Verse. 2794 (AR)

٢٤ - ٱلنُّور

24 - An-Nour (AR)

اَلزَّانِيْ لَا يَنْكِحُ اِلَّا زَانِيَۃً اَوْ مُشْرِكَۃً۝۰ۡوَّ الزَّانِيَۃُ لَا يَنْكِحُہَاۗ اِلَّا زَانٍ اَوْ مُشْرِكٌ۝۰ۚ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَي الْمُؤْمِنِيْنَ۝۳
Alzzanee la yankihu illa zaniyatan aw mushrikatan waalzzaniyatu la yankihuha illa zanin aw mushrikun wahurrima thalika AAala almumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الزاني لا ينكح» يتزوج «إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك» أي المناسب لكل منهما ما ذكر «وحرم ذلك» أي نكاح الزواني «على المؤمنين» الأخيار، نزل ذلك لما همَّ فقراء المهاجرين أن يتزوجوا بغيا المشركين وهن موسرات لينفقن عليهم فقيل التحريم خاص بهم وقيل عام ونسخ بقوله تعالى (وأنكحوا الأيامى منكم).

3

Tafseer

الرازي

تفسير : الحكم الثاني قرىء {لاَ يَنكِحُ } بالجزم عن النهي، وقرىء {وَحَرَّمَ } بفتح الحاء ثم إن في الآية سؤالات: السؤال الأول: قوله: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً } ظاهره خبر، ثم إنه ليس الأمر كما يشعر به هذا الظاهر، لأنا نرى أن الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف. السؤال الثاني: أنه قال: {وَحُرّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } وليس كذلك، فإن المؤمن يحل له التزوج بالمرأة الزانية والجواب: اعلم أن المفسرين لأجل هذين السؤالين ذكروا وجوهاً: أحدها: وهو أحسنها، ما قاله القفال: وهو أن اللفظ وإن كان عاماً لكن المراد منه الأعم الأغلب، وذلك لأن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا والفسق لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء، وإنما يرغب في فاسقة خبيثة مثله أو في مشركة، والفاسقة الخبيثة لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها من هو من جنسها من الفسقة والمشركين، فهذا على الأعم الأغلب كما يقال لا يفعل الخير إلا الرجل التقي، وقد يفعل بعض الخير من ليس بتقي فكذا ههنا. وأما قوله: {وَحُرّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } فالجواب من وجهين: أحدهما: أن نكاح المؤمن الممدوح عند الله الزانية ورغبته فيها، وانخراطه بذلك في سلك الفسقة المتسمين بالزنا محرم عليه، لما فيه من التشبه بالفساق وحضور مواضع التهمة، والتسبب لسوء المقالة فيه والغيبة. ومجالسة الخاطئين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام، فكيف بمزاوجة الزواني والفجار الثاني: وهو أن صرف الرغبة بالكلية إلى الزواني وترك الرغبة في الصالحات محرم على المؤمنين، لأن قوله: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً } معناه أن الزاني لا يرغب إلا في الزانية فهذا الحصر محرم على المؤمنين، ولا يلزم من حرمة هذا الحصر حرمة التزوج بالزانية، فهذا هو المعتمد في تفسير الآية: الوجه الثاني: أن الألف واللام في قوله: {ٱلزَّانِي } وفي قوله: {وَحُرّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } وإن كان للعموم ظاهراً لكنه ههنا مخصوص بالأقوام الذين نزلت هذه الآية فيهم، قال مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة، قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء ليس لهم أموال ولا عشائر، وبالمدينة نساء بغايا يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة، ولكل واحدة منهن علامة على بابها كعلامة البيطار، ليعرف أنها زانية، وكان لا يدخل عليها إلا زان أو مشرك فرغب في كسبهن ناس من فقراء المسلمين، وقالوا نتزوج بهن إلى أن يغنينا الله عنهن، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية فتقدير الآية أولئك الزواني لا ينكحون إلا تلك الزانيات، وتلك الزانيات لا ينكحهن إلا أولئك الزواني وحرم نكاحهن على المؤمنين الوجه الثالث: في الجواب أن قوله: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً } وإن كان خبراً في الظاهر، لكن المراد النهي، والمعنى أن كل من كان زانياً فلا ينبغي أن ينكح إلا زانية وحرم ذلك على المؤمنين. وهكذا كان الحكم في ابتداء الإسلام، وعلى هذا الوجه ذكروا قولين: أحدهما: أن ذلك الحكم باق إلى الآن حتى يحرم على الزاني والزانية التزوج بالعفيفة والعفيف وبالعكس ويقال هذا مذهب أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعائشة، ثم في هؤلاء من يسوي بين الابتداء والدوام. فيقول كما لا يحل للمؤمن أن يتزوج بالزانية فكذلك لا يحل له إذا زنت تحته أن يقيم عليها، ومنهم من يفصل لأن في جملة ما يمنع من التزويج ما لا يمنع من دوام النكاح كالإحرام والعدة. والقول الثاني: أن هذا الحكم صار منسوخاً واختلفوا في ناسخه، فعن الجبائي أن ناسخه هو الإجماع وعن سعيد بن المسيب أنه منسوخ بعموم قوله تعالى: { أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 3] { أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ } تفسير : [النور: 32] قال المحققون هذان الوجهان ضعيفان أما الأول: فلأنه ثبت في أصول الفقه أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، وأيضاً فالإجماع الحاصل عقيب الخلاف لا يكون حجة، والإجماع في هذه المسألة مسبوق بمخالفة أبي بكر وعمر وعلي فكيف يصح؟ وأما قوله تعالى: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ } فهو لا يصح أن يكون ناسخاً، لأنه لا بد من أن يشترط فيه أن لا يكون هناك مانع من النكاح من سبب أو نسب أو غيرهما، ولقائل أن يقول لا يدخل فيه تزويج الزانية من المؤمن، كما لا يدخل فيه تزويجها من الأخ وابن الأخ، ونقول إن للزنا تأثيراً في الفرقة ما ليس لغيره، ألا ترى أنه إذا قذفها بالزنا يتبعها بالفرقة على بعض الوجوه، ولا يجب مثل ذلك في سائر ما يوجب الحد، ولأن من حق الزنا أن يورث العار ويؤثر في الفراش ففارق غيره. ثم احتج هؤلاء الذين يدعون هذا النسخ، بأنه سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل زنى بامرأة فهل له أن يتزوجها؟ فأجازه ابن عباس وشبهه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ذلك فقال: « حديث : أوله سفاح وآخره نكاح » تفسير : والحرام لا يحرم الحلال. الوجه الرابع: أن يحمل النكاح على الوطء والمعنى أن الزاني لا يطأ حين يزني إلا زانية أو مشركة وكذا الزانية {وَحُرّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي وحرم الزنا على المؤمنين وعلى هذا تأويل أبي مسلم، قال الزجاج هذا التأويل فاسد من وجهين: الأول: أنه ما ورد النكاح في كتاب الله تعالى إلا بمعنى التزويج، ولم يرد ألبتة بمعنى الوطء الثاني: أن ذلك يخرج الكلام عن الفائدة، لأنا لو قلنا المراد أن الزاني لا يطأ إلا الزانية فالإشكال عائد، لأنا نرى أن الزاني قد يطأ العفيفة حين يتزوج بها ولو قلنا المراد أن الزاني لا يطأ إلا الزانية حين يكون وطؤه زنا فهذا الكلام لا فائدة فيه، وهذا آخر الكلام في هذا المقام. السؤال الثالث: أي فرق بين قوله: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً } وبين قوله: {وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ }؟ والجواب: الكلام الأول يدل على أن الزاني لا يرغب إلا في نكاح الزانية وهذا لا يمنع من أن يرغب في نكاح الزانية غير الزاني فلا جرم بين ذلك بالكلام الثاني. السؤال الرابع: لم قدمت الزانية على الزاني في الآية المتقدمة وههنا بالعكس الجواب: سبقت تلك الآية لعقوبتها على جنايتها، والمرأة هي المادة في الزنا، وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه هو الراغب والطالب.

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: اختلف العلماء في معنى هذه الآية على ستة أوجه من التأويل: الأوّل: أن يكون مقصد الآية تشنيع الزنى وتبشيعَ أمره، وأنه محرّم على المؤمنين. واتصال هذا المعنى بما قبلُ حسن بليغ. ويريد بقوله «لا يَنْكِح» أي لا يطأ؛ فيكون النكاح بمعنى الجماع. وردّد القصة مبالغة وأخذاً من كِلاَ الطرفين، ثم زاد تقسيم المشركة والمشرك من حيث الشرك أعم في المعاصي من الزنى؛ فالمعنى: الزاني لا يطأ في وقت زناه إلا زانية من المسلمين، أو من هي أحسن منها من المشركات. وقد روي عن ابن عباس وأصحابه أن النكاح في هذه الآية الوطء. وأنكر ذلك الزجاج وقال: لا يعرف النكاح في كتاب الله تعالى إلا بمعنى التزويج. وليس كما قال؛ وفي القرآن {أية : حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} تفسير : [البقرة: 230] وقد بيّنه النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه بمعنى الوطء، وقد تقدّم في «البقرة». وذكر الطبريّ ما يَنْحُو إلى هذا التأويل عن سعيد بن جبير وابن عباس وعكرمة، ولكن غير مخلص ولا مكمل. وحكاه الخطابيّ عن ابن عباس، وأن معناه الوطء؛ أي لا يكون زِنًى إلا بزانية، ويفيد أنه زنًى في الجهتين؛ فهذا قول. الثاني: ما رواه أبو داود والتّرمذِيّ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن مَرْثد بن أبي مرثد كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بَغِيّ يقال لها «عَناق» وكانت صديقته، قال: فجئت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أنكِح عَناق؟ قال: فسكت عني؛ فنزلت {وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ}؛ فدعاني فقرأها عليّ وقال: «لا تنكحها». لفظ أبي داود، وحديث الترمذي أكمل. قال الخطابيّ: هذا خاص بهذه المرأة إذ كانت كافرة، فأما الزانية المسلمة فإن العقد عليها لا يفسخ. الثالث: أنها مخصوصة في رجل من المسلمين أيضاً استأذن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في نكاح امرأة يقال لها «أم مهزول» وكانت من بغايا الزانيات، وشرطت أن تنفق عليه؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ قاله عمرو بن العاص ومجاهد. الرابع: أنها نزلت في أهل الصُّفّة، وكانوا قوماً من المهاجرين، ولم يكن لهم في المدينة مساكن ولا عشائر فنزلوا صُفّة المسجد، وكانوا أربعمائة رجل يلتمسون الرزق بالنهار ويأوون إلى الصّفة بالليل، وكان بالمدينة بغايا متعالنات بالفجور، مخاصيب بالكُسْوة والطعام؛ فهمّ أهل الصفة أن يتزوّجوهنّ فيأووا إلى مساكنهنّ ويأكلوا من طعامهنّ وكسوتهنّ؛ فنزلت هذه الآية صيانةً لهم عن ذلك؛ قاله ابن أبي صالح. الخامس: ذكره الزجاج وغيره عن الحسن، وذلك أنه قال: المراد الزاني المحدودُ والزانيةُ المحدودة، قال: وهذا حكم من الله، فلا يجوز لزان محدود أن يتزوّج إلا محدودة. وقال إبراهيم النَّخَعِيّ نحوه. وفي مصنَّف أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا ينكح الزاني المحدودُ إلا مثله»تفسير : . وروي أن محدوداً تزوّج غير محدودة ففرّق عليّ رضي الله عنه بينهما. قال ابن العربي: وهذا معنًى لا يصح نظراً كما لم يثبت نقلاً، وهل يصح أن يوقف نكاح من حُدّ من الرجال على نكاح من حُدّ من النساء! فبأيّ أثر يكون ذلك، وعلى أيّ أصل يقاس من الشريعة! قلت: وحكى هذا القول الكِيَا عن بعض أصحاب الشافعي المتأخرين، وأن الزاني إذا تزوج غير زانية فُرّق بينهما لظاهر الآية. قال الكِيَا: وإنْ هو عمل بالظاهر فيلزمه عليه أن يجوّز للزاني التزوّج بالمشركة، ويجوّز للزانية أن تزوّج نفسها من مشرك؛ وهذا في غاية البعد، وهو خروج عن الإسلام بالكلية، وربما قال هؤلاء: إن الآية منسوخة في المشرك خاصّةً دون الزانية. السادس: أنها منسوخة؛ روى مالك عن يحيـى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب قال: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} قال: نسخت هذه الآية التي بعدها{أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} تفسير : [النور: 32]؛ وقاله ابن عمرو، قال: دخلت الزانية في أيامَى المسلمين. قال أبو جعفر النحاس: وهذا القول عليه أكثر العلماء. وأهل الفُتْيا يقولون: إنّ من زنى بامرأة فله أن يتزوجها ولغيره أن يتزوّجها. وهو قول ابن عمر وسالم وجابر بن زيد وعطاء وطاوس ومالك بن أنس، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال الشافعيّ: القول فيها كما قال سعيد بن المسيّب، إن شاء الله هي منسوخة. قال ابن عطية: وذِكْر الإشراك في هذه الآية يضعف هذه المناحي. قال ابن العربيّ: والذي عندي أن النكاح لا يخلو أن يراد به الوطء كما قال ابن عباس أو العقد؛ فإن أريد به الوطء فإن معناه: لا يكون زنًى إلا بزانية، وذلك عبارة عن أن الوطأين من الرجل والمرأة من الجهتين؛ ويكون تقدير الآية: وطءُ الزانية لا يقع إلا من زان أو مشرك؛ وهذا يؤثر عن ابن عباس، وهو معنى صحيح. فإن قيل: فإن زنى بالغٌ بصبية، أو عاقلٌ بمجنونة، أو مستيقظٌ بنائمة فإن ذلك من جهة الرجل زنًى؛ فهذا زانٍ نكح غير زانية، فيخرج المراد عن بابه الذي تقدم. قلنا: هو زنًى من كل جهة، إلا أن أحدهما سقط فيه الحدّ والآخر ثبت فيه. وإن أريد به العقد كان معناه: أن متزوّج الزانية التي قد زنت ودخل بها ولم يستبرئها يكون بمنزلة الزاني، إلا أنه لا حدّ عليه لاختلاف العلماء في ذلك. وأما إذا عقد عليها ولم يدخل بها حتى يستبرئها فذلك جائز إجماعاً. وقيل: ليس المراد في الآية أن الزاني لا ينكح قطّ إلا زانية؛ إذ قد يتصوّر أن يتزوّج غير زانية، ولكن المعنى أن من تزوج بزانية فهو زان؛ فكأنه قال: لا ينكح الزانيةَ إلا زانٍ؛ فقلَب الكلام، وذلك أنه لا ينكح الزانية إلا وهو راض بزناها، وإنما يرضى بذلك إذا كان هو أيضاً يزني. الثانية: في هذه الآية دليل على أن التزوج بالزانية صحيح. وإذا زنت زوجة الرجل لم يفسد النكاح، وإذا زنى الزوج لم يفسد نكاحه مع زوجته؛ وهذا على أن الآية منسوخة. وقيل إنها محكمة. وسيأتي. الثالثة: روي أن رجلاً زنى بامرأة في زمن أبي بكر رضي الله عنه فجلدهما مائة جلدة، ثم زوّج أحدَهما من الآخر مكانه، ونفاهما سنة. وروي مثل ذلك عن معمر وابن مسعود وجابر رضي الله عنهم. وقال ابن عباس: أوله سفاح وآخره نكاح. ومَثَلُ ذلك مَثَلُ رجل سَرَق من حائط ثمره ثم أتى صاحب البستان فاشترى منه ثمره؛ فما سَرَق حرام وما اشترى حلال. وبهذا أخذ الشافعيّ وأبو حنيفة، ورأوا أن الماء لا حرمة له. وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك فهما زانيان أبداً. وبهذا أخذ مالك رضي الله عنه؛ فرأى أنه لا ينكحها حتى يستبرئها من مائه الفاسد؛ لأن النكاح له حرمة، ومن حرمته ألا يُصَبّ على ماء السِّفاح؛ فيختلط الحرام بالحلال، ويمتزج ماء المهانة بماء العزّة. الرابعة: قال ابن خُوَيْزِمَنْداد: من كان معروفاً بالزنى أو بغيره من الفسوق مُعْلِناً به فتزوّج إلى أهل بيت ستر وغَرّهم من نفسه فلهم الخيار في البقاء معه أو فراقه؛ وذلك كعَيْب من العيوب، واحتج بقوله عليه السلام: «حديث : لا ينكح الزاني المجلودُ إلا مثله»تفسير : . قال ابن خُوَيْزمنداد: وإنما ذكر المجلود لاشتهاره بالفسق، وهو الذي يجب أن يفرّق بينه وبين غيره؛ فأما من لم يشتهر بالفسق فلا. الخامسة: قال قوم من المتقدمين: الآية محكمة غير منسوخة، وعند هؤلاء: من زنى فسد النكاح بينه وبين زوجته، وإذا زنت الزوجة فسد النكاح بينها وبين زوجها. وقال قوم من هؤلاء: لا ينفسخ النكاح بذلك، ولكن يؤمر الرجل بطلاقها إذا زنت، ولو أمسكها أثِم، ولا يجوز التزوّج بالزانية ولا من الزاني، بل لو ظهرت التوبة فحينئذٍ يجوز النكاح. السادسة: {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي نكاح أولئك البغايا؛ فيزعم بعض أهل التأويل أن نكاح أولئك البغايا حرّمه الله تعالى على أمة محمد عليه السلام، ومن أشهرهن عَناق. السابعة: حرم الله تعالى الزنى في كتابه؛ فحيثما زنى الرجل فعليه الحدّ. وهذا قول مالك والشافعيّ وأبي ثَوْر. وقال أصحاب الرأي في الرجل المسلم إذا كان في دار الحرب بأمان وزنى هنالك ثم خرج لم يحدّ. قال ابن المنذر: دار الحرب ودار الإسلام سواء، ومن زنى فعليه الحد؛ على ظاهر قوله: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}.

البيضاوي

تفسير : {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } إذ الغالب أن المائل إلى الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح والمسافحة لا يرغب فيها الصلحاء، فإن المشاكلة علة للألفة والتضام، والمخالفة سبب للنفرة والافتراق. وكان حق المقابلة أن يقال والزانية لا تنكح إلا من هو زان أو مشرك. لكن المراد بيان أحوال الرجال في الرغبة فيهن، لأن الآية نزلت في ضعفة المهاجرين لما هموا أن يتزوجوا بغايا يكرين أنفسهن لينفقن عليهم من أكسابهن على عادة الجاهلية ولذلك قدم الزاني. {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} لأنه تشبه بالفساق وتعرض للتهمة وتسبب لسوء القالة والطعن في النسب وغير ذلك من المفاسد، ولذلك عبر عن التنزيه بالتحريم مبالغة. وقيل النفي بمعنى النهي، وقد قرىء به والحرمة على ظاهرها والحكم مخصوص بالسبب الذي ورد فيه، أو منسوخ بقوله تعالى: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ }تفسير : [النور: 32] فإنه يتناول المسافحات، ويؤيده أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن ذلك فقال: «حديث : أوله سفاح وآخره نكاح والحرام لا يحرم الحلال»تفسير : وقيل المراد بالنكاح الوطء فيؤول إلى نهي الزاني عن الزنا إلا بزانية، والزانية أن يزني بها إلا زان وهو فاسد.

