ما حدّ فيه. وقال مُطَرِّف وابن الماجشون: من حدّ في قذف أو زنًى فلا تجوز شهادته في شيء من وجوه الزنى، ولا في قذف ولا لِعان وإن كان عدلاً؛ وروياه عن مالك. واتفقوا على ولد الزنى أن شهادته لا تجوز في الزنى. الرابعة والعشرون: الاستثناء إذا تعقّب جُمَلاً معطوفة عاد إلى جميعها عند مالك والشافعيّ وأصحابهما. وعند أبي حنيفة وجُلِّ أصحابه يرجع الاستثناء إلى أقرب مذكور وهو الفسق؛ ولهذا لا تقبل شهادته، فإن الاستثناء راجع إلى الفسق خاصة لا إلى قبول الشهادة. وسبب الخلاف في هذا الأصل سببان: أحدهما: هل هذه الجمل في حكم الجملة الواحدة للعطف الذي فيها، أو لكل جملة حكم نفسِها في الاستقلال وحرفُ العطف محسّن لا مُشَرِّك، وهو الصحيح في عطف الجمل؛ لجواز عطف الجمل المختلفة بعضها على بعض، على ما يعرف من النحو. السبب الثاني: يشبِّه الاستثناء بالشرط في عوده إلى الجمل المتقدمة، فإنه يعود إلى جميعها عند الفقهاء، أو لا يُشبَّه به، لأنه من باب القياس في اللغة وهو فاسد على ما يعرف في أصول الفقه. والأصل أن كل ذلك محتمَل ولا ترجيح، فتعيّن ما قاله القاضي من الوقف. ويتأيّد الإشكال بأنه قد جاء في كتاب الله عز وجل كِلاَ الأمرين؛ فإن آية المحاربة فيها عود الضمير إلى الجميع باتفاق، وآية قتل المؤمن خطأ فيها ردّ الاستثناء إلى الأخيرة باتفاق، وآية القذف محتملة للوجهين، فتعيّن الوقف من غير مَيْن. قال علماؤنا: وهذا نظر كليّ أصولي. ويترجح قول مالك والشافعيّ رحمهما الله من جهة نظر الفقه الجزئي بأن يقال: الاستثناء راجع إلى الفسق والنهي عن قبول الشهادة جميعاً إلا أن يفرق بين ذلك بخبر يجب التسليم له. وأجمعت الأمة على أن التوبة تمحو الكفر، فيجب أن يكون ما دون ذلك أوْلى؛ والله أعلم. قال أبو عبيد: الاستثناء يرجع إلى الجمل السابقة؛ قال: وليس مَن نسب إلى الزنى بأعظم جرماً من مرتكب الزنى، ثم الزاني إذا تاب قبلت شهادته؛ «لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له»، وإذا قبل الله التوبة من العبد كان العباد بالقبول أولى؛ مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن؛ منها قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ـ إلى قوله ـ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} تفسير : [المائدة: 33]. ولا شك أن هذا الاستثناء إلى الجميع؛ وقال الزجاج: وليس القاذف بأشد جرماً من الكافر، فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته. قال: وقوله: «أَبَداً» أي ما دام قاذفاً؛ كما يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبداً؛ فإن معناه ما دام كافراً. وقال الشَّعْبِي للمخالف في هذه المسألة: يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته! ثم إن كان الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة عند أقوام من الأصوليين فقوله: «وأولئك هم الفاسِقون» تعليل لا جملة مستقلة بنفسها؛ أي لا تقبلوا شهادتهم لفسقهم، فإذا زال الفسق فلمَ لا تقبل شهادتهم. ثم توبة القاذف إكذابه نفسه، كما قال عمر لقَذَفة المغيرة بحضرة الصحابة من غير نكير، مع إشاعة القضية وشهرتها من البصرة إلى الحجاز وغير ذلك من الأقطار. ولو كان تأويل الآية ما تأوّله الكوفيون لم يجز أن يذهب علم ذلك عن الصحابة، ولقالوا لعمر: لا يجوز قبول توبة القاذف أبداً، ولم يسعهم السكوت عن القضاء بتحريف تأويل الكتاب؛ فسقط قولهم، والله المستعان. الخامسة والعشرون: قال القشيريّ: ولا خلاف أنه إذا لم يجلد القاذف بأن مات المقذوف قبل أن يطالِب القاذفَ بالحدّ، أو لم يرفع إلى السلطان، أو عفا المقذوف، فالشهادة مقبولة؛ لأن عند الخصم في المسألة النهي عن قبول الشهادة معطوف على الجلد؛ قال الله تعالى: {فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً}. وعند هذا قال الشافعيّ: هو قبل أن يُحَدّ شرّ منه حين حُدّ؛ لأن الحدود كفارات فكيف تردّ شهادته في أحسن حاليه دون أخسهما. قلت: هكذا قال ولا خلاف. وقد تقدم عن ابن الماجشون أنه بنفس القذف تردّ شهادته. وهو قول الليث والأوزاعيّ والشافعيّ: تردّ شهادته وإن لم يحدّ؛ لأنه بالقذف يفسق، لأنه من الكبائر فلا تقبل شهادته حتى تصح براءته بإقرار المقذوف له بالزنى أو بقيام البينة عليه. السادسة والعشرون: قوله تعالى: {وَأَصْلَحُواْ} يريد إظهار التوبة. وقيل: وأصلحوا العمل. {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} حيث تابوا وقبلت توبتهم.
البيضاوي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ} يقذفونهن بالزنا لوصف المقذوفات بالإِحصان، وذكرهن عقيب الزواني واعتبار أربعة شهداء بقوله: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } والقذف بغيره مثل يا فاسق ويا شارب الخمر يوجب التعزير كقذف غير المحصن، والإِحصان ها هنا بالحرية والبلوغ والعقل والإِسلام والعفة عن الزنا ولا فرق فيه بين الذكر والأنثى، وتخصيص {ٱلْمُحْصَنَـٰتِ} لخصوص الواقعة أو لأن قذف النساء أغلب وأشنع، ولا يشترط اجتماع الشهود عند الآداء ولا تعتبر شهادة زوج المقذوفة خلافاً لأبي حنيفة، وليكن ضربه أخف من ضرب الزنا لضعف سببه واحتماله ولذلك نقص عدده. {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً} أي شهادة كانت لأنه مفتر، وقيل شهادتهم في القذف ولا يتوقف ذلك على استيفاء الجلد خلافاً لأبي حنيفة فإن الأمر بالجلد والنهي عن القبول سيان في وقوعهما جواباً للشرط لا ترتيب بينهما فيترتبان عليه دفعة، كيف وحاله قبل الجلد أسوأ مما بعده. {أَبَدًا} ما لم يتب، وعند أبي حنيفة إلى آخر عمره. {وَأُوْلَٰـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} المحكوم بفسقهم.
ابن كثير
تفسير : هذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة، وهي الحرة البالغة العفيفة، فإذا كان المقذوف رجلاً، فكذلك يجلد قاذفه أيضاً، وليس في هذا نزاع بين العلماء، فإن أقام القاذف بينة على صحة ما قاله، درأ عنه الحد، ولهذا قال تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} فأوجب على القاذف، إذا لم يقم البينة على صحة ما قال، ثلاثة أحكام: (أحدها) أن يجلد ثمانين جلدة. (الثاني) أنه ترد شهادته أبداً. (الثالث) أن يكون فاسقاً ليس بعدل، لا عند الله، ولا عند الناس. ثم قال تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} الآية. واختلف العلماء في هذا الاستثناء. هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط، فترفع التوبة الفسق فقط، ويبقى مردود الشهادة دائماً، وإن تاب، أو يعود إلى الجملتين الثانية والثالثة؟ وأما الجلد، فقد ذهب وانقضى، سواء تاب أو أصر، ولا حكم له بعد ذلك بلا خلاف، فذهب الإمام مالك وأحمد والشافعي إلى أنه إذا تاب، قبلت شهادته، وارتفع عنه حكم الفسق، ونص عليه سعيد بن المسيب سيد التابعين، وجماعة من السلف أيضاً. وقال الإمام أبو حنيفة: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط، فيرتفع الفسق بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة أبداً، وممن ذهب إليه من السلف القاضي شريح وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومكحول وعبد الرحمن بن زيد بن جابر. وقال الشعبي والضحاك: لا تقبل شهادته وإن تاب، إلا أن يعترف على نفسه أنه قد قال البهتان، فحينئذ تقبل شهادته، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ } العفيفات بالزنا {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } على زناهنّ برؤيتهم {فَٱجْلِدُوهُمْ } أي كل واحد منهم {ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً } في شيء {أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ } لإِتيانهم كبيرة.
الشوكاني
تفسير : قوله {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ } استعار الرمي للشتم بفاحشة الزنا؛ لكونه جناية بالقول كما قال النابغة:شعر : وجرح اللسان كجرح اليد تفسير : وقال آخر:شعر : رماني بأمر كنت عنه ووالدي برياً ومن أجل الطوى رماني تفسير : ويسمى هذا الشتم بهذه الفاحشة الخاصة قذفاً، والمراد بالمحصنات النساء، وخصهنّ بالذكر لأن قذفهنّ أشنع، والعار فيهنّ أعظم، ويلحق الرجال بالنساء في هذا الحكم بلا خلاف بين علماء هذه الأمة، وقد جمعنا في ذلك رسالة رددنا بها على بعض المتأخرين من علماء القرن الحادي عشر لما نازع في ذلك. وقيل: إن الآية تعمّ الرجال، والنساء، والتقدير: والأنفس المحصنات، ويؤيد هذا قوله تعالى في آية أخرى: {أية : وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 24] فإن البيان بكونهنّ من النساء يشعر بأن لفظ المحصنات يشمل غير النساء، وإلاّ لم يكن للبيان كثير معنى. وقيل: أراد بالمحصنات: الفروج كما قال: {أية : وَٱلَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } تفسير : [الأنبياء: 91]. فتتناول الآية الرجال والنساء. وقيل: إن لفظ المحصنات، وإن كان للنساء لكنه هاهنا يشمل النساء والرجال تغليبا، وفيه أن تغليب النساء على الرجال غير معروف في لغة العرب، والمراد بالمحصنات هنا. العفائف، وقد مضى في سورة النساء ذكر الإحصان، وما يحتمله من المعاني. وللعلماء في الشروط المعتبرة في المقذوف والقاذف أبحاث مطوّلة مستوفاة في كتب الفقه، منها ما هو مأخوذ من دليل، ومنها ما هو مجرّد رأي بحت. قرأ الجمهور {والمحصنات} بفتح الصاد، وقرأ يحيـىٰ بن وثاب بكسرها. وذهب الجمهور من العلماء: أنه لا حدّ على من قذف كافراً أو كافرة. وقال الزهري، وسعيد بن المسيب، وابن أبي ليلى: إنه يجب عليه الحدّ. وذهب الجمهور أيضاً: أن العبد يجلد أربعين جلدة. وقال ابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، وقبيصة: يجلد ثمانين. قال القرطبي: وأجمع العلماء على: أن الحرّ لا يجلد للعبد إذا افترى عليه لتباين مرتبتهما، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : أن من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحدّ يوم القيامة إلاّ أن يكون كما قال.»تفسير : ثم ذكر سبحانه شرطاً لإقامة الحدّ على من قذف المحصنات فقال {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } أي: يشهدون عليهنّ بوقوع الزنا منهنّ، ولفظ ثم يدلّ على: أنه يجوز أن تكون شهادة الشهود في غير مجلس القذف، وبه قال الجمهور، وخالف في ذلك مالك، وظاهر الآية: أنه يجوز أن يكون الشهود مجتمعين ومفترقين، وخالف في ذلك الحسن، ومالك، وإذا لم تكمل الشهود أربعة كانوا قذفة يحدّون حدّ القذف. وقال الحسن، والشعبي: إنه لا حدّ على الشهود ولا على المشهود عليه، وبه قال أحمد، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن. ويردّ ذلك ما وقع في خلافة عمر رضي الله عنه من جلده للثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بالزنا، ولم يخالف في ذلك أحد من الصحابة [رضي الله عنهم]. قرأ الجمهور: {بأربعة شهداء} بإضافة أربعة إلى شهداء، وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار، وأبو زرعة بن عمرو بتنوين أربعة. وقد اختلف في إعراب شهداء على هذه القراءة، فقيل: هو تمييز. وردّ بأن المميز من ثلاثة إلى عشرة يضاف إليه العدد كما هو مقرّر في علم النحو. وقيل: إنه في محل نصب على الحال. وردّ بأن الحال لا يجيء من النكرة التي لم تخصص. وقيل: إن شهداء في محل جرّ نعتاً لأربعة، ولما كان فيه ألف التأنيث لم ينصرف. وقال النحاس: يجوز أن يكون شهداء في موضع نصب على المفعولية أي: ثم لم يحضروا أربعة شهداء، وقد قوّى ابن جني هذه القراءة، ويدفع ذلك قول سيبويه: إن تنوين العدد، وترك إضافته إنما يجوز في الشعر. ثم بين سبحانه ما يجب على القاذف فقال {فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } الجلد: الضرب كما تقدّم، والمجالدة المضاربة في الجلود، أو بالجلود، ثم استعير للضرب بالعصى، والسيف، وغيرهما، ومنه قول قيس بن الخطيم:شعر : أجالدهم يوم الحديقة حاسرا كأن يدي بالسيف مخراق لاعب تفسير : وقد تقدّم بيان الجلد قريباً، وانتصاب ثمانين كانتصاب المصادر، وجلدة منتصبة على التمييز، وجملة {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } معطوفة على "اجلدوا" أي: فاجمعوا لهم بين الأمرين: الجلد، وترك قبول الشهادة، لأنهم قد صاروا بالقذف غير عدول بل فسقة كما حكم الله به عليهم في آخر هذه الآية. واللام في لهم متعلقة بمحذوف هو: حال من شهادة ولو تأخرت عليها لكانت صفة لها، ومعنى {أَبَدًا }: ما داموا في الحياة. ثم بين سبحانه حكمهم بعد صدور القذف منهم، وإصرارهم عليه، وعدم رجوعهم إلى التوبة، فقال: {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } وهذه جملة مستأنفة مقرّرة لما قبلها. والفسق: هو الخروج عن الطاعة، ومجاوزة الحدّ بالمعصية، وجوّز أبو البقاء أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال. ثم بين سبحانه أن هذا التأييد لعدم قبول شهادتهم هو مع عدم التوبة فقال {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } وهذه الجملة في محل نصب على الاستثناء، لأنه من موجب، وقيل: يجوز أن يكون في موضع خفض على البدل، ومعنى التوبة قد تقدّم تحقيقه، ومعنى {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ }: من بعد اقترافهم لذنب القذف، ومعنى {وَأَصْلَحُواْ }: إصلاح أعمالهم التي من جملتها ذنب القذف، ومداركة ذلك بالتوبة، والانقياد للحدّ. وقد اختلف أهل العلم في هذا الاستثناء هل يرجع إلى الجملتين قبله؟ وهي: جملة عدم قبول الشهادة، وجملة الحكم عليهم بالفسق، أم إلى الجملة الأخيرة؟ وهذا الاختلاف بعد اتفاقهم على أنه لا يعود إلى جملة الجلد بل يجلد التائب كالمصرّ، وبعد إجماعهم أيضاً على أن هذا الاستثناء يرجع إلى جملة الحكم بالفسق، فحلّ الخلاف هل يرجع إلى جملة عدم قبول الشهادة أم لا؟، فقال الجمهور: إن هذا الاستثناء يرجع إلى الجملتين، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، وزال عنه الفسق، لأن سبب ردّها هو ما كان متصفاً به من الفسق بسبب القذف، فإذا زال بالتوبة بالإجماع كانت الشهادة مقبولة. وقال القاضي شريح، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، ومكحول، وعبد الرحمن بن زيد، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة: إن هذا الاستثناء يعود إلى جملة الحكم بالفسق، لا إلى جملة عدم قبول الشهادة، فيرتفع بالتوبة عن القاذف وصف الفسق، ولا تقبل شهادته أبداً. وذهب الشعبي، والضحاك إلى التفصيل فقالا: لا تقبل شهادته، وإن تاب إلاّ أن يعترف على نفسه بأنه قد قال البهتان، فحينئذٍ تقبل شهادته. وقول الجمهور هو الحق، لأن تخصيص التقييد بالجملة الأخيرة دون ما قبلها مع كون الكلام واحداً في واقعة شرعية من متكلم واحد خلاف ما تقتضيه لغة العرب، وأولوية الجملة الأخيرة المتصلة بالقيد بكونه قيداً لها لا تنفي كونه قيداً لما قبلها، غاية الأمر، أن تقييد الأخيرة بالقيد المتصل بها أظهر من تقييد ما قبلها به، ولهذا كان مجمعاً عليه، وكونه أظهر لا ينافي قوله فيما قبلها ظاهراً. وقد أطال أهل الأصول الكلام في القيد الواقع بعد جمل بما هو معروف عند من يعرف ذلك الفنّ، والحق هو هذا، والاحتجاج بما وقع تارة من القيود عائداً إلى جميع الجمل التي قبله، وتارة إلى بعضها لا تقوم به حجة، ولا يصلح للاستدلال، فإنه قد يكون ذلك لدليل كما وقع هنا من الإجماع على عدم رجوع هذا الاستثناء إلى جملة الجلد. ومما يؤيد ما قررناه ويقوّيه أن المانع من قبول الشهادة، وهو الفسق المتسبب عن القذف قد زال، فلم يبق ما يوجب الردّ للشهادة. واختلف العلماء في صورة توبة القاذف، فقال عمر ابن الخطاب، والشعبي، والضحاك، وأهل المدينة: إن توبته لا تكون إلاّ بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي وقع منه، وأقيم عليه الحدّ بسبببه. وقالت فرقة منهم مالك، وغيره: إن توبته تكون بأن يحسن حاله، ويصلح عمله، ويندم على ما فرط منه، ويستغفر الله من ذلك، ويعزم على ترك العود إلى مثله. وإن لم يكذب نفسه، ولا رجع عن قوله. ويؤيد هذا الآيات والأحاديث الواردة في التوبة، فإنها مطلقة غير مقيدة بمثل هذا القيد. وقد أجمعت الأمة على أن التوبة تمحو الذنب، ولو كان كفراً فتمحو ما هو دون الكفر بالأولى هكذا حكى الإجماع القرطبي. قال أبو عبيدة: الاستثناء يرجع إلى الجمل السابقة، وليس من رمى غيره بالزنا بأعظم جرماً من مرتكب الزنا، والزاني إذا تاب قبلت شهادته، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا قبل الله التوبة من العبد كان العباد بالقبول أولى، مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن منها قوله: {إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ } إلى قوله: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } تفسير : [المائدة: 33 ــ 34]. ولا شك أن هذا الاستثناء يرجع إلى الجميع. قال الزجاج: وليس القاذف بأشدّ جرماً من الكافر، فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته، قال: وقوله {أَبَدًا } أي: ما دام قاذفاً، كما يقال لا تقبل شهادة الكافر أبداً فإن معناه: ما دام كافراً. انتهى. وجملة {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تعليل لما تضمنه الاستثناء من عدم المؤاخدة للقاذف بعد التوبة، وصيرورته مغفوراً له، مرحوماً من الرحمٰن الرحيم، غير فاسق، ولا مردود الشهادة، ولا مرفوع العدالة. ثم ذكر سبحانه بعد ذكره لحكم القذف على العموم حكم نوع من أنواع القذف، وهو قذف الزوج للمرأة التي تحته بعقد النكاح فقال {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوٰجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ } أي: لم يكن لهم شهداء يشهدون بما رموهنّ به من الزنا إلا أنفسهم بالرفع على البدل من شهداء. قيل: ويجوز النصب على خبر يكن. قال الزجاج: أو على الاستثناء على الوجه المرجوح {فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـٰدَاتٍ } قرأ الكوفيون برفع أربع على أنها خبر لقوله {فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ } أي: فشهادة أحدهم التي تزيل عنه حدّ القذف أربع شهادات. وقرأ أهل المدينة، وأبو عمرو: "أربع" بالنصب على المصدر. ويكون {فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ } خبر مبتدأ محذوف أي: فالواجب شهادة أحدهم، أو مبتدأ محذوف الخبر أي: فشهادة أحدهم واجبة. وقيل: إن أربع منصوب بتقدير: فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات وقوله: {بِٱللَّهِ } متعلق بشهادة أو بشهادات، وجملة {إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } هي المشهود به، وأصله على أنه، فحذف الجار وكسرت إن، وعلق العامل عنها. {وَٱلْخَامِسَةَ } قرأ السبعة وغيرهم الخامسة بالرفع على الابتداء، وخبرها {أَنَّ لَعْنَةَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } وقرأ أبو عبد الرحمن، وطلحة، وعاصم في رواية حفص "والخامسة" بالنصب على معنى وتشهد الشهادة الخامسة، ومعنى {إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } أي: فيما رماها به من الزنا. قرأ الجمهور بتشديد {أنّ} من قوله {أَن لَّعْنَةَ ٱللَّهِ } وقرأ نافع بتخفيفها، فعلى قراءة نافع يكون اسم أن ضمير الشأن، و{لعنة الله} مبتدأ، و{عليه} خبره، والجملة خبر أن، وعلى قراءة الجمهور تكون {لعنة الله} اسم أن، قال سيبويه: لا تخفف أنّ في الكلام، وبعدها الأسماء إلا وأنت تريد الثقيلة. وقال الأخفش: لا أعلم الثقيلة إلاّ أجود في العربية. {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ } أي: عن المرأة، والمراد بالعذاب: الدنيوي، وهو الحدّ، وفاعل يدرأ قوله: {أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ } والمعنى: أنه يدفع عن المرأة الحدّ شهادتها أربع شهادات بالله: أن الزوج لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ {وَٱلْخَامِسَةَ } بالنصب عطفاً على أربع أي: وتشهد الخامسة، كذلك قرأ حفص، والحسن، والسلمي، وطلحة، والأعمش، وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء، وخبره {أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ } الزوج {مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } فيما رماها به من الزنا، وتخصيص الغضب بالمرأة للتغليظ عليها لكونها أصل الفجور ومادّته، ولأن النساء يكثرن اللعن في العادة، ومع استكثارهنّ منه لا يكون له في قلوبهنّ كبير موقع بخلاف الغضب. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } جواب لولا محذوف. قال الزجاج: المعنى: ولولا فضل الله لنال الكاذب منهما عذاب عظيم. ثم بين سبحانه كثير توبته على من تاب، وعظيم حكمته البالغة فقال {وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ } أي: يعود على من تاب إليه، ورجع عن معاصيه بالتوبة عليه، والمغفرة له، حكيم فيما شرع لعباده من اللعان، وفرض عليهم من الحدود. وقد أخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } قال: تاب الله عليهم من الفسوق، وأما الشهادة فلا تجوز. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، عن عمر ابن الخطاب، أنه قال لأبي بكرة: إن تبت قبلت شهادتك. وأخرج ابن مردويه عنه قال: توبتهم إكذابهم أنفسهم، فإن أكذبوا أنفسهم قبلت شهادتهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: من تاب، وأصلح، فشهادته في كتاب الله تقبل. وفي الباب روايات عن التابعين. وقصة قذف المغيرة في خلافة عمر مروية من طرق معروفة. وأخرج البخاري، والترمذي، وابن ماجه، عن ابن عباس: «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : البينة، وإلاّ حدّ في ظهرك»تفسير : ، فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : البينة وإلاّ حدّ في ظهرك"تفسير : ، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلنّ الله ما يبرىء ظهري من الحدّ، ونزل جبريل فأنزل عليه {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوٰجَهُمْ } حتى بلغ {إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟" تفسير : ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها، وقالوا إنها موجبة، فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء"تفسير : ، فجاءت به كذلك، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن»تفسير : ، وأخرج هذه القصة أبو داود الطيالسي، وعبد الرزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس مطوّلة. وأخرجها البخاري، ومسلم، وغيرهما، ولم يسموا الرجل ولا المرأة. وفي آخر القصة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: «حديث : اذهب فلا سبيل لك عليهاتفسير : ، فقال: يا رسول الله مالي، قال: حديث : لا مال لك، وإن كنت صدقت عليها، فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها، فذاك أبعد لك منها»تفسير : . وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن سهل بن سعد قال: «جاء عويمر إلى عاصم بن عديّ، فقال: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلا فقتله، أيقتل به أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم السائل، فقال عويمر: والله لآتينّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسألنه، فأتاه، فوجده قد أنزل عليه، فدعا بهما، فلاعن بينهما. قال عويمر: إن انطلقت بها يا رسول الله لقد كذبت عليها، ففارقها قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصارت سنة للمتلاعنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أبصروها، فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين، فلا أراه إلاّ قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة، فلا أراه إلاّ كاذباً»تفسير : ، فجاءت به مثل النعت المكروه. وفي الباب أحاديث كثيرة، وفيما ذكرنا كفاية. وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب، وعليّ، وابن مسعود، قالوا: لا يجتمع المتلاعنان أبداً.
الماوردي
تفسير : قوله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ} يعني بالزنى. {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدآءِ} يعني ببينة على الزنى. {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} وهذا حد أوجبه الله على القاذف للمقذوفة يجب بطلبها ويسقط بعفوها، وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه من حقوق الآدميين، لوجوبه بالطلب، وسقوطه بالعفو، وهذا مذهب الشافعي. الثاني: من حقوق الله لأنه لا ينتقل إلى مال، وهذا مذهب أبي حنيفة. الثالث: أنه من الحقوق المشتركة بين حق الله وحق الآدميين لتمازج الحقين وهذا مذهب بعض المتأخرين. ولا يكمل حد القذف بعد البلوغ والعقل إلى بحريتهما وإسلام المقذوف وعفافه، فإن كان المقذوف كافراً أو عبداً عُزِّر قاذفه ولم يحد، وإن كان القاذف كافراً حُدّ حدّاً كاملاً، وإن كان عبداً حُدّ نصف الحد. {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلِئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} وهذا مما غلظ الله به القذف حتى علق به من التغليظ ثلاثة أحكام: وجوب الحد، والتفسيق وسقوط الشهادة. ولم يجعل في القذف بغير الزنى حَدّاً لما في القذف بالزنى من تعدّي المعرّة إلا الأهل والنسل. قوله: {إِلاَّ الَّذِينَ تابواْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُواْ} الآية. التوبة من القذف ترفع الفسق ولا تسقط الحدّ. واختلفوا في قبول الشهادة على أربعة أقوال: أحدها: تقبل شهادته قبل الحد وبعده لارتفاع فسقه وعوده إلى عدالته وهذا مذهب مالك والشافعي وبه قال جمهور المفسرين. الثاني: لا تقبل شهادته أبداً، لا قبل الحد ولا بعده، وهذا مذهب شريح. الثالث: أنه تقبل شهادته بالتوبة قبل الحد ولا تقبل بعده، وهذا مذهب أبي حنيفة. الرابع: تقبل شهادته بعد الحد ولا تقبل قبله، وهذا مذهب إبراهيم النخعي قال الشعبي: تقبل توبته ولا تقبل شهادته. وفي صفة التوبة قولان: أحدهما: أنها بإكذابه نفسه وقد رواه الزهري عن ابن المسيب أن عمر بن الخطاب جلد أبا بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحارث بن كلدة وقال لهم: من أكذب نفسه أحرز شهاته فأكذب نفسه شبل ونافع، وأبى أبو بكرة أن يفعل، قال الزهري، وهو والله السنة فاحفظوه. الثاني: أن توبته منه تكون بصلاح حاله وندمه على قذفه والاستغفار منه وترك العود إلى مثله، قاله ابن جرير.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية نزلت في القاذفين، فقال سعيد بن جبير كان سببها ما قيل في عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقيل نزلت بسبب القذفة عاماً لا في تلك النازلة، وذكر الله تعالى في الآية قذف النساء من حيث هواهم، ورميهن بالفاحشة أبشع وأنكى للنفوس، وقذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى، وإجماع الأمة على ذلك وهذا نحو نصه تعالى على لحم الخنزير ودخول شحمه وغضاريفه ونحو ذلك بالمعنى وبالإجماع، وحكى الزهراوي أن في المعنى الأنفس {المحصنات} فهي بلفظها الرجال والنساء ويدل على ذلك قوله تعالى: {أية : والمحصنات من النساء} تفسير : [النساء: 24]، والجمهور على فتح الصاد من "المحصَنات"، وكسرها يحيى بن وثاب. و {المحصنات} العفائف في هذا الموضع لأن هذا هو الذي يجب به جلد القاذف، والعفة أعلى معاني الإحصان إذ في طيه الإسلام، وفي هذه النازلة الحرية ومنه قول حسان: حصان رزان، البيت، ومنه قوله تعالى: {أية : والتي أحصنت فرجها} تفسير : [الأنبياء: 91]، وذكر الله من صفات النساء المنافية للرمي بالزنا ولتخرج من ذلك من ثبت عليها الزنى وغير ذلك ممن لم تبلغ الوطء من النساء حسب الخلاف في ذلك وعبر عن القذف بـ "الرمي"، من حيث معتاد الرمي أَنه مؤذ كالرمي بالحجر والسهم فلما كان قول القاذف مؤذياً جعل رمياً، وهذا كما قيل وجرح اللسان كجرح اليد، والقذف والرمي معنى واحد، وشدد الله تعالى على القاذف {بأربعة شهداء} رحمة بعباده وستراً لهم، وقرأ جمهور الناس "بأربعةِ شهداء" على إضافة الأربعة إلى الشهداء، وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار وأبو زرعة وابن جريج "بأربعةٍ" بالتنوين و"شهداء" على هذا، إما بدل وإما صفة للأربعة وإما حال وإما تمييز وفي هذين نظر إذ الحال من نكرة والتمييز مجموع، وسيبويه يرى أن تنوين العدد وترك إضافته إنما يجوز في الشعر، وقد حسن أبو الفتح هذه القراءة ورجحها على قراءة الجمهور، وحكم شهادة الأربعة أن تكون على معاينة مبالغة كالمرود في المكحلة في موطن واحد فإن اضطرب منهم واحد جلد الثلاثة والقاذف كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أمر المغيرة بن شعبة وذلك أَنه شهد عليه بالزنى أبو بكرة نفيع بن الحارث وأخوه نافع، وقال الزهراوي عبدالله بن الحارث وزياد أخوهما لأم، وهو مستلحق معاوية وشبل بن معبد البجلي، فلما جاؤوا لأداء الشهادة توقف زياد ولم يؤدها كاملة، فجلد عمر الثلاثة المذكورين، و "الجلد" الضرب والمجالدة المضاربة في الجلود، أو بالجلود، ثم استعير الجلد لغير ذلك من سيف وغيره ومنه قول قيس بن الخطيم: [الطويل] شعر : أجالدهم يوم الحديقة حاسراً كأن يدي بالسيف مخراق لاعب تفسير : ونصب {ثمانينَ} على المصدر و {جلدةً} على التمييز، ثم أمر تعالى أن لا تقبل للقذفة المحدودين {شهادة أبداً} وهذا يقتضي مدة أَعمارهم، ثم حكم عليهم بأنهم {فاسقون} أي خارجون عن طاعة الله عز وجل، ثم استثنى عز وجل من تاب وأصلح بعد القذف فإِنه وعدهم بالرحمة والمغفرة، فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جلده، ورد شهادته أبداً، وفسقه، فالاستثناء، غير عامل في جلده بإجماع وعامل في فسقه بإجماع، واختلف الناس في عمله في رد الشهادة، فقال شريح القاضي وإبراهيم النخعي والحسن والثوري وأبو حنيفة لا يعمل الاستثناء في رد شهادته وإنما يزول فسقه عند الله تعالى، وأما شهادة القاذف فلا تقبل البتة ولو تاب وأكذب نفسه ولا بحال من الأحوال، وقال جمهور الناس الاستثناء عامل في رد الشهادة فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، ثم اختلفوا في صورة فمذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه والشعبي وغيره أن توبته لا تكون إلا بأَن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حد فيه، وهكذا فعل شبل بن معبد ونافع تابا عن القول في المغيرة وأكذبا أنفسهما فقبل عمر شهادتهما، وأَبى أبو بكرة من إكذاب نفسه فرد عمر شهادته حتى مات، وقال مالك رحمه الله وغيره توبته أن يصلح ويحسن حاله وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب، واختلف فقهاء المالكيين متى تسقط شهادة القاذف، فقال ابن الماجشون بنفس قذفه، وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون لا تسقط حتى يجلد فإن منع من جلده مانع عفو أو غيره لم ترد شهادته، قال الشيخ أبو الحسن اللخمي شهادته في مدة الأَجل في الإثبات موقوفة، ورجح القول بأن التوبة إنما تكون بالتكذيب في القذف، وإلا فأي رجوع لعدل إن قذف وحد وبقي على عدالته. و {تابوا} معناه رجعوا وهذا ترجيح، وقد رجح الطبري وغيره قول مالك واختلف أيضاً على القول بجواز شهادته بعد التوبة في أي شيء تجوز شهادته، فقال مالك رحمه الله تجوز في كل شيء بإطلاق وكذلك كل من حد في شيء من الأَشياء، وقال سحنون رحمه الله من حد في شيء من الأَشياء فلا تجوز شهادته في مثل ما حد فيه، وقال مطرف وابن الماجشون من حد في قذف أو زنى فلا تجوز شهادته في شيء من وجوه الزنى ولا في قذف ولا في لعان، وإن كان عدلاً، ورويا هذا القول عن مالك واتفقوا فيما أحفظ على ولد الزنا أَن شهادته لا تجوز في الزنا.
ابن عبد السلام
تفسير : {ثَمَانِينَ جَلْدَةً} حد القذف حق الآدمي لوجوبه بطلبه وسقوطه بعفوه، أو حق الله، أو مشترك بينهما. ويتعلق به الحق والفسق ورد الشهادة.
النسفي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } وبكسر الصاد: علي؛ أي يقذفون بالزنا الحرائر والعفائف المسلمات المكلفات. والقذف يكون بالزنا وبغيره والمراد هنا قذفهن بالزنا بأن يقول يا زانية لذكر المحصنات عقيب الزواني ولاشتراط أربعة شهداء بقوله {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } أي ثم لم يأتوا بأربعة شهود يشهدون على الزنا لأن القذف بغير الزنا بأن يقول يا فاسق يا آكل الربا يكفي فيه شاهدان وعليه التعزير. وشروط إحصان القذف: الحرية والعقل والبلوغ والإسلام والعفة عن الزنا. والمحصن كالمحصنة في وجوب حد القذف {فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } إن كان القاذف حراً، ونصب {ثمانين} نصب المصادر كما نصب {مائة جلدة} و {جلدة} نصب على التمييز {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } نكر شهادة في موضع النفي فتعم كل شهادة. ورد الشهادة من الحد عندنا ويتعلق باستيفاء الحد أو بعضه على ما عرف، وعند الشافعي رحمه الله تعالى يتعلق رد شهادته بنفس القذف. فعندنا جزاء الشرط الذي هو الرمي الجلد ورد الشهادة على التأبيد وهو مدة حياتهم {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } كلام مستأنف غير داخل في حيز جزاء الشرط كأنه حكاية حال الرامين عند الله تعالى بعد انقضاء الجملة الشرطية.