ابن كثير

تفسير : هذا خبر من الله تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة، أي: لا يطاوعه على مراده من الزنا، إلا زانية عاصية، أو مشركة لا ترى حرمة ذلك، وكذلك {وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ} أي: عاص بزناه {أَوْ مُشْرِكٌ} لا يعتقد تحريمه، قال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه: {ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} قال: ليس هذا بالنكاح، إنما هو الجماع، لا يزني بها إلا زان أو مشرك، وهذا إسناد صحيح عنه، وقد روي عنه من غير وجه أيضاً. وقد روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والضحاك ومكحول ومقاتل بن حيان وغير واحد نحو ذلك. وقوله تعالى: {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: تعاطيه، والتزوج بالبغايا، أو تزويج العفائف بالرجال الفجار، وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا قيس عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال: حرم الله الزنا على المؤمنين. وقال قتادة ومقاتل بن حيان: حرم الله على المؤمنين نكاح البغايا، وتقدم في ذلك فقال: {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : مُحْصَنَـٰت غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} تفسير : [النساء: 25]. وقوله: {أية : مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِىۤ أَخْدَانٍ} تفسير : [المائدة: 5] الآية، ومن ههنا ذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب، فإن تابت، صح العقد عليها، وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة؛ لقوله تعالى: {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}. وقال الإمام أحمد: حدثنا عارم حدثنا معتمر بن سليمان، قال أبي: حدثنا الحضرمي عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رجلاً من المؤمنين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة يقال لها: أم مهزول، كانت تسافح، وتشترط له أن تنفق عليه، قال: فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ذكر له أمرها، قال: فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم {ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}. وقال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن الحضرمي عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عمرو قال: كانت امرأة يقال لها: أم مهزول، وكانت تسافح، فأراد رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها، فأنزل الله عز وجل: {ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}. وقال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا روح بن عبادة عن عبيد الله بن الأخنس، أخبرني عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: كان رجل يقال له: مرثد بن أبي مرثد، وكان رجلاً يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، قال: وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها: عناق، وكانت صديقة له، وإنه واعد رجلاً من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق، فأبصرت سواد ظلي تحت الحائط، فلما انتهت إلي، عرفتني، فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد، فقالت: مرحباً وأهلاً، هلم فبت عندنا الليلة، قال: فقلت: يا عناق حرم الله الزنا، فقالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم، قال: فتبعني ثمانية، ودخلت الخندمة، فانتهيت إلى غار أو كهف، فدخلت فيه، فجاؤوا حتى قاموا على رأسي، فبالوا، فظل بولهم على رأسي، فأعماهم الله عني، قال: ثم رجعوا، فرجعت إلى صاحبي فحملته، وكان رجلاً ثقيلاً حتى انتهيت إلى الإذخر، ففككت عنه أحبله، فجعلت أحمله ويعينني حتى أتيت به المدينة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أنكح عناقاً، أنكح عناقاً ــــ مرتين؟ ــــ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد علي شيئاً حتى نزلت: {ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم«حديث : يا مرثد الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك، فلا تنكحها»تفسير : . ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد رواه أبو داود والنسائي في كتاب النكاح من سننهما من حديث عبيد الله بن الأخنس به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسدد أبو الحسن، حدثنا عبد الوارث عن حبيب المعلم، حدثني عمرو بن شعيب عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله» تفسير : وهكذا أخرجه أبو داود في سننه عن مسدد وأبي معمر عن عبد الله بن عمرو، كلاهما عن عبد الوارث به.وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أخيه عمر بن محمد، عن عبد الله بن يسار مولى ابن عمر قال: أشهد لسمعت سالماً يقول: قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ثلاثة لا يدخلون الجنة، ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديوث، وثلاث لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى» تفسير : ورواه النسائي عن عمرو بن علي الفلاس، عن يزيد بن زريع، عن عمر بن محمد العمري، عن عبد الله بن يسار به. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا يعقوب، حدثنا الوليد بن كثير عن قطن بن وهب عن عويمر بن الأجدع، عمن حدثه عن سالم بن عبد الله بن عمر، قال: حدثني عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ثلاثة حرم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق لوالديه، والديوث الذي يقر في أهله الخبث»تفسير : . وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثني شعبة، حدثني رجل من آل سهل بن حنيف عن محمد بن عمار، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يدخل الجنة ديوث» تفسير : يستشهد به لما قبله من الأحاديث. وقال ابن ماجه: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سلام بن سوار، حدثنا كثير بن سليم عن الضحاك بن مزاحم، سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من أراد أن يلقى الله طاهراً متطهراً، فليتزوج الحرائر» تفسير : في إسناده ضعف. وقال الإمام أبو النصر إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه "الصحاح" في اللغة: الديوث: القُنزُع، وهو الذي لا غَيرةَ له، فأما الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب النكاح من سننه: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن علية عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة وغيره، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير وعبد الكريم عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس. عبد الكريم رفعه إلى ابن عباس، وهارون لم يرفعه، قالا: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن عندي امرأة هي من أحب الناس إلي، وهي لا تمنع يد لامس؟ قال: «حديث : طلقها» تفسير : قال: لا صبر لي عنها. قال: «حديث : استمتع بها» تفسير : ثم قال النسائي: هذا الحديث غير ثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي، وهارون أثبت منه، وقد أرسل الحديث، وهو ثقة، وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم. قلت: وهو ابن أبي المخارق البصري المؤدب، تابعي ضعيف الحديث، وقد خالفه هارون بن رئاب وهو تابعي ثقة من رجال مسلم، فحديثه المرسل أولى؛ كما قال النسائي، لكن قد رواه النسائي في كتاب الطلاق، عن إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شميل، عن حماد بن سلمة، عن هارون بن رئاب عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس مسنداً، فذكره بهذا الإسناد، فرجاله على شرط مسلم، إلا أن النسائي بعد روايته له قال: هذا خطأ، والصواب مرسل، ورواه غير النضر على الصواب. وقد رواه النسائي أيضاً وأبو داود عن الحسين بن حريث، أخبرنا الفضل بن موسى، أخبرنا الحسين بن واقد عن عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، وهذا الإسناد جيد. وقد اختلف الناس في هذا الحديث ما بين مضعف له؛ كما تقدم عن النسائي، ومنكر؛ كما قال الإمام أحمد: هو حديث منكر، وقال ابن قتيبة: إنما أراد أنها سخية لا تمنع سائلاً، وحكاه النسائي في سننه عن بعضهم، فقال: وقيل: سخية تعطي، ورد هذا بأن لو كان المراد، لقال: لا ترد يد ملتمس، وقيل: المراد أن سجيتها لا ترد يد لامس، لا أن المراد أن هذا واقع منها، وأنها تفعل الفاحشة؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأذن في مصاحبة من هذه صفتها، فإن زوجها والحالة هذه يكون ديوثاً، وقد تقدم الوعيد على ذلك، ولكن لما كانت سجيتها هكذا، ليس فيها ممانعة ولا مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد، أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بفراقها، فلما ذكر أنه يحبها، أباح له البقاء معها؛ لأن محبته لها محققة، ووقوع الفاحشة منها متوهم، فلا يصار إلى الضرر العاجل لتوهم الآجل، والله سبحانه وتعالى أعلم. قالوا: فأما إذا حصلت توبة، فإنه يحل التزويج، كما قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد عن ابن أبي ذئب قال: سمعت شعبة مولى ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت ابن عباس، وسأله رجل فقال: إني كنت ألم بامرأة آتي منها ما حرم الله عز وجل علي، فرزقني الله عز وجل من ذلك توبة، فأردت أن أتزوجها، فقال أناس: إن الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، فقال ابن عباس: ليس هذا في هذا، انكحها، فما كان من إثم، فعلي. وقد ادعى طائفة آخرون من العلماء أن هذه الآية منسوخة، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: ذكر عنده: {ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} قال: كان يقال: نسختها التي بعدها: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ} تفسير : [النور: 32] قال: كان يقال: الأيامى من المسلمين، وهكذا رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "الناسخ والمنسوخ" له عن سعيد بن المسيب، ونص على ذلك أيضاً الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ } يتزوّج {إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } أي المناسب لكل منهما ما ذكر {وَحُرّمَ ذٰلِكَ } أي نكاح الزواني {عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } الأخيار. نزل ذلك لما همَّ فقراء المهاجرين أن يتزوّجوا بغايا المشركين وهنّ موسرات لينفقن عليهم فقيل التحريم خاص بهن وقيل عام ونسخ بقوله تعالى { أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَٰمَىٰ مِنْكُمْ }تفسير : [32:24] .

الماوردي

تفسير : قوله: {الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً... } الآية. فيه خمسة أوجه: أحدها: أنها نزلت مخصوصة في رجل من المسلمين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة يقال لها أم مهزول كانت من بغايا الجاهلية من ذوات الرايات وشرطت له أن تنفق عليه فأنزل الله هذه الآية فيه وفيها قاله عبد الله بن عمرو، ومجاهد. الثاني: أنها نزلت في أهل الصفة، وكانوا قوماً من المهاجرين فقراء ولم يكن لهم بالمدينة مساكن ولا عشائر، فنزلوا صفة المسجد، وكانواْ نحو أربعمائة رجل يلتمسون الرزق بالنهار ويأوون إلى الصفة في الليل، وكان بالمدينة بغايا متعالنات بالفجور مما يصيب الرجال بالكسوة والطعام، فهمَّ أهل الصفة أن يتزوجوهن ليأووا إلى مساكنهن وينالوا من طعامهن وكسوتهن فنزلت فيهن هذه الآية، قاله أبو صالح. الثالث: معناه أن الزاني لا يزني إلا بزانية والزانية لا يزني بها إلا زان، قاله ابن عباس. الرابع: أنه عامٌّ في تحريم نكاح الزانية على العفيف ونكاح العفيفة على الزاني ثم نسخ بقوله تعالى: {أية : فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النَّسَاءِ} تفسير : [النساء: 3] قاله ابن المسيب. الخامس: أنها مخصوصة في الزاني المحدود لا ينكح إلا زانية محدودة ولا ينكح غير محدودة ولا عفيفة، والزانية المحدودة لا ينكحها إلا زان محدود، ولا ينكحها غير محدود ولا عفيف، قاله الحسن، ورواه أبو هريرة مرفوعاً. {وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} فيه وجهان: أحدهما: الزنى. الثاني: نكاح الزوانى.

ابن عطية

تفسير : في هذه الآية أربعة أوجه من التأويل: أحدها أن يكون مقصد الآية تشنيع وتبشيع أمره وأنه محرم على المؤمنين واتصال هذا المعنى بما قبل حسن بليغ، ويريد بقوله {لا ينكح} أي لا يطأ فيكون النكاح بمعنى الجماع وردد القصة مبالغة وآخذاً من كلا الطرفين، ثم زاد تقسيم المشرك والمشركة من حيث الشرك أعم في المعاصي من الزنا، فالمعنى {الزاني} لا يطأ في وقت زناه {إلا زانية} من المسلمين أو من هي أخس منها من المشركات، وقد روي عن ابن عباس وأصحابه أن النكاح في هذه الآية الوطء، وأنكر ذلك الزجاج وقال لا يعرف النكاح في كتاب الله إلا بمعنى التزويج، وليس كما قال، وفي القرآن {أية : حتى تنكح زوجاً غيره} تفسير : [البقرة: 230] وقد بينه النبي عليه السلام أنه بمعنى الوطء، وذكر الطبري ما ينحو إلى هذا التأويل عن سعيد بن جبير وابن عباس وعكرمة ولكن غير ملخص ولا مكمل. والثاني أن تكون الآية نزلت في قوم مخصوصين وهذا قول روي معناه عن عبدالله بن عمر وعن ابن عباس وأصحابه قالوا وهم قوم كانوا يزنون في جاهليتهم ببغايا مشهورات، فلما جاء الإسلام وأسلموا لم يمكنهم الزنا، فأرادوا لفقرهم زواج أولئك النسوة إذ كان من عادتهن الإنفاق على من ارتسم بزواجهن فنزلت الآية بسببهن، والإشارة بـ {الزاني} إلى أحد أولئك حمل عليه اسم الزنى الذي كان في الجاهلية، وقوله {لا ينكح} أي لا يتزوج، وفي الآية على هذا التأويل معنى التفرغ عليهم وفي ذلك توبيخ كأنه يقول أي مصاب الزاني لا يريد أن يتزوج إلا زانية أو مشركة أي تنزع نفوسهم إلى هذه الخسائس لقلة انضباطهم، ويرد على هذا التأويل الإجماع على أن {الزانية} لا يجوز أن يتزوجها مشرك، ثم قوله {وحرم ذلك على المؤمنين} أي نكاح أولئك البغايا، فيزعم أهل هذا التأويل أن نكاح أولئك البغايا حرمه الله على أمة محمد عليه السلام ومن أشهرهن عناق البغي وكان الذي هم بتزويجها يلقب دولدل كان يستخرج ضعفة المسلمين من مكة سراً ففطنت له ودعته إلى نفسها فأبى الزنى وأراد التزويج، واستأذن في ذلك النبي عليه السلام، فنزلت الآية ولما دعته وأبى قالت له: أي تبور والله لأفضحنك، وذكر الطبري أن من البغايا المذكورات أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، ويقال فيها أم مهزم وأم غليظ جارية صفوان بن أمية، وحنة القبطية، جارية العاصي بن وائل، ومزنة جارية مالك بن عميلة بن سباق، وخلالة جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية عمرو بن عثمان المخزومي، وشريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة، وفرنتا جارية هلال بن أنس، وغيرهن ممن كانت لهن رايات تعرف منازلهن بها، وكذلك كان بالمدينة إماء عبد الله بن أَبي وغيره مشهورات، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال في سياق هذا التأويل كانت بيوت في الجاهلية تسمى المواخير، كانوا يؤجرون فيها فتياتهم وكانت بيوتاً معلومة للزنى، فحرم الله {ذلك على المؤمنين}، ويحتمل أَن يكون هذا الكلام في التأويل الذي ذكرته قبل هذا، وواحد المواخير ماخور ومنه قول بعض المحدثين في كل واد هبطن فيه دسكرة في كل نشز صعدن فيه ماخور. والتأويل الثالث تأويل ذكره الزجاج وغيره عن الحسن وذلك أَنه قال المراد {الزاني} المحدود {والزانية} المحدودة قال وهذا حكم من الله فلا يجوز لزان محدود أَن يتزوج إلا زانية محدودة، وروي أن محدوداً تزوج غير محدودة فرد علي بن أبي طالب نكاحهما، وقوله {حرم ذلك} يريد الزنى، وحكى الزهراوي في هذا حديثاً من طريق أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله" تفسير : وهذا حديث لا يصح، وقول فيه نظر، وإدخال "المشرك" في الآية يرده، وألفاظ الآية تأباه وإن قدرت المشركة بمعنى الكتابية فلا حيلة في لفظ المشرك، ورابع قول روي عن سعيد بن المسيب وذلك أنه قال: هذا حكم كان في الزنى عامة أن لا يتزوج زان إلا زانية ثم جاءت الرخصة ونسخ ذلك بقوله تعالى: {أية : وأنكحوا الأيامى منكم} تفسير : [النور: 32] وروي ترتيب هذا النسخ أيضاً عن مجاهد، إلا أنه قال إن التحريم إنما كان في أولئك النفر خاصة لا في الزناة عامة، ذكر ذلك عنهما أبو عبيدة في ناسخه وذكر عن مجاهد أنه قال: حرم نكاح أولئك البغايا على أولئك النفر. قال الفقيه الإمام القاضي: وذكر الإشراك في الآية يضعف هذه المناحي، وقرأ أبو البرهسم "وحرم الله ذلك على المؤمنين"، واختلف فيمن زنا بامرأة ثم أراد نكاحها فأجاز ذلك أبو بكر الصديق وابن عمر وجابر بن عبد الله وطاوس وابن الحسيب وجابر بن زيد وعطاء والحسن وعكرمة وابن عباس ومالك والثوري والشافعي ومنعه ابن مسعود والبراء بن عازب وعائشة وقالوا لا يزالان زانيين ما اجتمعا.

ابن عبد السلام

تفسير : {الزَّانِى لا يَنكِحُ} خاصة برجل استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في نكاح أم مهزول كانت بغيّاً في الجاهلية من ذوات الرايات وشرطت له أن تنفق عليه فنزلت فيهما، قاله ابن عمرو ومجاهد ـ رحمهما اللَّهُ تعالى ـ، أو في أهل الصُّفَّة من المهاجرين، كان في المدينة بغايا معلنات بالفجور فهموا بنكاحهن ليأووا إلى مساكنهن وينالوا من طعامهن وكسوتهن وكن مخاصيب الرحال بالكسوة والطعام، أو الزانية لا يزني بها إلا زانٍ والزاني لا يزني إلا بزانية "ع"، أو الزانية محرمة على العفيف والعفيف محرم على الزانية ثم نسخ بقوله تعالى: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ}تفسير : [النساء: 3]، أو خاص بالزاني المحدود لا ينكح إلا زانية محدودة ولا ينكح غير محدودة، ولا عفيفة، والزانية المحدودة لا ينكحها غير محدود ولا عفيف "خ" {وَحُرِّمَ} الزنا، أو نكاح الزواني {عَلَى الْمؤْمِنِينَ}.

النسفي

تفسير : {ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } أي الخبيث الذي من شأنه الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء وإنما يرغب في خبيثة من شكله، أو في مشركة والخبيثة المسافحة كذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة، أو المشركين فالآية تزهيد في نكاح البغايا إذ الزنا عديل الشرك في القبح، والإيمان قرين العفاف والتحصن وهو نظير قوله {أية : الخبيثات للخبيثين}تفسير : [النور: 26] وقيل: كان نكاح الزانية محرماً في أول الإسلام ثم نسخ بقوله: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ }تفسير : [النور: 32] وقيل: المراد بالنكاح الوطء، لأن غير الزاني يستقذر الزانية ولا يشتهيها وهو صحيح لكنه يؤدي إلى قولك «الزاني لا يزني إلا بزانية والزانية لا يزنى بها إلا زان». وسئل صلى الله عليه وسلم عمن زنى بامرأة ثم تزوجها فقال «حديث : أوله سفاح وآخره نكاح»تفسير : ومعنى الجملة الأولى صفة الزاني بكونه غير راغب في العفائف ولكن في الفواجر، ومعنى الثانية صفة الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء ولكن للزناة وهما معنيان مختلفان. وقدمت الزانية على الزاني أولاً ثم قدم عليها ثانياً لأن تلك الآية سيقت لعقوبتهما على ما جنيا، والمرأة هي المادة التي منها نشأت تلك الجناية لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تومض له ولم تمكنه لم يطمع ولم يتمكن، فلما كانت أصلاً في ذلك بديء بذكرها. وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه الخاطب ومنه بدء الطلب. وقريء {لا ينكح} بالجزم على النهي، وفي المرفوع أيضاً معنى النهي ولكن أبلغ وآكد، ويجوز أن يكون خبراً محضاً على معنى أن عادتهما جارية على ذلك وعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة وينتصون عنها {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي الزنا أو نكاح البغايا لقصد التكسب بالزنا أو لما فيه من التشبيه بالفساق وحضور مواقع التهمة والتسبب لسوء القالة فيه والغيبة ومجالسة الخطائين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام فكيف بمزاوجة الزواني والقحاب.