الخازن
تفسير : قوله: {والذين يرمون} أي يقذفون بالزنا {المحصنات} يعني المسلمات الحرائر العفائف {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} أي يشهدون على الزنا {فاجلدوهم ثمانين جلدة} بيان حكم الآية أن من قذف محصناً أو محصنة بالزنا فقال له: يا زاني أو يا زانية أو زنيت فيجب عليه جلد ثمانين إن كان القاذف حراً وإن كان عبداً يجلد أربعين وإن كان المقذوف غير محصن فعلى القاذف التعزير. وشرائط الإحصان خمسة الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والعفة من الزنا حتى لو زنا في عمره مرة واحدة ثم تاب وحسنت توبته بعد ذلك ثم قذفه قاذف فلا حد عليه فإن أقر المقذوف على نفسه بالزنا أو أقام القاذف أربعة يشهدون عليه بالزنا سقط الحد عن القاذف لأن الحد إنما وجب عليه لأجل الفرية. وقد ثبت صدقه وأما الكنايات مثل أن يقول يا فاسق أو يا فاجر أو يا خبيث أو يا مؤاجر أو قال امرأتي لا ترد يد لامس فهذا ونحوه لا يكون قذفاً إلا أن يريد ذلك. وأما التعريض مثل أن يقول أما أنا فما زنيت أو ليست امرأتي زانية فليس بقذف عند الشافعي وأبي حنيفة. وقال مالك يجب فيه الحد وقال أحمد هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا. قوله تعالى {ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون} فيه دليل على أنّ القذف من الكبائر لأن اسم الفاسق لا يقع إلا على صاحب كبيرة {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} اختلف العلماء في قبول شهادة القاذف بعد التوبة وفي حكم هذا الاستثناء فذهب قوم إلى أنّ القاذف ترد شهادته بنفس القذف وإذا تاب وندم على ما قال وحسنت حالته بعد التوبة قبلت شهادته سواء تاب بعد إقامة الحد عليه أو قبله لقوله تعالى {إلا الذين تابوا} وقالوا هذا الاستثناء يرجع إلى رد الشهادة وإلى الفسق وإذا تاب تقبل شهادته ويزول عنه اسم الفسق. يروى ذلك عن عمر وابن عباس وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والشعبي وعكرمة وعمر بن عبد العزيز والزهري وبه قال مالك والشافعي. وذهب قوم إلى أنّ شهادة المحدود في القذف لا تقبل أبداً وإن تاب وقالوا الاستثناء يرجع إلى قوله {وأولئك هم الفاسقون} وهو قول النخعي وشريح وأصحاب الرأي قالوا بنفس القذف لا ترد شهادته ما لم يحد قال الشافعي هو قبل أن يحد شر منه حين يحد لأن الحدود كفارات فكيف تردونها في أحسن حاليه وتقبلونها في شر حاليه. وذهب الشافعي إلى أنّ حد القذف يسقط بالتوبة. وقال: الاستثناء يرجع إلى الكل وعامة العلماء على أنه لا يسقط الحد بالتوبة إلا أن يعفو عنه المقذوف فيسقط كالقصاص يسقط بالعفو ولا يسقط بالتوبة. فإن قلت إذا قبلت شهادته بعد التوبة فما معنى قوله أبداً ما دام مصرًّا على القذف لأنه أبد كل إنسان مدته على ما يليق به كما يقال شهادة الكافر لا تقبل أبداً يراد بذلك ما دام على كفره فإذا أسلم قبلت شهادته. قوله عزّ وجلّ {والذين يرمون} أي يقذفون {أزواجهم ولم يكن لهم شهداء} أي يشهدون على صحة ما قالوا {إلا أنفسهم} أي غير أنفسهم {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين} سبب نزول هذه الآية ما روي عن سهل بن الساعدي "حديث : أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي فقال لعاصم: أرأيت لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل سل لي عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال يا عاصم ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عاصم لعويمر لم تأتني بخير قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألت عنها فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها فجاء عويمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسط الناس فقال: يا رسول الله أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآناً فاذهب فأت بها قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مالك قال ابن شهاب فكانت تلك سنة المتلاعنين""تفسير : . أخرجاه في الصحيحين زاد في رواية ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : انظروا إن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين خدلج الساقين فلا أحسب عويمراً إلا وقد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أحسب عويمراً إلا قد كذب عليها تفسير : فجاءت به على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصديق عويمر فكان بعد ينسب إلى أمه قوله أسحم أي أسود الأدعج الشديد سواج العين مع سعتها وقوله خدلج الساقين أي ممتلىء الساقين غليظهما وقوله، كأنه وحرة بفتح الحاء دويبة كالعظاءة تلصق بالأرض وأراد بها في الحديث المبالغة في قصره (خ) عن ابن عباس حديث : أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبيّ صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: البينة أو حد في ظهرك فقال يا رسول الله, إذا رأى أحد على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: البينة والحد في ظهرك فقال هلال بن أمية: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد فنزل جبريل عليه السلام وأنزل عليه {والذين يرمون أزواجهم} فقرأ حتى بلغ إن كان من الصادقين فانصرف النبيّ صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما. فجاء فقام هلال بن أمية فشهدوا النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله يعلم إن أحدكما كاذب فهل منكما تائب ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفها وقال: إنها موجبة قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: انظروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء فجاءت به كذلك فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأنتفسير : . وفي رواية غير البخاري عن ابن عباس قال "لما نزلت والذين يرمون المحصنات" الآية حديث : قال سعد بن عبادة لو أتيت لكاع وقد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه حتى آتى بأربعة شهداء فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ حاجته ويذهب وإن قلت ما رأيت إن في ظهري لثمانين جلدة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم قالوا لا تلمه فإنه رجل غيور ما تزوج امرأة قط إلا بكراً ولا طلق امرأة له واجترأ رجل منا أن يتزوجها. فقال سعد يا رسول الله بأبي أنت وأمي والله إني لا أعرف أنها من الله وأنها حق ولكن عجبت من ذلك لما أخبر الله فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: فإنّ الله يأبى إلاّ ذلك فقال صدق الله ورسوله قال فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أمية من حديقة له فرأى رجلاً مع امرأته يزني بها فأمسك حتى أصبح فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه فقال: يا رسول الله إني جئت إلى أهلي عشاء فوجدت مع امرأتي رجلاً رأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه فقال يا رسول الله إني جئت إلى أهلي عشاءً فوجدت مع امرأتي رجلاً رأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أتاه به وثقل عليه حتى عرف ذلك في وجهه فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهة في وجهك مما أتيتك به والله يعلم إني لصادق. وما قلت إلا حقاً وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرجاً فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضربه قال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد بجلد هلال وتبطل شهادته فبينما هم كذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل حتى فرغ فأنزل الله والذين يرمون أزواجهم إلى آخر الآيات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبشر يا هلال فإنّ الله تعالى قد جعل لك فرجاً. فقال: كنت أرجو ذلك من الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلوا إليها فجاءت فلما اجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل فكذبت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ الله يعلم أنّ أحدكما كاذب فهل منكما تائب فقال يا رسول الله قد صدقت وما قلت إلاّ حقاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عنوا بينهما فقيل لهلال فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فقال له عند الخامسة: يا هلال اتق الله فإنّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس وإن هذه الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب فقال هلال والله لا يعذبني الله عليها كما لم يحدني عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد {والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين} ثم قال للمرأة اشهدي فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فقال لها عند الخامسة ووقفها اتقي الله إن الخامسة موجبة وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف ثم قالت: والله لا أفضح قومي فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما. وقضى أن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذي قيل فيه فجاءت به غلاماً كأنه جمل أورق على الشبه المكروه، وكان أميراً بمصر لا يدرى من أبوه تفسير : الأورق هو الأبيض وروى ابن عباس حديث : أن عويمراً لما لاعن زوجته خولة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نودي الصلاة جامعة فصلّى العصر ثم قال لعويمر:قم فقام فقال: أشهد بالله إن خولة لزانية وإني لمن الصادقين ثم قال في الثانية أشهد بالله إني رأيت شريكاً على بطنها وإني لمن الصادقين. ثم قال في الثالثة أشهد بالله إنها لحبلى من غيري وإني لمن الصادقين. ثم قال في الرابعة أشهد بالله إني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين ثم قال في الخامسة لعنة الله على عويمر يعني نفسه إن كان من الكاذبين فيما قال ثم أمره بالقعود فقعد. ثم قال لخولة قومي فقامت فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن عويمراً لمن الكاذبين ثم قالت في الثانية: أشهد بالله إنه ما رأى شريكاً على بطني وإنه لمن الكاذبين. ثم قالت في الثالثة أشهد بالله إنى حبلى منه وإنه لمن الكاذبين ثم قالت في الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإنه لمن الكاذبين ثم قالت في الخامسة: غضب الله على خولة تعني نفسها إن كان من الصادقين ففرق رسول الله صلى لله عليه سلم بينهما وقال لولا هذه الأيمان لكان لي في أمرهما رأي ثم قال: تحينوا الولادة فإن جاءت به أصيهب أثيبج يضرب إلى السواد فهو لشريك بن سحماء وإن جاءت به أورق جعداً جمالياً خدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به"تفسير : قال ابن عباس: فجاءت بأشبه خلق بشريك. بيان حكم الآية إن الرجل إذا قذف امرأته فموجبه موجب قذف الأجنبية وجوب الحد عليه إن كانت محصنة أو التعزير إن كانت غير محصنة غير أن المخرج منهما مختلف، فإذا قذف أجنبياً أو أجنبية يقام عليه الحد إلا أن يأتي بأربعة يشهدون بالزنا أو يقر المقذوف بالزنا فيسقط عنه الحد. وفي الزوجة إذا وجد أحد هذين أو لاعن سقط عنه الحد فاللعان في قذف الزوجة بمنزلة البينة لأنه الرجل إذا رأى مع امرأته رجلاً بما لا يمكنه إقامة البينة ولا يمكنه الصبر على العار، فجعل الله اللعان حجة له على صدقه فقال تعالى: {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين} وإذا أقام الزوج بينة على زناها أو اعترفت هي بالزنا سقط عنه الحد واللعان إلا أن يكون هناك ولد يريد نفيه فله أن يلاعن لنفيه وإذا أراد الإمام أن يلاعن بينهما بدأ بالرجل فيقيمه ويلقنه كلمات اللعان فيقول: قل أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة من الزنا وإن كان قد رماها برجل بعينه سماه في اللعان ويقول كما يلقنه الإمام. وإن كان ولد أو حمل يريد نفيه يقول وإن هذا الولد أو هذا الحمل لمن الزنا ما هو مني. ويقول في الخامسة علي لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة وإذا أتى بكلمة من كلمات اللعان من غير تلقين الإمام لا تحسب فإذا فرغ الرجل من اللعان وقعت الفرقة بينه وبين الزوجة وحرمت عليه على التأبيد وانتفى عنه النسب وسقط عنه الحد ووجب على المرأة حد الزنا، فهذه خمسة أحكام تتعلق بلعان الزوج.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ...} الآية نزلت بسبب القاذفين، وذكر تعالى في الآية: قَذْفَ النساءِ من حيث هو أَهَمُّ وأبشعُ، وقذفُ الرجال داخلٌ في حكم الآية بالمعنى والإجماع على ذلك، و {ٱلْمُحْصَنَـٰتِ} هنا: العفائف، وشَدَّدَ تعالى على القاذف بأربعة شهداء؛ رحمةً بعباده، وستراً لهم، وحكم شهادة الأربعة أنْ تكونَ على معاينة مبالغة كالمِرْوَدِ في المَكْحَلَةِ في موطنٍ واحد، فإنِ اضطرب منهم واحد جُلِدَ الثلاثة، والجلد: الضرب، ثم أمر تعالى: أَلاَّ تُقْبَلَ للقَذَفَةِ المحدودين شهادةٌ أبداً، وهذا يقتضي مُدَّةَ أعمارهم، ثم حكم بفسقهم، ثم استثنى تعالى مَنْ تاب وأصلح من بعد القذف، فالاستثناء غيرُ عامل في جلده بإجماع، وعامل في فسقه بإجماع، واخْتُلِفَ في عمله في رَدِّ الشهادة، والجمهور أَنَّه عامل في رَدِّ الشهادة، فإذا تاب القاذف قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، ثم اختلفوا في صورة توبته، فقيل بأن يُكَذِّبَ نَفْسَه، وإلاَّ لم تُقْبَلُ وقالت فرقةٌ منها مالك: توبته أن يَصْلُحَ وتَحْسُنَ حالُه. وإنْ لم يرجع عن قوله بتكذيب واختلف فقهاءُ المالكيَّةِ متى تسقط شهادة القاذفِ فقال ابن الماجشون: بنفس قَذَفِهِ، وقال ابن القاسم وغيره: لا تَسْقُطُ حتى يُجْلَدَ، فإن مَنَعَ من جلده مانع عفو أو غيره لم تُرَدَّ شهادَتُه، قال اللَّخْمِيَّ: شهادته في مدة الأجل للإثبات موقوفة، و {تَابُواْ} معناه: رجعوا، وقد رَجَّحَ الطبريُّ وغيرُهُ قولَ مالك، واخْتُلِفَ أَيضاً على القول بجواز شهادته، فقال مالك تجوزُ في كل شيء بإطلاق، وكذلك كُلُّ مَنْ حُدَّ في شيء. وقال سحنون: مَنْ حُدَّ في شيء فلا تجوز شهادته في مثل ما حُدَّ فيه، واتفقوا فيما أحفظ على ولد الزنا أَنَّ شهادته لا تجوزُ في الزنا.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ..} الآية هي كقوله: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ} تفسير : [النور: 2] فيعود فيه ما تقدم بحاله، وقوله: "المُحْصَنَات" فيه وجهان: أحدهما: أن المراد به النساء فقط، وإنما خَصَّهُنَّ بالذكر لأن قَذْفَهُنَّ أشْنَعُ. والثاني: أن المراد بهن النساء والرجال، وعلى هذا فيقال: كيف غلَّب المؤنث على المذكر؟ والجواب أنه صفةٌ لشيء محذوف يَعمُّ الرجال والنساء، أي: الأنْفُسَ المحصنات، وهو بعيد أو تقول: ثمَّ معطوف محذوف لفهم المعنى، وللإجماع على أن حُكْمَهُمْ حُكْمهُنَّ أي: والمُحْصَنين. قوله: {بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} العامة على إضافة اسم العدد للمعدود، وقرأ أبو زرعة وعبد الله بن مسلم بالتنوين في العدد، واستَفْصَحَ الناس هذه القراءة حتى تجاوز بعضهم الحد كابن جني ففضّلها على قراءة العامة، قال: لأنَّ المعدودَ متى كان صفةً فالأجود الإتباع دون الإضافة، تقول: "عندي ثلاثةٌ ضاربون"، ويَضعف "ثلاثةُ ضاربين" وهذا غلط، لأن الصفة التي جَرَتْ مُجْرَى الأسماء تُعْطَى حُكْمَهَا، فَيُضَافُ إليها العددُ، و"شُهَدَاء" من ذلك، فإنه كَثُرَ حذف موصوفه، قال تعالى: {أية : مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ} تفسير : [النساء: 41]. و{أية : اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ} تفسير : [البقرة: 282]، وتقول: عندي ثلاثةُ أعبد، وكل ذلك صفةٌ في الأصل. ونقل ابن عطية عن سيبويه أنه لا يُجيزُ تنوين العدد إلاّ في شعر. وليس كما نقله عنه، إنما قال سيبويه ذلك في الأسماء نحو "ثلاثةُ رجالٍ" وأما الصفات ففيها التفصيل المتقدم. وفي "شُهَدَاءَ" على هذه القراءة ثلاثة أوجه: أحدها: أنه تمييزٌ، وهذا فاسد، لأنَّ من ثلاثة إلى عشرة يضاف لمُمَيِّزه ليس إلا، وغير ذلك ضرورة. الثاني: أنه حالٌ، وهو ضعيف أيضاً لمجيئها من النكرة من غير مخصِّصٍ. الثالث: أنها مجرورة نعتاً لـ "أربعة"، ولم تنصرف لألف التأنيث. فصل ظاهر الآية لا يدل على الشيء الذي رموا به المحصنات، وذكر الرمي لا يدل على الزنا، إذ قد يرميها بسرقة أو شرب خمر، بل لا بد من قرينة دالة على التعيين. واتفق العلماء على أن المراد الرمي بالزنا، وفي دلالة الآية عليه وجوه: الأول: تقدم ذكر الزنا. الثاني: أنه تعالى ذكر المحصنات وهن العفائف، فدل ذلك على أن المراد رميها بعدم العفاف. الثالث: قوله: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} يعني: على صحة ما رموا به، وكون الشهود أربعة من شروط الزنا. الرابع: الإجماع على أنه لا يجب الحد بالرمي بغير الزنا، فوجب أن يكون المراد هو الرمي بالزنا. فصل شروط الإحصان خمسة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والعفة من الزنا، حتى أن من زنا مرة أول بلوغه ثم تاب وحسنت حالته منذ عمره، فقذفه قاذف لا حدّ عليه، فإن أقر المقذوف على نفسه بالزنا، أو أقام القاذف أربعة من الشهود على زناه سقط الحد عن القاذف، لأن الحد وجب للفرية، وقد ثبت صدقه. فصل وألفاظ القذف: صريح، وكناية، وتعريض. فالصريح: أن يقول: يا زانية، أو زنيت، أو زنا قُبُلُكِ أو دُبُرُكِ، فإن قال: زنا يدك، فقيل: كناية، لأن حقيقة الزنا من الفرج، والصحيح أنه صريح، لأن الفعل يصدر بكل البدن، والفرج آلة. والكناية: أن يقول: يا فاسقة، يا فاجرة، يا خبيثة، يا مؤاجرة، يا ابنة الحرام، أو لا ترد يد لامس، فلا يكون قذفاً إلا بالنية، وكذا لو قال لعربي: يا نبطي، أو بالعكس، فإن أراد القذف فهو قذف لأم المقول له، وإلا فلا. فإن قال: عنيت نبطي الدار أو اللسان، وادعت أم المقول له إرادة القذف فالقول قوله مع يمينه. والتعريض ليس بقذف وإن نواه، كقوله: يا ابن الحلال أما أنا فما زنيت وليست أمي بزانية، لأن الأصل براءة الذمة، فلا يجب بالشك، والحد يُدْرَأ بالشبهات. وقال مالك: يجب فيه الحد. وقال أحمد وإسحاق: هو قذف في حال الغضب دون الرضا. فصل إذا قذف شخصاً واحداً مراراً، فإن أراد بالكل زنية واحدة وجب حدّ واحد، (فإن قال الثاني بعدما حد للأول عزر للثاني. وإن قذفه بزناءين مختلفين كقوله: زنيت بزيد، ثم قال: زنيتِ بعمرو، فقيل: يتعدد اعتباراً باللفظ، ولأنه حقّ آدمي فلا يتداخل كالديون. والصحيح أنه يتداخل لأنهما حدان من جنس واحد، فتداخل كحدود الزنا. ولو قذف زوجته مراراً فالصحيح أنه يكفي بلعان واحد سواء قلنا بتعدد الحد أو لا. وإن قذف جماعة بكلمة واحدة، فقيل: حدّ واحد)، لأن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، فقال عليه السلام: "حديث : البينةُ أو حَدٌّ في ظهرك"تفسير : ، فلم يوجب على هلال إلا حداً واحداً مع أنه قذف زوجته بشريك. وقيل: لكل واحد حدٌّ. وإن كان بكلمات فلكل واحد حدّ. فصل إذا قذف الصبي أو المجنون أو أجنبية فلا حد عليه ولا لعان، لا في الحال ولا بعد البلوغ، لقوله عليه السلام: "حديث : رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاث" تفسير : ولكن يعزّران للتأديب إن كان لهما تمييز. والأخرس إن فهمت إشارته أو كتابته وقذف بالإشارة أو بالكتابة لزمه الحد، ولذلك يصح لعانه بالإشارة والكتابة. وأما العبد إذا قذف الحر، فقيل: يلزمه نصفُ الحد. وقيل: الحد كله. وأما الكافر إذا قذف المسلم فعليه الحد لدخوله في عموم الآية. وإن كان المقذوف غير محصَن لم يجب الحد، بل يوجب التعزير إلا أن يكون المقذوف معروفاً بما قذف به فلا حدّ هناك ولا تعزير. قوله: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} أي: يشهدون على زناهن {فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وهو الأظهر، وجوَّز أبو البقاء فيها أن تكون حالاً. وقوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} اعلم أن في هذا الاستثناء خلافاً، هل يعود لما تقدَّمه من الجمل أم إلى الجملة الأخيرة فقط؟ وتكلم عليها من النحاة ابن مالك والمَهَابَاذِيُّ، فاختار ابن مالكٍ عوده إلى الجمل المتقدمة والمَهَابَاذِي إلى الأخيرة. وقال الزمخشري: رد شَهَادَةِ القاذفِ معَلَّقٌ عند أبي حنيفة - رحمه الله - باستيفاء الحدِّ، فإذا شهد قبل الحدِّ أو قبل تمام استيفائِهِ قُبِلَتْ شهادته، فإذا استوفي لم تُقْبَلْ شهادته أبداً وإن تابَ وكان من الأبرار الأتقياء. وعند الشافعي - رحمه الله - يتعلَّقُ ردُّ شهادِتِه بنفس القَذْفِ، فإذا تاب عن القذف بأن رجع عنه عاد مقبول الشهادة، وكلاهما مُتَمَسِّكٌ بالآية، فأبو حنيفة - رحمه الله - جعل جزاء الشرط الذي هو الرميُ: الجلدَ وردَّ الشهادة عُقَيْبَ الجلد على التأبيد، وكانوا مَرْدُودِي الشهادة عنده في أبدهم، وهو مدَّة حياتهم، وجعل قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} كلاماً مستأنفاً غير داخلٍ في حيز جزاء الشرط، كأنه حكاية حال الرامين عند الله بعد انقضاء الجملة الشرطية، و{إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} استثناء من "الفَاسِقِينَ"، ويدلُّ عليه قوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. والشافعيُّ - رحمه الله - جعل جزاء الشرط الجملتين أيضاً غير أنه صَرَفَ الأبد إلى مدة كونه قاذفاً، وهي تنتهي بالتوبة (والرجوع) عن القذف، وجعل الاستثناء متعلِّقاً بالجملة الثانية. انتهى. واعلم أن الإعراب متوقفٌ على ذكر الحكم، ومحلُّ المستثنى فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب على أصل الاستثناء. والثاني: أنه مجرور بدلاً من الضمير في "لَهُمْ". وقد أوضح الزمخشري ذلك بقوله: وحق المستثنى عنده - أي: الشافعي - أن يكون مجروراً بَدَلاً من "هُمْ" في "لَهُمْ"، وحقه عند أبي حنيفة أن يكون منصوباً، لأنه عن موجب والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها أن تكون الجمل الثلاثة بمجموعهن جزاء الشرط، كأنه قيل: وَمَنْ قَذَفَ المُحْصَنَاتِ فَاجْلِدُوهُمْ، وَرُدّوا شَهَادَتَهُمْ، وفسِّقوهم، أي: فاجمعوا لهم الجلد والردَّ والتفسيق، إلا الذين تابوا عن القذف وأصلحوا فإن الله غفور رحيم، يغفر لهم فينقلبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مفسَّقين. قال أبو حيان: وليس ظاهر الآية يقتضي عود الاستثناء إلى الجمل الثلاث، بل الظاهر هو ما يعضده كلام العرب، وهو الرجوع إلى الجملة التي تليها. والوجه الثالث: أنه مرفوع بالابتداء، وخبره الجملة من قوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. واعترض بخلوّها من رابطٍ. وأُجيبَ بأنه محذوف، أي: غفور لهم. واختلفوا أيضاً في هذا الاستثناء، هل هو مُتَّصِلٌ أم مُنْقَطِعٌ؟ والثاني ضَعيفٌ جداً. فصل الإقرار بالزنا يثبت بشهادة رجلين بخلاف فعل الزنا، لأن الفعل يعسر الاطلاع عليه وقيل: لا يثبت إلا بأربعة كفعل الزنا. فصل إذا شهدوا على فعل الزنا يجب أن يذكروا الزاني والمزني به، لأنه قد يراه على جارية ابنه فيظن أنه زنا. ويجب أن يشهدوا أنا رأينا ذكره يدخل في فرجها دخول الميل في المُكْحُلة، فلو شهدوا مطلقاً أنه زنا لم يثبت، بخلاف ما لو قذف إنساناً وقال: "زنيتَ" يجب الحد ولا يستفسر، ولو أقر على نفسه بالزنا، فقيل: يجب أن يستفسر كالشهود، وقيل: لا يجب كما في القذف. فصل لا فرق بين أن يجيء الشهود مجتمعين أو متفرقين. وقال أبو حنيفة: إذا شهدوا متفرقين لا يثبت، وعليهم حد القذف. وحجة الأول: أن الإتيان بأربعة شهداء قدر مشترك بين الإتيان بهم مجتمعين ومتفرقين. وأيضاً فكل حكم ثبت بشهادة الشهود إذا جاءوا مجتمعين ثبت إذا جاءوا متفرقين كسائر الأحكام، بل هذا أولى، لأن مجيئهم متفرقين أبعد من التهمة وعن تلقن بعضهم من بعض، ولذلك إذا وقعت ريبة للقاضي في شهادة الشهود فرقهم، وأيضاً فإنه لا يشترط أن يشهدوا معاً في حالة واحدة، بل إذا اجتمعوا عند القاضي قدَّم واحداً بعد واحد ويشهد، وكذا إذا اجتمعوا على بابه يدخل واحد بعد واحد. واحتج أبو حنيفة بأن الشاهد الواحد لما شهد فقد قذفه ولم يأت بأربعة من الشهداء فيجب عليه الحد للآية، أقصى ما في الباب أنهم عبروا عن القذف بلفظ الشهادة، وذلك لا عبرة به، لأنه يؤدي إلى إسقاط حدّ القذف رأساً، لأن كل قاذف يمكن أن يقذف بلفظ الشهادة ويتوسل بذلك إلى إسقاط الحد عن نفسه ويحصل مقصوده. وأيضاً فإن المغيرة بن شعبة شهد عليه بالزنا أربعة عند عمر بن الخطاب: أبو بكرة، وشبل بن معبد، ونافع، ونفيع، قال زياد: وقال رابعهم: رأيت استاً تنبو، ونفساً يعلو، ورجلاها على عاتقه كأذني حمار، ولا أدري ما وراء ذلك، فجلد عمر الثلاثة، ولم يسأل: هل معهم شاهد آخر؟ فلو قبل بعد ذلك شهادة غيرهم لتوقف أداء الحد عليه. فصل لو شهد على الزنا أقل من أربعة لم يثبت، وهل يجب حد القذف على الشهود؟ فقيل: يجب عليهم حد القذف لما تقدم آنفاً. وقيل: لا يجب لأنهم جاءوا مجيء الشهود، ولأنا لو حَدَدْنَا لانسد باب الشهادة على الزنا، لأن كل واحد لا يأمن أن يوافقه صاحبه فيلزمه الحد. فصل لو أتى القاذف بأربعة فساق فشهدوا على المقذوف بالزنا: قال أبو حنيفة: يسقط الحد عن القاذف، ويجب الحد على الشهود. وقال الشافعي في أحد قوليه: يُحَدُّون. واحتج أبو حنيفة بأنه أتى بأربعة شهداء، فلا يلزمه الحد، والفاسق من أهل الشهادة، فقد وجدت شرائط الشهادة إلا أنه لم يقبل شهادتهم للتهمة. واحتج الشافعي بأنهم ليسوا من أهل الشهادة. قوله: {فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} وهذا خطاب للإمام، أو للمالك، أو لرجل صالح إذا فُقِد الإمام. ويخص من هذا العموم صور: الأولى: الوالد إذا قذف ولده (أو ولد ولده) وإن سفل لا يجب عليه الحد، كما لا يجب عليه القصاص بقتله. الثانية: القاذف إذا كان عبداً فالواجب جلده أربعين، وكذا المكاتب، وأم الولد، ومن بعضه حر، فقيل: كالرقيق. وقيل: بالحساب. الثالثة: من قذف رقيقه، أو من زنت قديماً ثم تابت فهي محصنة ولا يجب الحد بقذفها. فصل قالوا: أشد الضرب في الحدود ضرب حد الزنا، ثم ضرب حدّ الخمر، ثم ضرب القاذف، لأن سبب عقوبته محتمل للصدق والكذب، إلا أنه عوقب صيانة للأعراض. فصل قال مالك والشافعي: حدّ القذف يورث، وكذلك إذا كان الواجب بقذفه التعزير يورث عنه. وقيل: لا يورث إلا أن يطالب المقذوف قبل موته، فإن قذف بعد موته ثبت لوارثه طلب الحد. وعند أبي حنيفة: الحد لا يورث، ويسقط بالموت. حجة الشافعي: أنه حق آدمي يسقط بعفوه، ولا يستوفى إلا بطلبه، ويحلف فيه المدعى عليه إذا أنكر، وإذا كان حق آدمي وجب أن يورث لقوله عليه السلام: "حديث : مَنْ مَاتَ عَنْ حَقٍّ فَلورثَتِهِ ". تفسير : وحجة أبي حنيفة: لو كان موروثاً لورثة الزوج والزوجة: ولأنه حق ليس فيه معنى المال فلا يورث كالوكالة والمضاربة. وأجيب بأنا لا نسلم أن الزوج والزوجة لا يرثان، وإن سلم فالفرق بينهما أن الزوجية تنقطع بالموت، ولأن المقصود من الحدّ دفع العار عن النسب، وذلك لا يلحق الزوج والزوجة. فصل إذا قذف إنساناً بين يدي الحاكم، أو قذف امرأته برجل بعينه، والرجل غائب فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف ويخبره بأن فلاناً قذفك، وثبت لك حدّ القذف عليه، كما لو ثبت له مال على آخر وهو لا يعلم، يجب عليه إعلامه، ولهذا بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنيساً ليخبرها أن فلاناً قذفها بابنه، ولم يبعثه ليتفحص عن زناها وليس للإمام إذا رمي رجل بزنا أن يبعث إليه يسأله عن ذلك. قوله: {ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً}. قال أكثر الصحابة والتابعين: إذا تاب قُبِلَتْ شهادته وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن صالح: لا تقبل شهادة المحدود في القذف إذا تاب. وأدلة المذهبين مذكورة في كتب الفقه، وهاهنا مبنية على أن الاستثناء هل يرجع إلى الجملة الأخيرة أو إلى الجمل المتقدمة؟ فلذلك اختلف العلماء في قبول شهادة القاذف بعد التوبة وفي حكم هذا الاستثناء: فذهب قوم إلى أن القاذف ترد شهادته بنفس القذف، وإذا تاب وندم على ما قال وحسنت حالته قبلت شهادته، سواء تاب بعد إقامة الحد أو قبله لقوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ}. وقالوا: الاستثناء راجع إلى الشهادة وإلى الفسق، فبعد التوبة تقبل شهادته ويزول عنه اسم الفسق، يروى ذلك عن عمر وابن عباس، وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والشعبي وعكرمة وعمر بن عبد العزيز والزهري، وبه قال مالك والشافعي. وذهب قوم إلى أن شهادة المحدود في القذف لا تقبل أبداً وإن تاب، وقالوا: الاستثناء يرجع إلى قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} وهو قول النخعي وشريح وأصحاب الرأي. وقالوا: بنفس القذف ترد شهادته ما لم يحد. قال الشافعي: هو قبل أن يحد شر منه حين يحد لأن الحدود كفارات، فكيف تردون شهادته في أحسن حالته وتقبلونها في شر حالته. وذهب الشعبي إلى أن حد القذف يسقط بالتوبة. وقالوا: الاستثناء يرجع إلى الكل. وعامة العلماء على أنه لا يسقط بالتوبة إلا أن يعفو عنه المقذوف فيسقط كالقصاص يسقط بالعفو ولا يسقط بالتوبة. فإن قيل: إذا قبلتم شهادته بعد التوبة فما معنى قوله: "أبَداً"؟ قيل: معناه: لا تقبل شهادته أبداً ما دام مصرًّا على قذفه، لأن أبد كل إنسان على ما يليق بحاله، كما يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبداً، يراد: ما دام كافراً. فصل اختلفوا في كيفية التوبة بعد القذف. فقيل: التوبة منه إكذابه نفسه بأن يقول: كذبت فلا أعود إلى مثله. وقيل: لا يقول كذبت، لأنه ربما يكون صادقاً، فيكون قوله: "كذبت" كذباً، والكذب معصية، وإتيان المعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى، بل يقول: القذف باطل، ندمت على ما قلت ورجعت عنه ولا أعود إليه. ولا بد من مضي مدة عليه بعد التوبة يحسن حاله فيها حتى تقبل شهادته، وقدر تلك المدة سنة حتى يمر عليه الفصول الأربعة التي تتغير فيها الأحوال والطباع كأجل العنِّين، وقد علق الشرع أحكاماً بالنسبة من الزكاة والجزية وغيرهما، وهذا معنى قوله: "وَأَصْلَحُوا"، ثم قال: {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي يقبل التوبة. لما ذكر أحكام قذف الأجنبيات عقبه بأحكام قذف الزوجات.
البقاعي
تفسير : ولما نفر سبحانه من نكاح من اتصف بالزنى من رجل أو امرأة، وبدأ - لأن نكاح المرأة للزاني مظنة لزناها - بتنفير الإناث بما يوهم جواز إطلاق الزنى عليهن بمجرد نكاح من علم زناه، وذلك بعد أن ابتدأ في حد الزنى بالأنثى أيضاً لأن زناها أكبر شراً، وأعظم فضيحة وضراً، عطف على ذلك تحريم القذف بما يوجب تعظيم الرغبة في الستر وصيانة الأعراض وإخفاء الفواحش، فقال ذاكراً الجمع لأن الحكم بإقامة الحد عليه يفهم إقامة الحد على الواحد من باب الأولى ولا إيهام فيه لأن الجمع إذا قوبل بالجمع أفهم التوزيع: {والذين يرمون} أي بالزنى {المحصنات} جمع محصنة، وهي هنا المسلمة الحرة المكلفة العفيفة، والمراد القذف بالزنى بما أرشد إليه السياق سابقاً ولاحقاً، ذكوراً كان الرامون أو إناثاً بما أفهمه الموصول، وخص الإناث وإن كان الحكم عاماً للرجال تنبيهاً على عظيم حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ولأن الكلام في حقهن أشنع. ولما كان إقدام المجترىء على القذف مع ما شرطه فيه لدرء الحد إرادة الستر - بعيداً، أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم لم يأتوا} أي إلى الحاكم {بأربعة شهداء} ذكور {فاجلدوهم} أيها المؤمنون من الأئمة ونوابهم {ثمانين جلدة} لكل واحد منهم، لكل محصنة، إن لم يكن القاذف أصلاً، إن كانوا أحراراً، وحد العبد نصف ذلك لآية النساء {أية : فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} تفسير : [النساء: 25] فهذه الآية مخصوصة بتلك إذ لا فرق بين الذكر والأنثى ولا بين حد الزنى وحد القذف {ولا تقبلوا لهم} أي بعد قذفهم على هذا الوجه {شهادة} أي شهادة كانت {أبداً} للحكم بافترائهم، ومن ثبت افتراؤه سقط الوثوق بكلامه. ولما كان التقدير: فإنهم قد افتروا، عطف عليه تحذيراً من الإقدام عن غير تثبيت: {وأولئك} أي الذين تقدم ذمهم بالقذف فسفلت رتبتهم جداً {هم الفاسقون*} أي المحكوم بفسقهم الثابت لهم هذا الوصف وإن كان القاذف منهم محقاً في نفس الأمر. ولما كان من أصل الشافعي رحمه الله أن الاستثناء المتعقب للجمل المتواصلة المتعاطفة بالواو عائد إلى الجميع سواء كانت من جنس أو أكثر إلا إذا منعت قرينة، أعاد الاستثناء هنا إلى الفسق ورد الشهادة دون الحكم بالجلد، لأن من تمام التوبة الاستسلام للحد والاستحلال منه، ولقرينة كونه حق آدمي وهو لا يسقط بالتوبة، في قوله تعالى: {إلا الذين تابوا} أي رجعوا عما وقعوا فيه من القذف وغيره وندموا عليه وعزموا على أن لا يعودوا كما بين في البقرة في قوله تعالى{أية : إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا} تفسير : [البقرة: 160] وأشار إلى أن الجلد لا يسقط بالتوبة بقوله مشيراً بإدخال الجار إلى أن قبولها لا يتوقف على استغراقها الزمان الآتي: {من بعد ذلك} أي الأمر الذي أوجب إبعادهم وهو الرمي والجلد، فإن التوبة لا تغير حكم الرامي في الجلد، وإنما تغيره في رد الشهادة وما تسببت عنه وهو الفسق، وأشار إلى شروط التوبة بقوله: {وأصلحوا} أي بعد التوبة بمضي مدة يظن بها حسن الحال، وهي سنة يعتبر بها حال التائب بالفصول الأربعة التي تكشف الطباع. ولما كان استثناؤهم من رد الشهادة والفسق، فكان التقدير: فاقبلوا شهادتهم ولا تصفوهم بالفسق، علله بقوله: {فإن الله} أي الذي له صفات الكمال {غفور} أي ستور لهم ما أقدموا عليه لرجوعهم عنه {رحيم*} أي يفعل بهم من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم في قبول الشهادة. ولما كان لفظ المحصنات عاماً للزوجات، وكان لهن حكم غير ما تقدم، أخرجهن بقوله: {والذين يرمون} أي بالزنى {أزواجهم} أي من المؤمنات الأحرار والإماء والكافرات {ولم يكن لهم} بذلك {شهداء إلا أنفسهم} وهذا يفهم أن الزوج إذا كان أحد الأربعة كفى، لكن يرد هذا المفهوم كونه حكاية واقعة لا شهود فيها، وقوله في الآية قبلها: {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} فإنه يقتضي كون الشهداء غير الرامي، ولعله استثناه من الشهداء لأن لعانه يكون بلفظ الشهادة، ومذهب الشافعي رضي الله عنه أنه لا يقبل في ذلك على زوجته - قال ابن الرفعة في الكفاية: لأمرين: أحدهما أن الزنى تعرض لمحل حق الزوج، فإن الزاني مستمتع بالمنافع المستحقة له، فشهادته في صفتها تتضمن إثبات جناية الغير على ما هو مستحق له فلم تسمع، كما إذا شهد أنه جنى على عبده، والثاني أن من شهد بزنى زوجته فنفس شهادته تدل على إظهار العداوة، لأن زناها يوغر صدره بتلطيخ فراشه وإدخال العار عليه وعلى ولده، وهو أبلغ في العداوة من مؤلم الضرب وفاحش السب، قال القاضي الحسين: وإلى هذه العلة أشار الشافعي رحمه الله وهي التي حكاها القاضي أبو الطيب في باب حد قاطع الطريق عن الشيخ أبي حامد. {فشهادة أحدهم} أي على من رماها {أربع شهادات} من خمس في مقابلة أربعة شهداء {بالله} أي مقرونة بهذا الاسم الكريم الأعظم الموجب لاستحضار جميع صفات الجلال والجمال {إنه لمن الصادقين*} أي فيما قذفها به {والخامسة أن لعنت الله} أي الملك الأعظم {عليه} أي هذا القاذف نفسه {إن كان من الكاذبين*} فيما رماها به، ولأجل قطعه بهذه الأيمان الغليظة بصدقه وحكم الله بخلاصه انتفى عنه الولد، فلزم من نفيه الفرقة المؤبدة من غير لفظ لعدم صلاحيتها أن تكون فراشاً له، لأن الولد للفراش، ولا يصح اللعان إلا عند حاكم، ولا يخفى ما في هذا من الإبعاد عن القذف بوجوب مزيد الاحتياط، لما في ذلك من التكرير والاقتران بالاسم الأعظم، والجمع بين الإثبات وما يتضمن النفي، والدعاء باللعن المباعد لصفة المؤمن، فإذا فعل الزوج ذلك سقط عنه العذاب بحد القذف وأوجبه على المقذوفة، فلذلك قال تعالى: {ويدرؤا} أي يدفع {عنها} أي المقذوفة {العذاب} أي المعهود، وهو الحد الذي أوجبه عليها ما تقدم من شهادة الزوج {أن تشهد أربع شهادات} من خمس {بالله} الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى كما تقدم في الزوج {إنه لمن الكاذبين*} فيما قاله عنها {والخامسة} من الشهادات {أن غضب الله} الذي له الأمر كله فلا كفوء له {عليها} وهو أبلغ من اللعن الذي هو الطرد، لأنه قد يكون بسبب غير الغضب، وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما يعضد الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا وهو صادق، ولأنها مادة الفساد، وهاتكة الحجاب، وخالطة الأنساب {إن كان} أي كوناً راسخاً {من الصادقين*} أي فيما رماها به؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن عباس وغيره رضي الله عنهم حديث : أن هلال بن أمية رضي الله عنه قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء رضي الله عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة وإلا حداً في ظهرك"، قال يا رسول الله! إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: البينة وإلا حداً في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق! إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد، فنزل جبريل عليه السلام وأنزل عليه {والذين يرمون أزواجهم} فقرأ حتى بلغ {إن كان من الصادقين} فانصرف النبي صلى الله صلى عليه وسلم فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟" ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة، فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء"، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن"تفسير : وقد روى البخاري أيضاً عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن سبب نزولها قصة مثل هذه لعويمر، وقد تقدم أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدة أسباب معاً أو متفرقة. ولما حرم الله سبحانه بهذه الجمل الأعراض والأنساب، فصان بذلك الدماء والأموال، علم أن التقدير: فلولا أنه سبحانه خير الغافرين وخير الراحمين، لما فعل بكم ذلك، ولفضح المذنبين، وأظهر سرائر المستخفين، ففسد النظام، وأطبقتم على التهاون بالأحكام، فعطف على هذا الذي علم تقديره قوله: {ولولا فضل الله} أي بما له من الكرم والجمال، والاتصاف بصفات الكمال {عليكم ورحمته} أي بكم {وأن الله } أي الذي أحاط بكل شيء علماً وقدرة {تواب} أي رجاع بالعصاة إليه {حكيم*} يحكم الأمور فيمنعها من الفساد بما يعلم من عواقب الأمور، لفضح كل عاص، ولم يوجب أربعة شهداء ستراً لكم، ولأمر بعقوبته بما توجبه معصيته، ففسد نظامكم، واختل نقضكم وإبرامكم، ونحو ذلك مما لا يبلغ وصفه، فتذهب النفس فيه كل مذهب، فهو كما قالوا: رب مسكوت عنه أبلغ من منطوق به، ثم علل ما اقتضته {لولا} من نحو: ولكنه لم يفعل ذلك إفضالا عليكم ورحمة لكم، بقوله على وجه التأكيد لما عرف من حال كثير ممن غضب لله ولرسوله من إرادة العقوبة للآفكين بضرب الأعناق، منبهاً لهم على أن ذلك يجر إلى مفسدة كبيرة: {إن الذين جاءو بالإفك} أي أسوأ الكذب لأنه القول المصروف عن مدلوله إلى ضده، المقلوب عن وجهه إلى قفاه، وعرّف زيادة تبشيع له في هذا المقام، حتى كأنه لا إفك إلا هو لأنه في حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي من أحق الناس بالمدحة لما كانت عليه من الحصانة والشرف والعفة والكرم، فمن رماها بسوء فقد قلب الأمر عن أحسن وجوهه إلى أقبح أقفائه، وترك تسميتها تنزيهاً لها عن هذا المقام، إبعاداً لمصون جانبها العلي عن هذا المرام {عصبة} أي جماعة أقلهم عشرة وأكثرهم أربعون، فهم لكونهم عصبة يحمى بعضهم لبعض فيشتد أمرهم، لأن مدار مادة "عصب" على الشدة، وهم مع ذلك {منكم} أي ممن يعد عندكم في عداد المسلمين، فلو فضحهم الله في جميع ما أسروه وأعلنوه، وأمركم بأن تعاقبوهم بما يستحقون على ذلك، لفسدت ذات البين، بحمايتهم لأنفسهم وهم كثير، وتعصّب أودّائهم لهم، إلا بأمر خارق يعصم به من ذلك كما كشفت عنه التجربة حين خطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "حديث : من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي"تفسير : حين كادوا يقتتلون لولا أن سكنهم النبي صلى الله عليه سلم، فالله سبحانه برحمته بكم يمنع من كيدهم ببيان كذبهم، وبحكمته يستر عليهم ويخيفهم، لتنحسم مادة مكرهم، وتنقطع أسباب ضرهم. ولما كان هذا مقتضياً للاهتمام بشأنهم، أتبعه قوله، تحقيراً لأمرهم مخاطباً للخلص وخصوصاً النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعائشة وأمها وصفوان بن المعطل رضي الله عنهم: {لا تحسبوه} أي الإفك {شراً لكم} أيها المؤمنون بأن يصدقه أحد أو تنشأ عنه فتنة {بل هو خير لكم} بثبوت البراءة الموجبة للفخر الذي لا يلحق، بتلاوتها على مر الدهور بألسنة من لا يحصى من العباد، في أكثر البلاد، وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والصديقين بذلك، مع الثواب الجزيل، بالصبر على مرارة هذا القيل، وثبوت إعجاز القرآن بعد أعجازه بالبلاغة بصدقه في صيانة من أثنى عليها في ذلك الدهر الطويل، الذي عاشته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده إلى أن ماتت رضي الله تعالى عنها أتقى الناس ديانة، وأظهرهم صيانة، وأنقاهم عرضاً، وأطهرهم نفساً، فهو لسان صدق في الدنيا، ورفعة منازل في الآخرة إلى غير ذلك من الحكم، التي رتبها بارىء النسم، من الفوائد الدينية والأحكام والآداب. ولما كان لا شفاء لغيظ الإنسان أعظم من انتصار الملك الديان له، علل ذلك بقوله: {لكل امرئ منهم} أي الآفكين {ما} أي جزاء ما {اكتسب} بخوضه فيه {من الإثم} الموجب لشقائه، وصيغة الافتعال من "كسب" تستعمل في الذنب إشارة إلى أن الإثم يرتب على ما حصل فيه تصميم وعزم قوي صدقه العمل بما فيه من الجد والنشاط، وتجرد في الخير إشارة إبى أن الثواب يكتب بمجرد فعل الخير بل ونيته {والذي تولى كبره} أي معظمه بإشاعته والمجاهرة به {منهم له} بما يخصه لإمعانه في الأذى {عذاب عظيم*} أي أعظم من عذاب الباقين، لأنهم لم يقولوا شيئاً إلا كان عليه مثل وزره من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاَ، وقصه الإفك معروفة في الصحيح والسنن وغيرها شهيرة جداً، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا بني المصطلق بعد ما أنزلت آية الحجاب، وكانت معه الصديقة بنت الصديق زوجته أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تحمل هودج لها، فافتقدت عقداً لها ليلة فرجعت إلى الموضع الذي تخلت فيه فالتمسته، فرحل النبي صلى الله عليه وسلم وحمل جمالوها هودجها وهم يظنونها فيه، فلما رجعت فلم تجد أحداً اضطجعت مكان هودجها رجاء أن يعلموا بها فيرجعوا، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني رضي الله عنه قد عرس من وراء الجيش، فأصبح في مكانهم، فلما رآها وكان يراها قبل الحجاب استرجع وأناخ راحلته فوطىء على يدها، ولم يتكلم بكلمة غير استرجاعه، فركبت أم المؤمنين رضي الله عنها، ثم أقبل بها حتى لحق بالجيش وهم نزول في نصف النهار، فتكلم أهل الإفك فيهما رضي الله عنهما، وكان من سمي منهم عبد الله بن أبي المنافق، وزيد بن رفاعة، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش وحسان بن ثابت، قال عروة بن الزبير: في ناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة كما قال تعالى. وهكذا ذكروا حسان منهم وأنا والله لا أظن به أصلاً وإن جاءت تسميته في الصحيح فقد يخطىء الثقة لأسباب لا تحصى، كما يعرف ذلك من مارس نقد الأخبار، وكيف يظن به ذلك ولا شغل له إلا مدح النبي صلى الله عليه وسلم والمدافعة عنه والذم لأعدائه وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام معه، فأقسم بالله أن الذي أيده بجبريل ما كان ليكله إلى نفسه في مثل هذه الواقعة، وقد سبقني إلى الذب عنه الحافظ عماد الدين بن كثير الدمشقي رحمه الله وكيف لا ينافح عنه وهو القائل: شعر : فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء تفسير : وهو القائل يمدح عائشة رضي الله عنها ويكذب من نقل عنه ذلك: شعر : حصان رزان ما تزنُّ بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس ديناً ومنصباً نبي الهدى والمكرمات الفواضل عقيلة حي من لؤي بن غالب كرام المساعي مجدها غير زائل مهذبة قد طيب الله خيمها وطهرها من كل شين وباطل فإن كان ما بلغت عني قلته فلا رفعت سوطي إليّ أناملي وكيف وودي ما حييت ونصرتي لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس فضلها تقاصر عنها سورة المتطاول تفسير : وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب: وأنكر قوم أن يكون حسان خاض في الإفك وجلد فيه ورووا عن عائشة رضي الله عنها أنها برأته من ذلك - انتهى. واستمر أهل الإفك في هذا أكثر من شهر، والله تعالى عالم بما يقولون، وأن قولهم يكاد يقطع أكباد أحب خلقه إليه، وهو قادر على تكذيبهم عند أول ما خاضوا فيه، ولكنه سبحانه أراد لناس رفعة الدرجات، ولآخرين الهلاك، فيا لله ما لقي النبي صلى عليه وسلم والصديق وآله رضي الله عنهم وكل من أحبهم وهم خير الناس، والله سبحانه وتعالى يملي للآفكين ويمهلهم، وكأن الحال لعمري كما قال أبو تمام الطائي في قصيدة: شعر : كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعين لم يفض ماؤها عذر تفسير : وحين سمعت عائشة رضي الله عنها بقول أهل الإفك سقطت مغشياً عليها وأصابتها حمى بنافض، واستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في إتيان بيت أبيها فأذن لها فسألت أمها عن الخبر، فأخبرتها فاستعبرت وبكت، وكان أبو بكر رضي الله عنه في علية يقرأ فسمع حسها فنزل فسأل أمها فقالت: بلغها الذي ذكر من شأنها، ففاضت عيناه، واستمرت هي رضي الله عنها تبكي حتى ظنت أن البكاء فالق كبدها، وساعدتها على البكاء امرأة من أولي الوفاء والمؤاساة والكرم والإيثار ومعالي الشيم: الأنصار رضي الله عنهم، فكانت تبكي معها، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة رضي الله عنها جاريتها بريرة رضي الله عنها فاستعظمت أن يظن في عائشة رضي الله عنها مثل ذلك فقالت: سبحان الله! والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس على المنبر واستعذر ممن تكلم في أهله وما علم عليهم إلا خيراً، وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق بصلاح صفوان بن المعطل رضي الله عنه وأنه ما علم عليه إلا خيراً، فكاد الناس يقتتلون فسكنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دخل بعد أن صلى العصر على عائشة رضي الله عنها وهي تبكي والأنصارية معها فوعظها، فأجابت وأجادت، فأنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك المجلس فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، قالت عائشة رضي الله عنها: فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فو الله ما فزعت وما باليت، قد عرفت أني بريئة، وأن الله غير ظالمي، وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده! ما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقاً من أن يأتي الله بتحقيق ما قاله الناس، قالت: فرفع عنه وإني لأتيبن السرور في وجهه وهو يمسح عن جبينه العرق ويقول: حديث : أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك تفسير : ، فكنت اشد ما كنت غضباً، فقال لي أبواي: قومي إليه! فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه، وأنزل الله تعالى: {إن الذين جَاءُو بالإفك} العشر الآيات كلها، قالت عائشة رضي الله عنها: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله! والذي نفسي بيده! ما كشفت كنف أنثى قط. قالت: ثم قتل بعد ذلك شهيداً في سبيل الله.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم} يعني الحاكم إذا رفع إليهم جلدوا القاذف ثمانين جلدة {ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً} يعني بعد الجلد ما دام حياً {وأولئك هم الفاسقون} العاصون فيما قالوه من الكذب. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر عن ابن عباس {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} ثم استثنى فقال {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} فتاب الله عليهم من الفسوق، وأما الشهادة فلا تجوز. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس {والذين يرمون المحصنات} إلى {رحيم} فأنزل الله الجلد والتوبة تقبل، والشهادة ترد. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لأبي بكرة: إن تبت قبلت شهادتك. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} قال: "حديث : توبتهم اكذابهم أنفسهم، فإن كذبوا أنفسهم قبلت شهادتهم ". تفسير : وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس قال: في سورة النور {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم} واستثنى من ذلك فقال {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} [النور: 4] فإذا حلفا فرق بينهما وإن لم يحلفا أقيم الحد. الجلد أو الرجم. وأخرج ابن المنذر وابن جرير والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً} ثم قال {إلا الذين تابوا} قال: فمن تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله تقبل. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن المسيب قال شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة بالزنا ونكل زياد، فحد عمر الثلاثة وقال لهم: توبوا تقبل شهادتكم، فتاب رجلان ولم يتب أبو بكرة فكان لا تقبل شهادته، وكان أبو بكرة أخا زياد لأمه، فلما كان من أمر زياد ما كان حلف أبو بكرة أن لا يكلمه أبداً، فلم يكلمه حتى مات. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء في الآية قال: إذا تاب القاذف، وأكذب نفسه، قبلت شهادته. وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي والزهري وطاووس ومسروق قالوا: إذا تاب القاذف قبلت شهادته. وتوبته أن يكذب نفسه. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب والحسن قالا: القاذف إذا تاب فتوبته فيما بينه وبين الله ولا تجوز شهادته. وأخرج عبد بن حميد عن مكحول في القاذف إذا تاب لم تقبل شهادته. وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين قال: القاذف إذا تاب فإنما توبته فيما بينه وبين الله، فأما شهادته فلا تجوز أبداً. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: لا شهادة له. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: توبته فيما بينه وبين ربه من العذاب العظيم. ولا تقبل شهادته. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً} قال: كان الحسن يقول: لا تقبل شهادة القاذف أبداً. توبته فيما بينه وبين الله. وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: كل صاحب حد تجوز شهادته إلا القاذف، فإن توبته فيما بينه وبين ربه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم قال: لا تقبل للقاذف شهادة؛ توبته بينه وبين ربه. وأخرج عبد بن حميد عن عيسى بن عاصم قال: كان أبو بكرة إذا جاءه رجل يشهده قال: أشهد غيري فإن المسلمين قد فسقوني. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب قال: شهدت عمر بن الخطاب حين جلد قذفة المغيرة بن شعبة منهم أبو بكرة، وماتع، وشبل، ثم دعا أبا بكرة فقال: إن تكذب نفسك تجز شهادتك فأبى أن يكذب نفسه. ولم يكن عمر يجيز شهادتهما حتى هلكا، فذلك قوله {إلا الذين تابوا} وتوبتهم اكذابهم أنفسهم. وأخرج عبد الرزاق عن عمرو بن شعيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : قضى الله ورسوله أن لا تقبل شهادة ثلاثة، ولا اثنين، ولا واحد على الزنا، ويجلدون ثمانين ثمانين، ولا تقبل لهم شهادة أبداً حتى يتبين للمسلمين منهم توبة نصوح وإصلاح ". تفسير : وأخرج عبد بن حميدعن جعفر بن يرقان قال: سألت ميمون بن مهران عن هذه الآية {والذين يرمون المحصنات} إلى قوله {إلا الذين تابوا} فجعل الله فيها توبته. وقال في آية أخرى {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعِنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} فقال: أما الأولى، فعسى أن تكون قارفت، وأما الأخرى فهي التي لم تقارف شيئاً من ذلك. وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: لما كان زمن العهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة، جعلت المرأة تخرج من أهل مكة إلى رسول صلى الله عليه وسلم مهاجرة في طلب الإِسلام فقال المشركون: إنما انطلقت في طلب الرجال، فأنزل الله {والذين يرمون المحصنات...} إلى آخر الآية. وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال: الزنا أشد من القذف، والقذف أشد من الشرب. وأخرج عبد الرزاق عن عطاء قال: جلد الزاني أشد من جلد الفرية والخمر، وجلد الفرية والخمر فوق الحد والله تعالى أعلم.