ابن عادل

تفسير : قرأ أبو البرهسيم "وَحَرَّم" مبنياً للفاعل مشدداً. وزيد بن علي "حَرُم" بزنة كَرم. واختلفوا في معنى الآية وحكمها: فقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والشعبي، ورواية العوفي عن ابن عباس: "قَدِمَ المهاجرون المدينة وفيهم فقراء لا مال لهم ولا عشائر، وبالمدينة نساء بغايا يكرين أنفسهن، وهُنَّ يومئذ أخصب أهل المدينة، فرغب ناس من فقراء المسلمين في نكاحهن لينفقن عليهم، فاستأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية" وحرم على المؤمنين أن يتزوجوا تلك البغايا، لأنهنَّ كنَّ مشركات. وقال عكرمة: نزلت في نساء بمكة والمدينة، منهن تسع لهن رايات البيطار يعرفن بها منزلهن: أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكلة، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة، فاستأذن رجل من المسلمين نبي الله - صلى الله عليه وسلم - في نكاح "أمِّ مهزول" واشترطت له أن تنفق عليه، فأنزل الله هذه الآية. فإن قيل: قوله تعالى: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} ظاهره خبر وليس الأمر كذلك، لأن الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة، والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف، وأيضاً فقوله: {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} ليس كذلك، فإن المؤمن يحل له التزويج بالمرأة الزانية. فالجواب من وجوه: أحدها - وهو أحسنها -: ما قاله القفال: إن اللفظ وإن كان عاماً لكن المراد منه الأعم الأغلب، لأن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا لا يرغب في نكاح المرأة الصالحة، وإنما يرغب في فاسقة مثله أو في مشركة، والفاسقة لا ترغب في نكاح الرجل الصالح، بل تنفر عنه، وإنما ترغب فيمن هو من جنسها من الفسقة والمشركين، فهذا على الأعم الأغلب، كما يقال "لا يفعَل الخيرَ إلاّ الرجلُ التقيُّ" وقد يفعل الخيرَ من ليس بتقي، فكذا هاهنا. وأما قوله: {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} فالجواب من وجهين: الأول: أن نكاح المؤمن الممدوح عند الله الزانية ورغبته فيها فحرم عليه لما فيه من التشبه بالفساق، وحضور موقع التهمة، والتسبب لسوء المقالة فيه، والغيبة، ومجالسة الخطائين فيها التعرض لاقتراف الآثام، فكيف بمزاوجة الزواني والفجار. وثانيها: أن صرف الرغبة بالكلية إلى الزواني وترك الرغبة في الصالحات محرم على المؤمنين، لأن قوله: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} معناه: أنَّ الزاني لا يرغب إلا في زانية، فهذا محرم على المؤمنين، ولا يلزم من حرمة هذا الحصر حرمة التزويج بالزانية، فهذا هو المعتمد في تفسير الآية. الوجه الثاني: أن الألف واللام في قوله: "الزَّاني" وفي قوله: "المُؤْمِنينَ" وإن كان للعموم ظاهراً لكنه مخصوص بالأقوام الذين نزلت فيهم كما قدمناه آنفاً. الوجه الثالث: أن قوله: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} وإن كان خبراً في الظاهر لكن المراد منه النهي، والمعنى: كل من كان زانياً فلا ينبغي أن ينكح إلا زانية، {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} هكذا كان الحكم في ابتداء الإسلام. وعلى هذا الوجه ذكروا قولين: أحدهما: أن ذلك الحكم باق إلى الآن حتى يحرم على الزاني والزانية التزويج بالعفيفة والعفيف وبالعكس، وهذا مذهب أبي بكر وعمر وعليّ وابن مسعود. ثم في هؤلاء من يسوّي بين الابتداء والدوام فيقول: كما لا يحل للمؤمن أن يتزوج بالزانية فكذلك لا يحل له إذا زنت تحته أن يقيم عليها. ومنهم من يفصل لأن في جملة ما يمنع من التزويج ما لا يمنع من دوام النكاح كالإحرام والعدة. والقول الثاني: أن هذا الحكم صار منسوخاً. واختلفوا في ناسخه: فقال الجبائي: إن ناسخه هو الإجماع وعن سعيد بن المسيب أنه منسوخ بعموم قوله تعالى: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 3]، {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} تفسير : [النور: 32]. قال المحققون: هذان الوجهان ضعيفان، أما قول الجبائي فلأنه ثبت في أصول الفقه أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، وأيضاً فالإجماع الحاصل عقيب الخلاف لا يكون حجة، والإجماع في هذه المسألة مسبوق بمخالفة أبي بكر وعمر وعلي، فكيف يصح؟ وأما قوله: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} [النساء: 3] فلا يصلح أن يكون ناسخاً، لأنه لا بد من أن يشترط فيه ألا يكون هناك مانع من النكاح من سبب أو نسب أو غيرهما. ولقائل أن يقول: لا يدخل فيه تزويج الزانية من المؤمنين، كما لا يدخل فيه تزويجها من الأخ وابن الأخ، وأن للزنا تأثيراً في الفرقة ما ليس لغيره، ألا ترى أنه إذا قذفها يتبعها بالفرقة على بعض الوجوه؟ ولا يجب مثل ذلك في سائر ما يوجب الحد، ولأن الزنا يورث العار، ويؤثر في الفراش، ففارق غيره. واحتج من ادعى النسخ بأن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "حديث : يا رسول الله إن امرأتي لا تردّ يد لامس"، قال: "طَلِّقْهَا". قال: "إني أحبها، وهي جميلة"، قال: "استمتع بها"تفسير : . وفي رواية: "حديث : فأمسكها إذن ". تفسير : وروي أن عمر بن الخطاب ضرب رجلاً وامرأة في زنا وحرص أن يجمع بينهما، فأبى الغلام. وبأن ابن عباس سُئِل عن رجل زنا بامرأة فهل له أن يتزوجها؟ فأجازه ابن عباس، وشبهه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه. وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سُئِل عن ذلك فقال: "حديث : أَوَّلُهُ سِفَاحٌ وآخِرُهُ نِكاح، والحرامُ لا يُحَرِّمُ الحلال ". تفسير : الوجه الرابع: أن يحمل النكاح على الوطء، والمعنى: أن الزاني لا يطأ حين يزني إلا زانية أو مشركة، وكذا الزانية {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: وحرم الزنا على المؤمنين، وهذا تأويل أبي مسلم، وهو قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم، ورواية الوالبي عن ابن عباس. قال الزجاج: "وهذا التأويل فاسد من وجهين: الأول: أنه ما ورد النكاح في كتاب الله إلا بمعنى التزوج، ولم يرد البتة بمعنى الوطء. الثاني: أن ذلك يخرج الكلام عن الفائدة، لأنا لو قلنا: المراد أن الزاني لا يطأ إلا الزانية فالإشكال عائد، لأنا نرى الزاني قد يطأ العفيفة حين يتزوج بها، ولو قلنا: المراد أن الزاني لا يطأ إلا الزانية حين يكون وطؤه زنا، فهذا كلام لا فائدة فيه". فإن قيل: أي فرق بين قوله: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} وبين قوله: {ٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ}؟ فالجواب أن الكلام الأول يدل على أن الزاني لا يرغب إلا في نكاح الزانية، بخلاف الزانية فقد ترغب في نكاح غير الزاني، فلا جرم بيَّن ذلك بالكلام الثاني. فإن قيل: لم قدم الزانية على الزاني في أول السورة وهاهنا بالعكس؟ فالجواب: سبقت تلك الآية على عقوبتها لخيانتها، فالمرأة هي المادة في الزنا، وأما هاهنا فمسوقة لذكر النكاح، والرجال أصل فيه، لأنه هو الراغب الطالب.

البقاعي

تفسير : ولما كان في ذلك من الغلظة على الزاني لما ارتكب من الحرام المتصف بالعار ما يفهم مجانبته، صرح به، مانعاً من نكاح المتصف بالزنى من ذكر وأنثى، إعلاماً بأن وطء من اتصف به من رجل أو امرأة لا يكون إلا زنى وإن كان بعقد، فقال واصلاً له بما قبله: {الزاني لا ينكح} أي لا يتزوج {إلا زانية أو مشركة} أي المعلوم اتصافه بالزنى مقصور نكاحه على زانية أو مشركة، وذلك محرم، فهذا تنفير للمسلمة عن نكاح المتصف بالزنى حيث سويت بالمشركة إن عاشرته، وذلك يرجع إلى أن من نكحت زانياً فهي زانية أو مشركة، أي فهي مثله أو شر منه، ولو اقتصر على ذلك لم يكن منع من أن ينكح العفيف الزانية، فقال تعالى مانعاً من ذلك: {والزانية لا ينكحها} أي لا يتزوجها {إلا زان أو مشرك} أي والمعلوم اتصافها بالزنى مقصور نكاحها على زان أو مشرك، وذلك محرم فهو تنفير للمسلم أن يتزوج من اتصفت بالزنى حيث سوى في ذلك بالمشرك، وهو يرجع إلى أن من نكح زانية فهو زان أو مشرك، أي فهو مثلها أو شر منها، وأسند النكاح في الموضعين إلى الرجل تنبيهاً إلى أن النساء لا حق لهن في مباشرة العقد؛ ثم صرح بما أفهمه صدر الاية بقوله مبنياً للمفعول لأن ذلك يكفي المؤمن الذي الخطاب معه: {وحرم ذلك} أي نكاح الزاني والزانية تحريماً لا مثنوية فيه {على المؤمنين*} وعلم من هذا أن ذكر المشرك والمشركة لزيادة التنفير، ثم إن هذا الحكم فسخ كما قال إمامنا الشافعي رحمه الله موافقة لابن المسيب بقوله تعالى {أية : وأنكحوا الأيامى منكم} تفسير : [النور: 32] وهو جمع أيم وهو من لا زوج له من الذكور والإناث، فأحل للزاني أن ينكح من شاء، وللزانية أن تنكح من شاءت، وقراءة من قرأ {لا ينكح} بالنهي راجعة إلى هذا، لأن الطلب قد يجيء للخبر كما يجيء الخبر للطلب - والله أعلم؛ قال الشافعي رحمه الله تعالى ورضي الله عنه في الأم في جزء مترجم بأحكام القرآن وفي جزء بعد كتاب الحج الكبير والصغير والضحايا: ما جاء في نكاح المحدثين، فذكر الآية وقال: اختلف أهل التفسير في هذه الاية اختلافاً متبايناً، أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن مجاهد أن هذه الآية نزلت في بغايا من بغايا الجاهلية كانت على منازلهن رايات، قال في الجزء الآخر: وكن غير محصنات، فأراد بعض المسلمين نكاحهن فنزلت الآية بتحريم أن ينكحن إلا من أعلن بمثل ما أعلن به أو مشركاً، وقيل كن زواني مشركات فنزلت لا ينكحهن إلا زان مثلهم مشرك، أو مشرك وإن لم يكن زانياً، وحرم ذلك على المؤمنين، وقيل: هي عامة ولكنها نسخت، أخبرنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: هي منسوخة نسختها {أية : وأنكحوا الأيامى منكم}تفسير : [النور: 32] فهي من أيامي المسلمين، فهذا كما قال ابن المسيب إن شاء الله تعالى، وعليه دلائل من الكتاب والسنة، ثم استدل على فساد غير هذا القول بأن الزانية إن كانت مشركة فهي محرمة على زناة المسلمين وغير زناتهم بقوله تعالى {أية : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن}تفسير : [البقرة: 221] ولا خلاف في ذلك، وإن كانت مسلمة فهي بالإسلام محرمة على جميع المشركين بكل نكاح بقوله تعالى {أية : فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} تفسير : [الممتحنة: 10] ولا خلاف في ذلك أيضاً، وبأنه لا اختلاف بين أحد من أهل العلم أيضاً في تحريم الوثنيات عفائف كن أو زواني على من آمن زانياً كان أو عفيفاً، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم جلد بكراً في الزنى وجلد امرأة ولم نعلمه قال للزاني: هل لك زوجة فتحرم عليك إذا زنيت، ولا يتزوج هذا الزاني ولا الزانية إلا زانية أو زانياً، بل قد يروى أن رجلاً شكا من امرأته فجوراً فقال: طلقها، قال: إني أحبها، قال: استمتع بها - يشير إلى ما رواه ابو داود والنسائي وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما حديث : أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن امرأتي لا تمنع يد لامس، قال: طلقها، قال: إني لا أصبر عنها، قال: فأمسكها"تفسير : ورواه البيهقي والطبراني من حديث جابر رضي الله عنه، وقال شيخنا ابن حجر: إنه حديث حسن صحيح - انتهى. قال الشافعي: وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لرجل اراد أن ينكح امرأة أحدثت: أنكحها نكاح العفيفة المسلمة - انتهى بالمعنى. وقال في الجزء الذي بعد الحج: فوحدنا الدلالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في زانية وزان من المسلمين لم نعلمه حرم على واحد منهما أن ينكح غير زانية ولا زان، ولا حرم واحداً منهما على زوجه؛ ثم قال: فالاختيار للرجل أن لا ينكح زانية وللمرأة أن لا تنكح زانياً، فإن فعلا فليس ذلك بحرام على واحد منهما، ليست معصية واحد منهما في نفسه تحرم عليه الحلال إذا أتاه، ثم قال: وسواء حد الزاني منهما أو لم يحد، أو قامت عليه بينة أو اعترف، لا يحرم زنى واحد منهما ولا زناهما ولا معصية من المعاصي الحلال إلا أن يختلف ديناهما بشرك وإيمان - انتهى. وقد علم أنه لم يرد أن هذا الحكم نسخ بآية الأيامى فقط، بل بما انضم إليها من الإجماع وغيره من الآيات والأحاديث بحيث صير ذلك دلالتها على ما تناولته متيقناً كدلالة الخاص على ما تناوله، فلا يقال: إن الشافعي رحمه الله خالف أصله في أن الخاص لا ينسخ بالعام، لأن ما تناوله الخاص متيقن، وما تناوله العام ظاهر مظنون، وكان هذا الحكم - وهو الحرمة في أول الإسلام بعد الهجرة - لئلا يغلب حال المفسد على المصلح فيختل بعض الأمر كما أشير إليه في البقرة {أية : ولا تنكحوا المشركات} تفسير : [البقرة: 221] وفي المائدة عند {أية : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} تفسير : [المائدة: 5] وهو من وادي قوله: شعر : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل خليل بالمخالل يقتدي تفسير : والجنسية علة الضم، والمشاكلة سبب المواصلة، والمخالفة توجب المباعدة وتحرم المؤالفة، وقد روى أبو داود في الأدب والترمذي في الزهد - وقال: حسن غريب - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"تفسير : . وروى الإمام أبو يعلى الموصلي في مسنده قال: حدثنا يحيى بن معين حدثنا سعيد بن الحكم حدثنا يحيى بن أيوب حدثني يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: كانت امرأة بمكة مزاحة، يعني فهاجرت إلى المدينة الشريفة، فنزلت على امرأة شبه لها، فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت صدق حبي! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" تفسير : قال: ولا أعلم إلا قال في الحديث: ولا نعرف تلك المرأة، وسيأتي {والطيبات للطيبين} تخريج "الأرواح جنود مجندة" وقال الإمام أبو بكر أحمد بن مروان الدينوري في كتاب المجالسة: حدثنا أحمد بن علي الخزاز حدثنا مصعب بن عبدالله عن أبي غزية الأنصاري قال: قال الشعبي: يقال: إن لله ملكاً موكلاً بجمع الأشكال بعضها إلى بعض - انتهى. وعزاه شيخنا الحافظ أبو الفضل بن حجر في تخريج أحاديث مسند الفردوس إلى أنس رضي الله عنه وقال: بتأليف الأشكال. ويروى أن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه خطب أهل الكوفة بعد ثلاثة أيام من مقدمه عليهم فقال: يا أهل الكوفة، قد علمنا شراركم من خياركم، فقالوا: كيف وما لك إلا ثلاثة أيام؟ فقال: كان معنا شرار وخيار، فانضم خيارنا إلى خياركم، وشرارنا إلى شراركم، فلما تقررت الأحكام، وأذعن الخاص والعام، وضرب الدين بجرانه، ولم يخش وهي شيء من بنيانه، نسخت الحرمة، وبقيت الكراهة أو خلاف الأولى - والله الموفق. وهذا كله توطئة لبراءة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كما يأتي إيضاحه عنه {والطيبات للطيبين} لأنها قرينة خير العالمين وأتقاهم وأعفهم، ولأن كلاًّ منها ومن صفوان رضي الله عنهما بعيد عما رمى به شهير بضده، وإليه الإشارةبقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً"تفسير : . وفي رواية "حديث : ما علمت عليه من سوء قط، ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر"تفسير : . وبقول عائشة رضي الله عنها عن صفوان رضي الله عنه: إنه قتل شهيداً في سبيل الله. وهذا سوى الآيات المصرحة والأعلام المفصحة، فهو {والطيبون} تلويح قبل بيان، وتصريح وإشارة بعد عبارة وتوضيح، ليجتمع في براءة الصديقة رضي الله عنها دليلان عقليان شهوديان اكتنفا الدليل النقلي فكانا سوراً عليه، وحفظاً من تصويب طعن إليه، وفي ذلك من فخامة أمرها وعظيم قدرها ما لا يقدره حق قدره إلا الذي خصها به.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو داود في ناسخه والبيهقي في سننه والضياء المقدسي في المختارة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله {الزاني لا ينكح إلا زانية} قال: ليس هذا بالنكاح ولكن الجماع، لا يزني بها حين يزني إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين، يعني الزنا. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: لما قدم المهاجرون المدينة قدموها وهم بجهد إلا قليل منهم، والمدينة غالية السعر، شديدة الجهد، وفي السوق زوان متعالنات من أهل الكتاب، وأما الأنصار منهن أمية وليدة عبد الله بن أبي، ونسيكة بنت أمية لرجل من الأنصار، في بغايا من ولائد الأنصار قد رفعت كل إمرأة منهن علامة على بابها ليعرف أنها زانية، وكن من أخصب أهل المدينة وأكثره خيراً، فرغب أناس من مهاجري المسلمين فيما يكتسبن للذي هم فيه من الجهد، فاشار بعضهم على بعض لو تزوّجنا بعض هؤلاء الزواني فنصيب من فضول أطعامهنَّ فقال بعضهم: نستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوه فقالوا: يا رسول الله قد شق علينا الجهد ولا نجد ما نأكل، وفي السوق بغايا نساء أهل الكتاب وولائدهن وولائد الأنصار يكتسبن لأنفسهن فيصلح لنا أن نتزوّج منهن، فنصيب من فضول ما يكتسبن، فإذا وجدنا عنهن غنى تركناهن؟ فأنزل الله {الزاني لا ينكح} فحرم على المؤمنين أن يتزوّجوا الزواني المسافحات العالنات زناهن. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {الزاني لا ينكح إلا زانية او مشركة} قال: كن نساء في الجاهلية بغيات، فكانت منهن امرأة جميلة تدعى أم مهزول، فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوّج إحداهن فتنفق عليه من كسبها، فنهى الله أن يتزوّجهن أحد من المسلمين. وأخرج عبد بن حميد عن سليمان بن يسار في قوله {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} قال: كن نساء في الجاهلية بغيات، فنهى الله المسلمين عن نكاحهن. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء قال: كانت بغايا في الجاهلية بغايا آل فلان وبغايا آل فلان فقال الله {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} فأحكم الله ذلك من أمر الجاهلية بالإسلام. قيل له: أعن ابن عباس؟ قال: نعم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} قال: رجال كانوا يريدون الزنا بنساء زَوانٍ بغايا متعالنات كن كذلك في الجاهلية. قيل لهم هذا حرام، فأرادوا نكاحهن، فحرم الله عليهم نكاحهن. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: كان في بدء الإِسلام قوم يزنون قالوا: أفلا نتزوّج النساء التي كنا نفجر بهن؟ فأنزل الله {الزاني لا ينكح إلا زانية...}. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الضحاك {الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} قال: إنما عني بذلك الزنا ولم يعن به التزويج. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} قال: لا يزني حين يزني إلا بزانية مثله أو مشركة. وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في هذه الآية قال: الزاني من أهل القبلة لا يزني إلا بزانية مثله من أهل القبلة، أو مشركة من غير أهل القبلة، والزانية من أهل القبلة لا تزني إلا بزان مثلها من أهل القبلة، أو مشرك من غير أهل القبلة، وحرم الزنا على المؤمنين. وأخرج سعيد بن منصور عن مجاهد قال: لما حرم الله الزنا فكان زوان عندهن جمال ومال فقال الناس حين حُرِّم الزنا: لتُطَلَّقْنَ فلنتزوّجهن. فأنزل الله في ذلك {الزاني لا ينكح إلا زانية...}. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والنسائي والحاكم وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه وأبو داود في ناسخه عن عبد الله بن عمر قال: كانت امرأة يقال لها أم مهزول، وكانت تسافح الرجل وتشرط أن تنفق عليه، فأراد رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوّجها، فأنزل الله {الزاني لا ينكحها إلا زان أو مشرك}. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت امرأة بمكة يقال لها عناق، وكانت صديقة له، وأنه وجد رجلاً من أسارى مكة يحمله قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة فجاءت عناق، فأبصرت سواد ظل تحت الحائط، فلما انتهت إليّ عرفتني فقالت: مرثد.! فقلت: مرثد. فقالت: مرحباً وأهلاً هلم فَبِتْ عندنا الليلة قلت: يا عناق حرّم الله الزنا قالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم قال: فتبعني ثمانية وسلكت الخندمة فانتهيت إلى غار أو كهف فدخلت، فجاؤوا حتى قاموا على رأسي فبالوا، وظل بولهم على رأسي ونحاهم الله عني، ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي فحملته حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أنكح عناقاًً؟ فأمسك فلم يرد عليّ شيئاً حتى نزلت {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} فلا تنكحها. وأخرج ابن أبي جرير عن عبد الله بن عمر في قوله {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} قال: كان نساء معلومات، فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوج المرأة منهن لتنفق عليه، فنهاهم الله عن ذلك. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن مردويه وابن جرير والبيهقي عن ابن عباس. أنها نزلت في بغايا معلنات كن في الجاهلية، وكن زوان مشركات، فحرم الله نكاحهن على المؤمنين. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق سعيد مولى ابن عباس قال: كنت مع ابن عباس فأتاه رجل فقال: إني كنت أتبع امرأة فأصبت منها ما حرّم الله عليّ، وقد رزقني الله منها توبة، فأردت أن أتزوّجها فقال الناس {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} فقال ابن عباس: ليس هذا موضع هذه الآية، إنما كن نساء بغايا متعالنات، يجعلن على أبوابهن رايات، يأتيهن الناس يعرفن بذلك، فأنزل الله هذه الآية. تزوجها فما كان فيها من اثم فعلي. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والبيهقي عن سعيد بن جبير قال: كن نساء بغايا في الجاهلية كان الرجل ينكح المرأة في الإسلام فيصيب منها، فحرم ذلك في الإسلام، فأنزل الله {الزانية لا ينكحها إلا زان....}. وأخرج أبو داود وابن المنذر وابن عدي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا ينكح الزاني المحدود إلا مثله ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الحسن {الزاني لا ينكح إلا زانية} قال: المحدود لا يتزوج إلا محدودة مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وابن المنذر عن علي أن رجلاً تزوج امرأة ثم إنه زنى فأقيم عليه الحد، فجاؤوا به إلى علي ففرق بينه وبين زوجته وقال له: لا تتزوّج إلا مجلودة مثلك. وأخرج أحمد والنسائي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث ". تفسير : وأخرج ابن ماجة عن أنس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من أراد أن يلقى الله طاهراً مطهراً فليتزوّج الحرائر ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود وأبو عبيد معاً في التاريخ وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن سعيد بن المسيب في هذه الآية {الزاني لا ينكح إلا زانية} قال: يرون أن هذه الآية التي بعدها نسختها {وأنكحوا الأيامى منكم} فهن من أيامى المسلمين.

ابو السعود

تفسير : {ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} حكمٌ مؤسَّسٌ على الغالبِ المُعتادِ جيءَ به لزجرِ المؤمنينَ عن نكاحِ الزَّواني بعدَ زجرِهم عن الزِّنا بهنَّ وقد رَغِب بعضٌ من ضَعَفةِ المُهاجرينَ في نكاحِ موسراتٍ كانتْ بالمدينةِ من بَغَايا المُشركينَ فاستأذنُوا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في ذلكَ فنُفِّروا عنه ببـيانِ أنَّه من أفعالِ الزُّناةِ وخصائصِ المُشركين كأنَّه قيلَ الزَّاني لا يرغبُ إلاَّ في نكاحِ إحداهما والزَّانيةُ لا يرغبُ في نكاحِها إلا أحدُهما فلا تحومُوا حولَه كيلا تنتظمُوا في سلكهما أو تتسِمُوا بسمتِهما فإيرادُ الجُملةِ الأُولى مع أنَّ مناطَ التَّنفيرِ هي الثَّانيةُ إمَّا للتعريضِ بقصرهم الرَّغبةَ عليهنَّ حيثُ استأذنُوا في نكاحهنَّ أو لتأكيدِ العلاقةِ بـين الجانبـينِ مُبالغةً في الزَّجرِ والتَّنفيرِ وعدمِ التَّعرضِ في الجُملة الثَّانيةِ للمشركةِ للتنبـيهِ على أنَّ مناطَ الزَّجرِ والتَّنفيرِ هو الزِّنا لا مجردُ الإشراكِ وإنَّما تعرَّضَ لها في الأُولى إشباعاً في التَّنفير عن الزَّانيةِ بنظمها في سلكِ المُشركةِ {وَحُرّمَ ذٰلِكَ} أي نكاحُ الزَّواني {عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} لما أنَّ فيهِ من التَّشبهِ بالفسقةِ والتَّعرضِ للتُّهمةِ والتَّسببِ لسوءِ القالةِ والطَّعنِ في النَّسبِ واختلالِ أمرِ المعاشِ وغيرِ ذلكَ من المفاسدِ ما لا يكادُ يليقُ بأحدٍ من الأداني والأراذلِ فضلاً عنِ المُؤمنينَ ولذلكَ عبَّر عن التنزيهِ بالتَّحريمِ مُبالغةً في الزَّجرِ وقيل النَّفيُ بمعنى النَّهيِ وقد قُرىءَ بهِ. والتَّحريمُ على حقيقته والحكمُ إمَّا مخصوصٌ بسبب النُّزولِ أو منسوخٌ بقولهِ تعالى: { أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ} تفسير : [النور: الآية 32] فإنَّه متناولٌ للمسافحاتِ ويُؤيده ما رُوي أنَّه صلى الله عليه وسلم سُئلَ عن ذلكَ فقالَ: « حديث : أولهُ سِفاحٌ وآخرُه نِكاحٌ والحرامُ لا يُحرِّمُ الحلالَ » تفسير : وما قيل من أنَّ المرادَ بالنِّكاحِ هو الوطءُ بـيِّنُ البُطلانِ.

القشيري

تفسير : الناسُ أشكالٌ؛ فكلُّ نظيرٍ مع شكله، وكلُّ يُساكِنُ شكله، وأنشدوا: شعر : عن المرء لا تسأل وَسلْ عن قرينه فكلُّ قرينٍ بالمُقَارَنِ يقتدي تفسير : فأهلُ الفسادِ الفسادُ يجمعهم - وإنْ تَبَاعَدَ مزارُهم وأهل السدادِ السدادُ يجمعهم - وإن تناءت ديارهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {الزانىلاينكح الا زانية او مشركة والزانية لاينكحها الا زان او مشرك} النكاح انما ورد فى القرآ ن بمعنى العقد اى التزوج لا الوطىء، قال الراغب اصل النكاح للعقد ثم استعير للجماع ومحال ان يكون فى الاصل للجماع ثم استعير للعقد لان اسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه ومحال ان يستعير من لا يقصد فحشا ما يستفظعونه لما يستحسنونه انتهى وهذا حكم مؤسس على الغالب المعتاد جىء به لزجر المؤمنين عن نكاح الزوانى بعد زجرهم عن الزنى بهن يعنى الغالب ان المائل الى الزنى والتقحب لا يرغب فى نكاح الصوالح من النساء وانما يرغب فى نكاح فاسقة من شلكه او مشركة والمسافحة لا يرغب فى نكاحها الصلحاء وينفرون عنها وانما يرغب فيها فاسق مثلها او مشرك فان المشاكلة سبب الائتلاف والاجتماع كما ان المخالفة سبب الوحشة والافتراق. وقدم الزانى فى هذه الآية لان الرجل اصل فى النكاح من حيث انه هو الطالب ومنه تبدأ الخطبة ولان الآية نزلت فى فقراء المهاجرين الذين رغبوا فى نكاح موسرات كانت بالمدينة من بقايا المشركين لينفقن عليهم من اكسابهن على عادة الجاهلية كما قال الكاشفى [بقايا از يهود بامشركان مدينة در بيوت نواخير نشسته هريك بردر خانه خود رايتى نصب كرد ندى ومردم را بخود دعوت نموده اجرت كرفتندى ضعفه مهاجرين كه مسكنى وعشرتى نداشتند و ازتنك بريشان مى كذرانيدند داعية كردند كه ايشانرا بنكاح درآ ورده كه وكراين نفس ازايشان كرفته برعادت اهل جاهليت معاش كذرانند] فاستأذنوا رسول الله فى ذلك فنفروا عنه ببيان انه افعال من الزناة وخصائص المشركين كأنه قيل الزانى لايرغب الا فى نكاح احداهما والزانية لا يرغب فى نكاحها الا احدهما لا تحوموا حوله كيلا تنتظموا فى سلكهما او تتسموا بسمتهما فايراد الجملة الاولى منع ان مناط التنفير هى الثانية لتأكيد العلاقة بين الجانبين مبالغة فى الزجر والتنفير لا مجرد الاشراك وانما تعرّض لها فى الاولى اشباعا فى التنفير عن الزانية بنظمها فى سلك المشركة {وحرم ذلك} اى نكاح الزانى {على المؤمنين} لما فيه من التشبيه بالفسقة والتعرض للتهمة والتسبب بسوء المقالة والطعن فى النسب وغير ذلك من المفاسد لا يكاد يليق باحد من الا دانى والاراذل فضلا عن المؤمنين ولذلك عبر عن التنزيه بالتحريم مبالغة فى الزجر والحكم اما مخصوص بسبب النزول او منسوخ بقوله تعالى {أية : وانحكوا الايامى منكم}تفسير : فانه متناول للمسافحات ويؤيده ماروى انه عليه السلام سئل عن ذلك فقال "حديث : اوله سفاح وآخره نكاح"تفسير : والحرام لايحرم الحلال، وفى الآية اشارة الى الحذر عن اخدان السوء والحث عن مخالطة اهل الصحبة والاخدان فى الله تعالى فان الطبع من الطبع يسرق والمقارنة مؤثرة والامراض سارية وفى الحديث "حديث : لاتساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم او جامعهم فهو منهم وليس منا"تفسير : اى لاتسكنوا مع المشركين فى المسكن الواحد ولا تجتمعوا معهم فى المجلس الواحد حتى لايسرى اليكم اخلاقهم وسيرهم القبيحة بحكم المقارنة وللناس اشكال فكل يطير بشكله شعر : همه مرغان كند باجنس برواز كبوتر باكبوتر باز با باز تفسير : وكل مساكن مثله كما قال قائلهم شعر : عن المرء لا تسأل وابصر قرينة فان القرين بالمقارن يقتدى تفسير : فاما اهل الفساد فالفساد يجمعهم وان تناءت ديارهم واما اهل السداد فالسداد يجمعهم وان تباعد مزارهم، قال الكاشفى [جنسيت علت ضمست ومشاكله سبب الفت شعر : هركس مناسب كهرخود كرفت يار بلبل بباغ رفت وزغن سوى خارزار تفسير : وحرم محافظة اخدان السوء على المؤمنين لئلا يؤثر فيهم فساد حالهم وسوء اخلاقهم، ومن بلاغات الزمخشرى لا ترضى لمجالستك الا اهل مجانستك اى لا ترض ان تكون جليس احد من غير جنسك فانه العذاب الشديد ليس الا، وجاء فى مسائل الفقه ان من رأى نصرانية سمينة فتمنى ان يكون نصرانيا ليتزوجها كفر. فقال بعضهم السمينة موجودة فى المؤمنات ايضا ولكن علة الضم الجنسية فعلى العاقل ان يصون نفسه بقدر الا مكان الله فانه الله غيور ينبغى ان يخاف منه كل آن.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: من شأن {الزاني} الخبيث: أنه لا يرغب إلا في زانية خبيثة من شكله، أو في مشركة، والخبيثة المسافحة لا يرغب فيها إلا من هو من شكلها، من الفسقة أو المشركين، وهذا حُكْمٌ جار على الغالب المعتاد، جيء به؛ لزجر المؤمنين عن نكاح الزواني، بعد زجرهم عن الزنا بهن؛ إذ الزنا عديل الشرك في القبح، كما أن الإيمان قرين العفاف والتحصن، وهو نظير قوله: {أية : ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} تفسير : [النور: 26]. روي أن المهاجرين لَمَّا قدموا المدينة، وكان فيهم من ليس له مال ولا أهل، وبالمدينة نساء بغايا مُسافِحَات، يُكرين أنفسهن وهُنَّ أخْصَبُ أهل المدينة، رغب بعضُ الفقراء في نكاحهن؛ لحسنهن، ولينفقوا عليهم من كَسْبِهِنّ، فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت، فنفرهم الله تعالى عنه، وبيَّن أنه من أفعال الزناة وخصائص المشركين، فلا تحوموا حوله؛ لئلا تنتظموا في سلكهم وتَتَّسِمُوا بسمتهم. قيل: كان نكاح الزانية محرماً في أول الإسلام، ثم نسخ بقوله: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ}تفسير : [النور: 32]. وقيل: المراد بالنكاح: الوطء، أي: الزاني لا يزني إلا بزانية مثله، وهو بعيد، أو باطل. وسُئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عمن زنا بامرأة ثم تزوجها. فقال: "حديث : أَوَّلُهُ سِفَاحٌ، وآخره نكاح والحرام لا يُحرم الحلال ". تفسير : ومعنى الجملة الأولى: وصفُ الزاني بكونه غير راغب في العفائف، ولكن في الفواجر. ومعنى الثانية: وصف الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء، ولكن الزناة، وهما معنيان مختلفان. وقدّم الزاني هنا، بخلاف ما تقدم في الجلد؛ لأن تلك الآية سيقت لعقوبتهما على ما جنيا، والمرأة هي المادة التي منها نشأت تلك الجناية، كما تقدم، وأما هنا فمسوقة لذكر النكاح، والرجل اصل فيه. ثم ذكر الحُكْم فقال: {وحُرِّم ذلك على المؤمنين} أي: نكاح الزواني بقصد التكسب، أو: للجمال؛ لما في ذلك من التشبه بالفساق وحضور مواضع التهمة، والتعرض لسوء المقالة والغيبة والطعن في النسب، وغير ذلك من المفاسد التي لا تكاد تليق بأحد من الأداني والأراذل، فكيف بالمؤمنين والأفاضل؟، ولذلك عبّر عن التنزيه بالتحريم، مبالغة في الزجر، وقيل: النفي بمعنى النهي، وقرئ به. والتحريم: إما على حقيقته، ثم نسخ بقوله: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} تفسير : [النور: 32] إلخ، أو: مخصوص بسبب النزول. والله تعالى أعلم. الإشارة: الصحبة لها تأثير في الأصل والفرع، فيحصل الشرف أو السقوط بصحبة أهل الشرف أو الأراذل، وفي ذلك يقول القائل: شعر : عَلَيْكَ بأَرْبَابِ الصُّدُورِ، فَمَنْ غَدَا مُضَافاً لأَرْبَابِ الصُّدُورِ تَصَدَّرَا وَإِيَّاكَ أَنْ تَرْضَى بِصُحْبَةِ سَاقِطٍ فَتَنحط قَدْراً مِنْ عُلاَكَ وَتَحْقُرَا تفسير : فالمرء على دين خليله، ومن تحقق بحالة لا يخلو حاضروه منها، والحكم للغالب، فإن كان النورُ قوياً غلب الظلمةَ، وإن كانت الظلمة قوية غلبت النور، وصيرته ظلمة، ولذلك نهى الله تعالى عن نكاح الزواني، فإنه وإن كان نور الزوج غالباً - إذا كان ذا نور - فإن العِرْقَ نَزَّاعٌ، فيسرى ذلك في الفروع، فلا تكاد تجد أولاد أهل الزنا إلا زناة، ولا أولاد أهل العفة إلا أعِفَّاء، {أية : وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} تفسير : [الأعراف:58]. وفي الحديث: "حديث : إياكم وخَضْرَاءَ الدِّمَنِ، قيل: وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء"تفسير : . قال ابن السكيت: شبهها بالبقلة الخضراء في دِمْنَةِ أرض خبيثة؛ لأن الأصل الخبيث يحن إلى أصله، فتجيء أولادها لأصلها في الغالب. فيجيب على اللبيب - إن ساعفته الأقدار - أن يختار لزراعته الأرض الطيبة، وهي الأصل الطيب، لتكون الفروع طيبة. وفي الحديث: "حديث : تخيَّرُوا لنطفكم ولا تضعوها إلاّ في الأَكْفَاءِ" تفسير : هـ. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر حدَّ القذف، فقال: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ...}

الجنابذي

تفسير : {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} قدّم الزّانى ههنا لانّ المقام لبيان حكمهما والرّجل مقدّم على المرأة واولى بالحكم منها، قيل: هو ردّ على من يستحلّ التّمتّع بالزّوانى والتّزويج بهنّ وهنّ المشهورات المعروفات فى الدّنيا لا يقدر الرّجل على تحصينهنّ، وفى الخبر عن الصّادق (ع): هنّ نساء مشهورات بالزّنا ورجال مشهورون بالزّنا شهروا به وعرفوا به والنّاس اليوم بتلك المنزلة فمن اقيم عليه حدّ الزّنا او شهر بالزّنا لم ينبغ لاحدٍ ان يناكحه حتّى يعرف منه التّوبة، وفى خبرٍ انّما ذلك فى الجهر ولو انّ انساناً زنى ثمّ تاب تزوّج حيث شاء، وفى خبرٍ: لم يسمّ الله الزّانى مؤمناً ولا الزّانية مؤمنة وذلك لانّه تعالى جعلهما فى قبال المؤمنين وقرينين للمشرك والمشركة، فعلى ما ذكر فى الاخبار كانت الآية نهياً فى صورة الاخبار وهو آكد من الاتيان بصورة النّهى وهو كناية عن نهى المؤمن والمؤمنة عن نكاح الزّانية والزّانى والمشركة والمشرك فانّ الاخبار عن الزّانى والزّانية بانحصار نكاحهما فيهم يدلّ على انّ عنوان الزّنا يقتضى حصر نكاحهما فيهم فكلّ عفيف وعفيفة رضى بنكاحها منهم كان بمنزلة الزّانى والزّانية، والعفيف والعفيفة لا يرضيان بجعلهما بمنزلة الزّانى والزّانية فلا ينكحا من الزّانى والزّانية والمشرك والمشركة ولذا صرّح بهذا المكنّى وقال {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} يعنى المؤمنين والمؤمنات لكنّه اكتفى بالمؤمنين تغليباً، وقيل: انّ المعنى انّ الّذى زنى لا يجامع فى حال الزّنا الاّ الّتى كانت شريكة له فى الزّنا او كانت مشركة وهى اسوء من الزّانية يعنى المرأة شريكة له فى الزّنا او كانت اسوء حالاً من الزّنا، وقيل: هذا الحكم كان ثابتاً لكلّ زانٍ وزانيةٍ وكان نكاح غير الموصوف بالزّنا حراماً عليهما سواء كانا مشهورين به ام لا، ثمّ نسخ هذا الحكم بقوله تعالى:{أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ}تفسير : [النور: 32] اوالمعنى على الاخبار والمقصود انّ الزّانى لا يرغب ولا يعقد الاّ على الزّانية لعد السّنخيّة بينه وبين الصّالحات فيكون الاخبار عن الكلّ باعتبار الغالب.