ابو السعود
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ} بـيانٌ لحكمِ العَفَائفِ إذا نُسبن إلى الزِّنا بعد بـيانِ حُكمِ الزَّوانِي ويُعتبر في الإحصانِ هٰهُنا مع مدلولهِ الوضعيِّ الذي هو العِفَّةُ عن الزِّنا الحريَّةُ والبُلوغُ والإسلامُ وفي التَّعبـيرِ عن التَّفوهِ بما قالُوا في حقهنَّ بالرَّمي المنبىءِ عن صلابةِ الآلةِ وإيلامِ المَرميِّ وبعدِه عن الرَّامِي إيذانٌ بشدَّةِ تأثيره فيهنَّ وكونهِ رجماً بالغيبِ والمرادُ به رميهنَّ بالزِّنا لا غير، وعدمُ التَّصريحِ به للاكتفاءِ بإيرادهنَّ عقيبَ الزَّواني ووصفِهنَّ بالإحصانِ الدَّالِّ بالوضعِ على نزاهتهنَّ عن الزِّنى خاصَّة فإنَّ ذلكَ بمنزلةِ التَّصريحِ بكونِ رميهنَّ به لا محالة ولا حاجة في ذلكَ إلى الاستشهادِ باعتبارِ الأربعةِ من الشُّهداءِ على أنَّ فيه مؤنة بـيانِ تأخُّرِ نزولِ الآيةِ عن قوله تعالى: { أية : فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً} تفسير : [النساء: 15] ولا بعدمِ وجوبِ الحدِّ بالرَّميِ بغيرِ الزِّنى على أنَّ فيه شبهة المُصادرةِ كأنَّه قيلَ والذينَ يرمُون العفائفَ المنزَّهاتِ عمَّا رُمين به من الزِّنى {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء} يشهدونَ عليهنَّ بما رموهنَّ به، وفي كلمةِ ثمَّ إشعارٌ بجوازِ تأخيرِ الإتيانِ بالشُّهودِ كما أنَّ في كلمةِ لم إشارةً إلى تحققِ العجزِ عن الإتيانِ بهم وتقرره خلا أنَّ اجتماعَ الشُّهودِ لا بُدَّ منه عندَ الأداءِ خلافاً للشَّافعيِّ رحمه الله تعالى فإنَّه جَوَّزَ التَّراخي بـينَ الشَّهاداتِ كما بـينَ الرَّميِ والشَّهادةِ ويجوزُ أنْ يكونَ أحدُهم زوجَ المقذوفةِ خلافاً له أيضاً وقُرىء بأربعة شهداء {فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} لظهورِ كذبهِم وافترائِهم بعجزِهم عن الإتيانِ بالشُّهداءِ لقوله تعالى: { أية : فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ} تفسير : [النور: 13] وانتصابُ ثمانينَ كانتصابِ المصادرِ ونصبُ جلدةً على التَّميـيزِ. وتخصيصُ رميهنَّ بهذا الحكم مع أنَّ حكم رَميِ المُحصنين أيضاً كذلك لخصوصِ الواقعةِ وشيوعِ الرَّمي فيهنَّ. {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً} عطفٌ على اجلدُوا داخلٌ في حكمهِ تتمةٌ له لما فيهِ معنى الزَّجرِ لأنَّه مؤلمٌ للقلبِ كما أنَّ الجلدَ مؤلمٌ للبدنِ وقد آذى المقذوفَ بلسانه فعُوقبَ بإهدار منافعهِ جزاءً وِفاقاً. واللاَّمُ في لهُم متعلِّقةٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من شهادةً قدمتْ عليها لكونها نكرةً ولو تأخرتْ عنها لكانتْ صفةً لها، وفائدتُها تخصيصُ الردِّ بشهادتهم النَّاشئةِ عن أهليَّتهم الثَّابتةِ لهم عندَ الرَّميِ وهُو السِّرُّ في قبولِ شهادةِ الكافرِ المحدودِ في القذفِ بعد التَّوبةِ والإسلامِ لأنَّها ليستْ ناشئةً عن أهليَّتهِ السَّابقةِ بل عن أهلية حَدَثتْ له بعد إسلامهِ فلا يتناولُها الردُّ فتدبَّرْ ودعْ عنك ما قيل من أنَّ المسلمينَ لا يعبأون بِنَسَبِ الكفَّارِ فلا يلحقُ المقذوفَ بقذفِ الكافرِ من الشَّينِ والشَّنارِ ما يلحقهُ بقذفِ المسلمِ فإنَّ ذلكَ بدونِ ما مرَّ من الاعتبارِ تعليلٌ في مُقابلةِ النصِّ ولا يخفى حالُه فالمعنى لا تقبلُوا منهم شهادةً من الشَّهاداتِ حالَ كونها حاصلةً لهم عندَ الرَّميِ {أَبَدًا} أي مُدَّة حياتهم وإنْ تابُوا وأصلحُوا لما عرفتَ من أنَّه تتمةٌ للحدِّ كأنَّه قيلَ فاجلدُوهم وردُّوا شهادتهم أي فاجمعُوا لهم الجلدَ والردَّ فيبقى كأصله. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} كلامٌ مستأنفٌ مقررٌ لما قبلَه ومبـينٌ لسُّوءِ حالهم عند اللَّهِ عزَّ وجلَّ. وما في اسمِ الإشارةِ من معنى البُعدِ للإيذانِ ببعدِ منزلتهم في الشرِّ والفسادِ أيْ أُولئك هم المحكومُ عليهم بالفسقِ والخروجِ على الطَّاعةِ والتَّجاوزِ عن الحدودِ الكاملون فيه كأنَّهم هم المستحقُّون لإطلاقِ اسمِ الفاسقِ عليهم لا غيرُهم منَ الفَسَقةِ.
القشيري
تفسير : لئلا يستبيحوا أعراضَ المسلمين، ولئلا يهتكوا أستارَ الناس أمَرَ بتأديبِهم، وإقامةِ الحدِّ عليهم إذا لم يأتوا بالشهداء. ثم بالَغَ في عدد الشهود، وألاَّ تُقْبَلَ تلك الشهادةُ إلاَّ بالتضرع التام، ثم أكمله بقوله {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً}. وفي الخبر المسند قوله عليه السلام:"حديث : مَنْ أتى منكم بشيءٍ من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإنَّ مَنْ أبدى لنا صفحته، أقمنا عليه حدَّ الله ".
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين يرمون المحصنات} الرمى يقال فى الاعيان كالسهم والحجر ويقال فى المقال كناية عن الشتم كالقذف فانه فى الاصل الرمى بالحجارة ونحوها مطلقا، قال فى الارشاد فى التعبير عن النفوه بما قالوا فى حقهن بالرمى المنبىء عن صلابة الآله وايلام المرمى وبعده ايذان بشدة تأثيره فيهن والمحصنات العفائف وهو بالفتح يقال اذا تصور حصنها من نفسها وبالكسر يقال اذا تصور حصنها من غيرها والحصن فى الاصل معروف ثم تجوز به فى كل تحرز ومنه درع حصينة لكونها حصنا للبدن وفرس حصان لكونه حصنا لراكبه وامرأة حصان للعفيفة والمعنى والذين يقذفون العفائف بالزنى بدليل ذكر المحصنات عقيب الزوانى وتخصيص المحصنات لشيوع الرمى فيهن والا فقذف الذكر والانثى سواء فى الحكم الآتى والمراد المحصنات الاجنبيات لان رمى الازواج اى النساء الداخلات تحت نكاح الرامين حكمه سيأتى، واجمعوا على ان شروط احصان القذف خمسة الحرية والبلوغ والعقل والاسلام والعفة من الزنى حتى ان من زنى مرة فى اول بلوغه ثم تاب وحسنت حاله فقذفه شخص لاحد عليه والقذف بالزنى ان يقول العاقل لمحصنة يازانية ياابن الزانى ياابن الزنية ياولد الزنى اولست لابيك ياابن فلان فى غضب والقذف بغيره ان يقول يافاسق ياشارب الخمر يا آكل الربا ويا خبيث يانصرانى يايهودى يامجوسى فيوجب التعزير كقذف غير المحصن واكثر التعزير تسعة وثلاثون سوطا واقله ثلاثة لان التعزير ينبغى ان لا يبلغ اقل الحد اربعين وهى حد العبيد فى القذف بالزنى والشرب واما ابو يوسف فاعتبر حد الاحرار وهو ثمانون سوطا ونقص منها سوطا فى رواية وخمسة فى رواية وقال للامام ان يعزر الى المائة والفرق بين التعزير والحد ان الحد مقدر والتعزير مفوض الى رأى الامام وان الحد يندرىء بالشبهات دونه وان الحد لا يجب على الصبى والتعزير شرع والحد يطلق على الذمى ان كان مقدرا والتعزير لا يطلق عليه لان التعزير شرع للتطهير والكافر ليس من اهل التطهير وانما سمى فى حق اهل الذمة اذا كان غير مقدر عقوبة وان التقادم يسقط الحد دون التعزير وان التعزير حق العبد كسائر حقوقه ويجوز فيه الابراء والعفو والشهادة على الشهادة ويجرى فيه اليمين ولا يجوز شىء منها فى الحد {ثم لم يأتوا باربعة شهداء} يشهدون عليهن بما رموهن به ولا يقبل فيه شهادة النساء كما فى سائر الحدود وفى كلمة ثم اشعار بجواز تأخيره الاتيان بالشهود وفى كلمة لم اشارة الى العجز عن الاتيان بهم ولا بد من اجتماع الشهود عند الاداء عند ابى حنيفة رحمه الله اى الواجب ان يحضروا فى مجلس واحد وان جاؤا متفرقين كانوا قذفة وفى قوله باربعة شهداء دلالة على انهم ان شهدوا ثلاثة يجب حدهم لعدم النصاب وكذا ان شهدوا عميانا او محدودين فى قذف او احدهم محدود او عبد لعدم اهلية الشهادة {فاجلدوهم ثمانين جلدة} انتصاب ثمانين كانتصاب المصادر ونصب جلدة على التمييز اى اضربوا كل واحد من الرامين ثمانين ضربة ان كان القاذف حرا واربعين ان كان عبدا لظهور كذبهم وافترائهم بعجزهم عن الاتيان بالشهداء: وبالفارسية [بس بزنيد ايشانرا هشتاد تازيانه] وان كان المقذوف زانيا عزر القاذف ولم يحد الا ان يكون المقذوف مشهورا بما قذف به فلاحد ولا تعزير حينئذ ويجلد القاذف كما يجلد الزانى الا انه لا ينزع عنه من الثياب الا ماينزع عن المرأة من الحشو والفرو والقاذفة ايضا فى كيفية الجلد مثل الزانية وضرب التعزير اشد ثم للزنى ثم للشرب ثم للقذف لان سبب حده محتمل للصدق والكذب وانما عوقب صيانة للاعراض: وبالفارسية [حد قذف ازحد زنى وحد شرب اخص است زيراكه حد زنى بقرآن ثابت شده وثبوت حد شرب بقول صحابه است وسبب حد قذف محتمل است مر صدق رائى] وان كل نفس الحد ثابتا بالنص وانما يحد بطلب المقذوف المحصن لان فيه حقه من حيث دفع العار عنه ولا بد ان يكون الطلب بالقول حتى لو قذف الاخرس وطلبه بالاشارة لا يجب الحد وكون المقذوف غائبا عن مجلس القاذف حال القذف او حاضرا سواء فاحفظه ويجوز للمقذوف ان يعفو عن حد القذف قبل ان يشهد ويثبت الحد والامام ايضا ويحسن منه ان يحمل المقذوف على كظم الغيظ ويقول له اعرض عن هذا ودعه لوجه الله قبل ثبوت الحد فاذا ثبت لمن يكن لواحد منهما ان يعفوا لانه خالص حق الله لهذا لم يصح ان يصالح عنه بمال واذا تاب القاذف قبل ان يثبت الحد سقط واذا قذف الصبى او المجنون امرأته او اجنبيا فلا حد عليهما ولا لعان لا فى الحال ولا اذا بلغ او افاق ولكن يعذران تأديبا ولو قذف شخصا مرارا فان اراد زنية واحدة وجب حد واحد وان اراد زنيات مختلفة كقوله زنيت بزيد وبعمرو تعدد لتعدد اللفظ كما فى الكبير {ولا تقبلوا لهم شهادة} عطف على اجلدوا داخل فى حكمه تتمة له ما فيه من معنى الزجر لانه مؤلم للقلب كما ان الجلد مؤلم للبدن وقد اذى المقذوف بلسانه فعوقب باهدار منافعه جزاء وفاقا واللام فى لهم متعلقة بمحذوف هو حال من شهادة قدمت عليها لكونها نكرة وفائدتها تخصيص الرد بشهادتهم الناشئة عن اهليتهم الثابتة لهم عند الرمى وهو السر فى قبول شهادة الكافر المحدود فى القذف بعد التوبة والاسلام لانها ليست ناشئة عن اهليته السابقة بل اهليته حدثت له بعد اسلامه فلا يتناول الرد والمعنى لا تقبلوا من القاذفين شهادة من الشهادات حال كونها حاصلة لهم عند القذف {ابدا} اى مدة حياتهم وان تابوا واصلحوا {واولئك هم} لاغيرهم {الفاسقون} الكاملون فى الفسق والخروج عن الطاعة والتجاوز عن الحدود كأنهم هم المستحقون لاطلاق اسم الفاسق عليهم من الفسقة، قال فى الكبير يفيد ان القذف من الكبائر لان الفسق لايقع الا على صاحبها.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "ثمانين": مفعول مطلق، و "جلَدة": تمييز. "إلا الذين تابوا": إما استثناء من ضمير "لهم"، فمحله: الجر، أو: من قوله: "الفاسقون"، فمحله: النصب؛ لأنه بعد مُوجَبٍ تام. يقول الحق جل جلاله، في بيان شأن العفائف، بعد بيان شأن الزواني: {والذين يرمُون} أي: يقذفون بالزنا {المحصناتِ}؛ الحرائر العفائف المسلمات المكلفات، بأن يقول: يا زانية، أو: يا مُحبة، ولا فرق بين التصريح والتعريض، ولا بين النساء والرجال، قاذفاً أو مقذوفاً. والتعبير بالرمي، المنبئ عن صلابة الآلة، وإيلام المرمى، وبعده عن الرامي؛ إيذان بشدة تأثيره فيهن، وكونه رجماً بالغيب. والتعبير بالإحصان يدل على أن رميهن إنما كان بالزنا، لا غير. {ثم لم يأتوا بأربعةِ شهداء} يشهدون عليهن بما رموهن به، وفي كلمة "ثم"؛ إشارة إلى جواز تأخير الإتيان بالشهود، كما أن في كلمة "لم": تحقق الإتيان بهم. وشروط إحصان القذف: الحرية، والعقل، والبلوغ، والإسلام، والعفة عن الزنا، فإن توفرت الشروط {فاجلدوهم} أي: القاذفين {ثمانينَ جلدة}؛ لظهور كذبهم وافترائهم؛ لقوله تعالى: {أية : فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} تفسير : [النور: 13]، وتخصيص رميهن بهذا الحكم، مع أن رمي المحصنين أيضاً كذلك؛ لخصوص الواقعة، وشيوع الرمي فيهن. والحدود كلها تشطر بالرق، فعلى العبد في الزنا خمسون، وفي القذف أربعون. {ولا تقبلوا لهم} بعد ذلك {شهادةً أبداً}؛ زجراً لهم؛ لأن رد شهادتهم مؤلم لقلبهم، كما أن الجلد مؤلم لبدنهم. وقد آذى المقذوف بلسانه، فعوقب بإهدار شهادته، جزاء وفاقاً. والمعنى: ولا تقبلوا منهم شهادة من الشهادات، حال كونها حاصلة لهم عند الرمي، أبداً، مدة حياتهم، فالرد من تتمه الحدّ، كأنه قيل: فاجلدوهم وردوا شهادتهم، أي: فاجمعوا لهم بين الجلد والرد. {وأولئك هم الفاسقون}، كلام مستأنف غير داخل في جزاء الشرط؛ لأنه حكاية حال الرامي عند الله تعالى بعد انقضاء الجزاء، وما في اسم الإشارة من معنى البُعد؛ للإيذان ببُعد منزلتهم في الشر والفساد، أي: أولئك هم المحكوم عليهم بالفسق، والخروج عن الطاعة، والتجاوز عن الحد، فإنهم المستحقون لإطلاق اسم الفاسق عليهم، دون غيرهم. {إلا الذين تابوا من بعد ذلك} القذف، {وأَصلحوا} أحوالهم، فهو استثناء من الفاسقين، بدليل قوله: {فإن الله غفور رحيم} أي: يغفر ذنوبهم ويرحمهم، ولا ينظمهم في سلك الفاسقين. فعلى هذا لا تُقبل شهادته مطلقاً فيما حدّ فيه وفي غيره؛ لأن رد شهادته وُصلت بالأبد، وأما توبته فإنما تنفعه فيما بينه وبين الله، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول ابن عباس وشريح والنخعي. وقيل: الاستثناء راجع لقوله: {ولا تقبلوا لهم شهادة}، فإذا تاب وأصلح قبلت شهادته مطلقاً؛ لأنه زال عنه اسم الفسق، والأبد عبارة عن مدة كونه فاسقاً، فينتهي بالتوبة، وبه قال الشافعي وأصحابه، وهو قول الشعبي ومسروق وابن جبير وعطاء وسليمان بن يسار. وفصل مالك، فقال: لا تجوز فيما حدّ فيه، ولو تاب، وتجوز فيما سواه، وكأنه جمع بين القولين. والله تعالى أعلم. الإشارة: الغض عن مساوئ الناس من أفضل القرب، وهو من شيم ذوي الألباب، وبه السلامة من الهلاك والعطَب، والتعرض لمساوئهم من أعظم الذنوب، وأقبح العيوب، ولله در القائل: شعر : إذَا شئْتَ أَن تَحْيَا ودينك سالم وحظك موفُورٌ وعِرْضُكَ صَيّنُ لِسَانَكَ، لا تذكُرْ به عَوْرَةَ امِرىءٍ فعندك عَوْرَاتٌ ولِلنَّاس أَلسُنُ وإنْ أبصرت عَيْنَاكَ عيباً فقل لها: أيا عَيْنُ لا تنظري؛ فللناس أعيُنُ وعَاشِرْ بمَعْرُوفٍ وجَانِبْ مَنِ اعتَدى وفارقْ ولكنْ بالتي هي أحْسَنُ تفسير : فالمتوجه إلى الله لا يشتغل بغير مولاه، ولا يرى في المملكة سواه، يذكر الله على الأشياء، فتنقلب نوراً؛ لحسن ظنه بالله، ويلتمس المعاذر لعباد الله؛ لكمال حسن ظنه بهم. وبالله التوفيق. ثم تكلم على من رمى زوجته وبه يقع اللعان، فقال: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ...}
الطوسي
تفسير : قال سعيد بن جبير: هذه الآية نزلت في عائشة. وقال الضحاك في نساء المؤمنين: وهو الأولى، لأنه اعم فائدة، وإن كان يجوز أن يكون سبب نزولها فى عائشة، فلا تقصر الآية على سببها. يقول الله تعالى ان {الذين يرمون المحصنات} أي يقذفون العفائف من النساء بالزنا، والفجور، وحذف قوله بالزنا لدلالة الكلام عليه، ولم يقيموا على ذلك أربعة من الشهود، فانه يجب على كل واحد منهم ثمانون جلدة. وقال الحسن: يجلد وعليه ثيابه. وهو قول ابي جعفر (ع). ويجلد الرجل قائماً، والمراة قاعدة. وقال ابراهيم ترمى عنه ثيابه فى حد الزنا. وقوله {ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً} نهي من الله تعالى عن قبول شهادة القاذف على التأبيد، وحكم عليهم بأنهم فساق. ثم استثنى من ذلك الذين تابوا من بعد ذلك. واختلفوا فى الاستثناء الى من يرجع، فقال قوم: انه من الفساق، فاذا تاب قبلت شهادته حد او لم يحد. وهو قول سعيد بن المسيب. وقال عمر لأبي بكرة: إن تبت قبلت شهادتك. فأبى ابو بكرة أن يكذب نفسه. وهو قول مسروق والزهري والشعبي وعطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز والضحاك، وهو قول ابي جعفر وابي عبد الله (ع). وبه قال الشافعي من الفقهاء وأصحابه، وهو مذهبنا. وقال الزجاج: يكون تقديره، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً إلا الذين تابوا. ثم وصفهم بقوله {وأولئك هم الفاسقون} وقال شريح وسعيد بن المسيب، والحسن وابراهيم: الاستثناء من الفاسقين دون قوله {ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً} وبه قال أهل العراق، قالوا: فلا يجوز قبول شهادة القاذف ابداً. ولا خلاف فى انه إذا لم يحد - بأن تموت المقذوفة ولم يكن هناك مطالب، ثم تاب - أنه يجوز قبول شهادته. وهذا يقتضي الاستثناء من المعنيين على تقدير: وأولئك هم الفاسقون فى قذفهم، مع امتناع قبول شهادتهم إلا التائبين منهم. والحد حق المقذوفة لا يزول بالتوبة. وقال قوم: توبته متعلقة باكذابه نفسه. وهو المروي فى أخبارنا، وبه قال الشافعي. وقال مالك بن أنس: لا يحتاج الى ذلك فيه. قال أبو حنيفة: ومتى كان القاذف عبداً او أمة فعليه أربعون جلدة. وقد روى أصحابنا: أن الحد ثمانون فى الحرّ والعبد، وظاهر العموم يقتضي ذلك، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والقاسم بن عبد الرحمن.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ} لمّا بيّن حكم الزّانى والزّانية وحدّهما وغلّظ عليهما اراد ان يبيّن انّ نسبة الفاحشة الى العباد امر عظيم مستحقّ قائلها للعذاب مثل عذاب الزّانى والزّانية غاية الامر انّ عذابه دون مرتبة عذابهما بدرجةٍ وان يبيّن انّ اثبات الفاحشة للعباد ليس مثل اثبات سائر الحقوق يكتفى فيها ببيّنتين حتّى لا يجرأ النّاس على نسبة الزّنا الى العباد فقال: والّذين يرمون {ٱلْمُحْصَنَاتِ} الّلاتى احصنّ فروجهن بالعفاف والاسلام والحرّيّة والبلوغ والعقل فانّ المراد بالاحصان ههنا هذه {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} هذه الآية مجملة كاكثر الآيات فانّ ظاهرها اختصاص الرّامين بالرّجال والمرمىّ بالنّساء والحال انّه لا فرق فى الرّامىّ والمرمىّ بين الرّجل والمرأة، والعبد والحرّ، والمحصن وغير المحصن، والبكر وغير البكر، ولا بين ان يكون الرّمى فى حضور المرمىّ او فى غيابه بلا خلافٍ فى اكثر المذكورات، ولا بين كون الرّمى بالصّراحة او بالكناية الغير المحتملة غيرها ولكن ينبغى ان يكون الرّامى عارفاً بمعنى الكلمة فلو قال: انت تزنى او ابوك زنى بك او يا ابن الفاعلة او انت المفعول وانت تعمل عمل قوم لوطٍ، او لست من ابيك، او امّى ما زنت فى مقامٍ لا يحتمل سوى التّعريض، او انا لست من الزّنا تعريضاً بالغير فى مقامٍ لا يحتمل غير التّعريض، او قال فى مقام السّبّ ما صريحه الرّمى مع قصد الرّمى مثلاً امرأتك الفاعلة او مثل النّسبة الى الدّياثة مع قصد الرّمى كان رمياً ولو لم يقصد بلفظة الرّمى، او لم يكن صريحة الرّمى مثل ان يقول: ولدت من الحرام فإنه مشترك بين الرّمى والتّوليد من الغذاء الحرام والانعقاد حال الحيض لم يكن رمياً، نعم لو قال امثال ذلك فى حضور المسلم كانت هتكاً لحرمته وكان قائلها مستحقّاً للتّعزير، ولمّا جعل تعالى حكم زنا المحصنين وحكم اللّواط والسّحق القتل اعتبر فى اثباتها اربع رجالٍ من دون اعتبار النّساء عوضهم منفردات او منضمّات ليكون اثباتها صعباً وجعل على من نسب هذه الى احدٍ من دون الاتيان باربعة رجال حدّاً حتّى لا يجترء احد على نسبة هذه الى النّاس ولو رآهم عليها لا يجترء على ابرازها لئلاّ يفتضح المسلمون من غير جرمٍ او ليتوب المجرم ولا يفتضح ولا يزهق روحه بجرمٍ يمكن ان يتوب عنه ويعبد الله بعده، ولئلاّ يفترى العامّة على الخاصّة، ولئلاّ يجترؤا على الاظهار اذا رأوهم على المتعة فانّ الله قد علم انّهم سينكرونها ويأخذون عليها فجعل الشّاهد للزّنا اربعة رجال فقط لئلاّ يجترء من رأى احدهم على التّمتّع بالمتعة على الاظهار فانّه قلّما يتّفق اطّلاع اربعة رجال على الوطى ولو كان حلالاً، روى عن الصّادق (ع) انّه سئل لم جعل فى الزّنا اربعة شهود وفى القتل شاهدان؟- فقال: انّ الله احلّ لكم المتعة وعلم انّها ستنكر عليكم فجعل الاربعة الشّهود احتياطاً لكم لولا ذلك لاتى عليكم، وقلّما تجتمع اربعة شهادة بامر واحدٍ، وفى رواية قال (ع): الزّنا فيه حدّان ولا يجوزان يشهد كلّ اثنين على واحد لانّ الرّجل والمرأة جميعاً عليهما الحدّ، والقتل، انّما يقام الحدّ على القاتل ويدفع عن المقتول {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} عطف فيه معنى التّعليل، نسب الى الباقر (ع) انّه نزل بالمدينة والّذين يرمون المحصنات قال فبرّأ الله المفترى ما كان مقيماً على الفرية من ان يسمّى بالايمان قال الله عزّ وجل {أية : أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ} تفسير : [السجدة:18] وجعله الله منافقاً فقال الله: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}تفسير : [التوبة:67] وجعله الله من اولياء ابليس قال: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} تفسير : [الكهف:50]، وجعله ملعوناً فقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} تفسير : [النور:23].
الهواري
تفسير : قوله: {وَالذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ} أي: الذين يقذفون المحصنات بالزنا. والمحصنات الحرائر المسلمات، وكذلك الرجل الحر المسلم إذا قذف؛ وإن لم يأت ذكره في الكتاب، فالذكر والأنثى في هذا سواء. {ثُمَّ لَمْ يَأتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} يجيئون جميعاً يشهدون عليها بالزنا. {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} أي: يجلدون بالسوط ضرباً بين الضربين لا توضع عنه ثيابه، ولا يرفع الجلاد يده حتى يُرى بياض إبطه. ويجلد في ثيابه التي قذف فيها؛ [إلا أن يكون] الثوب فَرْوا أو قباء محشواً أو جبة محشوّة. وليس على قاذف المملوك، ولا المكاتب، ولا أمّ الولد، ولا المدبّر، ولا الذّميّ، ولا الذّميّة حدٌّ. وكذلك المملوك إذا قذف الحرَّ لا حدَّ عليه، كما لا حدّ على من قذفه. فإن قذف اليهودي أو النصراني المسلم جلد ثمانين. ولا يجلد الوالد إذا قذف ولده، ويجلد الولد إذا قذف والده. ولا يجلد المملوكون إذا قذف بعضهم بعضاً. وإذا أقيم على الرجل والمرأة الحدّ على الزنا، ثم افترى عليه أحد بعد ذلك فلا حدّ عليه. وإذا جلد القاذف ثم عاد لقذفه الذي كان قذفه فلا حدَّ عليه إلا حد القذف الأول. ذكر عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لو افترى أبو بكرة على المغيرة بن شعبة مائة مرّة لم يكن عليه إلا الحدّ الأول. قوله: {وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} أي: العاصون وليس بفسق الشرك، ولكن فسق النفاق. وهي كبيرة من الكبائر الموبقات. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : قذف المحصنات من الكبائر .
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ} بالزنى {المُحْصَنَاتِ} اللاتي احصن انفسهن بالعفاف عن الزنى. وان قلت ما الدليل على ان المراد بالزنى؟ قلت: الدليل عليه لفظ المحصنات عقب الزواني واشتراط اربعة شهود بان القذف بغير زنى يكفي فيه شاهدان وذكر قذف النساء لاهم وابشع واكثر ولانه سبب النزول وقذف الرجل داخل في حكم الآية بالمعنى والاجماع واما قذف الرجل بانه انثى في دبره فابشع من قذف المرأة فلم يذكر لقلته ولنزول الاية بسبب الذين يقذفون نساء لسن بازواجهم وحكم قذفه مقيس على قذفهن والقذف بالزنى ان يقول الحر البالغ العاقل المحصن أو محصنة يا زاني أو يا زانية أو يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية أو يا بنت الزاني أو يا بنت الزانية أو يا ولد الزاني لست لابيك لرشده ويحد قائل ولجماعة يا بني الزواني لكل منهم على المختار. وقيل: حدا واحدا. ولا يحد قائل لرجل يا زانية وان قال لامرأة يا زاني فالمختار ان يحد وان قال لها زنى بك فلان فعليه حدان ويحد الوالد ان قذف والده وان قذف الوالد ولده حد. وقيل: لا؛ واختاره بعضهم. ولا يحد قاذف غائب حتى يحضر هو أو خليفته ولا قاذف ميت حتى يطلبه وارثه ولا حد زنا في الكناية مثل يا فاسق أو يا فاجر أو يا خبيث أو يا مؤاجر أو يا من لا يرد يد لامس أو امرأتي لا ترد يد لامس إلا ان اقر بارادة الزنا واما التعريض مثل ان يقول اما انا فما زنيت أو ليست امرأتي زانية فليس بقذف على الصحيح وهو قول الشافعي وابي حنيفة. وقال مالك: يجب الحد. وقال احمد: يجب ان قال ذلك في حال الغضب والقذف بغير الزنى كالزنى لكن قاذف الزنى لا يبريه الا اربعة وقاذف غيره يبريه اثنان. وتحد امرأة شهد عليها ثلاثة وزوجها فيما زعم بعض واختير ان يلاعنها ولا تحد وفي حد الثلاثة قولان. ويحد قاذف اعجم او اصم ان لم بات بمخرج وشروط احصان القذف (الحرية) والبلوغ والعقل والاسلام والعفة. ولا يحد من قذف محددا وقل يعزر. واختاروا ان لا حد عليه ولو تاب المحدود عما حد فيه واصلح ولو فعله مرة واحدة في عمره الا ان قذف بغير ما حد فيه. ولا حد على قاذف المملوك والمدبر أو الذمي. ولا حد على مملوك قذف حرا أو مملوكا. وان قذف اليهودي والنصاراني المسلم حد ثمانين عند بعض. وقيل: لا وان قذف احدا مرارا لشيء واحد فحد واحد وان حد القاذف في قذف المحدود في قذفه فلا حد عليه الا الاول. وقيل: ان كان عبد جلد اربعين وان كان المقذوف غير محصن فعلى القاذف التعزير. وفي قاذف طفل أو مجنون قولان من قال لحر يا مولى أو يا ابن الأسردين أو يا كلب أو يا خنزير أو يا منافق أو يا فاجر او يا عدو الله أو لعنة الله أو اخزاه فليعزره الامام على ما يرى من جهل القائل. وقيل: خمسة اسواط. وقيل: ذلك من له الامر واكثر التعزير أقل من أقل الحدود ومن مات من عزره الامام فديته من بيت المال وهل يعتق منه أو من ماله قولان وقيل لا دية ولا عتق إذا لم يجاوز ما جاز له. وعن بعض ومن القذف بغير الزنى أن يقول يا آكل الربى يا شارب الخمر يا يهودي يا مجوسي يا فاسق يا خبيث يا ماص بطن امه وذكر بعض ان من قال ذلك عزر ولا يبلغ به ادنى حد العبيد وهو اربعين بل ينقص منه. وقال أبو يوسف تجوز ان يبلغ به تسعة وسبعون وقال للامام ان يعزر إلى المائة {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} يرون الذكر في الفرج كالميل في المكحلة ولا يكون الزوج واحد من الاربعة عند الشافعي ويكون عند ابي حنيفة وسواء شهدوا مفترقين أو مجتمعين. وقال أبو حنيفة: ان شهدوا مفترقين فهم قذفة (وشهدا؟) مضاف إليه ممنوع الصرف لألف التأنيث وقرئ بتنوين (اربعة) فيكون شهداء نعته ويكفي اقرار الانسان على نفسه بالزنى ولا يحد الرجوع. وقيل: يحده عالم شرع في حده. وقيل: لا يكفي حتى يقر اربع مرات وان شهد عليه اثنان أو ثلاثة بالاقرار فلا يحد. وقيل: يحد. وان قال اثنان أو ثلاثة انه زنى يرى منهم وحدوا دونه ولا يحد ولا يبرأ. وزعم بعض انه يبرأ منه ولا يحد ولا يقبل في الحدود الا أهل الولاية {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} قال تاج العلماء الشيخ هود يجلدون بالسوط ضربا بين الضربين ولا يرفع الجلاد يده حتى يرى بياض ابطه ويجلد في ثوبه الذي قذف فيها. ولا ينزع من ثيابه الا الحشو والفرو. وروي عن بعض ان اشد الضرب ضرب التعزير ثم ضرب الزاني ثم ضرب شرب الخمر ثم ضرب القاذف لان سبب عقوبته محتمل للصدق والكذب الا انه عوقب صيانة للاعراض وردعا عن هتكها. وعن بعض ان المقذوف ان كان معروفا بما قذف به فلا حد ولا تعزير وان لم يعرف به عزر وان اضطرب احد الشهود الاربعة جلد الثلاثة. وذكر بعضهم ان ضرب القذف اخف من ضرب الزنى لضعف سببه واحتماله ولذلك نقص عدده. وعن بعضهم ان المراد بالمحصنات ازواج الرامين وان الامة منسوخة بآية اللعان الآتية والصحيح غير ذلك فلا نسخ {وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ} متعلق بتقبلوا أو بمحذوف حال من قوله {شَهَادَةً} في الزاني ولا في غيره وكذا القذف بغير الزنى * {أَبَداً} ومعنى الابديه الدوام على عدم التوبة فاذا تاب قبلت توبته جلدا ولم يجلد وذلك كما تقول: (لا شهادة الكافر على المسلم ابدا) تريد ما دام كافرا. وقيل: تقبل اذا تاب وذلك قولنا قول علي بن ابي طالب ومجاهد وابن جبير وابن عباس. وقال النخعي والشعبي وابن المسيب لا تقبل شهادة القاذف ولو تاب وقال عمر للذين شهدوا على المغيره بن شعبه حين جلدهم من رجع منكم عن شهادته اجزنا شهادته ثم تلا {أية : إلا الذين تابوا}. تفسير : قيل: بمعنى ان رجوعهم عن الشهادة هو توبتهم. وقيل: يقوم على رؤوس الناس فيكذب نفسه. وعن عكرمة عن ابن عباس لم تقبل لابي بكرة شهادة ان لم يرجع عن شهادته. وقال أبو حنيفة ما شهد به قبل الشروع في حده أو قبل تمام حده بقبل واما بعد التمام فلا تقبل شهادته ولو كان القذف من الابرار الاتقياء وذلك انه جعل جزاء الشرط الذي هو الرمي الجلد ورد الشهادة عقب الجلد على التابيد فكان مردود الشهادة مدة حياته وجعل قوله * {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفْاسِقُونَ} اي الفاعلون لكبير نفاق عظيمة كلاما مستأنفا اخبارا لحال الرامين عند الله وجعل قوله * {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا} عن القذف * {مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَاصْلَحُوا} عملهم بان استحلوا المقذوف استثناء من الفاسقين اي فان التائبين غير فاسقين ويدل له قوله * {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فان المتبادر ان الغفران والرحمة انما هما من الفسق الصادر منهم لا قبول لشهادتهم. والذي يطابق مذهبنا وهو ايضا مذهب الشافعي ان قوله: (لا تقبلوا لهم شهادة ابدا) وقوله: (وأولئك هم الفاسقون) داخلان في حيز جزاء الشرط وان الابدية مظروفة إلى مدة كونه قاذفا وهي تنتهي بالتوبة. قيل: الظاهر ان الاستثناء رجع للجمل الثلاث اي اجمعوا لهم الجلد والرد للشهادة والتفسيق الا ان تابوا فلا جلد ولا رد ولا تفسيق وهو صريح في انه ان تاب قبل الجلد لم يجلد وهذا قول ضعيف فإنه لا يجوز للامام أو المقذوف أن يعفو عن القاذف إلا قبل إقامة الشهادة واثبات الحد إلا أن اراد صاحب هذا القول ان من تمام التوبة الاستسلام للحد والاستحلال للمقذوف فلا يلزم اسقاط الحد حينئذ. وقيل: ان تاب قبل اثبات الحد سقط عنه وينبغي للمقذوف ان لا يراجع القاذف ولا يطالبه بالحد ويحسن من الامام ان يحمل المقذوف على كظم الغيظ ويقول له اعرض عن هذا ودعه لوجه الله فاذا ثبت لم يكن لواحد منهما العفو لانه خالص حق الله ولهذا لم يصح ان يصالح عنه بمال وكذا انواع الحد والادب والتعزير والنكال. واجاز بعض المالكية المصالحة بمال يعطى لبيت المال ولذلك ايضا لا يورث مع قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الحد لا يورث"تفسير : وبه قال ابو حنيفة ويورث عند الشافعي. وان قلت: شهادة الكافر تقبل إذا تاب بعد القذف باتفاق وشهادة القاذف الموحد لا تقبل عند ابي حنيفة ابدا؟ قلت: المسلمون لا يعبأون بسب الكفار لانهم شهروا بعداوتهم والطعن فيهم. وجعل الشافعي الاستثناء راجعا للجملة الثانية ومحل المستثنى عنده جرّ إبدالا من هاء لهم ويجوز كونه نصبا على الاستثناء. واما على مذهب ابي حنيفة فالمحل النصب لا غير لانه من موجب وهو الفاسقون. ومن ارجع الاستثناء الا جلودهم بالمحل النصب لا غير. وقيل: استثناء منقطع متصل بما بعده. ورد مذهب أبي حنيفة بان الامر بالحد والنهي عن القبول سيان في وقوعهما جوابا للشرط لا ترتيب بينهما فيترتبان عليه دفعه ولا سيما ان حاله قبل الحد اتمام لسواء مما بعده. واعلم ان لفظ التوبة شامل للاستسلام للحد وجملة {فان الله غفور رحيم} مستأنفة أو تعليل للاستثناء. وعن بعضهم: ان الآية نزلت في حسان حين تاب مما قال في عائشة رضي الله عنها. تنبيه؛ قال الشيخ احمد - رحمه الله - الاستثناء بعد جمل عطف بعضها على بعض بالواو قال بعض يرجع إلى الاخيرة لقوله تعالى (الا الذين تابوا). وحكى بعضهم عدم رجوعه إلى الجميع اتفاقا. وحكى المصنف يعني الشيخ يوسف بن ابراهيم رحمه الله عن الشعبي اجازته واسقط الحد. قال بعضهم: يرجع إلى الجميع لانه صالح له وتخصيصه بالبعض تحكم وايضا لو استثنى عقب كل جملة لعد عيبا واستهجانا من الكلام وهو الصحيح الا ان منعته قرينة ولذا قال الجمهور يجوز شهادة القاذف إذا تاب. ذكر سعيد بن مسيب ان عمر رضي الله عنه قال: للذين شهدوا على المغيرة حين جلدهم من رجع منكم اجزنا شهادته ثم تلا الآية. وحكاه عكرمة عن ابن عباس وهو قول ابي عبيدة والعامة من فقهائنا. وقيل: بالوقف لان التخصيص والتعميم باطلان لان كل واحد تحكم. وقال: الشريف مشترك بينهن فيوقف إلى ظهور القرينة. وقال ابو الحسن البصري: ان تبين الاضراب عن الاول فللاخيرة وظهور الاضراب ان يختلفا نوعا نحو (اكرم بني تميم) والنحاة هم العراقيون (الا زيدا) أو اسما نحو (اكرم بني تميم وربيعة الا زيدا) وشرطه ان لا يكون في الاسم الثاني ضمير الاول نحو (اكرم بني تميم وعلماءهم) أو يختلفا حكما نحو (اكرم بني تميم واستأجرهم) وشرطه ان لا يشتركا في عرض نحو (اكرم بني تميم واخلع عليهم) فان الجملتين مشتركتان في التعظيم وعليه (فاجلدوهم ثمانين جلدة) إلخ. لان الغرض الاهانة والانتقام. وقيل: ان ظهر الانقطاع من الاخيرة عما قبلها فمختص بها وان ظهر الاتصال فللجميع والا فالوقف ولا خلاف في رجوعه إلى الاخيرة ولا إلى الجميع مع القرينة والشرط والغاية والصفة مثل الاستثناء. وزعم بعضهم ان الاستثناء راجع في الآية إلى الجلد اتفاقا نعم يرجع إلى الفسق اتفاقا عند بعض لكن الجمهور قالوا انه راجع إلى رد الشهادة وتوبته ان يكذب نفسه. وقال مالك ان يصلح ويحسن حاله وان لم يرجع عن قوله بتكذيب. واختلف المالكية من تسقط شهادته. وقال ابن الماجشون: بنفس القذف. وقال ابن القاسم بتمام الجلد. وقيل: انما ترد شهادة القاذف في النوع الذي قذف به وولد الزنى لا تقبل شهادته في الزنى باتفاق فيما قال الثعلبي والحق انه كغيره.
اطفيش
تفسير : {والذين} منصوب على الاشتغال باجلدوا محذوفا، والفاء صلة، والاشتغال من باب التوكيد اللفظى، كأنه قيل: واجلدوا الذين {يرمون المحصنات} أى غير أزواجهم لقوله تعالى: "أية : والذين يرمون أزواجهم"تفسير : [النور: 6] الخ اجلدوهم ثمانين جلدة، والرمى مجاز استعارى عن الشتم تشبيها بالضرب بالحجر أو السهم، والمراد الرمى بالزنى كما يدل له ذكر المحصنات، وذكر الزنى قبل، وقوله: {ثم لم يأتُوا بأربعةِ شُهداء} فإنه يدل أنه لو أتو بأربعة شهداء لنجوا، وعوقبت بحد، والأربعة شرط فى الزنى لا غيره، والمراد بالمحصنات النساء المحصنات، ويلحق الرجال المحصنون بهن قياساً جلياً وبالحديث: "حديث : ولا يقدر الفروج المحصنات"تفسير : لأنه لا يتبادر رمى الفروج، ولو قدرنا النفوس المحصنات لشملت الآية الرجال. والإحصان العفة عن الزنى مع البلوغ والحرية، قيل والاسلام، وخص الذكور فى جانب الرامى، إذ قال: {الذين يرمون} والاناث فى جانب المرمى، إذ قال: {المحصنات} اعتبار للواقعة، لأن الآية نزلت فى امرأة عويمر، أو فى قصة الإفك، والرامى فيهما ذكر والمرمى انثى، والعفة تثبت بإقرار القاذف، أو شاهدين، أو شاهد وشاهدتين، وقيل: يحد قاذف الذمى، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قذف ذمياً حد يوم القيامة بسياط من نار ". تفسير : {فاجلدوهم ثمانين جلدةً} إن كانوا أحراراً، وإن كان القاذف عبداً أو أمة أربعين، والسوط ذو الرأسين تعد الضربة به ضربتين فى المائة، وفى الثمانين، وفى الأربعين، وغير ذلك، ولا يحد قاذف امرأة لها ولد لا يعرف له أب، ولا قاذف الأخرس ولا المجنون القاذف، ولا السكران، إلا إن سكر بمحرم، ولا المكره على القذف قيل: ولا القاذف، فى دار الحرب والحربى الداخل دار الإسلام، فقذف فيها أحدا، ولا حد فى التعريض بالقذف خلافاً لعمر وعلى، كقولك لرجل: ما أنا بزان، أو ما أمى زانية، تشير الى أنه زان أو امه زانية، وإن شهد أربعة فساق بصدق القاذف فى قذفه فلا حد عليه ولا عليهم، ولا على المقذوف، وإن حد القاذف فعاد الى كلامه الأول حد، وقيل: لا كما قيل: حد أبو بكرة قذفه المغيرة، وعاد الى ذلك القذف فى المجامع يقول فيها: المغيرة زان، فأراد عمر حده فمنعه على فامتنع. {ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً} مدة حياتهم مطلقاً، وقيل تقبل إن شهدوا قبل الشروع فى الجلد، أو قبل تمامه، وقيل تقبل قبل الشروع، وقيل ما لم يقم أكثره {وأولئك هم الفاسقون} الكاملون فى الفسق، حتى كأنه لا فاسق سواهم، وذلك لصيغة الحصر، وأشير بصيغته لبعدهم عن الحق، وفسقهم عند الله وعند الخلق، اما عند الله فلأنهم أتوا بما لا يعذرون فيه بدون أن يهيئوا من يصدقهم، ولو صدقوا فى الواقع، ولا سيما إن كذبوا، وأما عند الخلق فلعدم بيان لهم، ويحتمل أن المراد أن الحكم الشرعى إن تحكموا عليهم بالفسق لعدم الشهادة.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } شروع في بيان حكم من نسب الزنا إلى غيره بعد بيان حكم من فعله. والموصول على ما اختاره العلامة الثاني في «التلويح» منصوب بفعل محذوف يدل فعل الأمر بعد عليه أي اجلدوا الذين، ويجوز أن يكون في محل رفع على الابتداء ولا يخفى عليك خبره. والآية نزلت في امرأة عويمر كما في «صحيح البخاري»، وعن سعيد بن جبير أنها نزلت بسبب قصة الإفك. والرمي مجاز عن الشتم: شعر : وجرح اللسان كجرج اليد تفسير : والمراد الرمي بالزنا كما يدل عليه إيراد ذلك عقيب الزواني مع جعل المفعول {ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } الدال على النزاهة عن الزنا وهذا كالصريح في ذلك، وربما يدعى أن اشتراط أربعة من الشهود يشهدون بتحقق ما رمي به كما يدل عليه قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } قرينة على المراد بناء على العلم بأنه لا شيء يتوقف ثبوته بالشهادة على شهادة أربعة إلا الزنا. والظاهر أن المراد النساء المحصنات وعليه يكون ثبوت وجوب جلد رامي المحصن بدلالة النص للقطع بإلغاء الفارق وهو صفة / الأنوثة واستقلال دفع عار ما نسب إليه بالتأثير بحيث لا يتوقف فهمه على ثبوت أهلية الاجتهاد، وكذا ثبوت وجوب جلد رامية المحصن أو المحصنة بتلك الدلالة وإلا فالذين يرمون للجمع المذكر، وتخصيص الذكور في جانب الرامي والإناث في جانب المرمي لخصوص الواقعة، وقيل المراد الفروج المحصنات وفيه أن إسناد الرمي يأباه مع ما فيه من التوصيف بالمحصنات من مخالفة الظاهر. وقال ابن حزم وحكاه الزهراوي: المراد الأنفس المحصنات؛ واستدل له أبو حيان بقوله تعالى: { أية : وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 24] فإنه لولا أن المحصنات صالح للعموم لم يقيد. وتعقب بأن (من النساء) هناك قرينة على العموم ولا قرينة هنا، وجعل كون حكم الرجال كذلك قرينة لا يخلو عن شيء فالأولى الاعتماد على ما تقدم. والإحصان هنا لا يتحقق إلا بتحقق العفة عن الزنا وهو معناه المشهور وبالحرية والبلوغ والعقل والإسلام. قال أبو بكر الرازي: ولا نعلم خلافاً بين الفقهاء في ذلك. ولعل غيره علم كما ستعلم إن شاء الله تعالى. وثبوته بإقرار القاذف أو شهادة رجلين أو رجل وامرأتين خلافاً لزفر. ووجه اعتبار العفة عن الزنا ظاهر لكن في «شرح الطحاوي» في الكلام على العفة عدم الاقتصار على كونها عن الزنا حيث قال فيها: بأن لم يكن وطىء امرأة بالزنا ولا بشبهة ولا بنكاح فاسد في عمره فإن كان فعل ذلك مرة يريد النكاح الفاسد تسقط عدالته ولا حد على قاذفه، وكذا لو وطىء في غير الملك كما إذا وطىء جارية مشتركة بينه وبين غيره سقطت عدالته، ولو وطىء في الملك إلا أنه محرم فإنه ينظر إن كانت الحرمة مؤقتة لا تسقط عدالته كما إذا وطىء امرأته في الحيض أو أمته المجوسية وإن كانت مؤبدة سقطت عدالته كما إذا وطىء أمته وهي أخته من الرضاعة. ولو مس امرأة أو نظر إلى فرجها بشهوة ثم تزوج بنتها فدخل بها أو أمها لا يسقط إحصانه عند أبـي حنيفة عليه الرحمة وعندهما يسقط، ولو وطىء امرأة بالنكاح ثم تزوج بها سقط إحصانه انتهى. والمذكور في غير كتاب أن أبا حنيفة يشترط في سقوط الحد عن قاذف الواطىء في الحرمة المؤبدة كون تلك الحرمة ثابتة بحديث مشهور كحرمة وطء المنكوحة بلا شهود الثابتة بقوله عليه الصلاة والسلام: ( حديث : لا نكاح إلا بشهود ) تفسير : وهو حديث مشهور أو ثابتة بالإجماع كموطوأة أبيه بالنكاح أو بملك اليمين لو تزوجها الابن أو اشتراها فوطئها، ومثل ذلك عنده وطء مزنيته فإنه لا يعتبر الخلاف عند ثبوت الحرمة بالنص وهنا قد ثبتت به لقوله تعالى: { أية : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 22] وإنما يعتبره إذا ثبتت بقياس أو احتياط كثبوتها بالنظر إلى الفرج والمس بشهوة فإن ثبوتها فيما ذكر لإقامة السبب مقام المسبب احتياطاً، ومن هذا يعلم حال فروع كثيرة فليحفظ. وما ذكر من سقوط إحصان من وطىء أمته وهي أخته من الرضاع فيه خلاف الكرخي فإنه قال، لا يسقط الإحصان بوطئها وهو قول الشافعي ومالك وأحمد لقيام الملك فكان كوطء أمته المجوسية، وفيه أن الحرمة في وطء المجوسية يمكن ارتفاعها فتكون مؤقتة وحرمة الرضاع لا يمكن ارتفاعها فلم يكن المحل قابلاً للحل أصلاً، واشترط في الملك أن لا يظهر فساده بالاستحقاق فلو اشترى جارية فوطئها ثم استحقت فقذفه إنسان لا يحد، وفي «كافي الحاكم والقهستاني والفتح» أن الوطء في الشراء الفاسد يسقط / الحد عن القاذف وحمله بعضهم على ما ذكرنا. وقال بعض الأجلة: كما يشترط العفة عن الزنا يشترط السلامة عن تهمته ويحترز به عن قذف ذات ولد ليس له أب معروف فإنهم ذكروا أنه لا يحد قاذفها لمكان التهمة، وقد ذكر ذلك الحصكفي في باب اللعان من «شرح تنوير الأبصار»، ولا تقاس اللواطة على الزنا فلو قذف بها لا يحد القاذف خلافاً لأبـي يوسف ومحمد وقد اختلفا في أحكام كثيرة ذكرها زين الدين في «بحره». وأما اعتبار الحرية فلأنها يطلق عليها اسم الإحصان قال الله تعالى: { أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [النساء: 25] فإن المراد بالمحصنات فيه الحرائر فالرقيق ليس محصناً بهذا المعنى وكونه محصناً بمعنى آخر كالإسلام وغيره فيكون محصناً من وجه دون وجه وذلك شبهة في إحصانه فوجب درء الحد عن قاذفه فلا يحد حتى يكون محصناً بجميع المفهومات التي يطلق عليها لفظ الإحصان إلا ما أجمع على عدم اعتباره في تحقق الإحصان وهو كون المقذوفة زوجة أو كون المقذوف زوجاً فإنه جاء بمعناه في قوله تعالى: { أية : وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 24] أي المتزوجات ولا يعتبر في إحصان القذف بل في إحصان الرجم، ثم لا شك في أن الإحصان أطلق بمعنى الحرية كما سمعت وبمعنى الإسلام في قوله عز وجل: { أية : فَإِذَا أُحْصِنَّ } تفسير : [النساء: 25] قال ابن مسعود: أسلمن وهذا يكفي في إثبات اعتبار الإسلام في الإحصان، وعن داود عدم اشتراط الحرية وأنه يحد قاذف العبد. وأما اعتبار العقل والبلوغ ففيه إجماع إلا ما روي عن أحمد عليه الرحمة من أن الصبـي الذي يجامع مثله محصن فيحد قاذفه، والأصح عنه موافقة الجماعة، وقول مالك في الصبية التي يجامع مثلها يحد قاذفها خصوصاً إذا كانت مراهقة فإن الحد لعلة إلحاق العار ومثلها يلحقها العار، وكذا قوله وقول الليث: إنه يحد قاذف المجنون لذلك، والجماعة يمنعون كون الصبـي والمجنون يلحقهما العار بنسبتهما إلى الزنا بل ربما يضحك من نسبهما إليه إما لعدم صحة قصده منهما وإما لعدم مخاطبتهما بالمحرمات وما أشبه ذلك، ولو فرضنا لحوق عار بالمراهق فليس ذلك على الكمال فيندرىء الحد، ومثل الصبـي والمجنون في أنه ربما يضحك من نسبة الزنا إليهما الرتقاء والمجبوب بل هما أولى بذلك لعدم تصوره فيهما ولذا لا يحد بقذفهما، وإلا ما روي عن سعيد وابن أبـي ليلى من أنه يحد بقذف الذمية إذا كان لها ولد مسلم، وكذا ما قيل: إنه يحد بقذفها إذا كانت تحت مسلم. ثم إن الإسلام والحرية إذا لم يكونا موجودين وقت الزنا المقذوف به بل كانا موجودين وقت القذف لا يفيدان شيئاً فلو قذف امرأة مسلمة زنت في نصرانيتها أو رجلاً مسلماً زنى في نصرانيته وقال: زنيت وأنت كافرة أو زنيت وأنت كافر أو قذف معتقاً زنى وهو عبد أو معتقة زنت وهي أمة وقال: زنيت أو زنيت وأنت عبد أو أنت أمة لا يحد، وكذا المكاتب والمكاتبة والكافر الحربي إذا زنى في دار الحرب ثم أسلم، ويفهم من كلامهم أن البلوغ والعقل كالاسلام والحرية في ذلك، فقد صرحوا فيما اذا قال: زنيت وأنت صغيرة أو زنيت وأنت مجنون بأنه لا يحد، وكأن المدار في درء الحد الصدق في كل ذلك، ومن هنا قال في «المبسوط»: إن الموطوأة إذا كانت مكرهة يسقط إحصانها ولا يحد قاذفها كما يسقط إحصان المكره الواطىء ولا يحد قاذفه لأن الإكراه يسقط الإثم ولا يخرج الفعل به من أن يكون زنى، لكن ذكر فيه أن من قذف زانياً لا حد عليه سواء قذفه بذلك الزنا بعينه أو بزنى آخر من جنسه أو أبهم في حالة القذف، ووجه أن الله تعالى أوجب الحد على من رمى المتصف بالإحصان وبالزنا لا يبقى إحصان فلا يثبت الحد خلافاً لإبراهيم وابن أبـي ليلى، نعم إذا كان القذف بزنا تاب عنه المقذوف يعزر القاذف، وهذا يقتضي أنه لا يحتاج سقوط الحد في المسائل السابقة إلى التقييد / فليتأمل. ولو تزوج مجوسي بأمه أو بنته ثم أسلم ففسخ النكاح فقذفه مسلم في حال إسلامه يحد عند أبـي حنيفة عليه الرحمة بناءً على ما يراه من أن أنكحة المجوس لها حكم الصحة. وقال الإمامان: لا يحد بناءً على أن ليس لها حكم الصحة وهو قول الأئمة الثلاثة، ولا يعلم خلاف بين من يعتبر الحرية في الإحصان في أنه لا حد على من قذف مكاتباً مات وترك وفاء لتمكن الشبهة في شرط الحد وهو الإحصان لاختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في أنه مات حراً أو عبداً وذلك يوجب درء الحد ولأنه يدرأ بالشبهة، لا يحد من قذف أخرس فإن هناك احتمال أن يصدقه لو نطق ولا يعول على إشارته هنا وإن قالوا: إنها تقوم مقام عبارته في بعض الأحكام لقيام الاحتمال فيها. واشترطوا أيضاً أن يوجد الإحصان وقت الحد حتى لو ارتد المقذوف سقط الحد ولو أسلم بعد، وكذا لو زنى أو وطىء وطأً حراماً أو صار معتوهاً أو أخرس وبقي ذلك لم يحد كما في «كافي الحاكم»، واشترطوا أيضاً أن لا يموت قبل أن يحد القاذف لأن الحد لا يورث، وأن لا يكون المقذوف ولد القاذف أو ولد ولده فلا يحد من قذف أحدهما إلى غير ذلك مما ستعلم بعضه إن شاء الله تعالى. ولم يصرح أكثر الفقهاء بشروط القاذف، ويفهم من كلامهم أنه يشترط فيه أن يكون ـ بالغاً ـ فلا يحد الصبـي إذا قذف ويعزر ـ عاقلاً ـ فلا يحد المجنون ولا السكران إلا إذا سكر بمحرم ـ ناطقاً ـ فلا يحد الأخرس لعدم التصريح بالزنا، وصرح بهذا ابن الشلبـي عن «النهاية» ـ طائعاً ـ فلا يحد المكره ـ قاذفاً في دار العدل ـ فلا يحد القاذف في دار الحرب أو البغي، وفي الآية إشارة إلى بعض ذلك، ويحتمل أن يعد من الشروط كونه عالماً بالحرمة حقيقة أو حكماً بأن يكون ناشئاً في دار الإسلام، لكن في «كافي الحاكم» حربـي دخل دار الإسلام بأمان فقذف مسلماً يحد في قوله الأخير وهو قول صاحبيه، وظاهره أنه يحد ولو كان قذفه في فور دخوله، ولعل وجهه أن الزنا حرام في كل ملة فيحرم القذف به أيضاً فلا يصدق بالجهل. ويشترط أن يكون القذف بصريح الزنا بأي لسان كان كما صرح به جمع من الفقهاء وألحقوا به بعض ألفاظ ثبت الحد بها بالأثر والإجماع فيحد بقوله: زنيت أو زاني بياء ساكنة وكذا يا زانىء بهمزة مضمومة عند أبـي حنيفة وأبـي يوسف خلافاً لمحمد فلا يحد بذلك عنده لأنه حقيقة عنده في الصعود. وتعقب بأن ذلك إنما يفهم منه إذا ذكر مقروناً بمحل الصعود، على أنه ينبغي أن يكون المذهب أنه لو قيل مع ذكر محل الصعود في حالة الغضب والسباب يكون قذفاً، فقد جزم في «المبسوط» بالحد فيما إذا قال: زنأت في الجبل أو على الجبل في حالة الغضب ولو قال لامرأة: يا زاني حد اتفاقاً، وعلله في «الجوهرة» بأن الأصل في الكلام التذكير، ولو قال للرجل: يا زانية لا يحد عند الإمام وأبـي يوسف لأنه أحال كلامه فوصف الرجل بصفة المرأة، وقال محمد: يحد لأن الهاء تدخل للمبالغة كما في علاَّمة. وأجيب بأن كونها للمبالغة مجاز بل هي لما عهد لها من التأنيث ولو كانت في ذلك حقيقة فالحد لا يجب للشك، ويحد بقوله: أنت أزنى من فلان أو مني على ما في «الظهيرية» وهو الظاهر، لكن في «الفتح» عن «المبسوط» أنه لا حد في أنت أزنى من فلان أو أزنى الناس، وعلله في «الجوهرة» بأن معناه أنت أقدر على الزنا، وفي «الفتح» بأن أفعل في مثله يستعمل للترجيح في العلم فكأنه قال: أنت أعلم بالزنا، ولا يخفى أن قصد ذلك في حالة السباب بعيد، وفي «الخانية» في أنت أزنى الناس أو أزنى من فلان الحد، وفي أنت أزنى مني لا حدَّ، ولا يخفى أن التفرقة غير ظاهرة، وقد يقال: إن قوله: أنت أزنى من فلان فيه نسبة فلان إلى الزنا وتشريك المخاطب معه في ذلك بخلاف أنت أزنى مني لأن فيه نسبة نفسه / إلى الزنا وذلك غير قذف فلا يكون قذفاً للمخاطب لأنه تشريك له فيما ليس بقذف، ويحد بلست لأبيك لما فيه من نسبة الزنا إلى الأم ولما جاء في الأثر عن ابن مسعود لا حدَّ إلا في قذف محصنة أو نفي رجل من أبيه، وقيد بكونه في حالة الغضب إذ هو في حالة الرضا يراد به المعاتبة بنفي مشابهته له، وذكر أن مقتضى القياس أن لا حد به مطلقاً لجواز أن ينفي النسب من أبيه من غير أن تكون الأم زانية من كل وجه بأن تكون موطوأة بشبهة ولدت في عدة الواطىء لكن ترك ذلك للأثر. ولا حد بالتعريض كأن يقول ما أنا بزان أو ليست أمي زانية وبه قال الشافعي وسفيان الثوري وابن شبرمة والحسن بن صالح وهو الرواية المشهورة عن أحمد، وقال مالك وهو رواية عن أحمد: يحد بالتعريض لما روى الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: كان عمر رضي الله تعالى عنه يضرب الحد بالتعريض، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه جلد رجلاً بالتعريض، ولأنه إذا عرف المراد بدليله من القرينة صار كالصريح، وللجماعة أن الشارع لم يعتبر مثله فإنه حرم صريح خطبة المتوفى عنها زوجها في العدة وأباح التعريض فقال سبحانه: { أية : لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا } تفسير : [البقرة: 235] وقال تعالى: { أية : وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ } تفسير : [البقرة: 235] فإذا ثبت من الشرع عدم اتحاد حكمهما في غير الحد لم يجز أن يعتبر مثله على وجه يوجب الحد المحتاط في درئه، وهو أولى من الاستدلال بأنه صلى الله عليه وسلم لم يلزم الحد للذي قال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاماً أسود يعرض بنفسه لأن إلزام حد القذف متوقف على الدعوى والمرأة لم تدع ذلك. ولا حد بوطئكِ فلان وطأ حراماً أو جامعكِ حراماً أو فجرتَ بفلانة أو يا حرام زاده أو اذهب فقل لفلان: إنك زان فذهب الرسول فقال له ذلك عنه بأن قال: فلان يقول إنك زان لا إذا قال له: إنك زان فإنه يحد الرسول حينئذٍ، واستيفاء ما فيه حد وما لا حد فيه في «كتب الفقه». وقولنا في كذا حد على إرادة إذا تحقق الشرط المفهوم من قوله سبحانه: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ } الخ، واشترط الإتيان بأربعة شهداء تشديداً على القاذف، ويشترط كونهم رجالاً لما صرحوا به من أنه لا مدخل لشهادة النساء في الحدود، وظاهر إتيان التاء في العدد مشعر باشتراط كونهم كذلك، ولا يشترط فيهم العدالة ليلزم من عدم الإتيان بأربعة شهداء عدول الجلد لما صرح به في «الملتقط» من أنه لو أتى بأربعة فساق فشهدوا أن الأمر كما قال درىء الحد عن القاذف والمقذوف والشهود، ووجه ذلك أن في الفاسق نوع قصور وإن كان من أهل الأداء والتحمل ولذا لو قضى بشهادته نفذ عندنا فيثبت بشهادتهم شبهة الزنا فيسقط الحد عنهم وعن القاذف وكذا عن المقذوف لاشتراط العدالة في الثبوت، ولو كانوا عمياناً أو عبيداً أو محدودين في قذف فإنهم يحدون للقذف دون المشهود عليه لعدم أهلية الشهادة فيهم كما قيل. والظاهر أن القاذف يحد أيضاً لأن الشهود إذا حدوا مع أنهم إنما تكلموا على وجه الشهادة دون القذف فحد القاذف أولى، والظاهر أن المراد ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يشهدون على من رمى بأنه زنى، والمتبادر أن يكون ذلك عن معاينة لكن قال في «الفتح»: لو شهد رجلان أو رجل وامرأتان على إقرار المقذوف بالزنا يدرأ عن القاذف الحد وكذا عن الثلاثة أي الرجل والمرأتين لأن الثابت بالبينة كالثابت فكأنا سمعناه إقراره بالزنا انتهى. وأنت تعلم أن البينة على الإقرار لا تعتبر بالنسبة إلى حد المقذوف لأنه إن كان منكراً فقد رجع بالإنكار عن الإقرار وهو موجب لدرء الحد فتغلو البينة، وإن أقر بشرطه لا تسمع فإنها إنما تسمع مع الإقرار في سبع / مواضع ليس هذا الموضع منها. ويشترط اجتماع شهود الزنا في مجلس الحاكم بأن يأتوا إليه مجتمعين أو فرادى ويجتمعوا فيه ويقوم منهم إلى الحاكم واحد بعد واحد فإن لم يأتوا كذلك بأن أتوا متفرقين أو اجتمعوا خارج مجلس الحاكم ودخلوا واحداً بعد واحد لم تعتبر شهادتهم وحدوا حد القذف. والظاهر أنه يجوز أن يكون أحد الشهود زوج المقذوفة لاندراجه في {أَرْبَعَةِ شُهَدَاء } وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وروي ذلك عن الحسن والشعبـي وقال مالك والشافعي: يلاعن الزوج وتحد الثلاثة، وروي مثله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وظاهر الآية أنه إذا لم يأت القاذف بتمام العدة بأن أتى باثنين أو ثلاثة منها جلد وحده ولا يجلد الشاهد إلا أن المأثور جلده، فقد روي أنه شهد على المغيرة بالزنا شبل بن معبد البجلي وأبو بكرة وأخوه نافع وتوقف زياد فحد الثلاثة عمر رضي الله تعالى عنه بمحضر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولم ينكروا عليه وهم هم. وفي كلمة {ثُمَّ } إشعار بجواز تأخير الإتيان بالشهود كما أن في كلمة {لَمْ } إشارة إلى تحقق العجز عن الإتيان بهم وتقرره. وفي غير كتاب من «كتب الفروع» لأصحابنا أن القاذف إذا عجز عن الشهود للحال واستأجل لإحضارهم زاعماً أنهم في المصر يؤجل مقدار قيام الحاكم من مجلسه فإن عجز حد ولا يكفل ليذهب لطلبهم بل يحبس ويقال: ابعث إليهم من يحضرهم عند الإمام وأبـي يوسف في أحد قوليه لأن سبب وجوب الحد ظهر عند الحاكم فلا يكون له أن يؤخر الحد لتضرر المقذوف بتأخير دفع العار عنه والتأخير مقدار قيامه من المجلس قليل لا يتضرر به، وفي قول أبـي يوسف الآخر وهو قول محمد يكفل أي بالنفس إلى ثلاثة أيام. وكان أبو بكر الرازي يقول: مراد أبـي حنيفة أن الحاكم لا يجبره على إعطاء الكفيل فإما إذا سمحت نفسه به فلا بأس لأن تسليم نفسه مستحق عليه والكفيل بالنفس إنما يطالب بهذا القدر، وذكر ابن رستم عن محمد أنه إذا لم يكن له من يأتي بالشهود يبعث معه الحاكم واحداً ليرده عليه. والأمر في قوله سبحانه: {فَٱجْلِدُوهُمْ } لولاة الأمر ونوابهم. والظاهر وجوب الجلد وإن لم يطالب المقذوف وبه قال ابن أبـي ليلى، وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي: لا يحد إلا بمطالبته. وقال مالك كذلك إلا أن يكون الإمام سمعه يقذفه فيحده إن كان مع الإمام شهود عدول وإن لم يطالب المقذوف كذا قال أبو حيان. وللمقذوف المطالبة وإن كان آمراً للقاذف بقذفه لأن بالأمر لا يسقط الحد كما نقل الحصكفي ذلك عن «شرح التكملة» ثم لا يخفى أن القول بأن القاذف لا يحد إلا بمطالبة المقذوف ظاهر في أن الحد حق العبد ويشهد لذلك أحكام كثيرة ذكرها أصحابنا. منها أنه لا تبطل الشهادة على ما يوجبه بالتقادم. ومنها أنه لا يدفعه الرجوع عن الإقرار بموجبه. ومنها أنه يقام على المستأمن وإنما يؤاخذ المستأمن بما هو من حقوق العباد. ومنها أنه يقدم استيفاء على استيفاء حد الزنا وحد السرقة وشرب الخمر. ومنها أنه يقيمه القاضي بعلمه إذا علمه في أيام قضائه ولذا لو قذف بحضرته يحده. وعندنا أحكام تشهد بأنه حق الله عز وجل. منها أن استيفاءه إلى الإمام وهو إنما يتعين نائباً في استيفاء حق الله تعالى وأما حق العبد فاستيفاؤه إليه. ومنها أنه لا يحلف القاذف إذا أنكر سببه وهو القذف ولم تقم عليه بينة. ومنها أنه لا ينقلب مالا عند السقوط. ومنها أنه يتنصف بالرق كسائر العقوبات الواجبة / حقاً له عز وجل، وذكر ابن الهمام أنه لا خلاف في أن فيه حق الله تعالى وحق العبد إلا أن الشافعي مال إلى تغليب حق العبد باعتبار حاجته وغنى الحق سبحانه وتعالى ونحن صرنا إلى تغليب حق الله تعالى لأن ما للعبد من الحقوق يتولى استيفاءه مولاه فيصير حق العبد موجباً لتغليب حق الله تعالى لا مهدراً ولا كذلك عكسه أي لو غلب حق العبد لزم أن لا يستوفى حق الله عز وجل إلا بأن يجعل ولاية استيفائه إليه وذلك لا يجوز إلا بدليل ينصبه الشرع على إنابة العبد في الاستيفاء ولم يثبت ذلك بل الثابت هو استنابة الإمام حتى كان هو الذي يستوفيه كسائر الحدود التي هي حقه سبحانه وتعالى. ويتفرع على الخلاف أن من ثبت أنه قذف فمات قبل إقامة الحد على القاذف لا يورث عنه إقامة الحدّ عندنا إذ الإرث يجري في حقوق العباد بشرط كونها مالاً أو ما يتصل بالمال أو ما ينقلب إليه وتورث عنده، وأن الحد لا يسقط عندنا بعد ثبوته إلا أن يقول المقذوف: لم يقذفني أو كذب شهودي وحينئذٍ يظهر أن القذف لم يقع موجباً للحد لا أنه وقع ثم سقط بقوله ذلك وهذا كما إذا صدقه المقذوف، وقال زين الدين: إن المقذوف إذا عفا لم يكن للإمام استيفاء الحد لعدم الطلب فإذا عاد وطلب يقيمه ويلغو العفو، وعند الشافعي يصح العفو وعن أبـي يوسف مثله، وكان المراد أنه إذا عفا سقط الحد ولا ينفع العود إلى المطالبة وأنه لا يجوز الاعتياض عنه عندنا وبه قال مالك، وعنده يجوز وهو قول أحمد وأنه يجري فيه التداخل عندنا لا عنده