الأعقم

تفسير : {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} الآية نزلت في بغايا مكة والمدينة على ما تقدم، وقيل: المراد بالنكاح العقد وكل مشركات وزانيات نهي عن نكاحهن، وقيل: كان هذا حكم في كل زاني وزانية، ثم نسخ، وقيل: المراد بالنكاح العقد وذلك الحكم ثابت في كل من زنى بامرأة لا تجوز له أن يتزوج بها عن جماعة من الصحابة، وروي ذلك عن علي (عليه السلام)، وروي أيضاً عن عائشة، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : يا معاشر الناس اتقوا الزنى فإن فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا، وثلاث في الآخرة، فأما التي في الدنيا: فذهاب نور الوجه، ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما التي في الآخرة: فيوجب السخط، والخلود في النار، وسوء الحساب"تفسير : . وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد سئل عن ذلك فقال: "حديث : أوله سفاح وآخره نكاح والحرام لا يحرم الحلال" تفسير : وحرم ذلك على المؤمنين ذلك العقد، وقيل: الوطي، وقيل: ليس ذلك من أفعال المؤمن، ولما حدّ الزنى عقبه بذكر من قذف بالزنى زجراً عن القذف فقال سبحانه: {والذين يرمون المحصنات} قيل: النساء الحرائر والمسلمات العفيفات {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} يشهدون على صحة ما رموها من الزنى {فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون} الخارجون عن طاعة الله، قال جار الله: الكافر يقذف فيتوب عن الكفر فتقبل شهادته بالإِجماع، والقاذف من المسلمين يتوب عن القذف فلا تقبل شهادته، عند أبو حنيفة، كأن القذف مع الكفر أهون من القذف مع الإِسلام، قلت: المسلمون لا يعبأون بقذف الكافر، فإن قلت: هل للمقذوف أو للإِمام أن يعفو عن القاذف؟ قلت: لهما ذلك قبل أن يشهد الشهود ويثبت الحد، وقيل: نزلت هذه الآية في حسان بن ثابت حين تاب مما قال في عائشة ثم استثنى {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} يغفر ما سلف منه ويدخله الجنة برحمته.

الهواري

تفسير : قوله: {الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَآ إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ}. وذلك أن النبي عليه السلام قدم المدينة، وبها نساء من أهل الكتاب وإماء مشركات من إماء مشركي العرب مؤاجرات مجاهرات بالزنا، لهن رايات مثل رايات البياطرة. قال بعضهم: لا يحل من نساء أهل الكتاب إلا العفائف الحرائر، ولا نساء المشركين من غير أهل الكتاب. وإماء المشركين حرام على المسلمين. وقال بعضهم في قوله: {الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً}؛ يعني من كان يزني بتلك المؤاجرات من نساء أهل الكتاب وإماء المشركين وإن كانت حرة من المشركات، لا ينكحها إلا زان من أهل الكتاب أو من مشركي العرب. قال: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ}، أي: تزويجهن. ثم حرم النساء المشركات من غير أهل الكتاب، زوانِيَ كنَّ أو عفائفَ، فقال: (أية : وَلاَ تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤمِنَّ)تفسير : ... وقال: (أية : وَلاَ تُنكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤمِنُوا) تفسير : [البقرة: 221]. هذا كله فيمن تأول الآية على أن النكاح الذي ذكر هو نكاح التزويج. وقال الآخرون مِمّن تأوَّل الآية على أن هذا نكاح الوطء لا نكاح التزويج، قال: {الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَآ إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} أي: لا يفعل هذا الفعل إلا زان، أي: من أهل التوحيد، أو مشرك من أهل الكتاب، وحُرِّم ذلك، أي: ذلك الفعل على المؤمنين. أي: أنه لم يفعلوه. وهذا حقيقة التأويل. وهذا ما يشدَّ الآيتين اللتين قبل هذه.

اطفيش

تفسير : {الزَّانِي لاَ يَنكِحُ} يتزوج {إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إلاَّ زَانٍ أَو مُشْرِكٌ} قيل اي المناسب لكل منهما ما ذكر * {وحرَّمَ ذلك} اي نكاح الزاني * {على المؤمنين} الاخيار نزل ذلك لما هم فقراء المهاجرين ان يتزوجوا بغايا المشركين ولهن رايات علامات للزنى وهن موسرات لينفقن عليهم وإذا ايسروا طلقوهن. فقيل: التحريم خاص بهم. وقيل: عام ونسخ بقوله تعالى:{أية : وأَنكحوا الأَيامى منكم } تفسير : وقيل: (بالاجماع). وقيل: ان المقصود الآية تشنيع الزنى وانه محرم على المؤمنين وان النكاح معنى الوطء لا التزوج. ورد بانه لم يرد النكاح في القرآن الا بمعنى التزوج والعقد؟ قلت: بل خلاف في مواضع. قيل: ويرده ايضا فساد المعنى لادائه إلى قولك الزاني لا يزني الا بزانية والزانية لا يزني بها الا زان واجيب بانه لم يكن ذلك اباحة بل تشنيع كما مر. وقيل: المعنى ان الفاسق الخبيث لا يرغب في نكاح الصوالح اي في تزوجهن وانما يرغب في فاسقة أو مشركة والفاسقة لا يرغب فيها الصلحاء بل يرغب فيها الفاسق أو مشرك ونكاح الفاسقة محرم على المؤمن لما فيه من التشبه بالفساق وحضور موضع التهمة والتعرض لسوء القول والغيبة وانواع الفساد وانه قد نبه على ذلك بقوله: {أية : وأَنكحوا الأَيامى منكم والصالحين من عبادكم وإِمائكم}تفسير : والمشاكلة علة الالفة والمخالفة سبب للنفرة. قيل: عبر عن التنزيه بالتحريم مبالغة. وقيل: النفي بمعنى النهي وقد قرئ به والحرمة على ظاهرها والصحيح ان المرأة الزانية ولو اشتهرت بالزنى يحل تزوجها إذا تابت واصلحت الا لمن زنى بها فان الزاني لا تحل له مزنيته وأَما ما روي عنه صلى الله عليه وسلم انه سئل عن ذلك فقال:"حديث : أوله سفاح وآخره نكاح"تفسير : فضعيف وقومنا قبله كثير منهم وقالوا الحرام لا يحرم الحال ورووا الجواز عن ابن عباس وعن عائشة رضي الله عنها ان الرجل إذا زنى بامرأة ليس له ان يتزوجها لهذه الاية وإذا باشرها كان زانيا وبذلك قال جابر بن زيد وابو عبيدة وصالح الدهان والربيع ووائل ومحبوب وموسى بن علي وعبدالله بن عبد العزيز وابو المؤثر وابن مسعود وعائشة والبراء بن عازب وعلي وابو هريرة وجابر بن عبدالله والحسن البصري وابن سيرين وذلك مذهبنا واباحت طائفة نكاحها مع التوبة والاصلاح. وروي عن ابن عمر وابن عباس ومجاهد وسعيد بن مسيب والثوري وابي حنيفة ومالك والشافعي انه يجوز له نكاحها بلا شرط. ونسبه قومنا لجابر بن زيد. وروي عن جابر بن عبداللهحديث : أَن رجلا أَتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إِن امرأتي لا ترد يد لامس قال "طلقها" قال اني احبها وهي جميلة قال "استمتع بها"تفسير : وفي رواية غيره "حديث : فأَمسكها إذاً " تفسير : وروي هذا الحديث عن ابن عباس أبو داود والنسائي ولا دليل فيه لان الكلام في نكاح الزاني مزنيته بان يزني بها ثم يتزوجها نعم استدل به الخازن لبعض على جواز نكاح الزانية والجواب عندنا ان هذا الحديث غير ثابت كما قال النسائي نفسه وعلى ثبوته فالامس طالب معروف فيكون اشتكى من سخائها وروي عن ابن عباس في تزوج الزاني بمزنيته أو أوله سفاح واخره نكاح ولا حجة في ذلك لان ذلك في مشرك زنى بمشركة ثم تزوجها في الاسلام فهو حلال جائز والاسلام جب. وعن جابر من زنى بامرأة فلا يتزوجها وليجعل بينهما البحر الاخضر وان قدر ان لا ينظر إليها فليفعل. وروي عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : أَيما رجل زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان إلى يوم القيامة"تفسير : وقال: "حديث : لا نكاح بعد سفاح " تفسير : وحكى بعض اجماع الفقهاء على التحريم. وفي المنهاج والدليل ايضا ان من رمى زوجته بزنى ورفع إلى الحاكم تلاعنا وتفرقا ابدا وان صدقته حرمت عليه واذا زنى بها فهو اشد حرمة واقبح فاحشة لما عرف من فجورها وعرفت منه وقال الله تبارك وتعالى: {الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيةً} إلى {المُؤْمِنِينَ} وذلك ان حدا فلا ينكحها الا محدود مثلها على زنى بغير التي تزوجها ولا لرجل نكاح مزنيته ولا التي علم منها زنى ولو حدث وانما له تزويج محدود على الزنى إذا لم يعلم هو زناها ولم يعانيه منها. قال قومنا سئل ابن مسعود عن نكاح الزاني مزنيته فقال: يجوز ان تابت وقرأ {أية : وَهُوَ الذي يقبل التوبة}تفسير : الآية. وعن علقمة انه قال:{أية : ثم ان ربك للذين عملوا السيئات}تفسير : الآية. وقيل: لسعيد بن مسيب ان ابا هريرة قال: انهما زانيان وما اجتمعا فقال كذبوا على ابي هريرة بل اوله حرام وآخره حلال إذا تابا واصلحا. وروي ذلك عن ابن جبير وقتادة وهو اختيار ابي عبيد القاسم بن سلام وابن الحسين. وزعم القوم ان عمر ضرب رجلا وامرأة في زنى وحرص ان يجمع بينهما فابى الغلام. وعن مجاهد وعطاء وقتادة والزهري والشعبي وابن عباس قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء لا مال لهم ولا عشائر وفي المدينة نساء بغيا هن خصب اهل المدينة فرغب ناس من فقراء المهاجرين في نكاحهن لينفقن عليهم فاستاذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فحرم على المسلمين ان يتزوجوا بهن. وعن عكرمة نزلت في نساء كن بمكة والمدينة لهن رايات يعرفن بها منهن ام مهزول جارية السايب ابن السايب المخزومي وكان في الجاهلية ينكح الزانية يتخذها ماكنة فاراد ناس من المسلمين نكاحهن على هذه الصفة فاستأذن رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح ام مهزول واشترطت ان تنفق عليه فنزلت الآية وكان مرثد بن مرثد يحمل الاسارى من مكة وكانت بمكة بغي يقال لها عناق. وكانت صديقة له في الجاهلية لما اتى مكة دعته لنفسها قال ان الله حرم الزنا قالت فانكحني فقال حتى اسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتاه فقال انكح عناق يا رسول الله فلم يجبه فنزلت {الزاني لا ينكح} الآية ودعاه وقرأها عليه فقال لا تنكحها وقدم الزاني هنا لان الغرض ذكر النكاح والرجل اصل فيه لانه الراغب والخاطب ومنه يبدأ الطلب والنكاح العقد وانت خبير ان الآية اما خبر محض ان عادتهم جارية على عدم رغبة الزاني في العفيفة وعدم رغبة الزانية في العفيف وان على المؤمن ان لا يدخل نفسه تحت هذه العادة واما نفي بمعنى النهي وهو بالغ من قراءة النهي وهي قراءة عمرو بن عبيد كما انه رحمك الله ويرحمك ابلغ من ليرحمك بلام الجزم. وقرئ (وحرم) بالبناء للفاعل. وعن ابن عباس انه يجوز للزاني نكاح مزنيته وشبهه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراها. ومثله عن الضحاك بن مزاحم ومذهب اصحابنا في المرأة انها اذا زنت فلا تحرم على زوجها إذا خفي عليه ذلك وتمنعه إذا اراد وطأها حتى تستبرئ فان وطئها وغلبها على نفسها فواسع لها ذلك وان علم بزناها أو صح عنده حرمت عليه. وعن مجاهد لو اصاب معها عشرة لم تحرم عليه (وزان) فاعل ينكح تقدر الضمة على الياء المحذوفة لالتقائها ساكنة مع التنوين. ذكر ابن هشام ان بعض التلاميذ رأى ان (زان) مخفوض فاشكل عليه عطف مشرك بالرفع.

اطفيش

تفسير : {الزانى لا ينكحُ} لا يتزوج {إلاَّ زانيةً} مثله زنى بها غيره لا هو {أو مُشركةً} أسوأ منه، ولو غير كتابية {والزَّانية لا ينكحُها} لا يتزوجها {إلاَّ زانٍ } بغيرها مثلها، وقيل لا يطؤها لأنها خبيثة، فهو لا يتزوجها ولا يطؤها، وهو صحيح إلا انه يقتضى أن الزانية لا يزنى بها إلا زان، والزانى لا يزنى إلا بزانية {أو مُشرك} أسوأ منها. ومعنى المَسْألتين أن اللائق ذلك بالمناسبة فالعفيف من الرجال أو النساء يتحرج عن نكاح غير العفيف، وإن وقع تزوج من عفّ بغيره له، يفرق بينهما، وجاز إن تاب من لم يعفّ، وذلك كقولك: السلطان لا يكذب.شعر : أيها المنكح الثريا سهيلا عمرك الله كيف يلتقيان هى شامية إذا ما استقلت وسهيل إذا استقل يمانى تفسير : ويقال فى الأمثال: وافق شن طبقة، وليس المراد جواز كل ذلك شرعاً، فإن المشرك لا يتزوج المسلمة إجماعاً، ولو كتابياً، والسورة مدنية، وقد نسخ قبل الهجرة جواز تزوج المسلمة بالمشرك مطلقاً، والموحد لا يتزوج المشركة غير الكتابية، إجماعاً. {وحُرِّم ذلك} أى الزنى {على المؤمنينَ} وغيرهم، وخصوا بالذكر لشرفهم، ولأنهم المتفقون بالشرع أو الاشارة الى نكاح من عف بمن لم يعف، فيراد بالتحريم الكراهة الشديدة فقط، لعدم اللياقة، بالمؤمنين كاملوا الايمان. وكان مرثد يحمل الأسارى من مكة الى الدنية، فانتهى الى ظل حائط فى ليلة مقمرة لوعد أسير يحمله، فراته عناق فقالت: مرثد؟ قال: نعم، قالت وهى زانية: مرحباً وأهلا، بت عندنا، فقال: إن الله حرم الزنى، فصاحت يا أهل الخيام، هذا حامل أسراكم، فهرب وتبعه ثمانية، ودخل غاراً ولم يروه، ورجعوا ورجع الى الرجل فحمله وقال: يا رسول الله، أتزوج عناقاً، ولم يجبه حتى نزل: {الزانى لا ينكح} الآية، والمناسبة المذكورة، كما أنها شرعية لئلا يفسد من لم يعف منهما على من عفّ عقلية، إلا انها غير لازمة، وكم خبيث يتحرج جداً عن تزوج الخبيثة وبالعكس. وقيل: إن تزوج المسلمة بالكافر باق على الجواز بعد الهجرة الى سنة ست منها، وفى سنة ست نزل التحريم، كما قال ابن حجر، وصح أنه صلى الله عليه وسلم زوج بنته زينب رضى الله عنها لأبى العاصى ابن الربيع قبل البعثة وهو كافر، وهاجرت ونزلت الآية، فهاجروا وأسلم، فأبقاهما صلى الله عليه وسلم على النكاح الأول. ونكاح الزانية إن لم تظهر التوبة محرم الى الآن، وإن زنى أحد الزوجين فسد نكاحهما، وقيل: لا إلا أنه يأثم الآخر بالبقاء معه، وذكر بعض أن الزنى عيب، فان ظهر به ولو كان قبل العقد فلها البقاء أو الفراق، وفى الحديث: "حديث : لا ينكح الزانى المجلود إلا مثله"تفسير : وفسر به الحسن الآية مقيداً لها بالمجلودية وأتى على بزان مجلده وفرق بينه وبين زوجه وقال: لا تتزوج إلا مجلودة مثلك، وانظر لم لم يرجمه فلعله عبد أوله شبهة فعافاه عن الرجم الى الجلد. وعن ابن مسعود، والبراء بن عازب: أنه من زنى بامرأة لا تحل له أبداً، وسئلت عائشة عن رجل زنى بامرأة ثم تزوجها فكرهت ذلك، وروى أنه سئل بن عباس عنه فقال لا بأس، أوله سفاح وآخره نكاح، والنكاح مباح، فلا يحرمه السفاح، وقال: هو كمن أكل من نخلة صباحاً واشتراها مساء. وفى بعض الكتب: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن زنى بامرأة ثم تزوجها؟ فقال: "حديث : أوله سفاح وآخره نكاح"تفسير : وعن سعيد ابن جبير، والضحاك فى قوله تعالى: {الزانى لا ينكح إلاَّ زانية أو مشركة} أن الزانى لا يزنى إلا بزانية مثله، وهو رواية عن ابن عباس، وقيل: الآية منسوخة، لأن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن امرأتى لا ترد يد لامست؟ فقال "حديث : طلقها"تفسير : قال: إنى أحبها قال: "حديث : أمسكها"تفسير : وهو حديث ضعيف السند، وسئل بعض الصحابة عن رجل تزوج مزنيته، قال: هذا شر من الأول، وقد حرم بعض نكاح الزانية على من لم تزن به، وعلى من زنت به ولو تابت، والصحيح جوازه لمن لم تزن به إن تابت، واحتج من حرمها بقوله عز وجل: "أية : وأحل لكم ما وراء ذلكم"تفسير : الى قوله: "أية : مسافحين"تفسير : أى زانين، فنكاح المسافحة باطل.