وبقولنا قال مالك والثوري والشعبـي والنخعي والزهري وقتادة وطاوس وحماد وأحمد في رواية حتى إذا حد إلا سوطاً فقذف آخر فإنه يتم الأول ولا شيء للثاني. وكذا إذا قذف واحداً مرات أو جماعة بكلمة مثل أنتم زناة أو بكلمات مثل أنت يا زيد زان وأنت يا عمرو زان وأنت يا بشر زان في يوم أو أيام يحد حداً واحداً إذا لم يتخلل حد بين القذفين. ووافقنا الشافعي في الحد الواحد لقاذف جماعة بكلمة مرة واحدة، وفي «الظهيرية» من قذف إنساناً فحد ثم قذفه ثانياً لم يحد، والأصل فيه ما روي أن أبا بكرة لما شهد على المغيرة فحد لما سمعت كان يقول بعد ذلك في المحافل: أشهد أن المغيرة لزان فأراد عمر رضي الله تعالى عنه أن يحده ثانياً فمنعه علي كرم الله تعالى وجهه فرجع إلى قوله وصارت المسألة إجماعاً اهـ، والظاهر أن هذا فيما إذا قذفه ثانياً بالزنا الأول أو أطلق لحمل اطلاقه على الأول لأن المحدود بالقذف يكرر كلامه لاظهار صدقه فيما حد به كما فعل أبو بكرة فإنه لم يرد أن المغيرة لزان أنه زان غير الزنا الأول، أما إذا قذفه بعد الحد بزنا آخر فإنه يحد به كما في «الفتح». وذكر صدر الإسلام أبو اليسر في «مبسوطه» الصحيح أن الغالب في هذا الحد حق العبد كما قال الشافعي لأن أكثر الأحكام تدل عليه والمعقول يشهد له وهو أن العبد ينتفع به على الخصوص، وقد نص محمد في الأصل على أن حد القذف كالقصاص حق العبد، وتفويضه إلى الإمام لأن كل أحد لا يهتدي إلى إقامته ولأنه ربما يريد المقذوف موته لحنقه فيقع متلفاً، وإنما لا يورث لأنه مجرد حق ليس مالاً ولا بمنزلته فهو كخيار الشرط وحق الشفعة بخلاف القصاص فإنه ينقلب إلى المال، وأيضاً هو في معنى ملك العين لأن من له القصاص يملك إتلاف العين وملك الإتلاف ملك العين عند الناس فصار من عليه القصاص كالملك لمن له القصاص فيملكه / الوارث في حق استيفاء القصاص، وإنما لا يصح عفوه لأنه متعنت فيه لأنه رضا بالعار والرضا بالعار عار ولا يخفى ما في ذلك من الأبحاث. والشافعي يستدل بالآية لعدم التداخل فإن مقتضاها ترتب الحكم على الوصف المشعر بالعلية فيتكرر بتكرره. ويجاب بأن الإجماع لما كان على دفع الحدود بالشبهات كان مقيداً لما اقتضته الآية من التكرر عند التكرر بالتكرر الواقع من بعد الحد الأول بل هذا ضروري لظهور أن المخاطبين بالإقامة في قوله تعالى: {فَٱجْلِدُوهُمْ } هم الحكام ولا يتعلق بهم هذا الخطاب إلا بعد الثبوت عندهم فكان حاصل الآية إيجاب الحد إذا ثبت عندهم السبب وهو الرمي وهو أعم من كونه بوصف الكثرة أو القلة فإذا ثبت وقوعه منه كثيراً كان موجباً للجلد ثمانين ليس غير فإذا جلد ذلك وقع الامتثال، ثم هو عليه الرحمة ترك مقتضى التكرر بالتكرر فيما إذا قذف واحداً مرة ثم قذفه ثانياً بذلك الزنا فإنه لا يحد مرتين عنده أيضاً، وكذا في حد الزنا والشرب فإنه إذا زنى ألف مرة أو شرب كذلك لا يحد إلا مرة، فالحق أن استدلاله بالآية لا يخلص فإنه ملجىء إلى ترك مثلها من آية أخرى وهي آية حد الزنا فيعود إلى أن هذا حق آدمي بخلاف الزنا فكان المبني هو إثبات أنه حق الله عز وجل أو حق العبد، والنظر الدقيق يقتضي أن الغالب فيه حق الله سبحانه وتعالى فتدبر. ثم الظاهر أن الرمي المراد في الآية لا يتوقف على حضور المرمى وخطابه فقذف المحصن حاضراً أو غائباً له الحكم المذكور كما في «التاتارخانية» نقلاً عن «المضمرات» واعتمده في «الدرر»، ويدل على أن الغيبة كالحضور حده صلى الله عليه وسلم أهل الإفك مع أنه لم يشافه أحد منهم به من نزهها الله تعالى عنه، فما في «حاوي الزاهدي» سمع من أناس كثيرة أن فلاناً يزني بفلانة فتكلم بما سمعه منهم مع آخر في غيبة فلان لا يجب حد القذف لأنه غيبة لا رمي وقذف بالزنا لأن الرمي والقذف به إنما يكون بالخطاب كقوله: يا زاني يا زانية ضعيف لا يعول عليه. والظاهر أيضاً أنه لا فرق بين رمي الحي ورمي الميت فإذا قال: أبوك زان أو أمك زانية كان قاذفاً ويحد عند تحقق الشرط لا لو قال: جدك زان فإنه لا حد عليه لما في «الظهيرية» من أنه لا يدري أي جد هود وفي «الفتح» لأن في أجداده من هو كافر فلا يكون قاذفاً ما لم يعين محصناً. ويطالب بحد القذف للميت من يقع القدح في نسبه بالقذف وهو الوالد وإن علا والولد وإن سفل، ولا يطالبان عن غائب خلافاً لابن أبـي ليلى لعدم اليأس عن مطالبته ولأنه يجوز أن يصدق القاذف، وولد البنت كولد الابن في هذا الفصل خلافاً لما روي عن محمد، وتثبت المطالبة للمحروم عن الميراث بقتل أو رق أو كفر، نعم ليس للعبد أن يطالب مولاه بقذف أمه الحرة التي قذفها في حال موتها، وعند زفر إذا كان الولد عبداً أو كافراً لا حق له فيها مطلقاً، وتثبت للأبعد مع وجود الأقرب فيطالب ولد الولد مع وجود الولد خلافاً لزفر ولو عفا بعضهم كان لغيره المطالبة لأنها لدفع العار عن نفسه، والأم كالأب تطالب بحد قذف ولادها لا أم الأم وأبوها، ولا يطالب الابن أباه وجده وإن علا بقذف أمه وهو قول الشافعي وأحمد ورواية عن مالك، والمشهور عنه أن للابن أن يطالب الأب بقذف الأم فيقيم عليه الحد وهو قول أبـي ثور وابن المنذر لعموم الآية أو إطلاقها ولأنه حد هو حق الله عز وجل ولا يمنع من إقامته قرابة الولاد. وأجيب بأن عموم قوله تعالى: { أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ } تفسير : [الإسراء: 23] مانع من إقامة الولد الحد على أبيه ولا فائدة للمطالبة سوى ذلك والمانع مقدم، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا يقاد الوالد بولده ولا السيد بعبده » تفسير : وأجمعوا على أنه لا يقتص / منه بقتل ولده ولا شك أن إهدار جنايته على نفس الولد توجب إهدارها في عرضه بطريق الأولى مع أن القصاص متيقن سببه والمغلب فيه حق العبد بخلاف حد القذف فيهما. ولا حق لأخي الميت وعمه وعمته وخاله وخالته في المطالبة بحد قذفه. وعند الشافعي ومالك عليهما الرحمة تثبت المطالبة لكل وارث وهو رواية غريبة عن محمد، وللشافعية فيمن يرثه ثلاثة أوجه، الأول: جميع الورثة. والثاني: غير الوارث بالزوجية. والثالث: ذكور العصبات لا غير. والظاهر أن مطالبة من له المطالبة بالحد غير واجبة عليه بل في «التاتارخانية» وحسن أن لا يرفع القاذف إلى القاضي ولا يطالب بالحد وحسن من الإمام أن يقول للمطالب أعرض عنه ودعه اهـ. وكأنه لا فرق في هذا بين أن يعلم الطالب صدق القاذف وأن يعلم كذبه. وما نقل في «القنية» من أن المقذوف إذا كان غير عفيف في السر له مطالبة القاذف ديانة فيه نظر لا يخفى. وظاهر الآية أنه لا فرق بين أن يكون الرامي حراً وأن يكون عبداً فيجلد كل منهما إذا قذف وتحقق الشرط ثمانين جلدة، وبذلك قال عبد الله بن مسعود والأوزاعي وجمهور الأئمة على أن العبد ينصف له الحد لما علمت أول السورة. وإذا أريد إقامة الحد على القاذف لا يجرد من ثيابه إلا في قول مالك لأن سببه وهو النسبة إلى الزنا كذباً غير مقطوع به لجواز كونه صادقاً غير أنه عاجز عن البيان. نعم ينزع عنه الفرو والثوب المحشو لأنهما يمنعان من وصول الألم إليه كذا في «عامة الكتب»، ومقتضاه أنه لو كان عليه ثوب ذو بطانة غير محشو لا ينزع. والظاهر كما في «الفتح» أنه لو كان هذا الثوب فوق قميص نزع لأنه يصير مع القميص كالمحشو أو قريباً من ذلك ويمنع إيصال الألم وكيف لا والضرب هنا أخف من ضرب الزنا. هذا وقرأ أبو زرعة وعبد الله بن مسلم {بِأَرْبَعَةِ } بالتنوين فشهداء بدل أو صفة. وقيل حال أو تمييز وليس بذاك، وهي قراءة فصيحة ورجحها ابن جني على قراءة الجمهور بناءً على إطلاق قولهم: إنه إذا اجتمع اسم العدد والصفة كان الاتباع أجود من الإضافة. وتعقب بأن ذاك إذا لم تجر الصفة مجرى الأسماء في مباشرتها العوامل وأما إذا جرت ذلك المجرى فحكمها حكمها في العدد وغيره غاية ما في الباب أنه يجوز فيها الإبدال بعد العدد نظراً إلى أنها غير متمحضة الاسمية و {شُهَدَاء } من ذلك القبيل ـ فأربعة شهداء ـ بالإضافة أفصح من {أَرْبَعَةِ شُهَدَاء } بالتنوين والاتباع. وقال ابن عطية: وسيبويه يرى أن تنوين العدد وترك إضافته إنما يجوز في الشعر انتهى، وكأنه أراد الطعن في هذه القراءة على هذا القول، وفيه أن سيبويه إنما يرى ذلك في العدد الذي بعده اسم نحو ثلاثة رجال دون الذي بعده صفة فإنه على التفصيل الذي ذكر كما قال أبو حيان. وقوله سبحانه: {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } أي مدة حياتهم كما هو الظاهر، عطف على {اجلدوا} داخل في حكمه تتمة له كأنه قيل: فاجلدوهم وردوا شهادتهم أي فأجمعوا لهم الجلد والرد، ورد شهادتهم عند الإمام أبـي حنيفة عليه الرحمة معلق باستيفاء الجلد فلو شهدوا قبل الجلد أو قبل تمام استيفائه قبلت شهادتهم، وقيل: ترد إذا ضربوا سوطاً، وقيل: ترد إذا أقيم عليهم الأكثر، ومن الغريب ما روى ابن الهمام عن مالك أنه مع قوله: إن للابن أن يطالب بحد والده إذا قذف أمه قال: إنه إذا حد الأب سقطت عدالة الابن / لمباشرته سبب عقوبة أبيه أي وكذا عدالة الأب وهذا ظاهر. وقوله تعالى: {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } كلام مستأنف مبين لسوء حالهم في حكم الله عز وجل، وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الشر والفساد أي أولئك هم المحكوم عليهم بالفسق والخروج عن الطاعة والتجاوز عن الحدود الكاملون فيه كأنهم هم المستحقون لإطلاق اسم الفاسق عليهم لا غيرهم من الفسقة، ويعلم مما أشرنا إليه أنهم فسقة عند الشرع الحاكم بالظاهر لا أنهم كذلك في نفس الأمر وعند الله عز وجل العالم بالسرائر لاحتمال صدقهم مع عجزهم عن الإتيان بالشهداء كما لا يخفى، وصرح بهذا بعض المفسرين. وجوز أن يكون المراد الإخبار عن فسقهم عند الله تعالى وفي علمه، ووجهه إذا كانوا كاذبين ظاهر، وأما وجهه إذا كانوا صادقين فهو أنهم هتكوا ستر المؤمنين وأوقعوا السامع في الشك من غير مصلحة دينية بذلك والعرض مما أمر الله تعالى بصونه إذا لم يتعلق بهتكه مصلحة فكانوا فسقة غير ممتثلين أمره عز وجل، ولا يخفى حسن حمل الآية على هذا المعنى وهو أوفق لما ذكره الحصكفي في «شرح الملتقى» نقلاً عن النجم الغزي من أن الرمي بالزنا من الكبائر وإن كان الرامي صادقاً ولا شهود له عليه ولو من الوالد لولده وإن لم يحد به بل يعزر ولو غير محصن؛ وشرط الفقهاء الإحصان إنما هو لوجوب الحد لا لكونه كبيرة، وقد روى الطبراني عن واثلة عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : من قذف ذمياً حد له يوم القيامة بسياط من نار » تفسير : وهذه مسألة مختلف فيها، ففي «شرح جمع الجوامع» للعلامة المحلي قال الحليمي: قذف الصغيرة والمملوكة والحرة المتهتكة من الصغائر لأن الإيذاء في قذفهن دونه في الحرة الكبيرة المستترة، وقال ابن عبد السلام: قذف المحصن في خلوة بحيث لا يسمعه إلا الله تعالى والحفظة ليس بكبيرة موجبة للحد لانتفاء المفسدة أما قذف الرجل زوجته إذا أتت بولد يعلم أنه ليس منه فمباح، وكذا جرح الراوي والشاهد بالزنا إذا علم بل هو واجب انتهى، وظاهر ما نقل عن ابن عبد السلام نفي إيجاب الحد لا نفي كونه كبيرة أيضاً لشيوع توجه النفي إلى القيد في مثله، وإن قلنا: إنه هنا لنفي القيد والمقيد فهو ظاهر كما قال الزركشي فيما إذا كان صادقاً لا فيما إذا كان كاذباً لجرأته على الله تعالى جل شأنه فهو كبيرة وإن كان في الخلوة، ولعل ما ذكره من وجوب جرح الشاهد بالزنا إذا علم مقيد بما إذا قدر على الإتيان بالشهود، والأولى عندي فيما إذا كان الضرر في قبول شهادته عليه يسيراً عدم الجرح بذلك وإن قدر على إثباته، وما ذكره في جرح الراوي لا يتم فيما أرى على رأي من يعتبر الجرح المجرد عن بيان السبب، ولا يبعد القول بأن الرمي منه ما هو كفر كرمي عائشة رضي الله تعالى عنها سواء كان جهراً أو سراً وسواء كان بخصوص الذي برأه الله تعالى منه أو بغيره وكذا رمي سائر أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وكذا القول في مريم عليها السلام، ومنه ما هو كبيرة دون الكفر ومثاله ظاهر، ومنه ما هو صغيرة كرمي المملوكة والصغيرة، ومنه ما هو واجب كرمي شاهد على مسلم معصوم الدم بما يكون سبباً لقتله لو قبلت شهادته وعلم كونها زوراً وتعين ذلك لرد شهادته وصيانة ذلك المسلم من القتل ولو كان رميه مع إقامة البينة عليه بالزنا موجباً لرجمه، ومنه ما هو سنة كرمي ترتبت عليه مصلحة دون مصلحة الرمي الواجب.
ابن عاشور
تفسير : كان فاشياً في الجاهلية رمي بعضهم بعضاً بالزنى إذا رأوا بين النساء والرجال تعارفاً أو محادثة. وكان فاشياً فيهم الطعن في الأنساب بهتاناً إذا رأوا قلة شبه بين الأب والابن، فكان مما يقترن بحكم حد الزنى أن يذيل بحكم الذين يرمون المحصنات بالزنى إذا كانوا غير أزواجهن وهو حد القذف. وقد تقدم وجه الاقتران بالفاء في قوله: { أية : الزانية والزاني فاجلدوا } تفسير : [النور: 2] الآية. والرمي حقيقته: قذف شيء من اليد. وشاع استعماله في نسبة فعل أو وصف إلى شخص. وتقدم في قوله تعالى: { أية : ثم يرم به بريئاً } تفسير : في سورة النساء (112). وحذف المرمي به في هذه الآية لظهور المقصود بقرينة السياق وذكر المحصنات. والمحصنات: هن المتزوجات من الحرائر. والإحصان: الدخول بزوج بعقد نكاح. والمحصن: اسم مفعول من أحصن الشيء إذا منعه من الإضاعة واستيلاء الغير عليه، فالزوج يحصن امرأته، أي يمنعها من الإهمال واعتداء الرجال. وهذا كتسمية الأبكار مخدّرات ومقصورات، وتقدم في سورة النساء. ولا يطلق وصف {المحصنات} إلا على الحرائر المتزوجات دون الإماء لعدم صيانتهن في عرف الناس قبل الإسلام. وحذف متعلق الشهادة لظهور أنهم شهداء على إثبات ما رمى به القاذف، أي إثبات وقوع الزنى بحقيقته المعتد بها شرعاً، ومن البيِّن أن الشهداء الأربعة هم غير القاذف لأن معنى {يأتوا بأربعة شهداء} لا يتحقق فيما إذا كان القاذف من جملة الشهداء. والجلد تقدم آنفاً. وشرع هذا الجلد عقاباً للرامي بالكذب أو بدون تثبت ولسد ذريعة ذلك. وأسند فعل {يرمون} إلى اسم موصول المذكر وضمائر {تابوا وأصلحوا} وكذلك وصف {الفاسقون} بصيغ التذكير، وعدي فعل الرمي إلى مفعول بصيغة الإناث كل ذلك بناء على الغالب أو على مراعاة قصة كانت سب نزول الآية ولكن هذا الحكم في الجميع يشمل ضد أهل هذه الصيغة في مواقعها كلها بطريق القياس. ولا اعتداد بما يتوهم من فارق إلصاق المعرة بالمرأة إذا رميت بالزنى دون الرجل يرمى بالزنى لأن جعل العار على المرأة تزني دون الرجل يزني إنما هو عادة جاهلية لا التفات إليها في الإسلام فقد سوى الإسلام التحريم والحد والعقاب الآجل والذم العاجل بين المرأة والرجل. وقد يعد اعتداء الرجل بزناه أشد من اعتداء المرأة بزناها لأن الرجل الزاني يضيع نسب نسله فهو جان على نفسه، وأما المرأة فولدها لاحق بها لا محالة فلا جناية على نفسها في شأنه، وهما مستويان في الجناية على الولد بإضاعة نسبه فهذا الفارق الموهوم ملغى في القياس. أما عدم قبول شهادة القاذف في المستقبل فلأنه لما قذف بدون إثبات قد دل على تساهله في الشهادة فكان حقيقاً بأن لا يؤخذ بشهادته. والأبد: الزّمن المستقبل كله. واسم الإشارة للإعلان بفسقهم ليتميزوا في هذه الصفة الذميمة. والحصر في قوله: {وأولئك هم الفاسقون} للمبالغة في شناعة فسقهم حتى كأن ما عداه من الفسوق لا يعد فسقاً. والاستثناء في قوله: {إلا الذين تابوا} حقه أن يعود إلى جميع ما تقدم قبله كما هو شأن الاستثناء عند الجمهور إلا أنه هنا راجع إلى خصوص عدم قبول شهادتهم وإثبات فسقهم وغير راجع إلى إقامة الحد، بقرينة قوله: {من بعد ذلك}، أي بعد أن تحققت الأحكام الثلاثة فالحد قد فات على أنه قد علم من استقراء الشريعة أن الحدود الشرعية لا تسقطها توبة مقترف موجبها وقال أبو حنيفة وجماعة: الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة جرياً على أصله في عود الاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة. والتوبة: الإقلاع والندم وظهور عزمه على أن لا يعود لمثل ذلك. وقد تقدم ذكر التوبة في سورة النساء (17) عند قوله تعالى: { أية : إنما التوبة على الله } تفسير : الآيات. وليس من شرط التوبة أن يكذب نفسه فيما قذف به عند الجمهور، وهو قول مالك، لأنه قد يكون صادقاً ولكنه عجز عن إثبات ذلك بأربعة شهداء على الصفة المعلومة، فتوبته أن يصلح ويحسن حاله ويتثبت في أمره. وقال قوم: لا تعتبر توبته حتى يكذب نفسه. وهذا قول عمر بن الخطاب والشعبي، ولم يقبل عمر شهادة أبي بكرة لأنه أبى أن يكذب نفسه فيما رمى به المغيرة بن شعبة. وقبل من بعد شهادة شبل بن معبد ونافع بن كلدة لأنهما أكذبا أنفسهما في تلك القضية وكان عمر قد حد ثلاثتهم حد القذف. ومعنى {أصلحوا} فعلوا الصلاح، أي صاروا صالحين. فمفعول الفعل محذوف دل عليه السياق، أي أصلحوا أنفسهم باجتناب ما نهوا عنه، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : قالوا إنما نحن مصلحون } تفسير : [البقرة: 11]، وقوله: { أية : إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا } تفسير : في سورة البقرة (160). وفرع {فإن الله غفور رحيم} على ما يقتضيه الاستثناء من معنى: فاقبلوا شهادتهم واغفروا لهم ما سلف فإن الله غفور رحيم، أي فإن الله أمر بالمغفرة لهم لأنه غفور رحيم، كما قال في آية البقرة (160): { أية : إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم }. تفسير : وإنما صرح في آية البقرة بما قدر نظيره هنا لأن المقام هنالك مقام إطناب لشدة الاهتمام بأمرهم إذ ثابوا إلى الإيمان والإصلاح وبيان ما أنزل إليهم من الهدى بعدما كتموه وكتمه سلفهم. وظاهر الآية يقتضي أن حد القذف حق لله تعالى، وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك والشافعي: حق للمقذوف. ويترتب على الخلاف سقوطه بالعفو من المقذوف. وهذه الآية أصل في حد الفرية والقذف الذي كان أول ظهوره في رمي المحصنات بالزنى. فكل رمي بما فيه معرة موجب للحد بالإجماع المستند للقياس.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى في هذه الآية: يرمون معناه: يقذفون المحصنات بالزنا صريحاً أو ما يستلزم الزنا كنفي نسب ولد المحصنة عن أبيه، لأنه إن كان من غير أبيه كان من زنى، وهذا القذف هو الذي أوجب الله تعالى فيه ثلاثة أحكام: الأول: جلد القاذف ثمانين جلدة. والثاني: عدم قبول شهادته. والثالث: الحكم عليه بالفسق. فإن قيل: اين الدليل من القرآن على أن معنى يرمون المحصنات في هذه الآية: هو القذف بصريح الزنى، أو بما يستلزمه كنفي النسب. فالجواب: أنه دلت عليه قرينتان من القرآن: الأولى قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} بعد قوله {يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} ومعلوم أنه ليس شيء من القذف يتوقف إثباته على أربعة شهداء إلا الزنى. ومن قال: إن اللواط حكمه حكم الزنى أجرى أحكام هذه الآية على اللائط. وقد قدمنا أحكام اللائط مستوفاة في سورة هود، كما أشرنا له غير بعيد. القرينة الثانية: هي ذكر المحصنات بعد ذكر الزواني في قوله تعالى {أية : ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} تفسير : [النور: 3] الآية. وقوله تعالى: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ } تفسير : [النور: 2] فذكر المحصنات بعد ذكر الزواني، يدل على إحصانهن أي عفتهن عن الزنى، وأن الذين يرمونهن إنما يرمونهن بالزنى، وقد قدمنا جميع المعاني التي تراد بالمحصنات في القرآن، ومثلنا لها كلها من القرآن في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} تفسير : [النساء: 24] فذكرنا أن من المعاني التي تراد بالمحصنات كونهن عفائف غير زانيات، كقوله {أية : مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} تفسير : [النساء: 25] أي عفائف غير زانيات، ومن هذا المعنى قوله تعالى {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} أي العفائف، وإطلاق المحصنات على العفائف معروف في كلام العرب. ومنه قول جرير: شعر : فلا تأمنن الحي قيسا فإنهم بنو محصنات لو تدنس حجورها تفسير : وإطلاق الرمي على رمي الشخص لآخر بلسانه بالكلام القبيح معروف في كلام العرب. ومنه قول عمرو بن أحمر الباهلي: شعر : رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئاً ومن أجل الطوى رماني تفسير : فقوله رماني بأمر: يعني أنه رماه بالكلام القبيح، وفي شعر امرئ القيس أو غيره: شعر : وجرح اللسان كجرح اليد تفسير : واعلم أن هذه الآية الكريمة مبينة في الجملة من ثلاث جهات: الجهة الأولى: هي القرينتان القرآنيتان الدالتان على أن المراد بالرمي في قوله: {يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} هو الرمي بالزنى، أو ما يستلزمه كنفي النسب، كما أوضحناه قريباً. الجهة الثانية: هي أن عموم هذه الآية ظاهر في شموله لزوج المرأة إذا رماها بالزنى، ولكن الله جل وعلا بيّن أن زوج المرأة إذا قذفها بالزنى خارج من عموم هذه الآية، وأنه إن لم يأت بالشهداء، تلاعنا، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} تفسير : [النور: 6] الآية. ومضمونها: أن الزوج إذا قذف زوجته بالزنى ولم يكن له شاهد غير نفسه، والمعنى أنه لم يقدر على الإتيان ببينة تشهد له على الزنى الذي رماها به، فإنه يشهد أربع شهادات يقول في كل واحدة منها: أشهد بالله إني لصادق فيما رميتها به من الزنى، ثم يقول في الخامسة: عليَّ لعنة الله إن كنت كاذباً عليها فيما رميتها به، ويرتفع عنه الجلد وعدم قبول الشهادة والفسق بهذه الشهادات. وتشهد هي أربع شهادات بالله تقول في كل واحدة منها: أشهد بالله إنه لكاذب فيما رماني به من الزنى، ثم تقول في الخامسة: غضب الله عليَّ إن كان صادقاً فيما رماني به من الزنى، كما هو واضح من نص الآية. الجهة الثالثة: أن الله بيّن هنا حكم عقوبة من رمى المحصنات في الدنيا، ولم يبين ما أعد له في الآخرة، ولكنه بيَّن في هذه السورة الكريمة ما أعدّ له في الدنيا والآخرة من عذاب الله، وذلك في قوله [النور: 23ـ 24ـ25] وقد زاد في هذه الآية الأخيرة كونهن مؤمنات غافلات لإيضاح صفاتهن الكريمة. ووصفه تعالى للمحصنات في هذه الآية بكونهن غافلات ثناء عليهن بأنهن سليمات الصدور نقيات القلوب لا تخطر الريبة في قلوبهن لحسن سرائرهن، ليس فيهن دهاء ولا مكر، لأنهن لم يجربن الأمور فلا يفطن لما تفطن له المجربات ذوات المكر والدهاء، وهذا النوع من سلامة الصدور وصفائها من الريبة من أحسن الثناء، وتطلق العرب على المتصفات به اسم البله مدحاً لها لاذماً، ومنه قول حسان رضي الله عنه: شعر : نفج الحقيبة بوصها متنضد بلهاء غير وشيكة الإقسام تفسير : وقول الآخر: شعر : ولقد لهوت بطلفة ميالة بلهاء تطلعني على أسرارها تفسير : وقول الآخر: شعر : عهدت بها هنداً وهند غريرة عن الفحش بلهاء العشاء نؤم رداح الضحى ميالة بحترية لها منطق يصبي الحليم رخيم تفسير : والظاهر أن قوله تعالى {أية : لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُون} تفسير : [النور: 23ـ24] محله فيما إذا لم يتوبوا ويصلحوا، فإن تابوا وأصحلوا، لم ينلهم شيء من ذلك الوعيد، ويدل له قوله تعالى {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} [النور: 4] إلى قوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} [النور: 5]. وعمومات نصوص الكتاب والسنة دالة على أن من تاب إلى الله من ذنبه توبة نصوحاً تقبلها منه، وكفر عنه ذنبه ولو من الكبائر، وبه تعلم أن قول جماعة من أجلاء المفسرين إن آية {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} التي جعل الله فيها التوبة بقوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} عامة، وأن آية {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} تفسير : [النور: 23] الآية. خاصة بالذين رموا عائشة رضي الله عنها أو غيرها من خصوص أزواجه صلى الله عليه وسلم، وأن من رماهن لا توبة له خلاف التحقيق. والعلم عند الله تعالى. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى: لا يخفى أن الآية إنما نصت على قذف الذكور للإناث خاصة، لأن ذلك هو صريح قوله {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} وقد أجمع جميع المسلمين على أن قذف الذكور للذكور، أو الإناث للإناث، أو الإناث للذكور لا فرق بينه وبين ما نصت عليه الآية، من قذف الذكور للإناث، للجزم بنفي الفارق بين الجميع. وقد قدمنا إيضاح هذا وإبطال قول الظاهرية فيه، مع إيضاح كثير من نظائره في سورة الأنبياء في كلامنا الطويل على آية {أية : وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ} تفسير : [الأنبياء: 78] الآية. المسألة الثانية: اعلم أن المقرر في أصول المالكية، والشافعية والحنابلة أن الاستثناء إذا جاء بعد جمل متعاطفات، أو مفردات متعاطفات، أنه لجميعها إلا لدليل من نقل أو عقل يخصصه ببعضها، خلافاً لأبي حنيفة القائل: برجوع الاستثناء للجملة الأخيرة فقط، وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله: شعر : وكل ما يكون فيه العطف من قبل الاستثنا فكلا يقفو دون دليل العقل أو ذي السمع والحق الافتراق دون الجمع تفسير : ولذا لو قال إنسان: هذه الدار وقف على الفقراء والمساكين، وبني زهرة، وبني تميم إلا الفاسق منهم، فإنه يخرج من الوقف الفاسق من الجميع لرجوع الاستثناء للجميع، خلافاً لأبي حنيفة القائل: برجوعه للأخيرة، فلا يخرج عنده إلا فاسق الأخيرة فقط، ولأجل ذلك لا يرجع عنده الاستثناء في هذه الآية، إلا للجملة الأخيرة التي هي {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} فقد زال عنهم الفسق ولا يقول: ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً إلا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم، بل يقول: إن شهادة القاذف لا تقبل أبداً، ولو تاب وأصلح، وصار أعدل أهل زمانه لرجوع الاستثناء عنده للجملة الأخيرة. وممن قال كقول أبي حنيفة من أهل العلم: القاضي شريح، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومكحول، وعبد الرحمن بن زيد بن جابر، وقال الشعبي والضحاك: لا تقبل شهادته إلا إذا اعترف على نفسه بالكذب. قاله ابن كثير. وقال جمهور أهل العلم، منهم الأئمة الثلاثة: إن الاستثناء في الآية راجع أيضاً لقوله {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} وأن القاذف إذا تاب وأصلح قبلت شهادته. أما قوله {فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} فلا يرجع له الاستثناء، لأن القاذف إذا تاب وأصلح، لا يسقط عنه حد القذف بالتوبة. فتحصل أن الجملة الأخيرة التي هي قوله {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} يرجع لها الاستثناء بلا خلاف، وأن الجلمة الأولى التي هي {فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} لا يرجع له الاستثناء في قول عامة أهل العلم، ولم يخالف إلا من شذ، وأن الجملة الوسطى، وهي قوله {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} يرجع لها الاستثناء في قول جمهور أهل العلم، منهم الأئمة الثلاثة خلافاً لأبي حنيفة، وقد ذكرنا في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آية الكتاب، أن الذي يظهر لنا في مسألة الاستثناء بعد جمل متعاطفات أو مفردات متعاطفات هو ما ذكره بعض المتأخرين، كابن الحاجب من المالكية، والغزالي من الشافعية، والآمدي من الحنابلة من أن الحكم في الاستثناء، الآتي بعد متعاطفات هو الوقف، ولا يحكم برجوعه إلى الجميع، ولا إلى الأخيرة إلا بدليل. وإنما قلنا: إن هذا هو الأظهر لأن الله تعالى يقول: {أية : فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} تفسير : [النساء: 59] الآية. وإذا رددنا النزاع في هذه المسألة إلى الله وجدنا القرآن دالاً على ما ذكرنا أنه الأظهر عندنا، وهو الوقف. وذلك لأن بعض الآيات لم يرجع فيها الاستثناء للأولى وبعضها لم يرجع فيه الاستثناء للأخيرة، فدل ذلك على أن رجوعه لما قبله ليس شيئاً مطرداً. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى {أية : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} تفسير : [النساء: 92]، فالاستثناء في هذه الآية راجع للدية فقط، لأن المطالبة بها تسقط بتصدق مستحقها بها، ولا يرجع لتحرير الرقبة إجماعاً، لأن تصدق مستحقي الدية بها لا يسقط كفارة القتل خطأ. ومن أمثلة ذلك آية النور هذه، لأن الاستثناء في قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} لا يرجع لقوله: {فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} كما ذكرنا آنفاً. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى {أية : فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} تفسير : [النساء: 89-90]، فالاستثناء في قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} لا يرجع إلى الجملة الأخيرة التي هي أقرب الجمل المذكورة إليه أعني قوله تعالى {وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} إذ لا يجوز اتخاذ ولي ولا نصير من الكفار، ولو وصلوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، وهذا لا خلاف فيه بل الاستثناء راجع إلى الجملتين الأوليين أعني قوله تعالى {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ} [النساء: 89]، أي فخذوهم بالأسر، واقتلوهم إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، فليس لكم أخذهم بأسر، ولا قتلهم، لأن الميثاق الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم، وقتلهم كما اشترطه هلال بن عويمر الأسلمي في صلحه مع النبي صلى الله عليه وسلم، لأن هذه الآية نزلت فيه، وفي سراقة بن مالك المدلجي، وفي بني جذيمة بن عامر. وإذا كان الاستثناء ربما لم يرجع إلى أقرب الجمل إليه في القرآن العظيم الذي هو في الطرف الأعلى من الإعجاز، تبين أنه لم يلزم رجوعه للجميع، ولا إلى الأخيرة، وأن الأظهر الوقف حتى يعلم ما يرجع إليه من المتعاطفات قبله بدليل، ولا يبعد أنه إن تجرد من القرائن والأدلة، كان ظاهراً في رجوعه للجميع. وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، ولذلك اختصرناه هنا. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثالثة: اعلم أن من قذف إنساناً بغير الزنى أو نفي النسب كأن يقول له: يا فاسق، أو آكل الربى، ونحو ذلك من أنواع السب يلزمه التعزير، وذلك بما يراه الإمام رادعاً له، ولأمثاله من العقوبة من غير تحديد شيء في ذلك من جهة الشرع. وقال بعض أهل العلم: لا يبلغ بالتعزير قدر الحد. وقال بعض العلماء: إن التعزير بحسب اجتهاد الإمام فيما يراه رادعاً مطلقاً. والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة: اعلم أن جمهور العلماء على أن العبد إذا قذف حراً يجلد أربعين، لأنه حد يتشطر بالرق كحد الزنى. قال القرطبي: وروي عن ابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، وقبيصة بن ذؤيب: يجلد ثمانين، وجلد أبو بكر بن محمد عبداً قذف حراً ثمانين، وبه قال الأوزاعي، واحتج الجمهور بقوله تعالى {أية : فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النساء: 25] وقال الآخرون: فهمنا هناك أن حد الزنى لله، وأنه ربما كان أخف فيمن قلَّت نعم الله عليه. وأفحش فيمن عظمت نعم الله عليه. وأما حد القذف فهو حق للآدمي وجب للجناية على عرض المقذوف، والجناية لا تختلف بالرق والحرية، وربما قالوا لو كان يختلف لذكر كما في الزنى. قال ابن المنذر: والذي عليه علماء الأمصار القول الأول وبه أقول. انتهى كلام القرطبي. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلاً: أن العبد إذا قذف حراً جلد ثمانين لا أربعين، وإن كان هذا مخالفاً لجمهور أهل العلم، وإنما استظهرنا جلده ثمانين، لأن العبد داخل في عموم: {فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} ولا يكمن إخراجه من هذا العموم، إلا بدليل ولم يرد دليل يخرج العبد من هذا العموم لا من كتاب ولا من سنة، ولا من قياس، وإنما ورد النص على تشطير الحد عن الأمة في حد الزنى وألحق العلماء بها العبد بجامع الرق، والزنى غير القذف. أما القذف فلم يرد فيه نص ولا قياس في خصوصه. وأما قياس القذف على الزنى فهو قياس مع وجود الفارق، لأن القذف جناية على عرض إنسان معين، والردع عن الأعراض حق للآدمي فيردع العبد كما يردع الحر، والعلم عند الله تعالى. تنبيه قد قدمنا في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: {أية : مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}تفسير : [المائدة: 32] الآية. أن الحر إذا قذف عبداً لا يحد له، وذلك ثابت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : من قذف عبده بالزنى أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال" تفسير : اهـ. وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح: "حديث : أقيم عليه الحد يوم القيامة" تفسير : يدل على أنه لا يقام عليه الحد في الدنيا وهو كذلك، وهذا لا نزاع فيه بين من يعتد به من أهل العلم. قال القرطبي: قال العلماء: وإنما كان ذلك في الآخرة لارتفاع الملك واستواء الشريف والوضيع والحر والعبد، ولم يكن لأحد فضل إلا بالتقوى، ولما كان ذلك تكافأ الناس في الحدود والحرمة، واقتص لكل واحد من صاحبه إلا أن يعفو المظلوم انتهى محل الغرض من كلام القرطبي. المسألة الخامسة: اعلم أن العلماء أجمعوا على أنه إذا صرح في قذفه له بالزنى كان قذفاً ورمياً موجباً للحد، وأما إن عرض ولم يصرح بالقذف، وكان تعريضه يفهم منه بالقرائن أنه يقصد قذفه، كقوله: أما أنا فلست بزان، ولا أمي بزانية، أو ما أنت بزان ما يعرفك الناس بالزنى، أو يا حلال بن الحلال، أو نحو ذلك. فقد اختلف أهل العلم: هل يلزم حد القذف بالتعريض المفهم للقذف، وإن لم يصرح أو لا يحد حتى يصرح بالقذف تصريحاً واضحاً لا احتمال فيه؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن التعريض لا يوجب الحد، ولو فهم منه إرادة القذف، إلا أن يقر أنه أراد به القذف. قال ابن قدامة في المغني: وهذا القول هو رواية حنبل عن الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي بكر، وبه قال عطاء، وعمرو بن دينار، وقتادة، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، واحتج أهل هذا القول بكتاب وسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: {أية : وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [البقرة: 235]، ففرق تعالى بين التصريح للمعتدة، والتعريض قالوا: ولم يفرق الله بينهما في كتابه، إلا لأن بينهما فرقاً، ولو كانا سواء لم يفرق بينهما في كتابه. وأما السنة: فالحديث المتفق عليه، الذي قدمناه مراراً "حديث : في الرجل الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود وهو تعريض بنفيه، ولم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا قذفاً، ولم يدعهما للعان بل قال للرجل ألك إبل؟ قال نعم: قال: فما ألوانها؟ قال: حمر قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقاً قال: ومن أين جاءَها ذلك؟ قال لعل عرقاً نزعه قال: وهذا الغلام الأسود لعل غرقاً نزعه" تفسير : قالوا: ولأن التعريض محتمل لمعنى آخر غير القذف، وكل كلام يحتمل معنيين لم يكن قذفاً هذا هو حاصل حجة من قالوا: بأن التعريض بالقذف، لا يوجب الحد وإنما يجب الحد بالتصريح بالقذف. وذهبت جماعة آخرون من أهل العلم: إلى أن التعريض بالقذف يجب به الحد، وهو مذهب مالك وأصحابه، وقال ابن قدامة في المغني: وروى الأثرم وغيره، عن الإمام أحمد أن عليه الحد يعني المعرض بالقذف، قال: وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه، وبه قال إسحاق إلى أن قال: وقال معمر: إن عمر كان يجلد الحد في التعريض. اهـ. واحتج أهل هذا القول بأدلة منها ما ذكره القرطبي، قال: والدليل لما قاله مالك: هو أن موضوع الحد في القذف، إنما هو لأزالة المعرة التي أوقعها القاذف بالمقذوف، وإذا حصلت المعرة بالتعريض، وجب أن يكون قذفاً كالتصريح والمعول على الفهم، وقد قال تعالى مخبراً عن قوم شعيب أنهم قالوا له: {أية : إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ} تفسير : [هود: 87] أي السفينه الضال، فعرضوا له بالسب بكلام ظاهره المدح في أحد التأويلات حسب ما تقدم في سورة هود، وقال تعالى في أبي جهل {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان: 49]، وقال تعالى في الذين قذفوا مريم: إنهم قالوا: {أية : يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} تفسير : [مريم: 28] فمدحوا أباها، ونفوا عن أمها البغاء أي الزنى وعرضوا لمريم بذلك ولذلك قال تعالى: {أية : وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 156] وكفرهم معروف والبهتان العظيم هو التعريض لها أي ما كان أبوك امرأ سوء، وما كانت أمك بغياً: أي أنت بخلافهما وقد أتيت بهذا الولد، وقال تعالى: {أية : قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 24] فهذا اللفظ قد فهم منه أن المراد به أن الكفار على غير هدى، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم على الهدى، ففهم من هذا التعريض ما يفهم من صريحه اهـ. محل الغرض من كلام القرطبي مع تصرف قليل لإيضاح المراد. وحاصل كلام القرطبي المذكور: أن من أدلة القائلين بوجوب الحد بالتعريض آيات قرآنية، وبين وجه دلالتها على ذلك كما رأيته، وذكر أن من أدلتهم أن المعرة اللاحقة للمقذوف صريحاً تلحقه بالتعريض له بالقذف، ولذلك يلزم استواؤهما، وذكر أن من أدلتهم أن المعول على الفهم، والتعريض يفهم منه القذف فيلزم أن يكون كالصريح. ومن أدلتهم على أن التعريض يجب به الحد بعض الآثار المروية عن بعض الخلفاء الراشدين. قال ابن قدامة في المغني: لأن عمر رضي الله عنه حين شاورهم في الذي قال لصاحبه: ما أنا بزان، ولا أمي بزانية: فقالوا: قد مدح أباه وأمه:فقال عمر: قد عرض بصاحبه وجلده الحد. وقال معمر: إن عمر كان يجلد الحد في التعريض. وروى الأثرم: أن عثمان رضي الله عنه جلد رجلاً قال لآخر: يا ابن شامة الوذر يعرض له بزنى أمه، والوذر: عذر اللحم يعرض له بكمر الرجال وانظر أسانيد هذه الآثار. ومن أدلة أهل هذا القول أن الكناية مع القرينة الصارفة إلى أحد محتملاتها، كالصريح الذي لا يحتمل إلا ذلك المعنى ولذلك وقع الطلاق بالكناية، فإن لم يكن ذلك في حال الخصومة، ولا وجدت قرينة تصرف إلى القذف، فلا شك في أنه لا يكون قذفاً. انتهى من المغني. ثم قال صاحب المغني: وذكر أبو بكر عبد العزيز: أن أبا عبد الله رجع عن القول بوجوب الحد في التعريض، يعني بأبي عبد الله الإمام أحمد رحمه الله. وقال القرطبي رحمه الله: وقد حبس عمر رضي الله عنه الحطيئة لما قال: شعر : دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي تفسير : لأنه شبهه بالنساء في أنهن يطعمن ويسقين ويكسون ومثل هذا كثير، ومنه قول الحطيئة أو النجاشي: شعر : قبيلة لا يخفرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل تفسير : فإنه يروى أن عمر لما سمع هذا الهجاء حمله على المدح، وقال: ليت آل الخطاب كانوا كذلك ولما قال الشاعر بعد ذلك: شعر : ولا يردون الماء إلا عشية إذا صدر الوراد عن كل منهل تفسير : قال عمر أيضاً: ليت آل الخطاب كانوا كذلك، فظاهر هذا الشعر يشبه المدح، ولذا ذكروا أن عمر تمنى ما فيه من الهجاء لأهل بيته، لأن عنده مدح وصاحبه يريد الذم بلا نزاع، ويدل على ذلك أول شعره وآخره، لأن أول الأبيات قوله: شعر : إذا الله عادى أهل لؤم وذلة فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل شعر : قبيلة لا يخفرون... تفسير : وفي آخر شعره: شعر : وما سمى العجلان إلا لقوله خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل تفسير : وكون مثل هذا من التعريض بالذم لا شك فيه. وقول الحطيئة: شعر : دع المكارم لا ترحل لبغيتها تفسير : يهجو به الزبرقان بن بدر التميمي، كما ذكره بعض المؤرخين، وما ذكره القرطبي رحمه الله في الكلام الذي نقلنا عنه من أن البهتان العظيم الذي قالوه على مريم: هو تعريضهم لها بقوله {أية : مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ} تفسير : [مريم: 28] الآية لا يتعين بانفراده، لأن الله جل وعلا ذكر عنهم أنهم قالوا لها غير ذلك وهو أقرب للتصريح بالفاحشة مما ذكره القرطبي وذلك في قوله تعالى: {أية : فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} تفسير : [مريم: 27] فقولهم لها {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} في وقت مجيئها بالولد تحمله ظاهر جداً في إرادتهم قذفها كما ترى، والكلام الذي ذكر ابن قدامة: أن عثمان جلد الحد فيه وهو قول الرجل لصاحبه: يا بن شامة الوذرة. قال فيه الجوهري في صحاحه: الوذرة بالتسكين الغدرة، وهي القطعة من اللحم إذا كانت مجتمعة، ومنه قولهم: يا بن شامة الوذرة وهي كلمة قذف وكانت العرب تتساب بها كما كانت تتساب بقولهم: يا بن ملقي أرحل الركبان، أو يا بن ذات الرايات ونحوها، والجمع وذر مثل تمرة وتمر. اهـ. من صحاح الجوهري. والشامة بتشديد الميم اسم فاعل شمه. وقال صاحب اللسان: وفي حديث عثمان رضي الله عنه أنه رفع إليه رجل قال لرجل: يا ابن شامة الوذر، فحده وهو من سباب العرب وذمهم، وإنما أراد يا ابن شامة المذاكير يعنون الزنا، كأنها كانت تشم كمراً مختلفة فكنى عنه، والذكر قطعة من بدن صاحبه، وقيل: أرادوا بها القلف جمع قلفة الذكر، لأنها تقطع. انتهى محل الغرض من لسان العرب. وهذا لا يتضح منه قصد الزنا ولم أر من أوضح معنى شامة الوذر إيضاحاً شافياً، لأن شم كمر الرجال ليس من الأمر المعهود الواضح. والذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن قائل الكلام المذكور يشبه من يعرض لها بالزنا بسفاد الحيوانات، لأن الذكر من غالب الحيوانات إذا أراد سفاد الأنثى شم فرجها،واستنشق ريحه استنشاقاً شديداً، ثم بعد ذلك ينزوا عليها فيسافدها فكأنهم يزعمون أن المرأة تشم ذكر الرجل كما يشم الفحل من الحيوانات فرج أثناه، وشمها لمذاكير الرجال كأنه مقدمة للمواقعة، فكنوا عن المواقعة بشم المذاكير، وعبروا عن ذكر الرجل بالوذرة، لأنه قطعة من بدن صاحبه كقطعة اللحم، ويحتمل أنهم أرادوا كثرة ملابستها لذلك الأمر، حتى صارت كأنها تشم ريح ذلك الموضع والعلم عند الله تعالى. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد علمت مما ذكرنا أقوال أهل العلم، وحججهم في التعريض بالقذف، هل يلزم به الحد أو لا يلزم به. وأظهر القولين عندي: أن التعريض إذا كان يفهم منه معنى القذف فهماً واضحاً من القرائن أن صاحبه يحد، لأن الجناية على عرض المسلم تتحقق بكل ما يفهم منه ذلك فهماً واضحاً، لئلا يتذرع بعض الناس لقذف بعضهم بألفاظ التعريض التي يفهم منها القذف بالزنا والظاهر أنه على قول من قال من أهل العلم: إن التعريض بالقذف لا يوجب الحد أنه لا بد من تعزير المعرض بالقذف للأذى الذي صدر منه لصاحبه بالتعريض. والعلم عند الله تعالى. المسألة السادسة: قال القرطبي في تفسيره: الجمهور من العلماء على أنه لا حد على من قذف رجلاً من أهل الكتاب أو امرأة منهم، وقال الزهري، وسعيد بن المسيب، وابن أبي ليلى عليه الحد إذا كان لها ولد من مسلم، وفيه قول ثالث: وهو أنه إذا قذف النصرانية تحت المسلم جلد الحد. قال ابن المنذر: وجل العلماء مجمعون وقائلون بالقول الأول، ولم أدرك أحداً، ولا لقيته يخالف في ذلك، وإذا قذف النصراني المسلم الحر فعليه ما على المسلم ثمانون جلدة. لا أعلم. في ذلك خلافاً، انتهى منه. المسألة السابعة: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي في مسألة ما لو قذف رجل رجلاً فقال آخر: صدقت أن المصدق قاذف فتجب إقامة الحد عليه، لأن تصديقه للقاذف قذف خلافاً لزفر ومن وافقه. وقال ابن قدامة في المغني: ولو قال أخبرني فلان أنك زنيت لم يكن قاذفاً سواء كذبه المخبر عنه أو صدقه، وبه قال الشافعي، وأبو ثور وأصحاب الرأي. وقال أبو الخطاب فيه وجه آخر أنه يكون قاذفاً إذا كذبه الآخر، وبه قال مالك، وعطاء ونحوه عن الزهري، لأنه أخبر بزناه. اهـ. منه. وأظهر القولين عندي: أنه لا يكون قاذفاً ولا يحد، لأنه حكى عن غيره ولم يقل من تلقاء نفسه، ويحتمل أن يكون صادقاً، وأن الذي أخبره أنكر بعد إخباره إياه كما لو شهد على رجل أنه قذف رجلاً وأنكر المشهود عليه، فلا يكون الشاهد قاذفاً. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثامنة: أظهر قولي أهل العلم عندي فيمن قذف رجلاً بالزنى، ولم يقم عليه الحد حتى زنا المقذوف أن الحد يسقط عن قاذفه، لأنه تحقق بزناه أنه غير محصن، ولو كان ذلك لم يظهر إلا بعد لزوم الحد للقاذف، لأنه قد ظهر أنه غير عفيف قبل إقامة الحد على من قذفه، فلا يحد لغير عفيف اعبتاراً بالحالة التي يراد أن يقام فيها الحد، فإنه في ذلك الوقت ثبت عليه أنه غير عفيف. وهذا الذي استظهرنا عزاه ابن قدامة، لأبي حنيفة، ومالك، والشافعي والقول بأنه يحد هو مذهب الإمام أحمد. قال صاحب المغني: وبه قال الثوري، وأبو ثور، والمزني، وداود. واحتجوا بأن الحد قد وجب وتم بشروطه فلا يسقط بزوال شرط الوجوب. والأظهر عندنا هو ما قدمنا، لأنه تحقق أنه غير عفيف قبل إقامة الحد على قاذفه، فلا يحد لمن تحقق أنه غير عفيف. وإنما وجب الحد قبل هذا، لأن عدم عفته كان مستوراً، ثم ظهر قبل إقامة الحد. والعلم عند الله تعالى. المسألة التاسعة: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندنا فيمن قال لرجل: يا من وطئ بين الفخذين، أنه ليس بقذف، ولا يحد قائله، لأنه رماه بفعل لا يعد زنا إجماعاً، خلافاً لابن القاسم من أصحاب مالك القائل: بوجوب الحد زاعماً أنه تعريض به. والعلم عند الله تعالى. المسألة العاشرة: اعلم أن حد القذف لا يقام على القاذف إلا إذا طلب المقذوف إقامة الحد عليه، لأنه حق له، ولم يكن للقاذف بيَّنة على ما ادعى من زنا المقذوف، لأن الله يقول: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} ومفهوم الآية: أن القاذف لو جاء بأربعة شهداء على الوجه المقبول شرعاً أنه لا حد عليه، وإنما يثبت بذلك حد الزنا على المقذوف، لشهادة البينة، ويشترط لذلك أيضاً عدم إقرار المقذوف، فإن أقر بالزنا، فلا حد على القاذف. وإن كان القاذف زوجاً اعتبر في حده حد القذف امتناعه من اللعان. قال ابن قدامة: ولا نعلم خلافاً في هذا كله ثم قال: وتعتبر استدامة الطلب إلى إقامة الحد، فلو طلب ثم عفا عن الحد سقط، وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور. وقال الحسن وأصحاب الرأي: لا يسقط بعفوه لأنه حد فلم يسقط بالعفو كسائر الحدود. ولنا أنه حد لا يستوفي إلا بعد مطالبة الآدمي باستيفائه فسقط بعفوه كالقصاص، وفارق سائر الحدود. فإنه لا يعتبر في إقامتها الطلب باستيفائها، وحد السرقة إنما تعتبر فيه المطالبة بالمسروق لا باستيفاء الحد، ولأنهم قالوا تصح دعواه، ويستحلف فيه، ويحكم الحاكم فيه بعلمه، ولا يقبل رجوعه عنه بعد الاعتراف. فدل على أنه حق الآدمي. اهـ من المغني، وكونه حقاً لآدمي هو أحد أقوال فيه. قال أبو عبد الله القرطبي: واختلف العلماء في حد القذف، هل هو من حقوق الله، أو من حقوق الآدميين أو فيه شائبة منهما؟ الأول: قول أبي حنيفة. والثاني: قول مالك والشافعي. والثالث: قاله بعض المتأخرين. وفائدة الخلاف أنه إن كان حقاً لله تعالى وبلغ الإمام اقامه وإن لم يطلب ذلك المقذوف، ونفعت القاذف التوبة فيما بينه وبين الله تعالى، ويتشطر فيه الحد بالرق كالزنا، وإن كان حقاً للآدمي، فلا يقيمة الإمام إلا بمطالبة المقذوف، ويسقط بعفوه ولم تنفع القاذف التوبة حتى يحلله المقذوف اهـ كلام القرطبي. ومذهب مالك وأصحابه كأنه مبني على القول الثالث، وهو أن الحد يسقط بعفو المقذوف قبل بلوغ الإمام، فإن بلغ الإمام، فلا يسقطه عفوه إلا إذا ادعى أنه يريد بالعفو الستر على نفسه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر أن القذف حق للآدمي وكل حق للآدمي فيه حق الله. وإيضاحه: أن حد القذف حق للآدمي من حيث كونه شُرَّعَ للزجر عن عرضه، ولدفع معَّرة القذف عنه. فإذا تجرأ عليه القاذف انتهك حرمة عرض المسلم، فكان للمسلم عليه حق بانتهاك حرمة عرضه، وانتهك أيضاً حرمة نهى الله عن وقوعه في عرض مسلم، فكان لله حق على القاذف بانتهاكه حرمة نهيه، وعدم امتثاله، فهو عاص لله مستحق لعقوبته، فحق الله يسقط بالتوبة النصوح، وحق المسلم يسقط بإقامة الحد، أو بالتحلل منه. والذي يظهر على هذا التفصيل أن المقذوف إذا عفا وسقط الحد بعفوه أن للإمام تعزير القاذف لحق الله. والله جل وعلا أعلم. المسألة الحادية عشرة: قال القرطبي: إن تمت الشهادة على الزاني بالزنا ولكن الشهود لم يعدلوا، فكان الحسن البصري، والشعبي يريان ألا حد على الشهود، ولا على المشهود عليه، وبه قال أحمد، والنعمان، ومحمد بن الحسن. وقال مالك: وإذا شهد عليه أربعة بالزنا وكان أحدهم مسخوطاً عليه أو عبداً يجلدون جميعاً. وقال سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق في أربعة عميان يشهدون على امرأة بالزنى: يضربون، فإن رجع أحد الشهود، وقد رجم المشهود عليه في الزنى، فقالت طائفة: يغرم ربع الدية، ولا شيء على الآخرين، وكذلك قال قتادة، وحماد، وعكرمة، وأبو هاشم، ومالك، وأحمد، وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: إن قال عمدت ليقتل، فالأولياء بالخيار إن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفواً، وأخذوا ربع الدية وعليه الحد. وقال الحسن البصري: يقتل وعلى الآخرين ثلاثة أرباع الدية. وقال ابن سيرين: إذا قال أخطأت، وأردت غيره فعليه الدية كاملة، وإن قال تعمدت قتل، وبه قال ابن شبرمة اهـ كلام القرطبي. وقد قدمنا بعضه. وأظهر الأقوال عندي: أنهم إن لم يعدلوا حدُّوا كلهم لأن من أتى بمجهول غير معروف العدالة كمن لم يأت بشيء وأنه إن أقر بأنه تعمد الشهادة عليه، لأجل أن يقتل يقتص منه. وإن ادعى شبهة في رجوعه يغرم قسطه من الدية، والقول بأنه يغرم الدية كاملة له وجه من النظر، والعلم عند الله تعالى. المسألة الثانية عشرة: قال القرطبي: قال مالك، والشافعي من قذف من يحسبه عهداً فإذا هو حر فعليه الحد، وقاله الحسن البصري، واختاره ابن المنذر، ومن قذف أم الولد حد. وروي عن ابن عمر. وهو قياس قول الشافعي، وقال الحسن البصري: لا حد عليه. انتهى منه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما حده في قذف أم الولد، فالظاهر أنه لا يكون إلا بعد موت سيدها، وعتقها من رأس مال مستولدها، أما قبل ذلك فلم تتحقق حريتها بالفعل، ولا سيما على قول من يجيز بيعها من العلماء. والقاذف لا يحد بقذف من لم يكن حراً حرية كاملة فيما يظهر، وكذلك لو قيل: إن من قذف من يظنه عبداً، فإذا هو حر لا يجب عليه الحد لأنه لم ينو قذف حر، وإنما نوى قذف عبد لكان له وجه من النظر؛ لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، ولأن المعرة تزول عن المقذوف بقول القاذف: ما قصدت قذفك ولا أقول: إنك زان، وإنما قصدت بذلك من كنت أعتقده عبداً فأنت عفيف في نظري، ولا أقول فيك إلا خيراً والعلم عند الله تعالى. المسألة الثالثة عشرة: اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن قذف جماعة بكلمة واحدة أو بكلمات متعددة، أو قذف واحداً مرات متعددة. وقد قدمنا خلاف أهل العلم، فيمن قذف جماعة بكلمة واحدة في الكلام على آيات الحج. قال ابن قدامة في المغني في شرحه لقول الخرقي: وإذا قذف الجماعة بكلمة واحدة، فحد واحد إذا طالبوا أو واحد منهم، ما نصه: وبهذا قال طاوس والشعبي: والزهري، والنخعي، وقتادة، وحماد، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة وصاحباه، وابن أبي ليلى وإسحاق. وقال الحسن وأبو ثور، وابن المنذر: لكل واحد حد كامل، وعن أحمد مثل ذلك، وللشافعي قولان كالروايتين، ووجه هذا أنه قذف كل واحد منهم، فلزمه له حد كامل كما لو قذفهم بكلمات، ولنا قول الله تعالى {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}: [النور: 4] ولم يفرق بين قذف واحد أو جماعة، ولأن الذين شهدوا على المغيرة قذفوا امرأة، فلم يحدهم عمر إلا حداً واحداً، ولأنه قذف واحد فلم يجب إلا حد واحد كما لو قذف واحداً، ولأن الحد إنما وجب بإدخال المعرة على المقذوف بقذفه وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف، وتزول المعرة، فوجب أن يكتفي به بخلاف ما إذا قذف كل واحد قذفاً منفرداً، فإن كذبه في قذف لا يلزم منه كذبه في آخر، ولا تزول المعرة عن أحد المقذوفين بحده للآخر فإذا ثبت هذا، فإنهم إن طلبوه جملة حد لهم، وإن طلبه واحد أقيم الحد، لأن الحق ثابت لهم على سبيل البدل، فأيهم طالب به استوفى، وسقط فلم يكن لغيره الطلب به كحق المرأة على أوليائها في تزويجها، إذا قام به واحد سقط عن الباقين، وإن أسقطه أحدهم فلغيره المطالبة به، واستيفاؤه لأن المعرة لم تزل عنه بعفو صاحبه، وليس للعافي الطلب به، لأنه قد أسقط حقه. وروي عن أحمد رحمه الله رواية أخرى، أنهم إن طلبوه دفعة واحدة فحدّ واحد، وكذلك إن طلبوه واحداً بعد واحد إلا أنه لم يقم حتى طلبه الكل فحد واحد، وإن طلبه واحد فأقيم له، ثم طلبه آخر أقيم له، وكذلك جميعهم وهذا قول عروة، لأنهم إذا اجتمعوا على طلبه، وقع استيفاؤه لجميعهم. وإذا طلبه واحد منفرداً كان استيفاؤه له وحده، فلم يسقط حق الباقين بغير استيفائهم، سقاطهم، وإن قدف الجماعة بكلمات فلكل واحد حد وبهذا قال عطاء والشعبي، وقتادة، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة والشافعي. وقال حماد ومالك: لا يجب إلا حد واحد، لأنها جناية توجب حداً، فإذا تكررت كفى حد واحد، كما لو سرق من جماعة أو زنى بنساء، أو شرب أنواعاً من المسكر، ولنا أنها حقوق لآدميين فلم تتداخل كالديون والقصاص، وفارق ما قاسوا عليه فإنه حق الله تعالى إلى أن قال: وإن قذف رجلاً مرات فلم يحد فحد واحد رواية واحدة، سواء قذفه بزنا واحد أو بزنيات، وإن قذفه فحد ثم أعاد قذفه نظرت، فإن قذفه بذلك الزنا الذي حد من أجله لم يعد عليه الحد في قول عامة أهل العلم، وحكي عن ابن القاسم: أنه أوجب حداً ثانياً، وهذا يخالف إجماع الصحابه، فإن أبا بكرة لما حد بقذف المغيرة أعاد قذفه فلم يروا عليه حدا ثانياً فروى الأثرم بإسناده عن ظبيان بن عمارة قال: شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة نفر أنه زان، فبلغ ذلك عمر فكبر عليه وقال شاط ثلاثة أرباع المغيرة بن شعبة، وجاء زياد فقال ما عندك؟ فلم يثبت فامر بجلدهم فجلدوا، وقال شهود زور. فقال أبو بكرة: أليس ترضى إن أتاك رجل عندك يشهد رجمه؟ قال: نعم. والذي نفسي بيده فقال أبو بكرة: وأنا أشهد أنه زان، فأراد أن يعيد عليه الحد فقال علي يا أمير المؤمنين: إنك إن أعدت عليه الحد، أوجبت عليه الرجم. وفي الحديث آخر: فلا يعاد في فرية جلد مرتين. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله قول علي: إن جلدته فأرجم صاحبك، قال: كأنه جعل شهادته شهادة رجلين: قال أبو عبد الله: وكنت أنا أفسره على هذا حتى رأيته في الحديث فأعجبني ثم قال يقول: إذا جلدته ثانية فكأنك جعلته شاهداً آخر، فأما إن حد له وقذفه بزنا ثان نظرت، فإن قذفه بعد طول الفصل فحدّ ثان، لأنه لا يسقط حرمة المقذوف بالنسبة إلى القاذف أبداً بحيث يمكن من قذفه بكل حال، وإن قذفه عقيب حده ففيه روايتان. إحداهما: يحد أيضاً لأنه قذف لم يظهر كذبه فيه بحد، فيلزم فيه حد كما لو طال الفصل، ولأن سائر أسباب الحد، إذا تكررت بعد أن حد للأول ثبت للثاني حكمه، كالزنا والسرقة وغيرهما من الأسباب. والثانية: لا يحد، لأنه قد حد له مرة فلم يحد له بالقذف عقبه كما لو قذفه بالزنا الأول. انتهى من المغني، وقد رأيت نقله لأقوال أهل العلم، فيمن قذف جماعة بكلمة واحدة أو بكلمات قذف واحداً مرات. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذه المسائل لم نعلم فيها نصاً من كتاب ولا سنة. والذي يظهر لنا فيها والله تعالى أعلم: أن من قذف جماعة بكلمة واحدة فعليه حد واحد، لأنه يظهر به كذبه على الجميع وتزول به المعرة عن الجميع، ويحصل شفاء الغيظ بحده للجميع. والأظهر عندنا فيمن رمى جماعة بكلمات: أنه يتعدد عليه الحد، بعدد الكلمات التي قذف بها، لأنه قذف كل واحد قذفاً مستقلاً لم يشاركه فيه غيره وحده لبعضهم ولا يظهر به كذبه على الثاني الذي قذفه بلفظ آخر، ولا تزول به عنه المعرة. وهذا إن كان قذف كل واحد منهم قذفا مفرداً لم يجمع معه غيره لا ينبغي أن يختلف فيه، والأظهر أنه إن قذفهم بعبارات مختلفة تكرر عليه الحد بعددهم، كما اختاره صاحب المغني. والأظهر عندنا: أنه إن كرر القذف لرجل واحد قبل إقامة الحد عليه يكفي فيه حد واحد، وأنه إن رماه بالزنا بعد حده للقذف الأول بعد طول حد أيضاً، وإن رماه قرب زمن حده بعين الزنا الذي حد له لا يعاد عليه الحد، كما حكاه صاحب المغني في قصة أبي بكرة والمغيرة بن شعبة، وإن كان القذف الثاني غير الأول. كأن قال في الأول: زينب بأمرأة بيضاء، وفي الثاني قال: بامرأة سوداء، فالظاهر تكرره والعلم عند الله تعالى. وعن مالك رحمه الله في المدونة: إن قذف رجلاً فلما ضرب أسواطاً قذفه ثانياً أو آخر ابتدئ الحد عليه ثمانين من حين يقذفه ولا يعتد بما مضى من السياط. المسألة الرابعة عشرة: الظاهر أن من قال لجماعة: أحدكم زان أو ابن زانية لا حد عليه لأنه لم يعين واحداً فلم تلحق المعرة واحداً منهم، فإن طلبوا إقامة الحد عليه جميعاً لا يحد، لأنه لم يرم واحداً منهم بعينه، ولم يعر من أراد بكلامه. نقله المواق عن الباجي عن محمد بن المواز، ووجهه ظاهر كما ترى. واقتصر عليه خليل في مختصرة في قوله عاطفاً على ما لا حد فيه. أو قال لجماعة: أحدكم زان. وقال ابن قدامة في المغني: واذا قال من رماني فهو ابن الزانية فرماه رجل، فلا حد عليه، في قول أحد من أهل العلم. وكذلك إن اختلف رجلان في شيء فقال أحدهما الكاذب: هو ابن الزانية، فلا حد عليه نص عليه أحمد، لأنه لم يعين أحداً بالقذف، وكذلك ما أشبه هذا ولو قذف جماعة لا يتصور صدقه في قذفهم، مثل أن يقذف أهل بلدة كثيرة بالزنى كلهم، لم يكن عليه حد، لأنه لم يلحق العار بأحد غير نفسه للعلم بكذبه. انتهى منه. المسألة الخامسة عشرة: اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم عندنا فيمن قال لرجل: أنت أزنى من فلان. فهو قاذف لهما، وعليه حدان، لأن قوله أزنى صيغة تفضيل، وهي تدل على اشتراك المفضل، والمفضل عليه في أصل الفعل، إلا أن المفضل أفضل فيه من صاحبه المشارك له فيه، فمعنى كلامه بدلالة المطابقة في صيغة التفضيل: أنت وفلان زانيان، ولكنك تفوقه في الزنى، وكون هذا قذفاً لهما واضح كما ترى، وبه تعلم أن أحد الوجهين عند الحنابلة أن يحد للمخاطب فقط، دون فلان المذكور، لا ينبغي أن يعول عليه، وكذلك ما عزاه ابن قدامة للشافعي، وأصحاب الرأي من أنه ليس بقذف للأول، ولا للثاني إلا أن يريد به القذف كل ذلك لا يصح ولا ينبغي التعويل عليه، لأن صيغة أنت أزنى من فلان قذف صريح لهما بعبارة واضحة، لا إشكال فيها. وقال ابن قدامة في المغني محتجاً للوجه الذي ذكرنا عن الحنابلة: أنه لا حد على الثاني: ما نصه: والثاني يكون قذفاً للمخاطب خاصة لأن لفظه افعل قد تستعمل للمنفرد بالفعل، كقول الله تعالى: {أية : أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ} تفسير : [يونس: 35] وقال تعالى: {أية : فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ} تفسير : [الأنعام: 81] وقال لوط: {أية : بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} تفسير : [هود: 78] أي من أدبار الرجال، ولا طهارة فيها لا ينبغي التعويل عليه كما أنه هو ساقه، ولم يعول عليه. وحاصل الاحتجاج المذكور: أن صيغة التفضيل قد ترد مراداً بها مطلق الوصف، لا حصول التفضيل بين شيئين، ومثل له هو بكلمة: أحق أن يتبع وكلمة: أحق بالأمن، وكلمة: أطهر لكم، لأن صيغة التفضيل في الآيات المذكورة لمطلق الوصف لا للتفضيل. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يخفى أن صيغة التفضيل قد ترد لمطلق الوصف كما هو معلوم، ومن أمثلته الآيات التي ذكرها صاحب المغني، ولكنها لا تحمل على غير التفضيل، إلا بدليل خارج يقتضي ذلك والآيات التي ذكر معلوم أنها لا يمكن أن تكون للتفضيل، لأن الأصنام لا نصيب لها من أحقِّيِّة الاتباع أصلاً في قوله: {أية : أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ} تفسير : [يونس: 35] ولأن الكفار لا نصيب لهم في الأحقية بالأمن، ولأن أدبار الرجال لا نصيب لها في الطهارة. ومن أمثلة ورود صيغة التفضيل لمطلق الوصف أيضاً قوله تعالى: {أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27] أي هين سهل عليه، وقول الشنفرى: شعر : وإن مدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذا أجشع القوم أعجل تفسير : أي لم أكن بالعجل منهم وقول الفرزدق: شعر : إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعز وأطول تفسير : أي عزيزة طويلة. وقول معن بن أوس: شعر : لعمرك ما أدري وإني لأوْجَل على أيِّنا تعدو المنيَّة أول تفسير : أي لوجل. وقول الأحوص بن محمد الأنصاري: شعر : أني لأمنحك الصدود وإنني قسماً إليك مع الصدود لأمْيَلُ تفسير : أي لمائل. وقول الآخر: شعر : تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد تفسير : أي بواحد. وقال الآخر: شعر : لعمرك إن الزبرقان لباذل لمعروفه عند السنين وأفضل تفسير : أي وفاضل. إلى غير ذلك من الشواهد، ولكن قدمنا أنها لا تحمل على مطلق الوصف، إلا لدليل خارج، أو قرينة واضحة تدل على ذلك. وقوله له: أنت أزنى من فلان ليس هناك قرينة، ولا دليل صارف لصيغة التفضيل، عن أصلها، فوجب إبقاؤها على أصلها، وحد القاذف، لكل واحد منهما والإتيان بلفظة من في قوله: أنت أزنى من فلان، يوضح صراحة الصيغة في التفضيل، والعلم عند الله تعالى. المسألة السادسة عشر: اعلم أنه لا يجوز رمي الملاعنة بالزنى، ولا رمي ولدها بأنه ابن زنى، ومن رمى أحدهما فعليه الحد، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه، لأنه لم يثبت عليها زنى، ولا على ولدها أنه ابن زنى، وإنما انتفى نسبه عن الزوج بلعانه. وفي سنن أبي داود حدثنا الحسن بن علي، ثنا يزيد بن هارون، ثنا عباد بن منصور عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، فجاء من أرضه عشياً فوجد عند أهله رجلاً فرأى بعينه وسمع بأذنه الحديث وفيه ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقضى ألا يدعي ولدها لأب، ولا ترمى ولا يرمى ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد إلى آخر الحديث. وفي هذا الحديث: التصريح بأن من رماها أو رمى ولدها فعليه الحد. واعلم أن ما نقله الشيخ الحطاب عن بعض علماء المالكية من أن من قال لابن ملاعنة: لست لأبيك الذي لاعن أمك، فعليه الحد خلاف التحقيق، لأن الزوج الملاعن ينتفي عنه نسب الولد باللعان، فنفيه عنه حق مطابق للواقع، ولذا لا يتوارثان ومن قال كلاماً حقاً، فإنه لا يستوجب الحد بذلك، كما لو قال له: يا من نفاه زوج أمه أو يابن ملاعنة أو يابن من لوعنت، وإنما يجب الحد على قاذفه فيما لو قال له: أنت ابن زنى ونحوها من صريح القذف، والعلم عند الله تعالى. المسألة السابعة عشرة: في حكم ما لو قال لرجل يا زانية بتاء الفرق، أو قال لامرأة يا زاني بلا تاء. قال ابن قدامة في المغني. هو قذف صريح لكل منهما قال: واختار هذا أبو بكر، وهو مذهب الشافعي، واختار ابن حامد أنه ليس بقذف إلا أن يفسره، وهو قول أبي حنيفة، لأنه يحتمل أن يريد بقوله يا زانية أي يا علامة في الزنا. كما يقال للعالم: علامة، ولكثير الرواية راوية ولكثير الحفظ حفظة، ولنا أن ما كان قذفاً لأحد الجنسين كان قذفاً للآخر كقوله زنيت بفتح التاء وكسرها لهما جميعاً ولأن هذا اللفظ خطاب لهما وإشارة إليهما بلفظ الزنا، وذلك يغني عن التمييز بتاء التأنيث وحذفها، ولذلك لو قال للمرأة: يا شخصاً زانياً، وللرجل: يا نسمة زانية كان قاذفاً. وقولهم إنه يريد بذلك أنه علامة في الزنا لا يصح فإنما كان اسماً للفعل، إذا دخلته الهاء كانت للمبالغة، كقولهم: حفظة للمبالغ في الحفظ وراوية للمبالغ في الرواية، وكذلك همزة لمزة وصرعة، ولأن كثيراً من الناس يذكر المؤنث ويؤنث المذكر، ولا يخرج بذلك عن كون المخاطب به مراداً بما يراد باللفظ الصحيح. انتهى كلام صاحب المغني. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي فيمن قال لذكر: يا زانية بصيغة التأنيث، أو قال لامرأة: يا زاني بصيغة التذكير، أنه يلزمه الحد. وإيضاحه أن القاذف بالعبارتين المذكورتين لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون عامياً، لا يعرف العربية أو يكون له علم باللغة العربية، فإن كان عامياً فقد يكون غير عالم بالفرق بين العبارتين، ونداؤه للشخص بلفظ الزنى ظاهر في قصده قذفه، وإن كان عالماً باللغة، فاللغة يكثر فيها إطلاق وصف الذكر على الأنثى باعتبار كونها شخصاً. وقد قدمنا بعض أمثلة ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله: {أية : وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} تفسير : [النحل: 14]، ومما ذكرنا من الشواهد هناك قول حسان رضي الله عنه: شعر : منع النوم بالعشاء الهموم وخيال إذا تغار النجوم من حبيب أصاب قلبك منه سقم فهو داخل مكتوم تفسير : ومراده بالحبيب أنثى بدليل قوله بعده: شعر : لم تفتها شمس النهار بشيء غير أن الشباب ليس يدوم تفسير : وقول كثير: شعر : لئن كان يرد الماء هيمان صادياً إلى حبيباً إنها لحبيب تفسير : ومن أمثلة ذلك قول مليح بن الحكم الهذلي: شعر : ولكن ليلى أهلكتني بقولها نعم ثم ليلى الماطل المتبلح تفسير : يعني ليلى الشخص الماطل المتبلح. وقول عمرة بن حزام العذري: شعر : وعفراء أرجى الناس عندي مودة وعفراء عني المعرض المتواني تفسير : أي الشخص المعرض. وإذا كثر في كلام العرب تذكير وصف الأنثى باعتبار الشخص كما رأيت أمثلته، فكذلك لا مانع من تأنيثهم صفة الذكر باعتبار النسمة أو النفس، وورود ذلك لتأنيث اللفظ مع تذكير المعنى معروف كقوله: شعر : أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ذاك الكمال تفسير : المسألة الثامنة عشرة: اعلم أن من رمى رجلاً قد ثبت عليه الزنى سابقاً أو امرأة، قد ثبت عليها الزنى سابقاً ببينة، أو إقرار، فلا حد عليه، لأنه صادق، ولأن إحصان المقذوف قد زال بالزنى، ويدل لهذا مفهوم المخالفة في قوله {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} الآية. فهو يدل بمفهومه أن من رمى غير محصنة لا حد عليه، وهو كذلك، ولكنه يلزم تعزيره، لأنه رماه بفاحشة ولم يثبتها، ولا يترك عرض من ثبت عليه الزنى سابقاً مباحاً لكل من شاء أن يرميه بالزنى دون عقوبة رادعة كما ترى. المسألة التاسعة عشرة: اعلم أن الإنسان إذا كان مشركاً وزنى في شركة أو كان مجوسياً، ونكح أمه أو ابنته مثلاً في حال كونه مجوسياً، ثم أسلم بعد ذلك فرماه أحد بالزنى بعد إسلامه فله ثلاث حالات: الأولى: أن يقول له: يا من زنى في أيام شركه أو يا من نكح أمه مثلاً في أيامه مجوسياً، وهذه الصورة لا حدّ فيها لأن صاحبها أخبر بحق والإسلام يجبّ ما قبله. الثانية: أن يقول له: يا من زنى بعد إسلامه أو نكح أمه بعد إسلامه، فعليه الحد كما لا يخفى. الثالثة: أن يقول له: يا زاني، ولم يتعرض لكون ذلك قبل إسلامه، أو بعده فإن فسره بأنه أراد أنه زنى بعد إسلامه، فعليه الحد، وإن قال: أردت بذلك زناه في زمن شركه، فهل يقبل منه هذا التفسير، ويسقط عنه الحد، أو لا يقبل ذلك منه، ويقام عليه الحد. اختلف العلماء في ذلك، وممن قال بأنه يحد ولا يلتفت إلى تفسيره ذلك: مالك وأصحابه، وصرح به الخرقي من الحنابلة. وقال ابن قدامة في المغني: لا حد عليه، وخالف في ذلك الخرقي في شرحه لقول الخرقي: ومن قذف من كان مشركاً وقال: أردت أنه زنى وهو مشرك لم يلتفت إلى قوله، وحد القاذف إذا طلب المقذوف، وكذلك من كان عبداً. انتهى. المسألة العشرون: اعلم أن من قذف بنتاً غير بالغ بالزنى، أو قذف به ذكراً غير بالغ فقد اختلف أهل العلم، هل يجب على القاذف الحد أو لا يجب عليه؟ وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسير الآية التي نحن بصددها: إذا رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى كان قاذفاً عند مالك. وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور: ليس بقذف، لأنه ليس بزنى إذ لا حد عليها ويعزر. قال ابن العربي: والمسألة محتملة مشكلة لكن مالك غلب حماية عرض المقذوف، وغيره راعى حماية ظهر القاذف، وحماية عرض المقذوف أولى، لأن القاذف كشف ستره بطرف فلزمه الحد. قال ابن المنذر: وقال أحمد في الجارية بنت تسع، يحد قاذفها، وكذلك الصبي إذا بلغ عشراً ضرب قاذفه، قال إسحاق: إذا قذف غلاماً يطأ مثله؛ فعليه الحد، والجارية إذا جاوزت تسعاً مثل ذلك قال ابن المنذر: لا يحد من قذف من لم يبلغ؛ لأن ذلك كذب، ويعزر على الأذى. اهـ محل الغرض منه بلفظه. وإذا عرفت مما ذكرنا أقوال أهل العلم في المسألة، فاعلم أن أظهرها عندنا قول ابن المنذر: إنه لا يحد ولكن يعزر، ووجه ذلك أن من لم يبلغ من الذكور والإناث مرفوع عنه القلم، ولا معرة تلحقه بذنب، لأنه غير مؤاخذ، ولو جاء قاذف الصبي بأربعة شهداء على الصبي بالزنى فلا حد عليه إجماعاً، ولو كان قذفه قذفاً على الحقيقة للزمه الحد بإقامة القاذف البينة على زناه، وإن خالف في هذا جمع من أجلاء العلماء، ولكنه يعزر التعزير البالغ الرادع له، ولغيره عن قذف من لم يبلغ. والعلم عند الله تعالى. المسألة الحادية والعشرون: اعلم أن الظاهر فيما لو قال رجل لآخر زنأت بالهمزة أن القاذف إن كان عامياً لا يفرق بين المعتل والمهموز أنه يحد لظهور قصده لقذفه بالزنى. وإن كان عالماً بالعربية، وقال: إنما أردت بقولي: زنأت بالهمزة معناه اللغوي، ومعنى زنأت بالهمزة: لجأت إلى شيء، أو صعدت في جبل، ومنه قول قيس بن عاصم المنقري يرقص ابنه حكيماً وهو صغير: شعر : أشبه أبا أمك أو أشبه حمل ولا تكونن كهلوف وكل يصبح في مضجعه قد انجدل وارق إلى الخيرات زنأ في الجبل تفسير : ومحل الشاهد منه قوله: زنأ في الجبل أي صعوداً فيه، والهلوف الثقيل الجافي العظيم اللحية، والوكل الذي يكل أمره إلى غيره، وزعم الجوهري أن هذا الرجز لأم الصبي المذكور ترقصه به وهي منفوسة ابنة زيد الفوارس، ورد ذلك على الجوهري أبو محمد بن بري. ورواه هو وغيره على ما ذكرنا، قال: وقالت أمه ترد على أبيه: شعر : أشبه أخى أو أشبهن أباكا أما أبي فلن تنال ذاكا تقصر أن تناله يداكا تفسير : قاله في اللسان. المسألة الثانية والعشرون: فيمن نفى رجلاً عن جده أو عن أمه أو نسبه إلى شعب غير شعبه، أو قبيلة غير قبيلته. فذهب مالك: أنه إن نفاه عن أمه فلا حد عليه، لأنه لم يدع عليها الزنا، ولم ينف نسبه عن أبيه، وإن نفاه عن جده لزمه الحد، ولا حد عنده في نسبة جنس لغيره، ولو أبيض لأسود. قال في المدونة: إن قال لفارسي: يا رومي أو يا حبشي، أو نحو هذا لم يحد. وقال ابن القاسم: اختلف عن مالك في هذا، وإني أرى ألا حد عليه إلا أن يقول: يا ابن الأسود، فإن لم يكن في آبائه أسود فعليه الحد، وأما إن نسبه إلى حبشي كأن قال: يا ابن الحبشي وهو بربري فالحبشي والرومي في هذا سواء إذا كان بربرياً. وقال ابن يونس: وسواء قال: يا حبشي أو يا ابن الرومي، فإنه لا يحد، وكذلك عنه في كتاب محمد، قال الشيخ المواق: هذا ما ينبغي أن تكون به الفتوى على طريقة ابن يونس فانظره أنت اهـ. وهذا الذي ذكرنا من عدم حد من نسب جنساً إلى غيره هو مشهور مذهب مالك، وقد نص عليه في المدونة، ومحل هذا عنده إن لم يكن من العرب. قال مالك في المدونة: من قال لعربي: يا حبشي أو يا فارسي، أو يا رومي فعليه الحد، لأن العرب تنسب إلى آبائها وهذا نفي لها عن آبائها. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الفرق بين العربي وغيره المذكور عن مالك لا يتجه كل الاتجاه، ووجه كون من قال لرومي: يا حبشي مثلاً، لا يحد.أن الظاهر أنَّ مراده أنه يشبه الحبشي في بعض أخلاقه أو أفعاله، وهو استعمال معروف في العربية اهـ. ومذهب أبي حنيفة أنه إن نفاه عن جده لا حد عليه، بأن قال له: لست ابن جدك أنه لا حد عليه، لأنه صادق إذ هو ابن أبيه لا جده، وكذلك لو نسب جنسياً إلى غيره كقوله لعربي: يا نبطي، فلا حد عليه عنده على المشهور، وكذلك عنده إذا نسبه لقبيلة أخرى غير قبيلته أو نفاه عن قبيلته، لأنه يراد به التشبيه بتلك القبيلة التي نسبه لها في الأخلاق أو الأفعال، أو عدم الفصاحة، ونحو ذلك، فلا يتعين قصد القذف. وقال صاحب تبيين الحقائق: وروي عن ابن عباس أنه سئل عن رجل لرجل من قريش: يا نبطي، فقال لا حد عليه اهـ. وكذلك لا يحد عند أبي حنيفة من قال لرجل: يا ابن ماء السماء أو نسبه إلى عمه أو خاله، خلافاً للمالكية، ومن وافقهم القائلين بحد من نسبه لعمه، ونحوه أو زوج أمه الذي هو ربيبه، لأن العم والخال كلاهما كالأب في الشفقة، وقد يريد التشبيه بالأب في المحبة والشفقة، وقوله: ابن ماء السماء، فإنه قد يراد به التشبيه في الجود والسماحة والصفاء، قالوا: وكان عامر بن حارثة: يلقب بماء السماء لكرمه، وأنه يقيم ماله في القحط مقام المطر. قالوا: وسميت أم المنذر بن امرئ القيس بماء السماء، لحسنها وجمالها. وقيل لأولادها: بنو ماء السماء وهم ملوك العراق اهـ. وإن نسبه لجده فلا حد عليه عند أبي حنيفة، ولا ينبغي أن يختلف في ذلك لصحة نسبته إلى جده كما هو واقع بكثرة على مر الأزمنة من غير نكير اهـ. ومذهب الإمام أحمد: أنه إن نفاه عن أمه فلا حد عليه. واختلف عنه فيمن نفى رجلاً عن قبيلته أو نسب جنساً لغيره. قال ابن قدامة في المغني: وإذا نفى رجلاً عن أبيه، فعليه الحد نص عليه أحمد، وكذلك إذا نفاه عن قبيلته وبهذا قال إبراهيم النخعي، وإسحاق. وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وحماد. اهـ. وقد علمت الخلاف عن أبي حنيفة والمشهور عنه بما ذكرناه قريباً، ثم قال ابن قدامة في المغني: والقياس يقتضي ألا يجب الحد بنفي الرجل عن قبيلته، ولأن ذلك لا يتعين فيه الرمي بالزنا، فأشبه ما لو قال لأعجمي: إنك عربي، لو قال للعربي: أنت نبطي أو فارسي فلا حد عليه، وعليه التعزير نص عليه أحمد، لأنه يحتمل أنك نبطي اللسان أو الطبع. وحكى عن أحمد رواية أخرى أن عليه الحد كما لو نفاه عن أبيه والأول أصح، وبه قال مالك، والشافعي، لأنه يحتمل غير القذف كثيراً فلا يتعين صرفه إليه، ومتى فسر شيئاً من ذلك بالقذف فهو قاذف اهـ. من المغني. وإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذا فاعلم أن المسألة ليست فيها نصوص من الوحي، والظاهر أن ما احتمل غير القذف من ذلك لا يحد صاحبه لأن الحدود تدرأ بالشبهات واحتمال الكلام غير القذف لا يقل عن شبهة قوية. وقد ذكر ابن قدامة في المغني أن الأشعث بن قيس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول "حديث : لا أوتي برجل يقول: إن قريشاً ليست من كنانة إلا جلدته"تفسير : .اهـ. وانظر إسناده. المسألة الثالثة والعشرون: في أحكام كلمات متفرقة كمن قال لرجل: يا قرنان، أو يا ديوث، أو يا كشخان، أو يا قرطبان، أو يا معفوج، أو يا قواد، أو يا ابن منزلة الركبان، أو يا ابن ذات الرايات، أو يا مخنث. أو قال لامرأة: يا قحبة. اعلم أن أهل العلم اختلفوا في هذه العبارات المذكورة فمذهب مالك: هو أن من قال لرجل يا قرنان لزمه حد القذف لزوجته إن طلبته، لأن القرنان عند الناس زوج الفاعلة، وكذلك من قال لامرأة: يا قحبة لزمه الحد عند المالكية، وكذلك من قال: يا ابن منزلة الركبان، أو يا ابن ذات الرايات. كل ذلك فيه حد القذف عند المالكية، كما تقدمت الإشارة إليه، قالوا لأن الزانية في الجاهلية كانت تنزل الركبان، وتجعل على بابها راية، وكذلك لو قال له: يا مخنث لزمه الحد، إن لم يحلف أنه لم يرد قذفاً، فإن حلف أنه لم يرده أدب، ولم يحد. قاله في المدونة، وإن قال له: يا ابن الفاسقة أو يا ابن الفاجرة، أو يا فاجر، أو يا حمار ابن الحمار، أو يا كلب، أو يا ثور، أو يا خنزير. ونحو ذلك فلا حد عليه، ولكنه يعزر تعزيراً رادعاً حسبما يراه الإمام، ومذهب أبي حنيفة: أنه قال له يا فاسق، يا كافر، يا خبيث، يا لص يا فاجر يا منافق، يا لوطي يا من يلعب بالصبيان، يا آكل الربا يا شارب الخمر، يا ديوث، يا مخنث، يا خائن، يا ابن القحبة، يا زنديق، يا قرطبان، يا مأوى الزواني أو اللصوص، يا حرام. أنه لا حد عليه في شيء من هذه الألفاظ، وعليه التعزير، وآكد التعزير عند الحنفية تسعة وثلاثون سوطاً، وأما لو قال له: يا كلب، يا تيس، يا حمار، يا خنزير، يا بقر، يا حية يا حجام، يا ببغاء يا مؤاجر، يا ولد الحرام، يا عيار، يا ناكس، يا مكنوس، يا سخرة يا ضحكة يا كشخان، يا أبله، يا مسوس، فلا شيء عليه في شيء من هذه الألفاظ عند الحنفية، ولا يعزر بها. قال صاحب تبيين الحقائق: لا يعزر بهذه الألفاظ كلها لأن من عادتهم إطلاق الحمار ونحوه بمعنى البلادة والحرص أو نحو ذلك، ولا يريدون به الشتيمة، ألا ترى يسمون به ويقولون: عياض بن حمار، وسفيان الثوري، وأبو ثور وجمل، ولأن المقذوف لا يلحقه شين بهذا الكلام، وإنما يلحق القاذف. وكل أحد يعلم أنه آدمي، وليس بكلب ولا حمار وأن القذف كاذب في ذلك. وحكى الهندواني أنه يعزر في زماننا في مثل قوله: يا كلب يا خنزير، لأنه يراد به الشتم في عرفنا. وقال شمس الآئمة السرخسي: الأصح عندي أنه لا يعزر. وقيل: إن كان المنسوب إليه من الأشراف كالفقهاء والعلوية يعزر، لأنه يعد شيئاً في حقه، وتلحقه الوحشة بذلك، وإن كان من العامة لا يعزر، وهذا أحسن ما قيل فيه، ومن الألفاظ التي لا توجب التعزير قوله: يا رستاقي ويا ابن الأسود، ويا ابن الحجام، وهو ليس كذلك. اهـ. من تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما الألفاظ التي ذكرنا عنهم أنها توجب التعزيير فوجوب التعزير بها كما ذكروا واضح لا إشكال فيه. وأما الألفاظ التي ذكرنا عنهم أنها لا تعزير فيها، فالأظهر عندنا أنه يجب فيها التعزير، لأنها كلها شتم وعيب، ولا يخفى أن من قال لإنسان: يا كلب، يا خنزير، يا حمار، يا تيس يا بقر إلى آخره، أن هذا شتم واضح لاخفاء به وليس مراده أن الإنسان كلب أو خنزير، ولكن مراده تشبيه الإنسان بالكلب والخنزير في الخسة والصفات الذميمة كما لا يخفى، فهو من نوع التشبيه الذي يسميه البلاغيون تشبيهاً بليغاً ولا شك أن عاقلاً قيل له: يا كلب، أو يا خنزير مثلاً أن ذلك يؤذيه، ولا يشك أنه شتم، فهو أذى ظاهر وعليه فالظاهر التعزير في الألفاظ المذكورة. وكونهم يسمون الرجل حماراً أو كلباً لا ينافي ذلك لأن من الناس من يسم ابنه باسم قبيح لا يرضى غيره أن يعاب به. والظاهر أنه إن قال لرجل: يا ابن الأسود، وليس أبوه ولا أحد من أجداده بأسود، أنه يلزمه الحد لأنه نفي لنسبه، وكذلك قوله: يا ابن الحجام إن لم يكن أبوه ولا أحد من أجداده حجاماً فهو قذف، لأنه نفي لنسبه وإلصاق له بأسود أو حجام ليس بينه وبينه نسب كما هو قول المالكية ومن وافقهم. وقال صاحب تبيين الحقائق: وتفسير القرطبان هو الذي يرى مع امرأته أو محرمه رجلاً، فيدعه خاليا بها. وقيل: هو السبب للجمع بين اثنين لمعنى غير ممدوح. وقيل: هو الذي يبعث امرأته مع غلام بالغ أو مع مزارعه إلى الضيعة، أو يأذن لهما بالدخول عليها في غيبته اهـ منه. وقال ابن قدامة في المغني: وإن قال لرجل: يا ديوث، أو يا كشخان: فقال أحمد: يعزر، وقال إبراهيم الحربي: الديوث الذي يدخل الرجال على امرأته. وقال ثعلب: القرطبان الذي يرضى أن يدخل الرجال على امرأته. وقال: القرنان والكشخان لم أرهما في كلام العرب، ومعناه عند العامة عند العامة مثل الديوث، أو قريب منه، فعلى القاذف به التعزير على قياس قوله في الديوث،لأنه قذفه بما لا حد فيه. وقال خالد بن يزيد، عن أبيه في الرجل يقول للرجل: يا قرنان إذا كان له أخوات، أو بنات في الإسلام ضرب الحد، يعني أنه قاذف لهن. وقال خالد عن أبيه: القرنان عند العامة من له بنات والكشخان: من له أخوات يعني والله أعلم إذا كان يدخل الرجال عليهن، والقوَّاد عند العامة السمسار في الزنى والقذف بذلك كله يوجب التعزير، لأنه قذف بما لا يوجب الحد اهـ. من المغني. وقال في المغني أيضاً المنصوص عن أحمد فيمن قال: يا معفوج أن عليه الحد، وظاهر كلام الخرقي يقتضي أن يرجع إلى تفسيره، فإن فسر بغير الفاحشة مثل أن يقول: أردت يا مفلوج أو يا مصاباً دون الفرج ونحو هذا، فلا حد عليه، لأنه فسره بما لا حد فيه. وإن فسره بعمل قوم لوط فعليه الحد كما لو صرح به، وقال صاحب القاموس القرنان: الديوث المشارك في قرينته لزوجته اهـ. منه وقال في القاموس أيضاً: القرطبان بالفتح الديوث، والذي لا غير له أو القواد اهـ. منه وقال في القاموس: والتديث القيادة، وفي القاموس تحت الخط لا بين قوسين الكشخان ويكسر: الديوث وكشخه تكشيخاً وكشخنة: قال له: يا كشخان اهـ. منه. وهو بالخاء المعجمة وقال الجوهري في صحاحه: والديوث وهو الذي لا غيرة له اهـ. منه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر أن التحقيق في جميع الألفاظ المذكورة التي ذكرنا كلام العلماء فيها أنها تتبع العرف الجاري في البلد الذي قيلت فيه، فإن كان من عرفهم أن المراد بها الشتم بما لا يوجب الحد وجب التعزير، لأجل الأذى ولا حد، وإن كان عرفهم أنها يراد بها الشتم بالزنى، أو نفي النسب، وكان ذلك معروفاً أنه هو المقصود عرفاً، وجب الحد، لأن العرف متبع في نحو ذلك. والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة والعشرون: في حكم من قذف محصناً بعد موته، ومذهب مالك في ذلك هو قوله في المدونة: من قذف ميتاً فلولده، وإن سفل وأبيه وإن علا القيام بذلك، ومن قام منهم أخذه بحده، وإن كان ثم من هو أقرب منه، لأنه عيب، وليس للأخوة، وسائر العصبة مع هؤلاء قيام، فإن لم يكن من هؤلاء واحد فللعصبة القيام. اهـ بواسطة نقل المواق. وحاصلة: أن الميت المقذوف يحد قاذفه بطلب من وجد من فروعه، وإن سفلوا أو واحد من أصوله، وإن علوا. ولا كلام في حال وجود الأصول أو الفروع لغيرهم من الأخوة والعصبة، فإن لم يوجد من الأصول والفروع أحد، فللأخوة والعصبة القيام، ويحد للمقذوف بطلبهم. هذا حاصل مذهب مالك في المسألة، وظاهره عدم الفرق بين كون المقذوف الميت أباً أو أماً، وبعض أهل العلم يفرق بين قذف الأب والأم، لأن قذف الأم بالزنى فيه قدح في نسب ولدها، لأن ابن الزانية قد يكون لغير أبيه من أجل زنا أمه. وقال ابن قدامة في المغني: وإن قذف أمه وهي ميتة مسلمة كانت أو كافرة حرة أو أمة، حد القاذف إذا طلب الابن وكان حراً مسلماً، أما إذا قذف وهي في الحياة، فليس لولدها المطالبة لأن الحق لها، فلا يطالب به غيرها، ولا يقوم غيرها مقامها، سواء كانت محجوراً عليها أو غير محجور عليها، لأنه حق يثبت للتشفي فلا يقوم فيه غير المستحق مقامه كالقصاص، وتعتبر حصانتها، لأن الحق لها فتعتبر حصانتها كما لو لم يكن لها ولد. وأما إن قذفت وهي ميتة. فإن لولدها المطالبة، لأنه قدح في نسبه، ولأنه يقذف أمه بنسبته إلى أنه ابن زنى، ولا يستحق ذلك بطريق الإرث، ولذلك تعتبر الحصانة فيه، ولا تعتبر الحصانة في أمه، لأن القذف له. وقال أبو بكر: لا يجب الحد بقذف ميتة بحال، وهو قول أصحاب الرأي، لأنه قذف لمن لا تصح منه المطالبة، فأشبه قذف المجنون. وقال الشافعي: إن كان الميت محصناً فلوليه المطالبة، وينقسم بانقسام الميراث، وإن لم يكن محصناً فلا حد على قاذفه، لأنه ليس بمحصن، فلا يجب الحد بقذفه كما لو كان حياً، وأكثر أهل العلم لا يرون الحد على من يقذف من ليس محصناً حياً ولا ميتاً، لأنه إذا لم يحد بقذف غير المحصن إذا كان حياً فلأن لا يحد بقذفه ميتاً أولى، ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الملاعنة ومن رمى ولدها فعليه الحد، يعني من رماه بأنه ولد زنى، وإذا وجب بقذف ولد الملاعنة بذلك، فبقذف غيره أولى، ولأن أصحاب الرأي أوجبوا الحد على من نفى رجلاً عن أبيه إذا كان أبواه حرَّين مسلمين، ولو كان ميتين، والحد إنما وجب للولد، لأن الحد لا يورث عندهم فأما إن قذفت أمه بعد موتها، وهو مشرك أو عبد، فلا حد عليه في ظاهر كلام الخرقي، سواء كانت الأم حرة مسلمة أو لم تكن. وقال أبو ثور وأصحاب الرأي: إذا قال لكافر أو عبد: لست لأبيك وأبواه حران مسلمان فعليه الحد، وإن قال لعبد أمه حرة وأبوه عبد: لست لأبيك فعليه الحد، وإن كان العبد للقاذف عند أبي ثور وقال أصحاب الرأي: يصح أن يحد المولى لعبده، واحتجوا بأن هذا قذف لأمه فيعتبر إحصانها دون إحصانه، لأنها لو كانت حية كان القذف لها فكذلك إذا كانت ميتة، ولأن معنى هذا: إن أمك زنت فأتت بك من الزنى، فإذا كان من الزنى منسوباً إليها كانت هي المقذوفة دون ولدها. ولنا ما ذكرناه، ولأنه لو كان القذف لها لم يجب الحد، لأن الكافر لا يرث المسلم، والعبد لا يرث الحر، ولأنهم لا يوجبون الحد لقذف ميئة بحال، فيثبت أن القذف له فيعتبر إحصانه. والله أعلم اهـ. بطوله من المغني. وقد رأيت في كلامه أقوال أهل العلم في رمي المرأة الميتة، إن كان لها أولاد، ورمي المرأة الحية التي لها أولاد، وبه نعلم أن الحد يورث عند المالكية والشافعية إلا أنه عند المالكية، لا يطلبه إلا الفروع والأصول، ويحد بطلب كل منهم وأن كان يوجد منهم من هو أقرب من طالب الحد، وأنه عند عدم الفروع والأصول يطالب به الأخوة والعصبة، وكل ذلك يدل على أنهم ورثوا ذلك الحق في الجملة عن المقذوف الميت، وأن الشافعية يقولون: إنه ينقسم بانقسام الميراث، كما نقله عنهم صاحب المغني في كلامه المذكور، وأن الحنفية يقولون: إن الحد لا يورث، وهو ظاهر المذهب الحنبلي، وأن بعض أهل العلم قال: لا يحد قذف ميتة بحال. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم في هذه المسألة: أن قذف الأم إن كان يستلزم نفي نسب ولدها فلها القيام حية، ولولدها القيام إذا لم تطالب هي لأنه مقذوف بقذفها، خلافاً لما في كلام صاحب المغني، وكذلك إن كانت ميتة فله القيام، ويحد له القاذف. وقول صاحب المغني تعتبر حصانته هو دون حصانتها هي لم يظهر له معنى، لأن نفي نسب إنسان لا تشترط فيه حصانة المنفي نسبه، لأنا لو فرضنا أنها جاءت به من زنى، فإنه هو لا ذنب له، ولا يعتبر زانيا كما ترى. والحاصل: أن قذف الأم إن كان يستلزم قذف ولدها، فالأظهر إقامة الحد على القاذف بطلب الأم، وبطلب الولد، وإن كانت حية، لأنه مقذوف وأحرى إن كانت ميتة، وإن كانت الأم لا ولد لها أو لها ولد لا يستلزم قذفها قذفه فهي مسألة: هل يحد من قذف ميتاً أو لا؟ وقد رأيت خلاف العلماء فيها، ولكل واحد من القولين وجه من النظر، لأن الظاهر أن حرمة عرض الإنسان لا تسقط بالموت، وهذا يقتضي حد من قذف ميتة، ووجه الثاني: أن الميتة لا يصح منها الطلب، فلا يحد بدون طلب، لأن من مات لا يتأذى بكلام القاذف، وإن كان كذباً بل يفرح به، لأنه يكون له فيه حسنات، وإن كان حقاً ما رماه به، فلا حاجة له بحده بعد موته، لأنه لم يقل إلا الحق وحده وهو صادق لا حاجة للميت فيه. اهـ. وأقربهما عندي أنه يعزر تعزيراً رادعاً ولا يقام عليه الحد. واعلم أن الحي إذا قذفه آخر بالزنا، وهو يعلم في نفسه أن القاذف صادق، فقد قال بعض أهل العلم: إن له المطالبة بحده مع علمه بصدقه فيما رماه به، وهو مذهب مالك، ومن وافقه. والأظهر عندي أنه إن كان يعلم أنما قذفه به حق أنه لا تنبغي له المطالبة بحده، لأنه يتسبب في إيذائه بضرب الحد، وهو يعلم أنه محق فيما قال: والعلم عند الله تعالى. وذكر غير واحد من أهل العلم أن من قذف أم النبي صلى الله عليه وسلم أو قذفه هو صلى الله عليه وسلم أن ذلك ردة، وخروج من دين الإسلام، وهو ظاهر لا يخفى، وأن حكمه القتل، ولكنهم اختلفوا إذا تاب هل تقبل توبته؟ فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أنه لا تقبل توبته ويقتل على كل حال وقال بعض أهل العلم: تقبل توبته إن تاب، وهذا الأخير أقرب لكثرة النصوص الدالة على قبول توبة من تاب، ولو من أعظم الكفر أنواع. والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة والعشرون: في حكم من قذف ولده: وقد اختلف أهل العلم في ذلك. قال في المغني: وإذا قذف ولده وإن نزل لم يجب الحد عليه، سواء كان القاذف رجلاً أو امرأة وبهذا قال عطاء، والحسن، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال مالك، وعمر بن عبد العزيز، وأبو ثور، وابن المنذر عليه الحد لعموم الآية، ولأنه حد فلا تمنع من وجوبه قرابة الولادة كالزنى. وأظهر القولين دليلاً: أنه لا يحد الوالد لولده لعموم قوله: {أية : وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} تفسير : [البقرة: 83] [النساء: 36]، [الإنعام: 151]، [الإسراء: 23] وقوله {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} تفسير : [الإسراء: 23] فلا ينبغي للولد أن يطلب حد والده للتشفي منه، وقول المالكية في هذه المسألة في غاية الإشكال، لأنهم يقولون: إن الولد يمكن من حد والده القاذف له وأنه يعد بحده له فاسفاً بالعقوق كما قال خليل في مختصره وله حد أبيه وفسق، ومعلوم أن الفسق لا يكون إلا بارتكاب كبيرة، والشرع لا يمكن أحداً من ارتكاب كبيرة. كما ترى مع أن الروايات عن مالك نفسه ظاهرها عدم الحد وقاله غير واحد من أهل مذهبه. المسألة السادسة والعشرون: في حكم من قتل أو أصاب حداً خارج الحرم، ثم لجأ إلى الحرم هل يستوفي منه الحق في الحرم، أو لا يستوفي منه حتى يخرج من الحرم؟ اعلم أن هذه المسألة فيها للعلماء ثلاثة مذاهب: الأول: أنه يستوفي منه الحق قصاصاً كان أو أحداً قتلاً كان أو غيره. الثاني: أنه لا يستوفى منه حد ولا قصاص ما دام في الحرم سواء كان قتلاً أو غيره. الثالث: أنه يستوفى منه كل شيء من الحدود إلا القتل، فإنه لا يقتل في الحرم في حد كالرجم، ولا في قصاص والخلاف في هذه المسألة مشهور عند أهل العلم. قال ابن قدامة في المغني: وجملته أن من جنى جناية توجب قتلاً خارج الحرم، ثم لجأ إليه لم يستوف منه فيه، وهذا قول ابن عباس: وعطاء، وعبيد بن عمير، والزهري، وإسحاق ومجاهد، والشعبي، وأبي حنيفة وأصحابه. وأما غير القتل من الحدود كلها والقصاص فيما دون النفس، فعن أحمد روايتان: إحداهما: لا يستوفى من الملتجيء إلى الحرام فيه. والثانية: يستوفى وهو مذهب أبي حنيفة، لأن الروي عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن القتل لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : فلا يسفك فيها دم" تفسير : وحرمة النفس أعظم فلا يقاس غيرها عليها ولأن الحد بالجلد جرى مجرى التأديب فلم يمنع كتأديب السيد عبده والأولى ظاهر كلام الخرقي، وهي ظاهر المذهب. قال أبو بكر: هذه مسألة وجدتها مفردة لحنبل عن عمه: أن الحدود كلها تقام في الحرم إلا القتل والعمل على أن كل جان دخل الحرم لم يقم عليه حد جنايته، حتى يخرج منه إلى أن قال: وقال مالك والشافعي وابن المنذر: يستوفى منه فيه لعموم الأمر بجلد الزاني، وقطع السارق، واستيفاء القصاص من غير تخصيص بمكان دون مكان.اهـ محل الغرض منه. وقال ابن حجر في فتح الباري. وقال أبو حنيفة: لا يقتل في الحرم، حتى يخرج إلى الحل باختياره ولكن لا يجالس ولا يكلم، ويوعظ، ويذكر حتى يخرج. وقال أبو يوسف: يخرج مضطراً إلى الحل وفعله ابن الزبير. وروى ابن أبي شيبة من طريق طاوس عن ابن عباس: من أصاب حداً ثم دخل الحرم لم يجالس ولم يبايع. وعن مالك والشافعي: يجوز إقامة الحد مطلقاً فيها، لأن العاصي هتك حرمة نفسه فأبطل ما جعل الله له من الأمن.اهـ محل الغرض منه. وقال الشوكاني في نيل الأوطار مشيراً إلى إقامة الحدود واستيفاء القصاص في الحرم، وقد ذهب إلى ذلك مالك والشافعي وهو اختيار ابن المنذر، ويؤيد ذلك عموم الأدلة القاضية باستيفاء الحدود في كل مكان وزمان. وذهب الجمهور من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، والحنيفة، وسائر أهل العراق، وأحمد ومن وافقه من أهل الحديث والعترة: إلى أنه لا يحل أن يسفك بالحرم دماً، ولا يقيم به حداً حتى يخرج منه من لجأ إليه. اهـ محل الغرض منه. وإذا عرفت من هذه النقول أقوال أهل العلم في هذه المسألة فهذه أدلتهم ومناقشتها: أما الذين قالوا: يستوفى منه كل حد في الحرم إن لجأ إليه كمالك، والشافعي، وابن المنذر، ومن وافقهم، فقد استدلوا بأدلة: منها: أن نصوص الكتاب والسنة الدالة على إقامة الحدود واستيفاء القصاص، ليس في شيء منها تخصيص مكان دون مكان ولا زمان دون زمان، وظاهرها شمول الحرم وغيره. قالوا: والعمل بظواهر النصوص واجب، ولا سيما إذا كثرت. ومنها: أن استيفاء القصاص وإقامة الحدود حق واجب بتشريع الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وفعل الواجب الذي هو عين طاعة الله في الحرم ليس فيه أي انتهاك لحرمة الحرم، لأن أحق البلاد، بأن يطاع فيها الله بامتثال أوامره هي حرمة، وطاعة الله في حرمة ليس فيها انتهاك له كما ترى. أما استدلال هؤلاء بما في الصحيحين بلفظ إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدم ولا فاراً بخربة، فهو استدلال في غاية السقوط، لأن من ظن أنه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد غلط غلطاً فاحشاً، لأنه من كلام عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق كما هو صريح في الصحيحين وغيرهما، قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح العدوي "أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: أئذن لي أيها الأمير أحدثك قولاً قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغد من يوم الفتح، فسمعته أذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، إنه حمد الله، وأثنى عليه ثم قال: حديث : إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا له: إن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأذن لكم وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ، الشاهد الغائب، تفسير : فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح: إن الحرم لا يعيذ عاصياً إلى آخره، وهذا صريح في أنه من كلام عمرو بن سعيد الأشدق يعارض به أبا شريح" لما ذكر له كلام النبي صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أنه لا حجة البتة في كلام الأشدق، ولا سيما في حال معارضته به لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان كلامه لا يطابق الجواب عن الحديث الذي ذكره أبو شريح رضي الله عنه. وفي صحيح مسلم رحمه الله مثل ما في البخاري من حديث أبي شريح إسناداً ومتناً. وإذا تقرر أن القائل إن الحرم لا يعيذ عاصياً إلى آخره هو الأشدق علمت أنه لا دلالة فيه وكذلك احتجاجهم بما ثبت في الصحيح من أنه صلى الله عليه وسلم "أمر بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة" لأن أمره بقتله وهو متعلق بأستار الكعبة في نفس الوقت الذي أحل الله له في الحرم، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم أن حرمتها عادت كما كانت، ففعله صلى الله عليه وسلم في وقت إحلال له ساعة في نهار، لا دليل فيه بعد انقضاء وقت الإحلال ورجوع الحرمة كما ترى. وأما الذين منعوا القتل في الحرم دون ما سواه من الحدود التي لا قتل فيها والقصاص في غير النفس، فقد احتجوا بأن الحديث الصحيح الذي هو حديث أبي شريح المتفق عليه فيه "حديث : فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً؛"تفسير : قالوا تصريحه صلى الله عليه وسلم بالنهي عن سفك الدم، دون غيره دليل على أنه ليس كغيره، ولا يقاس غيره عليه، لأن النفس أعظم حرمة مما لا يستوجب القتل من حد أو قصاص في غير النفس فيبقى غير القتل داخلاً في عموم النصوص المقتضية له في كل مكان وزمان، ويخرج خصوص القتل من تلك العمومات بهذا الحديث الصحيح، ويؤيده أن قوله: دماً نكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم، فيشمل العموم المذكور إراقة الدم في قصاص أو حد أو غير ذلك. واستدلوا أيضاً بقول ابن عمر رضي الله عنهما: لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجته. قال المجد في المنتقي: حكاه أحمد في رواية الأثرم. وأما الذين قالوا: بأن الحرم لا يستوفى فيه شيء من الحدود، ولا من القصاص قتلاً كان أو غيره، فقد استدلوا بقوله تعالى: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} تفسير : [آل عمران: 97]، قالوا وجملة، {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}، خبر أريد به الإنشاء فهو أمر عام، يستوجب أمن من دخل الحرم، وعدم التعرض له بسوء، وبعموم النصوص الدالة على تحريم الحرم. واستدلوا أيضاً بآثار عن بعض الصحابة، كما روي عن ابن عباس، أنه قال في الذي يصيب حداً ثم يلجأ إلى الحرم: يقام عليه الحد، إذا خرج من الحرم، قال المجد في المنتقى: حكاه أحمد في رواية الأثرم، وهذا ملخص أقوال أهل العلم وأدلتهم في هذه المسألة. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر والله تعالى أعلم أن أجرى هذه الأقوال على القياس قول من قال: يستوفى من اللاجئ إلى الحرم كل حق وجب عليه شرعاً، قتلاً كان أو غيره، لأن إقامة الحدود واستيفاء القصاص مما أوجبه الله، وفعل ذلك طاعة، وتقرب إليه وليس في طاعة الله، وامتثال أمره انتهاك لحرمة حرمه، وأجراها على الأصول، وهو أولاها، هو الجمع بين الأدلة، وذلك بقول من قال: يضيق علي الجاني اللاجئ إلى الحرم، فلا يباع له، ولا يشتري منه، ولا يجالس، ولا يكلم حتى يضطر إلى الخروج، فيستوفى منه حق الله إذا خرج من الحرم، لأن هذا القول جامع بين النصوص، فقد جمع بين استيفاء الحق، وكون ذلك ليس في الحرم، وفي هذا خروج من الخلاف. والعلم عند الله تعالى. ولنكتف بما ذكرنا من أحكام هذه الآية.
الواحدي
تفسير : {والذين يرمون} بالزِّنا {المحصنات} الحرائر العفائف {ثمَّ لم يأتوا} على ما رموهنَّ به {بأربعة شهداء} أَيْ: يشهدون عليهنَّ بذلك {فاجلدوهم} أَي: الرَّامين {ثمانين جلدة} يعني: كلَّ واحدٍ منهم {ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً} لا تُقبل شهادتهم إذا شهدوا؛ لأنَّهم فسقوا برمي المحصنات إلاَّ أن يرجعوا ويُكذِّبوا أنفسهم ويتركوا القذف، فحينئذٍ تُقبل شهادتهم لقوله تعالى: {إلاَّ الذين تابوا من بعد ذلك}. {والذين يرمون أزواجهم} يقذفونهنَّ بالزِّنا {ولم يكن لهم شهداء إلاَّ أنفسهم} يشهدون على صحَّة ما قالوا [إلاَّ هم] {فشهادة أحدهم أربع شَهاداتٍ بالله} أربع مرات أنَّه صادقٌ فيما قذفها به، يُسقط عنه الحدَّ، ثم يقول في الخامسة: لعنةُ الله عليه إنْ كان من الكاذبين، فإذا فعل الزَّوج هذا وجب الحدُّ على المرأة، ويسقط ذلك عنها بأن تقول: أشهد بالله إنَّه لمن الكاذبين فيما قذفني به، أربع مرات، وذلك قوله تعالى: {ويدرأ عنها العذاب} أَيْ: يدفع عنها عقوبة الحدِّ، والخامسة تقول: عليَّ غضب الله إنْ كان من الصَّادقين.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يرمون: أي يقذفون. المحصنات: أي العفيفات والرجال هنا كالنساء. فاجلدوهم: أي حداً عليهم واجباً. ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً: لسقوط عدالتهم بالقذف للمؤمنين والمؤمنات. إلا الذين تابوا: فإنهم بعد توبتهم يعود إليهم اعتبارهم وتصح شهادتهم. معنى الآيتين: بعد بيان حكم الزناة بين تعالى حكم القذف فقال: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} أي والذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بالفاحشة وهي الزنا واللواط بأن يقول فلان زان أو لائط فيقذفه بهذه الكلمة الخبيثة فإن عليه أن يحضر شهوداً أربعة يشهدون أمام الحاكم على صحة ما رمى به أخاه المؤمن فإن لم يأت بالأربعة شهود أقيم عليه الحد المذكور في الآية: وهو جلد ثمانين جلدة على ظهره وتسقط عدالته حتى يتوب وهو معنى قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} أي عن طاعة الله ورسوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ} بأن كذبوا أنفسهم بأنهم ما رأوا الفاحشة وقوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} فيغفر لهم بعد التوبة {رَّحِيمٌ} بهم يرحمهم ولا يعذبهم بهذا الذنب العظيم بعدما تابوا منه. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- بيان حد القذف وهو جلد ثمانين جلدة لمن قذف مؤمناً أو مؤمنة بالفاحشة وكان المقذوف بالغاً عاقلاً مسلماً عفيفاً أي لم يعرف بالفاحشة قبل رمية بها. 2- سقوط عدالة القاذف إلا أن يتوب فإنه تعود إليه عدالته. 3- قبول توبة التائب إن كانت توبته صادقة نصوحاً.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمُحْصَنَاتِ} {ثَمَانِينَ} {شَهَادَةً} {وَأُوْلَـٰئِكَ} {ٱلْفَاسِقُونَ} (4) - فِي هَذِهِ الآيَةِ يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى حُكْمَ الذينَ يَتَّهِمُونَ المُحَصَنَاتِ العَفِيفَاتِ بالزِّنَا (وَهُنَّ الحَرَائِرُ البَالِغَاتُ العَفِيفَاتُ). وإِذَا كَانَ المَقْذُوفُ رَجُلاً يُجْلَدُ قَاذِفُه أيضاً. فَإِذَا أَقَامَ القَاذِفُ البَيِّنَةَ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ، دَرَأ ذَلِكَ الحَدَّ عَنْهُ. فَإِذَا لَمْ يَأتِ القَاذِفُ بِأَرْبَعَةِ رِجَالٍ يَشْهَدُونَ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ، وَيُثْبِتُونَ صِحَّةَ دَعْوَاهُ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيهِ بِثَلاَثِ عُقُوبَاتٍ: - يُجْلَدُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً. - تُرَدُّ شَهَادَتُهُ. - يُعَدُّ فَاسِقاً لَيْسَ بِعَدْلٍ لاَ عِنْدَ اللهِ وَلاَ عِنْدَ النَّاسِ. يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ - يَقْذِفُونَ العَفِيفَاتِ بِالزِّنَى.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الرمي: قذف شيء بشيء، والمحصنات: جمع مُحْصنة من الإحصان، وهو الحفظ، ومنه قولنا: فلان عنده حصانة برلمانية مثلاً. يعني: تكفّل القانون بحفظه؛ لذلك إنْ أرادوا محاسبته أو مقاضاته يرفعون عنه الحصانة أولاً، ومنه أيضاً كلمة الحصن وهو الشيء المنيع الذي يحمي مَنْ بداخله. يقول تعالى: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ ..} تفسير : [الأنبياء: 80] يعني: الدروع التي تحمي الإنسان وتحفظه في الحرب. والمحصنات: تُطلَق على المتزوجة، لأنها حصَّنَتْ نفسها بالزواج أن تميل إلى الفاحشة، وتطلق أيضاً على الحرة، لأنهم في الماضي كانت الإماء هُنَّ اللائي يدعين لمسألة البغاء، إنما لا تقدم عليها الحرائر أبداً. لذلك فإن السيدة هنداً التي نُسيِّدها الآن بعد إسلامها، وهي التي لاكتْ كبد سيدنا حمزة في غزوة أحد، لكن لا عليها الآن؛ لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله. لما سمعت السيدة هند رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى النساء عن الزنا قالت: أو تزني حُرَّة؟ لأن الزنا انتشر قبل الإسلام بين البغايا من الإماء، حتى كانت لهن رايات يرفعْنها على بيوتهن ليُعرفْنَ بها. والمعنى: يرمون المحصنات بما ينافي الإحصان، والمراد الزنا {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ..} [النور: 4] وهذا يُسمَّى حدَّ القذف، أن ترمي حُرّة بالزنا وتتهمها بها، ففي هذه الحالة عليك أنْ تأتي بأربعة شهداء يشهدون على ما رميْتها به، فإن لم تفعل يُقام عليك أنت حَدُّ القذف ثمانين جلدة، ثم لا ينتهي الأمر عند الجَلْد، إنما لا تُقبل منك شهادة بعد ذلك أبداً. {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً ..} [النور: 4] لماذا؟ لأنه لم يَعُدْ أهلاً لها؛ لأنه فاسق {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [النور: 4] والفاسق لا شهادةَ له، وهكذا جمع الشارع الحكيم على القاذف حَدَّ الجلْد، ثم أسقط اعتباره من المجتمع بسقوط شهادته، ثم وصفه بعد ذلك بالفسق، فهو في مجتمعه ساقط الاعتبار ساقط الكرامة. هذا كله ليزجر كل مَنْ تسوِّل له نفسه الخوْضَ في أعراض الحرائر واتهام النساء الطاهرات؛ لذلك عبَّر عن القَذْف بالرمي؛ لأنه غالباً ما يكون عن عجلة وعدم بينة، فالحق - تبارك وتعالى - يريد أن يحفظ مجتمع الإيمان من أن تشيع فيه الفاحشة، أو مجرد ذكرها والحديث عنها. ثم يقول الحق سبحانه: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ ...}.
الصابوني
تفسير : [2] قذفُ المحصنات من الكبائر التحليل اللفظي {يَرْمُونَ}: أي يقذفون بالزنى، وأصل الرمي القذف بالحجارة أو بشيء صلب، ثم استعير للقذف باللسان، لأنه يشبه الأذى الحسي كما قال النابغة: (وجرحُ اللسان كجرح اليد) وقال الشاعر: شعر : رماني بأمرٍ كنتُ منه ووالدي بريئاً ومن أجل الطَوّي رماني تفسير : أي اتهمني بشيء أنا منه برئ. {ٱلْمُحْصَنَاتِ}: العفيفات جمع محصنة بمعنى العفيفة قال تعالى: {أية : وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} تفسير : [الأنبياء: 91] أي عفّت، وأصل الإحصان المنع ومنه يسمى (الحصن) قال في "لسان العرب": يقال امرأة حَصَان وحَاصِن وكلّ امرأة عفيفة مُحصَنَة ومُحْصنة (بالفتح والكسر) وكل امرأة متزوجة مَحصَنة (بالفتح) لا غير، وفي شعر حسان يثني على عائشة رضي الله عنها: شعر : حَصَان رزان ما تُزَنّ بريبة وتصبح غَرْثى من لحوم الغوافل تفسير : والمرأة تكون محصنة بالإسلام، والعفاف، والحرية، والتزوج كما سيأتي إن شاء الله تعالى. {شُهَدَآءَ}: جمع شاهد، أي يشهدون عليهن بوقوع الزنى، والمراد بالشهداء الرجال لأن الآية ذكرت العدد مؤنثاً (بأربعة) ومن المعلوم أن العدد يؤنث إذا كان المعدود مذكراً، ويُذكَّر إذا كان المعدود مؤنثاً فتقول (أربع نسوة، وأربعة رجال) فلا تقبل شهادة النساء في حد القذف كما لا تقبل في حد الزنى ستراً على العباد. {فَٱجْلِدُوهُمْ}: قال القرطبي: الجلد الضرب، والمجالدة المضاربة في الجلود أو بالجلود، ثم استعير الجلد لغير ذلك من سيف أو غيره، ومنه قول (قيس بن الخطيم): شعر : أجالدهم يومَ الحديقة حاسراً كأنَّ يدي بالسيف محْرَاق لاعب تفسير : وقد تقدم معنى الجلد في آيات الزنى مفصلاً فارجع إليه. {ٱلْفَاسِقُونَ} جمع فاسق وهو العاصي، والفسقُ الخروجُ عن الطاعة، ومجاوزة الحد في ارتكاب المعاصي قال تعالى: {أية : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} تفسير : [الكهف: 50] وكل خارج عن طاعة الله يسمى فاسقاً، وكل منكر أو مكذب لآيات الله يسمى كافراً. المعنى الإجمالي يخبر الله جل ثناؤه بأن الذين ينتهكون حرمات المؤمنين، فيرمون العفائف الشريفات الطاهرات بالفاحشة، ويتهمونهن بأقدس وأثمن شيء لدى الإنسان ألا وهو (العرض والشرف) فينسُبونهن إلى الزنى، ثم لم يأتوا على دعواهم بأربعة شهداء عدول، يشهدون عليهن بما نسبوا إليهن من الفاحشة فاجلدوا الذين رموهن بذلك (ثمانين) جلدة، لأنهم فسقة كذبة يتهمون الأبرياء ويحبون إشاعة الفاحشة، وزيدوا لهم في العقوبة بإهدار كرامتهم الإنسانية، فلا تقبلوا شهادة أي واحد منهم ما دام مصراً على بهتانه وأولئك عند الله من أسوأ الناس منزلة وأشدهم عذاباً، لأنهم فساق خارجون عن طاعة الله عزّ وجلّ، لا يحفظون كرامة مؤمن، ويقعون في أعراض الناس شأن أهل الضلال والنفاق، الذين يسعون لتهديم المجتمع الإسلامي وتقويض بنيانه، وأما إذا تابوا وأنابوا وغيّروا سيرتهم وأصلحوا أحوالهم، ورجعوا عن سلوك طريق الغي والضلال فاعفوا عنهم واصفحوا، واقبلوا اعتذارهم، وردوا إليهم اعتبارهم، فإن الله غفور رحيم يقبل توبة عبده إذا تاب وأناب وأصلح حاله. سبب النزول يرى بعض المفسرين أن هذه الآيات نزلت بسبب (حادثة الإفك) التي اتهمت فيها أم المؤمنين العفيفة البريئة الطاهرة الصدِّيقة (عائشة بنت أبي بكر الصديق) رضي الله عنها زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي نزلت براءتها من السماء فكان ذلك درساً بليغاً للأمة، وعبرة للأجيال في جميع العصور والأزمان. قال ابن جرير الطبري رحمه الله: وذُكِر أن هذه الآية إنما نزلت في الذين رموا عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم بما رموها به من الإفك: ثم روى عن سعيد بن جبير أنه سئل (هل الزنى أشد أو قذف المحصنة)؟ قال: لا بل الزنى، قلت: إن الله يقول: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} قال: إنما هذا في حديث عائشة خاصة. والصحيح ما ذكره القرطبي واختاره الطبري أن هذه الآية نزلت بسبب القذفة عامة لا في تلك النازلة بعينها فهي حكم من الله عام لكل قاذف، ومن المعلوم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: قوله تعالى: {يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} أجمع العلماء أن المراد به (الرمي بالزنى) واستدلوا على ذلك بوجوه: أحدها: تقدم ذكر الزنى في الآيات السابقة. ثانيها: أنه تعالى ذكر (المحصنات) وهن العفائف فدل على أن المراد رميها بضد العفاف وهو الزنى. ثالثها: انعقاد الإجماع على أنه لا يجب (الجلد) بالرمي بغير الزنى. رابعها: قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} ومعلوم أن هذا العدد غير مشروط إلا في الزنى. أفاده الفخر الرازي. اللطيفة الثانية: تخصيص النساء في قوله {ٱلْمُحْصَنَاتِ} لخصوص الواقعة، ولأن قذفهن أغلب وأشنع، وفيه إيذاء لهن ولأقربائهن، وإلا فلا فرق بين الذكر والأنثى في الحكم، وقيل في الآية حذف تقديره (الأنفس المحصنات) فيكون اللفظ شاملاً للنساء والرجال وقد حُكي هذا عن ابن حزم، والراجح أنه من باب التغليب. اللطيفة الثالثة: في التعبير بالإحصان إشارة دقيقة إلى أن من قذف غير العفيف (من الرجال أو النساء) لا يحد حد القذف، وذلك فيما إذا كان الشخص معروفاً بفجوره، أو اشتهر بالعبث والمجون، فإن حد القذف إنما شرع لحفظ كرامة الإنسان الفاضل، ولا كرامة للفاسق الماجن، فتدبر السر الدقيق. اللطيفة الرابعة: حكم الله تعالى على قاذف المحصنة (العفيفة) بثلاث عقوبات. 1 - الجلد ثمانين جلدة عقوبة له. 2 - إهدار الكرامة الإنسانية برد الشهادة. 3 - تفسيق القاذف بجعله في زمرة (الفسقة). ولم يحكم في الزنى إلا بالجلد مائة جلدة للبكر، وفي ذلك دليل على خطورة هذه التهمة، وعلى أن القذف من الكبائر، وأن جريمته عند الله عظيمة. اللطيفة الخامسة: قوله تعالى {وَأَصْلَحُواْ} فيه دليل على أن التوبة وحدها لا تكفي، بل لا بد من ظهور أمارات الصلاح عليه، فإن هذا الذنب مما يتعلق بحقوق العباد ولذلك شدد فيه. قال الرازي: قال أصحابنا إنه بعد التوبة لا بد من مضيِّ مدة عليه لظهور حسن الحال حتى تقبل شهادته وتعود ولايته، ثم قدَّروا تلك المدة بسنة كما يضرب للعنيّن أجل سنة. اللطيفة السادسة: قال ابن تيمية: ذكَرَ تعالى عدد الشهداء، وأطلق صفتهم، ولم يقيدهم (ممن نرضى) ولا (من ذوي العدل) لكن يقال: لم يقيدهم بالعدالة وقد أمرنا الله أن نحمل الشهادة المحتاج إليها لأهل العدل والرضى لقوله {أية : وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ} تفسير : [الأنعام: 152] وقوله: {أية : كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [النساء: 135] وقوله: {أية : وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ}تفسير : [المعارج: 33] فهم يقومون بها بالقسط لله فيشترط هنا ما اشتُرط هناك. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما هي معاني الإحصان؟ ورد معنى (الإحصان) في الشريعة الإسلامية لأربعة أمور وهي: أ - العفة: قال تعالى: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}تفسير : [المائدة: 5] بمعنى العفيفات من المؤمنات والعفيفات من الكتابيات. ب - الحرية: قال تعالى: {أية : فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النساء: 25] أي أن عقوبة الأمة المملوكة نصف عقوبة الحرة. ج - التزوج: قال تعالى: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ...}تفسير : إلى قوله {أية : وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 23-24] أي المتزوجات من النساء. د - الإسلام: قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من أشرك بالله فليس بمحصن" تفسير : فالإنسان يكون محصناً بالعفاف وبالحرية وبالإسلام وبالتزوج وأشهر معاني إطلاق لفظ الإحصان (العفة) وهو المراد بالآية الكريمة فمن قذف شخصاً غير عفيف لا يحد باتفاق الفقهاء. الحكم الثاني: ما هي شروط القذف؟ للقذف شروط لا بد من توفرها حتى يكون جريمة تستحق عقوبة الجلد، وهذه الشروط عديدة.. منها ما يجب توفره في (القاذف) ومنها ما يجب توفره في (المقذوف) ومنها ما يجب توفره في الشيء (المقذوف به). أما شروط القاذف فهي ثلاثة (1- العقل، 2- البلوغ، 3- الاختيار) فإن هذه أصل التكليف، ولا تكليف بدون هذه الأشياء والآية الكريمة وإن لم تشرط إلا عجز القاذف عن الإتيان بأربعة شهداء {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} ولم تشرط العقل والبلوغ وعدم الإكراه، إلا أن ذلك من قواعد الشريعة التي عُلِمت من النصوص الأخرى فإذا قذف المجنون أو الصبي أو المكره، فلا حد على واحد منهم لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : رُفعَ عن أمتي الخطأُ والنسيانُ، وما استكرهوا عليه"تفسير : أي ما أكرهوا عليه من الأقوال والأعمال. ولأن العقل مدار التكليف، والمجنونُ لا يعتد بكلامه فلا يؤثر قذفه... أما إذا كان الصبي مراهقاً بحيث يؤذي قذفه فإنه يعزَّر تعزيراً مناسباً لكن لا يحد حد القذف. لأن من شروط حد القذف البلوغ. الحكم الثالث: ما هي الشروط اللازم توفرها في المقذوف؟ ظاهر الآية الكريمة {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} يتناول جميع العفائف سواء أكانت مسلمة أو كافرة، حرة أو رقيقة إلاَّ أن الفقهاء شرطوا في المقذوف خمسة شروط وهي: (1 - الإسلام، 2 - العقل 3 - البلوغ 4 - الحرية 5 - العفة عن الزنى) وهذه الشروط يجب أن تتوفر في المقذوف حتى يقام الحد على القاذف وسنفصلها بعض التفصيل: أولاً: أما الإسلام: فهو شرط لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أشرك بالله فليس بمحصن"تفسير : وقد تقدم الحديث ومعناه على رأي جمهور العلماء: من أشرك بالله فلا حد على قاذفه، لأن غير المسلم (المشرك) لا يتورع عن الزنى فليس هناك ما يردعه عن ارتكاب الفاحشة إذ أنه ليس بعد الكفر ذنب، وكل جريمة تتصور من الكافر. قال ابن العربي: ولأن عِرض الكافر لا حرمة له، كالفاسق المعلن لا حرمة لعرضه، بل هو أولى لزيادة الكفر على المعلن بالفسق. ثانياً: وأما العقل: فلأنَّ الحد إنما شرع للزجر عن الأذية بالضرر الواقع على المقذوف، ولا مضرة على من فقد العقل، فلا يحد قاذفه. ثالثاً: وأما البلوغ: فالأصل فيه أن الطفل لا يتصور منه الزنى كما لا يتصور النظر من الأعمى، فلا يحد قاذف الصغير أو الصغيرة عند الجمهور. وقال مالك رحمه الله: إذا رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى كان قذفاً: وقال أحمد رحمه الله: في الصبيَّة بنت تسع يحد قاذفها. قال ابن العربي: والمسألة محتملة مشكلة، لكن مالك غلْب عرض المقذوف، وغيره راعي حماية ظهر القاذف، وحمايةُ عرض المقذوف أولى لأن القاذف كشف ستره بطرف لسانه فلزمه الحد. وصحح ابن المنذر الرأي الأول فقال: لا يحد من قذف من لم يبلغ، لأن ذلك كذب ويعزر على الأذى. رابعاً: وأما الحرية: فالجمهور على اشتراطها، لأن مرتبة العبد تختلف عن مرتبة الحر، فقذف العبد - وإنْ كان حراماً - إلا أنه لا يحد القاذف وإنما يعزر لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قذف مملوكه بالزنى أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال"تفسير : ولأن العبد ناقص الدرجة فلا يعظم عليه التعبير بالزنى. قال العلماء: (وإنما كان ذلك في الآخرة لارتفاع الملك، واستواء الشريف والوضيع، والحر والعبد، ولم يكن لأحد فضل إلا بالتقوى، ولما كان ذلك تكافأ الناس، وإنما لم يتكافئوا في الدنيا لئلا تدخل الداخلة على المالكين، وتفسد العلاقة بين السادة والعبيد، فلا تصل لهم حرمة، ولا فضلٌ في منزلة وتبطل فائدة التسخير، حكمة من الحكيم العليم لا إلٰه إلا هو...). وأما ابن حزم فقد خالف جمهور الفقهاء، فرأى أن قذف العبد يوجب الحد، وأنه لا فرق بين الحر والعبد في هذه الناحية وقال: "وأما قولهم لا حرمة للعبد، ولا للأَمَةِ، فكلام سخيف، والمؤمن له حرمة عظيمة، وربَّ عبد جلفٍ خيرٌ من خليفة قرشي عند الله تعالى" أقول: رأيُ ابن حزم هذا رأي وجيه لو لم يصادم النص المتقدم الذي استدل به الجمهور والأحكامُ لا تؤخذ بالآراء، وإنما بما ثبت عن المعصوم صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله... والحديثُ ثابت في "الصحيحين" فلا عبرة بخلافه. خامساً: وأما العفة: فهي شرط عند جميع الفقهاء لم يخالف في ذلك أحد وإنما اعتبرناها للنص القرآني الكريم (يرمون المحصنات) فشرطت الآية أن يكون المقذوف (محصناً) أي عفيفاً، إذ غير العفيف قد يتباهى بالفسق والفجور، ويعتبر ذلك (تقدمية) والتمسك بالفضيلة والدين (رجعية) كما نسمع في زماننا هذا عن بعض الفاسقين الخارجين على الدين والأخلاق والآداب. ولأن الحد مشروع لتكذيب القاذف فإذا كان المقذوف زانياً فعلاً فالقاذف صادق في قذفه، وإذا كان المقذوف مشهوراً بالمجون والدعارة فقد أوجد شبهة لقاذفه (والحدودُ تدرأ بالشبهات) فلا يحد القاذف. ولو زنى شاب في عنفوان شبابه، ثم تاب وحسن حاله ثم شاخ في الصلاح لا يحد قاذفه، لأن القاذف لم يكذب، وإنما يعزّر لأنه أشاع ما يجب ستره وإخفاؤه فكذلك لو قذف شخصاً مشهوراً بالفسق والفجور. ولكن ليس معنى عدم إقامة الحد في هذه الصور الخمس أن قاذف (المجنون أو الصبي أو الكافر أو العبد أو غير العفيف) لا يستحق عقوبة بل إنه يستحق التعزير ويبلغ به غايته لأنه أشاع الفاحشة، وقد حذّر الله تعالى منها بقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ}تفسير : [النور: 19] الآية. الحكم الرابع: ما هي ألفاظ القذف الموجبة للحد؟ تنقسم ألفاظ القذف إلى ثلاثة أقسام: (صريح، وكناية، وتعريض): أما الصريح: فهو أن يصرح القاذف في كلامه بلفظ الزنى مثل قوله: (يا زاني، أو يا زانية، أو يا ابن الزنى) أو ينفي نسبه عنه كقوله: لست ابن أبيك فهذا النوع قد اتفق العلماء على أنه يجب فيه الحد. أما الكناية: فمثل أن يقول: (يا فاسقة، يا فاجرة، يا خبيثة) أو هي لا تردُّ يدَ لامس، فهذه لا تكون قذفاً إلا أن يريده، وتحتاج إلى توضيح وبيان. أما التعريض: فمثل أن يقول: (لست بزانٍ.. وليست هي بزانية)، وقد اختلف العلماء في التعريض هل هو من القذف الموجب للحد أم لا؟ فذهب (مالك) رحمه الله إلى أنه قذف، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يكون قذفاً إلا إذا قال أردت به القذف. دليل مالك: استدل مالك بما روي عن عمرة بنت عبد الرحمٰن: أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب فقال أحدهما للآخر: واللَّهِ ما أبي بزان، ولا أمي بزانية، فاستشار عمر في ذلك فقال قائل: مدح أباه وأمه وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا نرى أن تجلده الحد، فجلده ثمانين. وقد حبس عمر رضي الله عنه الحطيئة لما قال: شعر : دع المكارمَ لا تَرْحل لبغيتها واقعد فإنك أنتَ الطّاعمُ الكاسي تفسير : لأنه شبهه بالنساء في أنهن يطعمن ويسقين ويكسون. قال القرطبي: والدليل لما قاله (مالك) هو أن موضوع الحد في القذف إنما هو لإزالة المعرّة التي أوقعها القاذف بالمقذوف فإذا حصلت المعرة بالتعريض وجب أن يكون قذفاً وقد قال تعالى حكاية عن مريم {أية : يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} تفسير : [مريم: 28] فمدحوا أباها ونفوا عن أمها البغاء. وعرّضوا لمريم بذلك ولذلك قال تعالى: {أية : وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 156] وكفرُهم معروف، والبهتانُ العظيم هو التعريض لها أي ما كان أبوك امرأ سوء، وما كانت أمك بغيا، أي وأنت بخلافهما وقد أتيت بهذا الولد. دليل الشافعية والأحناف: استدل الشافعي وأبو حنيفة بأن التعريض بالقذف محتمل للقذف ولغيره، والاحتمال شبهة والحدود تدرأ بالشبهات كما ورد في الحديث: (حديث : ادرءوا الحدود بالشبهات ). تفسير : وقالوا: إن الله عز وجل قد فرّق بين (التصريح) و (التعريض) في عدة المتوفى عنها زوجها، فحرم التصريح بالخطبة، وأباح التعريض بقوله تعالى: {أية : وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ...} تفسير : [البقرة: 235] الآية. فدل على أنهما ليسا في الحكم سواء... وروي عن الإمام أحمد رحمه الله روايتان: إحداهما أن التعريض ليس بقذف ولا حد فيه. والثانية: أنه قذف في حال الغضب دون حال الرضا. ومما يدل على ما ذهب إليه (الشافعية والأحناف) ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها قال حمر، قال: فهل فيها أورق؟ قال: نعم، قال: فكيف ذاك؟ قال لعله نزعه عرق؟ قال: فلعل هذا نزعه عرق فلم يعتبر هذا قذفاً مع أنه تعريض بزنى الزوجة. الحكم الخامس: ما هو حكم قاذف الجماعة؟ اختلف الفقهاء في حكم من قذف جماعة على ثلاثة مذاهب: أ - المذهب الأول: مذهب القائلين بأنه يحد حداً واحداً وهم الجمهور (أبو حنيفة ومالك وأحمد). ب - المذهب الثاني: مذهب القائلين بأن عليه لكل واحد حداً وهم (الشافعي والليث). ج - المذهب الثالث: مذهب الذين فرقوا بين أن يجمعهم في كلمة واحدة مثل أن يقول لهم: يا زناة أو يقول لكل واحد يا زاني. ففي الصورة الأولى يحد حداً واحداً، وفي الثانية عليه لكل واحد منهم حد، وهو مذهب (ابن أبي ليلى، والشعبي). دليل الجمهور: احتج أبو بكر الرازي على قول الجمهور بالكتاب والسنة، والقياس. أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} والمعنى أن كل من رمى المحصنات وجب عليه الجلد وذلك يقتضي أن قاذف الجماعة من المحصنات لا يجلد أكثر من ثمانين فمن أوجب على قاذف جماعة المحصنات أكثر من حد واحد فقد خالف الآية. وأما السنة: فما روي عن ابن عباس حديث : أن (هلال بن أمية) قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة أو حد في ظهرك" تفسير : فلم يوجب النبي على هلال إلا حداً مع أنه قذف زوجته وقذف معها (شريك بن سحماء). وأما القياس: فهو أن سائر ما يوجب الحد إذا تكرر منه مراراً لم يجب إلا حد واحد، كمن سرق مراراً، أو شرب الخمر مراراً، لم يحد إلا حداً واحداً فكذا هٰهنا. أدلة الشافعية: وأجاب الشافعية عن الأول بأن قوله (والذين) صيغة جمع، وقوله (المحصنات) صيغة جمع، وإذا قوبل الجمع بالجمع اقتضى القسمة على الآحاد، فيصير المعنى: كل من رمى محصناً واحداً وجب عليه الحد. وأجابوا عن الثاني بأنه قذفهما بلفظ واحد وقد قال الشافعي - في القديم - لا يجب إلا حدٌ واحدٌ اعتباراً باللفظ. وأجابوا عن القياس بأنه قياس مع الفارق فإن حد القذف حق الآدمي، بخلاف حد الزنى والشرب فإنه حق الله تعالى وحقوق الآدمي لا تتداخل. الترجيح: والصحيح الراجح هنا هو رأي الجمهور لقوة أدلتهم لأنه لو قذف قبيلة فأقمنا عليه لكل واحدٍ حداً هلك، والله أعلم. الحكم السادس: هل تشترط في الشهود العدالة؟ لم تذكر الآية الكريمة في صفة الشهداء أكثر من أنهم (أربعة) رجال من أهل الشهادة وللعلماء خلاف في أهل الشهادة من هم؟ فالشافعية يقولون: لا بد للشاهد أن يكون عدلاً، والحنفية يقولون: الفاسق من أهل الشهادة وعلى هذا تظهر ثمرة الخلاف؛ فإذا شهد أربعة فساق على المقذوف بالزنى فهم قذفةٌ عند الشافعية يحدون كما يحد القاذف الأول، والحنفية يقولون: لا حد على القاذف لأنه أتى بأربعة من أهل الشهادة، إلا أن الشرع لم يعتبر شهادتهم لقصور في (الفاسق) فثبت بشهادتهم شبهة الزنى فيسقط الحد عنهم وعن القاذف، فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه، فكذلك وجب اعتبارها في نفي الحد عنه وعن الشهود. وجه قول الشافعي رحمه الله: أنهم غير موصوفين بالشرائط في قبول الشهادة فخرجوا عن أن يكونوا شاهدين وبقوا محض قاذفين فيحدون حد القذف. وقد رجح ابن تيمية رحمه الله رأي الأحناف ودفع الحد عن الشهود. لوجود الشبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، كما وضَّحت ذلك السنَّة المطهرة. الحكم السابع: هل يشترط في الشهود أداؤهم للشهادة مجتمعين؟ ظاهر الآية الكريمة أنه لا فرق بين أن يؤدي الشهود شهادتهم مجتمعين أو متفرقين، وهذا مذهب (مالك والشافعي) رحمهما الله أخذاً بظاهر الآية. وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا جاءوا متفرقين فعليهم حد القذف، ولا يسقط الحد عن القاذف. حجة مالك والشافعي: أن الآية لم تشترط إلا أن يكونوا أربعة، ولم تَشْرط أداءهم للشهادة مجتمعين، فيكفي في الشهادة كيفما اتفق مجتمعين، أو متفرقين، بل إن شهادتهم متفرقين أبعدُ عن التهمة، وعلى القاضي أن يفرقهم إذا ارتاب من أمرهم ليظهر له وجه الحق في أدائهم للشهادة هل هم صادقون أم كاذبون؟ حجة أبي حنيفة: أما حجة أبي حنيفة فهي أن الشاهد الواحد لما شهد بمفرده صار قاذفاً فيجب عليه الحد وكذلك الثاني والثالث، ولا خلاص من هذا الإشكال إلا باشتراط الإجتماع.. واستدل بحادثة (المغيرة بن شعبة) لما شهد عليه أربعة وخالف أحدهم في الشهادة جلدهم عمر وستأتي قصتهم قريباً إن شاء الله تعالى. الحكم الثامن: هل عقوبة العبد مثل عقوبة الحر؟ اتفق الفقهاء على أن العبد إذا قذف الحر المحصن وجب عليه الحد، ولكن هل حده مثل حد الحر، أو على النصف منه؟ لم يثبت حكم ذلك في السنة المطهرة ولهذا اختلف الفقهاء فيه فالجمهور (وهو مذهب الأئمة الأربعة) على أن العبد إذا ثبت عليه القذف، فعقوبته (40) أربعون جلدة، لأنه حد يتنصف بالرق مثل حد الزنى، واستدلوا بقوله تعالى: {أية : فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النساء: 25] وذهب الأوزاعي وابن حزم وهو مذهب الشيعة إلى أنه يجلد (80) ثمانين جلدة، لأنه حد وجب صيانة لحق الآدميين إذ أن الجناية وقعت على عرض المقذوف، والجناية لا تختلف بالرق والحرية. ومن أدلة الجمهور ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال "أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن بَعدهَم من الخلفاء وكلهم يضربون المملوك في القذف أربعين جلدة".. وعن علي كرم الله وجهه أنه قال (يجلد العبد في القذف أربعين). قال ابن المنذر: والذي عليه الأمصار القول الأول (أي قول الجمهور) وبه أقول. وردّ الجمهور بأن آية القذف خاصة بالأحرار، فالحر إذا قذف محصناً حد ثمانين جلدة، وأما العبد فحده أربعون، فقاسوا القذف على حد الزنى، والله تعالى أعلم. الحكم التاسع: هل الحد حق من حقوق الله أو من حقوق الآدميين؟ ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن الحد حق من حقوق (الله) ويترتب على كونه حقاً من حقوق الله تعالى ما يلي: أ - أنه إذا بلغ الحاكم وجب عليه إقامة الحد وإن لم يطلب المقذوف. ب - لا يسقط بعفو المقذوف عن القاذف، وتنفع القاذف التوبة فيما بينه وبين الله تعالى. ج - يتنصف فيه الحد بالرق مثل الزنى. وذهب (الشافعي ومالك) إلى أنه حق من حقوق (الآدميين) ويترتب عليه ما يلي: أ - أن الإمام لا يقيمه إلا بطلب المقذوف. ب - يسقط بعفو المقذوف عن القاذف. ج - إذا مات المقذوف قبل إقامة الحد فإنه يورث عنه، ويسقط بعفو الوارث. ويرى بعض الفقهاء أن (حد القذف) فيه شائبة من حق الله. وشائبة من حق العبد، ومما لا شك فيه أن في القذف تعديّا على حقوق الله تعالى، وانتهاكاً لحرمة المقذوف، فكان في شرع الحد صيانةً لحق الله، ولحق العبد فيكون الحد مزيجاً منهما... ولعلَّ هذا هو الأرجح والله تعالى أعلم. الحكم العاشر: هل تقبل شهادة القاذف إذا تاب؟ حكم القرآن على القاذف بثلاثة أحكام: الأول: أن يجلد ثمانين جلدة. والثاني: أن لا تقبل له شهادة أبداً. والثالث: وصفه بالفسق والخروج عن طاعة الله تعالى. ثم عقّب الباري جل وعلا بعد هذه الأحكام الثلاثة بما يدل على (الاستثناء) فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وقد اختلف الفقهاء في هذا (الاستثناء) هل يعود إلى الجملة الأخيرة فيرفع عنه وصف الفسق ويظل مردود الشهادة؟ أم أن شهادته تقبل كذلك بالتوبة؟ على مذهبين: أ - مذهب أبي حنيفة: أن الاستثناء راجع إلى الجملة الأخيرة {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} فيرفع عنه وصف الفسق إذا تاب ولكن لا تقبل شهادته. ولو أصبح أصلح الصالحين، وهذا المذهب مروي عن (الحسن البصري والنخعي وسعيد بن جبير) وغيرهم من فقهاء التابعين. ب - مذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) أن الاستثناء راجع إلى الجملتين الأخيرتين {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} فإذا تاب قبلت شهادته ورفع عنه وصف الفسق وهذا المذهب مروي عن (عطاء وطاووس ومجاهد والشعبي وعكرمة) وغيرهم من علماء التابعين وهو الذي اختاره ابن جرير الطبري رحمهم الله أجمعين. وهذا الاختلاف بين الفقهاء مردّه إلى قاعدة أصولية: وهي: (هل الاستثناء الوارد بعد الجمل المتعاطفة بالواو يرجع إلى الكل أو إلى الأخير)؟ فالشافعية والمالكية يرجعونه إلى الجميع، والأحناف يرجعونه إلى الأخير فقط والمسألة تطلب من كتب الأصول وليس هذا محل تفصيلها. أدلة الأحناف: استدل الأحناف على عدم قبول شهادة القاذف مطلقاً بما يلي: أولاً: إن الاستثناء لو رجع إلى جميع الجمل المتقدمة لوجب أن يسقط عنه (الحد) وهو الجلد (ثمانين جلدة)، وهذا باطل بالإجماع، فتعَيّن أن يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط. ثانياً: إن الله تعالى قد حكم بعدم قبول شهادته على التأبيد {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} فلفظ (الأبد) يدل على الدوام والاستمرار حتى ولو تاب وأناب وأصبح من الصالحين، وقبول شهادته يناقض هذه الأبدية التي حكم بها القرآن. ثالثاً: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : المسلمون عدول بعضهم على بعض إلاّ محدوداً في قذف"تفسير : فإنه يدلّ على أن القاذف لا تقبل شهادته إذا حُدّ في القذف. أدلة الجمهور: وأما الجمهور فقد استدلوا على قبول شهادته بما يلي: أولاً: قالوا: إنّ التوبة تمحو الذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، فوجب أن يكون القاذف بعد التوبة مقبول الشهادة. ثانياً: إنّ الكفر أعظم جرماً من القذف، والكافر إذا تاب تقبل شهادته فكيف لا تقبل شهادة المسلم إذا قذف ثم تاب؟ وقد قال الشافعي رحمه الله: عجباً يقبل الله من القاذف توبته وتردُّون شهادته. ثالثاً: ما روي في حادثة (المغيرة بن شعبة) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب الحد الذين شهدوا على المغيرة وهم (أبو بكر، ونافع، ونفيع) حين قذفوه ثم قال لهم من أكذب نفسه قبلتُ شهادته ومن لم يفعل لم أجز شهادته، فأكذب (نافع ونفيع) أنفسهما وكان عمر يقبل شهادتهما، وأما (أبو بكرة) فكان لا يقبل شهادته ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. رابعاً: وقالوا: إن الاستثناء في الآية الكريمة كان ينبغي أن يرجع إلى الكل ولكن لما كان (الجلد ثمانين) من أجل حق المقذوف وكان هذا الحق من حقوق العباد لم يسقط بالتوبة، فبقي رد الشهادة والحكم بالفسق وهما من حق الله فيسقطان بالتوبة. يقول العلامة المودودي في "تفسير سورة النور" بعد أن ساق أدلة الفريقين: فرأيُ الطائفة الأولى هو الأرجح عندي في هذه القضية فإن حقيقة توبة المرء لا يعلمها إلا الله. ومن تاب عندنا فإن غاية ما لنا أن نجامله به هو أن لا نسميه (الفاسق) ولا نذكره بالفسق وليس من الصحيح أن نبالغ في مجاملته، حتى نعود إلى الثقة بقوله لمجرد أنه قد تاب عندنا في ظاهر الأمر. وزد على ذلك أن أسلوب عبارة القرآن بنفسه يدل دلالة واضحة على أن العفو المذكور في جملة {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ... وَأَصْلَحُواْ} إنما يرجع إلى جملة {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} لأن جلد القاذف ثمانين جلدة وعدم قبول شهادته جاء ذكرهما في العبارة بصيغة الأمر {فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} وجاء الحكم عليه بالفسق بصيغة الخبر {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} فإذا جاء قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} بعد هذا الحكم الثالث مقترناً به فهو يدل بنفسه على أن هذا الاستثناء إنما يرجع إلى الجملة الخبرية الأخيرة ولا يرجع إلى جملتي الأمر الأوليين.. وليست التوبة عبارة عن تلفظ الإنسان بها باللسان بل هي عبارة عن شعوره بالندامة واعتزامه على إصلاح نفسه، ورجوعه إلى الخير، وكلّ ذلك مما لا يعلم حقيقته إلا الله، ولأجل هذا فإنه لا تغتفر بالتوبة (العقوبة الدنيوية) وإنما تغتفر بها (العقوبة الأخروية) فحسبُ... ومن ثمة فإن الله تعالى لم يقل: إلا الذين تابوا وأصلحوا فاتركوهم أو خلوا سبيلهم أو لا تعذبهم بل قال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فإنه لو كانت العقوبات الدنيوية أيضاً تغتفر بالتوبة فمن ذا الذي ترونه من الجناة لا يتوب اتقاء لعقوبته. مذهب الشعبي والضحاك: وهناك مذهب وسط بين المذهبين هو مذهب (الشعبي والضحاك) فقد قالا: لا تقبل شهادة القاذف وإن تاب إلا أن يعترف على نفسه أنه قال البهتان فيما قذف فحينئذ تقبل شهادته، قال شهيد الإسلام (سيد قطب) عليه الرحمة والرضوان: وأنا اختار هذا المذهب الأخير لأنه يزيد على التوبة إعلان براءة المقذوف باعترافٍ مباشر من القاذف وبذلك يُمْحَى آخرُ أثرٍ للقذف. أقول: وهذا المذهب الذي اختاره سيد قطب تبدو عليه مخايل الجودة والإنصاف ويحقق العدل بين جميع الأطراف (القاذف والمقذوف) فلا يَظْلم أحداً منهما ولا يضيع حق الله، ولا حق العبد... فلعله يكون الأرجح والله تعالى أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً - قذف المحصنات من الكبائر التي تهدد المجتمع وتقوّض بنيانه. ثانياً - اتهام المؤمنين بطريق (القذف) إشاعة للفاحشة في المجتمع. ثالثاً - على المسلم أن يصون كرامة إخوانه بالستر عليهم إذا أخطأوا. رابعاً - لا بد لحماية ظهر القاذف من إحضار أربعة شهود، ذكور، عدول. خامساً - العقوبات الثلاث (البدنية والأدبية والدينية) تدل على عظم جريمة القذف. سادساً - لا يجوز الولوغ في أعراض الناس لمجرد السماع أو الظن بحصول التهمة. سابعاً - الحدود كفارات للذنوب وعلى الحكام أن يقيموها تنفيذاً لأمر الله. ثامناً - التوبة والندم على ما فرط من الإنسان تدفع عنه سمة الفسق فلا يسمى فاسقاً. تاسعاً - إذا أصلح القاذف سيرته وأكذب نفسه فيرد له اعتباره وتقبل شهادته. عاشراً - الله واسع الرحمة عظيم الفضل لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية، ينتقم للمظلوم من الظالم. حكمة التشريع يعتبر القذف جريمة من الجرائم الشنيعة التي حاربها الإسلام حرباً لا هوادة فيه، فإن اتهام البريئين والوقوع في أعراض الناس، والخوض في (المحصنات الحرائر) العفيفات، يجعل المجال فسيحاً لكل من شاء أن يقذف بريئة أو بريئاً بتلك التهمة النكراء، فتصبح أعراض الأمَّة مجرحة وسمعتها ملوثة وإذا كل فرد منها متهم أو مهدد بالاتهام، وإذا كلُّ زوج فيها شاك في زوجه وأهله وولده. وجريمة القذف والاتهام للمحصنات تولِّد أخطاراً جسيمة في المجتمع، فكم من فتاة عفيفة شريفة لاقت حتفها لكلمة قالها قائل، فصدقها فاجر، فوصل خبرها إلى الناس ولاكتها الألسن فكان أن أقدم أقرباؤها وذووها على قتلها لغسل العار، ثم ظهرت حصانتها وعفتها عن طريق (الكشف الطبي) ولكن بعد أن حصل ما حصل وفات الأوان. لذلك وصيانةً للأعراض من التهجم، وحمايةً لأصحابها من إهدار الكرامة، قطع الإسلام ألسنة السوء، وسدَّ الباب على الذين يلتمسون للبرآء العيب، فمنع ضعاف النفوس من أن يجرحوا مشاعر الناس، ويلغوا في أعراضهم. وشدَّد في عقوبة القذف فجعلها قريبة من عقوبة الزنى (ثمانين جلدة) مع إسقاط الشهادة، والوصف بالفسق. والعقوبة الأولى (جسدية) تنال البدن والجسد، والثانية (أدبية) تتعلق بالناحية المعنوية بإهدار كرامته وإسقاط اعتباره، فكأنه ليس بإنسان لأنه لا يوثق بكلامه ولا يقبل قوله عند الناس، والثالثة (دينية) حيث أنه فاسق خارج عن طاعة الله، وكفى بذلك عقوبة لذوي النفوس المريضة، والضمائر الميِّتة. وقد اعتبر الإسلام (قذف المحصنات) من الكبائر الموجبة لسخط الله وعذابه، وأوعد المرتكبين لهذا المنكر بالعذاب الشديد في الدنيا والآخرة فقال جل ثناؤه: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النور: 23] وجعل الولوغ في أعراض الناس ضرباً من (إشاعة الفاحشةِ) يستحق فاعله العذاب الشديد كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} تفسير : [النور: 19] وقد عدّها عليه الصلاة والسلام من الكبائر المهلكات فقال صلوات الله عليه: اجتنبوا السبع الموبقات قالوا وما هنَّ يا رسول الله؟ قال: "حديث : الشِّركُ بالله، والسحرُ، وقتلُ النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكلُ الربا، وأكلُ مال اليتيم، والتولي يومَ الزَّحف، وقذفُ المحصنات المؤمنات الغافلات ". تفسير : وغرضُ الإسلام من هذه العقوبة صيانة الأعراض، وحفظ كرامة الأمة، وتطهير المجتمع من مقالة السوء لتظل (الأسرة المسلمة) موفورة الكرامة، مصونة الجناب، بعيدة عن ألسنة السفهاء، وبهتان المغرضين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما عظم تعالى أمر الزاني بوجوب جلده، وكذا رجمه إن كان محصنا، وأنه لا تجوز مقارنته، ولا مخالطته على وجه لا يسلم فيه العبد من الشر، بين تعالى تعظيم الإقدام على الأعراض بالرمي بالزنا فقال: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ } أي: النساء الأحرار العفائف، وكذاك الرجال، لا فرق بين الأمرين، والمراد بالرمي الرمي بالزنا، بدليل السياق، { ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا } على ما رموا به { بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ } أي: رجال عدول، يشهدون بذلك صريحا، { فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } بسوط متوسط، يؤلم فيه، ولا يبالغ بذلك حتى يتلفه، لأن القصد التأديب لا الإتلاف، وفي هذا تقدير حد القذف، ولكن بشرط أن يكون المقذوف كما قال تعالى محصنا مؤمنا، وأما قذف غير المحصن، فإنه يوجب التعزير. { وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا } أي: لهم عقوبة أخرى، وهو أن شهادة القاذف غير مقبولة، ولو حد على القذف، حتى يتوب كما يأتي، { وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } أي: الخارجون عن طاعة الله، الذين قد كثر شرهم، وذلك لانتهاك ما حرم الله، وانتهاك عرض أخيه، وتسليط الناس على الكلام بما تكلم به، وإزالة الأخوة التي عقدها الله بين أهل الإيمان، ومحبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وهذا دليل على أن القذف من كبائر الذنوب. وقوله: { إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } فالتوبة في هذا الموضع، أن يكذب القاذف نفسه، ويقر أنه كاذب فيما قال، وهو واجب عليه، أن يكذب نفسه ولو تيقن وقوعه، حيث لم يأت بأربعة شهداء، فإذا تاب القاذف وأصلح عمله وبدل إساءته إحسانا، زال عنه الفسق، وكذلك تقبل شهادته على الصحيح، فإن الله غفور رحيم يغفر الذنوب جميعا، لمن تاب وأناب، وإنما يجلد القاذف، إذا لم يأت بأربعة شهداء إذا لم يكن زوجا، فإن كان زوجا، فقد ذكر بقوله: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 2007- حدّثنا عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} [الآية: 4]، قال: كان الحسن يقول: لا تقبل شهادة القاذف أبداً، وتوبته فيما بينه وبين الله. 2008- قال عبد الرزاق، قال معمر، وكان شريح يقول: لا تقبل شهادته. 2009- حدثنا عبد الرزاق، وقَال معمر، وقال الزهري: إذ جُلِدَ القاذِفُ، فإنه ينبغي للإمام أن يستتيبه، قال: فإن تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وإلا لم تقبل. قال: وكذلك فعل عمر بن الخطاب بالذين شَهِدُوا عَلَى المغيرة بن شُعْبَة، فتابوا إلاَّ أبا بكرة، فكان لا تقبل شهادَتُهُ. 2010- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن مَيْسَرة، عن ابن المسّيب، قال: شهد على المغيرة بن شُعْبَة أربعة نَفَرٍ بالزنا فَنَكَل زياد فحدَّ عمر الثلاثة ثم سألهم أن يتوبوا، فتاب اثنان فقبلت شهادتهما، وأبَى ابو بكرة أن يتوب. فكانت شهادته لا تقبل، حَتَّى ماتَ، وكان قَد عَاد مثل النَّصْلِ من العبادة. 2011- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة عن ابن المسيّب، قال: تقبل شهادة القاذف، إذا تاب. 2012- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أيوب، عن عكرمة، قال: لما نزلت {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}: [الآية: 4]، فقال سعد بن عبادة: أي لكاع الآن تفخذها رجل، فنظرت حتى أيقنت، فإن ذهبت أجمع الشهداء، لم أجمعهم حتى يقضي حاجته، وإن حدثتكم بما رأيت ضربتم ظهري ثمانين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم"،تفسير : قالوا: يا نبي الله لا تلمه، فإنه ليس فينا أحد أشدّ غيرةً منه، والله ما تزوج امرأةً إلا بكراً، ولا طَلَّقَ امرأةً فاستطاع أحدٌ منا أن يتزوجها فقال النبي صلى الله عليه وسلم، "حديث : لا إلا البينة التي ذكر الله"،تفسير : قال: فبتلي ابن عم له فجاء فأخبر النبي أنه أدرك على امرأته رجلاً، فأنزل الله {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ}: [الآية: 6]، (قال). فلما شهد أربع مرات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : قفوه فإنها واجبة"تفسير : ثم قال (له): إن كانت كاذباً فتب (إلى الله)" قال: لا والله إني لصادق، ثم مضى على الخامسة، ثم شهدت هي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : قفوها فإنها واجبة"تفسير : ثم قال لها: "حديث : إن كنت كاذبة فتوبي"،تفسير : فسكتت ساعة ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم ثم مضت على الخامسة. 2013- معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، قال: كنّا نختلف بالكوفة فمنا من يقول: يفرق بينهما، قال: قلت لابن عمر: أَيُفرق بين المتلاعِنينِ؟ قال: فَرَّق النبي صلى الله عليه وسلم بين أخوي بني العجلان وقال: "والله، إن أحدكما لكاذب، فهل منكما تائب؟ فلم يعتر واحد منهما" ففرّق بينهما. 2014- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا فرّق بينهما قال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: "صَدَاقي"، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقاً فلها مَهْرُها، بما استحللت منْهَا، وإن كنت كاذباً فهو أوجب [لها]. 2015- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، قال: أمرني أميرٌ مرَّةً أن أُلاعِن بين رجلٍ وامرأته. قال أيوب: فقلت له: كيف لاعَنَت بينهما؟ قال: كما في كتاب الله. 2016- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني ابن أبي يحيى، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة، قالت: لما نزل الله بَرَاءتَها جَلَدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء النفر، الذين قالوا فِيهَا ما قالوا. 2017- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، الزُّهْري أن النبي صلى الله عليه وسلم (حَدَّهم).
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):