الالوسي

تفسير : {ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً } تقبيح لأمر الزاني أشد تقبيح ببيان أنه بعد أن رضي بالزنا لا يليق به أن ينكح العفيفة المؤمنة فبينهما كما بين سهيل والثريا فترى هذه شامية إذا ما استقلت وترى ذاك إذا ما استقل يمانياً وإنما يليق به أن ينكح زانية هي في ذلك طبقه ليوافق ـ كما قيل ـ شن طبقه أو مشركة هي أسوأ منه حالاً وأقبح أفعالاً فلا ينكح خبر مراد منه لا يليق به أن ينكح كما تقول: السلطان لا يكذب أي لا يليق به أن يكذب نزل فيه عدم لياقة الفعل منزلة عدمه وهو كثير في الكلام، ثم المراد اللياقة وعدم اللياقة من حيث الزنا فيكون فيه من تقبيح الزنا ما فيه. ولا يشكل صحة نكاح الزاني المسلم الزانية المسلمة وكذا العفيفة المسلمة، وعدم صحة نكاحه المشركة المذكورة في الآية إذا فسرت بالوثنية بالإجماع لأن ذلك ليس من اللياقة وعدم اللياقة من حيث الزنا بل من حيثية أخرى يعلمها الشارع كما لا يخفى، وعلى هذا الطرز قوله تعالى: {وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } أي الزانية بعد أن رضيت بالزنا فولغ فيها كلب شهوة الزاني لا يليق أن ينكحها من حيث أنها كذلك إلا من هو مثلها وهو الزاني أو من هو أسوأ حالاً منها وهو المشرك، وأما المسلم العفيف فأسد غيرته يأبـى ورود جفرتها: شعر : وتجتنب الأسود ورود ماء إذا كان الكلاب يلغن فيه تفسير : ولا يشكل على هذا صحة نكاحه إياها وعدم صحة نكاح المشرك سواء فسر بالوثني أو بالكتابـي ليحتاج إلى الجواب وهو ظاهر. والإشارة في قوله سبحانه: {وَحُرّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } يحتمل أن تكون للزنا المفهوم مما تقدم والتحريم عليه على ظاهره وكذا المؤمنين، ولعل هذه الجملة وما قبلها متضمنة لتعليل ما تقدم من الأمر والنهي ولذا لم يعطف قوله سبحانه: {ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ } الخ عليه كما عطف قوله عز وجل الآتي { أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } تفسير : [النور: 4] الخ، وأمر إشعار ما تقدم بالتحريم سهل. وتخصيص المؤمنين بالتحريم عليهم على رأي من يقول: إن الكفار غير مكلفين بالفروع ظاهر، وأما على رأي من يقول بتكليفهم بها كالأصول وإن لم تصح منهم إلا بعد الإيمان فتخصيصهم بالذكر لشرفهم، ويحتمل أن تكون لنكاح الزانية وعليه فالمراد من التحريم المنع وبالمؤمنين المؤمنون الكاملون، ومعنى منعهم عن نكاح الزواني جعل نفوسهم أبية عن الميل إليه فلا يليق ذلك بهم، ولا يأبـى حمل الآية على ما قرر فيها ما روي في سبب نزولها مما أخرج أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه والبيهقي وابن المنذر وغيرهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: « حديث : كان رجل يقال له مرثد يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق وكانت صديقة له وإنه وعد رجلاً من أسارى مكة بحمله قال فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة فجاءت عناق فأبصرت سواد ظل تحت الحائط فلما انتهت إليَّ عرفتني فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد فقالت: مرحباً وأهلاً هلم فبت عندنا الليلة قلت: يا عناق حرم الله تعالى الزنا قالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم قال فتبعني ثمانية وسلكت الخندمة فانتهيت إلى غار أو كهف فدخلت فجاؤوا حتى قاموا على رأسي فطل بولهم على رأسي وعماهم الله تعالى عني ثم رجعوا ورجهت إلى صاحبـي فحملته حتى قدمت المدينة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أنكح عناق؟ فأمسك فلم يرد عليَّ شيئاً حتى نزل {ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً } الآية فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: يا مرثد {ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } فلا تنكحها ) تفسير : لأن تفريع النهي فيه عن نكاح تلك البغي مما لا شبهة في صحته على تقدير كون الآية المفرع عليها لتقبيح أمر الزاني والزانية فكأنه قيل: إذا علمت أمر الزانية وأنها بلغت في القبح إلى حيث لا يليق أن ينكحها إلا مثلها أو من هو أسوأ حالاً فلا تنكحها. نعم في هذا الخبر ما هو أوفق بجعل الإشارة فيما مر إلى نكاح الزانية ويعلم منه وجه تقديم {ٱلزَّانِى } والإخبار عن الزانية بأنه لا ينكحها إلا زان أو مشرك على خلاف ما تقتضيه المقابلة. هذا وللعلماء في هذه الآية الجليلة كلام كثير لا بأس بنقل ما تيسر منه وإبداء بعض ما قيل فيه ثم انظر فيه وفيما قدمناه واختر لنفسك ما يحلو فأقول: نقل عن الضحاك والقفال، وقال النيسابوري: إنه أحسن الوجوه في الآية أن قوله سبحانه {ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ } الخ حكم مؤسس على الغالب المعتاد جيء به لزجر المؤمنين عن نكاح الزواني بعد زجرهم عن الزنا وذلك أن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا والتقحب لا يرغب غالباً في نكاح الصوالح من النساء اللاتي على خلاف صفته وإنما يرغب في فاسقة خبيثة من شكله أو في مشركة والفاسقة الخبيثة المسافحة كذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال وينفرون عنها وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة أو المشركين، ونظير هذا الكلام لا يفعل الخير إلا تقي فإنه جار مجرى الغالب. ومعنى التحريم على المؤمنين على هذا قيل التنزيه وعبر به عنه للتغليظ، ووجه ذلك أن نكاح الزواني متضمن التشبه بالفساق والتعرض للتهمة والتسبب لسوء القالة والطعن في النسب إلى كثير من المفاسد، وقيل: التحريم على ظاهره وذلك الفعل يتضمن محرمات والحرمة ليست راجعة إلى نفسه العقد ليكون العقد باطلاً وعلى القولين الآية محكمة، ولا يخفى أن حمل الزاني والزانية على من شأنهما الزنا والتقحب لا يخلو عن بعد لأنهما فيما تقدم لم يكونا بهذا المعنى / والظاهر الموافقة، وأيضاً لا يكاد يسلم أن الغالب عدم رغبة من شأنه الزنا في نكاح العفائف ورغبته في الزواني أو المشركات فكثيراً ما شاهدنا كثيراً من الزناة يتحرون في النكاح أكثر من تحري غيرهم فلا يكاد أحدهم ينكح من في أقاربها شبهة زنا فضلاً عن أن تكون فيها وقليلاً ما سمعنا برغبة الزاني في نكاح زانية أو مشركة، وأيضاً في حمل التحريم على التنزيه نوع بعد وكذا حمله على ظاهره مع التزام أن الحرمة ليست راجعة إلى نفس العقد. وفي «البحر» روي عن ابن عمر وابن عباس وأصحابه أن الآية في قوم مخصوصين كانوا يزنون في جاهليتهم ببغايا مشهورات فلما جاء الإسلام وأسلموا لم يمكنهم الزنا فأرادوا لفقرهم زواج أولئك النسوة إذ كان من عادتهن الإنفاق على من تزوجهن فنزلت الآية لذلك، والإشارة بالزاني إلى أحد أولئك القوم أطلق عليه اسم الزنا الذي كان في الجاهلية للتوبيخ، ومعنى {لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً } لا يريد أن يتزوج إلا زانية أو مشركة أي لا تنزع نفسه إلا إلى هذه الخسائس لقلة انضباطها، والإشارة ـ بذلك ـ إلى نكاح أولئك البغايا والتحريم على ظاهره. ويريد على هذا التأويل أن الإجماع على أن الزانية لا يجوز أن يتزوجها مشرك انتهى. وأنت تعلم أن هذا لا يرد بعد حمل نفي النكاح على نفي إرادة التزوج إذ يكون المعنى حينئذ الزانية لا يريد أن يتزوجها إلا زان أو مشرك وليس في الإجماع ما يأباه، وفيه أيضاً كلام ستعلمه قريباً إن شاء الله تعالى. نعم كون {ٱلزَّانِى } إشارة إلى أحد أولئك القوم وهم من المهاجرين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين كما جاء في آثار كثيرة وقد أسلموا وتابوا من الزنا محل تردد إذ يبعد كل البعد أن يسمي الله عز وجل بالزنا صحابياً كان قد زنى قبل إسلامه ثم أسلم وتاب فخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ويطلق سبحانه عليه هذا الوصف الشنيع الذي غفره تبارك وتعالى له بمجرد أنه مال إلى نكاح زانية بسبب ما به من الفقر قبل العلم بحظر ذلك مع أنهم كانوا نادين على فراق من ينكحونهن إذا وجدوا عنهن غنى. فقد أخرج ابن أبـي حاتم عن مقاتل أنه قال: لما قدم المهاجرون المدينة قدموها وهم بجهد إلا قليل منهم والمدينة غالية السعر شديدة الجهد وفي السوق زوان متعالنات من أهل الكتاب وإماء لبعض الأنصار قد رفعت كل امرأة منهن على بابها علامة لتعرف أنها زانية وكن من أخصب أهل المدينة وأكثرهم خيراً فرغب أناس من مهاجري المسلمين فيما يكتسبن للذي فيهم من الجهد فأشار بعضهم على بعض لو تزوجنا بعض هؤلاء الزواني فنصيب من فضول ما يكتسبن فقال بعضهم: نستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوه فقالوا: يا رسول الله قد شق علينا الجهد ولا نجد ما نأكل وفي السوق بغايا نساء أهل الكتاب وولائدهن وولائد الأنصار يكتسبن لأنفسهن فيصلح لنا أن نتزوج منهن فنصيب من فضول ما يكتسبن فإذا وجدنا عنهن غنى تركناهن فأنزل الله تعالى الآية. وأيضاً اطلاق الزاني عليه بهذا المعنى لا يوافق اطلاق الزانية على إحدى صاحبات الرايات، وكذا لا يوافق إطلاق الزاني على من أطلق عليه في قوله سبحانه: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ } الخ. وقال أبو مسلم وأبو حيان وأخرجه أبو داود في «ناسخه» والبيهقي في سننه، والضياء في «المختارة» وجماعة من طريق ابن جبير عن ابن عباس أن النكاح بمعنى الوطء أي الزنا و {ذٰلِكَ } إشارة إليه، والمعنى الزاني لا يطأ في وقت زناه إلا زانية من المسلمين أو أخس منها وهي المشركة والزانية لا يطأها حين زناها إلا زان / من المسلمين أو أخس منه وهو المشرك وحرم الله تعالى الزنا على المؤمنين. وتعقب بأنه لا يعرف النكاح في كتاب الله تعالى إلا بمعنى التزويج وبأنه يؤدي إلى قولك الزاني لا يزني إلا بزانية والزانية لا تزني إلا بزان وهو غير مسلم إذ قد يزني الزاني بغير زانية يعلم أحدهما بالزنا والآخر جاهل به يظن الحل، وإذا ادعي أن ذلك خارج مخرج الغالب كان من الإخبار بالواضحات، وإن حمل النفي على النهي كان المعنى نهي الزاني عن الزنا إلا بزانية وبالعكس وهو ظاهر الفساد. وأجيب عن الأول بأن جل العلماء على أن النكاح في قوله تعالى: { أية : حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } تفسير : [البقرة: 230] بمعنى الوطء دون العقد وردوا على من فسره بالعقد وزعم أن المطلقة ثلاثاً تحل لزوجها الأول بعقد الثاني عليها دون وطء، وعن الثاني بأنه إخبار خارج مخرج الغالب أريد به تشنيع أمر الزنا ولذلك زيدت المشركة، والاعتراض بالوضوح ليش بشيء. وللفاضل سري الدين المصري كلام طويل في ذلك، وما قيل: إنه حينئذ يكون كقوله تعالى: { أية : ٱلْخَبِيثَـٰتُ لِلْخَبِيثِينَ } تفسير : [النور: 26] الخ فيحصل التكرار ستعلم إن شاء الله تعالى أنه لا يتم إلا في قول. وقيل: النكاح بمعنى التزوج والنفي بمعنى النهي وعبر به عنه للمبالغة، وأيد بقراءة عمرو بن عبيد {لاَ يَنكِحُ } بالجزم والتحريم على ظاهره. قال ابن المسيب: وكان الحكم عاماً في الزناة أن لا يتزوج أحدهم إلا زانية ثم جاءت الرخصة ونسخ ذلك بقوله تعالى: { أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ } تفسير : [النور: 32] وقوله سبحانه: { أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 3] وروي القول بالنسخ عن مجاهد، وإلى ذلك ذهب الإمام الشافعي قال في «الأم»: اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: {ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً } الخ اختلافاً متبايناً، قيل: هي عامة ولكنها نسخت؛ أخبرنا سفيان عن يحـيى عن سعيد بن المسيب أنه قال: هي منسوخة نسختها { أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ } تفسير : [النور: 32] فهي أي الزانية من أيامى المسلمين كما قال ابن المسيب إن شاء الله تعالى، ولنا دلائل من الكتاب والسنة على فساد غير هذا القول وبسط الكلام، وقد نقل هذا عن الإمام الشافعي البقاعي ثم قال: إن الشافعي لم يرد أن هذا الحكم نسخ بآية الأيامى فقط بل مع ما انضم إليها من الإجماع وغيره من الآيات والأحاديث بحيث صير ذلك دلالتها على ما تناولته متيقناً كدلالة الخاص على ما تناوله فلا يقال: إنه خالف أصله في أن الخاص لا ينسخ بالعام بل العام المتأخر محمول على الخاص لأن ما تناوله الخاص متيقن وما تناوله العام مظنون اهـ. والجبائي يزعم أن النسخ بالإجماع ولعله أراد أنه كاشف عن ناسخ وإلا فالإجماع لا يكون ناسخاً كما بين في علم الأصول، نعم في تحقق الإجماع هنا كلام. واعترض هذا الوجه بأنه يلزم عليه حل نكاح المشرك للمسلمة، وأقول: إن نكاح الكافر للمسلمة كان حلالاً قبل الهجرة وبعدها إلى سنة الست وفيها بعد الحديبية نزلت آية التحريم كما صرح بذلك العلامة ابن حجر الهيتمي وغيره، وقد صح أن النبـي صلى الله عليه وسلم زوج بنته زينب رضي الله تعالى عنها لأبـي العاص بن الربيع قبل البعثة وبعث عليه الصلاة والسلام ثم هاجر وهاجرت معه وهي في نكاح أبـي العاص ولم يكن مؤمناً إذ ذاك واستمر الأمر على ذلك إلى سنة الست فلما نزلت آية التحريم لم يلبث إلا يسيراً حتى جاء وأظهر إسلامه رضي الله تعالى عنه فردها صلى الله عليه وسلم له بنكاحه الأول. فيحتمل أن يكون النكاح المذكور حلالاً عند نزول الآية التي من فيها بأن يكون نزولها قبل سنة الست / ثم نسخ، وفي هذه السورة آيات نصوا على أن نزولها كان قبل ذلك وهي قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ جَاءوا بِٱلإفْكِ } تفسير : [النور: 11] الخ قال: إنها نزلت عام غزوة بني المصطلق وكانت سنة خمسة لليلتين خلتا من شعبان فلعل هذه الآية من هذا القبيل بل في أثر رواه ابن أبـي شيبة عن ابن جبير وذكره العراقي وابن حجر ما ظاهره أن هذه الآية مكية فإذا انضم هذا إلى ما روي عن ابن المسيب وقال به الشافعي يكون فيها نسخان لكن لم أر من نبه على ذلك، وإذا صح كان هذا الوجه أقل من الأوجه السابقة مؤنة وكأني بك لا تفضل عليه غيره. وذهب قوم إلى أن حرمة التزوج بالزانية أو من الزاني إن لم تظهر التوبة من الزنا باقية إلى الآن، وعندهم أنه إن زنى أحد الزوجين يفسد النكاح بينهما، وقال بعضهم: لا ينفسخ إلا أن الرجل يؤمر بطلاق زوجته إذا زنت فإن أمسكها أثم، وعند بعض من العلماء أن الزنا عيب من العيوب التي يثبت بها الخيار فلو تزوجت برجل فبان لها أنه ممن يعرف بالزنا ثبت لها الخيار في البقاء معه أو فراقه، وعن الحسن أن حرمة نكاح الزاني للعفيفة إنما هي فيما إذا كان مجلوداً وكذا حرمة نكاح العفيف للزانية إنما هي إذا كانت مجلودة فالمجلود عنده لا يتزوج إلا مجلودة والمجلودة لا يتزوجها إلا مجلود وهو موافق لما في بعض الأخبار. فقد أخرج أبو داود وابن المنذر وجماعة عن أبـي هريرة قال: « حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله » تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر «أن رجلاً تزوج امرأة ثم إنه زنى فأقيم عليه الحد فجاؤوا به إلى علي كرم الله تعالى وجهه ففرق بينه وبين امرأته وقال له: لا تتزوج إلا مجلودة مثلك، وعن ابن مسعود والبراء بن عازب أن من زنى بامرأة لا يجوز له أن يتزوجها أصلاً، وأبو بكر الصديق وابن عمر وابن عباس وجابر وجماعة من التابعين والأئمة على خلافه. واستدل على ذلك بما أخرجه الطبراني والدارقطني من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: « حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل زنى بامرأة وأراد أن يتزوجها فقال: الحرام لا يحرم الحلال » تفسير : هذا ومن أضعف ما قيل في الآية: إنه يجوز أن يكون معناها ما في الحديث من أن من زنى تزني امرأته ومن زنت يزنى زوجها فتأمل جميع ذاك والله عز وجل يتولى هداك. وقرأ أبو البرهسم {وَحرم } بالبناء للفاعل وهو الله تعالى، وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {وحرم } بفتح الحرم وضم الراء.

ابن عاشور

تفسير : هذه الآية نزلت مستقلة بأولها ونهايتها كما يأتي قريباً في ذكر سبب نزولها، سواء كان نزولها قبل الآيات التي افتتحت بها السورة أم كان نزولها بعد تلك الآيات. فهذه الجملة ابتدائية. ومناسبة موقعها بعد الجملة التي قبلها واضحة. وقد أعضل معناها فتطلب المفسرون وجوها من التأويل وبعض الوجوه ينحل إلى متعدد. وسبب نزول هذه الآية ما رواه أبو داود وما رواه الترمذي وصححه وحسنه: «أنه كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد (الغنوي من المسلمين) كان يخرج من المدينة إلى مكة يحمل الأسرى فيأتي بهم إلى المدينة. وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها: عناق. وكانت خليلة له، وأنه كان وعد رجلاً من أسارى مكة ليحمله. قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة. قال: فجاءت عناق فقالت: مرثد؟ قلت: مرثد. قالت: مرحباً وأهلاً هلم فبت عندنا الليلة. قال فقلت: حرم الله الزنى. فقالت عناق: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم، فتبعني ثمانية (من المشركين).. إلى أن قال: ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي فحملته ففككت عنه كبله حتى قدمت المدينة فأتيت رسول الله فقلت: يا رسول الله أنكح عناق؟ فأمسك رسول الله فلم يرد عليَّ شيئاً حتى نزلت {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} فقال رسول الله: يا مرثد لا تنكحها». فتبيّن أن هذه الآية نزلت جواباً عن سؤال مرثد بن أبي مرثد هل يتزوج عناق. ومثار ما يشكل ويعضل من معناها: أن النكاح هنا عقد التزوج كما جزم به المحققون من المفسرين مثل الزجاج والزمخشري وغيرهما. وأنا أرى لفظ النكاح لم يوضع ولم يستعمل إلا في عقد الزواج وما انبثق زعم أنه يطلق على الوطء إلا من تفسير بعض المفسرين قوله تعالى: { أية : فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره } تفسير : [البقرة: 230] بناء على اتفاق الفقهاء على أن مجرد العقد على المرأة بزوج لا يحلها لمن بَتَّها إلا إذا دخل بها الزوج الثاني. وفيه بحث طويل، ليس هذا محله. وأنه لا تردد في أن هذه الآية نزلت بعد تحريم الزنى إذ كان تحريم الزنى من أول ما شرع من الأحكام في الإسلام كما في الآيات الكثيرة النازلة بمكة، وحسبك أن الأعشى عدّ تحريم الزنى في عداد ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من التشريع إذ قال في قصيدته لما جاء مكة بنية الإسلام ومدح النبي صلى الله عليه وسلم فصده أبو جهل فانصرف إلى اليمامة ومات هناك قال: شعر : أجدَّك لم تسمع وصاة محمد نبيءِ الإله حين أوصى وأشهدا تفسير : إلى أن قال.... شعر : ولا تقربنّ جارة إنّ سرها عليك حرام فانكحن أو تأبدا تفسير : وقد ذكرنا ذلك في تفسير سورة الإسراء. وأنه يلوح في بادىء النظر من ظاهر الآية أن صدرها إلى قوله أو {مشرك} إخبارٌ عن حال تزوج امرأة زانية وأنه ليس لتشريع حكم النكاح بين الزناة المسلمين، ولا نكاح بين المشركين. فإذا كان إخباراً لم يستقم معنى الآية إذ الزاني قد ينكح الحصينة والمشرك قد ينكح الحصينة وهو الأكثر فلا يستقيم لقوله تعالى: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} معنى، وأيضاً الزانية قد ينكحها المسلم العفيف لرغبة في جمالها أو لينقذها من عهر الزنى وما هو بزان ولا مشرك فلا يستقيم معنى لقوله: {والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} وإننا لو تنازلنا وقبلنا أن تكون لتشريع حكم فالإشكال أقوى إذ لا معنى لتشريع حكم نكاح الزاني والزانية والمشرك والمشركة فتعين تأويل الآية بما يفيد معنى معتبراً. والوجه في تأويلها: أن مجموع الآية مقصود منه التشريع دون الإخبار لأن الله تعالى قال في آخرها {وحرم ذلك على المؤمنين}. ولأنها نزلت جواباً عن سؤال مرثد تزويجه عناق وهي زانية ومشركة ومرثد مسلم تقي. غير أن صدر الآية ليس هو المقصود بالتشريع بل هو تمهيد لآخرها مشير إلى تعليل ما شُرع في آخرها، وفيه ما يفسر مرجع اسم الإشارة الواقع في قوله: {وحرم ذلك}. وأن حكمها عام لمرثد وغيره من المسلمين بحق عموم لفظ {المؤمنين}. وينبني على هذا التأصيل أن قوله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} تمهيد للحكم المقصود الذي في قوله: {وحرم ذلك على المؤمنين} وأنه مسوق مساق الإخبار دون التشريع فيتعين أن المراد من لفظ {الزاني} المعنى الإسمي لاسم الفاعل وهو معنى التلبس بمصدره دون معنى الحدوث؛ إذ يجب أن لا يُغفل عن كون اسم الفاعل له شائبتان: شائبة كونه مشتقاً من المصدر فهو بذلك بمنزلة الفعل المضارع، فضارب يشبه يضرب في إفادة حصول الحدث من فاعل، وشائبةُ دلالته على ذات متلبسة بحدث فهو بتلك الشائبة يقْوى فيه جانب الأسماء الدالة على الذوات. وحمله في هذه الآية على المعنى الإسمي تقتضيه قرينة السياق إذ لا يفهم أن يكون المعنى أن الذي يحدث الزنى لا يتزوج إلا زانية لانتفاء جدوى تشريع منع حالة من حالات النكاح عن الذي أتى زنى. وهذا على عكس محمل قوله: { أية : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } تفسير : [النور: 2] فإنه بالمعنى الوصفي، أي التلبس بإحداث الزنى حسبما حملناه على ذلك آنفاً بقرينة سياق ترتب الجلد على الوصف إذ الجلد عقوبة إنما تترتب على إحداث جريمة توجبها. فتمحض أن يكون المراد من قوله: {الزاني لا ينكح إلا زانية} إلخ: مَن كان الزنى دأباً له قبل الإسلام وتخلق به ثم أسلم وأراد تزوج امرأة ملازمة للزنى مثل البغايا ومتخذات الأخدان (ولا يكن إلا غير مسلمات لا محالة) فنهى الله المسلمين عن تزوج مثلها بقوله {وحرم ذلك على المؤمنين}. وقدم له ما يفيد تشويهه بأنه لا يلائم حال المسلم وإنما هو شأن أهل الزنى، أي غير المؤمنين، لأن المؤمن لا يكون الزنى له دأباً، ولو صدر منه لكان على سبيل الفلتة كما وقع لماعز بن مالك. فقوله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} تمهيد وليس بتشريع، لأن الزاني ــــ بمعنى مَن الزنى له عادة ــــ لا يكون مؤمناً فلا تشرع له أحكام الإسلام. وهذا من قبيل قوله تعالى: { أية : الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات } تفسير : [النور: 26] وهذا يتضمن أن المسلم إذا تزوج زانية فقد وضع نفسه في صف الزناة، أي المشركين. وعطف قوله: {أو مشركة} على {زانية} لزيادة التفظيع فإن الزانية غير المسلمة قد تكون غير مشركة مثل زواني اليهود والنصارى وبغاياهما. وكذلك عطف {أو مشرك} على {إلا زان} لظهور أن المقام ليس بصدد التشريع للمشركات والمشركين أحكام التزوج بينهم إذ ليسوا بمخاطبين بفروع الشريعة. فتمحض من هذا أن المؤمن الصالح لا يتزوج الزانية. ذلك لأن الدربة على الزنى يتكون بها خلق يناسب أحوال الزناة من الرجال والنساء فلا يرغب في معاشرة الزانية إلا من تروق له أخلاق أمثالها، وقد كان المسلمون أيامئذ قريبي عهد بشرك وجاهلية فكان من مهم سياسة الشريعة للمسلمين التباعد بهم عن كل ما يستروح منه أن يذكرهم بما كانوا يألفونه قصد أن تصير أخلاق الإسلام ملكات فيهم فأراد الله أن يبعدهم عما قد يجدد فيهم أخلاقاً أوْشَكُوا أن ينسوها. فموقع هذه الآية موقع المقصود من الكلام بعد المقدمة ولذلك جاءت مستأنفة كما تقع النتائج بعد أدلتها، وقدم قبلها حكم عقوبة الزنى لإفادة حكمه وما يقتضيه ذلك من تشنيع فعله. فلذلك فالمراد بالزاني: مَن وصْف الزنى عادته. وفي «تفسير القرطبي» عن عمرو بن العاص ومجاهد: أن هذه الآية خاصة في رجل من المسلمين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح امرأة يقال لها: أم مهزول، وكانت من بغايا الزانيات وشرطت له أن تنفق عليه (ولعل أم مهزول كنية عناق ولعل القصة واحدة) إذ لم يرو غيرها. قال الخطابي: هذا خاص بهذه المرأة إذ كانت كافرة فأما الزانية المسلمة فإن العقد عليها لا يفسخ. وابتدىء في هذه الآية بذكر الزاني قبل ذكر الزانية على عكس ما تقدم في قوله { أية : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } تفسير : [النور: 2] فإن وجه تقديم الزانية في الآية السابقة هو ما عرفته، فأما هنا فإن سبب نزول هذه الآية كان رغبة رجل في تزوج امرأة تعودت الزنى فكان المقام مقتضياً الاهتمام بما يترتب على هذا السؤال من مذمة الرجل الذي يتزوج مثل تلك المرأة. وجملة {وحرم ذلك على المؤمنين} تكميل للمقصود من الجملتين قبلها، وهو تصريح بما أريد من تفظيع نكاح الزانية وببيان الحكم الشرعي في القضية. والإشارة بقوله: {ذلك} إلى المعنى الذي تضمنته الجملتان من قبل وهو نكاح الزانية، أي وحرم نكاح الزانية على المؤمنين، فلذلك عطفت جملة {وحرم ذلك على المؤمنين} لأنها أفادت تكميلاً لما قبلها وشأن التكميل أن يكون بطريق العطف. ومن العلماء من حمل الآية على ظاهرها من التحريم وقالوا: هذا حكم منسوخ نسختها الآية بعدها { أية : وأنكحوا الأيامي منكم } تفسير : [النور: 32] فدخلت الزانية في الأيامى، أي بعد أن استقر الإسلام وذهب الخوف على المسلمين من أن تعاودهم أخلاق أهل الجاهلية. وروي هذا عن سعيد بن المسيب وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عمر، وبه أخذ مالك وأبو حنيفة والشافعي، ولم يؤثر أن أحداً تزوج زانية فيما بين نزول هذه الآية ونزول ناسخها، ولا أنه فسخ نكاح مسلم امرأة زانية. ومقتضى التحريم الفساد وهو يقتضي الفسخ. وقال الخطابي: هذا خاص بهذه المرأة إذ كانت كافرة فأما الزانية المسلمة فإن العقد عليها لا يفسخ. ومنهم من رأى حكمها مستمراً. ونسب الفخر القول باستمرار حكم التحريم إلى أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعائشة رضي الله عنهم ونسبه غيره إلى التابعين ولم يأخذ به فقهاء الأمصار من بعد.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا مراراً من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، ويكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول، ذكرنا هذا في ترجمة الكتاب وذكرنا فيما مضى من الكتاب أمثلة كثيرة لذلك، ومن أمثلة ذلك هذه الآية الكريمة. وإيضاح ذلك: أن العلماء اختلفوا في المراد بالنكاح في هذه الآية، فقال جماعة: المراد بالنكاح في هذه الآية: الوطء الذي هو نفس الزنى، وقالت جماعة أخرى من أهل العلم: إن المراد بالنكاح في هذه الآية هو عقد النكاح. قالوا فلا يجوز لعفيف أن يتزوج زانية كعكسه، وهذا القول الذي هو أن المراد بالنكاح في الآية: التزويج لا الوطء في نفس الآية قرينة تدل على عدم صحته، وتلك القرينة هي ذكر المشرك والمشركة في الآية، لأن الزاني المسلم لا يحل له نكاح مشركة لقوله تعالى {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} تفسير : [البقرة: 221] وقوله تعالى {أية : لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} تفسير : [الممتحنة: 10] وقوله تعالى {أية : وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} تفسير : [الممتحنة: 10]، وكذلك الزانية المسلمة لا يحل لها نكاح المشرك لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ} تفسير : [البقرة: 221] فنكاح المشركة والمشرك لا يحل بحال. وذلك قرينة على أن المراد بالنكاح في الآية التي نحن بصددها الوطء؛ الذي هو الزنى؛ لا عقد النكاح، لعدم ملاءمة عقد النكاح لذكر المشرك والمشركة، والقول بأن نكاح الزاني للمشركة والزانية للمشرك، منسوخ ظاهر السقوط، لأن سورة النور مدنية؛ ولا دليل على أن ذلك أحل بالمدينة، ثم نسخ. والنسخ لا بد له من دليل يجب الرجوع إليه. مسألة تتعلق بهذه الآية الكريمة اعلم أن العلماء اختلفوا في جواز نكاح العفيف الزانية؛ ونكاح العفيفة الزاني، فذهب جماعة من أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة إلى جواز نكاح الزانية مع الكراهة التنزيهية عند مالك وأصحابه؛ ومن وافقهم؛ واحتج أهل هذا القول بأدلة: منها: عموم قوله تعالى {أية : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} تفسير : [النساء: 24] وهو شامل بعمومه الزانية والعفيفة وعموم قوله تعالى {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} تفسير : [النور: 32] الآية؛ وهو شامل بعمومه الزانية أيضاً والعفيفة. ومن أدلتهم على ذلك: حديث ابن عباس رضي الله عنهما "حديث : أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي لا تردّ يد لامس: قال:غربها. قال أخاف أن تتبعها نفسي؟ قال: فاستمتع بها"تفسير : ؛ قال ابن حجر في بلوغ المرام في هذا الحديث بعد أن ساقه باللفظ الذي ذكرنا: رواه أبو داود، والترمذي، والبزار ورجاله ثقات، وأخرجه النسائي من وجه آخر، عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ قال "طلقها، قال لا أصبر عنها قال: فامسكها" اهـ من بلوغ المرام، وفيه تصريح ابن حجر بأن رجاله ثقات، وبه تعلم أن ذكر ابن الجوزي لهذا الحديث في الموضوعات فيه نظر؛ وقد ذكره في الموضوعات مرسلاً عن أبي الزبير قال: "أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي". الحديث؛ ورواه أيضاً مرسلاً عن عبيد بن عمير، وحسان بن عطية كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: وقد حمله أبو بكر الخلال على الفجور؛ ولا يجوز هذا؛ وإنما يحمل على تفريطها في المال لو صح الحديث. قال أحمد بن حنبل: "هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس له أصل. انتهى من موضوعات ابن الجوزي، وكثرة اختلاف العلماء في تصحيح الحديث المذكور وتضعيفه معروفة". وقال الشوكاني في نيل الأوطار: ولا ريب أن العرب تكنى بمثل هذه العبارة، عن عدم العفة عن الزنى، يعني بالعبارة المذكورة قول الرجل: إن امرأتي لا تردّ يد لامس. اهـ. وما قاله الشوكاني وغيره هو الظاهر لأن لفظ: لا تردّ يد لامس، أظهر في عدم الامتناع ممن أراد منها ما لا يحل كما لا يخفى فحمله على تفريطها في المال غير ظاهر، لأن إطلاق لفظ اللامس على أخذ المال، ليس بظاهر كما ترى. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الحديث المذكور في المرأة التي ظهر عدم عفتها، وهي تحت زوج. وكلامنا الآن في ابتداء النكاح لا في الدوام عليه وبين المسألتين فرق كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى. ثم اعلم أن الذين قالوا بجواز تزويج الزانية والزاني أجابوا عن الاستدلال بالآية التي نحن بصددها، وهي قوله تعالى {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} الآية من وجهين. الأول: أن المراد بالنكاح في الآية هو الوطء الذي هو الزنى بعينه، قالوا: والمراد بالآية تقبيح الزنى وشدة التنفير منه، لأن الزاني لا يطاوعه في زناه من النساء إلا التي هي في غاية الخسة لكونها مشركة لا ترى حرمة الزنى أو زانية فاجرة خبيثة. وعلى هذا القول فالإشارة في قوله تعالى {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِين} راجعة إلى الوطء الذي هو الزنى، أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منه كعكسه، وعلى هذا القول فلا إشكال في ذكر المشركة والمشرك. الوجه الثاني: هو قولهم: إن المراد بالنكاح في الآية التزويج، إلا أن هذه الآية التي هي قوله تعالى {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} الآية منسوخة بقوله تعالى {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} تفسير : [النور: 32] الآية، وممن ذهب إلى نسخها بها: سعيد بن المسيب، والشافعي. وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه: هذا خبر من الله تعالى بأن الزاني، لا يطأ إلا زانية، أو مشركة: أي لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية أو مشركة لا ترى حرمة ذلك، وكذلك الزانية لا ينكحها إلا زان: أي عاص بزناه، أو مشرك لا يعتقد تحريمه. قال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} قال: "ليس هذا بالنكاح إنما هو الجماع لا يزني بها، إلا زان أو مشرك"، وهذا إسناد صحيح عنه، من غير وجه أيضاً، وقد روي عن مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، والضحاك، ومكحول، ومقاتل بن حيان، وغير واحد نحو ذلك. انتهى محل الغرض منه بلفظه. فتراه صدر بأن المراد بالنكاح في الآية: الجماع، لا التزويج. وذكر صحته عن ابن عباس الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم الله أن يعلمه تأويل القرآن. وعزاه لمن ذكر معه من أجلاء المفسرين، وابن عباس رضي الله عنهما من أعلم الصحابة بتفسير القرآن العظيم، ولا شك في علمه باللغة العربية. فقوله في هذه الآية الكريمة بأن النكاح فيها هو الجماع لا العقد يدل على أن ذلك جار على الأسلوب العربي الفصيح. فدعوى أن هذا التفسير لا يصح في العربية، وأنه قبيح، يرده قول الجبر ابن عباس كما ترى. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: وقد روي عن ابن عباس، وأصحابه أن النكاح في هذه الآية: الوطء. واعلم أن إنكار الزجاج لهذا القول في هذه الآية، أعني القول بأن النكاح فيها الجماع. وقوله: إن النكاح لا يعرف في القرآن، إلا بمعنى التزويج مردود من وجهين: الأول: أن القرآن جاء فيه النكاح بمعنى الوطء، وذلك في قوله تعالى: {أية : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} تفسير : [البقرة: 230] وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر قوله: حتى تنكح زوجاً غيره، بأن معنى نكاحها له مجامعته لها حيث قال: "حديث : لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" تفسير : ومراده بذوق العسيلة: الجماع، كما هو معلوم. الوجه الثاني: أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، يطلقون النكاح على الوطء، والتحقيق: أن النكاح في لغتهم الوطء. قال الجوهري في صحاحه: النكاح الوطء، وقد يكون العقد اهـ. وإنما سموا عقد التزويج نكاحاً، لأنه سبب النكاح أي الوطء، وإطلاق المسبب، وإرادة سببه معروف في القرآن، وفي كلام العرب، وهو مما يسميه القائلون بالمجاز، المجاز المرسل كما هو معلوم عندهم في محله، من إطلاق العرب النكاح على الوطء قول الفرزدق: شعر : وذات حليل أنكحتها رماحنا حلال لمن يبني بها لم تطلق تفسير : لأن الإنكاح في البيت ليس المراد به: عقد التزويج، إذ لا يعقد على المسيبات، وإنما المراد به الوطء بملك اليمين والسبي مع الكفر. ومنه قوله أيضاً: شعر : وبنت كريم قد نكحنا ولم يكن لها خاطب إلا السنان وعامله تفسير : فالمراد بالنكاح في هذا البيت هو الوطء بملك اليمين، لا العقد كما صرح بذلك بقوله: ولم يكن لها خاطب إلا السنان وعامله. وقوله: شعر : إذا سقى الله قوماً صوب غاديه فلا سقى الله أهل الكوفة المطرا التاركين على طهر نساءهم والناكحين بشطى دجلة البقرا تفسير : ومعلوم أن نكاح البقر ليس معناه التزويج. قالوا: ومما يدل على أن النكاح في الآية غير التزويج، أنه لو كان معنى النكاح فيها التزويج لو وجب حد المتزوج بزانية، لأنه زان، والزاني يجب حده. وقد أجمع العلماء على أن من تزوج زانية لا يحد حد الزنى، ولو كان زانياً لحد حد الزنى فافهم، هذا هو حاصل حجج من قالوا إن النكاح في الآية الوطء، وأن تزويج العفيف الزانية ليس بحرام كعكسه. وقالت جماعة أخرى من أهل العلم: لا يجوز التزويج الزاني لعفيفة ولا عكسه وهو مذهب الإمام أحمد، وقد روي عن الحسن وقتادة، واستدل أهل هذا القول بآيات وأحاديث. فمن الآيات التي استدلوا بها هذه الآية التي نحن بصددها، وهي قوله تعالى: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} قالوا: المراد بالنكاح في هذه الآية: التزويج، وقد نص الله على تحريمه في قوله {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} قالوا: والإشارة بقوله. ذلك راجعة إلى تزويج الزاني بغير الزانية أو المشركة وهو نص قرآني في تحريم نكاح الزاني لعفيفة كعكسه. تفسير : ومن الآيات التي استدلوا بها قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ} تفسير : [المائدة: 5] قالوا: فقوله {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} أي أعِفاء غير زناة. ويفهم من مفهوم مخالفة الآية: أنه لا يجوز نكاح المسافح الذي هو الزاني لمحصنة مؤمنة، ولا محصنة عفيفة من أهل الكتاب، وقوله تعالى {أية : فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} تفسير : [النساء: 25]. فقوله: {أية : مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} تفسير : [النساء: 25] أي عفائف غير زانيات، ويفهم من مفهوم مخالفة الآية، أنهن لو كن مسافحات غير محصنات لما جاز تزوجهن. ومن أدلة أهل هذا القول أن جميع الأحاديث الواردة في سبب نزول آية {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} الآية كلها في عقد النكاح وليس واحد منها في الوطء، والمقرر في الأصول أن صورة سبب النّزول قطعية الدخول. وأنّه قد جاء في السّنّة ما يؤيد صحّة ما قالوا في الآية، من أنّ النكاح فيها التّزويج، وأنّ الزاني لا يتزّوج إلا زانية مثله، فقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله" تفسير : وقال ابن حجر في بلوغ المرام في حديث أبي هريرة هذا: رواه أحمد، وأبو داود ورجاله ثقات. وأما الأحاديث الواردة في سبب نزول الآية: فمنها: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلاً من المسلمين استاذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة يقال لها أم مهزول، كانت تسافح، وتشترط له أن تنفق عليه قال: فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم أو ذكر له أمرها فقرأ عليه نبي الله: {وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} رواه أحمد. وقال الشوكاني في نيل الأوطار في شرحه لهذا الحديث: وقد عزاه صاحب المنتقى لأحمد وحده، وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه أيضاً الطبراني في الكبير والأوسط. قال في مجمع الزوائد: ورجال أحمد ثقات. ومنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى بمكة، وكانت بمكة بغي يقال لها عناق، وكانت صديقته، قال: فجئت النبي صلى الله عليه وسلم. فقلت: يا رسول الله أنكح عناقاً قال: فسكت عني فنزلت {وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} فدعاني فقرأها عليّ، وقال: حديث : لا تنكحها. تفسير : رواه أبو داود، والنسائي والترمذي. قال الشوكاني في نيل الأوطار في كلامه على حديث عمرو بن شعيب هذا الذي ذكره صاحب المنتقى، وعزاه لأبي داود والنسائي والترمذي وحديث عمرو بن شعيب حسنه الترمذي وساق ابن كثير في تفسير هذه الآية الأحاديث التي ذكرنا بأسانيدها وقال في حديث عمرو بن شعيب هذا. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد رواه أبو داود، والنسائي في كتاب النكاح من سننهما من حديث عبيد الله بن الأخنس به. قالوا: فهذه الأحاديث وأمثالها تدل على أن النكاح في قوله {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} أنه التّزويج لا الوطء، وصورة النزول قطعية الدخول، كما تقرر في الأصول قالوا: وعلى أن المراد به التزويج، فتحريم نكاح الزانية والزاني منصوص في قوله تعالى: {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}. وقال ابن القيم في زاد المعاد، ما نصه: وأما نكاح الزانية فقد صرّح الله سبحانه وتعالى بتحريمه في سورة النور، وأخبر أنّ من نكحها فهو إمّا زان أو مشرك، فإنه إمّا أن يلتزم حكمه سبحانه، ويعتقد وجوبه عليه أو لا، فإن لم يلتزمه، ولم يعتقده فهو مشرك، وإن التزمه واعتقد وجوبه، وخالفه فهو زان، ثمّ صرّح بتحريمه فقال{وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} ولا يخفى أنّ دعوى النّسخ للآية بقوله {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} تفسير : [النور: 32] من أضعف ما يقال، وأضعف منه حمل النكاح على الزّنى. إذ يصير معنى الآية: الزّاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة، والزّانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك، وكلام الله ينبغي أن يصان عن مثل هذا، وكذلك حمل الآية على امرأة بغي مشركة في غاية البعد عن لفظها، وسياقها كيف، وهو سبحانه إنّما أباح نكاح الحرائر والإماء بشرط الإحصان، وهو العفة فقال {أية : فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} تفسير : [النساء: 25] فإنما أباح نكاحها في هذه الحالة دون غيرها، وليس هذا من دلالة المفهوم، فإن الابضاع في الأصل على التحريم، فيقتصر في إباحتها على ما ورد به الشرع، وما عداه فعلى أصل التحريم. انتهى محل الغرض من كلام ابن القيم. وهذه الأدلة التي ذكرنا هي حجج القائلين: بمنع تزويج الزاني العفيفة كعكسه، وإذا عرفت أقوال أهل العلم، وأدلتهم في مسألة نكاح الزانية والزاني فهذه مناقشة أدلتهم. أما قول ابن القيم رحمه الله: إن حمل الزنا في الآية على الوطء ينبغي أن يصان عن مثله كتاب الله، فيرده أن ابن عباس وهو هو في المعرفة باللغة العربية وبمعاني القرآن صح عنه حمل الزني في الآية على الوطء ولو كان ذلك ينبغي أن يصان عن مثله كتاب الله لصانه عنه ابن عباس، ولم يقل به ولم يخف عليه أنه ينبغي أن يصان عن مثله. وقال ابن العربي في تفسير ابن عباس للزنى في الآية بالوطء هو معنى صحيح. انتهى منه بواسطة نقل القرطبي عنه. وقول ابن القيم في كلامه هذا الذي ذكرنا عنه فإن لم يلتزمه، ولم يعقتده فهو مشرك يقال فيه: نعم هو مشرك، ولكن المشرك لا يجوز له نكاح الزانية المسلمة، وظاهر كلامك جواز ذلك، وهو ليس بجائز فيبقى إشكال ذكر المشرك والمشركة وارداً على القول بأن النكاح في الآية التزويج كما ترى. وقول ابن القيم رحمه الله في كلامه هذا: وليس هذا من باب دلالة المفهوم فإن الأبضاع في الأصل على التحريم فيقتصر في إباحتها على ما ورد به الشرع وما عداه فعلى أصل التحريم يقال فيه: إن تزويج الزانية وردت فيه نصوص عامة تقتضي جوازه كقوله تعالى: {أية : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} تفسير : [النساء: 24] وهو شامل بعمومه للزانية والعفيفة والزاني والعفيف. وقوله {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} تفسير : [النور: 32] فهو أيضاً بعمومه لجميع من ذكر، ولذا قال سعيد بن المسيب: إن آية {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ} تفسير : الآية ناسخة لقوله تعالى {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} الآية. وقال الشافعي: القول في ذلك كما قال سعيد من نسخها بها. وبما ذكرنا يتضح أن دلالة قوله {أية : مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} تفسير : [النساء: 25] على المقصود من البحث من باب دلالة المفهوم كما أوضحناه قريباً، لأن العمومات المذكورة لا يصح تخصيص عمومها إلا بدليل منطوقاً كان أو مفعوماً كما تقدم إيضاحه. وأما قول سعيد بن المسيب، والشافعي، بأن آية {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} منسوخة بقوله {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} تفسير : [النور: 32] فهو مستبعد، لأن المقرر في أصول الشافعي ومالك وأحمد هو أنه لا يصح نسخ الخاص بالعام، وأن الخاص يقضي على العام مطلقاً، سواء تقدم نزوله عنه أو تأخر، ومعلوم أن آية {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} تفسير : [النور:32] الآية أعم مطلقاً من آية {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} الآية، فالقول بنسخها لها ممنوع على المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين، وإنما يجوز ذلك على المقرر في أصول أبي حنيفة رحمه الله، كما قدمنا إيضاحه في سورة الأنعام، وقد يجاب عن قول سعيد، والشافعي بالنسخ بأنهما فهماه من قرينة في الآية، وهي أنه لم يقيد الأيامى الأحرار بالصلاح، وإنما قيد بالصلاح في أيامى العبيد والإماء، ولذا قال بعد الآية {أية : وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} تفسير : [النور: 32]. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذه الآية الكريمة من أصعب الآيات تحقيقاً، لأن حمل النكاح فيها على التزويج، لا يلائم ذكر المشركة والمشرك، وحمل النكاح فيها على الوطء لا يلائم الأحاديث الواردة المتعلقة بالآية، فإنها تعين أن المراد بالنكاح في الآية: التزويج: ولا أعلم مخرجاً واضحاً من الإشكال في هذه الآية إلا مع بعض تعسف، وهو أن أصح الأقوال عند الأصوليين كما حرره أبو العباس بن تيمية رحمه الله في رسالته في علوم القرآن، وعزاه لأجلاء علماء المذاهب الأربعة هو جواز حمل المشترك على معنييه، أو معانيه، فيجوز أن تقول: عدا اللصوص البارحة على عين زيد، وتعني بذلك أنهم عوروا عينه الباصرة وغوروا عينه الجارية. وسرقوا عينه التي هي ذهبه أو فضته. وإذا علمت ذلك فاعلم أن النكاح مشترك بين الوطء والتزويج، خلافاً لمن زعم أنه حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر كما أشرنا له سابقاً، وإذا جاز حمل المشترك على معنيه، فيحمل النكاح في الآية على الوطء، وعلى التزويج معاً، ويكون ذكر المشركة والمشرك على تفسير النكاح بالوطء دون العقد، وهذا هو نوع التعسف الذي أشرنا له، والعلم عند الله تعالى. وأكثر أهل العلم على إباحة تزويج الزانية والمانعون لذلك أقل وقد عرفت أدلة الجميع. فروع تتعلق بهذه المسألة الفرع الأول: اعلم أن من تزوج امرأة يظنها عفيفة. ثم زنت وهي في عصمته أن أظهر القولين: أن نكاحها لا يفسخ، ولا يحرم عليه الدوام على نكاحها، وقد قال بهذا بعض من منع نكاح الزانية مفرقاً بين الدوام على نكاحها، وبين ابتدائه. واستدل من قال هذا بحديث عمرو بن الأحوص الجشمي رضي الله عنه، أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله، وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال: "حديث : استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً ". تفسير : قال الشوكاني في حديث عمرو بن الأحوص هذا: أخرجه ابن ماجه والترمذي وصححه، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة عمرو بن الأحوص المذكور، وحديثه في الخطبة صحيح اهـ. وحديثه في الخطبة هو هذا الحديث بدليل قوله. فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ، وهذا التذكير والوعظ هو الخطبة كما هو معروف. ومن الأدلة على هذا الحديث المتقدم قريباً الذي فيه: أن الرجل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن امرأتي لا تردّ يد لامس فقال: "حديث : طلقها فقال: نفسي تتبعها فقال أمسكها" تفسير : وبينا الكلام في سنده، وأنه في الدوام على النكاح لا في ابتداء النكاح، وأن بينهما فرقاً، وبه تعلم أن قول من قال: إن من زنت زوجته، فسخ نكاحها وحرمت عليه خلاف التحقيق، والعلم عند الله تعالى. الفرع الثاني: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي، أنه لا يجوز نكاح المرأة الحامل من الزنا قبل وضع حملها بل لا يجوز نكاحها، حتى تضع حملها. خلافاً لجماعة من أهل العلم قالوا: يجوز نكاحها وهي حامل، وهو مروي عن الشافعي وغيره، وهو مذهب أبي حنيفة، لأن نكاح الرجل امرأة حاملاً من غيره فيه سقي الزرع بماء الغير، وهو لا يجوز ويدل لذلك قوله تعالى {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 4] ولا يخرج من عموم هذه الآية إلا ما أخرجه دليل يجب الرجوع إليه، فلا يجوز نكاح حامل حتى ينتهي أجل عدتها، وقد صرح الله بأن الحوامل أجلهن أن يضعن حملهن، فيجب استصحاب هذا العموم، ولا يخرج منه إلا ما أخرجه دليل من كتاب أو سنة. الفرع الثالث: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي أن الزانية والزاني إن تابا من الزنا وندما على ما كان منهما ونويا أن لا يعودا إلى الذنب، فإن نكاحهما جائز، فيجوز له أن ينكحها بعد توبتهما، ويجوز نكاح غيرهما لهما بعد التوبة، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ويدل لهذا قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [الفرقان: 68 -70] فقد صرح جل وعلا في هذه الآية أن الذين يزنون ومن ذكر معهم إن تابوا وآمنوا، وعملوا عملاً صالحاً يبدل الله سيئاتهم حسنات، وهو يدل على أن التوبة من الزنا، تذهب أثره. فالذين قالوا: إن من زنا بامرأة لا تحل مطلقاً، ولو تابا وأصلحا فقولهم خلاف التحقيق، وقد وردت آثار عن الصحابة بجواز تزويجه بمن زنى بها إن تابا، وضرب له بعض الصحابة مثلاً برجل سرق شيئاً من بستان رجل آخر، ثم بعد ذلك اشترى البستان فالذي سرقه منه حرام عليه، والذي اشتراه منه حلال له، فكذلك مانال من المرأة حراماً فهو حرام عليه، وما نال منها بعد التوبة والتزويج حلال له، والعلم عند الله تعالى. واعلم أن قول من رد الاستدلال بآية {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ} تفسير : [الفرقان: 68] الآية. قائلاً: إنها نزلت في الكفار لا في المسلمين يرد قوله: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما أوضحنا أدلته من السنة الصحيحة مراراً. والعلم عند الله تعالى. الفرع الرابع: اعلم أن الذين قالوا بجواز نكاح العفيف الزنية، لا يلزم من قولهم أن يكون زوج الزانية العفيف ديوثاً، لأنه إنما يتزوجها ليحفظها، ويحرسها. ويمنعها من ارتكاب ما لا ينبغي منعاً باتاً بان يراقبها دائماً، وإذا خرج ترك الأبواب مقفلة دونها، وأوصى بها من يحرسها بعده فهو يستمتع بها. مع شدة الغيرة والمحافظة عليها من الريبة، وإن جرى منها شئ لا علم له به مع اجتهاده في صيانتها وحفظها فلا شئ عليه فيه، ولا يكون به ديوثاً كما هو معلوم، وقد علمت مما مر أن أكثر أهل العلم على جواز نكاح العفيف الزانية كعكسه، وأن جماعة قالوا بمنع ذلك. والأظهر لنا في هذه المسألة أن المسلم لا ينبغي له أن يتزوج إلا عفيفة صينة. للآيات التي ذكرنا والأحاديث ويؤيده حديث "حديث : فاظفر بذات الدين تربت يداك" تفسير : والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 3- الخبيث الذى من دأبه الزنا، لا يرغب إلا فى نكاح خبيثة عرفت الزنا أو الشرك، والخبيثة التى من دأبها الزنا لا يرغب فى نكاحها إلا خبيث عرف بالزنا أو الشرك. ولا يليق هذا النكاح بالمؤمنين لما فيه من التشبه بالفسق. والتعرض للتهم. 4- والذين يتهمون العفيفات النزيهات بالزنا، ثم لم يأتوا بأربعة شهود يثبتون صدق الاتهام، فعاقبوهم بالضرب ثمانين جلدة وبعدم قبول شهادتهم على أى شئ كان مدى الحياة، فهؤلاء هم الجديرون باسم الخارجين خروجاً شنيعاً على حدود الدين. 5- لكن من تاب منهم فندم على هذه المعصية، وعزم على الطاعة وظهر صدق توبته بصدق سلوكه، فإن الله يتجاوز عن عقابه.

د. أسعد حومد

تفسير : (3) - الزَّانِي لا يَطَأَُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً، وَلاَ يُطَاوِعُهُ فِي فِعْلِ الزِّنَى إِلاَّ زَانِيَةٌ عَاصِيَةٌ، أًَوْ مُشْرِكَةٌ لاَ تَعْتَقِدُ حُرْمَةَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الزَّانِيَةُ لاَ يَطَؤُهَا وَلاَ يَنْكِحُهَا إِلاَّ عَاصٍ بِزِنَاهُ، أَوْ مُشْرِكٌ لا يَعْتَقِدُ بِتَحْرِيمِ الزِّنى. (وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ هَذَا بالنِّكَاحِ إِنَّمَا هُوَ الجمَاعِ، لاَ يَزْنِِي بِها إِلاَّ زَانٍ أو مُشْرِكٌ). وَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ تَعَاطِي الزِّنَى، والتَّزَوُّجَ بِالبَغَايَا، أَوْ تَزْوِيجَ العَفَائِفِ مِنَ النِّسَاءِ بالفُجَّارِ الزُّنَاةِ مِنَ الرِّجَالِ، إِلاَّ إِذَا حَدَثَتْ تَوْبَةٌ. فَإِنَّهُ يُسْمَحُ لِلتَّائِب مِنَ الزِّنى بالزَّوَاجِ مِنَ الحَرَائِرِ العَفِيفَاتِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ..} [النور: 3] لأن الزواج يقوم على التكافؤ، حتى لا يستعلي أحد الزوجين على الآخر، والزاني فيه خِسَّة، فلا يليق به إلا خسيسة مثله يعني: زانية، أو أخس وهي المشركة؛ لأن الشرك أخسُّ من الزنا، لأن الزنا مخالفة أمر توجيهي من الله، أمّا الشرك فهو كفر بالله؛ لذلك فالمشركة أخبث من الزانية. وما نقوله في زواج الزاني نقوله في زواج الزانية {وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ..} [النور: 3]. وهنا يعترض البعض: كيف إنْ كانت الزانية مسلمة: أينكحها مشرك؟ قالوا: التقابل هنا غرضه التهويل والتفظيع فقط لا الإباحة؛ لأن المسلمة لا يجوز أن تتزوج مشركاً أبداً، فالآية توبيخ لها: يا خسيسة، لا يليق بك إلا خسيس مثلك أو أخسّ. وأرى أن النص محتمل لانفكاك الجهة؛ لأن التي زنتْ تدور بين أمرين: إما أنها أقبلتْ على الزنا وهي تعلم أنه مُحرَّم، فتكون عاصية باقية على إسلامها، أو أنها ردَّت حكم الزنا واعترضت عليه فتكون مشركة، وفي هذه الحالة يستقيم لنا فهم الآية. ثم يقول تعالى: {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3] فهذا سبب طُهْر الأنسال أن يُحرِّم الله تعالى الزنا، فيأتي الخليفة طاهر النسل والعنصر، محضوناً بأب وأم، مضموماً بدفء العائلة، لا يتحملون عليه نسمة الهواء؛ لأنه جاء من وعاء طيب طاهر نظيف. ثم يقول الحق سبحانه: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} معناه لا يَزني إلاَّ بِزانيةٍ. تفسير : وقوله تعالى: {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} يعني الزِّنا.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 710 : 4 : 1 - حدثنا سفين عن سلمة بن كهيل عن مجاهد قال، نزلت هذه الآية {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} قال، نزلت في نساء معلومات بالمدينة، كان يقال لهن بغيات أو لقيات. الشك من أبي جعفر. نزلت فيهن خاصة. [الآية 3]. 711 : 5 : 10 - سفين عن حماد عن سعيد بن جبير عن بن عباس في قوله {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} قال، ليس هو بالنكاح الحلال، ولكن الجماع.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {[وَ]ٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [3] 379 - أنا عمرو بنُ عليٍّ، نا المُعتمرُ بن سليمان، عن أبيه، عن الحضرميِّ، عن القاسم بن مُحمدٍ، عن عبد اللهِ بن عمرو، قال: كانت امرأةٌ يُقالُ لها أُمُّ مهزولٍ، وكانت بجيادٍ وكانت تُسافحُ، فأراد رجلٌ من أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يتزوجَهَا، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: {[وَ]ٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ/ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}.

همام الصنعاني

تفسير : 2001- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وقاله الزهري وقتادة قالوا: كانوا في الجاهلية بغايا (معلوم) ذلك مِنْهُن فأرَادَ ناسٌ مِنَ (المسلمين) نِكَاحَهُنَّ، فأنزل الله تعالى: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}: [الآية: 3]. 2002- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال ابن أبي نجيح، أخبرني القاسم بن أبي بزة، قال: كان الرجل ينكح الزانية في الجاهليَّة التي قد علم ذلك مِنْهَا يتخذها مأكله، فأراد ناسٌ من المُسْلِمينَ نكاحَهُنَّ عَلَى تلْكَ الجهة، فنهُوا عن ذَلِك. 2004- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن عبد الله بن شبرمة، عن سعيد بن جبير، وعكرمة في قوله تعالىك {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً}: [الآية: 3]، قَال: هُوَ الْوَاطءُ، يعني: لا يزني الزاني إلاَّ بزانية. 2005- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوريّ، عن حبيب بن أبي عَمْرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عَبَّاسٍ، في قوله تعالى: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً}: [الآية: 3]، قالَ: ليس هذا بالنكاح، ولكنه الجماع، ألاّ يزني حين يزني إلا زان أو مشرك، يقول: الزاني لا يزني إلا بزانينة.